Полный текст (5 784 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
إن الثمانين، وبلغتها ... قد أحوجت سمعي الى ترجمان
فقوله: وبلغتها، جملة دعائية تعطف قلب الممدوح وتتلطف في ذكر المراد، وهو أنه أصمّ لا يسمع كلامه ليرفع صوته. وقد مرت الاشارة اليه.
والاحتراس وهو كل زيادة تجيء لدفع ما يوهمه الكلام مما ليس مقصودا كقول أبي الطيب المتنبي:
إني أصاحب حلمي وهو بي كرم ... ولا أصاحب حلمي وهو بي جبن
ففي البيت إطناب بالاحتراس في موضعين: أولهما في الشطر الاول بذكر «وهو بي كرم» ، وثانيهما في الشطر الثاني بذكر «وهو بي جبن» لدفع ما قد يوهمه الحلم مجردا. وهناك أغراض أخرى ترد الاشارة إليها في مضامين هذا الكتاب. وفي الآية إطناب بالتكرار، وهو الجمع بين «مناديا» و «ينادي» وذلك أنه ذكر النداء في الاول مطلقا ثم ذكره في الثاني مقيدا بالايمان، تفخيما لشأن المنادى، لأنه لا منادي أعظم من مناد يدعو الى الايمان، وهو محمد ﷺ أو القرآن الذي أنزل عليه. ورجح ابن جرير الطبري أن يكون المنادي هو القرآن، واحتج لذلك بأن كثيرين ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات ليسوا ممن رأى النبي ﷺ فسمعوا دعاءه الى الله ﵎ ونداءه، ولكنه القرآن.
٢- وفي الآية فنّ وضع الظاهر موضع المضمر. فقد كان
стр. 702
مقتضى الظاهر أن يقال: وما لهم من أنصار أو وماله من أنصار، مراعاة لمعنى «من» أو لفظها، ولكنه أظهر إشعارا بتخصيص الخزي بهم.
الفوائد:
قال أبو حيان: «سمع» إن دخل على مسموع تعدّى لواحد نحو: سمعت كلام زيد، كغيره من أفعال. وإن دخل على ذات وجاء بعده فعل أو اسم في معناه، نحو: سمعت زيدا يتكلم، وسمعت زيدا يقول كذا، ففي هذه المسألة خلاف، منهم من ذهب الى أن ذلك الفعل أو الاسم إن كان قبله نكرة كان صفة لها، أو معرفة كان حالا منها. ومنهم من ذهب الى أن ذلك الفعل أو الاسم هو في موضع المفعول الثاني ل «سمع» وجعل «سمع» مما يتعدى الى واحد إن دخل على مسموع والى اثنين إن دخل على ذات» .
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٤ الى ١٩٥]
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)
стр. 703
الإعراب:
(رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) كلام معطوف على ما تقدم من ابتهالات وربنا منادى مضاف وآتنا عطف على أفعال الدعاء المتقدمة ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة وعدتنا صلة الموصول وعلى رسلك جار ومجرور متعلقان بوعدتنا، ولا بد من حذف مضاف أي: على ألسنة رسلك، أو على تصديق رسلك، ولك أن تعلقهما بمحذوف حال أي:
منزلا على رسلك أو محمولا على رسلك، لأن الرسل محملون ذلك (وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتخزنا فعل مضارع مجزوم بلا ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به ويوم القيامة ظرف زمان متعلق بتخزنا (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) الجملة تعليلية لا محل لها لتعليل السؤال منهم، وهو باب من أبواب اللجوء الى الله، وإلا فإن الله لا يخلف الميعاد. وإن واسمها، وجملة «لا يخلف الميعاد» خبر إنّ (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ) الفاء استئنافية واستجاب فعل ماض ولهم جار ومجرور متعلقان باستجاب وربهم فاعل وأني: ان واسمها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان باستجاب لتبيان السبب كأنه قال: فاستجاب لهم ربهم بسبب أني لا أضيع، وجملة لا أضيع خبر أنّ وعمل عامل مفعول به ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لعامل (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من عامل بعد وصفه أي استقر منكم حاله كونه من ذكر أو أنثى، أو صفة ثانية لعامل. وأعربه أبو البقاء بدلا مطابقا من منكم، وهو سائغ أيضا، وبعضكم مبتدأ ومن بعض جار ومجرور متعلقان
стр. 704
بمحذوف خبر، والجملة مستأنفة مسوقة لتبيين شركة النساء مع الرجال في الثواب، وجعلها بعضهم معترضة، وما أحسبها بعيدة، لأنها وقعت بين قوله «عمل عامل» وبين ما فصل به عمل العاملين فصح كونها واقعة بين كلامين متصلين ورجحها الزمخشري (فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) الفاء استئنافية للتفريع وذلك للدلالة على أن الجزاء لا يكون إلا لمن جمع هذه الصفات متعددة، فالجملة مستأنفة لا محل لها والذين مبتدأ وجملة هاجروا صلة الموصول وأخرجوا عطف على هاجروا ومن ديارهم جار ومجرور متعلقان بأخرجوا (وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا) الجملة كلها معطوفة داخلة في حيز الصلة (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) اللام جواب قسم محذوف وأكفرن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والجملة القسمية خبر الذين، وهنا لا بد من دفع اعتراض معترض يقول: إن الجملة الواقعة جوابا للقسم لا محل لها فكيف ساغ أن تكون هنا خبرا ويتلخص الدفع بأن المقصود مجموع القسم وجوابه.
وعنهم جار ومجرور متعلقان بأكفرن وسيئاتهم مفعول به (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) الواو عاطفة ولأدخلنهم عطف على لأكفرن والهاء مفعول به وجنات منصوب بنزع الخافض أو مفعول به ثان على السعة وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات (ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ثوابا مفعول مطلق لفعل محذوف يفيد التأكيد، وأجازوا إعرابها حالا من جنات أي: مثابا بها، أو من الضمير الواقع مفعولا به أي حال كونهم مثابين، وهو جائز. ومن عند الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لثوابا (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) الواو استئنافية والله مبتدأ وعنده ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وحسن الثواب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر «الله» .
стр. 705
البلاغة:
١- في هذه الآية فن منقطع النظير يمكن تسميته «الاسجال» وحدّه أن يقصد المتكلم غرضا من الأغراض فيأتي بألفاظ تقرر ذلك الغرض: فقد سجل المولى سبحانه على ألسنة عباده تحقيق موعوده على لسان رسوله، وتأمل كلمة «ما وعدتنا» تجد أن هذا الوعد قد أصبح مبرما لا انفكاك لإبرامه. ومن طريف ما ورد منه شعرا قول ابن نباتة السعديّ:
جاء الشتاء وما عندي له عدد ... إلا ارتعادي وتصفيقي بأسناني
فإن هلكت فمولانا يكفنني ... هبني هلكت فهبني بعض أكفاني
والأسجال واضح في تقريره هبني هلكت، وما أجمل الجناس بين هبني بمعنى احسبني وهبني بمعنى أعطني هبة.
٢- الالتفات في قوله «فاستجاب لهم ربهم» فقد التفت من الغيبة الى التكلم لاظهار كمال الاعتناء بصدد الاستجابة وتشريف الداعين وتسوية الرجال والنساء وشركة النساء مع الرجال في العمل والجزاء عليه بعد أن كانت المرأة مغموطة الحق في الجاهلية.
روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، إني أسمع الله تعالى يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.
стр. 706
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٦ الى ٢٠٠]
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)
اللغة:
(النزل) بضمتين وبضمّ فسكون: ما يقام للنازل أو طعام الضيف، قال أبو الشعواء الضبيّ:
وكنّا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
(رابِطُوا) أقاموا في الثغر، والأصل أن يربط هؤلاء وهؤلاء خيلهم مترصدين مستعدين للغزو.
стр. 707
ورباط الخيل حبسها. قال:
فينا رباط جياد الخيل معلمه ... وفي كليب رباط الذلّ والعار
الإعراب:
(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) جملة مستأنفة مسوقة لنهي النبي ﷺ عن الاغترار، وهو في الحقيقة نهي لأصحابه وأتباعه عن الاغترار بما يرونه من تبسّط الكافرين والظالمين العتاة في الأرض، واستبحارهم في القوة والعمران، على نحو ما هو مشاهد اليوم. ولا الناهية ويغرنك فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به وتقلب فاعل والذين اسم موصول مضاف اليه وجملة كفروا صلة وفي البلاد جار ومجرور متعلقان بتقلب لأنه مصدر (مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) متاع خبر لمبتدأ محذوف وقليل صفة أي: هو متاع ضئيل لا يؤبه له، وهو مهما تطاول آيل الى الزوال والجملة مستأنفة. ثم حرف عطف للتراخي ومأواهم مبتدأ وجهنم خبر (وَبِئْسَ الْمِهادُ) الواو حالية وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمهاد فاعل بئس والمخصوص بالذم محذوف أي: جهنم، والجملة نصب على الحال. (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ) لكن مخففة مهملة لمجرد الاستدراك والذين مبتدأ وجملة اتقوا ربهم صلة الموصول ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وجنات مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر الذين وجملة لكن مستأنفة (تَجْرِي
стр. 708
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها)
الجملة صفة لجنات ومن تحتها جار ومجرور متعلقان بتجري والأنهار فاعل وخالدين حال وفيها جار ومجرور متعلقان بخالدين (نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) نزلا حال من جنات، وإن جعلته مصدرا فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، ومن عند الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة «نزلا» (وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) الواو استئنافية أو حالية وما اسم موصول مبتدأ وعند الله ظرف متعلق بمحذوف صلة ما وخير خبر وللابرار جار ومجرور متعلقان بخير والجملة مستأنفة أو حالية (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) الواو استئنافية وإن حرف مشبه بالفعل ومن أهل الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم ولمن اللام المزحلقة ومن اسم موصول اسم إن المؤخر وجملة يؤمن بالله صلة الموصول وبالله جار ومجرور متعلقان بيؤمن (وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ) الواو حرف عطف وما اسم موصول معطوف على الله وجملة أنزل إليكم صلة وما أنزل إليهم عطف أيضا وخاشعين حال من الضمير في يؤمن ولله جار ومجرور متعلقان بخاشعين (لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا) جملة لا يشترون حالية وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بيشترون وثمنا مفعول به وقليلا صفة (أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) الجملة مستأنفة واسم الاشارة مبتدأ ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وأجرهم مبتدأ مؤخر وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال أي مستقرا عند ربهم والجملة خبر «أولئك» (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) جملة مستأنفة وإن واسمها وخبرها (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها كثيرا (اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا) أفعال دعاء (وَاتَّقُوا اللَّهَ) عطف أيضا (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لعل واسمها، والجملة خبرها وجملة الرجاء حالية.
م ١٠- اعراب القرآن
стр. 709
البلاغة:
جاء ختام سورة آل عمران حسنا جدا، وكما جاء ختام سورة البقرة مشتملا على الدعاء جاء ختام سورة آل عمران مشتملا على عدد من الوصايا النافعة، وهذا هو حسن الختام، ليبقى راسخا في الاسماع، وهذا هو حسن البيان.
стр. 710
(٤) سورة النساء مدنيّة وآياتها ستّ وسبعون ومائة
[سورة النساء (٤) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)
اللغة:
(تَسائَلُونَ) فعل مضارع، وأصله تتساءلون، فحذفت احدى التاءين، أي يسأل بعضكم بعضا.
(الْأَرْحامَ) جمع رحم وهي القرابة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) يا أيها: تقدم اعرابها كثيرا، والناس بدل من «أي» واتقوا ربكم فعل وفاعل ومفعول به (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) الذي صفة ل «ربكم» وجملة خلقكم صلة
стр. 711
الموصول ومن نفس جار ومجرور متعلقان بخلقكم وواحدة صفة والجملة مستأنفة مسوقة لبحث بدء الخلق والتكوين (وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها) الواو حرف عطف وخلق فعل ماض ومنها جار ومجرور متعلقان بخلق وزوجها مفعول به (وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً) الواو عاطفة وبث فعل ماض ومنهما جار ومجرور متعلقان ببث ورجالا مفعول به وكثيرا صفة ونساء عطف على «رجالا» (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) الواو عاطفة واتقوا الله فعل أمر والذي صفة وجملة تساءلون صلة وبه جار ومجرور متعلقان بتساءلون والأرحام عطف على الله وفي هذا العطف تنويه بمنزلة القرابة ووجوب البرّ بها ومراعاتها (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) الجملة تعليلية لا محل لها وإن واسمها، وجملة كان وما في حيزها خبر ان وكان فعل ماض ناقص وعليكم جار ومجرور متعلقان ب «رقيبا» واسم كان مستتر ورقيبا خبرها.
البلاغة:
في الآية الآنفة فن براعة الاستهلال فقد استهل السورة بالاشارة الى بدء الخلق والتكوين، وألمع الى دور المرأة المهم، وأوصى بصلة الرحم. وقد حفل الشعر العربي بذكر صلة الرحم ومنزلتها عند الله، وحسبنا أن نشير الى قصيدة معن بن أوس التي مطلعها:
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي وهو ليس له حلم
وهي قصيدة رائعة يكاد لا يخلو منها كتاب أدبي فليرجع إليها من يشاء.
стр. 712
[سورة النساء (٤) : آية ٢]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢)
اللغة:
(الْيَتامى) الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم الانفراد.
ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة، وقيل: اليتيم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات. واليتامى جمع الجمع، فقد جمع اليتيم على يتمى كأسرى، ثم جمع يتمى على يتامى كأسرى على أسارى. ويجوز أن يجمع على فعائل لجري اليتيم مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس فيقال: يتائم ثم يتامى على القلب.
(الحوب) يضم الحاء وفتحها: الذنب العظيم، وهو مصدر حاب حوبا وحابا.
الإعراب:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) الواو يصح أن تكون استئنافية، فتكون الجملة مستأنفة مسوقة للشروع في كيفية الاتقاء وطرقه، وقدم اليتامى لكمال العناية بأمرهم. ويصح أن تكون عاطفة على ما تقدم، فيكون السرد متلاحقا. وآتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل واليتامى مفعول به أول وأموالهم مفعول به ثان (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) عطف على ما تقدم ولا ناهية وتتبدلوا فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والخبيث مفعول به والباء حرف جر والطيب وهو المتروك مجرور بها وهما متعلقان
стр. 713
بتتبدلوا (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) الواو عاطفة ولا ناهية ونأكلوا فعل مضارع مجزوم بلا وأموالهم مفعول به والى أموالكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مضمومة الى أموالكم (إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) ان واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن وجملة إن وما في حيزها تعليلية لا محل لها ولهذا كسرت همزة إن.
البلاغة:
في هذه الآية مواطن من البلاغة بالغة حدّ الإعجاز نلخصها فيما يلي:
١- المجاز المرسل في قوله تعالى: «وآتوا اليتامى أموالهم» لأن الله سبحانه لا يأمر بإعطاء اليتامى الصغار أموالهم، فهذا غير معقول بل الواقع أن الله يأمر بإعطاء الأموال من بلغوا سن الرشد، بعد أن كانوا يتامى: فكلمة اليتامى هنا مجاز مرسل، لأنها استعملت في الراشدين. والعلاقة اعتبار ما كانوا عليه.
٢- الاستعارة المكنية بأكل أموال اليتامى. فقد شبه أموالهم بطعام يؤكل، ثم استعار لها ما هو من أبرز خصائص الطعام وهو الأكل، وفي هذه الاستعارة سرّان من أدق الأسرار:
آ- إن طريق البلاغة النهي عن الأدنى تنبيها على الأعلى إذا كان المنهي عنه درجات، فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو فقبر اليه حتى يلزم نهي الغني عنه عن طريق الأولى، فلا بد من سر يوضح فائدة تخصيص الأعلى بالنهي، في هذه الآية،
стр. 714
وذلك ما يفهم من كلمه «الى أموالكم» ، والسر في ذلك أن أكل مال اليتيم مع الغنى عنه أقبح صور الأكل فخصص بالنهي تشنيعا على من يقع فيه.
ب- والسر الثاني في تخصيص الأكل لأن العرب كانت تتذمم بالإكثار من الأكل، وتعدّ من البطنة المساوية للبهيمية، فكأن آكل مال اليتيم- في حال استغنائه عنه وكثرة المال لدية- شر من أكله وهو مملق شديد الحاجة اليه، وإن اشتركا في أكل ما هو محرم، وكانا منتظمين في قرن واحد، ومعلوم أن المنهي عنه كلما كان أوغل في القبح وأفرط في الدمامة كانت النفس بطبيعة الحال أنفر عنه.
٣- الطباق بين الخبيث وهو الحرام من المال والطيب وهو الحلال المستساغ.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٣ الى ٤]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)
اللغة:
(تُقْسِطُوا) مضارع أقسط الرباعي، ومعناه عدل، والثلاثي معناه جار.
стр. 715
(تَعُولُوا) من قولهم: عال الميزان إذا مال، وميزان فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. وذكر أبو بكر بن العربي أن عال تأتي لسبعة معان:
الأول: عال أي مال.
والثاني: زاد، والثالث: جار، والرابع: افتقر. والخامس:
أثقل، والسادس: قام بمئونة العيال، ومنه قوله: وابدأ بمن تعول.
والسابع: عال: أي غلب، ومنه عيل صبري. وقد وردت عال لمعان غير السبعة غير التي ذكرها ابن العربي منها: عال: اشتد وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في الأرض إذا ضرب فيها، حكاه الهروي. وعال إذا أعجز، حكاه الأحمر. فهذه ثلاثة معان غير السبعة. والرابعة عال: أي كثر عياله. فجملة معاني عال أحد عشر معنى، وسيأتي مزيد من بحث هذه المادة في باب الفوائد.
(الصدقات) المهور، مفردها صدقة: بفتح الصاد وضم الدال.
والمهر له أسماء كثيرة أيضا، منها صدقة بفتحتين، وبفتح فسكون، وصداق: بكسر الصاد وفتحها.
(نِحْلَةً) مصدر نحله كذا أي أعطاه إياه هبة له عن طيب نفس.
(هَنِيئاً مَرِيئاً) صفتان من هنؤ الطعام أو الشراب إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل: الهنيء ما يلذه الآكل، والمريء: ما يحمد عاقبته. وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم الى فم المعدة: المريء لمروء الطعام فيه، أي انسياغه.
стр. 716
الإعراب:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) الواو استئنافية وإن شرطية وخفتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وأن حرف مصدري ونصب ولا نافية وتقسطوا فعل مضارع منصوب بأن والمصدر المؤوّل من أن وما في حيزها مفعول به وفي اليتامى جار ومجرور متعلقان بتقسطوا وسيأتي في باب الفوائد المراد بذلك (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) الفاء رابطة للجواب وأنكحوا فعل أمر والواو فاعل والجملة في محل جزم فعل الشرط وما اسم موصول في محل نصب مفعول به وجملة طاب لا محل لها لأنها صلة ولكم جار ومجرور متعلقان بطاب ومن النساء جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ضمير الفاعل ومثنى وثلاث ورباع أحوال. وأعربها أبو علي الفارسي بدلا من «ما» وسيأتي مزيد من القول فيها في باب الفوائد (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) الفاء استئنافية وإن شرطية وخفتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وأن لا تعدلوا: المصدر المؤول مفعول به، فواحدة الفاء رابطة لجواب الشرط وواحدة مفعول به لفعل محذوف أي: فالزموا واحدة، والجملة في محل جزم جواب الشرط (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أو حرف عطف وهي للتخيير أي من الإماء اللواتي في حوزتكم، لما في ذلك من اليسر والسهولة. وما اسم موصول معطوف على «واحدة» وجملة ملكت أيمانكم لا محل لها (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) اسم الاشارة مبتدأ وأدنى خبره والجملة استئنافية وأن لا تعولوا: المصدر المؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بأدنى، أي: أقرب من العدل وعدم الجور. وللفقهاء تعليلات طريفة في الجمع بين الإماء
стр. 717
والحرائر في السهولة واليسر، تجد منها شيئا في باب الفوائد (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) الواو عاطفة وآتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنساء مفعول به وصدقاتهن مفعول به ثان ونحلة نصب على المصدر، لأن النحلة والإيتاء مترادفان بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة، أي أعطوهن مهورهن عن طيبة نفس. ويجوز نصبها على الحال من المخاطبين بعد تأويلها بالمشتق، أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو على الحال من «صدقاتهن» أي: منحولة معطاة عن طيبة نفس.
وقيل: نحلة من الله أي عطية من عنده وتفضلا منه عليهن. وقيل النحلة: الملة والدين. والمعنى: آتوهن مهورهن ديانة، فتعرب عندئذ مفعولا لأجله. وإنما أوردنا هذه الاوجه لأنها متعادلة الرجحان (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) الفاء استئنافية وإن شرطية وطبن فعل ماض مبني على السكون ونون النسوة فاعل وهو في محل جزم فعل الشرط ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وعن شيء جار ومجرور متعلقان بطبن ومنه جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لشيء ونفسا تمييز (فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) الفاء رابطة لجواب الشرط وكلوه فعل أمر ومفعول به وهنيئا مريئا صفتان لمصدر محذوف أي: أكلا هنيئا مريئا، أو حال من الضمير أي: كلوه وهو هنيء ومريء.
البلاغة:
في هذه الآية فن التغليب، فقد قال: فانكحوا ما طاب لكم، ولم يقل «من» كما هو المتبادر في استعمال «من» للعاقل و «ما»
стр. 718
لغير العاقل تغليبا، لأن «ما» تأتي لصفات من يعقل، وقد وصفهن بالطيب، فصح استعمال «ما» ، وهذا سر بديع تقيس عليه ما يرد منه، فتدبره والله يعصمك.
الفوائد:
١- يحدث التاريخ في تعليل نزول هذه الآية أنه كان الرجل يجد اليتيمة الموسومة بالجمال والمال ويكون وليها فيتزوجها ضنا بها عن غيره، فريما اجتمعت عنده عشر منهن، فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن، فقيل لهم:
إن خفتم أن لا تقسطوا- أي تعدلوا- في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم. فجاءت الآية محذرة من التورط، وأمرا بالاحتياط، وفي غيرهن مندوحة الى الأربع.
٢- (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) صفات معدولة عن أعداد مكررة، ولذلك منعت من الصرف، أي: اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. ومن طريف ما تمسك به بعض الذين ضلت عنهم أسرار العربية الشريفة من جواز التزوّج بتسعة: أنهم قالوا لأن اثنتين وثلاثة وأربعة جملتها تسعة، ولأن النبي ﷺ مات عن تسعة. وهذا كما ترى ناشىء عن جهل بأسرار العربية المبينة، لأنك إذا قلت: جاء القوم مثنى وثلاث ورباع، معناه أنهم جاءوا اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فتنصب ذلك كله على الحال. والحال هي التي تبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به. فأنت تريد أن تبين كيف كان مجيئهم، أي: لم يجيئوا جماعة ولا فرادى فالله سبحانه أبان ما أباحه من
стр. 719
النكاح وأما النبي ﷺ فإن ذلك من خواصه التي تفرد بها.
هذا وقد كثر كلام أهل العربية حول العدد المعدول هل هو من الواحد الى العشرة؟ أو هو ما نطق به القرآن الكريم فقط! قال قوم:
إنه ينتهي الى رباع، وقال آخرون: الى سداس، وقيل: الى عشار.
وقد جاء لأبي الطيب المتنبي قوله:
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتّناد؟
قالوا: إن أبا الطيب لحن في هذا البيت عدة لحنات، فقال:
أحاد وسداس، ولم يسمع في الفصيح إلا مثنى وثلاث ورباع، والخلاف في خماس وسداس الى عشار. ومنها أنه صغّر ليلة على «لييلة» ، وإنما تصغر على «لييلية» . ومنها أنه صغرها، والتصغير دليل القلة، فكأنها قصيرة، ثم قال: «المنوطة بالتناد» ولا شيء يكون أطول منها حينئذ، فناقض آخر كلامه أوله. ولنا أن ندافع عن أبي الطيب في زعمهم عليه التناقض، لأن التصغير يأتي في كلامهم أحيانا للتعظيم كقول لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهة تصغّر منها الأنامل
فأبو الطيب قد صغّر الليل هنا للتعظيم، لأنه استطالها حتى جعلها منوطة بالتّناد. ومنه قول النبي ﷺ لعائشة:
يا «حميراء» ويحتمل أنها صغّرت لدقتها وخفائها. ومستعظم الأمور من مستصغر الشرر. وأما قوله: أحاد وسداس، فإنه استعمل الجزء وهو واحد وست مفردين أي أنه لم يردها «أحاد» مكررة ولا ستا
стр. 720
مكررة كما هو مدلول العدد المعدول، بل أراد الإفراد واستعمل فيه المعدول الدال على التكثير تجوّزا من اسم إطلاق الكل وهو أحاد وسداس في الجزء وهو واحدة واحدة وست ست. وهذا الاستعمال مجاز، والتجوّز ليس بلحن. هذا وقد ورد عشار في شعر الكميت ابن زيد وهو حجة:
فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا
لماذا منعت من الصرف ؟
أما المذاهب المنقولة في علة منع الصرف فهي أربعة:
١- قول سيبويه والخليل وأبي عمرو، وهو العدل والوصف.
٢- قول الفراء وهو أنها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام، ومنع ظهور الألف واللام كونها في نية الاضافة.
٣- قول الزجاج وهو أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، وأنه عدل عن التأنيث.
٤- ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين، وهو أن العلة المانعة من الصرف هي تكرار العدل فيه، لأنه عدل عن لفظ اثنين، وعدل عن معناه، وذلك أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة، تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز: جاءني مثنى وثلاث، حتى يتقدم قبله جمع، لأن هذا الباب جعل بيانا لترتيب الفعل.
فاذا قال: جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجبئهم وقع اثنين اثنين.
стр. 721
فأما الاعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره. ولابن هشام فصل رائع في مغني اللبيب كتبه حول هذه الآية في الباب السادس من كتابه: «في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها» فارجع اليه إن شئت.
(هَنِيئاً مَرِيئاً) يعربان وصفا للمصدر وحال.
فأما قول أبي الطيب المتنبي:
هنيئا لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضّحى وعيّدا
فيتحتم إعرابهما حالا، لأنه ليس هناك ما يدل على المصدر الذي يصح أن يوصف بهما. والعيد فاعل هنيئا لأنها صفة مشبهة.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٥ الى ٦]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦)
стр. 722
اللغة:
(السُّفَهاءَ) المبذّرون الذين ينفقون أموالهم فيما لا ينبغي إنفاقه، أو فيما لا طائل تحته.
(قِياماً) مصدر قام، أي تقومون بها وتنتعشون. ولو ضيّعتموها لضعتم، فكأنها قيامكم وانتعاشكم.
(آنَسْتُمْ) أبصرتم واستوضحتم.
الإعراب:
(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً) كلام مستأنف مسوق لبيان بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى. ولا ناهية وتؤتوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والسفهاء مفعول به وأموالكم مفعول به ثان والتي اسم موصول في محل نصب صفة لأموالكم وجملة جعل الله لكم صلة الموصول وقياما مفعول به ثان لجعل التي بمعنى صيّر والمفعول الاول محذوف والتقدير التي صيّرها لكم قياما، ولكم جار ومجرور متعلقان ب «قياما» ، وإن كانت جعل بمعنى خلق فقياما حال من العائد المحذوف أي: جعلها في حال كونها قياما (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً) وارزقوهم الواو حرف عطف وارزقوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وفيها جار ومجرور متعلقان بارزقوهم واكسوهم عطف على ارزقوهم وقولوا عطف على وارزقوهم أيضا ولهم جار ومجرور متعلقان بقولوا وقولا مفعول مطلق ومعروفا صفة (وَابْتَلُوا الْيَتامى
стр. 723
حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ)
الواو عاطفة والكلام معطوف وفيه تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم واليتامى مفعول به للفعل ابتلوا وحتى حرف غاية وجر، جعل البلوغ وإيناس الرشد غاية للايتاء. وقيل:
حتى ابتدائية، ولكنها تفيد الغاية، وهي حتى التي تقع بعدها الجمل كقوله:
فما زالت القتلى تمجّ دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة بلغوا النكاح في محل جر بالإضافة (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) الفاء رابطة لجواب الشرط وإن شرطية وآنستم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وجملة فإن آنستم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومنهم جار ومجرور متعلقان بآنستم ورشدا مفعول به (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) الفاء رابطة وادفعوا فعل أمر والواو فاعل وإليهم جار ومجرور متعلقان بادفعوا وأموالهم مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا) الواو استئنافية ولا ناهية وتأكلوها فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول وإسرافا وبدارا مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين أو هما في موضع المفعول لأجله أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، وأن يكبروا مصدر مؤول مفعول به للمصدر أو مفعول لأجله والمفعول به محذوف، ولا بد من تقدير مضاف عندئذ أي: مخافة أن يكبروا، والجملة مستأنفة. وإنما جعلنا الواو استئنافية وظاهر الكلام يوحي أنها معطوفة لأن المعنى يصبح ادفعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسد لأن الشرط وجوابه مترتبان على بلوغ النكاح فيلزم منه ترتبه على ما ترتب عليه وذلك ممتنع (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) الواو استئنافية ومن اسم
стр. 724
شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو وغنيا خبرها وجملة فعل الشرط وجوابه خبر للمبتدأ من فليستعفف الفاء رابطة لجواب الشرط واللام لام الأمر، ويستعفف مجزوم بها (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) عطف على ما تقدم وقد سبق إعرابها وبالمعروف جار ومجرور متعلقان بيأكل والآية تقسيم لحال الوصي بين أن يكون غنيا وبين أن يكون فقيرا، فالغني يقتنع بما أفاء الله عليه والفقير يأكل بالمعروف محتاطا جهده حرصا على مال اليتيم وجملة فليأكل في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) الفاء استئنافية وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة دفعتم إليهم أموالهم في محل جر بالإضافة والفاء رابطة لجواب الشرط وأشهدوا فعل أمر وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليهم جار ومجرور متعلقان بأشهدوا (وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً) الواو استئنافية وكفى فعل ماض وبالله الباء حرف جر زائد والله فاعل كفى مجرور لفظا بالباء وحسيبا تمييز.
البلاغة:
في هذه الآية نوع طريف من أنواع البيان يطلق عليه اسم «قوة اللفظ لقوة المعنى» ، وذلك في قوله «فليستعفف» فإن «استعفّ» أبلغ من «عف» كأنه يطلب زيادة العفة من نفسه هضما لها وحملا على النزاهة التي يجب أن تكون رائد أبناء المجتمع. ومن المعلوم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نقل الى وزن آخر أكثر منه، فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا،
стр. 725
لأن الألفاظ دالة على المعاني، فاذا زيد في الألفاظ أوجبت الزيادة زيادة في المعاني، وهذا النوع لا يستعمل إلا في المبالغة. فمن ذلك قولهم:
أعشب المكان، فاذا رأوا كثرة العشب قالوا: اعشوشب. ومنه:
قدر واقتدر، فمعنى اقتدر أقوى من معنى قدر، فلذلك قال تعالى:
«فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر» . وقد تطلّع أبو نواس الى هذه النكتة فقال:
فعفوت عني عفو مقتدر ... حلت له نقم فألغاها
أي: عفوت عني عفو متمكّن من القدرة لا يرده شيء عن إمضاء قدرته.
الفوائد:
(كَفى) فعل ماض على الأصح تزاد الباء في فاعله، كما في هذه الآية. وقد تزاد في المفعول به كقول أبي الطيب المتنبي:
كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وقلّ أن يجيء فاعل كفى مجردا من الباء كقول سحيم:
عميرة ودّع ان تجهّزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
ولا تزاد الباء في فاعل كفى أو مفعولها إذا كانت بمعنى أجزأ أو أغنى كقوله:
стр. 726
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
ولا كفى التي بمعنى وقى من الوقاية، كقوله تعالى: «وكفى الله المؤمنين القتال» . هذا وقد انتقدوا على أبي الطيب زيادتها في فاعل كفى بمعنى أجزأ أو أغنى إذ قال:
كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
وقد أفاض النقاد في شرح هذا البيت، فارجع إليه في ديوانه.
التشدد في أمر اليتيم:
وقد تشددت الشريعة الاسلامية في أمر اليتيم ومعاملته بما هو معروف، على أنها جعلت للوصي حقا لقيامه على أمواله، فعن النبي ﷺ : أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف، غير متأثّل مالا ولا واق مالك بماله. فقال:
أفأضربه؟ قال: مما كنت ضاربا منه ولدك.
[سورة النساء (٤) : آية ٧]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧)
الإعراب:
(لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) كلام مستأنف
стр. 727
مسوق لتفنيد ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء والصغار.
وللرجال جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصيب مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لنصيب وجملة ترك الوالدان صلة الموصول والأقربون عطف على الوالدان (وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) عطف على ما تقدم (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) الجار والمجرور بدل من «مما» السابقة والجملة صلة الموصول ومنه جار ومجرور متعلقان بقل، أو كثر عطف على قلّ ونصيبا مفروضا يجوز أن يعرب مفعولا مطلقا لأنه واقع موقعه إذ التقدير عطاء، ويجوز أن يعرب حالا من فاعل «قلّ» أي:
مما تركه قليلا أو كثيرا. واختار الزمخشري نصبه على الاختصاص بفعل محذوف بمعنى أعني نصيبا، ولا داعي لذلك.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨ الى ٩]
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩)
الإعراب:
(وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ) الواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة حضر القسمة في محل جر بالاضافة والقسمة مفعول به وأولو القربى فاعل
стр. 728
مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم واليتامى والمساكين عطف على أولو القربى (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً) الفاء رابطة لجواب إذا وارزقوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومنه جار ومجرور متعلقان بقولوا وقولا مفعول مطلق ومعروفا صفة (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً) الواو حرف عطف واللام لام الأمر ويخش فعل مضارع مجزوم باللام والذين اسم موصول فاعل ولو شرطية وتركوا فعل وفاعل ومن خلفهم جار ومجرور متعلقان بتركوا وذرية مفعول به وضعافا صفة (خافُوا عَلَيْهِمْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليهم جار ومجرور متعلقان بخافوا ومفعول خافوا محذوف تقديره الضياع والهيام، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة (فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) الفاء تعليلية لأن التقوى مسببة عن الخوف الذي هو الخشية واللام لام الأمر ويتقوا فعل مضارع مجزوم باللام والواو فاعل والله مفعول به (وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً) الجملة عطف على فليتقوا وقولا مفعول مطلق وسديدا صفة.
البلاغة:
في الآية فن الإيجاز بالحذف، وهو هنا في حذف مفعول خافوا، لتذهب النفس في تقديره كل مذهب، ولتفتنّ في تصوير الخوف من المصير المحتوم الذي يئول اليه أمر الضعاف في هذه الحياة. ولك أن تقدره بمثل الضياع والهيام والتشرد في مسارب الحياة ومسالكها المتشعبة، من دون كافل يكفلهم، أو مدبّر يدبر شئونهم. وقد رمق الشاعر سماء هذا المعنى بقوله الممتع في الاعتذار عن الخوف والتخلف متعللا ببناته:
стр. 729
لقد زاد الحياة إليّ حبا ... بناتي إنهنّ من الضعاف
أحاذر أن يرين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقا غير صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف
ولولاهن قد سوّيت مهري ... وفي الرحمن للضعفاء كاف
هذا ولحذف المفعول به من الكلام لطائف وتعاجيب، كقولنا:
فلان يحلّ ويعقد، ويبرم وينقض، ويضر وينفع. والأصل في ذلك على إثبات المعنى المقصود في النفس للشيء على الإطلاق.
الفوائد:
قول صاحب المغني ومناقشته:
اختلف في «لو» هذه اختلافا كثيرا. وسنورد قول صاحب المغني في إعراب هذه الآية، ثم نناقشه. ولا يخلو ذلك من متعة وفائدة. قال: «القسم الثاني من أقسام «لو» أن تكون حرف شرط في المستقبل إلا أنها لا تجزم، كقوله توبة بن الحمير في ليلى الأخيلية:
ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب الأرض صائح
وقوله تعالى: «وليخش الذين ... » الآية. أي: وليخش الذين إن شارفوا وقاربوا أن يتركوا. وإنما أولنا الترك بمشارفة
стр. 730
الترك، لأن الخطاب للأوصياء، وإنما يتوجه إليهم قبل الترك، لأنهم بعده أموات» هذا ما قاله في المغني. والتأويل المذكور لا يتقيد بكون الخطاب للأوصياء بل هو جار، ولو قلنا: إنه للورثة أو للجالسين عند المريض أيضا، وحينئذ فذكر الأوصياء ليس للاحتراز بل هو اقتصار على أحد المعاني. وقد أشار صاحب الكشاف الى أنه لا بد من حمل «تركوا» على المشارفة لا لما ذكره صاحب المغني ولكن ليصحّ وقوع خافوا جزاء، وذلك لكون الخوف منتفيا بعد الموت، فلا يتأتى خوف بعد الترك. فإن قلت: ما معنى وقوع «لو تركوا» وجوابه صلة للذين؟ قلت: معناه: وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية، وذلك عند احتضارهم، خافوا عليهم الضياع بعدهم، لذهاب كافلهم وكاسبهم.
[سورة النساء (٤) : آية ١٠]
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) كلام مستأنف مسوق للنهي عن ظلم اليتامى من الأولياء والأوصياء. وإن واسمها، وجملة يأكلون صلة الموصول وأموال اليتامى مفعول به وظلما حال مؤوّلة أي ظالمين. ولك أن تعربها مفعولا لأجله وشروط النصب متوفرة.
ولك أن تعربها مفعولا مطلقا لبيان نوع الأكل أي: أكل ظلم (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) إنما كافة ومكفوفة لا عمل لها ويأكلون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو
стр. 731
فاعل والجملة خبر إن الأولى وفي بطونهم جار ومجرور متعلقان بيأكلون أو بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة ل «نارا» ثم تقدمت. ونارا مفعول به وسيصلون عطف على يأكلون وسعيرا مفعول به.
البلاغة:
انطوت هذه الآية على تجسيد بديع يتجلى في فنّين من فنون البيان:
١- الإسهاب في قولهم «في بطونهم» فقد ذكر البطون، لأن الاكل لا يستقر إلا فيها، تجسيدا لبشاعة الجرم المقترف بأكل مال اليتيم، ومثله «قد بدت البغضاء من أفواههم» أي تشدقوا بها، وقالوها بملء أفواههم.
٢- المجاز المرسل في أكل النار، والعلاقة هي المسببية: فالنار لا تؤكل، وإنما يؤكل مسببها، والآيل إليها، وهو مال اليتيم.
٣- جاء «يأكلون» بالمضارع دون سين الاستقبال، وسيصلون بالسين، لأنه لما كان لفظ «نارا» مطلقا قيّد في قوله «سعيرا» إذ هو الجمر المتقد.
٤- التعريض: فقد عرض بذكر البطون لخستهم واتّضاع أمرهم، وهو أن أنفسهم والعرب تتذمم من ذلك، ألا ترى الحطيئة كيف اكتفى من هجائه بهذا القدر يلمع اليه، وذلك بقوله:
стр. 732
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
أي: المطعوم والمكسوّ.
[سورة النساء (٤) : آية ١١]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١)
الإعراب:
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في قوله: للرجال نصيب. ويوصيكم فعل مضارع والكاف مفعوله المقدم والله فاعله المؤخر وفي أولادكم جار ومجرور متعلقان بيوصيكم (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) جملة مستأنفة مسوقة لتبيين الوصية. وللذكر جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومثل صفة لمبتدأ محذوف مؤخر، أي: حظّ مثل
стр. 733
. فالجملة كالموضحة للأولى فهي في محل نصب مقول يوصيكم لأنه بمعنى القول وإيثار الذكر بهذه المزية لأنه القائم على الإعالة، ولأن الأنثى ستنصرف بحكم المهمة الموكولة إليها الى تدبير شئون البيت ورعاية الأبناء وكفالتهم فاستلزم ذلك توفير حظّه من الميراث (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) الفاء تفريعية والجملة بعدها لا محل لها لأنها بمثابة الاستئنافية والتعليلية وإن شرطية وكنّ فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والنون اسمها والنساء خبرها وفوق ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة لنساء أي زائدات على اثنتين، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان، فلهن الفاء رابطة لجواب الشرط ولهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وثلثا مبتدأ مؤخر وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى وما اسم موصول في محل جر بالإضافة وجملة ترك صلة الموصول وجملة فلهن ثلثا: في محل جزم جواب الشرط (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) الواو عاطفة وإن شرطية وكانت فعل ماض ناقص والتاء تاء التأنيث الساكنة وهو في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هي أي المولودة وواحدة خبر كانت والفاء رابطة للجواب ولها جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والنصف مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ) الواو عاطفة منسوقة على ما تقدم للشروع في إرث الأصول، ولأبويه جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ولكل واحد جار ومجرور، يوحي ظاهر الكلام أنهما بدل بإعادة الجار، وهذا ما نص عليه أكثر المعربين وعلى رأسهم الزمخشري، ودعم هذه البدلية بقوله: «إنه لو قيل ولأبويه السدس لكان الظاهر اشتراكهما فيه، ولو قيل: ولأبويه السدسان، لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها. فإن قلت:
стр. 734
فهلا قيل: ولكل واحد من أبويه السدس؟ وأي فائدة في ذكر الأبوين أولا ثم في الإبدال منهما؟ قلت: لأن في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيد وتقوية كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير» هذا ما قاله الزمخشري ونقله بحروفه جميع المعربين والمفسرين، ولكن هناك نقدا لهذا الإعراب تراه في باب الفوائد. ومنهما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لواحد والسدس مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة ترك صلة الموصول وإن شرطية وكان له ولد: كان وخبرها المقدم واسمها المؤخر، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فلكل واحد وجملة الشرط مستأنفة (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ) الفاء استئنافية وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ولكن فعل مضارع ناقص مجزوم وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وولد اسمها المؤخر وورثه عطف على لم يكن والهاء مفعول به وأبواه فاعل (فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) الفاء رابطة لجواب الشرط ولأمه جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والثلث مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) عطف على ما تقدم (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) اضطرب كلام المعربين والمفسرين في تعليق هذا الجار والمجرور، فقد علقهما الزمخشري بما تقدم من قسمة المواريث لا بما يليه وحده، يريد الزمخشري أن يقول: إنهما متعلقان بقوله:
يوصيكم الله، وما بعده. وفي هذا التعليق ارتباك ملحوظ، ولهذا عدل أبو حيان عنه الى تعليقهما بفعل محذوف، أي يستحقون ذلك من بعد وصية. وفيه تسامح عاجز وهروب من التعليق، نريد أن نتفاداهما في القرآن الكريم وعلقهما أبو البقاء بمحذوف حال من السدس، تقديره: مستحقا من بعد وصية، وهو أشدّ من الأولين
стр. 735
ارتباكا، فالأولى أن نعلقهما- كما أرى- بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي قسمة هذه الأنصباء كائنة من بعد وصية. وجملة يوصي- بالبناء للمعلوم والمجهول- وقرىء بهما- صفة لوصية، وأو حرف عطف لإباحة الشيئين ودين عطف على وصية (آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) الجملة معترضة بين قوله:
من بعد وصية، وقوله: فريضة من الله. وآباؤكم مبتدأ وأبناؤكم عطف على «آباؤكم» . وجملة لا تدرون خبر، أيهم: اسم استفهام مبتدأ وأقرب خبره والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي تدرون لأنها علقت بالاستفهام، ولكم جار ومجرور متعلقان بأقرب ونفعا تمييز. ويجوز أن تعرب أي- كما يقول سيبويه- موصولة مبنية على الضم وهي مفعول تدرون وأقرب خبر لمبتدأ محذوف تقديره:
هم أقرب، أما مفعول تدرون الثاني فهو محذوف، وكلا الوجهين سائغ ومقبول (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) فريضة مفعول مطلق لفعل محذوف يفهم من الجملة السابقة من الوصية، هكذا أعربوه. وفيه أن الفريضة ليست مصدرا ولكنها فعيلة بمعنى مفعوله، فالأولى جعلها حالا مؤكدة، ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لفريضة، وان واسمها، وجملة كان عليما حكيما خبرها، وجملة إن وما في حيزها تعليلية لا محل لها.
الفوائد:
قلنا: إن المعربين جميعا تضافروا على إعراب «لكل واحد» بدلا بإعادة الجار ويرد على هذا الإعراب نظر لا بد من مراعاته، وذلك أنه يكون على هذا التقدير من بدل الشيء من الشيء، وهما كعين واحدة،
стр. 736
ويكون أصل الكلام: والسدس لأبويه لكل واحد منهما. ومقتضى الاقتصار على المبدل منه التشريك بينهما في السدس، كما قال: «فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك» فاقتضى اشتراكهما فيه فيقتضي البدل لو قدر إهدار الأول افراد كل واحد منهما بالسدس وعدم التشريك، وهذا يناقض حقيقة هذا النوع من البدل لأنه يلزم في هذا النوع أن يكون مؤدى المبدل والبدل واحدا، وإنما فائدته التأكيد بمجموع الاسمين لا غير بلا زيادة معنى، فاذا تحقق ما بينهما من التباين تعذرت البدلية المذكورة، ولا يصح أن يكون من يدل التقسيم أيضا على هذا الإعراب، وإلا لزم زيادة معنى في البدل فالوجه إذن أن يقدر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ولأبويه الثلث، ثم لما ذكر نصيبهما مجملا فصله بقوله: ولكل واحد منهما السدس، وساغ حذف المبتدأ لدلالة التفصيل عليه ضرورة، إذ يلزم من استحقاق كل واحد منهما للسدس استحقاقهما معا للثلث، والله أعلم. ولا يستقيم أيضا على هذا الوجه جعله من بدل التقسيم ألا تراك لو قلت: الدار كلها لثلاثة: لزيد ولعمر ولخالد، كان هذا بدلا وتقسيما صحيحا، لأنك لو حذفت المبدل منه فقلت: الدار لزيد ولعمر ولخالد، ولم تزد في البدل زيادة استقام، فلو قلت: الدار لثلاثة: لزيد ثلثها ولعمرو ثلثها ولخالد ثلثها، لم يستقم بدل تقسيم، إذ لو حذفت المبدل منه لصار الكلام: الدار لزيد ثلثها ولعمر ثلثها ولخالد ثلثها، فهذا كلام مستأنف لأنك زدت فيه معنى تمييز ما لكل واحد منهم، وذلك لا يعطيه المبدل، ولا سبيل في بدل الشيء من الشيء الى زيادة معنى.
ولهذا كان لا بد من إعراب لكل واحد خبرا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: ولأبويه الثلث، أي لكل منهما السدس. وهذا من الدقة بمكان.
стр. 737
[سورة النساء (٤) : آية ١٢]
وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
اللغة:
(كَلالَةً) : مصدر كلّ فلان إذا لم يكن ولدا أو والدا. أي:
كلّ عن بلوغ القرابة المماسة. قال الطّر ماح يصف الثور:
يهزّ سلاحا لم يرثه كلالة ... يشكّ به منها غموض المغابن
وقد تكلم علماء الفقه والتفسير كثيرا عن الكلالة، وسيأتي مزيد من القول في هذه السورة عن هذه اللفظة.
الإعراب:
(وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ) الواو حرف عطف ولكم جار
стр. 738
ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصف مبتدأ مؤخر وما اسم موصول مضاف إليه وجملة ترك صلة الموصول وأزواجكم فاعل (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) إن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكن فعل مضارع مجزوم بلم وهو فعل الشرط أيضا ولهن خبر يكن المقدم وولد اسمها المؤخر وجملة الشرط في محل نصب على الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله (فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ) الفاء عاطفة وإن شرطية، وكان وخبرها المقدم واسمها المؤخر والجملة معطوفة (فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) الفاء رابطة ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والربع مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة تركن صلة الموصول والجملة المقترنة بالفاء جواب الشرط (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال ووصية مضاف اليه وجملة يوصين صفة لوصية وبها جار ومجرور متعلقان بيوصين وأو حرف عطف ودين عطف على وصية (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ) تقدم إعراب ذلك كله فعرّج عليه (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) الواو عاطفة وإن شرطية وكان يجوز فيها النقصان والتمام فاذا كانت ناقصة فرجل اسمها وجملة يورث بالبناء للمجهول خبرها وكلالة حال، وإن كانت تامة فرجل فاعل وجملة يورث صفة وكلالة حال، ويجوز اعراب كلالة مفعولا لأجله، ويكون معناها القرابة، أو نعت لمصدر محذوف إذا كان معناها الورثة، أي:
يورث وراثة كلالة. وأجاز بعضهم أن تكون مفعولا به ثانيا، ولا أراه مستساغا (أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) أو حرف عطف وامرأة عطف على رجل وله الواو حالية وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وأخ مبتدأ مؤخر وأو حرف عطف وأخت عطف على أخ
стр. 739
(فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) الفاء رابطة ولكل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وواحد مضاف اليه ومنهما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لواحد والسدس مبتدأ مؤخر والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) الفاء استئنافية وان شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسم كان وأكثر خبرها ومن ذلك جار ومجرور متعلقان بأكثر والفاء رابطة وهم مبتدأ وشركاء خبر وفي الثلث جار ومجرور متعلقان بشركاء (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ) تقدم إعرابه فجدد به عهدا (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) غير مضار حال من ضمير يوصى ووصية مفعول مطلق موكد ليوصيكم ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لوصية (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وعليم حليم خبراه.
الفوائد:
١- مناقشة طريفة:
قال الشلوبين حكي لي أن نحويا سئل عن اعراب «كلالة» من قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) فقال: أخبروني:
ما الكلالة؟ فقالوا له: الورثة إذا لم يكن فيهم أب فما علا ولا ابن فما سفل. فقال: فهي إذن تمييز. وتوجيه قوله أن يكون الأصل:
وإن كان رجل يرثه كلالة، ثم حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول، فارتفع الضمير واستتر، ثم جيء بكلالة تمييزا.
стр. 740
ردّ ابن هشام:
وقد رد ابن هشام على هذا النحوي بقوله: «ولقد أصاب هذا النحوي في سؤاله وأخطأ في جوابه، فان التمييز بالفاعل بعد حذفه نقض للغرض الذي حذف لأجله وتراجع عما بنيت الجملة عليه من طيّ ذكر الفاعل فيها، ولهذا لا يوجد في كلامهم مثل: ضرب أخوك رجلا، واستطرد ابن هشام كعادته الى أن قال: والصواب في الآية أن «كلالة» بتقدير مضاف، أي ذا كلالة، وهو إما حال من ضمير يورث ف «كان» ناقصة ويورث خبر أو تامة فيورث صفة. وإما خبر فيورث صفة. ومن فسر «كلالة» بالميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا فهي أيضا حال أو خبر، ولكن لا تحتاج الى تقدير حذف مضاف. ومن فسرها بالقرابة فهي مفعول لأجله.
٢- عادة العرب إذا ردّدت بين اسمين بأو أن تعيد الضمير إليهما جميعا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصلهما، أو الى أحدهما أيهما شئت تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله وإن شئت فليصلها.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣ الى ١٤]
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)
следующие страницы →