Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
وجمع تربة بضم التّرب ... أي قطعة من التراب فادر
(وَغَسَّاقٌ) : ما يسيل من صديد أهل النار وفي القاموس:
«وغسق الجرح سال منه ماء أصفر» وقيل الحميم يحرق بحرّه والغساق يحرق ببرده.
الإعراب:
(هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) كلام مستأنف مسوق للإيذان بانتهاء ما تقدم من قصص والشروع في موضوع آخر. وهذا مبتدأ وذكر خبر وإن الواو استئنافية وإن حرف مشبه بالفعل وللمتقين خبرها المقدم واللام المزحلقة وحسن مآب اسمها المؤخر. (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) جنات عدن بدل أو عطف بيان لحسن مآب ومفتحة حال من جنات عدن والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل ولهم متعلقان بمفتحة والأبواب نائب فاعل لمفتحة لأنه اسم مفعول وقال الزمخشري في صدد إعراب هذه الآية: «ومفتحة حال والعامل فيها ما في للمتقين من معنى الفعل وفي مفتحة ضمير الجنات والأبواب بدل من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب كقولهم ضرب زيد اليد والرجل وهو من بدل الاشتمال وقرىء جنات عدن مفتحة بالرفع على أن جنات عدن مبتدأ ومفتحة خبره أو كلاهما خبر مبتدأ محذوف أي هو جنات عدن هي مفتحة لهم» .
(مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ) متكئين حال من الهاء في لهم والعامل فيها مفتحة وفيها متعلقان بمتكئين وجملة
стр. 4482
يدعو إما مستأنفة لبيان حالهم فيها ويجوز أن تكون حالية مما ذكر وفيها حال من فاعل يدعون أي حال كونهم فيها وبفاكهة متعلقان بيدعون والاقتصار على الفاكهة يفيد الإيذان بأن مطاعمهم هناك ليست للتغذي وإقامة الجسم ولكن لمحض اللذة والتفكه وكثيرة صفة وشراب عطف على فاكهة. (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ) الواو عاطفة والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وقاصرات الطرف مبتدأ مؤخر وأتراب صفة لقاصرات. (هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ) اسم الاشارة مبتدأ وما خبر وجملة توعدون صلة وليوم الحساب متعلقان بتوعدون واللام للتعليل أي لأجل يوم الحساب وأرى انه يجوز اعراب ما بدلا من اسم الإشارة وليوم الحساب هو الخبر ولعله أولى.
(إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ) إن واسمها واللام المزحلقة ورزقنا خبر إن وما نافية حجازية أو تميمية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد ونفاد اسم مجرور لفظا بمن في محل رفع اسم ما المؤخر أو مبتدأ مؤخر.
(هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) هذا مبتدأ محذوف الخبر أو خبر لمبتدأ محذوف والكلام مستأنف وقد تقدم نظيره قريبا، قال ابن الأثير:
«هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو خير من الوصل وهي علاقة وكيدة بين الخروج من الكلام الى كلام آخر» والواو عاطفة وإن حرف مشبه بالفعل وللطاغين خبرها المقدم واللام المزحلقة وشر مآب اسم إن المؤخر. (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ) بدل من شر مآب أو عطف بيان له وجملة يصلونها حالية وهو مفعول مضارع والواو فاعل والهاء مفعول به ولك أن تعرب جهنم مفعولا بفعل محذوف دل عليه يصلونها والفاء الفصيحة أي إن أردت أن تعلم حقيقة جهنم فهي بئس المهاد وبئس فعل جامد لإنشاء الذم والمهاد فاعل والمخصوص محذوف
стр. 4483
تقديره هي. (هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) هذا مبتدأ وحميم وغساق خبراه وجملة فليذوقوه معترضة والفاء اعتراضية واللام لام الأمر ويذوقوه فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والواو فاعل والهاء مفعول به وقد اضطربت أقوال المعربين في هذه الآية كثيرا وفيما يلي ما قاله أبو البقاء:
«هذا هو مبتدأ وفي الخبر وجهان أحدهما فليذوقوه مثل قولك زيد اضربه وقال قوم هذا ضعيف من أجل الفاء وليست في معنى الجواب كالتي في قوله: والسارق والسارقة فاقطعوا، فأما حميم على هخا الوجه فيجوز أن يكون بدلا من هذا وأن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي هو حميم وأن يكون خبرا ثانيا والوجه الثاني أن يكون حميم خبر هذا وفليذوقوه معترض بينهما وقيل هذا في موضع نصب أي فليذوقوه هذا ثم استأنف فقال حميم أي هو حميم وأما غساق فيقرأ بالتشديد مثل كفار وصبار وبالتخفيف اسم للمصدر أي ذو غسق أو يكون فعال بمعنى فاعل» .
(وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ) وآخر عطف على حميم وغساق ومن شكله نعت له وأزواج خبر لمبتدأ محذوف أي هي أو صفة للثلاثة.
(هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ) الجملة مقول قول محذوف أي ويقال لهم عند دخولهم النار وهذا مبتدأ وفوج خبر ومقتحم صفة لفوج ومعكم ظرف متعلق بمحذوف صفة ثانية لفوج أو حال من الضمير من مقتحم أو من فوج لأنه وصف ولا نافية ومرحبا منصوب على المصدر وبهم متعلقان بمرحبا وفي الجملة المنفية وجهان أحدهما أنها مستأنفة سيقت للدعاء عليهم بضيق المكان أو
стр. 4484
حالية أي هذا فوج مقتحم مقولا لهم لا مرحبا بهم وفي القرطبي:
«فقالت السادة لا مرحبا بهم أي لا اتسعت منازلهم في النار والرحب السعة ومنه رحبة المجد وغيره وهو بمعنى الدعاء ولذلك نصب» وقال أبو عبيدة: العرب تقول لا مرحبا بك أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت وجملة انهم صالو النار تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم وان واسمها وصالوا النار خبرها.
(قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ) قالوا فعل وفاعل والضمير يعود على الاتباع وبل حرف إضراب وأنتم مبتدأ ولا مرحبا مقول قول محذوف هو الخبر أي يقال لكم، وأنتم مبتدأ وجملة قدمتموه خبره وقدمتموه فعل ماض والتاء فاعل والميم علامة جمع الذكور والواو لإشباع ضمة الميم والهاء مفعول به ولنا جار ومجرور متعلقان بقدمتموه، فبئس الفاء عاطفة وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والقرار فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي النار.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦١ الى ٦٦]
قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)
стр. 4485
الإعراب:
(قالُوا: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ) قالوا فعل وفاعل وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ومن اسم موصول مبتدأ وجملة قدّم خبر والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وجملة فزده خبر والأولى أن يكون من مفعولا لفعل محذوف يفسره ما بعده أي فزد من قدّم او الهاء مفعول به أول وعذابا مفعول به ثان وضعفا نعت لعذاب أي مضاعفا وفي النار ظرف لزده أو حال من الهاء أي فزده كائنا في النار أو نعت ثان لعذابا. (وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ) قالوا فعل وفاعل والضمير يعود على كفار مكة كأبي جهل وأمية بن اخلف وغيرهما، وما اسم استفهام مبتدأ ولنا متعلقان بمحذوف خبر وجملة لا نرى حالية وفاعل نرى ضمير مستتر تقديره نحن ورجالا مفعول به وأرادوا بهم فقراء المسلمين وكان واسمها وجملة كنّا صفة لرجالا وجملة نعدهم خبر كنّا أي نحسبهم في الدنيا ومن الأشرار متعلقان بنعدهم.
(أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وهمزة الوصل سقطت استغناء عنها واتخذناهم فعل ماض وفاعل ومفعول به أول وسخريا مفعول به ثان كأنهم أنكروا على أنفسهم ما كانوا يتخذونه في الدنيا وسخريا يقرأ بكسر السين وضمها والياء للنسب فالسخري أقوى من السخر كما قيل في الخصوص خصوصية للدلالة على قوة ذلك، فافهمه فإنه جيد، وأم حرف عطف متصل بقوله مالنا وزاغت عنهم الأبصار فعل وفاعل وعنهم متعلقان بزاغت فلم نرهم ومنهم عمار بن ياسر وبلال وصهيب وسلمان وجملة اتخذناهم مستأنفة، ونرى من المفيد أن ننقل عبارة الزمخشري قال:
стр. 4486
«أم زاغت عنهم الأبصار: له وجهان من الاتصال أحدهما أن يتصل بقوله ما لنا أي ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها بل زاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا انه خفي عليهم مكانهم والوجه الثاني أن يتصل باتخذناهم سخريا إما أن تكون أم متصلة على معنى أي الفعلين فعلنا بهم الاستسخار منهم أم الازدراء بهم والتحقير وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم على معنى إنكار الأمرين جميعا على أنفسهم، وعن الحسن: كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم، وإما أن تكون منقطعة كقولك: إنها الإبل أم شاء، وأزيد عندك عمرو» .
(إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) إن واسمها أي الذي حكيناه عنهم واللام المزحلقة وحق خبر وتخاصم أهل النار بدل من حق أو خبر لمبتدأ محذوف وجملة المبتدأ المحذوف وخبره مفسرة لاسم الاشارة وسيأتي معنى التخاصم في باب البلاغة . (قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ومنذر خبر والواو حرف عطف وما نافية ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا مرفوع بالابتداء محلا وإلا أداة حصر والله خبر والواحد القهار صفتان لله. (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) رب نعت أو بدل وما بينهما عطف على السموات والأرض والعزيز الغفار نعتان أيضا.
البلاغة:
١- في قوله «إن ذلك لحق تخاصم أهل النار» تشبيه تقاولهم وما يدور بينهم من حوار ويتبادلونه من سؤال وجواب بما
стр. 4487
يجري بين المتخاصمين من نحو ذلك لأن قول الرؤساء لتابعيهم لا مرحبا بهم وقول التابعين بل أنتم لا مرحبا بكم لا يعدو الخصومة التي يتراشقها المتخاصمون.
٢- فائدة الحرف الزائد في كلام العرب إما معنوية وإما لفظية فالمعنوية تأكيد المعنى الثابت وتقويته وأما اللفظية فتزيين اللفظ وكونه بزيادتها أفصح أو كون الكلمة أو الكلام بها يصير مستقيم الوزن أو حسن السجع أو غير ذلك ولا يجوز خلو الزيادة من اللفظية والمعنوية معا وإلا لعدت عبثا وقد تجتمع الفائدتان في حرف وقد تنفرد إحداهما عن الأخرى.
الفوائد:
تغييرات النسبة:
ذكرنا في الإعراب أن السخري أقوى من السخر والخصوصية أقوى من الخصوص ونذكر هنا أن النسب يحدث في الاسم تغييرات:
١- زيادة ياء النسب في آخره وهذه الياء المشددة حرف بمنزلة تاء التأنيث لا موضع لها من الإعراب.
٢- كسر ما قبلها.
٣- جعل الياء منتهى الاسم.
وإنما تطرق التغيير في اللفظ لتغيير المعنى، ألا ترى أنك إذا نسبت الى علم استحال نكرة بحيث تدخله أداة التعريف كالتثنية
стр. 4488
والجمع وصار صفة بمنزلة المشتق بعد الجود ويرفع الاسم بعده على الفاعلية أما مظهرا أو مضمرا تقول مررت برجل تميمي أبوه وآخر هاشمي جده، وإذا نسبت الى المصدر زدته قوة كما في قولك سخريا.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٧٨]
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)
الإعراب:
(قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) قل فعل وفاعله مستتر تقديره أنت يا محمد وتكرير القول لتأكيد النبأ وتضخيمه، وهو مبتدأ ونبأ خبر وعظيم صفة. (أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) الجملة نعت ثان للنبأ ويجوز أن تجعلها مستأنفة للفت الانتباه الى فداحة ما يرتكبونه من جريرة الإعراض عن
стр. 4489
ذلك النبأ وهو القرآن وما حفل به من شرائع وتعاليم وأنتم مبتدأ وعنه متعلقان بمعرضون ومعرضون خبر أنتم. (ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد أنه نبأ عظيم وارد من الله تعالى وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولي خبر كان المقدم ومن حرف جر زائد وعلم مجرور بمن لفظا في محل رفع اسم كان المؤخر وبالملا متعلقان بعلم على تقدير مضاف أي بأنباء الملا واختصامهم والأعلى صفة للملا وإذ ظرف ماض متعلق بالمصدر أيضا وقال الزمخشري: «بمحذوف لأن المعنى ما كان لي بكلام الملا الأعلى وقت اختصامهم» وجملة يختصمون في محل جر بإضافة الظرف إليها وقيل الضمير في يختصمون عائد على قريش أي يختصمون في أمر الملا الأعلى لأن ذلك أمر تنوء العقول دون معرفته والمدار في الإحاطة به على الوحي.
(إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) إن نافية ويوحى فعل مضارع مبني للمجهول وإلي متعلق بيوحى وإلا أداة حصر وانما كافة ومكفوفة وقد سدت مع مدخولها مسد نائب فاعل يوحى أي ما يوحى إلى إلا الانذار والقصر اضافي وقد تكرر هنا وقد تقدم بحث القصر وأنا مبتدأ ونذير خبر ومبين نعت. (إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ) إذ بدل من إذ يختصمون ويجوز أن تنصبها بأذكر محذوفا وجملة قال ربك في محل جر بإضافة الظرف إليها وإن وما بعدها مقول قول وإن واسمها وخالق خبرها وبشرا مفعول به لخالق ومن طين نعت لبشرا وقد أغنى بهذا الوصف عن النعوت البشرية كلها وتلك هي براعة الإيجاز. (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن
стр. 4490
معنى الشرط وسويته فعل ماض وفاعل ومفعول به والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها ونفخت عطف على سويته وفيه متعلقان بنفخت وكذلك قوله من روحي والمعنى وأحييته وجعلته حساسا، فقعوا الفاء رابطة لجواب أذا وقعوا فعل أمر وفاعل وله متعلقان بساجدين وساجدين حال والمراد بالسجود التكرمة والاحترام.
(فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) الفاء عاطفة وسجد الملائكة فعل وفاعل وكلهم تأكيد أول وأجمعون تأكيد ثان، قال الزمخشري:
«كل للإحاطة وأجمعون للاجتماع فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد وأنهم سجدوا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات» . (إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ)
إلا أداة استثناء وإبليس مستثنى متصل أو منقطع وذهب الزمخشري مذهبا غريبا قال: «فإن قلت كيف استثنى إبليس من الملائكة وهو من الجن؟ قلت قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله فسجد الملائكة ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا وجملة استكبر مستأنفة لبيان كيفية امتناعه من السجود وكان عطف على استكبر واسم كان مستتر تقديره هو يعود على إبليس ومن الكافرين خبر كان (قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) قال فعل ماض وفاعله يعود على الله تعالى ويا حرف نداء وإبليس منادى مفرد علم مبني على الضم وما اسم استفهام مبتدأ وجملة منعك خبر وأن وما في حيزها منصوب على أنه مفعول ثان لمنع وأن حرف مصدري ونصب وتسجد فعل مضارع منصوب بأن وفاعله مستتر تقديره أنت واللام حرف جر وما اسم موصول مجرور باللام وجملة خلقت صلة والعائد محذوف أي خلقته وبيدي متعلقان بخلقت.
стр. 4491
(أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وهمزة الوصل سقطت استغناء عنها واستكبرت فعل وفاعل وأم عاطفة متصلة ولا يمنع من ذلك اختلاف الفعلين، قال سيبويه:
«وتقول أضربت زيدا أم قتلته فالابتداء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت: أي ذلك كان؟» وكنت كان واسمها ومن العالين خبرها أي من المتكبرين. (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) أنا مبتدأ وخير خبر ومنه متعلقان بخير والجملة مقول القول وخلقتني فعل وفاعل ومفعول به ومن نار متعلقان بخلقتني وخلقته من طين عطف على خلقتني من نار. (قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) قال فعل ماض والفاعل هو يعود على الله تعالى، فاخرج الفاء الفصيحة واخرج فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ومنها متعلقان باخرج، فإنك الفاء تعليل للأمر بالطرد وان واسمها ورجيم خبرها. (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) عطف على فإنك رجيم وان حرف مشبه بالفعل وعليك خبرها المقدم ولعنتي اسمها المؤخر والى يوم الدين متعلقان بمحذوف حال أي مستمرة ومعنى الانتهاء استمرارها في الدنيا حتى إذا كان يوم الدين تضاعفت عليه حتى لتكاد الأولى تنسى فكأنها انتهت لتستأنف من جديد.
البلاغة:
في قوله «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي» تغليب لليدين على غيرهما من الجوارح التي تباشر بها الأعمال لأن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه حتى قيل في عمل القلب هو مما عملت يداك على المجاز
стр. 4492
وحتى قيل في المثل «يداك أو كتا وفوك نفخ» وقد أبى فريق من أهل السنة أن يكون من المجاز كالشيخ أبي الحسن الأشعري واحتجوا بأن نعم الله لا تحصى فكيف تحصر بالتثنية وهذا حق، على أن إمام الحرمين وغيره من أهل السنة جوّزوا حملها على المجاز وأجابا عما ذكره الشيخ أبو الحسن بأن المراد نعمة الدنيا والآخرة وهذا مما يحقق تفضيله على إبليس إذ لم يخلق إبليس لنعمة الآخرة وعلى أن المراد القدرة فالتثنية تعظيم ومثل ذلك كثير في اللغة.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٨]
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)
قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
الإعراب:
(قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) قال: فعل ماض وفاعله مستتر يعود الى إبليس، فأنظرني الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر وتقديره إذا جعلتني رجيما فأمهلني، وانظرني فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت
стр. 4493
والنون للوقاية والياء مفعول به والى يوم متعلقان بأنظرني وجملة يبعثون في محل جر بإضافة الظرف إليها طلب فسحة لاغواء بني آدم.
(قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) الفاء عاطفة لترتيب مضمون الجملة على الإنظار والباء حرف جر وقسم وعزتك مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف واللام واقعة في جواب القسم وأغويناهم جملة لا محل لها وأغويناهم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا ومفعول به وأجمعين تأكيد. (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) إلا أداة استثناء وعبادك مستثنى ومنهم حال والمخلصين نعت لعبادك (قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ) الفاء استئنافية والحق مبتدأ خبره محذوف تقديره قسمي أو مني أو خبر المبتدأ محذوف أي هو الحق والحق مفعول مقدم لأقول أي لا أقول إلا الحق يعني أن تقديم المفعول أفاد الحصر أو هو مصدر مؤكد لمضمون قوله لأملأن وجملة والحق أقول اعتراضية بين القسم وجوابه. وقد قرىء بنصب الحق الأول.
(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) اللام جواب للقسم وأملأن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره أنا والجملة خبر الحق أو لا محل لها لأنها جواب قسم ولم تتمحض لجواب القسم لأنه غير نص في اليمين بخلاف لعمرك ولهذا لم يحذف الخبر ووجوبا وجهنم مفعول به ومنك متعلقان بأملأن وممن تبعك عطف على منك وجملة تبعك صلة من ومنهم حال وأجمعين تأكيد للضمير في منهم أو للكاف في منك وما عطف عليه، قال الزمخشري:
«فإن قلت أجمعين تأكيد لماذا؟ قلت: لا يخلو أن يؤكد به الضمير في منهم أو الكاف في منك مع من تبعك ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين لا أترك أحدا منهم» .
стр. 4494
(قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ما نافية وأسألكم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وعليه متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لأجر وتقدم عليه ومن حرف جر زائد وأجر مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول أسألكم والواو عاطفة أو حالية وما نافية حجازية وأنا اسمها ومن المتكلفين خبرها أي المتصنعين المتصفين بما ليسوا من أهله حتى أنتحل النبوة وأتقوّل القرآن. (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) إن نافية وهو مبتدأ وإلا أداة حصر وذكر خبر هو وللعالمين صفة لذكر. (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وتعلمن فعل مضارع مرفوع لأن نون التوكيد لم تباشره وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لالتقاء الساكنين والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين أيضا فاعل والنون نون التوكيد الثقيلة ونبأه مفعول به وبعد حين ظرف متعلق بتعلمن وعلم بمعنى عرف فهو متعد لواحد وهو نبأه ويجوز أن تكون على بابها فيكون المفعول الثاني بعد حين.
стр. 4495
(٣٩) سورة الزمر مكية وآياتها خمس وسبعون
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)
الإعراب:
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) تنزيل مبتدأ والكتاب مضاف اليه ومن الله خبر والعزيز الحكيم نعتان ويجوز أن يكون تنزيل خبرا لمبتدأ محذوف أي هذا تنزيل ومن الله متعلقان بالمصدر أو بمحذوف خبر بعد خبر أو بمحذوف حال من الكتاب. (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) ان واسمها وجملة أنزلنا خبر والجملة مستأنفة
стр. 4496
مسوقة لبيان المنزل عليه وما يترتب عليه بعد نزوله وإليك متعلقان بأنزلنا والكتاب مفعول به وبالحق حال من الفاعل أو المفعول أي ملتبسين بالحق أو ملتبسا بالحق. (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) الفاء الفصيحة واعبد الله فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ومخلصا حال وله متعلقان بمخلصا والدين مفعول به. (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) كلام مستأنف مقرر لما قيله وألا أداة تنبيه واستفتاح ولله خبر مقدم والدين مبتدأ مؤخر والخالص نعت.
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) والذين الواو استئنافية والذين مبتدأ وجملة اتخذوا صلة الموصول ومن دونه حال أو مفعول به ثان وأولياء مفعول به أول وجملة ما نعبدهم مفعول لقول محذوف هو خبر الذين أي يقولون وما نافية ونعبدهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر وليقربونا اللام للتعليل ويقربونا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل ونا مفعول به والى الله متعلقان بيقربونا وزلفى مصدر مؤكد على غير المصدر ولكنه ملاق لعامله في المعنى والتقدير ليزلفونا زلفى وأجاز أبو البقاء أن يعرب حالا مؤكدة. (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ان واسمها وجملة يحكم خبرها وأجاز بعضهم أن يكون قوله إن الله يحكم بينهم خبر الذين فيكون موضع القول المضمر نصبا على الحال أي قائلين ذلك، وبينهم ظرف متعلق بيحكم وفيما متعلقان بيحكم أيضا وهم مبتدأ وفيه متعلقان بيختلفون وجملة يختلفون خبرهم والجملة الاسمية صلة ما.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ) إن واسمها وجملة لا يهدي خبرها وفاعل يهدي مستتر يعود على الله ومن مفعول به وهو مبتدأ وكاذب كفار خبران له والجملة الاسمية صلة من.
стр. 4497
الفوائد:
حروف التنبيه «ها» و «ألا» و «أما» والفرق بين «أما» و «ألا» أن «أما» للحال أو للماضي و «ألا» للاستقبال تقول:
أما ان زيدا عاقل، تريد أنه عاقل في الحال ولا تقول ألا، وتقول ألا ان زيدا لا يخاف أي في المستقبل ولا تقول أما، والفرق بينهما وبين «ها» أنهما لا يدخلان إلا أول الكلام على الجملة بخلاف «ها» فتدخل على الضمير وأسماء الإشارة وإن لم تكن في أول الكلام وتدخل «أما» على القسم و «ألا» كثيرا على النداء.
إذا تقرر هذا فهل تكون هنا للاستقبال مع أن كون الدين لله هو في كل زمان؟ والجواب أن المراد هنا الاستقبال بالنسبة لمن يعتنقون الدين الخالص، على أنهما يتعاوران أي تأتي «ألا» لمجرد الاستفتاح ولا يكون التنبيه مقصودا.
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤ الى ٦]
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)
стр. 4498
اللغة:
(يُكَوِّرُ) : التكوير: اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها وفيه أوجه- كما يقول الزمخشري-:
١- ان الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا فكأنما ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس ومنه قول ذي الرمة في وصف السراب:
تلوى الثنايا بحقويها حواشيه ... لي الملاء بأبواب التفاريج
والثنايا: العقبات والحقو الخصر والحواشي الجوانب والملاء جمع ملاءة وهي الجلباب والتفاريج جمع تفراج وهو الباب الصغير والثوب من الديباج، وأسند اللي الى الثنايا لأنها سبب الالتواء، شبه إحاطة جوانبه وتراكمه في جوانب العقبة بلي الجلباب في أبواب التفاريج.
٢- ان كل منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار.
٣- ان هذا يكر على هذا كرورا متتابعا فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض.
الإعراب:
(لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ) لو حرف شرط غير جازم وأراد فعل ماض والله فاعل وأن وما في حيزها
стр. 4499
مفعول أراد واللام رابطة لجواب لو واصطفى فعل ماض وفاعله هو أي الله تعالى والجملة لا محل لها ومما متعلق باصطفى وجملة يخلق صلة ما وما مفعول به وجملة يشاء صلة ما والعائد محذوف أي يشاؤه (سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) سبحانه مفعول مطلق لفعل محذوف تنزيه له تعالى عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه، وهو مبتدأ والله خبره والواحد القهار نعتان الله. (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) خلق فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله تعالى والسموات مفعول به والأرض عطف على السموات وبالحق حال. (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ) الجملة حالية أو مستأنفة مبينة لكيفية تصرفه في السموات والأرض، والليل مفعول به وعلى النهار متعلقان بيكور ويكور النهار على الليل عطف على مثيلتها.
(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) وسخر الشمس والقمر عطف على خلق السموات والأرض وكل مبتدأ وجملة يجري خبر ولأجل متعلقان بيجري ومسمى نعت لأجل وألا أداة تنبيه تصدرت الجملة لإظهار مدى الاهتمام بها، والاعتناء بفحواها وهو مبتدأ والعزيز الغفار خبران لهو. (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) خلقكم فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ومن نفس جار ومجرور متعلقان بخلقكم وواحدة نعت لنفس والمراد بها آدم ثم حرف للترتيب والتراخي وسيأتي سر العطف بها في باب البلاغة وجعل فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله تعالى ومنها متعلقان بجعل لأنه بمعنى خلق وزوجها مفعول به. (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) وأنزل عطف على خلقكم ولكم متعلقان
стр. 4500
بمحذوف حال ومن الأنعام متعلقان بأنزل وثمانية أزواج مفعول به وقد تقدم معنى الزوجين في سورة الأنعام.
(يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ) الجملة حالية أو استئنافية مبينة لكيفية خلق ما ذكر، ويخلقكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وفي بطون أمهاتكم متعلقان بيخلقكم وخلقا مفعول مطلق ومن بعد خلق صفة له ويجوز أن يتعلق بيخلقكم فيكون المصدر لمجرد التأكيد، قال البيضاوي: «أي حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف، وفي ظلمات متعلقان بخلق المجرور الذي قبله ولا يجوز تعلقه بخلقا المنصوب لأنه مصدر مؤكد فلا يعمل ولا بيخلق لأنه تعلق به جار مثله ولا يتعلق حرفان متحدان لفظا ومعنى إلا بالبدلية والعطف فإن جعلت في ظلمات بدلا من في بطون أمهاتكم بدل اشتمال لأن البطون مشتملة عليها ويكون بدلا بإعادة العامل جاز ذلك وسيأتي المراد بالظلمات الثلاث في باب الفوائد. (ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) ذلكم مبتدأ والله خبره الأول وربكم خبره الثاني وله خبر مقدم والملك مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر ثالث وجملة لا إله إلا هو خبر رابع وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة مفصلا، فأنى الفاء استئنافية وأنى اسم استفهام متعلق بمحذوف حال وتصرفون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
البلاغة:
في قوله «ثم جعل منها زوجها» عطف «ثم» التي تفيد الترتيب مع التراخي في الوجود، وظاهر الأمر يتنافى مع ذلك لأن خلق
стр. 4501
حواء من آدم سابق على خلقنا منه، وقد استشكل علماء البيان والمفسرون هذا العطف وأجابوا بأجوبة نوردها ثم ترجح ما هو أقرب إلى الرجحان قال الزمخشري: «فإن قلت ما وجه قوله ثم جعل منها زوجها وما يعطيه من معنى التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالّا على وحدانيته وقدرته وتشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم وخلق حواء من قصرياه (والقصريان ضلعان يليان الترقوتين) إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرة والأخرى لم تجر بها عادة ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع فعطفها بثم على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع الى زيادة كونها آية فهو من التراخي في الحال والمنزلة لا من التراخي في الوجود» .
وقال غيره: «المعطوف متعلق بمعنى واحدة فثم عاطفة عليه لا على خلقكم فمعناه خلقكم من نفس واحدة أفردت بالإيجاد ثم شفعت بزوج فكانت هاهنا على بابها لتراخي الوجود» .
ونرى أن كلا الوجهين مستقيم ويصح حمل العطف عليه.
وهنا وقع ابن هشام في خطأ التلاوة فأورد هذه الآية بلفظ «هو الذي خلقكم من نفس واحدة» إلخ.. وقد أوردها شاهدا على أن قوما خالفوا في معناها وهو الترتيب تمسكا بها قال: «والجواب عن الآية من خمسة أوجه: (أحدها) أن العطف على محذوف أي من نفس واحدة أنشأها ثم جعل منها زوجها. (الثاني) ان العطف على واحدة على تأويلها بالفعل أي من نفس توحدت أي انفردت ثم جعل
стр. 4502
منها زوجها. (الثالث) ان الذرية أخرجت من ظهر آدم ﵊ كالذر ثم خلقت حواء من قصيراه. (الرابع) ان خلق حواء من آدم لما لم تجر عادة بمثله جيء بثم إيذانا بترتبه وتراخيه في الإعجاب وظهور القدرة لا لترتيب الزمن وتراخيه. (الخامس) ان ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم وانه يقال بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب أي ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب.
الفوائد:
أراد بقوله «في ظلمات ثلاث» ظلمة البطن، وظلمة الرحم بفتح الراء وكسر الحاء، والرحم بكسر الراء وسكون الحاء مؤنثة وهي مستودع الجنين في أحشاء الحبلى، وظلمة المشيمة وهي كما في المصباح «وزان كريمة وأصلها مفعلة بسكون الفاء وكسر العين لكن ثقلت الكسرة على الياء فنقلت الى الشين وهي غشاء ولد الإنسان.
وقال ابن الأعرابي: يقال لما يكون فيه الولد المشيمة والكيس والغلاف والجمع مشيم بحذف الهاء ومشايم مثل معيشة ومعايش ويقال لها من غيره السلا» .
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٧ الى ٨]
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨)
стр. 4503
الإعراب:
(إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) إن حرف شرط جازم وتكفروا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والفاء رابطة وإن واسمها وخبرها والجملة جواب الشرط وعنكم متعلقان بغني وان تشكروا عطف على أن تكفروا ويرضه جواب الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به بضم وسكونها وبإشباع ودونه. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو حرف عطف ولا نافية وتزر فعل مضارع مرفوع ووازرة فاعل ووزر مفعول به أي لا تحمل نفس وزر نفس أخرى وأخرى مضاف اليه على حذف منعوت أي نفس أخرى ثم حرف عطف للتراخي والى ربكم خبر مقدم ومرجعكم مبتدأ مؤخر والفاء حرف عطف وينبئكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وبما متعلقان بينبئكم وكنتم كان واسمها وجملة تعملون خبرها وجملة كنتم تعملون صلة الموصول (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) إن واسمها وخبرها وبذات الصدور متعلقان بعليم والجملة تعليل للتنبئة بالأعمال.
стр. 4504
(وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ) الواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط ومسّ فعل ماض مبني على الفتح والإنسان مفعول به مقدم وضر مبتدأ مؤخر والمراد بالضر جميع المكاره وجملة دعا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وربه مفعول به ومنيبا حال واليه متعلقان بمنيبا. (ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) ثم حرف عطف للتراخي وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة خوله في محل جر بإضافة الظرف إليها وخوله فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله تعالى والهاء مفعوله الأول ونعمة مفعوله الثاني ومنه صفة لنعمة ولك أن تعلقه بخوّله وجملة نسي لا محل لها والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الإنسان وما مفعول به وجملة كان صلة ما واسم كان مستتر يعود على الإنسان وجملة يدعو خبر كان وإليه متعلقان بيدعو ومن قبل متعلقان بمحذوف حال ويجوز في ما أن تكون مصدرية أي نسي كونه داعيا.
(وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) وجعل عطف على نسي وفاعله مستتر يعود على الإنسان ولله متعلقان بمحذوف هو مفعول جعل الثاني وأندادا مفعول جعل الأول وليضل اللام للتعليل ويضل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وقيل اللام للعاقبة وهي تتمشى مع قراءة يضل بفتح اللام وهما قراءتان سبعيتان وعن سبيله متعلقان بيضل. (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وتمتع فعل أمر أيضا وفاعل مستتر والجملة مقول القول والمقصود بالأمر التهديد وبكفرك متعلقان بتمتع وقليلا ظرف زمان أو مفعول مطلق صفة لمصدر محذوف وجملة إنك من أصحاب النار تعليل للأمر بالتمتع وإن واسمها ومن أصحاب النار خبرها.
стр. 4505
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٩ الى ١٠]
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)
اللغة:
(قانِتٌ) : قائم بوجائب الطاعات ووظائفها ومنه قوله ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» وهو القيام فيها ومنه القنوت في الوتر لأنه دعاء المصلي قائما وفي القاموس: «القنوت:
الطاعة والسكوت والدعاء والقيام في الصلاة والإمساك عن الكلام وأقنت دعا على عدوه وأطال القيام في صلاته وأدام الحج وأطال الغزو وتواضع لله تعالى وامرأة قنيت بينة القناتة قليلة الطعم وسقاء قنيت مسيّك» وقول القاموس مسيك بكسر الميم وسكون السين أي يمسك الماء.
(آناءَ) : جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى بكسر الميم والقصر والجمع أمعاء وفي المصباح: «الآناء على أفعال هي الأوقات وفي واحدها لغتان: إني بكسر الهمزة والقصر وإني بوزن حمل» وفي المختار: «وآناء الليل: ساعاته قال الأخفش واحدها إنى مثل معى وقيل واحدها إني وإنو يقال مضى من الليل أنيان وأنوان» .
стр. 4506
الإعراب:
(أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) أم يجوز أن تكون متصلة ومعادلها محذوف تقديره الكافر خير أم الذي هو قانت وقد دخلت على من الموصولة فأدغمت الميم في الميم، أو منقطعة فتقدر ببل والهمزة أي بل أمن هو قانت كغيره؟ وقرىء بالتخفيف فالهمزة للاستفهام الانكاري، وعلى كل فمن اسم موصول مبتدأ خبره محذوف كما تقدم وهو مبتدأ وقانت خبره والجملة صلة من وآناء الليل ظرف متعلق بقانت وساجدا حال وقائما عطف عليه وجملة يحذر الآخرة حال ثالثة وجملة يرجو رحمة ربه عطف على جملة يحذر الآخرة.
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) هل حرف استفهام معناه الإنكار ويستوي الذين فعل مضارع وفاعل وجملة يعلمون صلة والذين لا يعلمون عطف على الذين يعلمون، وفي هذه الآية تنزيل المتعدي منزلة القاصر ولا يقدر المفعول في قوله يعلمون لأن المقدر كالموجود أي هل يستوي من ثبتت له حقيقة العلم ومن لم تثبت له والاستفهام إنكاري أي لا يستويان لأن المقصود بيان ثبوت الفعل للفاعل لا بيان وقوعه على المفعول وإيضاح الفرق بين المنزل وغيره أن قولك فلان يعطى لبيان كونه معطيا فيكون كلاما مع من جهل أصل الإعطاء وقولك فلان يعطي الدنانير لبيان جنس ما يتناوله الإعطاء لا لبيان كونه معطيا ويكون كلاما مع من ثبت له أصل الإعطاء لا مع من جهل إعطاء.. (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) إنما كافة ومكفوفة
стр. 4507
ويتذكر فعل مضارع مرفوع وأولو الألباب فاعل والجملة مستأنفة مسوقة لبيان عدم تأثير ما تقدم من قوارع وزواجر في قلوبهم لاختلال عقولهم.
(قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ) يا حرف نداء وعبادي منادى مضاف والذين صفة لعبادي وجملة آمنوا صلة الذين والجملة مقول القول واتقوا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به. (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ) للذين خبر مقدم وجملة أحسنوا صلة وفي هذه متعلقان بأحسنوا والدنيا بدل من اسم الاشارة وحسنة مبتدأ مؤخر وأرض الله مبتدأ وواسعة خبر. (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) الجملة تعليل لما تقدم ترغيبا في الصبر وإنما كافة ومكفوفة والصابرون نائب فاعل وأجرهم مفعول به ثان وبغير حساب حال من الأجر.
ولو لم يكن في الصبر إلا ما جاء في هذه الآية لكان في ذلك كفاية وفي الحديث: «انتظار الفرج بالصبر عبادة» وقيل لعلي بن أبي طالب: أي شيء أقرب الى الكفر؟ قال ذو فاقة لا صبر له، ومن كلامهم: «الصبر مرّ لا يتجرعه إلا حر» وكان عبد الله بن المقفع يقول: «إذا نزل بك أمر مهم فانظر فإن كان لك فيه حيلة فلا تعجز، وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع» وما أحسن قوله: تعجز وتجزع وهذا الذي يسمى قلب البعض وهو معدود عند أرباب البديع من الجناس.
стр. 4508
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١١ الى ١٨]
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥)
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)
الإعراب:
(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) إن واسمها وجملة أمرت خبرها والجملة مقول القول وأمرت فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض المتعلق بأمرت ومخلصا حال وله متعلقان بمخلصا والدين مفعول به.
(وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) وأمرت عطف على أمرت الأولى ولأن أكون متعلقان بأمرت أي بأن أكون فاللام بمعنى الباء واسم
стр. 4509
أكون مستتر تقديره أنا وقيل اللام للتعليل أي لأجل أن أكون وللزمخشري تقرير مطول بهذا الصدد ننقله في باب الفوائد لأهميته وأول خبر أكون والمسلمين مضاف اليه. (قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إن واسمها وجملة أخاف خبر وفاعل أخاف مستتر تقديره أنا وإن شرطية وعصيت فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف دل عليه ما قبله أي فإني أخاف وعذاب يوم مفعول أخاف وعظيم صفة ليوم.
(قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي) لفظ الجلالة مفعول مقدم لأعبد وأعبد فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا ومخلصا حال وله متعلقان بمخلصا وديني مفعول مخلصا أي ليكون سالما من الشرك والرياء وكل ما يشوب الأعمال مما يفسدها. (فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) الفاء الفصيحة واعبدوا فعل أمر الغاية منه التهديد والوعيد والواو فاعل وما مفعول به وجملة شئتم صلة ومن دونه حال. (قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) إن واسمها والذين خبرها وجملة خسروا صلة الذين وأنفسهم مفعول به وأهليهم عطف على أنفسهم ويوم القيامة ظرف لخسروا أو حال من أهليهم يعني أزواجهم وخدمهم. (أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) ألا أداة تنبيه وذلك مبتدأ وهو مبتدأ ثان والخسران خبر هو والجملة خبر ذلك والمبين صفة للخسران ولك أن تجعل هو ضمير فصل لا محل له وسيأتي مزيد من القول في هذه الآية في باب البلاغة.
(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) لهم خبر مقدم ومن فوقهم حال وظلل مبتدأ مؤخر وفي الكلام إبهام سيأتي تقريره في
стр. 4510
باب البلاغة ومن النار صفة لظلل ومن تحتهم ظلل عطف على من فوقهم ظلل. (ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ) ذلك مبتدأ أي ذلك العذاب وجملة يخوف الله به خبر وعباده مفعول يخوف ويا حرف نداء وعباد منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة اتباعا لرسم المصحف والفاء الفصيحة واتقون فعل أمر والواو فاعل والنون للوقاية وياء المتكلم المحذوفة لما تقدم مفعول به. (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى) الذين مبتدأ وجملة اجتنبوا صلة والطاغوت مفعول به وقد تقدم القول فيه وأنه يطلق على الواحد والجمع وعلى المذكر والمؤنث وأن يعبدوها مصدر مؤول في محل نصب بدل اشتمال من الطاغوت أي عبادتها وسيأتي مزيد من القول في الطاغوت في باب البلاغة ولهم خبر مقدم والبشرى مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر الذين.
(فَبَشِّرْ عِبادِ) الفاء الفصيحة وبشر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعباد مفعول به وعلامة نصبه فتحه مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اتباعا لرسم المصحف وفيه إظهار الضمير أي فبشرهم اهتماما بهم. (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) الذين صفة لعباد وجملة يستمعون صلة والقول مفعول به والفاء عاطفة ويتبعون عطف على يستمعون وأحسنه مفعول به. (أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ) أولئك مبتدأ والدين خبر والاشارة الى الموصوفين بما ذكر وجملة هداهم الله صلة وأولئك مبتدأ وهم مبتدأ ثان أو ضمير فصل وأولو الألباب خبر هم والجملة خبر أولئك أو خبر أولئك.
стр. 4511
البلاغة:
١- التهويل:
في قوله «ألا ذلك هو الخسران المبين» تهويل رائع فقد جعل الجملة مستأنفة وصدرها بحرف التنبيه ووسط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وعرف الخسران كأنه مما تعورف أمره واشتهر هوله ووصفه بالمبين فجعل خسرانهم غاية في الفظاعة ونهاية في الشناعة.
٢- المبالغة:
وفي تشبيه الشيطان بالطاغوت وجوه ثلاثة من المبالغة:
١- تسميته بالمصدر كأنه نفس الطغيان.
٢- بناؤه على فعلوت وهي صيغة مبالغة كالرحموت وهي الرحمة الواسعة والملكوت وهو الملك الواسع.
٣- والشبه الثالث تقديم لامه على عينه ليفيد اختصاصه بهذه التسمية.
الفوائد:
وعدناك بنقل الفصل الممتع الذي عقده الزمخشري في إعراب قوله «إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين، وأمرت لأن أكون من المسلمين» قال: «فإن قلت كيف عطف أمرت على أمرت وهما
стр. 4512
واحد؟ قلت: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف وجها الشيء ومنعتا ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت لأن أفعل ولا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه، كما عوض السين في اسطاع عوضا من ترك الأصل الذي هو أطوع، والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله وأمرت أن أكون من المسلمين وأمرت أن أكون من المؤمنين أن أكون أول من أسلم وفي معناه أوجه: أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها وأن أكون أول الذين دعوتهم الى الإسلام إسلاما وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعا ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون وأن أفعل ما أستحق به الأولوية من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب» فتأمله فإنه من غرر الأقوال.
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١٩ الى ٢١]
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)
стр. 4513
اللغة:
(يَنابِيعَ) : في المختار: «نبع الماء: خرج وبابه قطع ودخل ونبع ينبع بالكسر نبعانا بفتح الباء لغة أيضا والينبوع عين الماء ومنه قوله تعالى «حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا» والجمع الينابيع» فما يقوله العامة وهو «نبع» مولّد غير معروف وإنما النبع مصدر وشجر تتخذ منه السهام والقسي يقال: قرعوا النبع بالنبع أي تلاقوا وتطاعنوا وما رأيت أصلب منه نبعا أي أشد منه.
(يَهِيجُ) : ييبس ويتم خفافه لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منابته ويذهب وفي المختار: «وهاج النبت يهيج هياجا بالكسر يبس» وفي المصباح: «وهاج البقل يهيج اصفر» .
(حُطاماً) : فتاتا وفي المصباح «حطم الشيء حطما من باب تعب فهو حطم إذا تكسر ويقال للدابة إذا أسنت حطمة ويتعدى بالحركة يقال حطمته حطما من باب ضرب فانحطم وحطمته بالتشديد مبالغة» .
الإعراب:
(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء حرف عطف على محذوف يدل عليه السياق والتقدير أأنت مالك أمرهم فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه، ومن شرطية أو موصولة في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف فقدره
стр. 4514
أبو البقاء كمن نجا وقدره الزمخشري فأنت مخلصه حذف لدلالة أفأنت تنقذه وقدره غيره تتأسف عليه، والهمزة الثانية للاستفهام وأعيدت لتأكيد الإنكار والفاء رابطة وأنت مبتدأ وجملة تنقذ خبر ومن في النار مفعول به وقد أوقع الظاهر موقع المضمر وهو من في النار وكأن الأصل أفأنت تنقذه، وأنت مبتدأ وجملة تنقذ خبر ومن في النار مفعوله فالآية على هذا جملة واحدة، واعترض بجمع الاستفهام والشرط ولا مساغ لهذا الاعتراض لأن أداة الاستفهام داخله على جملة محذوفة عطفت عليها جملة الشرط ولم تدخل على جملة الشرط وسيأتي مزيد من القول في هذه الآية في باب البلاغة. (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) لكن حرف عطف وإضراب بمعنى بل وليست للاستدراك لانه لم يسبقها نفي فالكلام إضراب عن موضوع الى موضوع مغاير للأول، والذين مبتدأ وجملة اتقوا صلة وربهم مفعول به ولهم خبر مقدم وغرف مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر الذين ومبنية صفة لغرف أي بنيت بناء المنازل وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة ثانية أو حال من غرف.
(وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ) وعد الله مصدر مؤكد لفعل محذوف دل عليه قوله لهم غرف لأنه في معنى وعدهم الله ذلك ولا نافية ويخلف الله الميعاد فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لتمثيل الحياة الدنيا وسرعة زوالها والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه
стр. 4515
حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تر أو مفعولها لأنها قلبية أو بصرية وان واسمها وجملة أنزل خبرها ومن السماء متعلقان بأنزل وماء مفعول به، فسلكه الفاء عاطفة وسلك فعل ماض مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى، وينابيع ان كان بمعنى المنبع ظرف للمصدر المحذوف أي سلكه سلوكا في ينابيع فلما أقيم مقام المصدر جعل انتصابه على المصدر، وإن كان بمعنى النابع كان انتصابه على الحال أي نابعات، واعترض الشهاب الخفاجي على الحالية فقال «الحالية لا تخلو من الكدر لأن حقه حينئذ أن يقال من الأرض وفي الأرض على الوجهين صفة لينابيع، قلت: ولا أرى مانعا من نصب ينابيع على التمييز على حد قوله «وفجرنا الأرض عيونا» ولم يذكره أي واحد ممن تصدوا لإعراب القرآن، ومنطوق كلام الزمخشري يؤيد هذا الإعراب قال: «عيونا ومسالك ومجاري كالعروق في الأجسام» وأحجم الكثيرون عن إعراب ينابيع لدقتها، وفي الشوكاني: «فسلكه ينابيع في الأرض: أي فأدخله وأسكنه فيها، والينابيع جمع ينبوع من نبع الماء ينبع، والينبوع عين الماء والأمكنة التي ينبع فيها الماء فهو على الوجه الثاني منصوبا بنزع الخافض، قال مقاتل: فجعله عيونا وركايا في الأرض» (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ويخرج فعل مضارع والعدول إليه عن الماضي كما يقتضيه أسلوب العطف لاستحضار الصورة وبه متعلقان بيخرج وزرعا مفعول به ومختلفا نعت لزرعا وألوانه فاعل لمختلف. (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا) ثم يهيج عطف على ثم يخرج فتراه الفاء حرف عطف والهاء مفعول به
стр. 4516
ومصفرا حال لأن الرؤية بصرية. (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ) عطف على ما تقدم ويجعله حطاما فعل مضارع وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول وحطاما مفعول به ثان وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وذكرى اسمها المؤخر ولألي الألباب صفة لذكرى أو متعلقان بنفس الذكرى لأنها بمعنى التذكرة.
البلاغة:
في قوله «أفأنت تنقذ من في النار» مجاز مرسل علاقته السببية فقد أطلق السبب وأراد المسبب والمعنى أفأنت تهديه بدعائك له الى الايمان فتنقذه من النار.
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)
اللغة:
(تَقْشَعِرُّ) : اقشعر جلده: ارتعد وتقبّض وتخشن وتغير لونه فهو مقشعر، واقشعرت السنة: أمحلت وأجدبت، واقشعرت الأرض:
стр. 4517
تقبضت وتجمعت إذا لم ينزل عليها المطر، ويقال اقشعر الشعر أي قام وانتصب من فزع أو برد والمصدر الاقشعرار وقال الزمخشري:
«اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضا شديدا وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموما إليها حرف رابع وهو الراء ليكون رباعيا دالا على معنى زائد، وسيأتي مزيد تفصيل لهذه المادة في باب البلاغة.
الإعراب:
(أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) كلام مستأنف مسوق ليجري مجرى التعليل لما قبله من تخصيص الذكرى بأولي الألباب والهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء عاطفة على جملة مقدرة أي أكل الناس سواء ومن موصولة أو شرطية في محل رفع مبتدأ فعلى الأول يكون خبرها محذوفا تقديره كمن طبع على قبله وعلى الثاني يكون خبرها فعل الشرط وجوابه معا والفاء عاطفة على كل حال وهو مبتدأ وعلى نور خبر ومن ربه صفة لنور. (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الفاء رابطة وويل مبتدأ وساغ الابتداء لما فيها من معنى الدعاء بالعذاب والخسران وللقاسية خبر وقلوبهم فاعل للقاسية ومن ذكر الله متعلقان بالقاسية ومن إما للتعليل أي من أجل ذكره وقيل من بمعنى عن والمعنى غلظت عن قبول الذكر وأولئك مبتدأ وفي ضلال مبين خبره. (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ) لفظ الجلالة مبتدأ، وسيأتي سر التقديم في باب البلاغة، وجملة نزل أحسن الحديث خبر وكتابا بدل من أحسن الحديث ويجوز أن يكون حالا منه أي قرآنا متشابها ومتشابها
стр. 4518
نعت أول ومثاني نعت ثان، وقد مرّ معنى هذه الكلمة وسيأتي مزيد من النكت البلاغة في باب البلاغة.
(تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) جملة تقشعر نعت ثالث ومنه متعلقان بتقشعر وجلود الذين يخشون ربهم صلة وثم حرف عطف للتراخي وتلين جلودهم فعل مضارع وفاعل وقلوبهم عطف على جلودهم والى ذكر الله متعلقان بتلين لأنه متضمن معنى تسكن وتطمئن الى ذكر الله.
(ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ) ذلك مبتدأ وهدى الله خبر أو بدل من اسم الاشارة وجملة يهدي إما حال أو خبر وبه متعلقان بيهدي ومن يشاء مفعول به وجملة يشاء صلة والاشارة الى الكتاب فالجملة حال منه. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل نصب مفعول مقدم ليضلل والله فاعل والفاء رابطة وما نافية أو نافية حجازية وله خبر أو خبر هاد المقدم ومن حرف جر زائد وهاد مبتدأ مؤخر مرفوع محلا أو اسم ما مجرور لفظا وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين.
البلاغة:
١- في قوله «مثاني» :
وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، ألا تراك تقول القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات وأقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات، ونظيره قولك الإنسان عظام وعروق وأعصاب،
стр. 4519
وأجاز الزمخشري وجها لطيفا آخر قال: «ويجوز أن لا يكون مثاني صفة ويكون منصوبا على التمييز من متشابها كما تقول رأيت رجلا حسنا شمائل والمعنى متشابهة مثانيه» .
٢- فائدة التكرير:
وفائدة التثنية والتكرير ترسيخ الكلام في الذهن فإن النفوس تملّ عادة من الوعظ والتنبيه وتسأم النصيحة بادىء الأمر، ففي تكرير النصح والموعظة تعويد لها على استساغة ذلك والعمل به وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يكرر عليهم ما يعظ وينصح به ثلاثا وسبعا أحيانا ليركز ذلك في نفوسهم والمعلم النابه لا يفتا يردد ما يلقيه على طلابه من دروس حتى يصبح مستساغا إليهم هشا في نفوسهم بعد أن كان صعبا ممجوجا.
٣- التجسيد الحي:
وفي قوله «تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله» نكت بلاغية بديعة وأهمها التجسيد الحي، أراد سبحانه أن يجسد فرط خشيتهم فعرض عليك صورة من الجلد اليابس وصورة من الشعر الواقف، ألا نقول: وقف شعر رأمنه من الخوف، وفي ذكر الجلود وحدها أولا وقرنها بالقلوب ثانيا لأن ذكر الخشية التي محلها القلوب مستلزم لذكر القلوب فكأنه قيل تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم في أول الأمر فإذا ذكروا الله وذكروا رحمته وسعتها استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة لينا في جلودهم. وقيل المعنى أن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة
стр. 4520
فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته اقشعرت الجلود منه إعظاما له وتعجبا من حسنه وبلاغته ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله.
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٢٤ الى ٢٨]
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)
الإعراب:
(أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستئناف الإنكاري والفاء عاطفة على جملة مقدرة تفهم من مضمون السياق أي أكل الناس سواء فمن يتقي، ومن اسم موصول في محل رفع مبتدأ وجملة يتقي بوجهه صلة وسوء العذاب مفعول به ويوم القيامة ظرف متعلق بيتقي وخبر من محذوف تقديره كمن أمن من العذاب وسيأتي معنى الاتقاء بالوجه في باب البلاغة. (وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) وقيل عطف على يتقي أي ويقال لهم ذوقوا وإنما عدل إلى الماضي للدلالة على تحقق وقوع القول ويجوز أن تكون الواو حالية والجملة في محل نصب على الحال من ضمير يتقي وللظالمين متعلقان بقيل وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم وجملة
следующие страницы →