← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21640

الفتاوى العالمكيرية = الفتاوى الهندية

محمد أورنك عالم كير

Полный текст (3 205 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الْقَاضِي إذَا عَلِمَ بِحَادِثَةٍ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا قَاضٍ فِي حَالِ قَضَائِهِ، ثُمَّ رُفِعَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الْحَادِثَةُ وَهُوَ فِي قَضَائِهِ بَعْدُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْأَقْضِيَةِ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا عَلِمَ بِحَادِثَةٍ فِي حَالِ قَضَائِهِ وَفِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ، مِصْرَهُ لَا الْمَكَانَ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ لَا مَحَالَةَ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا عَلِمَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا قَاضٍ فِي حَالِ قَضَائِهِ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَوْ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَأَرَادَ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ الْمَكَانَ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ وَبِغَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ الْمَكَانَ الَّذِي لَا يَقْضِي فِيهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ أَمَّا فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ نَحْوُ حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَيَقْضِي بِعِلْمِهِ قِيَاسًا وَلَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ اسْتِحْسَانًا وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إلَّا فِي السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ يَقْضِي بِعِلْمِهِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أُتِيَ بِالسَّكْرَانِ فَالْقَاضِي يُعَزِّرُهُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَمَارَاتِ السُّكْرِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حَدًّا. وَأَمَّا إذَا عَلِمَ بِحَادِثَةٍ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ ثُمَّ اُسْتُقْضِيَ وَرُفِعَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الْحَادِثَةُ وَهُوَ قَاضٍ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَقْضِي بِذَلِكَ الْعِلْمِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَقْضِي وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ عَلِمَ بِحَادِثَةٍ وَهُوَ قَاضٍ وَلَكِنْ هُوَ فِي مِصْرٍ هُوَ لَيْسَ بِقَاضٍ فِيهِ ثُمَّ حَضَرَ مِصْرَهُ الَّذِي هُوَ قَاضٍ فِيهِ ثُمَّ رُفِعَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الْحَادِثَةُ وَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي مَرَّ. وَلَوْ عَلِمَ بِحَادِثَةٍ وَهُوَ قَاضٍ وَلَكِنْ فِي رَسَاتِيقِ الْمِصْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ قَاضٍ ثُمَّ دَخَلَ الْمِصْرَ وَرُفِعَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الْحَادِثَةُ لَا شَكَّ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا يَقْضِي بِذَلِكَ الْعِلْمِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَلَّدًا عَلَى الْقُرَى حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي الْمِصْرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي الْقُرَى لَا يَقْضِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَلِمَ بِحَادِثَةٍ فِي مِصْرٍ هُوَ لَيْسَ بِقَاضٍ فِيهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ الَّذِي هُوَ قَاضٍ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُقَلَّدًا عَلَى الْقُرَى بِأَنْ كَانَ فِي مَنْشُورِ تَقْلِيدِ الْبَلْدَةِ وَنَوَاحِيهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمِصْرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ كَانَ مُقَلَّدًا عَلَى الْقُرَى لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا الْقَوْلُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمِصْرَ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْمُنْتَقَى. وَمَا سَمِعَ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ فِي أَيِّ وَجْهٍ خَرَجَ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَرَجَ لِلْعِيدَيْنِ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا إذَا عَلِمَ وَهُوَ قَاضٍ فِي مِصْرٍ ثُمَّ عُزِلَ عَنْ الْقَضَاءِ ثُمَّ أُعِيدَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَقْضِي بِذَلِكَ الْعِلْمِ لَا شَكّ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا يَقْضِي، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَقْضِي وَفِي

стр. 1402

نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حَاكِمٍ أَخْبَرَ بِإِعْتَاقِ رَجُلٍ عَبْدَهُ، أَوْ بِطَلَاقِ رَجُلٍ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَالَ: إنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي طَلَبِ ذَلِكَ أَشَدَّ الطَّلَبِ حَتَّى يَظْفَرَ بِهِ وَيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ يُرِيدُ بِهَذَا إذَا أَخْبَرَ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ اسْتَرَقَّهُ، أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَلَا يُعْزَلُ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا عَدْلًا وَكَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فَالْأَفْضَلُ فِي ذَلِكَ طَلَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ فِي سِعَةٍ مِنْهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. [الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْقَاضِي يَجِدُ فِي دِيوَانِهِ شَيْئًا لَا يَحْفَظُهُ] ُ وَفِي نِسْيَانِهِ قَضَاءَهُ وَفِي الشَّاهِدِ يَرَى شَهَادَتَهُ وَلَا يَحْفَظُ. إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ وَأَتَى عَلَى ذَلِكَ زَمَانٌ ثُمَّ احْتَاجَ الْمَقْضِيُّ لَهُ إلَى تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي إنَّك قَدْ قَضَيْت لِهَذَا عَلَى هَذَا بِكَذَا وَالْقَاضِي لَا يَتَذَكَّرُ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَلَا يَقْضِي إلَّا بِمَا حَفِظَ، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا يَقُولُ: الْقَاضِي يَقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: لَا يَقْبَلُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يُبَيِّنَا الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِأَنْ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّك قَضَيْت لِهَذَا بِكَذَا وَلَمْ يَقُولَا عَلَى مَنْ قَضَيْت: إنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. إذَا وَجَدَ الْقَاضِي شَهَادَةَ شُهُودٍ فِي دِيوَانِهِ أَيْ فِي خَرِيطَةٍ مَخْتُومَةٍ بِخَتْمِ الْقَاضِي وَالشَّهَادَةُ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ نَائِبِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَذَكَّرُ تِلْكَ الشَّهَادَةَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَقْضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَقْضِي وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ سِجِلًّا فِي خَرِيطَةٍ وَالْخَرِيطَةُ مَخْتُومَةٌ بِخَتْمِهِ وَالسِّجِلُّ مَكْتُوبٌ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ نَائِبِهِ؛ فَالْقَاضِي لَا يُمْضِي ذَلِكَ السِّجِلَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يُمْضِي، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. لَوْ تَقَدَّمَ رَجُلٌ إلَى الْقَاضِي وَمَعَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّك قَضَيْت لِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ بِكَذَا مِنْ الْمَالِ أَوْ بِضَيْعَةِ كَذَا أَوْ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْقَاضِي لَمْ يَذْكُرْ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ شُهُودًا عُدُولًا يَشْهَدُونَ أَنَّ الْقَاضِيَ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ قَضَى لِهَذَا الْمُدَّعِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي مَعَهُ بِالْحَقِّ الَّذِي ادَّعَاهُ لَا يَنْفُذُ ذَلِكَ وَلَا يَقْضِي بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَوَاهُ عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَبِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. وَإِذَا وَجَدَ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ مَكْتُوبَةً بِخَطِّهِ وَلَا يَتَذَكَّرُ الْحَادِثَةَ فَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ وَعَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَفِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِي النَّوَازِلِ

стр. 1403

وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ شَاهِدٍ عَلَى إقْرَارِ رَجُلٍ يَقُولُ: أَعْرِفُ خَطِّيَّ وَأَعْرِفُ الرَّجُلَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَذْكُرُ الْوَقْتَ وَالْمَكَانَ قَالَ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ وَعَرَفَ الْمُقِرَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَوْ كَانَ أُمِّيًّا وَكَتَبَ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ رِوَايَةُ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا وَجَدَ الرَّجُلُ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا فِي مَوْضِعٍ لَكِنْ لَا يَتَذَكَّرُ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا لَهُ أَنْ يَرْوِيَ فَشَرْطُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَحْفَظَ الْحَدِيثَ مِنْ حِينِ سَمِعَ إلَى أَنْ يَرْوِيَ وَعِنْدَهُمَا الْحِفْظُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. ذَكَرَ الْخَصَّافُ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَوْ ضَاعَ مَحْضَرُ رَجُلٍ مِنْ دِيوَانِ الْقَاضِي وَفِيهِ شَهَادَةُ شُهُودٍ لَهُ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْقَاضِي لَا يَذْكُرُ ذَلِكَ فَشَهِدَ كَاتِبَاهُ عَلَى قَضَائِهِ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ. فَرْقٌ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا ضَاعَ سِجِلٌّ مِنْ دِيوَانِ الْقَضَاءِ فَشَهِدَ كَاتِبَاهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ أَمْضَى ذَلِكَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ فَشَهِدَ الْكَاتِبَانِ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا أَقَرَّ عِنْدَك لِهَذَا بِكَذَا وَقَدْ سَمِعْنَاهُ قَبِلَ الْقَاضِي وَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا وَمَا وَجَدَ الْقَاضِي فِي دِيوَانِ قَاضٍ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُنَفِّذُهُ حَتَّى يَسْتَقْبِلُوا الْخُصُومَةَ عِنْدَهُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَجِدُ فِي دِيوَانِ قَاضٍ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ مَخْتُومًا، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا عُزِلَ عَنْ الْقَضَاءِ ثُمَّ رُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِي دِيوَانِهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقَضَاءِ لِإِنْسَانٍ عَلَى إنْسَانٍ إذَا لَمْ يَذْكُرْ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ ذَكَرَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمَا، فَأَمَّا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِحَقٍّ عِنْدَهُ لِإِنْسَانٍ عَلَى إنْسَانٍ فَقَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا عُزِلَ ثُمَّ أُعِيدَ إلَى الْقَضَاءِ فَرُفِعَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الْخُصُومَةُ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يُكَلَّفُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ تَذَكَّرَ أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. [الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْقَاضِي يَقْضِي بِقَضِيَّةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا] وَفِي وُقُوعِ الْقَضَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ. إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَضَى بِهِ خَطَأً لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ رَدَّهُ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ أَمْضَاهُ لَا مَحَالَةَ وَقَضَى فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا يَرَى، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَاعْلَمْ بِأَنَّ التَّحَوُّلَ مِنْ رَأْيٍ إلَى رَأْيٍ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ جَائِزٌ. ثُمَّ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا وَقَعَ بِخِلَافِ الْحَقِّ لَا يَخْلُو عَنْ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ أَخْطَأَ فِيمَا قَضَى أَوْ تَعَمَّدَ الْجَوْرَ فِيمَا يَقْضِي وَأَقَرَّ بِذَلِكَ فَإِنْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنْ أَخْطَأَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ وَالرَّدُّ بِأَنْ قَضَى بِمَالٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ ثُمَّ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِأَنْ ظَهَرَ بِأَنَّ الشُّهُودَ عَبِيدٌ أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مَحْدُودُونَ

стр. 1404

فِي الْقَذْفِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ ذَلِكَ الْقَضَاءُ وَيَرُدُّ الْعَبْدَ رَقِيقًا وَيَرُدُّ الْمَرْأَةَ إلَى زَوْجِهَا وَيَرُدُّ الْمَالَ إلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ وَإِنْ أَخْطَأَ فِيمَا لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِأَنْ كَانَ قَضَى بِالْقِصَاصِ وَاسْتُوْفِيَ لَا يَقْتُلُ الْمَقْضِيَّ لَهُ بِالْقِصَاصِ وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَصِيرُ صُورَةُ الْقَضَاءِ شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَلَكِنْ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْمَقْضِيِّ، لَهُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا ظَهَرَ خَطَأُ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْ الْمَقْضِيِّ لَهُ فَأَمَّا إذَا ظَهَرَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ الْقَاضِي لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَقْضِيِّ لَهُ حَتَّى لَا يَبْطُلَ قَضَاؤُهُ فِي حَقِّ الْمَقْضِيِّ لَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ الشَّاهِدِ إذَا رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ لَا يَعْمَلُ رُجُوعُهُ فِي حَقِّ الْمَقْضِيِّ لَهُ حَتَّى لَا يَنْقُضَ الْقَضَاءَ وَلَكِنَّ الشَّاهِدَ يَضْمَنُ كَذَا هُنَا، وَإِنْ أَخْطَأَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ قَضَى بِحَدِّ الزِّنَا أَوْ بِحَدِّ السَّرِقَةِ أَوْ بِحَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ وَاسْتُوْفِيَ الْقَطْعُ وَالرَّجْمُ وَالْحَدُّ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الشُّهُودَ عَبِيدٌ أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي الْقَذْفِ فَضَمَانُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي تَعَمَّدَ الْجَوْرَ فِيمَا قَضَى وَأَقَرَّ بِهِ فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا بِالْجِنَايَةِ وَالْإِتْلَافِ، وَيُعَزَّرُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ لِارْتِكَابِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، قَالَ: وَيُعْزَلُ عَنْ الْقَضَاءِ. وَلَمْ يَقُلْ: وَيَنْعَزِلُ عَنْ الْقَضَاءِ فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْقِ لَا يَنْعَزِلُ وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. [الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي أَقْوَالِ الْقَاضِي وَمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ] َ وَمَا لَا يَفْعَلُ. ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: أَقَرَّ فُلَانٌ عِنْدِي بِكَذَا لِيَقْضِيَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ طَلَاقٍ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ رَجُلٌ عَدْلٌ، قَالَ: وَلَا أُقِيمُ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ بِقَوْلِ قَاضٍ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا حَتَّى يَقُولَ مَعَهُ الرَّجُلُ الْعَدْلُ، فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي عِنْدِي عَدْلًا وَالشَّاهِدُ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَدْلًا وَسِعَنِي أَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَا غَيْرَ عَادِلَيْنِ لَمْ نُصَدِّقْ قَوْلَهُمَا وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي وَلِيَ قَطْعَ يَدِ هَذَا بِإِقْرَارٍ زَعَمَ مِنْهُ عِنْدَهُ كَانَ فِي الْقِيَاسِ أَنْ أَقْطَعَ يَدَهُ بِيَدِهِ وَلَكِنِّي أَدْرَأُ عَنْهُ الْقِصَاصَ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي: أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا، نَافِذٌ عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَجْعَلُ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ عَلَيْهِ هَذَا جُمْلَةُ مَا ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَاعْلَمْ أَنَّ إخْبَارَ الْقَاضِي عَنْ إقْرَارِ رَجُلٍ بِشَيْءٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِخْبَارُ عَنْ إقْرَارِهِ بِشَيْءٍ يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ كَالْحَدِّ فِي بَابِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَاضِي بِالْإِجْمَاعِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِخْبَارُ عَنْ إقْرَارِهِ بِشَيْءٍ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ الَّتِي هِيَ لِلْعِبَادِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: مَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَوَّلًا، وَمَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ فَهُوَ قَوْلُهُ آخِرًا ثُمَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقَعَتْ رِوَايَةُ

стр. 1405

ابْنِ سِمَاعَةَ مُطْلَقَةً وَفِي بَعْضِهَا مُقَيَّدَةً فَفِي بَعْضِهَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَفِي بَعْضِهَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ عَدْلٌ آخَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا أَخَذُوا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي زَمَانِنَا وَذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رُجُوعَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الزَّاهِدُ إمَامُ الْهُدَى أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ يَجْعَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وُجُوهٍ: إنْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا عَدْلًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا غَيْرَ عَالِمٍ يَسْتَفْسِرُ إنْ أَحْسَنَ ذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَاسِقًا أَوْ فَاسِقًا غَيْرَ جَاهِلٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُعَايِنَ السَّبَبَ. وَأَنْكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ. وَقَالَ: مَعَ جَهْلِهِ أَوْ فِسْقِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ أَصْلًا هَذَا إذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي عَنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ بِالْإِقْرَارِ وَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ عَنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ بِأَنْ قَالَ: قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ عِنْدِي، وَعَدَلُوا وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ الْخَصْمِ ثَمَّةَ يَعْمَلُ وَهَهُنَا رُجُوعُ الْخَصْمِ لَا يَعْمَلُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ قَاضٍ، فَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْعَزْلِ وَصُورَتُهُ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي فَجَاءَ رَجُلٌ وَخَاصَمَهُ إلَى الْقَاضِي الْمُقَلَّدِ، وَقَالَ إنَّهُ دَفَعَ مَالِي وَذَلِكَ كَذَا وَكَذَا إلَى هَذَا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ قَالَ: إنَّهُ قَتَلَ وَلِيِّي فُلَانًا وَهُوَ قَاضٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَالَ الْمَعْزُولُ: فَعَلْت مَا فَعَلْت بِقَضَاءٍ قَضَيْته عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ فَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَهُوَ قَاضٍ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ بَعْدَ الْعَزْلِ، وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ كَانَتْ الْعَيْنُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الْخُصُومَةُ قَائِمَةً، أَوْ هَالِكَةً. وَفِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ لِرَجُلٍ: قَضَيْتُ عَلَيْك لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ وَأَخَذْتهَا مِنْك وَدَفَعْتهَا إلَيْهِ حِينَ مَا كُنْت قَاضِيًا، وَقَالَ الرَّجُلُ: لَا بَلْ أَخَذْتهَا بَعْدَ الْعَزْلِ ظُلْمًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي عَلَى الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَهَلْ يُنْزَعُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ يَدِ الْمَقْضِيِّ لَهُ إنْ كَانَ قَائِمًا فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ يَقُولُ: هَذِهِ الْعَيْنُ مِلْكِي مِنْ الْأَصْلِ لَمْ آخُذْهَا مِنْ هَذَا وَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ لِي بِهَا لَا تُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ. وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ يَقُولُ: هَذِهِ الْعَيْنُ مِلْكِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ قَضَى لِي بِهَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ حَالَ كَوْنِهِ قَاضِيًا تُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ وَتُسَلَّمُ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: وَلِلْقَاضِي أَنْ يُقْرِضَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى، وَهَذَا مَذْهَبُنَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرِضَ قَوْمًا ثِقَاتٍ قَالَ: وَشَرْطُ الثِّقَةِ شَيْئَانِ الْمُلَاءَةُ وَحُسْنُ الْخُرُوجِ عَنْ مُعَامَلَةِ النَّاسِ وَحُقُوقِهِمْ وَأَنْ لَا يَكُونَ لَجُوجًا، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا شَرَطُوا شَرْطًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ وَلَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا، وَلَا يَكُونُ غَرِيبًا صَاحِبَ حُجْرَةٍ وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْقَاضِي الْإِقْرَاضَ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِي بِهِ لِلْيَتِيمِ مَا يَكُونُ لِلْيَتِيمِ مِنْهُ غَلَّةٌ، أَمَّا إذَا وَجَدَ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَاضَ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ مَنْ يَدْفَعُ إلَيْهِ مَالَهُ مُضَارَبَةً قَالَ هِشَامٌ: فَذَكَرْنَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَمْوَالٍ تَجْتَمِعُ لِلْأَيْتَامِ عِنْدَ الْقَاضِي أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لِلْقَاضِي

стр. 1406

دَفْعُهَا بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِضَمَانٍ. فَأَخْبَرَنَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَأَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى كَانُوا يَرَوْنَ أَنْ يَدْفَعَهَا بِضَمَانٍ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ الَّذِي يَضْمَنُ يُوَفِّي فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَقْرِضَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَلَا يَشْتَرِيهِ، وَرَوَى أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ جَازَ وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ أَنَّ قَاضِيًا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ بِنَفْسِهِ أَوْ أَوْدَعَ مَالَ يَتِيمٍ أَوْ بَاعَ أَمِينُهُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ هَذَا الْقَاضِي وَاسْتَقْضَى غَيْرَهُ فَشَهِدَ عِنْدَهُ قَوْمٌ أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ يَقُولُ: اسْتَوْدَعْتُ فُلَانًا مَالَ فُلَانٍ الْيَتِيمِ، أَوْ يَقُولُ: بِعْتُ فُلَانًا مَالَ فُلَانٍ الْيَتِيمِ بِكَذَا وَكَذَا فَجَحَدَ فُلَانٌ ذَلِكَ؛ قَالَ: يَقْبَلُ الْقَاضِي الثَّانِي هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَيُؤَاخَذُ الْمُسْتَوْدَعُ وَالْمُشْتَرِي بِالْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ قَضَاؤُهُ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ. وَفِي مُخْتَصَرِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَلَوْ دَفَعَ الْقَاضِي مَالَ الْيَتِيمِ إلَى تَاجِرٍ فَجَحَدَهُ التَّاجِرُ قَضَى عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَصَدَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ مَالَ مَيِّتٍ فَجَحَدَهُ الْمُشْتَرِي أَمْضَى عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ وَإِذَا قَبَضَ الْقَاضِي مَالَ يَتِيمٍ أَوْ غَائِبٍ وَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَى قَوْمٍ وَلَا يَدْرِي إلَى مَنْ دَفَعَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْقَاضِي: دَفَعْتُ إلَى وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْأَيْتَامِ، وَلَا أَدْرِي إلَى مَنْ دَفَعْتُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: أَوْدَعْتُ مَالَ الْيَتِيمِ فُلَانًا أَوْ بِعْتُهُ مِنْهُ بِكَذَا؛ أَخَذَهُ بِهِ. وَلَوْ ادَّعَى الْمُودَعُ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي الْبَيْعِ إذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ بِعَيْبٍ فَادَّعَى الْقَاضِي الْبَرَاءَةَ يُصَدَّقُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَلَوْ بَلَغَ الصَّغِيرُ وَضَمِنَ لَهُ الْقَاضِي ثَمَنَ مَا بَاعَ جَازَ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ أَمِينُهُ وَضَمِنَ الثَّمَنَ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَيْهِ وَلَوْ بَاعَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ وَضَمِنَ الثَّمَنَ لِلْقَاضِي أَوْ الْيَتِيمِ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَمْ يَجُزْ، كَذَا فِي الْعَتَّابِيَّةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ الْقَاضِي إذَا خَلَطَ مَالَ الصَّغِيرِ بِمَالِهِ لَا يَضْمَنُ، وَقَالَ (قض) لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنْ وَالِدِهِ إذَا كَانَ مُسْرِفًا وَيَضَعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ إلَى أَنْ يَبْلُغَ، كَذَا فِي شَرْحِ أَبِي الْمَكَارِمِ. وَفِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ أَوَّلَ كِتَابِ اللُّقَطَةِ أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ إقْرَاضِ اللُّقَطَةِ مِنْ الْمُلْتَقَطِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ إقْرَاضِ مَالِ الْغَائِبِ وَلِلْقَاضِي وِلَايَةَ بَيْعِ مَالِ الْغَائِبِ إذَا خَافَ التَّلَفَ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَبِيعُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَكَانِ الْغَائِبِ وَفِي الْإِبَانَةِ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا، وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَاضِي يَبِيعُ عَبْدَ الْمَفْقُودِ وَمَنْقُولَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ عَقَارَهُ، وَلَوْ بَاعَ جَازَ. وَالْقَاضِي إذَا بَاعَ عَلَى الْأَيْتَامِ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ آلَافٍ بِأَلْفٍ وَكَبِرَ الْوَرَثَةُ وَرَفَعُوا إلَى آخَرَ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ يُفْسَخُ الْبَيْعُ، وَلَوْ فُسِخَ وَكَتَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي الْأَوَّلُ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْبَيْعِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ الْفَسْخِ، وَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ قَبْلَ الْفَسْخِ وَهُوَ قَاضٍ يَقْبَلُ وَلَا تُعْتَبَرُ بَيِّنَةُ الْأَيْتَامِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَفِي النَّاصِرِيِّ وَلَوْ مَاتَ وَلَا يُعْلَمُ لَهُ وَارِثٌ فَبَاعَ الْقَاضِي دَارِهِ يَجُوزُ وَلَوْ ظَهَرَ الْوَارِثُ فَالْبَيْعُ مَاضٍ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. إذَا وَكَّلَ الْقَاضِي رَجُلًا بِبَيْعِ دَارِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ

стр. 1407

فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي لِوَكِيلِهِ وَلَا لِوَكِيلِ وَكِيلِهِ وَلَا لِوَكِيلِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَالْقَضَاءُ لِنَفْسِهِ وَعَلَى نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَفِي الْمُنْتَقَى ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ وَسَبِيلُ الْقَاضِي أَنْ يَرُدَّ الْخُصُومَةَ إلَى الصُّلْحِ إذَا لَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ فَصْلُ الْقَضَاءِ وَإِذَا اسْتَبَانَ لَهُ فَصْلُ الْقَضَاءِ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ يَقْضِي وَلَا يَرُدُّهُمْ إلَى الصُّلْحِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ إذَا طَمِعَ فِي الصُّلْحِ حَالَ اسْتِبَانَةِ وَجْهَ الْقَضَاءِ رَدَّهُمْ إلَى الصُّلْحِ وَلَا يَقْضِي مَا لَمْ يَيْأَسْ عَنْ الصُّلْحِ. وَذَكَرَ آخِرَ أَدَبِ الْقَاضِي: وَإِذَا طَمِعَ الْقَاضِي فِي إصْلَاحِ الْخَصْمَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرُدَّهُمْ وَلَا يُنَفِّذَ الْحُكْمَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي الصُّلْحِ أَنْفَذَ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ أَنْفَذَ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرُدَّهُمْ فَهُوَ فِي سِعَةٍ مِنْهُ يُرِيدُ بِهِ وَإِنْ طَمِعَ فِي الصُّلْحِ. وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ إذَا كَانَ الْقَاضِي يَتَوَلَّى الْقِسْمَةَ بِنَفْسِهِ حَلَّ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ وَكُلُّ نِكَاحٍ بَاشَرَهُ الْقَاضِي وَقَدْ وَجَبَتْ مُبَاشَرَتُهُ عَلَيْهِ كَنِكَاحِ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، وَمَا لَمْ تَجِبْ مُبَاشَرَتُهُ عَلَيْهِ حَلَّ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنَّهُ إذَا عَقَدَ بِكْرًا يَأْخُذُ دِينَارًا وَفِي الثَّيِّبِ نِصْفَ دِينَارٍ وَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ هَكَذَا قَالُوا، كَذَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ. وَإِذَا أَذِنَ بِبَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَجْرَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ لِأَجْلِ هَذَا الْإِذْنِ، وَلَوْ أَخَذَ وَأَذِنَ بِالْبَيْعِ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ. غَرِيبٌ مَاتَ فِي بَلْدَةٍ وَتَرَكَ أَمْوَالًا فَقَاضِي الْبَلْدَةِ يَتَرَبَّصُ مُدَّةً يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَحَضَرَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَإِذَا تَرَبَّصَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَمْ يَحْضُرْ لَهُ وَارِثٌ يَضَعْهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيَصْرِفْهَا إلَى الْقَنَاطِرِ وَنَفَقَةِ الْأَيْتَامِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَإِذَا حَضَرَ الْوَارِثُ بَعْدَمَا صَرَفَهَا إلَى هَذِهِ الْمَصَارِفِ يَقْضِي حَقَّهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: إذَا ارْتَابَ الْقَاضِي فِي أَمْرِ الشُّهُودِ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ وَلَا يَسَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَيَسْأَلُهُمْ أَيْضًا أَيْنَ كَانَ هَذَا وَمَتَى كَانَ هَذَا؟ وَيَكُونُ هَذَا السُّؤَالُ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ هَذَا عَلَى الشُّهُودِ فِي الْأَصْلِ فَإِذَا فَرَّقَهُمْ فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا يُفْسِدُ الشَّهَادَةَ رَدَّهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُفْسِدُهَا لَا يَرُدَّهَا، وَإِنْ كَانَ يَتَّهِمُهُمْ فَالشَّهَادَةُ لَا تُرَدُّ بِمُجَرَّدِ التُّهْمَةِ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا اتَّهَمْتُ الشُّهُودَ فَرَّقْتُ بَيْنَهُمْ وَلَا أَلْتَفِتُ إلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ وَعَدَدِ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَا إلَى اخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي الْأَقْوَالِ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَفْعَالِ فَالِاخْتِلَافُ فِي الْمَوَاضِعِ اخْتِلَافٌ فِي الشَّهَادَةِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَتَّهَمْتُهُمْ وَرَأَيْتُ الرِّيبَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ شُهُودُ الزُّورِ أُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ وَأَسْأَلُهُمْ عَنْ الْمَوَاضِعِ وَالثِّيَابِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَهَذَا عِنْدِي اخْتِلَافٌ أُبْطِلُ بِهِ الشَّهَادَةَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ

стр. 1408

[الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي قَبْضِ الْمَحَاضِرِ مِنْ دِيوَانِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ] ِ. وَمَنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ يَسْأَلُ، أَيْ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ هَذَا وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ أَيْ يَطْلُبَ مِنْ الْقَاضِي الْمُنْعَزِلِ دِيوَانَهُ وَيَنْظُرَ فِي حَالِ الْمَحْبُوسِينَ وَيَبْعَثَ إلَى السِّجْنِ مَنْ يُحْصِيهِمْ وَيَأْتِيهِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يَبْعَثُ رَجُلَيْنِ مِنْ ثِقَاتِهِ وَوَاحِدٌ يَكْفِي وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ فَيَقْبِضَانِ مِنْ الْمَعْزُولِ دِيوَانَهُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَدِيوَانُ الْقَاضِي خَرِيطَتُهُ الَّتِي فِيهَا الصُّكُوكُ وَالْمَحَاضِرُ وَنُصَبُ الْأَوْصِيَاءِ وَالْقِوَامُ فِي الْأَوْقَافِ وَتَقْدِيرُ النَّفَقَاتِ وَمَا يُشَاكِلُهُ. كَذَا فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ إذَا قُبِضَ دِيوَانُ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ فَنُسَخُ السِّجِلَّاتِ تُجْمَعُ فِي خَرِيطَةٍ وَالصُّكُوكُ تُجْمَعُ فِي خَرِيطَةٍ وَالْمَحَاضِرُ فِي خَرِيطَةٍ، وَكَذَلِكَ نُصُبُ الْأَوْصِيَاءِ وَنُسْخَةُ قِيَمِ الْأَوْقَاتِ فَيَجْمَعَانِ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فِي خَرِيطَةٍ وَيَسْأَلَانِ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ شَيْئًا فَشَيْئًا لِيَنْكَشِفَ لَهُمَا مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمَا وَمَتَى قُبِضَ ذَلِكَ يَجْمَعَانِ عَلَى ذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَيَأْخُذَانِ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يَبْعَثُ أَمِينَيْنِ لِيُسَلِّمَا الدِّيوَانَ إلَى أَمِينَيْ الْمُقَلَّدِ وَسَأَلَ أَمِينَا الْمُقَلَّدِ مِنْ أَمِينَيْ الْمَعْزُولِ شَيْئًا فَشَيْئًا لِيَنْكَشِفَ لَهُمَا مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمَا، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَإِذَا قَبَضَا دِيوَانَهُ يَقْبِضَانِ الْوَدَائِعَ وَأَمْوَالَ الْيَتَامَى أَيْضًا، وَيَكُونُ عِنْدَ الْمُقَلَّدِ وَيَأْخُذَانِ أَسْمَاءَ الْمَحْبُوسِينَ أَيْضًا فَالْقَاضِي إذَا حَبَسَ رَجُلًا بِحَقٍّ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَالسَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَبَسَهُ وَتَارِيخَ الْحَبْسِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ فِي تَذْكِرَتِهِ تَارِيخَ الْحَبْسِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ لَا مِنْ وَقْتِ عَمَلِهِ وَيَسْأَلَانِ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ عَنْ الْمَحْبُوسِينَ وَأَسْبَابِ الْحَبْسِ، وَيَسْأَلُ الْمَحْبُوسِينَ عَنْ أَسْبَابِ الْحَبْسِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خُصُومِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَحْبُوسِينَ جَمَاعَةٌ لَمْ يَحْضُرْ لَهُمْ خَصْمٌ. وَقَالُوا: حُبِسْنَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ لَا يُطْلِقُهُمْ وَيَأْمُرُ مُنَادِيًا بِالنِّدَاءِ إنَّا وَجَدْنَا فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا مَحْبُوسِينَ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِنَا فَإِنْ حَضَرَ رَجُلٌ فَصَلَ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهِهَا وَإِلَّا أَطْلَقَهُمْ بِكَفِيلٍ وَتَقْدِيرُ مُدَّةِ النِّدَاءِ وَالْمُدَّةِ الَّتِي يَسَعُ فِيهَا الطَّلَاقُ مَوْكُولٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي قِيلَ: مَا ذُكِرَ هَهُنَا مِنْ أَخْذِ الْكَفِيلِ قَوْلَهُمْ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَأْخُذُ، قَالَ: الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: يَأْخُذُ الْكَفِيلَ هَهُنَا عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ الصَّحِيحُ أَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ هَهُنَا بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّ الْحَبْسَ (أَنْوَاعٌ) أَحَدُهَا الْحَبْسُ بِالدَّيْنِ وَأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ: (الْأَوَّلُ) إذَا قَالَ الْمَحْبُوسُ: حُبِسْتُ بِدَيْنِ فُلَانٍ أَقْرَرْتُ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ، فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَحْبُوسِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَإِنْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ أَعَادَهُ إلَى الْحَبْسِ إذَا طَلَبَ خَصْمُهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ الْمَحْبُوسُ الدَّيْنَ وَقَالَ: إنَّ هَذَا يَدَّعِي عَلَيَّ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ حَبَسَنِي ظُلْمًا، وَخَصْمُهُ يَقُولُ: لِي عَلَيْهِ كَذَا

стр. 1409

وَقَدْ حَبَسَهُ بِحَقٍّ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ خَصْمَهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَى، فَإِذَا أَقَامَ وَعَرَفَهُمْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ أَدَامَ حَبْسَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَاحْتَاجَ إلَى السُّؤَالِ أَخَذَ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَيُطْلِقُهُ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ: أَنَا مَحْبُوسٌ بِدَيْنِ فُلَانٍ فَمُرْهُ يَأْخُذُ مِنِّي كَفِيلًا وَيُطْلِقُنِي؛ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ بِإِحْضَارِ خَصْمِهِ فَإِذَا حَضَرَ وَصَدَّقَ الْمَحْبُوسَ فِي إقْرَارِهِ وَالْقَاضِي يَعْرِفُ الْمُقَرَّ لَهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ وَلَكِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ بِذَلِكَ، وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا الْقَاضِي يَأْمُرُ الْمَحْبُوسَ بِأَدَاءِ الْمَالِ إلَيْهِ وَلَا يُطْلِقُهُ لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ وَيَأْمُرُ مُنَادِيًا بِالنِّدَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَا فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْمٌ آخَرُ أَطْلَقَهُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَصَّافُ أَخْذَ الْكَفِيلِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَذَكَرَهُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا ذَكَرُوا أَخْذَ الْكَفِيلِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِئْ الْمَحْبُوسُ بِالْمَالِ لَكِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: أَنَا أَخْتَارُ الرِّفْقَ وَأُمْهِلُهُ وَأُطْلِقُهُ فَالْقَاضِي لَا يُطْلِقُهُ وَيُحْتَاطُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا، ثُمَّ يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ وَإِنْ قَالَ: لَا كَفِيلَ لِي أَوْ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيَّ إعْطَاءُ الْكَفِيلِ إذْ لَيْسَ لِي خَصْمٌ يَطْلُبُ مِنِّي الْكَفِيلَ فَالْقَاضِي يَتَأَنَّى فِي ذَلِكَ وَلَا يُعَجِّلُ بِإِطْلَاقِهِ حَتَّى يُنَادِيَ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْمٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ. (النَّوْعُ الثَّانِي) الْحَبْسُ بِسَبَبِ الْعُقُوبَاتِ الْخَالِصَةِ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَالْقِصَاصِ إذَا قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ: إنَّمَا حُبِسْتُ لِأَنِّي أَقْرَرْتُ بِالْقِصَاصِ لِفُلَانٍ وَجَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَصَدَّقَهُ خَصْمُهُ فِيمَا أَقَرَّ وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ فِي الطَّرَفِ. فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ يُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ السِّجْنِ وَيُمَكِّنُ خَصْمَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يَتَأَنَّى وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ يُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ السِّجْنِ أَيْضًا وَيُمَكِّنُ خَصْمَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَلَكِنْ لَا يُعَجِّلُ فِي إطْلَاقِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ آخَرَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ فَيُوَاضِعُ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ فَيُقِرُّ لَهُ بِطَرَفِهِ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ السِّجْنِ فَيُبْطِلُ حَقَّ الْآخَرِ فِي النَّفْسِ. (الثَّالِثُ) الْحَبْسُ بِسَبَبِ الْعُقُوبَاتِ الْخَالِصَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، نَحْوُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ إذَا قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ: إنَّمَا حُبِسْتُ؛ لِأَنِّي أَقْرَرْت بِالزِّنَا عِنْدَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ فَحَبَسَنِي لِيُقِيمَ عَلَيَّ الْحَدَّ، فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِتِلْكَ الْأَقَارِيرِ فَإِنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ تَقَادَمَ الْعَهْدُ أَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ فَيَرْجُمُهُ إنْ مُحْصَنًا وَيَجْلِدُهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وَلَكِنْ لَا يُعَجِّلُ فِي إطْلَاقِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَجِيءَ خَصْمٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ صَحَّ رُجُوعُهُ، كَمَا لَوْ رَجَعَ عِنْدَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ وَلَكِنْ لَا يُعَجِّلُ الْقَاضِي فِي إطْلَاقِهِ لِتَوَهُّمِ الْحِيلَةِ وَإِنْ قَالَ: إنَّمَا حُبِسْت؛ لِأَنَّهُ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيَّ بِالزِّنَا فَحَبَسَنِي الْقَاضِي الْمَعْزُولُ لِيُقِيمَ عَلَيَّ الْحَدَّ فَقَوْلُ الْبَيِّنَةِ الْقَائِمَةِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ هَذَا الْقَاضِي فَلَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي بِزِنَاهُ لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَيْضًا إذَا كَانَ الْعَهْدُ قَدْ تَقَادَمَ وَلَا يُعَجِّلُ فِي إطْلَاقِهِ لِتَوَهُّمِ الْحِيلَةِ بَلْ يَتَأَنَّى وَيُطْلِقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَفِيلٍ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ:

стр. 1410

إنَّمَا حُبِسْتُ لِأَنِّي أَقْرَرْتُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَهُ أَوْ لِأَنَّهُ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيَّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَحَبَسَنِي لِيُقِيمَ عَلَيَّ الْحَدَّ فَهَذَا الْقَاضِي لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ قَالَ: إنَّمَا حُبِسْتُ لِأَنِّي قَدْ أَقْرَرْتُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ فُلَانٍ أَوْ لِأَنَّهُ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيَّ بِالسَّرِقَةِ مِنْ فُلَانٍ فَهَذَا الْقَاضِي يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَلَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ لَا بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ وَلَا بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، وَلَكِنْ لَوْ أَقَرَّ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ تَقَادَمَ الْعَهْدُ أَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ وَلَا يُعَجِّلُ فِي إطْلَاقِهِ وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ثَانِيًا لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ فَحَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ السَّرِقَةِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى السَّوَاءِ. (وَالرَّابِعُ) الْحَبْسُ بِسَبَبِ عُقُوبَةٍ هِيَ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ إذَا قَالَ بَعْضُ الْمَحْبُوسِينَ: إنَّمَا حُبِسْتُ؛ لِأَنِّي قَدْ قَذَفْتُ هَذَا الرَّجُلَ بِالزِّنَا وَصَدَّقَهُ هَذَا الرَّجُلُ فِي إقْرَارِهِ اسْتَوْفَى مِنْهُ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا يُعَجِّلُ الْقَاضِي فِي إطْلَاقِهِ وَلَوْ رَجَعَ عَمَّا أَقَرَّ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ بِخِلَافِ الرُّجُوعِ عَنْ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى إذَا قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ عَلَى يَدِي فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ دَفَعْته إلَيْهِ وَهُوَ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَالَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ قَالَ: دَفَعَ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمَالِ لَكِنَّهُ لَا أَدْرِي أَنَّهُ لِمَنْ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَأَيْضًا وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ كَذَّبَ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ فِي جَمِيعِ مَا قَالَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ قَالَ: دَفَعَ إلَيَّ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمَالِ وَهُوَ لِفُلَانٍ آخَرَ غَيْرَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي. (الْوَجْهُ الثَّانِي) إذَا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِالْمِلْكِ بِأَنْ قَالَ: الْمَالُ الَّذِي فِي يَدَيَّ لِفُلَانٍ غَيْرُ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ دَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي الْمَعْزُولِ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ صَاحِبُ الْيَدِ فَإِنْ دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ ضَمِنَ لِلثَّانِي وَإِنْ دَفَعَ بِقَضَاءٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَضْمَنُ وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: فِي يَدِ فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَصَابَهُ فُلَانٌ الْيَتِيمُ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ، وَصَدَّقَهُ ذُو الْيَدِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْ بَاقِي الْوَرَثَةِ ذَلِكَ الْمَالَ فَهُوَ لِلْيَتِيمِ. وَإِنْ قَالَ بَاقِي الْوَرَثَةُ: لَمْ يَسْتَوْفِ مِنَّا أَحَدٌ حَقَّهُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَالْيَتِيمُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْمُقَلَّدِ أَنْ يَنْظُرَ لِلْيَتِيمِ وَيُحَلِّفَ بَاقِيَ الْوَرَثَةِ بِاَللَّهِ مَا اسْتَوْفَيْتُمْ حُقُوقَكُمْ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدَكُمْ فُلَانٌ، وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ الْيَتِيمِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَصَابَهُ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ وَادَّعَى بَاقِي الْوَرَثَةُ أَنَّهُ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِمْ فَالْمَالُ لِلْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ هُنَا مَا أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِوَالِدِ الْيَتِيمِ لِيَصِيرَ مُقِرًّا بِكَوْنِهِ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، بَلْ أَقَرَّ لِلْيَتِيمِ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةٍ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لِلْيَتِيمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ فَبَعْدَ ذَلِكَ بَاقِي الْوَرَثَةِ يَدَّعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ حَقًّا فِي هَذَا الْمَالِ وَلَا يَصَدَّقُونَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَإِنْ كَانَ مَالًا بِصَكٍّ عَلَى رَجُلٍ

стр. 1411

قَدْ كَانَ الْقَاضِي بَيَّنَ فِي الصَّكِّ سَبَبَهُ وَأَشْهَدَ فِي الصَّكِّ أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْيَتِيمِ وَأَصَابَهُ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ فُلَانٌ وَأَنَّ سَائِرَ الْوَرَثَةِ اسْتَوْفَوْا حُقُوقَهُمْ فَنَقُولُ: مُجَرَّدُ الصَّكِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ عَلَى اسْتِيفَاءِ بَاقِي الْوَرَثَةِ حُقُوقَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ شَهَادَةُ شُهُودٍ يَشْهَدُونَ عَلَى إشْهَادِ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ بِالِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَلِكَ كَانَ هَذَا الْمَالُ لِلْيَتِيمِ وَإِلَّا فَهُوَ كَسَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَإِذَا قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: ثَبَتَ عِنْدِي بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ أَنَّ فُلَانًا وَقَفَ ضَيْعَةَ كَذَا عَلَى كَذَا وَحَكَمْت بِذَلِكَ وَوَضَعْتهَا عَلَى يَدَيْ فُلَانٍ وَأَمَرْته بِصَرْفِ غَلَّاتِهَا إلَى السَّبِيلِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْوَقْفِ وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْيَدِ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَرَّتْ وَرَثَةُ الْوَاقِفِ بِذَلِكَ أَنْفَذَ الْقَاضِي الْمُقَلَّدُ هَذَا الْوَقْفَ. وَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ قَدْ جَحَدُوا ذَلِكَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ كَانَ مِيرَاثًا بَيْنَهُمْ وَلَكِنْ تُسْتَحْلَفُ الْوَرَثَةُ عَلَى عِلْمِهِمْ فَإِنْ حَلَفُوا فَالْأَمْرُ مَاضٍ وَإِنْ نَكَلُوا قَضَى عَلَيْهِمْ بِالْوَقْفِيَّةِ بِإِقْرَارِهِمْ، وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِالْوَقْفِيَّةِ كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْوَاقِفِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: إنَّهُ وَقَفَ عَلَى الْأَرْبَابِ أَوْ قَالَ عَلَى الْمَسْجِدِ أَوْ بَيَّنَ وَجْهًا آخَرَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَلَمْ يَقُلْ: وَقَفَهَا عَلَى فُلَانٍ فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يُنَفِّذُهُ وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ التَّفْصِيلِ وَهَذَا هُوَ السَّبِيلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَقَعُ الِاسْتِفْسَارُ ضَارًّا فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يَتْرُكُهُ وَيَكْتَفِي بِالْإِجْمَالِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُحَاسِبَ الْأُمَنَاءَ مَا جَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَغَلَّاتِهِمْ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى، حَتَّى يَنْظُرَ هَلْ أَدَّى الْأَمَانَةَ فِيمَا فُوِّضَ إلَيْهِ أَوْ خَانَ فَإِنْ أَدَّى الْأَمَانَةَ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ خَانَ اسْتَبْدَلَهُ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يُحَاسِبُ الْقُوَّامُ عَلَى الْأَوْقَافِ وَيَقْبَلُ قَوْلَهُمْ فِي مِقْدَارِ مَا حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْغَلَّاتِ وَالْأَمْوَالِ الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ. قَالَ وَالْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي مِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ وَفِيمَا يُخْبِرُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ عَلَى الضَّيْعَةِ وَمَا صَرَفَ مِنْهَا فِي مُؤْنَاتِ الْأَرَاضِيِ إنْ كَانَ وَصِيًّا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُحْتَمَلِ وَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُحْتَمَلُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي. وَفَرْقٌ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَبَيْنَ الْقَيِّمِ فَالْوَصِيُّ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ وَالتَّصَرُّفُ وَالْقَيِّمُ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ دُونَ التَّصَرُّفِ وَإِذَا عَرَفْتُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَبَيْنَ الْقَيِّمِ فَإِذَا ادَّعَى الْوَصِيُّ الْإِنْفَاقَ فَقَدْ ادَّعَى مَا دَخَلَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُحْتَمَلِ. وَإِذَا ادَّعَى الْقَيِّمُ ذَلِكَ فَقَدْ ادَّعَى مَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا سَوَّوْا بَيْنَ الْوَصِيِّ وَبَيْنَ الْقَيِّمِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ لِلضَّيْعَةِ مِنْهُ بُدٌّ قَالُوا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَيِّمِ فِي ذَلِكَ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ وَقَاسُوا عَلَى قَيِّمِ الْمَسْجِدِ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ إذَا اشْتَرَى لِلْمَسْجِدِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ نَحْوَ الْحَصِيرِ وَالْحَشِيشِ وَالدُّهْنِ أَوْ صَرَفَ شَيْئًا مِنْ غَلَّاتِ الْمَسْجِدِ إلَى أَجْرِ الْخَادِمِ لَا يَضْمَنُ لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا فِيهِ دَلَالَةً فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَتَعَطَّلُ الْمَسْجِدُ كَذَا هَهُنَا وَمَشَايِخُ زَمَانِنَا قَالُوا: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ فِي زَمَانِنَا فَالْقَيِّمُ فِي زَمَانِنَا مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ

стр. 1412

وَالْحِفْظُ جَمِيعًا كَالْوَصِيِّ قَالَ: وَإِنْ اتَّهَمَ الْقَاضِي وَاحِدًا مِنْهُمْ يُرِيدُ بِهِ وَاحِدًا مِنْ الْأَوْصِيَاءِ فِيمَا ادَّعَى مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ عَلَى الْوَقْفِ حَلَّفَهُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا كَالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ أَوْ رَدَّهَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّمَا يُسْتَحْلَفُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَصِحُّ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَدَعْوَى الْمَجْهُولِ لَا تَصِحُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْلِفُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ نَظَرًا لِلْيَتِيمِ وَاحْتِيَاطًا لَهُ وَفِي مِثْلِهِ يُسْتَحْلَفُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ أَنْفَقُوا عَلَى الضَّيْعَةِ وَالْيَتِيمِ مِنْ أَمْوَالِ الْأَرَاضِيِ وَغَلَّاتِهَا كَذَا وَبَقِيَ فِي أَيْدِينَا هَذَا الْقَدْرُ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا بِالْأَمَانَةِ فَالْقَاضِي يَقْبَلُ مِنْهُ الْإِجْمَالَ وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ. وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُتَّهَمًا فَالْقَاضِي يُجْبِرُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ الْإِجْمَالَ وَلَيْسَ تَفْسِيرُ الْجَبْرِ هَهُنَا الْحَبْسَ وَإِنَّمَا تَفْسِيرُهُ أَنْ يُحْضِرَهُ الْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً يُخَوِّفُهُ وَيُهَدِّدُهُ إنْ لَمْ يُفَسِّرْ احْتِيَاطًا فِي حَقِّ الْيَتِيمِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا لَمْ يُفَسِّرْ فَالْقَاضِي يَكْتَفِي مِنْهُ بِالْيَمِينِ وَبِنُكُولِهِ قَالَ: وَإِنْ قَالَ الْوَصِيُّ لِلْقَاضِي الْمُقَلَّدِ: إنَّ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ حَاسَبَنِي فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ لَا يَدَعُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ قَالَ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَيِّمُ: أَنْفَقْت عَلَى الْيَتِيمِ، أَوْ قَالَ: عَلَى الْوَقْفِ كَذَا مِنْ مَالِي وَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الْإِنْفَاقَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ حَيْثُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُحْتَمَلِ قَالَ: وَإِذَا ادَّعَى الْقَيِّمُ أَوْ الْوَصِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ آجَرَنِي مُشَاهَرَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا وَكَذَا أَوْ مُسَانَهَةً فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا وَكَذَا وَصَدَّقَهُ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فَالْقَاضِي الْمُقَلَّدُ لَا يُنَفِّذُ ذَلِكَ فَإِنْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى فِعْلِ الْقَاضِي فِي حَالِ قَضَائِهِ قُبِلَتْ وَنَفَّذَ الْقَاضِي الْمُقَلَّدُ ذَلِكَ فَبَعْدَ هَذَا الْقَاضِي الْمُقَلَّدُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِقْدَارَ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ أَوْ دُونِهِ أَنْفَذَ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ أَنْفَذَ مِقْدَارَ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ وَأَبْطَلَ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ كَانَ الْقَيِّمُ قَدْ اسْتَوْفَى الزِّيَادَةَ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالرَّدِّ عَلَى الْيَتِيمِ. قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَمَا وَجَدَهُ الْقَاضِي فِي دِيوَانِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ مِنْ شَهَادَةٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ إقْرَارٍ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا يَعْمَلُ بِهِ الْقَاضِي الْمُقَلَّدُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ وَهُوَ قَاضٍ يَوْمَئِذٍ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. [الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِهِ] ِ. الْكَلَامُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَفِيهِمَا اخْتِلَافٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ: قَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا صُوَرُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعُقُودِ كَثِيرَةٌ (مِنْ جُمْلَتِهَا) رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَهِيَ تَجْحَدُ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا شَاهِدَيْ زُورٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا حَلَّ لِلرَّجُلِ وَطْؤُهَا وَحَلَّ لِلْمَرْأَةِ التَّمْكِينُ مِنْهُ

стр. 1413

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ لَا يَحِلُّ لَهُمَا ذَلِكَ عَنْ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَالَ: إنَّمَا يَثْبُتُ نِكَاحٌ مُبْتَدَأٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي إذَا كَانَ الْقَضَاءُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: حَضْرَةُ الشُّهُودِ وَقْتَ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالنِّكَاحِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فِي مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ وَمَنْكُوحَتِهِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَصُوَرُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفَسْخِ كَثِيرَةٌ (مِنْ جُمْلَتِهَا) امْرَأَةٌ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ شُهُودَ زُورٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَطْؤُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيَحِلُّ لِلزَّوْجِ الثَّانِي وَطْؤُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عَلِمَ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَنَّ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ لَمْ يُطَلِّقْهَا بِأَنْ كَانَ الزَّوْجُ الثَّانِي أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ بِأَنْ كَانَ الزَّوْجُ الثَّانِي أَجْنَبِيًّا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَحِلُّ لِلثَّانِي وَطْؤُهَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِحَقِيقَةِ الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا. هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ وَهَلْ يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَطْؤُهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ لَا يَحِلُّ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَهُ بَاطِنًا، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَاتِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَطْؤُهَا سِرًّا وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَطْؤُهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي، فَإِذَا دَخَلَ بِهَا الثَّانِي الْآنَ لَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَطْؤُهَا سَوَاءٌ كَانَ الثَّانِي يَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى رَأْيِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِحَقِيقَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ مَنْكُوحَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَكَانَ نِكَاحُ الزَّوْجِ الثَّانِي فَاسِدًا عِنْدَهُ فَإِذَا دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ الثَّانِي فَلَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَطْؤُهَا. وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةَ الْأَوَّلِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ الثَّانِي مُشْكِلٌ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّانِي عَالِمًا بِحَقِيقَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِحَقِيقَةِ الْحَالِ لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ مِنْ الثَّانِي بِهَذَا الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَنْكُوحَةُ الْأَوَّلِ فَوَقَعَ نِكَاحُهُ بَاطِلًا وَكَانَ هَذَا الْوَطْءُ زِنًا وَمَنْكُوحَةُ الْإِنْسَانِ إذَا زَنَتْ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ وَطْؤُهَا. (وَمِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْفَسْخِ) صَبِيٌّ وَصَبِيَّةٌ سُبِيَا وَهُمَا صَغِيرَانِ فَكَبِرَا وَأَعْتَقَا ثُمَّ تَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ثُمَّ جَاءَ حَرْبِيٌّ مُسْلِمٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُمَا وَلَدَاهُ فَالْقَاضِي يَقْضِي بَيْنَهُمَا وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا حَتَّى تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ لَا يَسَعُ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ مَقْضِيٌّ عَلَيْهِ بِالْحُرْمَةِ وَقَدْ نَفَذَ الْقَضَاءُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَسَعُ الزَّوْجُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ كِذْبِ الشُّهُودِ. (وَمِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْعَقْدِ) إذَا قَضَى الْقَاضِي

стр. 1414

بِالْبَيْعِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَأَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي بِأَنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّك بِعْتَ مِنِّي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِكَذَا، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شُهُودَ زُورٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْجَارِيَةِ لِلْمُشْتَرِي نَفَذَ قَضَاؤُهُ بَاطِنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يَحِلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةُ الْبَيْعِ عَلَى التَّفْصِيلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ الثَّمَنُ الْمَذْكُورُ مِثْلَ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ أَوْ أَقَلَّ مِقْدَارَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بَاطِنًا. وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى نَصًّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِقْدَارَ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ تَصْحِيحِ الْقَضَاءِ بَاطِنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ أَنَّ الْقَاضِيَ بِقَضَائِهِ يَصِيرُ مُنْشِئًا لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْقَاضِي مُنْشِئًا فِيمَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ لِلْبَيْعِ وَلَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ مِقْدَارَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ قَدْرَ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمِقْدَارِ الْغَبْنِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ إنْشَاءِ التَّبَرُّعِ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: لَا بَلْ يَنْفُذُ الْقَضَاءُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ فَهُوَ مُبَادَلَةٌ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مِنْ جَانِبِ الْبَائِعِ، وَصُورَتُهُ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّك اشْتَرَيْت مُنِيس هَذِهِ الْجَارِيَةَ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شُهُودَ زُورٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ؛ حَلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْجَارِيَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ عَزَمَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَرْكِ الْخُصُومَةِ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا هَذَا إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شُهُودَ زُورٍ وَلَوْ لَمْ يُقِمْ الْمُدَّعِي شُهُودًا وَحَلَفَ الْمُشْتَرِي وَرَدَّ الْجَارِيَةَ عَلَى الْبَائِعِ، إنْ عَزَمَ الْبَائِعُ عَلَى تَرْكِ الْخُصُومَةِ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَفْسِيرِ الْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْخُصُومَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ الْعَزْمِ بِالْقَلْبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَفْسِيرُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِلِسَانِهِ عَلَى الْعَزْمِ بِالْقَلْبِ وَلَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ بِالْقَلْبِ. (وَمِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْعَقْدِ) رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ هِبَةً مَقْبُوضَةً فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شُهُودَ زُورٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ لِلْمُدَّعِي فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْفُذُ الْقَضَاءُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا حَتَّى لَا يَحِلَّ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يَنْفُذُ إذْ لَيْسَ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ إنْشَاءِ التَّبَرُّعِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَنْفُذُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ إنْشَاءِ التَّبَرُّعِ فِي الْجُمْلَةِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الصَّدَقَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي الْكَافِي (وَأَمَّا الْأَمْلَاكُ الْمُرْسَلَةُ) فَالْقَضَاءُ فِيهَا بِشَهَادَةِ الزُّورِ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ الشُّهُودَ لَوْ ظَهَرُوا عَبِيدًا أَوْ

стр. 1415

مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ أَوْ كُفَّارًا يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ ثُمَّ أَنْكَرَ وَحَلَفَ وَقَضَى لَهُ بِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، الْكُلُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. (وَأَمَّا قَضَاءُ الْقَاضِي بِالنَّسَبِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ) فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا بِلَا خِلَافٍ. صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَمَةٌ ادَّعَتْ عَلَى مَوْلَاهَا أَنَّهَا ابْنَتُهُ وَأَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ، وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ شُهُودَ زُورٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ حُرِّمَ عَلَى الْمَوْلَى وَطْؤُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا يَحْرُمُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَتَرَكَ مِيرَاثًا هَلْ يَحِلُّ لَهَا أَكْلُهُ؟ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهَا أَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالُوا: هَذَا عَلَى الْخِلَافِ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: لَا يَحِلُّ لَهَا أَكْلُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: يَحِلُّ لَهَا أَكْلُ مِيرَاثِهِ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ مِيرَاثِهَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَتْ أَمَتُهُ أَوْ ابْنَتُهُ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَتُهُ فَهَذَا كَسْبُ أَمَتِهِ فَيَحِلُّ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ ابْنَتُهُ كَانَ مِيرَاثُهَا حَلَالًا لَهُ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَامِعِ: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ فِي شَوَّالٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي رَمَضَانَ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ الشَّهَادَةِ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ فِي رَمَضَانَ أَلْفًا فَلَمْ يَعْدِلَا حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ثُمَّ عَدَلَا فَقَضَى بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَةَ الْعَبْدِ يَوْمَ أَعْتَقَهُ الْقَاضِي وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَإِذَا قَضَى بِعِتْقِ أَمَةٍ ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ فَالْعِتْقُ ثَابِتٌ وَلِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَفِي الْمُنْتَقَى شَرَطَ عَلَى قَوْلِهِمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ أَبَانَهَا بِثَلَاثٍ أَوْ بِوَاحِدَةٍ فَجَحَدَ الزَّوْجُ فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَإِنْ عَلِمْت أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَتْ لَا تَسَعُهَا الْإِقَامَةُ مَعَهُ وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِيرَاثَهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. [الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَحْكُومُ لَهُ أَوْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ] (الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَحْكُومُ لَهُ أَوْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَفِيهِ بَعْضُ مَسَائِلِ الْفَتْوَى) رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ يَرَاهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً فَرَاجَعَهَا وَرَافَعَتْهُ إلَى قَاضٍ يَرَاهَا ثَلَاثًا فَجَعَلَهَا ثَلَاثًا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَوْ كَانَ الزَّوْجُ يَرَاهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتَزَوَّجَهَا وَرَافَعَتْهُ إلَى قَاضٍ يَرَاهَا ثَلَاثًا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا نَفَذَ هَذَا الْقَضَاءُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ الْمُقَامُ مَعَهَا وَلَا يَسَعُهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ يَرَاهَا ثَلَاثًا فَرَافَعَتْهُ إلَى قَاضٍ يَرَاهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ وَاحِدَةً

стр. 1416

رَجْعِيَّةً نَفَذَ هَذَا الْقَضَاءُ بَاطِنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يَسَعَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْفُذُ هَذَا الْقَضَاءُ بَاطِنًا ذَكَرَ الْخِلَافَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي آخِرِ اسْتِحْسَانِ الْأَصْلِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُبْتَلَى بِالْحَادِثَةِ إنْ كَانَ عَامِّيًّا لَا رَأْيَ لَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ حُكْمَ الْقَاضِي فِيمَا يَقْضِي فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ سَوَاءٌ حَصَلَ الْحُكْمُ بِالْحِلِّ أَوْ حَصَلَ الْحُكْمُ بِالْحِلِّ أَوْ حَصَلَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنْ حَصَلَ الْحُكْمُ بِالْحُرْمَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُبْتَلَى بِالْحَادِثَةِ فَقِيهًا لَهُ رَأْيٌ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِخِلَافِ رَأْيِهِ إنْ حَصَلَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ هُوَ يَعْتَقِدُ الْحِلَّ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْحُرْمَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ حُكْمَ الْحَاكِمِ وَيَتْرُكَ رَأْيَ نَفْسِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ حَصَلَ الْحُكْمُ لَهُ بِأَنْ كَانَ هُوَ يَعْتَقِدُ الْحُرْمَةَ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْحِلِّ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ يَتْبَعُ حُكْمَ الْقَاضِي وَيَتْرُكُ رَأْيَ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ. وَذَكَرَ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَتْرُكُ رَأْيَ نَفْسِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى إبَاحَةِ الْقَاضِي فِيمَا يَعْتَقِدُهُ حَرَامًا، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُبْتَلَى بِالْحَادِثَةِ إذَا كَانَ عَامِّيًّا وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فَكَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مُلْزِمٌ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَمَا يَصِيرُ مُضَافًا إلَى الشَّرْعِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ فَلَا يُتْرَكُ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ كَمَا لَا يُتْرَكُ النَّصُّ بِالِاجْتِهَادِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْإِلْزَامُ فِي جَانِبِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمَقْضِيِّ لَهُ فَلَا إلْزَامَ، وَلِهَذَا لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِدُونِ طَلَبِهِ وَفِي زَعْمِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ مُخْطِئٌ فِي هَذَا الْقَضَاءِ فَلَا يَتْبَعُهُ فِي ذَلِكَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ جُنَّ جُنُونًا مُطْبَقًا وَلَهُ وَالِدٌ فَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ كَانَ حَلَفَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ بِطَلَاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ثَلَاثًا قَالَ: نَصَبَ الْقَاضِي وَالِدَهُ خَصْمًا فَإِنْ نَصَبَهُ وَرَأَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَأَبْطَلَهُ وَأَمْضَى النِّكَاحَ ثُمَّ يَبْرَأُ الزَّوْجُ وَهُوَ يَرَى وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهَذَا الْقَوْلِ هَلْ يَسَعُهُ الْمُقَامُ مَعَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَعَلَى قِيَاسِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَسَعُهُ الْمُقَامُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ لَهُ وَفِي الْحَاوِي إنْ كَانَ الزَّوْجُ عَالِمًا وَنَوَى وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهَذَا الْقَوْلِ فَلَا يَسَعُهُ الْمُقَامُ مَعَهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ يَتْبَعُ رَأْيَ الْقَاضِي وَفِي الْخَانِيَّةِ ثُمَّ شَرَطَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِكَوْنِ الْوَالِدِ خَصْمًا أَنْ يَكُونَ جُنُونُ الزَّوْجِ مُطْبَقًا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الْمُطْبَقِ وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ الظَّاهِرَةُ أَنَّ الْجُنُونَ إذَا كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يُعْتَبَرُ وَلَا يَصِيرُ غَيْرُهُ خَصْمًا عَنْهُ وَتَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ فِي حَالَةِ الْإِفَاقَةِ كَمَا فِي الْإِغْمَاءِ، وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الْجُنُونَ الْمُطْبَقَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَلَوْ أَنَّ فَقِيهًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ يَرَاهَا ثَلَاثًا فَأَمْضَى رَأْيَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَعَزَمَ عَلَى أَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ أَمْضَى رَأْيَهُ

стр. 1417

الَّذِي كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ وَلَا يَرُدُّهَا إلَى أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ بِرَأْيٍ حَدَثَ مِنْ بَعْدُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِخِلَافِ رَأْيِهِ الَّذِي عَزَمَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ يَرَى تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً فَعَزَمَ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ ثُمَّ رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يَعْزِمْ ذَلِكَ وَلَمْ يُمْضِ رَأْيَهُ حَتَّى رَآهَا ثَلَاثًا لَمْ يَسَعْهُ الْمُقَامُ مَعَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ يَرَى أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْضِ رَأْيَهُ حَتَّى رَآهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمْضَى رَأْيَهُ فِيهَا وَجَعَلَهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَسِعَهُ ذَلِكَ وَلَا يُحَرِّمُهَا رَأْيٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي أَوَّلِ الْمُنْتَقَى لَوْ أَنَّ فَقِيهًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ وَيَرَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعِيَّةَ وَعَزَمَ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَرَاجَعَهَا ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى لَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ يَرَى يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ أَنَّهَا ثَلَاثٌ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ الْأُخْرَى بِهَذَا الْقَوْلِ فَيَكُونُ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ قَدْ قَالَ لَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا تَحِلُّ إحْدَاهُمَا لَهُ وَتُحَرَّمُ الْأُخْرَى عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْمُبْتَلَى فَقِيهًا لَهُ رَأْيٌ فَاسْتَفْتَى فَقِيهًا آخَرَ فَأَفْتَاهُ بِخِلَافِ رَأْيِهِ يَعْمَلُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمُبْتَلَى جَاهِلًا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِفَتْوَى أَفْضَلِ الرِّجَالِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاجْتِهَادِ لَهُ فَإِنْ أَفْتَاهُ مُفْتٍ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ وَهُوَ جَاهِلٌ وَقَضَى قَاضٍ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِخِلَافِ الْفَتْوَى، وَالْحَادِثَةُ مُجْتَهِدٌ فِيهَا إنْ كَانَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ يَتْبَعُ رَأْيَ الْقَاضِي وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى فَتْوَى الْمُفْتِي، وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي أَعْلَمَ مِنْ الْقَاضِي فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ لَهُ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُفْتِي فِي حَقِّ الْجَاهِلِ بِمَنْزِلَةِ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ فَصَارَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَيْنَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. وَفِي نَوَادِرِ دَاوُد بْنِ رَشِيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ اُبْتُلِيَ بِنَازِلَةٍ فِي امْرَأَةٍ فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ بِأَمْرٍ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ تَحْلِيلٍ فَعَزَمَ عَلَيْهِ وَأَمْضَاهُ ثُمَّ أَفْتَاهُ ذَلِكَ الْفَقِيهُ بِعَيْنِهِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي امْرَأَةٍ أُخْرَى لَهُ فِي عَيْنِ تِلْكَ النَّازِلَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَأَخَذَ بِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ وَسِعَهُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ سَأَلَ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ عَنْ نَازِلَةٍ فَأَفْتَاهُ بِحَلَالٍ أَوْ بِحَرَامٍ فَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ فِي زَوْجَتِهِ حَتَّى سَأَلَ فَقِيهًا آخَرَ فَأَفْتَى بِخِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ الْأَوَّلُ فَأَمْضَاهُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَتَرَكَ فَتْوَى الْأَوَّلِ وَسِعَهُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ أَمْضَى قَوْلَ الْأَوَّلِ فِي زَوْجَتِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ أَفْتَاهُ فَقِيهٌ آخَرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدَعَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ بِفَتْوَى الْآخَرِ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُنَا وَفِي الْقُدُورِيِّ: إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ الْمُبْتَلَى بِالْحَادِثَةِ فَقِيهًا وَاسْتَفْتَى إنْسَانًا وَأَفْتَاهُ بِحَلَالٍ أَوْ بِحَرَامٍ فَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَفْتَاهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِهِ فَأَخَذَ بِقَوْلِ الثَّانِي وَأَمْضَاهُ فِي مَنْكُوحَتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا أَمْضَاهُ فِيهِ وَيَرْجِعَ إلَى مَا أَفْتَاهُ بِهِ الْأَوَّلُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ وَيَسْتَفْتِي فَقِيهًا عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَأَفْتَاهُ بِبُطْلَانِ الْيَمِينِ وَسِعَ اتِّبَاعَ فَتْوَاهُ وَإِمْسَاكَ الْمَرْأَةِ وَفِي النَّوَازِلِ إذَا اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ بِبُطْلَانِ الْيَمِينِ فَتَزَوَّجَ

стр. 1418

امْرَأَةً أُخْرَى ثُمَّ اسْتَفْتَى فَقِيهًا آخَرَ فَأَفْتَى بِصِحَّةِ الْيَمِينِ يُفَارِقُ الْأُخْرَى وَيُمْسِكُ الْأُولَى عَامِلًا بِقَوْلِهِمَا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. [الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ] (الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ) قَضَاءُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ وَقَعَ فِي فَصْلٍ فِيهِ نَصٌّ مُفَسَّرٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَوْ إجْمَاعٌ وَإِمَّا أَنْ وَقَعَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ مِنْ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ وَالْقِيَاسِ فَإِنْ وَقَعَ فِي فَصْلٍ فِيهِ نَصٌّ مُفَسَّرٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتَرِ أَوْ إجْمَاعٌ فَإِنْ وَافَقَ قَضَاؤُهُ ذَلِكَ نَفَّذَهُ الثَّانِي وَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّقْضُ وَإِنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَإِنْ وَقَعَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيُّ بِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ نَفْسُ الْقَضَاءِ فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْمَقْضِيُّ بِهِ فَرُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يَرُدَّهُ الثَّانِي بَلْ يُنْفِذُهُ، فَإِنْ رَدَّهُ الْقَاضِي الثَّانِي فَرَفَعَ إلَى قَاضٍ ثَالِثٍ نَفَذَ قَضَاءُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ وَأَبْطَلَ قَضَاءَ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الْقَضَاءِ مُجْتَهَدًا فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَمْ لَا كَمَا لَوْ قَضَى بِالْحَجْرِ عَلَى الْحُرِّ أَوْ قَضَى عَلَى الْغَائِبِ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَنْقُضَ الْأَوَّلَ إذَا مَالَ اجْتِهَادُهُ إلَى خِلَافِ اجْتِهَادِ الْأَوَّلِ، هَذَا إذَا كَانَ الْقَضَاءُ فِي مَحَلٍّ أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِهِ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهُ هَلْ يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ عِنْدَهُمَا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فِي جَوَازِ بَيْعِهَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْفُذُ لِوُقُوعِ الِاتِّفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَخَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ؛ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلَا يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الِاجْتِهَادِ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لَا يَنْفُذُ بَلْ يَرُدُّهُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. إذَا كَانَ نَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفًا فِيهِ بِأَنْ قَضَى الْقَاضِي بِحَقٍّ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ لِلْغَائِبِ هَلْ يَنْفُذُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي رِوَايَةٍ لَا يَنْفُذُ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ وَهُوَ صَحِيحٌ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ قَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ: كُلُّ أَمْرٍ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ. وَجَاءَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ جَاءَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَجَاءَ عَنْ ذَلِكَ الْجُلِّ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ وَعَمِلَ النَّاسُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ أَوْ عُمِلَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يُعْمَلْ بِالْآخَرِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ أَحَدٌ فَهُوَ مَتْرُوكٌ مَنْسُوخٌ فَإِنْ حَكَمَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا لَمْ يَجُزْ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ وَإِنْ قَضَى بِالنَّصِّ لَكِنْ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ انْتِسَاخُهُ، حَيْثُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ وَالْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ بَاطِلٌ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُجِيزُ مِنْ ذَلِكَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ مِنْ

стр. 1419

حُكَّامِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ وَبَعْضُهُمْ بِقَوْلِ الْآخَرِ. يَعْنِي: بَعْضُ الْحُكَّامِ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ خِلَافِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَا يَصِيرُ الْمَحَلُّ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ مَا لَمْ يَعْتَبِرْ الْعُلَمَاءُ وَلَمْ يُسَوِّغُوا لَهُ الِاجْتِهَادَ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ لَمَّا لَمْ يُسَوِّغُوا لَهُ الِاجْتِهَادَ فِي رِبَا النَّقْدِ حَتَّى أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَعْتَبِرْ خِلَافَهُ حَتَّى لَوْ قَضَى قَاضٍ بِجَوَازِ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُجِيز مِنْ ذَلِكَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِحَقِيقَةِ الِاخْتِلَافِ فِي صَيْرُورَةِ الْمَحَلِّ مُجْتَهَدًا فِيهِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا اُعْتُبِرَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمَنْ مَعَهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَفِ، وَالْقَاضِي الْإِمَامُ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ اعْتَبَرَ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي آخِرِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَصُورَةُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَوْ أَنَّ إمَامًا رَأَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَسَبَاهُمْ وَقَسَمَهُمْ جَازَ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ الْآخَرِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُبْطِلَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ بِجَوَازِ اسْتِرْقَاقِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَجَلُّ شَيْخُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ذَكَرَ فِي قَضَاءِ الْجَمْعِ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةٍ وَخِلَافَهُ وَاعْتَبَرَهُ. وَحُكْمُ الْقَاضِي فِي الْخُلْعِ أَنَّهُ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ نَظِيرُ حُكْمِهِ فِي سَائِرِ الْمُجْتَهِدَاتِ وَأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيمَا رَوَى الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَفِي الْمُنْتَقَى يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِاشْتِبَاهِ الدَّلِيلِ لَا لِحَقِيقَةِ الِاخْتِلَافِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَامِعِ وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ صُورَةُ مَا ذَكَرَ فِي السَّيْرِ لَوْ رَأَى إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْبَلَ الْجِزْيَةَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَقَبِلَ جَازَ وَإِنْ كَانَ هَذَا خَطَأً عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَكَمَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُجْتَهَدًا فِيهَا لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ كَذَلِكَ تَصِيرُ مُجْتَهَدًا فِيهَا لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِي مِثْلِهَا، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. قَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَوَاضِعِ الْخِلَافِ وَيَتْرُكَ قَوْلَ الْمُخَالِفِ وَيَقْضِي بِرَأْيِهِ حَتَّى يَصِحَّ عَلَى قَوْلِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوَاضِعَ الِاجْتِهَادِ وَالِاخْتِلَافِ فَفِي نَفَاذِ قَضَائِهِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْفُذُ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. وَلَوْ ادَّعَى الْمُدَّعِي فِي مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ عَنْ الْإِنْكَارِ بَدَلَ الصُّلْحِ وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا يَلْزَمُنِي أَدَاؤُهُ بِسَبَبِ فَسَادِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ إنْكَارٍ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَإِذَا قَضَى عَلَيْهِ بِصِحَّةِ الصُّلْحِ وَأَبْطَلَ قَوْلَ الْمُخَالِفِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ عَلَى قَوْلِهِمْ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، كَذَا ذَكَرَ ظَهِيرُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شُرُوطِهِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَجَامِعِ الْفَتَاوَى الْقَاضِي إذَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا وَلَكِنَّهُ قَضَى بِتَقْلِيدِ فَقِيهٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِهِ يَنْفُذُ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ وَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْقُضَهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ

стр. 1420

وَالْقَاضِي إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا وَهُوَ يَعْلَمُ بِرَأْيِ غَيْرِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَقَالَا: لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَإِذَا نَسِيَ رَأْيَهُ وَقَضَى بِرَأْيِ غَيْرِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ رَأْيَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَقَالَ: يُرَدُّ قَضَاؤُهُ، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْفَتْوَى، وَالْوَجْهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّارِكَ لِمَذْهَبِهِ عَمْدًا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا لِهَوًى بَاطِلٍ لَا لِقَصْدٍ جَمِيلٍ، هَذَا كُلُّهُ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ فَأَمَّا الْمُقَلَّدُ فَإِنَّمَا وَلَّاهُ لِيَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَثَلًا فَلَا يَمْلِكُ الْمُخَالَفَةَ فَيَكُونُ مَعْزُولًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، هَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَإِنْ قَضَى فِي حَادِثَةٍ هِيَ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ بِرَأْيِهِ ثُمَّ رُفِعَتْ إلَيْهِ ثَانِيًا فَتَحَوَّلَ رَأْيُهُ يُعْمَلُ بِالرَّأْيِ الثَّانِي وَلَا يُوجِبُ هَذَا نَقْضَ الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ رُفِعَتْ إلَيْهِ ثَالِثًا فَتَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى الْأَوَّلِ يُعْمَلُ بِهِ وَلَا يَبْطُلُ قَضَاؤُهُ بِالرَّأْيِ الثَّانِي بِالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ الْأَوَّلِ، كَمَا لَا يَبْطُلُ قَضَاؤُهُ الْأَوَّلُ بِالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ الثَّانِي، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. قَالَ صَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ: وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ بِأُمِّ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَجَلَدَهُ الْقَاضِي وَرَأَى أَنْ لَا يُحَرِّمَهَا عَلَيْهِ فَأَقَرَّهَا مَعَهُ وَقَضَى بِذَلِكَ نَفَذَ قَضَاؤُهُ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً زَنَى بِهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ وَقَضَى الْقَاضِي بِنَفَاذِ هَذَا النِّكَاحِ فِي نَفَاذِ هَذَا الْقَضَاءِ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ الْقَاضِي إذَا قَضَى بِجَوَازِ نِكَاحِ الَّتِي زَنَى بِأُمِّهَا أَوْ بِابْنَتِهَا نَفَذَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. وَإِذَا قَضَى قَاضٍ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَاعْلَمْ بِأَنَّ جَوَازَ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، فَعُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَا لَا يُجَوِّزَانِ بَيْعَهَا وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - آخِرًا: يَجُوزُ بَيْعُهَا ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَتَرَكُوا قَوْلَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - آخِرًا بَعْدَ هَذَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ: إنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ وَكَأَنَّهُ مَالٌ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، ثُمَّ أَجْمَعَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَهَذَا الْإِجْمَاعُ هَلْ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ؟ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْفَعُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا ارْتَفَعَ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَكُنْ قَضَاءُ هَذَا الْقَاضِي فِي مَحَلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - إذَا لَمْ يَرْتَفِعْ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ كَانَ هَذَا قَضَاءً فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ يَقُولُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ

стр. 1421

أَصْحَابِنَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ فَكَانَ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ الْكُلِّ فَلَا يَنْفُذُ عِنْدَ الْكُلِّ، فَكَانَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ قَوْلَ الْكُلِّ، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ. وَفِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْضِيَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَإِنْ أَمْضَاهُ قَاضٍ آخَرُ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ إبْطَالُهُ، وَإِنْ أَبْطَلَهُ قَاضٍ آخَرُ بَطَلَ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ إمْضَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِمُخْتَلِفَةٍ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِيهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ إنْ أَمْضَاهُ قَاضٍ آخَرُ يُنْفِذُهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ إبْطَالُهُ وَإِنْ أَبْطَلَهُ قَاضٍ آخَرُ بَطَلَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ إمْضَاؤُهُ، وَفِي الزِّيَادَاتِ لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا أَسَارَى مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُشْرِكُونَ وَلَمْ يُحْرِزُوهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَخَذُوهُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمْ يُرَدُّونَ عَلَى الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ اقْتَسَمَ الْفَرِيقُ الثَّانِي أَوْ لَمْ يَقْتَسِمُوا، قَالَ فِي الْكِتَابِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَسَمَ بَيْنَ الْفَرِيقِ الثَّانِي. أَمَّا مَا يَرَى مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ تَمَلُّكًا وَإِحْرَازًا فَحِينَئِذٍ كَانَ الْفَرِيقُ الثَّانِي أَوْلَى، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إذَا اسْتَوْلَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوهُ بِعَسْكَرِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ مِنْهُمْ جَيْشٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى قَسَمَ الْمَتَاعَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ وَالْمَتَاعُ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ الْحَالَ وَرَأَى إحْرَازَهُمْ بِالْعَسْكَرِ إحْرَازًا تَامًّا فَخَمَّسَهُ وَقَسَّمَهُ مَعَ غَنَائِمِ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ غَيْرَ إحْرَازٍ جَازَ مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُبْطِلْهُ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قُلْنَا فِيمَنْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْفُسَّاقِ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ بِالنِّكَاحِ عَلَى الْغَائِبِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يُجَوِّزُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ يَقُولُ: لَيْسَ لَلنِّسْوَانِ شَهَادَةٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ لِلْفَاسِقِ شَهَادَةٌ أَصْلًا، وَلَكِنْ قِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَصْلَيْنِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ مِنْ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ فِيهِمَا. وَمَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالْمِلْكِ لِلْكَافِرِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ نَافِذٌ، قِيلَ: وَقَدْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. قَالَ: وَلَوْ قَضَى قَاضٍ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْفُذُ وَفِي أَقْضِيَةِ الْجَامِعِ مِنْ تَعْلِيقِي أَنَّ الْقَضَاءَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ، وَلَوْ قَضَى بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَنْفُذُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْفُذُ. وَلَوْ قُضِيَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَ رَأْيِهِ فَإِنَّهُ

стр. 1422

يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلَا يُبْطِلُهُ. وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ اشْتَرَى رَجُلٌ دَابَّةً وَغَزَا عَلَيْهَا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَعَهُ فِي الْعَسْكَرِ خَاصَمَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَرْكَبَهَا وَلَكِنْ يَسُوقَهَا مَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ رَكِبَهَا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ حَمْلِ أَمْتِعَتِهِ عَلَيْهَا سَقَطَ حَقُّهُ فِي الرَّدِّ، وَجَدَ دَابَّةً أُخْرَى أَوْ لَمْ يَجِدْ، فَإِنْ أَتَى الْإِمَامَ وَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَهُ بِالرُّكُوبِ فَرَكِبَ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الرَّدِّ، وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الرُّكُوبِ لِمَا أَنَّهُ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهَا الْهَلَاكَ فَرَكِبَ وَلَمْ يُنْقِصْهَا رُكُوبُهُ فَلَهُ الرَّدُّ وَإِنْ لَمْ يُكْرِهْهُ الْإِمَامُ عَلَى الرُّكُوبِ وَلَكِنْ قَالَ: ارْكَبْهَا وَأَنْتَ عَلَى رَدِّك فَرَكِبَهَا سَقَطَ حَقُّهُ فِي الرَّدِّ فَإِنْ ارْتَفَعَا إلَى قَاضٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَدَّهَا بِالْعَيْبِ عَلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ لِمَا قَالَ لَهُ الْأَمِيرُ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ رُفِعَتْ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ خَطَأً فَإِنَّهُ يُمْضِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ وَلَوْ قَضَى بِإِبْطَالِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ. وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالُوا: يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ، وَهَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَامَّتُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي أَبْوَابِ الْفِدَاءِ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ رَقِيقًا وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فَبَاعَ الْقَاضِي رَقِيقَهُ وَقَضَى دُيُونَهُ ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ مَوْلَاهُ كَانَ دَبَّرَهُ كَانَ بَيْعُ الْقَاضِي فِيهِ بَاطِلًا. وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِتَدْبِيرِهِ فَاجْتَهَدَ وَأَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ، ثُمَّ وَلِيَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى ذَلِكَ خَطَأً يَنْفُذُ قَضَاءُ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَاتِ وَالْمَذْكُورُ ثَمَّةَ وَإِذَا شَهِدَ مَحْدُودَانِ فِي قَذْفٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِذَلِكَ حَتَّى قَضَى بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ عَلِمَ فَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ حُجَّةٌ أَمْضَى قَضَاءَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَأْيِهِ ذَلِكَ نَقَضَ قَضَاءَهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِكَوْنِ الشَّاهِدِ مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ فِي حَالِ ابْتِدَاءِ الشَّهَادَةِ إنْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ حُجَّةٌ يَقْضِي بِهَا وَمَا لَا فَلَا فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدِ إنَّمَا يَنْفُذُ إذَا عَلِمَ بِكَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ فِي الْجَامِعِ أَيْضًا وَهَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي كِتَابِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. إذَا قَضَى الْقَاضِي فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ وَإِنَّمَا يَنْفُذُ إذَا عَلِمَ بِكَوْنِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَعْنِي كَوْنَهُ عَالِمًا بِالِاخْتِلَافِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ لَكِنْ يُفْتَى بِخِلَافِهِ، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَهُنَا شَرْطٌ آخَرُ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ أَنْ يَصِيرَ الْحُكْمُ حَادِثَةً فَتَجْرِي فِيهَا خُصُومَةٌ صَحِيحَةٌ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي مِنْ خَصْمٍ عَلَى خَصْمٍ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. إذَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَهُوَ يَرَى أَنَّ شَهَادَتَهُ حُجَّةٌ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَفِي أَقْضِيَةِ الْجَامِعِ مِنْ تَعْلِيقِي عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَيْزَاخَزِيِّ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَرُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ إنَّمَا لَا يُبْطِلُ الثَّانِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ يَرَاهُ حَقًّا وَعَلِمَ الثَّانِي

стр. 1423

أَنَّ الْأَوَّلَ يَرَاهُ حَقًّا بِأَنْ أَظْهَرَ الْأَوَّلُ ذَلِكَ لِلثَّانِي أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الثَّانِي أَنَّ الْأَوَّلَ هَلْ يَرَاهُ حَقًّا أَمْ لَا، أَمَّا إذَا عَلِمَ الثَّانِي أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَرَ ذَلِكَ حَقًّا بِأَنْ قَالَ الْأَوَّلُ: الصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ تَابَ كَانَ لِلثَّانِي أَنْ يُبْطِلَهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ إذَا قَضَى قَبْلَ التَّوْبَةِ فَالْقَاضِي الثَّانِي يُبْطِلُ قَضَاءَهُ لَا مَحَالَةَ حَتَّى لَوْ نَفَذَ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ ثَالِثٍ فَلَهُ أَنْ يَنْقُصَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ قَاضِيًا بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ الْقَضَاءُ مِنْ الثَّانِي مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلًا وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ عِنْدَنَا لَكِنْ لِقَاضٍ آخَرَ أَنْ يُنْفِذَهُ حَتَّى لَوْ نَفَّذَهُ قَاضٍ آخَرُ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ ثَالِثٍ لَيْسَ لِلثَّالِثِ أَنْ يُبْطِلَهُ، كَذَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ. وَالْفَاسِقُ إذَا قَضَى فَرَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَبْطَلَهُ لَيْسَ لِقَاضٍ ثَالِثٍ أَنْ يُنْفِذَهُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ لَوْ كَانَ الْقَاضِي أَعْمَى فَقَضَى يَتَوَقَّفُ نَفَاذُهُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ، وَإِذَا أَمْضَى لَا يُبْطِلُهُ الثَّالِثُ وَإِنْ لَمْ يُمْضِهِ الثَّانِي لَكِنَّهُ أَبْطَلَهُ وَهُوَ يَرَى بُطْلَانَهُ بَطَلَ إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَعَ آخَرَ لِصَاحِبِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ أَوْ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ نَفَذَ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلثَّانِي إبْطَالُهُ، وَإِنْ رَأَى بُطْلَانَهُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَلَوْ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ بِرَضَاعٍ يُرَدُّ قَضَاؤُهُ، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ وَالْقَاضِي الْمُطْلَقُ إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَهُوَ يَرَى جَوَازَهُ نَفَذَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي حُجَّةِ الْقَضَاءِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَهُوَ شُرَيْحٌ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي فَتَاوَى الْقَاضِي ظَهِيرِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُبْطِلَهُ إذَا طُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا قَضَى بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ يُرَدُّ قَضَاؤُهُ إذَا ظَهَرَ أَنَّ قَضَاءَهُ وَقَعَ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمَا عَبْدَانِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا أَعْمَيَانِ فَقَدْ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ كِتَابِ الرُّجُوعِ أَنَّ الْجَوَابَ فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْجَوَابَ فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْعَبْدَيْنِ، وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ اُسْتُقْضِيَ وَقَضَى بِقَضِيَّةٍ ثُمَّ رُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَمْضَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إمْضَاؤُهُ وَهَذَا الْجَوَابُ ظَاهِرٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ مُشْكِلٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَضَاءَ مُعْتَبَرٌ بِشَهَادَتِهِ وَالصَّبِيُّ لَا يَصْلُحُ شَاهِدًا أَصْلًا وَالنَّصْرَانِيُّ لَا يَصْلُحُ شَاهِدًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلَا يَصْلُحُ قَاضِيًا، فَأَمَّا الْعَبْدُ فَيَصْلُحُ شَاهِدًا عِنْدَ مَالِكٍ وَشُرَيْحٍ فَيَصْلُحُ قَاضِيًا فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ إمْضَاءُ قَاضٍ آخَرَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ، كَمَا فِي الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ. وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً اُسْتُقْضِيَتْ جَازَ قَضَاؤُهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ فَإِنْ قَضَتْ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ثُمَّ رُفِعَ قَضَاؤُهَا إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَمْضَاهُ نَفَذَ إمْضَاؤُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُبْطِلَهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فَخْرُ

стр. 1424

الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ قَضَاءِ الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي وَقْفِ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَتْلٍ فِي قَسَامَةٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ. وَصُورَتُهُ قَتِيلٌ وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ وَادَّعَى أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّك قَتَلْته قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْقَتِيلِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عَدَاوَةٌ مَعَ غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ دُخُولِهِ فِي الْمَحَلَّةِ وَوُجُودِهِ قَتِيلًا مُدَّةً قَرِيبَةً، فَالْقَاضِي يُحَلِّفُ وَلِيَّ الْقَتِيلِ عَلَى دَعْوَاهُ فَإِذَا حَلَفَ قَضَى لَهُ بِالْقِصَاصِ وَعِنْدَنَا فِيهِ الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَإِذَا قَضَى بِالْقَوَدِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَنْقُضُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا، كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ. وَذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْحَسَنِ السُّغْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ غَابَ عَنْ امْرَأَتِهِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً وَلَمْ يَخْلُفْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ نَفَقَةً فَرَفَعَتْ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي، فَكَتَبَ الْقَاضِي إلَى عَالِمٍ يَرَى التَّفْرِيقَ بِالْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا هَلْ تَقَعُ الْفُرْقَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ النَّفَقَةِ قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ هُنَا عَقَارٌ وَأَمْلَاكٌ هَلْ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ قَالَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ: وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ رُفِعَ هَذَا الْقَضَاءُ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَجَازَ قَضَاءَهُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ. ذُكِرَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَطَاءُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الصَّغِيرَةِ زَوَّجَهَا مِنْ صَغِيرٍ وَقَبِلَ أَبُوهُ وَكَبِرَ الصَّغِيرَانِ وَبَيْنَهُمَا غَيْبَةٌ مُنْقَطِعَةٌ وَقَدْ كَانَ التَّزْوِيجُ بِشَهَادَةِ الْفَسَقَةِ هَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَبْعَثَ إلَى شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ لِيُبْطِلَ هَذَا النِّكَاحَ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ بِشَهَادَةِ الْفَسَقَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلِلْقَاضِي الْحَنَفِيِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَخْذًا بِهَذَا الْمَذْهَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْهَبُهُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَضَاءِ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ، وَكَذَا فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ دُخُولِ الزَّوْجِ الْمُحَلِّلِ إذَا قَضَى بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ، وَأَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ أَخْذًا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ نَجْمُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: كَانَ أُسْتَاذِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَرَى ذَلِكَ وَلَكِنْ لَوْ بَعَثَ إلَى شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ لِيَعْقِدَ بَيْنَهُمَا وَيَقْضِيَ بِالصِّحَّةِ يَجُوزُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْكَاتِبُ وَالْمَكْتُوبُ إلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا وَبِهَذَا الْقَضَاءِ لَا يَظْهَرُ أَنَّ النِّكَاحَ الْأَوَّلَ حَرَامٌ أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ وَذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى. ذُكِرَ فِي نِكَاحِ الْمُلْتَقِطِ لَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ فِي مَحْفِلٍ (أَيْنَ شوي مِنْ است) وَقَالَ الرَّجُلُ: (أَيْنَ زَنِّ مِنْ است) اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ هَذَا النِّكَاحِ وَلَوْ قَضَى بِالنِّكَاحِ صَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَأَجَازَهُ قَاضٍ مِنْ الْقُضَاةِ جَازَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى شَهْرٍ يَصِحُّ

стр. 1425

وَيَبْطُلُ ذِكْرُ الْوَقْتِ فَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ هَذَا النِّكَاحِ يَنْفُذُ، وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ مُتْعَةِ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ، وَصُورَتُهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ: أَتَمَتَّعُ بِكِ كَذَا مُدَّةً بِكَذَا مِنْ الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: بِلَفْظَةِ التَّزَوُّجِ بِأَنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُك إلَى شَهْرٍ أَوْ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّهُ لَوْ قَضَى بِذَلِكَ قَاضٍ يَجُوزُ وَلَوْ قَضَى بِرَدِّ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِعَيْبِ عَمًى أَوْ جُنُونٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَقُولُ: يَرُدُّ الْمَرْأَةَ الزَّوْجُ بِعُيُوبٍ خَمْسَةٍ وَلَوْ قَضَى بِرَدِّ الْمَرْأَةِ الزَّوْجُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ نَفَذَ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ بِالرَّدِّ، وَلَوْ قَضَى بِإِبْطَالِ الْمَهْرِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ أَخْذًا بِقَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ إنْ قَدَّمَ النِّكَاحَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سُقُوطُهُ إمَّا بِالْإِبْقَاءِ أَوْ بِالْإِبْرَاءِ، فَهَذَا الْقَضَاءُ بَاطِلٌ وَلَوْ قَضَى بِأَنَّ الْعِنِّينَ لَا يُؤَجَّلُ يَبْطُلُ قَضَاؤُهُ وَيُؤَجَّلُ وَفِي الصُّغْرَى، وَحُكْمُ الْقَاضِي فِي الْخُلْعِ أَنَّهُ فَسْخٌ كَالْحُكْمِ فِي سَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ فَإِنَّ خُوَاهَرْ زَادَهْ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ فِيهِ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَإِذَا قَضَى بِكَوْنِهِ فَسْخًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ، وَلَوْ قَضَى بِبُطْلَانِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ بِالسَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ يَجُوزُ، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. إذَا رَاجَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَرُفِعَ الْأَمْرُ إلَى قَاضٍ يَرَى رِضَا الْمَرْأَةِ شَرْطًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَبْطَلَ الرَّجْعَةَ هَلْ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَهَلْ يَكُونُ هَذَا الْفَصْلُ مُجْتَهَدًا فِيهِ؟ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ رِضَا الْمَرْأَةِ لَيْسَ ظَاهِرَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كُتُبِهِمْ ذَلِكَ، وَأَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَدَّعُونَ الْإِجْمَاعَ فِي أَنَّ رِضَا الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ وَلَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ لِلنِّكَاحِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُؤَالَاتِهِمْ يَمْنَعُونَ هَذَا الْفَصْلَ وَبِهَذَا لَا يَصِيرُ الْمَحَلُّ مُجْتَهَدًا فِيهِ فَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حُبْلَى أَوْ حَائِضٌ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَضَى قَاضٍ بِبُطْلَانِ طَلَاقِ الْحَامِلِ أَوْ الْحَائِضِ، وَبِبُطْلَانِ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَكَذَا لَوْ قَضَى بِبُطْلَانِ طَلَاقِ مَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَقَضَاؤُهُ بَاطِلٌ وَلَوْ قَضَى بِبُطْلَانِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ، وَلَوْ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَمْضِي قَضَاءُ الْأَوَّلِ ذُكِرَ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ قَضَى بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ نَفَذَ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَذُكِرَ فِي بَابِ دَعْوَى النِّكَاحِ مِنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ الزَّوْجُ الثَّانِي إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَسَاغًا فَهُوَ مَذْهَبُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ خُلْعِ الْأَبِ عَلَى صَغِيرَتِهِ نَفَذَ، وَلَوْ قَضَى بِمُضِيِّ عِدَّةِ مُمْتَدَّةِ الطُّهْرِ بِالْأَشْهُرِ حُكِيَ فِي حَيْضِ مِنْهَاجِ الشَّرِيعَةِ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَمَضَى عَلَيْهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ تَرَ فِيهَا الدَّمَ: يُحْكَمُ بِإِيَاسِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ

стр. 1426

بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مِثْلُ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا مُمْتَدَّةُ الطُّهْرِ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ حَدَّ الْإِيَاسِ وَهُوَ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَلَى الْخَمْسِينَ أَوْ انْقَطَعَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ أَوْ بِسَنَتَيْنِ فِيمَا اخْتَارَهُ جَدِّي شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وَمَضَى عَلَيْهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَقَضَى بِذَلِكَ قَاضٍ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ حِفْظُهُ فَإِنَّهَا كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ وَلَوْ قَضَى بِنِصْفِ الْجِهَازِ لِمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ قَبَضَتْ الْمَرْأَةُ الْمَهْرَ مِنْهُ وَتَجَهَّزَتْ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْجُمْهُورِ، وَلَوْ قَضَى بِالْقُرْعَةِ فِي رَقِيقٍ أَعْتَقَ الْمَيِّتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ نَفَذَ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولَانِ بِالْقُرْعَةِ، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. رَجُلٌ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ أَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَقَضَى الْقَاضِي لِلْآخَرِ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ فَبَاعَ ثُمَّ اخْتَصَمَا إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَى ذَلِكَ ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَالْقَضَاءَ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ حَاكِيًا عَنْ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ قَوْلُ الْخَصَّافِ وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَلَوْلَا قَوْلُ الْخَصَّافِ لَقُلْنَا: إنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. الْقَاضِي إذَا قَضَى فِي مَسْأَلَةِ الْمُخَمَّسَةِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَفِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ رَهْنِ الْمُشَاعِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَكَذَا ذُكِرَ فِي شُرُوطِ أَبِي نَصْرٍ الدَّبُوسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا وَقَعَ الرَّهْنُ مُشَاعًا يَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ حَتَّى يَصِحَّ وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ بَيْعِ الْمَاءِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُبْطِلَهُ، وَإِنْ أَبْطَلَهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ الْإِجَازَةَ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ بَيْعٍ فَسَدَ بِسَبَبِ أَجَلٍ مَجْهُولٍ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ إذَا خُوصِمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَحَلَّ لِلْمُشْتَرِي إمْسَاكُهُ وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَأَمَّا بَيْعُ الْمُكَاتَبِ بِرِضَاهُ فَيَصِحُّ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ قَضَى فِي الْمَأْذُونِ فِي النَّوْعِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا يَنْفُذُ، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ وَمَا يَفْعَلُ الْقُضَاةُ مِنْ التَّفْوِيضِ إلَى شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ فِي فَسْخِ الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ وَبَيْعِ الْمُدَبَّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمُفَوِّضُ يَرَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: لَاحَ لِي اجْتِهَادٌ فِي ذَلِكَ، أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَفْوِيضُهُ وَقِيلَ: يَصِحُّ التَّفْوِيضُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَإِنْ فَوَّضَ إلَى شَافِعِيٍّ لِيَقْضِيَ بِرَأْيِهِ أَوْ لِيَقْضِيَ بِمَا هُوَ حُكْمُ الشَّرْعِ يَنْفُذُ ذَلِكَ التَّفْوِيضُ عِنْدَ الْكُلِّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا قَضَى بِخَلَاصٍ فِي دَارٍ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَأَخَذَ الضَّامِنَ بِدَارٍ مِثْلِهَا ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَبْطَلَهُ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ رَجُلٌ بَاعَ دَارًا لَهُ وَضَمِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الْخَلَاصَ أَوْ ضَمِنَ أَجْنَبِيٌّ لَهُ الْخَلَاصَ وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَقُولَ الضَّامِنُ لِلْمُشْتَرِي: إنْ اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ الْمُشْتَرَاةُ مِنْ يَدِك فَأَنَا ضَامِنٌ لَك اسْتِخْلَاصَ الدَّارِ أَحْتَالُ حَتَّى أَسْتَخْلِصَ لَك الدَّارَ بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ وَأُسَلِّمُهَا إلَيْك، وَإِنْ عَجَزْت عَنْ تَسْلِيمِهِ وَاسْتِخْلَاصِهَا اشْتَرَيْت دَارًا مِثْلَهَا وَأُسَلِّمُهَا إلَيْك فَهَذَا الضَّمَانُ بَاطِلٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ بَعْضِ

стр. 1427

النَّاسِ يَصِحُّ هَذَا الضَّمَانُ، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ ضَمَانِ الْخَلَاصِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْأَقْضِيَةِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَتَفْسِيرُ ضَمَانِ الْخَلَاصِ وَالْعُهْدَةِ وَالدَّرْكِ وَاحِدٌ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَفْسِيرُ ضَمَانِ الْخَلَاصِ مَا ذَكَرْنَا وَتَفْسِيرُ ضَمَانِ الدَّرْكِ مَا قَالَا وَتَفْسِيرُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ ضَمَانُ الصَّكِّ الْقَدِيمِ الَّذِي عِنْدَ الْبَائِعِ، ثُمَّ عِنْدَهُمَا تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذَا كَانَ وَاحِدًا وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ كَانَ هَذَا الضَّمَانُ صَحِيحًا، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الضَّامِنِ فَمَتَى قَضَى قَاضٍ بِصِحَّةِ هَذَا الضَّمَانِ وَأَثْبَتَ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الْخُصُومَةِ مَعَ الْكَفِيلِ يَنْفُذُ هَذَا الْقَضَاءُ فَإِذَا رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يُبْطِلُهُ فَأَمَّا إذَا ضَمِنَ تَسْلِيمَ الدَّارِ إلَى الْمُشْتَرِي فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ فَلَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةَ رَجُلٍ أَوْ ابْنَتَهُ عَفَتْ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَأَبْطَلَ ذَلِكَ قَاضٍ لِمَا أَنَّ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَا عَفْوَ لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الْقِصَاصِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَقَضَى بِالْقَوَدِ لِلرَّجُلِ، فَقَبْلَ أَنْ يُقَادَ الرَّجُلُ رُفِعَ إلَى قَاضٍ يَرَى عَفْوَ النِّسَاءِ صَحِيحًا فَالْقَاضِي يُنْفِذُ ذَلِكَ الْعَفْوَ وَيُبْطِلُ الْقَضَاءَ بِالْقَوَدِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ قَتَلَ نَفَذَ، فَالْقَاضِي الثَّانِي لَا يَتَعَرَّضُ بِشَيْءٍ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ وَصَاحِبُ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ قَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِالْقِصَاصِ عَالِمًا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي الْفَتَاوَى وَالْخُلَاصَةِ وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِ بَيْعِ الْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ يَنْفُذُ. وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةُ زُورٍ أَنَّ أَمَتَهُ ابْنَتُهُ وَقُضِيَ بِذَلِكَ فَإِنَّهَا ابْنَتُهُ فِي الْحُكْمِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مِيرَاثِهَا شَيْئًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ مِيرَاثَهَا وَإِذَا قُضِيَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ نَفَذَ قَضَاؤُهُ، وَإِذَا قَضَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ عَلَى خَطِّ ابْنِهِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَإِذَا قُضِيَ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ عَلَى وَصِيَّةٍ مَخْتُومَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ قُرِئَ عَلَيْهِمْ أَمْضَاهُ الْآخَرُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَضَى بِمَا فِي دِيوَانِهِ وَقَدْ نَسِيَ أَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ شُهُودٍ عَلَى صَكٍّ لَا يَذْكُرُونَ مَا فِيهِ إلَّا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ خُطُوطَهُمْ وَخَاتَمَهُمْ أَمْضَاهُ الْآخَرُ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لِلْأَوَّلِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا فَأَكَلَ سَمَكًا، فَرَافَعَتْ الْمَرْأَةُ إلَى الْقَاضِي فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَى السَّمَكَ لَحْمًا فَإِنَّ الثَّانِيَ يُمْضِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. فَإِذَا قَالَ الْغَرِيمُ لِلطَّالِبِ: إنْ لَمْ أَقْضِكَ مَالَكَ الْيَوْمَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَوَارَى الطَّالِبُ وَخَشِيَ الْغَرِيمُ أَنْ لَا يَظْهَرَ الْيَوْمَ فَيَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَأَخْبَرَ الْقَاضِيَ بِالْقِصَّةِ فَنَصَبَ الْقَاضِي عَنْ الْغَائِبِ وَكِيلًا وَأَمَرَ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الْمَالِ مِنْ الْمَطْلُوبِ حَتَّى يَبْرَأَ بِقَبْضِ الْمَالِ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ آخَرُ فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: لَا يَجُوزُ، كَذَا ذُكِرَ فِي الْأَقْضِيَةِ وَهَذَا قَوْلُهُمْ وَإِنْ خُصَّ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 1428

وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْصِبُ عَنْ الْغَائِبِ وَكِيلًا وَيَقْبِضُ مَا عَلَى الْمَطْلُوبِ فَلَا يَحْنَثُ قَالَ النَّاطِفِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. وَإِذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَرَادَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَضَعُ عَلَى رُءُوسِهِمْ الْجِزْيَةَ وَعَلَى أَرَاضِيِهِمْ الْخَرَاجَ، وَلَا يُزَادُ عَلَى وَظِيفَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأَرَاضِيِ بِزِيَادَةِ الطَّاقَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ بِنُقْصَانِ الطَّاقَةِ، وَبَعْدَمَا نَقَصَ عَنْ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ إذَا صَارَتْ الْأَرَاضِي بِحَالٍ تُطِيقُ تِلْكَ الْوَظِيفَةَ يُعَادُ إلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ وُظِّفَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ مِثْلَ وَظِيفَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى تِلْكَ الْوَظِيفَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرَاضِي تُطِيقُ الزِّيَادَة بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى وَظِيفَةٍ أُخْرَى بِأَنْ كَانَتْ الْوَظِيفَةُ الْأُولَى دَرَاهِمَ فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى الْمُقَاسَمَةِ أَوْ كَانَتْ الْوَظِيفَةُ الْأُولَى مُقَاسَمَةً فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى الدَّرَاهِمِ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْوَظِيفَةَ أَوْ حَوَّلَهُمْ إلَى وَظِيفَةٍ أُخْرَى وَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنْ رَأْيِهِ ذَلِكَ ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ وَالٍ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَنَعَ مَا صَنَعَ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ أَمْضَى الثَّانِي مَا فَعَلَهُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ صَنَعَ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ فُتِحَتْ الْأَرَاضِيُ عَنْوَةً ثُمَّ مَنَّ الْإِمَامُ بِهَا عَلَيْهِمْ أَمْضَى الثَّانِي مَا فَعَلَهُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ فُتِحَتْ الْأَرَاضِي بِالصُّلْحِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ فَحَوَّلَهُمْ الْإِمَامُ إلَى وَظِيفَةٍ أُخْرَى أَوْ زَادَ عَلَى تِلْكَ الْوَظِيفَةِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ فَالثَّانِي يَنْقُضُ فِعْلَ الْأَوَّلِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. [الْبَابُ الْعِشْرُونَ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يَجُوزُ] (الْبَابُ الْعِشْرُونَ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يَجُوزُ) يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَصْلُحُ قَاضِيًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لِنَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا قَضَى لِنَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يَنْفُذُ بِإِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ وَإِذَا قَضَى لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ يَنْفُذُ بِإِمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ، وَإِذَا قَضَى لِغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ قَاضِيًا بِيَقِينٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَإِنْ أَمْضَاهُ قَاضٍ آخَرُ وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاحِهِ اخْتِلَافٌ فَإِذَا أَمْضَاهُ قَاضٍ آخَرُ نَفَذَ قَضَاؤُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي أَنَّهُ قَضَى لِغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ قَضَى لِغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ، قَالَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ: وَإِذَا وَكَّلَ الْقَاضِي رَجُلًا بِبَيْعِ دَارٍ لَهُ أَوْ إجَارَتِهَا أَوْ بِالْخُصُومَةِ لَهُ فِي كُلِّ حَقٍّ يَطْلُبُهُ قِبَلَ رَجُلٍ أَوْ يَطْلُبُ حَقًّا قِبَلَهُ رَجُلٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لِوَكِيلِهِ وَلَا لِوَكِيلِ وَكِيلِهِ وَكَذَا لَا يَقْضِي لِوَكِيلِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا وَلَا لِوَكِيلِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لِعَبْدِهِ وَلَا لِمُكَاتَبِهِ وَلَا لِعَبْدٍ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ وَلَا لِمُكَاتَبِهِمْ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ لِشَرِيكِهِ شَرِكَةَ

стр. 1429

مُفَاوَضَةٍ أَوْ شَرِكَةَ عِنَانٍ إذَا كَانَتْ الْخُصُومَةُ فِي مَالِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاضِي لَهُ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ لَهُ كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودَيْنِ وَالزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ عِنْدَنَا، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَأَوْصَى لِلْقَاضِي بِثُلُثِ مَالِهِ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ لِلْمَيِّتِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَاضِي أَحَدَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ لَا يَقْضِي لِلْمَيِّتِ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ ابْنَ الْقَاضِي أَوْ امْرَأَتَهُ أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ أَوْ كَانَ عَبْدَ هَؤُلَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَاضِي وَكِيلَ الْوَصِيِّ فِي مِيرَاثِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَقَعُ لَهُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْقَاضِي عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِلْمَيِّتِ بِشَيْءٍ، وَإِذَا وَكَّلَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عَبْدَ الْقَاضِي أَوْ مُكَاتَبَهُ أَوْ بَعْضَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ لِلْوَكِيلِ عَلَى خَصْمِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَقَعُ لِلْوَكِيلِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ فَاسْتَقْضَى الْوَكِيلُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَقَعُ لِلْوَكِيلِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ وَكِيلًا مِنْ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَقَامَ بِحُكْمِ الْقَضَاءِ كَانَ هَذَا قَضَاءً لِلْغَائِبِ وَإِنْ أَقَامَ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ فَهَذَا وَكِيلٌ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ الْمُوَكِّلُ: مَا صَنَعْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ قَالَ لَهُ: مَا صَنَعْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ فَوَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ؛ جَازَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ لِهَذَا الْوَكِيلِ. قَالَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ بَعْضُهَا عَلَى الْقَاضِي وَبَعْضُهَا عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ نَحْوُ امْرَأَتِهِ وَابْنِهِ فَادَّعَى رَجُلٌ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيْهِ فَاعْلَمْ أَنَّ هُنَا ثَلَاثَ مَسَائِلَ (إحْدَاهَا هَذِهِ) وَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِوِصَايَتِهِ صَحَّ قَضَاؤُهُ اسْتِحْسَانًا حَتَّى لَوْ قَضَى بَعْضُ مَنْ سَمَّيْنَا الدَّيْنَ إلَى هَذَا الْوَصِيِّ يَبْرَأُ وَلَوْ رُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ الْآخَرَ يُمْضِهِ وَلَا يَنْقُضُهُ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِالْوِصَايَةِ حَتَّى قَضَى هُوَ أَوْ بَعْضُ مَنْ سَمَّيْنَا الدَّيْنَ ثُمَّ قَضَى لَهُ بِوِصَايَتِهِ لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ حَتَّى كَانَ لِلْوَرَثَةِ مُطَالَبَتُهُ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ رُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَبْطَلَهُ ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَّى فِي الْفَصْلِ الثَّانِي بَيْنَ الْقَاضِي وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَابْنِهِ وَقَالَ: إذَا رُفِعَ قَضَاؤُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَبْطَلَهُ، وَلَوْ أَمْضَاهُ كَانَ بَاطِلًا. بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي امْرَأَتِهِ وَابْنِهِ بِخِلَافِ الْجَوَابِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَابِ فِي حَقِّ ابْنِهِ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَابِ فِي حَقِّ امْرَأَتِهِ فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ أَصْلًا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لِامْرَأَتِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ، وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ الْإِيصَاءَ حَتَّى جَعَلَ لَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا ثُمَّ إنَّ الْقَاضِيَ أَوْ بَعْضَ مَنْ سَمَّيْنَا دَفَعَ الدَّيْنَ إلَيْهِ يَجُوزُ الْإِيصَاءُ وَالنَّصْبُ وَيَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ وَبِمِثْلِهِ لَوْ قَضَى الدَّيْنَ إلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ نَصَبَ وَصِيًّا عَنْ الْمَيِّتِ بِرَأْيِهِ لَا يَصِحُّ النَّصْبُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَسْأَلَةُ دَعْوَى النَّسَبِ إذَا كَانَ مَكَانُ دَعْوَى الْوِصَايَةِ دَعْوَى النَّسَبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَوَارِثُهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَقَضَى الْقَاضِي بِنَسَبِهِ

стр. 1430

إنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِنَسَبِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ إلَيْهِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ يَنْفُذُ. (وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا كَانَ مَكَانَ دَعْوَى الْوِصَايَةِ وَالنَّسَبِ دَعْوَى الْوَكَالَةِ بِأَنْ غَابَ رَبُّ الدَّيْنِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْقَاضِي أَوْ عَلَى مَنْ سَمِينًا مِنْ قَرَابَتِهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِوَكَالَتِهِ لَا يَجُوزُ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَضَاءُ قَبْلَ دَفْعِ الدَّيْنِ إلَيْهِ أَوْ بَعْدَ دَفْعِ الدَّيْنِ إلَيْهِ، فَإِنْ رُفِعَ قَضَاؤُهُ بِالْوَكَالَةِ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْوَكَالَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ يَرُدُّهُ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ أَمْضَاهُ لَا يَجُوزُ إمْضَاؤُهُ. وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْوَكَالَةِ مِنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ إلَيْهِ فَأَمْضَاهُ الثَّانِي جَازَ إمْضَاؤُهُ. وَإِذَا نَصَبَ الْقَاضِي مُسَخَّرًا عَنْ غَائِبٍ لَا يَجُوزُ وَلَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ، وَتَفْسِيرُ الْمُسَخَّرِ أَنْ يَنْصِبَ الْقَاضِي وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبِ لِيُسْمِعَ الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْضَرَ رَجُلٌ غَيْرَهُ عِنْدَ الْقَاضِي لِيُسْمِعَ الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ وَالْقَاضِي يَعْلَمُ أَنَّ الْمُحْضَرَ لَيْسَ بِخَصْمٍ فَالْقَاضِي لَا يُسْمِعُ الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَهَادَاتِ الْجَامِعِ رَجُلٌ غَابَ فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ ذَكَرَ أَنَّهُ غَرِيمُ الْغَائِبِ وَأَنَّ الْغَائِبَ وَكَّلَهُ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ عَلَى غُرَمَائِهِ بِالْكُوفَةِ وَبِالْخُصُومَةِ فِيهِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ وَكَالَتَهُ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى وَكَالَتِهِ قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْوَكَالَةِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُسَخَّرِ فَإِنَّهُ قَالَ: ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ذَكَرَ أَنَّهُ غَرِيمُ الْغَائِبِ. وَلَمْ يَقُلْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ هُوَ غَرِيمُ الْغَائِبِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ: إنَّمَا تَجُوزُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُسَخَّرِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي أَنَّهُ مُسَخَّرٌ، أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَجَلِّ بُرْهَانِ الْأَئِمَّةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي الْحَاصِلِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَفِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ لَيْسَ بِمُخْتَلَفٍ. وَإِلَى هَذَا مَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ: يُفْتَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَالنَّفَاذِ كَيْ لَا يَتَطَرَّقُوا إلَى هَدْمِ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ عَلَى الْمُسَخَّرِ وَأَمْضَاهُ قَاضٍ آخَرُ صَحَّ الْإِمْضَاءُ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ إبْطَالُهُ. إذَا قَضَى الْقَاضِي بِعَيْنٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَالْمَقْضِيُّ بِهِ لَيْسَ فِي وِلَايَتِهِ صَحَّ الْقَضَاءُ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ. صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ بُخَارِيٌّ ادَّعَى دَارًا عَلَى سَمَرْقَنْدِيٍّ عِنْدَ قَاضِي بُخَارَى أَنَّ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْهِ بِسَمَرْقَنْدَ فِي مَحَلِّهِ كَذَا إلَى آخِرِهِ مِلْكِي وَحَقِّي وَفِي يَدَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي وَيَصِحُّ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ وَالْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ حَاضِرَانِ إلَّا أَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَيْسَتْ فِي وِلَايَتِهِ فَيَكْتُبُ إلَى قَاضِي سَمَرْقَنْدَ لِأَجْلِ التَّسْلِيمِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. إذَا خَافَ صَاحِبُ الدَّيْنِ غَيْبَةَ الشُّهُودِ أَوْ مَوْتَهُمْ وَأَرَادَ إثْبَاتَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُوَكِّلُ غَيْرَهُ بِإِثْبَاتِ حُقُوقِهِ عَلَى النَّاسِ وَجَعَلَ مَا يُرِيدُ إثْبَاتَهُ عَلَى الْغَائِبِ

стр. 1431

مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ بَيْعٍ شَرْطًا لِلْوَكَالَةِ بِأَنْ يَقُولَ: إنْ كَانَ فُلَانٌ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ فُلَانٍ أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَأَنْتَ وَكِيلِي فِي إثْبَاتِ حُقُوقِي عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ قَدْ بَاعَ عَبْدَهُ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَصِرْت وَكِيلًا فِي إثْبَاتِ حُقُوقِ مُوَكِّلِي وَإِنْ كَانَ لِمُوَكِّلِي هَذَا عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَيَقُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بَلَى إنَّ فُلَانًا وَكَّلَك عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ الشَّرْطَ قَدْ وُجِدَ فَيُقِيمُ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الشَّرْطِ فَيَقْضِي الْقَاضِي بِالشَّرْطِ إلَّا أَنَّ هَذَا فَصْلٌ يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْإِنْسَانَ هَلْ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَلَى الْغَائِبِ فِي إثْبَاتِ شَرْطِ حَقِّهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْتَصِبُ إذَا كَانَ شَرْطًا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْغَيْرُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَامِعِ وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَرَادَ إثْبَاتَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ: كَفَلْت لَك بِكُلِّ مَالِكَ عَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ يُحْضِرُ الْكَفِيلَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَيَقُولُ: إنَّ لِي عَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَفِيلٌ بِجَمِيعِ مَالِي عَلَى فُلَانٍ، وَلِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَبْلَ كَفَالَةِ هَذَا الرَّجُلِ فَيُقِرُّ الْكَفِيلُ بِالْكَفَالَةِ وَيُنْكِرُ الْمَالَ عَلَى الْغَائِبِ صَحَّ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: كَفَلْتُ لَكَ بِكُلِّ مَالِكَ عَلَى فُلَانٍ، لَا يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ بِالْمَالِ فَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكَفَالَةِ يَقْبَلُ بَيِّنَتَهُ وَيَقْضِي لَهُ بِالْكَفَالَةِ وَالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَى الْغَائِبِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِحَقِّهِ فِي الْحَاضِرِ فَيَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فَيَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ الدَّيْنَ لَا يَلْتَفِتُ إلَى إنْكَارِهِ وَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْمُسَخَّرِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ فِيمَا ادَّعَى عَلَى الْكَفِيلِ صَادِقٌ ثُمَّ يُبَرِّئُ الْمُدَّعِي الْكَفِيلَ عَنْ الْمَالِ وَالْكَفَالَةِ وَيَبْقَى الْمَالُ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا دَعْوَى الْكَفَالَةِ عَنْ الْغَائِبِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَفَلَ لِي عَنْ الْغَائِبِ بِالْأَلْفِ الَّتِي لِي عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فَهَذِهِ وَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَفَلَ لِي عَنْهُ بِالْأَلْفِ الَّتِي عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ بِأَمْرِهِ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْأَلْفِ عَلَى الْحَاضِرِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَخْذِ الْقِصَّةِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَأْخُذُ وَلَا يَقْرَأُ فِي أَيِّ حَالٍ كَانَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَأْخُذُ إذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي دَارِهِ أَوْ فِي فِنَاءِ دَارِهِ فَيَأْخُذُ وَيَقْرَأُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، فَإِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَأْخُذُونَ الْقِصَّةَ وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْخُلَفَاءِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْخَصْمُ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْرِفُ لِسَانَ الْقَاضِي وَلَا الْقَاضِي لِسَانَهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ لِيَكْتُبَهُ وَيَدْفَعَهُ إلَى الْقَاضِي فَتَصِيرُ الْحَادِثَةُ مَعْلُومَةً لِلْقَاضِي وَإِذَا أَخَذَ الْقِصَّةَ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: أَهَذِهِ قِصَّتُك؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، يَقُولُ: أَأَنْت كَتَبْته؟ فَإِنْ

стр. 1432

قَالَ: نَعَمْ، يَقُولُ: أَهُوَ كَمَا فِيهِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، يَقْرَأُ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ إقْرَارٌ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ إلَّا إذَا أَعْلَمَهُ الْقَاضِي مَا فِيهِ فَإِنْ أَعْلَمَهُ وَاعْتَرَفَ بِهِ يَقْضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ. وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إذَا وَكَّلَ فَالْقَاضِي إنْ اتَّهَمَهُ بِالتَّلْبِيسِ وَالتَّدْلِيسِ وَالتَّغَلُّبِ عَلَى خَصْمِهِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ الْوَكَالَةَ، وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ عَاجِزٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْبَيَانِ بِنَفْسِهِ يَقْبَلُ، وَكَذَا هَذَا، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. سُئِلَ الْقَاضِي الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيُّ عَنْ الْقَاضِي إذَا سَمِعَ الدَّعْوَى وَسَمِعَ النَّائِبُ الشَّهَادَةَ لَهُ هَلْ يَقْضِي النَّائِبُ بِالشَّهَادَةِ بِدُونِ إعَادَةِ الدَّعْوَى؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَأْمُرَ الْقَاضِي بِالْحُكْمِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ. وَسُئِلَ عَنْ الْقَاضِي إذَا سَمِعَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةَ وَلَمْ يَحْكُمْ وَأَمَرَ نَائِبَهُ بِالْحُكْمِ وَهُوَ مَأْذُونٌ بِالِاسْتِخْلَافِ بِحُكْمِ الْمِثَالِ الصَّحِيحِ هَلْ يَصِحُّ هَذَا الْأَمْرُ؟ وَإِذَا حَكَمَ النَّائِبُ هَلْ يَصِحُّ حُكْمُهُ: قَالَ: نَعَمْ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَفِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ وَفِي أَبْوَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّ قَاضِيَ بَلْدَةٍ حَكَمَ بِمَالٍ عَلَى رَجُلٍ وَسَجَّلَ ثُمَّ مَاتَ الْقَاضِي فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْقَاضِيَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ الَّذِي فِي هَذَا السِّجِلِّ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى أَدَاءِ الْمَالِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَقَعَ صَحِيحًا وَلَوْ قَالَتْ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي الثَّانِي: إنَّ قَاضِيًا مِنْ الْقُضَاةِ أَشْهَدَنَا عَلَى قَضَائِهِ بِالْمَالِ عَلَيْهِ لِهَذَا فَالْقَاضِي الثَّانِي لَا يُجْبِرُهُ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَفَاعِيلِ إذَا شَهِدُوا عَلَى فِعْلٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ الْفَاعِلِ وَنَسَبَهُ لَا يَقْبَلُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. [الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ] (الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) لَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ الشُّهُودِ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْعَنَ الْخَصْمُ فِيهِمْ وَقَالَا: يَسْأَلُ، وَإِنْ لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ فِيهِمْ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا وَهَذَا فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَمَّا فِيهِمَا فَالْقَاضِي يَسْأَلُ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ طَعْنِ الْخَصْمِ فِيهِمْ بِالْإِجْمَاعِ إذَا طَعَنَ الْخَصْمُ فِي الشُّهُودِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ. لَوْ أَنَّ الْخَصْمَ عَدَّلَ الشُّهُودَ بَعْدَمَا شَهِدُوا عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ، إنْ قَالَ: هُمْ عُدُولٌ صَدَقُوا فِيمَا شَهِدُوا بِهِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ عَلَيَّ، أَوْ قَالَ: هُمْ عُدُولٌ جَائِزَةٌ شَهَادَتُهُمْ عَلَيَّ، أَوْ قَالَ: شَهِدُوا عَلَيَّ، أَوْ قَالَ: الَّذِي شَهِدُوا بِهِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ حَقٌّ. فَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ الْقَاضِي يَقْضِي عَلَيْهِ بِمَا شَهِدُوا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْمَالِ وَيَكُونُ الْقَضَاءُ بِالْإِقْرَارِ لَا بِالشَّهَادَةِ. وَإِنْ قَالَ: هُمْ عُدُولٌ إلَّا أَنَّهُمْ أَخْطِئُوا أَوْ قَالَ هُمْ عُدُولٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَدْلًا مِنْ أَهْل التَّعْدِيلِ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْمُزَكِّي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ فِي الْمُزَكِّي لَيْسَ بِشَرْطٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ

стр. 1433

- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا لَمْ يَسْأَلْ الْقَاضِي عَنْ الْمُزَكِّي لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا لَا يَصِحُّ تَعْدِيلُهُ وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي وَلَا يَجْعَلُ قَوْلَ الْخَصْمِ هُمْ عُدُولٌ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَقِّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ تَعْدِيلُهُ إذَا كَانَ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا يَسْأَلُهُ الْقَاضِي أَصَدَقَ الشُّهُودُ أَمْ كَذَبُوا؟ فَإِنْ قَالَ: صَدَقُوا؛ كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا فَيَقْضِي الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ قَالَ: كَذَبُوا؛ لَا يَقْضِي. الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ إذَا عَدَّلَ الشُّهُودَ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: هُمْ عُدُولٌ فَلَمَّا شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنْكَرَ مَا شَهِدُوا بِهِ فَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدُوا: هُمْ عُدُولٌ، لَا يُبْطِلُ حَقَّهُ فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: كَانَ عَدْلًا قَبْلَ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّهُ تَبَدَّلَ حَالُهُ. رَجُلٌ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِحَقٍّ فَعَدَلَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: هُوَ عَدْلٌ إلَّا أَنَّهُ غَلِطَ أَوْ أَوْهَمَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ عَنْ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، فَإِنْ عَدَلَ الشَّاهِدُ الثَّانِي قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: غَلِطَ أَوْ أَوْهَمَ لَيْسَ بِجَرْحٍ فَإِذَا عُدِّلَ الشَّاهِدُ الثَّانِي ثَبَتَ عَدَالَتُهُمَا فَجَازَ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ: الَّذِي شَهِدَ بِهِ فُلَانٌ عَلَيَّ حَقٌّ، أَوْ قَالَ: الَّذِي شَهِدَ بِهِ فُلَانٌ عَلَيَّ هُوَ الْحَقُّ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَيْهِ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ الشَّاهِدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْحَقِّ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْضِي بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ: الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ فُلَانٌ عَلَيَّ حَقٌّ أَوْ قَالَ: الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ فُلَانٌ هَذَا عَلَيَّ هُوَ الْحَقُّ، فَلَمَّا شَهِدَا عَلَيْهِ قَالَ لِلْقَاضِي: سَلْ عَنْهُمَا فَإِنَّهُمَا شَهِدَا عَلَيَّ بِبَاطِلٍ وَمَا كُنْتُ أَظُنُّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَيَّ بِمَا شَهِدَا بِهِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَيَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْهُمَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنْ عُدِّلَا قَضَى بِشَهَادَتِهِمَا وَإِنْ لَمْ يُعَدِّلَا لَا يَقْضِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ فُلَانُ عَلَيَّ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ إقْرَارٌ بَعْدَ الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَعْلِيقِ الْإِقْرَارِ بِالشَّرْطِ وَالْإِقْرَارِ، وَلَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ فَإِذَا لَمْ يَصِرْ إقْرَارًا لَمْ يُوجَدْ التَّعْدِيلُ فَإِذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمَا سَأَلَ وَلَا يَقْضِي قَبْلَ السُّؤَالِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. التَّزْكِيَةُ نَوْعَانِ: تَزْكِيَةُ السِّرِّ وَتَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ، فَتَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ: أَنْ يَحْضُرَ الْمُعَدِّلُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي عَنْ الشُّهُودِ بِحَضْرَتِهِمْ فَيُزَكِّيهِمْ وَيَقُولُ بِحَضْرَتِهِمْ: هَؤُلَاءِ عُدُولٌ. وَالتَّزْكِيَةُ فِي السِّرِّ أَنْ يَسْأَلَ الْقَاضِي الْمُعَدِّلَ عَنْ الشَّاهِدِ فِي السِّرِّ فَيُعَدِّلَهُ أَوْ يَجْرَحَهُ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي: هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عَدْلٌ غَيْرُ جَائِزِ الشَّهَادَةِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ قَوْلُهُ: هُوَ عَدْلٌ فِيمَا أَعْلَمُ لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا وَقَوْلُهُ: فِي عِلْمِي أَوْ أَعْلَمُهُ عَدْلًا، يَصِحُّ قَالَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: وَإِذَا قَالَ الْمُزَكِّي: هُمْ عُدُولٌ، فَهَذَا لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: هُمْ ثِقَاتٌ، فَالْقَاضِي لَا يَكْتَفِي بِهِ فَقَدْ يُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى الْمَسْتُورِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: إنَّهُ تَعْدِيلٌ وَلَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا فَقَدْ ذُكِرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّهُ تَعْدِيلٌ وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمِنْ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ

стр. 1434

تَعَالَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تَعْدِيلٌ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُزَكِّيَ إذَا كَانَ عَالِمًا بَصِيرًا يَكْتَفِي بِهِ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ لَا يَكْتَفِي بِهِ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَصْلَةً مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ لَا يَكُونُ هَذَا تَعْدِيلًا، وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَدْلٌ فِيمَا عَلِمْنَا، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ تَعْدِيلٌ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَدْلٌ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَهَذَا لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ، وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، لَا يَكُونُ تَعْدِيلًا بَلْ يَكُونُ جَرْحًا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَتَعْدِيلُ السِّرِّ أَنْ يَكْتُبَ الْقَاضِي فِي الرُّقْعَةِ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَأَنْسَابَهُمْ وَحِلَاهُمْ وَقَبَائِلَهُمْ وَمَحَالَّهُمْ وَسُوقَهُمْ إنْ كَانُوا مِنْ السُّوقِيَّةِ فَيَدْفَعُ إلَى الْمُزَكِّي فِي السِّرِّ فَيَسْأَلُ أَهْلَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ مِنْ جِيرَانِهِمْ، وَأَمَّا الْعَلَانِيَةُ فَيَأْمُرُ الْقَاضِي الطَّالِبَ فَيَأْتِي بِقَوْمٍ يُزَكِّيهِمْ فِي الْعَلَانِيَةِ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَيُشْتَرَطُ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ مِمَّنْ هُوَ لَيْسَ بِأَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَلَا بُدَّ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُزَكِّي وَالشَّاهِدِ وَيَكْتَفِي بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ الْعَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ أَوْثَقَ النَّاسِ وَأَوْرَعَهُمْ وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً وَأَكْثَرَهُمْ بِالنَّاسِ خِبْرَةً وَأَعْلَمَهُمْ بِالتَّمْيِيزِ غَيْرَ مَعْرُوفِينَ بَيْنَ النَّاسِ كَيْ لَا يُقْصَدُوا بِسُوءٍ أَوْ يُخْدَعُوا. وَيَنْبَغِي لِلْمُزَكِّي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ وَيَتَعَرَّفَهَا مِنْ جِيرَانِهِمْ وَأَهْلِ سُوقِهِمْ، فَإِنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَهُ كَتَبَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الرُّقْعَةِ هُوَ عَدْلٌ عِنْدِي جَائِزُ الشَّهَادَةِ وَإِلَّا كَتَبَ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ وَخَتَمَ الرُّقْعَةَ وَرَدَّهَا فَيَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: زِدْ فِي شُهُودِك، وَلَا يَقُولُ: جُرِحُوا، أَوْ يَقُولُ: لَمْ تُحْمَدْ شُهُودُك عِنْدِي؛ لِأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى السَّتْرِ وَالسَّتْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ لَوْ جَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ تَزْكِيَةِ السِّرِّ وَتَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ فَذَلِكَ أَحْسَنُ وَتَفْسِيرُ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُزَكِّيَ إذَا عَدَّلَ الشُّهُودَ فِي السِّرِّ فَالْقَاضِي يَجْمَعُ بَيْنَ الشُّهُودِ وَالْمُزَكِّي فِي مَجْلِسِهِ، وَيَقُولُ لِلْمُزَكِّي: أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَكَّيْتَهُمْ؟ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُعَدِّلُ فِي الْعَلَانِيَةِ هُوَ الْمُعَدِّلُ فِي السِّرِّ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. إذَا احْتَاطَ الْقَاضِي وَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَعَ الثَّانِي كَمَا فَعَلَ مَعَ الْأَوَّلِ وَلَا يُعْلِمُهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَالِهِمْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ جَرَّحَهُ الْأَوَّلُ وَقَدْ عَدَّلَهُ الثَّانِي تَعَارَضَا وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا، فَإِنْ عَدَّلَهُ الثَّالِثُ فَالْعَدَالَةُ أَوْلَى وَإِنْ جَرَّحَهُ الثَّالِثُ صَارَ الْجَرْحُ أَوْلَى، وَالتَّعْرِيفُ كَالتَّعْدِيلِ وَيَصِحُّ كِلَاهُمَا مِنْ الْمَرْأَةِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. تَعْدِيلُ الْعَلَانِيَةِ لَا يَصِحُّ لِمَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَصِحُّ تَعْدِيلُ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَلَا تَعْدِيلُ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودَيْنِ، وَيَصِحُّ تَعْدِيلُ السِّرِّ مِنْ هَؤُلَاءِ وَيُشْتَرَطُ لِتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِلشَّهَادَةِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَالشُّهُودُ الْكُفَّارُ يُعَدِّلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ الْمُسْلِمُونَ سَأَلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ عُدُولِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ يَسْأَلُ أُولَئِكَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الشُّهُودِ وَتَزْكِيَةُ الْمُدَّعِي لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَلَوْ شَهِدَ جَمَاعَةٌ عَلَى التَّزْكِيَةِ وَاثْنَانِ عَلَى

стр. 1435

الْجَرْحِ فَالْجَرْحُ أَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ تَعَصُّبٌ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ جَرْحُهُمْ. وَلَوْ عَرَفَ فِسْقَ الشَّاهِدِ فَغَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ قَدِمَ وَلَا يَدْرِي مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحَ لَا يَنْبَغِي لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُجَرِّحَهُ وَالشَّاهِدَانِ لَوْ عُدِّلَا بَعْدَمَا مَاتَا فَالْقَاضِي يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا، وَكَذَا لَوْ غَابَا ثُمَّ عُدِّلَا وَلَوْ خَرِسَا أَوْ عَمِيَا ثُمَّ عُدِّلَا لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْمُعَدِّلُ فَقِيرًا وَلَا طَمَّاعًا حَتَّى لَا يُخْدَعَ بِالْمَالِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا يَعْرِفُ أَسْبَابَ الْجَرْحِ وَأَسْبَابَ التَّعْدِيلِ، وَإِنْ وَجَدَ عَالِمًا فَقِيرًا وَغَنِيًّا غَيْرَ عَالِمٍ يَخْتَارُ الْعَالِمَ، وَإِنْ وَجَدَ عَالِمًا ثِقَةً لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَوَجَدَ ثِقَةً غَيْرَ عَالِمٍ يُخَالِطُ النَّاسَ يَخْتَارُ الْعَالِمَ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ لَا يَقْدَمُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَهُوَ بِعِلْمِهِ يَقْدِرُ عَلَى الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَغَيْرُ الْعَالِمِ لَا يَعْرِفُ الْعَدْلَ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فَكَانَ الْعَالِمُ أَوْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْمُزَكِّي مُغَفَّلًا وَلَا مُنْزَوِيًا لَا يُخَالِطُ النَّاسَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُغَفَّلًا أَوْ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ لَا يَعْرِفُ مُعَامَلَتَهُمْ وَلَا يَنْكَشِفُ لَهُ حَالُهُمْ وَلَا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ الْعَدْلِ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَالْعَدَدُ فِي الْمُزَكَّى وَرَسُولِ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكَّى وَفِي الْمُتَرْجِمِ عَنْ الْأَعْجَمِيِّ وَعَنْ الشَّاهِدِ أَوْ الْخَصْمِ الْأَعْجَمِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْعَدَدُ شَرْطٌ وَالْوَاحِدُ لَا يَكْفِي وَيَكْفِيهِ الِاثْنَانِ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ حَقًّا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْعَدَدِ مِنْ سَائِرِ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ سِوَى التَّلَفُّظِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْبُلُوغِ وَالْبَصَرِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ شَرْطٌ وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْإِسْلَامُ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ ثُمَّ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ فَأَمَّا فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ فَالْعَدَدُ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ. التُّرْجُمَانُ إذَا كَانَ أَعْمَى ذُكِرَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَجُوزُ تَرْجَمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَى جَرْحٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ تَجُوزُ تَرْجَمَتُهُ وَالْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ إذَا كَانَتْ حُرَّةً ثِقَةً جَازَتْ تَرْجَمَتُهَا عِنْدَهُمَا كَالرَّجُلِ وَهَذَا فِي الْأَمْوَالِ وَمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهَا فِيهِ وَأَمَّا فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهَا فِيهِ فَلَا يَجُوزُ تَرْجَمَتُهَا قَالَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: إذَا أَرَادَ الْمُزَكَّى أَنْ يُعَدِّلَ الشُّهُودَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: إنَّهُمْ عُدُولٌ ثِقَاتٌ جَائِزُو الشَّهَادَةِ. قَالَ: هَذَا هُوَ أَبْلَغُ الْأَلْفَاظِ فِي التَّعْدِيلِ وَيَنْبَغِي لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يَخْتَارَ السُّؤَالَ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي شَرَطْنَا فِي الْمُزَكَّى قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: إنَّهُ يَسْأَلُ مِنْ جِيرَانِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَا يَتَحَامَلُ هُوَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي لَا تَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، نَحْوُ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْجِبَايَةَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ رَفِيقَ الشَّاهِدِ وَقَرِيبَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي جِيرَانِهِ وَأَهْلِ سُوقِهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلتَّعْدِيلِ يَسْأَلُ

стр. 1436

أَهْلَ مَحَلَّتِهِ. وَإِنْ وَجَدَ كُلَّهُمْ غَيْرَ ثِقَاتٍ يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ تَوَاتُرَ الْأَخْبَارِ، وَكَذَلِكَ إذَا سَأَلَ مِنْ غَيْرِ جِيرَانِهِ وَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ وَهُمْ غَيْرُ ثِقَاتٍ فَاتَّفَقُوا عَلَى تَعْدِيلِهِ أَوْ جَرْحِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُمْ صَدُقَةٌ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ، وَإِنْ أَخْبَرَ بَعْضُهُمْ بِعَدَالَتِهِ وَبَعْضُهُمْ بِجَرْحِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي اخْتِلَافِ الْمُزَكَّى فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ غَرِيبًا لَا يُعْرَفُ إذَا سُئِلَ عَنْهُ فِي السِّرِّ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الشَّاهِدَ عَنْ مَعَارِفِهِ فَإِذَا سَمَّاهُمْ سَأَلَ عَنْ مَعَارِفِهِ فِي السِّرِّ حَتَّى يَظْهَرَ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ هَلْ يَصْلُحُونَ لِلتَّعْرِيفِ؟ فَإِذَا عُدِّلُوا سَأَلَهُمْ عَنْ الشَّاهِدِ وَاعْتَمَدَ عَلَى خَبَرِهِمْ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَإِلَّا تَوَقَّفَ فِيهِ وَسَأَلَ عَنْ الْمُعَدِّلِ الَّذِي فِي بَلْدَتِهِ إنْ كَانَ فِي وِلَايَةِ هَذَا الْقَاضِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ إلَى قَاضِي وِلَايَتِهِ يَتَعَرَّفُ عَنْ حَالِهِ، قَالَ هِشَامٌ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى رَأْسِ خَمْسِينَ فَرْسَخًا، فَبَعَثَ الْقَاضِي أَمِينًا عَلَى جُعْلٍ فَسَأَلَ الْمُعَدِّلَ عَنْ الشَّاهِدِ فَالْجُعْلُ عَلَى مَنْ قَالَ: عَلَى الْمُدَّعِي، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشَّاهِدِ رَجُلًا لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ مَالٌ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مُفْلِسًا فَلَّسَهُ الْقَاضِي أَوْ مَيِّتًا أَقَامَ وَصِيُّهُ عَلَى غَيْرِهِ بَيِّنَةً، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّاهِدُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ مَالٌ وَإِنَّهُ مُفْلِسٌ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفْلِسًا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَيَصِحُّ تَعْدِيلُهُ لِلشُّهُودِ لِانْعِدَامِ هَذِهِ التُّهْمَةِ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ غَرِيبًا نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ، وَشَهِدَ هَذَا الْغَرِيبُ عِنْدَ الْقَاضِي فِي حَادِثَةٍ فَسَأَلَهُمْ الْقَاضِي أَوْ الْمُعَدِّلُ عَنْ حَالِهِ وَقَدْ عَرَفُوهُ بِالصَّلَاحِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يُسْقِطُ عَدَالَتَهُ هَلْ يَسَعُهُمْ أَنْ يُعَدِّلُوهُ؟ كَانَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا يَقُولُ: إنْ مَكَثَ بَيْنَهُمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحَ وَسِعَهُمْ أَنْ يُعَدِّلُوهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُعَدِّلُوهُ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: إذَا مَكَثَ بَيْنَهُمْ سَنَةً وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحَ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُعَدِّلُوهُ وَمَا لَا فَلَا وَفِي الصُّغْرَى وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ صَلَاحُهُ. وَرَوَى إبْرَاهِيمُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَقَّتَ فِي التَّزْكِيَةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَهَذَا عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ رُبَّمَا يَعْرِفُ رَجُلٌ الرَّجُلَ فِي شَهْرَيْنِ، وَآخَرُ لَا يُعْرَفُ فِي سَنَةٍ وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَلِكَ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا أُوَقِّتُ فِيهِ وَقْتًا، وَهُوَ عَلَى مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا بَلَغَ وَشَهِدَ بِشَهَادَةٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ هَذَا الْغَرِيبِ الَّذِي نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ لَا يُعَدِّلُونَهُ حَتَّى يَظْهَرَ عِنْدَهُمْ صَلَاحُهُ وَعَدَالَتُهُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا حَالُهُ عِنْدَهُمْ مُقَدَّرَةٌ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا بَيَّنَّا وَلَا تُقَدَّرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلْ هِيَ عَلَى مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَ ثُمَّ شَهِدَ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي عَرَفَهُ عَدْلًا فِي النَّصْرَانِيَّةِ، يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَلَا يَتَأَنَّى وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِالْعَدَالَةِ يَسْأَلُ مِمَّنْ عَرَفَهُ بِالْعَدَالَةِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَيَسَعُهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَنٍّ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الصَّبِيُّ إذَا رَاهَقَ الْحُلُمَ وَلَمْ يَزَلْ رَشِيدًا حَتَّى بَلَغَ

стр. 1437

إنَّ شَهَادَتَهُ مَقْبُولَةٌ وَيَسَعُ لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُعَدِّلَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ رُشْدًا إلَى أَنْ بَلَغَ فَإِنَّهُ يَتَأَنَّى فِيهِ وَيَتَرَبَّصُ مُدَّةً يَظْهَرُ صَلَاحُهُ وَيَقَعُ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ عَدْلٌ كَمَا ذُكِرَ فِي الْغَرِيبِ، وَهَذَا الْقَائِلُ سَوَّى بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ السَّابِقَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ مَا ذَكَرْنَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَصْرَانِيَّيْنِ شَهِدَا عَلَى نَصْرَانِيٍّ وَعُدِّلَا فِي النَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَسْلَمَ الشَّاهِدَانِ فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُمَا كَافِرَانِ وَقْتَ الْأَدَاءِ فَإِنْ شَهِدَا بِذَلِكَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ يَعْنِي أَعَادَا شَهَادَتَهُمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الْمُعَدِّلَ الْمُسْلِمَ عَنْ حَالِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّعْدِيلَ لَمْ يُعْتَبَرْ حُجَّةً عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِكَوْنِهِ تَعْدِيلَ الْكَافِرِ حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّعْدِيلُ السَّابِقُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّعْدِيلَ حُجَّةٌ وَقَعَ مُعْتَبَرًا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ ارْتَكَبَ مَا يَصِيرُ بِهِ سَاقِطَ الشَّهَادَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ ثُمَّ تَابَ وَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ زَمَانٌ لَا يَنْبَغِي لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُعَدِّلَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ زَمَانٌ وَهُوَ عَلَى تَوْبَتِهِ يَقَعُ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَدْ رَوَى ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَبَعْضُهُمْ قَدْ رَوَى بِسَنَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَالْمُعَدِّلِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْفَاسِقُ شَهِدَ وَهُوَ فَاسِقٌ ثُمَّ تَابَ وَمَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ وَهُوَ عَلَى تَوْبَتِهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ بَلْ يَأْمُرُ بِإِعَادَتِهَا فَإِنْ أَعَادَهَا وَعَدَّلَهُ الْمُعَدِّلُ فَالْقَاضِي يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ إنْ كَانَ لَمْ يَرُدَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي شَهِدَ بِهَا فِي حَالِ فِسْقِهِ لِفِسْقِهِ. وَلَوْ أَنَّ فَاسِقًا مَعْرُوفًا غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ قَدِمَ وَلَا يُرَى مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحُ فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي وَسَأَلَ الْقَاضِي الْمُعَدِّلَ عَنْهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يَجْرَحَهُ لِمَا كَانَ رَأَى فِيهِ مِنْ قَبْلُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ أَيْضًا حَتَّى تَتَبَيَّنَ عَدَالَتُهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَرِيبِ الَّذِي نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ وَكَذَلِكَ الَّذِي إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ عُرِفَ مِنْهُ مَا هُوَ جَرْحٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُجَرِّحَهُ؛ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ قَبْلُ وَلَا يُعَدِّلُهُ أَيْضًا حَتَّى تَظْهَرَ عَدَالَتُهُ. قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَدْلًا مَشْهُورًا بِالرِّضَا غَابَ ثُمَّ حَضَرَ وَشَهِدَ وَسُئِلَ الْمُعَدِّلُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً كَانَ لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُعَدِّلَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً مَسِيرَةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهُ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا بِالرِّضَا وَالْعَدَالَةِ كَشُهْرَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَلَهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا مَشْهُورًا فَالْمُعَدِّلُ لَا يُعَدِّلُهُ وَإِذَا عَدَّلَ الشُّهُودَ عِنْدَ الْقَاضِي وَعَرَفَهُمْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ فَشَهِدُوا عِنْدَهُ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنْ كَانَ بَيْنَ التَّعْدِيلِ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَتَقَادَمَ الْعَهْدُ سَأَلَ الْقَاضِي عَنْهُمْ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَتَكَلَّمُوا فِي الْقَرِيبِ قَالَ بَعْضُهُمْ: مُقَدَّرٌ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَرِيبٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا دُونَ السَّنَةِ قَرِيبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفَوَّضُ ذَلِكَ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَإِنْ عَرَفَ الْمُزَكِّي الشُّهُودَ بِالْعَدَالَةِ غَيْرَ

стр. 1438

أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِي كَانَتْ بَاطِلَةً وَأَنَّ الشُّهُودَ وَهَمُوا فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ لِلْقَاضِي بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَهْمَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ وَبُطْلَانِ دَعْوَى الْمُدَّعِي، ثُمَّ الْقَاضِي يَتَفَحَّصُ عَمَّا أَخْبَرَهُ الْمُزَكِّي غَايَةَ التَّفَحُّصِ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةُ مَا أَخْبَرَهُ الْمُزَكِّي رَدَّ شَهَادَةَ الشُّهُودِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ حَقِيقَةُ مَا أَخْبَرَهُ الْمُزَكِّي قَبِلَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ وَإِنْ عَرَفَ الْمُعَدِّلُ مِنْ الشُّهُودِ مَا هُوَ جَرْحٌ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ جَرْحَهُ صَرِيحًا بَلْ يَذْكُرُهُ بِالتَّعْرِيضِ أَوْ بِالْكِنَايَةِ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، تَحَرُّزًا عَنْ هَتْكِ السَّتْرِ عَنْ الْمُسْلِمِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: لَا بُدَّ وَأَنْ يَذْكُرَ الْجَرْحَ وَيَذْكُرَ سَبَبَهُ لِيَنْظُرَ الْقَاضِي فِيهِ فَإِنْ رَآهُ جَرْحًا رَدَّ شَهَادَتَهُ وَمَا لَا فَلَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. إذَا كَانَ الْمُعَدِّلُ لَا يَعْرِفُ الشَّاهِدَ فَعَدَّلَهُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عِنْدَهُ وَسِعَهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَدِّلَ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ شَاهِدَانِ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي وَالْحَاكِمُ يَعْرِفُ أَحَدَهُمَا بِالْعَدَالَةِ وَلَا يَعْرِفُ الْآخَرَ فَزَكَّاهُ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ؛ قَالَ نُصَيْرٌ: لَا يَقْبَلُ تَعْدِيلَهُ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ رِوَايَتَانِ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ثَلَاثَةٍ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ يَعْرِفُ اثْنَيْنِ وَلَمْ يَعْرِفْ الثَّالِثَ فَعَدَّلَهُ الِاثْنَيْنِ قَالَ: يَجُوزُ تَعْدِيلُهُمَا إيَّاهُ فِي شَهَادَةٍ أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ نُصَيْرٍ وَبِهِ يُفْتِي وَفِي النَّوَازِلِ إذَا سُئِلَ الْمُزَكِّي عَنْ حَالِ الشَّاهِدِ فَسَكَتَ فَهُوَ جَرْحٌ، وَفِيهِ أَيْضًا الشَّاهِدُ إذَا كَانَ فِي السِّرِّ فَاسِقًا وَفِي الظَّاهِرِ عَدْلًا فَأَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ صَحَّ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُدَّعِي وَهَتْكَ سَتْرِ نَفْسِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَإِنْ كَانَتْ الشُّهُودُ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ سَأَلَ عَنْهُمْ وَعَنْ أَخْبَارِهِمْ وَيَبْحَثُ عَنْ ذَلِكَ بَحْثًا شَافِيًا حَتَّى يَسْتَقْصِيَ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَإِذَا اسْتَقْصَى رُبَّمَا يَظْهَرُ سَبَبُ مَا يُوجِبُ إيقَافَ الْحَدِّ عَنْهُ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي بَعْدَ مَا جَرَّحَ الْمُزَكِّي شُهُودَهُ: أَنَا آتِي بِمَنْ يُعَدِّلُهُمْ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، أَوْ قَالَ لِلْقَاضِي: أُسَمِّي لَك قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ فَاسْأَلْهُمْ عَنْهُمْ فَسَمَّى لَهُ قَوْمًا يَصْلُحُونَ لِلْمَسْأَلَةِ قَالَ: فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ قَوْلَهُ فَإِنْ جَاءَ بِقَوْمٍ وَعَدَّلُوا وَسَأَلَ أُولَئِكَ فَعَدَّلُوا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَعَنُوا فِيهِمْ بِمَا يَطْعَنُونَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا جُرِحُوا بِشَيْءٍ يَكُونُ جَرْحًا عِنْدَهُمْ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جَرْحًا عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ الْمُعَدِّلِينَ، فَإِنْ بَيَّنُوا جَرْحًا عِنْدَ الْكُلِّ فَالْجَرْحُ أَوْلَى، وَإِلَّا لَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ وَأَخَذَ بِقَوْلِ الَّذِينَ عَدَّلُوهُمْ. وَإِذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هَذَانِ الشَّاهِدَانِ عَبْدَانِ، وَقَالَا: نَحْنُ حُرَّانِ لَمْ نُمْلَكْ قَطُّ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ عَرَفَهُمَا الْقَاضِي وَعَرَفَ حُرِّيَّتَهُمَا لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُمَا وَكَانَا مَجْهُولَيْنِ قَبِلَ قَوْلَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا هَذَا، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَوْ هُمَا يُقِيمَانِ بَيِّنَةً أَنَّهُمَا حُرَّانِ فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا فَإِنْ قَالَا: سَلْ عَنَّا لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا فَإِنْ سَأَلَ عَنْهُمَا فَأُخْبِرَ

стр. 1439

أَنَّهُمَا حُرَّانِ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَذَكَرَ فِي شَهَادَاتِ الْأَصْلِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اكْتَفَى بِالْأَخْبَارِ فَحَسَنٌ وَإِنْ طَلَبَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَهُوَ أَحَبُّ وَأَحْسَنُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ ذِكْرَ أَسَامِي مَنْ عَدَّلَ فِي السِّجِلِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الشُّهُودِ أَوَّلًا ثُمَّ اسْمَ مَنْ عُدِّلَ وَالْعَدْلُ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ الْفَوَاحِشِ الَّتِي فِيهَا الْحُدُودُ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. [الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ مَا يَضَعَهُ الْقَاضِي عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَمَا لَا يَضَعُهُ] (الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَمَا لَا يَضَعُهُ) إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ عَلَى زَوْجِهَا وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لِتَجِيءَ بِالشُّهُودِ فَالْقَاضِي لَا يَضَعُهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَإِنْ جَاءَتْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ حَتَّى تَأْتِيَ بِالشَّاهِدِ الْآخَرِ يَنْظُرَانِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا إنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: شَاهِدِي الْآخَرُ غَائِبٌ وَلَيْسَ فِي الْمِصْرِ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ وَإِنْ قَالَتْ: شَاهِدِي الْآخَرُ فِي الْمِصْرِ، إنْ كَانَ الشَّاهِدُ الْحَاضِرُ فَاسِقًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ أَصْلًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ؛ فَصَارَ وُجُودُهَا وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَدْلًا فَالْقَاضِي يُؤَجِّلُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ حَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا فَحَسَنٌ، هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ بِخِلَافِهِ. قَالَ فِي الْجَامِعِ: إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ فَالْقَاضِي يَمْنَعُ الزَّوْجَ عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا إذَا أَقَامَتْ شَاهِدَيْنِ شَاهِدًا عَلَى الطَّلَاقِ الْبَائِنِ أَوْ عَلَى الثَّلَاثِ لَمْ يُذْكَرْ هَذَا الْفَصْلُ فِي الْأَصْلِ، وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَالْخَلْوَةِ مَعَهَا مَا دَامَ مَشْغُولًا بِتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَا يُخْرِجُهَا الْقَاضِي مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا، وَلَكِنْ يَجْعَلُ الْقَاضِي مَعَهَا امْرَأَةً أَمِينَةً تَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَدْلًا وَنَفَقَةُ الْأَمِينَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ زُكِّيَتْ الشُّهُودُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا رُدَّتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ أَوْ كَانَتْ لَهَا نَفَقَةٌ مَفْرُوضَةٌ لِكُلِّ شَهْرٍ؛ فَالْقَاضِي يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ وَيَأْمُرُ الزَّوْجَ بِإِعْطَاءِ الْمَفْرُوضِ. وَلَكِنْ إنَّمَا يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ لَا غَيْرَ، فَإِذَا أَخَذَتْ قَدْرَ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ إنْ عُدِّلَ الشُّهُودُ سَلَّمَ لَهَا مَا أَخَذَتْ، وَإِنْ رُدَّتْ الشَّهَادَةُ وَرُدَّتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي عَتَاقِ الْأَصْلِ: وَإِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ الْعِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ وَلَيْسَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَوْلَى، وَإِنْ أَقَامَا شَاهِدًا وَاحِدًا فَإِنْ قَالَا: الشَّاهِدُ الْآخَرُ غَائِبٌ عَنْ الْمِصْرِ

стр. 1440

فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. وَإِنْ قَالَا: الشَّاهِدُ الْآخَرُ حَاضِرٌ فِي الْمِصْرِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّاهِدُ الَّذِي أَقَامَا فَاسِقًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، أَمَّا فِي الْأَمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا فَحَسَنٌ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ يُحَالُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إذَا أَقَامَا شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ فَيُحَالُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا إلَى أَنْ تَظْهَرَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ، وَهَذَا الْجَوَابُ فِي الْأَمَةِ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْأَمَةِ يُحَالُ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ فَاسِقًا فَشَهَادَةُ الْمَسْتُورَيْنِ أَوْلَى وَفِي الْعَبْدِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى مَخُوفًا يَخَافُ مِنْهُ الِاسْتِهْلَاكَ وَتَغْيِيبَ الْعَبْدِ وَكَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ وَبِنَفْسِ الْعَبْدِ، ثُمَّ طَرِيقُ الْحَيْلُولَةِ فِي الْأَمَةِ الْوَضْعُ عَلَى يَدِي امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَالْأَمَةُ تُخَالِفُ الْمَرْأَةَ فَإِنَّ هُنَاكَ طَرِيقُ الْحَيْلُولَةِ أَنْ تُجْعَلَ مَعَهَا امْرَأَةٌ ثِقَةٌ وَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْجَارِيَةُ عَلَى يَدِي الْعَدْلِ وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي النَّفَقَةَ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ الْمَوْلَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَخَذَتْ نَفَقَتَهَا شَهْرًا ثُمَّ لَمْ تُزَكَّ الشُّهُودُ وَرُدَّتْ الْأَمَةُ عَلَى مَوْلَاهَا لَا يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ، وَإِنْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَنْفَقَ الْمَوْلَى عَلَيْهَا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ أَوْ أَكَلَتْ فِي بَيْتِ الْمَوْلَى فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهَا كَمَا فِي سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، وَإِنْ أَجْبَرَ الْقَاضِي الْمَوْلَى عَلَى ذَلِكَ يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فَاسِقَيْنِ فَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْأَمَةِ يُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَوْلَى، وَأَمَّا فِي الْعَبْدِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يُحَالُ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُحَالُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. رَجُلٌ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ رَجُلٍ وَادَّعَتْ الْأَمَةُ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ لَمْ يُقِمْ الشُّهُودَ، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، أَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ وَسَأَلَ الْقَاضِي الْحَيْلُولَةَ إلَى أَنْ يُحْضِرَ شُهُودَهُ لَا يُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ وَإِنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا يَنْظُرَانِ قَالَ: لَا شَاهِدَ لِي سِوَى هَذَا الْوَاحِدِ لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ذِي الْيَدِ. وَإِنْ قَالَ: لِي شَاهِدٌ آخَرُ فِي الْمِصْرِ آتِي بِهِ فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي لَا يَحُولُ بَيْنَهُمَا قِيَاسًا وَيَحُولُ بَيْنَهُمَا اسْتِحْسَانًا إذَا كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا وَأَمَّا إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ فِيهِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَضَعَ الْجَارِيَةَ عَلَى يَدِي امْرَأَةٍ ثِقَةٍ مَأْمُونَةٍ تَحْفَظُهَا حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ وَلَا يَتْرُكَهَا فِي يَدِي الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَهَذَا إذَا سَأَلَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ، فَأَمَّا بِدُونِ سُؤَالِهِ فَلَا يَضَعُهَا، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ فِي يَدِي رَجُلٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ فِي يَدِي امْرَأَةٍ وَادَّعَاهَا رَجُلٌ فَلَا يَضَعُهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَإِنْ سَأَلَ. وَكَذَلِكَ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى أَيِّمٍ نِكَاحًا فَالْقَاضِي يَكْفُلُهَا وَلَا يَضَعُهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مَالِكَةٌ نَفْسَهَا لَا يَخَافُ مِنْهَا الْوَطْءَ الْحَرَامَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً بِكْرًا فِي مَنْزِلِ أَبِيهَا فَالْقَاضِي لَا يَعْزِلُهَا. امْرَأَةٌ مَعَ رَجُلٍ ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا
следующие страницы →