Полный текст (5 784 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ويكون أصل الكلام: والسدس لأبويه لكل واحد منهما. ومقتضى الاقتصار على المبدل منه التشريك بينهما في السدس، كما قال: «فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك» فاقتضى اشتراكهما فيه فيقتضي البدل لو قدر إهدار الأول افراد كل واحد منهما بالسدس وعدم التشريك، وهذا يناقض حقيقة هذا النوع من البدل لأنه يلزم في هذا النوع أن يكون مؤدى المبدل والبدل واحدا، وإنما فائدته التأكيد بمجموع الاسمين لا غير بلا زيادة معنى، فاذا تحقق ما بينهما من التباين تعذرت البدلية المذكورة، ولا يصح أن يكون من يدل التقسيم أيضا على هذا الإعراب، وإلا لزم زيادة معنى في البدل فالوجه إذن أن يقدر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ولأبويه الثلث، ثم لما ذكر نصيبهما مجملا فصله بقوله: ولكل واحد منهما السدس، وساغ حذف المبتدأ لدلالة التفصيل عليه ضرورة، إذ يلزم من استحقاق كل واحد منهما للسدس استحقاقهما معا للثلث، والله أعلم. ولا يستقيم أيضا على هذا الوجه جعله من بدل التقسيم ألا تراك لو قلت: الدار كلها لثلاثة: لزيد ولعمر ولخالد، كان هذا بدلا وتقسيما صحيحا، لأنك لو حذفت المبدل منه فقلت: الدار لزيد ولعمر ولخالد، ولم تزد في البدل زيادة استقام، فلو قلت: الدار لثلاثة: لزيد ثلثها ولعمرو ثلثها ولخالد ثلثها، لم يستقم بدل تقسيم، إذ لو حذفت المبدل منه لصار الكلام: الدار لزيد ثلثها ولعمر ثلثها ولخالد ثلثها، فهذا كلام مستأنف لأنك زدت فيه معنى تمييز ما لكل واحد منهم، وذلك لا يعطيه المبدل، ولا سبيل في بدل الشيء من الشيء الى زيادة معنى.
ولهذا كان لا بد من إعراب لكل واحد خبرا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: ولأبويه الثلث، أي لكل منهما السدس. وهذا من الدقة بمكان.
стр. 737
[سورة النساء (٤) : آية ١٢]
وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
اللغة:
(كَلالَةً) : مصدر كلّ فلان إذا لم يكن ولدا أو والدا. أي:
كلّ عن بلوغ القرابة المماسة. قال الطّر ماح يصف الثور:
يهزّ سلاحا لم يرثه كلالة ... يشكّ به منها غموض المغابن
وقد تكلم علماء الفقه والتفسير كثيرا عن الكلالة، وسيأتي مزيد من القول في هذه السورة عن هذه اللفظة.
الإعراب:
(وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ) الواو حرف عطف ولكم جار
стр. 738
ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصف مبتدأ مؤخر وما اسم موصول مضاف إليه وجملة ترك صلة الموصول وأزواجكم فاعل (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) إن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكن فعل مضارع مجزوم بلم وهو فعل الشرط أيضا ولهن خبر يكن المقدم وولد اسمها المؤخر وجملة الشرط في محل نصب على الحال وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله (فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ) الفاء عاطفة وإن شرطية، وكان وخبرها المقدم واسمها المؤخر والجملة معطوفة (فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) الفاء رابطة ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والربع مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة تركن صلة الموصول والجملة المقترنة بالفاء جواب الشرط (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال ووصية مضاف اليه وجملة يوصين صفة لوصية وبها جار ومجرور متعلقان بيوصين وأو حرف عطف ودين عطف على وصية (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ) تقدم إعراب ذلك كله فعرّج عليه (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) الواو عاطفة وإن شرطية وكان يجوز فيها النقصان والتمام فاذا كانت ناقصة فرجل اسمها وجملة يورث بالبناء للمجهول خبرها وكلالة حال، وإن كانت تامة فرجل فاعل وجملة يورث صفة وكلالة حال، ويجوز اعراب كلالة مفعولا لأجله، ويكون معناها القرابة، أو نعت لمصدر محذوف إذا كان معناها الورثة، أي:
يورث وراثة كلالة. وأجاز بعضهم أن تكون مفعولا به ثانيا، ولا أراه مستساغا (أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) أو حرف عطف وامرأة عطف على رجل وله الواو حالية وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وأخ مبتدأ مؤخر وأو حرف عطف وأخت عطف على أخ
стр. 739
(فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) الفاء رابطة ولكل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وواحد مضاف اليه ومنهما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لواحد والسدس مبتدأ مؤخر والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) الفاء استئنافية وان شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسم كان وأكثر خبرها ومن ذلك جار ومجرور متعلقان بأكثر والفاء رابطة وهم مبتدأ وشركاء خبر وفي الثلث جار ومجرور متعلقان بشركاء (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ) تقدم إعرابه فجدد به عهدا (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) غير مضار حال من ضمير يوصى ووصية مفعول مطلق موكد ليوصيكم ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لوصية (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وعليم حليم خبراه.
الفوائد:
١- مناقشة طريفة:
قال الشلوبين حكي لي أن نحويا سئل عن اعراب «كلالة» من قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) فقال: أخبروني:
ما الكلالة؟ فقالوا له: الورثة إذا لم يكن فيهم أب فما علا ولا ابن فما سفل. فقال: فهي إذن تمييز. وتوجيه قوله أن يكون الأصل:
وإن كان رجل يرثه كلالة، ثم حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول، فارتفع الضمير واستتر، ثم جيء بكلالة تمييزا.
стр. 740
ردّ ابن هشام:
وقد رد ابن هشام على هذا النحوي بقوله: «ولقد أصاب هذا النحوي في سؤاله وأخطأ في جوابه، فان التمييز بالفاعل بعد حذفه نقض للغرض الذي حذف لأجله وتراجع عما بنيت الجملة عليه من طيّ ذكر الفاعل فيها، ولهذا لا يوجد في كلامهم مثل: ضرب أخوك رجلا، واستطرد ابن هشام كعادته الى أن قال: والصواب في الآية أن «كلالة» بتقدير مضاف، أي ذا كلالة، وهو إما حال من ضمير يورث ف «كان» ناقصة ويورث خبر أو تامة فيورث صفة. وإما خبر فيورث صفة. ومن فسر «كلالة» بالميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا فهي أيضا حال أو خبر، ولكن لا تحتاج الى تقدير حذف مضاف. ومن فسرها بالقرابة فهي مفعول لأجله.
٢- عادة العرب إذا ردّدت بين اسمين بأو أن تعيد الضمير إليهما جميعا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصلهما، أو الى أحدهما أيهما شئت تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله وإن شئت فليصلها.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣ الى ١٤]
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)
стр. 741
الإعراب:
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن ما تقدم من تشريع هو من حدود الله لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها. وتلك مبتدأ وحدود الله خبر (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويطع الله ورسوله فعل الشرط ويدخله جواب الشرط والهاء مفعول به وجنات منصوب بنزع الخافض أو مفعول به ثان على السعة وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) جملة تجري صفة لجنات ومن تحتها جار ومجرور متعلقان بتجري والأنهار فاعل وخالدين حال وفيها جار ومجرور متعلقان بخالدين (وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الواو حالية أو استئنافية وذلك مبتدأ والفوز خبر والعظيم صفة (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) تقدم اعرابها فعرج عليه.
البلاغة:
١- في هذه الآية فنّ غريب يطلق عليه اسم «جمع المختلفة والمؤتلفة» . وحدّه بأنه عبارة عن أن يريد المتكلم التسوية بين ممدوحين أو مذمومين أو اثنين أحدهما ممدوح والآخر مذموم، ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بما لا ينقص من الآخر، فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، فقد جمع ضمير الخالدين في الجنة لأن كل من دخل الجنة كان خالدا فيها أبدا أو لتفاوت درجات الخالدين. أما أهل النار فبينهم الخالدون وغير
стр. 742
الخالدين من عصاة المؤمنين، فساغ الجمع هناك ولم يسغ هنا. لأن الخالدين في النار فرقة واحدة أما الخالدون في الجنان فهم طبقات بحسب تفاوت درجاتهم. وهذا من أسمى مراتب البيان. ومن أمثلته البديعة في الشعر قول الخنساء وقد أرادت مساواة أخيها صخر في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد، فقالت:
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاة الحضر
وهما وقد برزا كأنهما ... صقرآن قد حطا على وكر
حتى إذا نزت القلوب وقد لزت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري
برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر
فقد ساوت بينهما في الجرأة وخوض غمار الحرب والإسراع في العدو والسباق في البيت الأول والحضر بضم الحاء السباق والعدو، والملاة بضم الميم: الرّيطة وهي كل ثوب رقيق.
ثم ساوت في البيت الثاني بينهما في جعلهما بمثابة صقرين سريعين، وفي البيت الثالث أرادت أن تصف الحرب وكيف لز بعض عذر اللحم على بعضها الآخر، مما يدل على المساواة في العدو، وتساءل الناس في البيت الرابع أيهما الوالد وأيهما الولد لشدة تشابههما، ثم انتهت في البيت الخامس الى ترجيح الوالد ببريق صفحة وجهه، أي أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا، وفي البيت السادس قالت إن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الادب مع برّ أبيه ومعرفته بحقه، فغض من عنانه، وخفض من جناح فضله ليؤثر
стр. 743
أباه بالفضل على نفسه. ومثله لنصر الله بن أحمد البصري المعروف بالخبز أرزي، وكان أميا يخبز خبز الأرز بالبصرة، وينشد أشعار الغزل. فمن ذلك قوله:
رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر
ولولا التّورّد في الوجنتين ... وما لاح لي من خلال الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر
فقد سوّى بينهما أولا ثم رجع ففضّل الحبيب على الهلال ٢- بين الإفراد والجمع:
ووثب أبو السعود العمادي مفتي القسطنطينية في تفسيره الى أوج الذكاء عندما قرر بإلهام موفق أن نكتة الافراد في قوله «خالدا» فيها الإيذان بأن الدخول في دار العقاب بصفة الانفراد أشد في استجلاب الوحشة، أما مجالس الجنة فهي بين الأخلاء والأحباء والاجتماع أدعى الى تبديد الوحشة.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٥ الى ١٦]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦)
стр. 744
الإعراب:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في أحكام الزانية. والواو استئنافية واللاتي اسم موصول وجملة يأتين الفاحشة صلة الموصول ومن نسائكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط، ولذلك جاز أن يخبر بالأمر عن المبتدأ بقوله: استشهدوا، ولك أن تجعل الخبر محذوفا أي: فيما يتلى عليكم حكم اللاتي. وعليهن جار ومجرور متعلقان باستشهدوا وأربعة مفعول به ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) الفاء استئنافية وإن شرطية وشهدوا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وأمسكوهن فعل أمر والواو فاعل والهاء مفعول به وفي البيوت جار ومجرور متعلقان بأمسكوهن والجملة في محل جزم جواب الشرط (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) حتى حرف غاية وجر ويتوفاهن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والهاء مفعول به والموت فاعل وأن المضمرة وما في حيزها مصدر مؤول في محل جر بحتى والجار والمجرور متعلقان بأمسكوهن وأو حرف عطف ويجعل فعل مضارع معطوف على «يتوفاهن» والله فاعل ولهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «سبيلا» وتقدمت، وسبيلا مفعول به (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) الواو حرف عطف
стр. 745
واللذان مبتدأ وأراد بهما الزاني والزانية، وجملة يأتيانها صلة والضمير يعود على الفاحشة ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والفاء رابطة وآذوهما فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة خبر وقد تقدم نظيره. ومعنى الإيذاء السب والتوبيخ والضرب (فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) فإن الفاء استئنافية وإن شرطية وتابا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وأصلحا عطف على «تابا» والفاء رابطة وجملة أعرضوا عنهما في محل جزم جواب الشرط (إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) إن واسمها وجملة كان واسمها المستتر وخبرها في محل جزم جواب الشرط، ورحيما خبر كان الثاني.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٧ الى ١٨]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)
اللغة:
(أَعْتَدْنا) أحضرنا وهيأنا، وهو عتيد أي حاضر مهيأ، وأصلها أعددنا، أبدلت الدال الأولى تاء.
стр. 746
الإعراب:
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) كلام مستأنف للشروع في بحث التوبة وشروطها، وإنما كافة ومكفوفة والتوبة مبتدأ وعلى الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وللذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر وجملة يعملون صلة الموصول والسوء مفعول به وبجهالة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي حالة كونهم جاهلين سفهاء (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) ثم حرف عطف للاشعار بأن التوبة جاءت متأخرة ولكنها قبلت على كل حال قبل وقت الاحتضار ومعاينة الموت، ويتوبون عطف على يعملون ومن قريب جار ومجرور متعلقان بيتوبون (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) الفاء استئنافية وأولئك اسم اشارة مبتدأ وجملة يتوب الله عليهم خبر (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) الواو استئنافية وكان واسمها وخبرها، وحكيما خبر ثان (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الواو عاطفة وليس واسمها، وللذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها وجملة يعملون السيئات صلة (حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) حتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل وجملة حضر أحدهم الموت في محل جر بالاضافة وأحدهم مفعول به مقدم والموت فاعل مؤخر ولم تجرّ «حتى» «إذا» لأن أدوات الشرط لا يعمل فيها ما قبلها ولكن الجملة الشرطية كلها في محل جر بحتى والجار والمجرور متعلقان بيعملون (قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإن واسمها، وجملة تبت خبرها والآن ظرف متعلق بتبت والجملة في محل نصب مقول القول (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) الواو عاطفة ولا نافية والذين عطف على الذين يعملون وجملة يموتون صلة والواو حالية وهم مبتدأ
стр. 747
وكفار خبر والجملة نصب على الحال (أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) الجملة مستأنفة ولك أن تجعلها مفسرة وعلى كل حال لا محل لها واسم الاشارة مبتدأ وجملة أعتدنا خبر ولهم جار ومجرور متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة.
الفوائد:
١- شغلت هذه الآية العلماء والمعربين والمفسرين وسنلخص لك بعض آرائهم في قوله «بجهالة» :
أ- إنها كل معصية يفعلها العبد بجهالة وإن كانت على سبيل العمد لأنه يدعو إليها الجهل، ويزينها للعبد.
ب- إن معنى «بجهالة» أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة كما يعلم الشيء ضرورة.
ح- إن معنى «بجهالة» أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاص فيفعلونها إما بتأويل خاطئ وإما بأن يفرطوا في الاستدلال على قبحها وضعف الرّماني هذا القول بأنه خلاف ما أجمع عليه المفسرون، ولأنه يوجب أن لا يكون لمن علم أنها ذنوب توبة.
٢- هذا ولا مندوحة لنا عن الإشارة الى الخلاف الذي شجر بين أهل السنة والاعتزال حول قوله: «على الله» فقد قال الزمخشري:
«يعني إنما القبول والغفران واجب على الله لهؤلاء» وهو يجري في ذلك على سنن المعتزلة. وقد فنّد أهل السنة هذا القول بأنه قياس الخالق على الحق، وأنه لإطلاق يتقيد عنه لسان العاقل، الى آخر تلك المناظرة الفريدة.
стр. 748
٣- وقال أبو حيّان: «وارتفاع التوبة على الابتداء والخبر هو «على الله» و «للذين» متعلق بما تعلق به «على الله» والتقدير:
إنما التوبة مستقرة على فضل الله وإحسانه للذين..
٤- وقال أبو البقاء: في هذا الوجه يكون «للذين يعملون السوء» حالا من الضمير في قوله «على الله» والعامل فيها الظرف والاستقرار، أي: ثابتة للذين، وأجاز أبو البقاء أن يكون الخبر «للذين» ويتعلق «على الله» بمحذوف ويكون حالا من محذوف أيضا والتقدير: إنما التوبة إذا كانت أو إذ كانت على الله للذين، وكان تامة وصاحب الحال ضمير الفاعل لكان. وإنما أوردنا هذه الأقوال للتدريب على ما راض علماؤنا أنفسهم على فهم كتاب الله تعالى، وما أوردناه كاف.
[سورة النساء (٤) : آية ١٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩)
اللغة:
(تَعْضُلُوهُنَّ) مضارع عضل على فلان أي ضيّق عليه أمره وحال بينه وبين ما يريد. والعضل الحبس والتضييق، وعضّلت المرأة بولدها إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه، فيكون استعمال ذلك مجازا. ومن رائع الشعر قول أوس:
стр. 749
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ... معضّلة منا بجمع عرمرم
وردّد النابغة هذا المعنى فقال يصف جيشا:
لجب يظلّ به الفضاء معضّلا ... يدع الإكام كأنهن صحاري
والمراد به هنا في الآية: لا تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهنّ حتى ترثوا منهن وهنّ غير راضيات. وكان الرجل إذا تزوج امرأة، ولم تكن من حاجته، حبسها مع سوء العشرة والقهر، لتفتدي منه بمالها وتختلع، فقال تعالى: «ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن» . هذا وقد تقدم الكلام عن وقوع العين والضاد فاء وعينا للكلمة، وما ترمز اليه حينئذ من معاني القوة والشدة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها كثيرا (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) كلام مستأنف مسوق لإنصاف المرأة مما كانت تسام به من ظلم وافتئات، ولا نافية ويحل فعل مضارع مرفوع ولكم جار ومجرور متعلقان بيحل وأن ترثوا النساء المصدر المؤوّل فاعل يحل والنساء مفعول به وكرها بضم الكاف وفتحها، وهما قراءتان، حال أي: كارهات (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ) الواو عاطفة ولا نافية وتعضلوهن عطف على ترثوا أي: ولا أن تعضلوهن ولتذهبوا اللام للتعليل وتذهبوا فعل مضارع منصوب بأن
стр. 750
مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بتعضلوهن وببعض جار ومجرور متعلقان بتذهبوا وما اسم موصول مضاف إليه وجملة آتيتموهن صلة الموصول (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) إن كان الاستثناء منقطعا كان المصدر المؤول واجب النصب على الاستثناء، وإن كان متصلا بما قبله كان الاستثناء من أعم الأحوال، فيعرب حالا. وأعربه أبو حيان مستثنى من أعم الظروف أو العلل، فهو منصوب عنده على الظرفية الزمانية، أو على أنه مفعول لأجله، كأنه قيل: ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت أن يأتين، أو لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا أن يأتين، وهما سائغان. ويأتين فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب بأن وبفاحشة جار ومجرور متعلقان بيأتين ومبينة بفتح الياء وكسرها قراءتان (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) الواو عاطفة وعاشروهن فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به وبالمعروف جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: محسنين ومجملين في القول والعمل (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) الفاء استئنافية وإن شرطية وكرهتموهن فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فعسى الفاء رابطة وعسى هنا تامة وهي فعل جامد وأن وما بعدها فاعل، ويجعل فعل مضارع معطوف بالواو على تكرهوا منصوب مثله والواو فاعله وفيه جار ومجرور متعلقان بيجعل، فهو بمثابة المفعول الثاني ليجعل، وخيرا مفعولها الأول وكثيرا صفة.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)
стр. 751
اللغة:
(القنطار) تقدم القول فيه، والمراد به هنا المال العظيم، من قنطرت الشيء إذا رفعته، ومنه القنطرة: لأنها بناء مشيد، قال:
كقنطرة الرومي أقسم ربّها ... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد
(البهتان) أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه، لأنه يبهت عند ذلك، أي: يتحير. ومن الأبيات التي استعمل فيها لفظ بهت، وعبرت تعبيرا نفسيا قوله:
وما هي إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وجميع الأفعال التي فاؤها باء وعينها هاء تتعلق بشعور نفساني، وقد أحصينا الكثير منها فلم يشذ واحد منها على هذا التحديد العجيب، فمن ذلك بهج به وابتهج أي سره ذلك، وهو أمر يتعلق بصميم النفس قال النابغة:
كمضيئة صدفيّة غوّاصها ... بهج متى يرها يهلّ ويسجد
وبهره غلبه، وبهرا دعاء عليه بالغلبة. قال عمر بن أبي ربيعة:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرّمل والحصى والتراب
وبهرج في كلامه أي خالطه بما يسوء النفس. والكلام في هذا يطول.
стр. 752
الإعراب:
(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ) الواو استئنافية وإن شرطية وأردتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء فاعل واستبدال زوج مفعول به ومكان زوج ظرف مكان متعلق باستبدال (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) الواو حالية وآتيتم فعل وفاعل والجملة نصب على الحال وإحداهن مفعول به أول وقنطارا مفعول به ثان فلا الفاء رابطة ولا ناهية وتأخذوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل ومنه جار ومجرور متعلقان بتأخذوا وشيئا مفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الهمزة للاستفهام والتوبيخ والإنكار والجملة استئنافية وتأخذونه فعل مضارع وفاعل ومفعول به وبهتانا حال أو مفعول لأجله وإثما عطف على بهتانا ومبينا صفة (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) الواو حرف عطف وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وتأخذونه فعل مضارع وفاعل ومفعول به والواو حالية وقد حرف تحقيق وأفضى بعضكم فعل وفاعل والى بعض جار ومجرور متعلقان بأفضى وأخذن عطف على أفضى والنون فاعل وميثاقا مفعول به وغليظا صفة.
البلاغة:
الكناية في الإفضاء الى الشيء لأنه عبارة عن المباشرة له والذي عنى الإفضاء في هذا الموضع هو الجماع عند الشافعي، وهو قول ابن عباس أو الخلوة وإن لم يجامع. كما هو اختيار أبي حنيفة والفراء.
стр. 753
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
اللغة:
(الربائب) جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره.
(الحجور) جمع حجر بفتح الحاء وكسرها مقدم الثوب، والمراد به هنا لازم الكون في الحجور وهو الكون في تربيتهم.
(الحلائل) جمع حليلة وهي الزوجة، قال الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلّق
الإعراب:
(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرّم. والواو
стр. 754
استئنافية ولا ناهية وتنكحوا فعل مضارع مجزوم بلا وما اسم موصول مفعول به، وهي واقعة على النوع كالتي في قوله: «ما طاب لكم من من النساء» أي: ولا تنكحوا النوع الذي نكح آباؤكم، وقال قوم:
ما مصدرية والتقدير لا تنكحوا نكاح آبائكم، أي: مثل نكاح آبائكم الفاسد فهي مع مدخولها مفعول مطلق، ولا بأس بذلك ونكح آباؤكم فعل وفاعل ومن النساء جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) إلا أداة استثناء وما مستثنى منقطع لأن الماضي لا يستثنى من المستقبل، ويجوز أن يكون متصلا. وسيرد مزيد عنه في باب البلاغة. وجملة قد سلف صلة وإن واسمها، وجملة كان فاحشة خبر إن وجملة إنه تعليلية لا محل لها، ومقتا عطف على فاحشة وساء فعل ماض لإنشاء الذم والفاعل مبهم مستتر يفسره التمييز وهو «سبيلا» والجملة إما مستأنفة وإما عطف على خبر كان محكية بقول مضمر (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) حرم فعل ماض مبني للمجهول والتاء تاء التأنيث الساكنة وعليكم جار ومجرور متعلقان بحرمت وأمهاتكم نائب فاعل (وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ) عطف على أمهاتكم، فهي داخلة في نطاق التحريم (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) عطف أيضا (وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ) عطف أيضا والجار والمجرور نصب على الحال من أخواتكم (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ) عطف أيضا وفي حجوركم متعلقان بمحذوف صلة ومن نسائكم متعلقان بمحذوف حال من ربائبكم (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) اسم الموصول صفة لنسائكم وجملة دخلتم بهن صلة والباء للتعدية أي: دخلتم الخلوة بهن (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) الفاء استئنافية ولم تكونوا فعل الشرط وجملة دخلتم بهن خبر كان
стр. 755
والفاء رابطة ولا نافية للجنس وجناح اسمها وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) عطف على ما تقدم والذين صفة أبنائكم ومن أصلابكم الجار والمجرور صلة الموصول (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) المصدر الاول عطف أيضا، وبين ظرف متعلق بتجمعوا والأختين مضاف اليه وإلا أداة استثناء وما مستثنى منقطع أو متصل، وقد تقدم إعرابها (إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) إن واسمها، وكان واسمها، وخبراها والجملة خبر إن، وجملة إن الله استئنافية.
البلاغة:
١- في هذه الآية فن المبالغة بقوله: «إلا ما قد سلف» وذلك أن المنهيّ عنه وهو نكاح ما نكح الآباء من النساء أمر مستنكر عند أكثر الخلق، وقد بلغ حدا من البشاعة والاستهجان أنه كان ممقوتا قبل ورود الشرع به، جدير بأن يمتثل النهي عنه.
٢- الكناية في قوله: «دخلتم بهن» فهي كناية عن الجماع كما تقدم أو الخلوة.
٣- حسن النسق في ترتيب العطف، وهو ظاهر.
الفوائد:
١- (الأمهات) جمع أم فالهاء زائدة في الجمع فرقا بين العقلاء وغيرهم. يقال في العقلاء أمهات وفي غيرهم أمات. وقد يتقارضان.
٢- أخت وبنت أصلهما أخو وبنو حذفت واوهما وعوض عنها التاء.
стр. 756
[سورة النساء (٤) : آية ٢٤]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
اللغة:
(الْمُحْصَناتُ) اللواتي أحصنّ فزوجهنّ بالتزويج. وهي بفتح الصاد كما في قراءة الجمهور، ما عدا الكسائي الذي قرأها بالكسر.
فهي اسم مفعول على قراءة الجمهور. واسم فاعل في قراءة الكسائي في جميع القرآن، أما في هذه الآية فقد تبع فيها الكسائي الجمهور.
(مُسافِحِينَ) : جمع مسافح وهو الزّاني. من السفح أي صب المني. وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحيني وماذيني. من المذي.
الإعراب:
(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) عطف على ما تقدم من المحرمات، ومن النساء: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وإلا:
أداة استثناء وما مستثنى متصل، وقيل: منقطع باعتبار أن المستثنى منه نكاح الزوجات، والمستثنى وطء المتزوجات، ففيه رائحة الانقطاع، ولا داعي لهذا التكلف. وجملة ملكت أيمانكم صلة الموصول أي:
стр. 757
اللواتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال للغزاة، وإن كنّ محصنات. وعن أبي سعيد الخدري بعث رسول الله ﷺ جيشه يوم حنين الى أوطاس، فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهنّ، فأنزل الله هذه الآية. وقد افتن شعراؤنا بهذا المعنى فقال الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق
(كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كتاب مصدر مؤكد أي: كتب الله ذلك عليكم كتابا وفرضه فرضا. وعليكم جار ومجرور متعلقان بالمصدر، وسيأتي مزيد بسط لذلك في باب الفوائد (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) الواو عاطفة وأحلّ فعل ماض مبني للمجهول وقرىء بالبناء للمعلوم وهو معطوف على الفعل الذي نصب المصدر ولكم جار ومجرور متعلقان بأحل وما اسم موصول نائب فاعل أو مفعول به ووراء ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول واسم الاشارة مضاف إليه (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) المصدر المؤول من أن وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي إرادة أن تبتغوا النساء والمفعول به محذوف للعلم به، ومحصنين حال أولى وغير مسافحين حال ثانية (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) الفاء استئنافية وما اسم موصول أو اسم شرط جازم وهي مبتدأ على كل حال واستمتعتم صلة إن كانت ما موصول وفعل الشرط إن كانت شرطية وبه جار ومجرور متعلقان باستمتعتم ومنهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال فآتوهن: الفاء رابطة على كل حال، وآتوهن: الجملة خبر ما الموصولية أو في محل جزم جواب الشرط ويكون فعل الشرط وجوابه خبر ما الشرطية وأجورهن مفعول به ثان والمفعول الاول هو الهاء في آتوهن وفريضة
стр. 758
حال من أجورهن أو اسم مصدر مؤكد كما قال بعضهم ولا داعي لذلك (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) الواو عاطفة أو استئنافية ولا نافية للجنس وجناح اسمها المبني على الفتح وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا. وفيما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة تراضيتم لا محل لها صلة وبه جار ومجرور متعلقان بتراضيتم ومن بعد الفريضة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) الجملة تعليل لما ورد من أحكام وبقية الإعراب تقدمت نظائره.
البلاغة:
١- في قوله: «مسافحين» استعارة تصريحية لكثرة الزنا، تشبيها بصبّ الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة.
٢- وفي قوله: «فآتوهن أجورهن» استعارة تصريحية أيضا فقد استعار لفظ الأجور للمهر، والأجور جمع أجر، وهو ما يتقاضاه المرء على عمل.
الفوائد:
أعرب الكسائي: «كتاب الله عليكم» نصبا على الإغراء كأنه قال: عليكم كتاب الله، فقدم المفعول به على اسم الفعل وهو عليكم.
ثم قال: وذلك جائز، وقد ورد به السماع والقياس. فالسماع قول الراجز:
أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
стр. 759
والمراد دونك دلوي أي خذه، وأما القياس فإن الظرف أي عليكم: ناب عن الفعل تقديره: الزموا كتاب الله، ولو ظهر الفعل جاز تقديم معموله، فكذلك معموله. والصواب ما ذهبنا إليه، ولكننا أشرنا إليه لقبس الذكاء المشرق منه، وتفنيده يضيق عنه المجال.
[سورة النساء (٤) : آية ٢٥]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
اللغة:
(الطول) بفتح الطاء: الفضل والزيادة والاستطاعة والنيل، يقال: طلته أي نلته، قال الفرزدق:
إن الفرزدق صخرة عادية ... طالت فليس تنالها الأوعالا
أي طالت الأوعالا ف «الأوعالا» مفعول طالت. وأمر طائل أي يعتدّ به قال:
стр. 760
لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ متطاول
ومنه الطّول في الجسم بضم الطاء، لأنه زيادة فيه والطول بكسر الطاء وفتح الواو هو حبل تشدّ به قوائم الدابة، قال طرفة:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول المرخى وثنياه في اليد
(الأخدان) الأخلّاء في السرّ، جمع خدن بكسر الخاء، وقال أبو زيد: الأخدان: الأصدقاء على الفاحشة، والواحد خدن وخدين.
(الْعَنَتَ) : المشقة في الأصل، وأصله الاول انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة. والمراد به هنا الزنا.
الإعراب:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) كلام مستأنف مسوق لتتمة هذه الاحكام المشروعة، وقد كثرت الأعاريب وأحكام المفسرين والمعربين في هذه الآية، وسنختار ما هو أقرب الى المنطق منها. فمن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ولم يستطع في محل جزم فعل الشرط ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وطولا مفعول يستطع والمصدر المؤول من أن وينكح مفعول طولا لأنه مصدر والمعنى ومن لم يستطع زيادة في المال يبلغ بها نكاح الحرّة فلينكح أمة. ويجوز إعراب المصدر المؤول نصبا على نزع الخافض، أي: طولا الى أن ينكح المحصنات. وهذا أقرب ما نراه مستساغا
стр. 761
من الأعاريب التي تخبط بها النحاة والمعربون (فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) الفاء رابطة لجواب الشرط ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف لفعل محذوف، أي: فلينكح أمة ما ملكت أيمانكم وجملة ملكت أيمانكم لا محل لها لأنها صلة الموصول ومن فتياتكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المقدر في «ما ملكت» والعائد على ما وفعل الشرط وجوابه خبر من الموصولية، والمؤمنات صفة لفتيات (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ) الواو اعتراضية والله مبتدأ وأعلم خبر وبايمانكم جار ومجرور متعلقان بأعلم والجملة لا محل لها لأنها معترضة (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) بعضكم مبتدأ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتسوية بينكم وبينهن في الدين، وهذا من أروع التعابير عن المساواة (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر أي: إذا علمتم الوجهة المستقيمة الجديرة بالاتباع فانكحوهن والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبإذن أهلهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) عطف على فانكحوهن وبالمعروف جار ومجرور متعلقان بآتوهن أجورهن ومعناه وبغير مطل وضرار. وآتى ينصب مفعولين وهما الهاء وأجورهن (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) محصنات حال من المفعول به في قوله: «فانكحوهن» و «غير مسافحات» حال ثانية ولا متخذات أخدان عطف على مسافحات (فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وأحصن فعل ماض مبني للمجهول والنون نائب فاعل والجملة في محل جر بالإضافة فإن الفاء رابطة لجواب إذا، وإن شرطية وأتين فعل ماض مبني على السكون في
стр. 762
محل جزم فعل الشرط والنون فاعل وبفاحشة جار ومجرور متعلقان بأتين، فعليهن الفاء رابطة لجواب الشرط وعليهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصف مبتدأ مؤخر وما اسم موصول في محل جر بالإضافة وعلى المحصنات جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول ومن العذاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة: فإن أتين لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة فعليهن نصف في محل جزم جواب الشرط الجازم وهو إن (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) ذلك اسم اشارة مبتدأ ولمن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر وجملة خشي لا محل لها لأنها صلة الموصول والعنت مفعول به ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والجملة مستأنفة لا محل لها (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) الواو استئنافية وأن وما في حيزها مصدر مؤول مبتدأ وخير خبر للمصدر المؤول، ولكم جار ومجرور متعلقان بخير (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وغفور خبر أول ورحيم خبر ثان.
الفوائد:
اخترنا في الإعراب ما رأيناه أدنى الى المنطق وأقرب الى الصواب، ولكننا لزيادة الفائدة نورد ما قاله بعض العلماء في اعراب هذه الآية، فقد أجازوا جعل «أن ينكح» بدلا من «طولا» بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد، لأن الطّول هو القدرة، والنكاح قدرة، وأجازوا أن يكون المصدر المؤول مفعول يستطع، وقالوا في نصب «طولا» إنه يجوز أن يكون مفعولا لأجله على حذف مضاف أي:
ومن لم يستطع منكم نكاح المحصنات لعدم الطول وأن يكون نصبا
стр. 763
على المصدرية، والعامل فيه الاستطاعة، والتقدير: ومن لم يستطع منكم استطاعة أن ينكح. فتدبّر والعصمة لله وحده.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)
الإعراب:
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتتمة بيان ما سبق من أحكام. ويريد الله فعل مضارع وفاعل وليبين: اللام زائدة ولكنها أعطيت حكم لام التعليل وقد أفادت زيادة اللام تأكيدا لإرادة التبيين، والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفيّ عنكم من مصالحكم، وأن يهديكم مناهج من كانوا قبلكم للاقتداء بما هو صالح منها لكم ومنسجم مع واقعكم. ويهديكم عطف على يبين والكاف مفعول به أول وسنن مفعول به ثان والذين مضاف اليه ومن قبلكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، ويجوز في «سنن» أن تكون منصوبة بنزع الخافض، وقد تقدم بحث هدى في الفاتحة (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) عطف على «يبين» ، وعليكم جار ومجرور متعلقان بيتوب (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ
стр. 764
وعليم خبر أول وحكيم خبر ثان (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يريد خبر وأن يتوب مصدر مؤول مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بيتوب (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ) عطف على يريد السابقة والذين فاعل وجملة يتبعون صلة الموصول والشهوات مفعول به وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم (أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً) أن وما بعدها مصدر مؤول مفعول يريد، وميلا مفعول مطلق وعظيما صفة (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) تأكيد لما سبق لبسط التقرير، والجملة مستأنفة تقدم اعرابها (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) الجملة مستأنفة بمثابة التعليل للتخفيف وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل وضعيفا حال من الإنسان وهي حال مؤكدة، أي لا يقوى على مغالبة الشهوات ومدافعة النفس الأمّارة بالسوء.
الفوائد:
هذا تركيب شغل المعربين، وتضاربت فيه أقوال المفسرين، وقد أوردنا في باب الإعراب ما ارتأيناه وارتآه الزمخشري من قبل، وهو رأي الكوفيين. ولكن سيبويه والبصريين يرون أن مفعول يريد محذوف وتقديره يريد الله هذا، أي تحليل ما أحل وتحريم ما حرّم، وتشريع ما تقدم ذكره ليستقيم معنى التعليل. ولكننا نرى فيه تكلفا لا يتفق مع أسلوب القرآن السمح، وهناك قولان جديران بالتدوين:
١- قول الفراء:
أما الفرّاء فيرى أن اللام هنا هي لام كي التي تعاقب «أن» قال
стр. 765
العرب تعاقب بين لام كي و «أن» فتأتي باللام التي على معنى «كي» في موضع «أن» في: أردت وأمرت فتقول: أردت أن تفعل وأردت لتفعل، ومنه قوله تعالى: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم» «وأمرت لأعدل بينكم» «وأمرنا لنسلم لرب العالمين» ومنه قوله:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لي ليلى بكل سبيل
٢- قول الزجاج:
وقد حكى الزجاج هذا القول وقال: لو كانت اللام بمعنى «أن» دخلت عليها لام أخرى كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول:
جئت لكي تكرمني، وأنشد:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان بعض المحرمات المتعلقة بالأموال
стр. 766
والأنفس، وقد تقدم إعراب النداء كثيرا، ولا ناهية وتأكلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وأموالكم مفعول به وبينكم ظرف متعلق بتأكلوا وبالباطل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال والمراد بالباطل هنا ما لم تبحه الشريعة. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) إلا أداة استثناء والمصدر المؤول في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، لأن التجارة ليست من جنس الأموال المأكولة بالباطل، ولأن الاستثناء وقع على الكون، والكون معنى لا مادة، وخص التجارة لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. وتجارة خبر تكون واسمها مستتر تقديره:
إلا أن تكون التجارة تجارة، وعن تراض جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، أي تجارة صادرة عن تراض، [والتراضي معروف في كتب الفقه وعند الشافعي تفرقهما عن مجلس العقد متراضيين] . ومنكم جار والمعاملات فهو عند أبي حنيفة رضا المتبايعين وقت الإيجاب والقبول ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لتجارة (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) عطف على ما تقدم، ولا ناهية وتقتلوا مضارع مجزوم بها وأنفسكم مفعول به (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) الجملة تعليل للمنع لا محل لها وإن واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويفعل فعل الشرط وذلك اسم إشارة مفعول به، والإشارة لما تقدم من المنهيات، وقيل عن قتل الأنفس خاصة. وعدوانا وظلما مصدران في موضع نصب على الحال أو مفعول لأجله (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً) الفاء رابطة لجواب الشرط وسوف حرف استقبال ونصليه فعل مضارع والهاء مفعول به أول ونارا مفعول به ثان والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من الشرطية (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) الواو استئنافية وكان واسمها، ويسيرا خبرها وعلى الله متعلقان بيسير أو بمحذوف صفة له.
стр. 767
[سورة النساء (٤) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)
الإعراب:
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) كلام مستأنف مسوق للدعوة الى اجتناب الكبائر والتزام الطاعات. وإن شرطية وتجتنبوا فعل الشرط والواو فاعل وكبائر مفعول به وما اسم موصول مضاف اليه وجملة تنهون عنه لا محل لها لأنها صلة وتنهون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وعنه جار ومجرور متعلقان بتنهون (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) نكفر جواب الشرط وعنكم جار ومجرور متعلقان بنكفر وسيئاتكم مفعول به (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً) وندخلكم عطف على نكفر والكاف مفعول به ومدخلا اسم مكان أو مصدر ميمي فهو مفعول به ثان على السعة أو مفعول مطلق وقيل ظرف مكان وليس ببعيد، وكريما صفة (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ) كلام مستأنف مسوق للنهي عن التمني لأن فيه تعلق البال بالدنيا ونسيان الآخرة، والواو استئنافية ولا ناهية وتتمنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وما اسم موصول مفعول به وجملة فضل الله
стр. 768
صلة وبه جار ومجرور متعلقان بفضل وبعضكم مفعول به وعلى بعض متعلقان بفضل أيضا. وفي هذا النهي دعوة الى تجنب الحسد (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) الجملة لا محل لها لأنها مستأنفة، ويجوز أن تكون مفسرة لما ساق النهي لأجله، وللرجال جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصيب مبتدأ مؤخر ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لنصيب وجملة اكتسبوا صلة (وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) عطف على الجملة السابقة (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) عطف على النهي. واسألوا فعل أمر مبني على حذف النون ولفظ الجلالة مفعول أول والثاني محذوف، ومن فضله متعلقان بمحذوف صفة للمفعول الثاني المحذوف، أي: شيئا من فضله (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) إن واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن، والجملة تعليلية لا محل لها وبكل جار ومجرور متعلقان ب «عليما» .
[سورة النساء (٤) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)
стр. 769
اللغة:
(النشوز) : أصل النشوز الارتفاع الى الشرور، ونشوز المرأة:
بغضها لزوجها وارتفاع نفسها عليه تكبّرا، ويقال: علوت نشزا من الأرض ونشزا بسكون الشين وفتحها. ونشز الشيء عن مكانه:
ارتفع، ونشزت إليّ النفس: جاشت من الفزع، وامرأة ناشز. ومن غريب أمر النون والشين أنهما لا تقعان فاء وعينا للكلمة إلّا دلتا على هذا المعنى أو ما يقاربه: ارتفاع عن الشيء ومباينة لأصله وعدم انسجام مع حقيقته، ومنه نشأ الإنسان أي ارتفع وظهر، وأنشأناهنّ إنشاء، ومن أين نشأت؟ والجواري المنشآت: السفن الماخرة عباب البحر، ونشب العظم في الحلق علق وارتفع عليه، وتراموا بالنّشاب ونشبت الحرب، ونشج الباكي نشجا وهو ارتفاع البكاء وتردّده في الصدر، وأنشد الشعر إنشادا حسنا لأن المنشد يرفع صوته، الى آخر ما اشتملت عليه هذه المادة وهذا من عجائب ما تميزت به لغتنا الشريفة.
الإعراب:
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) الكلام مستأنف مسوق لتتمة أحكام الإرث وقد تكلم المعربون والمفسرون كثيرا عن هذه الآية، وأطالوا في القول وقلبوا الكلام على شتى وجوهه فلم يصل أحد منهم الى طائل يشفي الغليل، فهي من الكلام المعجز، وأقرب ما رأيناه فيها هو ما يلي: الواو استئنافية ولكل جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والتنوين في كل عوض عن كلمة، أي:
لكل قوم. وجملة جعلنا صفة لقوم ومفعول جعلنا الأول محذوف أي
стр. 770
جعلناهم وموالي مفعول به ثان ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للمبتدأ المؤخر المحذوف أي نصيب وجملة ترك صلة الموصول والوالدان فاعل والأقربون عطف عليه. والمعنى ولكل من هؤلاء الذين جعلناهم موالي نصيب من التراث المتروك. وهذا أجود الاوجه من جهة المعنى، ولكنه كما رأيت يحتاج الى تقديرات كثيرة. ويليه في الجودة أن يكون «لكل» مفعولا مقدما لجعلنا وموالي مفعول به ثان والمضاف «لكل» هو المال أي: جعلنا لكل مال موالي، ومما ترك صفة، وفي هذا ما فيه. وسيأتي في باب الفوائد بعض ما قاله الأئمة (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) الواو استئنافية والذين اسم موصول مبتدأ وجملة عقدت أيمانكم صلة والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وجملة آتوهم خبر الذين والهاء مفعول به أول ونصيبهم مفعول به ثان. ويجوز أن تكون الواو عاطفة والذين مرفوع عطف على الوالدان والأقربون، ويجوز أن يكون الذين منصوبا على الاشتغال أي مفعول به لفعل محذوف نحو: زيدا فاضربه، ومنهم من أعربه معطوفا على موالي، واختاره أبو البقاء. وهناك أقوال كثيرة ضربنا عنها صفحا. ومفعول عقدت محذوف أي عقدتهم والنسبة مجازية كما سيأتي في باب البلاغة (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) إن واسمها، وجملة كان خبر إن وعلى كل شيء متعلقان ب «شهيدا» وشهيدا خبر كان الناقصة (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان سبب زيادة استحقاق الرجال الزيادة في الميراث مما يرجع اليه في المظانّ المعروفة، والرجال مبتدأ وقوامون خبره وعلى النساء جار ومجرور متعلقان بقوامون أي يقومون بتدبير شئونهم وتحصيل معايشهم ليتاح للأم أن تنصرف الى شئون بيتها أو لتمارس الأعمال التي تنسجم مع طبيعتها، وكل امرئ
стр. 771
ميسّر لما خلق له، كما جاء في الحديث. وبما فضل متعلقان بقوامون أيضا والباء سببية جارة وما مصدرية أو موصولية، والجملة بعدها لا محل لها على التقديرين. والله فاعل وبعضهم مفعول وعلى بعض متعلقان بفضل (وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) عطف على ما تقدم (فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ) الفاء استئنافية بمثابة التفريع على ما تقدم، والصالحات مبتدأ وقانتات خبر أول وحافظات خبر ثان وللغيب متعلقان بحافظات (بِما حَفِظَ اللَّهُ) الجار والمجرور متعلقان بحافظات وما مصدرية أي بسبب حفظ الله لهن إذ عصمهنّ ووفقهنّ لحفظ غيبة الأزواج، ويجوز جعل ما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن من مهور أزواجهن والنفقة عليهن والجملة بعد «ما» لا محل لها من الإعراب (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ) الواو استئنافية واللاتي اسم موصول مبتدأ وجملة تخافون نشوزهن صلة ونشوزهن مفعول به (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وعظوهن فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة خبر الموصول واهجروهن عطف على عظوهن وفي المضاجع متعلقان باهجروهن واضربوهن عطف أيضا (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) الفاء استئنافية وإن شرطية وأطعنكم فعل ماض والنون فاعل والكاف مفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة لجواب الشرط ولا ناهية وتبغوا فعل مضارع مجزوم بلا وعليهن متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة ل «سبيلا» وتقدم عليه وسبيلا مفعول به. ويحتمل أن تكون «تبغوا» من البغي أي الظلم، والمعنى: فلا تبغوا عليهن، فيتعلق «عليهن» بمحذوف حال، وانتصاب «سبيلا» على هذا هو على إسقاط الخافض (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) إن واسمها وجملة كان عليا كبيرا خبرها.
стр. 772
البلاغة:
١- المجاز المرسل في قوله: «عقدت أيمانكم» سواء أريد بالإيمان اليد الجارحة أو القسم. والعلاقة هي السببية.
٢- الكناية في قوله «في المضاجع» فقد كنى بذلك عن الجماع.
وقد تقدم البحث مستوفى عن الكناية. وللعرب في الكناية عن الجماع تأثّما عن ذكره أساليب عديدة، كقوله تعالى: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» ومن الشعر قول امرئ القيس:
وصرنا الى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أي إذلال
فرياضة المرأة وإذلالها ورقة كلامها من البهر وفرط الشهوة كناية عن ذلك غاية في الجمال والتعفف. ومن طريف الكنايات المتعلقة بالمضاجع ما يروى عن عمرو بن العاص أنه زوّج ولده عبد الله، فمكثت المرأة عنده ثلاث ليال لم يدن منها وإنما كان ملتفتا الى صلاته، فدخل عليها عمرو بعد ثلاث فقال: كيف ترين بعلك؟ فقالت: نعم البعل إلا أنه لم يفتش لنا كنفا ولم يقرب لنا مضجعا. من الكناية التي يعزّ نظيرها.
نموذج بين الإحسان والاساءة:
ومما أسيء استعماله من الكناية عن الجماع قول المتنبي:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعفّ عمّا في سراويلاتها
стр. 773
فقد أراد أن يكنّي عن النزاهة والعفة فوقع بما يعتبر شرا من الفجور، وهو قوله «عما في سراويلاتها» . وقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة، وأعفّ لفظ وأشرفه حيث قال:
أحن إلى ما تضمر الخمر والحلا ... وأصدف عما في ضمان المآزر
والشريف وقع في الخطأ:
على أن الشريف الرضي لم يسلم من الخطأ أيضا فقد نظم قصيدة يعزّي بها أبا سعد علي بن محمد بن أبي خلف عن وفاة أخيه وهو:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال ... غالته أحداث الزمان بغول
وفي هذا من سوء الكناية مالا يخفى، فإن الوهم يسبق الى ما يقبح ذكره. والواقع أن الشريف الرضي أراد أن يرمق سماء الفرزدق في أبيات ثلاثة قالها وقد ماتت جارية له وهي حبلى وهي:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث إليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أمهلته لياليا
ولكن رأيت الدهر يعثر بالفتى ... ولا يستطيع ردّ ما كان جائيا
وهذا حسن في معناه بديع في صياغته، فجاء الشريف، على سموّ ذوقه ورهافة حسه، وسقط هذه السقطة في أخذ كنايته.
الفوائد:
نرى من المفيد أن نورد وجوها، منها ما أورده أبو حيان في
стр. 774
تفسيره البحر، ومن هذه الوجوه أن يكون «لكل» متعلقا بجعلنا، والضمير في «ترك» عائد على «كل» المضاف لإنسان، والتقدير:
وجعل لكل إنسان إرثا مما ترك، فيتعلق «مما» بما في معنى «موالي» من معنى الفعل، أو بمضمر يفسره المعنى، والتقدير: يرثون مما ترك، وتكون الجملة قد تمت عند قوله: مما ترك، ويرتفع «الوالدان» ، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون، والكلام جملتان. ومن تلك الوجوه أن يكون التقدير: وجعلنا لكل إنسان موالي، أي ورّاثا، ثم أضمر فعل أي: يرث الموالي مما ترك الوالدان، فيكون الفاعل ل «ترك» «الوالدان» وكأنه لما أبهم في قوله: وجعلنا لكل إنسان موالي، بيد أن ذلك الإنسان الذي جعل له ورثة هو الوالدان والأقربون، فأولئك الوراث يرثون مما ترك والداهم وأقربوهم، ويكون الوالدان والأقربون موروثين، وعلى هذين الوجهين لا يكون في «جعلنا» مضمر محذوف، ويكون مفعول «جعلنا» لفظ «موالي» ، والكلام جملتان. ولعل فك الطلاسم أسهل من هذه الوجوه المتداخلة، فالكلام معجز، والقواعد جاءت تابعة للغة. فهي مهما امتدت وتوسعت لا تعم ولا تشمل جميع تراكيبها.
رأي وجيه للشوكاني:
وبعد كتابة ما تقدم وقعت على رأي وجيه للشوكاني، فأحببت أن أختتم به البحث عن هذه الآية العجيبة، قال: «أي جعلنا لكل إنسان ورثة موالي يلون ميراثه، «لكل» مفعول ثان قدم على الفعل لتأكيد الشمول، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، أي ليتبع كل أحد ما قسم الله له من الميراث ولا يتمن ما فضل الله له غيره عليه.
стр. 775
ولكنها مبتسرة ظاهرة التلفيق، كأنما ضاق ذرعا بعد ما حام حول الحمى، ولم يقع فيه، وكلام الله أوسع من أن تحدّه الحدود، أو تكتنه مطاويه الأذهان فتأمل..
[سورة النساء (٤) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦)
اللغة:
(الشقاق) : الخلاف. وسمي الخلاف شقاقا لأن المخالف يفعل ما يشقّ على صاحبه، أو لأن كل واحد منهما قد صار في شق، أي جانب.
(الْجُنُبِ) بضمتين: البعيد الجوار والأجنبي ويستوي فيه المذكر وللمؤنث والمفرد والمثنى والجمع، قال:
لا يجتوينا مجاور أبدا ... ذو رحم أو مجاور جنب
следующие страницы →