Полный текст (5 784 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
الصلب (إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ) إن واسمها وعلى رجعه متعلقان بقادر والضمير في إنه يعود على الله واللام المزحلقة وقادر خبر إن ويوم بظرف متعلق برجعه ولا يصحّ تعليقه بقادر لأنه تعالى قادر على رجعه في كل وقت من الأوقات ولا تختص قدرته بوقت دون وقت، وقيل هي معمول لمحذوف تقديره يرجعه يوم أو اذكر يوم ولعله أولى، وقال بعضهم متعلق بناصر وهو فاسد لأن ما بعد ما النافية وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلهما. والفاء عاطفة وما نافية وله خبر مقدّم ومن حرف جر زائد وقوة مجرور بمن لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر والواو حرف عطف ولا نافية وناصر عطف على قوة وجملة تبلى السرائر في محل جر بإضافة الظرف إليها والسرائر نائب فاعل تبلى (وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ) الواو حرف قسم وجر والسماء مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف وذات الرجع نعت للسماء والأرض ذات الصدع عطف على الجملة المتقدمة (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ) الجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وإن واسمها واللام المزحلقة وهي للتوكيد وقول خبر إن فصل نعت لقول والواو حرف عطف وما حجازية تعمل عمل ليس وهو اسمها والباء حرف جر زائد والهزل مجرور لفظا منصوب محلا لأنه خبر ما (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) كلام مستأنف مسوق للإجابة عن سؤال نشأ من فحوى الكلام كأنه قيل وماذا تتسمى مكابرتهم وعنادهم فقيل انهم، وإن واسمها وجملة يكيدون خبرها وكيدا مفعول مطلق والفاء فصيحة أي إن شئت أن ترى مغبة أمرهم فلا تستعجل بالانتقام منهم، ومهل فعل أمر والكافرين مفعول به وأمهلهم كرر فعل الأمر تأكيدا لرسوله وزاد في الصيغة لزيادة تسكين قلبه وتصبيره ورويدا نصب على المصدر والأصل إروادا فهو تصغير ترخيم بحذف الزوائد وفي المختار: «وفلان على رود بوزن عود أي
стр. 5602
على مهل وتصغيره رويد ويقال أرود في السير إروادا ومرودا بضم الميم وفتحها أي رفق وتقول رويدك عمرا أي أمهله وهو مصغر تصغير ترخيم من إرواد مصدر أرود يرود» وعبارة السمين: «اعلم أن رويدا يستعمل مصدرا بدلا من اللفظ بفعله فيضاف تارة كقوله فضرب الرقاب ولا يضاف أخرى نحو رويدا زيدا ويقع حالا نحو ساروا رويدا أي متمهلين ونعتا لمصدر محذوف نحو ساروا رويدا أي سيرا رويدا» هذا وتأتي رويد زيدا اسم فعل بمعنى أمهله وهو مشتق من مسمّاه الذي هو أرود وأصله المصدر الذي هو إرواد وصغّر بحذف الزوائد تصغير الترخيم ومثله تيد زيدا في معنى رويد زيدا، والذي نراه أنه إن أضيف فهو اسم فعل أمر مبني على الفتح ولا محل له من الإعراب وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت فإن نوّنته نحو رويدا أخاك أو أضفتهما نحو رويد أخيك فهو حينئذ منصوب على المفعولية المطلقة.
البلاغة:
١- في قوله «من بين الصلب والترائب» طباق، فقد طابق بين عظم الظهر وعظم الصدر وأفرد الأول وجمع الآخر لأن صدر المرأة هو تريبتها فيقال للمرأة ترائب يعني بها التريبة وما حواليها وما أحاط بها وكذلك تقول العرب: رأيت خلاخيل المرأة وثديها وإنما لها ثديان وخلخالان أو يقال أنه تعالى أراد: يخرج من بين الأصلاب والترائب، فاكتفى بالواحد عن الجماعة كما قال تعالى: أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، ولم يقل والأرضين هذا وقد رمق أبو الطيب سماء هذه الآية فنقلها نقلا خفيا ينمّ على قدرة وألمعية فقال متغزلا وأجاد:
بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
стр. 5603
المنهبات قلوبنا وعقولنا ... وجناتهنّ الناهبات الناهبا
الناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلال غرائبا
حاولن تفديتي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهنّ فوق ترائبا
وبسمن عن برد خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا
وإنما أوردنا القطعة لنفاستها، والشاهد في البيت الرابع حيث اقتبس مكان شهوة المرأة فجعلها تضع أيديها عليها ولهذا لم يستطع أحد من شرّاح ديوان أبي الطيب فهم البيت على حقيقته وخلطوا خلطا عجيبا فقال ابن جنّي: «أشرن إليّ من بعيد ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الرقباء والوشاة» وهذا كلام غير مفهوم فإن الخوف من الوشاة والرقباء يستدعي وضع الأيدي على الوجوه لا على الترائب وقال الواحدي وخاض في بيداء من الوهم: «طلبن أن يقلن نفديك بأنفسنا وخفن الرقيب فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة أي أنفسنا تفديك» وهذا يحتمل للكلام ما لا يحتمله، ولعل ابن فورجة كان أذكى من صاحبيه فقال: «وضع اليد على الصدر لا يكون إشارة بالسلام وإنما أراد وضعن أيديهنّ فوق ترائبهنّ تسكينا للقلوب من الوجيب» ، على أنه رغم نفاسته منقوض بصدر البيت.
٢- وفي قوله «النجم الثاقب» الفصل، وسياق الكلام يقتضي الوصل لأنه قصد إشراكهما في الحكم واتفقا فيه وإنما عدل عنه تفخيما لشأنه فأقسم أولا بما يشترك فيه هو وغيره وهو الطارق ثم سأل عنه بالاستفهام تفخيما لشأنه ثانيا ثم فسّره بالنجم إزالة لذلك الإبهام الحاصل بالاستفهام، روي أن أبا طالب كان عند رسول الله ﷺ فانحطّ نجم فجزع أبو طالب وقال أيّ شيء هذا؟ فقال ﵇: هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله.
٣- وفي قوله «والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم
стр. 5604
الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ» فن المماثلة وهو تماثل ألفاظ الكلام كلها أو بعضها في الزنة دون التقفية فالطارق والثاقب وحافظ متماثلة في الزنة دون التقفية، وقد تأتي بعض ألفاظ المماثلة مقفّاة من غير قصد كقول امرئ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر العطر
وأورد الشيخ عبد الغني النابلسي للقاضي يحيى بن أكثم بيتين في المماثلة:
إنما الدنيا طعام ... ومدام وغلام
فإذا فاتك هذا ... فعلى الدنيا السلام
وأورد لابن الصائغ أيضا:
زار الحبيب بليلة ... ووشاته لم يشعروا
فضممته ولثمته ... وفعلت ما لا يذكر
ولهذا قال ابن حجة عن فن المماثلة: أنه نوع سافل بالنسبة إلى غيره.
الفوائد:
أجوبة القسم:
أجوبة القسم أربعة: إنّ وما واللام ولا، فحرفان يوجبان وهما إن واللام، وحرفان ينفيان وهما ما ولا كقولك والله ما قام زيد ولقد قام زيد.
стр. 5605
(٨٧) سورة الأعلى مكيّة وآياتها تسع عشرة
[سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩)
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)
اللغة:
(غُثاءً) في القاموس: «الغثاء كغراب وكزنار: القمش والزبد
стр. 5606
والهالك البالي من ورق الشجر» وفيه أيضا: «القمش جمع قماش وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء حتى يقال لرذالة الناس قماش وما أعطاني إلا قماشا أي أردأ ما وجده» وفي المصباح: «غثاء السيل حميله وغثا الوادي غثوّا من باب قعد امتلأ من الغثاء وغثت نفسه تغثى غثيا من باب رمى وغثيانا وهو اضطرابها حتى تكاد تتقيأ من خلط ينصب إلى فم المعدة» .
(أَحْوى) الأحوى أفعل من الحوة وهي سواد يضرب إلى خضرة وقيل الأحوى خضرة عليها سواد والأحوى الظبي لأن في ظهره خطين ويقال رجل أحوى وامرأة حواء وجمعها حو نحو أحمر وحمر، وفي القاموس «الحوة بالضم سواد إلى الخضرة أو حمرة إلى السواد وحوي كرضي حوى» وقال ابن جني: والحوة حمرة تضرب إلى السواد وتكون في الشفة والعرب تستحب ذلك، قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثات وفي أنيابها شنب
صفراء في نعج بيضاء في دعج ... كأنها فضة قد مسّها ذهب
وأنشد أبو عبيدة لذي الرمّة أيضا في المرعى الأحوى:
حوّاء قرحاء أشراطيّة وكفت ... فيها الذهاب وحفتها البراعيم
والقرحاء: البيضاء يقال للغرة القرحة وأشراطية مطرت بنوء الشّرطين والذهاب بكسر الذال المطر الخفيف والبراعيم جمع برعومة وهي الوردة قبل أن تتفتح ويقال لها الكم والجمع أكمام.
الإعراب:
(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) سبّح فعل أمر أي نزّه وقد تقدم وفاعله
стр. 5607
مستتر تقديره أنت واسم ربك مفعوله، وجعله الجلال مقحما على حدّ قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
ولا داعي لهذا التكلف فإن التنزيه يقع على الاسم أي نزّه اسم ربك عن أن يسمي به صنم أو وثن فيقال له رب أو إله. والأعلى صفة لربك، وأجاز ابن هشام أن يكون صفة لاسم (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) الذي صفة ثانية للرب وجملة خلق صلة ومفعول خلق محذوف أي كل شيء والفاء عاطفة وسوّى عطف على خلق والمراد بالتسوية أنه خلق ما أراد على أتم وجه وأكمله ووفق نظام موصوف بالإحكام والإتقان مبرأ من الشوائب والاختلال (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) عطف أيضا منسوق على ما تقدم (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى)
عطف على ما قبله أيضا وجملة أخرج صلة الذي والمرعى مفعول به، فجعله عطف على أخرج والهاء مفعول به أول وغثاء مفعول به ثان وأحوى صفة لغثاء لكن يشكل أن الغثاء هو اليابس والحوة خضرة دائمة فيتناقضان فالأولى أن يعرب أحوى حالا من المرعى أي أخرجه أحوى أسود من شدّة الخضرة فجعله غثاء بعد حوّته. وقال الزمخشري: «ويجوز أن يكون أحوى حالا من المرعى أي أخرجه من المرعى أسود من شدة الخضرة والريّ فجعله غثاء بعد حوّته» . وقال أبو البقاء: «قوله تعالى أحوى قيل هو نعت لغثاء وقيل هو حال من المرعى أي أخرج المرعى أخضر ثم صيّره غثاء فقدم بعض الصلة» . وقال أبو حيان: «والظاهر أن أحوى صفة لغثاء، قال ابن عباس المعنى فجعله غثاء أحوى أي أسود لأن الغثاء إذا قدم وأصابته الأمطار اسودّ وتعفّن فصار أحوى، وقيل أحوى حال من المرعى أي أخرج المرعى أحوى أي للسواد من شدّة خضرته ونضارته لكثرة ريّه، وحسن تأخير أحوى لأجل الفواصل قال:
стр. 5608
وغيث من الوسمي حوّ تلاعه ... تبطنته بشيظم صلّتان»
وقال ابن خالويه في كتابه: «إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم» : «فجعله غثاء أحوى أي جعل الله المرعى أحوى والأحوى شديد الخضرة يضرب إلى السواد لريّه ثم صيّره غثاء بعد ما يبس فمعناه تقديم وتأخير» . وقال ابن هشام في كتابه المغني في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها: «الرابع عشر قول بعضهم في أحوى إنه صفة لغثاء وهذا ليس بصحيح على الإطلاق بل إذا فسّر الأحوى بالأسود من الجفاف واليبس وأما إذا فسّر بالأسود من شدّة الخضرة لكثرة الريّ كما فسّر «مدهامتان» فجعله صفة لغثاء كجعل قيما صفة لعوجا وإنما الواجب أن تكون حالا من المرعى وآخر لتناسب الفواصل» ولعمري لقد حسم الخلاف فيما قرره (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) السين حرف استقبال ونقرئك فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به والفاء حرف عطف ولا نافية وتنسى فعل مضارع مرفوع، وعبارة أبي السعود: «سنقرئك فلا تنسى: بيان لهداية الله تعالى الخاصة برسوله ﷺ إثر بيان هداية الله العامة لكافة مخلوقاته وهي هدايته ﵇ لتلقي الوحي وحفظ القرآن وهدايته للناس أجمعين، والسين إما للتأكيد وإما لأن المراد إقراء ما أوحى الله إليه حينئذ وما سيوحي إليه بعد ذلك فهو وعد باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء أي سنقرئك ما نوحي إليك وفيما بعده على لسان جبريل أو سنجعلك قارئا بإلهام القراءة فلا تنسى أصلا من قسوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتابة وما القراءة فيكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرؤه من الآيات البيّنات من حيث الإعجاز ومن حيث الإخبار بالمغيّبات» والفاء عاطفة ولا نافية، أخبر الله تعالى نبيّه أنه لا ينسى، وتنسى فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة
стр. 5609
المقدرة على الألف وقيل لا ناهية وتنسى فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة ثم أتي بالألف دعامة لفتح السين ليوافق رؤوس الآي كقوله: السبيلا، وقد أحسن أبو حيان عند ما شجب هذا الوجه قال «وهذا قول ضعيف ومفهوم الآية في غاية الظهور وقد تعسفوا في فهمها» ، (إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) إلا أداة حصر وما مفعول تنسى والاستثناء مفرّغ من أعمّ المفاعيل وجملة شاء الله صلة ما وجملة إن وما في حيّزها تعليل لما قبله وإن واسمها وجملة يعلم خبرها والجهر مفعول به
والواو حرف عطف وما موصولة منسوقة على الجهر وجملة يخفى صلة، قال السمين: «ولا يجوز أن تكون مصدرية لئلا يلزم خلو الفعل من فاعل ولولا ذلك لكان كونها مصدرية أحسن ليعطف مصدر مؤول على مثله صريح» (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى) الواو حرف عطف ونيسرك عطف على سنقرئك وهو فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به ولليسرى متعلقان بنيسرك أي للشريعة الإسلامية السمحاء والفاء الفصيحة أي إن علمت أنك من أرباب الفيوضات الكمالية بهدايتنا وتوفيقنا فذكر، وإن شرطية ونفعت فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والذكرى فاعل وفي إن معنى الاستبعاد كأنما هو واثق من عدم جنوحهم إلى الهدى وإصرارهم على ركوب متن الشطط وجواب إن محذوف دلّ عليه ما قبله وللزمخشري سؤال لطيف وإجابة ألطف قال: «فإن قلت: كان الرسول ﷺ مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع فما معنى اشتراط النفع؟ قلت: هو على وجهين: أحدهما أن رسول الله قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوّا وطغيانا وكان النبي ﷺ يتلظى حسرة وتلهفا ويزداد وجدا في تذكيرهم وحرصا عليه فقيل له: وما أنت عليهم بجبّار فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد، وأعرض عنهم وقل سلام، وذكّر إن نفعت
стр. 5610
الذكرى، وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير، والثاني أن يكون ظاهره شرطا ومعناه ذمّا للمذكرين وإخبارا عن حالهم واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم كما تقول للواعظ غظّ المكّاسين إن سمعوا منك قاصدا بهذا الشرط استبعاد ذلك وأنه لن يكون» أما ابن خالويه فبعد أن أورد الوجه الذي أوردناه قال: «ويقول آخرون: إن بمعنى قد أي فذكر قد نفعت الذكرى وهو بعيد جدا ولا يليق بأسلوب القرآن الافتراض والمجازفة» أما أبو حيان فقد قال:
«والظاهر أن أمره بالتذكير مشروط بنفع الذكرى وهذا الشرط إنما جيء به توبيخا لقريش أي إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة ومعناه استبعاد انتفاعهم بالذكرى فهو كما قال الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حيّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
وقال الفراء والنحّاس والزهراوي والجرجاني: معناه وإن لم تنفع فاقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى، ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) السين حرف استقبال ويذكر فعل مضارع مرفوع ومن موصول فاعل وجملة يخشى صلة لا محل لها ويتجنبها منسوق على سيذكّر والهاء مفعول به والضمير يعود على الذكرى والأشقى فاعل، قال ابن خالويه: «يقال زيد الأشقى والمرأة الشقيا مثل الأعلى والعليا ويقال: كلّم الأشقى الشقيا وكلم الأشقيان الشقيين وكلم الأشقون الأشقين وكلمت الشقييات الشقييات» والذي نعت للأشقى وجملة يصلّى لا محل لها لأنها صلة الذي وفاعل يصلّى مستتر يعود على الأشقى والنار مفعول به والكبرى نعت للنار وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ولا نافية ويموت فعل مضارع مرفوع وفيها متعلقان بيموت، ولا يحيا عطف على لا يموت ومعنى التراخي أن الترجح بين الحياة والموت أشدّ هولا من
стр. 5611
الصلي فهو متراخ عنه في مراتب الشدة ومن يمت يسترح أما هؤلاء فلا هم أموات فيستريحوا ولا هم أحياء فيجدوا متنفسا من العذاب (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) قد حرف تحقيق وأفلح فعل ماض ومن فاعل وجملة تزكى أي تطهر لا محل لها لأنها صلة من وذكر عطف على تزكى واسم ربه مفعول به، فصلّى عطف على ذكّر (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) إضراب عن مقدّر ينساق إليه الكلام والتقدير أنتم لا تفعلون ما فيه صلاح أمركم بل تؤثرون، وتؤثرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والحياة مفعول به والدنيا نعت للحياة والمراد بإيثار الحياة الدنيا الركون إليها والاغترار بزخارفها واستجلاء أفاويقها، والواو حالية والآخرة مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير ففيها لذات الدنيا وما لا يتصور العقل من زيادة عليها ولها بعد ذلك صفة الديمومة والخلود (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) إن حرف مشبه بالفعل وهذا اسمها والإشارة إلى إفلاح من تزكى وما تلاه من كلام، واللام المزحلقة وفي الصحف خبر إن والأولى نعت للصحف وصحف إبراهيم وموسى بدل من الصحف.
الفوائد:
لمحة عن صحف إبراهيم وموسى:
جاء في الخازن ما يلي: عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فقال رسول الله ﷺ إن للمسجد تحية فقلت وما تحيته يا رسول الله قال: ركعتان تركعهما قلت: يا رسول الله هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال يا أبا ذر اقرأ: قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربه فصلّى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى، قلت يا رسول الله
стр. 5612
فما كانت صحف موسى؟ قال كانت عبرا كلها: «عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟ عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ عجبت لمن أيقن بالقدر ثم يغضب، عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل» .
وجاء في القرطبي ما يلي: «وروى الآجري عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم قال: كانت أمثالا كلها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لتردّ عنّي دعوة المظلوم فإني لا أردّها ولو كانت من فم كافر، وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه وساعة يفكّر فيها في صنع الله وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون طامعا إلا في ثلاث: تزود لمعاد ومرحة لمعاش ولذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه.
стр. 5613
(٨٨) سورة لغاشية مكيّة وآياتها ستّ وعشرون
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ٢٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤)
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩)
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
стр. 5614
اللغة:
(الْغاشِيَةِ) القيامة لأنها تغشى الخلائق، وفي المختار: «الغشاء:
الغطاء وجعل على بصره غشاوة بضم الغين وفتحها وكسرها» وفي المصباح: «ويقال إن الغشي تعطل القوى المحرّكة والأوردة الحسّاسة لضعف القلب بسبب وجع شديد أو برد أو جوع مفرط وقيل الغشي هو الإغماء، وقيل الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ وقيل الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة، وغشيته أغشاه من باب تعب أتيته والاسم الغشيان بالكسر» .
(آنِيَةٍ) بلغت إناها في الحرارة وفي القاموس: «وأنى الحميم انتهى حرّه فهو آن وبلغ هذا أناه ويكسر أي غايته» .
(ضَرِيعٍ) في القاموس «والضريع كأمير الشّبرق أو يبيسه أو نبات رطبه يسمّى الشبرق ويابسه الضريع لا تقربه دابة لخبثه، والسّلّاء والعوسج الرطب أو نبات في الماء الآجن له عروق لا تصل إلى الأرض، أو شيء من جهنم أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأحرّ من النار، ونبات منتن يرمي به البحر، ويبيس كلّ شجر، والخمر أو رقيقها، والجلدة على العظم تحت اللحم» وفي الكشاف: «الضريع يبيس الشبرق وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا فإذا يبس تحامته الإبل وهو سمّ قاتل قال أبو ذؤيب:
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ... وعاد ضريعا بان عنه النحائص
وقال:
وحبسن في هزم الضريع فكلها ... حدباء دامية اليدين حرود»
(نَمارِقُ) جمع نمرقة بضم النون وكسرها لغتان أشهرهما الأولى
стр. 5615
وهي وسادة صغيرة، وفي القاموس «والنمرقة مثلثة الوسادة الصغيرة أو المثيرة أو الطنفسة فوق الرحل» .
(زَرابِيُّ) في القاموس: «الزرابي النمارق والبسط أو كل ما يبسط ويتكأ عليها الواحدة زربي بالكسر ويضم» والطنافس أيضا جمع طنفسة بتثليث الطاء والفاء ففيه تسع لغات، وهي المسمّاة الآن بالسجادة.
(مَبْثُوثَةٌ) مفرقة في المجلس.
(بِمُصَيْطِرٍ) بمسلط عليهم ومسيطر اسم جاء مصغرا ولا مكبّر له كقولهم: رويدا والثريا وكميت ومبيقر ومبيطر ومهيمن، وفي قراءة بمسيطر بفتح الطاء وغريبة هذه القراءة فقد جاء في تاج العروس: سيطر جاء على فيعل فهو مسيطر ولم يستعمل مجهولا فعله، وننتهي في كلام العرب إلى ما انتهوا إليه، وسيأتي مزيد بحث عن التصغير في باب الفوائد.
الإعراب:
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ) هل حرف استفهام ومعناه التعجب والتشويق إلى استماع حديث الغاشية وجعلها بعضهم بمعنى قد وجعلها ابن خالويه مطّردة في كل ما في القرآن من هل أتاك قال «فهو بمعنى قد أتاك» وأتاك فعل ماض ومفعول به وحديث الغاشية فاعل (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) وجوه مبتدأ وساغ الابتداء به لوجود التنويع والوصف كما سيأتي ويومئذ ظرف متعلق بخاشعة والتنوين في إذ عوض عن جملة لم يتقدم ما يدلّ عليها إلا قوله الغاشية فيمكن استنتاج الجملة منها أي يوم إذ غشيت الغاشية وخاشعة خبر وعاملة ناصبة خبران آخران وقيل خاشعة وعاملة وناصبة صفات
стр. 5616
للمبتدأ والخبر هو جملة تصلى وعلى الأول جملة تصلى خبر رابع وكلا الوجهين مستقيم وحسن، ونارا مفعول به وقرىء بضم التاء فتكون نارا مفعولا ثانيا ونائب الفاعل مستتر وحامية نعت للنار وتسقى فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هي أي وجوه والمراد أصحابها، ومن عين متعلقان بتسقى وآنية صفة لعين (لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) كلام مستأنف مسوق للإجابة عن سؤال مترتب على ما سبق كأنه قيل وما هو طعامهم بعد ما ذكر شرابهم فقيل ليس لهم ... ، وليس فعل ماض ناقص ولهم خبرها المقدّم وطعام اسمها المؤخر وإلا أداة حصر ومن ضريع صفة لطعام أو بدل منه على القاعدة ويجوز أن يكون في محل نصب على الاستثناء (لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) الجملتان صفتان لضريع لا لطعام لأن الضريع هو المثبت وقد نفى عنه الاسمان والإغناء من الجوع، ولا نافية ويسمن فعل مضارع وفاعله هو ولا يغني عطف على لا يسمن ومن جوع متعلقان بيغني، وجعل الشهاب في حاشيته على البيضاوي من زائدة وجوع على هذا يكون في موضع نصب مفعول يغني (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ، لِسَعْيِها راضِيَةٌ) وجوه مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة للتنويع، وسيأتي سر عدم اقترانها بالواو كما يقتضي ظاهر السياق في باب البلاغة، ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله متعلق بناعمة وناعمة خبر وجوه ولسعيها متعلقان براضية وراضية خبر ثان لوجوه (فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً) في جنة خبر ثان لوجوه وعالية نعت لوجوه وجملة لا تسمع إلخ صفة ثانية لجنة ولا نافية وتسمع فعل مضارع مرفوع وفاعله أنت وقرىء بالتاء وفيها متعلقان بتسمع ولاغية مفعول به وهي على معنى النسب أي كلمة ذات لغو أو على إسناد اللغو إليها مجازا (فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ) الجملة نعت ثالث لجنة وفيها خبر مقدّم وعين مبتدأ مؤخر وجارية نعت لعين (فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) الجملة صفة رابعة لجنة وفيها خبر مقدّم
стр. 5617
وعين مبتدأ مؤخر وجارية نعت لعين وما بعده عطف عليه (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما مضى من حديث الغاشية والهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء للعطف على مقدّر يستحقه المقام والتقدير أينكرون البعث فلا ينظرون، ولا نافية وينظرون فعل مضارع مرفوع وإلى الإبل متعلقان به وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وخلقت فعل ماض مبني للمجهول وفاعله مستتر تقديره هي والجملة بدل اشتمال من الإبل. وينظرون تعدّى إلى الإبل بواسطة إلى وتعدى إلى كيف على سبيل التعليق وقد تبدل الجملة وفيها الاستفهام من الاسم الذي قبلها وإن لم يكن فيه استفهام على خلاف في ذلك كقولهم عرفت زيدا أبو من هو والعرب يدخلون إلى على كيف فيقولون إلى كيف يصنع. وكيف سؤال عن حال والعامل فيها خلقت وإذا علق العامل عمّا فيه من الاستفهام لم يبق الاستفهام على حقيقته، وللزمخشري كلام جميل نورده فيما يلي: «أفلا ينظرون إلى الإبل نظر اعتبار كيف خلقت خلقا عجيبا دالّا على تقدير مقدّر شاهدا بتدبير مدبر حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرّها إلى البلاد الشاحطة فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ثم تنهض بما حملت وسخّرها منقادة لكل من اقتادها بأزمّتها لا تعاز ضعيفا ولا تمانع صغيرا وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار، وعن بعض الحكماء أنه حدّث عن البعير وبديع خلقه وقد نشأ في بلاد
لا إبل بها ففكر ثم قال يوشك أن تكون طوال الأعناق وحين أراد بها أن تكون سفائن البر صبّرها على احتمال العطش حتى أن أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعدا وجعلها ترعها كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم» هذا والإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه وإنما واحده بعير وناقة وجمل، وعبارة القاموس:
«الإبل بكسرتين وتسكين الباء مؤنث واحد يقع على الجمع ليس بجمع ولا اسم جمع وجمعه آبال وتصغيرها إبيلة والسحاب الذي يحمل ماء
стр. 5618
المطر» وعلى هذا يصحّ أن يراد بها السحاب لينتظمها الذكر على حسب النظم على أن هذا لا يتفق مع سهولة بيان القرآن ونظمه وإنما أوردها منتظمة مع السماء والأرض والجبال لأن العرب في بواديهم وأوديتهم يألفون رؤيتها جميعا فانتظمها الذكر مع هذه الأشياء (وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) كلام منسوق على ما تقدم مماثل له في إعرابه، قال ابن خالويه نقلا عن الزمخشري: «وروي عن هارون الرشيد أنه قرأ: كيف سطحت بالتشديد والقراءة بتخفيفها لاجتماع الكافّة عليها» (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) الفاء الفصيحة أي إن كانوا لا ينظرون إلى هذه الأشياء نظر اعتبار وتدبر وتأمل فذكرهم. وذكر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ومفعوله محذوف أي فذكّرهم ولا تلحّ عليهم إذ ليس عليك هداهم، وإنما كافّة ومكفوفة وأنت مبتدأ ومذكّر خبر وجملة أنما أنت تعليلية للأمر بالتذكير ولست ليس واسمها وعليهم متعلقان بمسيطر والباء حرف جر زائد ومسيطر مجرور بالباء لفظا منصوب محلا لأنه خبر ليس (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ) إلا أداة استثناء ومن مستثنى على الاستثناء متصل من مفعول فذكر أو من الهاء في عليهم وقيل الاستثناء منقطع وإلا بمعنى لكن ألغي عملها ومن مبتدأ خبره جملة فيعذبه وكلاهما جيد محتمل، وجملة تولى صلة من وكفر عطف على الصلة وجملة إلا من تولى وكفر في محل نصب على الاستثناء المنقطع وهذه جملة تضاف إلى الجمل التي لها محل من الإعراب والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ويعذبه فعل مضارع مرفوع والهاء مفعول به والله فاعل والعذاب مفعول مطلق، ومن الغريب أن ابن خالويه أعربها مفعولا به ثانيا، وصدق ابن هشام عند ما قرر أن ابن خالويه من ضعفاء النحويين، والأكبر نعت للعذاب (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل للعذاب الأكبر وإن حرف
стр. 5619
مشبّه بالفعل وإلينا خبر مقدّم لإن وإيابهم اسمها المؤخر وثم حرف عطف للتراخي، وسيأتي سره في باب البلاغة ، وما بعده عطف على ما قبله مماثل له في إعرابه.
البلاغة:
١- في قوله «لا يسمن ولا يغني من جوع» فن التتميم، وقد تقدم مرارا فقوله ولا يغني من جوع جملة لا يمكن طرحها من الكلام لأنه لما قال لا يسمن ساغ لمتوهم أن يتوهم أن هذا الطعام الذي ليس من جنس طعام البشر انتفت عنه صفة الاسمان ولكن بقيت له صفة الإغناء فجاءت جملة ولا يغني من جوع تتميما للمعنى المراد وهو أن هذا الطعام انتفت عنه صفة إفادة السمن والقوة كما انتفت عنه صفة إماطة الجوع وإزالته، وجعله بعضهم من باب نفي الشيء بإيجابه على حدّ قول امرئ القيس «على لاحب لا يهتدى بمناره» أي أنه لا منار له أصلا وكما تقول ليس لفلان ظل إلا الشمس تريد نفي الظل على التوكيد وليس ببعيد والأول أرصن وأبعد عن التكلّف.
٢- الحذف: تكلمنا في هذا الكتاب كثيرا عن الحذف وسنخصّص هنا لمعة عن حذف المفعول به خاصة لزيادة الفائدة وذلك بمناسبة قوله تعالى «فذكّر إنما أنت مذكّر» فنقول: يجوز حذف المفعول به لغرض إما لفظي كتناسب الفواصل أي رؤوس الآي وذلك في نحو قوله تعالى: «ما ودعك ربك وما قلى» والأصل وما قلاك فحذف المفعول ليناسب قوله: «والضحى والليل إذا سجى» وكالإيجاز في نحو قوله تعالى: «فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا» والأصل فإن لم تفعلوه ولن تفعلوه أي الإتيان بسورة من مثله وإما معنوي كاحتقاره نحو «كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي» أي لأغلبنّ الكافرين فحذف المفعول زيادة في
стр. 5620
امتهانه واحتقاره أو لاستهجانه واستقباح التصريح به كقول عائشة ﵂: ما رأى منّي ولا رأيت منه، أي العورة.
٣- وفي قوله «إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم» تقديم الجار والمجرور، والسر فيه التشديد بالوعيد وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام وأن حسابهم ليس إلا عليه، وفي العطف بثم للدلالة على التراخي في الرتبة لا في الزمان أي أنه قد يكون مباشرة بعد الإياب ولكن التفاوت بين الموقفين أمر لا تكتنه أهواله ولا يدري أحد مداه ولا يتصوره العقل على الإطلاق ولا يخفى أن الخبر جاء مؤكدا بإن فأتى طلبيا كأنهم، وقد ترددوا، بحاجة إلى تأكيد هذا الأمر الذي أشاحوا عنه ولم يتدبروه.
الفوائد:
١- التصغير ومراميه: أول من تكلم على التصغير الخليل بن أحمد ﵀، ويكون للتحقير والتعظيم والترحم والتحبّب ولتقليل العدد ولتقريب الزمان وقد جمعها بعضهم بقوله:
فعظم وحقر وقرب زماني ... ترحم تحبب رزقت الأماني
وأقلل بتصغيرهم يا فتى ... فما زلت في محفل من معاني
قال ابن خالويه: «العرب تصغّر الاسم على المدح لا تريد به التحقير كقولهم فلان صديّقي إذا كان من أصدق أصدقائه ومن ذلك قول عمر في ابن مسعود «كنيّف ملىء علما» مدحه بذلك، وقال الأنصاري:
«أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب وحجيرها المؤام» ومن ذلك أن رجلا قال: رأيت الأصيلع عمر بن الخطاب يقبّل الحجر يريد مدحه بذلك» .
стр. 5621
واختلف في قول عمر بن أبي ربيعة في رائيته المشهورة:
وغاب قمير كنت أهوى غروبه ... وروّح رعيان ونوّم سمّر
فقال سعيد بن المسيب لما سمع هذا البيت: ما له قاتله الله صغّر ما كبر الله قال الله تعالى «والقمر قدّرناه منازل» قال ابن خالويه: «فيجوز أن يكون ابن أبي ربيعة صغّر قميرا على المدح لما ذكرت، ومع ذلك فإن ابن أبي ربيعة قد أنشد هذه القصيدة لابن عباس فما أنكر عليه شيئا، ومن ذلك قول الرجل لابنه: يا بنيّ لا يريد تحقيره فاعرف ذلك ولابن أبي ربيعة حجة أخرى وذلك أن العرب تقول للقمر في آخر الشهر وأوله شفا قمير فيصغّرونه» وهذا الذي ذكرناه من معاني التصغير يردّه البصريون وجميع ما ذكرناه عندهم راجع إلى معنى التحقير.
هذا ونضرب على سبيل المثال مثلا بيت لبيد بن ربيعة وهو:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل
فالكوفيون ذهبوا إلى أن التصغير في قوله دويهية للتعظيم وبيان هذا أن الشاعر أراد بها الموت ولا داهية أعظم منها، فأما كونه أراد بها الموت فيدل لذلك وصفها بقوله «تصفر منها الأنامل» والأنامل هنا الأظفار وهي إنما تصفر بالموت، قال الطوسي في شرح ديوان لبيد: إذا مات الرجل أو قتل اصفرّت أنامله واسودّت أظافره» وقد ردّ البصريون أن التصغير يأتي للتعظيم وجرى على مذهبهم الرضي المحقق فقال: «قيل مجيء التصغير للتعظيم يكون من باب الكناية يكنى بالصغر عن بلوغ الغاية لأن الشيء إذا جاوز حدّه جانس ضده ورد بأن تصغيرها على حسب احتقار الناس لها وتهاونهم بها إذ المراد بها الموت أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل» وقال البصريون عن بيت لبيد: «فأما قوله دويهية فالمراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأصول
стр. 5622
العظام فحتف النفوس قد يكون الأمر الذي لا يؤبه له» ولا يخفى ما في هذا القول من الرصانة والقوة فتنبّه لهذا الفصل الذي وإن طال بعض الطول فهو كالحسن ليس بمملول.
٢- الخيال: تختلف الخياليات باختلاف الأسباب والعادات والعرف العام فتتفاوت بالأمم فلا يستنكر قوله تعالى في هدايتهم إلى الاستدلال على الصانع الحكيم «أفلا ينظرون إلى الأمم كيف خلقت» إلخ إلا من يجهل أن الخطاب مع العرب وما في خيالهم إلا الإبل لأن معظم انتفاعهم في مطاعمهم وملابسهم ومتاجرهم منه وإلا أرض ترعاها الإبل وإلا سماء تسقيهم وإياها وإلا جبال هي معاقلهم عند شنّ الغارات، فظهر أن من وقف على أحوال العربي البدوي يعرف وجه تقارن الصور المذكورة في أذهانهم ووجه وقوعها في القرآن العظيم على المنهج المذكور، ومن أنكره من أهل الحضر فذلك لجهله بمقتضى الحال، ولقد أحسن المتنبي إذ قال:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم
стр. 5623
(٨٩) سورة الفجر مكيّة وآياتها ثلاثون
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)
اللغة:
(الشَّفْعِ) الزوج من العدد يقال: أشفع هو أم وتر أي أزوج أم فرد ويجمع على أشفاع وشفاع، ومصدر شفع يشفع من باب فتح شفعا الشيء أي صيّره شفعا أي زوجا بأن يضيف إليه مثله يقال: كان وترا فشفعه بآخر أي قرنه به، وفي القاموس: «الشفع خلاف الوتر وهو الزوج وقد
стр. 5624
شفعه كمنعه ويوم الأضحى وقيل في قوله تعالى: والشفع والوتر هو الخلق لقوله تعالى ومن كل شيء خلقنا زوجين أو هو الله لقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم» .
(الْوَتْرِ) في القاموس «الوتر بالكسر ويفتح الفرد أو ما لم يتشفع من العدد ويوم عرفة» .
وقال أبو حيان: «والشفع والوتر ذكر في كتاب التحرير والتحبير فيها ستة وثلاثين قولا ضجرنا من قراءتها فضلا عن كتابتها في كتابنا هذا» .
وقال الزمخشري: «وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون معظم ما يقعان فيه وذلك قليل الطائل جدير بالتلهي عنه» .
(حِجْرٍ) عقل، وسمّي العقل بذلك لأنه يحجر صاحبه عمّا لا يحلّ ولا ينبغي كما سمي عقلا لأنه يعقل صاحبه عن القبائح وينهاه ولأنه ينهى عمّا لا يحلّ ولا ينبغي، وأصل الحجر المنع وقد تقدم القول في هذه المادة، وقال ابن خالويه: «هل في ذلك حجر أي لذي عقل ولذي لب» والحجر ديار ثمود وحجر الكعبة والفرس الأنثى.
(جابُوا) قطعوا وفي المختار «وجاب خرق وقطع وبابه قال ومنه قوله تعالى وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وجبت البلاد بضم الجيم من باب قال وباع وأجبتها قطعتها» .
الإعراب:
(وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ) الواو حرف قسم وجر والفجر مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بأقسم والواو حرف عطف وليال عطف على
стр. 5625
الفجر مجرور وعلامة جرّه الفتحة نيابة عن الكسرة المقدّرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. وقد أشار ابن مالك إلى هذه القاعدة الهامة بقوله:
وكن لجمع مشبه مفاعلا ... أو المفاعيل بمنع كافلا
أي إن الجمع المشبه مفاعيل أو المفاعيل في كونه مفتوح الفاء وثالثه ألف بعدها حرفان كمفاعل أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كمفاعيل يمتنع صرفه لقيام الجمع فيه مقام علتين وهي الجمع وعدم النظير في الواحد وشمل قوله مفاعل ما أوله الميم كمساجد أو ما أوله غيرها كدراهم وشمل قوله المفاعيل ما أوله ميم كمصابيح أو ما أوله غيرها كدنانير ثم أن من هذا الجمع ما يجيء معتل اللام وهو قسمان أحدهما ما قلبت فيه الكسرة التي بعد الألف فتحة فانقلبت الياء ألفا نحو عذارى ولا إشكال في منع التنوين والآخر ما استثقلت في بابه الفتحة فحذفت ولحقها التنوين وإلى ذلك أشار بقوله:
وذا اعتلال منه كالجواري ... رفعا وجرّا أجره كساري
يعني أن ما كان من الجمع المعتل اللام مثل جوار في كونه على ما ذكر من حذف الحركة يجري مجرى سار في لحاق التنوين بآخره في حالة الرفع والجر فتقول هذه جوار ومررت بجوار، وسكت عن حالة النصب ففهم أنه على الأصل كالصحيح فتقول رأيت جواري.
وعشر نعت لليال، قالوا وأراد بالليالي العشر عشر ذي الحجة وجاءت منكرة لفضيلتها على غيرها من ليالي السنة وقيل هي العشر الأواخر من رمضان وقيل العشر الأول من المحرم (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) منسوق على الفجر وليال وكذلك الوتر والليل وإذا ظرف متعلق بفعل القسم المحذوف أو بفعل قسم مقدر وعلى ذلك جرى أبو البقاء، أي أقسم
стр. 5626
بالليل وقت سراه، ويسري فعل مضارع مأخوذ من السرى وهو خاص بسير الليل وقد تقدم وقال في المصباح: «سريت الليل وسريت به سرى والاسم السراية إذا قطعته بالسير وأسريت بالألف لغة حجازية ويستعملان متعديين بالباء إلى مفعول فيقال سريت بزيد وأسريت به والسرية بضم السين وفتحها أخصّ يقال سرينا سرية من الليل وسرية والجمع السّرى مثل مدية ومدى، قال أبو زيد ويكون السرى أول الليل وأوسطه وآخره وقد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيها لها بالأجسام مجازا واتساعا قال الله تعالى: والليل إذا يسر والمعنى إذا يمضي، وقال البغوي: إذا سار وذهب وقال الفارابي: سرى فيه السم والخمر ونحوهما وقال السرقسطي: سرى عرق السوء في الإنسان وزاد ابن القطاع على ذلك، وسرى عليه الهمّ آتاه ليلا وسرى همّه: ذهب، وإسناد الفعل إلى المعاني كثير في كلامهم نحو: طاف الخيال وذهب الهم وأخذه الكسل والنشاط وقول الفقهاء سرى الجرح إلى النفس معناه دام ألمه حتى حدث منه الموت وقطع كفّه فسرى إلى ساعده أي تعدّى أثر الجرح وسرى التحريم وسرى العتق بمعنى التعدية وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم» هذا وقد حذف بعض القرّاء ياء يسر وقفا وأثبتوها وصلا وأثبتها بعضهم في الحالين وحذفها بعضهم في الحالين لسقوطها في خط المصحف الكريم وموافقة رؤوس الآي، وعبارة ابن خالويه: «وكان الأصل يسري فخزلوا الياء لأن تشبه رؤوس الآي التي قبلها فمن القراء من يثبت الياء على الأصل ومنهم من يحذفها اتباعا للمصحف» (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) معنى الاستفهام هنا التفخيم والتعظيم للأمور المقسم بها وفي ذلك خبر مقدم وقسم مبتدأ مؤخر ولذي حجر نعت وعلى ذلك تكون هل وما في حيّزها جواب القسم وقيل هي للتقرير كقولك ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت والجواب على هذا محذوف
стр. 5627
مضمر وتقديره لنجازينّ كل أحد بما عمل وقدّره الزمخشري لتعذبنّ وقيل الجواب مذكور وهو إن ربك لبالمرصاد، وعبارة السمين: «وقال مقاتل هل هنا في موضع إن تقديره إن في ذلك قسما لذي حجر فهل على هذا في موضع جواب القسم، وهذا قول باطل لأنه لا يصلح أن يكون مقسما عليه على تقدير تسليم أن التركيب هكذا وإنما ذكرته للتنبيه على سقوطه» (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ) الهمزة للاستفهام التقريري أي قد رأيت لأن المراد بالرؤية هنا رؤية القلب وهي العلم، عبّر عنه بالرؤية لكونه علما ضروريا مساويا في الجلاء والبيان للمشاهدة والعيان، ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وكيف اسم استفهام في موضع نصب بفعل على أنه مصدر واختاره الزمخشري وابن هشام في المغني والمعنى أي فعل فعل ربك وأعربه ابن خالويه حالا قال «كيف استفهام عن الحال» ولكنه ممتنع لأنه إذا أعرب حالا يكون من الفاعل ووصفه تعالى بالكيفية مستحيل وغير جائز والجملة المعلقة بكيف الاستفهامية سدّت مسدّ مفعولي تر. وفعل ربك فعل ماض وفاعل وبعاد متعلقان بفعل وإرم بدل أو عطف بيان من عاد ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث وهذا الابدال إيذان بأنهم عاد الأولى القديمة وقيل إرم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، وعبارة أبي البقاء: «إرم لا ينصرف للتعريف والتأنيث قيل هو اسم قبيلة فعلى هذا يكون التقدير إرم صاحب ذات العماد لأن ذات العماد مدينة وقيل ذات العماد وصف كما تقول القبيلة ذات الملك وقيل إرم مدينة فعلى هذا يكون التقدير بعاد صاحب إرم ويقرأ بعاد إرم بالإضافة فلا يحتاج إلى تقدير ويقرأ إرم ذات العماد بالجر على
الإضافة» وذات العماد نعت لإرم أي الطول، قال الزمخشري: «وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة ومنه
стр. 5628
قوله رجل معمد وعمّدان إذا كان طويلا وقيل ذات البناء الرفيع وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطين» وسيأتي تلخيص لقصتها الرائعة في باب الفوائد والتي صفة ثانية لإرم وجملة لم يخلق صلة التي ومثلها نائب فاعل يخلق وفي البلاد متعلقان بيخلق وقرىء يخلق بالبناء للمعلوم فتكون مثلها مفعولا به (وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ) الواو عاطفة وثمود عطف على عاد والذين نعت لثمود وجملة جابوا صلة الذين والصخر مفعول به وبالوادي متعلقان بجابوا والباء للظرفية فهي بمعنى في وحذفت الياء لأنها من ياءات الزوائد (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ) عطف على عاد وذي الأوتاد نعت لفرعون كان يدق للمعذب أربعة أوتاد ويشدّه بها مسطوحا على الأرض ثم يعذبه بما يريد من ضرب وإحراق وغيرهما، وفي المصباح: «الوتد بكسر التاء في لغة الحجاز وهي الفصحى وجمعه أوتاد وفتح التاء لغة وأهل نجد يسكنون التاء فيدغمون بعد القلب فيبقى ود ووتد الوتد أتده وتدا من باب وعد أثبته بحائط أو بالأرض وأوتدته بالألف لغة» (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ) الذين إما مجرور على أنه صفة للمذكورين أو منصوب على الذم، قال الزمخشري: «أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم ويجوز أن يكون مرفوعا على هم الذين طغوا أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون» وجملة طغوا صلة الذين وفي البلاد متعلقان بطغوا (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ) الفاء عاطفة وصبّ فعل ماض مبني على الفتح وعليهم متعلقان بصبّ وربك فاعل وسوط عذاب مفعول به، وسيأتي معنى هذا التعبير في باب البلاغة (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل لما قبلها وإن واسمها واللام المزحلقة وبالمرصاد متعلقان بمحذوف خبر إن وسيأتي معناها أيضا في باب البلاغة.
стр. 5629
البلاغة:
١- في قوله «فصبّ عليهم ربك سوط عذاب» استعارة مكنية، فقد استعمل الصب وهو خاص بالماء لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب قال:
فصبّ عليهم محصرات كأنها ... شآبيب ليست من سحاب ولا قطر
وقال آخر في وصف الخيل:
صببنا عليهم ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
واستعار السوط للعذاب لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره، وعبارة الزمخشري جميلة في بابها قال: «يقال صبّ عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحلّه بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّ لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به» والسوط كما في القاموس هو الخلط أو أن تخلط شيئين في إنائك ثم تضربهما بيدك حتى يختلطا كالتسويط والمقرعة لأنها تخلط اللحم بالدم والجمع سياط وأسواط وقال الفراء: «هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به فجرى لكل عذاب إذا كان في غاية العذاب» .
٢- وفي قوله «إن ربك لبالمرصاد» استعارة تمثيلية، شبّه كونه
стр. 5630
تعالى حافظا لأعمال العباد مراقبا عليها ومجازيا على ما دقّ وجلّ منها بحيث لا ينجو منه بحال من قعد على الطريق مترصدا لمن يسلكها ليأخذه فيوقع به ما يريد ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر.
الفوائد:
خضعت القصة القرآنية في موضوعها وطريقة عرضها وإرادة حوادثها وتسلسل مشاهدها لمقتضيات الأغراض الدينية، وظهرت آثار هذا الخضوع في سمات متعددة، ولكن هذا الخضوع الكامل للأغراض الدينية ووفاءها بهذا الغرض تمام الوفاء لم يمنعا بروز الخصائص الفنية في عرضها ولا سيما في التصوير وهو أبرز خصائص القرآن، وقد كنّا نودّ لو نقلنا لك قصة ذات العماد كما نقلها الرواة والمفسرون ولكن الأمر يطول فحسبنا أن ننقل لك خلاصتها لتلمح على ضوء تلك الخلاصة خصائصها الفنية ثم نحيلك على المطوّلات فقد رووا أنه كان لعاد ابنان وهما شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد فخلص الأمر لشداد وملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: سأبني مثلها فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة أضفى عليها الخيال تهاويل من الوصف الرائع فقصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطّردة، ولما تمّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا، وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقصّ
стр. 5631
عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن أبي قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل. وعلى كل حال ليس لهذه أصل ديني تستند إليه، وقد أدخلت خرافات مختلفة ونسجت أقاصيص منحولة وأساطير مفتعلة في تفسير كتاب الله سبحانه.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٥ الى ٣٠]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩)
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤)
فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩)
وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)
стр. 5632
اللغة:
(التُّراثَ) الميراث والتاء بدل من الواو لأنه من الوراثة كما قالوا في تجاه وتخمة وتكأة.
(لَمًّا) جمعا وفي المختار: «أكلا لما فعله من باب رد يقال: لم الله شعثه أي أصلح وجمع ما تفرق من أمره» وقال أبو عبيدة: لممت ما على الخوان إذا أكلت جميع ما عليه بأسره وقال الحطيئة:
إذا كان لما يتبع الذّم ربه ... فلا قدّس الرحمن تلك الطواحنا
ومنه لممت الشعث، قال النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أيّ الرجال المهذب
(وَثاقَهُ) في المصباح: «وثق الشيء بالضم وثاقه قوي وثبت فهو وثيق ثابت وأوثقته جعلته وثيقا والوثاق بفتح الواو وكسرها القيد والحبل ونحوه والجمع وثق مثل رباط وربط» .
الإعراب:
(فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) الفاء استئنافية ومفهوم كلام الزمخشري أنها عاطفة قال: «فإن قلت بم اتصل قوله فأما الإنسان؟ قلت بقوله: إن ربك بالمرصاد كأنه قيل إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعي للعاقبة وهو مرصد بالعقوبة للعاصي فأما الإنسان فلا يريد ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها» وفي كلامه نفحة اعتزالية واضحة. وأما حرف شرط وتفصيل والإنسان مبتدأ وإذا ظرف متعلق بيقول وما زائدة وجملة ابتلاه في محل
стр. 5633
جر بإضافة الظرف إليها وربه فاعل، فأكرمه عطف على ابتلاه ونعمه عطف أيضا والفاء رابطة لما في أما من معنى الشرط وجملة يقول خبر الإنسان ولا يمتنع تعلق الظرف بيقول الواقعة خبرا لأن الظرف في نيّة التأخير والتقدير فأما الإنسان فقائل ربي أكرمني وقت الابتلاء وربي مبتدأ وجملة أكرمني خبر وحذفوا الياء من أكرمن اختصارا (وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ) عظف على الجملة السابقة وإعرابها كإعرابها (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) كلا حرف ردع وزجر للإنسان عن قوله وبل حرف إضراب من قبيح إلى أقبح للترقي في ذمّهم، ولا نافية وتكرمون اليتيم فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به ولا تحاضّون عطف على لا تكرمون وعلى طعام المسكين متعلقان بتحاضّون (وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا) عطف أيضا والتراث مفعول تأكلون وأكلا مفعول مطلق ولما صفة، وتحبون المال حبّا جمّا عطف أيضا مماثل للجملة السابقة في الإعراب (كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) كلا حرف ردع وزجر لهم عن ذلك كله وإذا ظرف متعلق بيتذكر وجملة دكّت في محل جر بإضافة الظرف إليها والأرض نائب فاعل ودكّا دكّا مصدران في موضع الحال على رأي أبي حيان والزمخشري وليس الثاني تأكيدا بل التكرار للدلالة على الاستيعاب كقرأت النحو بابا بابا، وأعرب ابن خالويه دكّا الأول مصدرا والثاني تأكيدا وليس بعيدا (وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) عطف على ما تقدم وجاء ربك فعل وفاعل والملك عطف على ربك وصفّا صفّا حال أي مصطفين أو ذوي صفوف وهو المسوغ لمجيء الحال جامدا هو الترتيب وضابطه أن يأتي التفصيل بعد ذكر المجموع بجزأيه مكررا، قال الرضي: وفي نصب الجزء الثاني خلاف ذهب الزجّاج إلى أنه توكيد وذهب ابن جنّي إلى أنه صفة وذهب الفارسي إلى أنه منصوب بالأول لأنه لما وقع موقع الحال جاز أن يعمل قال المرادي والمختار أنه
стр. 5634
وما قبله منصوبان بالعامل الأول لأن مجموعهما هو الحال ونظيره في الخبر هذا حلو حامض ولو ذهب ذاهب إلى أن نصبه بالعطف على تقدير حذف الفاء والمعنى بابا فبابا وصفّا فصفّا لكان مذهبا حسنا، ونص أبو الحسن على أنه لا يجوز أن يدخل حرف العطف في شيء من المكررات إلا الفاء وخاصة (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) الواو عاطفة وجيء فعل ماض مبني للمجهول ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله متعلق بجيء وبجهنم في موضع رفع نائب فاعل ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله وهو بدل من إذا وجملة يتذكر الإنسان لا محل لها لأنها جواب إذا والواو حالية وأنى اسم استفهام معناه النفي في محل نصب ظرف مكان وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وله متعلقان بما تعلق به الظرف والذكرى مبتدأ مؤخر ولا بدّ من تقدير حذف المضاف أي ومن أين له منفعة الذكرى وإلا فبين يتذكر وأنى له الذكرى تناف وتناقض (يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي) الجملة بدل اشتمال من جملة يتذكر أو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ منه كأنه قيل ماذا يقول عند تذكره فقيل يقول، ويا حرف تنبيه أو المنادى محذوف وليتني ليت واسمها وجملة قدمت خبرها ولحياتي متعلقان بقدمت وجملة النداء مقول القول (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ) الفاء عاطفة ويومئذ ظرف متعلق بيعذب والتنوين عوض عن جملة تفيد ما تقدم من هول الموقف ولا نافية ويعذب فعل مضارع مبني للمعلوم وعذابه مفعول مطلق والضمير في عذابه يعود إلى الله
، والعجب من ابن خالويه فقد أعربها مفعولا به ولا أدري ما هي وجهة نظره، وأحد فاعل يعذب وقرىء يعذب بالبناء للمجهول فيكون أحد نائب فاعل والضمير في عذابه يعود على الكافر وعبارة القرطبي بهذا الصدد هي: «فيومئذ لا يعذب عذابه أحد» أي لا يعذب كعذاب الله أحد ولا يوثق لوثاقه أحد والكناية ترجع إلى الله تعالى وهو قول ابن عباس والحسن وقرأ الكسائي
стр. 5635
لا يعذب ولا يوثق بفتح الذال والتاء أي لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ ولا يوثق كما يوثق الكافر. وقوله ولا يوثق إلخ عطف على الجملة السابقة ويقال في إعرابها ما قيل في الأولى وقد أورد ابن خالويه بحثا طريفا ننقله فيما يلي: «ولا يوثق نسق على يعذب والمصدر أوثق يوثق إيثاقا فهو موثق فإن قال قائل: هل يجوز همز يوثق كما همز يؤمن فقل ذلك غير جائز لأن أوثق فاء الفعل منه مثل أوفض يوفض وأسرع يسرع وأورى يوري وأوقد يوقد كل ذلك غير مهموز قال الله : إلى نصب يوفضون والنار التي تورون وإنما يهمز من هذا ما كانت فاء الفعل منه همزة نحو آمن يؤمن لأن الأصل أأمن فاستثقلوا همزتين في أول كلمة فلينت الثانية فاعرف ذلك وإن كانت فاء الفعل ياء مثل أيسر وأيقن وأيفع الغلام انقلبت الياء واوا في المضارع لانضمام ما قبلها وسكونها ولم يجز أيضا همزها نحو يوقنون ويوفع الغلام ويوسر، وحدّثني أبو الحسن المقرئ قال: روى أبو خليفة البصري عن المازني عن الأخفش قال سمعت أباحية النميري يقول: يؤقنون مهموزة وأبو حيّة الذي يقول:
إذا مضغت بعد امتناع من الضحى ... أنابيب من عود الأراك المخلّق
سقت شعب المسواك ماء غمامة ... فضيضا بجادي العراق المروّق
غير أن من العرب من يهمز ما لا يهمز تشبيها بما يهمز كقولهم حلأت السويق ورثأت الميت، وحدّثني أحمد عن علي عن أبي عبيدة قال: قرأ الحسن ولا أدرأكم به مهموزا وهو غلط عند أهل النحو لأنه من دريت» (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً) الجملة في موضع نصب بقول محذوف أي يقول الله للمؤمن، ويا حرف نداء وأية منادى نكرة مقصودة مبني على الضم وقد مرّت نظائره كثيرا والهاء للتنبيه والنفس بدل والمطمئنة نعت للنفس وارجعي فعل أمر مبني
стр. 5636
على حذف النون والياء فاعل وإلى ربك متعلقان بارجعي وراضية مرضية حالان (فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي) نسق على ارجعي وفي عبادي متعلقان بادخلي وادخلي في جنتي عطف أيضا أي انتظمي في سلكهم وادخلي جنتي معهم.
البلاغة:
في قوله «وجاء ربك والملك صفّا صفّا» فن الإفراط في الصفة كما سمّاه ابن المعتز، وسمّاه قدامة المبالغة، وسمّاه غيرهما التبليغ، والمشهورة تسمية قدامة وعرّفه بقوله: هو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف عندها حتى يزيد في كلامه ما يكون أبلغ في معنى قصده، وهي على ضروب شتى ومنها إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة والإخبار عنه مجاز كقول من رأى موكبا عظيما أو جيشا خضما جاء الملك نفسه وهو يعلم أن ما جاء جيشه فقد جعل في الآية مجيء جلائل آياته مجيئا له سبحانه.
الفوائد:
١- أيها وأيتها: قرأ الجمهور «يا أيتها النفس» بتاء التأنيث وقرأ زيد بن علي يا أيها بغير تاء ولا نعلم أحدا ذكر أنها تذكّر وإن كان المنادى مؤنثا إلا صاحب البديع، وهذه الآية شاهدة بذلك، ولذلك وجه من القياس وذلك أنه لم يثن ولم يجمع في نداء المثنى والمجموع فكذلك لم يذكّر في نداء المؤنث، وأي وأية مبنيان على الضم لكون كلّ منهما منادى مفردا وهاء التنبيه فيهما زائدة لازمة للفظ أي وأية عوضا عن المضاف إليه مفتوحة الهاء.
стр. 5637
٢- كيف يتعدى «دخل» : إذا كان المدخول فيه غير ظرف حقيقي تعدّت إليه «دخل» بفي نحو دخلت في الأمر ودخلت في غمار الناس ومنه فادخلي في عبادي أي في جملة عبادي الصالحين وإذا كان المدخول فيه ظرفا حقيقيا تعدّت إليه في الغالب بغير وساطة «في» ومنه: وادخلي جنتي، وعلى كل حال تعرب جنتي مفعولا به على السعة لأنه في الأصل لا يتعدى بنفسه كما تقدم.
стр. 5638
(٩٠) سورة البلد مكيّة وآياتها عشرون
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١ الى ٢٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤)
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩)
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)
стр. 5639
اللغة:
(الْبَلَدِ) في القاموس: «البلد والبلدة مكة شرّفها الله تعالى وكل قطعة من الأرض مستحيزة عامرة أو غامرة والتراب، والبلد القبر والمقبرة والدار والأثر وأدحي النعام» إلى أن يقول: وبلد بالمكان بلودا أقام ولزمه أو اتخذه بلدا» .
(حِلٌّ) يقال: حلّ وحلال وحرم وحرام بمعنى واحد، وحلّ في المكان إذا نزل فيه يحل بضم الحاء حلولا فهو حال والمكان محلول فيه، وسيأتي المزيد من معناه في باب الإعراب.
(كَبَدٍ) نصب ومشقة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وفي المصباح: «والكبد بفتحتين المشقة من المكابدة للشيء وهو تحمّل المشاق في فعله» وعبارة الزمخشري: «وأصله من كبد الرجل كبد من باب طرب فهو أكبد إذا وجعته كبده وانتفخت فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقّة ومنه اشتقت المكابدة كما قيل كبته الله بمعنى أهلكه وأصله كبده أي أصاب كبده قال لبيد يرثي أخاه رابد:
يا عين هلّا بكيت اربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد
أي في شدّة الأمر وصعوبة الخطب» هذا ومن غريب أمر الكاف والباء أنهما إذا وقعتا فاء وعينا للكلمة دلّتا على الشدّة والمعاناة والقهر، يقال كببته في الهوّة وكبكبته وكببته وكذلك إذا رمى به من رأس جبل أو حائط والفارس يكبّ الوحوش وهم يكبون العشار قال:
يكبّون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تسكت المائة الوليدا
ومن المجاز أكبّ على عمله وهو مكب عليه لازم له لا يفارقه قال لبيد:
стр. 5640
جنوح الهالكيّ على يديه ... مكبّا يجتلي نقب النصال
وكبت الله عدوّك كبه وأهلكه وتقول: لا زال خصمك مكبوتا وعدوّك مكبوتا. وكبح فرسه جذب عنانه حتى يصير منتصب الرأس ولهذا قيل أيضا: «في كبد أي منتصبا ولم يجعله يمشي على أربع فيتناول الشيء بفيه ولا على بطنه لأن الله ﵎ كرّم بني آدم بأشياء هذه إحداها» وقال أعرابي آخر: ما للصقر يحبّ الأرنب ما لا يحب الخرب؟ قال لأنه يكبح سبلته ويردّه أي يصيب سبلته بذرقه فيلثقه. وكبر الأمر وخطب كبير وكبر علي ذلك إذا شق عليك «كبر على المشركين ما تدعوهم إليه» وكبر الرجل في قدر وكبر في سنّه وشيخ كبير وذو كبر وكبر، وعلة الكبرة والمكبرة: علو السن وما تقتضيه من معاناة وجهد قال:
عجوز عليها كبرة في ملاحة ... أقاتلتي يا للرجال عجوز
وكبس الحفرة طمها وكبس رأسه في جيب قميصه أدخله فيه وهو عابس كابس ووقع عليه الكابوس. وانتطحت الكباش وهو كبش كتيبة وهم كباش الكتائب قال:
وإنّا لمما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان من الفم
وفلان مكلّب مكبل مأسور بالكلب وهو القدّ مقيّد بالكبل وهو القيد وكبلت الأسير وكبّلته واكتبلته وفي ساقيه كبل وكبول قال جرير:
ومكتبلا في القدّ ليس بنازع ... له من مراس القدّ رجلا ولا يدا
وكبا لوجهه وتقول: الحدّ ينبو والجدّ يكبو، إلى آخر هذه المادة العجيبة في لغتنا الحبيبة.
(لُبَداً) كثيرا تكدس بعضه على بعض ولا يخاف فناؤه من كثرته
следующие страницы →