← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) الإعراب: (وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ) كلام مستأنف مسوق لإيراد الحل الملائم للعقدة القصصية بعد أن عاذ موسى بربه ليكفيه شر هذا اللعين. وقال رجل فعل ماض وفاعل ومؤمن نعت لرجل ومن آل فرعون نعت ثان إن كان الرجل قبطيا والتقدير وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون وإن كان الرجل إسرائيليا فمن متعلقة بيكتم في موضع المفعول الثاني ليكتم والأول أرجح، وجملة يكتم إيمانه صفة ثالثة لرجل وسيأتي مزيد بحث عن هذا الرجل والإعراب في باب الفوائد. (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري وتقتلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ورجلا مفعول به وأن وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي لأجل هذا القول من غير روية وتدبر وتأمل، وأجاز الزمخشري أن يكون ظرفا على تقدير مضاف أي وقت أن يقول، وردّ المعربون ذلك بأنه لا يجوز أن يطرد

стр. 4587

هذا التقدير في المصدر المؤول قالوا: إن ذلك إنما يكون مع المصدر المصرح به نحو جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم لامع المقدر فلا تقول أجيئك أن يصيح الديك تريد وقت صياحه، وسيرد مزيد بحث في هذا الموضوع في باب الفوائد. وربي مبتدأ والله خبره أو بالعكس والجملة مقول القول والواو حالية وقد حرف تحقيق وجاءكم فعل ماض وفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به وبالبينات متعلقان بجاءكم ومن ربكم في موضع نصب على الحال. (وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) الواو عاطفة وإن شرطية ويك فعل الشرط وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسمها ضمير مستتر تقديره هو وكاذبا خبرها، فعليه الفاء رابطة لجواب الشرط وعليه خبر مقدم وكذبه مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وجملة إن يك صادقا يصيبكم بعض الذي يعدكم عطف على الجملة السابقة، وبعض فاعل يصيبكم وجملة يعدكم صلة. (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) ان واسمها وجملة لا يهدي خبرها ومن مفعول به وهو مبتدأ ومسرف خبر وكذاب خبر ثان والجملة صلة من. (يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ) هذا من تتمة كلام الرجل المؤمن ويا حرف نداء وقوم منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ولكم خبر مقدم والملك مبتدأ مؤخر واليوم ظرف متعلق بما تعلق به الخبر وظاهرين حال من الضمير في لكم وفي الأرض متعلقان بظاهرين أي غالبين في الأرض. (فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا) الفاء الفصيحة ومن اسم استفهام مبتدأ وجملة ينصرنا خبر ومن بأس الله متعلقان بينصرنا وإن

стр. 4588

شرطية وجاءنا فعل الشرط والجواب محذوف دل عليه ما قبله أي فمن ينصرنا وفاعل جاءنا يعود على بأس الله. (قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى) قال فرعون فعل وفاعل وما نافية وأريكم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وإلا أداة حصر وما اسم موصول مفعول أريكم وجملة أرى صلة الموصول أي ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي ولا أعلمكم إلا ما علمت. (وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) عطف على ما تقدم وسبيل الرشاد مفعول ثان لأهديكم أو نصب بنزع الخافض. البلاغة: الكلام المنصف: في قوله تعالى: «أتقتلون رجلا أن يقول ... الآية» الكلام المنصف وقد استوفاه الزمخشري في تحليله الممتع وسنلخص ما قاله مع تعليق يقتضيه المقام: فقد استدرجهم هذا الرجل المؤمن باستشهاده على صدق موسى ﵇ من عند من تنسب اليه الربوبية ببينات عدة لا ببينة واحدة وأتى بها معرفة ليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم ثم أخذهم بالاحتجاج بطريق التقسيم فقال لا يخلو أن يكون صادقا أو كاذبا فإن يك كاذبا فضرر كذبه عائد عليه أو صادقا فأنتم مستهدفون لإصابتكم ببعض ما يعدكم به وإنما ذكر بعض مع تقدير أنه نبي صادق والنبي صادق في جميع ما يعد به لأنه سلك معهم طريق المناصحة لهم والمداراة فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم وأدخل في تصديقهم له ليسمعوا منه، فهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام

стр. 4589

ليريهم أنه لم يتكلم كلام المتعصب له، المتحيز الى جانبه وكذلك قدم الكاذب على الصادق لهذا الغرض، ويشبه موقف هذا الرجل المؤمن إلى حد بعيد موقف أبي بكر فقد طاف ﵊ بالبيت فلقوه فأخذوا بمجامع ردائه وقالوا أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ فقال ﵇: أنا ذلك فجاء أبو بكر فالتزمه وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم رافعا صوته وعيناه تسفحان حتى أرسلوه. الفوائد: قد يجعل المصدر ظرفا: قد يجعل المصدر حينا لسعة الكلام فيقال كان ذلك مقدم الحاج وخفوق النجم بمعنى مغيبه وخلافة فلان وصلاة العصر ومنه سير عليه ترويحتين وانتظر به نحر جزورين وقوله تعالى وادبار النجوم، وإنما يفعلون ذلك توسعا وإيجازا: فالتوسع بجعل المصدر حينا وليس من أسماء الزمان، والإيجاز الاختصار بحذف المضاف إذ التقدير في قولك خفوق النجم وصلاة العصر وقت خفوق النجم ووقت صلاة العصر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، واختص هذا التوسع بالأحداث لأنها منقضية كالأزمنة وليست ثابتة كالأعيان فجاز جعل وجودها وانقضائها أوقاتا للأفعال وظروفا لها كأسماء الزمان ومعنى سير عليه ترويحتين زمن ترويحتين ومعنى وانتظر به نحر جزورين أي زمن نحر جزورين والمراد مدة هذا الزمن، والترويحتين تثنية الترويحة واحدة التراويح في الصلاة يقال صلى ترويحتين وصلى خمس ترويحات

стр. 4590

وهي أزمنة موقتة تقع في جواب متى من حيث هي موقتة فيقال متى سير عليه فيقال خفوق النجم ومقدم الحاج وصلاة العصر وتقع في جواب كم من حيث كانت مدة معلومة فإذا قيل كم سير عليه جاز أن يكون جوابه مقدم الحاج وخلافة فلان إن شئت رفعته بفعل ما لم يسم فاعله وإن شئت نصبته على الظرف كل ذلك عربي جيد، فأما قوله: «وادبار النجوم» قرىء بكسر الهمزة وفتحها فمن كسر كانت مصدرا جعل حينا توسعا فهو من باب خفوق النجم ومقدم الحاج ومن فتح الهمزة كانت جمع دبر على حد قفل وأقفال أو دبر على طنب وأطناب وقد استعمل ذلك ظرفا كقولك: جئتك في دبر كل صلاة وفي أدبار الصلوات، قال الشاعر: على دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدّت عليه سنون تلمّع فقراءة من كسر الهمزة أدخل في الظرفية في قراءة من فتح ولذلك يقل ظهور في مع المكسورة بخلاف من فتح. [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٣٠ الى ٣٥] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)

стр. 4591

الإعراب: (وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ) الواو عاطفة وقال الذي آمن فعل ماض وفاعل وجملة آمن صلة وهو الذي قال: أتقتلون رجلا إلخ. ويا حرف نداء وقوم منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وان واسمها وجملة أخاف خبر وعليكم متعلقان بأخاف ومثل مفعول به ويوم الأحزاب مضاف اليه. (مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) مثل عطف بيان أو بدل لمثل الأول ودأب مضاف إليه ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي مثل جزاء وعادة من كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا وما بعده عطف عليه ومن بعدهم صلة الموصول. (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ) الواو عاطفة وما نافية حجازية ولفظ الجلالة اسمها وجملة يريد خبرها وظلما مفعول به والعباد نعت لظلما يعني أن تدميرهم كان استحقاقا بما اجترحوه واقترفوه من آثام. (وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ) عطف على إني أخاف ويوم التناد مفعول أخاف وهو يوم القيامة والتناد بحذف الياء وإثباتها في كل من الوصل والوقف وذلك لفظا أما خطا فهي محذوفة وقد تقدم في الأعراف أنه يكثر في ذلك اليوم العصيب نداء أصحاب الجنة النار وبالعكس والنداء بالسعادة لأهلها وبالشقاوة لأهلها.

стр. 4592

(يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) يوم بدل من يوم الأول وجملة تولون في محل جر بإضافة الظرف إليها ومدبرين حال وما نافية حجازية ولكم خبرها المقدم ومن الله متعلقان بعاصم ومن حرف جر زائد وعاصم اسم ما والجملة في محل نصب على الحال ولك أن تهمل ما لتقدم خبرها ومن يضلل الله فما له من هاد تقدم إعرابها بنصها قريبا فجدد به عهدا. (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ) كلام معطوف على ما تقدم لأنه من تمام وعظ مؤمن آل فرعون ذكّرهم بعتو آبائهم على الأنبياء وقيل هو من كلام موسى فيكون مستأنفا. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءكم يوسف فعل ماض ومفعول به وفاعل ومن قبل متعلقان بمحذوف حال أي من قبل موسى فبناء الظرف على الضم لأن المضاف اليه منوي معناه وبالبينات متعلقان بجاءكم. (فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ) الفاء عاطفة وما زلتم فعل ماض وناقص والتاء اسمها وفي شك خبرها ومما صفة لشك وجملة جاءكم صلة وبه متعلقان بجاءكم. (حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا) حتى حرف غاية لقوله ما زلتم وإذا ظرف متضمن معنى الشرط وجملة هلك في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة قلتم لا محل لها لأنها جواب إذ ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويبعث فعل مضارع منصوب بلن ولفظ الجلالة فاعل ومن بعده حال ورسولا مفعولا به. (كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ) كذلك نعت لمصدر محذوف وقد تقدم كثيرا ويضلل الله فعل مضارع وفاعل ومن مفعول به وهو مبتدأ ومسرف مرتاب خبران له والجملة الاسمية صلة. (الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ

стр. 4593

مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) هذه الآية شغلت المعربين كثيرا وتشعبت أقوالهم فيها وأوصل السمين أوجه الاعراب فيها إلى عشرة مما يضيع القارئ في متاهاته ولعل أولاها بالذكر وأقربها الى المعقول ما ذكره أبو حيان قال ما نصه: «والأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون الذين مبتدأ وخبره كبر والفاعل ضمير المصدر المفهوم من يجادلون وهذه الصفة موجودة في فرعون وقومه ويكون الواعظ لهم قد عدل عن مخاطبتهم الى الاسم الغائب لحسن محاورته لهم واستجلاب قلوبهم وأبرز ذلك في صورة تذكرهم فلم يخصهم بالخطاب وفي قوله كبر ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم» . ونورد فيما يلي الاعراب الذي اختاره الزمخشري قال: «الذين يجادلون بدل من من هو مسرف فإن قلت: كيف جاز إبداله منه وهو جمع وذاك موحد؟ قلت لأنه لا يريد مسرفا واحدا فكأنه قال: كلّ مسرف وجاز إبداله على معنى من لا على لفظها فإن قلت فما فاعل كبر؟ قلت: ضمير من هو مسرف، فإن قلت: أما قلت هو جمع ولهذا أبدلت منه الذين يجادلون؟ قلت: بل هو جمع في المعنى وأما اللفظ فموحد فحمل البدل على معناه والضمير الراجع إليه على لفظه وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى وله نظائر، ويجوز أن نرفع الذين يجادلون على الابتداء ولا بد في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع اليه الضمير في كبر تقديره جدال الذين يجادلون كبر مقتا، ويحتمل أن يكون الذين يجادلون مبتدأ وبغير سلطان أتاهم خبرا وفاعل كبر قوله كذلك أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال ويطبع الله

стр. 4594

كلام مستأنف ومن قال كبر مقتا عند الله جدالهم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه» . أما أبو البقاء فقد قال ما نصه: «الذين يجادلون فيه أوجه أحدها أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين وهم يرجع على قوله من هو مسرف لأنه في معنى الجمع والثاني أن يكون مبتدأ والخبر يطبع الله والعائد محذوف أي على كل قلب متكبر منهم وكذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وما بينهما معترض مسدد والثالث أن يكون الخبر كبر مقتا أي كبر قولهم مقتا والرابع أن يكون الخبر محذوفا أي معاندون ونحو ذلك والخامس أن يكون منصوبا بإضمار أعني» هذا وسنورد في باب الفوائد مناقشة سريعة لهذه الأقوال. هذه ومقتا تمييز محول عن الفاعل أي كبر مقت جدالهم وفيما يلي عبارة السمين: «كبر مقتا يحتمل أن يراد به التعجب والاستعظام وأن يراد به الذم كبئس وذلك أنه يجوز أن يبني فعل بضم العين مما يجوز التعجب منه ويجري مجرى نعم وبئس في جميع الأحكام وفي فاعله ستة أوجه» الى أن يقول: «الثاني أنه يعود على جدالهم المفهوم من يجادلون كما تقدم» الى أن يقول: «الخامس أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده وهو التمييز نحو نعم رجلا زيد وبئس غلاما عمرو وعند الله ظرف لكبر» وكذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الطبع ويطبع الله فعل مضارع وفاعل وعلى كل قلب متعلق بيطبع وقلب مضاف ومتكبر مضاف إليه أي على كل قلب شخص متكبر وجبار نعت ثان.

стр. 4595

الفوائد: ١- مناقشة قيمة: ذكر الزمخشري أن «من» في «من هو مسرف» عوملت معاملة لفظها من بعد معاملة معناها وقد استغرب أهل العربية هذا لأن فيه إبهاما بعد إيضاح وهذا غير لائق ببيان القرآن لأن البلاغيين يرون العكس والصواب أن يجعل الضمير في قوله كبر راجعا الى مصدر الفعل المتقدم وهو قوله يجادلون تقديره كبر جدالهم مقتا ويجعل الذين مبتدأ على تأويل حذف المضاف تقديره جدال الذين يجادلون في آيات الله والضمير في قوله كبر مقتا عائد الى الجدال المحذوف والجملة مبتدأ وخبر ومثله في حذف المصدر المضاف وبناء الكلام عليه قوله تعالى: «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله» على أحد تأويله ومثله كثير. ٢- كل قلب: كل لعموم الضلال جمع القلب لا لعموم القلوب أي شملت الضلالة جميع أجزاء القلب فلم يبق فيه محل للاهتداء والمعروف أن كلّا إذا دخلت على نكرة مطلقا أو على معرفة مجموعة تكون لعموم الأفراد وإذا دخلت على معرفة مفردة تكون لعموم الأجزاء وهنا عوملت الإضافة غير المحضة معاملة الإضافة المحضة. [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٦] وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)

стр. 4596

اللغة: (صَرْحاً) : الصرح- كما في المصباح- بيت واحد يبنى مفردا طولا ضخما، وقال في الكشاف: «الصرح البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، اشتقوه من صرح الشيء إذا ظهر وهذه المادة عجيبة في مدلولها إنها تدل في جميع مشتقاتها على الظهور

стр. 4597

والإبانة، قالوا: لبن صريح: ذهبت رغوته وخلص وعربي صريح من عرب صرحاء: غير هجناء ونسب صريح وكأس صراح: لم تمزج وصرّحت الخمرة: ذهب عنها الزبد ولقيته مصارحة: مجاهرة وصرّح النهار: ذهب سحابه وأضاءت شمسه قال الطرماح في وصف ذئب: إذا امتلّ يعدو قلت ظلّ طخاءة ... ذرى الريح في أعقاب يوم مصرح وصرح بما في نفسه وبني صرحا وصروحا وقعد في صرحة داره: في ساحتها. (الْأَسْبابَ) : جمع سبب وأسباب السموات مراقيها أو نواحيها أو أبوابها والسبب أيضا الحبل وما يتوصل به الى غيره وقد جمع زهير بينهما بقوله: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... وإن يرق أسباب السماء بسلم والسبب أيضا من مقطعات الشعر حرف متحرك وحرف ساكن أو حرفان متحركان والأول يسمى خفيفا والثاني ثقيلا» . (تَبابٍ) : خسار وهوان وفي القاموس «التبّ والتّبب والتّباب والتبيب والتتبيب: النقص والخسار وتبّا له، وتبّا تبيبا مبالغة» . (لا جَرَمَ) : تقدم بحثها وسيأتي مزيد تفصيل عنها في باب الفوائد.

стр. 4598

الإعراب: (وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ) الواو عاطفة وقال فرعون فعل وفاعل ويا حرف نداء وهامان منادى مفرد مبني على الضم وابن فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت والجملة مقول قول فرعون ولي متعلقان بمحذوف حال أو بابن وصرحا مفعول به ولعل واسمها وجملة أبلغ الأسباب خبر لعل. (أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً) أسباب السموات بدل من الأسباب بدل كل من كل وفائدة البدل أن الشيء إذا أبهم ثم أوضح كان تفخيما لشأنه وهذا هو مراد فرعون، فأطلع الفاء فاء السببية وأطلع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية جوابا للأمر وهو ابن أو جوابا للترجي وهو لعلي أبلغ وقرىء بالرفع على أن الفاء عاطفة فهو داخل في حيز الترجي وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد والى إله موسى متعلقان بأطلع واني الواو عاطفة وإن واسمها واللام المزحلقة وأظنه فعل مضارع والهاء مفعول به أول وكاذبا مفعول به ثان والجملة خبر إن. (وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) الكاف نعت لمصدر محذوف وزين فعل ماض مبني للمجهول ولفرعون متعلقان بزين وسوء عمله نائب فاعل وصدّ عطف على زين وصد فعل ماض مبني للمجهول بضم الصاد وفتحها وكلتا القراءتين سبعية وعن السبيل متعلقان بصد. (وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ) الواو عاطفة أو حالية وما نافية وكيد فرعون مبتدأ وإلا أداة حصر وفي تباب خبر كيد. (وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ) عطف على

стр. 4599

ما تقدم وقال الذي فعل ماض وفاعل وجملة آمن صلة ويا قوم نداء تقدم إعرابه واتبعون فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية وياء المتكلم المحذوفة لأنها من ياءات الزوائد في محل نصب مفعول وأهدكم فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وسبيل الرشاد مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض والرشاد اسم للمصدر لرشد. (يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ) سيأتي في باب البلاغة سر تكرير النداء واقترانه بالواو في النداء الثالث كما سيأتي. وإنما كافة ومكفوفة وهذه مبتدأ والحياة بدل والدنيا نعت ومتاع خبر وان الآخرة إن واسمها وهي ضمير فصل أو مبتدأ ودار القرار خبر إن أو خبر هي والجملة خبر إن. (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها) من اسم شرط جازم مبتدأ وعمل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وسيئة مفعول به والفاء رابطة ولا نافية ويجزى فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وإلا أداة حصر ومثلها مفعول يجزى الثاني. (وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) . الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ وعمل فعل ماض فعل الشرط وصالحا مفعول به أو نعت لمصدر محذوف أي عملا صالحا ومن ذكر حال أو أنثى عطف على من ذكر، وهو مؤمن الواو للحال وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال. (فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ) الفاء رابطة وأولئك اسم إشارة مبتدأ وجملة يدخلون الجنة خبر أولئك والجملة في محل جزم جواب الشرط وجملة يرزقون حال والواو نائب فاعل

стр. 4600

وفيها حال وبغير نعت للمفعول به المحذوف أي يرزقون رزقا واسعا بلا حساب ولا تبعة. (وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) عطف على ما تقدم وما اسم استفهام مبتدأ ولي خبره وجملة أدعوكم حالية والى النجاة متعلقان بأدعوكم وتدعونني الى النار عطف على أدعوكم الى النجاة. (تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) جملة تدعونني بدل وجملة وتدعونني بمثابة التعليل ولأكفر اللام للتعليل وأكفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره أنا وبالله متعلقان بأكفر وأشرك عطف على لأكفر وما مفعول به وجملة ليس لي به علم صلة وليس فعل ماض ناقص ولي خبرها المقدم وبه متعلقان بعلم وعلم اسم ليس المؤخر. (وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) الواو عاطفة وأنا مبتدأ وجملة أدعوكم خبر وإلى العزيز الغفار متعلقان بأدعوكم. (لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ) لا نافية وجرم فعل ماض بمعنى حق ووجب وأن وما في حيزها فاعل جرم أي حق ووجب بطلان دعوته وأن واسمها وحقها أن تكتب مفصولة لأن ما اسم موصول بمعنى الذي لكنها رسمت موصولة اتباعا لسنة المصحف وجملة تدعونني صلة وإليه متعلقان بتدعونني وجملة ليس خبر أن وله خبر ليس المقدم ودعوة اسمها المؤخر وفي الدنيا نعت ولا في الآخرة عطف على في الدنيا. (وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ) عطف على ما تقدم وأن واسمها والى الله خبرها وان المسرفين عطف أيضا وهم ضمير فصل لا محل له أو مبتدأ وأصحاب النار خبر أن أو خبر هم والجملة خبر أن. (فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ)

стр. 4601

الفاء الفصيحة والسين حرف استقبال وتذكرون فعل مضارع والواو فاعل وما مفعول به وجملة أقول صلة ولكم متعلقان بأقول وأفوض عطف وأمري مفعول به والى الله متعلقان بأفوض أي إذا نزل بكم العذاب. (إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) إن واسمها وبصير خبرها وبالعباد جار ومجرور متعلقان ببصير. (فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ) الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي لما توعدوه بالقتل وقصدوه به فعلا هرب منهم ولاذ بالمغاور وشعاب الجبال فطلبوه فلم يقدروا عليه فوقاه الله. ووقاه الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وسيئات مفعول به ثان أو نصب بنزع الخافض وما مصدرية أو موصولة أي سيئات مكرهم به أو سيئات الذي مكروا به وحاق فعل ماض وبآل فرعون متعلقان بحاق وسوء العذاب فاعل. (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا) النار خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سوء العذاب ويجوز أن تعرب بدلا من سوء العذاب ويجوز أن تعرب مبتدأ وجملة يعرضون خبر وعلى الوجهين الأولين تعرب جملة يعرضون حالا وقرىء النار بالنصب على الاختصاص بفعل محذوف وعليها متعلقان بيعرضون وغدوا وعشيا ظرفان متعلقان بيعرضون أيضا. (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) الظرف متعلق بقول محذوف أي يقال لهم يوم تقوم الساعة وجملة أدخلوا مقول القول ويجوز أن يتعلق بأدخلوا أي ادخلوا يوم تقوم الساعة وعلى هذين الوجهين يكون الوقف تاما على قوله وعشيا ويجوز أن يكون معطوفا على الظرفين قبله فيكون متعلقا بيعرضون والوقف

стр. 4602

على هذا الوجه على قوله الساعة وادخلوا مقول قول مقدر أي يقال لهم كذا وكذا وأدخلوا فعل أمر من أدخل وآل فرعون مفعول به أول وأشد العذاب مفعول به ثان وقرىء أدخلوا بهمزة الوصل من دخل يدخل فآل فرعون حينئذ منادى حذف منه حرف النداء وأشد العذاب مفعول به. البلاغة: في تكرير نداء قومه مبالغة في التنبيه والتحدي وقرع العصا وإمحاض النصيحة والإيقاظ من سنة الغفلة، كأنما عز عليه أن يستهدفوا للمصير المحزن الذي سيصيرون إليه وكأنه مترجح بين التلطف بهم لأن ما يحزنهم يحزنه وما يسوءهم يسوءه فهم قومه على كل حال، وقد سدروا في متاهات الغفلة وقد سبق تقرير هذا الموقف في مناصحة إبراهيم لأبيه عند ما كرر نصيحته إليه متلطفا بقوله: يا أبت مكررا. هذا وقد جيء بالواو في النداء الثالث خلافا لأن النداء الثاني بمثابة بيان للأول وتفسير له فأعطي حكمه في عدم دخول الواو عليه وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. الفوائد: ١- في نصب قوله «فأطلع» ثلاثة أوجه: أ- انه جواب للأمر وهو قوله ابن لي فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه ومثاله في الشعر قول أبي النجم العجلي: يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا

стр. 4603

ب- إنه جواب للترجي والى هذا نحا الزمخشري قال: «وقرىء فأطلع بالنصب على أنه جواب الترجي تشبيها للترجي بالتمني» . ج- انه معطوف على التوهم لأن خبر لعل كثيرا ما جاء مقرونا بأن في النظم والنثر فمن نصب توهم أن الفعل المرفوع الواقع خبرا منصوب بأن والعطف على التوهم كثير وان كان غير مقيس. ٢- لا جرم: بسطنا القول في هود حول «لا جرم» وأوردنا الأوجه المستفيضة فيها وقد اخترنا في الإعراب ما ذهب إليه الخليل وسيبويه وجمهور البصريين فتكون «لا» ردا لما دعاه إليه قومه و «جرم» بمعنى كسب أي وكسب دعاؤهم إليه بطلان دعوته أي ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، ويجوز أن يكون «لا جرم» نظير «لا بد» من الجرم وهو القطع فكما أنك تقول لا بد لك أن تفعل، والبد من التبديد الذي هو التفريق ومعناه لا مفارقة لك من فعل كذا فكذلك «لا جرم» معناه لا انقطاع لبطلان دعوة الأصنام بل هي باطلة أبدا. [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٤٧ الى ٥٢] وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)

стр. 4604

اللغة: (يَتَحاجُّونَ) : يتخاصمون يقال: حاجّه حجاجا ومحاجّة ومحاجة: خاصمه والمحجاج الكثير الخصومة. (تَبَعاً) : جمع تابع كخدم جمع خادم أو هو مصدر وصف به. (جَهَنَّمَ) سيأتي القول فيها في باب البلاغة. الإعراب: (وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) الواو استئنافية وإذ ظرف لما مضى متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر يا محمد لقومك وجملة يتحاجون في محل جر بإضافة الظرف إليها وفي النار متعلقان بيتحاجون والفاء تفريعية لتفصيل التحاج والتخاصم ويقول الضعفاء فعل مضارع وفاعل وللذين متعلقان بيقول وجملة استكبروا صلة. (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ) إن واسمها وجملة كنا خبرها والجملة مقول القول وكان واسمها ولكم متعلقان بمحذوف صفة لتبعا أو متعلقان به إذا اعتبر مصدرا،

стр. 4605

فهل الفاء عاطفة وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومغنون خبره وعنا متعلقان بمغنون ونصيبا مفعول لمغنون أي دافعون عنا نصيبا من النار، وعبارة أبي البقاء «نصيبا منصوب بفعل دل عليه مغنون تقديره: هل أنتم دافعون عنا أو مانعون ويجوز أن يكون في موضع المصدر كما كان شيء كذلك ألا ترى الى قوله تعالى: «لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا» فشيئا في موضع غنى فكذلك نصيبا» ومن النار صفة لنصيبا. (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ) قال الذين فعل ماض وفاعل وجملة استكبروا صلة الذين وإنا إن واسمها وكلّ مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم وفيها خبر كل والجملة خبر إن وان واسمها وجملة قد حكم خبر إن وبين العباد ظرف متعلق بحكم. (وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ) الواو عاطفة وقال الذين فعل ماض وفاعل وفي النار متعلقان بمحذوف صلة الذين ولخزنة جهنم متعلقان بقال ووضع جهنم موضع الضمير للتهويل وسيأتي مزيد من هذا البحث في باب البلاغة وادعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وربكم مفعول به والجملة مقول القول ويخفف فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب وعنا متعلقان بيخفف ويوما ظرف متعلق بيخفف أيضا ومن العذاب صفة لمحذوف هو مفعول يخفف أي يخفف عنا شيئا من العذاب في يوم. (قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ؟) قالوا فعل وفاعل والضمير يعود لخزنة جهنم والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي

стр. 4606

والواو عاطفة على مقدر أي ألم تنتهوا عن هذا ولم تك تأتيكم، ولم حرف نفي وقلب وجزم وتك فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر وجملة تأتيكم خبر ورسلكم فاعل تأتيكم وقد تنازعه كل من تك وتأتيكم فأعطى فاعلا للثاني وأضمر في الأول ويجوز العكس وبالبينات متعلقان بتأتيكم (قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) قالوا فعل وفاعل وبلى حرف جواب لإثبات النفي وقالوا فعل وفاعل أيضا، فادعوا الفاء الفصيحة وادعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والواو للحال وما نافية ودعاء مبتدأ والكافرين مضاف اليه وإلا أداة حصر وفي ضلال خبر دعاء. (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) تعليل لضياع دعائهم لأنه مسلوب الحجة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة ننصر رسلنا خبر إنا والذين عطف على رسلنا وجملة آمنوا صلة وفي الحياة الدنيا متعلقان بننصر ولا يقدح في هذا التأكيد ما يبدو أنهم يغلبون في بعض الأحيان ابتلاء وامتحانا فإن العبرة بالعواقب والأمور بخواتيمها، ويوم يقوم الاشهاد عطف على في الحياة الدنيا أي لننصرنهم في الحياة الدنيا وفي يوم القيامة وجملة يقوم الاشهاد في محل جر بإضافة الظرف إليها والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب. (يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) يوم بدل من يوم قبله وجملة لا ينفع في محل جر بإضافة الظرف إليها والظالمين مفعول به ومعذرتهم فاعل والواو عاطفة ولهم خبر مقدم واللعنة مبتدأ مؤخر ولهم سوء الدار عطف على لهم اللعنة.

стр. 4607

البلاغة: في قوله «لخزنة جهنم» فيه- كما قلنا- وضع الظاهر موضع المضمر للتهويل ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار غورا من قولهم بئر جهنام أي بعيدة القعر، وكان النابغة يسمي الجهنام لبعد غوره في الشعر، والأول أظهر والتفخيم فيه من وجهين: أحدهما وضع الظاهر موضع المضمر والثاني ذكره وهو شيء واحد بظاهر غير الأول أفظع منه لأن جهنم أفظع من النار إذ النار مطلقة وجهنم أشدها، هذا وقد جاء في القاموس ما نصه: «وركية جهنّام مثلثة الجيم وجهنم كعملّس بعيدة القعر وبه سميت جهنم أعاذنا الله تعالى منها» قال شارحه: «قوله وبه سميت جهنم جرى على أنها عربية لم تجر للتأنيث والتعريف وجرى يونس وغيره على أنها أعجمية لا تجري للتعريف والعجمة» وقوله لم تجر بمعنى لم تنصرف وهي عبارة سيبويه واصطلاح البصريين المنصرف وغير المنصرف واصطلاح الكوفيين المجري وغير المجري. [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٥٣ الى ٥٩] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩)

стр. 4608

الإعراب: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ) كلام مستأنف مسوق لإيراد نموذج عظيم من نماذج النصر الذي وعد الله به أنبياءه وأولياءه في الدنيا واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به والهدى مفعول به ثان وأورثنا عطف على آتينا وهو فعل وفاعل وبني إسرائيل مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان. (هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ) هدى وذكرى نصب على أنهما مفعول من أجله أي لأجل الهدى والذكرى أو على أنهما مصدران في موضع الحال ولأولي الألباب نعت لذكرى أو هو متعلق بذكرى. (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذه الحقيقة الثابتة وهي أن الله ينصر رسله وأولياءه فاصبر يا محمد على أذى قومك وإن واسمها وخبرها واستغفر لذنبك عطف على فاصبر أي واستدرك المفرطات بذنبك وقيل الكلام على حذف مضاف أي لذنب أمتك. (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) عطف أيضا وبحمد ربك حال وبالعشي والإبكار متعلقان بسبح. (إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ) إن واسمها وجملة يجادلون خبر إن وفي آيات

стр. 4609

الله متعلقان بيجادلون وبغير سلطان حال أي حال كونهم غير مستندين في جدالهم الى حجة إلا المكابرة واللجاج وهما سلاحان مغلولان وجملة أتاهم نعت لسلطان. (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ) إن نافية وفي صدورهم خبر مقدم وإلا أداة حصر وكبر مبتدأ مؤخر والجملة خبر إن وما نافية حجازية وهم اسمها وببالغيه الباء حرف جر زائد وبالغيه مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما والجملة نعت لكبر أي ببالغي مقتضى كبرهم وهو التعاظم. (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الفاء الفصيحة واستعذ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وبالله متعلقان باستعذ وان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والسميع البصير خبر إن. (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) اللام لام الابتداء وخلق السموات والأرض مبتدأ وأكبر خبر ومن خلق الناس متعلقان بأكبر ولكن الواو للحال ولكن واسمها وجملة لا يعلمون خبرها وسيأتي سر تلاحم هذا القول مع ما قبله في باب البلاغة. (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ) الواو عطف على ما تقدم وما نافية ويستوي الأعمى فعل مضارع وفاعل والبصير عطف على الأعمى والذين آمنوا عطف على الأعمى والبصير وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات جملة معطوفة داخلة في حيز الصلة ولا المسيء الواو عاطفة ولا زائدة للتوكيد والمسيء عطف على ما قبله وسيأتي ترتيب هذه المنسوقات في باب البلاغة وقليلا مفعول مطلق أو ظرف زمان وما زائدة وتتذكرون فعل مضارع مرفوع وفاعله.

стр. 4610

(إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) إن واسمها واللام المزحلقة وآتية خبرها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها والجملة خبر ثان لأن ولكن أكثر الناس لا يؤمنون تقدم إعراب هذه الجملة قبل قليل فجدد به عهدا. البلاغة: ١- فن الإلجاء: في قوله «لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس» فن رفيع من فنون البلاغة وهو فن الإلجاء وهو أن يبادر المتكلم خصمه بما يلجئه الى الاعتراف بصحته وبهذا صح التحامه مع ما قبله من الكلام فإن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على أمور كثيرة من الجدال والمغالطة واللجاج والسفسطة وفي مقدمتها إنكار البعث وهو في الواقع أصل المجادلة ومحورها الذي عليه تدور، فبادر سبحانه الى مبادهتهم بما يسقط في أيديهم، ويقطع عليهم طرق المكابرة والمعاندة وهو خلق السموات والأرض وقد كانوا مقرين بأن الله خالقها وبأنها خلق عظيم فخلق الناس بالقياس شيء هين ومن قدر على خلقها مع عظمها كان ولا شك على خلق الإنسان الضعيف أقدر وبه أقمن. هذا والأولوية في هذا الاستشهاد على درجتين: إحداهما أن القادر على العظيم هو على الحقير أقدر وثانيهما أن مجادلتهم كانت في البعث وهو الإعادة وما من ريب في أن الابتداء أعظم وأبهر من الإعادة.

стр. 4611

٢- فن حسن النسق: وفي قوله «وما يستوي الأعمى والبصير» الآية فن حسن النسق وفي ترتيب النسق ثلاث طرق إحداها أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية فالأعمى يجاور البصير وهذان الوصفان مستعاران لمن غفل عن معرفة الحق في مبدئه ومعاده وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أي المحسن يجاور المسيء وقدم الذين آمنوا لمجاورته للبصير وناهيك بهذه المجاورة شرفا للمؤمن، وثاني الطريقتين أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى «مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع» وثالثتهما أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: «وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور» وهذه الطرق الثلاث يتخير المتكلم في إيرادها حسب مقتضى الحال ووفق نواميس البلاغة وطرائقها والله أعلم. الفوائد: لام الابتداء: تفيد أمرين: أولهما توكيد مضمون الجملة ولهذا زحلقوها في باب إن عن صدر الجملة كراهية ابتداء الكلام بمؤكدين، وثانيهما تخليص المضارع للحال. وتدخل باتفاق في موضعين: ١- على المبتدأ نحو: «لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون» .

стр. 4612

٢- بعد إن وتدخل في هذا الباب على ثلاثة باتفاق: الاسم نحو «إن ربي لسميع الدعاء» والمضارع لشبهه به نحو «وإن ربك ليحكم بينهم» والظرف نحو «وإنك لعلى خلق عظيم» وعلى ثلاثة باختلاف: الماضي الجامد نحو (إن زيدا لعسى أن يقوم) والماضي المقرون بقد والماضي المتصرف المجرد من قد. ومن لام الابتداء لام القسم نحو «لينبذن في الحطمة» ونحو «ولسوف يعطيك ربك فترضى» . [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٠ الى ٦٣] وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللغة: (داخِرِينَ) : صاغرين وفي المصباح: «دخر الشخص يدخر بفتحتين دخورا: ذل وهان وأدخرته بالألف للتعدية» . الإعراب: (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) كلام مستأنف مسوق

стр. 4613

لبيان فضل الدعاء أي العبادة وسيرد في باب البلاغة المجاز في هذه الكلمة وقال ربكم فعل ماض وفاعل وادعوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به والجملة مقول القول، واستجب فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب ولكم متعلقان باستجب. (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) إن واسمها وجملة يستكبرون صلة الذين عن عبادتي متعلقان بيستكبرون وجملة سيدخلون خبر إن وجهنم مفعول به على السعة وداخرين حال. (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً) الله مبتدأ والذي خبره وجملة جعل صلة ولكم متعلقان بجعل لأنه بمعنى خلق والليل مفعول به ولتسكنوا اللام للتعليل وتسكنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل وفيه متعلقان بتسكنوا والنهار عطف على الليل ومبصرا حال. (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) إن واسمها واللام المزحلقة وذو فضل خبر إن وعلى الناس متعلقان بفضل ولكن الواو عاطفة ولكن واسمها وجملة لا يشكرون خبر لكن. (ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) اسم الإشارة مبتدأ والاشارة الى المعلوم المتميز بالأفعال المقتضية لربوبيته والله خبر أول وربكم خبر ثان وخالق كل شيء خبر ثالث (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) تقدم إعراب كلمة الشهادة مفصلا فجدد به عهدا والجملة خبر رابع والفاء الفصيحة وأنى اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب حال وتؤفكون أي تصرفون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل أي فكيف تصرفون عن الإيمان بعد ما قامت البراهين على ربوبيته؟

стр. 4614

(كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الكاف نعت لمصدر محذوف أي مثل إفك هؤلاء إفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون، والذين نائب فاعل وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبآيات الله متعلقان بيجحدون وجملة يجحدون خبرها. البلاغة: ١- المجاز والمشاكلة: في قوله «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم» مجاز مرسل علاقته السببية لأن الدعاء سبب العبادة وفي قوله أستجب لكم مشاكلة لأن الإثابة مترتبة عليها وإنما جعلنا الكلام مجازا بقرينة قوله بعد ذلك «إن الذين يستكبرون عن عبادتي» ويؤيد هذا المجاز حديث النعمان بن بشير عن رسول الله ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة» وقرأ هذه الآية، وقول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء، على أن بعضهم حمل الآية على الظاهر وقال إن الدعاء هو السؤال والتضرع وسيأتي في باب الفوائد مزيد بحث في هذا الصّدد. ٢- الإسناد المجازي: وفي قوله «الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا» إسناد مجازي فقد أسند الإبصار الى النهار لأنه يبصر فيه ولأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار وقرن الليل بالمفعول لأجله والنهار بالحال لأن كل واحد منهما يؤدي مؤدّى الآخر لأنه لو قيل

стр. 4615

لتبصروا فيه فاتت الفصاحة الكامنة في الإسناد المجازي، ولو قيل ساكنا- والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة- لم تتميز الحقيقة من المجاز. ٣- وضع الظاهر موضع المضمر: وفي قوله «ولكن أكثر الناس لا يشكرون» وسع الظاهر موضع المضمر فقد كان السياق يقتضي أن يقول ولكن أكثرهم لا يشكرون فلا يتكرر ذكر الناس ولكن في هذا التكرير تخصيصا لكفران النعمة بهم وانهم هم المتميزون بهذه الصفة المنبوّة على الطباع تتوالى عليهم النعم وتترادف الآلاء، ويتهيأ لهم كل ما يصبون إليه من مناعم العيش وهم مصرون على الجحود والنكران، أليست هذه سمة الناس في مختلف الظروف والأحوال؟ وقد كرر سبحانه تقرير ذلك فقال: «إن الإنسان لربه لكنود» وقال «إن الإنسان لظلوم كفار» . الفوائد: ١- قال الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته «اختلف الناس في أن الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة للحديث: «ان الدعاء هو العبادة» ولأن الدعاء إظهار الافتقار الى الله تعالى، وقالت طائفة: السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم، والرضا بما سبق به القدر أولى، وقال قوم يكون صاحب دعاء بلسانه ورضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعا» قال القشيري: «والأولى أن يقال الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من

стр. 4616

السكوت وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب وإنما يعرف ذلك بالوقت فإذا وجد في قلبه إشارة الى الدعاء فالدعاء أولى به وإذا وجد إشارة الى السكوت فالسكوت أنم» . فإن قيل: كيف قال تعالى «ادعوني أستجب لكم» وقد يدعو الإنسان كثيرا فلا يستجاب له؟ وقيل في الجواب: «الدعاء له شروط منها: الإخلاص في الدعاء، وأن لا يدعو وقلبه لاه ومشغول بغير الدعاء، وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة للإنسان، وأن لا يكون فيه قطيعة رحم فإذا كان الدعاء بهذه الشروط كان حقيقا بالإجابة فإما أن يعجلها له وإما أن يؤخرها له، يدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما من رجل يدعو الله تعالى بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له في الدنيا وإما أن يؤخر له في الآخرة وإما أن يكفّر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدعو بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا: يا رسول الله وكيف يستعجل؟ قال: يقول: دعوت فما استجاب لي» . وأورد الغزالي سؤالا آخر قال: «فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مردّ؟ فاعلم أن من جملة القضاء ردّ البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لردّ البلاء ووجود الرحمة كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح وقد قال الله تعالى: «وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم» فقدر الله تعالى الأمر وقدر سببه» . وهذا سؤال قد تكون الإجابة متقدمة عليه وقد روينا في كتاب الترمذي: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 4617

«من سره أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء» ومعنى سره: أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور وأن يستجيب الله فاعل سره ومفعول يستجيب محذوف أي دعاءه وقوله عند الشدائد ظرف للاستجابة أي حصول الأمور الشديدة من المكروهات، والكرب بضم ففتح جمع كربة وهي الغم يأخذ بالنفس، وقوله فليكثر الدعاء إلخ جواب الشرط، ولرخاء بفتح الراء سعة العيش وحسن الحال وإنما كان كذلك لأن إكثاره في وقت الرخاء يدل على صدق العبد في عبوديته والتجائه الى ربه في جميع أحواله وانه يشكره في الرخاء كما يشكره في الشدة ويتوجه إليه بكليته ليكون له عدة. وقال الإمام أبو حامد الغزالي في الاحياء: «آداب الدعاء عشرة: والأول أن يترصّد الأزمان الشريفة كيوم عرفة وشهر رمضان ويوم الجمعة والثلث الأخير من الليل ووقت الأسحار، الثاني أن يغتنم الأحوال الشريفة كحالة السجود والتقاء الجيوش ونزول الغيث وإقامة الصلاة وبعدها، الثالث استقبال القبلة ورفع اليدين ويمسح بهما وجهه في آخره، الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر، الخامس أن لا يتكلف السجع، السادس التضرع والخشوع والرهبة، السابع أن يجزم بالطلب ويوقن بالإجابة، الثامن أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا ولا يستبطىء الإجابة، التاسع أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى، العاشر هو الأصل في الإجابة وهو التوبة ورد المظالم والإقبال على الله تعالى» . ٢- لمحة عن القشيري: اقتبسنا في هذا الفصل قبسة من الرسالة القشيرية ولإتمام الفائدة يحسن بنا أن نورد لمحة موجزة عنها وعن مؤلفها لأنها تمدنا

стр. 4618

بصورة كاملة عن التصوف ورجاله منذ ظهر التصوف في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري حتى عصر المؤلف، وتعتبر على الرغم من صغر حجمها نسبيا أفضل وثيقة علمية وتاريخية في موضوعها، وقبل تلخيص الرسالة لا بد من الإشارة الى صاحبها فهو الشيخ عبد الكريم بن هوازن المعروف بزين الإسلام أبي القاسم القشيري ولد سنة ٣٧٦ هـ ولد في بيت عربي قح فقد كان أبوه قشيريا من قبيلة قشير بن كعب التي وردت خراسان زمن الأمويين وكانت أمه سلمية وخاله أبو عقيل السلمي من وجوه دهاقين ناحية استوا قريبا من نيسابور وفي هذه المنطقة عاش أجداده الأقربون، ونحن لا نعلم إلا القليل عن طفولته الأولى ولكننا نعلم أن أباه مات وهو صغير فعهد بأمر تربيته الى أبي القاسم اليماني الذي كان صديقا لأسرة القشيري فقرأ عليه الأدب والعربية ثم انتقل الى نيسابور حيث أخذ العلم عن بعض الأجلاء من علمائها وحضر مجلس الأستاذ الشهير أبي علي الحسن بن علي الدقاق الذي كان من كبار مشايخ الصوفية في عصره فأعجب القشيري به واستحسن كلامه وسلك طريقته فقبله الشيخ وأشار عليه بتعلّم العلم فحضر دروس الشيخ أبي بكر محمد بن بكر الطوسي ثم الأستاذ أبي بكر بن نورك الذي توفي سنة ٤٠٦ هـ وكان أصوليا كبيرا وبعد وفاته اختلف الى الأستاذ أبي اسحق الأسفراييني وجمع بين طريقته وطريقة ابن نورك ثم نظر بعد ذلك في كتب القاضي أبي بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ وهو مع كل هذا يداوم على حضور مجلس أبي علي الدقاق إلى أن اختاره لصحبته وزوّجه من ابنته ولما مات الأستاذ أبو علي صحب الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي المؤرخ الصوفي الكبير وأصبح شيخ خراسان غير منازع في الفقه على مذهب الإمام الشافعي والكلام على مذهب الإمام أبي الحسن

стр. 4619

الأشعري كما كانت له الصدارة في الحديث والأدب واللغة وقد وصف الباخرزي المتوفى سنة ٤٦٧ مقدرته على الوعظ المؤثر بقوله: «ولو قرع الصخر بسياط تحذيره لذاب، ولو ربط إبليس في مجلس تذكيره لتاب، وله فصل الخطاب في فضل المنطق المستطاب» . ويبدو أن الشهرة الواسعة التي تمتع بها القشيري في نيسابور قد أثارت الحقد والحسد في نفوس فقهاء هذه المدينة فشرعوا يعدون العدة للحطّ من قدره وذلك بتلفيق الاتهامات وإذاعة الأكاذيب حوله وقد نجحوا في مسعاهم وحلت بالقشيري محنة شديدة لقي فيها ألوانا من العنت والآلام والتشريد ونحيل القارئ الى طبقات السبكي ليقرأ تفاصيل تلك المحنة التي دامت خمس سنين إلى أن ردّ عليه عضد الدولة شرفه والتأم شمل مجلسه كما كان. خلاصة الرسالة القشيرية: تتألف الرسالة من الأقسام الرئيسية الآتية: ١- مقدمة يشرح فيها الباعث على تأليفه الرسالة فقد لاحظ أن بعض صوفية عصره قد ضلوا سبل الرشاد فعقد النية على وضع كتاب يرجع فيه بالتصوف الى سيرته الأولى، ويخلصه من البدع التي تسربت إليه وهذه هي عبارته نوردها بنصها لما فيها من روعة التصوير لهذه المأساة، يقول: «اعلموا رحمكم الله أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم، ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثرهم كما قيل: أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها

стр. 4620

ويذكر القشيري في هذه المقدمة أيضا بيانا بأصول العقائد الإيمانية التي دان بها أوائل الصوفية وبنوا قواعد أمرهم في الطريق عليها ثم يلخص وجهة نظره في تسع مسائل يرجع إليها من يشاء في رسالته. ٢- وهو قسم يترجم فيه لطائفة من الصوفية مبتدئا بإبراهيم ابن أدهم ومنتهيا بأحمد بن عطاء. ٣- وهو تفسير ألفاظ تدور بين الصوفية وبيان ما يشكل منها. ٤- وهو في أدب الطريق وما يعرض للسالك من عقبات في سفره الى الله. ٥- خاتمة بها وصيته للمريدين. هذا وقد كانت الرسالة موضع عناية الدارسين وقد وضعت عليها عدة شروح أشهرها شرح الشيخ زكريا الأنصاري. [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٤ الى ٦٨] اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)

стр. 4621

الإعراب: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان تفضله تعالى المتعلق بالمكان بعد بيان تفضله المتعلق بالزمان والله مبتدأ والذي خبره وجملة جعل صلة ولكم متعلقان بمحذوف حال والأرض مفعول به أول وقرارا مفعول به ثان لأن الجعل هنا بمعنى التصيير وإذا اعتبرت بمعنى الخلق كانت قرارا حالا بمعنى مستقرة والسماء بناء عطف على ما تقدم وصوركم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، فأحسن عطف على صوركم وصوركم مفعول به ومعنى كون السماء بناء إنها مبنية كالقبة المضروبة في نظر العين. (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) ورزقكم عطف على ما تقدم ومن الطيبات متعلقان برزقكم وذلكم مبتدأ والله خبر وربكم خبر ثان. (فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) الفاء حرف عطف وتبارك فعل ماض والله فاعل ورب العالمين نعت الله. (هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) هو مبتدأ والحي خبر وكلمة الشهادة التي تقدم اعرابها خبر ثان فادعوه الفاء الفصيحة وادعوه فعل أمر وفاعل ومفعول به ومخلصين حال وله متعلقان بمخلصين والدين مفعول لمخلصين.

стр. 4622

(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) تقدم إعرابها في مستهل الكتاب والجملة مقول لقول محذوف هو حال من فاعل فادعوه أي قائلين الحمد لله إلخ ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة على أنها من كلامه ذاته سبحانه. (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي) إن واسمها وخبرها مقول القول وجملة نهيت خبر إن والتاء نائب فاعل وأن أعبد المصدر المؤول في محل نصب بنزع الخافض أي عن عبادة الذين تدعون وجملة تدعون صلة ومن دون الله حال ولما ظرف بمعنى حين أو رابطة وجاءني البينات فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وجملة جاءني في محل جر بإضافة الظرف إليها. (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) عطف على نهيت وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بالإسلام ولرب العالمين متعلقان بأسلم. (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) هو مبتدأ والذي خبر وجملة خلقكم صلة ومن تراب متعلقان بخلقكم والكلام مستأنف مسوق لبيان كيفية تكون البدن وما بعده عطف عليه. (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) عطف أيضا ويخرجكم فعل مضارع وفاعل وطفلا حال من الكاف في يخرجكم. (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً) عطف أيضا واللام للتعليل وتبلغوا منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم وكذلك لتكونوا شيوخا وشيوخا خبر كان وقرىء بضم الشين وكسرها. (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ) الجملة مستأنفة ومنكم متعلقان بمحذوف خبر ل «من» ومن قبل متعلقان بيتوفى (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) الواو عاطفة

стр. 4623

ولتبلغوا الجار والمجرور متعلقان بمحذوف أيضا تقديره ونفعل ذلك ونحوه وأجلا مفعول به ومسمى نعت ولعلكم تعقلون عطف على قوله لتبلغوا أشدكم. (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) هو مبتدأ والذي خبره وجملة يحيي ويميت صلة، فإذا الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قضى في محل جر بإضافة الظرف إليها وأمرا مفعول به، فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويقول فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو وله متعلقان بيقول وكن فعل أمر تام وفاعل مستتر تقديره أنت والفاء استئنافية وجملة يكون خبر لمبتدأ محذوف أي فهو يكون وقرىء فيكون بفتحها على أن الفاء سببية والفاعل ضمير مستتر تقديره هو. الفوائد: كائنا ما كان: اختلف في كان وكائنا في قولك: لأضربنه كائنا ما كان فقال الفارسي: هما تامان في الموضعين وما مصدرية وهي وما بعدها فاعل كائنا أي كونه وقيل هما ناقصان في الموضعين وفي كائنا ضمير هو اسمه وخبره ما وهي موصولة وصلتها كان واسمها وخبرها واسمها ضمير مستتر فيها وخبرها محذوف تقديره إياه واسم كائن المستتر فيه وخبر كان عائدان على الشخص المضروب وتقدير الكلام حينئذ لأضربنه كائنا الذي كان إياه وكائنا حال من مفعول لأضربنه وفيه اطلاق ما على العاقل وهو جائز ويجوز أن تكون ما نكرة موصوفة وقد يقال من كان فيكون الكلام جاريا على وجهه.

стр. 4624

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٩ الى ٧٦] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) اللغة: (السَّلاسِلُ) : جمع سلسلة وهي الدائرة من حديد ونحوه تتصل أجزاؤها أو حلقاتها بعضها ببعض ومنه سلاسل البرق أي ما استطال منه في عرض السحاب وسلاسل الكتاب: سطوره، قال الراغب: وتسلسل الشيء اضطرب كأنه تصور منه تسلسل متردد فتردد لفظه تنبيه على تردد معناه وماء سلسل أي متردد في مقره. (يُسْجَرُونَ) : يوقدون من سجر التنور إذا ملأه بالوقود. الإعراب: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) الهمزة للاستفهام التقريري التعجبي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع

стр. 4625

مجزوم بإلى والفاعل مستتر تقديره أنت والى الذين متعلقان بتر أي تنظر وجملة يجادلون بآيات الله صلة وأنى اسم استفهام في محل نصب حال ويصرفون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومتعلقه محذوف أي يصرفون عن الإيمان بالكلية. (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) الذين بدل من الذين الأولى وكذبوا صلة وبالكتاب متعلقان بكذبوا وبما عطف على بالكتاب وجملة أرسلنا صلة وبه متعلقان بأرسلنا ورسلنا مفعول به والفاء استئنافية وسوف حرف استقبال ويعلمون فعل مضارع مرفوع والجملة مستأنفة مسوقة للتهديد، هذا ويجوز أن تعرب الذين خبرا لمبتدأ محذوف فيكون محلها الرفع أو منصوبا على الذم ويجوز أن يكون مبتدأ خبره فسوف يعلمون والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط. (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بيعلمون أو هي في محل نصب مفعول به ليعلمون ولا يتنافى كون الظرف ماضيا وسوف يعلمون مستقبلا ففي جعلها مفعولا به تفاد من استحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي، ولك أن تقول لا منافاة لأن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد والمعنى على الاستقبال. وعبارة السمين «ولا حاجة لإخراج إذ عن موضوعها بل هي باقية على دلالتها على المضي وهي منصوبة بقوله فسوف يعلمون، نصب المفعول به أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أي وقت سبب الأغلال وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا كأنه قيل سيعرفون وقت معاصيهم التي تجعل الأغلال في أعناقهم وهو وجه صحيح غاية ما فيه التصرف في
следующие страницы →