← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

(وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة ولكن حرف استدراك مهمل وظننتم فعل وفاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي ظننتم وان واسمها وجملة لا يعلم خبرها وكثيرا مفعول به ومما نعت لكثير وجملة تعملون صلة والعائد محذوف أي تعملونه. (وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) الواو عاطفة وذلكم مبتدأ وظنكم خبر والذي ظننتم نعت أو بدل وبربكم متعلقان بظننتم وجملة أرداكم خبر ثان ويجوز إعراب ظنكم بدلا من ذلكم أو ظنكم خبر وجملة أرداكم حال فأصبحتم عطف على أرداكم وأصبح واسمها ومن الخاسرين خبرها. (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) الفاء استئنافية وإن شرطية ويصبروا فعل الشرط والفاء رابطة والنار مبتدأ ومثوى خبر ولهم نعت لمثوى. (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) عطف على الجملة السابقة وما نافية حجازية وهم اسمها ومن المعتبين خبرها. (وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) فعل وفاعل ولهم متعلقان بقيضنا وقرناء مفعول به أي يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض، والقيض قشر البيض الأعلى اليابس على البيضة أو هي التي خرج ما فيها من فرخ أو ماء وموضعهما المقيض، فزينوا فعل وفاعل ولهم متعلقان بزينوا وما مفعول به والظرف متعلق بمحذوف صلة ما وأيديهم مضاف إليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ) الواو عاطفة وحق فعل ماض وعليهم متعلقان بحق والقول فاعل وفي أمم متعلقان بمحذوف حال أي كائنين في جملة أمم

стр. 4657

أو مندرجين وهو حال من الضمير في عليهم ومثل هذا التعبير قول عروة بن أذينة: إن تك عن أحسن الضيعة مأ ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا يقول: إن تكن مأفوكا أي مصروفا ومنقلبا عن أحسن العطاء فلا عجب فأنت في جملة أناس آخرين قد أفكوا وصرفوا عن الإحسان. وجملة قد خلت صفة لأمم ومن قبلهم متعلقان بخلت ومن الجن والانس نعت ثان لأمم أو حال لأنها وصفت وان واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وخاسرين خبر كان وجملة إن وما بعدها تعليلية لاستحقاقهم العذاب. البلاغة: الكناية: في قوله (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ) كناية عن موصوب فقد كنى عن الفروج بالجلود وقيل أراد بالجلود الجوارح عامة والعطف من عطف العام على الخاص فليس في الكلام كناية إذن، فالجلود هنا تفسّر حقيقة ومجازا، أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقا، وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة وهذا هو الجانب البلاغي الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة لما فيه من لطف الكناية عن المكنى عنه. [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)

стр. 4658

اللغة: (الْغَوْا فِيهِ:) فعل أمر من لغي بالكسر يلغى بالفتح وفيها معنيان أحدهما أنه من لغى إذا تكلم باللغو وهو مالا فائدة فيه والثاني انه من لغي بكذا إذا رمى به فتكون في بمعنى الباء أي ارموا به وانبذوه، وإما أن يكون من لغى بالفتح يلغى بالفتح أيضا، حكاه الأخفش وكان قياسه الضم كغزا يغزو ولكنه فتح لأجل حرف الحلق وقرىء بضم الغين من لغا يلغو كدعا يدعو، هذا ما قرره السمين، وعبارة الزمخشري «والغوا فيه بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغى ولغا يلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته» . الإعراب: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حالهم ومكابرتهم عند قراءة القرآن وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة ولا ناهية وتسمعوا فعل مضارع مجزوم بلا والجملة مقول القول ولهذا متعلقان بتسمعوا والقرآن بدل والغوا فعل أمر وفاعل وفيه متعلقان بالغوا ولعل واسمها وجملة تغلبون خبرها والمراد بالغلبة حمله على السكوت عن القراءة لئلا يستهوي القلوب ويستميلها بقراءة ما لم يعهده من بيان. (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً) الفاء الفصيحة أي إن استمرءوا ذلك

стр. 4659

واستمروا فيه فلنذيقن، واللام موطئة للقسم ونذيقن فعل مضارع مبني على الفتح واجب التأكيد والفاعل مستتر تقديره نحن والذين مفعول به وجملة كفروا صلة وعذابا مفعول به وشديدا نعت. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم وأسوأ الذي كانوا يعملون مفعول ثان لنجزينهم. (ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ) ذلك مبتدأ والإشارة الى المذكور من الأمرين وهما قوله فلنذيقن وقوله ولنجزينهم وجزاء أعداء الله خبر والنار بدل أو عطف بيان من جزاء، واعترض بعضهم على هذا الإعراب بأن علامة البدل صحة حلوله محل المبدل منه فيصير التقدير ذلك النار وهذا لا يصح ولذلك ينبغي العدول عن الإعراب الأرجح الى المرجوح وهو أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره سيأتي فيما بعد. (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال ودار الخلد مبتدأ مؤخر والجملة إما خبر النار بناء على إعرابها مبتدأ أو في محل نصب حال أو مستأنفة مستقلة مقررة لما قبلها وهذا أقعد بمكان البلاغة كما سيأتي، وجزاء مفعول مطلق منصوب بفعل مقدر وهو مصدر مؤكد أي يجزون جزاء أو منصوب بالمصدر المذكور قبله والمصدر ينصب بمصدر مثله وقد تقدمت له نظائر ولك أن تجعل جزاء مصدرا واقعا موقع الحال وبما متعلقان بجزاء الثاني أو الأول وجملة كانوا صلة وجملة يجحدون خبر كانوا وبآياتنا متعلقان بيجحدون لتضمنه معنى يكفرون وذلك خير من جعلها زائدة. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) الواو استئنافية وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وأرنا فعل أمر مبني على حذف حرف

стр. 4660

العلة ونا مفعول به أول واللذين مفعول به ثان لأن الرؤية بصرية وقد عديت الى اثنين بالهمزة وجملة أضلّانا صلة ومن الجن والإنس حال قيل هما إبليس وقابيل الأول سن الكفر والثاني سن القتل بغير حق لأنه قتل أخاه كما تقدم. (نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) نجعلهما فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به أول وتحت أقدامنا الظرف في موضع المفعول الثاني، ليكونا اللام للتعليل ويكونا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والألف اسمها ومن الأسفلين خبرها والجار والمجرور متعلقان بفعل الرؤية لأنه تعليل لها. البلاغة: ١- في قوله «فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا» استعارة مكنية وقد تقدم اجراؤها كثيرا. ٢- وفي قوله «لهم فيها دار الخلد» تجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي بال صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكماله فيها، فقد انتزع من النار دارا أخرى سماها دار الخلد. أقسام التجريد: واعلم أن للتجريد أقسام ذكرها علماء البيان، وسنحاول أن نورد ما قالوه فيها على سبيل الإيجاز: ١- فمنه ما يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم أي قد بلغ فلان حدا من الصداقة يصح معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها، ومثاله من الشعر قول القاضي الفاضل:

стр. 4661

تمد الى الأعداء منها معاصما ... فترجع من ماء الكلى بأساور ٢- ومنه ما يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قولهم: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر، بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا في السماحة. ٣- ومنه ما يكون بدخول باء المعية والمصاحبة في المنتزع كقول ابن هانىء: وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر وقول أبي تمام: هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقبل بأتم من قمر السماء إذا بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل وأجل من قيس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل هذا والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد كما لا يخفى. ٤- ومنه أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كالآية التي نحن بصددها «لهم فيها دار الخلد» أي في جهنم وهي دار الخلد لكنه انتزع منها دارا أخرى مبالغة، وقول المتنبي: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها الى الملك الميمون طائره

стр. 4662

قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو نفس الممدوح لكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة. ٥- ومنه أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه: يهتزّ بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت ٦- ومنه أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم يعني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، وقول أبي تمام: ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في مأتم البين لاستهلاكنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل

стр. 4663

ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها. ٧- ومنه أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق لها الكلام ثم يخاطبه كقول أبي الطيب المتنبي: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال أراد بالحال الغنى فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال والحال، ومنه قول الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقول أبي نواس الممتع: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده: ظنّ بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظّن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن

стр. 4664

تقسيم آخر للتجريد: وقسمه آخرون الى قسمين فقط وهما: تجريد محض وتجريد غير محض فالأول، وهو المحض، أن يأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك كقول الحيص بيص في مطلع قصيدة له: إلام يراك المجد في زيّ شاعر ... وقد بخلت شوقا فروع المنابر كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر أما وأبيك الخير انك فارس ... المقال ومحيي الدارسات الغوابر وأنك أعييت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر فهذا من محاسن التجريد ألا ترى أنه أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة وعدّ ما عدّه من الفضائل التائهة، وكل ما يجيء من هذا القبيل فهو التجريد المحض. وأما القسم الثاني، وهو غير المحض، فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر وذاك أولى بأن

стр. 4665

يسمى تجريدا لأن التجريد لائق به وهذا هو نصف تجريد لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئا وإنما خاطبت نفسك بنفسك كأنك فصلتها عنك وهي منك، ومما جاء منه قول عمرو بن الاطنابة: أقول لها وقد جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي وقول الآخر وقد قتل أخواه ابنا له فقدم إليه أخوه ليقتاد منه فألقى السيف من يده وأنشأ يقول: أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي وذكر أبو علي الفارسي كلاما جميلا بصدد التجريد فقال: «إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو بعينه نحو قولهم: لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ولئن سألته لتسألن به البحر وهو عينه الأسد والبحر لا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه» ثم قال «وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره كما قال الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل

стр. 4666

وهو الرجل نفسه لا غيره. وقد عقب ابن الأثير على ما ذكره أبو علي فقال: «والذي عندي أنه أصاب في الثاني ولم يصب في الأول لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه وهو يريدها وأما الأول وهو قوله لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ولئن سألته لتسألن به البحر فإن هذا تشبيه مضمر الأداة إذ يحسن تقدير أداة التشبيه فيه» الى أن يقول: «ويبطل على أبي علي قوله أيضا من وجه آخر وذاك أنه قال: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى الى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو، وهذا ينتقض بقولنا لئن رأيت الأسد لترين منه هضبته. ولئن لقيته لتلقينّ منه الموت فإن الصورة التي أوردها في الإنسان وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد فتخصيصه بالإنسان باطل وكلا الصورتين ليس بتجريد وإنما هو تشبيه مضمر الأداة» . والذي نراه أن ابن الأثير تحامل على أبي علي لأن كون هذا المثال من التشبيه المضمر الأداة لا يمنع كونه تجريدا في وقت واحد. وحسبنا ما تقدم. [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٠ الى ٣٦] إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)

стр. 4667

اللغة: (يَنْزَغَنَّكَ) : النزغ والنسغ بمعنى وهو شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي والمراد الوسوسة وفي معاجم اللغة: نزغ ينزغ من باب ضرب نزغا بين القوم أفسد ويقال نزغ الشيطان بينهم أي أغرى بعضهم ببعض ونزغه الشيطان الى المعاصي أي حثه ونزغ الشيطان وساوسه وما يحمل الإنسان على المعاصي. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان حال المؤمنين في الدنيا والآخرة بعد بيان حال الكافرين. وان واسمها وجملة قالوا صلة وربنا مبتدأ والله خبر والجملة مقول القول وثم حرف عطف للتراخي في الزمان واستقاموا فعل ماض وفاعل وجملة تتنزل عليهم الملائكة خبر إن.

стр. 4668

(أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) أن مصدرية أو مخففة فعلى الأول يصح أن تكون لا ناهية وأن تكون نافية وتخافوا منصوب بأن وعلى الثاني لا يصح إلا أن تكون مخففة ولا ناهية وعلى كل حال هي ومدخولها منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في موضع الحال أي قائلين، وعلى هذا لا يبعد احتمال كونها مفسرة لأن التنزيل فيه معنى القول ولا تحزنوا عطف على لا تخافوا وأبشروا فعل أمر معطوف على ما قبله وبالجنة متعلقان بأبشروا والتي نعت وجملة كنتم صلة وكان واسمها وجملة توعدون خبر كنتم. (نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) تتمة مقول قول الملائكة ونحن مبتدأ وأولياؤكم خبر وفي الحياة الدنيا متعلقان بأولياؤكم لأنه جمع ولي من الولاية وهي الحفظ أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وفي الآخرة ويجوز تعليقه بمحذوف حال وفي الآخرة عطف. (وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ) الواو عاطفة ولكم خبر مقدم وفيها متعلقان بمحذوف حال والضمير يعود على الجنة وما مبتدأ مؤخر وجملة تشتهي أنفسكم صلة ولكم فيها ما تدعون عطف على الجملة السابقة وتدعون من الدعاء بمعنى الطلب والتمني وفي المصباح: «ادعيت الشيء تمنيته وادعيته طلبته» (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) نزلا حال مما تدعون والنزل تقدم شرحه وهو القرى الذي يهيأ لاكرامة وسمي به المكان مجاز فهو مصدر وقال أبو البقاء: «نزلا فيه وجهان أحدهما هو مصدر في موضع الحال من الهاء المحذوفة أو من ما أي لكم الذي تدعونه معدا وما أشبهه ومن نعت له والثاني هو جمع نازل مثل صار وصبر فيكون حالا من الواو في تدعون أو من الكاف في لكم فعلى هذا يتعلق من

стр. 4669

بتدعون أي يطلبونه من غفور أو بالظرف أي استقر ذلك من غفور فيكون حالا من ما» هذا وقد نصبه الجلال بجعله مقدرا. (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ. وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الواو عاطفة ومن اسم استفهام مبتدأ ومعناه النفي أي لا أحد أحسن وأحسن خبر وقولا تمييز وممن متعلقان بأحسن وجملة دعا الى الله صلة من وجملة وعمل صالحا عطف على دعا الى الله، وجعلها أبو حيان حالية وليس ثمة ما يمنع ذلك، وصالحا مفعول به أو نعت لمصدر محذوف أي عمل عملا صالحا وقال عطف على ما قبله وإنني من المسلمين إن واسمها وخبرها في موضع نصب لأنها مقول القول. (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) كلام مستأنف مسوق لتشريع المعاملة بين البشر بعد بيان حسن المعاملة بين العبد وبين ربه ولا نافية وتستوي الحسنة فعل مضارع وفاعل ولا السيئة عطف على الحسنة وادفع فعل أمر وبالتي متعلقان بادفع والتي صفة لموصوف محذوف أي بالخصلة وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة صلة وفي هذا الكلام تأويلان ألمع إليهما البيضاوي تبعا للكشاف قال: «أي ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا أو ادفع بالتي هي أحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات» واختار الجلال الأول ومثل له بقوله: «كالغضب بالصبر والجهل بالحلم والإساءة بالعفو» . (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) قالوا ان الفاء هي التعليلية الدالة على أن ما بعدها علة ما قبلها وأرى أن الفصيحة هنا أولى لأنها جواب شرط مقدر والتقدير أي إذا دفعت بالتي هي أحسن فإذا الذي، وإذا للمفاجأة ولا بد من جعلها ظرفا للمكان لمعنى

стр. 4670

التشبيه وهذا مبني على القول باسميتها وجاز تقدم هذا الظرف على عامله المعنوي لأنه يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها والذي مبتدأ وبينك ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وعداوة مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة، وكأنه كان واسمها وولي حميم خبران كأن والجملة التشبيهية في رفع خبر الذي وعبارة أبي البقاء «كأنه ولي فيه وجهان أحدهما حال من الذي بصلته والذي مبتدأ وإذا للمفاجأة وهي خبر المبتدأ أي فبالحضرة المعادي مشبها للولي الحميم والفائدة تحصل من الحال والثاني أن يكون خبر المبتدأ وإذا ظرف لمعنى التشبيه والظرف يتقدم على العامل المعنوي» . (وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) الواو حرف عطف وما نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان والضمير يعود على الخصلة الحسنة وهي مقابلة السيئة بالحسنة وإلا أداة حصر والذين نائب فاعل يلقاها وجملة صبروا لا محل لها لأنها صلة. (وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) عطف على سابقتها مماثلة لها في اعرابها. (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الواو عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها في ما الزائدة وينزغنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به مقدم ومن الشيطان حال لأنه كان في الأصل صفة لنزغ ونزغ فاعل مؤخر، فاستعذ الفاء رابطة واستعذ فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت وبالله متعلقان باستعذ وان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والسميع العليم خبران لإن أو لهو والجملة خبر إن.

стр. 4671

البلاغة: في قوله «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» إيجاز بليغ لأن الاستقامة كلمة شملت جميع صفات التقوى قال عمر: الاستقامة: أن تستقم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب وأنت تعلم ما ينطوي تحت الأمر والنهي من أوامر ومناه. وأقل انحراف عن الطريق المستقيم يخرجه عن استقامته، ذلك لأن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين فهو لا يحتمل الانجراف ولو كان أدنى من اليسير. وفي الآيات من الطباق وجناس الاشتقاق ما لا يخفى فلذلك اكتفينا بالإشارة إليها. [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٧ الى ٣٩] وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) اللغة: (رَبَتْ) : انتفخت وعلت قبل أن تنبت ويقال للموضع المرتفع ربوة ورابية وسيأتي مزيد من شرحه في باب البلاغة.

стр. 4672

الإعراب: (وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) كلام مستأنف مسوق لإيراد أربع آيات من آياته تعالى ومن آياته خبر مقدم والليل مبتدأ مؤخر وما بعده عطف عليه. (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) لا ناهية وتسجدوا فعل مضارع مجزوم بلا وللشمس متعلقان بتسجدوا ولا للقمر عطف، واسجدوا لله عطف آخر والذي نعت لله وجملة خلقهن صلة والضمير يعود الى الآيات ولذلك عبّر عن الأربع بضمير الإناث مع أن فيها ثلاثة مذكرة والعادة تغليب المذكر على المؤنث لأنه لما قال ومن آياته فنظم الأربعة في سلك الآيات صار كل واحد منها آية فعبّر عنها بضمير الإناث. وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص والتاء اسمها وهو فعل الشرط وإياه مفعول مقدم لتعبدون وجملة تعبدون خبر كنتم وجواب الشرط محذوف تقديره فاسجدوا له. (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ) الفاء عاطفة وإن شرطية واستكبروا فعل ماض وفاعله وهو في محل جزم فعل الشرط، فالذين الفاء تعليل لجواب الشرط المحذوف وتقديره فدعهم وشأنهم والذين مبتدأ وعند ربك الظرف متعلق بمحذوف صلة الذين والظرفية هنا مكانة وتشريف وهي تعبير عن الزلفى والكرامة وجملة يسبحون خبر الذين وله متعلقان بيسبحون والليل والنهار متعلقان بيسبحون أيضا والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يسأمون خبر. (وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) الواو عاطفة على

стр. 4673

ما سبق ومن آياته خبر مقدم وأن وما في حيزها مبتدأ مؤخر وانك ان واسمها وجملة ترى الأرض خبر وخاشعة حال أي يابسة لا نبات فيها، وسيأتي مزيد من هذا البحث في باب البلاغة ، ولك أن تجعل الرؤية علمية فتكون خاشعة مفعولا به ثانيا، فإذا الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أنزلنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وعليها متعلقان بأنزلنا والماء مفعول به وجملة اهتزت لا محل لها وربت عطف على اهتزت. (إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تعليل لاهتزاز الأرض اليابسة وربوها وإن واسمها وجملة أحياها صلة واللام المزحلقة ومحيي الموتى خبر إن وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبرها. البلاغة: في قوله «أنك ترى الأرض خاشعة» استعارة مكنية فقد استعير الخشوع وهو التذلل والتقاصر لحال الأرض عند قحطها وجفافها كما استعير الهمود لها في قوله «وترى الأرض هامدة» وكذلك يسري القول على الاهتزاز والربو، يقال اهتز الإنسان أي تحرك، وربت أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره ربت واهتزت، والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض وقد يكونان بعد خروج النبات الى وجه الأرض فربوها ارتفاعها، وقيل: اهتزت أي تحركت حركة عظيمة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه وربت أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيا لوجهها وتزخرفت بذلك النبات كأنها بمنزلة المختال في زيه لما كانت قبل ذلك كالذليل.

стр. 4674

الفوائد: ١- تأثير القرآن في نفس عتبة: أدركت قريش أن أساليبها في صد الدعوة الاسلامية عن المصي في طريقها لم تنجح وانه لا بد من اللجوء الى عمل آخر فتشاوروا على عادتهم وانتدبوا عتبة بن ربيعة لكي يذهب الى النبي ﷺ يفاوضه في ترك الدعوة على أن يجمعوا له الأموال حتى يصير أغنى قريش ثم يجعلوا له الرياسات التي يصبح بها أرفعهم مقاما وأعزهم ملكا أو يلتمسوا له الطب حتى يبرأ من هذا الذي يأتيه فينطقه بكلام عجيب، وقد استمع النبي الى عتبة صابرا، فلما انتهى قال له: أفرغت يا أبا الوليد؟ فقال: نعم، قال له النبي: فاستمع مني، ثم أخذ يتلو عليه قوله تعالى: «حم تنزيل من الرحمن الرحيم» ومضى رسول الله يتلو على زائره سورة فصلت حتى انتهى الى قوله تعالى: «ومن آياته الليل والنهار» الآية ولما تلا هذه الآية سجد لربه سجودا طويلا ثم رفع رأسه واستوى في مجلسه وأخذ يكمل السورة حتى إذا فرغ منها نظر الى عتبة فإذ هو ملق يديه خلف ظهره يصغي في هدوء وقد بلغت الآيات منه مبلغا عظيما، قال له النبي: - قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك. فلم يعقب عتبة بكلمة وانصرف مهموما يفكر أعمق تفكير في هذا الذي سمع، فما أن رأت قريش صاحبها حتى قال بعضهم لبعض: - فحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا له:

стр. 4675

- ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: - ورائي اني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس. فقالت قريش: - سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! فأشاح عنهم وقال: - هذا رأيي فيكم فاصنعوا ما بدا لكم. ٢- موضع السجدة: اختلف في موضع السجدة، فهو عند الشافعي «تعبدون» لذكر لفظة السجدة قبلها وعند أبي حنيفة «يسأمون» لأنها تمام المعنى. [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٠ الى ٤٤] إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)

стр. 4676

اللغة: (يُلْحِدُونَ) : بضم الياء مضارع ألحد في دين الله أي جار وعدل وقرىء بفتح الياء مضارع لحد من باب قطع لغة فيه وقال في الكشاف: «يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة. ولم يصب الزمخشري في تقييد المستعار له بقوله في آيات القرآن، فإنها في الآية الكريمة مستعارة للانحراف من جهة الصحة والاستقامة مطلقا لا للانحراف عنها في آيات الله وإلا لما احتيج الى قوله في آياتنا، ومن هنا يبدو الفرق بين الملحد والزنديق والدهري والمنافق. (أَعْجَمِيًّا) : تقدم بحث هذه الكلمة ونضيف هنا ما قالوه في يائه قال أبو حيان: «الياء للمبالغة في الوصف وليس النسب فيه حقيقيا» وقال الرازي في لوامحه: «فهي كياء كرسي» والأعجمي هو الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه.

стр. 4677

الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا) كلام مستأنف مسوق لبيان حال الملحدين وإن واسمها وجملة يلحدون صلة الموصول وفي آياتنا متعلقان بيلحدون وجملة لا يخفون علينا خبر إن. (أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستفهام التقريري والفاء عاطفة على مقدر يقتضيه السياق ومن اسم موصول مبتدأ وجملة يلقى في النار صلة من وخير خبرها وأم حرف عطف ومن عطف على من الأولى وجملة يأتي صلة وآمنا حال وكان السياق يقتضي أن يقول أم من يدخل الجنة ولكن عدل عن مقتضى السياق ليصرح بأمنهم وانتفاء الخوف عنهم وذلك أثلج لصدورهم وأقر لعيونهم ويوم القيامة متعلق بيأتي أو بآمنا. (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) اعملوا فعل أمر والمراد به التهديد لهم والواو فاعل وما مفعول به وجملة شئتم صلة ما وجملة إنه تعليل للأمر وان واسمها وبما تعملون متعلقان ببصير وبصير خبر إن. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ) الجملة بدل من جملة إن السابقة وان واسمها وجملة كفروا بالذكر صلة ولما حينية أو رابطة وجاءهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وفي خبر إن وجوه أظهرها أنه محذوف تقديره لا يخفون علينا ويؤيد هذا الوجه كون إن الثانية بدلا من إن الأولى فيسري عليها ما يسري على الأولى والقاعدة ان المحكوم به على البدل محكوم به على المبدل منه وذكر المعربون أوجها أخرى نورد خلاصتها فيما يلي:

стр. 4678

١- انه محذوف لفهم المعنى وتقديره معذبون أو مهلكون وهو وجه سديد أيضا. ٢- انه محذوف قدره الجلال بقوله: نجازيهم. ٣- انه موجود مذكور وهو قوله فيما بعد «أولئك ينادون» . ٤- انه موجود مذكور وهو قوله: «لا يأتيه الباطل» والعائد محذوف أي لا يأتيه الباطل منهم نحو المشمش منوان بدرهم أي منون منه وتكون أل عوضا من الضمير في رأي الكوفيين تقديره إن الذين كفروا بالذكر لا يأتيه باطلهم. ٥- ان الخبر قوله ما يقال لك والعائد محذوف تقديره: إن الذين كفروا بالذكر ما يقال لك في شأنهم الا ما قد قيل للرسل من قبلك. وانه الواو حالية وان واسمها واللام المزحلقة وكتاب خبرها وعزيز نعت والجملة نصب على الحال أي ممتنع عن ان ينال منه أحد بحماية الله وكلاءته ويؤيده قوله تعالى «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» فلا يستطيع أحد أن يبطله أو يخرمه، (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) الجملة نعت ثان للكتاب ولا نافية ويأتيه الباطل فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومن بين يديه متعلقان بيأتيه ولا من خلفه عطف على من بين يديه وتنزيل خبر رابع ومن حكيم متعلقان بتنزيل وحميد نعت لحكيم. (ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) كلام مستأنف مسوق لتسليته صلّى الله عليه وآله على ما يناله من أذاهم وما نافية ويقال فعل مضارع مبني للمجهول ولك متعلق بيقال وإلا أداة حصر وما نائب

стр. 4679

فاعل أي إلا مثل الذي وقد حرف تحقيق وقيل للرسل صلة ومن قبلك حال. (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) إن واسمها واللام المزحلقة وذو مغفرة خبرها وعقاب أليم عطف على ما تقدم. (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) كلام مستأنف مسوق للرد على تساؤلهم: هلا أنزل القرآن بلغة العجم ولو شرطية وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به وقرآنا مفعول به ثان وأعجميا نعت واللام واقعة في جواب الشرط وجملة قالوا لا محل لها ولولا حرف تحضيض أي هلا وفصلت فعل ماض مبني للمجهول وآياته نائب فاعل والمعنى بنيت بلسان نفهمه ونفقهه، أأعجمي الهمزة للاستفهام الانكاري وأعجمي خبر لمبتدأ محذوف أي أهو أي القرآن أعجمي والمرسل به عربي وفيه قراءات بتحقيق الهمزة الثانية وقبلها ألفا ممدودة ويقرأ بهمزة واحدة وفتح العين على النسب الى عجم ويجوز أن يعرب أأعجمي مبتدأ والخبر محذوف تقديره أأعجمي وعربي يستويان. (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) قل فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت أي قل في الرد عليهم وهو مبتدأ وللذين آمنوا حال لأنه كان نعتا وتقدم، وهدى وشفاء خبر هو أي انه هاد لهم وشاف لما في صدورهم وكاف في درء الشبه ولهذا ورد معجزا بلسانهم وسيأتي تفصيل واف لهذا الموضوع في باب البلاغة. (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) والذين الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة لا يؤمنون صلة والعائد محذوف أي به وفي آذانهم خبر مقدم ووقر مبتدأ مؤخر

стр. 4680

ولا بد من تقدير رابط أي منه والجملة خبر الذين وهو مبتدأ وعليهم متعلقان بمحذوف حال ولا يتعلق بالمصدر لتقدمه عليه وعمى مبتدأ مؤخر وأولئك مبتدأ وجملة ينادون خبر ومن مكان متعلقان بينادون وبعيد نعت لمكان وسيأتي معنى هذا الكلام في باب البلاغة . البلاغة: ١- الطباق: «أأعجمي وعربي» طباق بديع يحتمل معنيين أولهما أن الإنكار واقع على كون القرآن أعجمي والرسول عربي وثانيهما أن القرآن أعجمي والمرسل إليهم أو إليه عربي وإنما جاء مفردا والمرسل إليهم هم أمة العرب لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه لا على أن المكتوب إليه واحد أو جماعة فوجب أن يجرد لما سبق إليه من الغرض ولا يوصل به ما يخل غرضا آخر، ألا تراك تقول وقد رأيت لباسا طويلا على امرأة قصيرة: اللباس طويل واللابس قصير، ولو قلت واللابسة قصيرة جئت بما هو لكنة وفضول قول لأن الكلام يقع في ذكورة اللابس وأنوثته وانما وقع في غرض وراءهما فصح الطباق. ٢- التشبيه البليغ: وفي قوله «قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء» تشبيه بليغ، جعل القرآن نفس الهدى ونفس الشفاء يهديهم الى سبل الرشاد ويشفيهم من أوصاب الجنون والالتياث. ٣- الاستعارة التمثيلية:

стр. 4681

وفي قوله «أولئك ينادون من مكان بعيد» استعارة تمثيلية شبهت حالهم في النبوّ عن قبول مواعظ القرآن ودلائله بحال من ينادى من مكان بعيد فكما انه لا يفهم ولا يقبل قول المنادي فكذلك هؤلاء لا يقبلون دعوة من دعاهم الى الرشد والصلاح لاستيلاء الضلالة عليهم. [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٥ الى ٤٨] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) اللغة: (أَكْمامِها) : جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الثمر أو ما يسمى فنيا الكأس، وفي الكشاف «الكم بكسر الكاف وعاء الثمر» ولكن قال الراغب في مفرداته: «الكم ما يغطي اليد من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه أكمام» فكلام الراغب يدل على مضموم الكاف إذ جعله مشتركا بين كم القميص وكم الثمرة، ولا جدال في كم القميص أنه بالضم فلعل في وعاء الثمرة لغتين دون كم القميص جمعا بين قول

стр. 4682

الزمخشري وقول الراغب، أما معاجم اللغة فتفرق بين كم الثوب وكم الثمر فنصوا على ضم الأول وكسر الثاني قال في القاموس: «الكم بالضم مدخل اليد ومخرجها من الثوب والجمع أكمام وكممة وبالكسر وعاء الطلع وغطاء النور كالكمامة والكمة بالكسر فيهما والجمع أكمة وأكمام وكمام» ويؤخذ من الأساس وغيره من المعاجم الكبرى ما يلي لتتدبره: الكم بضم الكاف مدخل اليد ومخرجها من الثوب جمعه أكمام وكممة بكسر الكاف، والكمة بضم الكاف القلنسوة المدورة وكل ظرف غطيت به شيئا وألبسته إياه فصار له كالغلاف. والكم بكسر الكاف الغلاف الذي يحيط بالزهر أو الثمر أو الطلع فيستره ثم ينشق عنه جمعه أكمة وأكمام وكمام وأكاميم ومن ذلك أكمام الزرع أي غلفها التي يخرج منها. وأكمة الخيل: مخاليها المعلقة على رؤوسها الواحد منها كمام والكمامة بكسر الكاف غطاء الزهر ووعاء الطلع، والكمامة أيضا بالكسر والكمال ما يكم به فم الحيوان لئلا يعض أو يأكل الى آخر هذه المادة المطولة. (مَحِيصٍ) : مهرب من حاص يحيص حيصا إذا هرب. الإعراب: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن الاختلاف في أمر الكتب المنزلة ليس بدعا فهو قديم في الأمم، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل

стр. 4683

وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان والفاء عاطفة واختلف فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر وفيه متعلقان باختلف. (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود وكلمة مبتدأ محذوف الخبر وجملة سبقت نعت لكلمة ومن ربك متعلقان بسبقت واللام واقعة في جواب لولا وقضي فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر يعود على المصدر المفهوم من قضي أي القضاء وبينهم ظرف متعلق بقضي والضمير في بينهم يعود على كفار قومه، وانهم الواو حاليه وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إن ومنه متعلقان بمحذوف نعت ومريب نعت ثان. (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) من اسم شرط جازم مبتدأ وعمل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وصالحا مفعول به أو نعت لمصدر محذوف وقد تقدمت له نظائر والفاء رابطة لجواب الشرط ولنفسه متعلقان بفعل محذوف تقديره نفع أو عمل ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي فالعمل الصالح لنفسه، ومن أساء فعليها عطف على ما تقدم وإعرابه مماثل له والواو يصح أن تكون حالية أو عاطفة وما نافية حجازية وربك اسمها وبظلام الباء حرف جر زائد وظلام مجرور لفظا منصوب محلّا على انه خبر ما وللعبيد متعلقان بظلام، ويصح أن تكون ظلام صيغة نسب كتمّار وبقّال وخبّاز كما سيأتي تفصيها في باب الفوائد ويصح أن تكون صيغة مبالغة وعلى الأول يكون معناه ليس بذي ظلم وقد رجحه غير واحد من المعربين. (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) اليه جار ومجرور متعلقان بيرد ويرد فعل مضارع مبني للمجهول وعلم الساعة نائب فاعل.

стр. 4684

(وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) الواو عاطفة وما نافية وتخرج فعل مضارع مرفوع ومن حرف جر زائد وثمرة مجرور بمن لفظا في محل رفع فاعل تخرج ومن أكمامها متعلقان بتخرج وقرىء من ثمرات. وقيل ما موصولة في محل جر عطف على الساعة أي علم الساعة وعلم التي تخرج، ومن الأولى للاستغراق ومن الثانية لابتداء الغاية والواو حرف عطف وما نافية وتضع فعل مضارع مرفوع ومن حرف جر زائدة وأنثى مجرور لفظا في محل رفع فاعل وإلا أداة حصر وبعلمه استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي إلا مقرونا بعلمه. (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) الظرف متعلق باذكر محذوفا فهو مفعول به أو انه ظرف لمضمر يقصر البيان عنه وجملة يناديهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وأين اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وشركائي مبتدأ مؤخر وقالوا فعل وفاعل وآذناك فعل ماض وفاعل ومفعول به أي أعلمناك الآن وعبارة أبي البقاء: «هذا الفعل يتعدى الى مفعول بنفسه والى آخر بحرف جر وقد وقع النفي وما في خبره موقع الجار والمجرور وقال أبو حاتم يوقف على آنذاك ثم يبتدأ فلا موضع للنفي» . وما نافية ومنّا خبر مقدم ومن حرف جر زائد وشهيد مجرور لفظا في محل رفع مبتدأ مؤخر. (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ) الواو عاطفة وضل فعل ماض وعنهم متعلقان بضل وما فاعل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يدعون خبر كانوا ومن قبل حال. (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) الواو عاطفة وظنوا فعل ماض وفاعل وما نافية ولهم خبر مقدم ومن

стр. 4685

حرف جر زائد ومحيص مجرور لفظا في محل رفع مبتدأ مؤخر والنفي معلق للظن عن العمل لفظا مع بقائه محلا وجملة النفي سدت مسد المفعولين لآذناك لأنها بمعنى أعلمناك كما سدت. جملة النفي السابقة مسد المفعول الثاني لآذناك وعبارة أبي البقاء: «وأما قوله تعالى: وظنوا فمفعولاها قد أغنى عنهما ما لهم من محيص وقال أبو حاتم يوقف على ظنوا ثم أخبر عنهم بالنفي» . الفوائد: النسبة على وزن فعّال وفاعل: اعلم أن العرب نسبوا على غير المنهاج المعروف في النسبة وذلك لأنهم لم يأتوا بياء النسبة ولكنهم يبنون بناء يدل على نحو ما دلت عليه ياء النسبة كقولهم لصاحب البتوت وهي الأكسية وواحدها بت: بتّات، ولصاحب الثياب: ثواب، ولصاحب البزّ: بزّاز، ولصاحب العاج عوّاج، ولصاحب الجمال التي ينقل عليها: جمّال، ولصاحب الحمير التي ينقل عليها: حمّار، وللصيرفي: صراف، وهو أكثر من أن يحصى كالعطّار والنقّاش، وهذا النحو إنما يعملون فيما كان صنعة ومعالجة للتكثير إذ صاحب الصنعة مداوم لصنعته فجعل له البناء الدّال على التكثير وهو فعّال بتضعيف العين لأن التضعيف للتكثير. وما كان من هذا ذا شيء وليس بصنعة يعالجها أتوا بها على صيغة فاعل وذلك لأن فاعلا هو الأصل وإنما يعدل عنه الى فعال للمبالغة فإذا لم ترد المبالغة جيء به على الأصل لأنه ليس فيه تكثير

стр. 4686

قالوا لذي الدرع: دارع، ولذي النبل: نابل، ولذي النشاب: ناشب، ولذي اللبن: لابن، ولذي التمر: تامر. وقال الحطيئة: وغررتني وزعمت أنّك لابن بالصيف تامر أي ذو لبن وذو تمر. وإن كان شيء من هذه الأشياء صنعة وما شا يداومها صاحبها نسب على فعّال فيقال لمن يبيع اللبن والتمر: لبّان وتمّار، ولمن يرمي بالنبل: نبال. قال امرؤ القيس: وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال وربما جمعوا بين اللفظين في شيء واحد، قال الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطّاعم الكاسي والمراد المطعوم المكسوّ، وهذا القبيل وإن كان كثيرا واسعا ليس بالقياس بل هو مقتصر على السماع فلا يقال لبائع البر: برار: ولا لصاحب الفاكهة: فكاه، وحمل عليه كثير من المحققين كما قال ابن مالك «وما ربك بظلام للعبيد» أي بذي ظلم والذي حملهم على ذلك أن النفي منصبّ على المبالغة فيثبت أصل الفعل والله تعالى منزه عن ذلك.

стр. 4687

[المجلد التاسع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تتمة سورة فصلت] [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٩ الى ٥٤] لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) الإعراب: (لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) كلام مستأنف للشروع في وصف الإنسان في حالتي شدته ورخائه. ولا نافية ويسأم الإنسان فعل مضارع وفاعل ومن دعاء الخير متعلقان بيسأم (وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ) الواو عاطفة وإن شرطية ومسّه فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به والشر فاعل والفاء رابطة للجواب ويئوس خبر لمبتدأ محذوف أي فهو يئوس وقنوط خبر ثان. والفرق بين اليأس

стр. 4688

والقنوط وكلاهما بمعنى قطع الرجاء من رحمة أن اليأس من منعات القلب والقنوط ظهور آثاره على ظاهر البدن وقيل هما مترادفان من غير فارق بينهما، وفي المختار: «اليأس القنوط وقد يئس من الشيء من باب فهم وفيه لغة أخرى يئس ييئس بالكسر فيهما وهي شاذة ورجل يئوس، ويئس أيضا بمعنى علم في لغة النخع ومنه قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) ، وآيسه الله من كذا فاستيئس منه بمعنى أيس» وفي المختار أيضا: «أيس منه لغة في يئس وبابهما فهم وآيسه منه غيره بالمدّ مثل أيأسه وكذا أيسه بتشديد الياء تأييسا» وفيه أيضا: «القنوط: اليأس وبابه جلس ودخل وطرب وسلم فهو قنط وقنوط وقانط فأما قنط يقنط بالفتح فيهما، وقنط يقنط بالكسر فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين» وعبارة الكشاف: «فيئوس قنوط بولغ فيه من طريقين من طريق بناء فعول ومن طريق التكرير. والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر أي يقطع الرجاء من فضل الله وروحه وهذه صفة الكافر بدليل قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) ، (وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية وأذقناه فعل ماض وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم فعل الشرط ورحمة مفعول به ثان ومن بعد نعت لرحمة أو متعلقان بأذقناه وضرّاء مضاف إليه وجرّ بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة واللام جواب القسم وجواب الشرط محذوف لسدّ جواب القسم مسدّه على القاعدة المشهورة وهذا مبتدأ ولي خبر واللام للاستحقاق أي أستحقه بعملي (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) الواو عاطفة وما نافية وأظن فعل مضارع والفاعل مستتر والساعة مفعول أظن الأول وقائمة مفعولها الثاني والواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ورجعت في محل جزم الشرط وإلى ربي متعلقان برجعت وإن وما في حيزها جواب القسم

стр. 4689

ولي خبر إن وعنده حال واللام المزحلقة والحسنى اسم إن وجملة إن لي عنده للحسنى لا محل لها لأنها جواب القسم لسبقه الشرط (فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) الفاء الفصيحة لأنها جواب لقول الكافر ولئن رجعت، واللام موطئة للقسم وننبئنّ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والذين مفعول به وجملة كفروا صلة وبما في محل نصب مفعول ثان لننبئنّ و «ما» يحتمل أن تكون موصولة أو مصدرية ولنذيقنّهم عطف على فلننبئنّ ومن عذاب في موضع المفعول الثاني وغليظ نعت (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أنعمنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وعلى الإنسان متعلقان بأنعمنا وجملة أعرض لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ونأى بجانبه عطف على أعرض والجار والمجرور متعلقان بنأى لأن اللام للتعدية وفيما يلي نص عبارة الزمخشري عن هذا التعبير قال: «فإن قلت: حقق لي معنى قوله تعالى: ونأى بجانبه، قلت: فيه وجهان: أن يوضع جانبه موضع نفسه كما ذكرنا في قوله تعالى «على ما فرطت في جنب الله» أن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه ومنه قوله: ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين يريد ونفيت عنه الذئب ومنه «ولمن خاف مقام ربه جنتان» إلى أن يقول: فكأنه قال: ونأى بنفسه كقولهم في المتكبر ذهب بنفسه وذهبت به الخيلاء كلّ مذهب وعصفت به الخيلاء وأن يراد بجانبه عطفه ويكون عبارة عن الانحراف والازورار كما قالوا «ثنى عطفه وتولى بركنه» وفي قراءة وناء بجانبه فالهمزة مؤخرة عن الألف (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة مسه

стр. 4690

الشر في محل جر بإضافة الظرف إليها، فذو: الفاء رابطة وذو دعاء خبر لمبتدأ محذوف وعريض نعت لدعاء وسيأتي في باب البلاغة معنى هذا النعت (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) أرأيتم: أي أخبروني عن حالتكم العجيبة وقد تقدم القول في أرأيتم. ومفعول رأى الاول محذوف تقديره أرأيتم أنفسكم والثاني هو الجملة الاستفهامية وإن شرطية وكان فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو أي القرآن ومن عند الله خبر، ثم كفرتم عطف على كان من عند الله وجواب الشرط محذوف تقديره فأنتم أضلّ من غيركم أو ليس ثمة أضلّ منكم وجملة الشرط اعتراض بين المفعولين الأول والثاني ومن اسم استفهام مبتدأ وأضلّ خبر وممّن متعلقان بأضل وهو مبتدأ وفي شقاق بعيد خبر والجملة الاسمية صلة الموصول (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) السين للاستقبال ونريهم فعل مضارع ومفعول به أول وآياتنا مفعول به ثان والرؤية هنا بصرية فلذلك عدّيت إلى اثنين فقط وفي الآفاق حال من الآيات والآفاق جمع أفق وهو الناحية وهو كأعناق في عنق أبدلت همزته ألفا، ونقل الراغب «أنه يقال أفق بفتح الهمزة والفاء فيكون كجبل وأجبال والأفق الذي بلغ نهاية الكرم تشبيها في ذلك بالذاهب في الآفاق والنسبة إلى الأفق أفقي بفتحهما قلت: ويحتمل أنه نسبة إلى المفتوح واستغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم وله نظائر» وفي أنفسهم عطف على في الآفاق (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) حتى حرف غاية وجر ويتبين فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وحتى وما بعدها متعلق بقوله سنريهم وأن وما في حيزها فاعل تبين (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي والواو حرف عطف على مقدر يقتضيه السياق أي ألم يغنهم ولم يكفهم والباء حرف جر زائد وربك مجرور لفظا مرفوع محلا والمفعول به محذوف أي أو لم يكفك ربك، وأن وما في

стр. 4691

حيزها بدل من ربك فيكون مرفوع المحل مجرور اللفظ وقيل الباء مزيدة في المفعول وأن ما بعدها في محل رفع فاعل أي أو لم يكف بربك شهادته وأن واسمها وشهيد خبرها وعلى كل شيء متعلقان بشهيد (أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) تقدّم إعراب نظيرتها. البلاغة: في قوله «فذو دعاء عريض» استعارة مكنية تخييلية فقد استعير العرض لكثرة الدعاء وديمومته وهو من صفات الأجرام ويستعار له الطول أيضا ولكن استعارة العرض أبلغ لأنه إذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله شبّه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد ثم أثبت له العرض، والطول أطول الامتدادين فإذا كان عرضه بهذه المثابة فناهيك بطوله. الفوائد: الرجل اللعين: شيء ينصب وسط الزرع لإخافة الطيور، والبيت للشماخ وقبله: وماء قد وردت لأجل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين ذعرت به القطا البيت. وأروى اسم حبيبة الشاعر واللجين: بفتح اللام وكسر الجيم ما يتساقط من الورق من اللجن وهو الدق لأنه يضربه الهواء أو الراعي فيسقط من الشجر وذعرت بفتحتين أي أخفت فيه القطا وخصّها لأنها أسبق الطير إلى الماء والرجل اللعين هو الصورة التي تنصب وسط الزرع تطرد عنه الطير والهوام، يقول: ورب ماء قد وردته لأجل محبوبتي على أن تجيء عنده فأراها وشبّه الطير حول الماء بورق الشجر المتساقط في الكدرة والكثرة والانتشار وكالرجل اللعين حال من ضمير الشاعر فيفيد أنه سبق القطا والذئب وقعد هناك، أو حال من الذئب أي على هيئة مفزعة وفيه دليل على شجاعة الشاعر وجرأته.

стр. 4692

(٤٢) سورة الشورى مكية وآياتها ثلاث وخمسون [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) الإعراب: (حم. عسق.) تقدم القول في فواتح السور معنى وإعرابا (كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الكاف نعت لمصدر محذوف ويوحي فعل مضارع مرفوع وإليك متعلقان بيوحي وإلى الذين عطف على إليك ومن قبلك صلة الذين والله فاعل والعزيز الحكيم نعتان لله وقرىء يوحى بالبناء للمجهول فنائب الفاعل هو الجار

стр. 4693

والمجرور والله فاعل بفعل محذوف دلّ عليه يوحى كأن قائلا قال من الموحي فقيل الله (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) له خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وفي السموات صلة وما في الأرض عطف وهو مبتدأ والعليّ العظيم خبران لهو (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ) تكاد فعل مضارع من أفعال المقاربة والسموات اسمها وجملة يتفطرن خبرها ومن فوقهنّ متعلقان بيتفطرن ومعنى من الابتداء أي يتبدئ الانفطار من جهتهنّ الفوقانية لأن أعظم الآيات وأدلّها على العظمة والجلال هو الانفطار من تلك الجهة ويعلم انفطار السفلى بطريق الأولى. واختلف في عودة الضمير في فوقهنّ فقيل هو عائد على السموات أي يبتدىء انفطارهنّ من هذه الجهة ومن للابتداء متعلقة بيتفطرن كما ذكرنا وقيل أنه عائد على الأرضين لتقدم ذكر الأرض قبل ذلك وقيل أنه عائد على فرق الكفار والجماعات الملحدين (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) كلام مستأنف والملائكة مبتدأ وجملة يسبّحون خبره وبحمد ربهم حال أو متعلقان بيسبحون (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ويستغفرون عطف على يسبحون ولمن متعلقان بيستغفرون وفي الأرض صلة من وألا أداة تنبيه وإن واسمها وهو ضمير فصل والغفور الرحيم خبر ان لإن (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) والذين مبتدأ وجملة اتخذوا صلة ومن دونه في موضع المفعول الثاني وأولياء مفعول اتخذوا الأول والله مبتدأ وحفيظ خبر وعليهم متعلقان بحفيظ وما نافية حجازية وأنت اسمها وعليهم متعلقان بوكيل والباء حرف جر زائد ووكيل مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وجملة الله حفيظ عليهم خبر الذين. [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٧ الى ٩] وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)

стр. 4694

الإعراب: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها) الكاف نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الإيحاء أوحينا وأوحينا فعل وفاعل وإليك متعلقان بأوحينا وقرآنا مفعول أوحينا وعربيا نعت. واختار الزمخشري أن تكون ذلك إشارة إلى معنى الآية قبلها من أن الله هو الرقيب عليهم وما أنت برقيب عليهم ولكن نذير لهم لأن هذا المعنى كرره الله في كتابه في مواضع جمة والكاف مفعول به لأوحينا وقرآنا عربيا حال من المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرآن عربي لا لبس فيه عليك لتفهم ما يقال لك ولا تتجاوز حدّ الإنذار وهو إعراب وجيه جميل. واللام للتعليل وتنذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وأم القرى مفعول به لتنذر، وأم القرى مكة، ومن عطف على أم القرى وحولها ظرف متعلق بمحذوف صلة من (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) وتنذر عطف على لتنذر ويوم الجمع مفعول به ثان لتنذر والمفعول الأول محذوف أي وتنذر الناس يوم الجمع أي عذابه فحذف المفعول الأول من الإنذار الثاني كما حذف المفعول الثاني من الإنذار الأول وتقديره العذاب ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيه خبرها والجملة حال من يوم الجمع أو مستأنفة واختار

стр. 4695

الزمخشري أن تكون معترضة والمراد بيوم الجمع يوم القيامة لأن الخلائق تجمع فيه وفريق مبتدأ وفي الجنة خبره وسوّغ الابتداء به التنويع والتفصيل وفريق في السعير عطف على ما تقدم ويجوز أن يكون فريق خبر لمبتدأ مضمر أي المجموعون (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية ولو شرطية وشاء الله فعل ماض وفاعل واللام واقعة في جواب لو وجملة جعلهم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والهاء مفعول به أول وأمة مفعول به ثان وواحدة نعت لأمة أي على دين واحد (وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل ويدخل مثل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو ومن مفعول به وجملة يشاء صلة والعائد محذوف وفي رحمته متعلقان بيدخل والظالمون مبتدأ وهو من باب وضع المظهر موضع المضمر ومقتضى الظاهر أن يقول ويدخل من يشاء في غضبه ولكنه عدل عن ذلك إلى ذكر الظالمين تسجيلا عليهم ومبالغة في الوعيد وما نافية ولهم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي وجملة النفي خبر الظالمون (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) حرف عطف وهي منقطعة بمعنى بل واتخذوا فعل وفاعل ومن دونه في موضع المفعول الثاني وأولياء مفعول اتخذوا الأول (فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) اختلف في هذه الفاء فقال الزمخشري هي جواب شرط مقدّر أي الفصيحة كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه إن أرادوا وليّا بحق فالله هو الوليّ بالحق لا وليّ سواه على شيء وقال أبو حيان في الردّ على الزمخشري: «لا حاجة إلى هذا التقدير لتمام الكلام بدونه» أي فهي لمجرد العطف أي عطف ما بعدها على ما قبلها وتبع أبا حيان أكثر المعربين وصرّح الجلال بأنها لمجرد العطف، وعندي أن
следующие страницы →