Полный текст (3 210 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «التَّحْصِيبُ لَيْسَ بِشَيْءٍ إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ نُزُولَ الْأَبْطُحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ بِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
[فَصْلٌ أَرَادَ الْمُحْرِم الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ]
" (فَصْلٌ فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ) مِنْ مَكَّةَ (لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ إنْ لَمْ يُقِمْ بِمَكَّةَ أَوْ حَرَمِهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ عَهْدَهُمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ قَالَ «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» وَلِأَبِي دَاوُد " حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.
(وَمَنْ كَانَ خَارِجَهُ) أَيْ: خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ (فَعَلَيْهِ الْوَدَاعُ) سَوَاءٌ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَهُوَ عَلَى كُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ) قَالَ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ: إنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْخُرُوجِ وَاحْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَجِّ (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ) كَسَائِرِ الطَّوَّافَاتِ (وَيَأْتِي الْحَطِيمَ وَهُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ فَيَدْعُو ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيُقَبِّلهُ وَيَدْعُو فِي الْمُلْتَزَمِ بِمَا يَأْتِي) مِنْ الدُّعَاءِ.
(فَإِنْ وَدَّعَ ثُمَّ اشْتَغَلَ بِغَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ اتَّجَرَ أَوْ أَقَامَ أَعَادَ الْوَدَاعَ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، لَيَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ وَلَا يُعِيدُ الْوَدَاعَ (إنْ اشْتَرَى حَاجَةً فِي طَرِيقِهِ) أَوْ اشْتَرَى زَادَا أَوْ شَيْئًا لِنَفْسِهِ (أَوْ صَلَّى) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنَّ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ.
(فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْوَدَاعِ (فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْوَدَاعِ (لِفِعْلِهِ إنْ كَانَ قَرِيبًا) دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَمْ (يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ الْأَعْذَارِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا رَجَعَ) قَرِيبًا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ عَنْهُ الرُّجُوعَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَمْ
стр. 1017
يَسْتَقِرّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الرُّجُوعُ لِعُذْرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوْ لِغَيْرِهِ (أَوْ أَمْكَنَهُ) الرُّجُوعُ لِلْوَدَاعِ.
(وَلَمْ يَرْجِعْ أَوْ بَعْدَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) عَنْ مَكَّةَ (فَعَلَيْهِ دَمٌ رَجَعَ) إلَى مَكَّةَ وَطَافَ لِلْوَدَاعِ (أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِبُلُوغِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِرُجُوعِهِ كَمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ (وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ) أَيْ: طَوَافَ الْوَدَاعِ (عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ وَالْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ كَسَائِرِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ (وَمَتَى رَجَعَ مَعَ الْقُرْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ إحْرَامٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ (وَيَلْزَمُهُ مَعَ الْبُعْدِ الْإِحْرَامُ بِعُمْرَةٍ يَأْتِي بِهَا) فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ (ثُمَّ يَطُوفُ لِلْوَدَاعِ) إذَا فَرَغَ مِنْ أُمُورِهِ.
(وَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) وَنَصَّهُ (أَوْ الْقُدُومِ فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ كَفَاهُ) ذَلِكَ الطَّوَافُ (عَنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ وَقَدْ فَعَلَ؛ وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ مِثْلُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ يُجْزِئ عَنْهُ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ كَإِجْزَاءِ الْمَكْتُوبَةِ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَكَإِجْزَاءِ الْمَكْتُوبَةِ أَيْضًا عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَعَنْ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ فَإِنْ نَوَى بِطَوَافِهِ الْوَدَاعَ لَمْ يُجْزِئهُ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
(وَلَا وَدَاعَ عَلَى حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ» وَالنُّفَسَاءُ فِي مَعْنَاهَا (وَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْحَائِضِ أَوْ النُّفَسَاءِ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ صَفِيَّةَ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهَا بِفِدْيَةٍ (إلَّا أَنْ تَطْهُرَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ فَتَرْجِعُ وَتَغْتَسِلُ) لِلْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ.
(وَتُوَدِّعُ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرَةِ (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) أَيْ: تَرْجِعُ لِلْوَدَاعِ مَعَ طُهْرِهَا قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ (وَلَوْ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهَا دَمٌ) لِتَرْكِهَا نُسُكًا وَاجِبًا.
(فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْوَدَاعِ وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَقَبَّلَهُ وَقَفَ فِي الْمُلْتَزَمِ) وَهُوَ (مَا بَيْنَ) الرُّكْنِ الَّذِي بِهِ (الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَبَابُ الْكَعْبَةِ) وَذَرْعُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ (فَيَلْتَزِمَهُ) أَيْ: الْمُلْتَزَمَ (مُلْصِقًا بِهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَبَطْنَهُ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَيَجْعَلُ يَمِينَهُ نَحْوَ الْبَابِ وَيَسَارَهُ نَحْوَ الْحَجَرِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا جَاءَ دُبُرَ الْكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلَا تَتَعَوَّذُ؟ قَالَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ
стр. 1018
أَمَتِكَ حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ وَسَيَّرْتنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ) الْوَجْهُ فِيهِ ضَمُّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدُ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ صِيغَةُ أَمْرٍ مِنْ مَنَّ يَمُنُّ مَقْصُودًا بِهِ الدُّعَاءَ وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ وَفَتْحُ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ (الْآنَ) أَيْ: هَذَا الْوَقْتُ الْحَاضِرُ وَجَمْعُهُ آوِنَةٌ كَزَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ (قَبْلَ أَنْ تَنْأَى) أَيْ: تَبْعُدَ (عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي) أَيْ: زَمَنُهُ (إنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرُ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ وَلَا رَاغِبٌ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ اللَّهُمَّ فَأَصْحَبَنِي) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ (الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي) وَهِيَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَعَاصِي.
(وَأَحْسِنْ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ (مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي وَاجْمَعْ لِي خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وَإِنْ أَحَبَّ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا خَرَجَ وَلَّاهَا ظَهْرَهُ وَلَا يَلْتَفِتُ) قَالَ أَحْمَدُ فَإِذَا وَلَّى لَا يَقِفُ وَلَا يَلْتَفِتُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: الْتَفَتَ (أَعَادَ الْوَدَاعَ) نَصَّ عَلَيْهِ يَعْنِي: (اسْتِحْبَابًا) قَالَ فِي الشَّرْحِ: إذْ لَا نَعْلَمُ لِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلِيلًا.
(وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ إذَا كِدْتَ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْتَفِتْ ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الْكَعْبَةِ فَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلهُ آخِرَ الْعَهْدِ) وَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْ الْمُهَاجِرِ قَالَ قُلْتُ: لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيُصَلِّي فَإِذَا انْصَرَفَ خَرَجَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ؟ فَقَالَ جَابِرٌ مَا كُنْتُ أَحْسَبُ يَصْنَعُ هَذَا إلَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَكَرَهُ ذَلِكَ (وَالْحَائِضُ) أَوْ النُّفَسَاءُ (تَقِفُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ (وَتَدْعُو بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ اسْتِحْبَابًا لِتَعَذُّرِ دُخُولِهِ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ إذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ اُسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ ]
(فَصْلٌ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ اُسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) لِحَدِيثِ
стр. 1019
الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» .
وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ سَعِيدٌ " تَنْبِيهٌ " قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَازِمُ اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ اسْتِحْبَابُ شَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ زِيَارَتَهُ لِلْحَاجِّ بَعْدَ حَجِّهِ لَا تُمْكِنُ بِدُونِ شَدِّ الرَّحْلِ فَهَذَا كَالتَّصْرِيحِ بِاسْتِحْبَابِ شَدِّ الرَّحْلِ لِزِيَارَتِهِ ﷺ .
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا حَجَّ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّامِ لَا يَأْخُذُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ كَانَ فِي سَبِيلِ الْحَجِّ) وَهُوَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَكُونُ شَهِيدًا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَحْثُهُ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: لَا يَأْخُذُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَحْدُثَ بِهِ حَدَثٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ مَكَّةَ مِنْ أَقْصَرِ الطَّرِيقِ وَلَا يَتَشَاغَلَ بِغَيْرِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْحَجُّ (تَطَوُّعًا بَدَأَ بِالْمَدِينَةِ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي هَذَا: إنَّ الزِّيَارَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ وَإِنَّ حَجَّ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْهَا انْتَهَى قُلْتُ: قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى قَصْدِ الْحَجِّ قَصْدُ الزِّيَارَةِ، فَيُثَابُ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ حَجِّ الْفَرْضِ فَيُمَحِّضُ النِّيَّةَ لَهُ.
(فَإِذَا دَخَلَ مَسْجِدَهَا) أَيْ: مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ (سُنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ) عِنْدَ دُخُولِهِ (مَا يَقُولَ فِي دُخُولِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ) وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ) لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ (ثُمَّ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ، فَيَقِفَ قُبَالَةَ وَجْهِهِ ﷺ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، وَيَسْتَقْبِلَ جِدَارَ الْحُجْرَةِ، وَ) يَسْتَقْبِلَ (الْمِسْمَارَ الْفِضَّةَ فِي الرُّخَامَةِ الْحَمْرَاءِ) وَيُسْمَى الْآنَ بِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ (فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ) ﷺ (فَيَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ) عَبْدُ اللَّهِ (ابْنُ عُمَرَ ﵁) وَعَنْ أَبِيهِ وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ (لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ زَادَ) عَلَيْهِ (فَحَسَنٌ) .
قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَخِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّكَ، وَنَصَحْتَ لِأُمَّتِكَ
стр. 1020
وَدَعَوْتَ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَعَبَدْتَ اللَّهَ حَتَّى أَتَاكَ الْيَقِينُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ كَثِيرًا كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى اللَّهُمَّ أَجْزِ عَنَّا نَبِيَّنَا أَفْضَلَ مَا جَزَيْتَ أَحَدًا مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وَقَدْ أَتَيْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلَى رَبِّكَ فَأَسْأَلُكَ يَا رَبِّ أَنْ تُوجِبَ لِي الْمَغْفِرَةَ كَمَا أَوْجَبْتَهَا لِمَنْ آتَاهُ فِي حَيَاتِهِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَوَّلَ الشَّافِعِينَ، وَأَنْجَحَ السَّائِلِينَ وَأَكْرَمَ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ثُمَّ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَلِإِخْوَانِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.
" فَائِدَةٌ " يُرْوَى عَنْ الْعُتْبِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلَى رَبِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ، فَحَمَلَتْنِي عَيْنَيَّ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقَالَ: يَا عُتْبِيُّ الْحَقْ الْأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَهُ.
(وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]
стр. 1021
وَحُرْمَتُهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيَّا (ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ و) يَجْعَلُ (الْحُجْرَةَ عَنْ يَسَارِهِ قَرِيبًا لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَ قَبْرَهُ ﷺ وَيَدْعُو) بِمَا أَحَبَّ (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا مِنْ مَقَامِ سَلَامِهِ) ﷺ (نَحْو ذِرَاعٍ عَلَى يَمِينِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ (﵁) فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ ذِرَاعٍ عَلَى يَمِينِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ (﵁) فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عُمَرَ الْفَارُوقِ، وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمَا يَا صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضَجِيعَيْهِ، وَوَزِيرَيْهِ اللَّهُمَّ اجْزِهِمَا عَنْ نَبِيِّهِمَا وَعَنْ الْإِسْلَامِ خَيْرًا، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ قَبْرِ نَبِيِّكَ ﷺ وَمِنْ حَرَمِ مَسْجِدَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى (وَلَا يَتَمَسَّحُ وَلَا يَمَسُّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا حَائِطَهُ وَلَا يُلْصِقُ بِهِ صَدْرَهُ وَلَا يُقَبِّلَهُ) أَيْ: يُكْرَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ وَالِابْتِدَاعِ قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَقُومُونَ مِنْ نَاحِيَةٍ فَيُسَلِّمُونَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهَكَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ وَأَمَّا الْمِنْبَرُ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمِنْبَرِ ثُمَّ يَضَعَهَا عَلَى وَجْهِهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَيَحْرُمُ طَوَافُهُ بِغَيْرِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ اتِّفَاقًا) وَقَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ الشِّرْكِ وَقَالَ وَالشِّرْكُ لَا يَغْفِرَهُ اللَّهُ، وَلَوْ كَانَ أَصْغَرَ.
(قَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (ابْنُ عَقِيلٍ وَ) أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (بْنُ الْجَوْزِيِّ: يُكْرَهُ قَصْدُ الْقُبُورِ لِلدُّعَاءِ) فَعَلَيْهِ لَا يَتَرَخَّصُ مَنْ سَافَرَ لَهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَ) يُكْرَهُ (وُقُوفُهُ عِنْدَهَا) أَيْ: الْقُبُورِ (لَهُ) أَيْ: لِلدُّعَاءِ.
(أَيْضًا، وَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ بِمَسْجِدِهِ ﷺ وَهِيَ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَ) الصَّلَاةُ (بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بِمِائَةِ أَلْفِ) صَلَاةٍ.
(وَ) الصَّلَاةُ (فِي) الْمَسْجِدِ (الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَةِ) صَلَاةٍ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الِاعْتِكَافِ مُسْتَوْفًى بِأَدِلَّتِهِ.
(وَحَسَنَاتُ الْحَرَمِ) فِي الْمُضَاعَفَةِ (كَصَلَاتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 1022
مَرْفُوعَا «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ» (وَتَعْظُمُ السَّيِّئَاتُ بِهِ) سُئِلَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا إلَّا بِمَكَّةَ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَنٍ وَهَمَّ أَنْ يَقْتُلَ عِنْدَ الْبَيْتِ أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ فِي الْكَيْفِ لَا الْكَمِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِلْقَاضِي وَغَيْرِهِ: أَنَّ التَّضَاعُفَ فِي الْكَمِّ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْإِمَامِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ " مَالِي وَبَلَدٍ تَتَضَاعَفُ فِيهِ السَّيِّئَاتُ كَمَا تَتَضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ؟ " وَهُوَ خَاصٌّ فَلَا يُعَارِضُهُ عُمُومُ الْآيَاتِ بَلْ تُخَصَّصُ بِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَا) بِضَمِّ الْقَافِ يُقْصَرُ وَيُمَدُّ وَيُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الْجَنُوبِ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ (فَيُصَلِّيَ فِيهِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْتِيَهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا؛ فَيُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ " وَفِيهِمَا " كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلهُ.
(وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ) مِنْ الْمَدِينَةِ لِيَعُودَ إلَى وَطَنِهِ - بَعْدَ فِعْلِ مَا تَقَدَّمَ - وَزِيَارَةِ الْبَقِيعِ، وَمَنْ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ (عَادَ إلَى الْمَسْجِدِ) النَّبَوِيِّ (فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَادَ إلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَدَّعَ وَأَعَادَ الدُّعَاءَ قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَالَ: وَيَعْزِمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ حَجِّهِ، مِنْ عَمَلٍ لَا يُرْضِي) فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَعُودُ كَيَوْمِ وَلَدْتَهُ أُمُّهُ وَيُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُ إلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ " يُغْفَرُ لِلْحَاجِّ وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَمُحَرَّمٍ، وَصَفَرٍ وَعَشْرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ " اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي اللَّطَائِفِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجِّهِ مُتَوَجِّهًا) إلَى بَلَدِهِ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ آيِبُونَ) أَيْ: رَاجِعُونَ (تَائِبُونَ، عَابِدُونَ لِرَبِّنَا، حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ،
стр. 1023
وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ يَقُولُ - فَذَكَرَهُ» .
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَالَ لِلْحَاجِّ إذَا قَدِمَ: تَقَبَّلَ اللَّهُ نُسُكَكَ وَأَعْظَمَ أَجْرَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
(قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَكَانُوا) أَيْ: السَّلَفُ (يَغْتَنِمُونَ أَدْعِيَةَ الْحَاجِّ قَبْلَ أَنْ يَتَلَطَّخُوا بِالذُّنُوبِ) .
وَفِي الْخَبَرِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ» .
[فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ]
(فَصْلٌ: فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ) وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ (خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ مِنْ أَدْنَاهُ) أَيْ: أَقْرَبَهُ إلَى الْحَرَمِ.
(وَ) إحْرَامُهُ (مِنْ التَّنْعِيمِ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وَقَّتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ» وَإِنَّمَا لَزِمَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ثُمَّ يَلِي الْإِحْرَامَ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ الْإِحْرَامُ (مِنْ الْجِعْرَانَةِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَقَدْ تُكْسَرُ الْعَيْنُ وَتُشَدَّدُ الرَّاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّشْدِيدُ خَطَأٌ وَهِيَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، خَارِجٌ مِنْ حُدُودِ الْحَرَمِ، يُعْتَمَرُ مِنْهُ، سُمِّيَ بِرَيْطَةَ بِنْتِ سَعْدٍ وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِالْجِعْرَانَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَهِيَ الْمُرَادُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: ٩٢] (ثُمَّ) يَلِي الْإِحْرَامَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ: الْإِحْرَامُ مِنْ (الْحُدَيْبِيَةِ) مُصَغَّرَةٌ، وَقَدْ تُشَدَّدُ - بِئْرٌ قُرْبَ مَكَّةَ أَوْ شَجَرَةٌ حَدْبَاءُ كَانَتْ هُنَاكَ (ثُمَّ) يَلِي مَا سَبَقَ (مَا بَعُدَ) عَنْ الْحَرَمِ وَعَنْهُ فِي الْمَكِّيِّ: كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِي الْعُمْرَةِ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ.
(وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمَ) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ (دُونَ الْمِيقَاتِ) أَيْ: الْمَوَاقِيتِ الَّتِي سَبَقَتْ فَمِيقَاتُ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ (مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ هُنَاكَ.
(وَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ) وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ (ف) إنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ (الْجَانِبِ الْأَقْرَبِ مِنْ الْبَيْتِ) أَيْ: الْحَرَمِ.
(وَ) إحْرَامُهُ
стр. 1024
(مِنْ) الْجَانِبِ (الْأَبْعَدِ أَفْضَلُ) كَمَنْ بِالْمِيقَاتِ فَإِنَّ إحْرَامَهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَبْعَدِ عَنْ الْحَرَمِ أَفْضَلُ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْمَوَاقِيتِ.
(وَتُبَاحُ) الْعُمْرَةُ (كُلَّ وَقْتٍ) مِنْ أَوْقَاتِ السَّنَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا (فَلَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَ) لَا يَوْمَ (النَّحْرِ وَ) لَا أَيَّامَ (التَّشْرِيقِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ «اعْتَمَرَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عُمْرَةً مَعَ قِرَانِهَا وَعُمْرَةً بَعْدَ حَجِّهَا» وَقَالَ ﷺ «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَلِيٌّ " فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةٌ وَكَانَ أَنَسٌ " إذَا حَجَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ " رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.
(وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهَا وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهَا نَصًّا) بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ أَحْمَدُ إنْ شَاءَ كُلَّ شَهْرٍ، وَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَفِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُهُ وَاسْتَحَبَّهُ جَمَاعَةٌ.
(وَهِيَ) أَيْ: الْعُمْرَةُ (فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ) مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَ فِي الْهَدْيِ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ التَّسْوِيَةُ " (وَأَفْضَلُهَا فِي رَمَضَانَ وَيُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهَا فِيهِ) أَيْ: فِي رَمَضَانَ (؛ لِأَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ مَنْ أَدْرَكَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ عُمْرَةَ رَمَضَانَ قَالَ إِسْحَاقُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» وَقَالَ أَنَسٌ «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حَجَّةً وَاحِدَةً وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ، وَاحِدَةً فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَعُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حِجَّتِهِ، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ، إذْ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَتُسَمَّى الْعُمْرَةُ حَجًّا أَصْغَرَ) لِمُشَارَكَتِهِمَا لِلْحَجِّ فِي الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ، وَانْفِرَادُهُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ (أَحْرَمَ) بِالْعُمْرَةِ (مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ) لَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِهِ مِيقَاتَهُ، وَهُوَ الْحِلُّ (وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا.
(ثُمَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ) يَطُوفُ (لِعُمْرَتِهِ) وَيَسْعَى، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَلَا يُحِلُّ قَبْلَ ذَلِكَ (أَيْ: قَبْلَ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ) كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ) عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ (وَ) تُجْزِئُ (عُمْرَةٌ) مِنْ (التَّنْعِيمِ) عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ حِينَ قَرَنَتْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَقَالَ لَهَا
стр. 1025
النَّبِيُّ ﷺ حِينَ حَلَّتْ مِنْهُمَا قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» وَإِنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ قَصْدًا لِتَطْيِيبِ خَاطِرِهَا وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهَا لَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ]
(فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ) أَرْبَعَةٌ (الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) لِحَدِيثِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مِنْ فَرَائِضَ الْحَجِّ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (وَالسَّعْيُ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضُوعِهِ (وَالْإِحْرَامُ وَهُوَ النِّيَّةُ) أَيْ: نِيَّةُ النُّسُكِ، وَإِنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ مِنْ ثِيَابِهِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
(وَوَاجِبَاتُهُ) أَيْ: الْحَجِّ (سَبْعَةٌ: الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ) الْمُعْتَبَرُ لَهُ، إنْشَاءً وَدَوَامًا قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَالْإِنْشَاءُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ ﷺ «ذَكَرَ الْمَوَاقِيتَ وَقَالَ هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إلَى اللَّيْلِ) عَلَى مَنْ وَقَفَ نَهَارًا لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إلَى) مَا (بَعْدَ نِصْفِهِ) أَيْ: اللَّيْلِ إنْ وَافَاهَا قَبْلَهُ (وَالْمَبِيتُ بِمِنًى) لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَالرَّمْيُ) لِلْجِمَارِ (مُرَتَّبًا) عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْبَابِ (وَالْحِلَاقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ) قَالَ الشَّيْخُ: وَطَوَافُ الْوَدَاعِ لَيْسَ مِنْ الْحَجِّ وَإِنَّمَا هُوَ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (وَمَا عَدَاهُنَّ) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ، كَالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَطَوَافِ الْقُدُومِ وَالرَّمَلِ، وَالِاضْطِبَاعِ وَنَحْوِهَا.
(سُنَنٌ) لِلْحَجِّ (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ) ثَلَاثَةٌ (الْإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ.
(وَوَاجِبَاتُهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ شَيْئَانِ (الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ، وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ) فَمَنْ أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ.
(فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا، أَوْ) تَرَكَ (النِّيَّةَ لَهُ) إنْ اُعْتُبِرَتْ فِيهِ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إلَّا بِهِ)
стр. 1026
أَيْ: بِذَلِكَ الرُّكْنِ بِنِيَّتِهِ (لَكِنْ لَا يَنْعَقِدُ نُسُكٌ بِلَا إحْرَامٍ) حَجًّا كَانَ أَوْ عُمْرَةً لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَيَأْتِي) فِي الْبَابِ بَعْدَهُ (إذَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ) بِعَرَفَةَ.
(وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا) لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (وَلَوْ سَهْوًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (فَإِنْ عَدِمَهُ فَكَصَوْمِ مُتْعَةٍ) وَتَقَدَّمَ (وَالْإِطْعَامُ عَنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا إطْعَامَ.
(وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) قَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ: وَلَمْ يُشْرَعْ الدَّمُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ جُبْرَانَ الصَّلَاةِ أَدْخَلُ فَيَتَعَدَّى إلَى صَلَاتِهِ مِنْ صَلَاةِ غَيْرِهِ.
وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فَأَتَى بِهِ،؛ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ إحْرَامِهِ وَتَقَدَّمَ فَإِنْ وَطِئَ أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلَيْهِ دَمٌ.
(قَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (ابْنُ عَقِيلٍ وَتُكْرَهُ تَسْمِيَةُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا صَرُورَةً فِي الْإِسْلَامِ» وَ (؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ جَاهِلِيٌّ) .
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يُقَالَ: حِجَّةُ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ) قَالَ: وَأَنْ يُقَالَ: شَوْطٌ بَلْ طَوْفَةٌ وَطَوْفَتَانِ.
(وَيُعْتَبَرُ، فِي وِلَايَةِ تَسْيِيرِ الْحَاجِّ) أَيْ: فِي أَمِيرِ الْحَاجِّ (كَوْنُهُ مُطَاعًا ذَا رَأْيٍ، وَشَجَاعَةٍ، وَهِدَايَةٍ وَعَلَيْهِ جَمْعُهُمْ وَتَرْتِيبُهُمْ، وَحِرَاسَتُهُمْ فِي الْمَسِيرِ وَالنُّزُولِ، وَالرِّفْقُ، بِهِمْ وَالنُّصْحُ) لَهُمْ (وَيَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَحْكُمُ إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ) الْحُكْمُ (فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِهِ) .
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَلْزَمُهُ عِلْمُ خُطَبِ الْحَجِّ وَالْعَمَلُ بِهَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ جُرِّدَ مَعَهُمْ وَجُمِعَ لَهُ مِنْ الْجُنْدِ الْمُنْقَطِعِينَ مَا يُعِينَهُ عَلَى كُلْفَةِ الطَّرِيقِ أُبِيحَ لَهُ وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ وَلَهُ أُجْرَةُ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَهَذَا كَأَخْذِ بَعْضِ الْإِقْطَاعِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْمَصَالِحِ وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ وَيَلْزَمُ الْمُعْطِيَ بَذْلُ مَا أُمِرَ بِهِ.
(وَشَهْرُ السِّلَاحِ عِنْدَ قُدُومِ) الْحَاجِّ الشَّامِيِّ (تَبُوكَ: بِدْعَةٌ زَادَ الشَّيْخُ: مُحَرَّمَةٌ) وَمِثْلُهُ: مَا يَفْعَلهُ الْحَاجُّ الْمِصْرِيُّ لَيْلَةَ بَدْرٍ فِي الْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ بِجَبَلِ الزِّينَةِ قَالَ: وَمَا يَذْكُرهُ الْجُهَّالُ مِنْ حِصَارِ تَبُوكَ كَذِبٌ فَلَمْ يَكُنْ بِهَا حِصْنٌ، وَلَا مُقَاتَلَةٌ فَإِنَّ مَغَازِيَ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا كَانَتْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ، لَمْ يُقَاتِلْ فِيهَا إلَّا فِي تِسْعٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَالْغَابَةِ، وَفَتْحِ خَيْبَرَ، وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَفَتْحِ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ.
(وَقَالَ: وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْحَجَّ يُسْقِطُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إنْ كَانَ جَاهِلًا فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْآدَمِيِّ مِنْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ أَوْ دَمٍ بِالْحَجِّ إجْمَاعًا) اهـ.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ: فِي
стр. 1027
الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَعَاصِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً، دُونَ الْعِبَادِ وَلَا يُسْقِطُ الْحُقُوقَ أَنْفُسُهَا فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ وَنَحْوُهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لَا ذُنُوبٌ إنَّمَا الذَّنَبُ تَأْخِيرُهَا فَنَفْسُ التَّأْخِيرِ يَسْقُطُ بِالْحَجِّ لَا هِيَ نَفْسُهَا فَلَوْ أَخَّرَهَا بَعْدَهُ تَجَدَّدَ إثْمٌ آخَرُ، فَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ يُسْقِطُ إثْمَ الْمُخَالَفَةِ لَا الْحُقُوقِ قَالَهُ فِي الْمَوَاهِبِ.
[بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ]
(بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ الْفَوَاتُ) : مَصْدَرُ فَاتَهُ يَفُوتُهُ فَوَاتًا، وَفَوْتًا وَهُوَ (سَبَقٌ لَا يُدْرَكْ وَالْإِحْصَارُ) مَصْدَرُ أَحْصَرَهُ أَيْ: حَبَسَهُ فَهُوَ (الْحَبْسُ) أَيْ: الْمَنْعُ (مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، وَلَوْ لِعُذْرٍ فَاتَهُ الْحَجُّ) فِي ذَلِكَ الْعَامِ، لِانْقِضَاءِ زَمَنِ الْوُقُوفِ لِقَوْلِ جَابِرٍ «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ فَقُلْتُ لَهُ: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَوَاتِ الْحَجِّ بِخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْعٍ.
(وَسَقَطَ عَنْهُ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ، كَمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَرَمْيِ جِمَارٍ) كَفَوَاتِ مَتْبُوعِهَا كَمَنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ بِالْجَبْهَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِغَيْرِهَا (وَانْقَلَبَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً نَصًّا فَيَطُوفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ) لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي أَيُّوبَ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ " اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِنْ أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ، وَاهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ فَوَاتٍ، فَمَعَ الْفَوَاتِ أَوْلَى (وَسَوَاءٌ كَانَ قَارِنًا أَوْ غَيْرَهُ) ؛ لِأَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ لَا يَلْزَمُهُ أَفْعَالُهَا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ عُمْرَةٍ عَلَى عُمْرَةٍ إذَا لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَمَحَلُّ انْقِلَابِ إحْرَامِهِ عُمْرَةً (إنْ لَمْ يَخْتَرْ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ) مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ
стр. 1028
مُتَجَدِّدٍ، فَإِنْ اخْتَارَ ذَلِكَ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْمَشَقَّةِ عَلَى نَفْسِهِ (وَلَا تُجْزِئُ) هَذِهِ الْعُمْرَةُ الَّتِي انْقَلَبَ إحْرَامُهُ إلَيْهَا (عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ) نَصًّا لِوُجُوبِهَا كَمَنْذُورَةٍ (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَوْ) كَانَ الْحَجُّ الْفَائِتُ (نَفْلًا) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَلْيَتَحَلَّلْ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» وَعُمُومُهُ شَامِلٌ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَكَذَا مَا سَبَقَ عَنْ عُمَرَ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَيَصِيرُ كَالْمَنْذُورِ، بِخِلَافِ سَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «الْحَجُّ مَرَّةٌ» فَالْمُرَادُ بِهِ: الْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ وَهَذَا إنَّمَا وَجَبَ بِإِيجَابِهِ لَهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، كَالْمَنْذُورِ.
وَأَمَّا الْمُحْصَرُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى تَفْرِيطٍ بِخِلَافِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَمَحَلُّهُ: إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ: أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسَتْنِي فَإِنْ اشْتَرَطَ فَلَا قَضَاءَ (وَيَلْزَمَهُ) أَيْضًا (إنْ لَمْ يَكُنْ اشْتَرَطَ أَوَّلًا) أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَتْنِي (هَدْيُ شَاةٍ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ) أَوْ سُبُعُ بَقَرَةٍ (مِنْ حِينَ الْفَوَاتِ سَاقُهُ) أَيْ: الْهَدْيَ (أَوَّلًا) نَصَّ عَلَيْهِ (يُؤَخِّرَهُ إلَى الْقَضَاءِ يَذْبَحَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَزِمَهُ كَالْمُحْصَرِ.
(فَإِنْ كَانَ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ قَارِنًا قَضَى قَارِنًا) أَيْ: لَزِمَهُ فِي الْعَامِ الثَّانِي مِثْلُ مَا أَهَلَّ بِهِ أَوَّلًا نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ فِي صُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ النُّسُكَيْنِ لَا أَنْ يَكُونَ قَارِنًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فِي الْإِحْرَامِ قَالَ فِي الشَّرْحِ:: وَيَلْزَمُهُ دَمَانِ، لِقِرَانِهِ وَفَوَاتِهِ.
(فَإِنْ عَدِمَ الْهَدْيَ زَمَنَ الْوُجُوبِ) وَهُوَ وَقْتُ الْفَوَاتِ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةٌ فِي الْحَجِّ) أَيْ حَجِّ الْقَضَاءِ (وَسَبْعَةٌ إذَا رَجَعَ) أَيْ: فَرَغَ مِنْ حَجَّةِ الْقَضَاءِ كَتَمَتُّعٍ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ " أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حَجَّ مِنْ الشَّامِ فَقَدِمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ حَسِبْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ قَالَ: فَانْطَلِقْ إلَى الْبَيْتِ فَطُفْ بِهِ سَبْعًا وَإِنْ كَانَ مَعَكَ هَدِيَّةٌ فَانْحَرْهَا ثُمَّ إذَا كَانَ قَابِلٌ فَاحْجُجْ فَإِنْ وَجَدْتَ سَعَةً فَاهْدِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْتَ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَالْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (ثُمَّ حَلَّ) .
(وَالْعَبْدُ لَا يُهْدِي وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ،؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَوْ مَلَكَ غَيْرَ الْمُكَاتَبِ (وَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ الْمَذْكُورُ بَدَلَ الْهَدْي وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا: كُلُّ دَمٍ لَزِمَهُ فِي الْإِحْرَامِ) لِفِعْلِ مَحْظُورٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَا يُجْزِئهُ عَنْهُ إلَّا الصِّيَامُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا صَامَ) الْعَبْدُ (فَإِنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ
стр. 1029
مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا، حَيْثُ يَصُومُ الْحُرُّ ثُمَّ حَلَّ) ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ كَمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ الْمَذْكُورُ بَدَلَ الْهَدْي وَقَوْلُهُ هُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ: ثُمَّ حَلَّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَصُومَ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْمُحْصَرِ بَلْ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِنَفْسِ إتْمَامِ النُّسُكِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْحَجِّ، إذْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ حَلَّ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَلْ فِي الْمُحْصَرِ.
(وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ) بِأَنْ وَقَفُوا الثَّامِنَ أَوْ الْعَاشِرَ (ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُمْ) نَصًّا لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَابِرِ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يَعْرِفُ النَّاسُ فِيهِ» .
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَلْ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ بَاطِنًا؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهِلَالَ اسْمٌ لِمَا يَطْلُعُ فِي السَّمَاءِ أَوْ لِمَا يَرَاهُ النَّاسُ وَيَعْلَمُونَهُ وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ قَالَ وَالثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ.
وَقَالَ نَعْلَمُ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا يُوَضِّحهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَا خَطَأٌ وَصَوَابٌ لَاسْتُحِبَّ الْوُقُوفُ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا خَطَأَ وَقَالَ: فَلَوْ رَآهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ لَمْ يَنْفَرِدُوا بِالْوُقُوفِ بَلْ الْوُقُوفُ مَعَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ: وُقُوفُ مَرَّتَيْنِ إنْ وَقَفَ بَعْضُهُمْ، لَا سِيَّمَا مَنْ رَآهُ وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ إنْ أَخْطَأَ أَوْ غَلَطَ فِي الْعَدَدِ أَوْ فِي الرُّؤْيَةِ أَوْ فِي الِاجْتِهَادِ مَعَ الْغَيْمِ أَجْزَأَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ (وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ فَاتَهُ الْحَجُّ) هَذِهِ عِبَارَةُ غَالِبِ الْأَصْحَابِ.
وَفِي الِانْتِصَارِ: وَإِنْ أَخْطَأَ عَدَدٌ يَسِيرٌ.
وَفِي الْكَافِي وَالْمُجَرَّدِ: إنْ أَخْطَأَ نَفَرٌ مِنْهُمْ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: إنَّ النَّفَرَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ وَقَفَ النَّاسُ، أَوْ إلَّا يَسِيرًا الثَّامِنَ أَوْ الْعَاشِرَ خَطَأً أَجْزَأَهُمْ.
(وَمَنْ أَحَرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ) أَيْ: الْحَرَمِ (بِالْبَلَدِ) مُتَعَلِّقٌ بِحَصَرَهُ (أَوْ الطَّرِيقِ، قَبْلَ الْوُقُوفِ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ مُنِعَ) مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ (ظُلْمًا أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آمِنٌ إلَى الْحَجِّ) وَلَوْ بَعُدَتْ (وَفَاتَ) أَيْ: خَشِيَ فَوَاتَ (الْحَجِّ
стр. 1030
ذَبَحَ هَدْيًا شَاةً أَوْ سُبُعَ بَدَنَةٍ) أَوْ سُبُعَ بَقَرَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ؛ وَلِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ حِينَ أُحْصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَنْحَرُوا وَيُحِلُّوا " قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ إتْمَامِ نُسُكِهِ، فَوَجَبَ الْهَدْيُ فِي صُورَةِ مَا لَوْ حُصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ، كَمَا لَوْ أُحْصِرَ قَبْلَهُ.
تَنْبِيهٌ إنَّمَا قَدَّرْتُ: وَلَوْ بَعُدَتْ، وَأَوَّلْتُ: فَاتَ بِخَشْيَةِ الْفَوَاتِ لِيُوَافِقَ كَلَامَ الْأَصْحَابِ إذْ فَوْتُ الْحَجِّ لَيْسَ شَرْطًا لِتَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ كَمَا تَدُلَّ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْخَبَرُ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ وَيَكُونُ مَحَلُّ ذَبْحِ الْهَدْي (فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ حِلًّا، كَانَ أَوْ حَرَمًا) لِذَبْحِهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ وَتَقَدَّمَ (وَيَنْوِي) الْمُحْصَرُ (بِهِ) أَيْ: بِذِبْحِ الْهَدْي (التَّحَلُّلَ وُجُوبًا) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
(وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ) وُجُوبًا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ: عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَالْمُنْتَهَى لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَيْسَ بِنُسُكٍ خَارِجَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْوُقُوفِ كَالرَّمْيِ (ثُمَّ حَلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ.
(فَإِنْ أَمْكَنَ الْمُحْصَرَ الْوُصُولُ) إلَى الْحَرَمِ (مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى) غَيْرَ الَّتِي أُحْصِرَ فِيهَا (لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّحَلُّلُ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْحَرَمِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ (وَلَزِمَهُ سُلُوكُهَا) لِيُتِمَّ نُسُكَهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (بَعُدَتْ) الطَّرِيقُ (أَوْ قَرُبَتْ، خَشِيَ الْفَوَاتَ) أَيْ: فَوَاتَ الْحَجِّ (أَوْ لَمْ يَخْشَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُحْصَرُ هَدْيًا (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِالنِّيَّةِ) أَيْ: بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ (كَمُبْدَلِهِ) أَيْ: الصَّوْمِ وَهُوَ ذَبْحُ الْهَدْي فَإِنَّهُ يَذْبَحَهُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ كَمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ حَلَّ، وَلَا إطْعَامَ فِيهِ) أَيْ: الْإِحْصَارِ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: إنْ عَدِمَ الْهَدْيَ مَكَانَ إحْصَارِهِ قَوَّمَهُ طَعَامًا وَصَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَحَلَّ، وَأَوْجَبَ أَنْ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَصُومَ إنْ قَدَرَ فَإِنْ صَعُبَ عَلَيْهِ حَلَّ ثُمَّ صَامَ (بَلْ يَجِبُ مَعَ الْهَدْيِ) عَلَى الْمُحْصَرِ (حَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ) وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
(وَلَا فَرْقَ) فِيمَا تَقَدَّمَ (بَيْنَ الْحَصْرِ الْعَامِّ فِي كُلِّ الْحَاجِّ وَبَيْنَ) الْحَصْرِ (الْخَاصِّ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يُحْبَسَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ يَأْخُذَهُ اللُّصُوصُ) لِعُمُومِ النَّصِّ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى فِي الْكُلِّ.
(وَمَنْ حُبِسَ بِحَقٍّ أَوْ دَيْنٍ حَالٍّ) وَهُوَ (قَادِرٌ عَلَى
стр. 1031
أَدَائِهِ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْذُورٍ فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ فَحُبِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُ التَّحَلُّلُ لِمَا مَرَّ.
(وَإِذَا كَانَ الْعَدُوّ الَّذِي حَصَرَ الْحَاجَّ مُسْلِمِينَ، جَازَ قِتَالُهُمْ) لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَإِنْ أَمْكَنَ الِانْصِرَافُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَهُوَ أَوْلَى) لِصَوْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ لَمْ يَجِبْ قِتَالُهُمْ إلَّا إذَا بَدَءُوا بِالْقِتَالِ، أَوْ وَقَعَ النَّفِيرُ) مِمَّنْ لَهُ الِاسْتِنْفَارُ، فَيَتَعَيَّنُ إذَنْ لِمَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ (فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفْرُ) بِالْمُشْرِكِينَ (اُسْتُحِبَّ قِتَالُهُمْ) حَيْثُ لَمْ يَجِبْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ.
(وَلَهُمْ) أَيْ: الْحَاجِّ (لُبْسُ مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ) فِي الْقِتَالِ (وَيَفْدُونَ) لِلُبْسِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ وَتَغْطِيَتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْوَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفْرُ (فَتَرْكُهُ) أَيْ: الْقِتَالِ (أَوْلَى) لِئَلَّا يَغُرُّوا بِالْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ أَذِنَ الْعَدُوُّ لَهُمْ) أَيْ: لِلْحَاجِّ (فِي الْعُبُورِ فَلَمْ يَثِقُوا بِهِمْ فَلَهُمْ الِانْصِرَافُ) وَالتَّحَلُّلُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ وَثَقُوا بِهِمْ، لَزِمَهُمْ الْمُضِيِّ عَلَى الْإِحْرَامِ) لِإِتْمَامِ النُّسُكِ إذْ لَا عُذْرَ لَهُمْ إذَنْ.
(وَإِنْ طَلَبَ الْعَدُوُّ خَفَارَةً عَلَى تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ) لِلْحَاجِّ وَكَانَ الْعَدُوُّ (مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِأَمَانِهِ) لِعَادَتِهِ بِالْغَدْرِ (لَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهُ) أَيْ: الْمَالِ الْمَطْلُوبِ خَفَارَةً؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ مِنْ غَيْرِ وُصُولٍ لِلْمَقْصُودِ.
(وَإِنْ وَثَقَ) بِأَمَانِهِ (وَالْخَفَارَةُ كَثِيرَةٌ فَكَذَلِكَ) لَا يَجِبُ بَذْلُهَا لِلضَّرَرِ (بَلْ يُكْرَهُ بَذْلُهَا) أَيْ: الْخَفَارَةِ (إنْ كَانَ الْعَدُوُّ كَافِرًا) لِمَا فِيهِ مِنْ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَتَقْوِيَةِ الْكُفَّارِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْخَفَارَةُ (يَسِيرَةً فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ بَذْلِهِ) أَيْ: مَالِ الْخَفَارَةِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَسِيرٌ، كَمَاءِ الْوُضُوءِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا يَجِبُ بَذْلُ خَفَارَةٍ بِحَالٍ، كَمَا فِي ابْتِدَاءِ الْحَجِّ لَا يَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا مِنْ غَيْرِ خَفَارَةٍ وَفِي الْمُنْتَهَى، يُبَاحُ تَحَلُّلٌ لِحَاجَةِ قِتَالٍ أَوْ بَذْلِ مَالٍ لَا يَسِيرُ لِمُسْلِمٍ.
(وَلَوْ نَوَى) الْمُحْصَرُ (التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذَبْحِ هَدْيٍ) إنْ وَجَدَهُ (أَوْ) قَبْلَ (صَوْمٍ) إنْ عَدِمَ الْهَدْيَ (وَرَفَضَ إحْرَامَهُ لَمْ يَحِلّ وَلَزِمَهُ دَمٌ لِتَحَلُّلِهِ وَلِكُلِّ مَحْظُورٍ فِعْلُهُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ التَّحَلُّلِ وَهَكَذَا فِي الْمُقْنِعِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ اهـ وَسَبَقَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِمَا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَأَيْضًا فِي بَابِ الْإِحْرَامِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِرَفْضِ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ فَانْظُرْ هَلْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ فَيُحْمَل التَّحَلُّلُ عَلَى لُبْسِ الْمَخِيطِ مَثَلًا، أَوْ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، تَنَاقَضَ التَّصْحِيحُ فِيهَا؟ .
(وَلَا قَضَاءَ عَلَى
стр. 1032
مُحْصَرٍ إنْ كَانَ) حَجُّهُ (نَفْلًا) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَذَكَر فِي الْإِنْصَافِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَيَّدَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُنْتَهَى بِمَا إذَا تَحَلَّلَ قَبْلَ فَوَاتِ الْحَجِّ وَمَفْهُومِهَا: أَنَّهُ لَوْ تَحَلَّلَ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَهُوَ إحْدَى رِوَايَتَيْنِ أَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَإِنْ زَالَ الْحَصْرُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ وَأَمْكَنَهُ فِعْلُ الْحَجِّ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ لَزِمَهُ فِعْلُهُ.
(وَمَنْ أُحْصِرَ عَنْ وَاجِبٍ) كَرَمْيِ الْجِمَارِ (لَمْ يَتَحَلَّلْ وَعَلَيْهِ لَهُ) أَيْ: لِتَرْكِهِ ذَلِكَ الْوَاجِبَ (دَمٌ) كَمَا لَوْ تَرَكَهُ اخْتِيَارًا (وَحَجُّهُ صَحِيحٌ) لِتَمَامِ أَرْكَانِهِ.
(وَإِنْ صُدَّ) الْمُحْرِمُ (عَنْ عَرَفَةَ دُونَ الْبَيْتِ) أَيْ: الْحَرَمِ (تَحَلَّلَ بِ) أَفْعَالِ (عُمْرَةٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ مُبَاحٌ بِلَا حَصْرٍ فَمَعَهُ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ قَدْ طَافَ وَسَعَى لِلْقُدُومِ، ثُمَّ أُحْصِرَ، أَوْ مَرِضَ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ آخَرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِمَا طَوَافُ الْعُمْرَةِ وَلَا سَعْيِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامًا فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَمَنْ أُحْصِرَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَقَدْ رَمَى وَحَلَقَ لَمْ يَتَحَلَّلْ حَتَّى يَطُوفَ.
(وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ) أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ (لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَهُوَ عَلَى إحْرَامِهِ، حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْبَيْتِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِالْإِحْلَالِ الِانْتِقَالَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ خَيْرٍ مِنْهَا، وَلَا التَّخَلُّصَ مِنْ الْأَذَى الَّذِي بِهِ بِخِلَافِ حَصْرِ الْعَدُوِّ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَتْ: إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» فَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ يُبِيحُ التَّحَلُّلَ مَا احْتَاجَتْ إلَى شَرْطٍ لِحَدِيثِ «مَنْ كَسَرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ» مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْكَسْرَ وَالْعَرَجَ لَا يَصِيرُ بِهِ حَلَالًا فَإِنْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ يُبِيحُ لَهُ التَّحَلُّلَ؛ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا إذَا اشْتَرَطَ الْحِلَّ عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ كَلَامٌ: ابْنُ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ وَمَذْهَبُهُ بِخِلَافِهِ.
(وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ) بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ وُقُوفِهِ (تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ (كَغَيْرِ الْمَرَضِ) أَيْ: كَمَا لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِغَيْرِ مَرَضٍ.
(وَلَا يَنْحَرُ) مَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ (هَدْيًا مَعَهُ إلَّا بِالْحَرَمِ فَيَبْعَثَ بِهِ) أَيْ: الْهَدْيَ (لِيُذْبَحَ فِيهِ) أَيْ: الْحَرَمِ بِخِلَافِ مَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَمِثْلُ الْمَرِيضِ: مَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَمِثْلَهُ أَيْضًا: حَائِضٌ تَعَذَّرَ مُقَامُهَا، أَوْ رَجَعَتْ وَلَمْ تَطُفْ، لِجَهْلِهَا بِوُجُوبِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، أَوْ لِعَجْزِهَا عَنْهُ، أَوْ لِذَهَابِ الرُّفْقَةِ
стр. 1033
قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (وَالْحُكْمُ فِي الْقَضَاءِ وَالْهَدْيِ كَمَا تَقَدَّمَ) تَفْصِيلُهُ.
(وَيَقْضِي عَبْدٌ) مُكَلَّفٌ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِأَنْ كَانَ نَذْرًا أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ (فِي رِقِّهِ كَحُرٍّ) ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ (وَصَغِيرٌ) فِي فَوَاتٍ وَإِحْصَارٍ (كَبَالِغٍ وَلَا يَصِحُّ) قَضَاؤُهُ حَيْثُ وَجَبَ (إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ) كَمَا لَوْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِالْوَطْءِ.
(وَلَوْ أُحْصِرَ فِي حَجٍّ فَاسِدٍ فَلَهُ التَّحَلُّلُ) مِنْهُ بِذَبْحِ الْهَدْيِ إنْ وَجَدَهُ أَوْ الصَّوْمُ إنْ عَدِمَهُ كَالصَّحِيحِ (فَإِنْ حَلَّ) مِنْ الْحَجِّ الْفَاسِدِ (ثُمَّ زَالَ الْحَصْرُ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ) لِلْقَضَاءِ (فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ) ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: يَجِبُ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا قَالُوهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْعِ وَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ فِي الْعَامِ الَّذِي أَفْسَدَ فِيهِ الْحَجَّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَجَمَاعَةٌ وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ طَافَ وَسَعَى وَرَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ الثَّانِي أَنْ يُحْرِمَ بِحَجَّةٍ أُخْرَى وَيَقِفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ رَمْيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَمَلٌ وَاجِبٌ بِالْإِحْرَامِ السَّابِقِ فَلَا يَجُوزُ مَعَ بَقَائِهِ أَنْ يُحْرِمَ بِغَيْرِهِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي وَسَلِمَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حِجَّتَيْنِ فِي عَامٍ.
(وَمَنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ أَنْ يَحِلَّ مَتَى مَرِضَ، أَوْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ، أَوْ نَفِدَتْ وَنَحْوه) كَمَتَى ضَلَّ الطَّرِيقَ (أَوْ قَالَ: إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَتْنِي فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ السَّابِقِ وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اشْتَرَطْتِ» ؛ وَلِأَنَّ لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فِي الْعِبَادَاتِ بِدَلِيلِ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي صُمْتُ شَهْرًا وَنَحْوَهُ.
(وَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ ضُبَاعَةَ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ شَرْطًا كَانَ إحْرَامُهُ الَّذِي فَعَلَهُ إلَى حِينِ وُجُودِ الشَّرْطِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكْمَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ (وَلَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ) حَتَّى يَزُولَ عُذْرُهُ وَيُتِمَّ نُسُكَهُ (فَإِنْ قَالَ إنْ مَرِضْتُ وَنَحْوَهُ، فَأَنَا حَلَالٌ فَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ حَلَّ بِوُجُودِهِ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ صَحِيحٌ فَكَانَ عَلَى مَا شَرَطَ.
[بَابٌ الْهَدْيُ وَالْأَضَاحِيُّ وَالْعَقِيقَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(بَابٌ الْهَدْيُ وَالْأَضَاحِيّ وَالْعَقِيقَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) (الْهَدْيُ) أَصْلُهُ: التَّشْدِيدُ، مِنْ هَدَيْتُ الشَّيْء أَهْدِيه وَيُقَالُ أَيْضًا: أَهْدَيْتُ
стр. 1034
الْهَدْيَ إهْدَاءً وَهُوَ (مَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ مِنْ النَّعَمِ وَغَيْرِهَا) .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: مَا يُذْبَحُ بِمِنًى سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُهْدَى لِلَّهِ تَعَالَى (وَالْأُضْحِيَّةُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَيُقَالُ: ضَحِيَّةٌ كَسَرِيَّةٍ وَالْجَمْعُ ضَحَايَا وَيُقَالُ أَضْحَاهُ وَالْجَمْعُ أَضْحَى كَأَرْطَاةَ وَأَرْطَى نَقَلَهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ وَهِيَ (مَا يُذْبَحُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) أَيْ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْأَهْلِيَّةِ (أَيَّامَ النَّحْرِ) الثَّلَاثَةِ وَلَيْلَتَيْ يَوْمَيْ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا يَأْتِي (بِسَبَبِ الْعِيدِ) بِخِلَافِ مَا يُذْبَحُ بِسَبَبِ نُسُكٍ أَوْ إحْرَامٍ (تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا) احْتِرَازًا عَمَّا يُذْبَحُ لِلْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
(يُسَنُّ لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ أَنْ يَهْدِيَ هَدْيًا) لِفِعْلِهِ ﷺ قَالَ جَابِرٌ «فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَاَلَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً» وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إلَى مَكَّةَ وَيُقِيمُ هُوَ بِالْمَدِينَةِ» .
(وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ (إبِلٌ، ثُمَّ بَقَرٌ إنْ أَخْرَجَ كَامِلًا، ثُمَّ غَنَمٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ «رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ؛ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَمْلَحَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ؛ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْبُدْنَ أَكْثَرُ ثَمَنًا وَلَحْمًا وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ وَسُئِلَ ﷺ «أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» وَالْإِبِلُ أَغْلَى ثَمَنًا وَأَنْفَسُ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (ثُمَّ شِرْكُ) سَبْعٍ فَأَكْثَرَ (فِي بَدَنَةٍ، ثُمَّ شِرْكٌ فِي بَقَرَةٍ) ؛ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ مَقْصُودَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
وَالْمُنْفَرِدُ تَقَرَّبَ بِإِرَاقَتِهِ كُلِّهِ (وَلَا يُجْزِئ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْوَحْشِيُّ) إذْ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ، مَعَ الْوُرُودِ (وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا فِي الْأُضْحِيَّةِ مَنْ (أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَحْشِيٌّ) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمَنْعِ (وَأَفْضَلُهَا) أَيْ: الْأَجْنَاسِ، أَيْ: أَفْضَلُ كُلِّ جِنْسٍ (أَسْمَنُ، ثُمَّ أَغْلَى ثَمَنًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " تَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا " وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا وَأَكْثَرُ لِنَفْعِهَا.
(وَذَكَرٌ وَأُنْثَى سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]
стр. 1035
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَهْدَى جَمَلًا كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بَرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ أَحْمَدُ الْخَصِيُّ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ النَّعْجَةِ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ وَأَطْيَبُ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: الْكَبْشُ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَفْضَلُ النَّعَمِ؛ لِأَنَّهَا أُضْحِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ (وَأَقْرَنُ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ " (وَيُسَنُّ اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] (وَأَفْضَلُهَا لَوْنًا الْأَشْهَبُ، وَهُوَ الْأَمْلَحُ، وَهُوَ الْأَبْيَضُ) النَّقِيُّ الْبَيَاضِ قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ (أَوْ مَا بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ) لِمَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَاةِ ابْنِ وَرَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ،.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " دَمُ بَيْضَاءَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ "؛ وَلِأَنَّهُ لَوْنُ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ (ثُمَّ أَصْفَرُ ثُمَّ أَسْوَدُ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَحْسَنَ لَوْنًا فَهُوَ أَفْضَلُ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يُعْجِبُنِي الْبَيَاضُ وَ) قَالَ: (أَكْرَهَ السَّوَادَ) .
(وَلَا يُجْزِئُ) فِي الْأُضْحِيَّةِ وَكَذَا دَمِ تَمَتُّعٍ وَنَحْوِهِ (إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) وَيَدُلُّ لِإِجْزَائِهِ: مَا رَوَتْ أُمُّ بِلَالٍ بِنْتِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْهَدْيُ مِثْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَذَعِ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ: أَنَّ جَذَعَ الضَّأْنِ يَنْزَوِ فَيُلَقِّحَ، بِخِلَافِ الْجَذَعِ مِنْ الْمَعْزِ قَالَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَيُعْرَفُ كَوْنُهُ قَدْ أَجَذَعَ بِنَوْمِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِهِ قَالَ الْخِرَقِيُّ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَأَلْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، كَيْفَ تَعْرِفُونَ الضَّأْنَ إذَا أَجْذَعَ؟ قَالُوا: لَا تَزَالُ الصُّوفَةُ قَائِمَةً عَلَى ظَهْرِهِ مَا دَامَ حَمَلًا فَإِذَا نَامَتْ الصُّوفَةُ عَلَى ظَهْرِهِ عُلِمَ أَنَّهُ أَجَذَعُ.
(وَ) لَا (يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ) أَيْ: الضَّأْنِ (فَثَنِيُّ الْإِبِلِ: مَا كَمُلَ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ) قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو زَيْدٍ الْكِلَابِيُّ وَأَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: إذَا مَضَتْ السَّنَةُ الْخَامِسَةُ عَلَى الْبَعِيرِ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ وَأَلْقَى ثَنِيَّتَهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ ثَنِيٌّ، وَنَرَى أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ
стр. 1036
ثَنِيًّا؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ (وَ) ثَنِيُّ (بَقَرٍ) مَا لَهُ (سَنَتَانِ) كَامِلَتَانِ.
(وَ) ثَنِيُّ (مَعْزٍ) مَا لَهُ (سَنَةٌ) كَامِلَةٌ؛ لِحَدِيثِ «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ» ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُلَقِّحُ (وَيُجْزِئُ أَعْلَى سِنًّا مِمَّا ذُكِرَ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى وَالْحَصْرُ فِيمَا تَقَدَّمَ إضَافِيٌّ، فَالْمَعْنَى: لَا يُجْزِئُ أَدْوَنُ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَجَذَعُ ضَأْنٍ أَفْضَلُ مِنْ ثَنِيِّ مَعْزٍ) قَالَ أَحْمَدُ لَا تُعْجِبُنِي الْأُضْحِيَّةَ إلَّا الضَّأْنَ؛ وَلِأَنَّ جَذَعَ الضَّأْنِ أَطْيَبُ لَحْمًا مِنْ ثَنِيِّ الْمَعْزِ.
(وَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ جَذَعِ الضَّأْنِ وَثَنِيِّ الْمَعْزِ (أَفْضَلُ مِنْ سُبُعِ بَدَنَةٍ أَوْ) سُبُعِ (بَقَرَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إرَاقَةُ الدَّمِ (وَسُبُعِ شَاةٍ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، وَزِيَادَةُ عَدَدٍ فِي جِنْسٍ أَفْضَلُ مِنْ الْمُغَالَاةِ مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ: عَدَمِ التَّعَدُّدِ (فَبَدَنَتَانِ) سَمِينَتَانِ (بِتِسْعَةٍ، أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ بِعَشْرَةٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ إرَاقَةِ الدَّمِ (وَرَجَّحَ الشَّيْخُ الْبَدَنَةَ) الَّتِي بِعَشَرَةٍ عَلَى الْبَدَنَتَيْنِ بِتِسْعَةٍ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَسُ.
(وَالْخَصِيّ رَاجِحٌ عَلَى النَّعْجَةِ) ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ وَأَطْيَبُ (وَرَجَّحَ الْمُوَفَّقُ الْكَبْشَ) فِي الْأُضْحِيَّةِ (عَلَى سَائِرِ النَّعَمِ) ؛ لِأَنَّهُ أُضْحِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ .
(وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ وَنَصَّ) الْإِمَامُ (وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَعِيَالِهِ، مِثْلُ امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ وَمَمَالِيكِهِ) قَالَ صَالِحٌ: قُلْتُ لِأَبِي يُضَحَّى بِالشَّاةِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ «قَدْ ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ كَبْشَيْنِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَقَرَّبَ الْآخَرَ. وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِي» وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا: مَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ» قَالَ فِي الشَّرْحِ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(وَ) تُجْزِئُ كُلٌّ مِنْ (الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «نَحَرْنَا بِالْحُدَيْبِيَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» .
وَفِي لَفْظٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (فَأَقَلَّ) أَيْ: وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(قَالَ الزَّرْكَشِيّ: الِاعْتِبَارُ) أَيْ: فِي إجْزَاءِ الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ فَأَقَلَّ (أَنْ يَشْتَرِكَ الْجَمِيعُ) أَيْ: فِي الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ (دَفْعَةً، فَلَوْ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي) بَدَنَةٍ أَوْ (بَقَرَةٍ أُضْحِيَّةً وَقَالُوا: مَنْ جَاءَ يُرِيدُ أُضْحِيَّةً شَارَكْنَاهُ فَجَاءَ قَوْمٌ فَشَارَكُوهُمْ
стр. 1037
لَمْ تُجْزِ) الْبَدَنَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ (إلَّا عَنْ الثَّلَاثَةِ قَالَهُ الشِّيرَازِيُّ: انْتَهَى وَالْمُرَادُ: إذَا أَوْجَبُوهَا) أَيْ: الثَّلَاثَةُ (عَلَى أَنْفُسِهِمْ نَصَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يُوجِبُوهَا فَلَا مَانِعَ مِنْ الِاشْتِرَاكِ قَبْلَ الذَّبْحِ، لِعَدَمِ التَّعْيِينِ (وَالْجَوَامِيسُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ (كَالْبَقَرِ) فِي الْإِجْزَاءِ وَالسِّنِّ، وَإِجْزَاءُ الْوَاحِدَةِ عَنْ سَبْعَةٍ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهَا (وَسَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمْ) أَيْ: جَمِيعُ الشُّرَكَاءِ فِي الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ (الْقُرْبَةَ، أَوْ) أَرَادَ (بَعْضُهُمْ) الْقُرْبَةَ.
(وَ) أَرَادَ (الْبَاقُونَ اللَّحْمَ) ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْمُجْزِئَ لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ بِإِرَادَةِ الشَّرِيكِ غَيْرِ الْقُرْبَةِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُ الْقُرْبَةِ بِأَنْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ الْمُتْعَةَ، وَالْآخَرُ الْقِرَانَ وَالْآخَرُ تَرْكَ وَاجِبٍ، وَهَكَذَا؛ وَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ هُنَا إقْرَارُ حَقٍّ وَلَيْسَتْ بَيْعًا وَفِي أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ أَنَّ سُنَّةَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ: الْأَكْلُ، وَالْإِهْدَاءُ: دَلِيلٌ عَلَى تَجْوِيزِ الْقِسْمَةِ إذْ بِهَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْبُدْنِ وَالْبَقَرِ (وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ) أَيْ: الشُّرَكَاءِ (ذِمِّيًّا فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ.
(قَالَهُ الْقَاضِي) وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى (وَيُعْتَبَرُ ذَبْحُهَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ (عَنْهُمْ) أَيْ: السَّبْعَةِ فَأَقَلَّ نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمُوا اللَّحْمَ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ) فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَنَحْوِهَا (لَيْسَتْ بَيْعًا) بَلْ إقْرَارُ حَقٍّ.
(وَلَوْ ذَبَحُوهَا) أَيْ: الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ (عَلَى أَنَّهُمْ سَبْعَةٌ فَبَانُوا ثَمَانِيَةً ذَبَحُوا شَاةً وَأَجْزَأَتْهُمْ) الشَّاةُ مَعَ الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ فَإِنْ بَانُوا تِسْعَةً ذَبَحُوا شَاتَيْنِ وَهَكَذَا.
(وَلَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي شَاتَيْنِ عَلَى الشُّيُوعِ أَجْزَأ) ذَلِكَ عَنْهُمَا كَمَا لَوْ ذَبَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاةً.
(وَلَوْ اشْتَرَى سُبُعَ بَقَرَةٍ) أَوْ بَدَنَةٍ (ذُبِحَتْ لِلَّحْمِ فَهُوَ لَحْمٌ اشْتَرَاهُ وَلَيْسَتْ) الْحِصَّةُ الَّتِي اشْتَرَاهَا أُضْحِيَّةً لِعَدَمِ ذَبْحِهَا عَنْهُمْ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى إنْسَانٌ شَاةً ذُبِحَتْ لِلَّحْمِ وَأَمَّا مَا ذُبِحَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَمَا يَأْتِي وَلَوْ تَطَوُّعًا لِتَعَيُّنِهِ بِالذَّبْحِ.
стр. 1038
[فَصْلٌ لَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْعَوْرَاءُ]
(فَصْلٌ وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ.
(الْعَوْرَاءُ) الْبَيِّنَةُ الْعَوَرِ وَهِيَ (الَّتِي انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا) أَيْ: الْعَيْنِ (بَيَاضٌ وَهِيَ قَائِمَةٌ لَمْ تَذْهَبْ أَجْزَأَتْ) لِمَفْهُومِ مَا يَأْتِي؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ لَحْمَهَا (وَلَا تُجْزِئُ) فِيهِمَا (عَمْيَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَاهَا بَيِّنًا) كَقَائِمَةِ الْعَيْنَيْنِ مَعَ ذَهَابِ إبْصَارِهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَمَى يَمْنَعُ مَشْيَهَا مَعَ رَفِيقَتِهَا وَيَمْنَعُ مُشَارَكَتَهَا فِي الْعَلَفِ؛ وَلِأَنَّ فِي النَّهْيِ عَنْ الْعَوْرَاءِ تَنْبِيهًا عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْعَمْيَاءِ.
(وَلَا عَجْفَاءُ لَا تُنْقِي) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ، مِنْ أَنْقَتْ الْإِبِلُ إذَا سَمِنَتْ وَصَارَ فِيهَا نَقْيٌ وَهُوَ مُخُّ الْعَظْمِ وَشَحْمُ الْعَيْنِ مِنْ السَّمْنِ قَالَهُ فِي الْمَطْلَعِ (وَهِيَ) أَيْ: الْعَجْفَاءُ (الْهَزِيلَةُ الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا وَلَا) تُجْزِئُ (عَرْجَاءُ بَيِّنٌ ضِلَعُهَا) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِهَا أَيْ: غَمْزُهَا وَصَوَابُهُ: بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ.
(وَهِيَ الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ جِنْسِهَا) الصَّحِيحِ (إلَى الْمَرْعَى وَلَا) .
تُجْزِئُ (كَسِيرَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ بَيِّنٌ مَرَضُهَا وَهُوَ الْمُفْسِدُ لِلَحْمِهَا بِجَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (وَلَا) تُجْزِئُ (عَضْبَاءُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ.
(وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا
стр. 1039
أَوْ قَرْنِهَا) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ» قَالَ قَتَادَةَ " فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: الْعَضْبُ النِّصْفُ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ الْعَضْبَاءُ مَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ كَالْكُلِّ (وَتُكْرَهُ مَعِيبَةُ أُذُنٍ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعٍ لِ) نِصْفٍ أَوْ (أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَكَذَا) مَعِيبَةُ (قَرْنٍ) بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ.
لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرْقَاءَ» قَالَ زُهَيْرٌ قُلْت: لِأَبِي إِسْحَاقَ مَا الْمُقَابَلَةُ؟ قَالَ يُقْطَعُ مِنْ طَرَفِ الْأُذُنِ قُلْت: فَمَا الْمُدَابَرَةُ؟ قَالَ يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْأُذُنِ قُلْت: فَمَا الْخَرْقَاءُ؟ قَالَ: تُشَقُّ الْأُذُنُ قُلْت: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قَالَ: تُشَقُّ أُذُنُهَا لِلسِّمَةِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْخَرْقَاءُ الَّتِي قَدْ انْتَقَبَتْ أُذُنُهَا وَالشَّرْقَاءُ الَّتِي تُشَقُّ أُذُنُهَا، وَتَبْقَى كَالشَّاخَتَيْنِ وَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهَا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ، إذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
(وَلَا تُجْزِئُ الْجَدَّاءُ، وَهِيَ جَافَّةُ الضَّرْعِ) أَيْ: الْجَدْبَاءُ الَّتِي شَابَ وَنَشَفَ ضَرْعُهَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ مِنْ ذَهَابِ شَحْمَةِ الْعَيْنِ (وَلَا) تُجْزِئُ (هَتْمَاءُ وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ ثَنَايَاهَا مِنْ أَصْلِهَا) قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ (وَلَا عَصْمَاءُ، وَهِيَ الَّتِي انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا) قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ (وَيُجْزِئُ مَا ذَهَبَ دُونَ نِصْفِ أَلْيَتِهَا) وَكَذَا مَا ذَهَبَ نِصْفُهَا كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُذُنِ: وَتُكْرَهُ بَلْ هُنَا أَوْلَى.
(وَ) تُجْزِئُ (الْجَمَّاءُ، وَهِيَ الَّتِي خُلِقَتْ بِلَا قَرْنٍ وَالصَّمْعَاءُ، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ الْأُذُنِ، وَمَا خُلِقَتْ بِلَا أُذُنٍ وَالْبَتْرَاءُ الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا خِلْقَةً أَوْ مَقْطُوعًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ.
(وَ) تُجْزِئُ (الَّتِي بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ لَا يَمْنَعُ النَّظَرَ) لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْبَصَرِ (وَ) يُجْزِئُ (الْخَصِيُّ الَّتِي قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ سُلَّتَا أَوْ رُضَّتَا) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ " وَالْوِجَاءُ: رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ؛ وَلِأَنَّ الْخِصَاءَ إذْهَابُ عُضْوٍ غَيْرِ مُسْتَطَابٍ، يَطِيبُ اللَّحْمُ بِذَهَابِهِ، وَيَسْمَنُ قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا زَادَ فِي لَحْمِهِ وَشَحْمِهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَهَبَ مِنْهُ (فَإِنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ: مَعَ قَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ، أَوْ سَلِّهِمَا أَوْ رَضِّهِمَا (لَمْ يُجْزِ وَهُوَ الْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
(وَتُجْزِئُ الْحَامِلُ) مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ كَالْحَائِلِ.
стр. 1040
[فَصْلٌ السُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى]
(فَصْلٌ وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى، فَيَطْعَنُهَا بِالْحَرْبَةِ فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي هِيَ بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ) لِمَا رَوَى زِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ «رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ أَنَاخَ بَدَنَةً لِيَنْحَرَهَا فَقَالَ: ابْعَثْهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةً الْيُسْرَى، قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا " وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُنْحَرُ قَائِمَةً وَقِيلَ: فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] أَيْ: قِيَامًا، لَكِنْ إنْ خَشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَنْفِرَ أَنَاخَهَا.
(وَ) السُّنَّةُ (ذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ) وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» (وَيَجُوزُ عَكْسُهُ) أَيْ: ذَبْحُ الْإِبِلِ وَنَحْرُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ مَحَلَّ الذَّكَاةِ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (وَيَأْتِي) ذَلِكَ.
(وَيَقُولُ بَعْدَ تَوْجِيهِهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ) إنْ كَانَتْ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (حِينَ يُحَرِّكُ يَدَهُ بِالذَّبْحِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ.
وَكَذَا يَقُولُ عِنْدَ تَحْرِيكِ يَدِهِ
стр. 1041
بِالنَّحْرِ (وَإِنْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ إلَخْ (وَ) قَالَ (قَبْلَ تَحْرِيكِ يَدِهِ) بِالذَّبْحِ، بِأَنْ قَالَ عِنْدَ تَوْجِيهِ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ (وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت، وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فَحَسَنٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ بِإِسْقَاطِ " أَوَّلُ " لِمُنَاسِبَةِ الْمَعْنَى، أَوْ قَالَ بَعْدَ " هَذَا مِنْك وَلَك " (اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْت مِنْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِك، فَحَسَنٌ) لِمُنَاسِبَةِ الْحَالِ.
وَفِي حَدِيثٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» وَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ سِيرِينَ الْأَكْلَ مِنْ الذَّبِيحَةِ إذَا وُجِّهَتْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ.
(وَالْأَفْضَلُ: تَوَلِّي صَاحِبِهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةِ هَدْيًا كَانَتْ أَوْ أُضْحِيَّةً (ذَبْحَهَا بِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، وَنَحَرَ الْبَدَنَاتِ السِّتَّ بِيَدِهِ، وَنَحَرَ مِنْ الْبُدْنِ الَّتِي أَهْدَاهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ "؛ وَلِأَنَّ فِعْلَ الذَّبْحِ قُرْبَةٌ وَتَوَلِّي الْقُرْبَةِ بِنَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِنَابَةِ فِيهَا.
(وَإِنْ وَكَّلَ مَنْ يَصِحُّ ذَبْحُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا) كِتَابِيًّا أَبَوَاهُ كِتَابِيَّانِ (جَازَ، وَمُسْلِمٌ أَفْضَلُ) مِنْ ذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ " اسْتَنَابَ عَلِيًّا فِي نَحْرِ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَنِهِ ".
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُوَكِّلَ) فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ (ذِمِّيًّا) كِتَابِيًّا لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ مَرْفُوعًا «لَا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إلَّا طَاهِرٌ» (وَيَشْهَدُهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةَ رَبُّهَا (نَدْبًا إنْ وَكَّلَ) فِي تَذْكِيَتِهَا لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ «وَاحْضُرُوهَا إذَا ذَبَحْتُمْ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ «اُحْضُرِي أُضْحِيَّتَك يُغْفَرْ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا» .
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الْوَكِيلُ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ) أَيْ: الْمُوَكِّلِ لَهُ (وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ) أَيْ: نِيَّةُ كَوْنِهَا أُضْحِيَّةً (مِنْ الْمُوَكِّلِ إذًا) أَيْ: وَقْتَ التَّوْكِيلِ فِي الذَّبْحِ.
(وَفِي الرِّعَايَةِ: يَنْوِي) الْمُوَكِّلُ كَوْنَهَا أُضْحِيَّةً (عِنْد الذَّكَاةِ أَوْ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ) لِيُذَكِّيَهَا (إلَّا مَعَ التَّعْيِينِ) أَيْ: تَعْيِينِ الْأُضْحِيَّةِ بِأَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً، فَلَا تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ (وَلَا تُعْتَبَرُ تَسْمِيَةُ الْمُضَحَّى عَنْهُ) اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ.
(وَوَقْتُ ابْتِدَاءِ ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ وَهَدْيٍ وَنَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَ) دَمِ (مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ: يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ لِحَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ
стр. 1042
ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ (قَبْلَ الْخُطْبَةِ) لِظَاهِرِ مَا سَبَقَ.
(وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَ (بَعْدَهَا) أَيْ: الْخُطْبَةِ وَذَبْحِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَلَوْ سَبَقَتْ صَلَاةُ إمَامٍ فِي الْبَلَدِ) الَّذِي تَتَعَدَّدُ فِيهِ الْعِيدُ (جَازَ الذَّبْحُ) لِتَقَدُّمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (أَوْ بَعْدَ) مُضِيِّ (قَدْرِهَا) أَيْ: قَدْرِ زَمَنِ صَلَاةِ الْعِيدِ (بَعْدَ حِلِّهَا) أَيْ: دُخُولِ وَقْتِهَا (فِي حَقِّ مَنْ لَا صَلَاةَ فِي مَوْضِعِهِ) كَأَهْلِ الْبَوَادِي مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ وَالْخَرْكَاوَاتِ وَنَحْوِهِمْ، مِمَّنْ لَا عِيدَ عَلَيْهِ فَدُخُولُ وَقْتِ ذَبْحٍ: مَا ذُكِرَ فِي حَقِّهِمْ بِمُضِيِّ قَدْرِ مَا تُفْعَلُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ فِي حَقِّهِمْ تُعْتَبَرُ فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِقَدْرِهَا وَأَطْلَقَ الْأَصْحَابُ قَدْرَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ بِمُتَوَسِّطِ النَّاسِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْمُوَفَّقُ اعْتَبَرَ قَدْرَ صَلَاةٍ وَخُطْبَةٍ تَامَّتَيْنِ فِي أَخَفِّ مَا يَكُونُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ " وَخُطْبَةٍ " مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِهَا وَالْمَذْهَبُ: لَا تُعْتَبَرُ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَاتَتْ الصَّلَاةُ) أَيْ: صَلَاةُ الْعِيدِ (بِالزَّوَالِ) بِأَنْ زَالَتْ الشَّمْسُ فِي مَوْضِعٍ تُصَلَّى فِيهِ، كَالْأَمْصَارِ وَالْقُرَى قَبْلَ أَنْ يُصَلُّوا، لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (ضَحَّى إذَنْ) أَيْ: عِنْدَ الزَّوَالِ فَمَا بَعْدَهُ لِفَوَاتِ التَّبَعِيَّةِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
(وَأَخَّرَهُ) أَيْ: أَخَّرَ وَقْتَ ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ وَهَدْيِ نَذْرٍ، أَوْ تَطَوُّعٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ (آخِرَ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) فَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ يَوْمُ الْعِيدِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَرُوِيَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ قَالَ أَحْمَدُ أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ» وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُبَاحَ ذَبْحُهَا فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ أَكْلُهَا فِيهِ وَنَسْخُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ - وَهُوَ الِادِّخَارُ - لَا يَلْزَمُهُ رَفْعُ الْآخَرِ وَهُوَ إجْزَاءُ الذَّبْحِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ.
وَفِي الْإِيضَاحِ: إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَأَفْضَلُهُ) أَيْ: ذَبْحِ مَا ذُكِرَ (أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ) دُخُولِ (وَقْتِهِ) وَهُوَ مُضِيُّ الصَّلَاةِ، أَوْ قَدْرُهَا وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْخُطْبَتَيْنِ أَيْضًا وَبَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ (وَيُجْزِئُ) ذَبْحُ مَا ذُكِرَ (فِي
стр. 1043
لَيْلَتِهِمَا) أَيْ: لَيْلَةِ يَوْمَيْ التَّشْرِيقِ الْأَوَّلَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ الرَّمْيُ، أَيْ: فِي الْجُمْلَةِ، كَالسُّقَاةِ وَالرُّعَاةِ، وَدَاخِلٌ فِي مُدَّةِ الذَّبْحِ فَجَازَ فِيهِ كَالْأَيَّامِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَظَاهِرُ الْمُنْتَهَى: لَا يُكْرَهُ.
(وَوَقْتُ ذَبْحِ مَا وَجَبَ) مِنْ الدِّمَاءِ (بِفِعْلِ مَحْذُورٍ) كَلُبْسٍ وَطِيبٍ وَحَلْقِ رَأْسٍ وَنَحْوِهِ (مِنْ حِينِ وُجُوبِهِ) أَيْ: مِنْ حِينِ فِعْلِ الْمَحْذُورِ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: أَرَادَ فِعْلَ الْمَحْذُورِ (لِعُذْرٍ فَلَهُ ذَبْحُهُ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْمَحْذُورِ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْفِدْيَةِ (وَكَذَا مَا وَجَبَ) مِنْ الدِّمَاءِ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ) يَدْخُلُ وَقْتُهُ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ.
(وَإِنْ ذَبَحَ) هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً (قَبْلَ وَقْتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) كَالصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ (وَصَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ (وَعَلَيْهِ بَدَلُ الْوَاجِبِ) لِبَقَائِهِ فِي ذِمَّتِهِ.
(وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ) قَبْلَ ذَبْحِ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ (ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً) ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ أَحَدُ مَقْصُودَيْ الْأُضْحِيَّةِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا فِي الْوَقْتِ وَلَمْ يُفَرِّقْهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ (وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ) بِخُرُوجِ وَقْتِ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ الْمُحَصِّلَ لِلْفَضِيلَةِ الزَّمَانُ وَقَدْ فَاتَ فَلَوْ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ لَحْمًا تَصَدَّقَ بِهِ، لَا أُضْحِيَّةً فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي التَّبْصِرَةِ.
[فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ الْهَدْيُ بِقَوْلِهِ هَذَا هَدْيٌ]
فَصْلٌ (وَيَتَعَيَّنُ الْهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ، لِوَضْعِهِ لَهُ شَرْعًا فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ (أَوْ بِتَقْلِيدِهِ) أَيْ: وَيَتَعَيَّنُ الْهَدْيُ أَيْضًا بِتَقْلِيدِهِ مَعَ النِّيَّةِ (أَوْ إشْعَارِهِ مَعَ النِّيَّةِ) أَيْ: نِيَّةِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَعَ النِّيَّةِ يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ إذَا كَانَ الْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ، كَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ وَ (لَا) يَتَعَيَّنُ الْهَدْيُ (بِشِرَائِهِ وَلَا بِسَوْقِهِ مَعَ النِّيَّةِ فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَالسَّوْقَ لَا يَخْتَصَّانِ بِالْهَدْيِ وَالتَّعْيِينُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ النِّيَّةُ الْمُقَارِنَةُ لَهُمَا كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ، لَا يُحَصَّلَانِ بِالنِّيَّةِ حَالَ الشِّرَاءِ، وَكَإِخْرَاجِهِ مَالًا لِلصَّدَقَةِ بِهِ.
(وَ) تَتَعَيَّنُ (الْأُضْحِيَّةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ) فَتَصِيرُ وَاجِبَةً بِذَلِكَ، كَمَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ بِقَوْلِ سَيِّدِهِ: هَذَا حُرٌّ لِوَضْعِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِذَلِكَ شَرْعًا (أَوْ لِلَّهِ، فِيهِمَا)
стр. 1044
أَيْ: يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْإِنْشَاءُ كَصِيَغِ الْعُقُودِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ: نَحْوِ: هَذِهِ لِلَّهِ (مِنْ أَلْفَاظِ النَّذْرِ) كَقَوْلِهِ: هَذِهِ صَدَقَةٌ قَالَ فِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ: إذَا أَوْجَبَهَا بِلَفْظِ الذَّبْحِ نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ ذَبْحُهَا لَزِمَهُ تَفْرِيقُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ ذَبْحُ هَذِهِ الشَّاةِ ثُمَّ أَتْلَفَهَا ضَمِنَهَا لِبَقَاءِ الْمُسْتَحِقِّ لَهَا.
(وَلَوْ أَوْجَبَهَا نَاقِصَةً نَقْصًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) كَالْعَوْرَاءِ الْبَيِّنِ عَوَرُهَا وَالْعَرْجَاءِ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا (لَزِمَهُ ذَبْحُهَا) كَمَا لَوْ نَذَرَهُ (وَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ.
(وَلَكِنْ يُثَابُ عَلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْهَا) لَحْمًا مَنْذُورًا، لَا أُضْحِيَّةً قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ حَدَثَ بِهَا - أَيْ: بِالْمُعَيَّنَةِ أُضْحِيَّةً عَيْبٌ كَالْعَمَى وَالْعَرَجِ وَنَحْوِهِ أَجْزَأَهُ ذَبْحُهَا، وَكَانَتْ أُضْحِيَّةً (فَإِنْ زَالَ عَيْبُهَا الْمَانِعُ مِنْ الْإِجْزَاءِ كَبُرْءِ الْمَرِيضَةِ، وَ) بُرْءِ (الْعَرْجَاءِ وَزَوَالِ الْهُزَالِ أَجْزَأَتْ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ (وَإِذَا تَعَيَّنَا) أَيْ: الْهَدْيُ وَالْأُضْحِيَّةُ (لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ) عَنْهُمَا كَالْعَبْدِ الْمَنْذُورِ عِتْقُهُ، وَالْمَالِ الْمَنْذُورِ الصَّدَقَةُ بِهِ.
(وَجَازَ لَهُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَيْنِ (بِإِبْدَالٍ وَغَيْرِهِ وَشِرَاءِ خَيْرٍ مِنْهُمَا) بِأَنْ يَبِيعَهُمَا بِخَيْرٍ مِنْهُمَا، أَوْ بِنَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهِ خَيْرًا مِنْهُمَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ نَفْعِ الْفُقَرَاءِ بِالزِّيَادَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ «أَنَّهُ ﷺ سَاقَ فِي حَجَّتِهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ فَأَشْرَكَهُ فِي بُدْنِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشْرَكَ عَلِيًّا فِيهَا قَبْلَ إيجَابِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشْرَكَهُ فِيهَا، بِمَعْنَى أَنَّ عَلِيًّا جَاءَ بِبُدْنٍ، فَاشْتَرَكَا فِي الْجَمِيعِ، فَكَانَ بِمَعْنَى الْإِبْدَالِ لَا بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَشْرَكَهُ فِي ثَوَابِهَا وَأَجْرِهَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَ) جَازَ (إبْدَالُ لَحْمِ) مَا تَعَيَّنَ مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ (بِخَيْرٍ مِنْهُ) لِنَفْعِ الْفُقَرَاءِ، وَ (لَا) يَجُوزُ إبْدَالُ مَا تَعَيَّنَ مِنْ هَدْيٍ أَوْ ضَحِيَّةٍ أَوْ لَحْمِهَا (بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا) بِمَا (دُونَهُ) إذْ لَا حَظَّ فِي ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ.
(وَإِنْ) اشْتَرَى أُضْحِيَّةً أَوْ هَدْيًا وَعَيَّنَهَا لِذَلِكَ، ثُمَّ (عَلِمَ عَيْبَهَا بَعْدَ التَّعْيِين مَلَكَ الرَّدَّ) وَاسْتِرْجَاعَ الثَّمَنِ قُلْت: وَيَشْتَرِي بِهِ بَدَلَهَا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
(وَإِنْ أَخَذَ الْأَرْشَ فَكَفَاضِلٍ عَنْ الْقِيمَةِ عَلَى مَا يَأْتِي) ، فَيَشْتَرِي بِهِ شَاةً أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ بِلَحْمٍ يُشْتَرَى بِهِ.
(وَإِنْ) اشْتَرَى أُضْحِيَّةً أَوْ هَدْيًا وَعَيَّنَهَا ثُمَّ (بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ التَّعْيِينِ (لَزِمَهُ بَدَلُهَا) نَصًّا نَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ كَأَرْشٍ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا
стр. 1045
لَوْ بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً قَبْلَ التَّعْيِينِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْيِينِ إذَنْ.
(وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ تَعْيِينِهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ أَوْ الْهَدْيِ (لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا فِي دَيْنِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) وَفَاءٌ (إلَّا مِنْهَا) لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِهَا وَتَعَيَّنَ ذَبْحُهَا، وَكَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا (وَلَزِمَ الْوَرَثَةَ ذَبْحُهَا، وَيَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي الْأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ) " كَسَائِرِ الْحُقُوقِ لَهُ وَعَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهَا مُتْلِفٌ) رَبُّهَا أَوْ غَيْرُهُ (وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ، أَوْ بَاعَهَا مَنْ أَوْجَبَهَا ثُمَّ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ) فِي الْأُولَى (أَوْ) اشْتَرَى (بِالثَّمَنِ) فِي الثَّانِيَةِ (مِثْلَهَا صَارَتْ) الْمُشْتَرَاةُ (مُعَيَّنَةً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ) كَبَدَلِ رَهْنٍ أَوْ وَقْفٍ أُتْلِفَ وَنَحْوِهِ لِقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ مُبْدَلِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ: لِمَنْ عَيَّنَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً (الرُّكُوبُ لِحَاجَةٍ فَقَطْ بِلَا ضَرَرٍ) قَالَ أَحْمَدُ لَا يَرْكَبُهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، إذَا أُلْجِئْت إلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَجُزْ رُكُوبُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَمِلْكِهِمْ فَإِنْ تَضَرَّرَتْ بِرُكُوبِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَيَضْمَنُ نَقْصَهَا) الْحَاصِلَ بِرُكُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ) الَّتِي عُيِّنَتْ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً ابْتِدَاءً أَوْ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ (ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا) سَوَاءٌ (عَيَّنَهَا حَامِلًا أَوْ حَدَثَ) الْحَمْلُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَسَاكِينِ الْوَلَدَ حُكْمٌ ثَبَتَ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ مِنْ الْأُمِّ، فَيَثْبُتُ لِلْوَلَدِ مَا يَثْبُتُ لِأُمِّهِ كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ (إنْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ) أَيْ: الْوَلَدِ عَلَى ظَهْرِهَا، أَوْ ظَهْرِ غَيْرِهَا (أَوْ) أَمْكَنَ (سَوْقُهُ إلَى مَحِلِّهِ) أَيْ: مَحِلِّ ذَبْحِ الْهَدْيِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الْوَلَدِ وَلَا سَوْقُهُ إلَى مَحِلِّهِ (فَكَهَدْيٍ عَطِبَ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ وَكَذَا وَلَدُ مُعَيَّنَةٍ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا.
(وَلَا يُشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا) أَيْ: لَبَنِ الْمُعَيَّنَةِ أُضْحِيَّةً أَوْ هَدْيًا (إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا) ، فَيَجُوزُ شُرْبُهُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ " لَا يَحْلُبُهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا "؛ وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يَضُرُّ بِهَا وَلَا بِوَلَدِهَا، وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (فَإِنْ خَالَفَ) وَشَرِبَ مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْحَلْبُ يَضُرُّ بِهَا أَوْ يُنْقِصُ لَحْمَهَا (وَضَمِنَهُ) أَيْ: اللَّبَنَ الْمَأْخُوذَ إذَنْ لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهِ.
(وَيُجَزُّ صُوفُهَا وَوَبَرُهَا وَشَعْرُهَا لِمَصْلَحَةٍ) كَمَا لَوْ كَانَتْ تُسَمَّنُ بِهِ (وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، كَلَبَنِهَا أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) قَالَ الْقَاضِي لَهُ الصَّدَقَةُ بِالشَّعْرِ، وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَنَّ اللَّبَنَ وَالصُّوفَ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْإِيجَابِ وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْهَدْيِ، وَكَذَلِكَ قَالَ
стр. 1046
صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِي اللَّبَنِ.
(وَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ) أَيْ: الصُّوفِ أَوْ الْوَبَرِ أَوْ الشَّعْرِ (أَنْفَعَ لَهَا، لِكَوْنِهِ يَقِيهَا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ لَمْ يَجُزْ جَزُّهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ بَعْضِ أَعْضَائِهَا) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهَا (وَلَا يُعْطِي الْجَزَّارَ شَيْئًا مِنْهَا أُجْرَةً) لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ لِبَعْضِ لَحْمِهَا وَلَا يَصِحُّ (بَلْ) يُعْطِيهِ مِنْهَا (هَدِيَّةً وَصَدَقَةً) ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَهَا وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إلَيْهَا.
(وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَجِلِّهَا) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا وَجِلَالِهَا؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ جُزْءٌ مِنْهَا فَجَازَ لِلْمُضَحِّي الِانْتِفَاعُ كَاللَّحْمِ وَكَانَ عَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقٌ يَدْبُغَانِ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِمَا وَيُصَلِّيَانِ عَلَيْهِ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ يَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ، قَالَ وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَهَيْت عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ قَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا» حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِهِ فَجَازَ كَلَحْمِهَا (أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِمَا) أَيْ: بِالْجِلْدِ وَالْجِلِّ.
(وَيَحْرُمُ بَيْعُهُمَا) أَيْ: بَيْعِ الْجِلْدِ وَالْجِلِّ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أَقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلِّهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهَا شَيْئًا وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدَنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يَحْرُمُ (بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةِ، هَدْيًا كَانَتْ أَوْ أُضْحِيَّةً (وَلَوْ كَانَتْ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالذَّبْحِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ «وَلَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدْيِ، وَتَصَدَّقُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا» قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالُوا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَجُلُودُ الْأُضْحِيَّةِ نُعْطِيهَا السَّلَّاخَ؟ قَالَ: لَا، وَحَكَى قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تُعْطِ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا» قَالَ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
(وَإِنْ عَيَّنَ أُضْحِيَّةً أَوْ هَدْيًا فَسُرِقَ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ عَيَّنَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ، وَلَوْ) كَانَ وُجُوبُهُ فِي الذِّمَّةِ (بِالنَّذْرِ) بِأَنَّهُ نَذَرَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً ثُمَّ عَيَّنَ عَنْهُ مَا يُجْزِئُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ فَسُرِقَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ، وَلَمْ يُفَرِّطْ فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْوَدِيعَةِ.
(وَإِنْ تَلِفَتْ) الْمُعَيَّنَةُ هَدْيًا كَانَتْ أَوْ أُضْحِيَّةً (أُضْحِيَّةً وَلَوْ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ سُرِقَتْ أَوْ ضَلَّتْ قَبْلَهُ) أَيْ: الذَّبْحِ (فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ) ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
(وَإِنْ عَيَّنَ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ) مَا يُجْزِئُ فِيهِ كَالْمُتَمَتِّعِ يُعَيِّنُ دَمَ التَّمَتُّعِ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً أَوْ عَيَّنَ هَدْيًا بِنَذْرِهِ فِي ذِمَّتِهِ (وَتَعَيَّبَ)
стр. 1047
مَا عَيَّنَهُ عَنْ ذَلِكَ (أَوْ تَلِفَ أَوْ ضَلَّ، أَوْ عَطِبَ أَوْ سُرِقَ وَنَحْوُهُ) كَمَا لَوْ غُصِبَ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ الْوَاجِبِ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ عَنْهُ كَالدَّيْنِ يَضْمَنُهُ ضَامِنٌ، أَوْ يَرْهَنُ بِهِ رَهْنًا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِالضَّامِنِ وَالرَّهْنِ مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ؟ مَتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الضَّامِنِ، أَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ، بَقِيَ الْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ بِحَالِهِ.
(وَلَزِمَهُ بَدَلُهُ) أَيْ: بَدَلِ مَا تَعَيَّبَ وَتَلِفَ أَوْ ضَلَّ أَوْ عَطِبَ أَوْ سُرِقَ وَنَحْوُهُ إذَا كَانَ عَيَّنَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ (وَيَكُونُ أَفْضَلَ مِمَّا فِي الذِّمَّةِ إنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَفْرِيطِهِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: ظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ وَمَعْنَاهُ: إذَا عَيَّنَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ أَزْيَدَ مِمَّا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مِثْلُ الَّذِي تَلِفَ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَعَلَّقَ بِمَا عَيَّنَهُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ أَزْيَدُ، فَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَزْيَدُ مِمَّا فِي الذِّمَّةِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا.
" تَتِمَّةٌ " لَوْ ضَحَّى اثْنَانِ كُلٌّ بِأُضْحِيَّةِ الْآخَرِ عَنْ نَفْسِهِ غَلَطًا كَفَتْهُمَا وَلَا ضَمَانَ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ ضَمَانُهُمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ فِي اثْنَيْنِ ضَحَّى هَذَا بِأُضْحِيَّةِ هَذَا: يَتَرَادَّانِ اللَّحْمَ، إنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَيُجْزِئُ وَلَوْ فَرَّقَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَحْمَ مَا ذَبَحَهُ أَجْزَأَ لِإِذْنِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ ذَبَحَهَا) أَيْ: الْمُعَيَّنَةَ هَدْيًا أَوْ ضَحِيَّةً (ذَابِحٌ فِي وَقْتِهَا بِغَيْرِ إذْنِ) رَبِّهَا أَوْ وَلِيِّهِ.
(وَنَوَاهَا عَنْ رَبِّهَا أَوْ أَطْلَقَ أَجْزَأَتْ) عَنْ رَبِّهَا (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الذَّابِحِ) ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ فِعْلٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، فَإِذَا فَعَلَهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ أَجْزَأَ عَنْ صَاحِبِهِ كَغَسْلِ ثَوْبِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ؛ وَلِأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا بِذَبْحِهَا فِي وَقْتِهَا فَلَمْ يَضْمَنْ ذَابِحُهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا؛ وَلِأَنَّ الذَّبْحَ إرَاقَةُ دَمٍ تَعَيَّنَ إرَاقَتُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَضْمَنْ مُرِيقُهُ كَقَاتِلِ الْمُرْتَدِّ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ.
(وَإِنْ نَوَاهَا) أَيْ: نَوَى الذَّابِحُ الْأُضْحِيَّةَ (عَنْ نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ لَمْ تُجْزِ مَالِكُهَا) سَوَاءٌ فَرَّقَ الذَّابِحُ اللَّحْمَ أَوْ لَا، وَيَضْمَنُ الذَّابِحُ قِيمَتَهَا إنْ فَرَّقَ لَحْمَهَا، وَأَرْشُ الذَّبْحِ إنْ لَمْ يُفَرِّقْهُ لِغَصْبِهِ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَإِتْلَافِهِ أَوْ تَنْقِيصِهِ عُدْوَانًا.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ ذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ، لِاشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِ مَثَلًا (أَجْزَأَتْ عَنْ رَبِّهَا إنْ لَمْ يُفَرِّقْ الذَّابِحُ لَحْمَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الذَّبْحَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنْ فَرَّقَ اللَّحْمَ إذَنْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ وَغَيْرُهُ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهَا) أَيْ:
стр. 1048
الْمُعَيَّنَةَ مِنْ هَدْيِ أَوْ أُضْحِيَّةِ (صَاحِبِهَا ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ) فِي مَحِلِّهِ، كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ (تُصْرَفُ فِي مِثْلِهَا كَإِتْلَافِ أَجْنَبِيٍّ) غَيْرِ مَالِكهَا لَهَا لِبَقَاءِ الْمُسْتَحِقِّ لَهَا وَهُمْ الْفُقَرَاءُ، بِخِلَافِ قِنٍّ نُذِرَ عِتْقُهُ، فَلَا يَلْزَمُ صَرْفُ قِيمَتِهِ فِي مِثْلِهِ إذَا تَلِفَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ وَهُوَ حَقٌّ لِلرَّقِيقِ الْمَيِّتِ.
(وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْقِيمَةِ) أَيْ: قِيمَةِ الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ (شَيْءٌ عَنْ شِرَاءِ الْمِثْلِ) لِنَحْوِ رُخْصٍ عَوَّضَ (اشْتَرَى بِهِ شَاةً إنْ اتَّسَعَ) لِذَلِكَ، أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ الْمَقْصُودِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِشَاةٍ أَوْ شِرْكٍ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ (اشْتَرَى بِهِ لَحْمًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ) لِفَوَاتِ إرَاقَةِ الدَّمِ.
(وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ) أَيْ: الْحَيَوَانِ الْمُعَيَّنِ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً مَالِكُهُ أَوْ غَيْرُهُ (تَصَدَّقَ بِالْأَرْشِ) أَوْ بِلَحْمٍ يَشْتَرِيهِ إنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِشَاةٍ أَوْ سُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ.
(وَإِنْ عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، أَوْ) عَطِبَ (فِي الْحَرَمِ هَدْيُ وَاجِبٍ، أَوْ تَطَوُّعٍ بِأَنْ يَنْوِيَهُ هَدْيًا، وَلَا يُوجِبُهُ بِلِسَانِهِ، وَلَا بِتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ وَتَدُومُ نِيَّتُهُ فِيهِ قَبْلَ ذَبْحِهِ، أَوْ عَجَزَ) الْهَدْيُ (عَنْ الْمَشْيِ) إلَى مَحِلِّهِ (لَزِمَهُ نَحْرُهُ) أَيْ: تَذْكِيَةُ الْهَدْيِ (مَوْضِعَهُ مُجْزِئًا وَصَبَغَ نَعْلَهُ) أَيْ: نَعْلَ الْهَدْيِ (الَّتِي فِي عُنُقِهِ فِي دَمِهِ، وَضَرَبَ) بِهِ (صَفْحَتَهُ لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ، فَيَأْخُذُوهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى خَاصَّةِ رُفْقَتِهِ، وَلَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ: الْأَكْلُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْهَدْيِ الْعَاطِبِ (مَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيت عَلَيْهَا فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا وَلَا تَطْعَمْهَا لَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ «يُخَلِّيهَا وَالنَّاسَ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ رُفْقَتِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُشْفِقُ عَلَى رُفْقَتِهِ وَيُحِبُّ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ وَرُبَّمَا وَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مُؤْنَتِهِ وَإِنَّمَا مُنِعَ السَّائِقُ وَرُفْقَتُهُ الْأَكْلَ مِنْهُ لِئَلَّا يُقَصِّرَ فِي حِفْظِهِ لِيُعْطِبَهُ، لِيَأْكُلَ هُوَ وَرُفْقَتُهُ مِنْهُ فَتَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ لِنَفْسِهِ وَرُفْقَتِهِ (فَإِنْ أَكَلَ) السَّائِقُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْهَدْيِ الْعَاطِبِ (أَوْ بَاعَ) مِنْهُ لِأَحَدٍ (أَوْ أَطْعَمَ غَنِيًّا، أَوْ) أَطْعَمَ (رُفْقَتَهُ ضَمِنَهُ) لِتَعَدِّيهِ (بِمِثْلِهِ لَحْمًا) ؛ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ (أَوْ تَلِفَ) الْهَدْيُ (بِتَفْرِيطِهِ) أَوْ تَعَدِّيهِ (أَوْ خَافَ عَطَبَهُ فَلَمْ يَنْحَرْهُ حَتَّى هَلَكَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ) كَسَائِرِ الْوَدَائِعِ إذَا فَرَّطَ فِيهَا أَوْ
стр. 1049
تَعَدَّى (يُوصِلُهُ) أَيْ: بَدَلَ الْهَدْيِ (إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ) ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّوهُ.
(وَإِنْ فَسَخَ فِي التَّطَوُّعِ نِيَّتَهُ قَبْلَ ذَبْحِهِ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ) مِنْ بَيْعٍ وَأَكْلٍ وَإِطْعَامٍ لِرُفْقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ (وَإِنْ سَاقَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ) لِتَمَتُّعٍ أَوْ فِعْلِ مَحْذُورٍ وَنَحْوِهِ (وَلَمْ يُعَيِّنْهُ بِقَوْلِهِ) : هَذَا هَدْيٌ وَنَحْوِهِ: (لَمْ يَتَعَيَّنْ) بِالسَّوْقِ مَعَ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ السَّوْقَ لَا يَخْتَصُّ بِالْهَدْيِ وَالنِّيَّةُ وَحْدَهَا ضَعِيفَةٌ، لَا يَحْصُلُ التَّعْيِينُ بِهَا (وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ) مِنْ بَيْعٍ وَأَكْلٍ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ بَلَغَ) الْهَدْيَ الَّذِي سَاقَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْوَاجِبِ (مَحِلَّهُ سَالِمًا فَنَحَرَهُ) فِي مَحِلِّهِ (أَجْزَأَ عَمَّا عَيَّنَهُ عَنْهُ) لِصَلَاحِيَّتِهِ لِذَلِكَ وَعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَإِنْ عَطِبَ) مَا سَاقَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ (دُونَ مَحِلِّهِ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ) مِنْ أَكْلٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ (وَعَلَيْهِ إخْرَاجُ مَا فِي ذِمَّتِهِ) فِي مَحِلِّهِ لِعَدَمِ سُقُوطِهِ.
(وَإِنْ تَعَيَّبَ هُوَ) أَيْ: الْهَدْيُ (أَوْ) تَعَيَّبَتْ (أُضْحِيَّةٌ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ذَبَحَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْهَدْيِ أَوْ الْأُضْحِيَّةِ (وَأَجْزَأَهُ إنْ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِ التَّعْيِينِ) بِأَنْ قَالَ ابْتِدَاءً: هَذَا هَدْيٌ أَوْ أُضْحِيَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ عَنْ شَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ «ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّي بِهِ، فَأَصَابَ الذِّئْبُ مِنْ أَلْيَتِهِ فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَنَا أَنْ نُضَحِّيَ بِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ فَلَمْ يَضْمَنْ تَعَيُّبَهَا وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْإِجْزَاءِ.
(وَإِنْ تَعَيَّبَ) الْهَدْيُ الْمُعَيَّنُ أَوْ الْأُضْحِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ (بِفِعْلِهِ) أَيْ: تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ (فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ) كَالْوَدِيعَةِ يُفَرَّطُ فِيهَا وَ (إنْ كَانَ وَاجِبًا قَبْل التَّعْيِين بِأَنْ) .
وَفِي نُسْخَةٍ " فَإِنْ " لَكِنَّ الْأُولَى أَوْلَى (عَيَّنَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ) كَالْفِدْيَةِ وَالْمَنْذُورِ (فِي الذِّمَّةِ) وَتَعَيَّبَ عِنْدَهُ عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّتِهِ دَمٌ صَحِيحٌ، فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ مَعِيبٌ وَالْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ، كَالدَّيْنِ بِهِ رَهْنٌ، وَيَتْلَفُ لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ.
(وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ) أَيْ: بَدَلُ مَا عَيَّنَهُ عَنْ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِهِ (كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ، وَلَوْ كَانَ) مَا عَيَّنَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ (زَائِدًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ شَاةً فَعَيَّنَ عَنْهَا بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً فَتَعَيَّبَتْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ بَدَلُ الَّتِي عَيَّنَهَا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ فَفِي الْمُغْنِي: لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَجَبَتْ بِتَعْيِينِهِ وَقَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ فَسَقَطَتْ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ هَدْيًا تَطَوُّعًا ثُمَّ تَلِفَ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَكَذَا لَوْ سُرِقَ) مَا عَيَّنَهُ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً ابْتِدَاءً أَوْ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ (أَوْ ضَلَّ وَنَحْوُهُ) كَمَا لَوْ غُصِبَ (وَتَقَدَّمَ) قَرِيبًا.
(وَيُذْبَحُ وَاجِبًا قَبْلَ نَفْلٍ) مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ وَلَعَلَّ
стр. 1050
الْمُرَادَ: اسْتِحْبَابًا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِمَنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا قَبْلَ إخْرَاجِهَا وَلَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ نَحَرَ بَدَلُ مَا عَطِبَ مِنْ أُضْحِيَّةٍ أَوْ هَدْيٍ، أَوْ تَعَيَّبَ، أَوْ ضَلَّ وَنَحْوُهُ (اسْتِرْجَاعُ عَاطِبٍ وَمَعِيبٍ وَضَالٍّ وَجَدَهُ وَنَحْوُهُ) كَمَغْصُوبٍ قَدَرَ عَلَيْهِ (بَعْدَ ذَبْحِ بَدَلِهِ) وَقَوْلُهُ (إلَى مِلْكِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِرْجَاعٍ (بَلْ يَذْبَحُهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا أَهْدَتْ هَدْيَيْنِ فَأَضَلَّتْهُمَا فَبَعَثَ إلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَدْيَيْنِ فَنَحَرَتْهُمَا ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ فَنَحَرَتْهُمَا وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمَا بِإِيجَابِهِمَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِذَبْحِ بَدَلِهِمَا.
(وَإِنْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ) مِنْ دَمِ فِدْيَةٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ نَذْرٍ وَنَحْوِهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ أَرْضَى مَالِكَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً فِي ابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يَصِرْ قُرْبَةً فِي أَثْنَائِهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا لِلْأَكْلِ، ثُمَّ نَوَاهَا لِلتَّقَرُّبِ.
(وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْهَدْيِ) الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (إلَّا بِذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ) فِي وَقْتِهِ وَمَحِلِّهِ، إذْ الْمَقْصُودُ إرَاقَةُ الدَّمِ كَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
(وَيُبَاحُ لِلْفُقَرَاءِ الْأَخْذُ مِنْ الْهَدْيِ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ إلَيْهِمْ بِالْإِذْنِ كَقَوْلِهِ) أَيْ: الْمَالِك (مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ، أَوْ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ) ﷺ «نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ وَقَالَ مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ» وَقَالَ لِسَائِقِ الْبُدْنِ «اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اكْتِفَاءِ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا.
[فَصْلٌ سَوْقُ الْهَدْيِ مِنْ الْحِلِّ مَسْنُونٌ]
(فَصْلٌ سَوْقُ الْهَدْيِ مِنْ الْحِلِّ مَسْنُونٌ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ فَسَاقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِائَةَ بَدَنَةٍ وَكَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إلَى الْحَرَمِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ.
(وَلَا يَجِبُ) سَوْقُ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ (إلَّا بِالنَّذْرِ) لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ (بِعَرَفَةَ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى هَدْيًا إلَّا مَا وَقَفَهُ بِعَرَفَةَ وَلَنَا أَنَّ الْمُرَادَ نَحْرُهُ وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِلَحْمِهِ وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ دَلِيلٌ يُوجِبُهُ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَجْمَعَ فِيهِ) أَيْ: الْهَدْيِ (بَيْنَ
стр. 1051
الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُسَنُّ إشْعَارُ الْبُدْنِ) بِضَمِّ الْبَاءِ جَمْعُ بَدَنَةٍ (فَيَشُقُّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا) بِفَتْحِ السِّينِ (الْيُمْنَى أَوْ) يَشُقُّ (مَحَلَّهُ) أَيْ: السَّنَامِ (مِمَّا لَا سَنَامَ لَهُ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ، حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ وَتُقَلَّدُ هِيَ) أَيْ: الْبُدْنُ.
(وَ) تُقَلَّدُ (بَقَرٌ، وَغَنَمٌ نَعْلًا، أَوْ آذَانَ الْقِرَبِ، أَوْ الْعُرَى) بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عُرْوَةٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ أَيْضًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِبُدْنِهِ، فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا بِيَدِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَا يُقَالُ: إنَّهُ إيلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَجَازَ كَالْكَيِّ وَالْوَسْمِ وَالْحِجَامَةِ وَفَائِدَتُهُ: أَنْ لَا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا، وَأَنْ يَتَوَقَّاهَا اللِّصَّ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ بِمُفْرَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحَلَّ، وَيَذْهَبَ.
(وَلَا يُسَنُّ إشْعَارُ الْغَنَمِ) ؛ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ؛ وَلِأَنَّ صُوفَهَا وَشَعْرَهَا يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعَارِهَا لَوْ أُشْعِرَتْ.
(وَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ) مِنْ (قَبْلِ الْمِيقَاتِ اُسْتُحِبَّ إشْعَارُهُ وَتَقْلِيدُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَإذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ شَاةٌ أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ سُبْعُ بَقَرَةٍ) كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ الْمُطْلَقِ (فَإِنْ ذَبَحَ) مَنْ نَذَرَ هَدْيًا وَأَطْلَقَ (الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ، كَانَتْ كُلُّهَا وَاجِبَةً) لِتَعَيُّنِهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِذَبْحِهَا عَنْهُ.
(وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ إنْ أَطْلَقَ) الْبَدَنَةَ لِمُسَاوَاتِهَا لَهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُطْلِقْ، بَلْ نَوَى مُعَيَّنًا مِنْ الْإِبِلِ (لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ) كَمَا لَوْ نَوَى كَوْنَهَا مِنْ الْبَقَرِ، وَكَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِاللَّفْظِ (فَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا بِنَذْرِهِ) بِأَنْ قَالَ: هَذَا هَدْيٌ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَذَا هَدْيًا وَنَحْوَهُ (أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا مِنْ حَيَوَانٍ) ، وَلَوْ مَعِيبًا وَغَيْرَ حَيَوَانٍ كَدَرَاهِمَ وَعَقَارٍ (وَغَيْرِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يُوجِبْ سِوَى هَذَا، فَأَجْزَأَهُ كَيْفَ كَانَ (وَالْأَفْضَلُ) كَوْنُ الْهَدْيِ (مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) لِفِعْلِهِ ﷺ .
(وَإِنْ قَالَ إنْ لَبِسْت ثَوْبًا مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ، فَلَبِسَهُ أَهْدَاهُ) وُجُوبًا إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ لِوُجُودِ شَرْطِ النَّذْرِ (وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ) أَيْ: الْهَدْيِ مُطْلَقًا (إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا، وَالْمَعْهُودُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ: بِالشَّرْعِ، كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ يَذْبَحُهُ بِالْحَرَمِ فَكَذَا يَكُونُ الْمَنْذُورُ.
(وَيَبِيعُ غَيْرَ الْمَنْقُولِ كَالْعَقَارِ، وَيَبْعَثُ ثَمَنَهُ إلَى الْحَرَمِ)
стр. 1052
لِتَعَذُّرِ إهْدَائِهِ بِعَيْنِهِ، فَانْصَرَفَ إلَى بَدَلِهِ.
يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا قَالَ: تَبِيعُهَا وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ.
وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ (ابْنُ عَقِيلٍ أَوْ يُقَوِّمُهُ) أَيْ: الْعَقَارَ (وَيَبْعَثُ الْقِيمَةَ) إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْقِيمَةُ الَّتِي هِيَ بَدَلُهُ، لَا نَفْسَ الْبَيْعِ (إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ) أَيْ: الْمَنْذُورَ (لِمَوْضِعٍ سِوَى الْحَرَمِ، فَيَلْزَمُهُ ذَبْحُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ (وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ عَلَى مَسَاكِينِهِ) أَيْ: مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (أَوْ إطْلَاقُهُ لَهُمْ) أَيْ: لِمَسَاكِينِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ) الَّذِي عَيَّنَهُ (بِهِ صَنَمٌ أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْكُفْرِ أَوْ الْمَعَاصِي كَبُيُوتِ النَّارِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يُوفِ بِهِ) أَيْ: بِنَذْرِهِ رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَذْبَحَ بِالْأَبْوَاءِ قَالَ: أَبِهَا صَنَمٌ قَالَ: لَا قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِك» .
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ التَّطَوُّعِ، وَيُهْدِي وَيُهْدِي وَيَتَصَدَّقُ أَثْلَاثًا) وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ بُدْنِهِ.
وَقَالَ جَابِرٌ كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا: ثُلُثٌ لَك، وَثُلُثٌ لِأَهْلِك، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ» قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَيْ: الْمَأْكُولُ: الْيَسِيرُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَأَكَلْنَا مِنْهَا، وَحَسَيْنَا مِنْ مَرَقِهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فَاسْتُحِبَّ الْأَكْلُ مِنْهُ (كَالْأُضْحِيَّةِ) وَلَهُ التَّزَوُّدُ وَالْأَكْلُ كَثِيرًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ (فَإِنْ أَكَلَهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةَ هَدْيًا تَطَوُّعًا (كُلَّهَا ضَمِنَ الْمَشْرُوعَ لِلصَّدَقَةِ مِنْهَا كَأُضْحِيَّةٍ) أَكَلَهَا كُلَّهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَيَأْتِي.
(وَإِنْ فَرَّقَ أَجْنَبِيٌّ
стр. 1053
نَذْرًا بِلَا إذْنِ) مَالِكِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) لِوُقُوعِهِ.
(وَلَا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ) مِنْ الْهَدَايَا (وَلَوْ) كَانَ إيجَابُهُ (بِالنَّذْرِ أَوْ بِالتَّعْيِينِ، إلَّا مِنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُمَا غَيْرُ مَحْظُورٍ، فَأَشْبَهَا هَدْيَ التَّطَوُّعِ؛ وَلِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ " تَمَتَّعْنَ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَدْخَلَتْ عَائِشَةُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَصَارَتْ قَارِنَةً ثُمَّ ذَبَحَ عَنْهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ الْبَقَرَ، فَأَكَلْنَ مِنْ لُحُومِهَا " قَالَ أَحْمَدُ قَدْ أَكَلَ مِنْ الْبَقَرِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ خَاصَّةً (وَمَا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ) كَأَكْثَرِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ (فَلَهُ هَدِيَّتُهُ) لِغَيْرِهِ، لِقِيَامِ الْمُهْدَى لَهُ مَقَامَهُ (وَمَا لَا) يَمْلِكُ أَكْلَهُ، كَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ غَيْرِ دَمِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ (فَلَا) يَمْلِكُ هَدِيَّتَهُ، بَلْ يَجِبُ صَرْفُهُ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَكَلَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ أَوْ أَهْدَى مِنْهُ (ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا) ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَى الْجَزَّارَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا (كَبَيْعِهِ وَإِتْلَافِهِ) أَيْ: كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْهَدْيِ أَوْ أَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا، وَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهُ غَنِيًّا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ جَازَ كَالْأُضْحِيَّةِ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: الْمُتْلَفَ مِنْ الْهَدْيِ (أَجْنَبِيٌّ بِقِيمَتِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّ اللَّحْمَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَحْمًا لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ لَا صِنَاعَةَ فِيهِ، يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ، فَهُوَ مِثْلِيٌّ.
(وَفِي الْفُصُولِ: لَوْ مَنَعَهُ الْفُقَرَاءَ حَتَّى أَنْتَنَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) أَيْ: إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ نَفْعٌ وَإِلَّا ضَمِنَ نَقْصَهُ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى.
[فَصْلٌ الْأُضْحِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ إجْمَاعًا]
(فَصْلٌ وَالْأُضْحِيَّةُ) مَشْرُوعَةٌ.
إجْمَاعًا وَسَنَدُهُ: قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ التَّضْحِيَةُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ
стр. 1054
عَلَى صِفَاحِهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهِيَ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمُسْلِمٍ) تَامِّ الْمِلْكِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ» - وَفِي رِوَايَةٍ - الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَعَلَّقَهُ عَلَى الْإِرَادَةِ وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ ذَبِيحَةٌ لَا يَجِبُ تَفْرِيقُ لَحْمُهَا فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالْعَقِيقَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» وَحَدِيثُ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٍ وَعَتِيرَةٌ» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى تَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَحَدِيثِ «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» «وَمَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (وَلَوْ) كَانَ الْمُسْلِمُ (مُكَاتَبًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ التَّبَرُّعِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَإِذَا أَذِنَ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ (وَبِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ (فَلَا) تُسَنُّ لِلْمُكَاتَبِ (لِنُقْصَانِ مِلْكِهِ) .
(وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةُ (لِقَادِرٍ عَلَيْهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ وَمَنْ عَدِمَ مَا يُضَحِّي بِهِ اقْتَرَضَ، وَضَحَّى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْعَقِيقَةِ.
(وَلَيْسَتْ) الْأُضْحِيَّةُ (وَاجِبَةٌ) لِمَا سَبَقَ (إلَّا أَنْ يَنْذِرَهَا) فَتَجِبُ بِالنَّذْرِ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَكَانَتْ) الْأُضْحِيَّةُ (وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ (وَذَبْحُهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (وَلَوْ عَنْ مَيِّتٍ) وَيُفْعَلُ بِهَا كَعَنْ حَيٍّ.
(وَذَبْحُ الْعَقِيقَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا) وَكَذَا الْهَدْيُ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ وَابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءُ، وَلَوْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ لَعَدَلُوا إلَيْهَا وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ إيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا " لَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِخَاتَمِي
стр. 1055
هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُهْدِيَ إلَى الْبَيْتِ أَلْفًا " فَهُوَ فِي الْهَدْيِ لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْهَدْيُ كَالْأُضْحِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ وَغَيْرِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَثَرِ بِأَنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يُعَارِضُ الْمَرْفُوعَ.
(وَلَا يُضَحَّى عَمَّا فِي الْبَطْنِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا، إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ لَكِنْ يُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَدْ يُسَنُّ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِفِعْلِ عُثْمَانَ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرَةِ: الطُّهْرَةُ، وَمَا هُنَا عَلَى الْأَصْلِ.
(وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ) مَا يُضَحِّي بِهِ (فَلَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَامٌّ عَلَى مَا مَلَكَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ.
(وَالسُّنَّةُ: أَكْلُ ثُلُثِهَا وَإِهْدَاءُ ثُلُثِهَا ثُلُثِهَا وَلَوْ لِغَنِيٍّ وَلَا يَجِبَانِ) أَيْ: الْأَكْلُ وَالْإِهْدَاءُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا» ؛ وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ فَلَمْ يَجِبْ الْأَكْلُ مِنْهَا كَالْعَقِيقَةِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ.
(وَيَجُوزُ الْإِهْدَاءُ مِنْهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (لِكَافِرٍ، إنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا) قَالَ أَحْمَدُ نَحْنُ نَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ " يَأْكُلُ هُوَ الثُّلُثُ، وَيُطْعِمُ مَنْ أَرَادَ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ عَلَى الْمَسَاكِينِ " قَالَ عَلْقَمَةُ " بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدْيِهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آكُلَ ثُلُثًا وَأَنْ أُرْسِلَ ثُلُثًا إلَى أَهْلِ أَخِيهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ " فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُعْطِ مِنْهَا الْكَافِرَ شَيْئًا كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ (وَالصَّدَقَةِ بِثُلُثِهَا، وَلَوْ كَانَتْ) الْأُضْحِيَّةُ (مَنْذُورَةً أَوْ مُعَيَّنَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «وَيُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَالِ بِالثُّلُثِ» رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى فِي الْوَظَائِفِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وَالْقَانِعُ: السَّائِلُ، يُقَالُ: قَنَعَ قُنُوعًا إذَا سَأَلَ وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِيك، أَيْ: يَتَعَرَّضُ لَك لِتُطْعِمَهُ، وَلَا يَسْأَلُ فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ وَمُطْلَقُ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَفْضَلِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
(وَ) أَنْ (يُهْدِيَ الْوَسَطَ، وَ) أَنْ (يَأْكُلَ الْأَدْوَنَ)
следующие страницы →