Полный текст (5 784 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
متعلقان بيخرج وإلى النور متعلقان بيخرج أيضا (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويؤمن فعل الشرط وبالله متعلقان بيؤمن ويعمل عطف على يؤمن وصالحا نعت لمصدر محذوف أي عملا صالحا أو مفعول به ويدخله جواب الشرط والهاء مفعول به أول وجنات مفعول به ثان على السعة وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات وخالدين حال من الهاء وروعي معنى «من» بعد مراعاة لفظها، وفيها متعلقان بخالدين وكذلك الظرف أبدا (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) الجملة حال ثانية وقد روعي لفظ من وقد حرف تحقيق وأحسن الله فعل وفاعل وله متعلقان بأحسن ورزقا مفعول به (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) الله مبتدأ والذي خبره وجملة خلق صلة وسبع سموات مفعول ومن الأرض حال ومثلهنّ معطوف على سبع سموات أو منصوب بفعل مقدّر بعد الواو أي وخلق مثلهنّ من الأرض وقرىء مثلهنّ بالرفع على أنه مبتدأ مؤخر والجار والمجرور قبله خبر مقدم (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الجملة مستأنفة ويتنزل الأمر فعل وفاعل أي الوحي وبينهنّ متعلقان بيتنزل واللام لام التعليل وتعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل واللام ومجرورها متعلقان بيتنزل أيضا وإن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي تعلموا (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) الواو عاطفة وأن واسمها وجملة قد أحاط خبرها وبكل شيء متعلقان بأحاط وعلما تمييز محوّل عن الفاعل.
البلاغة:
١- في قوله «وكأين من قرية عتت عن أمر ربها» مجاز مرسل
стр. 5287
علاقته المحلية، من إطلاق المحل وإرادة الحال وقد تقدمت له نظائر كثيرة.
٢- وفي قوله «ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور» استعارتان تصريحيتان شبّه الكفر بالظلمات ثم حذف المشبّه وأبقى المشبّه به وشبّه الإيمان بالنور وحذف المشبّه وأبقى المشبّه به أيضا.
стр. 5288
(٦٦) سورة التحريم مدنيّة وآياتها اثنتا عشرة
[سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥)
стр. 5289
اللغة:
(تَحِلَّةَ) مصدر لحلل مضعفا نحو تكرمة وهذان ليسا بمقيسين فإن قياس مصدر التفعيل إذا كان صحيحا غير مهموز فأما المعتل اللام نحو زكّى والمهموز اللام نحو نبأ فمصدرهما تزكية وتنبئة على أنه قد جاء التفعيل كاملا في المعتل نحو:
باتت تنزي دلوها تنزيا ... كما تنزي شهلة صبيا
وأصله تحللة كتكرمة فأدغمت.
(تَظاهَرا) بإدغام التاء الثانية في الأصل في الظاء وفي قراءة بدونها أي تتعاونا.
(قانِتاتٍ) مطيعات.
(ثَيِّباتٍ) جمع ثيّب من ثاب يثوب أي رجع كأنها ثابت بعد زوال عذرتها وأصلها ثيوب كسيد وميت أصلهما سيود وميوت فأعلّا الإعلال الذي يأتي في باب الفوائد.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يا أيها النبي تقدّم إعرابها كثيرا، ولم: اللام حرف جر وما اسم استفهام في محل جر باللام وقد تقدم أن ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر حذف ألفها، والجار والمجرور متعلقان بتحرم وما مفعول به وجملة أحلّ الله صلة ولك متعلقان بأحلّ وجملة تبتغي حالية من فاعل تحرم ومرضاة أزواجك مفعول به والله مبتدأ وغفور خبر ورحيم خبر ثان (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) قد حرف تحقيق وفرض الله
стр. 5290
فعل وفاعل ولكم متعلقان بفرض وتحلّة مفعول به وأيمانكم مضاف إليه أي شرع الله لكم تحليل أيمانكم بما هو مبسوط في كتب التشريع (وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) الواو عاطفة والله مبتدأ ومولاكم خبر وهو مبتدأ والعليم خبر أول والحكيم خبر ثان (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً) الواو استئنافية وإذ مفعول به لفعل محذوف أي اذكر وجملة أسرّ النبي في محل جر بإضافة الظرف إليها وحديثا مفعول به (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) الفاء عاطفة ولما ظرف بمعنى حين أو رابطة متضمنة معنى الشرط وجملة نبأت في محل جر بإضافة الظرف إليها والأصل في أنبأ ونبأ وأخبر وخبّر وحدّث أن تتعدى إلى واحد بأنفسها وإلى ثان بحرف الجر ويجوز حذفه فتقول نبأت به المفعول الأول محذوف أي غيرها ومن أنبأك هذا أي بهذا قال نبّأني أي نبأني به أو نبأنيه فإذا ضمنت معنى أعلم تعدّت إلى ثلاثة مفاعيل نحو قوله:
نبئت زرعة والسفاهة كاسمها ... يهدي إليّ غرائب الأشعار
وقد تعدى نبأت في الآية لاثنين حذف أولهما والثاني مجرور بالباء أي نبأت به غيرها، وأظهره: الواو حرف عطف وأظهره أي أطلعه فعل ومفعول به والله فاعل وعليه متعلقان بأظهره وجملة عرف لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبعضه مفعول به وأعرض عطف على عرف وعن بعض متعلقان بأعرض ومفعول عرف الثاني محذوف أي عرفها بعض ما فعلت وفي قراءة عرف بالتخفيف أي جازى بالعتب واللوم كما تقول لمن يؤذيك لأعرفنّ لك ذلك أي لأجازينّك (فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) الفاء حرف عطف ولما ظرفية حينية أو رابطة متضمنة معنى الشرط على كل حال ونبأها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وجملة قالت لا محل لها ومن اسم
стр. 5291
استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة أنبأك خبر والكاف مفعول أول وهذا مفعول ثان وقال فعل ماض وجملة نبأني العليم الخبير مقول القول والعليم فاعل نبأني والخبير صفة (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) إن شرطية وتتوبا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والألف فاعل وإلى الله متعلقان بتتوبا وجواب الشرط محذوف تقديره يتب عليكما والفاء تعليلية وقد حرف تحقيق وصغت أي مالت فعل ماض مبني على الفتح المقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والتاء تاء التأنيث الساكنة وقلوبكما فاعل صغت (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وتظاهرا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والألف فاعل وعليه متعلقان بتظاهرا وجواب الشرط محذوف تقديره يجد ناصرا والفاء تعليلية وإن واسمها وهو ضمير فصل ومولاه خبران والوقف هنا، وجبريل مبتدأ وصالح المؤمنين عطف على جبريل وصالح اسم جنس لا جمع ولذلك جاء من غير واو بعد الحاء وجوّزوا أن يكون جمعا بالواو والنون وحذفت النون للإضافة وكتبت دون واو اعتبارا بلفظ لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين ولا داعي لهذا التكلّف، ويجوز أن تعطف جبريل وصالح المؤمنين على محل إن واسمها فالخبر عن الجميع مولاه وعلى الابتداء يكون الخبر قوله ظهير لأن فعيلا يستوي فيه الواحد والجمع كما تقدم (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) لك أن تعطف الملائكة على ما تقدم أو تعربها مبتدأ خبره ظهير، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء وربه اسمها وإن شرطية وطلقكنّ فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به في محل جزم فعل الشرط وأن حرف مصدري ونصب ويبدله بالتخفيف وقرىء بالتشديد فعل مضارع منصوب بأن وأن وما في حيّزها خبر عسى والهاء مفعول به أول وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله أي فعسى، وأزواجا مفعول به
стр. 5292
ثان وخيرا صفة ومنكنّ متعلقان بخيرا وفصل بين عسى وخبرها بالشرط اهتماما بالأمر وتخويفا لهنّ (مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) مسلمات نعت لأزواجا ثان ويجوز أن يعرب حالا ونصبه بعضهم على الاختصاص وهو جميل وما بعده صفات متعددة، ووسطت الواو بين ثيّبات وأبكارا لتنافي الوصفين فيه دون سائر الصفات وليست هي واو الثمانية كما توهم بعضهم وقد مرّ بحث ذلك مفصلا.
البلاغة:
أتى بالجمع في قوله «قلوبكما» وساغ ذلك لإضافته إلى مثنى وهو ضميراهما والجمع في مثل هذا أكثر استعمالا من المثنى والتثنية دون الجمع كما قال:
فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التي لا ترفع
وهذا كان القياس وذلك أن يعبّر عن المثنى بالمثنى ولكن كرهوا اجتماع تثنيتين فعدلوا إلى الجمع لأن التثنية جمع في المعنى والإفراد لا يجوز عند البصريين إلا في الشعر كقوله:
حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من العز الفوادي مطيرها
يريد بطني.
الفوائد:
لم يجعل الرسول من هيبة النبوّة سدّا رادعا بينه وبين نسائه بل أنساهنّ برفقه وإيناسه، أنهنّ يخاطبن رسول الله في بعض الأحايين، فكانت منهنّ من تقول له أمام أبيها: تكلم ولا تقل إلا حقا، ومن تراجعه أو تغاضبه سحابة نهارها، ومن تبلغ الاجتراء عليه ما يسمع به
стр. 5293
رجل كعمر بن الخطاب في شدّته فيعجب له ويهمّ بأن يبطش بابنته حفصة لأنها تجترىء كما تجترىء الزوجات الأخريات، والقصة التالية نموذج صحيح لهذه المعاملة السامية، قال معظم المفسرين ما خلاصته: إن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها اكتمي وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان من بعدي أمر أمتي فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين، وقيل خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلّقها واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية، وروي أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلّقك فنزل جبريل ﵇ وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها من نسائك في الجنة.
وروي أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنّا نشم منك ريح المغافير والمغافير جمع مغفور بالضم كعصفور أي صمغ حلوله رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له العرفط بضم العين المهملة والفاء يكون بالحجاز له رائحة كرائحة الخمر وكان ﷺ يكره أن يوجد منه الريح الكريه فحرّم العسل.
وقد تجرأ الزمخشري فأطلق في حق النبي ﷺ ما لا يسوغ إطلاقه مما لا يسيغ نقله، وقد ردّ عليه ابن المنير ردّا صائبا وحلّل هذا التحريم تحليلا لطيفا ونكتفي بنقله ضاربين صفحا عن بقية الأقوال المتعددة قال ابن المنير:
«ما أطلقه الزمخشري في حق النبي ﷺ تقوّل وافتراء والنبي منه براء، وذلك أن تحريم ما أحلّ الله على وجهين:
اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما
стр. 5294
حرّمه الله وكلاهما محظور لا يصدر من المتّسمين بسمة الإيمان وإن صدر سلب المؤمن حكم الإيمان واسمه، الثاني الامتناع مما أحلّه الله وحمل التحريم بمجرده صحيح لقوله وحرّمنا عليه المراضع من قبل أي منعنا لا غير وقد يكون مؤكدا باليمين مع اعتقاد حلّه وهذا مباح صرف، وعلى القسم الثاني تحمل الآية والتفسير الصحيح يعضده فإن النبي ﷺ حلف بالله لا أقرب مارية ولما نزلت الآية كفّر عن يمينه ويدلّ عليه: قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم وهذا المقدار مباح ليس في ارتكابه جناح وإنما قيل له لم تحرّم ما أحلّ الله لك رفقا به وشفقة عليه وتنويها لقدره ولمنصبه ﷺ أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشقّ عليه جريا على ما ألف من لطف الله تعالى بنبيّه ورفعه عن أن يخرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه ومن أجله خلقوا ليظهر الله كمال نبوّته بظهور نقصانهم عنه، والزمخشري لم يحمل التحريم على هذا الوجه لأنه جعله زله فيحمل على المحمل الأول ومعاذ الله وحاش لله وأن آحاد المؤمنين حاش أن يعتقد تحريم ما أحلّ الله فكيف لا يربأ بمنصب النبي عمّا يرتفع عنه منصب عامّة الأمة وما هذه من الزمخشري إلا جراءة على الله ورسوله وإطلاق القول من غير تحرير وإبراز الرأي الفاسد بلا تخمير» .
[سورة التحريم (٦٦) : الآيات ٦ الى ٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)
стр. 5295
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) قوا فعل أمر من الوقاية فوزنه عوا لأن الفاء حذفت لوقوعها في المضارع بين ياء وكسرة وهذا محمول عليه واللام حذفت حملا له على المجزوم وبيانه أن أوقوا كاضربوا فحذفت الواو التي هي فاء الكلمة لما تقدم وحذفت همزة الوصل لحذف مدخولها الساكن واستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت الياء وضم ما قبل الواو لتصحّ، والواو فاعل وأنفسكم مفعول به أول وأهليكم عطف على أنفسكم وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم ونارا مفعول به ثان ووقودها مبتدأ والناس خبر أو بالعكس والحجارة عطف على النار وجملة وقودها الناس صفة لنارا (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) الجملة صفة ثانية لنارا وعليها خبر مقدّم وملائكة مبتدأ مؤخر وغلاظ نعت لملائكة وشداد نعت ثان ولا نافية ويعصون الله فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به وما مصدرية وأمرهم فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وما مع مدخولها في تأويل مصدر في محل نصب بدل اشتمال من الله كأنه قيل لا يعصون أمره
стр. 5296
وأجاز أبو حيان نصبه على نزع الخافض أي فيما أمرهم، ويفعلون الواو عاطفة ويفعلون فعل مضارع مرفوع وفاعل وما اسم موصول مفعول به وجملة يؤمرون صلة والعائد محذوف أي به، قال الزمخشري: «فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها ومعنى الثانية أنهم يؤدّون ما يؤمرون به ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه» فحصلت المغايرة، وأما البيضاوي فقد أجاب عن هذا السؤال بقوله «وقيل لا يعصون الله فيما مضى ويفعلون ما يؤمرون فيما يستقبل» (يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لا ناهية وتعتذروا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية واليوم ظرف متعلق بتعتذروا والجملة مقول قول محذوف أي يقال لهم ذلك عند دخول النار وإنما كافّة ومكفوفة وتجزون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وما مفعول به ثان وجملة كنتم صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) توبوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وإلى الله متعلقان بتوبوا وتوبة مفعول مطلق ونصوحا نعت لتوبة (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) عسى فعل ماض جامد من أفعال الرجاء وربكم اسمها وأن وما في حيّزها في موضع نصب خبر عسى وعنكم متعلقان بيكفر وسيئاتكم مفعول به (وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) ويدخلكم عطف على يكفر والكاف مفعول به وجنات مفعول به ثان على السعة وجملة تجري نعت لجنات ومن تحتها متعلقان بتجري والأنهار فاعل تجري (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ) الظرف متعلق بيدخلكم أو بفعل محذوف تقديره اذكر فيكون مفعولا به ولا نافية ويخزي الله فعل مضارع وفاعل والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها والنبي مفعول به (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) يجوز أن تكون الواو عاطفة والذين في محل نصب نسقا على النبي فيكون نورهم مبتدأ
стр. 5297
وجملة يسعى خبر والجملة مستأنفة أو حالية، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والذين مبتدأ وجملة نورهم يسعى خبره وبين أيديهم الظرف متعلق بيسعى وبأيمانهم عطف على الظرف متعلق بما تعلق به (يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا) الجملة خبر ثان أو حالية وربنا منادى مضاف وجملة النداء وفعل الأمر بعدها وفاعله ومفعوله مقول القول (وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عطف على ما تقدم.
البلاغة:
١- في قوله «توبة نصوحا» إسناد مجازي، أسند النصح إلى التوبة مجازا وإنما هو من التائب للمبالغة، وقد تقدم نظيره كثيرا.
٢- في قوله «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» فن عجيب سمّوه «السلب والإيجاب» وهو بناء الكلام على نفي الشيء من جهة وإيجابه من جهة أخرى أو أمر بشيء من جهة ونهي عنه من غير تلك الجهة وقد تقدم بحثه فيما مضى، وهو في الآية ظاهر فقد سلب عن هؤلاء الموصوفين العصيان وأوجب لهم الطاعة، فإن قيل على ظاهر هذه الآية إشكال من جهة التداخل والتكرار فإن معنى عجزها داخل في معنى صدرها فهو مكرر وإن اختلف لفظه وهذا عيب يتحاشى عن نظم الكتاب العزيز فإن من لا يعصي يطيع، ولم أر من تعرّض لهذا الإشكال وأجاب عنه إلا الإمام فخر الدين الرازي فقال «لا يعصون الله في الحال ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل» وهو على كل حال جواب لا يحلّ الإشكال بل يبقى واردا وأجاب ابن أبي الإصبع بقوله:
«الوصف بالطاعة والعصيان على ثلاثة أقسام: تقول: زيد لا يعصي ويطيع ونقيضه لا يطيع ويعصي والواسطة لا يعصي ولا يطيع والأول وصف أعلى والثاني وصف أدنى والثالث وصف متوسط والحق سبحانه
стр. 5298
أراد، وهو أعلم، أن يصف هؤلاء الملائكة بالوصف الأعلى فلو اقتصر على قوله لا يعصون احتمل أن يوصل بقولك ولا يطيعون فلا يوفي ذلك بالمعنى المراد فإن المراد وصفهم بأعلى الأوصاف فوجب أن يقول ويفعلون فتكمل الوصف والله أعلم» .
وأورد الزمخشري هذا الإشكال وأجاب عنه بما يلي: «فإن قلت أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا فإن معنى الأولى يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها ومعنى الثانية أنهم يؤدّون ما يؤمرون، به ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه، فإن قلت قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، وقال: أعدّت للكافرين فجعلها معدّة للكافرين فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟ قلت:
الفسّاق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفّار فإنهم مساكنون للكفّار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفّار الذين أعدّت لهم هذه النار الموصوفة، ويجوز أن يأمرهم بالتوقّي من الارتداد والندم على الدخول في الإسلام.
وتعقبه ابن المنير المالكي في كتابه الانتصاف فقال: «جوابه الأول مفرع على قاعدته الفاسدة في اعتقاد خلود الفسّاق في جهنم ولعلّه إنما أورد السؤال ليتكلف عنه بجواب ينفّس عمّا في نفسه مما لا يطيق كتمانه من هذا الباطل» .
[سورة التحريم (٦٦) : الآيات ٩ الى ١٢]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)
стр. 5299
اللغة:
(وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) شدّد عليهم في الخطاب ولا تأخذك هوادة أو لين في معاملتهم. وفي القاموس: «الغلظة مثلته والغلاظة بالكسر وكعنب ضد الرقّة، والفعل ككرم وضرب فهو غليظ وغلاظ كغراب وأغلظ له في القول خشن» .
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) يا أيها النبي تقدّم إعرابها كثيرا وجاهد فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والكفّار مفعول به والمنافقين عطف على الكفّار واغلظ فعل أمر معطوف على جاهد وعليهم متعلقان بأغلظ (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الواو استئنافية ومأواهم مبتدأ وجهنم خبر وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمصير فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي هي (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ) كلام مستأنف مسوق لإيراد حالة
стр. 5300
غريبة ليعرف على ضوئها حالة غريبة أخرى مشاكلة لها في الغرابة.
وضرب الله فعل وفاعل ومثلا مفعول به ثان مقدّم واللام ومجرورها متعلقة بمحذوف صفة لمثلا وامرأة نوح مفعول به أول وامرأة لوط عطف على امرأة نوح (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما) الجملة مستأنفة مسوقة لتفسير ضرب المثل، وكان فعل ماض ناقص والتاء تاء التأنيث الساكنة والألف اسم كان وتحت عبدين الظرف متعلق بمحذوف خبر كان ومن عبادنا نعت لعبدين، فخانتاهما عطف وهو فعل ماض وفاعل ومفعول به، وسيأتي اسم المرأتين وحديثهما في باب الفوائد (فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) الفاء عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم ويغنيا فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون والألف فاعل وعنهما متعلقان بيغنيا ومن الله حال وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به وقيل عطف على ما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول وجملة ادخلا مقول القول والنار مفعول به على السعة ومع الداخلين ظرف متعلق بادخلا والفعل الماضي قيل مضارع في المعنى أي ويقال لهما (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) عطف على ما تقدم وإذ ظرف متعلق بمثلا ولعلّ الأولى أن يقال أنه متعلق بمحذوف بدل من مثلا وجملة قالت في محل جر بإضافة الظرف إليها وربّ منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وابن فعل أمر للدعاء مبني على حذف حرف العلة ولي متعلقان بابن وعندك ظرف متعلق بمحذوف حال من ضمير المتكلم أو من بيتا لتقدمه عليه وفي الجنة عطف بيان أو بدل لقوله عندك أو متعلقان بابن (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ونجّني عطف على ابن ومن فرعون متعلقان بنجّني وعمله عطف ومن القوم متعلقان بنجّني والظالمين نعت للقوم (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) ومريم عطف على امرأة فرعون وابنة بدل أو نعت
стр. 5301
لمريم وعمران مضاف وجر بالفتحة لأنه لا ينصرف للعلمية وزيادة الألف والنون والتي نعت لمريم وجملة أحصنت فرجها صلة التي أي حفظته وصانته من الرجال، فنفخنا عطف على أحصنت وفيه متعلقان بنفخنا ومن روحنا صفة لمفعول به محذوف أي روحا من روحنا ومن للتبعيض، وقد مرّ معنى النفخ فيما تقدم (وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) وصدّقت عطف على محذوف مقدّر مناسب للسياق أي فحملت بعيسى وصدّقت، وبكلمات متعلقان بصدّقت وربها مضاف إليه وكتبه عطف على كلمات وكانت فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هي ومن القانتين خبر، ويجوز في من وجهان أحدهما أنها لابتداء الغاية والثاني أنها للتبعيض والتذكير للتغليب.
البلاغة:
في ضرب المثل تعريض بحفصة وعائشة المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله ﷺ بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشدّه لما في التمثيل من ذكر الكفر ونحوه وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكتمان فيه كمثل هاتين المؤمنتين وأن لا تتكلا على أنهما زوجتا رسول الله فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله، قال ابن عطية: «إن في المثلين عبرة لزوجات النبي ﷺ حين تقدّم عتابهنّ وفي هذا بعد لأن النص أنه للكفّار يبعد هذا» .
الفوائد:
ذكر المفسرون أن امرأة نوح كانت تقول لقومه إنه مجنون واسمها واهلة بتقديم الهاء على اللام وقيل بالعكس وامرأة لوط تدل قومه على
стр. 5302
أضيافه إذا نزلوا به ليلا بإيقاد النار ونهارا بالتدخين واسمها واعلة بتقديم العين على اللام وقيل بالعكس. أما امرأة فرعون واسمها آسية بنت مزاحم وكانت ذات فراسة صادقة في يوسف حين قالت قرّة عين لي ولك، ومن فضائلها أنها اختارت القتل على الملك وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت ترفل فيه.
هذا وقد وقع الإجماع على أنه ما زنت امرأة نبي قط، وقيل كانت خيانتهما النفاق، وقيل خانتاهما بالنميمة.
стр. 5303
(٦٧) سورة الملك مكيّة وآياتها ثلاثون
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)
اللغة:
(طِباقاً) جمع طبقة كرحبة ورحاب أو جمع طبق كجمل وجمال وجبل وجبال، وفي المصباح «وأصل الطبق الشيء على مقدار الشيء مطبقا له من جميع جوانبه» .
(فُطُورٍ) صدوع وشقوق وفي المختار: «والفطر الشق يقال فطره فانفطر وتفطر الشيء تشقّق وبابه نصر» .
(حَسِيرٌ) في المختار: «حسر بصره انقطع نظره من طول مدى وما
стр. 5304
أشبه ذلك فهو حسير ومحسور أيضا وبابه جلس» وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور وهو الإعياء.
الإعراب:
(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تبارك فعل ماض أي تنزّه عن صفات المحدّثين والذي فاعل وبيده خبر مقدّم والملك مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة الموصول وهو مبتدأ وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر هو وهذه الجملة معطوفة على الصلة مقررة لمضمونها (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) الذي بدل من اسم الموصول الأول وجملة خلق الموت والحياة لا محل لها لأنها صلة، وليبلوكم اللام للتعليل ويبلو فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والفاعل هو والكاف مفعول به وأيّكم مبتدأ وأحسن خبر وعملا تمييز والجملة الاسمية في محل نصب مفعول ثان ليبلوكم ولام التعليل ومجرورها متعلقان بخلق من حيث تعلقه بالحياة إذ هي محل الاختبار والتكليف وأما الموت فلا شيء من ذلك فيه. وفي الكلام استعارة تمثيلية تبعية على تشبيه حالهم في تكليفه تعالى لهم بتكاليفه، وخلق الموت والحياة لهم وإثابته لهم وعقوبته بحال المختبر مع من جرّبه واختبره لينظر مدى طاعته أو عصيانه فيكرمه أو يهينه (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) مبتدأ وخبراه (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) الذي بدل ثان من اسم الموصول وقيل من العزيز الغفور وقيل نعت لهما أو أنه في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أو منصوب على المدح وجملة خلق صلة وسبع سموات مفعول به وطباقا صفة لسبع سموات أو منصوب بفعل مقدّر أي طبقت طباقا فيكون مصدر طابق مطابقة وطباقا (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ)
стр. 5305
كلام مستأنف مسوق لتوكيد استقامة خلقه تعالى وما نافية وترى فعل مضارع وفاعله مستتر يعود على من يصلح للخطاب وفي خلق الرحمن متعلقان بتري ومن حرف جر زائد وتفاوت مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول ترى وقرىء تفوت بالتشديد للواو دون ألف، والتفاوت عدم التناسب لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر، ومن الغريب أن الزمخشري جعل هذه الجملة صفة متابعة لقوله طباقا قال:
«وهذه الجملة المنفية صفة لقوله طباقا وأصلها ما ترى فيهنّ فوضع مكان الضمير خلق الرحمن تعظيما لخلقهنّ وتنبيها على سبب سلامتهنّ وهو خلق الرحمن» وفي هذا من التعسّف ما فيه لانفلات الكلام بعضه من بعض.
فارجع: الفاء تعليلية لأن قوله فارجع البصر متسبّب عن قوله ما ترى، وارجع البصر فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وهل حرف استفهام وترى فعل مضارع مرفوع ومن حرف جر زائد وفطور مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به والجملة الاستفهامية في موضع نصب بفعل محذوف وهذا الفعل معلق بالاستفهام أي هل ترى (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وارجع البصر فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وكرتين نصب على المصدر كمرتين وهو وإن كان مثنى لا يقصد به التثنية بل المقصود به التكثير، وينقلب فعل مضارع مجزوم لأنه وقع جوابا للطلب وإليك متعلقان بينقلب والبصر فاعل وخاسئا حال والواو حالية وهو مبتدأ وحسير خبر والجملة حال إما من صاحب الأولى وإما من الضمير المستكن في الحال قبلها فتكون حالا متداخلة.
стр. 5306
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٥ الى ١١]
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)
اللغة:
(رُجُوماً) الرجوم جمع رجم وهو مصدر سمّي به المفعول أي ما يرجم به ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته ويقدّر مضاف أي ذات رجوم وإنما جمع المصدر باعتبار أنواعه.
الإعراب:
(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في ذكر دلائل أخرى على تمام قدرته تعالى واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وزينّا فعل وفاعل والسماء مفعول به والدنيا نعت أي القربى إلى الأرض وبمصابيح متعلقان بزينّا، وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به ورجوما مفعول به ثان وللشياطين متعلقان برجوما أو نعت له (وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ)
стр. 5307
وأعتدنا عطف على زينّا ولهم متعلقان بأعتدنا وعذاب السعير مفعول به (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الواو عاطفة وللذين خبر مقدّم وجملة كفروا صلة وبربهم متعلقان بكفروا وعذاب جهنم مبتدأ مؤخر وبئس المصير فعل جامد لإنشاء الذم وفاعله، والمخصوص بالذم محذوف تقديره هي (إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ) إذا ظرف زمان مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بسمعوا وجملة ألقوا في محل جر بإضافة الظرف إليها و. لقوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفيها متعلقان بألقوا والجملة مستأنفة وجملة سمعوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ولها متعلقان بمحذوف حال من شهيقا لأنه في الأصل صفته وتقدم عليه وشهيقا مفعول سمعوا والواو حالية وهي مبتدأ وجملة تفور خبر والجملة حالية من الهاء في لها (تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) الجملة مستأنفة كأنها وقعت جوابا لسؤال سائل، وتكاد فعل مضارع من أفعال المقاربة واسمها مستتر تقديره هي وجملة تميّز خبر، وتميّز أصلها تتميّز فعل مضارع أي تتقطع فحذفت إحدى التاءين، ومن الغيظ في محل نصب على التمييز أي غيظا وكلما ظرف زمان متعلق بجوابه وهو سألهم وقد مرّ تفصيل إعرابها، وألقي فعل ماض مبني للمجهول وفيها متعلقان بألقي وفوج نائب فاعل وجملة سألهم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وهو فعل ماض ومفعول به وخزنتها فاعل والهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي ولم حرف نفي وقلب وجزم ويأتكم فعل مضارع مجزوم بلم والكاف مفعول به ونذير فاعل وجملة الاستفهام مفعول به ثان لسأل (قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ) قالوا فعل وفاعل وقد حرف تحقيق وجاءنا فعل ماض ومفعول به مقدّم ونذير فاعل مؤخر والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: فماذا قالوا بعد السؤال، فقال: قالوا بلى قد جاءنا نذير وجملة قد جاءنا في محل نصب مقول القول (فَكَذَّبْنا وَقُلْنا
стр. 5308
ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)
الفاء حرف عطف وكذبنا فعل وفاعل وقلنا عطف على كذبنا وما نافية ونزل فعل ماض والله فاعل ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به والجملة مقول القول (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر وفي ضلال خبر أنتم وكبير نعت (وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) الواو عاطفة وقالوا فعل ماض وفاعل ولو شرطية وكان واسمها وجملة نسمع خبرها وأو حرف عطف ونعقل عطف على نسمع وما نافية وكان واسمها وفي أصحاب السعير خبرها والجملة لا محل لها وجملة الشرط وجوابه مقول القول (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) الفاء عاطفة واعترفوا فعل وفاعل وبذنبهم متعلقان باعترفوا والفاء عاطفة وسحقا منصوب على المصدر تقديره سحقهم الله سحقا فناب المصدر عن عامله في الدعاء نحو جدعا له وعقرا فلا يجوز إظهاره وقيل هو مفعول به لفعل محذوف أي ألزمهم الله سحقا وفي المختار:
«والسحق البعد يقال سحقا له والسحق بضمتين مثله وقد سحق الشيء بالضم سحقا بوزن بعد فهو سحيق أي بعيد وأسحقه الله أي أبعده» وكان القياس إسحاقا فجاء بالمصدر على المحذوف، واللام في لأصحاب السعير للبيان كما في هيت لك.
البلاغة:
١- في قوله «ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح» استعارة تصريحية، شبّه الكواكب والنجوم بمصابيح وحذف المشبه وأبقى المشبه به على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية لأن الناس يزيّنون مساجدهم ودورهم بإثقاب المصابيح ولكنها مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة.
стр. 5309
٢- وفي قوله: «تكاد تميز من الغيظ» استعارة مكنية تبعية، شبّه جهنم بالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم وحذف المشبه به وأبقى شيئا من لوازمه لأن المغتاظة تتميز وتتقصف غضبا ويكاد ينفصل بعضها عن بعض لشدة اضطرابها ويقولون فلان يتميز غيظا إذا وصفوه بالإفراط في الغضب. وفي هذه الآية أيضا فن حسن الاتباع فقد جرى الشعراء على نهجها فولعوا بإسناد أفعال من يعقل إلى ما لا يعقل وقد أوردنا له أمثلة في الكهف وفي الفرقان فجدّد بها عهدا.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٢ الى ١٧]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)
اللغة:
(ذَلُولًا) فعوّل بمعنى مفعول أي مذللة مسخرة منقادة لما تريدون منها.
(مَناكِبِها) المناكب جمع منكب وهو مجتمع رأس الكتف والعضد يقال: تشابهت منهم المناكب والرءوس أي ليس فيهم مفضل، ويقال:
стр. 5310
هزّ منكبه لكذا أي فرح به وفلان معي على حدّ منكب أي كلما رآني التوى ولم يتلقني بوجهه، والمنكب أيضا: ناحية كل شيء وجانبة يقال سرنا في منكب من الأرض أو الجبل أي في ناحية والمنكب من القوم عريفهم أو عونهم والمنكب من الأرض: الطريق والموضع المرتدم وفي القرآن الكريم «فامشوا في مناكبها» أي في مواضعها المرتفعة فعلى هذا يكون الكلام حقيقة وعلى الأول يكون فيه استعارة تصريحية وإلى هذا جنح الزمخشري فقال: «المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه فإذا جعلها من الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك شيئا منها إلا قد ذلله» وقال الزجّاج «معناه سهّل لكم السلوك في جبالها فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذليل» وقيل جوانبها.
(تَمُورُ) تتحرك بكم وفي المختار: «مار من باب قال تحرّك وجاء وذهب ومنه: يوم تمور السماء مورا، قال الضحّاك: تموج موجا» .
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) إن واسمها وجملة يخشون صلة الذين وربهم مفعول به وبالغيب حال من الواو في يخشون والباء بمعنى في ولهم خبر مقدم ومغفرة مبتدأ مؤخر وأجر عطف على مغفرة وكبير نعت لأجر والجملة الاسمية خبر إن (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) الواو استئنافية وأسرّوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وقولكم مفعول به وأو حرف عطف واجهروا فعل أمر وفاعل وبه متعلقان باجهروا وإن واسمها وعليم خبرها وبذات الصدور متعلقان بعليم وجملة إن وما في حيّزها تعليل للأمر
стр. 5311
بتساوي السر والجهر بالنسبة إلى علمه تعالى (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الهمزة للاستفهام ولا نافية ويعلم فعل مضارع مرفوع ومن اسم موصول في محل نصب مفعول به والفاعل مستتر يعود على الله تعالى والمعنى أينتفي علمه بمن خلق وهو الذي أحاط بمكنونات الأمور وجليّاتها وأجاز الزمخشري ورجحه الجمل في حاشيته نقلا عن شيخه أبو البقاء وغيرهما أن يكون من فاعل يعلم والمفعول محذوف كأنه قال ألا يعلم الخالق سرّكم وجهركم والاستفهام معناه الإنكار وعبارة الزمخشري: «ويجوز أن يكون من خلق منصوبا بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله وروي أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيظهر الله رسوله عليها فيقولون أسرّوا قولكم لئلا يسمعه إله محمد، فنبّه الله على جهلهم فإن قلت قدّرت في ألّا يعلم مفعولا على معنى ألا يعلم ذلك المذكور فما أضمر في القلب وأظهر باللسان من خلق فهلّا جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع وهلّا كان المعنى ألا يكون عالما من هو خالق لأن الخلق لا يصحّ إلا مع العلم قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله وهو اللطيف الخبير لأنك لو قلت: ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحا لأن ألا يعلم معتمد على الحال والشيء ولا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء» . وقد تعقب ابن المنير المالكي الزمخشري وناقشه مناقشة قيّمة قال فيها: «هذه الآية ردّ على المعتزلة وتصحيح للطريق التي يسلكها أهل السنّة في الردّ عليهم فإن أهل السنّة يستدلون على أن العبد لا يخلق أفعاله بأنه لا يعلمها وهو استدلال بنفي اللازم الذي هو العلم على نفي الملزوم الذي هو الخلق وبهذه الملازمة دلّت الآية فإن الله تعالى أرشد إلى الاستدلال على ثبوت العلم له بثبوت الخلق وهو استدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم فهو نور واحد يقتبس منه ثبوت العلم للبارىء وإبطال خلق العبد
стр. 5312
لأفعاله وإعراب الآية ينزل على هذا المعنى فإن الوجه فيها أن يكون من فاعلا مرادا به الخالق ومفعول العلم محذوف تقديره ذلك إشارة إلى السر والجهر ومفعول خلق محذوف ضميره عائد إلى ذلك والتقدير في الجميع ألا يعلم السر والجهر من خلقهما ومتى حذونا غير هذا الوجه من الإعراب ألقانا إلى مضايق التكلّف والتعسّف فمن المحتمل أن يكون من مفعولة واقعة على فاعل السر والجهر والتقدير ألا يعلم الله المسرّين والجاهرين وليس مطابقا للمفصل فإنه لم يقع على ذوات الفاعلين وإنما وقع على أفعالهم من السرّ والجهر وعليه وقع الاستدلال ويحتمل غير ذلك أبعد منه والأول هو الأولى لفظا ومعنى والله الموفّق» والواو حالية وهو مبتدأ واللطيف خبر أول والخبير خبر ثان (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) هو مبتدأ والذي خبر وجملة جعل صلة ولكم متعلقان بذلولا والأرض مفعول جعل الأول وذلولا مفعولها الثاني إذا كانت بمعنى صيّر وإن كانت بمعنى خلق يعرب حالا والفاء الفصيحة أي إن عرفتم ذلك فامشوا والأمر أمر إباحة وفي مناكبها متعلقان بامشوا وكلوا فعل أمر وفاعل ومن رزقه متعلق بكلوا وإليه خبر مقدم والنشور مبتدأ مؤخر (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ) الهمزة للاستفهام الإنكاري وأمنتم فعل وفاعل ومن مفعول به وهي عبارة
عن الله تعالى وفي السماء متعلقان بمحذوف صلة الموصول وأن يخسف المصدر المؤول في محل نصب بدل اشتمال من «من» وبكم متعلقان بيخسف والأرض مفعول به والفاء عاطفة وإذا الفجائية وقد تقدم القول فيها وهي مبتدأ وجملة تمور خبر (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) أم عاطفة بمعنى بل كأنه أضرب عن التهديد الأول لينتقل إلى تهديد آخر وأمنتم فعل وفاعل ومن مفعول به وفي السماء صلة وأن وما في حيّزها بدل اشتمال من «من» وحاصبا مفعول به
стр. 5313
والفاء الفصيحة والسين حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وكيف اسم استفهام خبر مقدّم ونذيري مبتدأ مؤخر وحذفت ياء المتكلم رسما والجملة المعلقة في محل نصب مفعول تعلمون.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)
اللغة:
(الطَّيْرِ) في المصباح: «جمع الطائر طير مثل صاحب وصحب وراكب وركب وجمع الطير طيور وأطيار وقال أبو عبيدة وقطرب: ويقع الطير على الواحد والجمع وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من تذكيرها ولا يقال للواحد طير بل طائر وقلّما يقال للأنثى طائرة» وفي القاموس واللسان وغيرهما ما خلاصته: الطير مصدر وجمع طائر وقد يقع على الواحد والاسم من التطيّر ومنه قولهم: لا طير إلا طير الله وطير الله لا طيرك كما يقال: صباح الله لا صباحك ويقال أيضا: كأنّ على رءوسهم الطير أي هم ساكنون هيبة وأصله أن الغراب يقع على رأس
стр. 5314
البعير فيلقط منه القراد فلا يتحرك البعير لئلا ينفر عنه الغراب، وازجر أحناء طيرك أي جوانب خفتك وطيشك.
(صافَّاتٍ) باسطات أجنحتهنّ في الجو عند طيرانها.
(وَيقبضنها) ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهنّ، وسيأتي المزيد في باب البلاغة.
(لَجُّوا) تمادوا.
(مُكِبًّا) اسم فاعل من أكب اللازم المطاوع لكبه يقال كبّه الله على وجهه في النار فأكبّ أي سقط وهذا على خلاف القاعدة في أن الهمزة إذا دخلت على اللازم تصيّره متعديا، وهنا قد دخلت على اللازم فصيّرته لازما، هذا ما ذكره اللغويون وأنكره الزمخشري قال: «يجعلون أكبّ مطاوع كبّه يقال: كببته فأكبّ من الغرائب والشواذ ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع وما هو كذلك ولا شيء من بناء أفعل مطاوعا ولا يتقن هذا إلا حملة كتاب سيبويه وإنما أكبّ من باب أنغض وألأم ومعناه دخل في الكب وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع ومطاوع كب وقشع انكبّ وانقشع» وفي الصحاح ما يؤيد قول الزمخشري قال: «أنغض القوم هلكت أموالهم وانفضّوا أيضا مثل أرملوا فني زادهم» وفيه أيضا: «ألأم الرجل إذا صنع ما يدعوه الناس عليه لئيما» .
وقال أبو حيان: «ومكبّا حال من أكبّ وهو لا يتعدى وكب متعد قال تعالى: فكبت وجوههم في النار، والهمزة فيه للدخول في الشيء أو للصيرورة ومطاوع كب: انكب تقول كببته فانكب» .
وفي القاموس: «كبه قلبه وصرعه كأكبّه وكبكبه فأكبّ وهو لازم ومتعدّ» .
стр. 5315
وعبارة الأساس: «أكبّ لوجهه وعلى وجهه فانكبّ: أفمن يمشي مكبّا على وجهه، وكببته وهو مكبوب ومكبوت وكببته في الهوّة وكبكبته وكذلك إذا رمى به من رأس جبل أو حائط، والفارس يكبّ الوحوش وهم يكبّون العشار قال:
يكبّون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تسكت المائة الوليدا
ورجل أكب لا يزال يعثر قال عدي:
إن يصبني بعض الهنات فلا وا ... ن ضعيف ولا أكبّ عثور
ومن المجاز: أكبّ على عمله وهو مكبّ عليه لازم له لا يفارقه قال لبيد:
جنوح الهالكي على يديه ... مكبّا يجتلي نقب النصال
وأكبّ فلان على فلان يطلبه»
الإعراب:
(وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وكذب فعل ماض والذين فاعل ومن قبلهم متعلقان بمحذوف صلة الموصول والفاء حرف عطف وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان مقدّم وكان فعل ماض ناقص ونكير اسمها وحذفت الياء اتّباعا لرسم المصحف أي إنكاري عليهم (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري والواو عاطفة على مقدّر أي أغفلوا ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل وإلى الطير متعلقان بيروا وفوقهم ظرف متعلق بصافّات وصافّات حال، ويقبضن الواو عاطفة ويقبضن فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة ونون النسوة فاعل،
стр. 5316
وسيأتي سر عطف المضارع على الاسم المشتق في باب البلاغة، ومفعول يقبض محذوف أي أجنحتهنّ (ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) الجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال من فاعل يقبضن وأعربها أبو البقاء بدلا من الضمير في يقبضن ولم أر لهذا الإعراب مساغا، وما نافية ويمسكهنّ فعل مضارع مرفوع والهاء مفعول به وإلا أداة حصر والرحمن فاعل وإن واسمها وبكل شيء متعلقان ببصير وبصير خبر إن والجملة تعليل للقدرة التي تدخل كل شيء في نطاق علمها (أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ) أم حرف عطف بمعنى بل فهي منقطعة ومن اسم استفهام مبتدأ وهذا اسم إشارة خبر والذي بدل من هذا أو صفة لاسم الإشارة وهو مبتدأ وجند خبر ولكن نعت والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة وجملة ينصركم نعت ثان أو حال ومن دون الرحمن متعلقان بمحذوف حال من فاعل ينصركم (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) إن نافية والكافرون مبتدأ وإلا أداة حصر وفي غرور خبر المبتدأ والجملة معترضة لا محل لها (أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) عطف على ما تقدم وإن شرطية وأمسك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف دلّ عليه ما تقدم ورزقه مفعول به (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) بل حرف إضراب وعطف ولجوا فعل ماض وفاعل وفي عتو متعلقان بلجوا ونفور عطف على عتو (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) الهمزة للاستفهام التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف مقدّر ومن اسم موصول مبتدأ وجملة يمشي صلة ومكبّا حال من فاعل يمشي وعلى وجهه متعلق بمكبّا وأهدى خبر وأم حرف عطف معادل لهمزة الاستفهام ومن عطف على من الأولى وجملة يمشي صلة وسويا حال وعلى صراط مستقيم متعلقان بيمشي.
стр. 5317
البلاغة:
١- في قوله «أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافّات ويقبضن» عطف الفعل على الاسم والسياق يقتضي أن يقول قابضات وذلك لسرّ لطيف، فإن أصل الطيران هو رصف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرّك فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهنّ صافّات ويكون منهنّ القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح، وخلاصة القول أن الغالب هو البسط فكأنه هو الثابت فعبّر عنه بالاسم والقبض متجدّد فعبّر عنه بالفعل.
٢- وفي قوله «أفمن يمشي مكبّا على وجهه أهدى أم من يمشي سويّا على صراط مستقيم» استعارة تمثيلية وهو مثل للمؤمن والكافر، فالكافر أعمى لا يهتدي إلى الطريق بل يمشي متعسفا فلا يزال يتعثر وينكب على وجهه والمؤمن صحيح البصر يمشي في طريق واضحة مستقيمة سالما من العثور والخرور على وجهه. وهكذا تتجلى طريقة القرآن في التجسيد.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٣ الى ٣٠]
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
стр. 5318
اللغة:
(زُلْفَةً) الزلفة: القرب.
الإعراب:
(قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ) هو مبتدأ والذي خبر وجملة أنشأكم صلة والجملة الاسمية مقول القول وجعل عطف على أنشأكم ولكم متعلقان بجعل أو في محل نصب مفعول به لجعلنا، وقد تقدم الفرق بين الجعل بمعنى الخلق والجعل بمعنى التصيير، والسمع مفعول به والأبصار عطف على السمع والأفئدة عطف أيضا وقليلا صفة مصدر مقدّم وما زائدة لتأكيد التقليل وتشكرون فعل مضارع مرفوع ويجوز إعراب قليلا ظرف متعلق بتشكرون والجملة في محل نصب حال مقدّرة (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) هو مبتدأ والذي خبره وجملة ذرأكم صلة والجملة مقول القول وفي الأرض متعلقان بذرأكم وإليه متعلقان بتحشرون وتحشرون فعل مضارع مرفوع والواو نائب فاعل (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو عاطفة ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب ظرف زمان والظرف متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم وهذا
стр. 5319
مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وكان واسمها وصادقين خبرها وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم صادقين فيما تخبرون به من أمر القيامة والحشر فبيّنوا وقته على وجه التحديد (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) إنما كافّة ومكفوفة والعلم مبتدأ وعند الله ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وإنما عطف على إنما الأولى وأنا مبتدأ ونذير خبر ومبين نعت والجملتان مقول القول (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الفاء الفصيحة لأنها أعربت عن جملتين مقدرتين كأنه قيل وقد أتاهم ما وعدوا به فرأوه فلما رأوه، ولما حينية أو رابطة متضمنة معنى الشرط ورأوه فعل ماض وفاعل ومفعول به وزلفة حال من مفعول رأوه وهو اسم مصدر لأزلف وهو بمعنى اسم الفاعل وأجاز الزمخشري إعرابها ظرفا أي مكانا ذا زلفة، وجملة سيئت لا محل لها لأنها جواب لما ووجوه نائب فاعل والذين مضاف إليه وجملة كفروا صلة (وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) الواو عاطفة وقيل فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر أي قال الخزنة لهم، وهذا مبتدأ والذي اسم موصول في محل رفع صفة للخبر المحذوف أي هذا العذاب الذي وجملة كنتم صلة وكان واسمها وبه متعلقان بتدعون وجملة تدعون خبر كنتم (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا) أرأيتم الهمزة للاستفهام الإنكاري ورأيتم بمعنى أخبروني فعل وفاعل وإن شرطية وأهلكني الله فعل ماض ومفعول به وفاعل والجملة الشرطية التالية سدّت مسدّ مفعولي أرأيتم وقد تقدمت لهذا الإعراب نظائر وإن شرطية وأهلكني فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والنون للوقاية والياء مفعول به والله فاعل وجواب الشرط محذوف تقديره فلا فائدة لكم ولا نفع يعود عليكم والواو حرف عطف ومن عطف على الياء ومعي ظرف متعلق بمحذوف صلة من وأو حرف عطف ورحمنا فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به (فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ
стр. 5320
عَذابٍ أَلِيمٍ)
الفاء تعليلية ومن اسم استفهام معناه النفي، أي لا أحد، في محل رفع فاعل وجملة يجير خبر والكافرين مفعول ومن عذاب أليم متعلقان بيجير (قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا) هو مبتدأ والرحمن خبر وجملة آمنّا به خبر ثان وبه متعلقان بآمنّا وعليه متعلقان بتوكلنا والجملة عطف على آمنّا به (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الفاء الفصيحة والسين حرف استقبال وتعلمون فعل وفاعل ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وهو ضمير فصل وفي ضلال مبين خبر من والجملة الاستفهامية سادّة مسدّ مفعولي تعلمون المعلقة بالاستفهام (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ) أرأيتم تقدم قريبا إعرابها فجدّد به عهدا، والجملة الشرطية سدّ مسدّ مفعوليها وماؤكم اسم أصبح وغورا خبر أي غائرا ذاهبا في مسارب الأرض لا تناله الدلاء والأرشية والفاء رابطة ومن اسم استفهام مبتدأ وجملة يأتيكم خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط
، وبما متعلقان بيأتيكم ومعين صفة لماء أي ظاهر تتراءاه العيون وأصله معيون بوزن مفعول كمبيع أصله مبيوع فنقلت ضمة الياء إلى العين قبلها فالتقى ساكنان الياء والواو فحذفت الواو ثم كسرت العين لتصح الياء، وقيل هو من معن الماء أي كثر فهو على هذا الاعتبار فعيل لا مفعول والميم أصلية أما على الأول فالميم زائدة لأن الفعل عين.
البلاغة:
في قوله: «آمنّا به وعليه توكلنا» التقديم والتأخير فقد قدّم المفعول في قوله وعليه توكلنا وأخّره في قوله آمنّا به، وقال الزمخشري بصدده:
«فإن قلت لم أخّر مفعول آمنّا وقدّم مفعول توكلنا؟ قلت لوقوع آمنّا تعريضا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم كأنه قيل آمنّا ولم نكفر كما كفرتم ثم قال وعليه توكلنا خصوصا لم نتوكل على ما أنتم متوكلون عليه من رجالكم وأموالكم» .
стр. 5321
(٦٨) سورة القلم مكيّة وآياتها ثنتان وخمسون
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)
الإعراب:
(ن، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) ن تقدم القول في إعراب فواتح السور، ونضيف ما قاله الزمخشري في الرد على المتعسفين، قال: هذا الحرف من حروف المعجم وأما قولهم هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي أم شرعي ولا يخلو إذا كان اسما للدواة من أن يكون جنسا أو علما فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين وإن كان علما فأين الإعراب وأيّهما كان فلا بدّ له من موقع في تأليف الكلام فإن قلت هو مقسم به
стр. 5322
وجب إن كان جنسا أن تجرّه وتنوّنه ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة كأنه قيل ودواة والقلم، وإن كان علما أن تصرفه وتجرّه أو لا تصرفه وتفتحه للعملية والتأنيث وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان أو يجعل علما للبهموت الذي يزعمون والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنة. وأكد أبو حيان أنه لا يصحّ شيء من ذلك.
والواو حرف قسم وجر والقلم مقسم به والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وأقسم تعالى بالقلم تعظيما لأمره وتنويها بشأنه ولما فيه من الفوائد والمنافع التي لا يحيط بها الوصف أي فالمراد به جنس القلم الشامل للأقلام التي يكتب بها، قال تعالى «وربك الأكرم الذي علّم بالقلم» وبأنه ينتفع به كما ينتفع بالمنطق ولهذا قيل: القلم أحد اللسانين. والواو حرف عطف وما موصولة أو مصدرية وعلى كل حال هي معطوفة على القلم فأقسم أولا بالقلم ثم بسطر الملائكة أو بمسطورهم فالمقسم به شيئان على ثلاثة أشياء نفي الجنون عنه وثبوت الأجر له وكونه على الملّة الحنيفية السمحاء (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) جملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب القسم وما نافية حجازية وبنعمة ربك متعلقان بمعنى النفي المدلول عليه بما والباء للسبب والباء حرف جر زائد ومجنون مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما والمعنى انتفى عنك الجنون بسبب إنعام ربك عليك بالنبوّة وغيرها، وسيأتي مزيد بيان لتعلق الجار والمجرور والظرف بمعنى النفي في باب الفوائد (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) الواو حرف عطف والجملة وما بعدها عطف على جملة جواب القسم فهما من جملة المقسم عليه كما تقدم آنفا وإن حرف مشبه بالفعل ولك خبرها المقدم واللام المزحلقة وأجرا اسمها وغير ممنون نعت أي غير مقطوع (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) إن واسمها واللام المزحلقة وعلى خلق خبر وعظيم نعت (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) الفاء استئنافية والسين حرف استقبال وتبصر فعل
стр. 5323
مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره أنت ويبصرون عطف على ستبصر (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) اختلف المعربون فيها اختلافا شديدا ونورد أرجح الأقوال وهي أربعة: ١- أن الباء مزيدة في المبتدأ والتقدير أيّكم المفتون فزيدت الباء كزيادتها في نحو بحسبك زيد ٢- أن الباء بمعنى في فهي ظرفية كقولك زيد بالبصرة أي فيها والمعنى في أيّ فرقة وطائفة منكم المفتون ٣- أنه على حذف مضاف أي بأيّكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وتكون الباء سببية ٤- أن المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور والتقدير بأيّكم الفتون والجملة على كل حال في محل نصب معمولة لما قبلها لأنه معلق بأداة الاستفهام وسيأتي مزيد بحث في هذا الصدد في باب الفوائد (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل لما تقدم لأن ما قبلها أنبأ بظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد، وإن واسمها وهو مبتدأ وأعلم خبر والجملة خبر إن، ولك أن تعرب هو ضمير فصل وأعلم خبر وبمن متعلقان بأعلم وجملة ضلّ صلة وعن سبيله متعلقان بضل وهو مبتدأ وأعلم خبر وبالمهتدين متعلقان بأعلم.
البلاغة:
في قوله «ن والقلم وما يسطرون» إلى قوله «غير ممنون» فن المناسبة اللفظية، وهي عبارة عن الإتيان بلفظات متّزنات مقفّات.
الفوائد:
١- منع جمهور النحاة تعليق الجار والمجرور والظرف بأحرف المعاني، وأجازه بعضهم وفصّل بعضهم، فقال إن كان نائبا عن فعل
стр. 5324
حذف جاز ذلك على سبيل النيابة لا الأصالة وإلا فلا، قال ابن هشام في المغني: ومن ذلك قوله تعالى: ما أنت بنعمة ربك بمجنون، الباء متعلقة بالنفي إذ لو علقت بمجنون لأفاد نفي جنون خاص وهو الذي يكون من نعمة الله وليس في الوجود جنون هو نعمة. هذا ما ذكره ابن الحاجب وغيره وهو كلام بديع إلا أن جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلّق بالحرف فينبغي أن يقدّر على قولهم أن التعلق بفعل دلّ عليه النافي أي انتفى ذلك بنعمة ربك وقد ذكرت في شرحي لقصيدة كعب بن زهير عند الكلام على قوله:
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
إن المختار تعلق الظرف بمعنى التشبيه الذي تضمنه البيت وذلك على أن الأصل وما كسعاد إلا ظبي أغن على التشبيه المعكوس للمبالغة لئلا يكون الظرف متقدما في التقدير على اللفظ الحامل لمعنى التشبيه وإذا جاز لحرف التشبيه أن يعمل في الحال في نحو قوله:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
مع أن الحال شبيهة بالمفعول به فعمله في الظرف أجدر.
أما الزمخشري فقد سلك مسلكا غريبا في تعليق بنعمة قال: «فإن قلت: بم تتعلق الباء في بنعمة ربك وما محله؟ قلت يتعلق بمجنون منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك: أنت بنعمة الله عاقل مستويا في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا وما ضرب زيد عمرا تعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا كأنه قال: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي» وقد تبع الزمخشري معظم المفسرين، قال
стр. 5325
النسفي: «الباء تتعلق بمحذوف ومحله النصب على الحال والعامل فيها بمجنون» .
وتعقب أبو حيان الزمخشري فيما ذهب إليه فقال: «وما ذهب إليه الزمخشري من أن بنعمة ربك متعلق بمجنون وأنه في موضع الحال يحتاج إلى تأمل وذلك أنه إذا تسلط النفي على محكوم به وذلك له معمول ففي ذلك طريقان أحدهما أن النفي يتسلط على ذلك المعمول فقط والآخر أن يتسلط النفي على المحكوم به فينتفي معموله لانتفائه بيان ذلك تقول ما زيد قائم مسرعا فيتبادر إلى الذهن أنه منتف إسراعه دون قيامه فيكون قد قام غير مسرع والوجه الآخر أنه انتفى قيامه فانتفى إسراعه أي لا قيام فلا إسراع وهذا الذي قررناه لا يتأتّى معه قول الزمخشري بوجه بل يؤدي إلى ما لا يجوز أن ينطق به في حق المعصوم ﷺ .
٢- ذكر صاحب المغني أن الباء في «بأيّكم المفتون» زائدة، قال في مواضع الباء الزائدة: «الثالث المبتدأ وذلك في قولهم بحسبك درهم وخرجت فإذا بزيد وكيف بك إذا كان كذا وكذا ومنه عند سيبويه: بأيّكم المفتون وقال أبو الحسن بأيّكم متعلق باستقرار محذوف يخبر به عن المفتون ثم اختلف فقيل المفتون مصدر بمعنى الفتنة وقيل الباء ظرفية أي في أي طائفة منكم المفتون» .
هذا وقد قال أبو حيان: «لا ينبغي حمله عليه لقلته» فالمعروف أن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا إذا كان لفظ «حسب» قياسا، وقال ابن يعيش: «أما زيادتها في المبتدأ ففي موضع واحد وهو بحسبك» وذكر الكافيجي: «إن زيادتها في بحسبك زيادة في الخبر وجعل درهم مبتدأ مؤخرا وبحسبك هو الخبر لأنه هو محطّ الفائدة والمعنى درهم واحد
следующие страницы →