← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

وهو الضلال من ضلّ في طريقه إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معا. ٣- وفي قوله «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم فقد لزمت الهاء قبل الراء، وفي هاتين الفاصلتين مع الالتزام تنكيت عجيب فإنه يقال: هل يجوز التبديل في القرينتين فتأتي كل واحدة مكان أختها؟ فيقال لا يجوز ذلك لأن النكتة في ترجيح مجيئهما على ما جاءتا عليه أن اليتيم مأمور بأدبه وأقل ما يؤدب به الانتهار فلا يجوز أن ينهى عن انتهاره وإنما الذي ينهى عنه قهره وغلبته لانكساره باليتم وعدم ناصره فمن هاهنا ترجح مجيء كل قرينة على ما جاءت عليه ولم يجز التبديل. وأدرجه بعضهم في باب التخيير من فنون البلاغة وقد تقدمت الإشارة إليه. ٤- وفي قوله «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فن الحذف، فقد حذف مفعول يعطيك الثاني تهويلا لأمره واستعظاما لشأنه، وإن هذه المعطيات أجلّ من أن تذكر، وأكبر من أن تدرج أي الشيء الكثير من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك ومن ظهور دينك وعلو كلمتك وإسعاد قومك بما تشرع لهم وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.

стр. 5672

(٩٤) سورة الشّرح مكيّة وآياتها ثمان [سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) اللغة: (وِزْرَكَ) الوزر الذنب أو الحمل الثقيل وقد تقدم شرح هذه المادة. (أَنْقَضَ) أثقل، وفي المختار: «وأصل الإنقاض صوت مثل النقر» وقال أبو حيان: «وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريرا من شدّة الحمل وسمعت نقيض المرجل أي صريره، قال عباس بن مرداس: وانقض ظهري ما تطويت منهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا وقال جميل:

стр. 5673

وحتى تداعت بالنقيض حباله ... وهمت بوأي زورة أن تحطما» والنقيض صوت الانقضاض والانفكاك. وعبارة ابن خالويه: «والمصدر أنقض ينقض إنقاضا فهو منقض ومعناه أثقل ظهرك، والعرب تقول: أنقضت الفراريج إذا صوّتت، قال ذو الرمة: كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج والنّقض الجمل المهزول وجمعه أنقاض» . والميس شجر تتخذ منه الرحال والمراد به هنا الرحال، وقد فصل ذو الرمة بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور. (فَانْصَبْ) فاتعب في الدعاء وفي المختار «ونصب تعب وبابه طرب» وفيه أيضا «فرغ من الشغل من باب دخل وفراغا أيضا» وفيه أيضا: «رغب فيه أراده وبابه طرب ورغبة أيضا وارتغب فيه مثله ورغب عنه لم يرده ويقال: رغبه فيه ترغيبا وأرغبه فيه أيضا» . الإعراب: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الهمزة للاستفهام التقريري أي شرحنا ولذلك عطف عليه الماضي قال الراغب: «أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه» ونشرح فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بشرح وصدرك مفعول به، قال ابن خالويه: «وهذه السورة أيضا مما عدّد الله تعالى نعمه على نبيّه ﷺ وذكره إياها فلما

стр. 5674

أنزل الله ﵎: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام» قال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله أو يشرح الصدر؟ قال: نعم بنور يدخله الله فيه قال: وما أمارة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار القرار والاستعداد للموت قبل الفوت» وجاء في الحديث: «اذكروا الموت فإنكم لا تكونون في كثير إلا قلة ولا في قليل إلا كثرة» والمصدر شرح يشرح شرحا فهو شارح والمفعول به مشروح ويقال «شرح الرجل الجارية إذا افتضّها» ولك متعلقان بنشرح وصدرك مفعول به ووضعنا معطوف على ألم نشرح وعنك متعلقان بوضعنا ووزرك مفعول به والذي نعت للوزر وجملة أنقض لا محل لها لأنها صلة الذي وظهرك مفعول به، قال ابن خالويه: «يقال الظهر والمطا والجوز والمتن والمتنة والقرا كله الظهر قال عقبة بن سابق: ومتنتان خظاتان ... كزحلوق من الهضب ويقال للحم المتن الذّنوب ويقال لأسفل الظهر القطاة ويقال: إن فلانا من حمقه ورطاته، لا يعرف لطاته من قطاته، اللطاة الجبهة والقطاة أسفل الظهر» (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) عطف على ما تقدم ولك متعلقان برفعنا وذكرك مفعول به، وفي تقديم الجار والمجرور هنا وفيما تقدم على المفعول به الصريح مع أن حقه التأخر عنه لتعجيل المسرّة والتشويق، وعبارة ابن خالويه جميلة حيث يقول: «وكان مشركو العرب يقولون: إن محمدا صنبور أي فرد لا ولد له فإذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى: إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الأبتر الذي لا ولد له ولا ذكر فأما أنت يا محمد فذكرك مقرون بذكري إلى يوم القيامة إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن محمدا رسول الله» (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الفاء عاطفة على كلام محذوف لا بدّ من تقديره والتقدير خوّلناك ما خوّلناك فلا يخامرك اليأس فإن مع العسر

стр. 5675

يسرا، وإن حرف مشبه بالفعل ومع العسر ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم ويسرا اسمها المؤخر وقرن اليسر مع العسر زيادة في التسلية وتقوية القلب، وإن مع العسر يسرا جملة مستأنفة لتقرير أن العسر متبوع بيسر والألف واللام في العسر لتعريف الجنس وفي الثاني للعهد ولذلك روي عن ابن عباس وابن مسعود ﵄: «لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم ثم أعادته مع الألف واللام كان هو الأول نحو جاء رجل فأكرمت الرجل وكقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ولو أعدته بغير ألف ولام كان غير الأول فقوله إن مع العسر يسرا لما أعاد العسر الثاني أعاده بالألف واللام ولما كان اليسر الثاني غير الأول لم يعدو بالألف واللام. وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود ﵄ لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا أنه خرج ﷺ ذات يوم وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين؟ قلت هذا حمل على الظاهر وبناء على قوة الرجاء وإن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله ويل يومئذ للمكذبين لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب وكما يكرر المفرد في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو لأن حكمه حكم زيد في قولك إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا وأما اليسر فنكرة متناولة بعض الجنس وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير إشكال فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من

стр. 5676

الفتوح في أيام رسول الله ﷺ وما تيسر لهم في أيام الخلفاء وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة كقوله تعالى: قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب فإن قلت ما معنى هذا التنكير؟ قلت التفخيم كأنه قيل: إن مع العسر يسرا عظيما» . وقال أبو البقاء: «العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرير الأول وأما يسرا في الموضعين فاثنان لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها أو بالألف واللام ومن هنا قيل لن يغلب عسر يسرين» . وعبارة ابن خالويه: «قال ابن عباس: لا يغلب عسر يسرين تفسير ذلك أن في ألم نشرح عسرا واحدا ويسرين وإن كان مكررا في اللفظ لأن العسر الثاني هو العسر الأول واليسر الثاني غير الأول لأنه نكرة والنكرة إذا أعيدت أعيدت بألف ولام كقولك جاءني رجل فأكرمت الرجل فلما ذكر اليسر مرتين ولم يدخل في الثاني ألفا ولاما علم أن الثاني غير الأول» . وقال ابن هشام في كتابه الممتع مغني اللبيب في الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها «الرابع عشر قولهم إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأولى، وحملوا على ذلك ما روي: لن يغلب عسر يسرين، قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا فيكون الثاني غير الأول ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي: صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان عسى الأيام أن يرجعن ... قوما كالذي كانوا ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها أن الظاهر في آية ألم نشرح أن الجملة الثانية تكرار للأولى كما تقول: إن لزيد دارا إن لزيد دارا

стр. 5677

وعلى هذا فالثانية عين الأولى والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة فدل على ما ادّعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين، والثالث: أن في التنزيل آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف. الآية، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، والله إله واحد سبحانه وعلى الثاني قوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير، فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز ومثله زدناهم عذابا فوق العذاب، والشيء لا يكون فوق نفسه.... وعلى الرابع: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم مائدة من السماء وقوله: «إذا الناس ناس والزمان زمان» فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الإخبار عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: «أنا أبو النجم وشعري شعري» أي وشعري لم يتغير عن حالته، فإن ادعي أن القاعدة فيهنّ إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل» ثم أورد ابن هشام كلمة الزمخشري المذكورة آنفا. وقال التفتازاني في التلويح: «واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرينة وإلا فقد تعاد النكرة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا، وشيبة يعني قوة الشباب ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك، ثم قال أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين

стр. 5678

من قبلنا وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: إنما إلهكم إله واحد ومثله في الكلام كثير كقولهم العلم علم كذا ودخلت الدار فرأيت دار كذا وكذا ومنه بيت الحماسي» . وبعد أن أوردنا أقوال الأئمة في هذه المسألة نلخصها لك تلخيصا مفيدا فنقول: ١- إن الاسم إذا كرر مرتين فإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول. ٢- أو معرفتين أو الثاني فقط فهو عينه. ٣- أو الأول معرفة والثاني نكرة ففيه قولان: فالأول والثاني كالعسر واليسر في قوله تعالى «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» والثالث نحو فيها «مصباح المصباح» والرابع كقوله: صفحنا عن بني ذهل «البيتين» . وهذه القاعدة أغلبية كما دلّت عليه كلمات الأئمة الواردة آنفا. على أن ابن السبكي جلا هذا الإشكال بعبارة وقعت علينا وقوع الظمآن على القطر وهذا نصها: «الظاهر أن هذه القاعدة غير محررة لانتقاضها بأمثلة كثيرة منها في المعرفتين: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» فإن الأول العمل والثاني الثواب وفي تعريف الثاني وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني» فإن المراد بالثاني عموم الظن دون الأول وفي النكرتين «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» فإن الثاني هو الأول» . وبعد أن كتبنا ما تقدم وكدنا نقنع بحل ابن السبكي عنّ لنا تعليق على هذه الاعتراضات وهو: الظاهر أن هذه الآيات لا تخرج عن القاعدة عند التأمّل بها فإن اللام في الإحسان فيما يبدو للجنس لا للعهد كما قال ابن السبكي وحينئذ يكون في المعنى كالنكرة بخلاف آية العسر فإن أل فيها إما لمعهود ذهني وهو ما حصل له ﷺ وللمسلمين من الشدة من الكفار أو للاستغراق كما يفيده الحديث وقد تقدم ذلك وكذا آية الظن لا نسلم فيها بأن الثاني غير الأول بل هو عين الأول قطعا إذ ليس كل ظن مذموما كيف وأحكام الشريعة ظنية وكذا آية الصلح لا مانع من أن يكون المراد بها الصلح المذكور وهو الذي بين الزوجين واستحسان الصلح في جميع الأمور

стр. 5679

لا يكون مأخوذا من السنّة أو من الآية بطريق القياس بل لا يجوز القول بعموم الآية وإن كل صلح خير لأن ما أحلّ حراما من الصلح أو حرّم حلالا فهو ممنوع وكذا آية القتال ليس الثاني فيها عين الأول بلا شك لأن المراد بالقتال المسئول عنه هو القتال الذي وقع في سرية ابن الحضرمي سنة اثنتين من الهجرة لأنه سبب نزول الآية والمراد بالثاني جنس القتال لا ذاك القتال بعينه فتأمل هذا وخرج ما أشكل عليك. فإن قلت: فما تصنع بآية «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ألا تراك قد أغفلت الكلام عليها؟ قلت: قال ابن السبكي نفسه: إن قوله إله في الآية بمعنى معبود والاسم المشتق إنما يقصد به ما تضمنه من الصفة فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرا وضارب بكرا لا يتخيل أن الثاني هو الأول وإن أخبر بهما عن ذات واحدة فإن المذكور بالحقيقة إنما هو الضربان لا الضاربان ولا شك في أن الضربين مختلفان، ونستنتج من هنا أن النكرتين في الآية لم يقصد منهما سوى الصفة وهي العبادة ولا شك في أن العبادتين متغايرتان فالنكرة الثانية غير الأولى باعتبار المقصود وإن وقعتا على ذات واحدة فلم تخرج الآية أيضا عن القاعدة (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الفاء عاطفة على مقدّر يستحقه المقام ولك أن تجعلها استئنافية كأنها جواب لسؤال نشأ وهو ماذا بعد الشكر والعبادة والاجتهاد فيهما فقال فإذا فرغت أي من الصلاة وغيرها من أنواع العبادات وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ولكن هذا يتعارض مع كون السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير ابن عباس الذاهب إلى أن السورة مدنيّة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة فرغت في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة وانصب فعل أمر وفاعل مستتر والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم

стр. 5680

وإلى ربك متعلقان بارغب ولا تمنع الفاء من ذلك وارغب فعل أمر والجملة عطف على ما قبلها. البلاغة: في قوله تعالى: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» استعارة تمثيلية المراد منها عصمته ﷺ من الوزر حيث لا وزر، فشبّه حاله وهو ينوء تحت ما يتخيله وزرا وليس بوزر بحال من آداه الحمل الثقيل وبرح به الجهد والحر اللافح فهو يمشي مجهودا مكدورا يكاد يسقط من ثقل ما ينوء بحمله فوضع الوزر كناية عن عصمته وتطهيره ﷺ من دنس الأوزار، ونقول في إجراء هذه الاستعارة شبّه حاله بحال من آده الحمل وكلله العرق وبرح به الجهد حتى إذا انحطّ عنه الحمل تنفس الصعداء وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه ويربو أن ينحطّ عن كاهله ثم استعير التركيب الدال على حال المشبّه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.

стр. 5681

(٩٥) سورة التّين مكيّة وآياتها ثمان [سورة التين (٩٥) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) الإعراب: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) الواو حرف قسم وجر والتين مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل القسم المحذوف والزيتون نسق أيضا وطور سينين نسق أيضا وقد تقدم القول فيه ونقول هنا أن الطور وهو الجبل أضيف إلى سينين وهي البقعة المباركة فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ويجوز أن يعرف إعراب جمع المذكر السالم ويجوز أن تلزمه الياء في جميع الأحوال وتحرّك النون بحركات الإعراب ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة

стр. 5682

أو الأرض فهو علم أعجمي ولو جعل اسما للمكان أو المنزل لانصرف لأنك سمّيت به مذكرا وقرأ عمر بن الخطاب وعبيد الله والحسن وطلحة سيناء بالكسر والمد وعمر أيضا وزيد بن علي بفتحها والمدّ وقد ذكر في سورة «المؤمنون» وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية، هذا وقد أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة وفي الكشاف «أنه أهدي إلى رسول الله ﷺ طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيّب الفم ويذهب بالحفرة» وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: «والتين والزيتون دمشق وفلسطين» والخلاف حول ذلك كثير وإن أردت المزيد فارجع إلى المطولات (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نسق على ما قبله والبلد بدل من اسم الإشارة والأمين نعت والمراد به مكة سمّيت أمينا لأن من دخلها كان آمنا قبل الإسلام، أما سمعت قوله تعالى «أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» فأما في الإسلام فمن أصاب حدّا ثم أوى إلى الحرم يقام عليه الحدّ إن كان من أهله وإن لم يكن من أهله لم يشار ولم يبايع وضيّق عليه حتى يخرج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) اللام جواب القسم وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وفي أحسن متعلقان بمحذوف حال من الإنسان وتقويم مضاف إليه، وعبارة الزمخشري في هذا الصدد طريفة جدا وهي من الإنشاء العالي لذلك اقتبسناها: «في أحسن تقويم: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك

стр. 5683

الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل حيث نكسناه في خلقه فتقوّس ظهره بعد اعتداله وابيضّ شعره بعد سواده وتشنّن جلده وكان بضّا وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين وتغير منه كل شيء فمشيه دليف وصوته خفات وقوته ضعف وشهامته خرف» ومن العجيب أن يقول أبو حيان: «وقد أخذ الزمخشري أقوال السلف وحسنها ببلاغته وانتقاء ألفاظه» وبعد أن يورد عبارته بنصها يقول: «وهذا فيه تكثير» (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ورددناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأسفل سافلين حال من المفعول واختار آخرون أن يكون صفة لمكان محذوف أي مكانا أسفل سافلين فهو ظرف مكان ولا أدري لم غاب عن بال المعربين أنه مفعول ثان لرددناه لأن ردّ تنصب مفعولين قال تعالى: «لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّار حسدا» فالكاف والميم مفعول أول وكفّارا مفعول ثان وحسدا مفعول لأجله لا سيما وقد استوفت شرطها في نصب المفعولين وهو أن تكون بمعنى رجع قال: فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ شعورهنّ البيض سودا (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا أداة استثناء والذين في محل نصب على الاستثناء المتصل إذا اعتبرنا المعنى الأول الذي أورده الزمخشري أو على الاستثناء المنقطع إذا اعتبرنا المعنى الثاني وعندئذ تكون إلا بمعنى لكن والذين مبتدأ خبره جملة فلهم أجر، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت لأجر

стр. 5684

أي غير مقطوع (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) الفاء الفصيحة أي إن علمت هذا أيها الإنسان فما يكذبك، وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ وجملة يكذبك خبر، وسيأتي سر هذا الالتفات في باب البلاغة ، وبعد ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى أي بعد هذه العبر والعظات وظهور هذه الدلائل الدالة على وجوب الإيمان ويجوز أن يكون الخطاب للنبي فتكون ما بمعنى من والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول بما جئت به، والهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأحكم الحاكمين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس. البلاغة: في قوله: «فما يكذبك بعد بالدين» التفات من الغيبة إلى الخطاب لما سبق من قوله لقد خلقنا الإنسان والسرّ فيه تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب كأنه قيل له: فأيّ شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.

стр. 5685

(٩٦) سورة العلق مكيّة وآياتها تسع عشرة [سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)

стр. 5686

اللغة: (العلق) : الدم وهو اسم جنس جمعي وأطلق المفسرون عليه الجمع إما تسمحا وهو جمع لغوي وفي المصباح: «والعلق المني فينتقل طورا بعد طور فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة» وعبارة القاموس «العلق محركة الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد القطعة منه بهاء وكل ما علق والطين الذي يعلق باليد والخصومة والمحبة اللازمتان وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك ودويبة في الماء تمتص الدم» إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطوّلة. (لَنَسْفَعاً) السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة وفي المختار: «سفع بناصيته أي أخذ ومنه قوله تعالى: لنسفعا بالناصية وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون البشرة وبابهما قطع» . (الزَّبانِيَةَ) : الملائكة الغلاظ الشداد واحدها زبنية بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه وتخفيف الياء من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسب وأصله زباني بتشديد الواو فالتاء عوض عن الواو وفي المختار «وأحد الزبانية زبان أو زابان قال الأخفش واحدهم زباني وقال بعضهم زابي وقال بعضهم زبنية مثل عفرية» وفي القاموس: «والزبنية كهبرية متمرد الجن والإنس والشديد والشرطي والجمع زبانية أو واحدها زبّني» . الإعراب: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) اقرأ فعل

стр. 5687

أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت وباسم متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل أي مفتتحا، وأعربها ابن خالويه زائدة تابعا في ذلك لأبي عبيدة قال: الباء زائدة والمعنى اقرأ اسم ربك كما قال سبّح اسم ربك وأنشد: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» والمعنى على زيادة الباء أي لا يقرأن السور، وقد تقدم بحث زيادة الباء وعبارة أبي البقاء «قوله تعالى باسم ربك قيل الباء زائدة كقول الشاعر: «سود المحاجر لا يقرأن بالسور» وقيل دخلت لتنبّه على البداية باسمه في كل شيء كما قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم فعلى هذا يجوز أن يكون حالا أي مبتدئا باسم ربك. والذي نعت للرب وهو في محل جر وجملة خلق لا محل لها لأنها صلة الذي والضمير فيه يعود على الذي وخلق الإنسان بدل منه ويجوز أن يكون تأكيدا لفظيا فيكون قد أكد الصلة وحدها والإنسان مفعول به ومن علق متعلقان بخلق (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقرأ فعل أمر تأكيد لاقرأ الأول والواو استئنافية ويجوز أن تكون للحال وربك مبتدأ والأكرم خبره وهذا ما رأيناه وأعربها ابن خالويه نعتا فتكون جملة علّم الإنسان هي الخبر، والأول أولى، والذي خبر ثان وأعربها ابن خالويه نعتا ثانيا ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة علّم صلة وفاعل علم مستتر يعود على الله ومفعولاه محذوفان أي علّم الإنسان الحظ بالقلم وبالقلم متعلقان بعلم والواقع أنها متعلقة بالخط (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) جملة علّم الإنسان تأكيد لعلم الأولى أو بدل أو خبر كما تقدم والإنسان مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة لم يعلم صلة ما والعائد محذوف أي لم يعلمه (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) كلا ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة يطغى خبر إن ولا أدري لم تهرب المعربون من الردع وهو أوضح من كل ما قدّروه وإليه ذهب الزمخشري أما الجلال فإنه تبع الكسائي فجعلها بمعنى حقا قال الكرخي «قوله- أي الجلال-

стр. 5688

حقا هو مذهب الكسائي ومن تبعه لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون كلا ردا له كما قالوا: كلا والقمر فإنهم قالوا معناه إي والقمر ومذهب أبي حيان أنها بمعنى ألا الاستفتاحية وصوّبه ابن هشام لكسر همزة إن بعدها أي لكونه مظنة جملة كما بعد حرف التنبيه نحو ألا إنهم هم المفسدون ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إن بعدها لكونها مظنة مفرد، أما الكواشي فأجاز في كلا أن تكون تنبيها فيقف على ما قبلها وردعا فيقف عليها، أما ابن خالويه فقد لفّق تلفيقا عجيبا مضحكا قال: «كلا يبتدأ به هاهنا لأنه بمعنى نعم حقا وليس ردا» وهذا كلام لا مفهوم له، والحق أن كلا حرف ردع وزجر كما قال سيبويه وقال الزجّاج كلا ردع وتنبيه وذلك قولك كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبّهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه قال الله تعالى بعد قوله: ربي أهانن كلا أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أن حرف مصدري ونصب وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مفعول لأجله ورآه فعل ماض والفاعل هو والهاء مفعول به أول وجملة استغنى مفعول به ثان والهاء تعود على الإنسان ومعناه أن رأى نفسه، وعبارة ابن خالويه جيدة قال: فإن قيل لك: فهل يجوز أن تقول زيد ضربه والهاء لزيد؟ فقل ذلك غير جائز إنما الصواب ضرب زيد نفسه لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية وإنما جاز ذلك في أن رآه لأنه من أفعال الشك والعلم نحو ظننتني فإذا ثنّيت هذا الحرف قلت إن الإنسانين ليطغيان أن رأياهما استغنيا وكلا إن الأناسي ليطغون أن رأوهم استغنوا وتقول للمرأة إذا خاطبتها كلا إنك لتطغين أن رأيتك استغنيت وكلا إنكما لتطغيان أن رأيتما كما استغنيتما وكلا إنكنّ لتطغين أن رأيتنّكنّ استغنيتنّ» (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات وإن حرف مشبه بالفعل وإلى

стр. 5689

ربك خبر إنّ المقدم والرجعى اسمها المؤخر (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى) روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرنّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه فقيل له ما لك؟ قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال النبي ﷺ لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. أرأيت: تقدم القول أنها إذا كانت بمعنى أخبرني كما هنا فإنها تتعدى إلى مفعولين ثانيهما جملة استفهامية وقد تقدم هذا غير مرة وهنا قد ذكرت ثلاث مرات وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى وأما أرأيت الأولى فمفعولها الأول الذي ومفعولها الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثالثة وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من أرأيت الأولى عليه وحذف الثاني لدلالة مفعول أرأيت الثالثة فقد حذف الثاني من أرأيت الأولى والأول من الثالثة والاثنان من الثالثة وليس ذلك من باب التنازع لأن التنازع يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وجملة ينهى صلة لا محل لها وعبدا مفعول ينهى وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن لمجرد الظرفية متعلق بنهي (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى) أرأيت الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل ومعناه أخبرني وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص وهو في محل جزم فعل الشرط وسيأتي الكلام على الجواب واسمها مستتر تقديره هو وعلى الهدى خبره وأو حرف عطف وأمر فعل ماض وفاعله هو عطف على كان على الهدى وبالتقوى

стр. 5690

متعلقان بأمر (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) أرأيت: أخبرني، وإن شرطية وكذب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وتولى عطف على كذب وسيأتي الكلام على الجواب أيضا، والهمزة للاستفهام للتقرير والتعجب ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم والباء حرف جر زائد وأن واسمها وجملة يرى خبرها وأن وما بعدها سدّت مسدّ مفعولي يعلم، أما جواب الشرط الذي في حيز الثانية والثالثة فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية والتقدير إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى وتقديره في الثالثة إن كذب وتولى أفلم يعلم بأن الله يرى أي على تقدير الفاء. ونحا الزمخشري في إعراب هذه الآيات نحوا آخر ننقله لك لننقل بعده ردّ أبي حيان فترى كيف يشتجر الخلاف حول الإعراب وفي ذلك مصقلة للعقل ومجلاة له وملخص إعراب الزمخشري: إن أرأيت الأولى مفعولها الموصول وإن الثانية زائدة مكررة لتوكيد الأولى وإن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيّز الثانية مع جوابه المحذوف الذي يقدّر جملة استفهامية وهي التي صرح بها في حيّز الثالثة وإن مفعول الثالثة الأول محذوف تقديره أرأيته وجملة الشرط الذي بعدها وجوابه وهو جملة الاستفهام المصرّح بها سادّة مسدّ المفعول الثاني، وقال في تقرير هذا الإعراب: «فإن قلت كيف صحّ أن يكون ألم يعلم جوابا للشرط قلت كما صحّ في قولك: إن أكرمتك أتكرمني وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟» . وسخر أبو حيان من هذا الإعراب وقال: «وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه فمن ذلك أنه ادّعى أن جملة الشرط في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله: أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب، أفرأيتم ما تمنون

стр. 5691

أأنتم تخلقونه، وهو كثير في القرآن فتخريج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعل مفعول أرأيت الأولى هو الموصول وجاء بعده أرأيت وهي تطلب مفعولين وأ رأيت الثانية كذلك فمفعول أرأيت الثانية والثالثة محذوف يعود على الذي ينهى فيهما أو على عبدا في الثانية وعلى الذي ينهى في الثالثة على الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب فنقول حذف المفعول الثاني لأرأيت وهو جملة الاستفهام الدّال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته وحذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه وحذفا معا لأرأيت الثانية لدلالة الأولى على مفعولها ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر، وهؤلاء الطوالب ليس على طريق التنازع لأن الجمل لا يصحّ إضمارها فإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع، وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جوابا للشرط بغير فاء فلا أعلم أحدا أجازه بل نصّوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلبا بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورة شعر» أما ابن خالويه فقد كان إعرابه مضحكا للغاية لأنه نسي أو تناسى أن هنالك مفاعيل محذوفة أو جوابا للشرط واكتفى باللفظ الظاهر وما أبعد هذا عن الإعراب لا سيما في مثل هذه الآيات (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) كلا ردع وزجر لأبي جهل واللام موطئة للقسم لأنها داخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى اللام المؤذنة أو الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهّدته له وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ولنسفعا اللام جواب القسم جريا على القاعدة المقررة من اجتماع قسم وشرط ونسفعا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وكتبت بالألف في المصحف على حكم الوقف والفاعل مستتر تقديره

стр. 5692

نحن وبالناصية متعلقان بنسفعا وناصية بدل من الناصية وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت والبصريون لا يشترطون في البدل المطابقة وقرىء بالرفع على تقدير هي وبالنصب على الذم وكاذبة وخاطئة نعتان، وسيأتي معنى وصفها بالكذب والخطأ في باب البلاغة (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) الفاء الفصيحة أي إن استمر في غلوائه وإن أصرّ على المعاندة والمكابرة فليدع، واللام لام الأمر ويدع فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة الجزم حذف الواو والفاعل مستتر تقديره هو، وسيأتي معنى دعوة النادي في باب البلاغة، والسين حرف استقبال وندعو فعل مضارع مرفوع، وقد أسقطت الواو من المصحف في كل واو ساكنة استقبلتها اللام الساكنة، والزبانية مفعول به وكلا تأكيد للردع والزجر لأبي جهل ولا ناهية وتطعه فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به واسجد فعل أمر واقترب عطف على واسجد. البلاغة: ١- في قوله: «ناصية كاذبة خاطئة» مجاز عقلي فقد وصف الناصية بالكذب والخطأ والحقيقة صاحبها وذلك أبلغ من أن يضاف فيقال ناصية كاذب خاطى لأنها هي المحدّث عنها. ٢- وفي قوله «فليدع ناديه» مجاز مرسل والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى وإنما يدعى أهله فأطلق المحل وأريد الحال فالمجاز مرسل علاقته المحلية والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله، وفي المصباح: «ندا القوم ندوا من باب غزا اجتمعوا ومنه اشتق النادي وهو مجلس القوم للتحدّث» وفي

стр. 5693

المختار: «وناداه جالسه في النادي وتنادوا تجالسوا في النادي والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدّثهم وكذا الندوة والنادي والمنتدى فإن تفرق القوم عنه فليس بندي ومنه سمّيت دار الندوة التي بناها قصيّ بمكة لأنهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة» وكان أبو جهل قد قال للنبي ﷺ لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة لقد علمت ما بها أي مكة رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا. الفوائد: ١- زيادة الباء في مفعول علم: تطّرد زيادة الباء في مفعول عرفت ونحوه وتقلّ في مفعول ما يتعدى لاثنين ولكنها بعد علم تكاد تكون مطّردة، قال عمرو بن كلثوم: وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا ابتلينا ٢- هل يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا: قال الزمخشري في المفصل: «وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أيّ النوعين شئت من الآخر، قال الله : «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم» وقال: «بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصبة» أما بدل النكرة من النكرة فمثاله قوله تعالى: «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» فقوله مفازا نكرة وقد أبدل من النكرة وهو حدائق ومثله قول الشاعر:

стр. 5694

وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت فأبدل قوله رجل صحيحة من قوله رجلين وكلاهما نكرة ومثال بدل المعرفة من النكرة قولك مررت برجل زيد قال الله تعالى «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله» فالثاني معرفة بالإضافة وقد أبدله من الأول وهو نكرة.

стр. 5695

(٩٧) سورة القدر مكيّة وآياتها خمس [سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) الإعراب: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) إن واسمها وجملة أنزلناه خبرها أي نجوما متفرقة بحسب الوقائع والحاجة الماسّة إليه في مدى ثلاث وعشرين سنة وفي إضمار القرآن وإن لم يتقدم له ذكر شهادة له بالتشريف وأسنده إليه تعالى وجعله مختصّا به دون غيره ورفع مدة الوقت الذي أنزل فيه فهذه ثلاثة أوجه لتعظيم القرآن، وفي ليلة القدر متعلقان بأنزلناه، وسيأتي الكلام عليها في باب الفوائد، والواو حرف عطف وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة أدراك خبر وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وليلة القدر خبر ما والجملة المعلقة بالاستفهام سدّت مسدّ مفعول أدراك الثاني (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ

стр. 5696

شَهْرٍ) ليلة القدر مبتدأ وخير خبر ومن ألف شهر متعلقان بخير والجملة مستأنفة كأنها جواب لسؤال نشأ عن تفخيم ليلة القدر تقديره وما فضائلها (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) استئناف ثان مسوق للإجابة عن السؤال نفسه وتنزل فعل مضارع مرفوع أصله تتنزل والملائكة فاعل والروح نسق على الملائكة، وإنما أفرد جبريل بالذكر تنويها بفضله على حدّ قوله تعالى فيها فاكهة ونخل ورمان والنخل والرمان من الفاكهة وفيها متعلقان بتنزل ولك أن تعلقه بمحذوف حال من الملائكة أي ملتبسين وبإذن ربهم متعلقان بتنزل ومن كل أمر أي من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة متعلق بتنزل (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) سلام خبر مقدّم وهي مبتدأ مؤخر وحتى حرف غاية وجر ومطلع الفجر مجرور بحتى والجار والمجرور متعلقان بسلام وفيه إشكال وهو الفصل بين المصدر ومعموله بالمبتدأ والجواب أن الظروف والجار والمجرور يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها والأحسن كما قال الخطيب أن يتعلقا بمحذوف قدّره الخطيب يستمرون على التسليم من غروب الشمس حتى مطلع الفجر. الفوائد: قال القرطبي: ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شرّ فيها حتى مطلع الفجر وقد شاء الله إخفاءها أن يحيي مريدها الليالي الكثيرة فتكثر عبادته ويتضاعف ثوابه وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرطوا في غيرها» وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري ومسلم وقوله إيمانا واحتسابا أي نيّة وعزيمة وهو أن

стр. 5697

يصومه على التصديق والرغبة في ثوابه طيبة به نفسه غير كاره له ولا مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب فالاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه لأن له حينئذ أن يعتدّ بعمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به. وقال البغوي: قوله احتسابا: أي طلبا لوجه الله تعالى وثوابه ويقال فلان يحتسب الأخبار ويتحسبها أي يتطلبها. هذا ومن أراد التوسّع فعليه بالمطولات ففيها من أخبار هذه الليلة وفضائلها ما تضيق به الصحائف والأجلاد.

стр. 5698

(٩٨) سورة البيّنة مدنيّة وآياتها ثمان [سورة البينة (٩٨) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)

стр. 5699

اللغة: (مُنْفَكِّينَ) انفكاك الشيء عن الشيء أن يزايله بعد التحامه به كالعظم إذا انفكّ من مفصله والمعنى أنهم متعلقون بدينهم لا يتركونه ولا يرومون عنه انفكاكا، قال الأزهري: «ليس هو من باب ما انفك وما برح وإنما هو من باب انفكاك الشيء عن الشيء أي انفصاله عنه» . (حُنَفاءَ) مائلين إلى الخير، قال أهل اللغة وأصل الحنف في اللغة الميل، وخصّه العرف بالميل إلى الخير وسمّوا الميل إلى الشرّ إلحادا وفي القاموس: «الحنف محرّكة: الاستقامة والاعوجاج في الرجل أو أن يقدّم إحدى إبهاميّ رجليه على الأخرى أو أن يمشي على ظهر قدميه من شق الخنصر أو ميل في صدر القدم وقد حنف كفرح وكرم فهو أحنف ورجل حنفاء وكضرب مال وصخر أبو بحر الأحنف بن قيس تابعي كبير والسيوف الحنيفية تنسب له لأنه أول من أمر باتخاذها والقياس أحنفيّ والحنفاء القوس والموسى وفرس حذيفة بن بدر وماء لبني معاوية وشجرة والأمة المتلوّنة تكسل مرة وتنشط أخرى والحرباء والسلحفاة والأطوم لسمكة بحرية والحنيف كأمير الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه وكل من حجّ أو كان على دين إبراهيم ﷺ والفقير والحذاء» إلى أن يقول: «وأبو حنيفة كنية عشرين من الفقهاء أشهرهم إمام الفقهاء النعمان» وعبارة ابن خالويه جيدة وهي «حنفاء نصب على الحال مثل ظريف وظرفاء والحنيف في اللغة المستقيم فإن قيل لك: لم سمّي المعوج الرجل أحنف؟ فقل تطيّروا من الاعوجاج إلى الاستقامة كما يقال للديغ سليم وللأعمى أبو بصير

стр. 5700

وللأسود أبو البيضاء وللمهلكة مفازة، هذا قول أكثر النحويين فأما ابن الأعراب ي فزعم أن المفازة ليست مقلوبة لأن العرب تقول: فوّز الرجل إذا مات ومثله جنّص قال الشاعر: فمن للقوافي بعدها من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفوّز جرول يريد كعب بن زهير وجرول والحطيئة والحنيف ستة أشياء: المستقيم والمعوج والمسلم والمخلص والمختون والحاج إلى بيت الله ومن عمل بسنة إبراهيم صلوات الله عليه سمّي حنيفا» . الإعراب: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) لم حرف نفي وقلب وجزم ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلن والذين اسمها وجملة كفروا صلة ومن أهل الكتاب والمشركين متعلق بمحذوف حال والأرجح أن معنى من هنا التبعيض كما قرره الماتريدي ومنفكين خبر يكن وحتى حرف غاية وجر تأتيهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والهاء مفعول به والبيّنة فاعل أي الحجة الواضحة (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً) رسول بدل من البيّنة بدل كل من كل على سبيل المبالغة، جعل الرسول نفس البيّنة، ومن الله صفة لرسول وجملة يتلو صفة ثانية أو حال حسب القاعدة وصحفا مفعول به ومطهرة صفة لصحفا (فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) الجملة صفة ثانية لصحفا وفيها خبر مقدّم وكتب مبتدأ مؤخر وقيمة نعت لكتب أي مستقيمة ناطقة بالحق والعدل (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) الواو استئنافية وما نافية وتفرق الذين فعل ماض وفاعل وجملة أوتوا لا محل لها لأنها صلة الذين والواو في أوتوا نائب فاعل

стр. 5701

والكتاب مفعول به ثان وإلا أداة حصر ومن بعد متعلقان بتفرق وما مصدرية وجاءتهم البيّنة فعل ماض ومفعول به وفاعل مؤخر وما في حيّزها في محل جر بإضافة بعد إليها، ومن العجيب البالغ العجب أن يعرب ابن خالويه ما موصولة ولا مبرر لهذا الإعراب على الإطلاق وعبارته المضحكة «وما بمعنى الذي وهو جر ببعد» (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) الواو للحال والجملة حالية مسوقة لبيان قبح ما فعلوا واستسماجه وهو التفرق بعد مجيء البيّنة التي يجب أن يصدع بها كل من له مسكة من عقل، وما نافية وأمروا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومتعلقه محذوف أي بما أمرناهم به من شرائع وأحكام وإلا أداة حصر وليعبدوا اللام لام التعليل ويعبدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بأمروا على أنه في محل نصب مفعول لأجله وإنما امتنع نصبه لاختلاف الفاعل، ولعلّ هذا الوجه خير مما اختاره الجلال وعبارته «إلا ليعبدوا الله أي أن يعبدوه فحذفت أن وزيدت اللام» وزاد الكرخي في الطين بلّة فقال: «وقوله زيدت اللام الأولى أن تكون بمعنى الباء أي إلا بأن يعبدوا الله» وهذا تكلّف وتمحّل لا يليقان بأسلوب القرآن العظيم ولعلّ هذا التوهّم تسرب إليهما عن قراءة ابن مسعود «وما أمروا إلا أن يعبدوا» وعلى هذه القراءة يكون قولهما سائفا وواردا فتكون أن وما في حيّزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهو الباء، والجار والمجرور متعلقان بأمروا أي بأن يعبدوا. ومخلصين حال من ضمير يعبدوا وله متعلقان بمخلصين والدين مفعول به لمخلصين لأنه اسم فاعل وحنفاء حال ثانية كما تقدم أو حال من الحال قبلها أو من الضمير المستكن فيها فهي حال متداخلة ويقيموا الصلاة عطف على ليعبدوا الله ويؤتوا الزكاة عطف أيضا والواو عاطفة أو حالية وذلك مبتدأ والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وإقامة

стр. 5702

الصلاة وإيتاء الزكاة ودين خبر والقيمة مضاف إليه، وقال الفرّاء: «أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين أو هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه ودخلت الهاء للمدح والمبالغة وما في الإشارة من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته» وعبارة ابن خالويه جيدة وهي: «فإن قيل لك: الدين هو القيمة فلم لم يقل وذلك الدين القيمة؟ فقل: العرب تضيف الشيء إلى نعته نحو قولهم صلاة الظهر وحبّ الحصيد قال الشاعر: أتمدح فقعسا وتذمّ عبسا ... ألا لله أمك من هجين ولو أقوت عليك ديار عبس ... عرفت الذلّ عرفان اليقين فأضاف العرفان إلى اليقين وهو أراد عرفانا يقينا وقال آخرون وذلك دين الملّة القيمة وذلك دين الحنيفية القيمة فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما قال الله : واسأل القرية التي كنّا فيها أي اسأل أهلها» (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان مقر الأشقياء وجزاء السعداء، وإن واسمها وجملة كفروا صلة لا محل لها ومن أهل الكتاب والمشركين حال وفي نار جهنم خبر إن وخالدين حال مقدّرة من الضمير المستكن في الخبر وفيها متعلقان بخالدين وأولئك مبتدأ وهم مبتدأ ثان أو ضمير فصل وشرّ البرية خبر هم والجملة خبر إن أو خبر أولئك وقرىء البرئية في الموضعين فقيل الهمز هو الأصل من برأ الله الخلق أي ابتدعه واخترعه فبرئية فعيلة بمعنى مفعوله وقيل البرية بلا همز مشتقة من البرى وهو التراب لأنهم خلقوا منه، قال المعرّي: ولرب أجساد جديرات البرى ... بالصون صارت في طلاء جدار

стр. 5703

وقيل البرية مخفّفة من المهموز، وعبارة ابن خالويه: «البرية جر بالإضافة والأصل البرئية فتركوا الهمزة تخفيفا وهو من برأ الله الخلق والله البارئ المصور، حدّثنا إبراهيم بن عرفة قال حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدّثنا محمد بن كثير عن سفيان عن المختار بن فلفل عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وآله فقال له: يا خير البرية فقال: ذلك إبراهيم خليل الرحمن وإنما قاله تواضعا ﷺ » (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) الجملة مماثلة للأولى في إعرابها تماما، ولابن خالويه كلام نافع في البرية ننقله فيما يلي: «البرية جر بالإضافة قال العجير لنافع بن علقمة: يا نافعا يا أكرم البريّة ... والله لا أكذبك العشيّه إنّا لقينا سنة قسيّه ... ثم مطرنا مطرة رويّه فنبت البقل ولا رعيّه ... فانظر بنا القرابة العليّه والعرب مما ولدت صفيّه فأمر له بألف شاة، وقال آخرون من ترك الهمزة من البرية أخذه من البرى وهو التراب» . أنشدنا ابن مجاهد: «بغيك من سار إلى قومك البرى» وكلام العرب ترك الهمز قال الشاعر: امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكيّة قبر تضمن طيّبا ... آباؤه خير البريّة آباؤه أهل الخلا ... فة والرياسة والعطية هذا ما أورده ابن خالويه وفيه مشكل لا بدّ من الإلماع إليه وهو قول العجير لنافع بن علقمة يا نافعا فقد نصب المنادى وهو مفرد علم ونوّنه وحقّه البناء على الضم ولم نجد ما يبرره، فقد ذكر النحاة أنه إذا

стр. 5704

كان المنادى مفردا علما موصوفا بابن ولا فاصل بينهما والابن مضاف إلى علم جاز في المنادى وجهان ضمّه للبناء ونصبه نحويا عمرو بن هند ويا عمرو بن هند والفتح أولى أما ضمّه فعلى القاعدة لأنه مفرد علم وأما نصبه فعلى اعتبار كلمة ابن زائدة فيكون عمرو مضافا وهند مضافا إليه وابن الشخص يضاف إليه لمكان المناسبة بينهما والوصف بابنة كالوصف بابن نحو يا هند بنة خالد ويا هند بنة خالد أما الوصف بالبنت فلا يغيّر بناء المفرد العلم فلا يجوز معها إلا البناء على الضم نحو يا هند بنت خالد وعلى كل حال، فبيت العجير ليس من هذا الباب ولا يجدي معه القول أنه موصوف بقوله أكرم البرية على تقدير زيادة يا لأن الوصف ليس كلمة ابن وابنة وهبه نوّنه للضرورة فهلّا أبقاه مضموما كقول الأحوص: سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام وقد اهتم النحاة بهذا البيت فأطلقوا على التنوين فيه تنوين الضرورة وليس بذاك، وارجع إن شئت إلى كتبهم. (جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) جزاؤهم مبتدأ وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال من الضمير في جزاؤهم وجنات عدن خبر وجملة تجري من تحتها الأنهار نعت لجنات وخالدين حال من عامل محذوف تقديره دخولها، ولا يجوز أن يكون حالا من الضمير في جزاؤهم لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وفيها متعلقان بخالدين وأبدا ظرف زمان لاستغراق المعنى منصوب بخالدين أيضا وجملة رضي الله عنهم ورضوا عنه يجوز أن تكون دعائية لا محل لها ويجوز أن تكون خبرا ثانيا وذلك مبتدأ ولمن خبره وجملة خشي ربه صلة لا محل لها أيضا.

стр. 5705

الفوائد: لعلّ من المفيد أن نشير هنا إلى معنى رضا العبد عن الله وقد أجملها الراغب فقال: «رضا العبد عن الله أن لا يكره ما يجري به قضاؤه ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرا بأمره ومنتهيا عن نهيه» أما الجنيد فقال: «الرضا يكون على قدر قوة العلم والرسوخ في المعرفة، والرضا حال يصحب العبد في الدنيا والآخرة وليس محلّه محلّ الخوف والرجاء والصبر والإشفاق وسائر الأحوال التي تزول عن العبد في الآخرة بل العبد يتنعم في الجنة بالرضا ويسأل الله تعالى حتى يقول لهم: برضائي أحلّكم داري أي برضائي عنكم» وقال محمد بن الفضل: «الروح والراحة في الرضا واليقين والرضا باب الله الأعظم ومحل استرواح العابدين» .

стр. 5706

(٩٩) سورة الزّلزلة مدنيّة وآياتها ثمان [سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) الإعراب: (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) إذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط متعلق بتحدث وهو الجواب وجملة زلزلت في محل جر بإضافة الظرف إليها وزلزلت فعل ماض مبني للمجهول والأرض نائب فاعل وزلزالها مفعول مطلق وهو مصدر مضاف لفاعله والمعنى زلزالها الذي تستحقه ويقتضيه جرمها وعظمتها، وقيل إذا لمجرد الظرفية والعامل فيها محذوف أي يحشرون وقيل اذكر فهي مفعول به وقراءة العامة بكسر الزاي وقرىء بفتحها فقيل هما مصدران

стр. 5707

بمعنى واحد وقيل المصدر مكسور والاسم مفتوح قال الزمخشري: «قرىء بكسر الزاي وفتحها فالمكسور مصدر والمفتوح اسم وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف» وهذا في الغالب وإلا فقد ورد ناقة خزعال قال في القاموس «خزعل الضبع عرج وخمع والماشي نفض رجليه وناقة بها خزعال: ظلع وليس فعلال من غير المضاعف سواه وقسطال وخرطال» وفيه أيضا «وزلزله زلزلة وزلزالا مثلثة حركه والزلازل البلايا» وقال ابن عرفة: الزلزلة والتلتلة واحد والزلازل والتلاتل وأنشد للراعي: فأبوك سيدها وأنت أشدّها ... زمن الزلازل في التلاتل جولا (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها) نسق على ما تقدم، وأخرجت الأرض فعل ماض وفاعل وأثقالها مفعول به، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التقرير وتفخيم هول الساعة، وأثقالها مفعول به وهو جمع ثقل بالكسر كحمل وأحمال كما في المختار وعبارة الزمخشري «جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها» (وَقالَ الْإِنْسانُ: ما لَها) الواو عاطفة وقال الإنسان فعل وفاعل وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ ولها خبر، وفي الإنسان قولان: أحدهما أنه اسم جنس يعمّ المؤمن والكافر أي يقول الجميع ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع كما يقولون: من بعثنا من مرقدنا والثاني أنه الكافر خاصة لأنه كان لا يؤمن بالبعث فأما المؤمن فيقول: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) يومئذ ظرف أضيف إلى مثله ومحله النصب على أنه بدل من إذا والعامل فيه هو العامل في المبدل منه والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ تزلزل الأرض زلزالها وتخرج الأرض أثقالها ويقول الإنسان ما لها فحذفت هذه الجمل الثلاث وناب منابها التنوين فاجتمع ساكنان وهما الذال والتنوين فكسرت الذال لالتقاء الساكنين وليست هذه الكسرة في

стр. 5708

الذال بكسرة إعراب وإن كانت إذ في موضع جر بإضافة ما قبلها إليها وإنما الكسرة فيها لالتقاء الساكنين وهذا التنوين يسمى تنوين العوض. وتحدث فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هي أي الأرض ومفعول تحدث الأول محذوف أي الخلق (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) الباء حرف جر وأن وما في حيّزها في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بتحدث والمعنى تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها وأمره إياها بالتحديث وأن واسمها وجملة أوحى خبرها ولها متعلقان بأوحى واللام بمعنى إلى وإنما أوثرت على إلى لمراعاة الفواصل وما يتعدى بإلى يجوز أن يتعدى باللام ولا عكس (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) يومئذ ظرف أضيف إلى مثله بدل من يومئذ قبله أو متعلق بيصدر أو هو مفعول لأذكر مقدرا ويصدر الناس فعل مضارع وفاعل وأشتاتا حال من الناس جمع شت أي متفرقين يقال أمر شت وشتات متشتت ومتفرق وهو وصف بالمصدر ويقال جاءوا أشتاتا وجاءوا شتات شتات أي متفرقين والنصب على الحالية، وقال عدي بن زيد: قد هراق الماء في أجوافها ... وتطايرن بأشتات شقق وليروا اللام للتعليل ويروا فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو نائب فاعل وأعمالهم مفعول به ثان والرؤية بصرية ولذلك عدّيت إلى اثنين لأن أرى يتعدى إلى ثلاث ولام التعليل ومدخولها متعلقان بيصدر (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الفاء تفريعية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويعمل فعل الشرط وفاعله هو يعود على من ومثقال ذرة مفعول به وخيرا تمييز أو بدل من مثقال ويره جواب الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والهاء مفعول ير وفعل الشرط وجوابه خبر من والجملة الثانية عطف على الأولى وإعرابها مماثل لإعرابها، وفي ابن خالويه: «وقدم جدّ الفرزدق

стр. 5709

على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أسمعني شيئا مما أنزل الله عليك فقرأ عليه إذا زلزلت فلما انتهى إلى قوله فمن يعمل مثقال ذرة إلخ قال: حسبي يا رسول الله، وحدّثني أبو عبد الله عن أبي العيناء عن الأصمعي قال: قرأ أعرابي فمن يعمل مثقال ذرة شرّا يره فقدّم وأخّر فقلت له: قدّمت وأخّرت فقال: خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهنّ طريق» وروى هذه النادرة الزمخشري في كشافه أيضا وأضاف: «والذرة: النملة الصغيرة وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء» وهرشى كسكرى ثنية في طريق مكة عند الجحفة. أي اسلكا أمام تلك الثنية أو خلفها فإنه أي الحال والشأن كلّ من جانبيها طريق للإبل التي تطلبانها، وتكرير لفظ هرشى لتقريرها في ذهن السامع خوف غفلته عنها والمقام كان مقام هداية فحسن فيه ذلك.

стр. 5710

(١٠٠) سورة العاديات مكيّة وآياتها إحدى عشرة [سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) اللغة: (الْعادِياتِ) الخيل تعدو في الغزو بسرعة والياء من الواو لكسر ما قبلها. (ضَبْحاً) هو صوت أجوافها وفي المختار: «ضبحت الخيل من باب قطع والضبح صوت أنفاسها إذا عدت» وفي القاموس: «ضبحت الخيل ضبحا وضباحا أسمعت من أفواهها صوتا ليس بصهيل ولا
следующие страницы →