← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

الفاء حرف عطف وحق فعل ماض وعقاب فاعله مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمراعاة الفواصل. (وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لتقرير عقاب كفار مكة بعد بيان عقاب من سبقوهم في الغواية. وما نافية وينظر فعل مضارع أي ينتظر وهؤلاء اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل وإلا أداة حصر وصيحة مفعول به وواحدة صفة لها وما نافية حجازية أو تميمية ولها خبر مقدم ومن حرف جر زائد وفواق اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه اسم ما أو مبتدأ مؤخر. البلاغة: في قوله «ذو الأوتاد» استعارة تصريحية أي ذو الملك الثابت الموطّد وأصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده، قال الرفادة الأودي: البيت لا يبتني إلا على عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد يقول: لا ينال الأمر إلا بتوفر أسبابه، شبه توقف الأمر على أسبابه وتوقف أسبابه بتوقف على أسبابه بتوقف ضرب الخيمة على انتصاب الأعمدة وتوقف انتصابها على اثبات الأوتاد المشدودة بالحبال وبعده: فإن تجمع أسباب وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا

стр. 4447

ثم قال: فإن اجتمعت الحبال المشدودة بالأوتاد الثابتة وانتصبت الأعمدة ووجد الساكن بلغ مراده وهو بمعنى الجمع فصح جمع ضميره ومعنى كادوا عالجوا يقال كاده كيدا أي عالجه علاجا والمعنى بلغوا الأمر الذي كادوه أي عالجوه لتحصيله. وقال الأسود ابن يعفر: ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد جرت الرياح على مقر ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير الى بلى ونفاد يقول: لا أتمنى بعدهم شيئا من الدنيا. ومحرق هو امرؤ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي والإياد في الأصل تراب يجمع حول الحوض والبيت يحفظه من المطر والسيول من الأيد أي القوة أو هو ما أيد به الشيء مطلقا والكنف والجبل الحصين وإياد الجيش جناحاه أي ميمنته وميسرته والأيّد: القوي، وإياد هنا علم على ابن نزار ابن معد بن عدنان فهو أخو مضر وربيعة وأراد به في البيت القبيلة وروي وآل إياد عطفا على آل محرق وغني بالمكان كرضي: أقام به والبلى: الانمحاق، والنفاد: الفناء يقول: تركوا منازلهم وهي جملة مستأنفة لبيان نفي التأميل أو اعتراضية بين المتعاطفين وجملة: جرت الرياح مستأنفة مسوقة لبيان حال القبيلتين يقول: تفانوا فجرت الرياح على محل ديارهم وجريان الرياح على مقر الديار لانهدام الجدران التي كانت تمنع الرياح وذلك كناية عن موتهم وأشار الى أن فتاءهم كان سريعا كأنه دفعة واحدة بقوله: فكأنهم كانوا على ميعاد واحد ولقد

стр. 4448

أقاموا ردحا من الزمن بأرغد عيش وشبه الملك الذي به عزهم وصولتهم بخيمة مضروبة عليهم والظل ترشيح والأوتاد تخييل وإذا فجائية أي فظهر بغتة أن كل نعيم لا محال زائل. هذا وقيل لا استعارة في الآية وأن فرعون كان يتد لكل من يغضب عليه أربعة أوتاد يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه حتى يموت والأول أولى وأبلغ. [سورة ص (٣٨) : الآيات ١٦ الى ٢٠] وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) اللغة: (قِطَّنا) : نصيبنا وحظنا من العذاب وأصله من قطّ الشيء أي قطعه ومنه قط القلم قالوا ذلك استهزاء أي عجل لنا قطعة مما وعدتنا به ويطلق على الصحيفة والصك قط لأنهما قطعتان وقيل للجائزة قط لأنها قطعة من العطية ويجمع على قطوط مثل حمل وحمول وعلى قططة مثل قرد وقردة وقرود وفي القلة على أقططة مثل قدح وأقدحة وأقداح وفي القاموس: «القط: القطع عامة أو عرضا أو قطع شيء صلب كالحقة كالاقتطاط والقصير الجعد من الشعر كالقطط محركة

стр. 4449

وقد قطط كفرح وقد قطّ يقط كيمل قططا محركة وقطاطة، والقطّاط: الخراط صانع الحقق» إلى أن يقول: «والقط بالكسر النصيب والصك وكتاب المحاسبة وجمعه قطوط والسنور وجمعه قطاط وقططه والساعة من الليل» وقال أبو عبيدة والكسائي: القط: الكتاب بالجوائز، وقال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق الإعراب: (وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ) كلام مستأنف مسوق لسرد أنماط من تمحلهم واستهزائهم بعد أن نزل قوله تعالى: «فأما من أوتي كتابه بيمينه» الآية وقالوا فعل وفاعل وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وعجّل لنا فعل أمر ولنا متعلقان به وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت وقطنا مفعول به وقبل يوم الحساب ظرف متعلق بعجل أيضا أو بمحذوف حال. (اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) اصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى ما يقولون متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة والعائد محذوف أي يقولونه واذكر عطف على اصبر أي تأس بقصة داود ومنّ نفسك عن إهمال أمر مصابرتهم وتحمل أذاهم لئلا يستهدف لما استهدف له وعبدنا مفعول به وداود بدل وذا الأيد نعت لداود أي صاحب القوة وقد تقدم شرح الأيد وجملة إنه أواب تعليل لكونه من أصحاب الأيد أي راجع الى مرضاة الله وان واسمها وخبرها. (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) إن واسمها وجملة سخرنا الجبال من الفعل والفاعل والمفعول خبر إنا وجملة

стр. 4450

يسبحن حالية من الجبال وسيأتي سر العدول عن مسبحات إلى يسبحن في باب البلاغة وبالعشي متعلقان بيسبحن والإشراق عطف على بالعشي أي غدوة وعشية وسيأتي حديث ابن عباس عن العشي والإشراق في باب البلاغة أيضا. (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) والطير عطف على الجبال أو مفعول به لفعل محذوف دل عليه ما قبله أي وسخرنا الطير ومحشورة حال أي مجموعة تسبح له وكل مبتدأ وساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم أي كل من الجبال والطير وله جار ومجرور متعلقان بأواب وأواب خبر كل أي رجاع مبالغة آئب أي راجع له بالتسبيح. (وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) وشددنا ملكه فعل وفاعل ومفعول به أي قويناه بالجنود والحرس وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والحكمة مفعول به ثان وفصل الخطاب عطف على الحكمة وسيأتي معنى فصل الخطاب في باب البلاغة. البلاغة: انطوت في هذه الآيات فنون متعددة تبهر السامعين وإليك التفصيل. ١- العدول عن الاسمية الى الفعلية: في قوله «يسبحن» عدول عن الاسم الى الفعل، والنكتة فيه الدلالة على التجدد والحدوث شيئا بعد شيء وحالا بعد حال وكأن السامع حاضر تلك الحال يسمع تسبيحها ومثله قول الأعشى: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء باليفاع تحرق ولو قال محرقة لم يكن له ذلك الوقع.

стр. 4451

٢- الطباق: وفي قوله «بالعشي والإشراق» طباق بديع بين صلاة العشاء وصلاة الضحى، وروي عن ابن عباس انه قال: كنت أمرّ بهذه الآية: بالعشي والإشراق ولا أدري ما هي حتى حدثتني أم هانىء أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق، وعن طاوس عن ابن عباس أيضا: قال هل تجدون ذكر الضحى في القرآن؟ قالوا: لا، فقرأ: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق، وعنه أيضا: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. ٣- معنى فصل الخطاب: الفصل التمييز بين الشيئين وقيل للكلام المبين فصل بمعنى المفعول وأصله: انهم يقولون كلام ملتبس، وفي كلامه لبس والملتبس المختلط الذي لا يبين لتداخله أو معاظلته فقيل في نقيضه كلام فصل أي مفصول بعضه عن بعض وملخصه أن لا يخطىء مظان الوصل والفصل فلا يقف في كلمة الشهادة على المستثنى منه ولا يتلو قوله «ويل للمصلين» إلا موصولا بما بعده ولا «والله يعلم وأنتم» حتى يصله بقوله: «لا تعلمون» ونحو ذلك وكذلك مظان العطف وتركه والإضمار والإظهار والذكر والحذف والتكرار وغير ذلك من الفنون التي مرّ بك معظمها في هذا الكتاب ويجوز أن يكون الفصل بمعنى الفاعل أي الفاصل بين الحق والباطل وبين الصحيح والفاسد وبين السمين والغث.

стр. 4452

[سورة ص (٣٨) : الآيات ٢١ الى ٢٥] وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) اللغة: (تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) : قصدوا سوره ونزلوا من أعلاه والسور الحائط المرتفع والمحراب سبق تفسيره والخصم: المخاصم والمنازع وقد يقع للاثنين والجمع والمؤنث فيقال هما خصم وهم خصم وهي خصم لأنه مصدر في أصله وقد تقدم له نظير وهو ضيف في قوله: «حديث ضيف ابراهيم المكرمين» . (وَلا تُشْطِطْ) ولا تجر وهو بضم التاء وسكون الشين وكسر الطاء الأولى من اشطط يشطط أشطاطا إذا تجاوز الحد، قال أبو عبيدة:

стр. 4453

شططت في الحكم وأشططت فيه إذا جرت فهو مما اتفق فيه فعل وأفعل. (سَواءِ الصِّراطِ) : وسط الطريق الصواب ومحجته. (أَكْفِلْنِيها) : اجعلني كافلها والمراد ملكنيها وفي المختار: «كفل عنه بالمال لغريمه وأكفله المال ضممنه إياه وكفله إياه بالتخفيف فكفل هو من باب نصر ودخل وكفله إياه تكفيلا مثله» . (وَعَزَّنِي) : وغلبني في الجدال وأتى بحجاج لا أقدر على رده وفي المختار «وعز عليه غلبه وبابه رد وفي المثل «من عزيز» أي من غلب سلب والاسم العزة وهي القوة والغلبة وعزه في الخطاب وعازّه أي غلبه» وقال مجنون ليلى: قطاة عزها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح وقبله: كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح شبه قلبه حين سمع برحيلها بحمامة أمسك الشرك جناحها في كثرة الخفقان. (الْخُلَطاءِ) : الشركاء الذين خلطوا أموالهم الواحد خليط. هذا وقد أوردت معاجم اللغة للخليط عدة معان منها المخالط والمشارك والقوم الذين أمرهم واحد والزوج والجار والصاحب وخليط الرجل مخالطه كالجليس المجالس.

стр. 4454

الإعراب: (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) كلام مستأنف مسوق لإيراد قصة داود، وهل حرف استفهام معناه التعجب والتشويق الى استماع ما يرد بعده كما تقول لمن تخاطبه: هل تعلم ما وقع اليوم ثم تذكر له ما وقع، وأتاك نبأ الخصم فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وإذ ظرف لمضاف محذوف أي نبأ تخاصم الخصم إذ تسوروا وعبارة الزمخشري: «فإن قلت بم انتصب إذ؟ قلت لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك أو بالنبإ أو بمحذوف، فلا يسوغ انتصابه بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود ولا بالنبإ لأن إتيان النبأ واقع في عهد داود فلا يصح إتيانه رسول الله ﷺ وإن أردت بالنبإ القصة في نفسها لم يكن ناصبا فبقي أن يكون منصوبا بمحذوف وتقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل» وجملة تسوروا مضاف إليها الظرف وتسوروا فعل ماض وفاعل والمحراب مفعول به. (إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ) إذ بدل من إذا الأولى وجملة دخلوا في محل جر بإضافة الظرف إليها وعلى داود متعلقان بدخلوا والفاء عاطفة وفزع فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ومنهم متعلقان بفزع. (قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على سؤال نشأ من حكاية فزعه كأنه قيل فماذا قالوا لما شاهدوا أمارات الفزع مرتسمة على وجهه فقال قالوا. ولا ناهية وتخف فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت وخصمان خبر لمبتدأ محذوف أي نحن خصمان وجملة بغى صفة لخصمان وبعضنا فاعل

стр. 4455

وعلى بعض متعلقان ببغى. (فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ) الفاء الفصيحة واحكم فعل أمر وفاعله مستتر وبيننا ظرف متعلق باحكم وبالحق حال أو متعلقان باحكم أيضا ولا تشطط عطف على احكم واهد فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت ونا مفعول به والى سواء الصراط متعلقان باهدنا. (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ) إن واسمها وأخي بدل من هذا أو خبر إن وله خبر مقدم وتسع مبتدأ مؤخر والجملة خبر إن أو خبر ثان وتسعون عطف على تسع ونعجة تمييز ولي خبر مقدم ونعجة مبتدأ مؤخر وواحدة نعت وسيأتي حديث الكناية بالنعجة في باب البلاغة. (فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) الفاء عاطفة وقال فعل ماض وجملة أكفلنيها من الفعل والفاعل المستتر والمفعولين مقول القول وعزني عطف على فقال وفي الخطاب متعلقان بعزني. (قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) اللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وظلمك فعل وفاعل مستتر والكاف مفعول به وبسؤال جار ومجرور متعلقان بظلمك ونعجتك مضاف اليه من إضافة المصدر الى مفعوله والفاعل محذوف أي بأن سألك نعجتك والى نعاجه متعلقان بمحذوف تقديره ليضمها. (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ) الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية وإن واسمها ومن الخلطاء نعت لكثيرا واللام المزحلقة ويبغي بعضهم فعل مضارع وفاعل وعلى بعض متعلقان بيبغي. (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ) إلا أداة استثناء والذين مستثنى متصل وجملة آمنوا صلة وعملوا عطف على آمنوا والصالحات مفعول به والواو حالية وقليل خبر مقدم وما زائدة لتأكيد القلة وهم مبتدأ مؤخر.

стр. 4456

(وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ) عطف على محذوف أي قال الملكان قضى الرجل على نفسه فتنبه. وظن داود فعل وفاعل وانما كافة ومكفوفة وهي مع مدخولها سدت مسد مفعولي وفتناه فعل ماض وفاعل ومفعول به، فاستغفر عطف على وظن وربه مفعول به وخر عطف أيضا والفاعل مستتر تقديره هو وراكعا حال وأناب عطف أيضا. (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) عطف أيضا وغفرنا فعل وفاعل وله متعلقان بغفرنا وذلك مفعول به أي ذلك الذنب، وان الواو عاطفة وأن حرف مشبه بالفعل وله خبر مقدم وعندنا ظرف متعلق بمحذوف في محل نصب على الحال واللام المزحلقة وزلفى اسم إن وحسن مآب عطف على زلفى. البلاغة: في قوله «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة» الآية كناية عن المرأة فقد كانوا يكنون عن المرأة بالنعجة والشاة في نحو قول عنترة: يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم وإنما ذكر امرأة أبيه وكان يهواها وقيل بل كانت جاريته فلذلك حرمها على نفسه وهذه الكناية تتمشى مع القول بأن القصة جارية مجرى التمثيل، وسنورد خلاصتها مع القصة الخرافية الموضوعة تحريرا للأذهان من الأساطير التي تتنافى مع طهارة الأنبياء ونزاهتهم. القصة كما يرويها المفسرون: كان أهل زمان داود يسأل بعضهم بعضا النزول له عن امرأته

стр. 4457

إذا أعجبته فيتزوجها، وقد روي مثله عن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك فوقعت عين داود على امرأة أوريا فأعجبته فسأله إيثاره بها ليتزوجها فاستحيا منه فنزل عنها فتزوجها وأولدها سليمان فقيل له مع كثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة النزول عنها وكان الأفضل قهر الهوى، وقيل خطبها أوريا ثم خطبها داود فرغب إليه أهلها فاندرج في الخاطب على خطبة أخيه. وأما ما يذكر من أن داود تمنى منزلة آبائه فقيل له أنهم ابتلوا فصبروا فسأل الابتلاء ليصبر فقيل له انك تبتلى يوم كذا فاحترس ذلك اليوم وأغلق عليه محرابه فتمثل له الشيطان في صورة حمامة ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت فتبعها فرأى امرأة جميلة قد نقضت شعرها فكتب الى أيوب بن حوريا صاحب بعث البلقاء أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت وكان المتقدم يحرم عليه الرجوع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد فقدم فسلم فأمر بتقديمه مرة أخرى وثالثة فقتل فلم يحزن عليه كما يحزن على الشهداء وتزوج امرأته المذكورة فهذه الرواية مما يقبح الحديث به عن متسم بصلاح من آحاد المسلمين فضلا عن بعض أعلام الأنبياء. وعن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: من حدثكم بقصة داود كما يرويها القصاص جلدته مائة وستين حدّ الفرية مضاعفا. وروي أن عمر بن عبد العزيز حدثه رجل بذلك بحضرة عالم محقق فكذب الحديث وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله فالتماس خلافها فرية وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترا لنبيه فما ينبغي لك إظهار ما ستره الله فقال عمر بن عبد العزيز: استماعي الى هذا الكلام أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس.

стр. 4458

قال الزمخشري: والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله أن قصته ليست إلا طلبه الى زوج المرأة أن ينزل له عنها فقط ثم نبه الزمخشري على مجيء الإنكار على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح وذلك أن التعريض داع الى التأمل والتنبيه الى وجه الخطأ مع ما فيه من اجتناب المجاهرة في الإنكار والتوبيخ وألقاه بطريق التمثيل ليستقبح ذلك من غيره فيجعله مقياسا لاستقباح ذلك من نفسه مع البقاء على الحشمة كما أوصى بذلك في سياسة الوالد لولده إذا حصلت منه هنة منكرة قال: وجاء ذلك على وجه التحاكم ليحكم بقوله لقد ظلمك فتقوم الحجة عليه محكمة. وقال: وقوله وهل أتاك جاء على وجه الاستفهام تنبيها على أن هذه القصة قصة عجيبة من حقها أن تشيع ولا تخفى على أحد وتشويقا الى سماعها أيضا. وقال في الخطاب يحتمل أن يكون من المخاطبة ومعناه أتاني بما لم أقدر على ردّه من الجدال ويحتمل أن يكون من الخطبة مفاعلة أي خطبت فخطب على خطبتي فغلبني والمفاعلة لأن الخطبة صدرت عنهما جميعا. وقال في ذكر النعاج إنها تمثيل فكان تحاكمهم تمثيلا وكلامهم أيضا تمثيلا لأنه أبلغ لما تقدم وللتنبيه على أن هذا أمر يستحيا من التصريح وأنه مما يكنى عنه لسماجة الإفصاح به وللستر على داود ﵇ ووجه التمثيل فيه أن مثلت قصة أوريا برجل له نعجة ولخليطه تسع وتسعون فأراد أن يتمها مائة بالنعجة المذكورة فإن قلت طريقة التمثيل إنما تستعمل على جعل الخطاب من الخطابة فإن كان من الخطبة فما وجهه؟ قال الوجه حينئذ أن تجعل النعجة استعارة للمرأة

стр. 4459

كما استعاروا لها الشاة في قوله: يا شاة ما قنص لمن حلت له ... البيت ... قال: والفرق بين التمثيل والاستعارة انه على التمثيل يكون الذي سبق الى فهم داود ﵇ أن التحاكم على ظاهره وهو التخاصم في النعاج التي هي البهائم ثم انتقل بواسطة التنبيه الى فهم انه تمثيل لحاله وعلى الاستعارة يكون فهم عنهما التحاكم في النساء المعبر عنهن بالنعاج كناية ثم استشعر أنه المراد بذلك. قلت: ونقل بعضهم أن هذه القصة لم تكن من الملائكة وليست تمثيلا وإنما كانت من البشر إما خليطين في الغنم حقيقة وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من المهائر والسراري والثاني معسر وما له إلا امرأة واحدة فاستنزله عنها وفزع داود وخوفه أن يكونا مغتالين لأنهما دخلا عليه في غير وقت القضاء وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر ونسبه الى الظلم قبل مسألته. قلت: إنما قصد هذا القائل بما قال تنزيه داود عن ذنب يبعثه عليه شهوة النساء فأخذ الآية على ظاهرها وصرف الذنب الى العجلة في نسبة الظلم الى المدعى عليه لأن الباعث على ذلك في الغالب إنما هو التهاب الغضب وكراهيته أخف مما يكون عليه الباعث عليه الشهوة والهوى ولعل هذا القائل يؤكد رأيه في الآية بقوله تعالى عقبها وصية لداود ﵇: «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى» فما جرت العناية بتوصيته فيما يتعلق بالأحكام إلا والذي صدر منه أولا وبان منه من قبيل ما وقع له في الحكم بين الناس. وعبارة أبي حيان: «والظاهر ابقاء لفظ النعجة على حقيقتها من كونها أنثى الضأن ولا يكنى بها عن المرأة ولا ضرورة تدعو الى ذلك

стр. 4460

لأن ذلك الإخبار كان صادرا من الملائكة على سبيل التصوير للمسألة فمثلوا بقصة رجل له نعجة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة الماء فطمع في نعجة خليطه وأراد انتزاعها منه وحاجّه في ذلك محاجّة حريص على بلوغ مراده ويدل على ذلك قوله: وان كثيرا من الخلطاء، وهذا التصوير والتمثيل أبلغ في المقصود وأدل على المراد» الى أن يقول: «وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة طرحناه ونحن كما قال الشاعر: ونؤثر حكم العقل في كل شبهة ... إذا آثر الاخبار جلاس قصاص [سورة ص (٣٨) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)

стр. 4461

الإعراب: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لحكاية ما خوطب به داود بعد ما تقدم، ولك أن تقدر قولا محذوفا معطوفا على قوله غفرنا أو حال من فاعل غفرنا أي وقلنا أو قائلين، ويا حرف نداء وداود منادى مفرد علم مبني على الضم وإن واسمها وجملة جعلناك خبرها وجعلناك فعل ماض وفاعل ومفعول به أول وخليفة مفعول جعلنا الثاني وفي الأرض نعت لخليفة. (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) الفاء الفصيحة واحكم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وبين الناس متعلقان بقوله فاحكم وبالحق حال. (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتتبع فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت والهوى مفعول به والفاء هي فاء السببية لوقوعها في جواب النهي ويضلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الهوى والكاف مفعول به وعن سبيل الله متعلقان بيضلك ولا مانع من جعل الفاء عاطفة ويضلك معطوف على تتبع. (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) الجملة تعليلية للنهي عن اتباع الهوى وان واسمها وجملة يضلون صلة الذين وعن سبيل الله متعلقان بيضلون ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر إن وشديد نعت لعذاب والباء حرف جر وما مصدرية مؤولة مع بعدها بمصدر مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال أي بسبب نسيانهم ويوم الحساب مفعول به لنسوا أو ظرف لقوله لهم عذاب شديد أو صفة ثانية له أي لهم عذاب شديد كائن في يوم القيامة بسبب نسيانهم.

стр. 4462

(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا) كلام مستأنف مسوق لتقرير مضمون ما تقدم من أمر البعث والحساب والجزاء. وما نافية وخلقنا فعل وفاعل والسماء مفعول به والأرض عطف على السماء وما بينهما عطف أيضا والظرف متعلق بمحذوف صلة ما وباطلا نعت لمصدر محذوف أي خلقا باطلا ويجوز أن يكون حالا من فاعل خلقنا أي مبطلين أو ذوي باطل. (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) ذلك اسم الاشارة مبتدأ أي خلقها باطلا وظن خبره والذين مضاف اليه وجملة كفروا صلة، فويل: الفاء عاطفة لترتيب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل، وويل مبتدأ وللذين كفروا خبره وجملة كفروا صلة ومن النار صفة لويل. وفي وضع الموصول موضع ضمير هم اشعار بأنهم استحقوا النار بكفرهم. (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ) أم عاطفة منقطعة وفيها معنى الاستفهام الإنكاري ونجعل فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن والذين آمنوا مفعول نجعل الأول وآمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا والكاف اسم بمعنى مثل في محل نصب مفعول به ثان لنجعل وفي الأرض متعلقان بالمفسدين. (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) عطف على ما تقدم وفي الإنكار إبطال لما يدعونه من أن الجزاء غير وارد لأنه لو صح كلامهم لاستوت عند الله حال من أصلح أو أفسد ومن اتقى أو فجر. (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) كتاب خبر لمبتدأ محذوف أي هذا كتاب وجملة أنزلناه صفة وإليك جار

стр. 4463

ومجرور متعلقان بأنزلناه ومبارك نعت ثان ومنعه بعضهم بحجة أن النعت غير الصريح لا يتقدم على النعت الصريح فهو عندهم خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف، وقرىء مباركا بالنصب على الحال اللازمة، وليدبروا اللام لام التعليل ويدبروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بأنزلناه وآياته مفعول به أي ليتفكروا فيها وليذكر عطف على ليدبروا وأولوا الألباب فاعل. [سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٠ الى ٤٠] وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)

стр. 4464

اللغة: (الصَّافِناتُ) : جمع صافنة وهي القائمة على ثلاث وإقامة الأخرى على طرف الحافر من رجل أو يد وفي المختار: «الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم وقد أقام الرابعة على طرف الحافر وقد صفن الفرس من باب جلس والصافن من الناس الذي يصف قدميه وجمعه صفون» وعبارة الزمخشري «الصفون لا يكاد يكون في الهجن وإنما هو في العراب الخلّص وقيل وصفها بالصفون والجودة ليجمع ما بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها» . (الْجِيادُ) جمع جواد وهو السابق وقيل جمع جيد، وفي أدب الكاتب لابن قتيبة «ويقال للفرس عتيق وجواد وكريم ويقال للبرذون والبغل والحمار فاره والسوابق من الخيل أولها السابق ثم المصلي وذلك لأن رأسه عند صلا السابق ثم الثالث والرابع كذلك الى التاسع والعاشر السّكيت ويقال أيضا السّكّيت مشددا فما جاء بعد ذلك لم يعتد به والفسكل الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل» هذا ما أورده ابن قتيبة وقد سموا الثالث المتلى لأنه يتلى الثاني وسموا الرابع التالي وسموا الخامس المرتاح وسموا السادس العاطف وسموا السابع المؤمل وسموا الثامن الحظي وسموا التاسع اللطيم. (مَسْحاً) : المسح: القطع وفي المختار «ومسحه بالسيف قطعه» (بِالسُّوقِ) : جمع ساق ومن غريب أمر الساق أن له العديد من المعاني فأولها وهو المراد هنا أنه ما بين الكعب والركبة مؤنث وجمعه

стр. 4465

سوق وسيقان وأسوق وساق الشجرة جذعها، ومن معانيه ساق الحمام والغراب نباتان وساق حر ذكر القماري ويقال كشف الأمر عن ساقه أي اشتدّ وعظم وقامت الحرب على ساق أي اشتدت وولدت المرأة ثلاثة بنين على ساق واحدة أي بعضهم في إثر بعض لا جارية بينهم والحديث في هذه المادة يطول فنحيل القارئ الى المعاجم. (رُخاءً) : لينة طيبة لا تزعزع. (أَصابَ) : أراد وقصد وفي الكشاف «حكى الأصمعي عن العرب: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب. وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا ورجعا ويقال أصاب الله بك خيرا» وفي الأساس: «وأصاب الله تعالى بك خيرا: أراده رخاء حيث أصاب» . (الْأَصْفادِ) : الأغلال وفي القاموس «صفده يصفده من باب ضرب يصفده: شده وأوثقه كأصفده وصفّده والصفد محركة العطاء والوثاق وبلا لام بلد بالشام وككتاب ما يوثق به الأسير من قد أو قيد والأصفاد: القيود» فلا معنى لقول بعض المفسرين ردا على الجلال الذي فسر الأصفاد بالقيود إذ قال ذلك المفسر: «من المعلوم أن القيد يكون في الرجل فلا يلتئم هذا التفسير مع قوله يجمع أيديهم إلخ فلو فسر الأصفاد بالأغلال لكان أوضح» . وفي المختار: «صفده شده وأوثقه من باب ضرب وكذا صفده تصفيدا والصفد بفتحتين والصفاد بالكسر ما يوثق به الأسير من قد وقيد وغل والأصفاد القيود واحدها صفد» .

стр. 4466

الإعراب: (وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبسط قصة سليمان بعد أن بسط قصة داود ووهبنا فعل ماض وفاعل ولداود متعلقان بوهبنا وسليمان مفعول ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والعبد فاعله والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ذكره أي هو وإنه أواب إن واسمها وخبرها والجملة تعليل للمدح علل كونه ممدوحا بكونه أوابا رجاعا إليه بالتوبة أو مسبحا مؤوبا للتسبيح مرجعا له لأن كل مؤوب أواب. (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ) إذ: يجوز أن يكون ظرفا لأواب وأن يكون العامل فيه نعم وأن يكون منصوبا بمقدر أي اذكر يا محمد وقت وقوع هذه القصة وجملة عرض في محل جر بإضافة الظرف إليها وعليه متعلقان بعرض وبالعشي متعلقان بمحذوف حال أي كائنا في ذلك الوقت والصافنات نائب فاعل والجياد نعت والأولى أن يكون المفعول محذوفا أي الخيل والصافنات الجياد صفتين للخيل والظاهر أن العرض قد استهواه، وخيل إليه أنه يستطيع الاعتماد على هذه الخيل المطهمة في جهاده العدو إرضاء لربه فشغله حينا من الوقت عن ذكر الله تعالى وكان به لهجا. (فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) الفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعله مستتر وان واسمها وجملة أحببت خبرها وأحببت ليست جارية على معناها الأصيل وإنما هي متضمنة معنى فعل يتعدى بعن بمعنى آثرت وحب الخير مفعول به لذلك الفعل أو مفعول مطلق وقيل مفعول من أجله وعبارة السمين: حب الخير فيه

стр. 4467

أوجه أحدها أنه مفعول أحببت لأنه بمعنى آثرت و «عن» على هذا بمعنى «على» والثاني أن حب مصدر على حذف الزوائد والناصب له أحببت والثالث أنه مصدر تشتهي أي حبا مثل حب الخير والرابع أنه ضمن معنى أنبت فلذلك تعدى بعن والخامس أن أحببت بمعنى لزمت والسادس أن أحببت من أحب البعير إذا سقط وبرك من الاعياء والمعنى قعدت عن ذكر ربي فيكون حب الخير على هذا مفعولا من أجله وعن ذكر ربي متعلقان بأحببت والإضافة من إضافة المصدر الى المفعول أي عن أن أذكر ربي أو الى الفاعل أي عن أن يذكرني ربي وسيأتي المزيد من بحث هذه الآية في باب البلاغة، وحتى حرف غاية وجر وتوارت فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هي أي الشمس وقيل الخيل وبالحجاب متعلقان بتوارت. (رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) ردوها فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول قول محذوف أي قال ردوها وعلي متعلقان بردوها فطفق عطف على محذوف أي فردوها وطفق فعل ماض من أفعال الشروع وهي تعمل عمل كان واسمها ضمير مستتر تقديره هو ومسحا مفعول مطلق لفعل محذوف أي يمسح مسحا والجملة خبر طفق وبالسوق متعلقان بمسحا والأعناق عطف على بالسوق وسيأتي قول للامام فخر الدين الرازي طريف جدا خالف فيه جمهرة المفسرين وهو جدير بالاعتبار فانظره في باب الفوائد. (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل وسليمان مفعول به وألقينا عطف على فتنا وعلى كرسيه جار ومجرور متعلقان بألقينا وجسدا مفعول به ثم أناب عطف أيضا ولكنه بعد تراخ وسيأتي القول في فتنة سليمان ومناقشتها. (قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ

стр. 4468

لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) رب منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة وهب فعل أمر للدعاء ولي متعلقان به وملكا مفعول به وجملة لا ينبغي صفة لملكا ولأحد متعلقان بينبغي ومن بعدي صفة لأحد. (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) الجملة تعليلية للدعاء بالمغفرة والهبة وان واسمها وأنت ضمير فصل أو مبتدأ والوهاب خبر إن أو خبر أنت والجملة خبر إنك. (فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ) الفاء عاطفة على محذوف يفهم من مضمون الكلام أي فاستجبنا له دعاءه وأعدنا له هذا الملك السليب وسخرنا فعل وفاعل وله متعلقان بسخرنا والريح مفعول به وجملة تجري بأمره في محل نصب على الحال من الريح ورخاء حال من الضمير في تجري وحيث ظرف متعلق بتجري أو بسخرنا وجملة أصاب في محل جر بإضافة الظرف إليها. (وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) الواو حرف عطف والشياطين عطف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين وغواص عطف على بناء. (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ) وآخرين عطف على كل بناء أدخل معه في حكم البدل وهو بدل الكل من الكل ومقرنين نعت لآخرين أي قرن بعضهم مع بعض في الأصفاد. (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) الجملة مقول قول محذوف أي وقلنا له، وهذا مبتدأ وعطاؤنا خبر فامنن الفاء الفصيحة وامنن فعل أمر أي أعط منه من شئت وأو حرف عطف للتخيير وأمسك فعل أمر معطوف على امنن وبغير حساب متعلقان بعطاؤنا أي أعطيناك بغير حساب ولا تقدير وفيه إلماع الى كثرة العطاء أو متعلقان بامنن أو أمسك ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف نصبا على الحال مما تقدم أي حال كونك غير محاسب عليه لأنه يتعالى عن الحساب والضبط. (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) تقدم إعراب مثله كثيرا.

стр. 4469

الفوائد: القول في هذه الآيات وفي فتنة سليمان بالخيل والجياد لا يتسع له صدر هذا الكتاب وهو خارج عن نطاقه ولكننا سنحاول الالماع الى هذه الفتنة وما قيل فيها وما نسج حولها من أكاذيب وأضاليل لفّقتها اليهودية الضالعة مع الأهواء، وقبل أن نشرع في ذلك ننقل فصلا للإمام فخر الدين الرازي أطاح بكل الأضاليل التي لابست هذا القصص الموشى بنسج الخيال قال: «التفسير الحق المطابق لألفاظ القرآن أن نقول: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما انه كذلك في ديننا ثم ان سليمان ﵇ احتاج الى غزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر باجرائها وذكر أنني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله تعالى وتقوية دينه وهو المراد بقوله: عن ذكر ربي ثم انه ﵊ أمر باعدائها وإجرائها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره ثم أمر برد الخيل إليه وهو قوله: ردوها علي فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك المسح أمور: الأول تشريفها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو، الثاني أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والمملكة يبلغ الى أنه يباشر الأمور بنفسه، الثالث أنه كان أعلم الناس بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها من غيره فكان يمسحها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير الذي ذكرنا ينطبق على لفظ القرآن ولا يلزمنا شيء من تلك المنكرات والمحظورات والعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة فإن قيل: فالجمهور قد فسروا الآية بتلك الوجوه فما قولك فيه؟ فنقول لنا هاهنا مقامان: المقام الأول أن ندعي أن لفظ الآية

стр. 4470

لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي ذكروها وقد ظهر والحمد لله أن الأمر كما ذكرنا ظهورا لا يرتاب عاقل فيه والمقام الثاني أن يقال: هب أن لفظ الآية لا يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس وان الدلائل الكثيرة قد قامت على عصمة الأنبياء ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات» . أسطورة خاتم سليمان: هذا وما يروى عن فتنة سليمان من حديث الخاتم والشياطين وعبادة الوثن في بيت سليمان فقد أبي العلماء المحققون قبوله وقالوا انه من نسج خيال اليهود، فقد روت الأساطير أن سليمان بلغه خبر صيدون وهذه مدينة في بعض الجزر وان بها ملكا عظيم الشأن معتصما بالبحر لا يقدر عليه أحد فخرج اليه تحمله الريح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتا له من أحسن الناس وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقا دمعها حزنا على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن له كعادتهن إبان حياته فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة ثم خرج وحده الى فلاة وفرش له الرماد فجلس عليه تائبا متضرعا وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل عليها للطهارة وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما وأتاها الشيطان المارد الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس واسمه صخر، على صورة سليمان فقال يا أمينة خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس ولما أتى سليمان لطلب الخاتم أنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف فإذا قال

стр. 4471

أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه ثم عمد الى السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة منّا في دمها ولا يغتسل من جنابة، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجدا ورجع اليه ملكه وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر فأتوه به فأدخله في جوف صخرة وسد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذف في البحر الى آخر تلك الأسطورة التي تشبه ما يصوره خيال شهر زاد في ألف ليلة وليلة من حكايات الجن وأساطير القماقم وغيرها وما أجمل ما يقوله القاضي عياض في هذا الصدد: «لا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه» . والذي عليه علماء الإسلام أن سبب فتنته ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كلهن تأتي بفارس مجاهد في سبيل الله تعالى فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن امرأة إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وايم الله الذي نفسي في يده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا» قال الزمخشري «وهذا ونحوه مما لا بأس به» بقي قوله: «وألقينا على كرسيه جسدا» ما هو؟ ما حقيقته؟ إن الذين يروون الأسطورة على علاتها كالجلال وغيره من أكابر العلماء يقولون: إنه الجني صخر والذين ينكرون الأسطورة يحارون في الجسد الذي ألقي

стр. 4472

على كرسيه فتارة يقولون: انه الشق الذي ولدته المرأة قالوا: «والشق هو الجسد الذي القي على كرسيه حين عرض عليه وهو عقوبته ومحنته لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني وقيل: نسي أن يستثني كما صح في الحديث لينفذ أمر الله ومراده فيه، وقيل: إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله فكان يربيه في السحاب خوفا من الشياطين فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذ ألقي الولد ميتا على كرسيه فعاتبه الله على خوفه من الشياطين حيث لم يتوكل عليه في ذلك فتنبه لخطئه فاستغفر ربه فذلك قوله : «وألقينا على كرسيه جسدا» إلخ ... » . على أن المسألة ليست مما يمكن البت فيه أو الترجيح بالرأي وإنما هي مسائل تاريخية تضاربت فيها الأقوال والله أعلم. المراد بالخير: واختلف العلماء والمفسرون أيضا في المراد بالخير بقوله: «إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي» الآية فقال قوم هو المال مستدلين بقوله تعالى «إن ترك خيرا» أي مالا وقوله «إنه لحب الخير لشديد» وقيل هو مجاز والمراد به الخيل التي شغلته وأنسته ذكر ربه أو سمى الخيل خيرا كأنها نفس الخير لتعلق الخبر بها قال رسول الله ﷺ : «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» وقال أيضا في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم: «ما وصف لي رجل فرأيته

стр. 4473

إلا كان دون ما بلغني إلا زيد الخيل وسماه زيد الخير» وفي القرطبي: «يعني بالخير الخيل والعرب تسميها كذلك ويعاقب بين الراء واللام فتقول انهملت العين وانهمرت وختلت وخترت، قال الفراء: الخير في كلام العرب والخيل واحد» . ومن الكلام البليغ الذي رمق الشعراء سماءه قوله تعالى: «هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب» فقد كان سليمان يقرن مردة الشياطين بعضهم في بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد وعن السدي كان يجمع أيديهم الى أعناقهم في الجوامع، والصفد القيد وسمي به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول علي ابن أبي طالب: «من برّك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك» وقال أبو تمام الطائي من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثغري: همي معلقة عليك رقابها ... مغلولة إن العطاء إسار وتبعه أبو الطيب فقال من قصيدة يمدح بها سيف الدولة: وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤١ الى ٤٤] وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)

стр. 4474

اللغة: (بِنُصْبٍ) : النصب بضم فسكون وبفتح فسكون وبضمتين الداء والبلاء قيل جمع نصب كاسد وأسد وقيل هو لغة في النصب وقد تقدم كلام كثير في هذه المادة. (ضِغْثاً) : حزمة من حشيش وقضبان وفي القاموس: «والضغث بالكسر قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس واضطعثه: احتطبه وأضغاث أحلام رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها (وقد تقدم القول فيها) والتضغيث ما بلّ الأرض والنبات من المطر» وفي المثل «ضغث على إباله» والإبالة بالتشديد الحزمة من الحشيش والحطب ومعناه بلية على أخرى ويضرب أيضا مثلا للرجل يحمل صاحبه المكروه ثم يزيده منه. الإعراب: (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ) عطف على اذكر عبدنا داود ولم يذكر ذلك في قصة سليمان لكمال الاتصال بين سليمان وداود كأن قصتهما قصة واحدة. واذكر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعبدنا مفعول اذكر وأيوب بدل أو عطف بيان لعبدنا وإذ الظرف بدل اشتمال من أيوب وجملة نادى في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل مستتر تقديره هو يعود على داود وربه مفعول به. (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ) أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بأني مسني الشيطان حكاية لكلامه الذي نادى ربه به بعبارته وإلا لقيل انه مسه، ومسني الشيطان فعل ماض ومفعول به

стр. 4475

مقدم وفاعل مؤخر وبنصب متعلقان بمسني وعذاب عطف على نصب وسيأتي سر إسناد المس الى الشيطان مع عصمة الأنبياء عن مس الشيطان إياهم وتسلطه عليهم في باب الفوائد كما يأتي فيه ما ذكر من سبب بلائه. (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ) كلام مقول قول محذوف أي وقيل له، واركض فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ومعنى اركض اضرب وبرجلك جار ومجرور متعلقان باركض ومفعول اركض محذوف أي الأرض وفي معاجم اللغة: «ركض الأرض والثوب ضربهما برجله» أي فهو متعد بهذا المعنى، وهذا مبتدأ ومغتسل خبر وهو اسم مكان للماء الذي يغتسل به سمي الماء باسم مكانه مجازا علاقته المحلية وبارد صفة لمغتسل وشراب عطف. (وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ) عطف على ما تقدم مما اقتضاه المقام كأنه قيل فاغتسل وشرب فكشفنا بذلك ما به من ضر ومسحنا عنه ما ألمّ به من أوصاب. ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا وأهله مفعول به ومثلهم عطف على أهله والظرف متعلق بمحذوف حال أي كائنا معهم ورحمة مفعول من أجله ومنّا صفة لرحمة وذكرى عطف على رحمة أي ان الهبة كانت للرحمة له وللتذاكير لأولي الألباب ولأولي نعت لذكرى والألباب مضاف إليه. (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) وخذ عطف على ما تقدم وبيدك متعلقان بخذ وضغثا مفعول به، فاضرب عطف على خذ وبه متعلقان باضرب والمفعول محذوف أي امرأتك ولا تحنث عطف على اضرب ولا ناهية وتحنت فعل مضارع مجزوم بلا وسيأتي القول في ضرب امرأته في باب الفوائد. (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)

стр. 4476

إن واسمها وجملة وجدناه فعل وفاعل ومفعول به أول وصابرا مفعول به ثان ونعم العبد فعل وفاعل والمخصوص بالمدح محذوف للعلم به أي هو وإنه أواب إن واسمها وخبرها والجملة تعليل لمدحه. الفوائد: إنما أسند ما مسّه من نصب وعذاب الى الشيطان مع انه من البداءة الأولية أن الشيطان لا يسلط على الأنبياء تأدبا مع الله لأن الشيطان كان يوسوس اليه ويغريه على الكراهة والجزع، وذكر في سبب بلاء أيوب أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه وقيل كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه وقيل أعجب بكثرة ماله، أما قصة ضرب امرأته فقد كان حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إذ برأ وذلك لا بطائها عليه يوما. وفي القرطبي: «وفي سبب حلفه أربعة أقوال: أحدها: ما حكاه ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته الى مداواة أيوب فقال أداويه على أنه إذا برىء يقول أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه، قالت نعم فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها وقال: ويحك ذلك الشيطان. ثانيها: ما حكاه سعيد بن المسيب أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربنها. ثالثها: ما حكاه يحيى بن سلام وغيره أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه وأنه يبرأ فذكرت ذلك له فحلف ليضربنها إن عوفي مائة.

стр. 4477

رابعها: أنها باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئا تحمله الى أيوب وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام فلهذا حلف ليضربنها فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضربها به فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها بها ضربة واحدة» . وقصة صبر أيوب تدخل في حيز أغراض القصص في القرآن، وأسمى أغراضها إنشاء العقيدة الدينية الخاصة المجردة وموطن هذه العقيدة الخالدة هو الضمير والوجدان فلم يكن الداعي الى الاستمساك بالصبر والاعتصام به مجردا لقداسته الدينية ولكن اتساع الآفاق النفسية وانفتاح منافذ المعرفة أمام النفس. [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٨] وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) الإعراب: (وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ) الواو عاطفة اذكر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت أي اذكر يا محمد صبرهم على ما أصابهم وثباتهم على عقائدهم وتأسّ بهم وعبادنا مفعول به وإبراهيم بدل أو عطف بيان واسحق ويعقوب عطف على ابراهيم وأولي الأيد أي أصحاب الأيدي مفعول به سيأتي القول مسهبا في معنى أولي الأيد في باب البلاغة والأبصار عطف على الأيد.

стр. 4478

(إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) الجملة تعليلية لما وصفوا به من علو الرتبة وسموها بالعلم والعمل، وان واسمها وجملة أخلصناهم خبر أنا وبخالصة متعلقان بأخلصناهم والباء إما للسببية إن كان أخلصناهم بمعنى جعلناهم خالصين وإما للتعدية إن كان أخلصناهم بمعنى خصصناهم وخالصة صفة لموصوف محذوف أي بخصلة خالصة وذكرى الدار يجوز فيها أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أو بدل من خالصة وإذا اعتبرت خالصة مقدرا بمعنى الإخلاص فتكون ذكرى مفعولا به لخالصة وإذا كانت مصدرا بمعنى الخلوص فتكون ذكرى فاعلا لها فقد تمت لها أربعة أوجه وأما إضافة ذكرى الى الدار فمن إضافة المصدر إلى المفعول أي ذكرهم الدار الآخرة وهناك قراءة متعددة يرجع إليها في المطولات. (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) وانهم ان واسمها وعندنا ظرف متعلق بمحذوف حال ولمن اللام المزحلقة ومن المصطفين خبر إنهم والأخيار صفة. (وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ) واذكر عطف على ما تقدم واذكر إسماعيل فعل وفاعل مستتر ومفعول به واليسع وذا الكفل معطوفان على إسماعيل وكل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومن الأخيار خبر. البلاغة: الكناية في قوله «أولي الأيد والأبصار» وهي كناية عن العمل الصالح قال الزمخشري «أولي الأعمال والفكر كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات ولا يستبصرون في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم

стр. 4479

والمسلوبي العقول الذين لا استبصار بهم» وفيه أيضا فن التعريض بأن من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله خليق بالتوبيخ وأسوأ المذام، والأيدي جمع يد وهي الجارحة فالكناية بها لأن جميع الأعمال تزاول بها وإذا كانت جمعا ليد بمعنى النعمة فهي مجاز مرسل علاقته السببية وقد تقدم بحث ذلك لأن اليد هي سبب النعمة وإنما حذفت الياء في خط المصحف اجتزاء عنها بالكسرة وفسر بعضهم الأيد بمعنى القوة وهي وإن كانت جائزة من حيث اللغة إلا أن المقام يضعف استعمالها بهذا المعنى، قال الزمخشري «وتفسيره بالأيد من التأييد قلق غير ممكن» . [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٩ الى ٦٠] هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠)

стр. 4480

اللغة: (قاصِراتُ الطَّرْفِ) : حابسات العين على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم. (أَتْرابٌ) : أسنانهن واحدة، سمين بذلك كأن التراب مسهن في وقت واحد ويقول البيضاوي «أتراب لأزواجهن لدات لهم أي مساويات لأزواجهم في السن فإن التحاب بين الأقران أثبت ورجح الزمخشري أن يكون التسلوي بينهن دون أزواجهن وفي القاموس: «والترب بالكسر اللدة والسن ومن ولد معك وهي تربي وتاربتها: صارت تربها» قال عمر بن أبي ربيعة: أبرزوها مثل المهاة تهادى ... من خمس كواعب أتراب وقد نظم بعضهم معاني هذه المادة فقال: وضع تراب فوق صك ترب ... ضرب ترائب كذا والتّرب مثلك سنا والتراب التّرب ... ترائب الشخص عظام الصدر ومصدر لترب الشيء التّرب ... وجمع ترب الشخص في العمر التّرب

стр. 4481

وجمع تربة بضم التّرب ... أي قطعة من التراب فادر (وَغَسَّاقٌ) : ما يسيل من صديد أهل النار وفي القاموس: «وغسق الجرح سال منه ماء أصفر» وقيل الحميم يحرق بحرّه والغساق يحرق ببرده. الإعراب: (هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) كلام مستأنف مسوق للإيذان بانتهاء ما تقدم من قصص والشروع في موضوع آخر. وهذا مبتدأ وذكر خبر وإن الواو استئنافية وإن حرف مشبه بالفعل وللمتقين خبرها المقدم واللام المزحلقة وحسن مآب اسمها المؤخر. (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) جنات عدن بدل أو عطف بيان لحسن مآب ومفتحة حال من جنات عدن والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل ولهم متعلقان بمفتحة والأبواب نائب فاعل لمفتحة لأنه اسم مفعول وقال الزمخشري في صدد إعراب هذه الآية: «ومفتحة حال والعامل فيها ما في للمتقين من معنى الفعل وفي مفتحة ضمير الجنات والأبواب بدل من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب كقولهم ضرب زيد اليد والرجل وهو من بدل الاشتمال وقرىء جنات عدن مفتحة بالرفع على أن جنات عدن مبتدأ ومفتحة خبره أو كلاهما خبر مبتدأ محذوف أي هو جنات عدن هي مفتحة لهم» . (مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ) متكئين حال من الهاء في لهم والعامل فيها مفتحة وفيها متعلقان بمتكئين وجملة

стр. 4482

يدعو إما مستأنفة لبيان حالهم فيها ويجوز أن تكون حالية مما ذكر وفيها حال من فاعل يدعون أي حال كونهم فيها وبفاكهة متعلقان بيدعون والاقتصار على الفاكهة يفيد الإيذان بأن مطاعمهم هناك ليست للتغذي وإقامة الجسم ولكن لمحض اللذة والتفكه وكثيرة صفة وشراب عطف على فاكهة. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر وأتراب صفة لقاصرات. (هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ) اسم الاشارة مبتدأ وما خبر وجملة توعدون صلة وليوم الحساب متعلقان بتوعدون واللام للتعليل أي لأجل يوم الحساب وأرى انه يجوز اعراب ما بدلا من اسم الإشارة وليوم الحساب هو الخبر ولعله أولى. (إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ) إن واسمها واللام المزحلقة ورزقنا خبر إن وما نافية حجازية أو تميمية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد ونفاد اسم مجرور لفظا بمن في محل رفع اسم ما المؤخر أو مبتدأ مؤخر. (هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) هذا مبتدأ محذوف الخبر أو خبر لمبتدأ محذوف والكلام مستأنف وقد تقدم نظيره قريبا، قال ابن الأثير: «هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو خير من الوصل وهي علاقة وكيدة بين الخروج من الكلام الى كلام آخر» والواو عاطفة وإن حرف مشبه بالفعل وللطاغين خبرها المقدم واللام المزحلقة وشر مآب اسم إن المؤخر. (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ) بدل من شر مآب أو عطف بيان له وجملة يصلونها حالية وهو مفعول مضارع والواو فاعل والهاء مفعول به ولك أن تعرب جهنم مفعولا بفعل محذوف دل عليه يصلونها والفاء الفصيحة أي إن أردت أن تعلم حقيقة جهنم فهي بئس المهاد وبئس فعل جامد لإنشاء الذم والمهاد فاعل والمخصوص محذوف

стр. 4483

تقديره هي. (هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) هذا مبتدأ وحميم وغساق خبراه وجملة فليذوقوه معترضة والفاء اعتراضية واللام لام الأمر ويذوقوه فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والواو فاعل والهاء مفعول به وقد اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وفيما يلي ما قاله أبو البقاء: «هذا هو مبتدأ وفي الخبر وجهان أحدهما فليذوقوه مثل قولك زيد اضربه وقال قوم هذا ضعيف من أجل الفاء وليست في معنى الجواب كالتي في قوله: والسارق والسارقة فاقطعوا، فأما حميم على هخا الوجه فيجوز أن يكون بدلا من هذا وأن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي هو حميم وأن يكون خبرا ثانيا والوجه الثاني أن يكون حميم خبر هذا وفليذوقوه معترض بينهما وقيل هذا في موضع نصب أي فليذوقوه هذا ثم استأنف فقال حميم أي هو حميم وأما غساق فيقرأ بالتشديد مثل كفار وصبار وبالتخفيف اسم للمصدر أي ذو غسق أو يكون فعال بمعنى فاعل» . (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ) وآخر عطف على حميم وغساق ومن شكله نعت له وأزواج خبر لمبتدأ محذوف أي هي أو صفة للثلاثة. (هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ) الجملة مقول قول محذوف أي ويقال لهم عند دخولهم النار وهذا مبتدأ وفوج خبر ومقتحم صفة لفوج ومعكم ظرف متعلق بمحذوف صفة ثانية لفوج أو حال من الضمير من مقتحم أو من فوج لأنه وصف ولا نافية ومرحبا منصوب على المصدر وبهم متعلقان بمرحبا وفي الجملة المنفية وجهان أحدهما أنها مستأنفة سيقت للدعاء عليهم بضيق المكان أو

стр. 4484

حالية أي هذا فوج مقتحم مقولا لهم لا مرحبا بهم وفي القرطبي: «فقالت السادة لا مرحبا بهم أي لا اتسعت منازلهم في النار والرحب السعة ومنه رحبة المجد وغيره وهو بمعنى الدعاء ولذلك نصب» وقال أبو عبيدة: العرب تقول لا مرحبا بك أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت وجملة انهم صالو النار تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم وان واسمها وصالوا النار خبرها. (قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ) قالوا فعل وفاعل والضمير يعود على الاتباع وبل حرف إضراب وأنتم مبتدأ ولا مرحبا مقول قول محذوف هو الخبر أي يقال لكم، وأنتم مبتدأ وجملة قدمتموه خبره وقدمتموه فعل ماض والتاء فاعل والميم علامة جمع الذكور والواو لإشباع ضمة الميم والهاء مفعول به ولنا جار ومجرور متعلقان بقدمتموه، فبئس الفاء عاطفة وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والقرار فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي النار. [سورة ص (٣٨) : الآيات ٦١ الى ٦٦] قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)

стр. 4485

الإعراب: (قالُوا: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ) قالوا فعل وفاعل وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ومن اسم موصول مبتدأ وجملة قدّم خبر والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وجملة فزده خبر والأولى أن يكون من مفعولا لفعل محذوف يفسره ما بعده أي فزد من قدّم او الهاء مفعول به أول وعذابا مفعول به ثان وضعفا نعت لعذاب أي مضاعفا وفي النار ظرف لزده أو حال من الهاء أي فزده كائنا في النار أو نعت ثان لعذابا. (وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ) قالوا فعل وفاعل والضمير يعود على كفار مكة كأبي جهل وأمية بن اخلف وغيرهما، وما اسم استفهام مبتدأ ولنا متعلقان بمحذوف خبر وجملة لا نرى حالية وفاعل نرى ضمير مستتر تقديره نحن ورجالا مفعول به وأرادوا بهم فقراء المسلمين وكان واسمها وجملة كنّا صفة لرجالا وجملة نعدهم خبر كنّا أي نحسبهم في الدنيا ومن الأشرار متعلقان بنعدهم. (أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وهمزة الوصل سقطت استغناء عنها واتخذناهم فعل ماض وفاعل ومفعول به أول وسخريا مفعول به ثان كأنهم أنكروا على أنفسهم ما كانوا يتخذونه في الدنيا وسخريا يقرأ بكسر السين وضمها والياء للنسب فالسخري أقوى من السخر كما قيل في الخصوص خصوصية للدلالة على قوة ذلك، فافهمه فإنه جيد، وأم حرف عطف متصل بقوله مالنا وزاغت عنهم الأبصار فعل وفاعل وعنهم متعلقان بزاغت فلم نرهم ومنهم عمار بن ياسر وبلال وصهيب وسلمان وجملة اتخذناهم مستأنفة، ونرى من المفيد أن ننقل عبارة الزمخشري قال:
следующие страницы →