← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

وأورد صاحب القاموس في مادة سجن ما نصّه: «وكسكين الدائم الشديد موضع فيه كتاب الفجّار وواد في جهنم أعاذنا الله تعالى منها أو حجر في الأرض السابعة» . (مَرْقُومٌ) مكتوب مسطور وأصل الرقم الكتابة، ومنه قول الشاعر: سأرقم في الماء القراح إليكم ... على بعدكم إن كان للماء راقم الإعراب: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) ويل مبتدأ وسوّغ الابتداء به كونه دعاء وللمطففين خبره، ولو نصب لجاز وقيل: «والمختار في ويل وشبهه إذا كان غير مضاف الرفع ويجوز فيه النصب فإن كان مضافا أو معرّفا كان الاختيار فيه النصب نحو ويلكم لا تغترّوا» ، (الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) الذين صفة للمطففين وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط وهو متعلق بالجواب المحذوف وتقديره قبضوا منهم وجملة اكتالوا في محل جر بإضافة الظرف إليها وعلى الناس متعلقان باكتالوا وقيل متعلقان بيستوفون وإنما قدّم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية قال الزمخشري: «لما كان اكتيالهم اكتيالا يضرّهم ويتحامل فيه عليهم أبدل على مكان من للدلالة على ذلك ويجوز أن يتعلق بيستوفون وقدّم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية أي يستوفون على الناس خاصة فأما أنفسهم فيستوفون لها» وقد جعل ابن هشام «على» بمعنى «من» موافقا بذلك الزمخشري. وجملة يستوفون في موضع نصب على الحال من فاعل الجواب المحذوف أي قبضوا منهم مستوفين (وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) الواو عاطفة وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متعلق بالجواب المحذوف وتقديره استوفوا

стр. 5567

لها وجملة كالوهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وكالوهم فعل ماض وفاعل والهاء منصوب بنزع الخافض أي كالوا لهم الطعام وأو حرف عطف ووزنوهم عطف على كالوهم موازن له في إعرابه وعبارة الزمخشري «والضمير في كالوهم أو وزنوهم ضمير منصوب راجع إلى الناس وفيه وجهان: أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل كما قال: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن نبات الأوبر فجنى لا يتعدى إلا لواحد وللثاني باللام فالأصل جنيت لك فحذف الجار وأوصل الضمير أو ضمنه معنى انجتك فعدّاه لهما، والأكمؤ جمع كمء كأفلس وهو واحد الكمأة وهي لنوع كبير من نبات يسمى شحمة الأرض سمي كمأة لاشتهاره بها والعساقل جمع عسقول كعصفور وكان حقه عساقيل فحذفت الياء للوزن وقيل أنه جمع عسقل وهو نوع صغير منها جيد أبيض ونبات أوبر نوع رديء منها أسود مزغب كأن عليه وبرا وقيل هو جنس يشبه القلقاس أو اللفت ونبات أوبر جمع ابن أوبر لأنه علم لما لا يعقل وأل فيه زائدة وقال المبرد: هو اسم جنس، والبيت هو من باب التمثيل لحال من اغري على الطيب فعدل إلى الخبيث ثم رجع يتندم على عاقبته. ونعود إلى ما نحن بصدده فنقول ومن أمثلة المنصوب بنزع الخافض قولهم الحريص يصيدك لا الجواد والأصل يصيد لك وما قيل من أن هم ضمير رفع مؤكد للواو في كالوهم خطأ. وأو حرف عطف ووزنوهم معطوف على كالوهم ويقال في إعرابه ما قيل في كلوهم أي وزنوا لهم، وعبارة أبي حيان: «وكال ووزن مما يتعدى بحرف الجر فتقول كلت لك ووزنت لك ويجوز حذف اللام كقولك نصحت لك ونصحتك وشكرت لك وشكرتك والضمير ضمير نصب أي كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف حرف الجر ووصل الفعل بنفسه

стр. 5568

والمفعول محذوف وهو المكيل والموزون» وجملة يخسرون حال من الجواب المحذوف (أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري ولا نافية ويظن فعل مضارع مرفوع والظن هنا بمعنى اليقين أي ألا يوقن أولئك ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والوزن، وأولئك فاعل والإشارة للمطففين وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي يظن وأن واسمها ومبعوثون خبرها وليوم متعلقان بمبعوثون أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف وإنما بني على الفتح لإضافته إلى الفعل وعظيم نعت ويوم بدل من ليوم تابع له على المحل ومحله النصب بمبعوثون المذكور أو بمقدّر مثله لأن البدل على نية تكرير العامل وجملة يقوم الناس في محل جر بإضافة الظرف إليها ولرب العالمين متعلقان بيقوم، وعن ابن عمران قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله يوم يقوم الناس لرب العالمين بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده، وعن عبد الملك بن مروان أن أعرابيا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ) كلا ردع وزجر لهم عن التطفيف والغفلة عن الحساب والبعث وإن واسمها واللام المزحلقة وفي سجين خبر إن وما اسم استفهام مبتدأ وجملة أدراك خبر وما اسم استفهام مبتدأ وسجين خبر والجملة الاسمية المعلقة بالاستفهام سدّت مسدّ مفعول أدراك الثاني وكتاب بدل من سجين أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو كتاب مرقوم ومرقوم صفة كتاب، وإذا اعتبر سجين اسم موضع فالأرجح الخبرية أو تقدير مضاف من سجين ليندفع الاعتراض بأن سجينا اسم موضع فكيف يفسّر بكتاب مرقوم (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) ويل مبتدأ كما تقدم ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله متعلق بويل

стр. 5569

وللمكذبين خبر والذين نعت للمكذبين وجملة يكذبون لا محل لها لأنها صلة الذين وبيوم الدين متعلقان بيكذبون (وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) الواو عاطفة أو حالية وما نافية ويكذب فعل مضارع مرفوع وبه متعلق بيكذب وإلا أداة حصر وكل معتد أثيم فاعل يكذب (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) إذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بجوابه وهو قال وجملة تتلى في محل جر بإضافة الظرف إليها وعليه متعلقان بتتلى وآياتنا نائب فاعل تتلى وجملة قال لا محل لها لأنها جواب إذا وأساطير الأولين خبر لمبتدأ محذوف أي هي. وتقدم أن الأساطير جمع أسطورة أو أساطرة بالكسر وهي الحكاية التي سطرت قديما. البلاغة: في قوله «الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون» مقابلة أتت على أحسن وجه وأنظمه أي إذا كان الكيل من جهة غيرهم استوفوه وإذا كان الكيل من جهتهم خاصة أخسروه سواء باشروه أو لا، فالضمير لا يدل على مباشرة ولا إشعار أيضا بذلك والذي يدلك على أن الضمير لا يعطي مباشرة الفعل إن لك أن تقول: الأمراء هم الذين يقيمون الحدود لا السوقة لست تعني أنهم يباشرون ذلك بأنفسهم وإنما معناه أن فعل ذلك من جهتهم خاصة، قيل كان أهل المدينة تجّارا يطففون وكانت بياعاتهم المنابزة والملامسة والمخاطرة فنزلت فخرج رسول الله ﷺ فقرأها عليهم وقال: خمس بخمس قيل: يا رسول الله: وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلّط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت،

стр. 5570

ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر. وقيل نزلت في رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، أي يأخذ بواحد ويعطي بآخر. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٤ الى ٣٦] كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)

стр. 5571

اللغة: (رانَ) غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم للسماء وفي المختار: «الرين الطبع والدنس يقال ران ذنبه على قلبه من باب باع وريونا أيضا غلب وقال أبو عبيدة: كل ما غلبك فقد ران بك ورانك وران عليك ورين الرجل إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به» وعبارة الزمخشري: «ران على قلوبهم: ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها وهو أن يصرّ على الكبائر ويسوف التوبة حتى يطبع على قلبه فلا يقبل الخير ولا يميل إليه وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب، يقال ران عليه الذنب وغان عليه رينا وغينا والذين الغيم ويقال ران فيه النوم رسخ فيه ورانت به الخمر ذهبت به» قلت: وران يائية وواوية وهي هنا يائية، يقال: ران يرين رينا وريونا الشيء فلانا وعليه وبه: غلب عليه تقول: ران هواه على قلبه أي غلب عليه ورانت نفسه: خبثت وغشت وران الموت عليه وبه ذهب ورين به: وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا طاقة له به ومات ووقع في غم وأران إرانة القوم هلكت ماشيتهم فهم مرينون والران حذاء كالخف إلا أنه أطول منه والرّينة: الخمر لغلبتها على العقل. أما الواوية فيقال: ران يرون رونا من باب دخل الأمر: اشتد ورانت الليلة اشتد هولها أو غمّها والرّون بضم الراء المشددة الشدة والجمع رءون ورونة الشيء بالضم معظمه وشدته يقال كشف الله عنك رونة هذا الأمر أي شدّته وغمته والأرونان الصعب ويقال الأرونان والأروناني الشديد في كل شيء من حرّ وبرد وجلبة وصياح وحزن وفرح ومؤنثه أرونانة وأرونانية.

стр. 5572

(عِلِّيُّونَ) قال الزمخشري: «وعليون علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع عليّ فعيل من العلو كسجين من السجن سمي بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له وتعظيما» وعبارة أبي حيان: عليون جمع واحده عليّ مشتق من العلو وهو المبالغة قاله يونس وابن جنّي قال أبو الفتح وسبيله أن يقال عليّة كما قالوا للغرفة عليّة فلما حذفت التاء عوّضوا منها الجمع بالواو والنون وقيل هو وصف للملائكة فلذلك جمع بالواو والنون، وقال الفراء: هو اسم موضوع على صيغة الجمع ولا واحد له من لفظه كقوله عشرين وثلاثين والعرب إذا جمعت جمعا ولم يكن له بناء من واحده ولا تثنية قالوا في المذكر والمؤنث بالواو والنون، وقال الزجّاج أعرب هذا الاسم كإعراب الجمع هذه قنسرون ورأيت قنسرين وقال ابن هشام في بحث ما ألحق بجمع المذكر السالم «والرابع ما سمي به من هذه الجمع وما ألحق به كعليون» أي فإنه ملحق بهذا الجمع ومسمى به أعلى الجنة، وقال الراغب: قيل هو اسم أشرف الجنان كما أن سجين هو أشرف النيران وقيل بل ذلك في الحقيقة اسم سكانها وهذا أقرب إلى العربية إذا كان هذا الجمع يخصّ الناطقين والواحد عليّ ومعناه أن الأبرار في جملة هؤلاء. الإعراب: (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) كلا حرف ردع وزجر للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له فيه، وبل حرف عطف وإضراب وران فعل ماض مبني على الفتح وعلى قلوبهم متعلقان بران وما فاعل وجملة كانوا لا محل لها لأنها صلة وكان واسمها

стр. 5573

وجملة يكسبون خبر كانوا (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) كلا حرف ردع وزجر أيضا عن الكسب الرائن على قلوبهم وإن واسمها وعن ربهم متعلقان بمحجوبون ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله متعلق بمحجوبون أيضا ومحجوبون خبر إن والتنوين في إذ عوض عن جملة تقديرها يوم إذ يقوم الناس، وسيأتي معنى قوله محجوبون في باب البلاغة (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف لتراخي الرتبة فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة والحرمان من الرحمة والكرامة، وإن واسمها واللام المزحلقة وصالوا الجحيم خبر إن (ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) ثم حرف عطف للترتب والتراخي أيضا ويقال فعل مضارع مبني للمجهول ونائب لفاعل مستتر تقديره هو وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة كنتم صلة وكان واسمها وبه متعلقان بتكذبون وجملة تكذبون خبر كنتم (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ) كلا تأكيد للردع ووجوب الارتداع وإن واسمها واللام المزحلقة وفي عليين خبرها وعلامة جر عليين الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والواو حرف عطف وما اسم استفهام مبتدأ وجملة أدراك خبر وما اسم استفهام للتفخيم والتعظيم مبتدأ وعليون خبر وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والجملة المعلقة بالاستفهام سدّت مسدّ مفعول أدراك الثاني (كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) كتاب بدل من عليون أو خبر لمبتدأ محذوف وهو الأولى ومرقوم نعت لكتاب وجملة يشهده نعت ثان والهاء مفعول به والمقربون فاعل (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في محاسن أحوالهم، وإن واسمها واللام المزحلقة وفي نعيم خبرها وعلى الأرائك متعلقان بينظرون وجملة ينظرون حالية من الضمير المستكن في خبر إن أو مستأنفة والمراد بالأرائك السرر في الحجال والحجال كما يقول الجوهري جمع حجلة بالتحريك واحده حجال

стр. 5574

العروس وهو بيت يزيّن بالثياب والأسرّة، وقال الشهاب: الحجلة بفتحتين بيت مربع من الثياب الفاخرة يرخى على السرير يسمى في عرف الناس بالناموسية أي الكلة (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) كلام مستأنف مسوق لإيذان المخاطب بالالتفات إليهم والتأمل في آثار النعيم على وجوههم وقرىء بالبناء للمجهول فتكون نضرة النعيم نائب فاعل وفي وجوههم متعلقان بتعرف ونضرة النعيم مفعول به (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) يسقون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومن رحيق متعلقان بيسقون ومختوم نعت، أي خمر خالصة من كل شائبة أو غش، وختامه مسك مبتدأ وخبر والجملة نعت ثان لرحيق والظاهر أن الرحيق ختم عليه لتوفير النظافة والرائحة المسكية كما فسّره بعد، وفي الصحاح: «الختام الطين الذي يختم به وكذا قال مجاهد وابن زيد ختم إناؤه بالمسك بدل الطين قال: كأن مشعشعا من خمر بصرى ... نمته البحت مشدود الختام» والواو حرف عطف وفي ذلك متعلقان بقوله فليتنافس والفاء عاطفة لزيادة الاهتمام واللام لام الأمر ويتنافس فعل مضارع مجزوم باللام والمتنافسون فاعل، وفي المختار: «ونفس الشيء من باب ظرف صار مرغوبا فيه ونافس في الشيء منافسة ونفاسا بالكسر إذا رغب فيه على وجه المباراة في الكرم وتنافسوا فيه أي رغبوا» (وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) الواو عاطفة ومزاجه مبتدأ ومن تسنيم خبر وهو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه لأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء فيشربونها صرفا للمقربين وممزوجة لسائر أهل الجنة وقيل سميت بالتسنيم لأنها أرفع شراب في الجنة، وعينا منصوب على المدح بفعل محذوف تقديره أمدح، وقال

стр. 5575

الزجّاج: نصب على الحال من تسنيم بوصفها علما، قال أبو البقاء: «وقيل تسنيم مصدر وهو الناصب عينا» وقال الأخفش يسقون عينا. وجملة يشرب نعت عينا وبها متعلقان بيشرب أي منها على أن التضمين في الحرف أو يكون التضمين بالفعل أي يلتذ بها، والمقربون فاعل يشرب (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) كلام مستأنف مسوق لتسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم بما أعدّ للأبرار في الجنة. وإن واسمها وجملة أجرموا لا محل لها لأنها صلة الذين وجملة كانوا خبر إن وكان واسمها ومن الذين متعلقان بيضحكون وجملة يضحكون خبر كانوا فقد كان مشركو مكة كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم يضحكون من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزئون بهم وقيل جاء علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من المؤمنين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه (وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بيتغامزون وجملة مروا بهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة يتغامزون لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإذا ظرف مستقبل أيضا وجملة انقلبوا في محل جر بإضافة الظرف إليها وإلى أهلهم متعلقان بانقلبوا وجملة انقلبوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفكهين حال أي معجبين وقرىء فاكهين أي فرحين ناعمين (وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ) الواو عاطفة أيضا وإذا ظرف مستقبل وجملة رأوهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة قالوا لا محل لها والضمير المرفوع عائد على المؤمنين والمنصوب على المجرمين أي إذا رأى المؤمنون المجرمين ينسبونهم إلى الضلال ويجوز العكس، وإن واسمها وخبرها والجملة مقول قولهم (وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ) الواو حالية والجملة حال من الواو في قالوا

стр. 5576

وما نافية وأرسلوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وعليهم متعلقان بحافظين وحافظين حال (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) الفاء عاطفة للتفريع واليوم ظرف متعلق بيضحكون والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة ومن الكفّار متعلقان بيضحكون أيضا وجملة يضحكون خبر الذين وعلى الأرائك متعلقان بينظرون وجملة ينظرون حالية من الضمير في يضحكون أي يضحكون حال كونهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من التردّي والهوان (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) الجملة مقول قول محذوف أي يقولون هل ثوب وأجازوا أن تكون الجملة معلقة بالاستفهام في محل نصب بنزع الخافض وثوب فعل ماض مبني للمجهول والكفار نائب فاعل وثوب هنا بمعنى الجزاء أي هل أثيبوا أو هو من ثاب بمعنى رجع لأن الثواب هو ما يرجع على الإنسان في مقابل عمله وما في موضع نصب مفعول به ثان وجملة كانوا صلة ما وجملة يفعلون خبر كانوا قال أوس: سأجزيك أو يجزيك عنّي مثوب ... وحسبك أن يثني عليك وتحمدي البلاغة: في قوله «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنه لا يؤذن على ذوي العلية والمراتب السامية إلا للمقربين المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء الموسومون بالمهانة والقماءة والصغار، وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال مبررا احتجاب المعتصم عن الرعية: ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب

стр. 5577

(٨٤) سورة الانشقاق مكيّة وآياتها خمس وعشرون [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) اللغة: (وَأَذِنَتْ) استمعت أمره يقال أذنت لك أي استمعت كلامك، وفي الحديث: «ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن» وقال الشاعر:

стр. 5578

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وفي المختار: «وأذن له استمع وبابه طرب ومنه قوله تعالى: وأذنت لربها وحقّت» ويقال: أذن يأذن أذنا إليه وله استمع له معجبا أو عام ولرائحة الطعام اشتهاه وأذن بالشيء كسمع إذنا بالكسر ويحرّك وأذانا وأذانة علم به، فأذنوا بحرب أي كونوا على علم وآذنه الأمر وبه أعلمه وأذّن تأذينا أكثر الإعلام وفلانا عرك أذنه ورده عن الشرب فلم يسقه والنعل وغيرها جعل لها أذنا، وفعله بإذني وأذيني: بعلمي، وأذن له في الشيء كسمع إذنا بالكسر وأذينا أباحه له، واستأذنه: طلب منه الإذن إلى آخر هذه المادة العجيبة. (كادِحٌ) جاهد في عملك والكدح جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشه وفي المختار: «الكدح العمل والسعي والكد والكسب وهو الخدش أيضا وباب الكل قطع وقوله تعالى: إنك كادح إلى ربك أي ساع وبوجهه كدوح أي خدوش وهو يكدح لعياله ويكتدح أي يكتسب» ومن طريف أمر الكاف والدال إذا وقعا فاء وعينا للكلمة دلّت على الجهد والدأب والتأثير يقال فلان كدود: يكدّ نفسه في العمل ويتعبها. ومن المجاز كدّ لسانه بالكلام وقلبه بالفكر وكدّت الدواب الأرض بالحوافر وهي الكديد وكردت رأسي وجلدي بالأظفار إذا حككته حكا بإلحاح ومنه قول كثير: غنيت فلم أرددكم عن بغيّة ... وجعت فلم أكددكم بالأصابع أي لم ألح عليكم في السؤال وبئر كدود لا ينال ماؤها إلا بجهد وناقة كدود ورجل كدود: لا ينال درّها وخيره إلا بعد عسر، وكان ابن هبيرة يقول: كدوني فإني مكد أي سلوني فإني أعطي على السؤال، وكدر الماء عن ابن الأعرابي فيه اللغات الثلاث وماء أكدر وكدر بين

стр. 5579

الكدر ومن المجاز كدر عينه وتكدر وخذ ما ضفا ودع ما كدر وكدر عليّ فلان وهو كدر الفؤاد عليّ قال: وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يرق ويصفو إن كدرت عليه وله كدس من الطعام وأكداس قال المتلمس: لم تدر بصرى بما آليت من قسم ... ولا دمشق إذا ديس الكداديس أراد الأكداس وهو اسم جمع وكدس الطعام فتكدس ولا يخفى ما فيه من الثقل والجهد. وكدمه عضّه بأدنى الفم وحمار مكدّم معضض. وإنه لذو كدنة وعبالة وهي غلظ وثقله ومنه الكودن وهو البرذون التركي. وأكدى الحافر بلغ الكدية وهي صلابة الأرض فمنعته كقولهم أجبل الحافر، ومن المجاز أكدى الرجل: أخفق ولم يظفر بحاجته وفلان مكد لا ينمى ماله إلى آخر ما جاء من هذه المادة. (ثُبُوراً) الثبور الهلاك وفي المصباح: «وثبر الله الكافر ثبورا من باب قعد أهلكه وثبر هو ثبورا هلك يتعدى ولا يتعدى» . (يَحُورَ) يرجع، قال الراغب: الحور التردد في الأمر ومنه نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من التردد في الأمر بعد المضي فيه ومحاورة الكلام مراجعته، والحور العود الذي تجري فيه البكرة لترددها عليه، وفي المختار: «حار رجع وبابه قال ودخل» فالمصدر بوزن قول ودخول يقال حورا وحئورا ومحارا ومحارة. هذا وتأتي حار بمعنى صار فترفع الاسم وتنصب الخبر. الإعراب: (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) إذا ظرف لما يستقبل من

стр. 5580

الزمن والسماء فاعل بفعل محذوف يفسّره ما بعده والتقدير إذا انشقّت السماء انشقت لأن إذا الشرطية يختص دخولها بالجمل الفعلية وما جاء من هذا ونحوه فمؤول محافظة على قاعدة الاختصاص وقد تقدم القول مفصلا فيه في سورة التكوير، وجملة انشقت مفسّرة لا محل لها وجملة انشقت المحذوفة في محل جر بإضافة الظرف إليها وجواب إذا محذوف وإنما حذف تنبيها على أنه شيء لا يحيط به الوصف أو ليذهب المقدّر كل مذهب وقيل جوابها ما دلّ عليه فملاقيه أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه وقيل لا جواب لها إذ هي قد نصبت باذكر نصب المفعول به فليست شرطا، والواو حرف عطف وأذنت فعل ماض ولربها متعلقان بأذنت أي استمعت له وحقّت فعل ماض مبني للمجهول، واعلم أن الفاعل في هذا التركيب هو الله تعالى أي حقّ الله عليها ذلك أي سمعه وطاعته يقال هو حقيق بكذا وتحقق به والمعنى وحقّ لها أن تفعل ذلك فالفاعل إذن محذوف وهو الله تعالى والمفعول به هو سمعها وطاعتها وهو غير مذكور بل الإسناد في الآية إنما هو للسماء نفسها فيحتاج إلى تقدير والتقدير وحقّت هي أي حقّ سمعها وطاعتها أي حقّه الله تعالى عليها وأوجبه وألزمها به هذا هو الظاهر، وأجاز البيضاوي أن يكون نائب الفاعل هو ضمير السماء المستكن في الفعل من غير تقدير ونص عبارته «وحقّت أي جعلت حقيقة بالاستماع والانقياد» (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) عطف على ما تقدم مماثل له في إعرابه (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) يا حرف نداء وأي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب والهاء للتنبيه والإنسان بدل وإن واسمها وكادح خبرها وإلى ربك متعلقان بكادح، و «إلى» هنا معناها الغاية أي غاية كدحك في الخير والشر تنتهي بلقاء ربك وهو الموت، وكدحا مفعول مطلق والفاء حرف عطف وملاقيه عطف على كادح ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف أي فأنت ملاقيه

стр. 5581

فعلى الأول يكون من عطف المفرد على المفرد وعلى الثاني يكون من باب عطف الجمل (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ) الفاء استئنافية وأما حرف شرط وتفصيل ومن اسم موصول مبتدأ وجملة أوتي صلة لا محل لها ونائب الفاعل مستتر يعود على من وكتابه مفعول به ثان وبيمينه متعلقان بأوتي (فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) الفاء رابطة لجواب أما وسوف حرف استقبال ويحاسب فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وحسابا مفعول مطلق ويسيرا نعت حسابا (وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً) الواو حرف عطف وينقلب فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو وإلى أهله متعلقان بينقلب ومسرورا حال وجملة سوف يحاسب خبر من (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً) عطف على الجملة السابقة مماثل له في إعرابه ووراء ظهره منصوب بنزع الخافض أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره والفاء رابطة وجملة سوف يدعو ثبورا خبر من وثبورا مفعول يدعو أي ينادي هلاكه بقوله يا ثبوراه لأن نداء ما لا يعقل يراد به التمنّي فالدعاء بمعنى الطلب بالنداء (وَيَصْلى سَعِيراً) عطف على يدعو وسعيرا مفعول يصلّى (إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً) تعليل لما يلاقيه وإن واسمها وجملة كان خبرها وفي أهله حال ومسرورا خبر كان (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) تعليل ثان وإن واسمها وجملة ظن خبرها والظن هنا بمعنى العلم والتيقن وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويحور فعل مضارع منصوب بلن وجملة لن يحور خبر أن وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي ظن (بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً) بلى حرف جواب لإيجاب ما بعد النفي وإن واسمها وجملة كان خبرها وبه متعلقان ببصيرا وبصيرا خبر كان وجملة إن وما في حيّزها جواب قسم مقدّر أو تعليل لما أفادته بلى من إيجاب لما بعد لن.

стр. 5582

البلاغة: ١- في قوله «وأذنت لربها وحقّت» استعارة مكنيّة فقد شبّهت حال السماء في انقيادها لتأثير قدرة الله تعالى حيث أراد انشقاقها بانقياد المستمع المطواع للأمر ثم حذف المشبه به واستعير لفظ الإذن والاستماع المستعمل في غايته. ٢- في قوله «وألقت ما فيها وتخلت» استعارة مكنية فقد شبّهت حال الأرض بحال المرأة الحامل تلقي ما في بطنها عند الشدّة والهول ثم حذف المشبه به واستعير لفظ الإلقاء. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٦ الى ٢٥] فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) اللغة: (الشفق) قال الزمخشري «الشفق الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس وبسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء إلا ما يروى عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه

стр. 5583

البياض وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه. وسمي شفقا لرقته ومنه الشفقة على الإنسان وهي رقة القلب عليه» وقال الراغب: «الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس والإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه فإذا عدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر وإذا عدّي بعلى فمعنى العناية فيه أظهر» وقال السمين: «والشفق شفقان: الشفق الأحمر والشفق الأبيض والشفق والشفقة اسمان للاشفاق» وقال أبو حيان: «الشفق الحمرة بعد مغيب الشمس حين تأتي صلاة العشاء الآخرة قيل أصله من رقة الشيء يقال شيء مشفق أي لا يتماسك لرقته ومنه أشفق عليه رقّ قلبه والشفقة الاسم من الشفاق وكذلك الشفق قال الشاعر: تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم» وعبارة القاموس: «الشفق محركة الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء الآخرة أو إلى قربها أو إلى قريب العتمة» وهذا هو الصحيح، ومنه قول الشاعر: قم يا غلام أعنّي غير مرتبك ... على الزمان بكأس حشوها شفق (وَسَقَ) جمع وضم يقال وسقه فانشق واستوسق ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع وفي القاموس: «وسقه يسقه من باب ضرب جمعه وحمله ومنه والليل وما وسق» . (اتَّسَقَ) اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة، قال الفراء «وهو امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر» وهو افتعل من الوسق وهو الضم والجمع كما تقدم وأمر فلان متسق أي مجتمع على ما يسر.

стр. 5584

الإعراب: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) الفاء الفصيحة لأنها في جواب شرط مقدم أي إذا عرفت هذا أو إذا تحققت الرجوع بالبعث فلا أقسم وقد تقدم القول في لا أقسم فجدّد به عهدا، وبالشفق متعلقان بأقسم والليل عطف على الشفق والواو حرف عطف وما يجوز أن تكون موصولة اسمية ويجوز أن تكون نكرة موصوفة ويجوز أن تكون مصدرية وعلى كونها موصولة أو نكرة موصوفة فعائد الصلة أو الصفة محذوف أي وسقه أي جمعه والمعنى ضم ما كان ساربا بالنهار من أصناف الخلق وأنواع الكائنات لأن كل شيء منها في الليل يعود إلى مأواه، والقمر عطف أيضا وإذا ظرف خال من معنى الشرط متعلق بفعل القسم أي وقت اتّساقه واستوائه واللام جواب القسم وتركبن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال لأنه من الأفعال الخمسة والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون نون التوكيد الثقيلة وطبقا حال أو مفعول به وعن طبق أي أمة من الناس صفة لطبقا أي طبقا مجاوزا الطبق وعلى كون طبقا مفعولا به يكون على حذف مضاف أي لتركبن سنن أو طريقة طبقة بعد طبق، وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما محل عن طبق؟ قلت: النصب على أنه صفة لطبقا أي طبقا مجاوزا لطبق أو حال من الضمير في لتركبن أي لتركبن طبقا مجاوزين لطبق أو مجاوزا أو مجاوزة على حسب القراءة» وقال الزمخشري أيضا: «قرىء لتركبن على خطاب الإنسان في يا أيها الإنسان ولتركبن بالضم على خطاب الجنس لأن النداء للجنس ولتركبن بالكسر على خطاب النفس وليركبن بالياء على ليركبن الإنسان والطبق: ما طابق غيره يقال: ما هذا بطبق لذا أي لا يطابقه ومنه قيل للغطاء الطبق وإطباق الثرى ما تطابق منه ثم قيل للحال

стр. 5585

المطابقة لغيرها طبق ومنه قوله : طبقا عن طبق، أي حالا بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها في الشدّة والهول ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم هو على طبقات ومنه طبق الظهر لفقاره الواحدة طبقة على معنى لتركبنّ أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدّة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها» قلت ومن ورود الطبق بمعنى الأمة قول العباس بن عبد المطلب في رسول الله ﷺ : وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الفاء الفصيحة وما اسم استفهام مبتدأ ولهم خبر وجملة لا يؤمنون حال (وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) الجملة معطوفة على الجملة الحالية السابقة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قرىء في محل جر بإضافة الظرف إليها والقرآن نائب فاعل وجملة لا يسجدون لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) حرف إضراب انتقالي والذين مبتدأ وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الذين وجملة يكذبون خبر الذين (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ) الواو حرف عطف والله مبتدأ واعلم خبره وبما متعلقان بأعلم وجملة يوعون لا محل لها لأنها صلة ما أي يضمرون في قلوبهم من التكذيب (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعذاب متعلقان ببشرهم وأليم نعت (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا حرف استثناء والاستثناء منقطع فهو بمعنى لكن والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت أي غير مقطوع ولا منقوص والجملة الاسمية خبر الذين،

стр. 5586

هذا ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا فيكون الذين مستثنى. البلاغة: في قوله «والليل وما وسق والقمر إذا اتسق» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم، ومنهم من يسمّيه الاعنات وقد تقدمت الإشارة إليه وهو أن يلتزم الشاعر في شعره والناثر في نثره حرفا أو حرفين فصاعدا قبل حرف الروي على قدر طاقته مشروطا بعدم الكلفة، وقلنا أن لأبي العلاء المعري ديوانا التزم فيه ما لا يلزم. أما في الآية فقد التزمت النون قبل القاف.

стр. 5587

(٨٥) سورة البروج مكيّة وآياتها ثنتان وعشرون [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) اللغة: (الْبُرُوجِ) جمع برج وهو في الأصل الركن والحصن والقصر وكل بناء مرتفع على شكل مستدير أو مربع يكون منفردا أو قسما من بناية عظيمة والبرج أيضا أحد بروج السماء وهي حسب تعبير اللغويين اثنا عشر: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وأصل التركيب للظهور

стр. 5588

يعني أن أصل معنى البرج الأمر الظاهر من التبرّج ثم صار حقيقة في العرف للقصر العالي لظهوره ويقال لما ارتفع من سور المدينة برج أيضا. (الْأُخْدُودِ) مفرد وجمعه أخاديد والخد بفتح الخاء بمعنى الأخدود وجمعه خدود وهو الشق في الأرض أو حفرة مستطيلة فيها ويجمع على أخاديد، والأخاديد أيضا: آثار الضرب بالسوط ومنه أخاديد الأرشية في البئر وهي تأثير جرّها فيه. ويقال للشيخ: قد تخدّد ويراد قد تشنج جلده. الإعراب: (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) الواو حرف قسم وجر والسماء مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وذات البروج نعت للسماء واليوم الموعود عطف على السماء أو قسم برأسه والمراد به يوم القيامة وقيل غير ذلك وارجع إلى المطولات، وشاهد ومشهود عطف أيضا والمراد به محمد ﷺ وقيل غير ذلك أيضا وجواب القسم محذوف واختلف فيه فقيل دلّ عليه قوله قتل أصحاب الأخدود كأنه قيل أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود وقيل محذوف صدره والتقدير لقد قتل وإنما احتيج لهذا الحذف لأن المشهور عند النحاة أن الماضي المثبت المتصرّف الذي لم يتقدم معموله إذا وقع جوابا للقسم تلزمه اللام وقد لا يجوز الاقتصار على أحدهما إلا عند طول الكلام والتقدير لقد قتل فالجملة على ذلك خبرية لا دعائية (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ) قتل فعل ماض مبني للمجهول وأصحاب الأخدود نائب فاعل والنار بدل اشتمال من الأخدود لأن الأخدود مشتمل على النار

стр. 5589

ولا بدّ من تقدير ضمير بدل الاشتمال والتقدير النار فيه وذات الوقود نعت للنار وقد اختلف في الرابط لأنهم اشترطوا في بدل الاشتمال أن يتصل بضمير يرجع إلى المبدل منه كما اشترطوا ذلك في بدل البعض من الكل ليربط البعض بكله فقيل الرابط محذوف متصل بغير البدل أي النار فيه وهو قول البصريين وقيل لا تقدير والأصل ناره ثم نابت أل عن الضمير وهو قول الكوفيين (إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بقتل أي لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من حافات الأخدود، وهم مبتدأ وعليها متعلق بقعود وقعود جمع قاعد خبر هم والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها وهم مبتدأ وعلى ما يفعلون متعلقان بشهود وشهود خبرهم أي يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة وقيل على بمعنى مع وشهود بمعنى حضور والمعنى وهم على ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور لا يرقون لهم لقسوة قلوبهم وهذا التقدير أكثر ملاءمة لنظم القرآن وقد جرى عليه أبو نواس فقال: أنت على ما بك من قدرة ... فلست مثل الفضل بالواجد وعندئذ تكون في محل نصب على الحال أي حال فعلهم بالمؤمنين (وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) الواو عاطفة أو حالية وما نافية ونقموا فعل ماض وفاعل ومنهم متعلقان بنقموا وإلا أداة حصر وأن يؤمنوا مصدر مؤول في محل نصب مفعول نقموا أي ما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان، وسيأتي مزيد بسط لهذا المعنى في باب البلاغة، وعبروا بالمستقبل بقوله يؤمنوا مع أن الإيمان وجد منهم في الماضي لأن تعذيبهم إياهم وإنكارهم عليهم ليس للإيمان الماضي وإنما لديمومته متمكنا فيهم مركوزا في صدورهم فكأنه قيل إلا استمرارهم على إيمانهم. وبالله متعلقان بيؤمنون والعزيز الحميد صفتان

стр. 5590

لله ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يعبد وأن يؤمن به كل مخلوق ومنها العزّة والأنعام الذي يستحق عليه الحمد (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الذي نعت ثالث وله خبر مقدّم وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة والله مبتدأ وشهيد خبره وعلى كل شيء متعلقان بشهيد. البلاغة: في قوله: «وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد» فن توكيد المدح بما يشبه الذم، وقد تقدمت الإشارة إليه في المائدة وهو أن يستثني من صفة ذم منفية صفة مدح أو أن يثبت لشيء صفة مدح ويؤتى بعدها بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى، ومن الأول بيت النابغة في مديح الغسانيين: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قرع الكتائب وقول ابن الرقيات وقد اقتبس لفظ القرآن ورمق سماء بلاغته: ما نقموا من أمية إلا ... أنهم يحملون إن غضبوا ومنه قول ابن نباتة المصري: ولا عيب فيه غير أني قصدته ... فأنستني الأيام أهلا وموطنا وقول المعرّي: تعدّ ذنوبي عند قوم كثيرة ... ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل وأما الثاني فقليل في الشعر ومنه قول بعضهم: ما فيك من الجمال سوى ... أنك من أقبح القبيحات

стр. 5591

[سورة البروج (٨٥) : الآيات ١٠ الى ٢٢] إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) اللغة: (فَتَنُوا) عذبوا والمراد هنا حرقوهم بالنار، يقال فتنت الشيء إذا حرقته بالنار والعرب تقول: فتن فلان الدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته وفي المختار: «الفتنة الاختبار والامتحان تقول: فتن الذهب يفتنه بالكسر فتنة ومفتونا أيضا إذا أدخله النار لينظر جودته ودينار مفتون، قال الله تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أي حرقوهم ويسمّى الصائغ الفتّان وكذا الشيطان وقال الخليل: الفتن الإحراق قال الله تعالى: يوم هم على النار يفتنون» وعبارة القاموس: «الفتن بالفتح الفن والحال ومنه العيش فتنان أي لونان حلو ومر، والإحراق ومنه «على النار

стр. 5592

يفتنون» والفتنة بالكسر الخبرة كالمفتون ومنه بأيّكم المفتون وإعجابك بالشيء، وفتنه يفتنه فتنا وفتونا وأفتنه، والضلال والإثم والكفر والفضيحة والعذاب وإذابة الذهب والفضة والإضلال والجنون والمحنة والمال والأولاد واختلاف الناس في الآراء، وفتنه يفتنه أوقعه في الفتنة كفتّنه وأفتنه فهو مفتن ومفتون ووقع فيها لازم ومتعدّ كافتتن فيهما وإلى النساء فتونا وفتن إليهنّ بالضم أراد الفجور بهنّ وكأمير الأرض الحرّة السوداء والجمع ككتب والفتان اللص والشيطان كالفاتن والصائع والفتانان الدرهم والدينار ومنكر ونكير والفتين النجار وفاتون خباز فرعون قتيل موسى والفتنان الغدوة والعشيّ والفتان ككتاب غشاء للرحل من أدم وكصاحب وزبير اسمان والمفتون المجنون» قال شارحه: «والمفتون المجنون وبه فسّر قوله تعالى: بأيّكم المفتون» وقال الجوهري: «الباء زائدة والمفتون الفتنة وهو مصدر كالمعقود والمجلود والمخلوف» . قال ابن برّي: «إذا كانت الباء زائدة فالمفتون الإنسان وليس بمصدر فإن جعلت غير زائدة فالمفتون مصدر» وإنما نقلنا المادة كلها لننفي وهما تورط به الشيخ الجمل في حاشيته على الجلالين إذا قال: «وفي القاموس: إن فتن بهذا المعنى من باب كتب فعلى هذا يكون له بابان» ومن مطالعة ما كتبناه ونقلناه عن القاموس يتضح هذا الوهم. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ) كلام مستأنف مسوق لذكر وعيد المجرمين أولا ثم يردفه بذكر ما أعد للمؤمنين. وإن حرف مشبّه بالفعل والذين اسمها وجملة فتنوا صلة الذين لا محل لها والمؤمنين مفعول به والمؤمنات عطف على المؤمنين وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي

стр. 5593

ولم حرف نفي وقلب وجزم ويتوبوا فعل مضارع مجزوم بلم والجملة عطف على فتنوا وإنما استعمل ثم لأن التوبة مقبولة مهما يتراخ بها الزمن ويمتد، فلهم: الفاء رابطة لشرط مقدّر مفهوم من المبتدأ ولهم خبر مقدّم وعذاب جهنم مبتدأ مؤخر ولهم خبر مقدّم وعذاب الحريق مبتدأ مؤخر وجملة فلهم عذاب جهنم خبر إن الذين فتنوا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) كلام مستأنف كما تقدم مسوق لذكر ما أعدّ للمؤمنين، وإن واسمها وجملة آمنوا صلة الذين وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخلة في حيّزها ولهم خبر مقدّم وجنات مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر إن الذين آمنوا وجملة تجري نعت لجنات ومن تحتها متعلقان بتجري والأنهار فاعل وذلك مبتدأ والفوز خبر والكبير نعت، وتذكير الإشارة للتنبيه للمذكور من حيازتهم للجنة واستحقاقهم إيّاها ولام البعد جيء بها للإيذان بعلو درجته في الفضل (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) كلام مستأنف أيضا مسوق لتسلية النبي عمّا يكابده من كفّار قومه وإن أمرهم مغلول، ومكرهم سيزول. وإن واسمها واللام المزحلقة وشديد خبرها (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) إن واسمها وهو مبتدأ وجملة يبدىء خبر هو والجملة خبر إن ويجوز أن يكون هو ضمير فصل وجملة يبدىء خبر إنه ويعيد عطف على يبدىء أي من كان قادرا على الإبداء والإيجاد قادر بحكم الطبع والبداهة على الإعادة (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والغفور وما بعده أخبار، وبهذه الآية يستدل النحاة على تعدّد الخبر، وسلك الزمخشري طريقا آخر فقال: «فعال خبر مبتدأ محذوف وإنما قيل فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة» وقال الفرّاء: هو رفع على التكرير والاستئناف لأنه نكرة محضة (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ؟ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ؟ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) كلام مستأنف مسوق لتقرير بطشه تعالى وفيه تسلية لرسول الله

стр. 5594

صلّى الله عليه وسلم أي هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم وهل قيل هي بمعنى قد وقيل هي استفهام تقريري تعجبي وأتاك فعل ماض ومفعول به وحديث الجنود فاعل وفرعون وثمود بدل من الجنود على حذف مضاف لأنه أراد بفرعون إياه وآله وبل إضراب انتقالي للأشد والذين مبتدأ وفي تكذيب خبره وسيأتي مزيد من معناه في باب البلاغة (وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ) الواو عاطفة والله مبتدأ ومن ورائهم متعلقان بمحيط ومحيط خبر الله (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) بل إضراب انتقالي عن شدة كفرهم إلى وصف القرآن وهو مبتدأ وقرآن خبر ومجيد صفة أي يسبح وحده في البلاغة والبيان وفي لوح صفة ثانية ومحفوظ صفة للوح. البلاغة: ١- في قوله «إن بطش ربك لشديد» أورد الخبر الإنكاري وهو تأكيد الكلام وجوبا للمنكر، وقد أكد الكلام بأن واللام. ٢- وفي قوله «بل الذين كفروا في تكذيب» مجاز مرسل علاقته الحالية لأن التكذيب معنى من المعاني ولا يحلّ الإنسان فيه وإنما يحلّ في مكانه فاستعمال التكذيب في مكانه مجاز أطلق فيه الحال وأريد المحل فعلاقته الحالية وعدل عن يكذبون إلى جعلهم في التكذيب وأنه لشدته أحاط بهم إحاطة البحر بالغريق والسوار بالمعصم وفي الوقت نفسه جاء بالتكذيب نكرة للدلالة على تعظيمه وتهويل أمره. الفوائد: قد يتعدد خبر المبتدأ الواحد فيكون أكثر من واحد لأن الخبر كالنعت فيجوز تعدده، وإلى ذلك أشار ابن مالك في الخلاصة قال:

стр. 5595

وأخبروا باثنين أو بأكثرا ... عن واحد كهم سراة شعرا ويطّرد ذلك في وجهين: أحدهما أن يتعدد لفظا لا معنى نحو الرمان حلو حامض لأن معنى الخبرين راجع إلى شيء واحد إذ معناهما مز فهما بمنزلة اسم واحد، والثاني أن يتعدد لفظا ومعنى نحو زيد كاتب شاعر، وضابط الأول أنه لا يجوز عطف أحد الخبرين على الآخر لأنهما بمثابة اسم واحد، وضابط الثاني أنه يجوز أن يعطف الثاني على الأول وأن لا يعطف.

стр. 5596

(٨٦) سورة الطارق مكيّة وآياتها سبع عشرة [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١ الى ١٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) اللغة: (وَالطَّارِقِ) أصله كل آت ليلا ومنه النجوم لطلوعها ليلا ومنه قول جرير:

стр. 5597

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام وقد نقدته سكينة بنت الحسين إذ قالت لرواية جرير قبح الله صاحبك وقبح الله شعره وأي وقت أشهى من الطروق وهو اسم فاعل من طرق طرقا وطروقا إذا جاء ليلا والمراد به هنا النجم وإنما سمي طارقا لطلوعه ليلا وكل من آتاك ليلا فقد طرقك ولا يكون الطروق إلا بالليل، قالت هند بنت عتبة: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق تريد أن أبانا كالنجم في علوّه وشرفه وأصل الطرق الدق ومنه سمّيت المطرقة وإنما سمي قاصد الليل طارقا لاحتياجه إلى طرق الباب أي دقّه غالبا ثم اتسع به في كل ما ظهر بالليل كائنا ما كان ثم اتسع كل التوسع حتى أطلق على الآتي نهارا وفي المصباح: «طرقت الباب طرقا من باب قتل وطرقت الحديدة مددتها وطرقتها بالتثقيل مبالغة وطرق النجم طروقا من باب قعد طلع وكل ما أتى ليلا فقد طرق وهو طارق والمطرقة بالكسر ما يطرق به الحديد» أما ابن جنّي فقد منع أن يأتي الطروق نهارا قال: «وأما قول العامة: نعوذ بالله من طوارق الليل والنهار فغلط لأن الطروق لا يكون إلا بالليل والصواب أن يقال نعوذ بالله من طوارق الليل وجوارح النهار لأن العرب تقول طرقه إذا أتاه ليلا وجرحه إذا أتاه نهارا» . وفي الصحاح: «الطارق: النجم الذي يقال له كوكب الصبح» . (الثَّاقِبُ) المضيء لثقبه الظلام، قال أبو عبيدة: العرب تقول: أثقب نارك أي أضئها وقيل الثاقب العالي يقال ثقب الطائر إذا علا في الهواء وأسف إذا دنا من الأرض ودوّم إذا سكن جناحيه ليستقل وعبارة الأساس واللسان: ثقب الشيء بالمثقب وثقب القداح عينه ليخرج الماء

стр. 5598

النازل وثقّب اللّآل الدرّ ودرّ مثقّب وعنده در عذارى لم يثقّبن وثقبن البراقع لعيونهنّ قال المثقّب العبدي: أرين محاسنا وكننّ أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون وبه سمي المثقب. ومن المجاز كوكب ثاقب ودرّيّ شديد الإضاءة والتلألؤ كأنه يثقب بالظلمة فينفذ فيها ويدرؤها ورجل ثاقب الرأي إذا كان جزلا نظارا وثقب الطائر إذا حلق كأنه يثقب السكّاك وثقّب الشيب في اللحية: أخذ في نواصيها وباب الجميع دخل. (الصُّلْبِ) الشديد يقال هو صلب في دينه وراع صلب العصا إذا كان يعنّف الإبل وعظم في الظهر ذو فقار يمتد من الكاهل إلى العجب أو أسفل الظهر ويجمع على أصلاب وأصلب وصلبة وهو المراد هنا ويقال هو من صلب فلان أي من نسله وولده وفيه أربع لغات بضم الصاد وسكون اللام والصلب بفتحتين والصلب بضمتين وقد قرىء بها جميعا وثمة لغة رابعة وهي الصالب. (وَالتَّرائِبِ) الترائب عظام الصدر حيث تكون القلادة، وعن عكرمة الترائب ما بين ثديي المرأة وحكى الزجّاج أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدرة، وفي الحديث «إن الولد يخلق من ماء الرجل يخرج من صلبه العظم والعصب ومن ماء المرأة يخرج من ترائبها اللحم والدم» ، وفي المختار: «والترائب جمع تريبة كصحيفة وصحائف» قال امرؤ القيس: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل يعني المرآة ويقال تريب بغير هاء، وأنشد للمثقب العبدي: ومن ذهب يلوح على تريب ... كلون العاج ليس بذي غضون

стр. 5599

وسيأتي مزيد من معناه في باب البلاغة. (السَّرائِرُ) ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيّات وما أخفي من الأعمال وبلاؤها تعرفها وتصفحها والتمييز بين ما طاب منها وما خبث، وعن الحسن أنه سمع رجلا ينشد: سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السرائر فقال: ما أغفله عمّا في السماء والطارق، وفي المختار «السر الذي يكتم وجمعه أسرار والسريرة مثله والجمع سرائر» . (الرَّجْعِ) المطر لأنه يعود كل حين فالسحاب تحمل الماء من الأمطار ثم ترجعه إلى الأرض ويسمى أوبا لأنه يئوب أي يرجع، قال المتنخل الهذلي: رباء شماء لا يأوي لقلتها ... إلا السحاب وإلا الأوب والسبل يرثي ابنه أو يصف رجلا بأنه رباء أي طلاع من ربأ وارتبأ إذا طلع لينظر إلى أمر ومنه الربيئة وإضافته إلى شماء من إضافة الوصف لمفعوله وهي القلعة المرتفعة من الشمم وهو الارتفاع والقلة أعلى الجبل وقنته والأوب المطر سمي به بذلك لأن أصله من مياه البحار ثم يئوب إليها والسبل بالتحريك المطر من أسبلت الستر إذا أرسلته وأرخيته. وقال الواحدي: «الرجع المطر في قول جميع المفسرين» . (الصَّدْعِ) الشق لأنه يصدع الأرض فتنصدع به وفي الأساس: «وانصدعت الأرض بالنبات وصدعها الله تعالى: والأرض ذات الصدع» . الإعراب: (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ

стр. 5600

لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) الواو حرف قسم وجر والسماء مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والطارق قسم أيضا منسوق على ما قبله والواو حرف عطف وما اسم استفهام مبتدأ وجملة أدراك خبرها وما اسم استفهام والطارق خبرها والجملة المعلقة بالاستفهام سدّت مسدّ مفعول أدراك الثاني والنجم بدل من الطارق أو خبر لمبتدأ محذوف كأنه جواب للاستفهام الوارد قبله تفخيما له وجملة إن كل نفس لما عليها حافظ لا محل لها من الإعراب لأنها جواب القسم وما بين القسم وجوابه اعتراض وإن بالتخفيف نافية وكل نفس مبتدأ ولما بالتشديد بمعنى إلا وعليها خبر مقدّم وحافظ مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر كل، وقرئت لما بالتخفيف فاللام الفارقة وإن مخففة من الثقيلة مهملة وما زائدة وإلى هذا أشار ابن مالك في الخلاصة فقال: وخففت إن فقل العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل وقد تقدم نظيرها في يس (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ؟ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ) الفاء الفصيحة واللام لام الأمر وينظر فعل مضارع مجزوم باللام والإنسان فاعل، وممّ: من حرف جر وما اسم استفهام في محل جر بمن وقد تقدم أن ما الاستفهامية قد يحذف ألفها إن سبقها حرف جر والجار والمجرور متعلقان بخلق وجملة خلق في موضع نصب بقوله فلينظر المعلّق عنها بالاستفهام وجواب الاستفهام خلق من ماء وجملة خلق من ماء دافق مستأنفة كأنها جواب سؤال مقدّر وخلق فعل ماض مبني للمجهول ومن ماء متعلق بخلق ودافق نعت لماء أي مدفوق أو هي من صيغ النسب كلابن وتامر أو هو مجاز بالإسناد فقد أسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة وجملة يخرج نعت ثان أو حالية ومن بين الصلب متعلقان بيخرج والترائب عطف على

стр. 5601

الصلب (إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ) إن واسمها وعلى رجعه متعلقان بقادر والضمير في إنه يعود على الله واللام المزحلقة وقادر خبر إن ويوم بظرف متعلق برجعه ولا يصحّ تعليقه بقادر لأنه تعالى قادر على رجعه في كل وقت من الأوقات ولا تختص قدرته بوقت دون وقت، وقيل هي معمول لمحذوف تقديره يرجعه يوم أو اذكر يوم ولعله أولى، وقال بعضهم متعلق بناصر وهو فاسد لأن ما بعد ما النافية وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلهما. والفاء عاطفة وما نافية وله خبر مقدّم ومن حرف جر زائد وقوة مجرور بمن لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر والواو حرف عطف ولا نافية وناصر عطف على قوة وجملة تبلى السرائر في محل جر بإضافة الظرف إليها والسرائر نائب فاعل تبلى (وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ) الواو حرف قسم وجر والسماء مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف وذات الرجع نعت للسماء والأرض ذات الصدع عطف على الجملة المتقدمة (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ) الجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وإن واسمها واللام المزحلقة وهي للتوكيد وقول خبر إن فصل نعت لقول والواو حرف عطف وما حجازية تعمل عمل ليس وهو اسمها والباء حرف جر زائد والهزل مجرور لفظا منصوب محلا لأنه خبر ما (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) كلام مستأنف مسوق للإجابة عن سؤال نشأ من فحوى الكلام كأنه قيل وماذا تتسمى مكابرتهم وعنادهم فقيل انهم، وإن واسمها وجملة يكيدون خبرها وكيدا مفعول مطلق والفاء فصيحة أي إن شئت أن ترى مغبة أمرهم فلا تستعجل بالانتقام منهم، ومهل فعل أمر والكافرين مفعول به وأمهلهم كرر فعل الأمر تأكيدا لرسوله وزاد في الصيغة لزيادة تسكين قلبه وتصبيره ورويدا نصب على المصدر والأصل إروادا فهو تصغير ترخيم بحذف الزوائد وفي المختار: «وفلان على رود بوزن عود أي

стр. 5602

على مهل وتصغيره رويد ويقال أرود في السير إروادا ومرودا بضم الميم وفتحها أي رفق وتقول رويدك عمرا أي أمهله وهو مصغر تصغير ترخيم من إرواد مصدر أرود يرود» وعبارة السمين: «اعلم أن رويدا يستعمل مصدرا بدلا من اللفظ بفعله فيضاف تارة كقوله فضرب الرقاب ولا يضاف أخرى نحو رويدا زيدا ويقع حالا نحو ساروا رويدا أي متمهلين ونعتا لمصدر محذوف نحو ساروا رويدا أي سيرا رويدا» هذا وتأتي رويد زيدا اسم فعل بمعنى أمهله وهو مشتق من مسمّاه الذي هو أرود وأصله المصدر الذي هو إرواد وصغّر بحذف الزوائد تصغير الترخيم ومثله تيد زيدا في معنى رويد زيدا، والذي نراه أنه إن أضيف فهو اسم فعل أمر مبني على الفتح ولا محل له من الإعراب وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت فإن نوّنته نحو رويدا أخاك أو أضفتهما نحو رويد أخيك فهو حينئذ منصوب على المفعولية المطلقة. البلاغة: ١- في قوله «من بين الصلب والترائب» طباق، فقد طابق بين عظم الظهر وعظم الصدر وأفرد الأول وجمع الآخر لأن صدر المرأة هو تريبتها فيقال للمرأة ترائب يعني بها التريبة وما حواليها وما أحاط بها وكذلك تقول العرب: رأيت خلاخيل المرأة وثديها وإنما لها ثديان وخلخالان أو يقال أنه تعالى أراد: يخرج من بين الأصلاب والترائب، فاكتفى بالواحد عن الجماعة كما قال تعالى: أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، ولم يقل والأرضين هذا وقد رمق أبو الطيب سماء هذه الآية فنقلها نقلا خفيا ينمّ على قدرة وألمعية فقال متغزلا وأجاد: بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا

стр. 5603

المنهبات قلوبنا وعقولنا ... وجناتهنّ الناهبات الناهبا الناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلال غرائبا حاولن تفديتي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهنّ فوق ترائبا وبسمن عن برد خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا وإنما أوردنا القطعة لنفاستها، والشاهد في البيت الرابع حيث اقتبس مكان شهوة المرأة فجعلها تضع أيديها عليها ولهذا لم يستطع أحد من شرّاح ديوان أبي الطيب فهم البيت على حقيقته وخلطوا خلطا عجيبا فقال ابن جنّي: «أشرن إليّ من بعيد ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الرقباء والوشاة» وهذا كلام غير مفهوم فإن الخوف من الوشاة والرقباء يستدعي وضع الأيدي على الوجوه لا على الترائب وقال الواحدي وخاض في بيداء من الوهم: «طلبن أن يقلن نفديك بأنفسنا وخفن الرقيب فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة أي أنفسنا تفديك» وهذا يحتمل للكلام ما لا يحتمله، ولعل ابن فورجة كان أذكى من صاحبيه فقال: «وضع اليد على الصدر لا يكون إشارة بالسلام وإنما أراد وضعن أيديهنّ فوق ترائبهنّ تسكينا للقلوب من الوجيب» ، على أنه رغم نفاسته منقوض بصدر البيت. ٢- وفي قوله «النجم الثاقب» الفصل، وسياق الكلام يقتضي الوصل لأنه قصد إشراكهما في الحكم واتفقا فيه وإنما عدل عنه تفخيما لشأنه فأقسم أولا بما يشترك فيه هو وغيره وهو الطارق ثم سأل عنه بالاستفهام تفخيما لشأنه ثانيا ثم فسّره بالنجم إزالة لذلك الإبهام الحاصل بالاستفهام، روي أن أبا طالب كان عند رسول الله ﷺ فانحطّ نجم فجزع أبو طالب وقال أيّ شيء هذا؟ فقال ﵇: هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله. ٣- وفي قوله «والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم

стр. 5604

الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ» فن المماثلة وهو تماثل ألفاظ الكلام كلها أو بعضها في الزنة دون التقفية فالطارق والثاقب وحافظ متماثلة في الزنة دون التقفية، وقد تأتي بعض ألفاظ المماثلة مقفّاة من غير قصد كقول امرئ القيس: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر العطر وأورد الشيخ عبد الغني النابلسي للقاضي يحيى بن أكثم بيتين في المماثلة: إنما الدنيا طعام ... ومدام وغلام فإذا فاتك هذا ... فعلى الدنيا السلام وأورد لابن الصائغ أيضا: زار الحبيب بليلة ... ووشاته لم يشعروا فضممته ولثمته ... وفعلت ما لا يذكر ولهذا قال ابن حجة عن فن المماثلة: أنه نوع سافل بالنسبة إلى غيره. الفوائد: أجوبة القسم: أجوبة القسم أربعة: إنّ وما واللام ولا، فحرفان يوجبان وهما إن واللام، وحرفان ينفيان وهما ما ولا كقولك والله ما قام زيد ولقد قام زيد.

стр. 5605

(٨٧) سورة الأعلى مكيّة وآياتها تسع عشرة [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ١٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) اللغة: (غُثاءً) في القاموس: «الغثاء كغراب وكزنار: القمش والزبد
следующие страницы →