← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21640

الفتاوى العالمكيرية = الفتاوى الهندية

محمد أورنك عالم كير

Полный текст (3 205 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

أَهْلَ مَحَلَّتِهِ. وَإِنْ وَجَدَ كُلَّهُمْ غَيْرَ ثِقَاتٍ يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ تَوَاتُرَ الْأَخْبَارِ، وَكَذَلِكَ إذَا سَأَلَ مِنْ غَيْرِ جِيرَانِهِ وَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ وَهُمْ غَيْرُ ثِقَاتٍ فَاتَّفَقُوا عَلَى تَعْدِيلِهِ أَوْ جَرْحِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُمْ صَدُقَةٌ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ، وَإِنْ أَخْبَرَ بَعْضُهُمْ بِعَدَالَتِهِ وَبَعْضُهُمْ بِجَرْحِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي اخْتِلَافِ الْمُزَكَّى فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ غَرِيبًا لَا يُعْرَفُ إذَا سُئِلَ عَنْهُ فِي السِّرِّ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الشَّاهِدَ عَنْ مَعَارِفِهِ فَإِذَا سَمَّاهُمْ سَأَلَ عَنْ مَعَارِفِهِ فِي السِّرِّ حَتَّى يَظْهَرَ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ هَلْ يَصْلُحُونَ لِلتَّعْرِيفِ؟ فَإِذَا عُدِّلُوا سَأَلَهُمْ عَنْ الشَّاهِدِ وَاعْتَمَدَ عَلَى خَبَرِهِمْ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَإِلَّا تَوَقَّفَ فِيهِ وَسَأَلَ عَنْ الْمُعَدِّلِ الَّذِي فِي بَلْدَتِهِ إنْ كَانَ فِي وِلَايَةِ هَذَا الْقَاضِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ إلَى قَاضِي وِلَايَتِهِ يَتَعَرَّفُ عَنْ حَالِهِ، قَالَ هِشَامٌ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى رَأْسِ خَمْسِينَ فَرْسَخًا، فَبَعَثَ الْقَاضِي أَمِينًا عَلَى جُعْلٍ فَسَأَلَ الْمُعَدِّلَ عَنْ الشَّاهِدِ فَالْجُعْلُ عَلَى مَنْ قَالَ: عَلَى الْمُدَّعِي، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشَّاهِدِ رَجُلًا لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ مَالٌ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مُفْلِسًا فَلَّسَهُ الْقَاضِي أَوْ مَيِّتًا أَقَامَ وَصِيُّهُ عَلَى غَيْرِهِ بَيِّنَةً، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّاهِدُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ مَالٌ وَإِنَّهُ مُفْلِسٌ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفْلِسًا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَيَصِحُّ تَعْدِيلُهُ لِلشُّهُودِ لِانْعِدَامِ هَذِهِ التُّهْمَةِ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ غَرِيبًا نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ، وَشَهِدَ هَذَا الْغَرِيبُ عِنْدَ الْقَاضِي فِي حَادِثَةٍ فَسَأَلَهُمْ الْقَاضِي أَوْ الْمُعَدِّلُ عَنْ حَالِهِ وَقَدْ عَرَفُوهُ بِالصَّلَاحِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يُسْقِطُ عَدَالَتَهُ هَلْ يَسَعُهُمْ أَنْ يُعَدِّلُوهُ؟ كَانَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا يَقُولُ: إنْ مَكَثَ بَيْنَهُمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحَ وَسِعَهُمْ أَنْ يُعَدِّلُوهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُعَدِّلُوهُ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: إذَا مَكَثَ بَيْنَهُمْ سَنَةً وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحَ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُعَدِّلُوهُ وَمَا لَا فَلَا وَفِي الصُّغْرَى وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ صَلَاحُهُ. وَرَوَى إبْرَاهِيمُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَقَّتَ فِي التَّزْكِيَةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَهَذَا عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ رُبَّمَا يَعْرِفُ رَجُلٌ الرَّجُلَ فِي شَهْرَيْنِ، وَآخَرُ لَا يُعْرَفُ فِي سَنَةٍ وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَلِكَ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا أُوَقِّتُ فِيهِ وَقْتًا، وَهُوَ عَلَى مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا بَلَغَ وَشَهِدَ بِشَهَادَةٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ هَذَا الْغَرِيبِ الَّذِي نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ لَا يُعَدِّلُونَهُ حَتَّى يَظْهَرَ عِنْدَهُمْ صَلَاحُهُ وَعَدَالَتُهُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا حَالُهُ عِنْدَهُمْ مُقَدَّرَةٌ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا بَيَّنَّا وَلَا تُقَدَّرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلْ هِيَ عَلَى مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَ ثُمَّ شَهِدَ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي عَرَفَهُ عَدْلًا فِي النَّصْرَانِيَّةِ، يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَلَا يَتَأَنَّى وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِالْعَدَالَةِ يَسْأَلُ مِمَّنْ عَرَفَهُ بِالْعَدَالَةِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَيَسَعُهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَنٍّ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الصَّبِيُّ إذَا رَاهَقَ الْحُلُمَ وَلَمْ يَزَلْ رَشِيدًا حَتَّى بَلَغَ

стр. 1437

إنَّ شَهَادَتَهُ مَقْبُولَةٌ وَيَسَعُ لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُعَدِّلَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ رُشْدًا إلَى أَنْ بَلَغَ فَإِنَّهُ يَتَأَنَّى فِيهِ وَيَتَرَبَّصُ مُدَّةً يَظْهَرُ صَلَاحُهُ وَيَقَعُ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ عَدْلٌ كَمَا ذُكِرَ فِي الْغَرِيبِ، وَهَذَا الْقَائِلُ سَوَّى بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ السَّابِقَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ مَا ذَكَرْنَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَصْرَانِيَّيْنِ شَهِدَا عَلَى نَصْرَانِيٍّ وَعُدِّلَا فِي النَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَسْلَمَ الشَّاهِدَانِ فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُمَا كَافِرَانِ وَقْتَ الْأَدَاءِ فَإِنْ شَهِدَا بِذَلِكَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ يَعْنِي أَعَادَا شَهَادَتَهُمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الْمُعَدِّلَ الْمُسْلِمَ عَنْ حَالِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّعْدِيلَ لَمْ يُعْتَبَرْ حُجَّةً عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِكَوْنِهِ تَعْدِيلَ الْكَافِرِ حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّعْدِيلُ السَّابِقُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّعْدِيلَ حُجَّةٌ وَقَعَ مُعْتَبَرًا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ ارْتَكَبَ مَا يَصِيرُ بِهِ سَاقِطَ الشَّهَادَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ ثُمَّ تَابَ وَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ زَمَانٌ لَا يَنْبَغِي لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُعَدِّلَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ زَمَانٌ وَهُوَ عَلَى تَوْبَتِهِ يَقَعُ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَدْ رَوَى ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَبَعْضُهُمْ قَدْ رَوَى بِسَنَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَالْمُعَدِّلِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْفَاسِقُ شَهِدَ وَهُوَ فَاسِقٌ ثُمَّ تَابَ وَمَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ وَهُوَ عَلَى تَوْبَتِهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ بَلْ يَأْمُرُ بِإِعَادَتِهَا فَإِنْ أَعَادَهَا وَعَدَّلَهُ الْمُعَدِّلُ فَالْقَاضِي يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ إنْ كَانَ لَمْ يَرُدَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي شَهِدَ بِهَا فِي حَالِ فِسْقِهِ لِفِسْقِهِ. وَلَوْ أَنَّ فَاسِقًا مَعْرُوفًا غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ قَدِمَ وَلَا يُرَى مِنْهُ إلَّا الصَّلَاحُ فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي وَسَأَلَ الْقَاضِي الْمُعَدِّلَ عَنْهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يَجْرَحَهُ لِمَا كَانَ رَأَى فِيهِ مِنْ قَبْلُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ أَيْضًا حَتَّى تَتَبَيَّنَ عَدَالَتُهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَرِيبِ الَّذِي نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ وَكَذَلِكَ الَّذِي إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ عُرِفَ مِنْهُ مَا هُوَ جَرْحٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُجَرِّحَهُ؛ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ قَبْلُ وَلَا يُعَدِّلُهُ أَيْضًا حَتَّى تَظْهَرَ عَدَالَتُهُ. قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَدْلًا مَشْهُورًا بِالرِّضَا غَابَ ثُمَّ حَضَرَ وَشَهِدَ وَسُئِلَ الْمُعَدِّلُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً كَانَ لِلْمُعَدِّلِ أَنْ يُعَدِّلَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً مَسِيرَةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهُ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا بِالرِّضَا وَالْعَدَالَةِ كَشُهْرَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَلَهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا مَشْهُورًا فَالْمُعَدِّلُ لَا يُعَدِّلُهُ وَإِذَا عَدَّلَ الشُّهُودَ عِنْدَ الْقَاضِي وَعَرَفَهُمْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ فَشَهِدُوا عِنْدَهُ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنْ كَانَ بَيْنَ التَّعْدِيلِ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَتَقَادَمَ الْعَهْدُ سَأَلَ الْقَاضِي عَنْهُمْ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَتَكَلَّمُوا فِي الْقَرِيبِ قَالَ بَعْضُهُمْ: مُقَدَّرٌ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَرِيبٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا دُونَ السَّنَةِ قَرِيبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفَوَّضُ ذَلِكَ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَإِنْ عَرَفَ الْمُزَكِّي الشُّهُودَ بِالْعَدَالَةِ غَيْرَ

стр. 1438

أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِي كَانَتْ بَاطِلَةً وَأَنَّ الشُّهُودَ وَهَمُوا فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ لِلْقَاضِي بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَهْمَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ وَبُطْلَانِ دَعْوَى الْمُدَّعِي، ثُمَّ الْقَاضِي يَتَفَحَّصُ عَمَّا أَخْبَرَهُ الْمُزَكِّي غَايَةَ التَّفَحُّصِ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةُ مَا أَخْبَرَهُ الْمُزَكِّي رَدَّ شَهَادَةَ الشُّهُودِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ حَقِيقَةُ مَا أَخْبَرَهُ الْمُزَكِّي قَبِلَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ وَإِنْ عَرَفَ الْمُعَدِّلُ مِنْ الشُّهُودِ مَا هُوَ جَرْحٌ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ جَرْحَهُ صَرِيحًا بَلْ يَذْكُرُهُ بِالتَّعْرِيضِ أَوْ بِالْكِنَايَةِ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، تَحَرُّزًا عَنْ هَتْكِ السَّتْرِ عَنْ الْمُسْلِمِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: لَا بُدَّ وَأَنْ يَذْكُرَ الْجَرْحَ وَيَذْكُرَ سَبَبَهُ لِيَنْظُرَ الْقَاضِي فِيهِ فَإِنْ رَآهُ جَرْحًا رَدَّ شَهَادَتَهُ وَمَا لَا فَلَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. إذَا كَانَ الْمُعَدِّلُ لَا يَعْرِفُ الشَّاهِدَ فَعَدَّلَهُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عِنْدَهُ وَسِعَهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَدِّلَ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ شَاهِدَانِ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي وَالْحَاكِمُ يَعْرِفُ أَحَدَهُمَا بِالْعَدَالَةِ وَلَا يَعْرِفُ الْآخَرَ فَزَكَّاهُ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ؛ قَالَ نُصَيْرٌ: لَا يَقْبَلُ تَعْدِيلَهُ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ رِوَايَتَانِ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ثَلَاثَةٍ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ يَعْرِفُ اثْنَيْنِ وَلَمْ يَعْرِفْ الثَّالِثَ فَعَدَّلَهُ الِاثْنَيْنِ قَالَ: يَجُوزُ تَعْدِيلُهُمَا إيَّاهُ فِي شَهَادَةٍ أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ نُصَيْرٍ وَبِهِ يُفْتِي وَفِي النَّوَازِلِ إذَا سُئِلَ الْمُزَكِّي عَنْ حَالِ الشَّاهِدِ فَسَكَتَ فَهُوَ جَرْحٌ، وَفِيهِ أَيْضًا الشَّاهِدُ إذَا كَانَ فِي السِّرِّ فَاسِقًا وَفِي الظَّاهِرِ عَدْلًا فَأَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ صَحَّ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُدَّعِي وَهَتْكَ سَتْرِ نَفْسِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَإِنْ كَانَتْ الشُّهُودُ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ سَأَلَ عَنْهُمْ وَعَنْ أَخْبَارِهِمْ وَيَبْحَثُ عَنْ ذَلِكَ بَحْثًا شَافِيًا حَتَّى يَسْتَقْصِيَ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَإِذَا اسْتَقْصَى رُبَّمَا يَظْهَرُ سَبَبُ مَا يُوجِبُ إيقَافَ الْحَدِّ عَنْهُ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي بَعْدَ مَا جَرَّحَ الْمُزَكِّي شُهُودَهُ: أَنَا آتِي بِمَنْ يُعَدِّلُهُمْ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، أَوْ قَالَ لِلْقَاضِي: أُسَمِّي لَك قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ فَاسْأَلْهُمْ عَنْهُمْ فَسَمَّى لَهُ قَوْمًا يَصْلُحُونَ لِلْمَسْأَلَةِ قَالَ: فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ قَوْلَهُ فَإِنْ جَاءَ بِقَوْمٍ وَعَدَّلُوا وَسَأَلَ أُولَئِكَ فَعَدَّلُوا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَعَنُوا فِيهِمْ بِمَا يَطْعَنُونَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا جُرِحُوا بِشَيْءٍ يَكُونُ جَرْحًا عِنْدَهُمْ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جَرْحًا عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ الْمُعَدِّلِينَ، فَإِنْ بَيَّنُوا جَرْحًا عِنْدَ الْكُلِّ فَالْجَرْحُ أَوْلَى، وَإِلَّا لَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ وَأَخَذَ بِقَوْلِ الَّذِينَ عَدَّلُوهُمْ. وَإِذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هَذَانِ الشَّاهِدَانِ عَبْدَانِ، وَقَالَا: نَحْنُ حُرَّانِ لَمْ نُمْلَكْ قَطُّ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ عَرَفَهُمَا الْقَاضِي وَعَرَفَ حُرِّيَّتَهُمَا لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُمَا وَكَانَا مَجْهُولَيْنِ قَبِلَ قَوْلَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا هَذَا، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَوْ هُمَا يُقِيمَانِ بَيِّنَةً أَنَّهُمَا حُرَّانِ فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا فَإِنْ قَالَا: سَلْ عَنَّا لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا فَإِنْ سَأَلَ عَنْهُمَا فَأُخْبِرَ

стр. 1439

أَنَّهُمَا حُرَّانِ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَذَكَرَ فِي شَهَادَاتِ الْأَصْلِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اكْتَفَى بِالْأَخْبَارِ فَحَسَنٌ وَإِنْ طَلَبَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَهُوَ أَحَبُّ وَأَحْسَنُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ ذِكْرَ أَسَامِي مَنْ عَدَّلَ فِي السِّجِلِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الشُّهُودِ أَوَّلًا ثُمَّ اسْمَ مَنْ عُدِّلَ وَالْعَدْلُ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ الْفَوَاحِشِ الَّتِي فِيهَا الْحُدُودُ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. [الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ مَا يَضَعَهُ الْقَاضِي عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَمَا لَا يَضَعُهُ] (الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَمَا لَا يَضَعُهُ) إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ عَلَى زَوْجِهَا وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لِتَجِيءَ بِالشُّهُودِ فَالْقَاضِي لَا يَضَعُهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَإِنْ جَاءَتْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ حَتَّى تَأْتِيَ بِالشَّاهِدِ الْآخَرِ يَنْظُرَانِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا إنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: شَاهِدِي الْآخَرُ غَائِبٌ وَلَيْسَ فِي الْمِصْرِ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ وَإِنْ قَالَتْ: شَاهِدِي الْآخَرُ فِي الْمِصْرِ، إنْ كَانَ الشَّاهِدُ الْحَاضِرُ فَاسِقًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ أَصْلًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ؛ فَصَارَ وُجُودُهَا وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَدْلًا فَالْقَاضِي يُؤَجِّلُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ حَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا فَحَسَنٌ، هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ بِخِلَافِهِ. قَالَ فِي الْجَامِعِ: إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ فَالْقَاضِي يَمْنَعُ الزَّوْجَ عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا إذَا أَقَامَتْ شَاهِدَيْنِ شَاهِدًا عَلَى الطَّلَاقِ الْبَائِنِ أَوْ عَلَى الثَّلَاثِ لَمْ يُذْكَرْ هَذَا الْفَصْلُ فِي الْأَصْلِ، وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَالْخَلْوَةِ مَعَهَا مَا دَامَ مَشْغُولًا بِتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَا يُخْرِجُهَا الْقَاضِي مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا، وَلَكِنْ يَجْعَلُ الْقَاضِي مَعَهَا امْرَأَةً أَمِينَةً تَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَدْلًا وَنَفَقَةُ الْأَمِينَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ زُكِّيَتْ الشُّهُودُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا رُدَّتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ أَوْ كَانَتْ لَهَا نَفَقَةٌ مَفْرُوضَةٌ لِكُلِّ شَهْرٍ؛ فَالْقَاضِي يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ وَيَأْمُرُ الزَّوْجَ بِإِعْطَاءِ الْمَفْرُوضِ. وَلَكِنْ إنَّمَا يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ لَا غَيْرَ، فَإِذَا أَخَذَتْ قَدْرَ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ إنْ عُدِّلَ الشُّهُودُ سَلَّمَ لَهَا مَا أَخَذَتْ، وَإِنْ رُدَّتْ الشَّهَادَةُ وَرُدَّتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي عَتَاقِ الْأَصْلِ: وَإِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ الْعِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ وَلَيْسَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَوْلَى، وَإِنْ أَقَامَا شَاهِدًا وَاحِدًا فَإِنْ قَالَا: الشَّاهِدُ الْآخَرُ غَائِبٌ عَنْ الْمِصْرِ

стр. 1440

فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. وَإِنْ قَالَا: الشَّاهِدُ الْآخَرُ حَاضِرٌ فِي الْمِصْرِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّاهِدُ الَّذِي أَقَامَا فَاسِقًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، أَمَّا فِي الْأَمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا فَحَسَنٌ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ يُحَالُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إذَا أَقَامَا شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ فَيُحَالُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا إلَى أَنْ تَظْهَرَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ، وَهَذَا الْجَوَابُ فِي الْأَمَةِ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْأَمَةِ يُحَالُ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ فَاسِقًا فَشَهَادَةُ الْمَسْتُورَيْنِ أَوْلَى وَفِي الْعَبْدِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى مَخُوفًا يَخَافُ مِنْهُ الِاسْتِهْلَاكَ وَتَغْيِيبَ الْعَبْدِ وَكَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ وَبِنَفْسِ الْعَبْدِ، ثُمَّ طَرِيقُ الْحَيْلُولَةِ فِي الْأَمَةِ الْوَضْعُ عَلَى يَدِي امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَالْأَمَةُ تُخَالِفُ الْمَرْأَةَ فَإِنَّ هُنَاكَ طَرِيقُ الْحَيْلُولَةِ أَنْ تُجْعَلَ مَعَهَا امْرَأَةٌ ثِقَةٌ وَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْجَارِيَةُ عَلَى يَدِي الْعَدْلِ وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي النَّفَقَةَ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ الْمَوْلَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَخَذَتْ نَفَقَتَهَا شَهْرًا ثُمَّ لَمْ تُزَكَّ الشُّهُودُ وَرُدَّتْ الْأَمَةُ عَلَى مَوْلَاهَا لَا يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ، وَإِنْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَنْفَقَ الْمَوْلَى عَلَيْهَا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ أَوْ أَكَلَتْ فِي بَيْتِ الْمَوْلَى فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهَا كَمَا فِي سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، وَإِنْ أَجْبَرَ الْقَاضِي الْمَوْلَى عَلَى ذَلِكَ يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فَاسِقَيْنِ فَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْأَمَةِ يُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَوْلَى، وَأَمَّا فِي الْعَبْدِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يُحَالُ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُحَالُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. رَجُلٌ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ رَجُلٍ وَادَّعَتْ الْأَمَةُ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ لَمْ يُقِمْ الشُّهُودَ، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، أَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ وَسَأَلَ الْقَاضِي الْحَيْلُولَةَ إلَى أَنْ يُحْضِرَ شُهُودَهُ لَا يُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ وَإِنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا يَنْظُرَانِ قَالَ: لَا شَاهِدَ لِي سِوَى هَذَا الْوَاحِدِ لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ذِي الْيَدِ. وَإِنْ قَالَ: لِي شَاهِدٌ آخَرُ فِي الْمِصْرِ آتِي بِهِ فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي لَا يَحُولُ بَيْنَهُمَا قِيَاسًا وَيَحُولُ بَيْنَهُمَا اسْتِحْسَانًا إذَا كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا وَأَمَّا إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ فِيهِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَضَعَ الْجَارِيَةَ عَلَى يَدِي امْرَأَةٍ ثِقَةٍ مَأْمُونَةٍ تَحْفَظُهَا حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ وَلَا يَتْرُكَهَا فِي يَدِي الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَهَذَا إذَا سَأَلَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ، فَأَمَّا بِدُونِ سُؤَالِهِ فَلَا يَضَعُهَا، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ فِي يَدِي رَجُلٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ فِي يَدِي امْرَأَةٍ وَادَّعَاهَا رَجُلٌ فَلَا يَضَعُهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَإِنْ سَأَلَ. وَكَذَلِكَ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى أَيِّمٍ نِكَاحًا فَالْقَاضِي يَكْفُلُهَا وَلَا يَضَعُهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مَالِكَةٌ نَفْسَهَا لَا يَخَافُ مِنْهَا الْوَطْءَ الْحَرَامَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً بِكْرًا فِي مَنْزِلِ أَبِيهَا فَالْقَاضِي لَا يَعْزِلُهَا. امْرَأَةٌ مَعَ رَجُلٍ ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا

стр. 1441

فَإِنَّهُ يَعْزِلُهَا وَيَضَعُهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ. وَكَذَلِكَ رَجُلٌ ادَّعَى أَمَةً فِي يَدِ رَجُلٍ وَقَالَ: بِعْتُهَا مِنْ هَذَا الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ بَيْعًا فَاسِدًا وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ: اشْتَرَيْتُهَا شِرَاءً صَحِيحًا، أَوْ قَالَ: هِيَ جَارِيَتِي لَمْ أَشْتَرِهَا مِنْهُ فَالْقَاضِي يَعْزِلُهَا، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. عَبْدٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ ادَّعَاهُ رَجُلٌ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا الْقَاضِي لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ الْقَاضِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَبِنَفْسِ الْعَبْدِ، ثُمَّ يَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ الْكَفِيلَ بِنَفْسِهِ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ، حَتَّى أَنَّهُ إذَا غَابَ وَلَمْ يَقْدِرْ الْكَفِيلُ عَلَى إحْضَارِهِ فَالْمُدَّعِي يُخَاصِمُ الْكَفِيلَ وَيَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ وَلَكِنْ إنْ أَبَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ وَكِيلًا فَالْقَاضِي لَا يُجْبِرُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَى إعْطَاءَ الْكَفِيلِ حَيْثُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلًا فَالْقَاضِي يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: الْزَمْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْعَبْدَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَخُوفًا عَلَى مَا فِي يَدِهِ بِالْإِتْلَافِ فَرَأَى الْقَاضِي أَنْ يَضَعَ الْعَبْدَ عَلَى يَدِي عَدْلٍ يَضَعُهُ صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُدَّعِي، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَاسِقًا مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ مَعَ الْغِلْمَانِ فَالْقَاضِي يَضَعُهُ عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَلَكِنْ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ بَلْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ صَاحِبُ الْغُلَامِ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ مَعَ الْغِلْمَانِ يُخْرِجُهُ الْقَاضِي عَنْ يَدِهِ وَيَضَعُهُ عَلَى يَدِي عَدْلٍ بِطَرِيقِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، ثُمَّ إذَا وَضَعَهُ عَلَى يَدِي عَدْلٍ أَمَرَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ وَيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ الْكَسْبِ عَادَةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ قَادِرَةً عَلَى الْكَسْبِ بِأَنْ كَانَتْ غَسَّالَةً مَعْرُوفَةً بِذَلِكَ أَوْ خَبَّازَةً تُؤْمَرُ بِالْكَسْبِ أَيْضًا. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ لِمَرَضِهِ أَوْ صِغَرِهِ يُؤْمَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ. فَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْأَمَةِ، كَذَا حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ وَالْفَقِيهِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَافِظِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلٌ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ عَلَى دَعْوَاهُ بَيِّنَةً فَزُكِّيَتْ بَيِّنَتُهُ، وَقَدْ كَانَ الْقَاضِي وَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَهَرَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَالَ: أَمَرْتُ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ يَعْنِي الْعَدْلَ أَنْ يُؤَاجِرَهَا وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ أَجْرِهَا، فَإِنْ كَانَ لَا يُؤَاجَرُ مِثْلُهَا أَمَرْته أَنْ يَسْتَدِينَ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، فَإِذَا حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ صَاحِبِهَا أَمَرْتُ بِبَيْعِهَا فَبَدَأْت مِنْ الثَّمَنِ بِالدَّيْنِ فَأَدَّيْته وَوَقَفْت الْبَاقِيَ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا جَاءَ الَّذِي كَانَتْ فِي يَدِهِ قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنِّي بِعْتهَا عَلَى الَّذِي هِيَ كَانَتْ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَمُسْتَحِقُّ الْجَارِيَةِ أَحَقُّ بِهَذَا الثَّمَنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ حِينَ وَضَعَهَا الْقَاضِي عَلَى يَدِي عَدْلٍ. دَابَّةٌ أَوْ ثَوْبٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ ادَّعَاهُ آخَرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لَمْ يُجِبْهُ الْقَاضِي وَلَكِنْ يَأْخُذُ الْقَاضِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَبِمَا وَقَعَ فِيهِ الدَّعْوَى، وَيَجْعَلُ الْكَفِيلَ بِالنَّفْسِ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ إذَا طَابَتْ نَفْسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ ذُو الْيَدِ عَلَى النَّفَقَةِ عِنْدَنَا

стр. 1442

بِخِلَافِ الرَّقِيقِ فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا كَفِيلَ لِي؛ قِيلَ لِلْمُدَّعِي: الْزَمْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعَى بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِيَصُونَ بِهِ حَقَّكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي يَدِهِ فَاسِقًا مَخُوفًا عَلَى مَا فِي يَدِهِ وَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا وَكَانَ الْمُدَّعِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُلَازَمَةِ؛ فَالْقَاضِي يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: أَنَا لَا أُجْبِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الدَّابَّةِ لَكِنْ إنْ شِئْتَ أَنْ أَضَعَهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ فَأُنْفِقَ عَلَيْهَا وَإِلَّا لَا أَضَعَهَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ هِشَامٌ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ فِي يَدِهِ رُطَبٌ أَوْ سَمَكٌ طَرِيٌّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَادَّعَاهُ إنْسَانٌ أَنَّهُ لَهُ وَقَدَّمَهُ إلَى الْقَاضِي وَهُوَ مِمَّا يَفْسُدُ إنْ تَرَكَهُ، وَقَالَ الْمُدَّعِي: بَيِّنَتِي فِي الْمِصْرِ أُحْضِرُهُمْ؛ قَالَ: لَا أُوقِفُ إلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَقُولُ لَهُ يَعْنِي لِلْمُدَّعِي: إنْ شِئْتَ أُحَلِّفُهُ، عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ وَإِنْ قَالَ: أَنَا أُحْضِرُ الْبَيِّنَةَ يَعْنِي الْيَوْمَ فَإِنِّي أُؤَجِّلُهُ إلَى قِيَامِ الْقَاضِي فَأَقُولُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تَبْرَحْ إلَى قِيَامِهِ، فَإِنْ فَسَدَ الشَّيْءُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَضْمَنُهُ الْمُدَّعِي بِحَبْسِهِ عَلَيْهِ. عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ سَمَكًا أَوْ لَحْمًا طَرِيًّا أَوْ فَاكِهَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، ثُمَّ جَحَدَ الْبَائِعُ وَأَقَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدًا وَاحِدًا وَاحْتَاجَ الْقَاضِي إلَى أَنْ يَسْأَلَ الشُّهُودَ فَقَالَ الْبَائِعُ هَذَا يَفْسُدُ إنْ تُرِكَ حَتَّى يُعَدَّلَ الشُّهُودُ، قَالَ: إنْ كَانَ شَهِدَ لِلْمُدَّعِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَقَالَ: الشَّاهِدُ الْآخَرُ حَاضِرٌ؛ أُجِّلَ فِي شَهَادَةِ الْآخَرِ مَا لَمْ يَخَفْ الْفَسَادَ فَإِنْ أَحْضَرَ شَاهِدَهُ الْآخَرَ وَإِلَّا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَمَرَ الْبَائِعَ بِدَفْعِهِ إلَى الْمُشْتَرِي إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ فَإِذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ الْقَاضِي وَأَمَرَ أَمِينًا بِبَيْعِهِ وَقَبْضِ ثَمَنِهِ وَوَضْعِ الثَّمَنِ عَلَى يَدِي عَدْلٍ، فَإِنْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ قَضَى بِالثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي وَأَمَرَ الْعَدْلَ بِدَفْعِ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ تُزَكَّ الْبَيِّنَةُ سَلَّمَ الْقَاضِي ذَلِكَ الثَّمَنَ الَّذِي عَلَى يَدِي الْعَدْلِ إلَى الْبَائِعِ. ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مَنْقُولًا وَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِعْطَاءِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَبِنَفْسِ الْمُدَّعَى بِهِ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَالْقَاضِي لَا يُجِيبُهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَجَابَهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. لَوْ ادَّعَى عَقَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً لَا يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالْوَضْعِ عَلَى يَدِي عَدْلٍ وَلَا بِالْكَفِيلِ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْضًا فِيهَا شَجَرٌ فِيهِ ثَمَرٌ فَيُوضَعُ عَلَى يَدِي عَدْلٍ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَفِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ فِي بَابِ مَا لَا يَضَعُهُ الْقَاضِي عَلَى يَدِي عَدْلٍ. إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِلْقَاضِي: لَسْتُ آمَنُ عَلَى نَفْسِي مِنْ زَوْجِي أَنْ يَقْرَبَنِي فِي حَالَةِ الْحَيْضِ فَضَعْنِي عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ؛ فَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ. أَمَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ خَافَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَلَيْهَا؛ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: تَكُونُ عِنْدَكَ يَوْمًا وَعِنْدِي يَوْمًا. وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ نَضَعُهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ؛ فَإِنِّي أَجْعَلُهَا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَوْمًا فَلَا أَضَعُهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ، قَالَ مَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -: وَيُحْتَاطُ فِي بَابِ الْفُرُوجِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ نَحْوَ الْعِتْقِ فِي الْجَوَارِي وَالطَّلَاقِ فِي النِّسَاءِ فِي الشَّهَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا فِي هَذَا

стр. 1443

الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاطُ لِحِشْمَةِ مِلْكِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي] (الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي) إذَا تَقَدَّمَ رَجُلٌ إلَى الْقَاضِي فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَيِّنَةً عَلَى حَقٍّ عَلَى رَجُلٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ لِيَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلْدَةِ فَالْقَاضِي يَسْمَعُ شُهُودَهُ عَلَى حَقِّهِ الَّذِي يَدَّعِي، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ عِنْدَ شَطْرِ الشَّهَادَةِ بِأَنْ أَقَامَ رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي شَاهِدًا وَاحِدًا بِحَقٍّ لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ أَوْ شَهِدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أَوْ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ فَالْقَاضِي يَكْتُبُ بِذَلِكَ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي صَارَ حُجَّةً شَرْعًا فِي الْمُعَامَلَاتِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ قَدْ يُفْتَعَلُ وَيُزَوَّرُ وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ وَالْخَاتَمُ يُشْبِهُ الْخَاتَمَ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ وَلَكِنْ إنَّمَا يَقْبَلُهُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ الشَّرَائِطِ الْبَيِّنَةُ، حَتَّى أَنَّ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ لَا يَقْبَلُ كِتَابَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَثْبُتْ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا عُمِلَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ وَالْمَنْقُولَاتُ نَحْوُ الْعُرُوضِ وَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ، حَتَّى لَمْ يُجَوِّزُوا كِتَابَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ: يَجُوزُ فِي الْعَبِيدِ فِي الْإِبَاقِ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِمْ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْمَنْقُولَاتِ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا، وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي الْإِمَامِ الْمُنْتَسِبِ إلَى إسْبِيجَابَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي وَيُجَوِّزُ كِتَابَ الْقَاضِي فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَفِي كُلِّ حُكْمٍ يُمْكِنُ تَحَقُّقُ شَرَائِطِ كِتَابِ الْقَاضِي فِيهِ مِنْ إعْلَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي سَائِرِ النَّقْلِيَّاتِ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ كِتَابُ الْقَاضِي عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ إعْلَامَ الْمَشْهُودِ بِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْإِشَارَةِ وَلَا إشَارَةَ عِنْدَ الْكِتَابِ فَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةُ فَلَمْ يَجُزْ الْكِتَابُ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. إذَا قَالَ الرَّجُلُ: إنَّ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ بِبَلَدِ كَذَا زَوْجَتِي وَإِنَّهَا تَجْحَدُ نِكَاحِي وَإِنْ شُهُودِي عَلَى النِّكَاحِ هَهُنَا فَلَا يُمْكِنِّي الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ شُهُودِي؛ فَاكْتُبْ لِي فِي هَذَا كِتَابًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ شَهَادَةَ شُهُودِهِ وَيَكْتُبُ لَهُ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهَا امْرَأَةُ فُلَانٍ الْغَائِبِ أَوْ ادَّعَى وَلَاءَ عَتَاقَةٍ أَوْ وَلَاءَ مُوَالَاةٍ. وَكَذَا لَوْ ادَّعَى نَسَبًا بِأَنْ قَالَ رَجُلٌ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَبِي وَهُوَ يُنْكِر نَسَبِي وَلِي بَيِّنَةٌ هَهُنَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ ابْنُهُ أَوْ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمِّي وَأَنِّي قَدْ وُلِدْت عَلَى فِرَاشِهِ وَنُسِبْتُ إلَيْهِ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا. وَكَذَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ: أَنَّهُ أَبُو فُلَانٍ الْغَائِبِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَطَلَبَ مِنْهُ الْكِتَابَ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخُو فُلَانٍ الْغَائِبِ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ عَمُّهُ وَطَلَبَ الْكِتَابَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَكْتُبُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ إرْثًا أَوْ نَفَقَةً أَوْ يَدَّعِيَ مِنْ الْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ فِي اللَّقِيطِ أَوْ فِي الْأَبِ وَالِابْنِ يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَلَوْ أَنَّ

стр. 1444

رَجُلًا وَامْرَأَةً ادَّعَيَا ابْنًا أَوْ ابْنَةً وَقَالَا: هُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنَّا وَهُوَ فِي يَدِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْغَائِبِ فِي بَلْدَةِ كَذَا، وَهُوَ يَسْتَرِقُّهُ وَأَقَامَا عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَطَلَبَا فِي ذَلِكَ كِتَابًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يَكْتُبُ فِي النَّسَبِ إلَّا أَنَّ هَهُنَا لَا يَكْتُبُ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي دَعْوَى الْبُنُوَّةِ دَعْوَى الِاسْتِرْقَاقِ لَا يَكْتُبُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ فَيَقُولَ هُوَ ابْنِي غَصَبَهُ فُلَانٌ الْغَائِبُ فَإِنَّهُ يَكْتُبُ فِي قَوْلِهِمْ وَفِي الدَّارِ وَالْعَقَارِ يَكْتُبُ فِي قَوْلِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى أَوْ فِي بَلْدَةِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ. وَإِذَا مَرِضَ شُهُودُ الْكِتَابِ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بَدَا لَهُمْ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِمْ أَوْ أَرَادُوا السَّفَرَ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى فَأَشْهَدُوا قَوْمًا عَلَى شَهَادَتِهِمْ يَجُوزُ ذَلِكَ، كَمَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ كِتَابِ الْقَاضِي وَتَفْسِيرُ إشْهَادِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: هَذَا كِتَابُ قَاضِي بَلَدِ كَذَا فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي هَذَا عَلَى غَائِبٍ هُوَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَرَأَهُ عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ بِحَضْرَتِنَا وَأَشْهَدْنَا عَلَيْهِ فَاشْهَدُوا أَنْتُمْ عَلَى شَهَادَتِنَا هَذِهِ، وَكَذَا لَوْ أَشْهَدَ هَذِهِ الشُّهُودُ شُهُودًا أُخَرَ ثَالِثًا وَرَابِعًا وَعَاشِرًا وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. الْعُلُومُ الْخَمْسَةُ شَرْطُ جَوَازِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مِنْ مَعْلُومٍ يَعْنِي الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ إلَى مَعْلُومٍ يَعْنِي الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ فِي مَعْلُومٍ يَعْنِي الْمُدَّعَى بِهِ لِمَعْلُومٍ يَعْنِي الْمُدَّعِيَ عَلَى مَعْلُومٍ يَعْنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. أَمَّا الْقَاضِي الْكَاتِبُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَإِعْلَامُهُ إنَّمَا يَكُونُ بِكِتَابَةِ اسْمِ الْقَاضِي وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ جَدِّهِ أَوْ قَبِيلَتِهِ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ لَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ جَدِّهِ أَوْ قَبِيلَتِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا اكْتَفَى بِالِاسْمِ الَّذِي كَانَ مَشْهُورًا بِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَتَبَ مِنْ أَبِي فُلَانٍ إذَا كَانَ مَشْهُورًا بِتِلْكَ الْكُنْيَةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَكَذَلِكَ إذَا كَتَبَ مِنْ ابْنِ فُلَانٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِهِ كَابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكْتَفِي بِهِ وَلَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ الشُّهُودِ عَلَى اسْمِ الْقَاضِي وَنَسَبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا فِي الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ إعْلَامُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ شَرْطٌ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَعْلُومًا بِمَا يُوجِبُ تَعْرِيفَهُ مِنْ ذِكْرِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَلَا يُكْتَفَى بِالشَّهَادَةِ عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا، وَكَذَلِكَ إعْلَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَرْطٌ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ بِذِكْرِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ الْجَدِّ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذِكْرُ الْجَدِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُضْطَرِبٌ وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ السُّغْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَشْتَرِطُ ذِكْرَ الْجَدِّ ثُمَّ رَجَعَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَكَانَ يَشْتَرِطُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ الْجَدِّ وَنَسَبَهُ إلَى الْقَبِيلَةِ فَإِنْ كَانَ أَدْنَى الْقَبَائِلِ وَالْأَفْخَاذِ الَّذِي يُعْرَفُ بِذَلِكَ فَقَدْ كَفَى بِلَا خِلَافٍ، وَيَقُومُ مَقَامَ اسْمِ الْجَدِّ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ بِهِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ اثْنَانِ فِي أَدْنَى الْأَفْخَاذِ فِي

стр. 1445

اسْمِهِمَا وَاسْمِ أَبِيهِمَا وَإِنْ نَسَبَهُ إلَى أَعْلَى الْأَفْخَاذِ وَالْقَبَائِلِ بِأَنْ قَالَ: تَمِيمِيٌّ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ لَا يُكْتَفَى بِهِ. وَإِنْ نَسَبَهُ إلَى بَلَدِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى جَدِّهِ وَلَا إلَى قَبِيلَتِهِ فَقَالَ: كُوفِيٌّ أَوْ مِصْرِيٌّ؛ فَذَلِكَ لَا يَكْفِي لَهُ وَإِنْ نَسَبَهُ إلَى حِرْفَتِهِ وَصِنَاعَتِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى الْقَبِيلَةِ وَالْجَدِّ لَا يَكْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا إذَا كَانَتْ صِنَاعَةٌ يُعْرَفُ بِهَا لَا مَحَالَةَ يَكْفِي وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ أَبِيهِ وَلَقَبَهُ وَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِذَلِكَ اللَّقَبِ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّهُ يَكْفِي وَبِدُونِ ذَلِكَ لَا يَكْفِي، وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَهُ وَاسْمَ جَدِّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ أَبِيهِ لَا يَكْفِي وَإِنْ كَتَبَ مِنْ قَاضِي بَلَدِ كَذَا فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى قَاضِي بَلَدِ كَذَا فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ فَذَلِكَ يَكْفِي بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ قَاضِيًا مِنْ أَسْبَابِ التَّعْرِيفِ فَيُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ ذِكْرِ الْجَدِّ. وَلَوْ كَتَبَ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلَدِ كَذَا إلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِي هَذَا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَوَسَّعَ حِينَ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ وَرَأَى أَحْوَالَ النَّاسِ وَاسْتَحْسَنَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ تَسْهِيلًا لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ مِنْ جُمْلَتِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْم، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَإِنْ كَتَبَ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ السِّنْدِيِّ غُلَامُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ كَذَا وَكَذَا جَازَ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمَمْلُوكِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِكِ فَإِذَا نَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ مَعْرُوفٍ بِالشُّهْرَةِ أَوْ ذَكَرَ اسْمَ الْمَوْلَى وَنَسَبَهُ إلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ أَوْ إلَى قَبِيلَتِهِ، فَقَدْ تَمَّ تَعْرِيفُهُ بِذَلِكَ. وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ الْعَبْدِ وَاسْمَ أَبِي الْمَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ جَدِّ الْمَوْلَى وَلَا قَبِيلَتَهُ، ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَكْفِي؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَحْصُلُ بِذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ كَمَا فِي الْحُرِّ، وَقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: وَهِيَ اسْمُ الْعَبْدِ، وَاسْمُ الْمَوْلَى، وَاسْمُ أَبِي الْمَوْلَى. وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ الْعَبْدِ وَاسْمَ الْمَوْلَى إنْ لَمْ يَنْسُبْ الْمَوْلَى إلَى قَبِيلَتِهِ الْخَاصَّةِ لَا يَكْفِي وَإِنْ نَسَبَهُ إلَى قَبِيلَتِهِ الْخَاصَّةِ فَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا يَكْفِي وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَكْفِي. وَإِنْ كَتَبَ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ الْعَبْدُ السِّنْدِيُّ الْحَائِكُ الَّذِي فِي يَدِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَوْ السَّاكِنُ فِي دَارِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا يَقَعُ بِالنِّسْبَةِ اللَّازِمَةِ وَذَلِكَ بِالْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ؛ لِأَنَّهَا عَسَى تَكُونُ بِغَيْرِ حَقٍّ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوا مَا فِيهِ أَوْ لِيُعْلِمَهُمْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ إذْ لَا شَهَادَةَ بِلَا عِلْمٍ ثُمَّ يُخْتَمُ بِحَضْرَتِهِمْ وَيُسَلَّمُ إلَيْهِمْ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ التَّغْيِيرُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ عِلْمَ الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالْخَتْمِ بِحَضْرَتِهِمْ شَرْطُ جَوَازِ الْقَضَاءِ بِذَلِكَ، وَكَذَا حِفْظُ مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ وَقْتِ التَّحَمُّلِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - آخِرًا: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِشَرْطٍ، وَالشَّرْطُ أَنْ يُشْهِدَهُمْ أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ وَخَاتَمُهُ. وَعَنْهُ أَنَّ الْخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْضًا

стр. 1446

فَسَهَّلَ فِي ذَلِكَ حِينَ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ. وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي الْكَافِي ذَكَرَ الْخَصَّافُ وَعَمَلُ الْقُضَاةِ الْيَوْمَ أَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ الْمَكْتُوبَ إلَى الْمُدَّعِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَإِذَا ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ شَهَادَةَ الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ شَرْطٌ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْكَاتِبِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الشُّهُودِ نُسْخَةَ مَا فِي الْكِتَابِ لِيَكُونَ عِنْدَهُمْ فَتُمْكِنُهُمْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ قَبْلَ فَتْحِ الْكِتَابِ فَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى احْتِيَاطٌ. وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَوَسُّعٌ، وَمِنْ الشَّرَائِطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مُعَنْوَنًا بِأَنْ يَكْتُبَ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْقَاضِي إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْقَاضِي. حَتَّى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكْتُبْ فِيهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا كَتَبَ فِيهِ " عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ " فَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ لَا يَقْبَلُهُ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْعِنْوَانُ لَيْسَ بِشَرْطٍ إنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَيْك وَخَتْمُهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعُنْوَانَ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا فَنَقُولُ: إنْ كَانَ الْعُنْوَانُ فِي الْبَاطِنِ وَعَلَى الظَّاهِرِ فَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَعْمَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعُنْوَانُ فِي الْبَاطِنِ لَا غَيْرُ يَعْمَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الظَّاهِرِ لَا غَيْرُ فَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ لَا يَعْمَلُ بِهِ. وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى اكْتَفَوْا بِعُنْوَانِ الظَّاهِرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَيَكْتُبُ الْأَسْمَاءَ وَالْأَنْسَابَ فِي الْعُنْوَانَيْنِ جَمِيعًا فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فِي الْعُنْوَانِ الْبَاطِنِ لَا يَصِحُّ، وَصُورَةُ الْعِنْوَانِ الظَّاهِرِ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكْتُبَ قَبْلَ كِتَابِ التَّسْمِيَةِ مِنْ جَانِبِ الْيَسَارِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلَدِ كَذَا وَكَذَا، وَيَكْتُبُ فِي جَانِبِ الْيَمِينِ فَوْقَ كِتَابِ التَّسْمِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ الْمُبِينِ وَنَحْوَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلَدِ كَذَا، وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِي هَذَا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ أَدَامَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَتَوْفِيقَهُمْ. فَإِنْ كَتَبَ إلَى قَاضِي بَلَدِ كَذَا وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَلْدَةِ إلَّا قَاضٍ وَاحِدٌ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزْدَوِيُّ: يَصِحُّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلْدَةِ قَاضِيَانِ لَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ يَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِ الْكِتَابِ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ عَلَى الصَّدْرِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا وَنَوَاحِيهَا، وَيَكْتُبُ عَلَى الظَّهْرِ مِنْ قِبَلِ الْيَمِينِ بِسْمِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ الْمُبِينِ إلَى قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ أَدَامَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَتَوْفِيقَهُمْ، ثُمَّ يَكْتُبُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ كِتَابِي أَطَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَقَاءَ فُلَانٍ الْقَاضِي إلَى آخِرِهِ كَمَا هُوَ الرَّسْمُ فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ يَكْتُبُ أَمَّا بَعْدُ، ثُمَّ إذَا كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ الْمُدَّعِي بِوَجْهِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ يَكْتُبُ فِي كِتَابِهِ: حَضَرَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِي فِي بَلْدَةِ كَذَا وَأَنَا مُقِيمٌ بِهَا نَافِذَ الْقَضَاءِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ كَمَا هُوَ الرَّسْمُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَيَذْكُرُ حِلْيَتَهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ: مَجْلِسُ قَضَائِي لَيْسَ بِأَمْرٍ لَازِمٍ بَلْ إذَا كَتَبَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فِي كُورَةِ كَذَا كَفَاهُ إلَّا إذَا كَانَ بَلْدَةٌ فِيهَا قَاضِيَانِ

стр. 1447

كُلُّ قَاضٍ عَلَى نَاحِيَةٍ عَلَى حِدَةٍ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُهُ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ يَسْأَلُ عَنْهُ الْبَيِّنَةَ وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ حَضَرَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَلَمْ أَعْرِفْهُ فَسَأَلْت عَنْهُ الْبَيِّنَةَ، وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَأَنْسَابَهُمْ وَحِلَاهُمْ وَمَسَاكِنَهُمْ إنْ كَتَبَ ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَسْمَاءَهُمْ وَأَنْسَابَهُمْ وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ: شُهُودٌ عُدُولٌ عَرَفَتْهُمْ بِالْعَدَالَةِ، أَوْ سَأَلْت عَنْهُمْ فَعُدِّلُوا وَعُرِفُوا بِالْعَدَالَةِ جَازَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْد ذَلِكَ فَشَهِدُوا أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَيَسْتَقْصِي فِي تَعْرِيفِهِ فَإِنْ ذَكَرَ قَبِيلَتَهُ مَعَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ ثُمَّ يَكْتُبُ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ أَحْضَرَهُ وَلَا نَائِبٍ عَنْ خَصْمٍ حَضَرَ مَعَهُ وَادَّعَى لَهُ دَارًا فِي بَلْدَةِ كَذَا فِي مَحَلَّةِ كَذَا حُدُودُهَا كَذَا فِي يَدِ رَجُلٍ يُقَالُ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ يُعَرِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا بَلْ يَكْتُبُ فَادَّعَى عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ ادَّعَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ غَائِبٌ عَنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ مَسِيرَةَ سَفَرٍ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اخْتِلَافًا فِي تَقْدِيرِ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَجُوزُ كِتَابُ الْقَاضِي فِيهَا وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ فِيمَا دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِيمَا دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ لَا يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ غَدَا إلَى بَابِ الْقَاضِي لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى مَنْزِلِهِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ يُقْبَلُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَيَكْتُبُ: وَقَدْ ثَبَتَتْ غَيْبَتُهُ عِنْدِي بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ لِيُعْلِمَ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ أَنَّ كِتَابَةَ الْكِتَابِ كَانَتْ بِشَرَائِطِهِ. ثُمَّ يَكْتُبُ: وَإِنَّهُ الْيَوْمَ مُقِيمٌ بِكُورَةِ كَذَا، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ ثُمَّ يَكْتُبُ: وَهُوَ جَاحِدٌ لِدَعْوَى الْمُدَّعِي هَذَا وَشُهُودُهُ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ هَهُنَا وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَسَأَلَنِي الِاسْتِمَاعَ إلَى شَهَادَتِهِمْ لَأَمْلَيْت بِمَا صَحَّ عِنْدِي مِنْ شَهَادَتِهِمْ إلَى الْقَاضِي فُلَانٍ فَأَجَبْته إلَيْهِ فَأَحْضَرَهُمْ وَهُمْ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، يَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ وَنَسَبَهُ وَقَبِيلَتَهُ وَتِجَارَتَهُ إنْ كَانَ تَاجِرًا وَمَسْكَنَهُ وَمُصَلَّاهُ وَمَحَلَّتَهُ بِتَمَامِ التَّعْرِيفِ، فَشَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الشُّهُودِ بَعْدَ دَعْوَى الْمُدَّعِي هَذَا. وَالِاسْتِشْهَادُ مِنْهُمْ شَهَادَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ مُتَّفِقَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْتَفِيَ بِهَذَا الْقَدْرِ بَلْ يُفَسِّرُ الشَّهَادَةَ وَيُبَيِّنُهَا فَيَكْتُبُ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَشَهِدَ بِكَذَا وَيُفَسِّرُ شَهَادَتَهُ وَيُصَحِّحُهَا، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَقَارًا يَذْكُرُ مَوْضِعَهُ وَحُدُودَهُ الْأَرْبَعَةَ وَإِنْ كَانَ غُلَامًا يَذْكُرُ اسْمَ الْعَبْدِ وَحِلْيَتَهُ وَصِفَتَهُ وَحِرْفَتَهُ وَاسْمَ الْمَوْلَى وَاسْمَ أَبِيهِ وَاسْمَ جَدِّهِ، وَكَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ يَذْكُرُ جِنْسَهُ وَقَدْرَهُ وَصِفَتَهُ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ؛ فَيَكْتُبُ: شَهِدُوا أَنَّ لِفُلَانٍ الْمُدَّعِي هَذَا عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي هَذَا، وَكَذَا يَذْكُرُ جِنْسَ الدَّيْنِ وَنَوْعَهُ وَصِفَتَهُ وَجَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّعْوَى. ثُمَّ

стр. 1448

يَكْتُبُ فَوَاجِبٌ عَلَى فُلَانٍ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي ذُكِرَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَدَاءُ هَذَا الْمَالِ لِيَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ هَذَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ سَبَبِ الدَّيْنِ لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ مُوَافِقَةً لِدَعْوَى الْمُدَّعِي، ثُمَّ يَكْتُبُ: وَشَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِ هَذِهِ وَأَشَارَ فِي جَمِيعِ مَوَاضِعِ الْإِشَارَاتِ وَلَا يَكْتُبُ عَلَى مِثْلِ شَهَادَتِهِ، ثُمَّ يَكْتُبُ: فَأَتَوْا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَسَاقُوهَا عَلَى سُنَنِهَا وَسَمِعْتهَا وَأَثْبَتُّهَا فِي الْمَحْضَرِ الْمُخَلَّدِ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ عَرَّفَ الْقَاضِي الشُّهُودَ أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ عِنْدِي بِالْعَدَالَةِ وَالرِّضَا، وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهُمْ سَأَلَ الْمُزَكِّي عَنْ حَالِهِمْ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ فَإِنْ أَثْنَوْا عَلَيْهِمْ بِالْعَدَالَةِ؛ يَكْتُبُ: وَرَجَعْت فِي التَّعْرِيفِ عَنْ حَالِهِمْ إلَى مَنْ إلَيْهِ التَّزْكِيَةُ وَالتَّعْدِيلُ وَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَنَسَبَاهُمْ إلَى الْعَدَالَةِ وَالرِّضَا وَقَبُولِ الْقَوْلِ. ثُمَّ الْقَاضِي الْكَاتِبُ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ عِنْدَهُ عَدَالَةُ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَهُ بِالْحَقِّ لِلْمُدَّعِي يُحَلِّفُ الْمُدَّعِي بِاَللَّهِ مَا قَبَضْتَ هَذَا الْمَالَ مِنْهُ وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَك أَوْ وَكِيلَك قَبَضَ مِنْهُ، وَإِذَا كَتَبَ الْكَاتِبُ الْكِتَابَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا يَكْتُبُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ يَقُولُ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا: كُتِبَ هَذَا الْكِتَابُ عَنِّي بِأَمْرِي، إنْ كَانَ كَتَبَ الْكِتَابَ غَيْرُهُ وَجَرَى الْأَمْرُ عَلَى مَا بَيَّنَ فِيهِ مِنِّي وَعِنْدِي وَهُوَ كَمَا كَتَبَ فِيهِ وَهُوَ مُعَنْوَنٌ بِعُنْوَانَيْنِ عُنْوَانٍ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُنْوَانٍ فِي بَاطِنِهِ وَهُوَ مَخْتُومٌ بِخَاتَمِي وَنَقْشِ خَاتَمِي كَذَا، وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ مِنْ الْكَاغِدِ وَهُوَ مُوَقَّعٌ بِتَوْقِيعِي وَتَوْقِيعِي هَكَذَا كُتِبَ التَّوْقِيعُ عَلَى صَدْرِهِ، وَأَشْهَدْت عَلَيْهِ شُهُودًا وَهُمْ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ يَذْكُرُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَنْسَابَهُمْ وَحِلَاهُمْ وَقَرَأْتُ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ وَأَعْلَمْتهمْ بِمَا فِيهِ وَخَتَمْت الْكِتَابَ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ وَأَشْهَدْتهمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَكَتَبْت هَذِهِ الْأَسْطُرَ فِي آخِرِهِ وَهِيَ كَذَا خَطًّا بِخَطِّي فِي تَارِيخِ كَذَا. وَلَا يَكْتُبُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ نُسْخَتَيْنِ نُسْخَةً فِي يَدَيْ الْمُدَّعِي مَخْتُومًا بِتِلْكَ النُّسْخَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَنُسْخَةً أُخْرَى فِي يَدِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِمَا فِي الْكِتَابِ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالْمُغْنِي، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَلَوْ لَمْ يَكْتُبْ فِي الْكِتَابِ تَارِيخًا لَمْ يَقْبَلْهُ وَإِنْ كَتَبَ فِيهِ تَارِيخًا يَنْظُرُ هَلْ هُوَ كَانَ قَاضِيًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْ لَا، وَلَا يَكْتَفِي بِالشَّهَادَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا وَكَذَا كَوْنُهُ كِتَابَ الْقَاضِي لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِمْ بِدُونِ الْكِتَابَةِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى أَصْلِ الْحَادِثَةِ وَلَمْ يَكْتُبْ مَكْتُوبًا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. ثُمَّ إذَا انْتَهَى الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ يَنْبَغِي لِلْمَكْتُوبِ

стр. 1449

إلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ بِطَلَبِهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ ثُمَّ إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَالْمُدَّعِي يَدَّعِي حَقَّهُ عَلَيْهِ فَلْيَسْأَلْ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ دَعْوَاهُ فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا أَلْزَمُهُ الْقَاضِي ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ وَوَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْكِتَابِ، وَإِنْ جَحَدَ دَعْوَاهُ حَتَّى احْتَاجَ الْمُدَّعِي إلَى إقَامَةِ الْحُجَّةِ يَعْرِضُ الْكِتَابَ عَلَى الْقَاضِي، فَإِذَا عَرَضَ فَالْقَاضِي يَقُولُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَيَقُولُ: كِتَابُ الْقَاضِي فُلَانٍ؛ فَيَقُولُ لَهُ الْقَاضِي: هَاتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا كِتَابُ ذَلِكَ الْقَاضِي، كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَلَوْ قَبِلَ الْكِتَابَ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ خَصْمِهِ جَازَ، وَلَوْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ خَصْمِهِ لَا يَجُوزُ، فَحَضْرَةُ الْخَصْمِ شَرْطُ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْكِتَابِ لَا شَرْطُ قَبُولِ الْكِتَابِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الشُّرُوطِ وَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَهُ خَصْمٌ جَازَ أَرَادَ بِهِ قَبُولَ الْكِتَابِ لَا قَبُولَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْكِتَابِ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. فَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَيْك وَهُوَ مَخْتُومٌ بِخَاتَمِهِ فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ الْكِتَابَ وَيَقُولُ: هَلْ قَرَأَ عَلَيْكُمْ؟ وَهَلْ خَتَمَ بِحَضْرَتِكُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا أَوْ قَرَأَ عَلَيْنَا وَلَمْ يَخْتِمْ بِحَضْرَتِنَا، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ لَا يَأْخُذُ الْكِتَابَ، وَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ قَرَأَ عَلَيْنَا وَخَتَمَ بِحَضْرَتِنَا وَأَشْهَدَنَا يَفْتَحُ الْكِتَابَ. وَلَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِمْ: خُتِمَ عِنْدَنَا وَبِمَشْهَدِنَا، كَذَا فِي النِّهَايَة لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي وَخَاتَمُهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهِ لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُقْبَلُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَإِذَا فَتَحَ الْكِتَابَ يَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ فَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ مُخَالِفَةً لِمَا فِي الْكِتَابِ رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً إنْ كَانَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ عَدَالَةَ الشُّهُودِ أَوْ عَرَّفَهُمْ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِالْعَدَالَةِ يَقْضِي عَلَى الْخَصْمِ بِالْحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ سَأَلَ الْقَاضِي عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ فَإِنْ عُدِّلُوا قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْفَتْحُ بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ وَإِنْ فَتَحَ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ جَازَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْكِتَابِ ظُهُورُ الْعَدَالَةِ لِلْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي سَلَّمَهُ إلَيْنَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ إلَى أَنْ قَالَ: فَتَحَهُ الْقَاضِي، فَلَمْ يَقُلْ: فَإِذَا شَهِدُوا وَعُدِّلُوا فَعَلِمَ بِهَذَا أَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ الْعَدَالَةُ لِلْفَتْحِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفَضُّ الْكِتَابُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ لَكِنَّ هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ بِأَنْ يُفَضَّ الْكِتَابُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَمُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَفْتَحُ الْكِتَابَ قَبْلَ ظُهُورِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ، ثُمَّ قَالَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَصَحُّ أَيْ تَجْوِيزُ الْفَتْحِ عِنْدَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ مُطْلَقًا بِأَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي وَخَتْمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَالَةِ الشُّهُودِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا جَاءَ بِكِتَابٍ فِي حَقٍّ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُحْضِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا حَضَرَ سَأَلَ الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ أَهُوَ هَذَا الَّذِي تَدَّعِي عَلَيْهِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ سَأَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوَكِيلٌ أَنْتَ

стр. 1450

فِي الْكِتَابِ أَمْ صَاحِبُ الْكِتَابِ؟ فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ: سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي، وَإِنْ قَالَ: أَنَا وَكِيلُ الطَّالِبِ وَأَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؛ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَأَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى بِبَيِّنَةِ وَكَالَتِهِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُقْبَلُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رِوَايَتَانِ، قَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا سَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْكِتَابِ فَقَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ عَزَلَ الْكَاتِبَ ثُمَّ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمْ قَضَى الْقَاضِي بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَإِنْ عَدَلَتْ بَيِّنَةُ الْوَكَالَةِ وَلَمْ تَعْدِلْ بَيِّنَةُ الْكِتَابِ حَتَّى عَزَلَ الْقَاضِي الْكَاتِبَ فَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أُخْرَى عَلَى الْكِتَابِ وَالْخَتْمِ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنْ عَدَلَتْ بَيِّنَةُ الْكِتَابِ وَلَمْ تَعْدِلْ بَيِّنَةُ الْوَكَالَةِ حَتَّى عَزَلَ الْكَاتِبَ فَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ فُلَانًا قَدْ كَانَ وَكَّلَهُ يَوْمَئِذٍ وَعَدَلَتْ الشُّهُودُ قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ وَقَضَى بِالْوَكَالَةِ، وَهَذَا التَّفْرِيعُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ إنْ قَبِلَ الْقَاضِي الْكِتَابَ وَفَتَحَهُ وَأَتَى بِجَمِيعِ الشَّرَائِطِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا هَلْ يَقْضِي بِمَا فِي الْكِتَابِ؟ إنْ عَلِمَ الْقَاضِي إنَّ الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ يَقْضِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا سَأَلَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَإِنْ سَأَلَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَحْسَنُ قَصْرًا لِلْمَسَافَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. فِي الْخَانِيَّةِ فَإِذَا جَاءَ الْمُدَّعِي بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَأَحْضَرَ خَصْمَهُ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي وَخَاتَمِهِ بِحَضْرَةِ الْخَصْمِ وَفَتَحَ الْكِتَابَ وَقَرَأَهُ عَلَى الْخَصْمِ وَفَعَلَ كُلَّ مَا هُوَ شَرْطُ الْقَضَاءِ بِالْكِتَابِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ حَتَّى غَابَ الْخَصْمُ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى وَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ هَذَا الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْقَاضِي الَّذِي الْخَصْمُ فِي بَلَدِهِ لَا يَكْتُبُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَكْتُبُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَيَسْمَعُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ دَفْعَ الْخَصْمِ إذَا قَالَ: لِي دَفْعٌ. وَلَا تَجُوزُ الرِّسَالَةُ مَكَانَ الْكِتَابِ وَإِنْ وُجِدَتْ جَمِيعُ الشَّرَائِطِ وَيَجُوزُ اسْتِعَانَةُ الْقَاضِي مِنْ أَمِيرِ الْمِصْرِ الَّذِي وَلَّاهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْكِتَابِ بِكِتَابَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ يَبْعَثُ مَعَهُ أَمِينًا وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ فِي مِصْرٍ آخَرَ يَعْتَبِرُ الشَّرَائِطَ مِنْ خَتْمِ الْكِتَابِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي وَإِذَا انْكَسَرَ خَاتَمُ الْقَاضِي الَّذِي عَلَى الْكِتَابِ أَوْ كَانَ الْكِتَابُ مَنْشُورًا وَفِي أَسْفَلِهِ خَاتَمُ الْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ يَقْبَلُ الْكِتَابَ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي فُلَانٍ، وَأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْخَصَّافُ عُقَيْبَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ: هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ لَا يَقْبَلُ الْكِتَابَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إذَا كَانَ الْكِتَابُ غَيْرَ مَخْتُومٍ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ مَا لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ بِمَا فِي الْكِتَابِ

стр. 1451

ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ قَبُولَ الْكِتَابِ مَعَ كَسْرِ الْخَاتَمِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ هَذَا مَا يُبْتَلَى بِهِ النَّاسُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَوْلُ الْكُلِّ فِي الْكُبْرَى امْرَأَةٌ وَكَّلَتْ غَائِبًا وَأَشْهَدَتْ شُهُودًا بِذَلِكَ فَشَهِدُوا بَيْنَ يَدَيْ قَاضِي بَلْدَتِهَا لِيَكْتُبَ إلَى قَاضِي بَلْدَةِ الْوَكِيلِ لِيَحْكُمَ بِالْوَكَالَةِ تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي دَارًا بِالْإِرْثِ فَالْقَاضِي الْكَاتِبُ يَكْتُبُ فِي كِتَابِهِ، وَذُكِرَ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مَاتَ ثُمَّ يَكْتُبُ وَتَرَكَ دَارًا فِي الْكُوفَةِ فِي بَنِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا، وَكَانَتْ هَذِهِ الدَّارُ مِلْكًا وَحَقًّا لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَفِي يَدِهِ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَخَلَّفَ فُلَانًا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَتَرَكَ هَذِهِ الدَّارَ الْمَحْدُودَةَ مِيرَاثًا لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُدَّعِي لَا أَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرِي ثُمَّ يَذْكُرُ وَأَتَانِي فُلَانٌ الْمُدَّعِي بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ فَشَهِدَا إنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَدْ تُوُفِّيَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا. وَإِذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَقَارِ وَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَقَارُ فِي بَلْدَةِ الْمُدَّعِي وَيَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَقَارُ فِي بَلَدٍ آخَرَ غَيْرَ الْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا الْمُدَّعِي وَأَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ آخَرَ غَيْرَ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا الْقَاضِي يَكْتُبُ لَهُ بِذَلِكَ كِتَابًا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذِهِ الْغَيْبَةِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَقَارُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَوَصَلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فَالْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَعْمَلُ بِهِ بِشَرَائِطِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَيَحْكُمُ بِهِ لِلْمُدَّعِي وَأَمَرَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ التَّسْلِيمِ فَالْقَاضِي يُسَلِّمُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ فِي وِلَايَتِهِ فَيَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَإِنْ كَانَ الْعَقَارُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُدَّعِي فَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ يَبْعَثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ وَكِيلَهُ مَعَ الْمُدَّعِي إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ، حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ عَلَيْهِ وَيُسَلِّمَ الْعَقَارَ وَإِنْ شَاءَ حَكَمَ بِهِ لِوُجُودِ الْحُجَّةِ وَسَجَّلَ لَهُ وَكَتَبَ لَهُ الْقَاضِي قَضِيَّةَ الْعَقَارِ لِيَكُونَ فِي يَدِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الْعَقَارَ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ لَيْسَ فِي وِلَايَتِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ. ثُمَّ إذَا أَوْرَدَ الْمُدَّعِي قَضِيَّةَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَضَائِهِ فَالْقَاضِي الْكَاتِبُ لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَنْفِيذِ ذَلِكَ الْقَضَاءِ، وَتَنْفِيذُ الْقَضَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنَّهُ إذَا قَضَى لِلْمُدَّعِي وَسَجَّلَ لَهُ يَأْمُرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ مَعَ الْمُدَّعِي أَمِينًا لِيُسَلِّمَ الدَّارَ إلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ كَتَبَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إلَى الْكَاتِبِ كِتَابًا وَيَحْكِي كَيْفِيَّةَ كِتَابِهِ الَّذِي وَصَلَ إلَيْهِ وَيُخْبِرُهُ بِجَمِيعِ مَا جَرَى بَيْنَ الْمُدَّعِي وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحُضُورِ الْمُدَّعِي وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْعَقَارِ وَأَمْرُهُ إيَّاهُ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُ أَحَدًا لِيُسَلِّمَ الْعَقَارَ إلَيْهِ وَامْتِنَاعُهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ يَكْتُبُ وَذَلِكَ قِبَلَك وَسَأَلَنِي الْمُدَّعِي الْكِتَابَ إلَيْك وَإِعْلَامَك بِحُكْمِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ بِذَلِكَ لِيُسَلِّمَ إلَيْهِ هَذَا الْعَقَارَ؛ فَاعْمَلْ فِي ذَلِكَ يَرْحَمُك اللَّهُ وَإِيَّانَا بِمَا

стр. 1452

يَحِقُّ اللَّهُ عَلَيْك وَسَلِّمْ الْعَقَارَ الْمَحْدُودَ فِي الْكِتَابِ إلَى الْمُدَّعِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مُوصِلِ كِتَابِي هَذَا إلَيْك. فَإِذَا وَصَلَ هَذَا الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبُ سَلَّمَ الْعَقَارَ إلَى الْمُدَّعِي وَأَخْرَجَهُ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقَارُ فِي بَلَدٍ آخَرَ غَيْرَ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ بَعَثَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ وَكِيلَهُ مَعَ الْمُدَّعِي إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْعَقَارُ، وَيَكْتُبُ إلَيْهِ كِتَابًا حَتَّى يَقْضِيَ لِلْمُدَّعِي بِالْعَقَارِ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ حَكَمَ بِهِ لِلْمُدَّعِي وَسَجَّلَ لَهُ وَلَكِنْ لَا يُسَلِّمُ الْعَقَارَ إلَيْهِ. وَإِذَا أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَيْفَ يَكْتُبُ صُورَتَهُ. إذَا كَانَ لِرَجُلِ بُخَارَى عَبْدٌ آبِقٌ إلَى سَمَرْقَنْدَ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ سَمَرْقَنْدِيٌّ فَأَخْبَرَ بِهِ الْمَوْلَى، وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى شُهُودٌ بِسَمَرْقَنْدَ إنَّمَا الشُّهُودُ بِبُخَارَى وَطَلَبَ الْمَوْلَى مِنْ قَاضِي بُخَارَى أَنْ يَكْتُبَ بِمَا شَهِدَ شُهُودُهُ عِنْدَهُ فَالْقَاضِي يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ، وَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا إلَى قَاضِي سَمَرْقَنْدَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الدُّيُونِ غَيْرَ أَنَّهُ يَكْتُبُ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ أَنَّ الْعَبْدَ السِّنْدِيَّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: فُلَانٌ حِلْيَتُهُ كَذَا وَقَامَتُهُ كَذَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَسِنُّهُ كَذَا وَقِيمَتُهُ كَذَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ مِلْكُ فُلَانٍ الْمُدَّعِي هَذَا وَقَدْ أَبَقَ إلَى سَمَرْقَنْدَ وَالْيَوْمُ فِي يَدِ فُلَانٍ بِسَمَرْقَنْدَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيُشْهِدُ عَلَى كِتَابِهِ شَاهِدَيْنِ يُشْخَصَانِ إلَى سَمَرْقَنْدَ وَيُعْلِمُهُمَا مَا فِي الْكِتَابِ حَتَّى يَشْهَدَا عِنْدَ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ بِالْكِتَابِ وَبِمَا فِيهِ، فَإِذَا انْتَهَى هَذَا الْكِتَابُ إلَى قَاضِي سَمَرْقَنْدَ يُحْضِرُ الْعَبْدَ مَعَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَا عِنْدَ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ بِالْكِتَابِ وَبِمَا فِيهِ حَتَّى يَقْبَلَ شَهَادَتَهُمَا بِالْإِجْمَاعِ. فَإِذَا قَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا وَثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا عِنْدَهُ فَتَحَ الْكِتَابَ فَإِنْ وَجَدَ حِلْيَةَ الْعَبْدِ الْمَذْكُورِ مُخَالِفَةً لِمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ رَدَّ هَذَا الْكِتَابَ إذْ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ غَيْرُ الْمَشْهُودِ بِهِ فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً قَبِلَ الْكِتَابَ وَدَفَعَ الْعَبْدَ إلَى الْمُدَّعِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِالْعَبْدِ وَيَأْخُذَ كَفِيلًا مِنْ الْمُدَّعِي بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَيَجْعَلَ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ خَاتَمًا مِنْ رَصَاصٍ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لَهُ أَحَدٌ فِي الطَّرِيقِ أَنَّهُ سَرَقَ، وَيَكْتُبَ كِتَابًا إلَى قَاضِي بُخَارَى بِذَلِكَ وَيُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ عَلَى كِتَابِهِ وَخَتْمِهِ وَعَلَى مَا فِي الْكِتَابِ فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَى قَاضِي بُخَارَى وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ وَخَاتَمُهُ، أَمَرَ الْمُدَّعِيَ أَنْ يُحْضِرَ شُهُودَهُ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَشْهَدُونَ بِحَضْرَةِ الْعَبْدِ أَنَّهُ مِلْكُ هَذَا الْمُدَّعِي. فَإِذَا شَهِدُوا بِذَلِكَ مَاذَا يَصْنَعُ قَاضِي بُخَارَى؟ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ قَاضِيَ بُخَارَى لَا يَقْضِي لِلْمُدَّعِي بِالْعَبْدِ وَلَكِنْ يَكْتُبُ كِتَابًا آخَرَ إلَى قَاضِي سَمَرْقَنْدَ وَيَكْتُبُ فِيهِ مَا جَرَى عِنْدَهُ وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ عَلَى كِتَابِهِ وَخَاتَمِهِ وَمَا فِيهِ وَيَبْعَثُ بِالْعَبْدِ مَعَهُ بِسَمَرْقَنْدَ حَتَّى يَقْضِيَ لَهُ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ بِالْعَبْدِ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَى قَاضِي سَمَرْقَنْدَ وَشَهِدَ الشَّاهِدَانِ عِنْدَهُ بِالْكِتَابِ وَالْخَتْمِ وَبِمَا فِي الْكِتَابِ وَظَهَرَتْ عَدَالَةُ الشَّاهِدَيْنِ قَضَى لِلْمُدَّعِي بِالْعَبْدِ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَبْرَأَ كَفِيلَ الْمُدَّعِي. وَقَالَ

стр. 1453

فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالَ: إنَّ قَاضِيَ بُخَارَى يَقْضِي بِالْعَبْدِ لِلْمُدَّعِي وَيَكْتُبُ إلَى قَاضِي سَمَرْقَنْدَ حَتَّى يُبْرِئَ كَفِيلَ الْمُدَّعِي، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي جَوَّزَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كِتَابَ الْقَاضِي فِي الْإِمَاءِ صُورَتُهُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ غَيْرَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا لَمْ يَكُنْ ثِقَةً مَأْمُونًا فَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ لَا يَدْفَعُهَا إلَيْهِ وَلَكِنْ يَأْمُرُ الْمُدَّعِي حَتَّى يَجِيءَ بِرَجُلٍ ثِقَةٍ مَأْمُونٍ فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ يَبْعَثُ بِهَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي بَابِ الْفُرُوجِ وَاجِبٌ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. إذَا مَاتَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فَالْمَكْتُوبُ إلَيْهِ لَا يَعْمَلُ بِهَذَا الْكِتَابِ عِنْدَنَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَمَالِي: يَعْمَلُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلَوْ قَبِلَهُ مَعَ هَذَا وَقَضَى بِهِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَمْضَاهُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ صَادَفَ الِاجْتِهَادَ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيمَا إذَا مَاتَ بَعْدَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَأَمَّا إذَا مَاتَ بَعْدَ وُصُولِ الْكِتَابِ وَالْقِرَاءَةِ فَإِنَّ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ يَعْمَلُ بِهِ، هَكَذَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ عَزَلَ الْقَاضِي الْكَاتِبَ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا مَاتَ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ لَوْ لَمْ يَبْقَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ لَا يَقْبَلُهُ، كَذَا فِي الْكَافِي. وَأَمَّا إذَا مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ قَاضٍ آخَرُ فَوَصَلَ الْكِتَابُ إلَى الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فَهَلْ يَعْمَلُ بِهِ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي الْكِتَابِ وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ يَعْمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْمَلُ بِهِ عِنْدَنَا. قَالَ فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ: وَإِذَا جَاءَ الرَّجُلُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى قَاضٍ آخَرَ فَلَمْ يَجِدْ خَصْمَهُ ثَمَّةَ فَسَأَلَ الطَّالِبُ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ بِمَا أَتَاهُ مِنْ الْقَاضِي الْأَوَّلِ فَعَلَ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَشَرَائِطُ الثُّبُوتِ مَا ذَكَرْنَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ صَارَتْ مَنْقُولَةً إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ حُكْمًا فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ شَهِدُوا عِنْدَهُ حَقِيقَةً، وَلَوْ شَهِدُوا عِنْدَهُ حَقِيقَةً وَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي خَصْمُهُ هُنَاكَ أَلَيْسَ أَنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا، كَذَا هُنَا إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ إنَّمَا يَكْتُبُ بِقَدْرِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَالثَّابِتُ عِنْدَهُ كِتَابُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ بِالْحَقِّ عَلَى الْغَائِبِ لَا نَفْسَ الْحَقِّ فَيَكْتُبُ وَيَنْسَخُ كِتَابَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ أَصْلُ الْحُجَّةِ وَإِنْ شَاءَ حَكَاهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي قَالَ لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ: إنِّي لَا أَجِدُ مِنْ الشُّهُودِ مَنْ يَصْحَبُنِي إلَى بَلَدِ الْخَصْمِ فَاكْتُبْ إلَى قَاضِي بَلَدِ كَذَا لِيَكْتُبَ ذَلِكَ الْقَاضِي إلَى قَاضِي بَلَدِ الْخَصْمِ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي قَالَ لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ: اُكْتُبْ إلَى قَاضِي مَرْوَ وَإِلَى قَاضِي نَيْسَابُورَ حَتَّى أَذْهَبَ إلَى مَرْوَ فَإِنْ وَجَدْت خَصْمِي ثَمَّةَ وَإِلَّا ذَهَبْت إلَى قَاضِي نَيْسَابُورَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَاضِي يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَكْتُبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ رَجَعَ الطَّالِبُ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ الْأَوَّلِ وَقَالَ: اُكْتُبْ إلَى قَاضِي بَلْدَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ خَصْمِي فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكْتُبُ لَهُ فِي ذَلِكَ

стр. 1454

حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابَ فَإِذَا رُدَّ الْآنَ يَكْتُبُ وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ ثَانِيًا قَبْلَ رَدِّ ذَلِكَ الْكِتَابِ إلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ قَدْ كَتَبَ لَهُ مَرَّةً إلَى قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا بِهَذِهِ النُّسْخَةِ لِيَزُولَ بِهِ الِالْتِبَاسُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَإِذَا كَتَبَ الْقَاضِي لِرَجُلٍ يَدَّعِي دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ كِتَابًا وَخَتَمَ الْكِتَابَ ثُمَّ جَاءَ الْمُدَّعِي وَقَالَ: فَقَدْت الْكِتَابَ وَأَلْتَمِسُ كِتَابًا آخَرَ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَتَّهِمُهُ لَا يَكْتُبُ كِتَابًا آخَرَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَّهِمْهُ كَتَبَ لَكِنْ يَذْكُرُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي: إنِّي كَتَبْت إلَيْك فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ كِتَابًا فِي تَارِيخِ كَذَا ثُمَّ جَاءَنِي فَقَالَ: فَقَدْت ذَلِكَ الْكِتَابَ فَطَلَبَ مِنِّي وَكَتَبْت هَذَا الْكِتَابَ وَيَذْكُرُ التَّارِيخَ كَيْ لَا يَأْخُذَ الْحَقَّ مَرَّتَيْنِ بِكِتَابَيْنِ، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي بَعْدَ مَا كَتَبَ لَهُ كِتَابًا: إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ انْتَقَلَ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى فَاكْتُبْ لِي كِتَابًا إلَى قَاضِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ يَكْتُبُ وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ كُنْت كَتَبْت لَهُ إلَى قَاضِي بَلْدَةِ، كَذَا فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ كِتَابًا آخَرَ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ انْتَقَلَ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ إلَى بَلَدِ كَذَا فَطَلَبَ هَذَا الْكِتَابَ احْتِيَاطًا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَإِذَا كَتَبَ كِتَابًا بِحَقٍّ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَخْرُجْ الْكِتَابُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى حَضَرَ الْخَصْمُ الَّذِي أَخَذَ الْكِتَابَ عَلَيْهِ فَقَدَّمَهُ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ حَتَّى يُعِيدَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ. وَإِنْ كَتَبَ الْقَاضِي إلَى الْأَمِيرِ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ وَهُوَ مَعَهُ فِي الْمِصْرِ " أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ " وَقَصَّ الْقِصَّةَ وَالشَّهَادَةَ وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ ثِقَةٍ يَعْرِفُهُ الْأَمِيرُ فَإِنْ أَمْضَاهُ الْأَمِيرُ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَنْوَنًا وَلَا مَخْتُومًا وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي وَخَتْمُهُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عُنْوَانٌ بِاسْمِ الْقَاضِي وَبِاسْمِ الْأَمِيرِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمَا وَأَجْدَادِهِمَا وَلَا يَكُونُ مَخْتُومًا وَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ. قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ قَاضِي رُسْتَاقٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ عَامِلِهَا وَإِنَّمَا يُقْبَلُ كِتَابُ قَاضِي مَدِينَةٍ فِيهَا مِنْبَرٌ وَجَمَاعَةٌ، وَهَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْمِصْرَ شَرْطٌ لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ وَلِكِتَابِ الْقَاضِي حُكْمُ الْقَضَاءِ، أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ الْمِصْرُ فِيهَا لِنَفَاذِ الْقَضَاءِ فَيُقْبَلُ فِيهَا كِتَابُ عَامِلِهَا وَيُقْبَلُ كِتَابُ قَاضِي الرَّسَاتِيقِ وَقَاضِي الْقَرْيَةِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدَيْهِ أَمَةٌ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ وَقَضَى بِهَا الْقَاضِي لَهُ فَقَالَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ: إنِّي اشْتَرَيْتهَا مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ فِي بَلْدَةِ كَذَا وَقَدْ دَفَعْت إلَيْهِ الثَّمَنَ؛ فَاسْمَعْ شُهُودِي وَاكْتُبْ لِي فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ ذَلِكَ بِمَا يَصِحُّ عِنْدَهُ، وَلَوْ أَنَّ جَارِيَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ ادَّعَتْ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ بَعْدَ مَا أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ وَقَضَى الْقَاضِي بِحُرِّيَّتِهَا. فَإِنْ أَقَامَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِكَذَا وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي الْكِتَابَ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ وَأَنَّهُ دَيْنٌ وَلَوْ أَنَّهَا لَمْ تُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى حُرِّيَّتِهَا وَلَكِنْ ادَّعَتْ الْحُرِّيَّةَ وَأَنْكَرَتْ إقْرَارَهَا بِالرِّقِّ وَلَمْ يَكُنْ لِذِي الْيَدِ بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهَا بِالرِّقِّ جَعَلَهَا الْقَاضِي حُرَّةً وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمَا فَإِنَّهُمَا يَجْعَلَانِ عَلَيْهَا الْيَمِينَ. وَإِنْ قَالَ ذُو الْيَدِ: إنِّي

стр. 1455

اشْتَرَيْتهَا مِنْ فُلَانٍ وَنَقَدْت الثَّمَنَ فَاسْمَعْ مِنْ شُهُودِي لِأَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ لَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَتْ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ بَعْدَ مَا أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ وَصَدَّقَهَا صَاحِبُ الْيَدِ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَتْ الرِّقَّ ابْتِدَاءً وَادَّعَتْ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ حَتَّى كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا لَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّفَ الْبَائِعَ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ يُرِيدُ بِهِ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ يَلْزَمُهُ فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ فَإِنْ حَلَفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَكَلَ فَقَدْ أَقَرَّ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي فَيَلْزَمُهُ رَدُّ جَمِيعِ الثَّمَنِ. وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ لَمْ يَطْلُبْ تَحْلِيفَ الْبَائِعِ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حُرِّيَّتِهَا يُرِيدُ بِهِ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْرَدَ عَلَى قَاضٍ كِتَابًا مِنْ قَاضٍ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَوَافَى الْبَلَدَ وَقَدْ مَاتَ الْمَطْلُوبُ فَأَحْضَرَ الطَّالِبُ وَرَثَةَ الْمَطْلُوبِ أَوْ وَصِيَّهُ وَجَاءَ بِالْكِتَابِ إلَى قَاضٍ، وَأَحْضَرَ شُهُودَهُ عَلَى الْكِتَابِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ فَالْقَاضِي يَقْبَلُ الْكِتَابَ وَيَسْمَعُ مِنْ شُهُودِهِ عَلَى الْكِتَابِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ وَيَنْفُذُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ تَارِيخُ الْكِتَابِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَطْلُوبِ أَوْ قَبْلَهُ وَإِذَا أَوْرَدَ عَلَى قَاضٍ كِتَابَ قَاضٍ آخَرَ بِشَيْءٍ لَا يَرَاهُ هَذَا الْقَاضِي، وَهُوَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُهُ فَرْقًا بَيْنَ الْكِتَابِ وَبَيْنَ السِّجِلِّ، فَإِنَّهُ إذَا أَوْرَدَ السِّجِلَّ مِنْ قَاضٍ إلَى آخَرَ وَهُوَ لَا يَرَى ذَلِكَ وَهُوَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُهُ وَيُمْضِيهِ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْرَدَ عَلَى قَاضٍ كِتَابًا مِنْ قَاضٍ بِحَقٍّ عَلَى رَجُلٍ وَكَانَ فِي الْكِتَابِ اسْمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَسَبُهُ وَصِنَاعَتُهُ وَفَخِذُهُ وَفِي تِلْكَ الصِّنَاعَةِ أَوْ فِي ذَلِكَ الْفَخِذِ اثْنَانِ عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ لَمْ يَقْبَلْ الْقَاضِي الْكِتَابَ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ الْكِتَابَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْقَبِيلَةِ أَوْ الصِّنَاعَةِ اثْنَانِ عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ أَنْفَذَ الْقَاضِي عَلَيْهِ الْحُكْمَ فَإِنْ قَالَ: الْمَطْلُوبُ فِي هَذَا الْفَخِذِ أَوْ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ رَجُلٌ آخَرُ عَلَى هَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَمْ تُدْفَعْ عَنْهُ الْخُصُومَةُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ. وَإِنْ قَالَ: الْمَطْلُوبُ أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْفَخِذِ أَوْ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ رَجُلٌ عَلَى هَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ قَالَ: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْفَخِذِ أَوْ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ رَجُلٌ عَلَى هَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَتَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي هَذَا الْفَخِذِ أَوْ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ رَجُلٌ عَلَى هَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَأَنَّهُ مَاتَ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتُ فُلَانٍ بَعْدَ تَارِيخِ الْكِتَابِ وَشَهَادَةِ الشُّهُودِ بِالْحَقِّ فِي كِتَابِ الْقَاضِي الْآنَ يُقْبَلُ وَتَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ، وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ عَلَى مَيِّتٍ أَحْضَرَ الْقَاضِي بَعْضَ وَرَثَتِهِ وَسَمِعَ مِنْ الشُّهُودِ وَقَبِلَ الْكِتَابَ. فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ مَالٌ مُؤَجَّلٌ وَسَأَلَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِذَلِكَ كِتَابًا فَإِنَّهُ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَيَكْتُبُ لَهُ وَيَذْكُرُ فِيهِ الْأَجَلَ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ قَالَ: وَإِذَا ادَّعَى الْمَطْلُوبُ

стр. 1456

أَنَّ الطَّالِبَ قَدْ أَبْرَأَنِي عَنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، أَوْ قَالَ: قَضَيْت الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ عَلَيَّ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَقَالَ لِلْقَاضِي: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدُمَ الْبَلْدَةَ الَّتِي فِيهَا الطَّالِبُ وَأَخَافَ أَنْ يَأْخُذَنِي بِالْمَالِ وَيَجْحَدَ الْإِبْرَاءَ وَالِاسْتِيفَاءَ وَشُهُودِي هَهُنَا، فَاسْمَعْ مِنْ شُهُودِي وَاكْتُبْ لِي إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مِنْ شُهُودِهِ؛ وَلَا يَكْتُبُ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَكْتُبُ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: جَحَدَنِي الِاسْتِيفَاءَ مَرَّةً وَخَاصَمَنِي مَرَّةً فَأَنَا أَخَافُ أَنْ يُخَاصِمَنِي مَرَّةً أُخْرَى فَاسْمَعْ مِنْ شُهُودِي فَاكْتُبْ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنَّهُ يَكْتُبُ. وَمِنْ جِنْسِ مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ عَلَى الْغَائِبِ مَسْأَلَتَانِ أُخْرَيَانِ: أَحَدُهُمَا مَسْأَلَةُ الشُّفْعَةِ. وَصُورَتُهَا رَجُلٌ قَالَ لِلْقَاضِي: إنِّي اشْتَرَيْت دَارًا وَفُلَانٌ الْغَائِبُ شَفِيعُهَا وَقَدْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ وَأَخَافُ أَنِّي إذَا ذَهَبْت ثَمَّةَ يَأْخُذُنِي بِالشُّفْعَةِ وَيُنْكِرُ التَّسْلِيمَ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَيَكْتُبَ بِذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي قُلْنَا. الثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ الطَّلَاقِ. وَصُورَتُهَا امْرَأَةٌ قَالَتْ لِلْقَاضِي: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا وَهُوَ فِي بَلْدَةِ كَذَا الْيَوْمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَذْهَبَ إلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَأَخَافُ أَنَّ زَوْجِي يُنْكِرُ طَلَاقِي فَاسْمَعْ مِنْ شُهُودِي وَاكْتُبْ لِي إلَى قَاضِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ، فَالْقَاضِي هَلْ يُجِيبُهَا؟ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي حَضَرَ الْقَاضِي أَخْبَرَهُ عَنْ الْجُحُودِ وَالْخُصُومَةِ مَرَّةً سَمِعَ بَيِّنَتَهُ وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَبْرَأَ الْمَطْلُوبَ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ كَانَ الشَّفِيعُ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ عِنْدَ الْقَاضِي يَكْتُبُ مَا سَمِعَ مِنْهُمْ وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ظَاهِرٌ قَالُوا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْتُبَ. وَإِذَا أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ بِعِلْمِهِ فَاعْلَمْ بِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ بِمَنْزِلَةِ قَضَائِهِ بِعِلْمِهِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَّا أَنَّ فِي فَصْلِ الْكِتَابَةِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي صُورَةٍ وَهُوَ مَا إذَا عَلِمَ بِالْحَادِثَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَقْضَى ثُمَّ اُسْتُقْضِيَ. بَعْضُهُمْ قَالُوا: لَا يَكْتُبُ بِذَلِكَ الْعِلْمِ كَمَا لَا يَقْضِي بِذَلِكَ الْعِلْمِ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: يَكْتُبُ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ فِي دَارٍ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ وَبِقَبْضِهَا أَوْ بِإِجَارَتِهَا وَأَرَادَ كِتَابَ الْقَاضِي فَالْقَاضِي يَكْتُبُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْقَاضِي عَرَّفَ الْمُوَكِّلَ أَثْبَتَ مَعْرِفَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ يَكْتُبُ، وَقَدْ سَأَلْته الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ فُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا ثُمَّ يَكْتُبُ وَقَدْ وَكَّلَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ يَذْكُرُ اسْمَ الْوَكِيلِ وَنَسَبَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ رَسْمِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّارِ يَكْتُبُ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّارِ الَّتِي بِالْكُوفَةِ فِي بَنِي فُلَانٍ، وَإِذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِيهَا يَكْتُبُ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِي دَارِهِ الَّتِي بِالْكُوفَةِ (فَالْحَاصِلُ) أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَذْكُرَ فِي الْكِتَابِ مَا يُوَكِّلُهُ بِهِ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ حَاضِرًا حَلَّاهُ زِيَادَةً فِي التَّعْرِيفِ، وَإِنْ تَرَكَ لَا يَضُرُّهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا بِالْكُوفَةِ يَكْتُبُ: وَكَّلَ رَجُلًا ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الْغَائِبِ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِعُلَمَائِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ قَبْلَ قَبُولِهِ

стр. 1457

دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ كَمَا فِي تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ، ثُمَّ إذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فَالْقَاضِي يُحْضِرُ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ وَيَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكِتَابِ وَالْخَاتَمِ بِحَضْرَتِهِ وَيَفْتَحُ الْكِتَابَ بَعْدَ مَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَيَقْرَؤُهُ عَلَى الشُّهُودِ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى مَا فِيهِ، وَبَعْدَ مَا ذُكِرَ سَأَلَ الْوَكِيلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَإِنْ أَقَامَهَا سَأَلَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ عَنْ الدَّارِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُوَكِّلِ أَمَرَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ وَإِنْ سَأَلَ الْوَكِيلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكِتَابَةِ فَحَسَنٌ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ الْوَكِيلَ أَوَّلًا بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ثُمَّ يَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكِتَابِ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْوَكَالَةِ فِي الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ وَالْعُرُوضِ الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ. قَالَ: وَلِلْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فِي الدَّارِ أَنْ يُخَاصِمَ مَنْ نَازَعَهُ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ التَّوْكِيلِ. وَلَوْ كَانَ الْمُوَكِّلُ سَمَّى رَجُلًا بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ غَيْرَهُ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالْإِجَارَةِ إلَّا أَنْ يُؤَاجِرَ الدَّارَ وَيَكُونَ خَصْمًا لِمَنْ أَجَّرَهَا مِنْهُ قَالَ: وَإِذَا وَكَّلَتْ الْمَرْأَةُ بِمَهْرِهَا وَنَفَقَتِهَا وَكِيلًا وَطَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي كِتَابًا فِي ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَذْكُرَ فِي كِتَابِهِ: وَذَكَرَتْ أَنَّ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ الْمَهْرِ كَذَا، وَقَدْ وَكَّلَتْ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ بِقَبْضِ ذَلِكَ مِنْ زَوْجِهَا وَبِالْخُصُومَةِ فِيهِ إنْ أَنْكَرَ. وَإِنَّمَا يَكْتُبُ وَبِالْخُصُومَةِ فِيهِ؛ تَحَرُّزًا عَنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ، وَيَكْتُبُ أَيْضًا: وَكَّلَتْهُ بَطَلَتْ نَفَقَتُهَا مِنْ زَوْجِهَا وَبِالْخُصُومَةِ فِيهَا، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي يُحْضِرُ الزَّوْجَ وَيَسْأَلُ عَنْ الْمَهْرِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ، وَلَوْ كَانَتْ وَكَّلَتْهُ بِمَهْرِهَا وَبِالْخُصُومَةِ فِي نَفَقَتِهَا حَتَّى يَفْرِضَ لَهَا كُلَّ شَهْرٍ نَفَقَةً مُسَمَّاةً وَكُلَّ سَنَةٍ كِسْوَةً مُسَمَّاةً، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْ الْبَيِّنَةَ إلَّا بِحَضْرَةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَصْمُ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ سَأَلَهُ عَنْ الْمَهْرِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَخَذَهُ مِنْهُ وَيَفْرِضُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ مَا يَصْلُحُهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِكِتَابِ الْقَاضِي فَقَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْقَاضِي شَهَادَةَ الشُّهُودِ عَلَى الْكِتَابِ تَوَارَى الْخَصْمُ فِي الْبَلْدَةِ قِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: يَبْعَثُ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اُخْرُجْ فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ نَصَبْت عَلَيْك وَكِيلًا وَقَضَيْت عَلَى الْوَكِيلِ. وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُصَحِّحُوا هَذَا الْقَوْلَ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. قَالَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ فِي عَيْبِ خَادِمٍ اشْتَرَاهُ وَأَخَذَ بِذَلِكَ كِتَابَ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْخَادِمَ لَا يُرَدُّ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ وَهُوَ الْمُشْتَرِي فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَظِرْ يَمِينَ الْمُوَكِّلِ وَرَدَّ بِالْعَيْبِ يَلْحَقُ بِالْبَائِعِ ضَرَرٌ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَلَا يَقَعُ التَّدَارُكُ بِالنُّكُولِ بِخِلَافِ فَصْلِ الدَّيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ هَهُنَا أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ. وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ رِضَا الْمُشْتَرِي، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ وَالْجَصَّاصُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ

стр. 1458

أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ إلَّا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ رِضَا الْمُشْتَرِي. وَجْهُ مَا ذُكِرَ هُنَا أَنَّ عَلَى الْقَاضِي صِيَانَةَ قَضَائِهِ عَنْ النَّقْضِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الشُّبْهَةِ وَصِيَانَةَ حَقِّ الْعِبَادِ، وَذَلِكَ بِانْتِظَارِ يَمِينِ الْمُشْتَرِي وَاعْتَبَرَهُ بِمَا إذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ مَوْتِ الْبَائِعِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَحْلِفُ الْمُشْتَرِيَ بِاَللَّهِ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْوَارِثُ ذَلِكَ وَوَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْقَاضِيَ نُصِبَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ لَا لِإِنْشَائِهَا وَفِي الِاسْتِحْلَافِ بِدُونِ طَلَبِ الْمُدَّعِي إنْشَاءُ الْخُصُومَةِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ الْوَلِيُّ فِي بَابِ الْقِصَاصِ بِاَللَّهِ مَا عَفَا بِدُونِ طَلَبِ الْقَاتِلِ، وَالْقِصَاصُ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَأَنْ لَا يُسْتَحْلَفَ هَهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ لِلنَّظَرِ لِلْبَائِعِ وَالْبَائِعُ قَادِرٌ عَلَى النَّظَرِ لِنَفْسِهِ بِأَنْ يَدَّعِيَ الرِّضَا عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِنْ تَرَكَ الدَّعْوَى لَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ فَلَا يُنْظَرُ لَهُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي اُسْتُشْهِدَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَالْقَاضِي نُصِبَ نَاظِرًا لِكُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، فَلِهَذَا يُسْتَحْلَفُ لَهُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَالْوَالِي عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ الْكِتَابَ الْحُكْمِيَّ فَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ قَدْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يُوَلِّهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَالِي قَلَّدَ إنْسَانًا وَأَجَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ هَلْ يُقْبَلُ كِتَابُ هَذَا الْقَاضِي يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَذِنَ لِهَذَا الْوَالِي بِالتَّقْلِيدِ قُبِلَ كِتَابُهُ وَمَا لَا فَلَا. ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ إنْ كَتَبَ الْخَلِيفَةُ إلَى قُضَاتِهِ إذَا كَانَ الْكِتَابُ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي لَا يُقْبَلُ إلَّا بِالشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَأَمَّا كِتَابُهُ أَنَّهُ وَلَّى فُلَانًا أَوْ عَزَلَ فُلَانًا فَيُقْبَلُ عَنْهُ بِدُونِ تِلْكَ الشَّرَائِطِ وَيَعْمَلُ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ حَقٌّ وَيَمْضِي عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ كِتَابِ سَائِرِ الرَّعَايَا بِشَيْءٍ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ بِدُونِ تِلْكَ الشَّرَائِطِ وَيَعْمَلُ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ حَقٌّ، كَذَا هُنَا. قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَلَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى كِتَابِ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ لِذِمِّيٍّ عَلَى ذِمِّيٍّ. وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلٌ جَاءَ بِكِتَابِ قَاضٍ إلَى قَاضٍ آخَرَ وَقَبِلَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ الْكِتَابَ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الْكِتَابِ ثُمَّ قَدِمَ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ مِصْرَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فَإِنَّ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ لَا يَعْمَلُ بِالْكِتَابِ وَيَأْمُرُ الطَّالِبَ أَنْ يُحْضِرَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ. إبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا غَلَبَ الْخَوَارِجُ عَلَى بَلْدَةٍ وَاسْتَقْضَوْا عَلَيْهَا قَاضِيًا مِنْ أَهْلِ الْبَلْدَةِ فَكَتَبَ هَذَا الْقَاضِي كِتَابًا إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ فَإِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَعْلَمُ أَنَّ الشُّهُودَ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَ الْكَاتِبِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ لَا يَقْبَلُ الْكِتَابَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الشُّهُودَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ قَبِلَ الْكِتَابَ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الشُّهُودَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْخَوَارِجِ لَا يَقْبَلُ الْكِتَابَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.

стр. 1459

[الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي التَّحْكِيمِ] ِ) تَفْسِيرُهُ تَصْيِيرُ غَيْرِهِ حَاكِمًا فَيَكُونُ الْحَكَمُ فِيمَا بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ كَالْقَاضِي فِي حَقِّ كَافَّةِ النَّاسِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُصْلِحِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ بِأَنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ وَشَرْطُ جَوَازِهِ أَنْ يَكُونَ الْحَكَمُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَقْتَ التَّحْكِيمِ وَوَقْتَ الْحُكْمِ أَيْضًا حَتَّى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ وَقْتَ التَّحْكِيمِ وَصَارَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ وَقْتَ الْحُكْمِ بِأَنْ كَانَ الْحَكَمُ عَبْدًا فَأُعْتِقَ أَوْ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ وَحَكَمَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَحُكْمُ هَذَا الْحَكَمِ يُفَارِقُ حُكْمَ الْقَاضِي الْمُوَلَّى مِنْ حَيْثُ إنَّ حُكْمَ هَذَا الْحَكَمِ إنَّمَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الْخَصْمَيْنِ وَمَنْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ، وَلَا يَتَعَدَّى إلَى مَنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ بِخِلَافِ الْقَاضِي الْمُوَلَّى، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ. وَالْفَاسِقُ إذَا حَكَمَ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ عِنْدَنَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَكِّمَيْنِ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا حَكَمَ لَزِمَهُمَا، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ تَحْكِيمِ الذِّمِّيِّ أَنْ لَوْ كَانَ الذِّمِّيُّ حَكَمًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا لَوْ كَانَ الذِّمِّيُّ حَكَمًا فِيمَا بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ. وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَإِنْ حَكَمَ الذِّمِّيُّ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ تَرَاضِيهِمَا عَلَيْهِ فِي حَقِّهِمَا كَتَقْلِيدِ السُّلْطَانِ إيَّاهُ وَتَقْلِيدِ حُكُومَةِ الذِّمِّيِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَحِيحٌ وَتَقْلِيدُهُ بِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَاطِلٌ وَكَذَلِكَ التَّحْكِيمُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَيَصِحُّ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَمْلِكَانِ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا وَهُوَ حُقُوقُ الْعِبَادِ وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَمْلِكَانِ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا، وَهُوَ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَجُوزَ التَّحْكِيمُ فِي الْأَمْوَالِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْقِصَاصِ وَتَضْمِينِ السَّرِقَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ وَلَا يَجُوزُ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي الْقِصَاصِ وَيَنْفُذُ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِي سَائِرِ الْمُجْتَهِدَاتِ نَحْوَ الْكِنَايَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لَكِنَّ مَشَايِخَنَا امْتَنَعُوا عَنْ هَذَا لِلْفَتْوَى كَيْ لَا يَتَجَاسَرَ الْعَوَامُّ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ فِي دَمِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَمْ تَرْضَ بِهِ وَحُكْمُ الْمُحَكَّمِ إنَّمَا يَنْفُذُ عَلَى مَنْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ. وَإِنْ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ خَطَأً فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ حُكْمُهُ بِالدِّيَةِ عَلَيْهِ. حَكَّمَ الذِّمِّيَّانِ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ خَرَجَ مِنْ الْحُكُومَةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَرَادَ بِهِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا عَلَى الذِّمِّيِّ حَتَّى لَوْ حَكَمَ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ حَكَمَ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ يَجُوزُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ الْمَبْسُوطِ فَإِنَّهُ قَالَ: مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ حَكَّمَا ذِمِّيًّا جَازَ حُكْمُهُ عَلَى الذِّمِّيِّ دُونَ الْمُسْلِمِ وَكَذَلِكَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ حَكَّمَا مُسْلِمًا وَذِمِّيًّا فَإِنْ حَكَمَا لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ جَازَ وَإِنْ حَكَمَا لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ حَكَّمَا عَبْدًا وَحُرًّا فَحَكَمَا لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ فَبَقِيَ الْحُرُّ مُنْفَرِدًا بِالْحُكْمِ وَقَدْ رَضِيَا بِتَحْكِيمِهِمَا فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا

стр. 1460

بِهِ. حَكَمَ ذِمِّيٌّ بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ فَأَجَازَاهُ لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ حَكَّمَاهُ فِي الِابْتِدَاءِ. ذِمِّيَّانِ حَكَّمَا ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ الْحَكَمُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَهُوَ عَلَى حُكُومَتِهِ. مُسْلِمٌ وَمُرْتَدٌّ حَكَّمَا حَكَمًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَسْلَمَ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا جَازَ بِكُلِّ حَالٍ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَا بَيْنَهُمَا امْرَأَةً يَعْنِي يَجُوزُ إذَا حَكَّمَا بَيْنَهُمَا امْرَأَةً وَأَرَادَ بِهِ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّحْكِيمَ يُبْتَنَى عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْمَرْأَةُ تَصْلُحُ شَاهِدَةً فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَتَصْلُحُ حَكَمًا وَلَا تَصْلُحُ شَاهِدَةً فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَلَا تَصْلُحُ حَكَمًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ مُعَلَّقًا بِالْأَخْطَارِ وَلَا مُضَافًا إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَصِحُّ. وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ لَا يَصِحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة صُورَةُ التَّعْلِيقِ إذَا قَالَا لِلْعَبْدِ: إذَا أَعْتَقْت فَاحْكُمْ بَيْنَنَا. أَوْ قَالَا لِرَجُلٍ: إذَا أَهَلَّ الْهِلَالُ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا. وَصُورَةُ الْإِضَافَةِ إذَا قَالَا لِرَجُلٍ: جَعَلْنَاك حَكَمًا غَدًا، أَوْ قَالَا: رَأْسَ الشَّهْرِ. وَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ فُلَانًا الْفَقِيهَ ثُمَّ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا جَازَ. وَكَذَا إذَا اصْطَلَحَا عَلَى حَكَمٍ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ الْفُقَهَاءَ ثُمَّ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ جَازَ، فَإِنْ سَأَلَ ذَلِكَ الْفَقِيهَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا جَازَ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِذَا سَأَلَ فَقِيهًا وَاحِدًا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَحَكَمَ بِقَوْلِهِ: جَازَ أَيْضًا. وَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فِي يَوْمِهِ هَذَا أَوْ مَجْلِسِهِ هَذَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ مَضَى ذَلِكَ الْيَوْمُ وَقَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ لَا يَبْقَى حَكَمًا. وَإِذَا رُفِعَ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ إلَى الْقَاضِي الْمُوَلَّى فَالْقَاضِي يَنْظُرُ فِي حُكْمِهِ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ نَفَذَهُ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ أَبْطَلَهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ. وَإِذَا اصْطَلَحَ الرَّجُلَانِ عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَعْلَمَاهُ وَلَكِنَّهُمَا قَدْ اخْتَصَمَا إلَيْهِ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا جَازَ. وَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى غَائِبٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَقَدِمَ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا جَازَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ فَأَيُّهُمَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا جَازَ وَإِذَا تَقَدَّمَا إلَى أَحَدِهِمَا فَقَدْ عَيَّنَاهُ لِلْخُصُومَةِ وَلَا يَبْقَى الْآخَرُ حَكَمًا، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَلَوْ سَافَرَ الْحَكَمُ أَوْ مَرِضَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ بَرِئَ وَحَكَمَ جَازَ. وَلَوْ عَمِيَ الْحَكَمُ ثُمَّ ذَهَبَ الْعَمَى وَحَكَمَ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَكَمَ لَا يَجُوزُ. وَلَوْ وَجَّهَ الْحَكَمُ الْقَضَاءَ عَلَى أَحَدِهِمَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْحَكَمَ قَالَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ: قَامَتْ عِنْدِي الْحُجَّةُ بِمَا ادَّعَى عَلَيْك مِنْ الْحَقِّ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ عَزَلَهُ ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ. وَإِذَا وَكَّلَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْحَكَمَ بِالْخُصُومَةِ وَقَبِلَ الْحَكَمُ الْوَكَالَةَ خَرَجَ عَنْ الْحُكُومَةِ. ذُكِرَ فِي الْأَقْضِيَةِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: هَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بَلْ مَا ذَكَرْنَا هُنَا قَوْلُ الْكُلِّ. وَإِذَا اشْتَرَى الْحَكَمُ الْعَبْدَ

стр. 1461

الَّذِي اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِيهِ أَوْ اشْتَرَاهُ ابْنُهُ أَوْ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْحُكُومَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَوْ أُخْبِرَ الْمُحَكَّمُ بِإِقْرَارِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِأَنْ يَقُولَ لِأَحَدِهِمَا: اعْتَرَفْت عِنْدِي لِهَذَا بِكَذَا أَوْ بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: قَامَتْ عِنْدِي عَلَيْك بَيِّنَةٌ لِهَذَا بِكَذَا فَعُدِّلُوا عِنْدِي وَقَدْ أَلْزَمْتُك ذَلِكَ وَحَكَمْت بِهِ لِهَذَا عَلَيْك؛ فَأَنْكَرَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِشَيْءٍ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَمَضَى الْقَضَاءُ وَنَفَذَ. وَإِنْ أُخْبِرَ الْمُحَكَّمُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: كُنْت حَكَمْت عَلَيْك لِهَذَا بِكَذَا لَمْ يُصَدَّقْ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. وَلَوْ حَكَّمَا رَجُلَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا حَتَّى لَوْ حَكَمَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَا يُصَدَّقَانِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكُومَةِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُمَا كَسَائِرِ الرَّعَايَا بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكُومَةِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى قَوْلٍ بَاشَرَاهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. حَكَّمَا رَجُلًا فَأَجَازَ الْقَاضِي حُكُومَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ ثُمَّ حَكَمَ بِخِلَافِ رَأْيِ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ. حَكَّمَا رَجُلًا فَقَضَى لِأَحَدِهِمَا ثُمَّ حَكَّمَا آخَرَ يَنْفُذُ حُكْمُ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ جَوْرًا أَبْطَلَهُ. حَكَّمَا رَجُلًا فَحَكَمَ ثُمَّ حَكَّمَا آخَرَ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِسِوَى ذَلِكَ وَلَا يَعْلَمُ بِالْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَا إلَى الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُنَفِّذُ حُكْمَ الْمُوَافِقِ لِرَأْيِهِ. حَكَّمَا رَجُلًا مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَا: لَمْ تَحْكُمْ بَيْنَنَا، وَقَالَ: حَكَمْت؛ فَالْحُكْمُ مُصَدَّقٌ مَادَامَ فِي مَجْلِسِهِ وَلَا يُصَدَّقُ بَعْدَهُ. أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ وَأَنَّهُ يَجْحَدُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَلَوْ شَهِدَ الْحَكَمُ أَنَّهُ قَضَى بِالْبَيِّنَةِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ؛ جَازَ كَمَا يَجُوزُ مِنْ الْقَاضِي. شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْحَكَمَ قَضَى لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ الْحَكَمَ أَبْرَأَهُ مِنْ الْأَلْفِ الْمُدَّعَاةِ وَالْحَكَمُ غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ يُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ؛ يُقْضَى بِالْبَرَاءَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ فِي دَارٍ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْحَكَمَ قَدْ قَضَى بِهَا لِهَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ لِلْآخَرَانِ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ أَحَدِهِمَا يَقْضِي لَهُ إنْ كَانَتْ فِي يَدَيْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَرْضَى بِحُكْمِهِ تُتْرَكُ فِي يَدِهِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. وَلَوْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا فِي أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّ الْحَكَمَ قَضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ الَّذِي ادَّعَاهُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ عَنْ الْحُكُومَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْحَكَمَ قَضَى لَهُ بِالْمَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْحَكَمَ أَبْرَأَهُ عَنْ الْمَالِ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الْحَكَمَ أَبْرَأَهُ عَنْ الْمَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّ الْحَكَمَ قَضَى لَهُ بِالْمَالِ يَوْمَ السَّبْتِ فَإِنَّ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ نَافِذٌ وَالْقَضَاءَ الثَّانِيَ بَاطِلٌ. وَلَا يَجُوزُ كِتَابُ

стр. 1462

الْحَكَمِ إلَى الْقَاضِي وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى حَكَمٍ حَكَّمَهُ رَجُلَانِ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَا يَحْكُمُ الْحَكَمُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى قَاضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ إلَيْهِ إلَّا إذَا أَرْضَى الْخَصْمَانِ أَنْ يُنْفِذَ الْحَكَمُ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا فَيَجُوزُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِحُكْمِهِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. وَإِذَا رَدَّ الْحَكَمُ شَهَادَةَ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ بِتُهْمَةٍ ثُمَّ شَهِدَ أُولَئِكَ الشُّهُودُ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ أَوْ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْهُمْ فَإِنْ عُدِّلُوا أَجَازَهُمْ وَأَنْ جُرِّحُوا رَدَّهُمْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَدَّ الْقَاضِي الْمُوَلَّى شَهَادَتَهُمْ، وَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا وَأَجَازَ الْقَاضِي حُكُومَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا؛ فَهَذِهِ الْإِجَازَةُ مِنْ الْقَاضِي لَغْوٌ حَتَّى لَوْ حَكَمَ الْحَكَمُ بِخِلَافِ رَأْيِ الْقَاضِي فَلِلْقَاضِي أَنْ يُبْطِلَهُ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مَأْذُونًا فِي الِاسْتِخْلَافِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي الِاسْتِخْلَافِ فَيَجِبُ أَنْ تَجُوزَ إجَازَتُهُ وَتُجْعَلُ إجَازَةُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ اسْتِخْلَافِهِ إيَّاهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حُكْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يُفَوِّضَ التَّحْكِيمَ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يَرْضَيَا بِتَحْكِيمِهِ غَيْرَهُ فَإِنْ فَوَّضَ وَحَكَمَ الثَّانِي بِغَيْرِ رِضَاهُمَا وَأَجَازَ الْحَكَمُ الْأَوَّلُ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْخَصْمَانِ. وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِنْ أَجَازَهُ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ؛ لَا يَجُوزُ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فَإِنَّهُ كَالْوَكِيلِ الْأَوَّلِ إذَا أَجَازَ بَيْعَ الْوَكِيلِ الثَّانِي جَازَ وَكَالْقَاضِي إذَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ إذَا أَجَازَ حُكْمَ خَلِيفَتِهِ جَازَ وَذُكِرَ فِي السِّيَرِ إذَا نَزَلَ قَوْمٌ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ فَحَكَمَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أَجَازَ الْأَوَّلُ حُكْمَهُ جَازَ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: إنَّ إجَازَتَهُ بَاطِلَةٌ أَيْ إجَازَتُهُ تَحْكِيمَهُ وَتَفْوِيضَهُ إلَى الثَّانِي بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْهُ بِالتَّحْكِيمِ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَصِحُّ فَكَذَا فِي الِانْتِهَاءِ، فَأَمَّا إجَازَتُهُ حُكْمَ الثَّانِي فَتَجُوزُ كَأَنَّهُ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْعِبَارَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ عَلَيْهِمَا بِعِبَارَةِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ إجَازَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بَيْعَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفُذُ بِدُونِ الْعِبَارَةِ بِالتَّعَاطِي، فَكَانَ الْمَقْصُودُ بِالتَّوْكِيلِ حُضُورَ رَأْيِ الْوَكِيلِ عِنْدَ الْبَيْعِ لَا عِبَارَتَهُ فَإِذَا أَجَازَ بَيْعَ الثَّانِي فَقَدْ حَضَرَ رَأْيُهُ ذَلِكَ الْعَقْدَ فَصَحَّ، وَبِخِلَافِ إجَازَةِ الْقَاضِي حُكْمَ خَلِيفَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ الْقَضَاءَ بِمَا قَضَى خَلِيفَتُهُ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْخَصْمَيْنِ أَفَلَا يَمْلِكُ أَيْضًا إجَازَةَ قَضَاءِ الْغَيْرِ عَلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُمَا، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. وَإِذَا حَكَمَ رَجُلٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَمْ يَكُونَا حَكَّمَاهُ فَقَالَا بَعْدَ حُكْمِهِ: رَضِينَا بِحُكْمِهِ وَأَجَزْنَاهُ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِذَا اصْطَلَحَ رَجُلَانِ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِذَا قَضَى أَحَدُهُمَا عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَقَضَى الْآخَرُ عَلَى خَصْمِهِ لَا يَجُوزُ وَإِذَا حَلَفَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَقَضَى عَلَيْهِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَا أُجِيزُ حُكْمَهُ عَلَيَّ وَأَحْلِفُ؛ فَحُكْمُهُ عَلَيْهِ مَاضٍ. وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي مِنْ الِابْتِدَاءِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ وَعُدِّلُوا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَازَ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ الْحُكْمَ وَأَنْكَرَ التَّحْكِيمَ وَادَّعَى الْمُدَّعِي

стр. 1463

ذَلِكَ كَانَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ التَّحْكِيمِ وَالْحُكْمِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الشُّهُودُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى التَّحْكِيمِ غَيْرَ الَّذِينَ جَرَى الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ جَرَى الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَفِي الزِّيَادَاتِ إذَا رُفِعَ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ إلَى قَاضٍ وَهُوَ يَرَى خِلَافَ مَا حَكَمَ فَنَفَّذَهُ مَعَ ذَلِكَ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى رَدَّ حُكْمِ الْمُحَكَّمِ أَيْضًا فَالْقَاضِي الثَّانِي لَا يَرُدُّهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ فَادَّعَى أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ ضَمِنَهُ لَهُ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَالْكَفِيلُ غَائِبٌ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ عَلَى الْمَالِ وَعَلَى الْكَفَالَةِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَحَكَمَ الْمُحَكَّمُ بِالْمَالِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِالْكَفَالَةِ عَنْهُ فَحُكْمُهُ جَائِزٌ عَلَى الْمَالِ الْمُدَّعَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِحُكْمِهِ وَالْكَفِيلُ لَمْ يَرْضَ فَصَحَّ التَّحْكِيمُ فِي حَقِّهِمَا دُونَ الْكَفِيلِ، وَكَذَلِكَ إنْ حَضَرَ الْكَفِيلُ وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ غَائِبٌ فَتَرَاضَى الطَّالِبُ وَالْكَفِيلُ وَالْكَفَالَةُ بِذَلِكَ بِأَمْرِ الْمَطْلُوبِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَحَكَمَ الْمُحَكَّمُ بِذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ جَائِزًا عَلَى الْكَفِيلِ دُونَ الْمَكْفُولِ عَنْهُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ. وَإِذَا حَكَّمَا رَجُلًا بَيْنَهُمَا فَقَضَى لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ قَضَائِهِ وَقَضَى لِلْآخَرِ فَإِنَّ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ مَاضٍ وَالْقَضَاءَ الثَّانِيَ بَاطِلٌ. وَإِذَا اصْطَلَحَ الرَّجُلَانِ عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَ قَاضٍ أَنَّ الْحَكَمَ قَضَى لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ هَذَا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجْحَدُ أَوْ يُقِرُّ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ بَيِّنَتَهُ، وَإِذَا اصْطَلَحَ الرَّجُلَانِ عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَقَضَى لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي بَعْضِ الدَّعَاوَى الَّذِي حَكَّمَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ عَنْ تَحْكِيمِ هَذَا الْحَكَمِ فِيمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا مِنْ الدَّعَاوَى فَإِنَّ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ نَافِذٌ، وَمَا يُقْضَى بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ. وَإِذَا. اصْطَلَحَ الْخَصْمَانِ عَلَى حَكَمٍ بَيْنَهُمَا فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ أَنَّ لَهُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَعَلَى كَفِيلِهِ الْغَائِبِ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: الشَّاهِدَانِ عَبْدَانِ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ طَعْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ الشَّاهِدَانِ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ مَوْلَاهُمَا قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُمَا وَعُدِّلَتْ بَيِّنَةُ الْعِتْقِ فَالْحَكَمُ يَقْضِي بِعِتْقِهِمَا فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَيَقْضِي بِالْمَالِ عَلَيْهِ وَلَا يَقْضِي بِهِ عَلَى الْكَفِيلِ وَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى بِحُكْمِ الْحَكَمِ، وَإِنْ كَانَ حَصَلَ هَذَا مِنْ الْقَاضِي الْمُوَلَّى يَثْبُتُ الْعِتْقُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَيَثْبُتُ الْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ فَإِنْ جَاءَ مَوْلَى الْعَبْدَيْنِ وَأَنْكَرَ الْعِتْقَ وَقَدَّمَهُمَا إلَى الْقَاضِي فَإِنْ شَهِدَ هَذَانِ الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ شَهِدَ بِعِتْقِهِمَا عِنْدَ الْحَكَمِ وَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ عَلَى الْعِتْقِ وَقَضَى الْقَاضِي بِرِقِّهِمَا لِلْمَوْلَى أَبْطَلَ حُكْمَ الْحَكَمِ. قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ قَبْلَ رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا غَصَبَاهُ ثَوْبًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الْكَيْلِيِّ أَوْ الْوَزْنِيِّ فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَرَضِيَ الْحَاضِرُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى حَقِّهِ عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْحَاضِرَ نِصْفُهُ وَلَا يَلْزَمُ الْغَائِبَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى مَيِّتٍ دَيْنًا وَوَرَثَتُهُ غُيَّبٌ إلَّا وَاحِدًا

стр. 1464

فَاصْطَلَحَ هَذَا الْوَارِثُ مَعَ الْمُدَّعِي عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْمَيِّتِ بِحَقِّهِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْغُيَّبِ، غَيْرَ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَيَسْتَوْفِي ذَلِكَ مِمَّا فِي يَدِهِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ بِالنِّصْفِ. وَإِذَا اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا وَقَبَضَهُ وَنَقَدَ الثَّمَنَ ثُمَّ طَعَنَ بِعَيْبٍ وَاصْطَلَحَا عَلَى حَكَمٍ فَقَضَى بِالرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ فِي ذَلِكَ الْعَيْبِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ اصْطَلَحُوا جَمِيعًا عَلَى حُكْمِ هَذَا الْمُحَكَّمِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَالْبَائِعُ الْأَوَّلُ، وَرَدَّ هُوَ الْعَبْدَ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي فَأَرَادَ الْبَائِعُ الثَّانِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قِيَاسًا، وَلَهُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِخَصْمٍ لِلْحَالِ إذْ لَا خُصُومَةَ مَعَهُ فِي الْعَيْبِ قَبْلَ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ تَحْكِيمُهُ مَعْنًى فِي الْعَيْبِ قَبْلَ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ فَصَارَ وُجُودُ هَذَا التَّحْكِيمِ وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ. وَلَوْ نَقَضَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ الْحُكُومَةَ بَعْدَ مَا رَدَّ الْعَبْدَ عَلَى الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ صَحَّ النَّقْضُ، وَإِذَا صَحَّ الْعَزْلُ لَا يَمْلِكُ الْحَكَمُ رَدَّ الْعَبْدِ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ خَاصَمَ الْبَائِعُ الثَّانِي الْبَائِعَ الْأَوَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذَا الْعَيْبِ عِنْدَ قَاضٍ مِنْ الْقُضَاةِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرُدَّهُ الْقَاضِي عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرُدُّهُ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ سِلْعَةَ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ فَطَعَنَ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا حَكَمًا بِرِضَا الْآمِرِ فَرَدَّهَا الْحَكَمُ عَلَى الْبَائِعِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَيْبِ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ بِنُكُولِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ، فَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِنُكُولِ الْوَكِيلِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِإِقْرَارِهِ بِالْعَيْبِ وَذَلِكَ عَيْبٌ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ يَحْدُثُ مِثْلُهُ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْمُوَكَّلِ وَإِنْ كَانَتْ الْحُكُومَةُ بِغَيْرِ رِضَا الْآمِرِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ اشْتَرَى عَبْدًا لِرَجُلٍ بِأَمْرِهِ فَطَعَنَ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ بِهِ وَحَكَّمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا بِرِضَا الْآمِرِ وَرَدَّهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِنُكُولٍ؛ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى الْآمِرِ وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَلَوْ كَانَ التَّحْكِيمُ بِغَيْرِ رِضَا الْآمِرِ وَرُدَّ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَكَانَ الرَّدُّ جَائِزًا عَلَى الْآمِرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. فِي الْيَتِيمَةِ وَسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ وَصِيِّ الصَّغِيرِ وَعَنْ غَرِيمِ أَبِي الصَّغِيرِ إذَا حَكَّمَا رَجُلًا فَأَقَامَ الْغَرِيمُ عَلَى وَصِيِّ الصَّغِيرِ بَيِّنَةً عِنْدَهُ هَلْ لِلْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى وَصِيِّ الصَّغِيرِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ أَمْ يَكُونُ لِلْقَاضِي خَاصَّةً؟ فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَيْءٍ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الصَّغِيرِ. وَسُئِلَ عَنْهَا أَبُو حَامِدٍ فَقَالَ: لَا. وَسُئِلَ عَنْهَا حِمْيَرُ الْوَبَرِيُّ، فَقَالَ: إنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ نَظَرٌ لِلصَّبِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ وَيَنْفُذَ حُكْمُهُ فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ صُلْحِ الْوَصِيِّ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. [الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي إثْبَاتِ الْوَكَالَةِ وَالْوِرَاثَةِ وَفِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ] (الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي إثْبَاتِ الْوَكَالَةِ وَالْوِرَاثَةِ وَفِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ) قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَهُ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ بِالْكُوفَةِ وَبِقَبْضِهِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى

стр. 1465

الْوَكَالَةِ وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ وَلَمْ يُحْضِرْ الْوَكِيلُ أَحَدًا لِلْمُوَكِّلِ قِبَلَهُ حَقٌّ وَأَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ الْوَكَالَةَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ مِنْ شُهُودِهِ حَتَّى يُحْضِرَ خَصْمًا قَالَ: وَإِنْ أَحْضَرَ رَجُلًا فَادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ مُقِرٌّ أَوْ جَاحِدٌ لَهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ مِنْ شُهُودِ الْوَكِيلِ عَلَى الْوَكَالَةِ وَيُنْفِذُ لَهُ الْوَكَالَةَ، قَالَ: فَإِنْ أَحْضَرَ غَرِيمًا آخَرَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ وَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِالْوَكَالَةِ عَلَى كُلِّ خَصْمٍ يَحْضُرُ، وَيَدَّعِي قِبَلَهُ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ وَكَالَةً بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ قِبَلَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي مِنْ شُهُودِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ قِبَلَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ حَضَرَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قِبَلَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ حَضَرَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ ثُمَّ جَاءَ بِخَصْمٍ آخَرَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ مَرَّةً أُخْرَى بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُوَكِّلَ حَضَرَ لِيُوَكِّلَ عِنْدَ الْقَاضِي هَذَا الْوَكِيلَ فَقَالَ: وَكَّلْت هَذَا الْوَكِيلَ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لِي بِالْكُوفَةِ وَبِالْخُصُومَةِ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ لِلْمُوَكِّلِ قِبَلَهُ حَقٌّ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ الْمُوَكَّلَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ قَبِلَ الْقَاضِي وَكَالَتَهُ وَأَنْفَذَهَا لِلْوَكِيلِ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْوَكِيلُ أَحَدًا يَدَّعِي عَلَيْهِ لِلْمُوَكِّلِ وَقَدْ غَابَ الْمُوَكِّلُ كَانَ الْوَكِيلُ خَصْمًا لَهُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُ الْمُوَكَّلَ لَا يَقْبَلُ الْوَكَالَةَ، كَذَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ الْقَاضِي لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي وَادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِاسْمِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَأَنَّ هَذَا الْمَالَ لِي وَأَنَّ فُلَانًا الَّذِي بِاسْمِهِ الْمَالُ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لِي وَأَنَّ اسْمَهُ عَارِيَّةٌ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ قَدْ وَكَّلَنِي بِقَبْضِ ذَلِكَ مِنْهُ وَبِالْخُصُومَةِ فِيهِ؛ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى فَإِنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمُدَّعِي وَهَذَا لَمَّا عُرِفَ أَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ فَإِقْرَارُهُ مِنْهُ بِذَلِكَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي مَالِهِ فَيَنْفُذُ، فَقَدْ شَرَطَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ فُلَانًا الَّذِي بِاسْمِهِ الْمَالُ وَكَّلَنِي بِقَبْضِ الْمَالِ وَجُعِلَ هَذَا جَوَابَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ إذَا أَقَرَّ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي عَلَيْهِ بِاسْمِ فُلَانٍ مِلْكُ هَذَا الْمُدَّعِي أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، ثُمَّ إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ الْقَاضِي بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمُدَّعِي لَا يَكُونُ هَذَا قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، حَتَّى إذَا جَاءَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ جَحَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّعْوَى كُلَّهَا فَقَالَ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي: حَلِّفْهُ لِي؛ فَالْقَاضِي يَقُولُ لِلْمُدَّعِي: أَلَك بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَيْت مِنْ إقْرَارِ الرَّجُلِ بِالْمَالِ لَك وَمِنْ تَوْكِيلِهِ إيَّاكَ بِقَبْضِ ذَلِكَ الْمَالِ؟ ثُمَّ شُرِطَ فِي الْكِتَابِ أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِالْمَالِ وَعَلَى تَوْكِيلِهِ إيَّاهُ بِالْقَبْضِ. وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَالِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ حَقِّ الْخُصُومَةِ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ فَيَطْلُبُ الْقَاضِي مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَبَعْدَ هَذَا فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْوَكَالَةِ ثَبَتَ كَوْنُهُ

стр. 1466

خَصْمًا فَيَطْلُبُ الْقَاضِي مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ عَلَى نَحْوِ مَا ادَّعَى فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ وَيَتَعَدَّى هَذَا الْقَضَاءُ إلَى الْغَائِبِ، حَتَّى لَوْ جَاءَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْمَالِ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِاَللَّهِ مَا لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَلَا بِاسْمِهِ عَلَيْك هَذَا الْمَالُ الَّذِي سَمَّاهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، هَذَا إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْوَكَالَةِ فَقَالَ لِلْقَاضِي: إنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْلَمُ أَنَّ فُلَانًا الَّذِي بِاسْمِهِ الْمَالُ قَدْ وَكَّلَنِي بِقَبْضِ هَذَا الْمَالِ فَاسْتَحْلِفْهُ لِي عَلَى ذَلِكَ؛ فَالْقَاضِي يَسْتَحْلِفُهُ بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ، وَكَّلَ هَذَا بِقَبْضِ الْمَالِ عَلَى مَا ادَّعَى هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي. وَأَضَافَ هَذَا الْجَوَابَ إلَى أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالُوا: هَذَا الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ إلَّا أَنَّ الْخَصَّافَ خَصَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمَا، وَإِلَى هَذَا مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَوْلُهُمَا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَإِلَى هَذَا مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ إذَا حَلَّفَهُ، أَمَّا عَلَى الِاتِّفَاقِ أَوْ عَلَى الِاخْتِلَافِ إنْ حَلَفَ انْتَهَى الْأَمْرُ وَإِنْ نَكَلَ صَارَ مُقِرًّا بِالْوَكَالَةِ فَيَقْضِي الْقَاضِي بِالْوَكَالَةِ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْمَالِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْمَالِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَى أَمْرَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَالَ صَارَ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي فِي حَقِّ اسْتِحْلَافِهِ عَلَى الْمَالِ وَأَخْذِ الْمَالِ، وَلَا يَصِيرُ خَصْمًا لَهُ فِي إثْبَاتِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالْمَالِ، فَالْقَاضِي لَا يَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْوَكَالَةِ مِنْ الِابْتِدَاءِ صَرِيحًا إلَّا أَنَّهُ أَنْكَرَ الْمَالَ صَارَ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي فِي حَقِّ الِاسْتِحْلَافِ وَأَخْذِ الْمَالِ لَا فِي حَقِّ إثْبَاتِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَجُلٍ ادَّعَى أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ وَكَّلَهُ بِطَلَبِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ قِبَلَ هَذَا وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْوَكَالَةِ وَأَنْكَرَ الْمَالَ فَقَالَ الْمُدَّعِي: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ يَكُونُ خَصْمًا فِي حَقِّ اسْتِحْلَافِهِ وَفِي حَقِّ أَخْذِ الْمَالِ مِنْهُ إنْ أَقَرَّ بِالْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْمَالِ وَجَحَدَ الْوَكَالَةَ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ مِنْ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْوَكَالَةِ فَإِنْ أَقَامَ ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ بِالْبَيِّنَةِ وَصَارَ خَصْمًا مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْوَكَالَةِ حَلَّفَهُ وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي قُلْنَا فَإِنْ حَلَفَ فَقَدْ انْتَهَى الْأَمْرُ وَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ، وَلَكِنْ فِي حَقِّ أَخْذِ الْمَالِ مِنْهُ لَا فِي حَقِّ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى الْقَاضِي وَأَحْضَرَ مَعَهُ رَجُلًا آخَرَ فَادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى هَذَا وَالْخُصُومَةِ فِيهِ وَبِقَبْضِ الْعَيْنِ الَّتِي لَهُ فِي يَدِ هَذَا وَدِيعَةً

стр. 1467

وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى الْمُدَّعِي وَلَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْعَيْنِ إلَيْهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. رَجُلٌ قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي وَقَالَ: إنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ عَلَى هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ وَكَّلَنِي بِالْخُصُومَةِ فِيهِ وَفِي كُلِّ حَقٍّ لَهُ وَبِقَبْضِهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ جُمْلَةً؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالدَّيْنِ جُمْلَةً يَقْضِي بِالْوَكَالَةِ وَيُعِيدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الدَّيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكُلِّ جُمْلَةً يَقْضِي بِالْكُلِّ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّيْنِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُضْطَرِبٌ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكُلِّ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْوَكَالَةِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْضِي بِالْمَالِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَالِ، وَيُرَاعِي الْقَاضِي التَّرْتِيبَ فِي الْقَضَاءِ لَا فِي الْبَيِّنَةِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: آخُذُ بِالْقِيَاسِ لِظُهُورِ وَجْهِ الْقِيَاسِ، وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ بِالِاسْتِحْسَانِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْوَصِيُّ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الدَّيْنِ وَالْمُوصَى بِهِ جُمْلَةً، وَالْوَارِثُ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّسَبِ وَمَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَالدَّيْنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُشْتَرَطُ إثْبَاتُ الْخُصُومَةِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَقِّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. إذَا وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْخُصُومَةِ وَجَحَدَ الْمَدْيُونُ الْوَكَالَةَ وَالْمَالَ قُبِلَتْ بَيِّنَةُ الْوَكِيلِ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْمَالِ جَمِيعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْمَالِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الزِّيَادَاتِ: رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ فِي كُلِّ حَقٍّ لَهُ عَلَى النَّاسِ فَأَحْضَرَ الْوَكِيلُ رَجُلًا يَدَّعِي قِبَلَهُ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ وَهُوَ جَاحِدٌ لِلْوَكَالَةِ مُقِرٌّ بِالْحَقِّ أَوْ جَاحِدٌ لِلْحَقِّ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالْوَكَالَةِ، فَقَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ غَابَ الرَّجُلُ ثُمَّ عُدِّلَتْ الشُّهُودُ؛ فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِالْوَكَالَةِ مَا لَمْ يَحْضُرْ فَإِنْ أَحْضَرَ رَجُلًا آخَرَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ وَهُوَ جَاحِدُ الْوَكَالَةِ فَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ خَصْمًا عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ فِي حَقِّ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الْوَكَالَةِ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِكَوْنِ الْوَكَالَةِ وَاحِدَةً وَانْتَصَبَ الَّذِي أَحْضَرَ خَصْمًا عَنْ النَّاسِ كَافَّةً وَصَارَتْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْكُلِّ، وَلَوْ أَقَامَ عَلَى الْكُلِّ وَغَابَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَلَيْسَ أَنَّهُ يَقْضِي بِهَا عَلَى الْحَاضِرِ؟ كَذَا هَهُنَا وَاعْتَبَرَهُ فِي الْكِتَابِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَى الْوَكِيلِ فَغَابَ الْوَكِيلُ وَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ، أَوْ قَامَتْ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَغَابَ الْمُوَكِّلُ وَحَضَرَ الْوَكِيلُ، أَوْ قَامَتْ عَلَى الْمُوَرِّثِ حَالَ حَيَاتِهِ فَمَاتَ وَحَضَرَ الْوَارِثُ، أَوْ قَامَتْ عَلَى وَارِثٍ فَغَابَ هَذَا الْوَارِثُ وَحَضَرَ وَارِثٌ آخَرُ - فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ يَقْضِي بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الَّذِي حَضَرَ ثَانِيًا. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي وَقَالَ؛ إنَّ أَبِي فُلَانًا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا غَيْرِي وَلَهُ عَلَى هَذَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ فَاعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَّعِيَ دَيْنًا أَوْ يَدَّعِيَ عَيْنًا فِي يَدِهِ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ غَصَبَهَا هَذَا مِنْ أَبِيهِ

стр. 1468

أَوْ أَوْدَعَهَا إيَّاهُ أَبُوهُ أَوْ لَا يَتَعَرَّضُ بِشَيْءٍ فَيَذْكُرُ أَنَّهَا لِأَبِيهِ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي صَحَّ إقْرَارُهُ وَأَمَرَهُ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ إلَيْهِ، هَذَا إذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَى قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَأَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ جَمِيعًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا عَلَى الْمَوْتِ وَالنَّسَبِ حَتَّى يَصِيرَ خَصْمًا ثُمَّ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى مَا ادَّعَى ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ قَالَ الْخَصَّافُ: وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْقَائِلُ. بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: الْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الرَّازِيّ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يَحْلِفُ قَوْلُ الْكُلِّ أَيْضًا قَالَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا يُسْتَحْلَفُ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يُسْتَحْلَفُ ثُمَّ إذَا اسْتَحْلَفَ اسْتَحْلَفَ عَلَى حَاصِلِ الدَّعْوَى بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْك هَذَا الْمَالُ الَّذِي يَدَّعِي مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِي وَأَنَّهُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى النَّسَبِ وَالْمَوْتِ دُونَ الْمَالِ اسْتَحْلَفَ عَلَى الْمَالِ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ دُونَ الْمَوْتِ وَالنَّسَبِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّسَبِ دُونَ الْمَوْتِ وَالْمَالِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، أَيْضًا إذَا أَقَرَّ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي كُلِّهَا وَأُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ إلَى الْمُدَّعِي لَا يَكُونُ هَذَا قَضَاءً عَلَى الْأَبِ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ الْأَبُ حَيًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقِّهِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَتَّبِعُ الِابْنَ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالْوِرَاثَةِ وَالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الْمَالَ يَحْلِفُ عَلَى الْمَالِ وَهَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - آخِرًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْعِلْمِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدَّمَ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي وَقَالَ: إنَّ أَبَا هَذَا قَدْ مَاتَ وَلِي عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَلْ مَاتَ أَبُوهُ؟ وَلَا يَأْمُرُهُ بِجَوَابِ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَوَّلًا فَبَعْدَ ذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ أَقَرَّ الِابْنُ فَقَالَ: نَعَمْ مَاتَ أَبِي، أَوْ أَنْكَرَ مَوْتَ الْأَبِ فَإِنْ أَقَرَّ وَقَالَ: نَعَمْ مَاتَ أَبِي؛ سَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ دَعْوَى الرَّجُلِ عَلَى أَبِيهِ فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ عَلَى أَبِيهِ يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ نَصِيبِهِ، وَلَوْ أَنْكَرَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَقُضِيَ بِالدَّيْنِ وَيُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ لَا مِنْ نَصِيبِ هَذَا الْوَارِثِ خَاصَّةً. ثُمَّ إنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي بِالدَّيْنِ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ مَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعِيَ عَلَى الْقَبْضِ وَالْإِبْرَاءِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْوَارِثُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى الْحَيِّ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ

стр. 1469

قَادِرٌ عَلَى الدَّعْوَى فَلَا يُسْتَحْلَفُ بِدُونِ دَعْوَاهُ لَهُ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي. وَذَكَرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي مِنْ أَجْنَاسِ النَّاطِفِيِّ فِي الْجِنْسِ الرَّابِعِ أَنَّ مَنْ ادَّعَى دَيْنًا فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَالْقَاضِي لَا يُحَلِّفُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يُحَلِّفُ فَمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي قَوْلُهُمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ، ثُمَّ إذَا أَرَادَ الِاسْتِحْلَافَ يَسْتَحْلِفُهُ مَا قَبَضْته وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَلَا ارْتَهَنْت بِهِ مِنْهُ رَهْنًا وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا احْتَلْت بِهِ عَلَى أَحَدٍ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا نَعْلَمُ رَسُولًا أَوْ وَكِيلًا لَك قَبَضَ هَذَا الْمَالَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ. وَإِنْ ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ وَلَا وَصَلَ إلَيْك بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَانَ أَحْوَطَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ هَذَا الْوَارِثِ يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْعِلْمِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى أَبِيك هَذَا الْمَالَ الَّذِي ادَّعَى وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ. فَإِنْ حَلَفَ انْتَهَى الْأَمْرُ وَإِنْ نَكَلَ يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ نَصِيبِهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَارِثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ عَلَى الْأَبِ أَوْ أَنْكَرَ فَلَمَّا حَلَفَ نَكَلَ حَتَّى صَارَ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَصِلْ إلَيَّ شَيْءٌ مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَذَّبَهُ وَقَالَ: لَا بَلْ وَصَلَ إلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرُ وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ يُحَلِّفُهُ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا وَصَلَ إلَيْك مِنْ مَالِ أَبِيك هَذَا الْأَلْفُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ حَلَفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. هَذَا إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى الدَّيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ حَلَّفَهُ عَلَى الْوُصُولِ فَلَوْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مِنْ الِابْتِدَاءِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَ هَذَا الْوَارِثَ عَلَى الدَّيْنِ قَالَ لَهُ الْوَارِثُ: لَيْسَ لَك عَلَيَّ يَمِينٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيَّ مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ شَيْءٌ وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي وَقَالَ: لَا بَلْ وَصَلَ إلَيْك مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ كَذَا وَكَذَا أَوْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ مَعَ هَذَا أَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى الدَّيْنِ فَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْوَارِثِ وَيُحَلِّفُهُ عَلَى الدَّيْنِ. وَفِي الْكُبْرَى وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي مِثْلِ هَذَا: لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَلَا يُسْتَحْلَفُ الْوَارِثُ قَبْلَ ظُهُورِ الْمَالِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبِهِ يُفْتِي فَإِنْ أَنْكَرَ الِابْنُ الدَّيْنَ وَوُصُولَ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ إلَى يَدِهِ وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى الدَّيْنِ وَالْوُصُولِ جَمِيعًا لَمْ يَذْكُرْ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا الْفَصْلَ فِي الْكِتَابِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالُوا: يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً بِاَللَّهِ مَا وَصَلَ إلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيك وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ لِهَذَا الرَّجُلِ عَلَى أَبِيك دَيْنًا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَى؛ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْيَمِينِ عَلَى الْبَتَاتِ وَبَيْنَ الْيَمِينِ عَلَى الْعِلْمِ وَأَنَّهُ جَائِزٌ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ مَرَّتَيْنِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إنْ أَقَرَّ بِمَوْتِ الْأَبِ. وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ مَوْتَ الْأَبِ وَوُصُولَ التَّرِكَةِ إلَيْهِ وَأَرَادَ الْغَرِيمُ اسْتِحْلَافَهُ فَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَعْضِ نُسَخِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَجَابَ فِيهَا أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْوُصُولِ وَالْمَوْتِ يَمِينًا وَاحِدَةً لَكِنْ عَلَى الْمَوْتِ عَلَى الْعِلْمِ وَعَلَى الْوُصُولِ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ أَبَاك مَاتَ وَلَا وَصَلَ إلَيْك شَيْءٌ مِنْ مِيرَاثِهِ؛ وَبِهِ أَخَذَ

стр. 1470

أُولَئِكَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَامَّةُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلَى الْمَوْتِ عَلَى الْعِلْمِ وَمَرَّةً عَلَى الْوُصُولِ عَلَى الْبَتَاتِ، فَإِنْ نَكَلَ حَتَّى ثَبَتَ الْمَوْتُ وَثَبَتَ وُصُولُ الْمِيرَاثِ إلَيْهِ يَحْلِفُ عَلَى الدَّيْنِ عَلَى عِلْمِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَالْمَوْتِ وَأَنَّ هَذَا الْأَلْفَ تَرِكَةٌ إلَّا أَنَّهُ أَحْضَرَ جَمَاعَةً، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ إخْوَتِي فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ بَدَأَ وَقَالَ: هَذَا الْأَلْفُ تَرِكَةٌ، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ إخْوَتِي وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ وَإِنْ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ بِالْإِخْوَةِ ثُمَّ بِالتَّرِكَةِ وَالدَّيْنِ فَقَدْ أَقَرَّ لَهُمْ بِالشَّرِكَةِ مَعَهُ فِي التَّرِكَةِ فَصَارَتْ التَّرِكَةُ مَقْسُومَةً بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَالتَّرِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ فِي حَقِّهِ وَيُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ نَصِيبِهِ خَاصَّةً، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ فَادَّعَى وَارِثُهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَانَ لِأَبِيهِ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ وَصَارَ مِيرَاثًا لَهُ وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الدَّيْنَ فَأَرَادَ الْوَارِثُ أَنْ يُحَلِّفَهُ حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ لِأَبِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَى. وَكَذَلِكَ إذَا أَقَامَ الِابْنُ بَيِّنَةً عَلَى الدَّيْنِ لَا يَحْلِفُ الِابْنُ عَلَى قَبْضِ الْأَبِ عِنْدَنَا وَإِنْ أَقَرَّ الْمَدْيُونُ بِالدَّيْنِ وَادَّعَى أَنَّ الْأَبَ قَبَضَ مِنْهُ الدَّيْنَ أَوْ عَرَّضَ الْمَدْيُونُ فَقَالَ: قَدْ يَكُونُ عَلَى الْإِنْسَانِ دَيْنٌ ثُمَّ لَا يَبْقَى بِاعْتِبَارِ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ يَقْبِضُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَنَا لَا أُحِبُّ أَنْ أُقِرَّ بِشَيْءٍ مَخَافَةَ أَنْ يَلْزَمَنِي وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ يَحْلِفُ الِابْنُ حِينَئِذٍ عَلَى الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ قَدْ قَبَضَ هَذَا الْمَالَ. قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: رَجُلٌ مَاتَ فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ وَارِثُ الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَأَنَّ قَاضِيَ بَلْدَةِ كَذَا قَضَى بِكَوْنِهِ وَارِثَ الْمَيِّتِ، وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ شَهِدَا أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا أَشْهَدَنَا عَلَى قَضَائِهِ أَنَّ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَقَالَ الشُّهُودُ: لَا نَدْرِي بِأَيِّ سَبَبٍ قَضَى فَإِنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يَجْعَلُهُ وَارِثًا وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ عَنْ نَسَبِهِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَهَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِتَنْفِيذِ الْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّعِي سَبَبًا نَفَّذَ الْقَاضِي الثَّانِي قَضَاءَ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ الْقَاضِي عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ بِأَيِّ سَبَبٍ يُسْتَحْلَفُ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ وَارِثٌ آخَرُ يَعْرِفُ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّ أَيَّهُمَا أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ فَإِنْ أَخْبَرَ الْمُدَّعِي بِسَبَبٍ يَكُونُ بِهِ وَارِثًا عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَمْضَى قَضَاءَ الْأَوَّلِ بِالْمِيرَاثِ وَدَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ وَلَكِنْ لَا يُقْضَى بِالسَّبَبِ الَّذِي ادَّعَى فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَيَّنَ سَبَبًا لَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ، بِذَلِكَ السَّبَبِ جَعَلَ الْقَاضِي الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَيَّنَ سَبَبًا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ بِذَلِكَ بِأَنْ بَيَّنَ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ جَعَلَ الْقَاضِي الثَّانِي لِلْأَبِ سُدُسَ الْمِيرَاثِ وَإِنْ ذَكَرَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ، وَأَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ يُعْطَى الثَّانِي خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، وَإِنْ ذَكَرَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ وَادَّعَى الثَّانِي أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَقَضَى الْقَاضِي الثَّانِي بِأُبُوَّتِهِ جَعَلَ الْمِيرَاثَ لَهُ؛ لِأَنَّ أُبُوَّةَ الثَّانِي ثَبَتَتْ بِالْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ، وَأُبُوَّةُ الْأَوَّلِ لَمْ تَثْبُتْ إلَّا بِإِقْرَارِهِ. لَوْ جَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَبُو هَذَا الْمَيِّتِ وَقَضَى بِأُبُوَّتِهِ وَجَعَلَ الْمِيرَاثَ لَهُ وَأَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً أَنَّهُ أَبُو الْمَيِّتِ فَالْقَاضِي لَا يَقْبَلُ

стр. 1471

بَيِّنَتَهُ وَلَا يَدْخُلُ مَعَ الْأَوَّلِ قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ حِينَ قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِلثَّانِي قَالَ الْأَوَّلُ: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَك أَنِّي أَبُو الْمَيِّتِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَضَى بِأُبُوَّتِهِ جَعَلَ الْقَاضِي الثَّانِي الْمِيرَاثَ لِلْأَوَّلِ. وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْضِ بِأُبُوَّةِ الثَّانِي حَتَّى أَقَامَ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى أُبُوَّتِهِ قَضَى الْقَاضِي بِالْمِيرَاثِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّعْوَى وَالْحُجَّةِ وَالْجَوَابُ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ كَالْجَوَابِ فِي الْأُبُوَّةِ بِأَنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَوْلَى الْمَيِّتِ أَعْتَقَهُ وَأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ إنَّمَا قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِذَلِكَ وَادَّعَى الثَّانِي أَنَّهُ مَوْلَى الْمَيِّتِ أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُعْتَقًا مِنْ الِاثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِلِاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ فَصَارَ الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَإِنْ سَبَقَ الْحُكْمُ لِأَحَدِهِمَا بِالْمِيرَاثِ بِسَبَبِ الْوَلَاءِ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ اجْتَمَعَا قَضَى بَيْنَهُمَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ زَعَمَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِذَلِكَ، وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً بِمِثْلِهِ اشْتَرَكَا فِي الْمِيرَاثِ وَإِنْ سَبَقَ الْحُكْمُ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ زَعَمَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَأَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا بِنْتُ الْمَيِّتِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَإِنْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ. وَلَوْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْ أَبُوهُ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ لَا شَيْءَ لِلثَّانِي وَلَوْ كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ امْرَأَةً زَعَمَتْ أَنَّهَا زَوْجَةُ الْمَيِّتِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ أَخَذَ مِنْهَا مَا زَادَ عَلَى الرُّبْعِ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَخَذَ مِنْهَا مَا زَادَ عَلَى الثُّمُنِ وَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ إذَا قَضَى بِوِرَاثَةِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الْوِرَاثَةِ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي الثَّانِي عَلَى نَسَبِهِ عَنْ الْمَيِّتِ يَسْأَلُ الْقَاضِي الثَّانِي الْأَوَّلَ عَنْ نَسَبِهِ إنْ ذَكَرَ نَسَبًا لَا يَرِثُ مَعَ الثَّانِي فَالْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلثَّانِي. وَإِنْ ذَكَرَ نَسَبًا لَا يَرِثُ الثَّانِي مَعَهُ فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي، وَإِنْ ذَكَرَ نَسَبًا يَرِثُ الثَّانِي مَعَهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ الْأَوَّلُ مَعْتُوهًا أَوْ صَغِيرًا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَأَقَامَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا بَيِّنَةً أَنَّهُ وَارِثُهُ وَبَيَّنَ نَسَبَهُ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي مِمَّنْ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ نَحْوِ الْأَخِ وَالْعَمِّ جَعَلَهُ الْقَاضِي سَاقِطًا بِالْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ لِلْأَوَّلِ أَفْضَلَ الْأَشْيَاءِ وَيَقْضِي لِلثَّانِي بِأَقَلَّ مَا يَكُونُ بَيَانُهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ ذَكَرًا يَجْعَلُ ابْنَ الْمَيِّتِ حَتَّى لَوْ كَانَ الثَّانِي أَبًا يُعْطِي لَهُ السُّدُسَ لِكَوْنِهِ أَقَلَّ. وَلَوْ كَانَ الثَّانِي زَوْجَةَ الْمَيِّتِ يُعْطِي لَهَا الثُّمُنَ لِكَوْنِهِ أَقَلَّ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى بِأَنَّهَا وَارِثَةُ هَذَا الْمَيِّتِ، وَجَعَلَ كُلَّ الْمِيرَاثِ لَهَا نَفَّذَ الْقَاضِي الثَّانِي ذَلِكَ كَمَا يُنَفِّذُ لِلرَّجُلِ فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْ أَبُوهُ، أَوْ أَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا زَوْجَتُهُ سَأَلَ الْقَاضِي الثَّانِي الْمَرْأَةَ الْأُولَى عَنْ سَبَبِ الْقَضَاءِ لَهَا فَإِنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ الْمَيِّتِ عَامَلَ مَعَهَا بِزَعْمِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ الْأُولَى صَغِيرَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا أَوْ كَانَتْ مَعْتُوهَةً جَعَلَ الْقَاضِي لَهَا أَكْثَرَ مَا يَكُونُ لَهَا، وَجَعَلَ لِهَؤُلَاءِ أَقَلَّ مَا يَكُونُ لَهُمْ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأُولَى حَتَّى لَا يَنْفُذَ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ إلَّا فِي الْقَدْرِ الْمُتَيَقَّنِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى وَرَثَةِ رَجُلٍ دَيْنًا

стр. 1472

عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ: إنَّ أَبَا هَذَا قَدْ مَاتَ وَلِي عَلَيْهِ كَذَا وَقَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ طَائِعًا وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُوفِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَخَلَّفَ مِنْ التَّرِكَةِ فِي يَدِ هَؤُلَاءِ مَا يَفِي بِالدَّيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ وَزِيَادَةً وَلَمْ يُبَيِّنْ أَعْيَانَ التَّرِكَةِ فَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ بَيَانُ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَأْمُرُ الْقَاضِي الْوَارِثَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ إذَا ثَبَتَ وُصُولُ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ وَعِنْدَ إنْكَارِهِمْ وُصُولَ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ لَا يُمْكِنُ الْمُدَّعِي إثْبَاتُهُ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ فِي أَيْدِيهِمْ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ. رَجُلٌ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَقَالَ فِي دَعْوَاهُ: هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِأَبِي فُلَانٍ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَلِأُخْتِي فُلَانَةَ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُنَا وَتَرَكَ مَعَ هَذِهِ الدَّارِ ثِيَابًا أَوْ دَوَابَّ فَقَسَمْنَا الْمِيرَاثَ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الدَّارُ فِي نَصِيبِي بِالْقِسْمَةِ وَالْيَوْمَ جَمِيعُ هَذِهِ الدَّارِ مِلْكِي بِهَذَا السَّبَبِ وَفِي يَدِ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَدَعْوَاهُ صَحِيحَةٌ وَلَكِنْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقُولَ: أَخَذَتْ أُخْتِي نَصِيبَهَا مِنْ تِلْكَ الْأَمْوَالِ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ مُطَالَبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ كُلِّ الدَّارِ إلَيْهِ وَلَوْ قَالَ فِي دَعْوَاهُ: فَمَاتَ أَبِي وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَأُخْتِي، ثُمَّ أَقَرَّتْ أُخْتِي بِجَمِيعِهَا لِي وَصَدَّقْتهَا فِي ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَى الْمِلْكِ فِي الثُّلُثِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَعَلَيْهِ فَتْوَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَمَنْ لَهُ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إذَا أَرَادَ إثْبَاتَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْأَدَاءِ فِي الْحَالِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا أَرَادَتْ إثْبَاتَ بَقِيَّةِ مَهْرِهَا عَلَى الزَّوْجِ فَلَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِهِ فِي الْحَالِ. سُئِلَ الْقَاضِي الْإِمَامُ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيُّ عَمَّنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ عَيْنًا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مِلْكَ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَلِفُلَانٍ وَفُلَانٍ سَمَّى عَدَدَ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ حِصَّةَ نَفْسِهِ قَالَ: تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِذَا أَقَامَ عَلَى دَعْوَاهُ الْبَيِّنَةَ فَالْقَاضِي يَسْمَعُ، وَلَكِنْ إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ بِالتَّسْلِيمِ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ حِصَّتَهُ، وَلَوْ كَانَ بَيَّنَ حِصَّتَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الْوَرَثَةِ بِأَنْ قَالَ: مَاتَ أَبِي وَتَرَكَ هَذِهِ الْعَيْنَ مِيرَاثًا لِي وَلِجَمَاعَةٍ سِوَايَ وَحِصَّتِي مِنْهُ كَذَا وَطَالَبَهُ بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ قَالَ: لَا تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ عَدَدِ الْوَرَثَةِ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ كَانَ نَصِيبُهُ أَنْقَصَ. رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا وَأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَيْهِ، وَأَنَّ فِي يَدَيْك أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ وَطَالَبَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَالْقَاضِي لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ دَعْوَاهُ لَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. مَاتَ نَصْرَانِيٌّ فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً فَقَالَتْ: أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ وَلِي الْمِيرَاثُ، وَقَالَتْ وَرَثَتُهُ: أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَا مِيرَاثَ لَك فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ وَلَهُ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ أَيْضًا، كَذَا فِي الْكَافِي وَلَا يُحَكَّمُ الْحَالُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَيْهِ، أَمَّا الْوَرَثَةُ فَهُمْ الدَّافِعُونَ وَيَشْهَدُ لَهُمْ ظَاهِرُ الْحُدُوثِ أَيْضًا. وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ

стр. 1473

لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُودِعِ بِالْقَبْضِ أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقِيَامِ حَقِّ الْمُودِعِ إذْ هُوَ حَيٌّ؛ فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَلَا كَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ الْمَدْيُونِ إذَا أَقَرَّ بِتَوْكِيلِ غَيْرِهِ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُودَعُ لِآخَرَ: هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ أَيْضًا، وَقَالَ الْأَوَّلُ: لَيْسَ لِلْمَيِّتِ ابْنٌ غَيْرِي؛ قَضَى بِالْمَالِ لِلْأَوَّلِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فِي فَصْلِ الْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ، وَمَعَ هَذَا سَلَّمَ ثُمَّ أَرَادَ الِاسْتِرْدَادَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِرْدَادَ. وَكَانَ وَالِدِي يَحْكِي عَنْ أُسْتَاذِهِ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي فَصْلِ الْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى ضَاعَتْ فِي يَدِهِ هَلْ يَضْمَنُ؟ قِيلَ: لَا يَضْمَنُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ، وَإِذَا قُسِمَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ؛ قَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ الْوَرَثَةِ كَفِيلًا وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ ظُلْمٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَقَالَا: لَا يَأْخُذُ الْكَفِيلَ أَيْ لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إلَيْهِمْ حَتَّى يَأْخُذَ الْكَفِيلَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ يُدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ وَارِثًا مِمَّنْ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ فَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: وَإِذَا حَضَرَ الرَّجُلُ وَادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَعْرِفُوهُمْ لَكِنْ قَالُوا: تَرَكَهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا لَمْ يَشْهَدُوا لَا يَصِيرُ نَصِيبُ هَذَا الْوَاحِدِ مَعْلُومًا وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ الْمَعْلُومِ مُتَعَذِّرٌ (وَهَهُنَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ) الْأَوَّلُ هَذَا، وَالثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ ابْنُهُ وَوَارِثُهُ لَا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا غَيْرُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ، وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ مَالِكِ هَذِهِ الدَّارِ وَلَمْ يَشْهَدُوا لَهُ عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَقُولُوا فِي شَهَادَتِهِمْ: لَا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا غَيْرُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَتَلَوَّمُ زَمَانًا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى فَإِنْ حَضَرَ وَارِثٌ غَيْرُهُ قَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ دَفَعَ الدَّارَ إلَيْهِ وَهَلْ يَأْخُذُ كَفِيلًا بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: يَأْخُذُ ثُمَّ إنَّمَا يَدْفَعُ إلَى الْوَارِثِ الَّذِي حَضَرَ جَمِيعَ الْمَالِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ إذَا كَانَ هَذَا الْوَارِثُ مِمَّنْ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ وَلَا يَخْتَلِفُ نَصِيبُهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ نَصِيبُهُ كَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ هَلْ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ أَوْ أَوْفَرُ النَّصِيبَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَوْفَرُ

стр. 1474

النَّصِيبَيْنِ وَهُوَ النِّصْفُ لِلزَّوْجِ وَالرُّبْعُ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُضْطَرِبٌ وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ وَالْإِرْثُ بِالشَّهَادَةِ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ وَالْإِرْثُ بِالْإِقْرَارِ فَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ فُلَانٍ الْغَائِبِ قَضَى لَهُ بِالنِّصْفِ وَتَرَكَ النِّصْفَ الْآخَرَ فِي يَدِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ وَلَا يَسْتَوْثِقُ مِنْهُ بِكَفِيلٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا: إنْ كَانَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ جَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُ وَجُعِلَ فِي يَدِ أَمِينٍ وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْ تُرِكَ فِي يَدِهِ. وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مَنْقُولٍ فَقَدْ قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْحِفْظِ. وَالنِّزَاعُ أَبْلَغُ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ مُحْصَنٌ بِنَفْسِهِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْوَصِيُّ بَيْعَ الْمَنْقُولِ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ دُونَ الْعَقَارِ، وَكَذَا حُكْمُ وَصِيِّ الْأُمِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ عَلَى الصَّغِيرِ وَقِيلَ: الْمَنْقُولُ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ أَظْهَرُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْحِفْظِ، وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهُوَ الْأَصَحُّ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ وَيُسَلَّمُ النِّصْفُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِينَ فِيمَا يَسْتَحِقُّ لَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ وَعَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْمَيِّتُ فِي الْحَقِيقَةِ وَوَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ يَصْلُحُ خَلِيفَةً عَنْهُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامَلَ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ فَلِهَذَا لَا يَسْتَوْفِي الدَّارَ إلَّا نَصِيبَهُ، وَصَارَ كَمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِدَيْنِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ الْكُلِّ عَلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ إذَا كَانَ الْكُلُّ فِي يَدِهِ ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. [الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحَبْسِ وَالْمُلَازَمَةِ] (الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحَبْسِ وَالْمُلَازَمَةِ) وَإِذَا جَاءَ رَجُلٌ بِرَجُلٍ إلَى الْقَاضِي وَأَثْبَتَ عَلَيْهِ مَالَهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ أَقَرَّ الرَّجُلُ لَهُ فَالْقَاضِي لَا يَحْبِسُهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْمُدَّعِي هَذَا هُوَ مَذْهَبُنَا. وَإِذَا سَأَلَ الْمُدَّعِيَ ذَلِكَ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْبِسُهُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ وَلَكِنْ يَقُولُ لَهُ: قُمْ فَأَرْضِهِ، فَإِنْ عَادَ مَرَّةً أُخْرَى حَبَسَهُ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ وَبَيْنَ الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي فَصْلِ الْبَيِّنَةِ يُحْبَسُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ. وَفِي فَصْلِ الْإِقْرَارِ لَا يُحْبَسُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ حَتَّى تَظْهَرَ مُمَاطَلَتُهُ ثُمَّ فِي فَصْلِ الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَحْبِسْهُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ هَلْ يَحْبِسُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ، إنَّمَا يَحْبِسُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ إذَا جَاءَ أَوَانُ الْحَبْسِ فَإِنْ عَرَفَ الْقَاضِي يَسَارَهُ حَبَسَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ يَسَارَهُ لَا يَسْأَلُهُ: أَلِك مَالٌ؟ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَلْ يَسْأَلُ الْمُدَّعِيَ أَلَهُ مَالٌ؟ فَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ إلَّا إذَا طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَإِنْ سَأَلَ الْمَدْيُونَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ صَاحِبَ الدَّيْنِ

стр. 1475

أَلَهُ مَالٌ؟ سَأَلَهُ الْقَاضِي بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ: هُوَ مُعْسِرٌ لَا يَحْبِسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِعُسْرَتِهِ بَعْدَ الْحَبْسِ أَخْرَجَهُ وَقَبْلَ الْحَبْسِ لَا يَحْبِسُهُ، فَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ: هُوَ مُوسِرٌ قَادِرٌ عَلَى الْقَضَاءِ. وَقَالَ الْمَدْيُونُ: أَنَا مُعْسِرٌ تَكَلَّمُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَدْيُونِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ وَاجِبًا بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ كَالْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْيَسَارِ مَرْوِيٌّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً بِالْمُبْدَلِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي زَوَالِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَدْيُونِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مَا وَجَبَ بِعَقْدِهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَدْيُونِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ إلَّا فِيمَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ فَلَا يُحْبَسُ فِي الْمَهْرِ، وَالْكَفَالَةُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُفْتَى بِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ فِيمَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَدَلَ مَالٍ وَالْعَمَلُ عَلَى مَا هُوَ فِي الْمُتُونِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْفَتَاوَى فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ، وَكَذَا يُقَدَّمُ مَا فِي الشُّرُوحِ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ: وَيَحْبِسُ فِي الدُّيُونِ كُلِّهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ خَالٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا أَوْ صَحِيحًا أَوْ زَمِنًا أَوْ مُقْعَدًا أَوْ مَقْطُوعَ الْيَدِ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبًا أَوْ أُمًّا فَإِنَّهُ لَا يُحْبَسُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَبَوَيْنِ بِدَيْنِ الِابْنِ، وَكَذَلِكَ لَا يُحْبَسُ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ وَإِنْ عَلَوْا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُحْبَسُ. قَالَ: إلَّا أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمَا نَفَقَتُهُ وَكُلُّ مَنْ أُجْبِرَ بِهِ عَلَى النَّفَقَةِ وَأَبَى؛ حَبَسَهُ أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ جَدَّةً أَوْ زَوْجًا وَالْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ التَّاجِرُ فِي الْحَبْسِ بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْت لَك وَالْعَبْدُ لَا يُحْبَسُ لِمَوْلَاهُ، وَكَذَا لَا يُحْبَسُ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا حُبِسَ فِيهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْحُرُّ فَبَعْضُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَالُوا إلَى الْحَبْسِ وَجَعَلُوهُ كَالْبَالِغِ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: إذَا كَانَ لَهُ وَصِيٌّ يُحْبَسُ تَأْدِيبًا حَتَّى لَا يَعُودَ لِمِثْلِهِ وَلِيَضْجَرَ الْوَصِيُّ فَيَتَسَارَعُ إلَى إلْقَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ لَمْ يُحْبَسْ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ يُحْبَسُ بِدَيْنِهِ يَعْنِي الْأَبَ أَوْ الْوَصِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ نَصَبَ الْقَاضِي قَيِّمًا لِيَبِيعَ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَيُوفِي الْغُرَمَاءَ حَقَّهُمْ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَالْمُكَاتَبُ يَحْبِسُ مَوْلَاهُ إلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْكِتَابَةِ وَالْمَوْلَى لَا يَحْبِسُ الْمُكَاتَبَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ يَحْبِسُهُ فِي غَيْرِ مَالِ
следующие страницы →