← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

الإعراب: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان تفضله تعالى المتعلق بالمكان بعد بيان تفضله المتعلق بالزمان والله مبتدأ والذي خبره وجملة جعل صلة ولكم متعلقان بمحذوف حال والأرض مفعول به أول وقرارا مفعول به ثان لأن الجعل هنا بمعنى التصيير وإذا اعتبرت بمعنى الخلق كانت قرارا حالا بمعنى مستقرة والسماء بناء عطف على ما تقدم وصوركم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، فأحسن عطف على صوركم وصوركم مفعول به ومعنى كون السماء بناء إنها مبنية كالقبة المضروبة في نظر العين. (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) ورزقكم عطف على ما تقدم ومن الطيبات متعلقان برزقكم وذلكم مبتدأ والله خبر وربكم خبر ثان. (فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) الفاء حرف عطف وتبارك فعل ماض والله فاعل ورب العالمين نعت الله. (هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) هو مبتدأ والحي خبر وكلمة الشهادة التي تقدم اعرابها خبر ثان فادعوه الفاء الفصيحة وادعوه فعل أمر وفاعل ومفعول به ومخلصين حال وله متعلقان بمخلصين والدين مفعول لمخلصين.

стр. 4622

(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) تقدم إعرابها في مستهل الكتاب والجملة مقول لقول محذوف هو حال من فاعل فادعوه أي قائلين الحمد لله إلخ ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة على أنها من كلامه ذاته سبحانه. (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي) إن واسمها وخبرها مقول القول وجملة نهيت خبر إن والتاء نائب فاعل وأن أعبد المصدر المؤول في محل نصب بنزع الخافض أي عن عبادة الذين تدعون وجملة تدعون صلة ومن دون الله حال ولما ظرف بمعنى حين أو رابطة وجاءني البينات فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وجملة جاءني في محل جر بإضافة الظرف إليها. (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) عطف على نهيت وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بالإسلام ولرب العالمين متعلقان بأسلم. (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) هو مبتدأ والذي خبر وجملة خلقكم صلة ومن تراب متعلقان بخلقكم والكلام مستأنف مسوق لبيان كيفية تكون البدن وما بعده عطف عليه. (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) عطف أيضا ويخرجكم فعل مضارع وفاعل وطفلا حال من الكاف في يخرجكم. (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً) عطف أيضا واللام للتعليل وتبلغوا منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم وكذلك لتكونوا شيوخا وشيوخا خبر كان وقرىء بضم الشين وكسرها. (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ) الجملة مستأنفة ومنكم متعلقان بمحذوف خبر ل «من» ومن قبل متعلقان بيتوفى (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) الواو عاطفة

стр. 4623

ولتبلغوا الجار والمجرور متعلقان بمحذوف أيضا تقديره ونفعل ذلك ونحوه وأجلا مفعول به ومسمى نعت ولعلكم تعقلون عطف على قوله لتبلغوا أشدكم. (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) هو مبتدأ والذي خبره وجملة يحيي ويميت صلة، فإذا الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قضى في محل جر بإضافة الظرف إليها وأمرا مفعول به، فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويقول فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو وله متعلقان بيقول وكن فعل أمر تام وفاعل مستتر تقديره أنت والفاء استئنافية وجملة يكون خبر لمبتدأ محذوف أي فهو يكون وقرىء فيكون بفتحها على أن الفاء سببية والفاعل ضمير مستتر تقديره هو. الفوائد: كائنا ما كان: اختلف في كان وكائنا في قولك: لأضربنه كائنا ما كان فقال الفارسي: هما تامان في الموضعين وما مصدرية وهي وما بعدها فاعل كائنا أي كونه وقيل هما ناقصان في الموضعين وفي كائنا ضمير هو اسمه وخبره ما وهي موصولة وصلتها كان واسمها وخبرها واسمها ضمير مستتر فيها وخبرها محذوف تقديره إياه واسم كائن المستتر فيه وخبر كان عائدان على الشخص المضروب وتقدير الكلام حينئذ لأضربنه كائنا الذي كان إياه وكائنا حال من مفعول لأضربنه وفيه اطلاق ما على العاقل وهو جائز ويجوز أن تكون ما نكرة موصوفة وقد يقال من كان فيكون الكلام جاريا على وجهه.

стр. 4624

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٩ الى ٧٦] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) اللغة: (السَّلاسِلُ) : جمع سلسلة وهي الدائرة من حديد ونحوه تتصل أجزاؤها أو حلقاتها بعضها ببعض ومنه سلاسل البرق أي ما استطال منه في عرض السحاب وسلاسل الكتاب: سطوره، قال الراغب: وتسلسل الشيء اضطرب كأنه تصور منه تسلسل متردد فتردد لفظه تنبيه على تردد معناه وماء سلسل أي متردد في مقره. (يُسْجَرُونَ) : يوقدون من سجر التنور إذا ملأه بالوقود. الإعراب: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) الهمزة للاستفهام التقريري التعجبي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع

стр. 4625

مجزوم بإلى والفاعل مستتر تقديره أنت والى الذين متعلقان بتر أي تنظر وجملة يجادلون بآيات الله صلة وأنى اسم استفهام في محل نصب حال ويصرفون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومتعلقه محذوف أي يصرفون عن الإيمان بالكلية. (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) الذين بدل من الذين الأولى وكذبوا صلة وبالكتاب متعلقان بكذبوا وبما عطف على بالكتاب وجملة أرسلنا صلة وبه متعلقان بأرسلنا ورسلنا مفعول به والفاء استئنافية وسوف حرف استقبال ويعلمون فعل مضارع مرفوع والجملة مستأنفة مسوقة للتهديد، هذا ويجوز أن تعرب الذين خبرا لمبتدأ محذوف فيكون محلها الرفع أو منصوبا على الذم ويجوز أن يكون مبتدأ خبره فسوف يعلمون والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط. (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بيعلمون أو هي في محل نصب مفعول به ليعلمون ولا يتنافى كون الظرف ماضيا وسوف يعلمون مستقبلا ففي جعلها مفعولا به تفاد من استحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي، ولك أن تقول لا منافاة لأن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد والمعنى على الاستقبال. وعبارة السمين «ولا حاجة لإخراج إذ عن موضوعها بل هي باقية على دلالتها على المضي وهي منصوبة بقوله فسوف يعلمون، نصب المفعول به أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أي وقت سبب الأغلال وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا كأنه قيل سيعرفون وقت معاصيهم التي تجعل الأغلال في أعناقهم وهو وجه صحيح غاية ما فيه التصرف في

стр. 4626

إذ تجعلها مفعولا به ولا يضرنا ذلك فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون منصوب باذكر مقدرا ولا تكون حينئذ إلا مفعولا به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي وجوزوا أن تكون منصوبة باذكر مقدر أي اذكر لهم وقت الأغلال ليخافوا وينزجروا فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها» . وعبارة أبي البقاء: إذ ظرف زمان ماض والمراد بها الاستقبال هنا لقوله تعالى: فسوف يعلمون، والأغلال مبتدأ وفي أعناقهم خبر والسلاسل عطف على الأغلال والظرف في نية التأخير عنهما فهو خبر عنهما معا وجملة يسحبون حال أو مبتدأ وخبره جملة يسحبون والرابط مقدر تقديره بها وقرىء بنصب السلاسل ويسحبون بفتح الياء فهو مفعول مقدم ليسحبون. وعبارة الزمخشري: «وعن ابن عباس والسلاسل يسحبون بالنصب وفتح الياء على عطف الجملة الفعلية على الاسمية وعنه والسلاسل يسحبون بجر السلاسل ووجهه أنه لو قيل إذ أعناقهم في الأغلال مكان قوله إذ الأغلال في أعناقهم لكان صحيحا مستقيما فلما كانتا عبارتين متعقبتين حمل قوله والسلاسل على العبارة الأخرى ونظيره: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا بين غرابها كأنه قيل بمصلحين وقرىء وبالسلاسل يسحبون» فهو على قراءة الجر من باب عطف التوهم وقد تقدم بحثه. وعندئذ يكون فيه فن القلب وهو كثير شائع في كلامهم وقد تقدم بحثه وفيه عطف التوهم بعد ذلك.

стр. 4627

(فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) في الحميم متعلقان بيسحبون، ثم حرف عطف للتراخي وفي النار متعلقان بيسجرون والجملة عطف على ما قبلها. (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ) ثم قيل أي ثم يقال أو يقولون وصيغة الماضي لتحقق وقوع القول ولهم متعلقان بقيل وأين اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة كنتم صلة وجملة تشركون خبر كنتم. (مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا) من دون الله حال وقالوا فعل وفاعل وجملة ضلوا عنا مقول القول (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ) بل حرف إضراب انتقالي ولم حرف نفي وقلب وجزم ونكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره نحن وجملة ندعو خبرها ومن قبل حال وشيئا مفعول به وكذلك نعت لمصدر محذوف ويضل الله الكافرين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) اسم الإشارة مبتدأ والإشارة للإضلال أو العذاب وبما خبر وجملة كنتم صلة وجملة تفرحون خبر كنتم وفي الأرض متعلقان بتفرحون وبغير الحق حال. (وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) عطف على قوله كنتم تفرحون والمرح هو الفرح أو أشده كما في المصباح. (ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) ادخلوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والجملة مقول قول محذوف وأبواب جهنم مفعول به على السعة وخالدين حال وفيها متعلقان بخالدين والفاء عاطفة وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم ومثوى المتكبرين فاعل بئس والمخصوص بالذم محذوف أي هي ولم بقل مدخل المتكبرين لإفادة الديمومة والخلود بلفظ الثواء.

стр. 4628

الفوائد: رسمت «أين» مفصولة من «ما» في المصحف ووصلت في مواضع أخرى، وعبارة ابن الجزري ( «فأينما كالنحل صل» أي صل «أين» مع «ما» في قوله تعالى «أينما تولوا فثم وجه الله» بالبقرة كالنحل أي كما تصله بها في قوله «أينما يوجهه لا يأت بخير» بالنحل «ومختلف في الأحزاب والنساء وصف» أي والاختلاف في «أين ما كنتم تعبدون» في الشعراء و «أينما ثقفوا» في الأحزاب و «أينما تكونوا يدرككم الموت» في النساء وصف أي ذكر أي ذكره أهل الرسم وما عدا الثلاثة نحو «فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا» و «أين ما كنتم تدعون من دون الله» في الأعراف و «أين ما كنتم تشركون» في غافر و «أين ما كانوا» في المجادلة مقطوع) . [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) الإعراب: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) الفاء الفصيحة أي إن بدا لك منهم ما بدا من صد وإعراض فلا تبتئس واصبر فإننا سننتقم لك منهم. واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإن واسمها وخبرها تعليل

стр. 4629

للأمر بالصبر. (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) الفاء عاطفة وإن الشرطية مدغمة في ما الزائدة ونرينك فعل الشرط مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم والفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبعض الذي مفعول به ثان وجملة نعدهم صلة الذي، أو نتوفينك عطف على نرينك والفاء رابطة، وإلينا يرجعون: إلينا متعلقان بيرجعون والجملة جواب للشرط الثاني وهو نتوفينك وجواب الشرط الأول والتقدير فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب وهو القتل والأسر يوم بدر فذاك أو أن نتوفينك قبل يوم بدر فإلينا يرجعون يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام. وإنما حذف جواب الأول دون الثاني لأن الأول إن وقع فذاك غاية الأمل في إنكائهم فالثابت على تقدير وقوعه معلوم وهو حصول المراد على التمام وأما إن لم يقع ووقع الثاني وهو توفيه قبل حلول المجازاة بهم فهذا هو الذي يحتاج إلى ذكره للتسلية وتطمين النفس على أنه وإن تأخر جزاؤهم عن الدنيا فهو حتم في الآخرة ولا بد منه. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ورسلا مفعول به ومن قبلك نعت لرسلك أو متعلقان بأرسلنا ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة قصصنا صلة وعليك متعلقان بقصصنا ومنهم من لم نقصص عليك عطف على الجملة الأولى وهي نعت لرسلا أو مستأنفة. (وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) الواو عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولرسول خبر كان المقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وبآية متعلقان بيأتي وإلا أداة حصر وبإذن الله

стр. 4630

استثناء من أعم الأحوال. (فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء أمر الله في محل جر باضافة الظرف إليها وجملة قضي بالحق لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ونائب فاعل قضي مستتر تقديره هو أي الأمر وبالحق حال أي ملتبسا بالحق وخسر فعل ماض وهنالك اسم إشارة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بخسر والمبطلون فاعل خسر. الفوائد: ضمير النكرة نكرة أم معرفة؟ تساءل بعضهم عن الضمير في قوله «منهم من قصصنا» والعائد على قوله «رسلا» أهو نكرة أم معرفة؟ وأجاب بأنه نكرة لأن مدلوله كمدلول المرجوع إليه وهو نكرة فوجب أيضا أن يكون الراجع نكرة إذ التنكير والتعريف باعتبار المعنى والصحيح انه معرفة لأن الهاء في قولك: «جاءني رجل وضربته» ليست شائعة شياع رجل لأنها تدل على الرجل الجائي خاصة لا على رجل والذي يحقق ذلك أنك تقول جاءني رجل ثم تقول: أكرمني الرجل ولا تعني بالرجل سوى الجائي ولا خلاف في أن الرجل معرفة فوجب أن يكون الضمير معرفة أيضا لأنه بمعناه. [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٧٩ الى ٨٥] اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)

стр. 4631

الإعراب: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ) كلام مستأنف مسوق لتعديد بعض آلائه سبحانه، والله مبتدأ والذي خبره وجملة جعل صلة ولكم متعلقان بجعل لأنها بمعنى خلق والأنعام مفعول به، وقد تقدم تفسيرها في سورة الأنعام ولا معنى لتخصيص الإبل وحدها، ولتركبوا اللام للتعليل وتركبوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعل لأنها علة الخلق ومنها متعلقان بتركبوا أي من بعضها فمن للتبعيض ولا معنى لجعلها ابتدائية ومنها تأكلون عطف على ما تقدم (وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ) الجملة معطوفة. (وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) وعليها متعلقان بتحملون وعلى الفلك عطف على وعليها. َ يُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) ويريكم آياته عطف

стр. 4632

على جعل لكم الأنعام وآياته مفعول به ثان، فأي: الفاء عاطفة وأي مفعول مقدم لتنكرون وقدم وجوبا لأن لأسماء الاستفهام الصدارة وتنكرون فعل مضارع مرفوع والاستفهام للتوبيخ قال الزمخشري: «وقد جاءت على اللغة المستفيضة وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهي في أي أغرب» قلت وقد ورد تأنيثها كثيرا ومنه قول الكميت: بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في توبيخهم والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي والفاء عاطفة على مقدر أي أعجزوا فلم يسيروا في الأرض أي في نواحيها وأطرافها والفاء فاء السببية وينظروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والواو فاعل وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وعاقبة اسمها المؤخر ومن قبلهم متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لبيان مبدأ أحوالهم وعواقبها وكان واسمها وأكثر خبرها ومنهم متعلقان بأكثر وقوة تمييز وآثارا عطف على قوة وفي الأرض نعت لآثارا. (فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) الفاء عاطفة وما نافية أو استفهامية في محل نصب مفعول أغنى المقدم وأغنى فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنى وما الثانية موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع على الفاعلية أي لم يغن عنهم أو أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم.

стр. 4633

(فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) الفاء هذه هي الفاء الثانية من أربع فاءات متعاقبة فالأولى للعطف كما قلنا بيّنت عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم. والثانية عاطفة أيضا تشير الى تفصيل ما أبهم من عدم الإغناء ولما ظرف بمعنى حين أو رابطة وجاءتهم رسلهم فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل وبالبينات متعلقان بجاءتهم وجملة فرحوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعندهم ظرف متعلق بمحذوف صلة ما ومن العلم حال (وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) وحاق عطف على فرحوا وبهم متعلقان بحاق وما موصولة فاعل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وبه متعلقان بيستهزئون وجملة يستهزئون خبر كانوا وسيأتي معنى هذا الكلام في باب البلاغة. (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) وهذه هي الفاء الثالثة وهي لمجرد العطف والتعقيب أي التي تجعل ما بعدها تابعا لما قبلها واقعا عقبه ولما حينية ورأوا فعل ماض وفاعل والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها وبأسنا مفعول به وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة آمنا مقول القول وبالله متعلقان بآمنا ووحده حال. (وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ) وكفرنا عطف على آمنا وبما متعلقان بكفرنا وجملة كنا صلة ما وكان واسمها وبه متعلقان بمشركين ومشركين خبر كنا. (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) وهي الفاء الرابعة وهي للعطف وجملة يك معطوفة على آمنّا كأنه قيل فآمنوا فلم ينفعهم إيمانهم وقد أفادت العطف مع التفسير، ويك فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسمها مستتر تقديره هو أي الشأن وجملة ينفعهم خبرها وايمانهم فاعل ينفعهم ويجوز رفع إيمانهم اسما لكان وجملة

стр. 4634

ينفعهم خبرها المقدم وليست المسألة من باب التنازع ولما حينية وجملة رأوا بأسنا في محل جر بإضافة الظرف إليها. (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ) سنة الله مصدر مؤكد لفعل مقدر من لفظه أي سن تعالى بهم سنة من قبلهم ويجوز أن يكون منصوبا على التحذير أي احذروا سنة الله في المكذبين والتي صفة لسنة وجملة قد خلت صلة وفي عباده متعلقان بخلت أي مضت في عباده والواو استئنافية وخسر فعل ماض وهنالك اسم إشارة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بخسر والكافرون فاعل خسر وقد استعير ظرف المكان للزمان أي وخسروا وقت رؤية اليأس ويجوز ابقاؤه على أصله. البلاغة: فن التهكم: في قوله «فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم» الآية فن التهكم وهو في الأصل تهدم البناء، يقال تهكمت البئر إذا انهدمت والغضب الشديد والتندم على الأمر الفائت وهو في اصطلاح البيانيين الاستهزاء والسخرية من المتكبرين لمخاطبتهم بلفظ الإجلال في موضع التحقير، والبشارة في موضع التحذير، والوعد في موضع الوعيد، والعلم في موضع الجهل، تهاونا من القائل بالمقول له واستهزاء به، وقد تقدمت الاشارة الى هذا الفن كثيرا في كتابنا، قال الزمخشري: «أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى: بل ادّارك علمهم في الآخرة، وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت الى ربي إن لي

стр. 4635

عنده للحسنى، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت الى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا، وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء كما قال : كل حزب بما لديهم فرحون» وما أجمل قول الحماسي: أتاني من أبي أنس وعيد ... فثل تغيظ الضحاك جسمي ثل أهلك، والتغيظ: الغيظ، وكني عن أبي أنس بالضحاك الذي كان ملكا قصدا للاستهزاء. الفوائد: حذف نون مضارع كان المجزوم: تقدم القول في حذف نون مضارع كان المجزوم بشرط كونه مجزوما بالسكون غير متصل بضمير نصب ولا بساكن، وقد وقع ذلك في التنزيل في ثمانية عشر موضعا، وقد سمع في الشعر حذفها إذ وليها ساكن، قال الخنجر بن صخر الأسدي: فإن لم تك المرآة أبدت وسامة ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم فحذف النون مع ملاقاة الساكن، والمرآة بكسر الميم ومدّ الهمزة آلة الرؤية فكأنه نظر وجهه فيها فلم يره حسنا فتسلى بأنه يشبه الضيغم وهو الأسد، والوسامة بفتح الواو: الحسن والجمال وحمله جمهور النحاة على الضرورة واستشهد بقول النجاشي: فلست يأتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل

стр. 4636

فحذف نون لكن ضرورة واستدل الفراء بهذا البيت على أن لكن المشددة مركبة وأصلها لكن ان فطرحت الهمزة للتخفيف ونون لكن للساكنين ومن طريف ما يروى عن هذا البيت أن النجاشي الشاعر عرض له ذئب في سفره فحكى أنه دعا الذئب الى الطعام وقال له: هل لك من أخ يعني نفسه يواسيك بطعامه بغير من ولا بخل فقال له الذئب دعوتني الى شيء لم تفعله السباع قبلي من مؤاكلة بني آدم ولست بآتيه ولا أستطيعه ولكن إن كان في مائك الذي معك فضل عما تحتاج اليه فاسقني منه.

стр. 4637

(٤١) سورة فصلت مكية وآياتها اربع وخمسون [سورة فصلت (٤١) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) الإعراب: (حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) حم خبر لمبتدأ محذوف وتنزيل خبر لمبتدأ محذوف أيضا أي هو تنزيل ومن الرحمن الرحيم متعلقان بتنزيل وأجاز الزجاج أن يكون تنزيل مبتدأ وقوله كتاب الآتي خبره وساغ الابتداء بتنزيل لأنه تخصص بالصفة وعليه درج

стр. 4638

الجلال وشراحه وما ذكرناه أولا أولى (كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) كتاب بدل من تنزيل أو خبر بعد خبر وجملة فصلت آياته صفة للكتاب أي ميزت وجعلت تفاصيل في شتى المعاني وآياته نائب فاعل وقرآنا حال من كتاب وعربيا نعت وأجاز الزمخشري إعراب قرآنا بالنصب على الاختصاص ولقوم متعلقان بفصلت وجملة يعلمون نعت لقوم وأعرب الزمخشري لقوم بقوله: «والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله» . (بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) يجوز أن يكونا نعتين لقرآنا وأن يكونا حالين إما من كتاب وإما من آياته وإما من الضمير المنوي في قرآنا، فأعرض الفاء عاطفة على فصلت وأكثرهم فاعل، فهم الفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة لا يسمعون خبرهم. (وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) الواو عاطفة أو استئنافية وقالوا فعل ماض وفاعل وقلوبنا مبتدأ وفي أكنة خبر أي أغطية ومما متعلقان بمحذوف أي تمنعنا مما تدعونا وقال أبو البقاء: «هو محمول على المعنى إذ معنى في أكنة أنها محجوبة عن سماع ما تدعونا إليه ولا يجوز أن يكون نعتا لأكنة لأن الأكنة الأغشية وليست الأغشية مما يدعو إليه» وهذا كلام شامل لا يعين الاعراب ولهذا جنحنا إلى تقدير تمنعنا وقريب من الوجه الذي اخترناه قول زاده في حاشيته على البيضاوي: «في الكلام حذف تقديره في أكنة تمنعنا من فهم ما تدعونا إليه فحذف المضاف» فما يتعلق به مما هو النعت لأكنة. ولواو حرف عطف وفي آذاننا خبر مقدم ووقر مبتدأ مؤخر.

стр. 4639

(وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ) الواو حرف عطف ومن بيننا خبر مقدم وبينك معطوف على بيننا وحجاب مبتدأ مؤخر، فاعمل الفاء الفصيحة أي إن عرفت ما قلناه لك ووعيته فاعمل، وإننا إن واسمها وعاملون خبرها أي فاستمر على دعوتك فإننا مستمرون على ديننا وهو الإشراك وسيأتي مزيد بسط لهذا الكلام في باب البلاغة . (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) إنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ وبشر خبر ومثلكم نعت وجملة يوحى نعت ثان لبشر، وإلي متعلقان بيوحى ونائب الفاعل أن وما بعدها وأنما كافة ومكفوفة وهي مع مدخولها نائب فاعل يوحى وإلهكم مبتدأ وإله خبر وواحد نعت. (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) الفاء الفصيحة واستقيموا فعل أمر وفاعل وهو متضمن معنى توجهوا ولذلك عدي بإلى واستغفروه عطف على فاستقيموا وويل الواو عاطفة وويل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى الدعاء وللمشركين خبر والذين نعت وجملة لا يؤتون الزكاة صلة ولا يتنافى عطف الاسمية على الفعلية لأن الأول متجدد وهو عدم إيتاء الزكاة والثاني مستمر وهو الكفر (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) الواو عاطفة وهم مبتدأ وبالآخرة متعلقان بهم وهم الثانية تأكيد للأولى وكافرون خبرهم. البلاغة: اشتملت الآية «وقالوا قلوبنا في أكنة» الى قوله «عاملون» على نكت بلاغية تستحق أن تكتب بذوب التبر ففيها ثلاث استعارات تمثيلية لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم اليه واعتقاده ومج أسماعهم له وامتناع مواصلتهم وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول.

стр. 4640

١- فأولها الحجاب الحائل الخارج فقد شبهوا قلوبهم بالشيء المحوى المحاط بالغطاء المحيط له. ٢- وثانيها حجاب الصمم فقد شبهوا أسماعهم بآذان بها صمم من حيث أنها تمج الحق ولا تميل الى استماعه. ٣- وثالثها وأقصاها الحجاب الذي أكن القلب والعياذ بالله فقد شبهوا حال أنفسهم مع الرسول بحال شيئين بينهما حجاب عظيم يمنع من وصول أحدهما الى الآخر فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها فلم تدع هذه الآية حجابا مرتخيا إلا سدلته ولم تبق لهؤلاء الأشقياء مطمعا ولا صريخا إلا استلبته. هذا ولا بد من الاشارة الى ما تضمنته من إشارات فهي تفيد الابتداء والمعنى أن حجابا ابتدأ منّا وابتدأ منك. أما بين فقد تكررت ومعناها واحد وقد وهم الزمخشري فجعل بين الثانية غير الأولى لأنه جعل الأولى بجهتهم والثانية بجهته وليس الأمر كما ظنه بل بين الأولى هي الثانية بعينها وهي عبارة عن الجهة المتوسطة بين المضافين وتكرارها إنما كان لأن المعطوف مضمر محفوظ فوجب تكرار حافظه وهو بين والدليل على هذا أنه لا تفاوت بين أن تقول جلست بين زيد وعمرو وبين أن تقول جلست بين زيد وبين عمرو وإنما كان ذكرها مع الظاهر جوازا ومع المضمر وجوبا لما بيناه فإذا وضح ذلك فموقع من هاهنا كموقعها في قوله تعالى: «وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا» وذلك للإشعار بأن الجهة المتوسطة مثلا بينهم وبين النبي ﷺ مبدأ الحجاب.

стр. 4641

الفوائد: منع الزكاة وسرها: تساءل المفسرون جميعا: لم خص تعالى من أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة، وأجابوا بأسئلة متشابهة فحواها أن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته، ونص عبارة الزمخشري في هذا الصدد: «ألا ترى الى قوله : «مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم» أي يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال» هذا ولو استعرضنا معنى اسم الزكاة لوجدناه يرمز الى أسمى الخصائص وأعلاها فهي تطهر المال من الخبث وتنقيه من الآفات وتبعد النفس عن رذيلة البخل، وتنميها على فضيلة الكرم وتستجلب بها البركة، وتزيد المتصدق ثناء ومدحا ويكفر جاحدها ويقاتل الممتنعون من أدائها وتؤخذ منهم وإن لم يقاتلوا قهرا، وعن أنس بن مالك قال: «أتى رجل من تميم الى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق، فقال رسول الله ﷺ تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل أقرباءك وتصرف حق المسكين والجار والسائل» . [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٨ الى ١٢] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)

стр. 4642

الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) كلام مستأنف مسوق لذكر ما أعد للصالحين بعد ما ذكر ما أعد للجاهلين، وإن واسمها وجملة آمنوا صلة وعملوا عطف على آمنوا والصالحات مفعول به منصوب بالكسرة ولهم خبر مقدم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت والجملة الاسمية خبر إن ومعنى غير ممنون: غير مقطوع وقيل غير ممنون به عليهم. (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة تكفرون خبر إن وبالذي متعلقان وبتكفرون وجملة خلق الأرض صلة وفي يومين متعلقان بخلق والمراد مقدار يومين أو في نوبتين كل نوبة أسرع مما يكون في يوم. (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة وتجعلون عطف على تكفرون وله في محل نصب مفعول تجعلون الثاني وأندادا مفعوله الأول وذلك مبتدأ والإشارة الى الذي باعتبار اتصافه بما دلت عليه الصلة ورب العالمين خبره.

стр. 4643

(وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها) الواو عاطفة على الأصح فقد منع أبو البقاء وغيره العطف قال: «وجعل فيها هو مستأنف غير معطوف على خلق لأنه لو كان معطوفا عليه لكان داخلا في الصلة ولا يجوز ذلك لأنه فصل بينهما بقوله تعالى: وتجعلون الى آخر الآية وليس من الصلة في شيء» ويمكن أن يرد على ذلك بأن قوله وتجعلون وإن كان معطوفا على تكفرون فهو بمثابة الاعتراض بين المتعاطفين والاعتراض كثيرا ما يأتي بينهما فالحق الذي لا مرية فيه أنه معطوف على خلق الأرض فهو من جملة الصلة وفيها في محل المفعول الثاني ورواسي مفعول جعل الأول، ولك أن تعلق الجار والمجرور بجعل على أنه بمعنى خلق فهو ينصب مفعولا واحدا ومن فوقها نعت لرواسي وما أجمل وقع هذا النعت لئلا يتوهم أنها من تحتها فتكون ممسكة لها ومانعة من الميدان ثم لتكون الجبال معروضة للناظرين بحيث تحتاج هي والأرض الى ممسك لها وبارك فيها عطف على جعل فيها. (وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ) وقدر فيها عطف على ما تقدم أي أرزاق أهلها ومعايشهم وفي أربعة أيام متعلقان بقدر أي في تمام ومقدار أربعة أيام وسواء نصب على المصدر أي استوت الأيام الأربعة استواء لا تزيد ولا تنقص وقرىء بالجر على الوصف وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وللسائلين متعلقان بسواء بمعنى مستويات للسائلين أو بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل في كم يوم خلقت الأرض وما فيها أو متعلقان بمقدر أي قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين والمحتاجين إليها من المقتاتين. وأجاز أبو البقاء إعراب سواء حلا بعد أن ذكر الأوجه المتقدمة وهو جائز على أنه حال من الضمير في أقواتها أو فيها أو من الأرض.

стр. 4644

(ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) ثم حرف عطف للترتيب الإخباري لا الزماني واستوى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وإلى السماء متعلقان باستوى من قولك استوى الى مكان كذا إذا قصده وتوجه إليه توجها مستقيما لا يلوي غلى شيء والواو للحال وهي مبتدأ ودخان خبر وسيأتي معنى هذا التشبيه في باب البلاغة. (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) الفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله تعالى ولها متعلقان بقال وللأرض عطف على لها وائتيا فعل أمر مبني على حذف النون وألف الاثنين فاعل وطوعا وكرها مصدران في موضع الحال أي طائعتين أو كارهتين وسيأتي مزيد بحث عن هذه الآية في باب البلاغة. (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها) الفاء عاطفة وقضاهن فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وسبع سموات مفعول ثان لقضاهن لأنه ضمن معنى صير ويجوز أن يكون منصوبا على الحال من مفعول قضاهن فتكون قضى بمعنى صنع أي معدودة ويجوز أن يكون منصوبا على البدلية من الضمير ويجوز أن يكون تمييزا وإليه جنح الزمخشري قال «ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا لسبع سنوات على التمييز» ويعني الزمخشري بقوله مبهما أنه لا يعود على السماء لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى بخلاف كونه حالا أو مفعولا ثانيا، وأوحى عطف على فقضاهن وفي كل سماء متعلقان بأوحى وأمرها مفعول به. (وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) وزينا عطف على ما تقدم على طريق الالتفات كما سيأتي في باب البلاغة وزينا فعل وفاعل والسماء مفعول به والدنيا نعت وبمصابيح متعلقان بزينا أي بنجوم وحفظا مفعول مطلق لفعل محذوف أي وحفظناها

стр. 4645

حفظا من استراق الشياطين السمع للشهب وأجاز الزمخشري أن يكون مفعولا لأجله على المعنى كأنه قال وخلقنا المصابيح زينة وحفظا وذلك مبتدأ والاشارة الى ما ذكر كله بتفاصيله وتقدير العزيز العليم مضاف إليه. البلاغة: ١- التشبيه البليغ الصوري: في قوله «ثم استوى الى السماء وهي دخان» تشبيه بليغ صوري لأن صورتها صورة الدخان في رأي العين والمراد بالدخان البخار الذي تتشكل منه الطبقات الهوائية فلا منافاة مع أحدث نظريات العلم. ٢- الاستعارة المكنية: وفي قوله استوى الى السماء استعارة مكنية فالمستعار الاستواء والمستعار منه كل جسم مستو والمستعار له هو الحق وقد تقدم تفصيل هذه الاستعارة كثيرا فتدبره. ٣- وفي قوله «فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين» فنون شتى نجملها بما يلي: أ- إسناد القول للأرض والسماء وتوجيه الخطاب لهما من باب المجاز العقلي والقصد من هذا المجاز تصوير قدرته سبحانه واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات للطوع والكره لهما، ويجوز أن يكون هذا من باب الاستعارة المكنية فقد شبههما بكائنين حين عاقلين ثم

стр. 4646

حذف المشبه به وأثبت شيئا من لوازمه لتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة الطائع كما تقول نطقت الحال بكذا بدل دلت فيجعل الحال كالانسان الذي يتكلم في الدلالة والبرهان ثم يتخيل له النطق الذي هو من لازم المشبه به وينسب اليه. ب- الطباق بين طوعا وكرها. ج- تغليب المذكر العاقل على المؤنث أو التنزيل منزلته في قوله «قالتا أتينا طائعين» . ٤- الالتفات: وفي قوله «وزينا السماء الدنيا بمصابيح الآية» التفات من الغيبة الى التكلم فقد أسند التزيين الى ذاته سبحانه لإبراز مزيد العناية بالتزيين المذكور. [سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٣ الى ١٦] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)

стр. 4647

اللغة: (صَرْصَراً) : قال الزمخشري: «الصرصر: العاصفة التي تصرصر أي تصوت في هبوبها وقيل: الباردة التي تحرق بشدة بردها، تكرير لبناء الصر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض» وفي القاموس «الصرة بالكسر شدة البرد أو البرد كالصرّ فيهما وأشد الصياح وبالفتح الشدة من الكرب والحرب والحر ... وصرّ يصرّ من باب ضرب صرّا وصريرا صوّت وصاح شديدا» وقال ابن قتيبة صرصر يجوز أن يكون من الصرّ وهو البرد ويجوز أن يكون من صر الباب وأن يكون من الصرة وهي الصيحة ومنه فأقبلت امرأته في صره» وقال الراغب: «صرصر لفظه من الصر وذلك يرجع الى الشد لما في البرودة من التعقّد» . وللصاد مع الراء فاء وعينا للكلمة معنى الشدة والظهور النصوع، فصرب: جاء بضربة تزري الوجه وتقول: جزى الله بضربة، من جاءنا بصربة، وصرح بما في نفسه وبنى صرحا وصروحا وقعد في صرحة داره أي في ساحتها وصرحت الخمرة: ذهب عنها الزبد، والصراخ: صوت المستغيث وصوت المغيث إذا خرج بقومه للإغاثة قال سلامة: إنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب أي كان الغياث له، وهذا يوم صرد وصرد ويوم صرد وقد صرد يومنا وليلة صردة ورجل صرد وريح مصراد باردة شديدة البرد، وصرعته تركته صريعا وتركتهم صرعى وصرعهم ريب المنون

стр. 4648

وليس أشد من ذلك وبات صريع الكأس، قال مسلم بن الوليد صريع الغواني: هل العيش إلا أن أروح مع الصبا ... وأغدو صريع الراح والأعين النجل وحفظك الله من صرف الزمان وصروفه وتصاريفه، وزرع صريم ومصروم مجزوز وصرم النخل واصطرمه، وماء صريّ مجموع. ولا يجتمع إلا ليظهر، قال ذو الرمة: صرى آجن يزوي له المرء وجهه ... ولو ذاقه ظمآن في شهر ناجر وهذا من الغريب الذي يبز اللغات. (نَحِساتٍ:) بكسر الحاء وسكونها وهما قراءتان سبعيتان أي مشئومات عليهم فأما الكسر فهو صفة على فعل وفعله فعل بكسر العين أيضا يقال نحس فهو نحس كفرح فهو فرح وأشر فهو أشر وأما السكون فهو مصدر وصف به كرجل عدل ولكن يشكل على هذه القراءة جمعه فإن الفصيح في المصدر الموصوف به أن يوحد وكأن المسوغ له اختلاف أنواعه في الأصل. الإعراب: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) كلام مستأنف على طريق الالتفات، مسوق لتحذيرهم بعد إعراضهم، وللالتفات سر بليغ نورده في باب البلاغة، وإن شرطية وأعرضوا فعل

стр. 4649

ماض والواو فاعل والفعل في محل جزم فعل الشرط، فقل الفاء رابطة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وأنذرتكم فعل ماض وفاعل ومفعول به، وعبّر بالماضي وسياق الكلام يقتضي الاستقبال للدلالة على تحقق الإنذار، وصاعقة مفعول به ثان ومثل نعت لصاعقة. (إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) الظرف متعلق بصاعقة لأنها بمعنى العذاب وجملة جاءتهم الرسل في محل جر بإضافة الظرف إليها ومن بين أيديهم متعلقان بجاءتهم ومن خلفهم عطف عليه أي من جميع جوانبهم أو من جهة الزمان الماضي بالإنذار ومن جهة المستقبل بالتحذير وأعربه بعضهم متعلقا بمحذوف حال من الرسل أي حال كون الرسل من بين أيدي عاد وثمود ومن خلفهم ورجح الزمخشري الأول في تفسيره لمعناه قال: «أي أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم وأعملوا فيهم كل حيلة وتقول استدرت بفلان من كل جانب فلم يكن لي فيه حيلة» . (أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) يجوز في أن هذه ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون مخففة من الثقيلة أصله أنه لا تعبدوا أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره قائلين وهو حال من الرسل ولا ناهية وتعبدوا فعل مضارع مجزوم بلا وإلا أداة حصر ولفظ الجلالة مفعول به، والوجه الثاني أن تكون مصدرية تنصب الفعل المضارع ولا نافية وتعبدوا فعل مضارع منصوب بأن بعد لا النافية فإن لا النافية لا تمنع عمل العامل فيما بعدها، والوجه الثالث أن تكون مفسرة لأن مجيء الرسل يحمل القول وتكون الجملة لا محل لها لأنها مفسرة. (قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) قالوا فعل ماض وفاعل ولو حرف شرط غير جازم وشاء

стр. 4650

ربنا فعل وفاعل والمفعول به محذوف تقديره إرسال الرسل والأحسن أن يقدر من جنس جوابها أي لو شاء ربنا إنزال ملائكة بالرسالة إلى الإنس لأنزل إليهم بها ملائكة والفاء الفصيحة وان واسمها وبما متعلقان بكافرون وجملة أرسلتم به صلة وكافرون خبر إن والمعنى فإذ أنتم بشر ولستم ملائكة فإننا لا نؤمن بكم. (فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الفاء استئنافية والكلام مستأنف مسوق للشروع في حكاية ما يختص به كل واحد منهما وأما حرف شرط وتفصيل وعاد مبتدأ والفاء رابطة لجواب أما وجملة استكبروا خبر عاد وفي الأرض متعلقان باستكبروا وبغير الحق حال. (وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) وقالوا عطف على فاستكبروا ومن اسم استفهام مبتدأ وأشد خبر والجملة مقول القول ومنا متعلقان بأشد وقوة تمييز. (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) الهمزة للاستفهام الإنكاري والواو حرف عطف وجملة لم يروا معطوفة على مقدر يقتضيه السياق أي اغفلوا وضلوا ولم يروا وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يروا لأنها بمعنى العلم وأن واسمها والذي نعت وجملة خلقهم صلة وهو مبتدأ وأشد خبر ومنهم متعلقان بأشد وقوة تمييز والجملة خبر أن. (وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) عطف على قوله فاستكبروا أيضا والجملة المعطوفة والمعطوف عليه المقدر اعتراض وبآياتنا متعلقان بيجحدون لأنه متضمن معنى يكفرون. (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) الفاء عاطفة وأرسلنا فعل وفاعل وعليهم متعلقان بأرسلنا وريحا مفعول به وصرصرا نعت وفي أيام نعت ثان أو حال ونحسات نعت لأيام، ولنذيقهم اللام

стр. 4651

للتعليل ونذيقهم فعل مضارع منصوب بأن بعد لام التعليل والهاء مفعول به والجار والمجرور متعلقان بأرسلنا وعذاب الخزي مفعول به ثان لنذيقهم وهو من إضافة الموصوف الى صفته وسيأتي تفصيله في باب البلاغة وفي الحياة متعلقان بنذيقهم والدنيا نعت للحياة. (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) الواو استئنافية واللام للابتداء وعذاب الآخرة مبتدأ وأخزى خبر والواو عاطفة وهم مبتدأ وجملة لا ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. البلاغة: اشتملت هذه الآيات على أفانين متعددة من البلاغة نوردها فيما يلي: ١- الالتفات في قوله: «فإن أعرضوا» الآية فقد خاطبهم أولا بقوله: «أئنكم» بيد أنهم لم يأبهوا لخطابه ولم يستوعبوا نصحه فالتفت من الخطاب إلى الغيبة لأنهم فعلوا الإعراض فليس له إلا أن يعرض عن خطابهم ليصح التلاؤم، ويناسب اللفظ المعنى، وهذا من أرفع أنواع البلاغة وأرقاها وكم للالتفات من أسرار. ٢- العدول عن المضارع المستقبل إلى الماضي بقوله «فقد أنذرتكم» للدلالة على أن ما ينذرهم به أمر متحقق لا مندوحة عنه. ٣- الاسناد المجازي في قوله «عذاب الخزي» فإنه أضاف العذاب إلى الخزي الذي هو الذل، والخزي الذي هو الذل

стр. 4652

والاستكانة في الأصل صفة المعذب ولكنه جنح الى وصف العذاب به للمبالغة فهو كما قلنا في الاعراب من اضافة الموصوف الى صفته. ٤- المشاركة في قوله «ولعذاب الآخرة أخزى» وجعل الخزي هذه المرة خبرا للمشاكلة على حد قول الشاعر: «قلت اطبخوا لي جبة وقميصا» وقد تقدم بحث هذا الفن. ٥- في قوله «فاستحبوا العمى على الهدى» استعارة تصريحية فقد شبه الكفر بالعمى لأن الكافر ضال عن القصد، متعسف الطريق كالأعمى، وشبه الإيمان بالهدى لأن المؤمن مهتد الى محجة القصد وسواء السبيل ثم حذف المشبه في كليهما وأثبت المشبه به. ٦- الطباق بين العمى الهدى وقد تقدم. [سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٧ الى ٢٥] وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)

стр. 4653

اللغة: (يُوزَعُونَ) : يحبس أولهم على آخرهم أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم وتشير الى معنى الكثرة وفي معاجم اللغة: «وزع يزع من باب فتح ووزع يزع من باب ضرب فلان وبفلان: كفه ومنعه ووزع الجيش حبس أولهم على آخرهم يقال رأيته يزع الجيش أي يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب» وقد تقدم ذكر هذه المادة. (يَسْتَعْتِبُوا) : يطلبوا العتبي أي الرضا والرجوع لهم إلى ما يحبون جزعا مما هم فيه. (قَيَّضْنا) : هيأنا، وأصل التقييض التيسير والتهيئة، والمقايضة المعاوضة.

стр. 4654

الإعراب: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) عطف على قوله فأما عاد وأما حرف شرط وتفصيل وثمود مبتدأ وجملة فهديناهم الخبر والفاء عاطفة واستحبوا عطف على هديناهم والعمى مفعول به وعلى الهدى متعلقان باستحبوا لأنه متضمن معنى آثروا (فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) الفاء عاطفة وأخذتهم فعل ماض ومفعول به مقدم وصاعقة العذاب فاعل مؤخر والهون نعت للعذاب أو بدل منه وبما متعلقان بأخذتهم والباء معناها السببية وما موصولة وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يكسبون خبرها والعائد محذوف أي بالذي كانوا يكسبونه من شركهم وتكذيبهم نبيهم صالحا. (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ) الواو حرف عطف ونجينا فعل وفاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا صلة وكانوا عطف على آمنوا وكان واسمها وجملة يتقون خبرها. (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) الواو استئنافية ويوم مفعول لفعل محذوف تقديره اذكر يوم وجعله أبو البقاء ظرفا لما دل عليه بعده وهو قوله تعالى «فهم يوزعون» كأنه قال يمنعون يوم نحشر، وليس ببعيد، وجملة يحشر في محل جر بالإضافة وأعداء الله نائب فاعل والى النار متعلقان بيحشر والفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة يوزعون خبر. (حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) حتى حرف غاية وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بجوابه وهو شهد وما زائدة لتأكيد

стр. 4655

الشهادة وما المزيدة تؤكد معنى ما اتصلت به في النسبة التي تعلقت به وهنا أكدت ظرفية الوقت المحدد للشهادة وجملة جاءوها في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة شهد لا محل لها وعليهم متعلقان بشهد وسمعهم فاعل وأبصارهم وجلودهم معطوفان على سمعهم وبما متعلقان بشهد أيضا وجملة كانوا صلة ما وجملة يعملون خبر كان. (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا) الواو عاطفة وقالوا فعل وفاعل ولجلودهم متعلقان بقالوا واللام حرف جر وما اسم استفهام مجرور بما ولذلك حذفت ألفها والجار والمجرور متعلقان بشهدتم وعلينا متعلقان بشهدتم والجملة مقول القول والاستفهام هنا للتوبيخ والتعجب من هذا الأمر (قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) قالوا فعل وفاعل وأنطقنا الله فعل ماض ومفعول به وفاعل والجملة مقول القول والذي صفة لله وجملة أنطق كل شيء صلة الذي. (وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الواو عاطفة وهو مبتدأ وجملة خلقكم خبر وأول مرة ظرف متعلق بخلقكم وإليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ) عطف على ما تقدم وما نافية وكنتم كان واسمها وجملة تستترون خبرها وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بتستترون أي من أن يشهد عليكم لأن تستترون لا يتعدى بنفسه وقيل هو مفعول لأجله أي لأجل أن يشهد عليكم سمعكم وعليكم متعلقان بيشهد وسمعكم فاعل ولا أبصاركم ولا جلودكم عطف على سمعكم أي ما كان استتاركم خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم لأنكم لم تكونوا تتصورون شهادتها بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا.

стр. 4656

(وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة ولكن حرف استدراك مهمل وظننتم فعل وفاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي ظننتم وان واسمها وجملة لا يعلم خبرها وكثيرا مفعول به ومما نعت لكثير وجملة تعملون صلة والعائد محذوف أي تعملونه. (وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) الواو عاطفة وذلكم مبتدأ وظنكم خبر والذي ظننتم نعت أو بدل وبربكم متعلقان بظننتم وجملة أرداكم خبر ثان ويجوز إعراب ظنكم بدلا من ذلكم أو ظنكم خبر وجملة أرداكم حال فأصبحتم عطف على أرداكم وأصبح واسمها ومن الخاسرين خبرها. (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) الفاء استئنافية وإن شرطية ويصبروا فعل الشرط والفاء رابطة والنار مبتدأ ومثوى خبر ولهم نعت لمثوى. (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) عطف على الجملة السابقة وما نافية حجازية وهم اسمها ومن المعتبين خبرها. (وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) فعل وفاعل ولهم متعلقان بقيضنا وقرناء مفعول به أي يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض، والقيض قشر البيض الأعلى اليابس على البيضة أو هي التي خرج ما فيها من فرخ أو ماء وموضعهما المقيض، فزينوا فعل وفاعل ولهم متعلقان بزينوا وما مفعول به والظرف متعلق بمحذوف صلة ما وأيديهم مضاف إليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم. (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ) الواو عاطفة وحق فعل ماض وعليهم متعلقان بحق والقول فاعل وفي أمم متعلقان بمحذوف حال أي كائنين في جملة أمم

стр. 4657

أو مندرجين وهو حال من الضمير في عليهم ومثل هذا التعبير قول عروة بن أذينة: إن تك عن أحسن الضيعة مأ ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا يقول: إن تكن مأفوكا أي مصروفا ومنقلبا عن أحسن العطاء فلا عجب فأنت في جملة أناس آخرين قد أفكوا وصرفوا عن الإحسان. وجملة قد خلت صفة لأمم ومن قبلهم متعلقان بخلت ومن الجن والانس نعت ثان لأمم أو حال لأنها وصفت وان واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وخاسرين خبر كان وجملة إن وما بعدها تعليلية لاستحقاقهم العذاب. البلاغة: الكناية: في قوله (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ) كناية عن موصوب فقد كنى عن الفروج بالجلود وقيل أراد بالجلود الجوارح عامة والعطف من عطف العام على الخاص فليس في الكلام كناية إذن، فالجلود هنا تفسّر حقيقة ومجازا، أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقا، وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة وهذا هو الجانب البلاغي الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة لما فيه من لطف الكناية عن المكنى عنه. [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)

стр. 4658

اللغة: (الْغَوْا فِيهِ:) فعل أمر من لغي بالكسر يلغى بالفتح وفيها معنيان أحدهما أنه من لغى إذا تكلم باللغو وهو مالا فائدة فيه والثاني انه من لغي بكذا إذا رمى به فتكون في بمعنى الباء أي ارموا به وانبذوه، وإما أن يكون من لغى بالفتح يلغى بالفتح أيضا، حكاه الأخفش وكان قياسه الضم كغزا يغزو ولكنه فتح لأجل حرف الحلق وقرىء بضم الغين من لغا يلغو كدعا يدعو، هذا ما قرره السمين، وعبارة الزمخشري «والغوا فيه بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغى ولغا يلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته» . الإعراب: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حالهم ومكابرتهم عند قراءة القرآن وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة ولا ناهية وتسمعوا فعل مضارع مجزوم بلا والجملة مقول القول ولهذا متعلقان بتسمعوا والقرآن بدل والغوا فعل أمر وفاعل وفيه متعلقان بالغوا ولعل واسمها وجملة تغلبون خبرها والمراد بالغلبة حمله على السكوت عن القراءة لئلا يستهوي القلوب ويستميلها بقراءة ما لم يعهده من بيان. (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً) الفاء الفصيحة أي إن استمرءوا ذلك

стр. 4659

واستمروا فيه فلنذيقن، واللام موطئة للقسم ونذيقن فعل مضارع مبني على الفتح واجب التأكيد والفاعل مستتر تقديره نحن والذين مفعول به وجملة كفروا صلة وعذابا مفعول به وشديدا نعت. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم وأسوأ الذي كانوا يعملون مفعول ثان لنجزينهم. (ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ) ذلك مبتدأ والإشارة الى المذكور من الأمرين وهما قوله فلنذيقن وقوله ولنجزينهم وجزاء أعداء الله خبر والنار بدل أو عطف بيان من جزاء، واعترض بعضهم على هذا الإعراب بأن علامة البدل صحة حلوله محل المبدل منه فيصير التقدير ذلك النار وهذا لا يصح ولذلك ينبغي العدول عن الإعراب الأرجح الى المرجوح وهو أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره سيأتي فيما بعد. (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال ودار الخلد مبتدأ مؤخر والجملة إما خبر النار بناء على إعرابها مبتدأ أو في محل نصب حال أو مستأنفة مستقلة مقررة لما قبلها وهذا أقعد بمكان البلاغة كما سيأتي، وجزاء مفعول مطلق منصوب بفعل مقدر وهو مصدر مؤكد أي يجزون جزاء أو منصوب بالمصدر المذكور قبله والمصدر ينصب بمصدر مثله وقد تقدمت له نظائر ولك أن تجعل جزاء مصدرا واقعا موقع الحال وبما متعلقان بجزاء الثاني أو الأول وجملة كانوا صلة وجملة يجحدون خبر كانوا وبآياتنا متعلقان بيجحدون لتضمنه معنى يكفرون وذلك خير من جعلها زائدة. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) الواو استئنافية وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وأرنا فعل أمر مبني على حذف حرف

стр. 4660

العلة ونا مفعول به أول واللذين مفعول به ثان لأن الرؤية بصرية وقد عديت الى اثنين بالهمزة وجملة أضلّانا صلة ومن الجن والإنس حال قيل هما إبليس وقابيل الأول سن الكفر والثاني سن القتل بغير حق لأنه قتل أخاه كما تقدم. (نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) نجعلهما فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به أول وتحت أقدامنا الظرف في موضع المفعول الثاني، ليكونا اللام للتعليل ويكونا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والألف اسمها ومن الأسفلين خبرها والجار والمجرور متعلقان بفعل الرؤية لأنه تعليل لها. البلاغة: ١- في قوله «فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا» استعارة مكنية وقد تقدم اجراؤها كثيرا. ٢- وفي قوله «لهم فيها دار الخلد» تجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي بال صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكماله فيها، فقد انتزع من النار دارا أخرى سماها دار الخلد. أقسام التجريد: واعلم أن للتجريد أقسام ذكرها علماء البيان، وسنحاول أن نورد ما قالوه فيها على سبيل الإيجاز: ١- فمنه ما يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم أي قد بلغ فلان حدا من الصداقة يصح معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها، ومثاله من الشعر قول القاضي الفاضل:
следующие страницы →