← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

متضمن معنى الشرط متعلق بقوله فاغسلوا، وجملة قمتم في محل جر بالإضافة، والى الصلاة متعلقان بقمتم، والفاء رابطة، وجملة اغسلوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ووجوهكم مفعول به (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) وأيديكم عطف على وجوهكم، والى حرف جر يدل على معنى الغاية والانتهاء مطلقا، ودخولها في الحكم وخروجها منه أمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله تعالى: «فنظرة الى ميسرة» لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منتظرا في كلتا الحالين معسرا وموسرا. وكذلك «ثم أتموا الصيام الى الليل» ولو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله الى آخره، لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه في القرآن: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى» ومعلوم أنه لا يسري به الى بيت المقدس من غير أن يدخله. وقوله تعالى: «إلى المرافق» و «إلى الكعبين» لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ العلماء بالأحوط، فحكموا بدخولها في الغسل. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) عطف على ما تقدم. وقد كثر الاختلاف حول هذه الباء، فقال بعضهم هي زائدة، وقال بعضهم: هي للتبعيض، كقول عمر بن أبي ربيعة: فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وقال بدر الدين بن مالك: وفيه تأييد لمذهب الشافعي في مسح بعض الرأس. وأنكر ذلك محب الدين أبو البقاء العكبري، وقال الشيخ شهاب الدين القرافي: إذا قلت: مسحت بالمنديل، وكتبت

стр. 982

بالقلم، وطفت بالبيت، فمن المعلوم أنك ما مسحت بكل المنديل، ولا كتبت بكل القلم، ولا طفت بكل البيت، علوا وسفلا، وظهرا وبطنا، وإنما مسحت ببعض ذا وكتبت ببعض ذا وطفت بظاهر ذا، واختار ابن هشام والزمخشري أن تكون الباء للإلصاق، وما مسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه. وقد أخذ مالك وأحمد بالاحتياط فأوجبا الاستيعاب، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله ﷺ ، وهو ما روي أنه مسح على ناصيته، وقدّر الناصية بربع الرأس. وإنما أطلنا في هذا البحث لطرافته، ورياضته للذهن. والجار والمجرور متعلقان بامسحوا، وسيأتي مزيد بحث عنه. (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب: وأرجلكم، بالفتح، أي: واغسلوا أرجلكم الى الكعبين، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق من الجانبين. وقرأها الباقون: ابن كثير وحمزة وأبو عمرو بالجر، والظاهر أنه عطف على الرأس، أي: وامسحوا بأرجلكم الى الكعبين. ومن هنا اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما، فجماهير أهل السنة على أن الواجب هو الغسل وحده، والشيعة والإمامية أنه المسح. وقال داود بن علي والناصر للحق من الزيدية: يجب الجمع بينهما. وقد رأى ابن جرير الجمع بين القولين للاحتياط. وقد عللوا تأخيره في قراءة النصب بأن صب الماء مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها. وقد أطالوا في التخريج والتأويل إطالة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب، وهي ناشئة عن الولع بالتحقيق والوصول الى ما هو أجدى وأسلم، ولهذا جنح ابن جرير الى الجمع، وفيه من حسن النية، وسلامة الطوية

стр. 983

الشيء الكثير. (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) الواو عاطفة، وإن شرطية، وكنتم كان واسمها، وهي فعل الشرط، وجنبا خبر كنتم، وجملة اطهروا جواب الشرط (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسمها ومرضى خبرها، أو حرف عطف، وعلى سفر متعلقان بمحذوف خبر ثان لكنتم، وجاء عطف على كنتم، وأحد فاعل جاء منكم متعلقان بمحذوف صفة لأحد، ومن الغائط متعلقان بجاء، وأو حرف عطف، ولامستم النساء عطف على ما تقدم (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) الفاء حرف عطف ولم تجدوا عطف أيضا، وماء مفعول به، والفاء رابطة لجواب الشرط وجملة فتيمموا صعيدا في محل جزم جواب الشرط، وطيبا صفة (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) عطف على ما تقدم، ومنه متعلقان بامسحوا (ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الحكمة من شرائع الدين. وما نافية، يريد الله فعل وفاعل، واللام للتعليل، ويجعل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وأن المضمرة والفعل المضارع مصدر مؤول مفعول يريد والجعل إما بمعنى الإيجاد والخلق فيتعدى لمفعول به واحد، وعليكم متعلقان به، ومن حرف جر زائد، وحرج مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول بجعل: وإما من الجعل، أي: التصيير، فيكون عليكم هو المفعول الثاني (وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الواو عاطفة ولكن حرف استدراك وهي هنا مهملة لأنها مخففة ويريد فعل مضارع، وفاعله هو واللام للتعليل، ويطهركم منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بيريد. وليتم نعمته عليكم عطف عليه، ولعل واسمها، وجملة تشكرون في محل رفع خبرها، وجملة الرجاء حالية.

стр. 984

البلاغة: الكناية في قوله تعالى: «أو جاء أحد منكم من الغائط» فالمجيء من الغائط- وهو المطمئن أو المنخفض من الأرض- كناية عن الحدث، جريا على عادة العرب، وهي أن الإنسان منهم إذا أراد قضاء حاجة قصد مكانا منخفضا من الأرض وقضى حاجته فيه. الفوائد: اشتملت آية الوضوء على فوائد هامة لا يجوز إغفالها، ونشير إليها فيما يلي: ١- استغنى ببناء القلة في قوله: «وأرجلكم» عن بناء الكثرة لأنها لم يستعمل لها بناء كثرة، وقد يستغني ببعض أبنية القلة عن بناء الكثرة وضعا واستعمالا اتكالا على القرينة. وقد وضع الشاطبيّ قاعدة جميلة نلخصها فيما يلي: «وحقيقة الوضع أن تكون العرب لم تضع أحد البناءين استغناء عنه بالآخر، والاستعمال أن تكون وضعتهما معا، ولكنها استغنت في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر، فالأول: كأرجل جمع رجل، وأعناق جمع عنق، وأفئدة جمع فؤاد، قال تعالى: «وأرجلكم الى الكعبين» ، «فاضربوا فوق الأعناق» ، «وأفئدتهم هواء» ، فاستغنى فيها ببناء القلة عن بناء الكثرة، لأنها لم يوضع لها بناء كثرة. والثاني: كأقلام. ٢- لا شك في أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلا فعل ما يصدق عليه مسح، وليس في اللغة ما يقتضي أنه لا بد في مثل

стр. 985

هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية، نحو: اضرب زيدا أو أطعنه، أو ارجمه. فإنه يوجد المعنى بوقوع الضرب أو الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه، ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها: إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، وكذلك الطعن والرجم وسائر الافعال. ٣- قال تعالى: «إذا قمتم الى الصلاة» ، وفي الجنابة «وإن كنتم مرضى» لأن «إذا» تدخل على كائن أو منتظر لا محالة، «وإن» تدخل على أمر ربما كان وربما لا يكون. والقيام الى الصلاة ملازم والجنابة ليست بملازمة، فإنها قد توجد وقد لا توجد. ولهذا درج المفسرون على تفسير «إذا قمتم» أي: إذا أردتم القيام، من إقامة المسبب مقام السبب، والقيام متسبب عن الإرادة، والارادة سببه. ٤- من طريف الأبحاث اختلاف العلماء في دخول المرفق في الغسل، فقال قوم: إن المرفق داخل في مسمى اليد، لأن اليد من رأس الأنامل الى الإبط. وهذا ينتقض بقولك: نمت البارحة الى نصفها، ولا يجوز أن يقال: إنه نام البارحة كلها. وقال الجمهور بغسل المرفقين مع اليدين، وقال مالك وزفر لا يجب غسل المرفقين. وهذا الخلاف أيضا في الكعبين، حجة زفر أن «إلى» لانتهاء الغاية، والمنتهى غير النهاية، فلا يتعين غسل النهاية. والجواب من وجهين: آ- الأول مذهب الزجاج: قال: سلمنا أن المرفق لا يجب غسله، لكن المرفق اسم لما جاوز طرف العظم، فإنه هو المكان الذي يرتفق به، أي يتكأ عليه. ولا نزاع في أن ما وراء أطراف العظم لا يجب غسله. ب- الثاني: أن حد الشيء قد يكون منفصلا عن المحدود،

стр. 986

كقوله تعالى: «ثم أتموا الصيام الى الليل» فإن النهار منفصل عن الليل في الحسّ، وقد لا يكون منفصلا، كقولك: بعتك هذا الثوب من هنا الى هنا. فهذا الحد غير منفصل، ولا شك في أن امتياز المرفق عن الساعد ليس منفصلا معينا، وإذا كان كذلك فليس إيجاب الغسل الى حيز أولى من إيجابه الى حيز آخر، فوجب القول بغسل كل المرفق. وقال بعضهم: النهاية غير المتناهي، وغسل المرافق لم يفهم من الآية الكريمة، وإنما فهم من فعله ﷺ . فعلى هذا لو قلت: بعتك من هذه الشجرة الى هذه الشجرة، لم تدخل الغاية هاهنا. وإذا قلت: بعتك من هذا الحائط الى هذا الحائط، دخل الحائطان في المبيع. والفرق بينهما أن الغاية في الأولى من جنس ما دخلت فيه فهي خارجة عنه، وكذلك المرفق من جنس اليد فهو خارج عن الغسل. وفي الثانية أن الغاية خارجة، لأن الحائط ليس من جنس البستان، فلهذا دخل الحائطان في المبيع. ألا ترى أن قوله تعالى: «ثم أتموا الصيام الى الليل» لما كان الليل من غير جنس النهار اعتبر دخول أول الليل؟ قال ﷺ : «إذا أدبر النهار من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم» فاعتبر دخول الليل لأنه خارج عن النهار. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧ الى ٨] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨)

стр. 987

الإعراب: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ) الواو الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لتذكير المؤمنين بنعمه عليهم وميثاقه الذي واثقهم به. واذكروا نعمة الله فعل أمر وفاعل ومفعول به، وعليكم جار ومجرور متعلقان بنعمة وميثاقه عطف على نعمة الله، والذي صفة لميثاق وجملة واثقكم به صلة الموصول (إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بواثقكم، وجملة قلتم في محل جر بالاضافة، وجملة سمعنا مقول القول، وجملة وأطعنا عطف عليها (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) كلام مستأنف، واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به، وجملة إن وما في حيزها تعليلية، وذات الصدور الأمور المكنونة في الصدور (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان الأمور المتعلقة بما يجري بينهم وبين غيرهم. وكونوا فعل أمر ناقص، والواو اسمها، وقوامين خبرها، ولله متعلقان بقوامين، وشهداء خبر ثان لكونوا، وبالقسط متعلقان بشهداء (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا) الواو عاطفة، ولا ناهية، ويجرمنكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا، والكاف مفعول به، وشنآن قوم فاعل، وعلى حرف جر، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر مجرور بعلى، والجار والمجرور متعلقان بيجرمنكم، لأنه تضمن معنى لا يحملنكم (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) جملة اعدلوا مفسرة، وهو ضمير منفصل

стр. 988

مبتدأ يعود على المصدر المفهوم من قوله: «اعدلوا» وأقرب خبر، والجملة مستأنفة، وللتقوى متعلقان بأقرب (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) تقدم إعراب مثيلها قريبا. البلاغة: التكرير في طلب المعدلة، والسر فيه التأكيد على العدل والتشويق اليه. وخلاصة المعنى: لا يحملنكم بغضكم للمشركين على ترك المعدلة فتعتدوا عليهم. وهذا منتهى ما تصل اليه المثل العليا، والقيم الانسانية السامية. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩ الى ١١] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) الإعراب: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) كلام مستأنف مسوق لبيان وعده سبحانه، فإن النفس الانسانية مفطورة على التوجه

стр. 989

بالسؤال عن بيان هذا الوعد. ووعد الله فعل وفاعل، والذين مفعول به. وجملة آمنوا صلة الموصول، وعملوا الصالحات عطف على الصلة (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) لهم الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومغفرة مبتدأ مؤخر، والجملة يجوز أن تكون مفسرة للمفعول به الثاني المحذوف للفعل «وعد» ، وتقديره «الجنة» ، ويجوز أن تكون استئنافا بيانيا، كأنه قال: قوم لهم وعد، فقيل: أي شيء وعده؟ فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم. وعلى هذا لا محل لها أيضا. ولك أن تجعلها مقولا لقول محذوف تتضمن زيادة التقرير الموعود به والتأكيد لوقوعه. وقيل: هي جملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني لقوله «وعد» على معنى: وعدهم أن لهم مغفرة، أو وعدهم مغفرة. فوقعت الجملة موقع المفرد، فأغنت عنه (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) الواو استئنافية، والذين مبتدأ، وجملة كفروا صلة، وجملة كذبوا بآياتنا عطف على الصلة، وأولئك مبتدأ ثان، وأصحاب الجحيم خبر أولئك، والجملة الاسمية خبر الذين (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها كثيرا (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) تقدم اعرابها قريبا والجملة مستأنفة (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) إذ ظرف للنعمة متعلق بها، ويجوز أن يتعلق باذكروا، وجملة همّ قوم في محل جر بالاضافة، وأن يبسطوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان ب «همّ» ، وإليكم متعلقان بيبسطوا، وأيديهم مفعول به (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) عطف على ما تقدم (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) الواو استئنافية واتقوا الله فعل وفاعل ومفعول، وعلى الله متعلقان بتوكل، والفاء استئنافية واللام لام الأمر، ويتوكل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، والمؤمنون فاعل.

стр. 990

البلاغة: بسط اليد: عبارة مجازية مرسلة بعلاقة السببية، لأن اليد سبب الإيذاء، كما أن بسط اللسان عبارة مجازية، علاقتها السببية. [سورة المائدة (٥) : آية ١٢] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) اللغة: (نَقِيباً) : النقيب في القوم من ينقب عن أحوالهم، ويبحث عن شئونهم، وهو «فعيل» بمعنى فاعل مشتق من التنقيب، وهو التفتيش. ومنه قوله تعالى: «فنقّبوا في البلاد» ، وسمي بذلك لأنه يفتش عن أحوال القوم وأسرارهم وقيل: هو بمعنى «مفعول» كأن القوم اختاروه على علم منهم. وقيل: هو للمبالغة كعليم وخبير. (عَزَّرْتُمُوهُمْ) نصرتموهم. وفي المختار: التعزير: التوقير والتعظيم.

стр. 991

الإعراب: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) كلام مستأنف مسوق لذكر بعض ما صدر عن بني إسرائيل، وفيه تحريص للمؤمنين على ذكر نعمة الله، ومراعاة حق الميثاق، وتحذير من نقضه. واللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وأخذ الله فعل وفاعل، وميثاق مفعول به، وبني إسرائيل مضاف اليه (وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) وبعثنا عطف على أخذ، ومنهم متعلقان ب «نقيبا» أو حال من «اثني عشر» ، واثني عشر مفعول به لبعثنا، ونقيبا تمييز (وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ) الواو عاطفة، على طريق الالتفات، وقال الله فعل وفاعل، وإني إن واسمها، ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبرها، وإن وما في حيزها مقول القول (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ) اللام موطئة للقسم المحذوف، وإن شرطية، وأقمتم فعل وفاعل، وهو في محل جزم فعل الشرط، والصلاة مفعول به، وآتيتم الزكاة عطف على أقمتم الصلاة والجملة القسمية مستأنفة (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) عطف على ما تقدم، وبرسلي متعلقان بآمنتم، وعزرتموهم عطف أيضا، وهو فعل وفاعل والواو لإشباع الضمة، والهاء مفعول به، وأقرضتم الله فعل وفاعل ومفعول به، وقرضا مفعول مطلق، وحسنا صفة (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) اللام واقعة في جواب القسم، والجملة لا محل لها لأنها جواب للقسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم المتقدم عليه، وعنكم متعلقان بأكفرنّ، وسيئاتكم مفعول به، ولأدخلنكم عطف على «لأكفرن» ، وجنات مفعول به ثان على السعة أو منصوب بنزع الخافض، وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ

стр. 992

ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) الفاء استئنافية. ومن شرطية مبتدأ، وكفر فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، وبعد ذلك ظرف متعلق بكفر، ومنكم متعلقان بمحذوف حال، فقد الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، وسواء السبيل مفعول ضل. البلاغة: في قوله تعالى: «وأقرضتم الله قرضا حسنا» استعارة تصريحية. فقد شبه الإنفاق في سبيل الله لوجهه بالقرض، على سبيل المجاز، لأنه بإعطاء المستحق ما له لوجه الله، فكأنه أقرضه إياه. [سورة المائدة (٥) : آية ١٣] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) اللغة: (لَعَنَّاهُمْ) : طردناهم وأبعدناهم عن رحمتنا. (خائِنَةٍ) : الخائنة هنا: الخيانة. والعرب تعبر بصيغة اسم الفاعل عن المصدر أحيانا وبالعكس، فاستعملت القائلة بمعنى القيلولة،

стр. 993

والخاطئة بمعنى الخطيئة. أو هي وصف لمحذوف، إما مذكر والهاء للمبالغة، كما قالوا: راوية للشعر، لكثير الرواية، قال: حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغلّ الإصبع وداعية لمن جرد نفسه للدعوة الى الشيء. وإما مؤنث بتقدير: أو فرقة. الإعراب: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن ما أصابهم من طرد وإبعاد عن الرحمة ناشىء عن نقضهم الميثاق. والباء حرف جر، وما زائدة لتوكيد الكلام، ونقضهم مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بلعناهم، وميثاقهم مفعول به للمصدر وهو النقض، ولعناهم، فعل وفاعل ومفعول به، (وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) وجعلنا عطف عل ى لعناهم، وقلوبهم مفعول به أول، وقاسية مفعول ثان (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان مدى قسوة قلوبهم، والكلم مفعول يحرفون، وعن مواضعه جار ومجرور متعلقان بيحرفون (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) عطف على ما تقدم، ونسوا حظا فعل وفاعل ومفعول به، ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «حظا» وجملة ذكروا به لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) الواو عاطفة، ولا تزال فعل مضارع ناقص، والاسم مستتر تقديره أنت، وجملة تطلع خبر لا تزال، وعلى خائنة متعلقان بتطلع، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة لخائنة، وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى من الضمير المجرور في «منهم» ، ومنهم

стр. 994

متعلقان بمحذوف صفة ل «قليلا» ، وأراد بالقليل منهم من أسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) الفاء الفصيحة، أي: إذا عرفت هذا فاعف عمن جاءك معلنا توبته وانضواءه تحت لواء الدين القويم، واعف فعل أمر وعنهم متعلقان ب «اعف» واصفح عطف على فاعف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) إن واسمها، وجملة يحب المحسنين خبر إن، وجملة إن وما في حيزها تعليلية لا محل لها. [سورة المائدة (٥) : آية ١٤] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) اللغة: (نَصارى) : في مختار الصحاح: النصير: الناصر وجمعه أنصار، كشريف وأشراف، وجمع الناصر نصر كصاحب وصحب. والنصارى جمع نصران ونصرانة، كالندامى جمع ندمان وندمانة. ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب. وفي المصباح: ورجل نصراني بفتح النون، وامرأة نصرانية. ويقال: إنه نسبة الى قرية اسمها نصرى، ولهذا يقال في الواحد: نصري، على القياس، ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين. وقال في المنجد: النصراني نسبة الى مدينة الناصرة على غير القياس: من يتبع دين السيد المسيح، والجمع نصارى، والمؤنث نصرانية. وقال في اللسان: ونصرى بفتحتين، ونصرى بفتح فسكون،

стр. 995

وناصرة ونصورية: قرية بالشام، والنصارى منسوبون إليها، قال ابن سيده: هذا قول أهل اللغة، قال: وهو ضعيف، إلا أن نادر النسب يسعه. قال: وأما سيبويه فقال: أما نصارى فذهب الخليل الى أن جمع نصري ونصران، كما قالوا: ندمان وندامى، ولكنهم حذفوا إحدى الياءين، كما حذفوا من أثفيّة، وأبدلوا مكانها ألفا، كما قالوا: صحارى. قال: وأما الذين نوجهه نحن عليه فإنه جاء على نصران لأنه قد تكلم به، فكأنك جمعت نصرا كما جمعت مسمعا وقلت نصارى كما قلت ندامى. (أغرينا) : ألصقنا وألزمنا، وهي من غري بالشيء إذا لزمه ولصق به، ومعنى الغراء الذي يلصق به، والغراء مثل كتاب، وفي المصباح: غري بالشيء غريا من باب تعب أولع به من حيث لا يحمله عليه حامل، وأغريته به إغراء فأغري به بالبناء للمفعول، والاسم الغراء بالفتح والمد والغراء مثل كتاب: ما يلصق به، معمول من الجلود، وقد يعمل من السمك. والغرا مثل العصا: لغة فيه، وغروت الجلد أغروه من باب عدا: ألصقته بالغراء، وأغريت بين القوم: مثل أفسدت وزنا ومعنى، وغروت غروا من باب قتل: عجبت، ولا غرو: ولا عجب. الإعراب: (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ) كلام مستأنف مسوق للحديث عن النصارى. والجار والمجرور متعلقان بأخذنا، وجملة قالوا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإن واسمها، ونصارى خبرها، وجملة أخذنا مستأنفة كما تقدم، وميثاقهم مفعول به، وجملة إنا نصارى مقول القول. وهناك أوجه أخرى تراها في باب الفوائد. (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) الفاء عاطفة، ونسوا عطف على أخذنا، والواو فاعل، وحظا مفعول به، ومما متعلقان بمحذوف صفة ل «حظا» ،

стр. 996

وجملة ذكروا صلة الموصول، وبه جار ومجرور متعلقان بذكروا، والواو نائب فاعل (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) عطف على ما تقدم، وأغرينا فعل وفاعل، والظرف متعلق بأغرينا، والعداوة مفعول به، والى يوم القيامة متعلقان بمحذوف حال، أي: ممتدة الى يوم القيامة (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) الواو عاطفة، وسوف حرف استقبال، وينبئهم فعل وفاعل ومفعول به، وبما متعلقان بينبئهم، وجملة كانوا صلة الموصول، وجملة يصنعون خبر كانوا. الفوائد: أنهى بعض المعربين الأوجه التي أجازوها في هذه الآية الى وجوه منها ما اخترناه، وهو ما ذهب اليه الزمخشري، ولكنه جعل الضمير في ميثاقهم عائدا على بني إسرائيل، والتقدير: وأخذنا من النصارى ميثاقا مثل ميثاق بني إسرائيل، وهناك وجه جدير بالذكر وهو أن يتعلق قوله: «ومن الذين» بمحذوف على أنه خبر لمبتدأ محذوف قامت صفته مقامه، والتقدير: ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم. [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٥ الى ١٦] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)

стр. 997

الإعراب: (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) كلام مستأنف مسوق لخطاب أهل الكتاب عامة على طريق الالتفات. ويا حرف نداء للمتوسط، وأهل الكتاب منادى مضاف منصوب، وقد حرف تحقيق، وجاءكم فعل ماض ومفعول به مقدم، ورسولنا فاعل مؤخر (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ) الجملة حالية من «رسولنا» ولكم متعلقان بيبيّن، وكثير مفعول به، ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «كثيرا» وما اسم موصول وكنتم كان واسمها، والجملة صلة، وجملة تخفون في محل نصب خبر كنتم، ومن الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من العائد المحذوف (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) الجملة معطوفة على جملة «يبين» الحالية داخلة في حكمها (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان الفائدة من مجيء الرسول. ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لنور، وتقدم عليه. ونور فاعل «جاءكم» ، وكتاب عطف على «نور» ، ومبين صفة (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ) الجملة صفة لكتاب، وبه متعلقان بيهدي، والله فاعل، ومن اسم موصول مفعول به، وجملة اتبع رضوانه صلة الموصول، وسبل السلام مفعول به ثان على السعة ليهدي، أو منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بيهدي (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ) الواو عاطفة، ويخرجهم معطوف على

стр. 998

يهدي، والهاء مفعول به، ومن الظلمات متعلقان بيخرجهم، وكذلك الى النور، وبإذنه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) عطف على ما تقدم، وقد تقدم إعرابه كثيرا. البلاغة: في قوله تعالى: «من الظلمات الى النور» استعارتان تصريحيتان أصليتان، يقصد بالأولى الضلال وبالثانية الهدى والايمان، والعلاقة المشابهة، وقد لفظ المشبه واستعير بدله لفظ المشبه به، ليقوم مقامه، بادعاء أن المشبه به هو عين المشبه، وهذا أبعد مدى في البلاغة، وأدخل في بابها، ولما كان المشبه به مصرحا به في هذا المجاز سميت الاستعارة تصريحية، وسميت أصلية لأنها جارية في الاسم. ومن الاستعارة التصريحية قول أبي الطيب: وأقبل يمشي في البساط فما درى ... إلى البحر يسعى أم الى البدر يرتقي فقد شبه سيف الدولة بالبحر ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو البحر للمشبه وهو سيف الدولة، على سبيل الاستعارة التصريحية، والقرينة: فأقبل يمشي في البساط، وكذلك يقال في تشبيه سيف الدولة بالبدر.

стр. 999

[سورة المائدة (٥) : آية ١٧] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) اللغة: (يَمْلِكُ) : تقول العرب: ملك فلان على فلان أمره إذا استولى عليه فضار لا يستطيع أن ينفذ أمرا ولا أن يفعل شيئا إلا به وبإذنه. قال ابن دريد في وصف الخمر التي لم يكسر المزاج حدتها ولم تبطل النار تأثيرها: لم يملك الماء عليها أمرها ... ولم يدنّسها الضّرم المحتضى وقوله تعالى: «فمن يملك من الله شيئا» أبلغ من مثل هذا القول، لأنه نفى أن يملك أحد بعض أمره تعالى، فضلا عن ملك أمره كله، فصار المعنى أنه لا يوجد أحد يستطيع أن يردّ أمره ويحوّله عن إرادته بوجه ما. الإعراب: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) اللام واقعة في جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وكفر فعل ماض والذين فاعله، وجملة قالوا صلة الموصول، وجملة القسم مستأنفة، وجملة

стр. 1000

قد كفر لا محل لها لأنها جواب القسم، وإن واسمها وخبرها مقول القول وهو ضمير فصل يفيد الحصر لا عمل له والمسيح خبر إن، أو «هو» مبتدأ والمسيح خبر، والجملة خبر إن، وابن مريم بدل أو نعت (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) الجملة مستأنفة، وقل فعل أمر وفاعله أنت، والفاء عاطفة على جملة محذوفة هي مقول «قل» ، أي: قل تبكيتا وإظهارا لبطلان قولهم. ومن اسم استفهام انكاري مبتدأ، وجملة يملك خبر، ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أو بيملك، وشيئا مفعول به (إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) الجملة الشرطية مفسرة لا محل لها، وإن شرطية، وأراد فعل الشرط، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول أراد، والمسيح مفعول به، وابن مريم بدل أو نعت، وأمه عطف على المسيح، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي: فمن يملك من الله شيئا (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) الواو عاطفة، ومن اسم موصول معطوف على المسيح وأمه، وفي الأرض متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وجميعا حال (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) الواو حالية، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر، وما بينهما: الواو عاطفة على ملك وما اسم موصول، والظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول (يَخْلُقُ ما يَشاءُ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان أنه سبحانه خالق الخلق حسب مشيئته (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الكلام مستأنف مسوق لبيان قدرته تعالى على كل شيء، فكل ما تعلقت به مشيئته ينفذ بقدرته، وإنما يعد بعض خلقه غريبا بالنسبة الى علم البشر الناقص، لا بالنسبة اليه تعالى. وقد تقدم اعرابها.

стр. 1001

[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٨ الى ١٩] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) اللغة: (فترة) من فتر الشيء إذا سكن أو زالت حدته، وقال الراغب: الفتور: سكون بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة. وذكر الآية. والمراد بها هنا انقطاع الوحي وظهور الرسل عدّة قرون. الإعراب: (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى) الواو استئنافية، وقالت اليهود فعل وفاعل، والنصارى عطف على اليهود (نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) الجملة مقول قولهم، ونحن مبتدأ وأبناء الله خبر، وأحباؤه عطف على أبناء الله (قُلْ: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟) الكلام مستأنف مسوق للرد على هذه الأقوال. وقل فعل أمر، والفاعل أنت والفاء هي الفصيحة، أي:

стр. 1002

إذا كنتم كما تزعمون فما باله يعذبكم بما تقترفونه من الذنوب! ولم اللام حرف جر، وما اسم استفهام حذفت ألفه لدخول حرف الجر عليه، والجار والمجرور متعلقان بيعذبكم، ويعذبكم فعل مضارع ومفعوله، والفاعل هو، وبذنوبكم جار ومجرور متعلقان بيعذبكم أيضا، والجملة كلها مقول قولهم، وجملة لم يعذبكم لا محل لها لأنها واقعة جواب شرط غير جازم (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) بل حرف إضراب وعطف على محذوف متصيّد من مفهوم الكلام السابق. أي: فلستم حينئذ بهذه المثابة من القرب اليه سبحانه. وأنتم مبتدأ وبشر خبر، وممن جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبشر، وجملة خلق صلة الموصول «من» (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) الجملة مستأنفة، ولمن جار ومجرور متعلقان بيغفر، وجملة يشاء صلة، وجملة يعذب من يشاء عطف على الجملة الآنفة (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) الجملة مستأنفة، ولله متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وملك السموات مبتدأ مؤخر، والأرض عطف على السموات، وما عطف أيضا، والظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، واليه المصير الواو عاطفة واليه جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمصير مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ولله ملك السموات والأرض (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) يا حرف نداء، وأهل الكتاب منادى مضاف، وقد حرف تحقيق، وجاءكم رسولنا فعل ومفعول به وفاعل، والجملة مستأنفة (يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) جملة يبين في محل نصب على الحال من «رسولنا» ، أي: مبينا لكم ولكم متعلقان بيبين، وعلى فترة جار ومجرور متعلقان بجاءكم، أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع

стр. 1003

الوحي، أو بمحذوف وقع حالا من ضمير يبين، أو من ضمير لكم. أي: يبين لكم ما ذكر حال كونه على فترة من الرسل، أو حال كونكم عليها أحوج ما كنتم الى البيان. ومن الرسل جار ومجرور متعلقان بمحذوف وقع صفة لفترة، أي: كائنة من الرسل (أَنْ تَقُولُوا: ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ) أن تقولوا المصدر المنسبك من أن والفعل بعدها مفعول لأجله على حذف مضاف، أي: كراهة قولكم، أو منصوب بنزع الخافض، مع تقدير النفي، أي: لئلا تقولوا، وجملة ما جاءنا في محل نصب مقول القول، ومن حرف جر زائد، وبشير فاعل محلا لجاءنا، ولا نذير عطف على من بشير (فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ) الفاء هي الفصيحة، أي: إذا اعتذرتم بذلك فقد جاءكم بشير ونذير. وجاءكم بشير فعل ومفعول به وفاعل، ونذير عطف على بشير، والجملة لا محلّ لها من الإعراب لأنها واقعة في جواب شرط غير جازم (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وقدير خبره، والجار والمجرور متعلقان بقدير. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٠ الى ٢١] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١)

стр. 1004

الإعراب: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) : كلام مستأنف مسوق لبيان ما فعلوه، وما صدر عن بعضهم بعد أخذ الميثاق. وإذ ظرف لما مضى متعلق باذكر محذوفا، والخطاب للنبي ليعدّد عليه ما صدر عنهم، وجملة قال موسى من الفعل والفاعل في محل جر بالإضافة، ولقومه متعلقان بقال (يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) الجملة في محل نصب مقول القول، ويا حرف نداء، وقوم منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة، واذكروا نعمة الله فعل أمر وفاعل ومفعول به، وعليكم متعلقان بنعمة (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) إذ ظرف لما مضى متعلق بالنعمة، وجملة جعل في محل جر بالاضافة، وفيكم متعلقان بجعل على أنه مفعول به أول لجعل، وأنبياء مفعوله الثاني، وجعلكم ملوكا عطف على ما تقدم، وملوكا مفعول به ثان (وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة، وآتاكم فعل ومفعول به أول، والفاعل هو، وما اسم موصول مفعول به ثان، وجملة لم يؤت أحدا صلة الموصول «ما» ، ومن العالمين متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والمراد بالعالمين الأمم الخالية الى زمانهم وعالم زمانهم، من خلق البحر، وتظليل الغمام، والمن والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظيمة (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) الجملة استئنافية وادخلوا فعل أمر وفاعل، والأرض مفعول به على السعة، أو منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بادخلوا، والمقدسة صفة للأرض (الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) التي صفة ثانية للأرض، وجملة كتب الله صلة، ولكم جار ومجرور متعلقان بكتب (وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ) الواو عاطفة، ولا ناهية وترتدوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، وعلى أدباركم متعلقان بمحذوف

стр. 1005

حال من فاعل ترتدوا (فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) الفاء عاطفة، وتنقلبوا معطوف على ترتدوا فهو مجزوم مثله، ويجوز أن تكون الفاء هي السببية لتقدم النهي عليها، فهو منصوب بأن مضمرة بعدها، وخاسرين حال. الفوائد: المنادى المضاف الى ياء المتكلم أربعة أقسام: ١- ما فيه لغة واحدة، وهو المعتل بالياء أو بالألف، فإن ياءه المضاف إليها واجبة الثبوت والفتح نحو: يا قاضيّ ويا فتاي. ٢- ما فيه لغتان: وهو الوصف المشبه للفعل المضارع، ونعني به اسمي الفاعل والمفعول ومبالغة اسم الفاعل، فان ياءه ثابتة دائما، وهي إما مفتوحة وإما مكسورة، نحو: يا مكرمي ويا ضاربي. ٣- ما فيه ست لغات: وهو ما عدا ذلك، وليس أبا ولا أمّا، نحو: يا غلامي، فالأكثر فيه حذف الياء والاكتفاء بالكسرة، نحو: يا غلام، ثم ثبوتها ساكنة على الأصل، نحو يا غلامي، أو مفتوحة، نحو: يا غلامي. ثم قلب الكسرة فتحة والياء ألفا، نحو: يا حسرتا. ثم حذف الألف المنقلبة والاجتزاء بالفتح، فتقول: يا حسرة، ثم حذف الياء والاكتفاء بنيتها وضم الاسم المضاف للياء، مثل: يا غلام. ٤- ما فيه عشر لغات: وهو الأب والأم، ففيهما مع اللغات الست المتقدمة أربع لغات أخر، وهي أن تعوض تاء التأنيث من ياء

стр. 1006

المتكلم وتكسرها وهو الأكثر، أو تفتحها أو تضمها وهو قليل، وربما جمع بين التاء والألف، فقيل: يا أبتا ويا أمتا. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٢ الى ٢٣] قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) اللغة: (جَبَّارِينَ) : الجبار: العاتي المتمرد، فعّال، من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد. والمراد هنا أنهم ذوو قوّة. الإعراب: (قالُوا: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ) الجملة مستأنفة، وقالوا فعل وفاعل، وجملة النداء وما بعدها مقول قولهم، وفيها متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم، وقوما اسمها المؤخر، وجبارين: صفة ل «قوما» (وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها) الواو عاطفة على ما تقدم، وإن واسمها، وجملة لن ندخلها خبرها، وحتى حرف

стр. 1007

غاية وجر، ويخرجوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها والجار والمجرور متعلقان بندخلها، ومنها متعلقان بيخرجوا (فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، ويخرجوا فعل الشرط، والفاء رابطة لأن الجملة بعدها اسمية لا تصلح جوابا، وإن واسمها وداخلون خبرها، والجملة في محل جزم جواب الشرط (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) الجملة استئنافية، وقال رجلان: فعل وفاعل، ومن الذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، وجملة يخافون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة أنعم الله صفة ثانية أو معترضة فتكون لا محل لها، ولابن هشام قول فيها نورده في باب الفوائد، وعليهما متعلقان بأنعم (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ) الجملة في محل نصب مقول قول الرجلين (فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ) الفاء استئنافية، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وهو متعلق ب «غالبون» وجملة دخلتموه في محل جر بالاضافة، والفاء رابطة لجواب إذا، وإن واسمها، وغالبون: خبرها (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لتوصيتهم بالاتكال على الله أولا، والأخذ بأسباب الحيطة والحذر ثانيا، والفاء في قوله: «فتوكلوا» جواب أمر محذوف لا بد من تقديره: تنبّهوا فتوكلوا على الله، وعلى الله متعلقان بتوكلوا، كما قالت العرب: زيدا فاضرب، تقديره: تنبه فاضرب زيدا، وكثيرا ما يأتي معمول ما بعد الفاء متقدما عليها. وإن شرطية، وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها ومؤمنين خبرها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي: فتوكلوا.

стр. 1008

الفوائد: ١- قال ابن هشام في صدر حديثه عن هذه الآية: قوله تعالى: «قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما» فإن جملة: «أنعم الله عليهما» تحتمل الدعاء فتكون معترضة والإخبار فتكون صفة ثانية، ويضعف من حيث المعنى أن تكون حالا، ولا يضعف في الصناعة لوصفها» . هذا ما قاله ابن هشام، ولم يبين ابن هشام رحمه لله وجه الضعف من حيث المعنى، فإن جعلها حالا يقتضي أن قولهم في وقت إنعامه فقط، مع أن قولهم لا يتقيد بذلك. والحاصل أن الحالية تقتضي تقييد العامل مع أن المعنى ليس على التقييد. ٢- عبارة السمين: وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: في هذه الجملة خمسة أوجه، أظهرها أنها صفة ثانية فمحلها الرفع، وجيء هنا بأفصح الاستعمالين من كونه قدّم الوصف بالجار على الوصف بالجملة لقربه من المفرد. الثاني أنها متعرضة، وهو أيضا ظاهر. الثالث: أنها حال من الضمير في «يخافون» ، قاله مكيّ. الرابع: أنها حال من «رجلان» ، وجاءت الحال من النكرة لتخصصها بالوصف. الخامس: أنها حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وهو «من الذين» لوقوعه صفة لموصوف، وإذا جعلتها حالا فلا بد من إضمار «قد» مع الماضي، على خلاف في المسألة. ٣- الرجلان اللذان أنعم الله عليهما هما يوشع بن نون، وهو الذي نبئ بعد موسى. وكالب بن يوقنا، وكالب بفتح اللام وكسرها.

стр. 1009

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٤ الى ٢٦] قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦) اللغة: (أَبَداً) : ظرف زمان، وهو هنا تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول. (يَتِيهُونَ) : يسيرون في الأرض متحيرين لا يهتدون طريقا. والتيه: المفازة التي يتاه فيها. (تَأْسَ) : تندم وتحزن والأسى: الحزن. ولامه يحتمل أن تكون من واو لقولهم: رجل أسواة، أي: كثير الحزن، ويحتمل أن تكون من ياء، فقد حكي: رجل أسيان، وفي مختار الصحاح: «وأسي على مصيبته من باب «صدي» أي: حزن، وقد أسي له أي حزن له. الإعراب: (قالُوا: يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها) كلام مستأنف

стр. 1010

مسوق للدلالة على تماديهم في العصيان. وقالوا: فعل وفاعل، وجملة النداء وما بعدها في محل نصب مقول قولهم، وإن واسمها، وجملة لن ندخلها خبر، وأبدا ظرف زمان متعلق بندخلها، وما داموا ما: مصدرية ظرفية، وداموا هي دام الناقصة، والواو اسمها، وفيها متعلقان بمحذوف خبرها، وهذا الظرف بدل من «أبدا» لأنه بمثابة البيان له، فهو بدل مطابق أو كل من كل، وقيل: هو بدل بعض من كل، لأن الأبد يعم الزمن المستقبل كله، وديمومة الجبارين فيها بعضه (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) الفاء الفصيحة، كأنهم قد أضمروا كلاما ينطوي على الاستهانة والسخرية بالله ورسوله. واذهب فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت، وأنت تأكيد للفاعل المستتر، وربك عطف على الفاعل المستتر في «اذهب» ، وجاز للتأكيد بالضمير، كما نصّ على ذلك ابن مالك في الخلاصة: وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل فقاتلا عطف على «اذهب» ، والألف فاعل قاتل (إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان إصرارهم على أنهم لن يتقدموا، وإن واسمها، والهاء للتنبيه وهنا اسم اشارة في محل نصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق ب «قاعدون» ، وقاعدون خبر إن (قالَ: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) الجملة مستأنفة مسوقة للبثّ والشكوى الى الله، والحسرة ورقة القلب، وهي من الوسائل التي تستمطر فيها الرحمة ويستنزل النصر. وقال فعل ماض والفاعل هو، ورب منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة، وقد تقدم القول مسهبا في المنادى المضاف الى ياء المتكلم، وإن واسمها، والجملة مقول القول،

стр. 1011

وجملة لا أملك خبر إن، وإلا أداة حصر، ونفسي مفعول به، وأخي من طريف الإعراب وهو يحتمل الرفع والنصب والجر، وكلها متساوية. أوجه الرفع: فالرفع من ثلاثة أوجه هي: ١- أن يكون عطفا على الضمير المستتر في «أملك» . ٢- أن يكون عطفا على محل إن واسمها. ٣- أن يكون مبتدأ حذف خبره، والتقدير: وأخي لا يملك إلا نفسه. وجها النصب: والنصب من وجهين: ١- أن يكون معطوفا على اسم إنّ. ٢- أن يكون معطوفا على نفسي. وجه الجر: والجر من وجه واحد: أن يكون معطوفا على الياء المجرور باضافة نفس إليها. (فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) الفاء استئنافية، وافرق فعل

стр. 1012

دعاء بمعنى: احكم لنا بما نستحقه، واحكم عليهم بما يستحقونه. وبيننا ظرف متعلق ب «افرق» ، وبين القوم الفاسقين عطف على «بيننا» (قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) الجملة مستأنفة، وفاعل «قال» مستتر تقديره: الله تعالى، والفاء زائدة في الإعراب لتمكين التأكيد، وإن واسمها، ومحرمة خبرها، وعليهم متعلقان بمحرمة، وأربعين ظرف زمان متعلق بيتيهون، فيكون التحريم على هذا غير مؤقت بهذه المدة، أو متعلقان بمحرمة، فيكون التحريم مقيدا بهذه المدة، وسنة تمييز، وجملة فانها محرمة مقول القول، وجملة يتيهون في الأرض حالية، أي: حالة كونهم تائهين ضاربين في متاهات الأرض ومناكب الصحاري تتخبطهم الحسرة، وتتعاورهم الحيرة. (فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا عرفت هذا فلا تحزن، ولا ناهية، وتأس فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وعلى القوم متعلقان ب «تأس» ، والفاسقين صفة لقوم. الفوائد: قد يتساءل متسائل فيقول: كيف قال موسى: إني لا أملك إلا نفسي وأخي، مع أنه كان معهما الرجلان المذكوران، وهما يوشع وكالب؟ فالجواب أنه لم يطمئن الى ثباتهما بعد أن رأى الأكثرية الساحقة مصرة على التعنت، ولم تكن النبوة قد هبطت على يوشع بن نون، فلم يذكر معه إلا النبي المعصوم، وهو أخوه هارون. وهنا أقاصيص مطوّلة، يرجع إليها القارئ في المطولات من التفاسير.

стр. 1013

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) اللغة: (قُرْباناً) : القربان: بضم القاف، وفيه وجهان: ١- إنه اسم لما يتقرب به الى الله ، من صدقة أو نسك أو غير ذلك، كالحلوان بضم الحاء أيضا: اسم ما يحلى، أي: يعطى. يقال: قرب صدقة، وتقرب بها، لأن «تقرّب» مطاوع «قرّب» . ٢- أن يكون مصدرا في الأصل، ثم أطلق على الشيء المتقرّب به كقولهم: نسج اليمن، ويدلّ على ذلك أنه لم يثن، والموضع موضع تثنية، لأن كلّا من قابيل وهابيل له قربان يخصّه، والأصل أن يقول: قربانين. وقال أصحاب الرأي الأول: لا حجة في هذا، لأن المعنى: إذ قرّب كل واحد منهما قربانا، كقوله تعالى: «فاجلدوهم ثمانين جلدة» ، أي كل واحد منهم ثمانين جلدة.

стр. 1014

(تَبُوءَ) : ترجع. الإعراب: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) الجملة معطوفة على الفعل المقدر في قوله: «وإذ قال موسى لقومه» ، يعني: اذكر يا محمد لقومك وأخبرهم خبر ابني آدم، وهما: هابيل وقابيل، وقصة القربان وسببه. وقصة قتل قابيل لهابيل طفحت بها المطوّلات من التفاسير. واتل فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وعليهم متعلقان ب «اتل» ، ونبأ مفعول به، وابني مضاف الى «نبأ» وحذفت النون للاضافة، وآدم مضاف الى «ابني» ، وبالحق متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، أي: تلاوة ملتبسة بالحق، أو حال من الفاعل، فيكون التقدير: حال كونك ملتبسا بالحق، أي: بالصدق، أو من المفعول به، أي: اتل نبأهما ملتبسا بالحق والصدق (إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بنبإ، أي: اتل قصتهما وخبرهما الواقع في ذلك الوقت، أو هو بدل منه، أي: واتل عليهم النبأ، نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف وجملة قربا في محل جر بالاضافة، وقربا فعل وفاعل، وقربانا مفعول به، فتقبل: الفاء عاطفة وتقبل فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود على «قربانا» ، ومن أحدهما جار ومجرور متعلقان بتقبل، ولم يتقبل من الآخر عطف على تقبل (قالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) جملة لأقتلنك في محل نصب مقول القول، واللام موطئة للقسم، وأقتلنك فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بالنون الثقيلة، والكاف مفعول به، وإنما كافة ومكفوفة، وجملة إنما يتقبل

стр. 1015

الله من المتقين مقول القول. (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) اللام موطئة للقسم، وان شرطية، وبسطت فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، وإلي متعلقان ببسطت، ويدك مفعول به، والجملة مستأنفة مبينة لما أراد قوله، ولتقتلني اللام لام التعليل، وتقتلني فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجار والمجرور متعلقان ببسطت، وما نافية حجازية تعمل عمل ليس، وأنا اسمها، والباء حرف جر زائد، وباسط اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبرها، ويدي مفعول به لباسط لأنه اسم فاعل، وإليك متعلقان بباسط، ولأقتلك اللام لام التعليل، وأقتلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجملة جواب القسم لتقدمه على الشرط، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه (إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) الجملة تعليلية، وإن واسمها، وجملة أخاف الله خبرها، ورب العالمين بدل من الله أو صفة (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) الجملة تعليل ثان لامتناعه عن المقاتلة بعد التعليل الأول، وإن واسمها، وجملة أريد خبرها، والفاعل مستتر تقديره أنا، وأن تبوء مصدر مؤوّل في محل نصب مفعول به لأريد، وبإثمي جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال من فاعل تبوء، أي: ترجع حاملا له، أو ملابسا له. فتكون الفاء عاطفة، وتكون فعل مضارع ناقص معطوف على تبوء تبعه في النصب واسمها أنت، ومن أصحاب النار متعلقان بمحذوف خبر تكون (وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) الواو استئنافية وذلك اسم اشارة في محل رفع مبتدأ، وجزاء الظالمين خبر.

стр. 1016

البلاغة: ١- في قوله: «إنما يتقبل الله من المتقين» الكلام الجامع المانع، فقد جمعت هذه الجملة الكثير من المعاني بكلام مختصر، فقد اشتملت على فحوى القصة من أولها الى آخرها، والقصة مطولة يجدها القارئ في المطوّلات. وخلاصة المعنى أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متّق، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك؟ فقد كنت وكنت. قال: إني أسمع الله يقول: إنما يتقبل الله من المتقين. ٢- في قوله: «إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك» فن الاتساع. وهو أن يأتي المتكلم بكلام يتسع فيه التأويل بحسب ما تحتمله ألفاظه، فيتّسع التأويل فيه على قدر عقول الناس وتفاوت أفهامهم. وهو في الآية في إرادته إثم أخيه، لأن معناه: إني لا أريد أن أقتلك فأعاقب. ولما لم يكن بدّ من إرادة أحد الأمرين: وهما إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم وكان غير مريد للأول فاضطر الى الثاني، فلم يرد إذن إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإثم هو بالمدافعة المؤدية الى القتل، ولم تكن حينئذ مشروعة، فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا كما يتمنى الإنسان الشهادة. ومعناها أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه في ذلك من الإثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه وإنما أراد أن يبذل نفسه في سبيل الله رجاء إثم الكافر بقتل الكافر ضمنا وتبعا. والذي يدل على ذلك أنه لا فرق في حصول درجة الشهادة وفضيلتها بين أن يموت القاتل على الكفر وبين أن يختم له بالإيمان، فيحبط عنه إثم القتل الذي كان به الشهيد

стр. 1017

شهيدا، أعني بقي الإثم على قاتله وأحبط عنه، إذ ذلك لا ينقص من فضيلة شهادته ولا يزيدها، ولو كان إثم الكافر بالقتل مقصودا لاختلف التمني باعتبار بقائه وإحباطه، فدلّ على أنه أمر لازم تبع لا مقصود. أقوال للعلماء: هذا وقد أقاض علماء التفسير والنحو والبلاغة في هذه الآية، ويتلخص مما أوردوه أن هناك ثلاثة تأويلات: أ- إنه على حذف همزة الاستفهام أي: إني أريد أأن تبوء؟ وهو استفهام استنكاري لأن إرادة المعصية معصية. ب- أن «لا» محذوفة، تقديره: إني أريد أن لا تبوء بإثمي، كقوله تعالى: «يبين الله لكم أن تضلوا» أي: أن لا تضلوا. ج- إن الإرادة على حالها، وهي إما ارادة مجازية أو حقيقية، وجازت إرادة ذلك به لمعان ذكرها المفسرون، ومن جملتها أنه ظهرت له قرائن تدل على قرب أجله، وأن أخاه كافر، وأن ارادة العقوبة بالكافر حسنة. ٣- جاء الشرط بلفظ الفعل، وهو قوله: بسطت، والجواب بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله: «ما أنا بباسط» لإفادة أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا العمل المنكر، ولذلك أكده بالباء الزائدة المؤكدة للنفي.

стр. 1018

المتنبي والاتساع: وعلى كل حال تبدو هذه الآية والاتساع فيها مما يدق على الأفهام، ولكنها دقة لازمة تنطوي على الكثير من المعاني المتصيّدة من الكلام. وقد رمق المتنبي سماءها فكثيرا ما كان يجنح الى هذا الضرب من البلاغة فيدق كلامه. فمن اتساعه قوله: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا الى أرواحنا سبلا فظاهر الكلام يوحي بالبداهة الأولى أن «لها» جار ومجرور متعلقان بوجدت، ولكن فيه تعدّي فعل الفعل الظاهر الى ضميره المتصل، وذلك ممتنع، فيجب أن يقدر صفة في الأصل ل «سبلا» فلما تقدم عليه صار حالا، كما أن قوله: «الى أرواحنا» ، كذلك إذ المعنى: سبلا مسلوكة الى أرواحنا. ولك في «لها» وجه غريب، وهو أن تقدر «لها» جمعا للهاة، كحصى وحصاة، وتكون «المنايا» مضافة إليها، ويكون إثبات اللهوات للمنايا استعارة، شبهت بشيء يبتلع الناس، ويكون أقام اللها مقام الأفواه لمجاورة اللهوات للنعم، فاللهاة بالفتح هي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم. ومن ذلك قوله في الغزل. كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا فليس المعنى كما يظنه الناس من أنه رأى قمرين في وقت واحد القمر ووجهها، وإنما التحقيق أنها لما استقبلت قمر السماء ارتسم خياله في وجهها فرآهما في وقت واحد، كما تقابل الأشكال المرآة، فتنطبع

стр. 1019

الصورة فيها، فترى المرآة والأشكال المنطبقة فيها في وقت واحد معا. وقد أخطا التبريزي حين شرح البيت وقد قال: يجوز أنه أراد قمرا وقمرا، لأنه لا يجتمع قمران حقيقيان في ليلة، كما لا تجتمع الشمس والقمر. وقد تشبث أحد الشعراء بأهداب المتنبي فنظم بيتين أشبه ما يكونان بالشعوذة والألاعيب وهما: رأت قمر السماء فذكرتني ... ليالي وصلها بالرقمتين كلانا ناظر قمرا ولكن ... رأيت بعينها ورأت بعيني وأحسن ما يمكن أن يقال فيهما: إن معنى قمرين: قمر حقيقي وهو قمر السماء، وقمر مجازي وهو وجه المحبوبة، فهو يقول: هي رأت القمر المجازي وهو قمر السماء، وأنا رايت وجهها وهو القمر الحقيقي، لأنها هي نظرت الى قمر السماء وهو نظر الى وجهها، فصحّ أنه رأى بعينها وهي رأت بعينه. وهذه مبالغة وإفراط في الوصف، ولكن الشعراء درجوا على أن يجعلوا المحبوب هو القمر الحقيقي، والذي في السماء هو القمر المجازي. وقال آخرون في شرحهما: يتسير هذا الشاعر الى أن قمر السماء من عشاق محبوبته، وأن محبوبته رأته ذات ليلة فكسته برؤيتها له نور جمالها ومحاسن صفاتها، وألقت عليه شبهها، وأعارته اسمها. فأذكرت هذا العاشق بتلك الليالي التي وصلت بالرقمتين وأنها بوصالها له أفنته وغلبت عليه بصفاتها، حتى صارت معه كالقمر الواحد، وكلاهما ينظره. ولهذا قال كلانا ناظر قمرا أي: قمر واحد تعدّد مظهره، ولكنها تنظره بعينه، وهي عين المحبة، لأن المحب صار محبوبا وهو ينظر بعينها، لأنها أعارته عينا رآها بها، فكأن المبصر لها نفسها. والكلام في الاتساع طويل نجتزىء منه هنا بما تقدم.

стр. 1020

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٠ الى ٣١] فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) اللغة: (طوّعت) : وسّعت وزيّنت، من طاع المرعى له: إذا اتسع. (سَوْأَةَ) : السّوءة: بفتح السين: العورة، وما لا يجوز أن ينكشف من الجسد. والسوءة: الفضيحة. وخص السوءة بالذكر لأن الاهتمام بسترها آكد. الإعراب: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) الفاء عاطفة، وطوعت فعل ماض، وله متعلقان بطوعت، ونفسه فاعل، وقتل أخيه مفعول به، فقتله عطف أيضا، فأصبح عطف أيضا، واسمها ضمير مستتر تقديره هو، ومن الخاسرين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها (فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ) الفاء عاطفة، وبعث فعل ماض والله فاعل وغرابا مفعول به، وجملة يبحث في الأرض في محل نصب صفة
следующие страницы →