← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بأي طريق وصل، ما لم يؤكد بالمصدر، فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) رسلا بدل من «رسلا» قبله أو منصوب على المدح، ومبشرين صفة، ومنذرين عطف على مبشرين (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) هذه اللام لام «كي» وتتعلق بمنذرين أو بمبشرين، فالمسألة من باب التنازع، وسيأني ذكره في باب الفوائد ، ويجوز أن تتعلق اللام بمحذوف أي: أرسلناهم لذلك، وأن حرف ناصب ولا نافية، ويكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن وللناس متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعلى الله متعلقان بمحذوف حال، وحجة اسم يكون المؤخر، وبعد الرسل ظرف زمان متعلق بمعنى النفي، أي: لتنتفي حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل. (وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) تقدم إعرابه كثيرا. الفوائد: ١- جميع أسماء الأنبياء ممنوعة من الصرف ما عدا ستة يجمعها قولك: «صن شمله» وهي: صالح ونوح وشعيب ومحمد ولوط وهود، وتمنع من الصرف للعلمية والعجمة. والمراد بالعجميّ ما نقل عن لسان غير العرب بأي لغة كانت، وتعرف عجمة الاسم بوجوه: ١- نقل الأئمة. ٢- خروج الاسم عن أوزان الأسماء العربية كإبراهيم. ٣- أن يكون رباعيا أو خماسيا خاليا من حروف الذّلاقة، وحروف الذّلاقة ستة: وهي الميم والرّاء والباء الموحّدة والنون والفاء واللام ويجمعها: (مر بنفل) . ٤- أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في كلام العرب، كالجيم والقاف بفاصل نحو: جرموق وبغير فاصل نحو: قج وجقّة، والصاد والجيم نحو:

стр. 947

الصولجان، والكاف والجيم نحو: السكرجة، والراء بعد النون في أول الكلمة نحو: نرجس، والزاي بعد الدال في آخر الكلمة نحو: مهندز. ٢- التنازع: في العمل هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما في العمل، أو فعل متصرف واسم يشبهه في العمل، ويتأخر عنهما معمول، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى. مثال الفعلين: «آتوني أفرغ عليه قطرا» ومثال الاسمين قوله: عهدت مغيثا مغنيا من أجرته ... فلم أتخذ إلا فناءك موئلا ومثال المختلفين: «هاؤم اقرءوا كتابيه» . وإذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت، فاختار البصريون الأخير لقربه واختار الكوفيون الأول لسبقه. وتفصيل الحديث في التنازع مبسوط في كتب النحو، والآية من إعمال الثاني لأنه لو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني، فكان يقال: مبشرين ومنذرين له، ولم يقل كذلك، فدل على مذهب البصريين. وله في القرآن نظائر. ٣- أراد بقوله: «ورسلا لم نقصصهم عليك» المرسلين الى الأمم المجهول علمها وتاريخها عند قومك وعند أهل الكتاب المجاورين لبلادك، كأمم الشرق وأمم بلاد الشمال وأمم القسم الآخر من الأرض. ٤- علم الكلام: قال ثعلب: لولا التأكيد بالمصدر بقوله: «وكلم الله موسى تكليما» لجاز أن تقول: قد كلمت لك فلانا، يعني كتبت إليه رقعة، وبعثت إليه رسولا، فلما قال: «تكليما» لم يكن إلا كلاما مسموعا من الله تعالى. وبمسألة الكلام: سمي علم أصول الدين بعلم الكلام، وهي مسألة يبحث عنها في أصولها.

стр. 948

[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٦ الى ١٦٩] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) الإعراب: (لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ) هذه الجملة الاستدراكية مستأنفة لبيان جملة محذوفة لا بد منها، لتكون هذه الجملة مستدركة عنها. والجملة المحذوفة هي ما روي في أسباب النزول: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنّتوا في ذلك ما شاء لهم التعنت، قال: لكن الله يشهد، بمعنى أنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد. ولكن مخففة مهملة والله مبتدأ وجملة يشهد خبر، وبما جار ومجرور متعلقان بيشهد، وجملة أنزل إليك صلة الموصول (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) الجملة مفسرة لا محل لها، وأنزله فعل ومفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو، وبعلمه متعلقان بمحذوف حال، أي متلبسا بعلمه الخاص، أو حال كونه معلوما لله تعالى. والملائكة الواو عاطفة والملائكة مبتدأ خبره جملة يشهدون (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) الواو استئنافية، وكفى فعل ماض، والباء حرف جر زائد والله فاعل مجرور لفظا مرفوع

стр. 949

محلا، وشهيدا تمييز (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الجملة مستأنفة، وإن واسمها، وجملة كفروا صلة الموصول وجملة صدوا عطف عليها وعن سبيل الله متعلقان بصدوا (قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً) الجملة خبر إن، وضلالا مفعول مطلق، وبعيدا صفة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) الجملة مستأنفة لبيان مصيرهم. وإن واسمها، وجملة كفروا صلة، وجملة ظلموا عطف على الصلة، وجملة لم يكن الله خبرها، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، والله اسمها، وليغفر اللام لام الجحود، ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر يكن، أي: مريدا ليغفر لهم، وقد تقدم تقرير ذلك. ولا الواو حرف عطف، ولا نافية، ليهديهم عطف على ليغفر، وطريقا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) إلا أداة استثناء، وطريق مستثنى متصل، وجهنم مضاف اليه مجرور وعلامة جره الفتحة، لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وخالدين حال من مفعول يهديهم، وأبدا ظرف زمان متعلق بخالدين بمثابة التأكيد، لئلا يحمل على طول المكث. وسيأتي مزيد بحث عنه (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) الواو استئنافية وكان واسمها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بيسيرا أو بمحذوف حال ويسيرا خبر كان. الفوائد: معنى الخلود في اللغة: بقاء الشيء مدة طويلة، على حال واحدة، لا يطرأ عليه تغيير، ولا فساد. كقولهم للأثافي، أي: حجارة الموقد: خوالد. وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها. والأبد عبارة عن مدة

стр. 950

الزمان الممتدّ الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان. وتأبّد الشيء: بقي أبدا. ويعبّر به عن كل ما يبقى مدة طويلة. وفي لسان العرب: الأبد: الدهر، وفيه تساهل وفي المثل: (طال الأبد على لبد) يضرب ذلك لكل ما قدم. وقالوا: أبد بالمكان- من باب ضرب- أبودا: أقام به ولم يبرحه. ولم يكن عندهم شيء بمعنى اللانهاية يدور في كلامهم. وفسر الخلد في اللسان بدوام البقاء في دار لا يخرج منها. والمراد بالسكنى الدائمة في العرف ما يقابل السكنى الموقتة المتحوّلة، كسكنى البادية. فالذين لهم بيوت في المدن يسكنونها يقال في اللغة: إنهم خالدون فيها. قال في اللسان: وخلد بالمكان يخلد خلودا- من باب نصر- وأخلد أقام، وخلد كضرب ونصر خلدا وخلودا أيضا: أبطأ عنه الشيب. ومن كبر ولم يشب ولم تسقط أسنانه يقال له: المخلد بكسر اللام، وقيل: بفتحها. وقال زهير: لمن الدّيار غشيتها بالفدفد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد [سورة النساء (٤) : آية ١٧٠] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) الإعراب: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) كلام مستأنف مسوق لأمر المكلفين بصورة عامة بالايمان بعد أن سدت عليهم منافذ الاعتذار، والنداء عام للناس جميعا لا أهل مكة وحدهم، وإن كان

стр. 951

الغالب أن «يا أيها الناس» خطاب لأهل مكة، و «يا أيها الذين آمنوا» خطاب لأهل المدينة. وقد حرف تحقيق، وجاءكم الرسول فعل ومفعول به وفاعل، وبالحق جار ومجرور متعلقان بجاءكم، ومن ربكم متعلقان بمحذوف حال (فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) الفاء الفصيحة، وآمنوا فعل أمر وفاعله، أي: إذا كان الأمر كما عرفتم فآمنوا يكن الايمان خيرا لكم لأنه يزكيكم ويطهّركم من الأدناس الحسية والمعنوية، ويؤهلكم للسعادة الأبدية. وهذا هو التقدير المتبادر الى الذهن، وعليه الكسائيّ فهو خبر لكان المحذوفة مع اسمها. وأما الخليل وسيبويه فيقدّران: واهتدوا بالايمان خيرا لكم، أي: مما أنتم عليه. وقال الفراء: فآمنوا إيمانا خيرا لكم، فانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف. وقال الزمخشري: وانتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الايمان علم أنه يحملهم على أمر، فقال: خيرا لكم، أي: اقصدوا أو ائتوا خيرا لكم مما أنتم فيه. ولكم متعلقان ب «خيرا» (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وإن شرطية، وتفكروا فعل مضارع فعل الشرط، والجواب محذوف تقديره: فلا يضره كفركم، لأنه غني عنكم. ونبه على غناه بقوله: «فإن لله ما في السموات والأرض» فالفاء للتعليل، وإن حرف مشبه بالفعل ولله متعلقان بمحذوف خبرها المقدم، وما اسم موصول اسمها المؤخر، وفي السموات والأرض متعلقان بمحذوف صلة الموصول (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) تقدم إعرابها كثيرا.

стр. 952

[سورة النساء (٤) : آية ١٧١] يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) اللغة: (لا تَغْلُوا) لا تتجاوزوا الحد المعقول. وأصل الغلوّ في كل شيء مجاوزة حده. وغلا بالجارية عظمها ولحمها إذا أسرعت في الشباب فجاوزت لداتها، يغلو بها غلوّا وغلاء. ومن ذلك قول الحارث بن خالد المخزومي، وهي أبيات جميلة، يذكر فيها صاحبته وما مضى من أيامه وأيامها: إذ ودّها صاف ورؤيتها ... أمنية وكلاهما غنم لفّاء مملوء مخلخلها ... عجزاء ليس لعظمها حجم خمصانة قلق موشّحها ... رود الشباب غلا بها عظم وكأن غالية تباشرها ... تحت الثياب إذا صفا النجم الإعراب: (يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتحذير أهل الكتاب من المغالاة. ويا حرف نداء وأهل الكتاب منادى مضاف، ولا ناهية وتغلوا فعل مضارع مجزوم بلا، وفي دينكم متعلقان بتغلوا

стр. 953

(وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) الواو عاطفة، ولا ناهية وتقولوا فعل مضارع مجزوم، وعلى الله متعلقان بتقولوا، وإلا أداة حصر، والحق مفعول مطلق على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إلا القول الحق، أو مفعول به لأنه تضمن معنى القول، نحو: قلت قصيدة (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) كلام مستأنف مسوق للتعريف بالسيد المسيح ﵇. وإنما كافة ومكفوفة، والمسيح مبتدأ وعيسى بدل منه، وابن مريم بدل أيضا أو صفة، ورسول الله خبر المبتدأ، وكلمته عطف على رسول، وجملة ألقاها حالية، ولا بد من تقدير «قد» معها، والعامل في الحال معنى «كلمته» ، لأن معنى الكلمة أنه مكون بها من غير أب. والى مريم جار ومجرور متعلقان بألقاها وروح عطف على كلمته، ومنه متعلقان بمحذوف صفة لروح، ومن لابتداء الغاية (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ) الفاء الفصيحة، أي: فإذا كان الأمر كذلك فآمنوا بالله إيمانا يليق به تعالى، بالله جار ومجرور متعلقان بآمنوا ورسله عطف على لفظ الجلالة، والواو عاطفة، ولا ناهية، وتقولوا فعل مضارع مجزوم بها، وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف، أي: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وجملة آلهتنا ثلاثة في محل نصب مقول القول (انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ) الجملة مستأنفة، وانتهوا فعل أمر وفاعل وخيرا تقدم إعرابها قبل قليل، فجدّد به عهدا، ولكم متعلقان ب «خيرا» (إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد الوحدانية. وإنما كافة ومكفوفة، والله مبتدأ وإله خبر، وواحد صفة (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف، أي سبحه تسبيحا، وأن وما في حيزها مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض أي: من أن يكون، والجار والمجرور متعلقان بسبحان، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم،

стр. 954

وولد اسمها المؤخر، والجملة التنزيهية في محل نصب على الحال، أي: منزها (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) له متعلقان بخبر مقدم محذوف وما اسم موصول مبتدأ وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة، وجملة الصلة لا محل لها من الإعراب، وما في الأرض عطف على ما في السموات، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه، أي: إذا كان يملك جميع ما فيهما فكيف يتوهم حاجته الى ولد (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) تقدم إعرابه كثيرا. الفوائد: تعقب أحد الأذكياء اعراب قوله تعالى: «ثلاثة» فقال: ومن المشكلات أيضا قوله تعالى: «ثلاثة» ، ذهبوا في رفع ثلاثة الى أنها خبر لمبتدأ محذوف، والمعنى: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، وهو أيضا باطل لانصراف التكذيب الى الخبر فقط. وإذا قلنا: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، كنا قد نفينا الثلاثة ولم ننف الآلهة، جل الله عن ذلك. والوجه أن يقال: الثلاثة صفة المبتدأ الأخير، ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة، ثم حذفت الخبر الذي هو «لنا» حذفك «لنا» في قولك «لا إله إلا الله» فبقي ولا تقولوا: آلهة ثلاثة ولا إلهان، فصح الفرق. ولا يخلو كلامه من ذكاء نادر، فتدبر ذلك والله يعصمك. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٧٢ الى ١٧٣] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)

стр. 955

اللغة: َسْتَنْكِفَ) الاستنكاف: الامتناع من الشيء، أنفة وانقباضا منه. قيل: أصله من نكف الدمع إذا نحّاه عن خده بأصبعه حتى لا يظهر، ونكف منه أنف، وأنكفه عنه برأه. وفي المصباح: نكفت من الشيء نكفا من باب تعب، ونكفت أنكف من باب قتل، لغة. واستنكفت إذا امتنعت أنفة واستكبارا. الإعراب: َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما سبق من التنزيه، والمعنى لن يأنف المسيح ولا يتبرّأ من أن يكون عبدا لله، ولا هو بالذي يترفع عن ذلك لأنه من أعلم خلق الله بعظمة الله، وما يجب له على العقلاء من خلقه من الشكر والعبودية، التي يتفاضلون بها. ولن حرف نفي ونصب واستقبال، ويستنكف فعل مضارع منصوب بها، والمسيح فاعل، وأن وما في حيّزها مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، والتقدير: عن أن يكون..، والجار والمجرور متعلقان بيستنكف، وعبدا خبر يكون، ولله متعلقان

стр. 956

بمحذوف صفة ل «عبدا» َ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) الواو عاطفة، ولا نافية، والملائكة عطف على المسيح، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي ويستنكفون والمقربون صفة للملائكةَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويستنكف فعل الشرط وعن عبادته متعلقان بيستنكفَ سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) يجوز في الفاء أن تكون جوابا للشرط، والتقدير: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيعذّبه عند حشره اليه، ومن لم يستنكف ولم يستكبر فيثيبه. ويجوز أن يكون الجواب محذوفا، أي: فيجازيه، ثم عطف عليه قوله: فسيحشرهم، والهاء مفعول به، واليه متعلقان بيحشرهم، وجميعا حال من الهاء، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) الفاء للتفريع، والجملة بعدها لا محل لها من الإعراب لأنها بمثابة الاستئناف، وأما حرف شرط وتفصيل، والذين اسم موصول مبتدأ، وجملة آمنوا صلة، وجملة عملوا الصالحات عطف على الصلة، والفاء رابطة، ويوفيهم فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره هو، والهاء مفعوله الأول، وأجورهم مفعوله الثاني، ويزيدهم عطف على فيوفيهم، ومن فضله متعلقان بيزيدهم، والجملة خبر الذين (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً) الجملة معطوفة على ما قبلها وقد تقدم اعرابها، وعذابا مفعول مطلق، وأليما صفة (وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) عطف على ما تقدم، ولهم جار ومجرور متعلقان ب «وليا» ، ومن دون الله متعلقان بمحذوف حال، ووليا مفعول به، ولا نصيرا عطف عليه.

стр. 957

الفوائد: استدل بهذه الآية القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وهم أبو بكر الباقلاني والحليميّ من أئمة الأشعرية وجمهور المعتزلة، وقرر الزمخشريّ وجه الدلالة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وأطال البيضاوي وابن المنير في الرد عليه. والمنصف يرى أن التفاضل في هذا الباب من قبيل الرجم بالغيب، إذ لا يعلم ذلك إلا بنص من الشارع، ولا نصّ. وليس للخلاف في هذا فائدة ولا عائدة في إيمان ولا عمل، ولكنه من توسيع مسافة التفرّق بالمراء والجدل. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٥] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) الإعراب: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) كلام مستأنف لتقرير ما انتهت اليه الأمور من إقامة الحجج الباهرة على المخالفين، وإهابة الله تعالى بالناس كافة الى اتباع برهانه والاهتداء بالنور الذي جاء به. وقد حرف تحقيق، وجاءكم برهان فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، ومن ربكم متعلقان بمحذوف صفة لبرهان (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)

стр. 958

الواو عاطفة، وأنزلنا فعل وفاعل، وإليكم متعلقان بأنزلنا، ونورا مفعول به، ومبينا صفة (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ) الفاء للتفريع، والجملة لا محل لها، وأما حرف شرط وتفصيل، والذين مبتدأ، وجملة آمنوا صلة، وبالله متعلقان بآمنوا، واعتصموا به عطف على آمنوا (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) الفاء رابطة لجواب «أما» وجملة يدخلهم خبر الذين، في رحمة متعلقان بيدخلهم ومنه متعلقان بمحذوف صفة لرحمة وفضل معطوف على رحمة (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً) عطف على يدخلهم، واليه متعلقان بمحذوف حال من «صراطا» قدم عليه، وصراطا مفعول به ثان ليهديهم، أو مفعول به لفعل محذوف دل عليه «يهديهم» ، ومستقيما صفة. البلاغة: المجاز المرسل في قوله: «في رحمة منه» ، لأن الرحمة لا يحل فيها الإنسان، لأنها معنى من المعاني، وإنما يحل في مكانها وهو الجنة. فاستعمال الرحمة في مكانها مجاز أطلق فيه الحالّ وأريد المحل، فعلاقته الحالية.

стр. 959

[سورة النساء (٤) : آية ١٧٦] يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) الإعراب: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) كلام مستأنف مسوق لذكر إرث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب. ويستفتونك فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به، وقل فعل أمر والفاعل أنت، والله مبتدأ ويفتيكم فعل مضارع ومفعوله، والفاعل هو والجملة خبر، وجملة الله يفتيكم في محل نصب مقول القول، وفي الكلالة متعلقان بيستفتونك على إعمال الأول، أو بيفتيكم على إعمال الثاني (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ) كلام مستأنف لتفصيل الحكم. وإن شرطية وامرؤ فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، وجملة هلك مفسرة لا محل لها وليس فعل ماض ناقص وله متعلقان بخبر مقدم محذوف، وولد اسمها المؤخر، والجملة صفة لامرؤ له متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وأخت مبتدأ مؤخر، والجملة حالية لأنها وقعت بعد واو الحال (فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) الفاء رابطة لجواب الشرط، ولها متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ونصف مبتدأ مؤخر، وما اسم موصول مضاف اليه، وجملة ترك صلة، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) الواو استئنافية، هو مبتدأ، وجملة يرثها خبره، وإن شرطية، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وهو فعل الشرط، ولها متعلقان بمحذوف خبر يكن المقدم، ولد اسمها المؤخر، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فهو يرثها. (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) الفاء

стр. 960

استئنافية، وإن شرطية، وكانتا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والألف في «كانتا» اسمها، واثنتين خبرها (فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) الفاء رابطة، ولهما متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والثلثان مبتدأ مؤخر، ومما متعلقان بمحذوف حال، وجملة ترك صلة، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفاعل ترك مستتر يعود على الأخ (وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) الواو عاطفة، وإن شرطية، وكانوا فعل الشرط والواو اسمها وإخوة خبرها، ورجالا بدل من «إخوة» ونساء عطف على «رجالا» والفاء رابطة لجواب الشرط، وللذكر جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومثل حظ الأنثيين مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الجملة في محل نصب على الحال، ولك أن تجعلها مستأنفة بيانية، ويبين الله فعل مضارع وفاعل ولكم متعلقان بيبين، وأن تضلوا مصدر مؤول في محل نصب مفعول لأجله على حذف مضاف، أي: كراهية أن تضلوا، ومفعول يبين محذوف وهو عام، والله الواو استئنافية، والله مبتدأ وبكل شيء متعلقان بقوله: «عليم» ، وعليم خبر «الله» الفوائد: اختتمت صورة النساء بذكر الأموال وأحكام الميراث، كما افتتحت بذلك، لتحصل المشاكلة بين المبدأ والختام. وتتلخص آيات المواريث في السورة بثلاثة: ١- الأولى في بيان إرث الأصول والفروع. ٢- والثانية في بيان إرث الزوجين والإخوة والأخوات من الأم.

стр. 961

٣- والثالثة وهي هذه الآية في إرث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب. وأما أولو الأرحام فسيأتي حكمهم في سورة الأنفال. والمستفتي عن الكلالة هو جابر بن عبد الله لما عاده النبي ﷺ في مرضه فقال: يا رسول الله، إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت. نبذة من أقوال علماء اللغة في الكلالة: قيل: إن أصل الكلالة في اللغة ما لم يكن من النسب لحّا، أي: لاصقا بلا وساطة، وقيل: إنه ما عدا الوالد والولد من القرابة. وقيل: ما عدا الولد فقط. وقيل الإخوة من الأم. وقال في لسان العرب عند ذكره وهو المستعمل: وقيل: الكلالة من العصبة من ورث معه الإخوة، ويطلق هذا اللفظ على الميت الذي يرثه من ذكر، وقيل: بل على الورثة غير من ذكر، وقيل: على كل منهما. والمرجح هو القرينة. والجمهور على أن الكلالة من الموروثين من لا ولد له ولا والد. هذا وفي الكلالة أحكام مبسوطة في المطولات، ولا مجال لها هنا. آخر آية أنزلت: روى الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن البراء قال: آخر سورة نزلت كاملة سورة براءة، أي التوبة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء: «يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة» أي من

стр. 962

آيات الفرائض. وبهذا لا تنافي في ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا. على أنه لا سبيل الى القطع بآخر آية نزلت من القرآن، وإنما نقول: إن هذه الآية من آخر ما نزل قطعا، ويجوز أن تكون آخرها كلها، والله أعلم.

стр. 963

(٥) سورة المائدة مدنية بناء على المشهور من أن المدنيّ ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة. وآياتها مائة وعشرون آية، أو مائة وثنتان وعشرون آية، أو مائة وثلاث وعشرون آية. [سورة المائدة (٥) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) اللغة: (وفى) بالوعد وفاء، وأوفى به إيفاء: أي أتى به تاما لا نقص فيه. وقد جمع بينهما الشاعر: أما ابن طوف فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها ويقال لمن لم يوف الكيل: أخسر الكيل، ولمن لم يوف العهد: غدر ونقض. ونقض العهد والوعد، وهما شىء واحد.

стр. 964

(العقود) : جمع عقد بالفتح، وهو مصدر استعمل اسما فجمع، وهو العهد الموثق شبه بعقد الخيل ونحوه، قال الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدّوا فوقها الكربا وهو في الأصل موضوع للأجسام الصلبة، كعقد الحبل وعقد البناء، ثم يستعار ذلك للمعاني، نحو عقد البيع والعهد وغيرهما، فالعقد أخصّ من العهد والمراد بالعقود ما يتعاقدون عليه. (البهيمة) كل ذات أربع في البر والبحر، وقيل: ما لا نطق له، وذلك لما في صوته من الإبهام، ولكن خص في التعارف بما عدا السباع والطير، قاله الراغب. وروي عن الزجّاج أن البهيمة من الحيوان ما لا عقل له مطلقا. وفي القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حيّ لا يميز، جمعه بهائم. (الْأَنْعامِ) : هي الإبل والبقر والغنم والجواميس. وإضافة بهيمة الى الأنعام للبيان. كشجر الأراك. أي: أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام. وذهب بعضهم الى أن الاضافة على معنى التشبيه، أي: أحلت لكم البهيمة المشابهة للأنعام، قيل: في الاجترار وعدم الأنياب، والأولى أن يقال: إن وجه الشبه المقتضي للحل هو كونها من الطيبات التي هي الأصل في الحلّ. وقال الحريري في درة الغواص: «ومن ذلك أنهم يظنون الأنعام بمعنى النّعم، وقد فرقت العرب بينهما فجعلت النعم اسما للإبل خاصة، أو للماشية التي هي فيها، وجعلت الأنعام اسما لأنواع المواشي. حتى إن بعضهم أدخل فيها الظباء وحمر

стр. 965

الوحش تعلقا بقوله تعالى: «أحلت لكم بهيمة الأنعام» . وقال الراغب: النعم يختص بالإبل، وجمعه أنعام. سميت بذلك لأنها من أعظم النعم عندهم. لكن الأنعام تقال للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل» . وقال ابن برّي: هو من التغليب، إذ غلبوا النعم على غيرها، ولا فرق بينهما في الحقيقة وكونها شاملة. الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) كلام مستأنف مسوق للقيام بموجب العقد. وقد تقدم اعراب النداء. وأوفوا فعل أمر وفاعل، وبالعقود جار ومجرور متعلقان بأوفوا (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ) الجملة مفسرة لأنها تفصيل بعد الإجمال، بناء على أن العقود شاملة لجميع الاحكام التي شرعها الله تعالى، وأمر المكلفين بالإيفاء بها وأحلت فعل ماض مبني للمجهول، ولكم متعلقان بأحلت، وبهيمة نائب فاعل، والانعام مضاف اليه (إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) إلا أداة استثناء، وما مستثنى، قيل: هو منقطع، لأن اللفظ ليس من جنس البهيمة، والتحريم لما طرأ من الموت ونحوه، وجملة يتلى عليكم صلة الموصول، وغير حال من ضمير «لكم» ، ومحلي مضاف الى «غير» والصيد مضاف الى «محلي» ، وجملة وأنتم حرم من المبتدأ والخبر حال من «محلي الصيد» كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يكون عليكم حرج (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) الجملة تعليل للحكم، وإن واسمها، وجملة يحكم خبرها، وما يجوز أن تكون مصدرية أو موصولة، وهي على كل حال منصوبة بنزع الخافض، أي: يحكم بإرادته، أو بالذي يريده، ولا عبث في أحكامه ولا خلل ولا ظلم.

стр. 966

الفوائد: أفاض العلماء والمفسرون في ذكر المقصود من العقود، وعندنا أنها عامة شاملة لكل عهود الله التي عهد بها الى عباده من عبادات ومعاملات، بها انتظام أمر الدنيا والآخرة معا، وجميل قول الراغب: «العقود باعتبار المعقود والعاقد ثلاثة أضرب: عقد بين الله تعالى وبين العبد، وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بين العبد وغيره من البشر» . وقد توسّع الفقهاء وعلماء التشريع فيها، ووضعوا المصنفات الطويلة بصددها، وتناولوا الاحكام الشرعية فيها، مما يسهل إليه الرجوع في مظانه. جملة بليغة: والأساس الذي تنهض عليه العقود في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة، وهي «أوفوا بالعقود» وهي تفيد بقوة ورشاقة أنه يجب على كل مؤمن أن يفي بما عقده وارتبط به، وليس لأحد أن يقيّد ما أطلقه الشارع إلا بنص منه، فكل قول أو فعل يعدّه الناس عقدا فهو عقد يجب أن يوفوا به، كما أمر الله تعالى، ما لم يتضمن تحريم حلال أو تحليل حرام، مما ثبت في الشرع، كالعقد بالإكراه، أو على إحراق دار أحد أو شجرة بستان، أو على الفاحشة، أو على أكل شيء من أموال الناس بالباطل، كالربا والمسير والرشوة. العرف والتراضي: وينتظم في ذلك جميع الأمور الدنيوية كالبيع والإجارة والشركات

стр. 967

وغيرها من المعاملات الدنيوية، فالاصل فيها عرف الناس وتراضيهم ما لم يخالف حكم الشرع، وهذا في منتهى الوضوح والإحكام. هذا وقد صنّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابا سماه «مدارك القياس» في موضوع العقود استوفى فيه هذا الموضوع، مؤيدا بدلائل الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، فليرجع اليه من شاء. رواية عن الفيلسوف الكنديّ: ذكروا أن الكندي الفيلسوف قال له أصحابه: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن. فقال: نعم أعمل مثل بعضه. فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فاذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلّل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، لا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد. أي مجلدات كثيرة.

стр. 968

[سورة المائدة (٥) : آية ٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) اللغة: (الشعائر) : جمع شعيرة، وهي العلامة. ثم جعلت علامة لشعائر الحجّ ومناسكه. (الهدي) ما يهدى الى الكعبة ليذبح هناك ويتقرب به الى الله، قال: يقولون: من هذا الغريب بأرضنا ... أما والهدايا إنني لغريب (القلائد) : جمع قلادة وهي ما يعلق في العنق. وكانوا يعلقون في أعناق الإبل من الهدي نعلا أو حبلا أو عروة مزادة أو لحاء شجر وغيره ليعرف، فلا يتعرض له أحد. فهو على حذف مضاف، أي: ولأصحاب القلائد. (آمِّينَ) بتشديد الميم المكسورة، أي: قاصدين. (يَجْرِمَنَّكُمْ) : مضارع جرمه الشيء إذا حمله عليه وجعله يجرمه أي يكسبه ويفعله، وهو يجري مجرى «كسب» في تعديه الى مفعول واحد واثنين. (الشنآن) : شدة البغض. يقال: شنئت الرجل أشنؤه، أي: أبغضه. وهذا المصدر سماعي مخالف للقياس من وجهين: تعدي فعله

стр. 969

وكسر عينه، لأنه لا ينقاس إلا في مفتوحها اللازم. وله مصادر كثيرة، أنهاها بعضهم الى ثلاثة عشر مصدرا، وأشهرها: شنئا وشنئا وشنئا وشنأة وشنآنا وشنآنا ومشنأ ومشنأة ومشنوءة. الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ) يا أيها الذين آمنوا تقدم اعرابها كثيرا، ولا ناهية وتحلوا مضارع مجزوم بها والواو فاعل وشعائر الله مفعول به (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) ولا الشهر الحرام عطف على شعائر، والحرام صفة للشهر، وهو شهر الحج، وهو ذو القعدة، وأكد الطبري أنه رجب. وما بعده عطف عليه أيضا. ولا آمّين أي: ولا تحلوا قوما آمّين، فهو صفة لموصوف محذوف، والمعنى: لا تحلّوا قتالهم ما داموا قاصدين البيت الحرام. وهذا رمز للسلام الذي نادى به القرآن. والبيت مفعول لآمّين لأنه اسم فاعل (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً) الجملة حال من الضمير في «آمّين» أي: حال كون الآمّين مبتغين فضلا. وفضلا مفعول به، ومن ربهم متعلقان بيبتغون، أو بمحذوف صفة ل «فضلا» ورضوانا معطوف عليه (وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) الواو عاطفة، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة حللتم في محل جر بالإضافة، والفاء رابطة لجواب إذا، واصطادوا (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا) الواو حرف عطف، ولا ناهية، ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا، والكاف مفعوله الأول،

стр. 970

وشنآن قوم فاعل، وأن صدوكم مصدر مؤوّل منصوب بنزع الخافض وهو علة للشنآن متعلق به، وعن المسجد جار ومجرور متعلقان بصدوكم، وأن تعتدوا مصدر مؤول مفعول به ثان ليجرمنكم، والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قوم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام الاعتداء ولا يحملنكم عليه (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) الواو عاطفة، وتعاونوا فعل أمر والواو فاعل، وعلى البر متعلقان بتعاونوا، والتقوى عطف على البر (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتعاونوا فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين مجزوم بلا، أي: لا تتعاونوا، وعلى الإثم متعلقان به، والعدوان عطف عليه (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) عطف أيضا، وجملة إن واسمها وخبرها لا محل لها لأنها تعليلية. الفوائد: كانت العرب مجمعة على تعظيم ذي القعدة وذي الحجة، ومختلفة في رجب، فشدّد تعالى أمره. وهذا هو وجه التخصيص بذكره. وقيل الشهر مفرد محلى بأل الجنسية، فالمراد عموم الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب.

стр. 971

[سورة المائدة (٥) : آية ٣] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) اللغة: (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ) : الإهلال رفع الصوت به لغير الله، وهو قولهم عند ذبحه: «باسم اللّات والعزّى» ويقال: «أهلّ فلان بالحج» إذا رفع صوته بالتلبية. ومنه: «استهلّ الصبيّ» إذا رفع صوته بالبكاء عند الولادة. (الْمُنْخَنِقَةُ) قال صاحب القاموس: خنقه خنقا ككتف فهو خنق، وانخنقت الشاة بنفسها، ولا يسري على هذا الفعل حكم المطاوعة، وإنما المطاوع هو اختنق، وعلى هذا تشمل المنخنقة التي خنقوها حتى ماتت أو انخنقت بسبب، ولهذا تفصيل في كتب الفقه. (الْمَوْقُوذَةُ) : هي التي أثخنوها ضربا بعصا أو حجر غير محدّد حتى ماتت. قال في القاموس: الوقذ: شدة الضرب. وقال في شرحه تاج العروس: الموقوذة هي التي تقتل بعصا أو بحجارة لا حدّ لها حتى انحلّت قواها وماتت. ولا يخفى ما في الوقذ من تعذيب للحيوان.

стр. 972

(الْمُتَرَدِّيَةُ) : هي التي تردّت من مكان مرتفع فماتت. (النَّطِيحَةُ) هي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح. وسيأتي بحث ممتع عن هذه الصيغة في باب الفوائد. (ذَكَّيْتُمْ) أي أدركتم ذكاته، وهو يضطرب وتشخب أوداجه. والذكاة والتذكية في أصل اللغة إتمام فعل خاص، يقال: ذكت النار تذكو ذكوّا وذكا وذكاء إذا تم اشتعالها، وذكت الشمس إذا اشتدت حرارتها، وذكى وذكي كرمى ورضي تمت فطنته، قال في اللسان: «والذّكاء شدة وهج النار، يقال: ذكيت النار إذا أتممت إشعالها ورفعتها، والذّكا: تمام إيقاد النار، مقصور يكتب بالألف» والذّكاء في الفهم أن يكون فهما تاما سريع القبول. (النُّصُبِ) : قال الراغب في مفرداته: نصب الشيء وضعه وضعا ناتئا كنصب الرمح والبناء والحجر، والنّصيب: الحجارة تنصب على الشيء، وجمعه نصائب ونصب بضمتين، وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها، قال: «كأنّهم إلى نصب يوفضون» وقد يقال في جمعه أنصاب. وقال في اللسان: «والنّصب بالفتح والنّصب بالضم والنّصب بضمتين الداء والبلاء والشرّ وفي التنزيل: «مسّني الشيطان بنصب وعذاب» والنّصيبة والنّصب بضمتين كلّ ما نصب فجعل علما، فالنصب مفرد وجمع، قال الأعشى: وذا النّصب المنصوب لا تعبدنّه ... لعاقبة والله ربّك فاعبدا واستعماله اليوم للنصب التذكاري سليم لا غبار عليه.

стр. 973

(الأزلام) جمع زلم بفتحتين وكصرد أي بضم ففتح: قدح صغير لا ريش له ولا نصل، وهي سهام كانوا يستقسمونها في الجاهلية، جمعه أزلام، كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا من معاظم الأمور ضرب بالقداح أي أجالها، وكانت ثلاثة مكتوب على إحداها: أمرني ربي، وعلى الثاني: نهاني ربي، والثالث غفل، ليس عليه شيء. فإن خرج الآمر مضى لطيته، أي: لنيته التي انتواها، وإن خرج الناهي لم يفعل وأمسك، وإن خرج الغفل أعاد الاستقسام. (المخمصة) : المجاعة. (مُتَجانِفٍ) : منحرف مائل، من الجنف وهو الميل والجور. الإعراب: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما أجمله في السابق وهو قوله تعالى: «إلا ما يتلى عليكم» . وحرمت فعل ماض مبني للمجهول وعليكم متعلقان بحرمت، والميتة نائب فاعل، والدم ولحم الخنزير معطوفان على الميتة (وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) عطف أيضا، وما اسم موصول، وأهل فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل هو، والجملة صلة الموصول، ولغير الله متعلقان بأهل، وبه متعلقان بأهلّ أيضا (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ) كلها معطوفة داخلة في حكم المحرمات (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ) إلا أداة استثناء وما اسم موصول مستثنى متصل منصوب، وجملة ذكيتم صلة الموصول، وجملة الاستثناء حالية (وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)

стр. 974

الجملة معطوفة على المحرمات (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ) المصدر المؤوّل معطوف أيضا، أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام (ذلِكُمْ فِسْقٌ) مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، واسم الاشارة راجع الى الاستقسام بالأزلام خاصة، وقيل: الى جميع ما تقدم (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) اليوم ظرف زمان متعلق بيئس وأراد به مطلق الحال، لا يوما بعينه، على حد قول أبي العلاء المعري: الآن لما ابيضّ مسربتي ... وعضضت من نابي على جذم حلبت هذا الدهر أشطره ... وأتيت ما آتي على علم فقوله: «الآن» أراد به الزمان الحاضر، والمسربة: شعر الصدر، وهو آخر ما يشيب من الإنسان، فبياض المسربة كناية عن بلوغه غاية الشوط في الشيب، وخاتمة المطاف في العمر. ومعنى البيتين: صارت عادتي أني أفعل ما أفعله على علم عندي من طول تجربتي لحوادث الدهر، والجملة مستأنفة، والذين اسم موصول فاعل وجملة كفروا صلة، ومن دينكم متعلقان بيئس، أي: من إبطال أمر دينكم (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) الفاء الفصيحة، ولا ناهية، وتخشوهم فعل مضارع مجزوم بلا، واخشوني فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) اليوم ظرف زمان متعلق بأكملت، ولكم متعلقان بها أيضا، ودينكم مفعول به لأكملت، والجملة مستأنفة (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) عطف على ما تقدم، وعليكم متعلقان بأتممت ونعمتي مفعول به لأتممت (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) الواو استئنافية، ورضيت فعل وفاعل، لكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «دينا» ، ودينا مفعول به أو تمييز، لأن معنى رضيت جعلت. وإذا كانت بمعنى الرضا كانت «دينا» حالا من

стр. 975

الإسلام ولكم متعلقان برضيت (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) الفاء استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، واضطر فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل هو يعود على من، وفي مخمصة متعلقان باضطر (غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) غير متجانف نصب على الحال ولإثم جار ومجرور متعلقان بمتجانف، والفاء رابطة لجواب الشرط، وإن واسمها وخبراها، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» . الفوائد: صيغة «فعيل» إذا كانت بمعنى مفعول يستوي فيها المذكر والمؤنث، فلا تلحقها علامة التأنيث، إذ تقول العرب: عين كحيل لا كحيلة، وكف خضيب لا خضيبة، فكيف لحقت التاء «نطيحة» وهي بمعنى منطوحة؟ وقد قيل في الجواب: إن التاء هنا للنقل من الوصفية الى الاسمية، أو إن فعيلا هنا بمعنى فاعل، كأنه قال: والناطحة التي تموت بالنطاح، أي تنطح غيرها، وغيرها ينطحها، فتموت. وقال الكوفيون: إنما يمتنع إلحاق التاء بفعيل بمعنى مفعول إذا كان وصفا لموصوف مذكور، كعين كحيل، فأما إذا لم يسبق للموصوف ذكر فلا يمتنع إلحاق التاء. وهذا تعليل جميل، فإن «ذبيحة» و «نطيحة» ونحوهما إذا لم يسبقهما موصوف لم يعلم: أهي مذكر أم مؤنث؟ مثل: رأيت جريحة، أما إذا علم فلا، نحو: رأيت امرأة جريحا، أو رأيت جريحا ملقاة في الطريق.

стр. 976

[سورة المائدة (٥) : آية ٤] يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) اللغة: (الْجَوارِحِ) : الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والعقاب. (مُكَلِّبِينَ) : المكلّب اسم مفعول من كلّب، أي: المضرى بالصيد من هذه الجوارح، والمروّض منها على الافتراس، لأن الترويض أكثر ما يكون للكلب، فاشتقّ من لفظه لشيوع الغلبة عليه. الإعراب: (يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ) جملة مستأنفة مسوقة للاجابة عن سؤالهم: ماذا أحل لهم؟ ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وماذا: تقدم أن لنا في اعرابها وجهين: إما أن نجعل ماذا كلها اسم استفهام مبتدأ، وجملة أحل لهم خبره، وإما أن نجعل ما اسم استفهام مبتدأ وذا اسم موصول خبر، وجملة أحل لهم صلة الموصول. والجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني ليسألونك، وقد نصوا على أن فعل السؤال يعلّق عن العمل وإن لم يكن من أفعال القلوب، لأنه سبب العلم، فكما يعلق العلم فكذلك يعلق سببه (قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ

стр. 977

الطَّيِّباتُ) جملة قل استئنافية، وجملة أحل لكم الطيبات في محل نصب مقول القول، ولكم متعلقان بأحل والطيبات نائب فاعل (وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ) الواو عاطفة، وما اسم موصول معطوف على الطيبات، وجملة علمتم صلة الموصول، ومن الجوارح متعلقان بمحذوف حال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما اسم الموصول وهو «ما» ، والثاني أنه العائد المحذوف على اسم الموصول، أي: علمتموه. ومكلبين حال من علمتم، أفادت أن التعليم يحتاج الى الخبرة التامة والمقدرة المتناهية، وأن على المتعلم أن يأخذ العلم عن أربابه الأكفياء. وأجاز بعضهم أن تكون الواو استئنافية وما شرطية في محل رفع على الابتداء، وجواب الشرط هو فكلوا، وهو اعراب سائغ (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) جملة تعلمونهن حال ثانية أو استئنافية، ومما متعلقان بتعلمونهن، وجملة علمكم الله صلة الموصول. ومفعولا علمتم وتعلمونهن الثانيين محذوفان، والتقدير: وما علمتموه طلب الصيد لكم لا لأنفسهن، تعلمونهن ذلك (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) الفاء الفصيحة أو رابطة لجواب الشرط على الإعراب الثاني، ومما متعلقان بكلوا، وجملة أمسكن صلة «ما» وعليكم متعلقان بأمسكن (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) الواو عاطفة، والجملة عطف على جملة فكلوا، وجملة فكلوا لا محل لها، أو في محل جزم جواب الشرط (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) عطف على ما تقدم، وإن واسمها وخبرها.

стр. 978

[سورة المائدة (٥) : آية ٥] الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) اللغة: (حِلٌّ) : مصدر بمعنى حلال، فلا يثنى ولا يجمع. (مُحْصِنِينَ) : أعفاء، أحصنوا أنفسهم بالزواج، ولم يتطلعوا الى الزنا فعلا ولا قصدا. (أَخْدانٍ) : جمع خدن بكسر الخاء، وهو يقع على المذكّر والمؤنّث. الإعراب: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) كلام مستأنف مسوق لتكرير ذكر الطيبات التي أحلت لكم يوم السؤال عنها، أو اليوم الذي أكملت لكم دينكم. وقيل: ليس يوما معينا. واليوم ظرف زمان متعلق بأحل، وأحل فعل ماض مبني للمجهول، ولكم متعلقان بأحل، والطيبات نائب فاعل (وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) الواو استئنافية، وطعام مبتدأ، والذين مضاف اليه، وأوتوا فعل ماض مبني للمجهول ونائب فاعل، والكتاب مفعول به ثان، والجملة صلة

стр. 979

الموصول، وحل خبر طعام، ولكم متعلقان بحل، وطعامكم حل لهم عطف على ما تقدم (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الواو استئنافية أو عاطفة، والمحصنات مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله، أي: حلّ لكم، ومن المؤمنات متعلقان بمحذوف حال من المحصنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم عطف على ما تقدم، ومن قبلكم متعلقان بمحذوف حال (إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) الظرف إذا متعلق «بحل» المحذوفة، آتيتموهن فعل ماض وفاعل ومفعول به أول، والجملة في محل جر بالإضافة، وأجورهن مفعول به ثان، ومحصنين حال وغير مسافحين حال ثانية، ولا متخذي أخدان عطف على مسافحين (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويكفر فعل الشرط، وبالايمان متعلقان بيكفر، والفاء رابطة لجواب الشرط، وقد حرف تحقيق، وحبط عمله فعل وفاعل، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) الواو حرف عطف وهو مبتدأ وفي الآخرة متعلقان بمحذوف حال ومن الخاسرين متعلقان بمحذوف خبر «هو» .

стр. 980

[سورة المائدة (٥) : آية ٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) اللغة: (الْمَرافِقِ) : جمع مرفق بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء، وهو الموصل بين الساعد والعضد. وجمعه وثنّى الكعبين لأن للانسان مرفقا واحدا في كل يد، فناسب أن يذكر بالنسبة للجميع بالجمع، بعكس الكعبين فان الكعبين هما العظمان الناشزان من جانبي القدم، فناسب أن يذكر الاثنان من كل رجل. وسبب آخر وهو أن جمع المرفق لفظ مأنوس في الكلام، أما جمع الكعب فهو لفظ لا يخلو ذكره في الكلام، إذ يجمع على كعاب وكعوب وأكعب، وهذا أمر مرّده الى الذوق وحده. (الْغائِطِ) : المطمئن من الأرض والمنخفض منها، ويقصد به هنا قضاء الحاجة كما سيأتي في باب البلاغة. الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم اعرابها (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام الوضوء لأداء فريضة الصلاة، وهي أعظم الطاعات بعد الايمان. وإذا ظرف مستقبل

стр. 981

متضمن معنى الشرط متعلق بقوله فاغسلوا، وجملة قمتم في محل جر بالإضافة، والى الصلاة متعلقان بقمتم، والفاء رابطة، وجملة اغسلوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ووجوهكم مفعول به (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) وأيديكم عطف على وجوهكم، والى حرف جر يدل على معنى الغاية والانتهاء مطلقا، ودخولها في الحكم وخروجها منه أمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله تعالى: «فنظرة الى ميسرة» لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منتظرا في كلتا الحالين معسرا وموسرا. وكذلك «ثم أتموا الصيام الى الليل» ولو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله الى آخره، لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه في القرآن: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى» ومعلوم أنه لا يسري به الى بيت المقدس من غير أن يدخله. وقوله تعالى: «إلى المرافق» و «إلى الكعبين» لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ العلماء بالأحوط، فحكموا بدخولها في الغسل. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) عطف على ما تقدم. وقد كثر الاختلاف حول هذه الباء، فقال بعضهم هي زائدة، وقال بعضهم: هي للتبعيض، كقول عمر بن أبي ربيعة: فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وقال بدر الدين بن مالك: وفيه تأييد لمذهب الشافعي في مسح بعض الرأس. وأنكر ذلك محب الدين أبو البقاء العكبري، وقال الشيخ شهاب الدين القرافي: إذا قلت: مسحت بالمنديل، وكتبت

стр. 982

بالقلم، وطفت بالبيت، فمن المعلوم أنك ما مسحت بكل المنديل، ولا كتبت بكل القلم، ولا طفت بكل البيت، علوا وسفلا، وظهرا وبطنا، وإنما مسحت ببعض ذا وكتبت ببعض ذا وطفت بظاهر ذا، واختار ابن هشام والزمخشري أن تكون الباء للإلصاق، وما مسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه. وقد أخذ مالك وأحمد بالاحتياط فأوجبا الاستيعاب، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله ﷺ ، وهو ما روي أنه مسح على ناصيته، وقدّر الناصية بربع الرأس. وإنما أطلنا في هذا البحث لطرافته، ورياضته للذهن. والجار والمجرور متعلقان بامسحوا، وسيأتي مزيد بحث عنه. (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب: وأرجلكم، بالفتح، أي: واغسلوا أرجلكم الى الكعبين، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق من الجانبين. وقرأها الباقون: ابن كثير وحمزة وأبو عمرو بالجر، والظاهر أنه عطف على الرأس، أي: وامسحوا بأرجلكم الى الكعبين. ومن هنا اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما، فجماهير أهل السنة على أن الواجب هو الغسل وحده، والشيعة والإمامية أنه المسح. وقال داود بن علي والناصر للحق من الزيدية: يجب الجمع بينهما. وقد رأى ابن جرير الجمع بين القولين للاحتياط. وقد عللوا تأخيره في قراءة النصب بأن صب الماء مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها. وقد أطالوا في التخريج والتأويل إطالة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب، وهي ناشئة عن الولع بالتحقيق والوصول الى ما هو أجدى وأسلم، ولهذا جنح ابن جرير الى الجمع، وفيه من حسن النية، وسلامة الطوية

стр. 983

الشيء الكثير. (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) الواو عاطفة، وإن شرطية، وكنتم كان واسمها، وهي فعل الشرط، وجنبا خبر كنتم، وجملة اطهروا جواب الشرط (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسمها ومرضى خبرها، أو حرف عطف، وعلى سفر متعلقان بمحذوف خبر ثان لكنتم، وجاء عطف على كنتم، وأحد فاعل جاء منكم متعلقان بمحذوف صفة لأحد، ومن الغائط متعلقان بجاء، وأو حرف عطف، ولامستم النساء عطف على ما تقدم (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) الفاء حرف عطف ولم تجدوا عطف أيضا، وماء مفعول به، والفاء رابطة لجواب الشرط وجملة فتيمموا صعيدا في محل جزم جواب الشرط، وطيبا صفة (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) عطف على ما تقدم، ومنه متعلقان بامسحوا (ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الحكمة من شرائع الدين. وما نافية، يريد الله فعل وفاعل، واللام للتعليل، ويجعل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وأن المضمرة والفعل المضارع مصدر مؤول مفعول يريد والجعل إما بمعنى الإيجاد والخلق فيتعدى لمفعول به واحد، وعليكم متعلقان به، ومن حرف جر زائد، وحرج مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول بجعل: وإما من الجعل، أي: التصيير، فيكون عليكم هو المفعول الثاني (وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الواو عاطفة ولكن حرف استدراك وهي هنا مهملة لأنها مخففة ويريد فعل مضارع، وفاعله هو واللام للتعليل، ويطهركم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بيريد. وليتم نعمته عليكم عطف عليه، ولعل واسمها، وجملة تشكرون في محل رفع خبرها، وجملة الرجاء حالية.

стр. 984

البلاغة: الكناية في قوله تعالى: «أو جاء أحد منكم من الغائط» فالمجيء من الغائط- وهو المطمئن أو المنخفض من الأرض- كناية عن الحدث، جريا على عادة العرب، وهي أن الإنسان منهم إذا أراد قضاء حاجة قصد مكانا منخفضا من الأرض وقضى حاجته فيه. الفوائد: اشتملت آية الوضوء على فوائد هامة لا يجوز إغفالها، ونشير إليها فيما يلي: ١- استغنى ببناء القلة في قوله: «وأرجلكم» عن بناء الكثرة لأنها لم يستعمل لها بناء كثرة، وقد يستغني ببعض أبنية القلة عن بناء الكثرة وضعا واستعمالا اتكالا على القرينة. وقد وضع الشاطبيّ قاعدة جميلة نلخصها فيما يلي: «وحقيقة الوضع أن تكون العرب لم تضع أحد البناءين استغناء عنه بالآخر، والاستعمال أن تكون وضعتهما معا، ولكنها استغنت في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر، فالأول: كأرجل جمع رجل، وأعناق جمع عنق، وأفئدة جمع فؤاد، قال تعالى: «وأرجلكم الى الكعبين» ، «فاضربوا فوق الأعناق» ، «وأفئدتهم هواء» ، فاستغنى فيها ببناء القلة عن بناء الكثرة، لأنها لم يوضع لها بناء كثرة. والثاني: كأقلام. ٢- لا شك في أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلا فعل ما يصدق عليه مسح، وليس في اللغة ما يقتضي أنه لا بد في مثل

стр. 985

هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية، نحو: اضرب زيدا أو أطعنه، أو ارجمه. فإنه يوجد المعنى بوقوع الضرب أو الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه، ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها: إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، وكذلك الطعن والرجم وسائر الافعال. ٣- قال تعالى: «إذا قمتم الى الصلاة» ، وفي الجنابة «وإن كنتم مرضى» لأن «إذا» تدخل على كائن أو منتظر لا محالة، «وإن» تدخل على أمر ربما كان وربما لا يكون. والقيام الى الصلاة ملازم والجنابة ليست بملازمة، فإنها قد توجد وقد لا توجد. ولهذا درج المفسرون على تفسير «إذا قمتم» أي: إذا أردتم القيام، من إقامة المسبب مقام السبب، والقيام متسبب عن الإرادة، والارادة سببه. ٤- من طريف الأبحاث اختلاف العلماء في دخول المرفق في الغسل، فقال قوم: إن المرفق داخل في مسمى اليد، لأن اليد من رأس الأنامل الى الإبط. وهذا ينتقض بقولك: نمت البارحة الى نصفها، ولا يجوز أن يقال: إنه نام البارحة كلها. وقال الجمهور بغسل المرفقين مع اليدين، وقال مالك وزفر لا يجب غسل المرفقين. وهذا الخلاف أيضا في الكعبين، حجة زفر أن «إلى» لانتهاء الغاية، والمنتهى غير النهاية، فلا يتعين غسل النهاية. والجواب من وجهين: آ- الأول مذهب الزجاج: قال: سلمنا أن المرفق لا يجب غسله، لكن المرفق اسم لما جاوز طرف العظم، فإنه هو المكان الذي يرتفق به، أي يتكأ عليه. ولا نزاع في أن ما وراء أطراف العظم لا يجب غسله. ب- الثاني: أن حد الشيء قد يكون منفصلا عن المحدود،
следующие страницы →