Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
الياء وفتحها فالقراءات أربع وكلها سبعية. وأيها منادى نكرة مقصودة مبني على الضم والهاء للتنبيه والجاهلون بدل من أيها.
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) اللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وأوحي فعل ماض مبني للمجهول وإليك سد مسد نائب الفاعل وقيل نائب الفاعل محذوف يدل عليه سياق الكلام أي أوحي إليك التوحيد والى الذين عطف على إليك ومن قبلك متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) اللام موطئة للقسم أيضا وإن شرطية وأشركت فعل ماض في محل جزم فعل الشرط واللام واقعة في جواب القسم وهذا القسم وجوابه جواب القسم الأول وأما جواب الشرط فمحذوف على حد قول ابن مالك:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم
ويحبطن فعل ماض مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وعملك فاعل ولتكونن عطف على ليحبطن واسم تكونن مستتر تقديره أنت ومن الخاسرين خبر. (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) كلام معطوف على مقدر دل عليه السياق أي فلا تشرك، والله نصب بفعل محذوف دل عليه فاعبد أي إن كنت عاقلا فاعبد الله والفاء الفصيحة واعبد فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكن عطف على اعبد واسم كن مستتر تقديره أنت ومن الشاكرين خبر كن.
стр. 4552
الفوائد:
أفرد سيبويه في كتابه فصلا خاصا لهذا التركيب وهو «بل الله فاعبد» وهذه خلاصته: الأصل فيه فاعبد الله ثم حذفوا الفعل الأول اختصارا فلما وقعت الفاء أولا استنكروا الابتداء بها ومن شأنها التوسط بين المعطوف والمعطوف والمعطوف عليه فقدموا المفعول وصارت متوسطة لفظا ودالة على أن ثم شرطا محذوفا اقتضى وجودها ولتعطف عليه ما بعدها ويضاف إلى هذه الغاية في التقديم فائدة الحصر كما تقدم من إشعار التقديم بالاختصاص.
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٦٧ الى ٧٥]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١)
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)
стр. 4553
الإعراب:
(وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) كلام مستأنف مسوق لتصوير قدرته تعالى وما نافية وقدروا الله فعل وفاعل ومفعول به أي ما علموا كنهه وما عرفوه حق معرفته، وحق قدره نصب على المفعولية المطلقة.
(وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) الواو للحال والأرض مبتدأ وجميعا حال وقبضته خبره والجملة حال من الله ويوم القيامة ظرف متعلق بمحذوف حال من قبضته أو هي متعلقة بها على تضمينها معنى مقبوضة والسموات مبتدأ ومطويات خبر وبيمينه متعلقان بمطويات وعبارة أبي البقاء: «والأرض مبتدأ وقبضته الخبر وجميعا حال من الأرض والتقدير إذا كانت مجتمعة قبضته أي مقبوضة فالعامل في إذا المصدر لأنه بمعنى المفعول، وقد ذكر أبو علي في الحجة: التقدير ذات قبضته وقد رد عليه ذلك وأن
стр. 4554
المضاف إليه لا يعمل فيما قبله وهذا لا يصح لأنه الآن غير مضاف اليه وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه ويقرأ قبضته بالنصب على معنى في قبضته وهو ضعيف لأن هذا الظرف محدود فهو كقولك زيد الدار، والسموات مطويات مبتدأ وخبر وبيمينه متعلقان بالخبر ويجوز أن يكون حالا من الضمير في الخبر وأن يكون خبرا ثانيا وقرىء مطويات بالكسر على الحال وبيمينه الخبر وقيل الخبر محذوف أي والسموات قبضته» هذا وسيأتي مزيد من القول في هذه الآية في باب البلاغة.
(سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) سبحانه مفعول مطلق لفعل محذوف وتعالى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله تعالى وعما متعلقان بتعالى وجملة يشركون صلة ما. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف على ما تقدم وعبر عما سيأتي بالماضي لتحقق وقوعه ونفخ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود على النافخ قيل هو إسرافيل أو اسرافيل وجبريل وفي الصور متعلقان بنفخ فصعق عطف على نفخ ومن فاعل وفي السموات ومن في الأرض صلة من وإلا أداة استثناء ومن مستثنى واختلف في المستثنى من هم؟ على أقوال متعددة يرجع إليها في المطولات وجملة شاء الله صلة من. (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي لبعد ما بين النفختين ونفخ فعل ماض مبني للمجهول وفيه متعلقان بنفخ وأخرى نائب فاعل نفخ على حد قوله تعالى «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» ويجوز أن يكون الجار والمجرور هو القائم مقام نائب الفاعل وأخرى صفة لمصدر محذوف نابت عنه أي فهي مفعول مطلق والفاء عاطفة وإذا
стр. 4555
الفجائية لا محل لها وهم مبتدأ وقيام خبر وجملة ينظرون خبر ثان ومعنى ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت المشدوه إذا فاجأه خطب.
(وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ) الواو عاطفة وأشرقت الأرض فعل وفاعل وبنور ربها متعلقان بأشرقت ووضع الكتاب عطف على ما تقدم ووضع فعل ماض مبني للمجهول والكتاب نائب فاعل وأل في الكتاب للجنس أي أعطي كل واحد كتابه أي صحائف أعماله المدونة فيها حسناته أو سيئاته. (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) وجيء عطف على ما تقدم أيضا وبالنبيين متعلقان بجيء والشهداء عطف على النبيين وقضي فعل ماض مبني للمجهول وبينهم إما ناب مناب الفاعل وإما متعلق بقضي ونائب الفاعل محذوف مقدر من المصدر المفهوم أي وقضي القضاء وبالحق متعلقان بمحذوف حال والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يظلمون خبر والجملة في محل نصب على الحال.
(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ) ووفيت عطف أيضا وكل نفس نائب فاعل وما مفعول به ثان لوفيت وجملة عملت صلة ولك أن تجعل ما مصدرية أي عملها فيكون المصدر المؤول هو المفعول الثاني والواو حالية أو عاطفة وهو مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وجملة يفعلون صلة. (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً) الواو عاطفة وسيق الذين فعل ماض مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة كفروا صلة وإلى جهنم متعلقان بسيق وزمرا حال وهي جمع زمرة والزمرة الجماعة واشتقاقها من الزمر وهو الصوت لأن الجماعة يكون لها صوت دائما يقال زمر يزمر من بابي
стр. 4556
دخل وضرب أي غنّى بالنفخ في القصب ونحوه. (حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها) حتى ابتدائية وقد تقدم القول مطولا في حتى وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاءوها في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة فتحت أبوابها لا محل لها لأنها جواب إذا وأبوابها نائب فاعل.
(وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ) وقال عطف على فتحت ولهم متعلقان بقال وخزنتها فاعل قال والهمزة للاستفهام التقريري الإنكاري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويأت فعل مضارع مجزوم بلم والكاف مفعول به ورسل فاعل ومنكم صفة لرسل وجملة يتلون صفة ثانية أو حال وعليكم متعلقان بيتلون وآيات ربكم مفعول يتلون. (وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) وينذرونكم عطف على يتلون ولقاء يومكم مفعول به ثان أو نصب بنزع الخافض ويومكم مضاف للقاء وأراد به وقت دخولهم النار وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضا في أوقات الشدة وهذا نعت ليومكم أو بدل منه. (قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ) بلى حرف جواب لإثبات النفي أي بلى أتونا وتلوا علينا والواو عاطفة ولكن حرف استدراك مهملة وحقت كلمة العذاب فعل وفاعل وعلى الكافرين متعلقان بحقت.
(قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) جملة مستأنفة وجملة ادخلوا مقول القول وأبواب جهنم مفعول به على السعة وخالدين حال وفيها متعلقان بخالدين والفاء استئنافية وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم ومثوى المتكبرين فاعله والمخصوص بالذم محذوف أي هي. (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً)
стр. 4557
تقدم إعرابها بنصها وسيأتي الفرق بين السوقين في باب البلاغة.
(حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) حتى الابتدائية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاءوها في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها هنا محذوف لأنه في صفة أهل الجنة فدل بحذفه على أنه شيء لا يكتنه ولا يحيط به الوصف والواو عاطفة وجملة وفتحت أبوابها معطوفة على جاءوها وسيأتي مزيد من القول فيها.
(وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ) الواو عاطفة وقال لهم خزنتها فعل وفاعل وسلام مبتدأ وعليكم خبره وطبتم فعل وفاعل، فادخلوها الفاء تعليلية وادخلوها فعل وفاعل ومفعول وخالدين حال. (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ) كلام معطوف على جواب إذا المحذوف أي دخلوها وقالوا، والحمد مبتدأ ولله خبره والجملة مقول القول والذي نعت وجملة صدقنا صلة وهي فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به أول ووعده مفعول به ثان. (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) جملة وأورثنا عطف على صدقنا والأرض مفعول به ثان وجملة نتبوأ حال من مفعول أورثنا والفاعل مستتر تقديره نحن ومن الجنة متعلقان بمحذوف حال وحيث ظرفية على بابها متعلقة بنتبوأ أو مفعول نتبوأ قال الزمخشري:
«يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ من جنته حيث يشاء ولا يحتاج الى جنة غيره» والفاء استئنافية ونعم أجر العاملين تقدم إعرابها.
(وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) كلام مستأنف مسوق لوصف الملائكة المقربين في ذلك اليوم وترى الملائكة فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وحافين حال أي
стр. 4558
محدقين محيطين بالعرش مصطفين بحافته وجوانبه ومن حول العرش متعلقان بحافين وجملة يسبحون بحمد ربهم حال ثانية. (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة وقضي فعل مبني للمجهول وبينهم ظرف نائب عن فاعل الفاعل أو متعلق بقضي ونائب الفاعل مصدر مفهوم من الفعل أي قضي القضاء وبالحق حال والضمير في بينهم يرجع الى العباد والملائكة معا وقيل عطف على قضي وجملة الحمد لله رب العالمين مقول القول.
البلاغة:
تميز ختام سورة الزمر بذكر أحوال القيامة والتحميد والتسبيح كما تميز بالجزالة في اللفظ ولسنا نعني بالجزالة أن يكون اللفظ وحشيا متوعرا عليه عنجهية البداوة بل نعني بها أن يكون اللفظ متينا قويا على عذوبة في الفم وحلاوة جرسه في السمع، ولو نظرنا الى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط وعند ذكر الموت ومفارقة الدنيا وما جرى هذا المجرى فإننا لا نرى شيئا من ذلك وحشي الألفاظ ولا متوعرا موغلا في الجساوة والنبو، وسنعمد الى إيضاح ما ورد فيها من فنون.
١- المجاز:
فأولها المجاز في قوله «والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه» فإن قبض الله الأرض عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال: فلان في قبضتي يعني انه في قدرته باعتبار ما يئول اليه لأن القابض يتصرف بما يقبضه كيف يشاء
стр. 4559
والقبضة المرة من القبض والمراد بالأرض الأرضون السبع يشهد لذلك شاهدان أولهما قوله جميعا والثاني قوله السموات، وطي السموات والأرض مجاز أيضا ليس يريد به طيا كما نفهمه وإنما المراد به الذهاب والفناء، واليمين في كلام العرب تأتي بمعنى القدرة والملك كما قدمنا.
٢- الفرق بين السوقين:
وفي قوله «وسيق» بالنسبة لأهل النار وأهل الجنة إذ عبر عن الذهاب بالفريقين جميعا بلفظ واحد فن دقيق المسلك وهو أن يأتي المتكلم بكلمة واحدة فتكون تارة دالة على الهوان والعقاب ثم يأتي بها ثانية فتكون دالة على الإكرام وحسن الثواب، وما أجمل قول الزمخشري في هذا الصدد قال: «فإن قلت كيف عبر عن الذهاب بالفريقين جميعا بلفظ السوق؟ قلت: المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا الى حبس أو قتل والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين وحثها إسراعا الى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك فشتان ما بين السوقين» .
الفوائد:
١- أقوال المعربين في جواب إذا:
أفاض المعربون كثيرا في جواب إذا والسر في مجيء الواو بقوله «حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها» وقد أوردنا في باب الإعراب
стр. 4560
ما اخترناه، أما السمين فقد لخص أقوال المعربين بقوله: «في جواب إذا ثلاثة أوجه أحدها قوله وفتحت والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنما جيء هاهنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجون مغلقة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها والثاني أن الجواب محذوف قال الزمخشري وحقه أن يقدر بعد خالدين يعني لأنه لا يجيء بعد متعلقات الشرط ما عطف عليه والتقدير: اطمأنوا وقدره المبرد سعدوا وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله وفتحت أبوابها في محل نصب على الحال وسمى بعضهم هذه الواو واو الثمانية قال لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله تعالى: وثامنهم كلبهم وقيل تقديره حتى إذا جاءوها جاءوها وفتحت أبوابها يعني ان الجواب بلفظ الشرط ولكنه يزيد بتقييده بالحال فلذلك صح» .
٢- فصل ممتع للرماني:
هذا وننقل فيما يلي خلاصة وافية للفصل الذي عقده علي بن عيسى الرماني في تفسيره الكبير المفقود، وكم يؤسفنا أن يضيع هذا الكتاب بين سمع الأرض وبصرها، ولكن الذي يعزينا أن السيوطي نقل عنه كثيرا وذكره كل من ترجم للمؤلف فقد كان الرماني نحويا متكلما وكان شيخ العربية في زمانه شغوفا بالمنطق حتى غلب عليه في جميع تآليفه وكلامه، قيل للصاحب: هلا صنفت تفسيرا؟ فقال:
وهل ترك لنا علي بن عيسى شيئا؟ وكان الرماني نفسه يقول:
«تفسيري بستان تجتني منه ما تشتهي» وقد اشتهر تفسيره بين الناس
стр. 4561
وكثر ذكره في كتبهم ولم يصل إلينا هذا التفسير فهو يقول في صدد دراسته لسر الجمال في القرآن عند ما يتحدث عن هذه الآية: «كأنه قيل حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ولو ذكر الجواب لقصر عن الوجه الذي تضمنه البيان.
стр. 4562
(٤٠) سورة غافر مكية وآياتها خمس وثمانون
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤)
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦)
اللغة:
(حم) : تقدم القول في أوائل السور بما يغني عن المزيد ونضيف هنا الآن ما قاله الجوهري: «وآل حم سور في القرآن فأما قول العامة الحواميم فليس من كلام العرب» وقال أبو عبيدة:
стр. 4563
«الحواميم سور في القرآن على غير قياس» قال «والأولى أن تجمع بذوات حم» ويتلخص من هذا أن هذه السور السبع تسمى الحواميم وتسمى آل حم وتسمى ذوات حم فلها جموع ثلاثة خلافا للجوهري الذي أنكر الأول وقال الكميت يمدح آل البيت:
وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقي ومعرب
فهو بمعنى ذوات أي في السور المنسوبة إلى هذا اللفظ ومن المعلوم أن لفظ آل كما يطلق على الأهل يطلق بمعنى ذو فيذكر قبل ما لا يصح تثنيته وجمعه من الأسماء المركبة المركبة ونحوها كتأبط شرا، فإذا أرادوا تثنيته وجمعه وهو جملة لا يتأتى فيها ذلك ولم يعهد مثله في كلام العرب زادوا قبله لفظ آل أو ذو فقالوا: جاءني آل تأبط شرا أو ذو تأبط شرا أي الرجلان أو الرجال المسمون بذلك ومنه آل حم بمعنى الحواميم في قول الكميت الآنف الذكر.
(التَّوْبِ) : في المختار: «التوب الرجوع عن الذنب وبابه قال وتوبة أيضا وقال الأخفش التوب جمع توبة كدوم ودومة» .
(الطَّوْلِ) : الفضل والزيادة والانعام الواسع في الصحاح:
«والطول بالفتح: المن يقال منه طال يطول من باب قال إذا امتن عليه» وقال الماوردي: «الفرق بين المن والفضل أن المن عفو عن ذنب والتفضل إحسان غير مستحق» .
الإعراب:
(حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) تقدم القول في
стр. 4564
إعراب فواتح السور وأيسر ما فيه أنها خبر لمبتدأ مضمر أو مبتدأ والخبر ما بعدها، وتنزيل الكتاب مبتدأ ومن الله خبره والعزيز العليم صفتان. (غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ) هذه صفات أيضا للجلالة وسيأتي في باب الفوائد ما قيل في المغايرة بين بعض الصفات والموصوف من حيث التعريف والتنكير. (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) يجوز أن تكون هذه الجملة صفة كما قال أبو البقاء ولكن يرد عليه أن الجملة لا تكون صفة للمعارف ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب فالأولى أن تكون جملة مستأنفة وأن تكون حالا لازمة وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة مفصلا، وإليه خبر مقدم والمصير مبتدأ مؤخر. (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) ما نافية ويجادل فعل مضارع مرفوع وفي آيات الله متعلقان بيجادل وإلا أداة حصر والذين فاعل وجملة كفروا صلة. (فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ) الفاء الفصيحة ولا ناهية ويغررك فعل مضارع مجزوم بلا والكاف مفعول به وتقلبهم فاعل وفي البلاد متعلقان بتقلبهم والمعنى إذا ثبت عندك أن المجادلين في آيات الله كفار فلا تغترر بتقلبهم في البلاد بالتجارات المربحة فإنهم مأخوذون بكفرهم.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ) كذبت فعل ماض والتاء للتأنيث وقبلهم ظرف متعلق بمحذوف حال وقوم نوح فاعل والأحزاب عطف على قوم نوح وهم قوم عاد وثمود وفرعون وغيرهم ومن بعدهم متعلقان بمحذوف حال. (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) وهمت عطف على كذبت وكل أمة فاعل وبرسولهم متعلقان بهمت واللام للتعليل ويأخذوه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والهاء مفعول به ومعنى ليأخذوه ليتمكنوا
стр. 4565
من الإيقاع به. (وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ) وحاولوا عطف على همت وبالباطل متعلقان بمحذوف حال وليدحضوا اللام للتعليل ويدحضوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وبه متعلقان بيدحضوا والحق مفعول به، فأخذتهم عطف على جادلوا، فكيف: الفاء عاطفة وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعقاب اسم كان مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اتباعا لرسم المصحف.
(وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ) الكاف يجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف وقد تقدم تقرير ذلك أكثر من مرة ويحتمل أن تكون خبر لمبتدأ محذوف أي والأمر كذلك وكلمة ربك فاعل وعلى الذين كفروا متعلقان بحقت وأنهم أصحاب النار المصدر المؤول في محل رفع بدل من كلمة ربك أو في محل نصب بنزع الخافض وهو لام التعليل.
الفوائد:
١- التغاير بين الموصوف والصفة:
من مباحث النحو الجليلة وقوع التغاير، في الظاهر، بين الموصوف والصفة فلقائل أن يقول: كيف جاز وصف المعرفة وهو الله سبحانه بغافر الذنب وقابل التوب وشديد العقاب لأن هذه الثلاث مشتقات، وإضافة المشتق لا تفيده تعريفا فمن ثم وقع التغاير المشار إليه، وقد أجاب سيبويه عن ذلك بقوله: «إن كل ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة»
стр. 4566
أما الكوفيون فلم يستثنوا الصفة المشبهة أيضا فقالوا في نحو حسن الوجه إنه يجوز أن تصير إضافته محضة، فعلى مذهبهم يصح أن تكون الثلاث نعوتا، وعلى مذهب سيبويه يعرب شديد العقاب بدلا، وفيما يلي تقرير الزمخشري بهذا الصدد قال: «فإن قلت: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفا وتنكيرا والموصوف معرفة يقتضي أن يكون مثله معارف؟ قلت: أما غافر الذنب وقابل التوب فمعرفتان لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين وانه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن أو غدا حتى يكونا في تقدير الانفصال فتكون إضافتهما غير حقيقية وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش وأما شديد العقاب فأمره مشكل لأنه في تقدير شديد عقابه لا ينفك من هذا التقدير وقد جعله الزجاج بدلا وفي كونه بدلا وحده بين الصفات نبو ظاهر والوجه أن يقال لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة الواحدة فقد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف ومثل ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على مستفعلن فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز فإن وقع فيها جزء واحد على متفاعلن كانت من الكامل، ولقائل أن يقول هي صفات وإنما حذف الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله وما بعده لفظا فقد غيروا كثيرا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج.... على أن الخليل قال في قولهم ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل كذا، أنه على نية الألف واللام كما كان الجماء الغفير على نية طرح الألف، واللام ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. ويجوز أن يقال قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة وعلى مالا شيء أدهى منه وأمرّ لزيادة الإنذار. ويجوز أن
стр. 4567
يقال هذه النكتة هي الداعية الى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريق الابدال» .
٢- نكتة زيادة الواو:
وفي زيادة الواو في قوله وقابل التوب نكتة جليلة وهي إفادة الجمع بين رحمتي مغفرة الذنب وقبول التوب، وروي أن عمر بن الخطاب افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فقيل له تتايع في هذا الشراب فقال عمر لكاتبه اكتب من عمر الى فلان سلام عليك وأنا أحمد الله الذي لا إله إلا هو، بسم الله الرحمن الرحيم حم إلى قوله إليه المصير وختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته فلما بلغ عمر قال هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلة فسددوه ووفقوه وادعوا له الله أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه. قلت:
وما فعله عمر ﵁ يجب أن يكون مثالا يحتذى في حسن الأدب وطريقة الهداية التي تهدي بالتي هي أحسن وتتفادى الغلظة والشدة في القول وسوء التنديد بما يفعله المذنب.
٣- الجدال مذموم إلا في الحق:
وفي قوله «ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا» إلماع الى ما ينطوي عليه الجدال المذموم لادحاض الحق وإطفاء نور الله، أما الجدال في الآيات لإزالة مشكلها وحل ملتبسها ومقارعة العلماء في
стр. 4568
استنباط معانيها وطرق إعرابها وحسن بيانها فأمر محمود بل هو مطلوب مفروض وعلى هذا الأساس ورد قوله ﷺ :
«إن جدالا في القرآن كفر» فقد أورده منكرا للتمييز بين جدال وجدال.
٤- البدلية في قوله «إنهم من أصحاب النار» :
أعربنا «انهم من أصحاب النار» بدلا من كلمة ربك ولم نوضح نوع البدل والظاهر أنه يصح أن يكون بدلا مطابقا أو بدل اشتمال فإذا نظرنا الى اللفظ كان مطابقا لاتحاد مدلوله مع مدلول البدل وإذا اعتبرنا المعنى كان بدل اشتمال لأن معناه وعيده إياهم، وحكمه الأزلي بشقائهم.
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٧ الى ٩]
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)
الإعراب:
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) الذين مبتدأ وجملة يحملون العرش صلة ومن حوله
стр. 4569
عطف على الذين وحوله ظرف متعلق بمحذوف صلة الذين وجملة يسبحون بحمد ربهم خبر الذين وبحمد متعلقان بمحذوف حال أي ملابسين للحمد ويؤمنون به عطف على يسبحون والبحث في معنى حملة العرش ومن هم يرجع إليه في المطولات. (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً) ويستغفرون عطف على ما قبله وللذين متعلقان بيستغفرون وجملة آمنوا صلة وربنا منادى مضاف حذف منه حرف النداء وهو مقول قول محذوف في محل نصب على الحال أي قائلين، ووسعت فعل وفاعل وكل شيء مفعول به ورحمة وعلما تمييزان والتمييز هنا محول عن الفاعل أي وسعت رحمتك كل شيء ووسع علمك كل شيء.
(فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) الفاء الفصيحة واغفر فعل أمر وفاعله أنت وللذين متعلقان باغفر وجملة تابوا صلة والمعنى فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع السبيل القويمة، واتبعوا سبيلك عطف على للذين تابوا وقهم: ق فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والهاء مفعول به أول وعذاب الجحيم مفعول به ثان. (رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) ربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وأدخلهم عطف على ما تقدم وأدخلهم فعل أمر للدعاء والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به أول وجنات عدن مفعول به ثان على السعة والتي صفة وجملة وعدتهم صلة التي ومن في محل نصب عطف على مفعول أدخلهم أو على مفعول وعدتهم وقال الفراء والزجاج «نصبه من مكانين إن شئت على الضمير في أدخلهم وإن شئت على الضمير في وعدتهم وجملة صلح صلة» والأول أرجح ومن آبائهم وما عطف عليه في محل نصب حال.
стр. 4570
(إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إن واسمها وأنت مبتدأ أو ضمير فصل والعزيز الحكيم خبران لأنت والجملة خبر انك أو خبران لإن وأنت لا محل لها كما تقدم. (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) الواو عاطفة وقهم فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت ومفعول به والسيئات مفعول به ثان والواو عاطفة ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وتق فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والسيئات مفعول به ويومئذ الظرف متعلق بتق وإذ مضاف ليوم والتنوين عوض من جملة محذوفة وقصده من الكلام السابق أي يوم إذ تدخل من تشاء الجنة ومن تشاء النار والفاء رابطة لجواب الشرط وقد حرف تحقيق ورحمته فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها. (وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ذلك مبتدأ وهو مبتدأ ثان والفوز العظيم خبر ويجوز إعراب هو ضمير فصل لا محل له والإشارة الى ما ذكر من الرحمة ووقاية السيئات.
البلاغة:
في قوله «ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه فن «الاسجال بعد المغالطة» وهو أن يقصد المتكلم غرضنا من ممدوح فيأتي بألفاظ تقرر بلوغه ذلك الغرض إسجالا منه على الممدوح به، وبيان ذلك أن يشترط شرطا يلزم من وقوعه وقوع ذلك الغرض ثم يخبر بوقوعه مغالطة وإن لم يكن قد وقع بعد ليقع المشروط، وقد يقع الاسجال لغير مغالطة وهذا النوع هو الذي وقع في الكتاب العزيز وقد تقدم بحثه ومثاله في آل عمران، أما النوع الأول فيقع في الشعر كقول ابن نباتة السعدي:
стр. 4571
جاء الشتاء وما عندي له عدد ... إلا ارتعادي وتصفيقي بأسناني
فإن هلكت فمولانا يكفنني ... هبني هلكت فهبني بعض أكفاني
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ١٠ الى ١٢]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان أحوال الكفرة بعد دخولهم النار. وإن واسمها وجملة كفروا صلة الذين وجملة ينادون خبر إن وينادون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والمنادون هم الملائكة بعد أن مقت الكفار أنفسهم وهم يكتوون بنار جهنم، واللام لام الابتداء ومقت الله مبتدأ والاضافة من إضافة المصدر لفاعله والمفعول به محذوف أي إياكم وأكبر خبر ومن مقتكم متعلقان بأكبر وأنفسكم مفعول مقتكم. (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ) إذ
стр. 4572
ظرف متعلق بمقت الله وإن توسط بينهما الخبر لأن الظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها ومنع ذلك أبو البقاء لما تقدم وجعل الظرف متعلقا بفعل محذوف تقديره مقتكم إذ تدعون، وجملة تدعون في محل جر بإضافة الظرف إليها وتدعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو هي نائب الفاعل وإلى الإيمان متعلقان بتدعون، فتكفرون الفاء عاطفة وتكفرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والمعنى المتحصل من الآية أنهم عند ما يزجون في غيابات النار ويذوقون الهول من احتراقهم بها ينطلقون بالملامة بعضهم على بعض ويتراشقون التهم ويلقي كل واحد الملامة على الآخر فيدعون من مكان سحيق أن مقت الله إياكم أو أنفسكم الأمّارة بالسوء إذ تدعون في الدنيا من جهة الأنبياء فلا تصيخون للسمع، ولا تبالون بالنصح والإرشاد، سادرين في مطاوعة أهوائكم الجموح.
(قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) قالوا فعل وفاعل وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وأمتنا فعل ماض والتاء فاعل ونا ضمير متصل في نصب مفعول به واثنتين مفعول مطلق ناب عدده عن المصدر أي إماتتين اثنتين وكذلك وأحييتنا اثنتين، واعترفنا فعل وفاعل وبذنوبنا متعلقان باعترفنا، فهل الفاء عاطفة وهل حرف استفهام والى خروج خبر مقدم ومن حرف جر زائد وسبيل مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر. (ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ) ذلكم مبتدأ والاشارة الى العذاب وبأنه خبر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة دعي في محل جر بإضافة الظرف إليها والله نائب فاعل ووحده حال وجملة كفرتم لا محل لها لأنها جواب إذا وجملة الشرط
стр. 4573
وجوابه خبر أنه والمراد كفرتم بالتوحيد. (وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) الواو عاطفة وإن شرطية ويشرك فعل الشرط مجزوم وهو فعل مضارع مبني للمجهول وبه سد مسد نائب الفاعل وتؤمنوا جواب الشرط والفاء عاطفة لأن هذا الكلام من جملة ما يقال لهم في الآخرة والحكم مبتدأ والله خبره والعلي الكبير صفتان.
البلاغة:
١- المجاز المرسل:
في قوله «ربنا أمتنا اثنتين» مجاز مرسل لأن المراد بالميتتين الاثنتين خلقهم أمواتا أولا واماتتهم عند انقضاء آجالهم ثانيا والمراد بالإحياءتين الاحياءة الأولى واحياءة البعث وقد أوضح سبحانه ذلك بقوله: «وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم» ففي تسمية خلقهم أمواتا إماتة مجاز لأنه باعتبار ما كان، وقد أوضح ذلك الزمخشري أبلغ إيضاح في فصله الممتع بهذا الصدد ننقله بنصه لنفاسته قال: «فإن قلت كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتا إماتة، قلت: كما صح أن تقول: سبحان من صغر حجم البعوضة وكبر حجم الفيل، وقولك للحفار ضيّق فم الركية ووسّع أسفلها وليس ثم نقل من صغر الى كبر ولا عكسه ولا من ضيق الى سعة ولا عكسه وإنما أرد الإنشاء على تلك الصفات والسبب في صحته أن الكبر والصغر جائزان معا على المصنوع الواحد من غير ترجح لأحدهما وكذلك الضيق والسعة فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر فجعل صرفه منه كنقله منه» .
стр. 4574
٢- الاستفهام بمعنى اليأس:
وفي قوله «فهل الى خروج من سبيل» في هذا الاستفهام يأس مقنط واستحالة مفرطة كأنهم لفرط ما يكابدونه يتمنون الخروج من هذا الأسى المطبق من الهول المستحكم ولكن أي تمن؟ إنه تمني من غلب عليه اليأس والقنوط وتنكير خروج للدلالة على أي خروج كان سواء أكان سريعا أم بطيئا وإنما يقولون ذلك تعللا وتحيرا ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك وهو قوله «ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم» ومعناه أن السبب يعود إلى كفركم فلا تطمعوا في زوال ما أنتم فيه لأنه جريرتكم وعلى أنفسكم تقع الملامة وقد تعلق الشعراء بأهداب هذا التعبير البديع فقال بعضهم:
هل الى نجد وصول ... وعلى الخيف نزول
وقصدهم أن هذا أمر غلب فيه اليأس على الطمع وحيل بين المتمني وما يتمناه.
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ١٣ الى ١٨]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)
стр. 4575
اللغة:
(الْآزِفَةِ) : القيامة سميت بذلك لأزوفها أي لقربها من أزف الرحيل أي قرب وفي المصباح: «أزف الرحيل أزفا من باب تعب وأزوفا دنا وقرب وأزفت الآزفة القيامة» وفي الأساس: أزف الرحيل:
دنا وعجل ومنه أقبل يمشي الأزفى بوزن الجمزى وكأنه من الوزيف والهمزة عن واو، وساءني أزوف رحيلهم وأزف رحيلهم....
والآزفة القيامة لأزوفها. قال هدبة:
وبادرها مصر العشيّة قرمها ... ذر البيت يغشاه من القرّ آزف
(الْحَناجِرِ) : في المختار: «والحنجرة بالفتح والحنجور بالضم الحلقوم» وفي القاموس: «والحنجور السفط الصغير وقارورة للذريرة والحلقوم كالحنجرة والحناجر جمعه» .
الإعراب:
(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً) كلام مستأنف مسوق للتدليل على أن الحكم له سبحانه وهو مبتدأ والذي خبر وجملة يريكم صلة وآياته مفعول به وينزل لكم عطف على يريكم ومن
стр. 4576
السماء متعلقان بينزل للدلالة على تجدد الإراءة والتنزيل وديمومتهما واستمرارهما. (وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) الواو عاطفة وما نافية ويتذكر فعل مضارع مرفوع وإلا أداة حصر ومن فاعل وجملة ينيب صلة. (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) الفاء الفصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر فادعوا، ولفظ الجلالة مفعول به ومخلصين حال وله جار ومجرور متعلقان بمخلصين والدين مفعول به والواو حالية ولو شرطية وكره الكافرون فعل وفاعل والمفعول به محذوف أي إخلاصكم أو دعوتكم. (رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) رفيع الدرجات خبر لمبتدأ محذوف وذو العرش خبر ثان وجملة يلقي الروح خبر ثالث أي الله ومن أمره متعلقان بيلقي أو بمحذوف حال من الروح أي الوحي أي حال كونه ناشئا من أمره والمراد بالروح الوحي وسيأتي السبب في تسميته بذلك في باب البلاغة وعلى من متعلقان بيلقي وجملة يشاء صلة ومن عباده حال، ولينذر اللام للتعليل وينذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بيلقي وفاعل ينذر يجوز أن يكون الله أو الروح أو من يشاء ويوم مفعول به لينذر والتلاق مضاف اليه وحذفت الياء اتباعا لرسم المصحف وقرىء بإثباتها وسمي يوم القيامة بيوم التلاق لأن الخلائق تلتقي فيه.
(يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) يوم بدل من يوم التلاق بدل كل من كل وهم مبتدأ وبارزون خبر والجملة الاسمية في محل جر بإضافة الظرف إليها فحركة يوم حركة اعراب على المشهور وسيأتي تقرير ذلك في باب الفوائد وجملة لا يخفى حال من ضمير بارزون أو خبر ثان وقيل هي مستأنفة ورجح الزمخشري الحالية
стр. 4577
ولعله على صواب وعلى الله متعلقان بيخفى ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة لشيء وشيء فاعل يخفى. (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به فالجملة مقول قول محذوف أي يقوله تعالى ويجيب نفسه والقول معطوف على ما قبله أو مستأنف في جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا يكون حينئذ فقيل يقال لمن الملك. ولمن خبر مقدم والملك مبتدأ مؤخر واليوم ظرف متعلق بالملك ولله خبر لمبتدأ محذوف تقديره الملك لله والواحد القهار نعتان لله وقال الزمخشري: «ينادي مناد فيقول لمن الملك اليوم فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار» .
(الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) الظرف متعلق بتجزى والكلام تتمة للمقول وتجزى فعل مضارع مبني للمجهول وكل نفس نائب فاعل وبما متعلقان بتجزى وما موصولة أو ظرفية. (لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) لا نافية للجنس وظلم اسمها المبني على الفتح واليوم ظرف متعلق بمحذوف خبر وإن واسمها وخبرها والجملة تعليل لعدم الظلم أي أنه تعالى لا يشغله حساب عن حساب فهو سريع في حسابه عادل في حكمه. (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ) الواو عاطفة على ما تقدم وأنذرهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به أول ويوم الآزفة مفعول به ثان وإذ بدل من يوم الآزفة والقلوب مبتدأ ولدي الحناجر ظرف متعلق بمحذوف خبر والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها وكاظمين حال من القلوب وعوملت الحناجر في جمعها بالياء والنون معاملة أصحابها وسيأتي تقرير الزمخشري في باب البلاغة. (ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ
стр. 4578
يُطاعُ)
الجملة حال من أصحاب القلوب وما نافية حجازية أو مهملة وللظالمين خبر مقدم ومن حرف جر زائد وحميم اسم ما المؤخر أو مبتدأ ولا شفيع عطف على حميم وجملة يطاع صفة لشفيع وفي الكلام مجاز سيأتي تفصيله في باب البلاغة .
البلاغة:
١- في قوله «يلقي الروح من أمره» مجاز مرسل لأن المراد بالروح الوحي وسمي الوحي روحا لأنه يجري من القلوب مجرى الأرواح من الأجساد فهو مجاز مرسل علاقته السببية وجعله الزمخشري استعارة تصريحية وليس ببعيد.
٢- التمثيل:
وفي قوله «إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين» استعارة تمثيلية لتجسيد الهول في ذلك اليوم الذي تكون فيه مشارفتهم للنار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ويستريحوا ولا هي ترجع إلى مواطنها فيتنفسوا الصعداء ويتروحوا ولكنها معترضة كالشجا.
٣- عكس الظاهر:
وفي قوله «ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع» عكس الظاهر وقد تقدم ذكر هذا الفن أكثر من مرة إذ لا شفيع لهم أصلا فضلا عن أن يكون مطاعا.
стр. 4579
٤- قول الزمخشري في كاظمين:
وقال الزمخشري: «فإن قلت: بم انتصب كاظمين؟ قلت: هو حال عن أصحاب القلوب على المعنى لأن المعنى إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها ويجوز أن يكون حالا عن القلوب وان القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر وانما جمع الكاظم جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء كما قال تعالى:
«رأيتهم لي ساجدين» وقال: فظلت أعناقهم لها خاضعين» .
الفوائد:
إضافة الزمان الى الجمل:
يجوز في الزمان إذا أضيف الى جملة الإعراب على الأصل والبناء فإن كان ما وليه فعلا مبنيا فالبناء أرجح للتناسب أو لشبه الظرف حينئذ بحرف الشرط في جعل الجملة التي تليه مفتقرة إليه والى غيره كقول النابغة الذبياني:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت: ألما أصح والشيب وازع
يروى على حين بالخفض على الاعراب وعلى حين بالفتح على البناء وهو الأرجح لكونه مضافا الى مبني أصالة وهو عاتبت وقد يكون البناء حالة عارضة فيجزي لأمر كذلك كقوله:
لأجتذبن منهن قلبي تحلما ... على حين يستصبين كل حليم
стр. 4580
يروى بخفض حين على الاعراب وفتحه على البناء لكونه مضافا الى مبني وهو يستصبين فإنه مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث وماضيه استصبيت فلانا إذا جعلته في عداد الصبيان وإن كان ما وليه فعلا مضارعا معربا أو جملة اسمية فالإعراب أرجح من البناء وهو واجب عند البصريين لعدم التناسب وإنما قلنا بأرجحية الاعراب لأن نافعا وهو من كبار القراء قرأ «هذا يوم ينفع» بالفتح على البناء لا على الاعراب وأجاب جمهور البصريين بأن الفتحة فيه ليست فتحة بناء وإنما هي فتحة إعراب مثلها في صمت يوم الخميس والتزموا لأجل ذلك أن تكون الاشارة ليست لليوم وإلا لزم كون الشيء ظرفا لنفسه ولهذا قال الفارسي وابن مالك بأرجحية الاعراب، قال في الخلاصة:
وقبل فعل معرب أو مبتدأ ... أعرب ومن بنى فلن يفندا
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)
стр. 4581
الإعراب:
(يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ) الجملة خبر رابع للمبتدأ المحذوف الذي أخبر برفيع الدرجات وما بعده أو هو خبر من أخبار هو الذي يريكم أو هي في محل نصب على الحال أو هي تعليلية لا محل لها. ويعلم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره هو أي الله تعالى وخائنة الأعين مفعول به والإضافة بمعنى من أي الخائنة من الأعين فعلى هذا تكون خائنة نعت لمحذوف أي العين الخائنة ويجوز أن تكون الخائنة مصدرا كالعاقبة والكاذبة أي يعلم خيانة الأعين، وسيأتي مزيد بحث عن هذا التعبير في باب البلاغة، والواو حرف عطف وما عطف على خائنة الأعين وجملة تخفي الصدور صلة ما.
(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) الواو حرف عطف والله مبتدأ وجملة يقضي بالحق خبره وبالحق متعلقان بيقضي أو بمحذوف حال أي ملتبسا به.
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة يدعون صلة ومن دونه متعلقان بيدعون والعائد محذوف أي يدعونهم من دونه بمعنى يعبدونهم وجملة لا يقضون بشيء خبر الذين وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع البصير خبر ان لهو أو لإن.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري أنكر عليهم عدم الاعتبار بأحوال غيرهم والواو عاطفة على مقدر يقتضيه المقام أي أغفلوا ولم يسيروا ولم حرف نفي وقلب وجزم ويسيروا فعل مضارع مجزوم بلم وفي الأرض متعلقان بيسيروا، فينظروا الفاء سببية أو عاطفة وينظروا
стр. 4582
منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية أو مجزوم عطف على يسيروا وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر مقدم لكان وعاقبة اسمها والجملة في محل نصب على المفعولية لينظروا وجملة كانوا صلة الذين ومن قبلهم خبر كانوا. (كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ) كان واسمها وهم ضمير فصل لا محل له وأشد خبرها وساغ دخول ضمير الفصل بين معرفة ونكرة وهو لا يقع إلا بين معرفتين لأن النكرة هنا- وهي أشد- بمثابة المعرفة من حيث امتناع دخول أل عليها لأن اسم التفضيل المقرون بمن لا تدخل عليه أل ومنهم متعلقان بأشد وقوة تمييز وآثارا عطف على قوة وفي الأرض صفة لآثارا وجعله الزمخشري منصوبا بمقدر أي أكثر آثارا على حد قوله «متقلدا سيفا ورمحا» (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ) الفاء عاطفة وأخذهم الله فعل ومفعول به وفاعل وبذنوبهم متعلقان بأخذهم والباء للسببية أي بسبب ذنوبهم والواو حرف عطف وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولهم خبرها المقدم ومن الله متعلقان بواق ومن حرف جر زائد وواق مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه اسم كان المؤخر.
(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ) ذلك مبتدأ والاشارة للأخذ والباء حرف جر للسببية وأن ومدخولها في محل جر بالباء والجار والمجرور خبر ذلك وأن واسمها وجملة تأتيهم خبر كانت واسمها مستتر تقديره هي ورسلهم فاعل تأتيهم وبالبينات متعلقان بتأتيهم فكفروا عطف على تأتيهم فأخذهم الله عطف على قوله فكفروا.
(إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ) تعليل للأخذ وان واسمها وقوي خبر أول وشديد العقاب خبر ثان.
стр. 4583
البلاغة:
فن الفرائد:
في قوله «يعلم خائنة الأعين» فن الفرائد وهو من فنون البديع والمختص بالفصاحة دون البلاغة لأنه عبارة عن إتيان المتكلم في كلامه بلفظة تتنزل منزلة الفريدة من حب العقد وهي الجوهرة التي لا نظير لها تدل على جزالة منطقه، وعظم فصاحته، وقوة عارضته، وأصالة عربية بحيث تكون هذه اللفظة لو سقطت من الكلام عزت على الفصحاء غرابتها وهي كثيرة في القرآن وقد مر الكثير منها وهي هنا في لفظة «خائنة» فإنها بمفردها سهلة مستساغة كثيرة الجريان على الألسن فلما أضيفت الى الأعين حصل لها من غرابة التركيب ما جعل لها في النفوس هذا الوقع بحيث لا يتاح الإتيان بمثلها ولا يكاد يقع ذو فكر سليم وذهن مستقيم على شبهها، وقد شغلت هذه الكلمة كبار العلماء وأرباب الفصاحة وسنورد أقوالا منها، فقال ابن عباس: «هو الرجل يكون جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها» وقال مجاهد: «هي مسارقة نظر الأعين الى ما قد نهى الله عنه» وقال الضحاك «هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى» وقال السدي: «إنه الرمز بالعين» وقال سفيان: «هو النظرة بعد النظرة» وقال الفراء: «خائنة الأعين هي النظرة الثانية وما تخفي الصدور النظرة الأولى» وقال ابن عباس: «وما تخفي الصدور أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا» وقيل «وما تخفي الصدور تكنّه وتضمره» .
стр. 4584
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢٣ الى ٢٧]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصة موسى مع فرعون واللام جواب القسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل وموسى مفعول به وبآياتنا متعلقان بأرسلنا وسلطان عطف على بآياتنا ومبين نعت، ولك أن تعلق بآياتنا بمحذوف حال أي ملتبسا بآياتنا ولعله أولى. (إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا: ساحِرٌ كَذَّابٌ) إلى فرعون متعلقان بأرسلنا وهامان وقارون عطف على فرعون، فقالوا عطف على أرسلنا وساحر كذاب خبر ان لمبتدأ محذوف أي هو ساحر كذاب. (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ) الفاء استئنافية ولما ظرفية حينية أو رابطة
стр. 4585
حرفية وجاءهم فعل ومفعول به وفاعل مستتر وبالحق متعلقان بجاءهم ومن عندنا متعلقان بمحذوف حال وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وهو لما واقتلوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والجملة مقول القول وأبناء الذين مفعول به وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا واستحيوا عطف على اقتلوا أي استبقوا ونساءهم مفعول به.
(وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) الواو حالية وما نافية وكيد الكافرين مبتدأ وإلا أداة حصر وفي ضلال خبر كيد. (وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) الواو عاطفة وقال فرعون فعل ماض وفاعل وذروني فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وأقتل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وفاعل مستتر تقديره أنا يعود على القائل وهو فرعون لأن قومه كانوا يكفونه عن قتله تهوينا لأمره واستصغارا لشأنه، وليدع الواو عاطفة واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والمقصود بالأمر هنا التعجيز بزعمه وربه مفعول به. (إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ) الجملة تعليل لمطالبته بقتل موسى وإن واسمها وأن وما في حيزها مفعول أخاف وأن حرف مصدري ونصب ويبدل فعل مضارع منصوب بأن ودينكم مفعول به وأو حرف عطف وأن يظهر عطف على أن يبدل وفي الأرض متعلقان بيظهر والفساد مفعول يظهر. (وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ) الواو عاطفة وقال موسى فعل وفاعل وان واسمها وجملة عذت خبرها والجملة مقول القول ومن كل متكبر متعلقان بعذت وجملة لا يؤمن نعت لمتكبر وبيوم الحساب متعلقان بيؤمن.
стр. 4586
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)
الإعراب:
(وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ) كلام مستأنف مسوق لإيراد الحل الملائم للعقدة القصصية بعد أن عاذ موسى بربه ليكفيه شر هذا اللعين. وقال رجل فعل ماض وفاعل ومؤمن نعت لرجل ومن آل فرعون نعت ثان إن كان الرجل قبطيا والتقدير وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون وإن كان الرجل إسرائيليا فمن متعلقة بيكتم في موضع المفعول الثاني ليكتم والأول أرجح، وجملة يكتم إيمانه صفة ثالثة لرجل وسيأتي مزيد بحث عن هذا الرجل والإعراب في باب الفوائد. (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري وتقتلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ورجلا مفعول به وأن وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي لأجل هذا القول من غير روية وتدبر وتأمل، وأجاز الزمخشري أن يكون ظرفا على تقدير مضاف أي وقت أن يقول، وردّ المعربون ذلك بأنه لا يجوز أن يطرد
стр. 4587
هذا التقدير في المصدر المؤول قالوا: إن ذلك إنما يكون مع المصدر المصرح به نحو جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم لامع المقدر فلا تقول أجيئك أن يصيح الديك تريد وقت صياحه، وسيرد مزيد بحث في هذا الموضوع في باب الفوائد. وربي مبتدأ والله خبره أو بالعكس والجملة مقول القول والواو حالية وقد حرف تحقيق وجاءكم فعل ماض وفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به وبالبينات متعلقان بجاءكم ومن ربكم في موضع نصب على الحال.
(وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) الواو عاطفة وإن شرطية ويك فعل الشرط وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسمها ضمير مستتر تقديره هو وكاذبا خبرها، فعليه الفاء رابطة لجواب الشرط وعليه خبر مقدم وكذبه مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وجملة إن يك صادقا يصيبكم بعض الذي يعدكم عطف على الجملة السابقة، وبعض فاعل يصيبكم وجملة يعدكم صلة. (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) ان واسمها وجملة لا يهدي خبرها ومن مفعول به وهو مبتدأ ومسرف خبر وكذاب خبر ثان والجملة صلة من. (يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ) هذا من تتمة كلام الرجل المؤمن ويا حرف نداء وقوم منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولكم خبر مقدم والملك مبتدأ مؤخر واليوم ظرف متعلق بما تعلق به الخبر وظاهرين حال من الضمير في لكم وفي الأرض متعلقان بظاهرين أي غالبين في الأرض.
(فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا) الفاء الفصيحة ومن اسم استفهام مبتدأ وجملة ينصرنا خبر ومن بأس الله متعلقان بينصرنا وإن
стр. 4588
شرطية وجاءنا فعل الشرط والجواب محذوف دل عليه ما قبله أي فمن ينصرنا وفاعل جاءنا يعود على بأس الله. (قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى) قال فرعون فعل وفاعل وما نافية وأريكم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وإلا أداة حصر وما اسم موصول مفعول أريكم وجملة أرى صلة الموصول أي ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي ولا أعلمكم إلا ما علمت. (وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) عطف على ما تقدم وسبيل الرشاد مفعول ثان لأهديكم أو نصب بنزع الخافض.
البلاغة:
الكلام المنصف:
في قوله تعالى: «أتقتلون رجلا أن يقول ... الآية» الكلام المنصف وقد استوفاه الزمخشري في تحليله الممتع وسنلخص ما قاله مع تعليق يقتضيه المقام: فقد استدرجهم هذا الرجل المؤمن باستشهاده على صدق موسى ﵇ من عند من تنسب اليه الربوبية ببينات عدة لا ببينة واحدة وأتى بها معرفة ليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم ثم أخذهم بالاحتجاج بطريق التقسيم فقال لا يخلو أن يكون صادقا أو كاذبا فإن يك كاذبا فضرر كذبه عائد عليه أو صادقا فأنتم مستهدفون لإصابتكم ببعض ما يعدكم به وإنما ذكر بعض مع تقدير أنه نبي صادق والنبي صادق في جميع ما يعد به لأنه سلك معهم طريق المناصحة لهم والمداراة فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم وأدخل في تصديقهم له ليسمعوا منه، فهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام
стр. 4589
ليريهم أنه لم يتكلم كلام المتعصب له، المتحيز الى جانبه وكذلك قدم الكاذب على الصادق لهذا الغرض، ويشبه موقف هذا الرجل المؤمن إلى حد بعيد موقف أبي بكر فقد طاف ﵊ بالبيت فلقوه فأخذوا بمجامع ردائه وقالوا أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ فقال ﵇: أنا ذلك فجاء أبو بكر فالتزمه وقال:
أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم رافعا صوته وعيناه تسفحان حتى أرسلوه.
الفوائد:
قد يجعل المصدر ظرفا:
قد يجعل المصدر حينا لسعة الكلام فيقال كان ذلك مقدم الحاج وخفوق النجم بمعنى مغيبه وخلافة فلان وصلاة العصر ومنه سير عليه ترويحتين وانتظر به نحر جزورين وقوله تعالى وادبار النجوم، وإنما يفعلون ذلك توسعا وإيجازا: فالتوسع بجعل المصدر حينا وليس من أسماء الزمان، والإيجاز الاختصار بحذف المضاف إذ التقدير في قولك خفوق النجم وصلاة العصر وقت خفوق النجم ووقت صلاة العصر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، واختص هذا التوسع بالأحداث لأنها منقضية كالأزمنة وليست ثابتة كالأعيان فجاز جعل وجودها وانقضائها أوقاتا للأفعال وظروفا لها كأسماء الزمان ومعنى سير عليه ترويحتين زمن ترويحتين ومعنى وانتظر به نحر جزورين أي زمن نحر جزورين والمراد مدة هذا الزمن، والترويحتين تثنية الترويحة واحدة التراويح في الصلاة يقال صلى ترويحتين وصلى خمس ترويحات
стр. 4590
وهي أزمنة موقتة تقع في جواب متى من حيث هي موقتة فيقال متى سير عليه فيقال خفوق النجم ومقدم الحاج وصلاة العصر وتقع في جواب كم من حيث كانت مدة معلومة فإذا قيل كم سير عليه جاز أن يكون جوابه مقدم الحاج وخلافة فلان إن شئت رفعته بفعل ما لم يسم فاعله وإن شئت نصبته على الظرف كل ذلك عربي جيد، فأما قوله:
«وادبار النجوم» قرىء بكسر الهمزة وفتحها فمن كسر كانت مصدرا جعل حينا توسعا فهو من باب خفوق النجم ومقدم الحاج ومن فتح الهمزة كانت جمع دبر على حد قفل وأقفال أو دبر على طنب وأطناب وقد استعمل ذلك ظرفا كقولك: جئتك في دبر كل صلاة وفي أدبار الصلوات، قال الشاعر:
على دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدّت عليه سنون تلمّع
فقراءة من كسر الهمزة أدخل في الظرفية في قراءة من فتح ولذلك يقل ظهور في مع المكسورة بخلاف من فتح.
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٣٠ الى ٣٥]
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤)
الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)
следующие страницы →