← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيُسَنُّ إشْعَارُ الْبُدْنِ) بِضَمِّ الْبَاءِ جَمْعُ بَدَنَةٍ (فَيَشُقُّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا) بِفَتْحِ السِّينِ (الْيُمْنَى أَوْ) يَشُقُّ (مَحَلَّهُ) أَيْ: السَّنَامِ (مِمَّا لَا سَنَامَ لَهُ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ، حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ وَتُقَلَّدُ هِيَ) أَيْ: الْبُدْنُ. (وَ) تُقَلَّدُ (بَقَرٌ، وَغَنَمٌ نَعْلًا، أَوْ آذَانَ الْقِرَبِ، أَوْ الْعُرَى) بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عُرْوَةٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ أَيْضًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِبُدْنِهِ، فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا بِيَدِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَا يُقَالُ: إنَّهُ إيلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَجَازَ كَالْكَيِّ وَالْوَسْمِ وَالْحِجَامَةِ وَفَائِدَتُهُ: أَنْ لَا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا، وَأَنْ يَتَوَقَّاهَا اللِّصَّ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ بِمُفْرَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحَلَّ، وَيَذْهَبَ. (وَلَا يُسَنُّ إشْعَارُ الْغَنَمِ) ؛ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ؛ وَلِأَنَّ صُوفَهَا وَشَعْرَهَا يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعَارِهَا لَوْ أُشْعِرَتْ. (وَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ) مِنْ (قَبْلِ الْمِيقَاتِ اُسْتُحِبَّ إشْعَارُهُ وَتَقْلِيدُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَإذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ شَاةٌ أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ سُبْعُ بَقَرَةٍ) كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ الْمُطْلَقِ (فَإِنْ ذَبَحَ) مَنْ نَذَرَ هَدْيًا وَأَطْلَقَ (الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ، كَانَتْ كُلُّهَا وَاجِبَةً) لِتَعَيُّنِهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِذَبْحِهَا عَنْهُ. (وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ إنْ أَطْلَقَ) الْبَدَنَةَ لِمُسَاوَاتِهَا لَهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُطْلِقْ، بَلْ نَوَى مُعَيَّنًا مِنْ الْإِبِلِ (لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ) كَمَا لَوْ نَوَى كَوْنَهَا مِنْ الْبَقَرِ، وَكَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِاللَّفْظِ (فَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا بِنَذْرِهِ) بِأَنْ قَالَ: هَذَا هَدْيٌ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَذَا هَدْيًا وَنَحْوَهُ (أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا مِنْ حَيَوَانٍ) ، وَلَوْ مَعِيبًا وَغَيْرَ حَيَوَانٍ كَدَرَاهِمَ وَعَقَارٍ (وَغَيْرِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يُوجِبْ سِوَى هَذَا، فَأَجْزَأَهُ كَيْفَ كَانَ (وَالْأَفْضَلُ) كَوْنُ الْهَدْيِ (مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) لِفِعْلِهِ ﷺ . (وَإِنْ قَالَ إنْ لَبِسْت ثَوْبًا مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ، فَلَبِسَهُ أَهْدَاهُ) وُجُوبًا إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ لِوُجُودِ شَرْطِ النَّذْرِ (وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ) أَيْ: الْهَدْيِ مُطْلَقًا (إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا، وَالْمَعْهُودُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ: بِالشَّرْعِ، كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ يَذْبَحُهُ بِالْحَرَمِ فَكَذَا يَكُونُ الْمَنْذُورُ. (وَيَبِيعُ غَيْرَ الْمَنْقُولِ كَالْعَقَارِ، وَيَبْعَثُ ثَمَنَهُ إلَى الْحَرَمِ)

стр. 1052

لِتَعَذُّرِ إهْدَائِهِ بِعَيْنِهِ، فَانْصَرَفَ إلَى بَدَلِهِ. يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا قَالَ: تَبِيعُهَا وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ (ابْنُ عَقِيلٍ أَوْ يُقَوِّمُهُ) أَيْ: الْعَقَارَ (وَيَبْعَثُ الْقِيمَةَ) إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْقِيمَةُ الَّتِي هِيَ بَدَلُهُ، لَا نَفْسَ الْبَيْعِ (إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ) أَيْ: الْمَنْذُورَ (لِمَوْضِعٍ سِوَى الْحَرَمِ، فَيَلْزَمُهُ ذَبْحُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ (وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ عَلَى مَسَاكِينِهِ) أَيْ: مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (أَوْ إطْلَاقُهُ لَهُمْ) أَيْ: لِمَسَاكِينِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ) الَّذِي عَيَّنَهُ (بِهِ صَنَمٌ أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْكُفْرِ أَوْ الْمَعَاصِي كَبُيُوتِ النَّارِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يُوفِ بِهِ) أَيْ: بِنَذْرِهِ رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَذْبَحَ بِالْأَبْوَاءِ قَالَ: أَبِهَا صَنَمٌ قَالَ: لَا قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِك» . (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ التَّطَوُّعِ، وَيُهْدِي وَيُهْدِي وَيَتَصَدَّقُ أَثْلَاثًا) وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ بُدْنِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا: ثُلُثٌ لَك، وَثُلُثٌ لِأَهْلِك، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ» قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَيْ: الْمَأْكُولُ: الْيَسِيرُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَأَكَلْنَا مِنْهَا، وَحَسَيْنَا مِنْ مَرَقِهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فَاسْتُحِبَّ الْأَكْلُ مِنْهُ (كَالْأُضْحِيَّةِ) وَلَهُ التَّزَوُّدُ وَالْأَكْلُ كَثِيرًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ (فَإِنْ أَكَلَهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةَ هَدْيًا تَطَوُّعًا (كُلَّهَا ضَمِنَ الْمَشْرُوعَ لِلصَّدَقَةِ مِنْهَا كَأُضْحِيَّةٍ) أَكَلَهَا كُلَّهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَيَأْتِي. (وَإِنْ فَرَّقَ أَجْنَبِيٌّ

стр. 1053

نَذْرًا بِلَا إذْنِ) مَالِكِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) لِوُقُوعِهِ. (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ) مِنْ الْهَدَايَا (وَلَوْ) كَانَ إيجَابُهُ (بِالنَّذْرِ أَوْ بِالتَّعْيِينِ، إلَّا مِنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُمَا غَيْرُ مَحْظُورٍ، فَأَشْبَهَا هَدْيَ التَّطَوُّعِ؛ وَلِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ " تَمَتَّعْنَ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَدْخَلَتْ عَائِشَةُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَصَارَتْ قَارِنَةً ثُمَّ ذَبَحَ عَنْهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ الْبَقَرَ، فَأَكَلْنَ مِنْ لُحُومِهَا " قَالَ أَحْمَدُ قَدْ أَكَلَ مِنْ الْبَقَرِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ خَاصَّةً (وَمَا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ) كَأَكْثَرِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ (فَلَهُ هَدِيَّتُهُ) لِغَيْرِهِ، لِقِيَامِ الْمُهْدَى لَهُ مَقَامَهُ (وَمَا لَا) يَمْلِكُ أَكْلَهُ، كَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ غَيْرِ دَمِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ (فَلَا) يَمْلِكُ هَدِيَّتَهُ، بَلْ يَجِبُ صَرْفُهُ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَكَلَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ أَوْ أَهْدَى مِنْهُ (ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا) ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَى الْجَزَّارَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا (كَبَيْعِهِ وَإِتْلَافِهِ) أَيْ: كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْهَدْيِ أَوْ أَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا، وَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهُ غَنِيًّا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ جَازَ كَالْأُضْحِيَّةِ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: الْمُتْلَفَ مِنْ الْهَدْيِ (أَجْنَبِيٌّ بِقِيمَتِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّ اللَّحْمَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَحْمًا لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ لَا صِنَاعَةَ فِيهِ، يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ، فَهُوَ مِثْلِيٌّ. (وَفِي الْفُصُولِ: لَوْ مَنَعَهُ الْفُقَرَاءَ حَتَّى أَنْتَنَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) أَيْ: إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ نَفْعٌ وَإِلَّا ضَمِنَ نَقْصَهُ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى. [فَصْلٌ الْأُضْحِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ إجْمَاعًا] (فَصْلٌ وَالْأُضْحِيَّةُ) مَشْرُوعَةٌ. إجْمَاعًا وَسَنَدُهُ: قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ التَّضْحِيَةُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ

стр. 1054

عَلَى صِفَاحِهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهِيَ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمُسْلِمٍ) تَامِّ الْمِلْكِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ» - وَفِي رِوَايَةٍ - الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَعَلَّقَهُ عَلَى الْإِرَادَةِ وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ ذَبِيحَةٌ لَا يَجِبُ تَفْرِيقُ لَحْمُهَا فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالْعَقِيقَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» وَحَدِيثُ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٍ وَعَتِيرَةٌ» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى تَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَحَدِيثِ «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» «وَمَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (وَلَوْ) كَانَ الْمُسْلِمُ (مُكَاتَبًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ التَّبَرُّعِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَإِذَا أَذِنَ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ (وَبِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ (فَلَا) تُسَنُّ لِلْمُكَاتَبِ (لِنُقْصَانِ مِلْكِهِ) . (وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةُ (لِقَادِرٍ عَلَيْهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ وَمَنْ عَدِمَ مَا يُضَحِّي بِهِ اقْتَرَضَ، وَضَحَّى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْعَقِيقَةِ. (وَلَيْسَتْ) الْأُضْحِيَّةُ (وَاجِبَةٌ) لِمَا سَبَقَ (إلَّا أَنْ يَنْذِرَهَا) فَتَجِبُ بِالنَّذْرِ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَكَانَتْ) الْأُضْحِيَّةُ (وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ (وَذَبْحُهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (وَلَوْ عَنْ مَيِّتٍ) وَيُفْعَلُ بِهَا كَعَنْ حَيٍّ. (وَذَبْحُ الْعَقِيقَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا) وَكَذَا الْهَدْيُ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ وَابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءُ، وَلَوْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ لَعَدَلُوا إلَيْهَا وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ إيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا " لَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِخَاتَمِي

стр. 1055

هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُهْدِيَ إلَى الْبَيْتِ أَلْفًا " فَهُوَ فِي الْهَدْيِ لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْهَدْيُ كَالْأُضْحِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ وَغَيْرِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَثَرِ بِأَنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يُعَارِضُ الْمَرْفُوعَ. (وَلَا يُضَحَّى عَمَّا فِي الْبَطْنِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا، إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ لَكِنْ يُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَدْ يُسَنُّ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِفِعْلِ عُثْمَانَ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرَةِ: الطُّهْرَةُ، وَمَا هُنَا عَلَى الْأَصْلِ. (وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ) مَا يُضَحِّي بِهِ (فَلَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَامٌّ عَلَى مَا مَلَكَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ. (وَالسُّنَّةُ: أَكْلُ ثُلُثِهَا وَإِهْدَاءُ ثُلُثِهَا ثُلُثِهَا وَلَوْ لِغَنِيٍّ وَلَا يَجِبَانِ) أَيْ: الْأَكْلُ وَالْإِهْدَاءُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا» ؛ وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ فَلَمْ يَجِبْ الْأَكْلُ مِنْهَا كَالْعَقِيقَةِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ. (وَيَجُوزُ الْإِهْدَاءُ مِنْهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (لِكَافِرٍ، إنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا) قَالَ أَحْمَدُ نَحْنُ نَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ " يَأْكُلُ هُوَ الثُّلُثُ، وَيُطْعِمُ مَنْ أَرَادَ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ عَلَى الْمَسَاكِينِ " قَالَ عَلْقَمَةُ " بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدْيِهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آكُلَ ثُلُثًا وَأَنْ أُرْسِلَ ثُلُثًا إلَى أَهْلِ أَخِيهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ " فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُعْطِ مِنْهَا الْكَافِرَ شَيْئًا كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ (وَالصَّدَقَةِ بِثُلُثِهَا، وَلَوْ كَانَتْ) الْأُضْحِيَّةُ (مَنْذُورَةً أَوْ مُعَيَّنَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «وَيُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَالِ بِالثُّلُثِ» رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى فِي الْوَظَائِفِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وَالْقَانِعُ: السَّائِلُ، يُقَالُ: قَنَعَ قُنُوعًا إذَا سَأَلَ وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِيك، أَيْ: يَتَعَرَّضُ لَك لِتُطْعِمَهُ، وَلَا يَسْأَلُ فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ وَمُطْلَقُ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَفْضَلِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . (وَ) أَنْ (يُهْدِيَ الْوَسَطَ، وَ) أَنْ (يَأْكُلَ الْأَدْوَنَ)

стр. 1056

ذَكَرُهُ بَعْضُهُمْ (وَكَانَ مِنْ شِعَارِ الصَّالِحِينَ: تَنَاوُلُ لُقْمَةٍ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ غَيْرِهَا تَبَرُّكًا) وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ مِنْ وَاجِبِ الْأَكْلِ. (وَإِنْ كَانَتْ) الْأُضْحِيَّةُ (لِيَتِيمٍ، فَلَا يَتَصَدَّقُ الْوَلِيُّ عَنْهُ) مِنْهَا بِشَيْءٍ (وَلَا يُهْدِي مِنْهَا شَيْئًا، وَيَأْتِي فِي الْحَجْرِ وَيُوَفِّرُهَا لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ مِنْ مَالِهِ (وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لَا يَتَبَرَّعُ مِنْهَا بِشَيْءٍ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِمَا سَبَقَ. (فَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ) الْأُضْحِيَّةِ أَوْ أَهْدَى أَكْثَرَهَا (أَوْ أَكَلَهَا كُلَّهَا) إلَّا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بِهَا جَازَ (أَوْ أَهْدَاهَا كُلَّهَا إلَّا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الصَّدَقَةُ بِبَعْضِهَا) نِيئًا عَلَى فَقِيرِ مُسْلِمٍ لِعُمُومِ ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] (فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ) نِيءٍ مِنْهَا (ضَمِنَ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ) كَالْأُوقِيَّةِ (بِمِثْلِهِ لَحْمًا) ؛ لِأَنَّ مَا أُبِيحَ لَهُ أَكْلُهُ لَا تَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ، وَيَلْزَمُهُ غُرْمُ مَا وَجَبَتْ الصَّدَقَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ مَعَ بَقَائِهِ فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ إذَا أَتْلَفَهُ كَالْوَدِيعَةِ. (وَيُعْتَبَرُ تَمْلِيكُ الْفَقِيرِ) كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ (فَلَا يَكْفِي إطْعَامُهُ) ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ. (وَمَنْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ) أَيْ: ذَبْحَ الْأُضْحِيَّةِ (فَدَخَلَ الْعَشْرُ، حَرُمَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يُضَحِّي عَنْهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ وَبَشَرَتِهِ إلَى الذَّبْحِ، وَلَوْ بِوَاحِدَةٍ لِمَنْ يُضَحِّي بِأَكْثَرَ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " وَلَا مِنْ بَشَرِهِ ". وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ «كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُقَلِّدُهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِي إرْسَالِ الْهَدْيِ لَا فِي التَّضْحِيَةِ وَأَيْضًا فَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَامٌّ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ خَاصٌّ فَيُحْمَلُ الْعَامُّ عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ قَوْلِهِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهِ وَقَوْلُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِهِ لِاحْتِمَالِ الْخُصُوصِيَّةِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَخَذَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفْرِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ (تَابَ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِوُجُوبِ التَّوْبَةِ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ قُلْت: وَهَذَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَإِلَّا، فَلَا إثْمَ كَالْمُحْرِمِ وَأَوْلَى (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) إجْمَاعًا سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (وَيُسْتَحَبُّ حَلْقُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ) قَالَ أَحْمَدُ: عَلَى مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ الْيَوْمِ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَاسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَهُ كَالْمُحْرِمِ. (وَلَوْ أَوْجَبَهَا) بِنَذْرٍ أَوْ تَعْيِينٍ (ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ) فِي الْأَكْلِ وَالْإِهْدَاءِ وَالصَّدَقَةِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ،

стр. 1057

وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا) . (وَنُسِخَ تَحْرِيمُ ادِّخَارِ لَحْمِهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَيَدَّخِرُ مَا شَاءَ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا» وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُمَا الرُّخْصَةُ (قَالَ: الشَّيْخُ إلَّا زَمَنَ مَجَاعَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ تَحْرِيمِ الِادِّخَارِ. (وَقَالَ الْأُضْحِيَّةُ مِنْ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ فَتُضَحِّي الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ بِلَا إذْنِهِ) عِنْدَ غَيْبَتِهِ، أَوْ امْتِنَاعِهِ كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ. (وَ) يُضَحِّي (مَدِينٌ لَمْ يُطَالِبْهُ رَبُّ الدَّيْنِ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: إذَا لَمْ يُضِرَّ بِهِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ التَّمْلِيكُ فِي الْعَقِيقَةِ) ؛ لِأَنَّهَا لِسُرُورٍ حَادِثٍ فَتُشْبِهُ الْوَلِيمَةَ بِخِلَافِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ. [فَصْلٌ الْعَقِيقَةُ] فَصْلٌ وَالْعَقِيقَةُ وَهِيَ النَّسِيكَةُ وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْ الْمَوْلُودِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَصْلُ فِي الْعَقِيقَةِ: الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْمَوْلُودِ وَجَمْعُهَا عَقَائِقُ ثُمَّ إنَّ الْعَرَبَ سَمَّتْ الذَّبِيحَةَ عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ الْمَوْلُودِ عَقِيقَةً عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ، أَوْ مَا يُجَاوِرُهُ، ثُمَّ اشْتَهَرَ ذَلِكَ، حَتَّى صَارَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ مِنْ الْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا الذَّبِيحَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا التَّفْسِيرَ، وَقَالَ: إنَّمَا الْعَقِيقَةُ الذَّبْحُ نَفْسُهُ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ أَصْلَ الْعَقِّ الْقَطْعُ وَمِنْهُ عَقَّ وَالِدَيْهِ، إذَا قَطَعَهُمَا وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ اهـ وَقِيلَ: الْعَقِيقَةُ: الطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ وَيُدْعَى إلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْمَوْلُودِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْأَبِ غَنِيًّا كَانَ الْوَالِدُ أَوْ فَقِيرًا) قَالَ أَحْمَدُ الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالَ ﷺ «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» وَهُوَ إسْنَادٌ جَيِّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَنْ جَعَلَهَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ (عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ سِنًّا وَشَبَهًا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةُ قَالَتْ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» . وَفِي لَفْظٍ «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ

стр. 1058

شَاةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (فَإِنْ تَعَذَّرَتَا) أَيْ: الشَّاتَانِ عَنْ الْغُلَامِ (فَ) شَاةٌ (وَاحِدَةٌ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَعُقُّ اقْتَرَضَ) وَعَقَّ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَرْجُو أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَحْيَا سُنَّةً قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ صَدَقَ أَحْمَدُ إحْيَاءُ السُّنَنِ وَاتِّبَاعُهَا أَفْضَلُ (قَالَ الشَّيْخُ مَحَلُّهُ لِمَنْ لَهُ وَفَاءٌ) وَإِلَّا، فَلَا يَقْتَرِضُ؛ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِنَفْسِهِ وَغَرِيمِهِ. (وَلَا يَعُقُّ غَيْرُ الْأَبِ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَعَنْ الْحَنَابِلَةِ يَتَعَيَّنُ الْأَبُ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ بِمَوْتٍ أَوْ امْتِنَاعٍ اهـ قُلْت: وَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ؛ فَلِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. (وَلَا) يَعُقُّ (الْمَوْلُودُ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَبِرَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْأَبِ، فَلَا يَفْعَلُهَا غَيْرُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: عَقَّ غَيْرُ الْأَبِ وَالْمَوْلُودُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ كَبِرَ (لَمْ يُكْرَهْ) ذَلِكَ (فِيهِمَا) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا قُلْت: لَكِنْ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْعَقِيقَةِ. (وَاخْتَارَ جَمْعٌ يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ) اسْتِحْبَابًا إذَا لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ أَبُوهُ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالرَّوْضَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالنَّظْمِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَمَعْنَاهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ؛ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ مُرْتَهَنٌ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ لَهُ فِكَاكُ نَفْسِهِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ يُعَقُّ عَنْ الْيَتِيمِ) أَيْ: مِنْ مَالِهِ (كَالْأُضْحِيَّةِ وَأَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَهَنٌ بِهَا، بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ. (وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ. (تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ مِنْ مِيلَادِهِ) لِحَدِيثِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُسَمَّى فِيهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ كُلُّهُمْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ: ضَحْوَةُ النَّهَارِ) لَعَلَّهُ تَفَاؤُلًا (وَيَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ السَّابِعِ) قَالَ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ، أَيْ: بِالسَّابِعِ وَنَحْوِهِ اسْتِحْبَابًا وَإِلَّا فَلَوْ ذَبَحَ عَنْهُ فِي الرَّابِعِ أَوْ الثَّامِنِ أَوْ الْعَاشِرِ، أَوْ مَا بَعْدَهُ أَجْزَأَتْهُ وَالِاعْتِبَارُ بِالذَّبْحِ لَا بِيَوْمِ الطَّبْخِ وَالْأَكْلِ (وَلَا تُجْزِئُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ) كَالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْيَمِينِ، لِتَقَدُّمِهَا عَلَى سَبَبِهَا. (وَإِنْ عَقَّ بِبَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لَمْ تُجْزِئْهُ إلَّا كَامِلَةً، فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا شِرْكٌ فِي دَمٍ) أَيْ: فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَأَفْضَلُهُ شَاةٌ (وَيَنْوِيهَا عَقِيقَةً) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . (وَيُسَمَّى) الْمَوْلُودُ (فِيهِ) أَيْ: فِي يَوْمِ السَّابِعِ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَتَقَدَّمَ (وَالتَّسْمِيَةُ لِلْأَبِ) ، فَلَا

стр. 1059

يُسَمِّيهِ غَيْرُهُ مَعَ وُجُودِهِ. (وَفِي الرِّعَايَةِ: يُسَمَّى يَوْمَ الْوِلَادَةِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ وِلَادَةِ إبْرَاهِيمَ ابْنِهِ «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْته إبْرَاهِيمَ بِاسْمِ أَبِي إبْرَاهِيمَ» (وَيُسَنُّ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا. (وَكُلّ مَا أُضِيفَ إلَى) اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ (اللَّهِ) تَعَالَى (فَحَسَنٌ) كَعَبْدِ الرَّحِيمِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَعَبْدِ الْخَالِقِ وَنَحْوِهِ (وَكَذَا أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ) كَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَمُحَمَّدٍ وَصَالِحٍ وَشِبْهِهَا لِحَدِيثِ «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا عَذَّبْت أَحَدًا تَسَمَّى بِاسْمِك فِي النَّارِ» . (وَيَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ اسْمٍ وَاحِدٍ كَمَا يُوضَعُ اسْمٌ) وَهُوَ مَا لَيْسَ كُنْيَةً وَلَا لَقَبًا (وَكُنْيَةٌ) وَهِيَ مَا صُدِّرَتْ بِأَبٍ وَأُمٍّ (وَلَقَبٌ) وَهُوَ مَا أَشْعَرَ بِمَدْحٍ، كَزَيْنِ الْعَابِدِينَ، أَوْ ذَمٍّ كَبَطَّةَ (وَالِاقْتِصَارُ عَلَى اسْمٍ وَاحِدٍ أَوْلَى) لِفِعْلِهِ ﷺ فِي أَوْلَادِهِ. (وَيُكْرَهُ) مِنْ الْأَسْمَاءِ (حَرْبٌ وَمُرَّةُ وَحَزَنٌ، وَنَافِعٌ، وَيَسَارٌ وَأَفْلَحُ وَنَجِيحٌ وَبَرَكَةُ، وَيَعْلَى وَمُقْبِلٌ، وَرَافِعٌ وَرَبَاحٌ وَالْعَاصِي، وَشِهَابٌ وَالْمُضْطَجِعُ، وَنَبِيٌّ وَنَحْوُهَا) كَرَسُولٍ (وَكَذَا مَا فِيهِ تَزْكِيَةٌ كَالتَّقِيِّ وَالزَّكِيِّ، وَالْأَشْرَفِ، وَالْأَفْضَلِ، وَبَرَّةَ قَالَ الْقَاضِي وَكُلُّ مَا فِيهِ تَفْخِيمٌ أَوْ تَعْظِيمٌ) قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ " لَا تُسَمِّ غُلَامَك يَسَارًا وَلَا رَبَاحًا وَلَا نَجِيحًا وَلَا أَفْلَحَ فَإِنَّك تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ ، فَلَا يَكُونُ فَتَقُولُ: لَا " فَرُبَّمَا كَانَ طَرِيقًا إلَى التَّشَاؤُمِ وَالتَّطَيُّرِ فَالنَّهْيُ يَتَنَاوَلُ مَا يُطْرِقُ إلَى الطِّيَرَةِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ لِحَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّ الْآذِنَ عَلَى مَشْرَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدٌ يُقَالُ لَهُ: رَبَاحٌ» . (وَيَحْرُمُ) التَّسْمِيَةُ (بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُوَازِي أَسْمَاءَ اللَّهِ كَسُلْطَانِ السَّلَاطِينِ، وَشَاهِنْشَاه لِمَا رَوَى أَحْمَدُ «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ» . (وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا التَّسْمِيَةُ (بِمَا لَا يَلِيقُ إلَّا بِاَللَّهِ كَقُدُّوسٍ، وَالْبَرِّ وَخَالِقٍ

стр. 1060

وَرَحْمَنٍ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ تَعَالَى. (وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يُسَمَّى (بِجِبْرِيلَ) وَنَحْوِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ (وَيَاسِين) قُلْت: وَمِثْلُهُ طَه، خِلَافًا لِمَالِكٍ فَقَدْ كَرِهَ التَّسْمِيَةَ بِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي التُّحْفَةِ وَمِمَّا يُمْنَعُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، وَسُوَرِهِ مِثْلُ طَه وَيس، وَحُمَّ وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّسْمِيَةِ بِ يس ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَأَمَّا مَا يَذْكُرهُ الْعَوَامُّ مِنْ أَنَّ يس وَطَه مِنْ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ وَلَا مُرْسَلٍ وَلَا أَثَرٍ عَنْ صَاحِبٍ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْحُرُوفُ مِثْلُ الم وَحم وَالر وَنَحْوِهَا اهـ لَكِنْ قَالَ الْعَلَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ طَه: وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ كَمَا سَمَّاهُ مُحَمَّدًا وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لِي عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ فَذَكَرَ أَنَّ مِنْهَا طَه وَيس» اهـ وَعَلَيْهِ، فَلَا تَمْتَنِعُ التَّسْمِيَةُ بِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَيْضًا لَا تَجُوزُ تَسْمِيَةُ الْمُلُوكِ بِالْقَاهِرِ وَالظَّاهِرِ (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ اللَّهِ) تَعَالَى (كَعَبْدِ الْعُزَّى وَعَبْدِ عَمْرٍو وَعَبْدِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ الْكَعْبَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ اهـ وَمِثْلُهُ عَبْدُ النَّبِيِّ وَعَبْدُ الْحُسَيْنِ كَعَبْدِ الْمَسِيحِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَ) أَمَّا (قَوْلُهُ ﷺ «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» فَلَيْسَ مِنْ بَابِ إنْشَاءِ التَّسْمِيَةِ، بَلْ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ بِالِاسْمِ الَّذِي عُرِفَ بِهِ الْمُسَمَّى وَالْإِخْبَارُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ تَعْرِيفِ الْمُسَمَّى لَا يَحْرُمُ، فَبَابُ الْإِخْبَارِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الْإِنْشَاءِ قَالَ وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ يَتَوَرَّعُونَ عَنْ إطْلَاقِ قَاضِي الْقُضَاةِ وَحَاكِمِ الْحُكَّامِ) قِيَاسًا عَلَى مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ (وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ قَالَ: وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ التَّسْمِيَةِ بِسَيِّدِ النَّاسِ وَسَيِّدِ الْكُلِّ كَمَا يَحْرُمُ بِسَيِّدٍ وَلَدِ آدَمَ انْتَهَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ إلَّا بِهِ ﷺ . (وَمَنْ لُقِّبَ بِمَا يُصَدِّقُهُ فِعْلُهُ) بِأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُوَافِقًا لِلَقَبِهِ (جَازَ، وَيَحْرُمُ) مِنْ الْأَلْقَابِ (مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى مَخْرَجٍ صَحِيحٍ) ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ (عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ فِي كَمَالِ الدِّينِ، وَشَرَفِ الدِّينِ: أَنَّ الدِّينَ كَمَّلَهُ وَشَرَّفَهُ قَالَهُ) يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ. (وَلَا يُكْرَهُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَصَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ قَالَ وَقَدْ وَقَعَ فِعْلُ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْيَانِ، وَرِضَاهُمْ بِهِ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ

стр. 1061

وَقَالَ فِي الْهَدْيِ: وَالصَّوَابُ أَنَّ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ مَمْنُوعٌ وَالْمَنْعُ فِي حَيَاتِهِ أَشَدُّ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعٌ اهـ فَظَاهِرُهُ: التَّحْرِيمُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي» (وَيَجُوزُ تَكْنِيَتُهُ أَبَا فُلَانٍ وَأَبَا فُلَانَةَ وَتَكْنِيَتُهَا أُمَّ فُلَانٍ كَأُمِّ فُلَانَةَ) لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ. (وَ) تُبَاحُ (تَكْنِيَتُهُ الصَّغِيرَ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» . (وَيَحْرُمُ أَنْ يُقَالَ لِمُنَافِقٍ أَوْ كَافِرٍ: يَا سَيِّدِي) كَبُدَاءَتِهِ بِالسَّلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ. (وَلَا يُسَمَّى الْغُلَامُ) أَيْ: الْعَبْدُ (بِيَسَارٍ، وَلَا رَبَاحٍ وَلَا نَجِيحٍ، وَلَا أَفْلَحَ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: قُلْت: وَفِي مَعْنَى هَذَا مُبَارَكٌ وَمُفْلِحٌ وَخَيْرٌ، وَسُرُورٌ، وَنِعْمَةُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ طَرِيقًا لِلتَّشَاؤُمِ وَالتَّطَيُّرِ. (وَمِنْ) الْأَسْمَاءِ (الْمَكْرُوهَةِ: التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الشَّيَاطِينِ كَخَنْزَبٍ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ وَالزَّايِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (وَوَلْهَانَ وَالْأَعْوَرِ، وَالْأَجْدَعِ وَ) مِنْ التَّسْمِيَةِ الْمَكْرُوهَةِ: التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ (الْفَرَاعِنَةِ وَالْجَبَابِرَةِ، كَفِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَهَامَانَ وَالْوَلِيدِ) . (وَيُسْتَحَبُّ تَغْيِيرُ الِاسْمِ الْقَبِيحِ) قَالَ أَبُو دَاوُد «وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الْعَاصِ وَعُزَيْرَةَ وَعَفْرَةَ وَشَيْطَانَ وَالْحَكَمِ وَغُرَابٍ وَحَبَابٍ وَشِهَابٍ فَسَمَّاهُ هِشَامًا وَسَمَّى حَرْبًا سِلْمًا وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ وَأَرْضَ عَفْرَةً سَمَّاهَا خَضْرَةً وَشُعَبَ الضَّلَالَةِ شُعَبَ الْهُدَى وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِي الرَّشْدَةِ وَسَمَّى بَنِي مُغْوِيَةَ بَنِي مُرْشِدَةَ» قَالَ: وَتَرَكْت أَسَانِيدَهَا لِلِاخْتِصَارِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ (فِي الْفُصُولِ: وَلَا بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ النُّجُومِ بِالْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، كَالْحَمَلِ، وَالثَّوْرِ، وَالْجَدْيِ؛ لِأَنَّهَا أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ وَاللُّغَةُ وَضْعٌ) أَيْ: جَعْلُ لَفْظٍ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى فَلَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّهَا هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ، حَتَّى يَكُونَ كَذِبًا (فَلَا يُكْرَهُ) وَضْعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِتِلْكَ الْمَعَانِي (كَتَسْمِيَةِ الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالشَّجَرِ بِمَا وَضَعُوهُ لَهَا، وَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ تَسْمِيَتِهِمْ) أَيْ: الْعَرَبِ (لَهَا) أَيْ: النُّجُومِ (بِأَسْمَاءِ الْحَيَوَانِ) السَّابِقَةِ (كَانَ) الظَّاهِرُ زِيَادَتُهَا (كَذِبًا) أَيْ: لَيْسَ الْوَضْعُ كَذِبًا مِنْ حَيْثُ التَّسْمِيَةِ (وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ كَمَا سَمَّوْا الْكَرِيمَ بَحْرًا) لَكِنَّ اسْتِعْمَالَ الْبَحْرِ لِلْكَرِيمِ مَجَازٌ بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ فِي النُّجُومِ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ وَالتَّوَسُّعُ فِي التَّسْمِيَةِ فَقَطْ. (وَ) سُنَّ أَنْ (يُؤَذَّنَ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ الْيُمْنَى) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (حِينَ يُولَدُ، وَ) أَنْ (يُقِيمَ فِي الْيُسْرَى) لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ

стр. 1062

فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى رُفِعَتْ عَنْهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَوْمَ وُلِدَ وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى» رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَقَالَ وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ. (وَ) سُنَّ أَنْ يُحَنَّكَ (الْمَوْلُودُ بِتَمْرَةٍ بِأَنْ تُمْضَغَ وَيُدَلَّكَ بِهَا دَاخِلَ فَمِهِ، وَيُفْتَحَ فَمُهُ حَتَّى يَنْزِلَ إلَى جَوْفِهِ مِنْهَا شَيْءٌ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ «وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْت بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ» زَادَ الْبُخَارِيُّ «وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إلَيَّ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى» . (وَيُحْلَقُ رَأْسِ ذَكَرٍ لَا) رَأْسُ (أُنْثَى يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا) أَيْ: فِضَّةً لِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَتَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ لَمَّا وَلَدَتْ الْحَسَنَ «احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَالْأَوْقَاصِ» ، يَعْنِي: أَهْلَ الصُّفَّةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ. (فَإِنْ فَاتَ) يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ غَيْرِ عَقِيقَةٍ وَلَا تَسْمِيَةٍ وَلَا حَلْقِ رَأْسِ ذَكَرٍ (فَ) إنَّ ذَلِكَ يُفْعَلُ (فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ) أَيْ: فِي الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ (فَإِنْ فَاتَ فَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ) رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ (وَلَا تُعْتَبَرُ الْأَسَابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَعُقُّ بَعْدَ ذَلِكَ) الْيَوْمَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ (فِي أَيِّ يَوْمٍ أَرَادَ) ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءُ دَمٍ فَائِتٍ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى يَوْمٍ كَقَضَاءِ الْأُضْحِيَّةِ. (وَلَا تَخْتَصُّ الْعَقِيقَةُ بِالصِّغَرِ) ، فَيَعُقُّ الْأَبُ عَنْ الْمَوْلُودِ، وَلَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا. (وَلَوْ اجْتَمَعَ عَقِيقَةٌ وَأُضْحِيَّةٌ وَنَوَى) الذَّبِيحَةَ (عَنْهُمَا) أَيْ: عَنْ الْعَقِيقَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ (أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا نَصًّا) . وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ اتَّفَقَ وَقْتُ عَقِيقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ فَعَقَّ أَوْ ضَحَّى أَجْزَأَ عَنْ الْأُخْرَى اهـ وَمُقْتَضَاهُ إجْزَاءُ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا لَكِنَّ تَعْبِيرَ الْمُصَنِّفِ مُوَافِقٌ لِمَا عَبَّرَ بِهِ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ: آخِرًا (قَالَ) الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ (ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ تُحْفَةُ الْوَدُودِ فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ: كَمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي بِهِمَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَسُنَّةَ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ صَلَّى بَعْدَ الطَّوَافِ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً مَكْتُوبَةً وَقَعَ) أَيْ: مَا صَلَّاهُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ فَرْضِهِ. (وَعَنْ

стр. 1063

رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ شَاةً يَوْمَ النَّحْرِ أَجْزَأَ عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ) أَيْ: أَوْ الْقِرَانِ (وَعَنْ الْأُضْحِيَّةِ اهـ وَفِي مَعْنَاهُ: لَوْ اجْتَمَعَ هَدْيٌ وَأُضْحِيَّةٌ) فَتُجْزِئُ ذَبِيحَةٌ عَنْهُمَا، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا بِالذَّبْحِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَيِّمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَ الْمُتَمَتِّعُ إلَخْ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ لَا تَضْحِيَةَ بِمَكَّةَ إنَّمَا هُوَ الْهَدْيُ) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ. (وَيُكْرَهُ لَطْخُهُ) أَيْ: الْمَوْلُودِ (مِنْ دَمِهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُمَسَّ بِدَمٍ؛ لِأَنَّهُ أَذًى وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ وَلَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبِيهِ قَالَ مُهَنَّا ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ فَقَالَ: مَا أَظْرَفَهُ، وَأَمَّا مَنْ رَوَى " وَيُدَمَّى " فَقَالَ أَبُو دَاوُد " وَيُسَمَّى " يَعْنِي مَكَانَ " يُدَمَّى " أَصَحُّ هَكَذَا قَالَ سَلَامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ قَتَادَةَ وَإِيَاسُ بْنُ دَغْفَلٍ عَنْ الْحَسَنِ وَوَهِمَ هَمَّامٌ فَقَالَ: " وَيُدَمَّى " قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي عَرُوبَةَ " يُسَمَّى " وَقَالَ هَمَّامٌ " يُدَمَّى " وَمَا أُرَاهُ إلَّا خَطَأً. (وَإِنْ لَطَّخَ رَأْسَهُ بِزَعْفَرَانٍ، فَلَا بَأْسَ) لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ «كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ عَنْهُ شَاةً وَيُلَطِّخُ رَأْسَهُ بِدَمِهَا فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَقَالَ) شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ (ابْنُ الْقَيِّمِ) لَطْخُ رَأْسِهِ بِزَعْفَرَانٍ (سُنَّةٌ) لِمَا مَرَّ. (مَرَّ وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً وَلَا يَكْسِرُ عَظْمُهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ عَنْ الْغُلَامِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ تُطْبَخُ جُدُولًا لَا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ» أَيْ: عُضْوٌ وَهُوَ الْجَدْلُ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَالْإِرْبُ، وَالشِّلْوُ، وَالْعُضْوُ، وَالْوَصْلُ كُلُّهُ وَاحِدٌ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهَا أَوَّلُ ذَبِيحَةٍ عَنْ الْمَوْلُودِ، فَاسْتُحِبَّ فِيهَا ذَلِكَ تَفَاؤُلًا بِالسَّلَامَةِ كَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ (فَيُطْبَخُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ نَصَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُطْعِمُ مِنْهَا الْأَوْلَادَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْجِيرَانَ قِيلَ) لِلْإِمَامِ (أَحْمَدَ فَإِنْ طُبِخَتْ بِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَاءِ وَالْمِلْحِ؟ فَقَالَ: مَا ضَرَّ ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُنْتَهَى: (وَيَكُونُ مِنْهُ بِحُلْوٍ) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطْبَخَ مِنْهَا طَبِيخٌ حُلْوٌ، تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةِ أَخْلَاقِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) فِي التَّنْبِيهِ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطِيَ الْقَابِلَةَ مِنْهَا فَخِذًا) لِمَا فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَعْفَرِ بْنِ

стр. 1064

مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْعَقِيقَةِ الَّتِي عَقَّتْهَا فَاطِمَةُ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ «أَنْ يَبْعَثُوا إلَى الْقَابِلَةِ بِرِجْلٍ وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْمًا» . (وَحُكْمُهَا) أَيْ: الْعَقِيقَةِ (حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهَا كَالْأَكْلِ وَالْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ) قَالَ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ وَصَالِحٍ ابْنِهِ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ جِيرَانَهُ وَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ كَمْ يَقْسِمُ مِنْ الْعَقِيقَةِ؟ قَالَ: مَا أَحَبَّ. وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُؤْكَلُ مِنْ الْعَقِيقَةِ؟ قَالَ نَعَمْ يَأْكُلُ مِنْهَا قُلْت: كَمْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي أَمَّا الْأَضَاحِيُّ: فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَكِنَّ الْعَقِيقَةَ يُؤْكَلُ مِنْهَا قُلْت: يُشْبِهَانِ فِي أَكْلِ الْأُضْحِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ يُؤْكَلُ مِنْهَا (وَالضَّمَانِ) إذَا أَتْلَفَهَا أَوْ أَمْسَكَ اللَّحْمَ حَتَّى أَنْتَنَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ. (وَالْوَلَدِ) فَيُذْبَحُ مَعَهَا (وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ) أَوْ الشَّعْرِ أَوْ الْوَبَرِ، فَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِهِ (وَالذَّكَاةِ) ، فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا حَيَّةً (وَالرُّكُوبِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ كَاسْتِحْبَابِ اسْتِحْسَانِهَا وَاسْتِسْمَانِهَا وَإِنَّ أَفْضَلَ أَلْوَانِهَا الْبَيَاضُ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي تَعَلُّقِ الْفُقَرَاءِ بِهِمَا. (وَيُجْتَنَبُ فِيهَا) أَيْ: الْعَقِيقَةِ مِنْ الْعَيْبِ (مَا يُجْتَنَبُ فِي الْأُضْحِيَّةِ) ، فَلَا تُجْزِئُ فِيهَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَنَحْوُهَا (وَيُبَاعُ جِلْدُهَا وَرَأْسُهَا وَسَوَاقِطُهَا، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ أَدْخَلُ مِنْهَا فِي التَّعَبُّدِ) وَالذَّكَرُ أَفْضَلُ فِي الْعَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ» (وَيَقُولُ عِنْدَ ذَبْحِهَا: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ لَك وَإِلَيْك هَذِهِ عَقِيقَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «اذْبَحُوا عَلَى اسْمِهِ فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ لَك وَإِلَيْك اللَّهُمَّ هَذِهِ عَقِيقَةُ فُلَانٍ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ هَذَا حَسَنٌ. " تَتِمَّةٌ " قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَرَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْحَسَنِ يُهَنِّيهِ بِابْنٍ لِيَهْنَأْكَ الْفَارِسُ فَقَالَ الْحَسَنُ وَمَا يُدْرِيك أَفَارِسٌ هُوَ أَمْ حِمَارٌ؟ فَقَالَ: كَيْفَ نَقُولُ قَالَ قُلْ: بُورِكَ فِي الْمَوْهُوبِ وَشَكَرْت الْوَاهِبَ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْت بِهِ بِرَّهُ. (وَلَا تُسَنُّ الْفَرَعَةُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ وَتُسَمَّى أَيْضًا الْفَرَعُ (وَهِيَ ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ) كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ لَحْمَهُ وَيُلْقُونَ جِلْدَهُ عَلَى شَجَرَةٍ (وَلَا الْعَتِيرَةُ وَهِيَ ذَبِيحَةُ رَجَبٍ) أَيْ: شَاةٌ كَانَتْ الْعَرَبُ تَذْبَحُهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ رَجَبٍ لِطَوَاغِيتِهِمْ وَأَصْنَامِهِمْ

стр. 1065

وَيَأْكُلُونَ لَحْمَهَا وَيُلْقُونَ جِلْدَهَا عَلَى شَجَرَةٍ قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْفَرَعَةِ مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ وَاحِدَةٌ» قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ حَدِيثُ ثَابِتٍ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِتَأَخُّرِ إسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ؛ وَلِأَنَّ الْفَرَعَ وَالْعَتِيرَةَ كَانَ فِعْلُهُمَا أَمْرًا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِسْلَامِ فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُمْ عَلَيْهِ إلَى حِينِ نَسْخِهِ وَاسْتِمْرَارِ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لَهُ. (وَلَا يُكْرَهَانِ) أَيْ: الْفَرَعَةُ وَالْعَتِيرَةُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبْرِ نَفْيُ كَوْنِهِمَا سُنَّةً، لَا تَحْرِيمُ فِعْلِهِمَا وَلَا كَرَاهَتُهُ وَلَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهَذَا وَاضِحٌ لِحَدِيثِ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» . [كِتَابُ الْجِهَادِ] ِ خَتَمَ بِهِ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلِفِعْلِهِ ﷺ وَأَمْرِهِ بِهِ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ النِّفَاقِ» (وَهُوَ) أَيْ: الْجِهَادُ مَصْدَرُ جَاهَدَ جِهَادًا وَمُجَاهَدَةً مِنْ جَهَدَ إذَا بَالَغَ فِي قَتْلِ عَدُوِّهِ فَهُوَ لُغَةً بَذْلُ الطَّاقَةِ وَالْوُسْعِ وَشَرْعًا: (قِتَالُ الْكُفَّارِ) خَاصَّةً بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَغَيْرُهُمْ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِتَالِ عُمُومٌ مُطْلَقٌ. (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي، سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ) وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَنْ يَكْفِي أَثِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَالْخِطَابُ فِي ابْتِدَائِهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ كَفَرْضِ الْأَعْيَانِ ثُمَّ يَخْتَلِفَانِ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَفُرُوضُ الْأَعْيَانِ لَا تَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]

стр. 1066

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]- الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا وَيُقِيمُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَبُو دَاوُد. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حِينَ اسْتَنْفَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ كَمَا يَأْتِي وَلِذَلِكَ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابَهُ لَمَّا تَخَلَّفُوا حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. (وَيُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ) أَيْ: حَقِّ غَيْرِ الْكَافِينَ فِيهِ (بِتَأْكِيدٍ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، لَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلِهِ وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ» . وَمَعْنَى الْكِفَايَةِ فِي الْجِهَادِ: أَنْ يَنْهَضَ إلَيْهِ قَوْمٌ يَكْفُونَ فِي جِهَادِهِمْ، إمَّا أَنْ يَكُونُوا جُنْدًا لَهُمْ دَوَاوِينُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُوا أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ تَبَرُّعًا، بِحَيْثُ إذَا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ حَصَلَتْ الْمَنَعَةُ بِهِمْ، وَيَكُونُ فِي الثُّغُورِ مَنْ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ عَنْهَا، وَيَبْعَثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ جَيْشًا يُغِيرُونَ عَلَى الْعَدُوِّ فِي بِلَادِهِمْ. (وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: مَا قُصِدَ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ) كَرَدِّ السَّلَامِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةِ الْمُسْلِمِينَ (فَمِنْ ذَلِكَ دَفْعُ ضَرَرِ الْمُسْلِمِينَ، كَسَتْرِ الْعَارِي، وَإِشْبَاعِ الْجَائِعِ) وَفَكِّ الْأَسْرَى (عَلَى الْقَادِرِينَ) عَلَيْهِ (إنْ عَجَزَ بَيْتُ الْمَالِ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنْهُ) لِمَنْعٍ أَوْ نَحْوِهِ. (وَ) مِنْ ذَلِكَ (الصَّنَائِعُ الْمُبَاحَةُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا لِمَصَالِح النَّاسِ غَالِبًا الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، كَالزَّرْعِ وَالْغَرْسِ وَنَحْوِهَا) ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ لَا يَنْتَظِمُ إلَّا بِذَلِكَ فَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ أَهْلُهُ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ كَانَ طَاعَةً وَإِلَّا، فَلَا. (وَ) مِنْ ذَلِكَ (إقَامَةُ الدَّعْوَى) إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ (وَدَفْعُ الشُّبَهِ بِالْحُجَّةِ وَالسَّيْفِ) لِمَنْ عَانَدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . (وَ) مِنْ ذَلِكَ (سَدُّ الْبُثُوقِ) بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ

стр. 1067

وَهُوَ مَا انْفَتَحَ مِنْ جَانِبِ النَّهْرِ (وَ) مِنْ ذَلِكَ (حَفْرُ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَكَرْيُهَا وَهُوَ تَنْظِيفُهَا وَعَمَلُ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ، وَالْأَسْوَارِ وَإِصْلَاحُهَا) أَيْ: الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ وَالْأَسْوَارِ (وَإِصْلَاحُ الطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ) لِعُمُومِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ. (وَ) مِنْ ذَلِكَ (الْفَتْوَى وَتَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ) كَالْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفَرَائِضِ (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حِسَابٍ وَنَحْوِهِ، وَلُغَةٍ، وَنَحْوٍ، وَتَصْرِيفٍ، وَقِرَاءَاتٍ وَعَكْسُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عُلُومٌ مُحَرَّمَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ فَالْمُحَرَّمَةُ كَعِلْمِ الْكَلَامِ) إذَا تَكَلَّمَ فِيهِ بِالْمَعْقُولِ الْمَحْضِ، أَوْ الْمُخَالِفِ لِلْمَنْقُولِ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ فَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِالنَّقْلِ فَقَطْ، أَوْ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ الْمُوَافِقِ لَهُ، فَهُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَطَرِيقَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَفِي حَاشِيَتِهِ: مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي ذَلِكَ. (وَ) كَعِلْمِ (الْفَلْسَفَةِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالتَّنْجِيمِ، وَالضَّرْبِ بِالرَّمْلِ وَالشَّعِيرِ، وَبِالْحَصَى، وَ) كَعِلْمِ (الْكِيمْيَاءِ، وَعُلُومِ الطَّبَائِعِيِّينَ، إلَّا الطِّبَّ، فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي قَوْلٍ) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهَذَا غَرِيبٌ فِي الْمَذْهَبِ (وَمِنْ الْمُحَرَّمِ: السِّحْرُ، وَالطَّلْسَمَاتُ) بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا كَمَا يَأْتِي فِي آخِرِ الرِّدَّةِ. (وَ) مِنْ الْمُحَرَّمِ (التَّلْبِيسَاتُ، وَعِلْمُ اخْتِلَاجِ الْأَعْضَاءِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهِ وَنِسْبَتُهُ إلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَذِبٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ وَ) مِنْ الْمُحَرَّمِ (حِسَابُ اسْمِ الشَّخْصِ وَاسْمِ أُمِّهِ بِالْجُمَلِ وَأَنَّ طَالِعَهُ كَذَا، وَنَجْمَهُ كَذَا وَالْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ بِفَقْرٍ أَوْ غِنًى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِلِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْأَحْوَالِ السُّفْلِيَّةِ) كَمَا يُصْنَعُ الْآنَ فِي التَّقَاوِيمِ الْمَشْهُورَةِ. (وَأَمَّا عِلْمُ النُّجُومِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْجِهَاتِ وَالْقِبْلَةِ، وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَمُسْتَحَبٌّ) كَالْأَدَبِ وَقَدْ يَجِبُ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ وَخَفِيَتْ الْقِبْلَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (وَ) الْعِلْمُ (الْمَكْرُوهُ: كَالْمَنْطِقِ وَالْأَشْعَارِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْغَزَلِ، وَالْبَطَالَةِ وَالْمُبَاحِ مِنْهَا) أَيْ: الْأَشْعَارِ (مَا لَا سُخْفَ فِيهِ وَمَا لَا يُكْرَهُ، وَلَا يُنَشِّطُ عَلَى الشَّرِّ، وَلَا يُثَبِّطُ عَنْ الْخَيْرِ) ، وَيَأْتِي: أَنَّ الشِّعْرَ كَالْكَلَامِ، حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ. (وَمِنْ) الْعِلْمِ (الْمُبَاحِ: عِلْمُ الْهَيْئَةِ وَالْهَنْدَسَةِ وَالْعَرُوضِ) وَمِثْلُهُ الْقَوَافِي (وَ) مِنْهُ عِلْمُ (الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ) قُلْت: لَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، إذْ هُوَ كَالنَّحْوِ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) وَالْمَعْرُوفُ: كُلّ مَا

стр. 1068

أُمِرَ بِهِ شَرْعًا وَالْمُنْكَرُ: كُلُّ مَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ جَزْمًا وَشَاهَدَهُ وَعَرَفَ مَنْ يُنْكِرُهُ وَلَمْ يَخَفْ أَذًى قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالتَّوَهُّمِ فَلَوْ قِيلَ لَهُ: لَا تَأْمُرْ عَلَى فُلَانٍ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُك لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ لِذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي آخِرِ الْإِرْشَادِ: مِنْ شُرُوطِ الْإِنْكَارِ: أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى مَفْسَدَةٍ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: إذَا أَمَرْت وَنَهَيْت فَلَمْ يَنْتَهِ، فَلَا تَرْفَعْهُ إلَى السُّلْطَانِ، لِيُعَدَّى عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا: مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ خَوْفَ التَّلَفِ وَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ شَرْطِهِ أَيْضًا: رَجَاءُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَعَدَمُ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَعَلَى النَّاسِ إعَانَةُ الْمُنْكِرِ وَنَصْرُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ وَأَعْلَاهُ: بِالْيَدِ، ثُمَّ بِاللِّسَانِ، ثُمَّ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ لَيْسَ بِالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ قَالَ الْقَاضِي، وَيَجِبُ فِعْلُ الْكَرَاهَةِ لِلْمُنْكَرِ كَمَا يَجِبُ إنْكَارُهُ وَفِي الْحَاشِيَةِ مَا يُغْنِي عَنْ الْإِطَالَةِ. (وَذَكَرْنَا فِي الْكِتَابِ جُمْلَةً مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَثِيرًا فِي أَبْوَابِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ) لِمَا فِيهَا مِنْ التَّكْرَارِ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَذْكُورَاتِ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي مَوَاضِعِهِ. (وَلَا يَجِبُ الْجِهَادُ إلَّا عَلَى ذَكَرٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ فَقَالَ: جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» ؛ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ لِضَعْفِهَا وَخَوْرِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يُسْهَمُ لَهَا، وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ ذُكُورِيَّتُهُ (حُرٍّ) ، فَلَا يَجِبُ عَلَى عَبْدٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُبَايِعُ الْحُرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ، وَالْعَبْدَ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الْجِهَادِ» ؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْحَجِّ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: لَا يَلْزَمُ رَقِيقًا وَظَاهِرُهُ:، وَلَوْ مُبَعَّضًا وَمُكَاتَبًا، رِعَايَةً لِحَقِّ السَّيِّدِ (مُكَلَّفٍ) لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَالْكَافِرُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْجِهَادِ (مُسْتَطِيعٍ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَطِيعِ عَاجِزٌ، وَالْعَجْزُ يَنْفِي الْوُجُوبَ (وَهُوَ)

стр. 1069

أَيْ: الْمُسْتَطِيعُ (الصَّحِيحُ) فِي بَدَنِهِ مِنْ الْمَرَضِ وَالْعَمَى وَالْعَرَجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧] . ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ تَمْنَعُ مِنْ الْجِهَادِ (الْوَاجِدِ بِمِلْكٍ أَوْ بَذْلِ إمَامٍ، أَوْ نَائِبِهِ - لِزَادِهِ، وَمَا يَحْمِلُهُ إذَا كَانَ) السَّفَرُ (مَسَافَةَ قَصْرٍ وَلِمَا يَكْفِي أَهْلَهُ فِي غَيْبَتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ [التوبة: ٩٢] ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ إلَّا بِآلَةٍ فَاعْتُبِرَتْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا كَالْحَجِّ وَلَا تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ كَالْحَجِّ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَأُجْرَةِ مَسْكَنِهِ وَحَوَائِجِهِ، كَالْحَجِّ وَإِنْ بَذَلَ لَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ مَا يُجَاهِدُ بِهِ لَمْ يَصِرْ مُسْتَطِيعًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ. (وَلَا يَجِبُ) الْجِهَادُ (عَلَى أُنْثَى وَلَا خُنْثَى، وَلَا عَبْدٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ) سَيِّدُهُ (وَلَا صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا ضَعِيفٍ، وَلَا مَرِيضٍ مَرَضًا شَدِيدًا) لِمَا تَقَدَّمَ وَ (لَا) يَسْقُطُ وُجُوبُهُ بِالْمَرَضِ إنْ كَانَ (يَسِيرًا، لَا يَمْنَعُهُ) أَيْ: الْجِهَادَ (كَوَجَعِ ضِرْسٍ وَصُدَاعٍ خَفِيفٍ وَنَحْوِهِمَا) كَالْعَوَرِ. (وَلَا) يَجِبُ (عَلَى فَقِيرٍ، وَلَا كَافِرٍ وَلَا أَعْمَى وَلَا أَعْرَجَ وَلَا أَشَلَّ وَلَا أَقْطَعَ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ وَلَا مَنْ أَكْثَرُ أَصَابِعِهِ ذَاهِبَةٌ، أَوْ إبْهَامُ يَدِهِ) ذَاهِبَةٌ (أَوْ) قُطِعَ مِنْهُ (مَا يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ نَفْعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَيُؤْخَذُ بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ الْكَفَّارَةِ (وَيَلْزَمُ) الْجِهَادُ (الْأَعْوَرَ وَالْأَعْشَى وَهُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْجِهَادَ. (قَالَ الشَّيْخُ الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ) أَعْنِي: الْجِهَادَ الْمَأْمُورَ بِهِ (مِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ) كَالْعَزْمِ عَلَيْهِ. (وَالدَّعْوَةِ) إلَى الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ (وَالْحُجَّةِ) أَيْ: إقَامَتِهَا عَلَى الْمُبْطِلِ (وَالْبَيَانِ) أَيْ: بَيَانِ الْحَقِّ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ (وَالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ) فِيمَا فِيهِ نَفْعُ الْمُسْلِمِينَ (وَالْبَدَنِ) أَيْ: الْقِتَالِ بِنَفْسِهِ (فَيَجِبُ) الْجِهَادُ (بِغَايَةِ مَا يُمْكِنُهُ) مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ قُلْت: وَمِنْهُ هَجْوُ الْكُفَّارِ كَمَا كَانَ حَسَّانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَهْجُو أَعْدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ . (وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ) الْجِهَادُ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ: كُلَّ عَامٍ مَرَّةً) ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مَرَّةً فِي الْعَامِ وَهُوَ بَدَلُ

стр. 1070

النُّصْرَةِ فَكَذَا مُبْدَلُهَا (إلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إلَى تَأْخِيرِهِ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ) مِنْ عَدَدٍ أَوْ عُدَّةٍ (أَوْ قِلَّةِ عَلَفٍ) فِي الطَّرِيقِ (أَوْ) قِلَّةِ (مَاءٍ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ انْتِظَارِ مَدَدٍ) يَسْتَعِينُ بِهِ إمَامٌ (فَيَجُوزُ تَرْكُهُ) أَيْ: الْجِهَادِ (بِهُدْنَةٍ وَبِغَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ صَالَحَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ وَأَخَّرَ قِتَالَهُمْ حَتَّى نَقَضُوا الْعَهْدَ وَأَخَّرَ قِتَالَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ بِغَيْرِ هُدْنَةٍ وَ (لَا) يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ (إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَابَعَهُ (وَلَا يُعْتَبَرُ أَمْنُ الطَّرِيقِ) ؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ عَلَى الْخَوْفِ. (وَتَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ) وَهِيَ رَجَبٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ (مَنْسُوخٌ نَصًّا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَبِغَزْوِهِ ﷺ الطَّائِفَ وَاخْتَارَ فِي الْهَدْيِ: لَا وَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ وَإِنْ كَانَتْ فِي ذِي الْقِعْدَةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ تَمَامِ غَزْوَةِ هَوَازِنَ وَهُمْ بَدَءُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالْقِتَالِ قَالَ: وَيَجُوزُ الْقِتَالُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ دَفْعًا إجْمَاعًا وَأَطَالَ فِي الْفُرُوعِ فِيهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ (وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْقِتَالِ فِي عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَجَبَ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَوَجَبَ مِنْهُ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَة. (وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ) وَهُوَ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الْمُسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُ (أَوْ) مِنْ (عَبْدٍ أَوْ مُبَعَّضٍ، أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ حَصْرِ) عَدُوٍّ (أَوْ) حَصَرَ (بَلَدَهُ عَدُوٌّ أَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ بَعِيدٌ) فِي الْجِهَادِ (أَوْ تَقَابَلَ الزَّحْفَانِ) الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ (أَوْ اسْتَنْفَرَهُ مَنْ لَهُ اسْتِنْفَارُهُ، وَلَا عُذْرَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ) أَيْ: صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ النَّفِيرِ) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا لِحَاجَةٍ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ) لِحِفْظِ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مَكَان. (وَمَنْ مَنَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْخُرُوجِ) ذَكَرَهُ فِي الْبُلْغَةِ (وَإِنْ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَالنَّفِيرِ مَعًا صَلَّى ثُمَّ نَفَرَ مَعَ الْبُعْدِ) أَيْ: بُعْدِ الْعَدُوِّ (وَمَعَ قُرْبِ الْعَدُوِّ يَنْفِرُ وَيُصَلِّي رَاكِبًا وَذَلِكَ أَفْضَلُ) نَصَّ عَلَيْهِ. (وَلَا يَنْفِرُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَلَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ لَهَا) عِبَارَةُ الْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى: وَلَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ فَعُمُومُهُ يَتَنَاوَلُ

стр. 1071

الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا (وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِيهَا) لِأَجْلِ النَّفِيرِ (وَلَا تُنَفَّرُ الْخَيْلُ إلَّا عَلَى حَقِيقَةٍ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ. (وَلَا يَنْفِرُ عَلَى غُلَامٍ إذَا أَبَقَ) لِئَلَّا يَهْلِكَ النَّاسُ بِسَبَبِهِ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلَانِ فَرَسًا بَيْنَهُمَا يَغْزُوَانِ عَلَيْهَا، يَرْكَبُ هَذَا عُقْبَةً وَهَذَا عُقْبَةً، وَيَأْتِي فِي بَابِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، وَلَوْ نَادَى الْإِمَامُ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً لِحَادِثَةٍ شَاوَرَهُمْ فِيهَا لَمْ يَتَأَخَّرْ أَحَدٌ عَنْ الْحُضُورِ بِلَا عُذْرٍ) . لِوُجُوبِ الْجِهَادِ بِغَايَةِ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْبَدَنِ وَالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالْحَرْبُ خَدْعَةٌ (وَمُنِعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَزْعِ لَأْمَةِ الْحَرْبِ إذَا لَبِسَهَا حَتَّى يَلْقَى الْعَدُوَّ) لِلْخَبَرِ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَسْنَدَهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَاللَّأْمَةُ: كَتَمْرَةٍ بِالْهَمْزَةِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا وَهِيَ الدِّرْعُ وَجَمْعُهَا: لَأْمٌ كَتَمْرَةِ وَتَمْرٍ، وَلُؤَمٌ: كَصُرَدٍ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ (كَمَا مُنِعَ ﷺ مِنْ الرَّمْزِ بِالْعَيْنِ وَالْإِشَارَةِ بِهَا) لِحَدِيثِ «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَهِيَ الْإِيمَاءُ إلَى مُبَاحٍ مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ أَوْ قَتْلٍ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَسُمِّيَ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ: لِشَبَهِهِ بِالْخِيَانَةِ بِإِخْفَائِهِ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا فِي مَحْظُورٍ. (وَ) مُنِعَ ﷺ (مِنْ الشِّعْرِ وَالْخَطِّ وَتَعَلُّمِهِمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وَقَوْلُهُ ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، وَيَأْتِي فِي الْخَصَائِصِ لَهُ تَتِمَّةٌ. (وَأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ: الْجِهَادُ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الرِّبَاطِ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ، وَالْأَحَادِيثُ مُتَظَاهِرَةٌ بِذَلِكَ، فَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ) لِحَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ عِنْدَهَا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْت: مَا أَضْحَكَك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ خَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُ أُخْتٌ لَهُمَا ثَالِثَةٌ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيْ الْبَرِّ، وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ فِي الْبَرِّ وَمَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ إلَّا شَهِيدَ الْبَحْرِ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى قَبْضَ

стр. 1072

أَرْوَاحِهِمْ، وَشَهِيدُ الْبَرِّ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الدَّيْنَ، وَشَهِيدُ الْبَحْرِ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَالدَّيْنُ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ؛ وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ خَطَرًا وَمَشَقَّةً، لِكَوْنِهِ بَيْنَ خَطَرِ الْعَدُوِّ وَالْغَرَقِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفِرَارِ إلَّا مَعَ أَصْحَابِهِ فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ. (وَالْجِهَادُ مِنْ السِّيَاحَةِ) الْمَرْغُوبِ فِيهَا (وَأَمَّا السِّيَاحَةُ فِي الْأَرْضِ لَا لِمَقْصُودٍ) شَرْعِيٍّ (وَلَا إلَى مَكَان مَعْرُوفٍ فَمَكْرُوهَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْعَبَثِ. (وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرٍّ وَفَاجِرٍ يَحْفَظَانِ الْمُسْلِمِينَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي الصَّحِيحِ «إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَهُ مَعَ الْفَاجِرِ يُفْضِي إلَى تَرْكِهِ وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِئْصَالِهِمْ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ. (وَلَا يَكُونُ) الْأَمِيرُ (مَخْذُولًا وَلَا مُرْجِفًا، وَلَا مَعْرُوفًا بِالْهَزِيمَةِ وَتَضْيِيعِ الْمُسْلِمِينَ) لِعَدَمِ الْمَقْصُودِ مِنْ حِفْظِهِ الْمُسْلِمِينَ (وَلَوْ عُرِفَ بِالْغُلُولِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، إنَّمَا ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ) أَيْ: إثْمُهُ عَلَيْهِ، لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ، فَلَا يُمْنَعُ الْغَزْوُ مَعَهُ (وَيُقَدَّمُ الْقَوِيُّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْأَمِيرَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ. (وَيُسْتَحَبُّ تَشْيِيعِ غَازٍ مَاشِيًا إذَا خَرَجَ) إلَى الْغَزْوِ (وَلَا بَأْسَ بِخَلْعِ نَعْلِهِ) أَيْ: الْمُشَيِّعِ (لِتُغَبَّرَ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَلَهُ أَحْمَدُ) فَشَيَّعَ أَبَا الْحَارِثِ الصَّائِغَ وَنَعْلَاهُ فِي يَدِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ شَيَّعَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الشَّامِ، وَيَزِيدُ رَاكِبٌ وَأَبُو بَكْرٍ يَمْشِي فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ أَنَا فَأَمْشِيَ مَعَك فَقَالَ: لَا أَرْكَبُ، وَلَا تَنْزِلُ إنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَشَيَّعَ عَلِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَلَمْ يَتَلَقَّهُ. وَفِي الْخَبَرِ «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَلَقِّيهِ) أَيْ: الْغَازِي؛ لِأَنَّهُ تَهْنِئَةٌ لَهُ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الشَّهَادَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ:، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ حَجٌّ وَإِنَّهُ يَقْصِدُهُ لِلسَّلَامِ (وَفِي الْفُنُونِ: تَحْسُنُ التَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ لِلْمُسَافِرِ) كَالْمَرْضَى، تَحْسُنُ تَهْنِئَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ بِسَلَامَتِهِ. (وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَبِي الْمَعَالِي) أَسْعَدَ وَيُسَمَّى: مُحَمَّدًا وَجِيهَ الدِّينِ بْنَ الْمُنَجَّى بْنِ بَرَكَاتٍ (تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقَادِمِ، وَمُعَانَقَتُهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ) وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ فِي حَجٍّ لَا إلَّا إنْ كَانَ قَصَدَهُ، أَوْ ذَا عِلْمٍ أَوْ هَاشِمِيًّا، أَوْ يُخَافُ شَرُّهُ وَنَقَلَ ابْنَاهُ: أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا: اُكْتُبَا لِي اسْمَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْنَا مِمَّنْ حَجَّ حَتَّى إذَا قَدِمَ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي جَعَلَهُ مُقَابَلَةً وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَنْ يَبْدَأَهُمْ قَالَ: ابْنُ عَقِيلٍ مَحْمُولٌ عَلَى صِيَانَةِ الْعِلْمِ لَا عَلَى الْكِبْرِ. (وَذَكَرَ) أَبُو بَكْرٍ (الْآجُرِّيُّ: اسْتِحْبَابَ

стр. 1073

تَشْيِيعِ الْحَاجِّ وَوَدَاعِهِ، وَمَسْأَلَتِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ) وَشَيَّعَ أَحْمَدُ أُمَّهُ لِحَجٍّ. (وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُقَاتِلَ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَدُوِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] ؛ وَلِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعَدُوِّ الْبَعِيدِ يُمَكِّنُ الْقَرِيبَ مِنْ انْتِهَازِ الْفُرْصَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ، لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْهُ (إلَّا لِحَاجَةٍ) إلَى قِتَالِ الْأَبْعَدِ (كَأَنْ يَكُونَ) الْعَدُوُّ (الْأَبْعَدُ أَخْوَفَ، أَوْ) لِمَصْلَحَةٍ فِي الْبُدَاءَةِ بِالْأَبْعَدِ (لِغِرَّتِهِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ. (وَإِمْكَانِ الْفُرْصَةِ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ الْأَقْرَبُ مُهَادَنًا، أَوْ يَمْنَعُ مَانِعٌ مِنْ قِتَالِهِ) أَيْ: الْأَقْرَبِ (فَيُبْدَأُ بِالْأَبْعَدِ) لِلْحَاجَةِ (وَمَعَ التَّسَاوِي) أَيْ: تَسَاوِي الْعَدُوِّ فِي الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ. (قِتَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ عَنْ دِينٍ قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَكَانَ يَأْتِي مِنْ مَرْوَ لِغَزْوِ الرُّومِ وَاسْتَبْعَدَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَيْثُ تَرْكِ الْعَدُوِّ الْقَرِيبِ وَالْمَجِيءِ إلَى الْبَعِيدِ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْجِهَادِ، وَالْكِفَايَةُ حَاصِلَةٌ بِغَيْرِهِ، لَكِنْ يُؤَيِّدُهُ: حَدِيثُ أُمِّ خَلَّادٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لَهَا «إنَّ ابْنَك لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ قَالَتْ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَيُقَاتِلُ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ) وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ (حَتَّى يُسْلِمُوا) لِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» (أَوْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ) بِشَرْطِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] . الْآيَةَ. (وَ) يُقَاتِلُ (مَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ) الْجِزْيَةُ (حَتَّى يُسْلِمُوا) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، خَصَّ مِنْهُ أَهْلَ الْكِتَابِ لِلْآيَةِ، وَالْمَجُوسَ " لِأَخْذِهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَبَقِيَ مَنْ عَدَاهُمْ (فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، حَيْثُ تُقْبَلُ مِنْهُمْ وَمِنْ الْإِسْلَامِ (وَضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قِتَالِهِمْ انْصَرَفُوا) عَنْ الْكُفَّارِ بِلَا قِتَالٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُصَالَحَتِهِ ﷺ قُرَيْشًا عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ عَشْرَ سِنِينَ (إلَّا إنْ خِيفَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارَ (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) ، فَلَا يَنْصَرِفُونَ عَنْهُمْ، لِئَلَّا يُسَلِّطُوهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. (وَيُسَنُّ الدَّعْوَةُ) أَيْ: دَعْوَةُ الْكُفَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ (قَبْلَ الْقِتَالِ لِمَنْ بَلَغَتْهُ) أَيْ: الدَّعْوَةُ، قَطْعًا لِحُجَّتِهِ (وَيَحْرُمُ) الْقِتَالُ (قَبْلَهَا) أَيْ: الدَّعْوَةِ (لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ) الدَّعْوَةُ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ إذَا لَقِيت

стр. 1074

عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَقَيَّدَ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ شَمْسُ الدِّينِ (ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَهَا) أَيْ: الدَّعْوَةِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ (وَاسْتِحْبَابَهَا) لِمَنْ بَلَغَتْهُ (بِمَا إذَا قَصَدَهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارَ (الْمُسْلِمُونَ أَمَّا إذَا كَانَ الْكُفَّارُ قَاصِدِينَ) الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ (فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ) . (وَأَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِحَالِ النَّاسِ وَبِحَالِ الْعَدُوِّ وَنِكَايَتِهِمْ؛ وَقُرْبِهِمْ وَبُعْدِهِمْ. (وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُمْ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] (وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ) الْإِمَامُ (بِتَرْتِيبِ قَوْمٍ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ، يَكْفُونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَيَأْمُرُ بِعَمَلِ حُصُونِهِمْ، وَحَفْرِ خَنَادِقِهِمْ وَجَمِيعِ مَصَالِحِهِمْ) ؛ لِأَنَّ أَهَمَّ الْأُمُورِ الْأَمْنُ وَهَذَا طَرِيقُهُ. (وَيُؤَمِّرُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ أَمِيرًا، يُقَلِّدُهُ أَمْرَ الْحَرْبِ، وَتَدْبِيرَ الْجِهَادِ، وَيَكُونُ) الْأَمِيرُ (مِمَّنْ لَهُ رَأْيٌ وَعَقْلٌ وَخِبْرَةٌ بِالْحَرْبِ، وَمَكَايِدِ الْعَدُوِّ، مَعَ أَمَانَةٍ، وَرِفْقٍ بِالْمُسْلِمِينَ، وَنُصْحٍ لَهُمْ) لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْ إقَامَتِهِ (وَيُوصِيهِ) أَيْ: يُوصِي الْإِمَامُ الْأَمِيرَ إذَا وَلَّاهُ: بِتَقْوَى اللَّهِ فِي نَفْسِهِ، وَ (أَنْ لَا يَحْمِلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَهْلَكَةٍ وَلَا يَأْمُرَهُمْ بِدُخُولِ مَطْمُورَةٍ يُخَافُ أَنْ يُقْتَلُوا تَحْتَهَا) . لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ السَّابِقِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: حَمَلَهُمْ عَلَى مَهْلَكَةٍ، أَوْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ مَطْمُورَةٍ يُخَافُ أَنْ يُقْتَلُوا تَحْتَهَا (فَقَدْ أَسَاءَ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أَيْ: يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، لِوُجُوبِ التَّوْبَةِ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ (وَلَا عَقْلَ) أَيْ: دِيَةَ (عَلَيْهِ، وَلَا كَفَّارَةَ إذَا أُصِيبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِطَاعَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ (فَإِنْ عُدِمَ الْإِمَامُ لَمْ يُؤَخَّرْ الْجِهَادُ) لِئَلَّا يَسْتَوْلِيَ الْعَدُوُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتَظْهَرَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ (وَإِنْ حَصَلَتْ غَنِيمَةٌ قَسَمُوهَا عَلَى مُوجِبِ الشَّرْعِ) كَمَا يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ قَالَ الْقَاضِي

стр. 1075

(وَتُؤَخَّرُ قِسْمَةُ الْإِمَاءِ حَتَّى يَقُومَ إمَامٌ) ، فَيَقْسِمُهَا (احْتِيَاطًا) لِلْفُرُوجِ. (فَإِنْ بَعَثَ الْإِمَامُ جَيْشًا) أَوْ سَرِيَّةً (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ) الْأَمِيرُ (فَلِلْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ، لَمَّا قُتِلَ أُمَرَاؤُهُمْ، أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضِيَ أَمْرَهُمْ، وَصَوَّبَ رَأْيَهُمْ وَسَمَّى خَالِدًا يَوْمَئِذٍ سَيْفَ اللَّهِ (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ دَفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (وَلَا يُقِيمُونَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إلَّا مَعَ أَمِيرٍ) يُقِيمُونَهُ، أَوْ يَبْعَثُهُ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ. (وَيُسَنُّ الرِّبَاطُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ سَلْمَانَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «رِبَاطُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، فَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَهُوَ) أَيْ: الرِّبَاطُ (الْإِقَامَةُ بِثَغْرٍ تَقْوِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ) مَأْخُوذٌ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ وَهَؤُلَاءِ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ، كُلٌّ يُعِدُّ لِصَاحِبِهِ، وَالثَّغْرُ: كُلُّ مَكَان يُخِيفُ أَهْلُهُ الْعَدُوَّ وَيُخِيفُهُمْ، أَيْ: الرِّبَاطُ (وَأَقَلُّهُ سَاعَةٌ) قَالَ أَحْمَدُ يَوْمٌ رِبَاطٌ وَلَيْلَةٌ رِبَاطٌ وَسَاعَةٌ رِبَاطٌ (وَتَمَامُهُ) أَيْ: الرِّبَاطِ (أَرْبَعُونَ يَوْمًا) قَالَهُ أَحْمَدُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لِحَدِيثِ: «تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا» رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الثَّوَابِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أُوَافِقَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الرِّبَاطَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ. (وَإِنْ زَادَ) الرِّبَاطُ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا (فَلَهُ أَجْرُهُ) كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ (وَهُوَ) أَيْ: الرِّبَاطُ (بِأَشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا: أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ، وَالْمَقَامُ بِهِ أَنْفَعُ. (وَ) الرِّبَاطُ (أَفْضَلُ مِنْ الْمَقَامِ بِمَكَّةَ) ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إجْمَاعًا (وَالصَّلَاةُ بِهَا) أَيْ: بِمَكَّةَ (أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالثَّغْرِ) قَالَ أَحْمَدُ: فَأَمَّا فَضْلُ الصَّلَاةِ فَهَذَا شَيْءٌ خَاصَّةُ فَضْلٍ لِهَذِهِ الْمَسَاجِدِ. (وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ أَهْلِ الثَّغْرِ نَقْلُ أَهْلِهِ مِنْ الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى

стр. 1076

الثَّغْرِ: إنْ كَانَ مَخُوفًا لِقَوْلِ عُمَرَ: " (لَا) تُنْزِلُوا الْمُسْلِمِينَ خِيفَةَ الْبَحْرِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: كَيْفَ لَا أَخَافُ الْإِثْمَ وَهُوَ يُعَرِّضُ ذُرِّيَّتَهُ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَا يُكْرَهُ نَقْلُ أَهْلِهِ (إلَى غَيْرِ مَخُوفٍ) لِلْأَمْنِ (كَأَهْلِ الثَّغْرِ) أَيْ: كَإِقَامَةِ أَهْلِ الثَّغْرِ بِأَهْلِيهِمْ، فَلَا تُكْرَهُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ السُّكْنَى بِأَهْلِيهِمْ، وَإِلَّا لَخَرِبَتْ الثُّغُورُ وَتَعَطَّلَتْ. (وَالْحَرَسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثَوَابُهُ عَظِيمٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَعَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا «حَرَسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ قِيَامُ لَيْلِهَا وَصِيَامُ نَهَارِهَا» رَوَاهُ ابْنُ سَنْجَرَ. (وَحُكْمُ هِجْرَةٍ بَاقٍ لَا يَنْقَطِعُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْهُ ﷺ «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا كَانَ الْجِهَادُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ مَعَ إطْلَاقِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ، وَتَحَقُّقِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضَى لَهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» يَعْنِي: مِنْ مَكَّةَ (وَكُلُّ بَلَدٍ فُتِحَ لَا تَبْقَى مِنْهُ هِجْرَةٌ إنَّمَا الْهِجْرَةُ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفَّارِ فَإِذَا فُتِحَ لَمْ يَبْقَ بَلَدُ الْكُفَّارِ، فَلَا تَبْقَى مِنْهُ هِجْرَةٌ. (وَتَجِبُ) الْهِجْرَةُ (عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَهِيَ مَا يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْكُفْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] الْآيَةَ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَرَى نَارَهُمْ، وَيَرَوْنَ نَارَهُ إذَا أُوقِدَتْ؛ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الدِّينِ وَاجِبٌ وَالْهِجْرَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ. (زَادَ جَمَاعَةٌ) وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (أَوْ بَلَدِ بُغَاةٍ أَوْ بِدَعٍ مُضِلَّةٍ، كَرَفْضٍ، وَاعْتِزَالٍ) فَيَخْرُجُ مِنْهَا إلَى دَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ

стр. 1077

وُجُوبًا إنْ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيهَا (وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨] (وَلَوْ) كَانَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ بِمَا ذُكِرَ (امْرَأَةً) لِدُخُولِهَا فِي الْعُمُومَاتِ (وَلَوْ) كَانَتْ (فِي عِدَّةٍ أَوْ بِلَا رَاحِلَةٍ وَلَا مَحْرَمٍ) بِخِلَافِ الْحَجِّ. وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالرِّعَايَتَيْنِ: إنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهَا، لَمْ تُهَاجِرْ إلَّا بِمَحْرَمٍ، كَالْحَجِّ وَمَعْنَاهُ: فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْمَجْدِ، وَزَادَ: وَأَمِنَتْهُمْ عَلَى نَفْسِهَا وَإِنْ لَمْ تَأْمَنْهُمْ فَلَهَا الْخُرُوجُ، حَتَّى وَحْدَهَا، بِخِلَافِ الْحَجِّ. (وَتُسَنُّ) الْهِجْرَةُ (لِقَادِرٍ عَلَى إظْهَارِهِ) أَيْ: دِينِهِ، لِيَتَخَلَّصَ مِنْ تَكْثِيرِ الْكُفَّارِ وَمُخَالَطَتِهِمْ وَرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ بَيْنَهُمْ،، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ جِهَادِهِمْ، وَإِعَانَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُكَثِّرُهُمْ، وَلَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْمَعَاصِي لَكِنْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧] أَنَّ الْمَعْنَى " إذَا عُمِلَ بِالْمَعَاصِي فِي أَرْضٍ فَاخْرُجُوا مِنْهَا " وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَيَرُدُّهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ» الْخَبَرَ. (وَلَا يُجَاهِدُ تَطَوُّعًا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَوْ مُؤَجَّلًا لِآدَمِيٍّ، لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ) ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ يُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ، وَبِهَا تَفُوتُ النَّفْسُ، فَيَفُوتُ الْحَقُّ بِفَوَاتِهَا (فَإِنْ أَقَامَ ضَامِنًا مَلِيئًا أَوْ رَهْنًا مُحَرَّزًا، أَوْ وَكِيلًا يَقْضِيهِ مُتَبَرِّعًا جَازَ) وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ وَالِدَ جَابِرٍ " خَرَجَ إلَى أُحُدٍ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَى عَنْهُ ابْنُهُ مَعَ عِلْمِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ " وَلِعَدَمِ ضَيَاعِ حَقِّ الْغَرِيمِ إذَنْ. (وَلَا) يُجَاهِدُ تَطَوُّعًا (مَنْ أَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ عَاقِلَانِ، إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ أَبَوَيْهِ (كَذَلِكَ) أَيْ: حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلًا لَمْ يُجَاهِدْ تَطَوُّعًا (إلَّا بِإِذْنِهِ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: لَك أَبَوَانِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ: هَلْ لَك أَحَدٌ بِالْيَمَنِ فَقَالَ: أَبَوَايَ، فَقَالَ: أَذِنَا لَك؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا

стр. 1078

فَإِنْ أَذِنَا لَك فَجَاهِدْ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا» ؛ وَلِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ. (إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ) الْجِهَادُ لِحُضُورِ الصَّفِّ، أَوْ حَصْرِ الْعَدُوِّ، أَوْ اسْتِنْفَارِ الْإِمَامِ لَهُ وَنَحْوِهِ (فَيَسْقُطُ إذْنُهُمَا وَإِذْنُ غَرِيمٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْمَدْيُونِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَكَانِ الْقَتْلِ مِنْ الْمُبَارَزَةِ وَالْوُقُوفِ فِي أَوَّلِ الْمُقَاتِلَةِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِتَفْوِيتِ الْحَقِّ (وَلَا طَاعَةَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ، كَتَعَلُّمِ عِلْمٍ وَاجِبٍ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ مِنْ طَهَارَةٍ وَصَلَاةٍ وَصِيَامٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ) أَيْ: مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ (بِبَلَدِهِ فَلَهُ السَّفَرُ لِطَلَبِهِ بِلَا إذْنِهِمَا) أَيْ: أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (وَلَا إذْنَ لِجَدٍّ، وَلَا جَدَّةٍ) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، وَلَا لِلْكَافِرِينَ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَلَا لِرَقِيقَيْنِ، لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ، وَلَا لِمَجْنُونَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِمَا. (فَإِنْ خَرَجَ فِي جِهَادِ تَطَوُّعٍ بِإِذْنِهِمَا ثُمَّ مَنَعَاهُ مِنْهُ بَعْدَ سَيْرِهِ وَقَبْلَ تَعْيِينِهِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ) ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ فِي الِابْتِدَاءِ مُنِعَ، فَمُنِعَ إذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ كَسَائِرِ الْمَوَانِعِ (إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الرُّجُوعِ، أَوْ يَحْدُثَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِقَامَةُ فِي الطَّرِيقِ) أَقَامَ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الرُّجُوعِ، فَيَرْجِعُ (وَإِلَّا مَضَى مَعَ الْجَيْشِ وَإِذَا حَضَرَ الصَّفَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لِحُضُورِهِ، وَسَقَطَ إذْنُهُمَا وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ تَعْيِينِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ لَمْ يُؤَثِّرْ شَيْئًا) لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْإِذْنِ إذَنْ. (وَإِنْ كَانَا) أَيْ: الْأَبَوَانِ (كَافِرَيْنِ، فَأَسْلَمَا ثُمَّ مَنَعَاهُ كَانَ كَمَنْعِهِمَا بَعْدَ إذْنِهِمَا) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَكَذَا حُكْمُ الْغَرِيمِ) يَأْذَنُ ثُمَّ يَرْجِعُ (فَإِنْ عَرَضَ لِلْمُجَاهِدِ فِي نَفْسِهِ مَرَضٌ أَوْ عَمًى، أَوْ عَرَجٌ فَلَهُ الِانْصِرَافُ، وَلَوْ بَعْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ (وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَبَوَاهُ فِي الْجِهَادِ، وَشَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ فَحَضَرَ الْقِتَالَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَسَقَطَ شَرْطُهُمَا) قُلْت: وَكَذَا لَوْ اسْتَنْفَرَهُ مَنْ لَهُ اسْتِنْفَارُهُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِهِ الْجِهَادُ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ يَحْرُمُ فِرَارُ مُسْلِمٍ مِنْ كَافِرَيْنِ] فَصْلٌ:، وَيَحْرُمُ فِرَارُ مُسْلِمٍ مِنْ كَافِرَيْنِ وَيَحْرُمُ فِرَارُ (جَمَاعَةٍ مِنْ مِثْلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]

стр. 1079

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَمَا فَرَّ " (وَيَلْزَمُهُمْ) أَيْ: الْمُسْلِمِينَ (الثَّبَاتُ وَإِنْ ظَنُّوا التَّلَفَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ؛ وَلِأَنَّهُ ﷺ عَدَّ الْفِرَارَ مِنْ الْكَبَائِرِ (إلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] . (وَمَعْنَى التَّحَرُّفِ) لِقِتَالٍ أَنْ يَنْحَازُوا إلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَالُ فِيهِ أَمْكَنَ، (مِثْلُ أَنْ يَنْحَازُوا مِنْ ضِيقٍ إلَى سَعَةٍ، أَوْ مِنْ مَعْطَشَةٍ إلَى مَاءٍ أَوْ مِنْ نُزُولٍ إلَى عُلُوٍّ أَوْ مِنْ اسْتِقْبَالِ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ إلَى اسْتِدْبَارِهِمَا، أَوْ يَفِرُّوا بَيْنَ أَيْدِيهمْ لِيَنْقَضَّ صَفُّهُمْ، أَوْ تَنْفِرَ خَيْلُهُمْ مِنْ رِجَالَتِهِمْ، أَوْ لِيَجِدُوا فِيهِمْ فُرْصَةً أَوْ يَسْتَنِدُوا إلَى جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ قَالَ عُمَرُ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ " فَانْحَازُوا إلَيْهِ وَانْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ (أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ نَاصِرَةٍ تُقَاتِلُ مَعَهُمْ، وَلَوْ بَعُدَتْ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] . (قَالَ الْقَاضِي لَوْ كَانَتْ الْفِئَةُ بِخُرَاسَانَ وَالْفِئَةُ بِالْحِجَازِ لَجَازَ التَّحَيُّزُ إلَيْهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنِّي فِئَةٌ لَكُمْ» وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ مِنْهُ. وَقَالَ عُمَرُ «إنَّا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُيُوشُهُ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. (وَإِنْ زَادُوا عَلَى مِثْلَيْهِمْ فَلَهُمْ الْفِرَارُ) قَالَ " ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ " ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حِين فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ التَّخْفِيفُ، فَقَالَ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] فَلَمَّا خَفَّفَ عَنْهُمْ مِنْ الْعَدَدِ، نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ مِنْ الْقَدْرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ الْفِرَارُ مَعَ أَدْنَى زِيَادَةٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْفِرَارُ (أَوْلَى) مِنْ الثَّبَاتِ (إنْ ظَنُّوا التَّلَفَ بِتَرْكِهِ) أَيْ: الْفِرَارِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَقِيلٍ اسْتِحْبَابَ الثَّبَاتِ لِلزَّائِدِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ (وَإِنْ ظَنُّوا الظَّفَرَ فَالثَّبَاتُ أَوْلَى)

стр. 1080

مِنْ الْفِرَارِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) الثَّبَاتُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ الْعَطَبَ (كَمَا لَوْ ظَنُّوا الْهَلَاكَ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْفِرَارِ وَالثَّبَاتِ (فَ) يُسْتَحَبُّ الثَّبَاتُ وَأَنْ (يُقَاتِلُوا، وَلَا يَسْتَأْسِرُوا قَالَ) الْإِمَامُ (: أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَسْتَأْسِرُوا وَقَالَ: يُقَاتِلُ أَحَبُّ إلَيَّ الْأَسْرُ شَدِيدٌ وَلَا بُدَّ مِنْ الْمَوْتِ وَقَالَ: يُقَاتِلُ، وَلَوْ أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ، قَدْ لَا يَفُوا، وَإِنْ اسْتَأْسَرُوا جَازَ) . قَالَ فِي الْبُلْغَةِ وَغَيْرِهَا: وَقَالَ عَمَّارٌ " " مَنْ اسْتَأْسَرَ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ " فَلِهَذَا قَالَ: الْآجُرِّيُّ: يَأْثَمُ، وَإِنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ (فَإِنْ جَاءَ الْعَدُوُّ بَلَدًا فَلِأَهْلِهِ التَّحَصُّنُ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحِصْنِ (أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِمْ، لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ) وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَوَلِّيًا وَلَا فِرَارًا إنَّمَا التَّوَلِّي بَعْدَ اللِّقَاءِ (وَإِنْ لَقُوهُمْ خَارِجَ الْحِصْنِ فَلَهُمْ التَّحَيُّزُ إلَى الْحِصْنِ) لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ أَوْ التَّحَيُّزِ لِفِئَةٍ. (وَإِنْ غُزُوا فَذَهَبَتْ دَوَابُّهُمْ) لِشُرُودٍ أَوْ قَتْلٍ (فَلَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْفِرَارِ) إذْ الْقِتَالُ مُمْكِنٌ بِدُونِهَا (وَإِنْ تَحَيَّزُوا إلَى جَبَلٍ لِيُقَاتِلُوا فِيهِ رَجَّالَةً جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ (وَإِنْ فَرُّوا) أَيْ: الْمُسْلِمُونَ (قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ إنْ أَحْرَزَهَا غَيْرُهُمْ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا لِمَنْ أَحْرَزَهَا. (وَإِنْ قَالُوا) أَيْ: الْفَارُّونَ (إنَّهُمْ فَرُّوا مُتَحَرِّفِينَ لِلْقِتَالِ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَاقِعَةَ حَالَ تَقَضِّي الْحَرْبِ، وَالِاعْتِبَارُ بِهِ كَمَا يَأْتِي (وَإِنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِمْ) أَيْ: الْمُسْلِمِينَ (نَارٌ فَاشْتَعَلَتْ، فَعَلُوا مَا يَرَوْنَ فِيهِ السَّلَامَةَ) ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الرُّوحِ وَاجِبٌ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ فَهُنَا كَذَلِكَ (مِنْ الْمَقَامِ أَوْ الْوُقُوعِ فِي الْمَاءِ) لِيَتَخَلَّصُوا مِنْ النَّارِ (فَإِنْ شَكُّوا) فِي أَيِّهِمَا السَّلَامَةُ (فَعَلُوا مَا شَاءُوا) ؛ لِأَنَّهُمْ اُبْتُلُوا بِأَمْرَيْنِ، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (كَمَا لَوْ تَيَقَّنُوا الْهَلَاكَ فِيهِمَا، أَوْ ظَنُّوهُ ظَنًّا مُتَسَاوِيًا أَوْ ظَنُّوا السَّلَامَةَ) فِيهِمَا (ظَنًّا مُتَسَاوِيًا) قَالَ أَحْمَدُ: كَيْفَ شَاءَ صَنَعَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هُمَا مَوْتَتَانِ فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا انْتَهَى وَهُمْ مُلْجِئُونَ إلَى الْإِلْقَاءِ، فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ الْفِعْلُ بِوَجْهٍ، فَلَا يُقَالُ: أَلْقَوْا بِأَنْفُسِهِمْ إلَى التَّهْلُكَةِ. [فَصْلٌ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ] (فَصْلٌ، وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ وَهُوَ كَبْسُهُمْ لَيْلًا، وَقَتْلُهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ) أَيْ: مَغْرُورُونَ. (وَلَوْ قُتِلَ فِيهِ) أَيْ: فِي

стр. 1081

التَّبْيِيتِ (مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَغَيْرِهِمَا) كَمَجْنُونٍ وَشَيْخٍ فَانٍ، إذَا لَمْ يُقْصَدُوا لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: «سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؟ فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَكَذَا قَتْلُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (فِي مَطْمُورَةٍ إذَا لَمْ يَقْصِدْهُمْ) أَيْ: النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَنَحْوَهُمْ. (وَ) يَجُوزُ أَيْضًا (رَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا وَنَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة؛ وَلِأَنَّ الرَّمْيَ بِهِ مُعْتَادٌ كَالسِّهَامِ، وَسَوَاءٌ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا. (وَ) يَجُوزُ (قَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ وَ) قَطْعُ (السَّابِلَةِ) عَنْهُمْ (وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَتْلَ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبْيِيتِ السَّابِقِ فِيهِ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إضْعَافُهُمْ وَإِرْهَابُهُمْ لِيُجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ. (وَ) يَجُوزُ (الْإِغَارَةُ عَلَى عَلَّافِيهِمْ وَحَطَّابِيهِمْ وَنَحْوِهِ) أَيْ: نَحْوِ مَا ذُكِرَ مِمَّا فِيهِ إضْعَافٌ وَإِرْهَابٌ لَهُمْ. (وَلَا يَجُوزُ إحْرَاقُ نَحْلِهِمْ) بِالْمُهْمَلَةِ (وَلَا تَغْرِيقُهُ) لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ بِأَشْيَاءَ قَالَ: «إذَا غَزَوْت، فَلَا تُحَرِّقْ نَحْلًا، وَلَا تُغْرِقْهُ» وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَحْوَهُ؛ وَلِأَنَّ قَتْلَهُ فَسَادٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ فَلَمْ يَجُزْ إهْلَاكُهُ لِيَغِيظَهُمْ، كَنِسَائِهِمْ. (وَيَجُوزُ أَخْذُ الْعَسَلِ وَأَكْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ (وَ) يَجُوزُ (أَخْذُ شَهْدِهِ كُلِّهِ، بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ لِلنَّحْلِ شَيْئًا فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّهْدَ مِنْ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ، وَهَلَاكُ النَّحْلِ بِأَخْذِ جَمِيعِهِ يَحْصُلُ ضِمْنًا غَيْرُ مَقْصُودٍ فَأَشْبَهَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ فِي الْبَيَاتِ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُ) أَيْ: لِلنَّحْلِ (شَيْئًا) مِنْ الشَّهْدِ لِيَبْقَى بِهِ. (وَلَا يَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ، وَلَوْ شَاةً) لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ صَبْرًا وَقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي وَصِيَّتِهِ: " وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا دَابَّةً عَجْمَاءَ وَلَا شَاةً إلَّا لِمَأْكَلَةٍ " (أَوْ مِنْ دَوَابِّ قِتَالِهِمْ) ، فَلَا يَجُوزُ عَقْرُهَا لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا حَالَ قِتَالِهِمْ) ، فَيَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ،؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ إذْ قَتْلُ بَهَائِمِهِمْ مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ لِأَكْلٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ) فَيُبَاحُ قَتْلُهَا لِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الصِّدِّيقِ " إلَّا لِمَأْكَلَةٍ "؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ

стр. 1082

فَغَيْرُهُ أَوْلَى. (وَيُرَدُّ الْجِلْدُ فِي الْغَنِيمَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى أَكْلِهِ وَكَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ كَالْخَيْلِ، لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ لِلْأَكْلِ (وَأَمَّا الَّذِي لَا يُرَادُ إلَّا لِلْأَكْلِ، كَالدَّجَاجِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ وَالصُّيُودِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ) فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ. (وَيَجُوزُ حَرْقُ شَجَرِهِمْ، وَزَرْعِهِمْ، وَقَطْعُهُ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إتْلَافِهِ لَوْ كَانَ) كَائِنٌ (لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (إلَّا بِهِ) كَاَلَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ، وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ، أَوْ يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ (أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ) أَيْ: حَرْقَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ وَقَطْعَهُمَا (مِنَّا) أَيْ: مَعَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ (فَيُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ لِيَنْتَهُوا) عَنْهُ، وَيَنْزَجِرُوا. (وَمَا تَضَرَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ) مِنْ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ (لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعُلُوفَتِهِمْ، أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، أَوْ تَكُونُ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّنَا) بِقَطْعِهِ (حَرُمَ قَطْعُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِنَا (وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نَفْعَ لَهُمْ) بِهِ (سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَيَجُوزُ إتْلَافُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الْآيَةَ وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَة مُسْتَطِيرُ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَكَذَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (بِالنَّارِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ فِي كِفَّاتِ الْمَجَانِيقِ، وَيَجُوزُ تَدْخِينُهُمْ فِي الْمَطَامِيرِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِغَرَقِهِمْ، وَفَتْحُ حُصُونِهِمْ وَعَامِرِهِمْ) أَيْ: هَدْمِهَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبْيِيتِ (فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ تَحْرِيقُهُمْ) لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» وَلِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْمُرُ بِتَحْرِيقِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالنَّارِ وَفَعَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِهِ. (وَيَجُوزُ إتْلَافُ كُتُبِهِمْ الْمُبَدَّلَةِ) وَفِي الْمُنْتَهَى يَجِبُ (وَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا وَوَرَقِهَا) أَيْ:، فَيَجُوزُ إتْلَافُهَا تَبَعًا. (وَإِذَا ظُفِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِهِمْ) أَيْ: بِأَهْلِ الْحَرْبِ (حَرُمَ قَتْلُ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ أَرِقَّاءَ

стр. 1083

بِنَفْسِ السَّبْيِ، فَفِي قَتْلِهِمْ إتْلَافُ الْمَالِ فَإِنْ شُكَّ فِي بُلُوغِ الصَّبِيِّ عُوِّلَ عَلَى شَعْرِ الْعَانَةِ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ. (وَخُنْثَى) لِاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً (وَرَاهِبٌ، وَلَوْ خَالَطَ النَّاسَ) لِقَوْلِ عُمَرَ " سَتَمُرُّونَ عَلَى قَوْمٍ فِي صَوَامِعَ لَهُمْ، احْتَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَدَعُوهُمْ حَتَّى يَبْعَثَهُمْ اللَّهُ عَلَى ضَلَالِهِمْ ". (وَشَيْخٌ فَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ " نَهَى عَنْ قَتْلِهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] بِقَوْلِهِ: " لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ "؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ قَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ وَخَبَرُنَا خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ. (وَزَمِنٌ وَأَعْمَى) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا نِكَايَةٌ فَأَشْبَهَا الشَّيْخَ الْفَانِيَ (وَفِي الْمُغْنِي) وَالشَّرْحِ (وَعَبْدٌ وَفَلَّاحٌ) لَا يُقَاتِلُ لِقَوْلِ " عُمَرَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ الَّذِينَ لَا يَنْصِبُونَ لَكُمْ الْحَرْبَ "؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ، أَشْبَهُوا الشُّيُوخَ وَالرُّهْبَانَ. وَفِي الْإِرْشَادِ: وَحَبْرٌ (لَا رَأْيَ لَهُمْ) فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ ذَا رَأْيٍ - وَخَصَّهُ فِي الشَّرْحِ بِالرِّجَالِ - وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ - جَازَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ شَيْخٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، لِأَجْلِ اسْتِعَانَتِهِمْ بِرَأْيِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ ﷺ قَتْلَهُ؛ وَلِأَنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ عَلَى الْحَرْبِ وَرُبَّمَا كَانَ أَبْلَغَ فِي الْقِتَالِ قَالَ الْمُتَنَبِّي: الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلُ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسِ مَرَّةً ... بَلَغَتْ مِنْ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ وَلَرُبَّمَا طَعَنَ الْفَتَى أَقْرَانَهُ ... بِالرَّأْيِ قَبْلَ تَطَاعُنِ الْفُرْسَانِ (إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا) ، فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَتَلَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً أَلْقَتْ رَحًى عَلَى مَحْمُودِ بْنِ سَلَمَةَ» . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي، فَسَكَتَ» (أَوْ يُحَرِّضُوا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْقِتَالِ فَإِنْ حَرَّضَ أَحَدٌ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُهُ فَإِنَّ تَحْرِيضَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ أَبْلَغُ مِنْ مُبَاشَرَتِهِمْ الْقِتَالَ بِأَنْفُسِهِمْ. (وَلَا يُقْتَلُ مَعْتُوهٌ) أَيْ: مُخْتَلُّ الْعَقْلِ (مِثْلُهُ لَا يُقَاتَلُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نِكَايَةَ فِيهِ أَشْبَهَ الصَّبِيَّ (وَيَأْتِي مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبُلُوغُ) فِي الْحَجْرِ (وَيُقْتَلُ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَلَ، كَالْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ) ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ حَيًّا ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ،

стр. 1084

وَتَقْوِيَةً لِلْكُفَّارِ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَرِيضُ (مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ فَكَزَمِنٍ) لِعَدَمِ النِّكَايَةِ بِقَتْلِهِ (فَإِنْ تَتَرَّسُوا) أَيْ: الْكُفَّارُ (بِهِمْ) أَيْ: بِالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ (جَازَ رَمْيُهُمْ) ؛ لِأَنَّ كَفَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ حِينَئِذٍ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً أَوْ لَا. (وَيَقْصِدُ) الرَّامِي لَهُمْ (الْمُقَاتِلَةَ) ؛ لِأَنَّهُمْ الْمَقْصُودُونَ بِالذَّاتِ (وَلَوْ وَقَفَتْ امْرَأَةٌ فِي صَفٍّ الْكُفَّارِ أَوْ عَلَى حِصْنِهِمْ فَشَتَمَتْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ تَكَشَّفَتْ لَهُمْ جَازَ رَمْيُهَا وَالنَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا لِلْحَاجَةِ إلَى رَمْيِهَا) ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ نَصِّ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ: خِلَافُهُ،، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهَا مِمَّنْ مَنَعْنَا قَتْلَهُ كَهِيَ (وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُمْ رَمْيُهَا إذَا كَانَتْ تَلْتَقِطُ لَهُمْ السِّهَامَ، أَوْ تَسْقِيهِمْ الْمَاءَ) كَاَلَّتِي تُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ وَفِيهِ شَيْءٌ. (وَإِنْ تَتَرَّسُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحَرْبِ (بِمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّ لَهُمْ مَنْدُوحَةً عَنْهُ (فَإِنْ رَمَاهُمْ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ) لِعُدْوَانِهِ (إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْنَا) مِنْ تَرْكِ رَمْيِهِمْ (فَقَطْ، فَيَرْمِيهِمْ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ (وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ) بِالرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمَقْصُودُونَ بِالذَّاتِ فَلَوْ لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِالرَّمْيِ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] الْآيَةَ، قَالَ اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْنٍ يُقْدَرُ عَلَى فَتْحِهِ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. [فَصْلٌ مَنْ أَسَرَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ] (فَصْلٌ وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ) ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ:؛ لِأَنَّ الْخِيرَةَ فِي أَمْرِ الْأَسِيرِ إلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ) الْأَسِيرُ (مِنْ الْمَسِيرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ إكْرَاهُهُ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَهْرُبُ مِنْهُ أَوْ يَخَافُ هَرَبَهُ، أَوْ يَخَافُ مِنْهُ أَوْ يُقَاتِلُهُ، أَوْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مَرِضَ مَعَهُ) أَوْ كَانَ جَرِيحًا فَلَهُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ، وَكَجَرِيحِهِمْ إذَا لَمْ يَأْسِرْهُ (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ أَسِيرِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ) لِيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ (إلَّا أَنْ يَصِيرَ) الْأَسِيرُ (فِي حَالَةٍ يَجُوزُ فِيهَا قَتْلُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ) بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْمَسِيرِ، وَلَا يُمْكِنُ إكْرَاهُهُ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِهَرَبٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا مَرَّ (فَإِنْ قَتَلَ أَسِيرَهُ، أَوْ) قَتَلَ (أَسِيرَ غَيْرِهِ

стр. 1085

قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي حَالَةٍ يَجُوزُ فِيهَا قَتْلُهُ وَكَانَ الْأَسِيرُ (الْمَقْتُولُ رَجُلًا فَقَدْ أَسَاءَ) الْقَاتِلُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ. (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْقَاتِلِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَسَرَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَابْنَهُ عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ فَرَآهُمَا بِلَالٌ فَاسْتَصْرَخَ الْأَنْصَارَ عَلَيْهِمَا، حَتَّى قَتَلُوهُمَا، وَلَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا؛ وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ. (وَإِنْ كَانَ) الْأَسِيرُ (صَغِيرًا أَوْ امْرَأَةً) ، وَلَوْ رَاهِبَةً (عَاقَبَهُ) أَيْ: الْقَاتِلَ (الْأَمِيرُ) لِافْتِيَاتِهِ (وَغَرَّمَهُ قِيمَةَ غَنِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ) بِخِلَافِ الْحُرِّ الْمُقَاتِلِ. (وَمَنْ أُسِرَ فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (فَإِنْ شَهِدَ لَهُ) أَيْ: لِلْأَسِيرِ رَجُلٌ. (وَاحِدٌ وَحَلَفَ مَعَهُ، خَلَّى سَبِيلَهُ) فَيَثْبُتُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَالُ كَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يَفْدِيَ أَوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ فَقَبِلَ شَهَادَةَ عَبْدِ اللَّهِ وَحْدَهُ» قُلْت: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَهِلَالِ رَمَضَانَ فَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ عَدْلٍ وَاحِدٍ إذْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ تَحْلِيفٌ. (قَالَ جَمَاعَةٌ وَيَقْتُلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ وَابْنَهُ وَنَحْوَهُمَا مِنْ ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْمُعْتَرَكِ) ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَ أَبَاهُ فِي الْجِهَادِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الْآيَةَ. (وَيُخَيَّرُ الْأَمِيرُ تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٍ) فِي الْأَصْلَحِ (لَا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ فِي الْأَسْرَى الْأَحْرَارِ الْمُقَاتِلِينَ وَالْجَاسُوسِ -، وَيَأْتِي - بَيْنَ قَتْلٍ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَتَلَ رِجَالَ قُرَيْظَةَ وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ وَالسَّبْعِمِائَةِ» وَ «قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَفِيهِ تَقُولُ أُخْتُهُ مَا كَانَ ضَرُّك لَوْ مَنَنْت فَرُبَّمَا ... مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمُغِيظُ الْمُحْنِقُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ سَمِعْته مَا قَتَلْته» (وَاسْتِرْقَاقٍ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 1086

سَمِعْته يَقُولُ: هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا، قَالَ وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، فَبِالرِّقِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي صِغَارِهِمْ (وَمَنٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ؛ وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الشَّاعِرِ، يَوْمَ بَدْرٍ وَعَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَعَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ» . (وَفِدَاءٍ بِمُسْلِمٍ) لِلْآيَةِ وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (أَوْ) فِدَاءٍ (بِمَالٍ) لِلْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «فَادَى أَهْلَ بَدْرٍ بِالْمَالِ» (فَمَا فَعَلَهُ) الْأَمِيرُ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ تَعَيَّنَ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ. (وَيَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ مَا فِيهِ الْحَظُّ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ قَدْ تَكُونُ أَصْلَحَ فِي بَعْضِ الْأَسْرَى فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ نَخْوَةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ فَقَتْلُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ ذُو الْمَالِ الْكَثِيرِ فَفِدَاؤُهُ أَصْلَحُ وَمِنْهُمْ حَسَنُ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ يُرْجَى إسْلَامُهُ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَمَنْ يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، اسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ (فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي خَصْلَةٍ لَمْ يَجُزْ اخْتِيَارُ غَيْرِهَا) لِمَا سَبَقَ. (وَمَتَى رَأَى قَتْلَهُ ضَرَبَ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] (وَلَا يَجُوزُ التَّمْثِيلُ بِهِ، وَلَا التَّعْذِيبُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ «وَلَا تُعَذِّبُوا وَلَا تُمَثِّلُوا» (وَإِنْ تَرَدَّدَ رَأْيُهُ وَنَظَرُهُ) فِي الْأَسْرَى (فَالْقَتْلُ أَوْلَى) لِكِفَايَةِ الشَّرِّ. (وَالْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ: يُعَاقَبُ، وَيَأْتِي) حُكْمُ الْجَاسُوسِ (الذِّمِّيِّ) فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ. (وَمَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (أَوْ فُدِيَ بِمَالٍ، كَالرَّقِيقِ وَالْمَالُ لِلْغَانِمِينَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ) عَلَى مَا يَأْتِي قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَالشَّرْحِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَسَمَ فِدَاءَ أُسَارَى بَدْرٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ» . (وَإِنْ سَأَلَ الْأُسَارَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أَوْ الْمَجُوسِ (تَخْلِيَتَهُمْ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَجُزْ) ذَلِكَ (فِي نِسَائِهِمْ

стр. 1087

وَصِبْيَانِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا أَرِقَّاءَ بِنَفْسِ السَّبْيِ. (وَيَجُوزُ فِي الرِّجَالِ) وَلَا تَجِبُ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ (وَلَا يَجُوزُ التَّخْيِيرُ الثَّابِتُ فِيهِمْ) بِمُجَرَّدِ بَذْلِ الْمَالِ قَبْلَ إجَابَتِهِمْ لِعَدَمِ لُزُومِهَا لِمَا سَبَقَ. (وَلَا يُبْطِلُ الِاسْتِرْقَاقُ حَقًّا لِمُسْلِمٍ) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَفِي الِانْتِصَارِ: لَا يُسْقِطُ حَقَّ قَوَدٍ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَفِي سُقُوطِ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِضَعْفِهَا بِرِقِّهِ، كَذِمَّةِ مَرِيضٍ احْتِمَالَانِ. وَفِي الْبُلْغَةِ: يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، إلَّا أَنْ يَغْنَمَ بَعْدَ إرْقَاقِهِ، فَيَقْضِيَ مِنْهُ دَيْنَهُ، فَيَكُونُ رِقُّهُ كَمَوْتِهِ وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ حُلُولُهُ بِرِقِّهِ وَإِنْ غَنِمَا مَعًا فَهُمَا لِلْغَانِمِ وَدَيْنُهُ فِي ذِمَّتِهِ. (وَالصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ وَالنِّسَاءُ وَمَنْ فِيهِ نَفْعٌ مِمَّنْ لَا يُقْتَلُ كَأَعْمَى، وَنَحْوِهِ: رَقِيقٌ بِنَفْسِ السَّبْيِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ يَسْتَرِقُّهُمْ إذَا سَبَاهُمْ. (وَيَضْمَنُهُمْ قَاتِلُهُمْ بَعْدَ السَّبْيِ) بِالْقِيمَةِ، وَتَكُونُ غَنِيمَةً وَ (لَا) يَضْمَنُهُمْ قَاتِلُهُمْ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ السَّبْيِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِيرُوا مَالًا (وَقِنُّ) أَهْلِ الْحَرْبِ (غَنِيمَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كُفَّارٍ، اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَكَانَ لِلْغَانِمِينَ كَالْبَهِيمَةِ (وَلَهُ) أَيْ: الْأَمِيرِ (قَتْلُهُ) أَيْ: الْقِنِّ (لِمَصْلَحَةٍ) كَالْمُرْتَدِّ. (وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ) وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ (غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَبَنِي تَغْلِبَ وَنَحْوِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ أَشْبَهَ أَهْلَ الْكِتَابِ (وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، فَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ كَغَيْرِهِ. (وَإِنْ أَسْلَمُوا) أَيْ: الْأَسْرَى الْأَحْرَارُ الْمُقَاتِلُونَ (تَعَيَّنَ رِقُّهُمْ فِي الْحَالِ، وَزَالَ التَّخْيِيرُ) فِيهِمْ (وَصَارَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ النِّسَاءِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» وَهَذَا مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، فَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ فَصَارَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ. (وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْقَتْلُ وَيُخَيَّرُ) فِيهِمْ الْأَمِيرُ (بَيْنَ رِقٍّ، وَمَنٍّ، وَفِدَاءٍ، صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَصَاحِبُ الْبُلْغَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ اهـ؛ لِأَنَّهُ جَازَ ذَلِكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ فَفِي إسْلَامِهِ أَوْلَى (فَيَجُوزُ الْفِدَاءُ لِيَخْلُصَ مِنْ الرِّقِّ) وَلَهُ أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ. (وَيَحْرُمُ رَدُّهُ) أَيْ: الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ (إلَى الْكُفَّارِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ: الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ (مَنْ يَمْنَعُهُ) مِنْ الْكُفَّارِ (مِنْ عَشِيرَةٍ وَنَحْوِهَا) ، فَلَا يُمْنَعُ رَدُّهُ لِأَمْنِهِ. (وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ قَبْلَ أَسْرِهِ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ وَهُوَ كَمُسْلِمٍ أَصْلِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَصَّلْ

стр. 1088

فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ. (وَمَتَى صَارَ لَنَا رَقِيقًا مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وَخُنْثَى (وَبَالِغٍ وَصَغِيرٍ) مُمَيِّزٍ أَوْ دُونَهُ (حَرُمَ مُفَادَاتُهُ بِمَالٍ وَبَيْعُهُ لِكَافِرٍ ذِمِّيٍّ وَ) كَافِرٍ (غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرِ ذِمِّيٍّ كَمُسْتَأْمَنٍ وَمُعَاهَدٍ (وَلَمْ يَصِحَّ) بَيْعُهُ لَهُمْ قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْتَرُوا مِمَّا سَبَى الْمُسْلِمُونَ قَالَ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى عَنْهُ أُمَرَاءَ الْأَمْصَارِ هَكَذَا حَكَى أَهْلُ الشَّامِ اهـ وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتًا لِلْإِسْلَامِ الَّذِي يُظْهِرُ وُجُودَهُ إذَا بَقِيَ مُخَالِطًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَقِيقًا لِكَافِرٍ. (وَتَجُوزُ مُفَادَاتُهُ) أَيْ: الْمُسْتَرَقِّ مِنْهُمْ (بِمُسْلِمٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ لِتَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ (وَيُفْدَى الْأَسِيرُ الْمُسْلِمُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسِيرَهُمْ وَيُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ» ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْ أَهَمِّهَا. (وَإِنْ تَعَذَّرَ) فِدَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْعٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَمِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ) فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِحَدِيثِ «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ» . (وَلَا يُرَدُّ) الْأَسِيرُ الْمُسْلِمُ (إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ بِحَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيطٌ لَهُمْ عَلَيْهِ. (وَلَا يُفْدَى) الْأَسِيرُ (بِخَيْلٍ وَلَا سِلَاحٍ) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَيْنَا (وَلَا بِمُكَاتَبٍ وَأُمِّ وَلَدٍ) لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمَا (بَلْ) يُفَادَى (بِثِيَابٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْعُرُوضِ، وَالنُّقُودِ. (وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ قَتْلُ مَنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِرِقِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ أَشَدُّ مِنْ الرِّقِّ وَفِيهِ إتْلَافُ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْغَانِمِينَ وَكَمَا لَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِرِقِّ إنْسَانٍ لَيْسَ لَهُ قَتْلُهُ بَعْدُ. (وَلَا رِقُّ مَنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ) أَيْ: لَيْسَ لِلْإِمَامِ رِقُّ مَنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ يُخَافُ مِنْ بَقَائِهِ النِّكَايَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَدُخُولُ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ (وَلَا رِقُّ وَلَا قَتْلُ مَنْ حَكَمَ بِفِدَائِهِ) أَيْ: لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرِقَّ، وَلَا أَنْ يَقْتُلَ مَنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِفِدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَنْ حَكَمَ هُوَ بِفِدَائِهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَالرِّقَّ أَشَدُّ مِنْ الْفِدَاءِ، وَيَكُونُ نَقْضًا لِلْحُكْمِ بَعْدَ لُزُومِهِ. (وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (الْمَنُّ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ) أَيْ: مَنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ وَرِقِّهِ وَمُفَادَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَّ أَخَفُّ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَإِذَا رَآهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً جَازَ لَهُ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَمُّ نَظَرًا، وَكَمَا لَوْ رَآهُ ابْتِدَاءً (وَلَهُ) أَيْ: لِلْإِمَامِ (قَبُولُ الْفِدَاءِ مِمَّنْ حَكَمَ) هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (بِقَتْلِهِ أَوْ رِقِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْهُمَا؛ وَلِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ بِرِضَا الْمَحْكُومِ لَهُ؛ وَلِأَنَّهُمَا حَقُّ الْإِمَامِ فَإِذَا رَضِيَ بِتَرْكِهِمَا إلَى غَيْرِهِمَا جَازَ. (وَمَتَى حَكَمَ) إمَامٌ وَغَيْرُهُ (بِرِقٍّ أَوْ فِدَاءٍ ثُمَّ أَسْلَمَ) مَحْكُومٌ عَلَيْهِ (فَحُكْمُهُ بِحَالِهِ لَا يُنْقَضُ) لِوُقُوعِهِ لَازِمًا. (وَلَوْ اشْتَرَاهُ) أَيْ: الْأَسِيرَ (أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ

стр. 1089

أَطْلَقَهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَاهُ) أَيْ: بِبَدَلِهِ، إنْ كَانَ دَفْعُهُ عَنْهُ (بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ) عَلَى الْأَسِيرِ (إذَا كَانَ) الْأَسِيرُ (حُرًّا أَذِنَ) الْأَسِيرُ (فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ " أَغَارَ أَهْلُ مَاهَ وَأَهْلُ جَلُولَاءَ عَلَى الْعَرَبِ فَأَصَابُوا سَبَايَا مِنْ سَبَايَا الْعَرَبِ فَكَتَبَ السَّائِبُ إلَى عُمَرَ فِي سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَرَقِيقِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَيُّمَا رَجُلٍ أَصَابَ رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ أَصَابَهُ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ بَعْدَ مَا انْقَسَمَ، فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَأَيُّمَا حُرٍّ اشْتَرَاهُ التُّجَّارُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِمْ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى "؛ وَلِأَنَّ الْأَسِيرَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ فَإِذَا أَنَابَ عَنْهُ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ أَدَّى عَنْهُ دَيْنًا وَاجِبًا عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) . (وَمَنْ سُبِيَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (أَوْ مُمَيَّزِيهِمْ مُنْفَرِدًا) عَنْ أَبَوَيْهِ فَمُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ انْقَطَعَتْ، فَيَصِيرُ تَابِعًا لِسَابِيهِ الْمُسْلِمِ فِي دَيْنِهِ (أَوْ) سُبِيَ (مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَمُسْلِمٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَجَعَلَ التَّبَعِيَّةَ لِأَبَوَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ، وَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الْفِطْرَةِ قَالَ أَحْمَدُ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ مَعْنَى الْفِطْرَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ حِينَ أَخَذَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْت بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى وَبِأَنَّ لَهُ صَانِعًا وَمُدَبِّرًا وَإِنْ عَبَدَ شَيْئًا غَيْرَهُ وَسَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّ يَرِثُهُ وَلَدُهُ الطِّفْلُ إجْمَاعًا. (وَإِنْ كَانَ السَّابِي) لِغَيْرِ الْبَالِغِ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ (ذِمِّيًّا تَبِعَهُ) الْمَسْبِيُّ عَلَى دِينِهِ (كَ) مَسْبِيٍّ (مُسْلِمٍ) لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِأَبَوَيْهِ (وَإِنْ سُبِيَ) غَيْرُ الْبَالِغِ (مَعَ أَبَوَيْهِ فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا) لِبَقَاءِ التَّبَعِيَّةِ. (وَإِنْ أَسْلَمَ أَبُو حَمْلٍ أَوْ طِفْلٍ أَوْ مُمَيِّزٍ) فَمُسْلِمٌ (لَا) إنْ أَسْلَمَ (جَدٌّ وَجَدَّةٌ) ، فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ السَّابِقِ (أَوْ) أَسْلَمَ (أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدِ أَبَوَيْ الْحَمْلِ أَوْ الطِّفْلِ أَوْ الْمُمَيِّزِ فَمُسْلِمٌ (أَوْ مَاتَا) أَيْ: أَبَوَيْ غَيْرِ بَالِغٍ (أَوْ) مَاتَ (أَحَدُهُمَا فِي دَارِنَا أَوْ عُدِمَا) أَيْ: الْأَبَوَانِ (أَوْ) عُدِمَ (أَحَدُهُمَا بِلَا مَوْتٍ كَزِنَا ذِمِّيَّةٍ، وَلَوْ بِكَافِرٍ، أَوْ اشْتَبَهَ، وَلَوْ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ، فَمُسْلِمٌ فِي الْجَمِيعِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَلَا يُقْرَعُ فِيمَا إذَا اشْتَبَهَ، خَشْيَةَ أَنْ

стр. 1090

يَقَعَ وَلَدُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ. (وَكَذَا إنْ بَلَغَ) وَلَدُ الْكَافِرِ (مَجْنُونًا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ) فِي الْحَالِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِإِسْلَامِ غَيْرِ الْبَالِغِ كَإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ مَوْتِهِ بِدَارِنَا، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ: أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُطْلَقًا، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ قَوْلُهُمْ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْمَسْبِيَّ الْمَجْنُونَ رَقِيقٌ بِالسَّبْيِ وَقَوْلُهُمْ فِي بَابِ الذِّمَّةِ: لَا تُؤْخَذُ مِنْ مَجْنُونٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَإِنْ بَلَغَ) مَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ مَوْتِهِ بِدَارِنَا (عَاقِلًا مُمْسِكًا عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ قُتِلَ قَاتِلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مَعْصُومٌ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا مُطْلَقًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَيَرِثُ مِمَّنْ جَعَلْنَاهُ مُسْلِمًا بِمَوْتِهِ حَتَّى، وَلَوْ تُصُوِّرَ مَوْتُهُمَا) أَيْ: أَبَوَيْهِ (مَعًا لَوَرِثَهُمَا) إذْ الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ يَعْقُبُ الْمَوْتَ، فَحَالَ الْمَوْتِ كَانَ عَلَى دِينِ مُوَرِّثِهِ لَكِنْ الْحَمْلُ لَا يَرِثُ أَبَاهُ إذَا مَاتَ بِدَارِنَا كَمَا يَأْتِي فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ (وَإِنْ مَاتَا) أَيْ: أَبَوْا غَيْرِ الْبَالِغِ (بِدَارِ حَرْبٍ لَمْ يُجْعَلْ مُسْلِمًا بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا دَارُ كُفْرٍ لَا إسْلَامٍ. (وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَوْ سَبَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ) ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ مَعْنًى لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتِدَامَتَهُ كَالْعِتْقِ. (وَلَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (فِي الْقِسْمَةِ، وَ) لَا فِي (الْبَيْعِ) لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ (وَإِنْ سُبِيَتْ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا) أَيْ: دُونَ زَوْجِهَا (انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَحَلَّتْ لِسَابِيهَا) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي قَوْمِهِنَّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ: وَالْمُحْصَنَاتُ الْآيَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْمُرَادُ: تَحِلُّ لِسَابِيهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، لِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ. (وَإِنْ سُبِيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ لَمْ يَنْفَسِخْ) نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ. (وَلَيْسَ بَيْعُ الزَّوْجَيْنِ الْقِنَّيْنِ وَ) بَيْعُ (أَحَدِهِمَا طَلَاقًا لِقِيَامِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (مَقَامَ الْبَائِعِ) وَكَذَا هِبَتُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَنَحْوُهَا. [فَصْلٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ] فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ) مِنْ قِسْمَةٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا (وَلَوْ رَضُوا بِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَرْضَوْنَ بِمَا فِيهِ ضَرَرُهُمْ، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ قَلْبُهُمْ، فَيَنْدَمُونَ (أَوْ كَانَ بَعْدَ الْبُلُوغِ) لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ سَمِعَتْ
следующие страницы →