← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَقَوْلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَآيَةِ الِاسْتِرْجَاعِ) ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ لَا آيَةٌ. (وَ) كَآيَةِ (الرُّكُوبِ) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] وَكَذَا آيَةُ النُّزُولِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩] . (وَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ تِلَاوَةٍ وَ) أَنْ (يُقْرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاكِتٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى الْقِرَاءَةِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (وَيُمْنَعُ كَافِرٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ وَلَوْ رُجِيَ إسْلَامُهُ) قِيَاسًا عَلَى الْجُنُبِ وَأَوْلَى (وَلِجُنُبٍ) وَنَحْوِهِ (عُبُورُ مَسْجِدٍ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] وَهُوَ الطَّرِيقُ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: لِحَاجَةٍ فَقَطْ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَمِنْ الْحَاجَةِ: كَوْنُهُ طَرِيقًا قَصِيرًا، لَكِنْ كَرِهَ أَحْمَدُ اتِّخَاذَهُ طَرِيقًا (وَكَذَا حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ فَلَهُمَا عُبُورُهُ كَالْجُنُبِ. (وَإِنْ خَافَتَا) أَيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ (تَلْوِيثَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (حَرُمَ) دُخُولُهُمَا فِيهِ (كَلُبْثِهِمَا فِيهِ) مُطْلَقًا (وَيَأْتِي فِي الْحَيْضِ، وَيُمْنَعُ مِنْ عُبُورِهِ وَاللُّبْثِ فِيهِ لِسَكْرَانَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] . (وَ) يُمْنَعُ مِنْهُ (الْمَجْنُونُ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ السَّكْرَانِ بِالْمَنْعِ (وَيُمْنَعُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَلْوِيثِهِ (وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا) أَيْ: لِلنَّجَاسَةِ الَّتِي تَتَعَدَّى إنْ احْتَاجَ اللُّبْثَ (لِعُذْرٍ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَيَمَّمُ لَهَا لِلْعُذْرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا ضَعِيفٌ (وَيُسَنُّ مَنْعُ الصَّغِيرِ مِنْهُ) نَقَلَ مُهَنَّا يَنْبَغِي أَنْ تُجَنَّبَ الصِّبْيَانُ الْمَسَاجِدَ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ اهـ فَلِهَذَا يُقَالُ (وَيُمْنَعُ مِنْ اللَّعِبِ فِيهِ، إلَّا لِصَلَاةٍ وَقِرَاءَةٍ. وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا) نَصًّا (وَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَافِ، وَيَحْرُمُ عَلَى جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا اللُّبْثُ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَوْ مُصَلَّى عِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ) لِقَوْلِهِ ﷺ -

стр. 142

«وَلْيَعْتَزِلْ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» (لَا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ) فَلَيْسَ مَسْجِدًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَنَائِز لَيْسَتْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ (إلَّا أَنْ يَتَوَضَّئُوا) أَيْ: الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يُخَفِّفُ حَدَثَهُ فَيَزُولُ بَعْضُ مَا يَمْنَعُهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَلِكَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ لِتَخْفِيفِ الْجَنَابَةِ، وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. (فَلَوْ تَعَذَّرَ) الْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (وَاحْتِيجَ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ (جَازَ) لَهُ اللُّبْثُ فِيهِ (مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ نَصًّا) وَاحْتَجَّ بِأَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ. (وَ) اللُّبْثُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّيَمُّمِ (أَوْلَى) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَيَتَيَمَّمُ) الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ (لِأَجْلِ لُبْثِهِ فِيهِ لَغُسْلٍ) إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ عَاجِلًا، قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: وَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْثِ فِيهِ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى بِأَنَّهُ إذَا احْتَاجَ لِلُّبْثِ فِيهِ جَازَ بِلَا تَيَمُّمٍ قَالَ وَالظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ (وَلِمُسْتَحَاضَةٍ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ عُبُورُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَاللُّبْثُ فِيهِ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ) بِالنَّجَاسَةِ، لَحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اعْتَكَفَتْ مَعَهُ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَمَعَ خَوْفِهِ) أَيْ خَوْفِ تَلْوِيثِهِ (يُحَرَّمَانِ) أَيْ الْعُبُورُ وَاللُّبْثُ لِوُجُوبِ صَوْنِ الْمَسْجِدِ عَمَّا يُنَجِّسُهُ (وَلَا يُكْرَهُ لِجُنُبٍ وَنَحْوِهِ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (إزَالَةُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ قَبْلَ غُسْلِهِ) كَالْمُحْدِثِ. [فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ] ِ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ وَفِي صِفَةِ الْغُسْلِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسَنُّ الْغُسْلُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ

стр. 143

عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَوْلِهِ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ مَعْنَاهُ مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا تَقُولُ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى الْحَسَنِ وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ سَمُرَةَ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ. وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ عُثْمَانَ أَتَى الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ غُسْلٍ (لِحَاضِرِهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَوَّلُهُ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يُجْزِئُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَهُ (إنْ صَلَّاهَا) أَيْ: الْجُمُعَةَ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ لِعُمُومِ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ (لِامْرَأَةٍ نَصًّا) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَتَى مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَغْتَسِلَ (عِنْدَ مُضِيِّهِ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الْجُمُعَةِ؛؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ وَأَنْ يَكُونَ (عَنْ جِمَاعٍ) لِلْخَبَرِ الْآتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ (فَإِنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ) حَدَثًا أَصْغَرَ (أَجْزَأَهُ الْغُسْلُ) الْمُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُبْطِلُهُ (وَكَفَاهُ الْوُضُوءُ) لِحَدَثِهِ (وَهُوَ) أَيْ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ (آكَدُ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ آكَدُ الْأَغْسَالِ ثُمَّ بَعْدَهُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ أَيْضًا لِصَلَاةِ (عِيدٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ لِذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَفِيهِمَا ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: الْعِيدِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنْ الْجُمُعَةِ (لِحَاضِرِهَا) أَيْ: الْعِيدِ (إنْ) صَلَّى الْعِيدَ (وَلَوْ) صَلَّى (وَحْدَهُ إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فِيهَا) بِأَنْ صَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ. وَفِي التَّلْخِيصِ: إنْ حَضَرَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، وَمِثْلُهُ الزِّينَةُ وَالطِّيبُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ، بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ

стр. 144

(وَ) يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ (لِ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (مِنْ غُسْلِ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ وَسَأَلَتْ هَلْ عَلَيَّ غُسْلٌ؟ قَالُوا: لَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِ) الْإِفَاقَةِ مِنْ (جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ بِلَا إنْزَالِ مَنِيٍّ) فِيهِمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ، بَلْ أَوْلَى (وَمَعَهُ يَجِبُ) أَيْ إنْ تَيَقَّنَ مَعَهُمَا الْإِنْزَالُ وَجَبَ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ كَالنَّائِمِ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ بَلَّةً لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَرَضٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا أَفَاقَ نَائِمٌ وَنَحْوُهُ وَوَجَدَ بَلَلًا. (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِمُسْتَحَاضَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ) «؛ لِأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ أَمَرَهَا بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اُسْتُحِيضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِإِحْرَامٍ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّ «أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَدُخُولِ مَكَّةَ) وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ لِفِعْلِهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِالْحَرَمِ كَاَلَّذِي بِمِنًى إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَيُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ لِذَلِكَ (وَدُخُولِ حَرَمِهَا) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ (نَصًّا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ (وَوُقُوفٍ بِعَرَفَةَ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا. (وَمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ جِمَارٍ وَطَوَافِ زِيَارَةٍ وَ) طَوَافِ (وَدَاعٍ) ؛ لِأَنَّهَا أَنْسَاكٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ وَيَزْدَحِمُونَ، فَيَعْرَقُونَ، فَيُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاسْتُحِبَّ كَالْجُمُعَةِ (وَيَتَيَمَّمُ لِلْكُلِّ، لِحَاجَةٍ) أَيْ: يَتَيَمَّمُ لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ، إذَا عَدِمَ الْمَاءَ أَوْ تَضَرَّرَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَنَحْوِهِ

стр. 145

مِمَّا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَمَا لَوْ أَرَادَ الْجُنُبُ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا. (وَ) يُسَنُّ التَّيَمُّمُ أَيْضًا (لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْوُضُوءُ) كَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالْأَذَانِ وَرَفْعِ الشَّكِّ وَالْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ (لِعُذْرٍ) يُبِيحُ التَّيَمُّمَ (وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ طَيْبَةَ) وَهِيَ مَدِينَةُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَنَصُّ أَحْمَدَ وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْ: يَغْتَسِلُ لَهَا. (وَلَا لِلْحِجَامَةِ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ، أَشْبَهَ الرُّعَافَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَفِيهِ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَا بِالْحَافِظِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّ أَحَادِيثَهُ مَنَاكِيرُ، وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهَا (وَ) لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ أَيْضًا لِ (الْبُلُوغِ) بِغَيْرِ إنْزَالٍ (وَكُلّ اجْتِمَاعٍ) مُسْتَحَبّ وَلَا لِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ. (وَالْغُسْلُ) إمَّا كَامِلٌ وَإِمَّا مُجْزِئٌ ف (الْكَامِلُ) الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ: (أَنْ يَنْوِيَ) أَيْ: يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا (ثُمَّ يُسَمِّيَ) فَيَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا (ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) كَالْوُضُوءِ، لَكِنْ هُنَا آكَدُ لِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُمَا وَلِفِعْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ «فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَيَكُونُ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (ثُمَّ يَغْسِلَ مَا لَوَّثَهُ مِنْ أَذًى) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «فَيُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ» . وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ نَجِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ أَوْ مُسْتَقْذَرًا طَاهِرًا، كَالْمَنِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ (ثُمَّ يَضْرِبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (ثُمَّ يَتَوَضَّأَ كَامِلًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَعَنْهُ يُؤَخِّرُ غُسْلَ رِجْلَيْهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ (ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، يَرْوِي بِكُلِّ مَرَّةٍ أُصُولَ شَعْرِهِ) لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» وَلِقَوْلِهِ ﷺ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. يُقَالُ: حَثَوْتُ أَحْثُو حَثْوًا، كَغَزَوْتُ، وَحَثَيْتُ أَحْثِي حَثْيًا كَرَمَيْتُ، وَاسْتَحَبَّ الْمُوَفَّقُ أَوْ غَيْرُهُ تَخْلِيلَ أُصُولِ شَعْرِ رَأْسِهِ قَبْلَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى بَقِيَّةِ جَسَدِهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ» وَلِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (ثَلَاثًا) قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ (يَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ) بِشِقِّهِ

стр. 146

(الْأَيْسَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي طُهُورِهِ» (وَيُدَلِّكَ بَدَنَهُ بِيَدَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَى، وَبِهِ يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَغَابِنِهِ وَجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَلَا يَجِبُ إذَا تَيَقَّنَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ (وَيَتَفَقَّدُ أُصُولَ شَعْرِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (وَغَضَارِيفَ أُذُنَيْهِ، وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَإِبِطَيْهِ، وَعُمْقَ سُرَّتِهِ وَحَالِبَيْهِ) . قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْحَالِبَانِ عِرْقَانِ يَكْتَنِفَانِ السُّرَّةَ (وَبَيْنَ أَلْيَتِهِ وَطَيِّ رُكْبَتَيْهِ) لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهَا (وَيَكْفِي الظَّنُّ فِي الْإِسْبَاغِ) أَيْ: فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْيَقِينِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ (ثُمَّ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، وَلَوْ) كَانَ (فِي حَمَّامٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا طِينَ فِيهِ لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» . (وَإِنْ أَخَّرَ غَسْلَ قَدَمَيْهِ فِي وُضُوئِهِ فَغَسَلَهُمَا آخِرَ غُسْلِهِ فَلَا بَأْسَ) لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ (وَتُسَنُّ مُوَالَاةٌ) فِي الْغُسْلِ بَيْنَ غَسْلِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، لِفِعْلِهِ ﷺ (وَلَا تَجِبُ) الْمُوَالَاةُ فِي الْغُسْلِ (كَالتَّرْتِيبِ) ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ) ثُمَّ أَرَادَ غَسْلَهَا مِنْ الْحَدَثَيْنِ (لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِيهَا) وَلَا الْمُوَالَاةُ (لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ، وَإِنْ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ) قَبْلَ إتْمَامِ الْغُسْلِ، بِأَنْ جَفَّ مَا غَسَلَهُ مِنْ بَدَنِهِ بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ وَأَرَادَ أَنْ يُتِمّ غُسْلَهُ (جَدَّدَ لِإِتْمَامِهِ نِيَّةً وُجُوبًا) لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَيَقَعُ غُسْلُ مَا بَقِيَ بِدُونِ نِيَّةٍ. (وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ كَافِرٍ أَسْلَمَ) لِحَدِيثِ «قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (وَ) يُسَنُّ (إزَالَةُ شَعْرِهِ، فَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، إنْ كَانَ رَجُلًا) وَيَأْخُذُ عَانَتَهُ وَإِبْطَيْهِ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ ﷺ لِرَجُلٍ أَسْلَمَ «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ) قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا، وَجَبَ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ. (وَيَخْتَتِنُ) الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ (وُجُوبًا بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَأَنْ لَا يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ (وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَرَوَتْ «أَسْمَاءُ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ فَقَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطَهَّرُ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ. (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا (أَخْذُهَا مِسْكًا، إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْرِمَةً فَتَجْعَلُهُ فِي فَرْجِهَا فِي قُطْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) كَخِرْقَةٍ

стр. 147

(بَعْدَ غُسْلِهَا لَيَقْطَعَ الرَّائِحَةَ) أَيْ: رَائِحَةَ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِأَسْمَاءِ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ: ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطْهُرُ بِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْفِرْصَةُ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) مِسْكًا (فَطِيبًا) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمِسْكِ فِي ذَلِكَ لَا لِمُحْرِمَةٍ فَإِنَّ الطِّيبَ بِأَنْوَاعِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا لِمَا يَأْتِي فِي الْإِحْرَامِ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَطِينًا، وَلَوْ مُحْرِمَةً فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَاءُ) الطَّهُورُ (كَافٍ) لِحُصُولِ الطَّهَارَةِ بِهِ. (وَالْغُسْلُ الْمُجْزِئُ) وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ فَقَطْ (أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ) أَيْ: بِبَدَنِهِ (مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ إنْ وُجِدَ) مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهَا، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْبَشَرَةِ (وَيَنْوِيَ) كَمَا تَقَدَّمَ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (ثُمَّ يُسَمِّيَ) قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ هُنَا كَالْوُضُوءِ، قِيَاسًا لِإِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى. وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّ حُكْمَهَا هُنَا أَخَفُّ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ لَا غَيْرُ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وُضُوءٌ وَزِيَادَةٌ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ وَلِذَلِكَ لَا تَكْفِي نِيَّةُ الْغُسْلِ عَنْهُ (ثُمَّ يَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ) فَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ (حَتَّى فَمَهُ وَأَنْفَهُ) فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي غُسْلٍ (كَوُضُوءٍ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) حَتَّى (ظَاهِرَ شَعْرِهِ وَبَاطِنِهِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مُسْتَرْسِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ قَالَ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (مَعَ نَقْضِهِ) أَيْ: الشَّعْرِ وُجُوبًا (لِغُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ لَا) غُسْلِ (جَنَابَةٍ إذَا رَوَتْ أُصُولَهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَلَا يَكُونُ الْمَشْطُ إلَّا فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ وَلِلْبُخَارِيِّ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَلِابْنِ مَاجَهْ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِتَحَقُّقِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَشَقَّ ذَلِكَ فِيهِ، وَالْحَيْضُ بِخِلَافِهِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ وَالنِّفَاسُ فِي مَعْنَى الْحَيْضِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ «إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ قَالَ لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ

стр. 148

(وَحَتَّى حَشَفَةُ أَقْلَفَ) أَيْ: غَيْرِ مَخْتُونٍ (إنْ أَمْكَنَ تَشْمِيرُهَا) بِأَنْ كَانَ مَفْتُوقًا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (وَ) حَتَّى (مَا تَحْتَ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ، فَيُحَرِّكُهُ) لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ. (وَ) حَتَّى (مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِهَا عِنْدَ قُعُودِهَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (وَلَا) يَجِبُ غَسْلُ (مَا أَمْكَنَ مِنْ دَاخِلِهِ) أَيْ: فَرْجٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَإِمَّا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَعُفِيَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ وَتَقَدَّمَ. (وَ) لَا غُسْلَ (دَاخِلَ عَيْنٍ) بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَوْ أَمِنَ الضَّرَرَ (وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ فَإِنْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَحَلِّ الْحَدَثِ) الْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ (نَجَاسَةٌ) لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءَ إلَى الْبَشَرَةِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ (ارْتَفَعَ الْحَدَثُ قَبْلَ زَوَالِهَا كَالطَّاهِرَاتِ) عَلَى مَحَلّ الْحَدَثِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ وَقَدَّمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَصَحَّحُوهُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا مَعَ آخِرِ غَسْلَةٍ، طَهُرَ عِنْدَهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ فِي النَّظْمِ: هُوَ الْأَقْوَى. [فَصْلٌ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ] فَصْلٌ (وَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمُدٍّ) (وَهُوَ مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ. (وَ) بِالْمَثَاقِيلِ (مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِثْقَالًا وَ) بِالْأَرْطَالِ (رِطْلٌ وَثُلُثُ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) أَيْ: الرَّطْلَ الْعِرَاقِيَّ فِي زِنَتِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ (وَرِطْلٌ وَأُوقِيَّتَانِ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ مِصْرِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ، وَثَلَاثُ أَوَاقٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ دِمَشْقِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ حَلَبِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ بَعْلَبِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَغْتَسِلَ بِصَاعٍ، وَهُوَ) أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ فَهُوَ (سِتُّمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ مِثْقَالًا، وَخَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ بِالْبُرِّ الرَّزِينِ) الْجَيِّدِ وَهُوَ الْمُسَاوِي لِلْعَدَسِ فِي زِنَتِهِ (نَصَّ عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَأَنَّهُ بِالْبُرِّ الرَّزِينِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصَاعٍ وَالْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ سِتَّةَ عَشَرَ

стр. 149

رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ. (وَ) الصَّاعُ (أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ وَتِسْعُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةِ) رِطْلٍ (مِصْرِيٍّ) وَالصَّاعُ (رِطْلٌ وَأُوقِيَّةٌ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةِ) رِطْلٍ (دِمَشْقِيٍّ وَإِحْدَى عَشْرَةَ أُوقِيَّةٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ حَلَبِيَّةٍ وَعَشْرُ أَوَاقٍ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ، وَتِسْعُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ بَعْلِيَّةٍ وَهَذَا) أَيْ: بَيَانُ قَدْرِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ (يَنْفَعُكَ هُنَا) أَيْ: فِي الْمِيَاهِ. (وَفِي) بَابِ (الْفِطْرَةِ وَالْفِدْيَةِ وَالْكَفَّارَةِ) بِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا (وَغَيْرِهَا) كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُدٍّ أَوْ صَاعٍ (فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا) بِأَنْ تَوَضَّأَ بِدُونِ مُدٍّ أَوْ اغْتَسَلَ بِدُونِ صَاعٍ (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغُسْلِ وَقَدْ فَعَلَهُ (وَلَمْ يُكْرَهْ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إنَاءٍ قَدْرَ ثُلُثَيْ الْمُدِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَمَنْطُوقُ هَذَا: مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ «يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ الْمُدُّ وَفِي الْغُسْلِ الصَّاعُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ. (وَالْإِسْبَاغُ) فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: (تَعْمِيمُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ، بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَسْحًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ، وَالْمَسْحُ لَيْسَ غَسْلًا (فَإِنْ مَسَحَهُ) أَيْ: الْعُضْوَ بِالْمَاءِ (أَوْ أَمَرَّ الثَّلْجَ عَلَيْهِ لَمْ تَحْصُلْ الطَّهَارَةُ بِهِ وَإِنْ ابْتَلَّ بِهِ) أَيْ: الثَّلْجِ (الْعُضْوُ) الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَسْحٌ لَا غَسْلٌ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الثَّلْجُ (خَفِيفًا فَيَذُوبَ، وَيَجْرِيَ عَلَى الْعُضْوِ) فَيُجْزِئَ، لِحُصُولِ الْغَسْلِ الْمَطْلُوبِ. (وَيُكْرَهُ الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ وَلَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى سَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَإِذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ الْحَدَثَيْنِ) أَجْزَأَ عَنْهُمَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْجُنُبَ بِالتَّطْهِيرِ، وَلَمْ يَأْمُرْ مَعَهُ بِوُضُوءٍ؛ وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ، فَتَدَاخَلَتَا فِي الْفِعْلِ، كَمَا تَدْخُلُ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ، وَظَاهِرُهُ كَالشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا يَسْقُطُ مَسْحُ الرَّأْسِ، اكْتِفَاءً عَنْهُ بِغُسْلِهَا وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَتَدَاخَلَانِ إنْ أَتَى بِخَصَائِصِ الصُّغْرَى كَالتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ

стр. 150

وَالْمَسْحِ (أَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْأَكْبَرِ وَلَا بِالْأَصْغَرِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا لِشُمُولِ الْحَدَثِ لَهُمَا (أَوْ) نَوَى (اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ) نَوَى (أَمْرًا لَا يُبَاحُ إلَّا بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ كَمَسِّ مُصْحَفٍ) وَطَوَافٍ (أَجْزَأَ عَنْهُمَا) لِاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ رَفْعَهُمَا (وَسَقَطَ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ) لِدُخُولِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ فَصَارَ الْحُكْمُ لِلْغُسْلِ كَالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ. (وَإِنْ نَوَى) مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ بِالْغُسْلِ اسْتِبَاحَةَ (قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ارْتَفَعَ الْأَكْبَرُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ لَا عَلَى رَفْعِ الْأَصْغَرِ (وَإِنْ نَوَى) الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ: نَوَى رَفْعَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ: الْأَكْبَرِ، أَوْ الْأَصْغَرِ (لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَقَالَ الْأَزَجِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا نَوَى الْأَكْبَرَ ارْتَفَعَ. (وَمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ غُسْلِهِ) يَعْنِي أَوْ فِي أَوَّلِهِ (كُرِهَ لَهُ إعَادَتُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (إلَّا أَنْ يَنْتَقِضَ وُضُوءُهُ بِمَسِّ فَرْجِهِ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَسِّ امْرَأَةٍ لِشَهْوَةٍ أَوْ بِخُرُوجِ خَارِجٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَتُسْتَحَبُّ لِنَحْوِ قِرَاءَةٍ وَأَذَانٍ، لِوُجُودِ سَبَبِهِ. (وَإِنْ نَوَتْ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا) أَوْ نِفَاسُهَا (بِغُسْلِهَا حِلَّ الْوَطْءِ صَحَّ) غُسْلُهَا، وَارْتَفَعَ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ؛ لِأَنَّ حِلَّ وَطْئِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا نَوَتْ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ الْوَطْءُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَطْءِ وَحِلِّهِ. (وَيُسَنُّ لِكُلِّ جُنُبٍ وَلَوْ امْرَأَةٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ) قُلْتُ: وَكَافِرٍ أَسْلَمَ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ (إذَا أَرَادُوا النَّوْمَ أَوْ الْأَكْلَ أَوْ الشُّرْبَ أَوْ الْوَطْءَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَذَى (وَيَتَوَضَّأُ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ بِالنَّوْمِ، فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، «أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» . وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ فَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «: إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَ فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ (لَكِنَّ الْغُسْلَ لِ) مُعَاوَدَةِ (الْوَطْءِ أَفْضَلُ) مِنْ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ أَنْشَطُ (وَيَأْتِي فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَلَا يَضُرُّ نَقْضُهُ) .

стр. 151

أَيْ: الْوُضُوءِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: إذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ لِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فَلَا تُسَنُّ لَهُ إعَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّخْفِيفُ أَوْ النَّشَاطُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، يَتَوَضَّأُ لِمَبِيتِهِ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ (وَيُكْرَهُ) لِلْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (تَرْكُهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ (لِنَوْمٍ فَقَطْ) لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ لِأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ) كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءَ شَيْئًا (مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ) وَتَقَدَّمَ (وَلَا أَنْ يَخْتَضِبَ قَبْلَ الْغُسْلِ نَصًّا) . [فَصْلٌ أَحْكَام الْحَمَّام وَآدَاب دُخُولِهِ] فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَمَّامِ وَآدَابِ دُخُولِهِ، وَأَجْوَدُ الْحَمَّامَاتِ: مَا كَانَ شَاهِقًا عَذْبَ الْمَاءِ مُعْتَدِلَ الْحَرَارَةِ، مُعْتَدِلَ الْبُيُوتِ قَدِيمَ الْبِنَاءِ (بِنَاءُ الْحَمَّامِ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِجَارَتُهُ) مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا وَدُخُولِ النِّسَاءِ إلَيْهِ (وَكَسْبُهُ وَكَسْبُ الْبَلَّانِ وَالْمُزَيِّنِ مَكْرُوهٌ) . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَحَمَّامِيَّةُ النِّسَاءِ أَشَدُّ كَرَاهَةً (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ) وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ لَا تُجَازُ شَهَادَةُ مَنْ بَنَاهُ لِلنِّسَاءِ، وَحَرَّمَهُ الْقَاضِي وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى غَيْرِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ. (وَلِلرَّجُلِ دُخُولُهُ إذَا أَمِنَ وُقُوعَ مُحَرَّمٍ بِأَنْ يَسْلَمَ مِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ) وَمَسِّهَا (وَ) يَسْلَمَ مِنْ (نَظَرِهِمْ إلَى عَوْرَتِهِ) وَمَسِّهَا. لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامًا كَانَ بِالْجُحْفَةِ وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَيْضًا (فَإِنْ خَافَهُ) أَيْ: الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ (كُرِهَ) دُخُولُهُ (وَإِنْ عَلِمَهُ) أَيْ: الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ (حَرُمَ) دُخُولُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ ذُكُورِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ وَمَنْ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَدْخُلْ الْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ أَحْمَدُ إنْ عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ عَلَيْهِ إزَارٌ فَادْخُلْهُ، وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلْ (وَلِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ) أَيْ: الْحَمَّامِ (بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ) بِأَنْ تَسْلَمَ مِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَمَسِّهَا وَمِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَتِهَا وَمَسِّهَا (وَبِوُجُودِ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ إلَى الْغُسْلِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ،

стр. 152

فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إلَّا بِالْأُزُرِ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» . وَقَوْلُهُ (وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِي بَيْتِهَا لِخَوْفِهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ نُزُولِهِ) قَالَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لَا يُعْتَبَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ (حَرُمَ) عَلَيْهَا دُخُولُهُ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرَيْنِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اعْتَادَتْ الْحَمَّامَ وَشَقَّ عَلَيْهَا تَرْكُ دُخُولِهِ إلَّا لِعُذْرٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ (وَلَا) يَحْرُمُ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ (فِي حَمَّامِ دَارِهَا) حَيْثُ لَمْ يُرَ مِنْ عَوْرَتِهَا مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَبَاقِي دَارِهَا (وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَالْمُغْتَسَلِ وَنَحْوِهِمَا) ؛ لِأَنَّهَا لِمَا خَبُثَ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِمَنْ دَخَلَهُ أَنْ يَقُولَ: يَا بَرُّ يَا رَحِيمُ مُنَّ وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ (وَالْأَوْلَى فِي الْحَمَّامِ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ وَإِبْطَيْهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَيَلْزَمَ الْحَائِطَ) خَوْفَ السُّقُوطِ (وَيَقْصِدَ مَوْضِعًا خَالِيًا) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ. (وَلَا يَدْخُلَ الْبَيْتَ الْحَارَّ حَتَّى يَعْرَقَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ أَجْوَدُ طِبًّا (وَيُقَلِّلَ الِالْتِفَاتَ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّيَاطِينِ، فَتَعْبَثُ بِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِرُؤْيَةِ عَوْرَةٍ (وَلَا يُطِيلَ الْمَقَامَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْبَدَنِ (وَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ) (فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الصُّدَاعَ، وَلَا يُكْرَهُ دُخُولُهُ قُرْبَ الْغُرُوبِ، وَلَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) لِعَدَمِ النَّهْيِ الْخَاصِّ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ (وَيَحْرُمُ أَنْ يَغْتَسِلَ عُرْيَانًا بَيْنَ النَّاسِ) فِي حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ «احْفَظْ عَوْرَتَكَ» إلَى آخِرِهِ. وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ سَتَرَهُ إنْسَانٌ بِثَوْبٍ) فَلَا بَأْسَ (أَوْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا خَالِيًا) عَنْ النَّاسِ (فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّ مُوسَى ﵇ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَيُّوبَ ﵇ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (وَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ) . وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ: يُكْرَهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ نُصُوصِهِ قَالَ فِي الْآدَابِ: يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْمُسْتَحَمِّ وَدُخُولُ الْمَاءِ بِلَا مِئْزَرٍ لِقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَقَدْ دَخَلَا الْمَاءَ وَعَلَيْهِمَا بُرْدٌ: إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا (وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ) أَيْ: الْحَمَّامِ (وَلَوْ خَفَضَ صَوْتَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّكَشُّفِ وَيُفْعَلُ فِيهِ

стр. 153

مَا لَا يَحْسُنُ فِي غَيْرِهِ فَاسْتُحِبَّ صِيَانَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْكَرَاهَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ (وَكَذَا) يُكْرَهُ (السَّلَامُ) فِي الْحَمَّامِ، قَالَ فِي الْآدَابِ: وَكَذَلِكَ لَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسَلِّمٍ. وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: الْأَوْلَى جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَ (لَا) يُكْرَهُ (الذِّكْرُ) فِي الْحَمَّامِ، لِمَا رَوَى النَّخَعِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَسَطْحُهُ وَنَحْوُهُ) مِنْ كُلِّ مَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (كَبَقِيَّتِهِ) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ. [بَابُ التَّيَمُّمِ] (بَابُ التَّيَمُّمِ) (وَهُوَ) لُغَةً الْقَصْدُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يُقَالُ: يَمَّمْتُ فُلَانًا وَتَيَمَّمْتُهُ وَأَمَمْتُهُ إذَا قَصَدْتُهُ وَمِنْهُ ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا مُبْتَغِيهِ ... أَمْ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ مُبْتَغِينِي وَشَرْعًا (مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِتُرَابٍ طَهُورٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي تَفْصِيلُهُ. وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ طَهُورًا لِغَيْرِهَا، تَوْسِعَةً عَلَيْهَا وَإِحْسَانًا إلَيْهَا، وَالتَّيَمُّمُ (بَدَلٌ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ) . ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهَا، يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهَذَا شَأْنُ الْبَدَلِ (وَيَجُوزُ) التَّيَمُّمُ (حَضَرًا وَسَفَرًا، وَلَوْ) كَانَ السَّفَرُ (غَيْرَ مُبَاحٍ أَوْ) كَانَ (قَصِيرًا)

стр. 154

دُونَ الْمَسَافَةِ (؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ) عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ. (قَالَ الْقَاضِي لَوْ خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ تُقَارِبُ الْبُنْيَانَ وَالْمَنَازِلَ، وَلَوْ بِخَمْسِينَ خُطْوَةٍ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ) أَيْ: بِشَرْطِهِ (وَ) جَازَ لَهُ (الصَّلَاةُ) النَّافِلَةُ (عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ عُرْفًا (وَيَجُوزُ) وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ: وَهُوَ مَشْرُوعٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ التَّطَهُّرُ بِالْمَاءِ، وَيُسَنُّ حَيْثُ يُسَنُّ ذَلِكَ فَيُشْرَعُ (لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ) أَيْ: بِطَهَارَتِهِ (عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعَدَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا (شَرْعًا مِنْ) بَيَانٍ لِمَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ (صَلَاةِ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (وَطَوَافِ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ) . وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ (وَوَطْءِ حَائِضٍ انْقَطَعَ دَمُهَا) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْوَاطِئِ جِرَاحٌ أَوْ لَمْ يُصَلِّ بِهِ ابْتِدَاءً (وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ) إذَا تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ عَاجِلًا، وَأَرَادَ اللُّبْثَ لِلْغُسْلِ فِيهِ (سِوَى جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا فِي مَسْأَلَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) وَهِيَ: مَا إذَا تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ وَاحْتَاجُوا لِلُّبْثِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا تَيَمُّمٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ بِهِ أَوْلَى. (وَ) سِوَى (نَجَاسَةٍ عَلَى غَيْرِ بَدَنٍ) وَهِيَ النَّجَاسَةُ عَلَى الثَّوْبِ وَفِي الْبُقْعَةِ، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهُمَا، بِخِلَافِ نَجَاسَةِ الْبَدَنِ وَتَأْتِي (وَلَا يُكْرَهُ الْوَطْءُ لِعَادِمِ الْمَاءِ) وَلَوْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ، إذْ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إلَّا لِدَلِيلٍ (وَالتَّيَمُّمُ مُبِيحٌ) لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا. وَ (لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: «فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَوْ رَفَعَ الْحَدَثَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ (وَلَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ. (إلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: دُخُولُ وَقْتِ مَا يُتَيَمَّمُ لَهُ، فَلَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِفَرْضٍ وَلَا لِنَفْلٍ مُعَيَّنٍ، كَسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ وَنَحْوِهَا) كَوِتْرٍ (قَبْلَ وَقْتِهِمَا نَصًّا) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «جُعِلَتْ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِي وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْوُضُوءُ إنَّمَا جَازَ قَبْلَ الْوَقْتِ، لِكَوْنِهِ رَافِعًا لِلْحَدَثِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورَةً فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ. (وَلَا) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِنَفْلٍ فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتًا لَهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِرَكْعَتَيْ فَجْرٍ بَعْدَهُ، وَلِرَكْعَتَيْ طَوَافٍ كُلَّ وَقْتٍ لِإِبَاحَتِهِمَا إذَنْ (وَيَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِفَائِتَةٍ إذَا ذَكَرَهَا وَأَرَادَ فِعْلَهَا) لِصِحَّةِ فِعْلِهَا كُلَّ وَقْتٍ لَا قَبْلَهُ. (و) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِكُسُوفٍ عِنْدَ وُجُودِهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ، وَإِلَّا فَإِذَا خَرَجَ. (وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِاسْتِسْقَاءٍ إذَا اجْتَمَعُوا) لِصَلَاتِهِ (وَ) لِصَلَاةِ

стр. 155

(جِنَازَةٍ إذَا غُسِّلَ الْمَيِّتُ) أَيْ: تَمَّ تَغْسِيلُهُ، كَمَا فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ يُمِّمَ لِعُذْرٍ) وَيُعَايَى بِهَا، فَيُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَتَيَمَّمَ غَيْرُهُ؟ (وَلِعِيدٍ إذَا دَخَلَ وَقْتُهُ، وَلِمَنْذُورَةٍ) مُطْلَقَةٍ (كُلَّ وَقْتٍ) فَإِنْ كَانَتْ مَنْذُورَةً بِمُعَيَّنٍ اُعْتُبِرَ دُخُولُهُ، كَالْمَفْرُوضَةِ. (وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِنَفْلٍ عِنْدَ جَوَازِ فِعْلِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُهُ. (الشَّرْطُ الثَّانِي الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاجِزِ يَجِدُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ (فَيَصِحُّ) التَّيَمُّمُ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ (لِعَدَمِهِ) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا، مُبَاحًا أَوْ غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وَيُتَصَوَّرُ عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ (بِحَبْسٍ) لِلْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ، أَوْ حَبْسٍ لِلْمَاءِ عَنْ الْمُتَيَمِّمِ، بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْحَبْسِ، كَقَطْعِ عَدُوٍّ مَاءَ بَلَدِهِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّفَرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعَدَمِ غَالِبًا. (وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِعَجْزِ مَرِيضٍ عَنْ الْحَرَكَةِ) (وَعَمَّنْ يُوَضِّئُهُ إذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ إنْ انْتَظَرَ مَنْ يُوَضِّئُهُ) (وَ) عَجْزِهِ (عَنْ الِاغْتِرَافِ وَلَوْ بِفَمِهِ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَادِمِ لِلْمَاءِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى اغْتِرَافِ الْمَاءِ بِفَمِهِ، أَوْ عَلَى غَمْسِ أَعْضَائِهِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِاسْتِعْمَالِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (فِي بَدَنِهِ مِنْ جُرْحٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَكَمَا لَوْ خَافَ مِنْ عَطَشٍ أَوْ سَبُعٍ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَزِمَهُ كَالصَّحِيحِ (أَوْ) مِنْ (بَرْدٍ شَدِيدٍ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ قُلْتُ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]

стр. 156

فَضَحِكَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَلَوْ) كَانَ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْبَرْدِ (حَضَرًا) فَيَتَيَمَّمُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ كَالسَّفَرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِخَوْفِهِ الضَّرَرَ أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ (يَخَافَ مِنْهُ نَزْلَةً أَوْ مَرَضًا وَنَحْوَهُ) كَزِيَادَةِ الْمَرَضِ، أَوْ تَطَاوُلِهِ، فَيَتَيَمَّمُ (بَعْدَ غَسْلِ مَا يُمْكِنُهُ) غَسْلُهُ بِلَا ضَرَرٍ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَا لَا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ وَيَتَيَمَّمُ لِمَا سِوَاهُ مُرَاعِيًا لِلتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَمَا يَأْتِي. (وَ) إنَّمَا يَتَيَمَّمُ لِلْبَرْدِ إذَا (تَعَذَّرَ تَسْخِينُهُ) أَيْ: الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَغَيْرُهُ مَتَى أَمْكَنَهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ كَأَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا، كُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِخَوْفِ بَقَاءِ شَيْنٍ) أَيْ: فَاحِشٍ فِي بَدَنِهِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَهُنَا أَوْلَى. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِ (مَرَضٍ يُخْشَى زِيَادَتُهُ أَوْ تَطَاوُلُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَمَنْ بِهِ صُدَاعٌ أَوْ حُمَّى حَارَّةٌ أَوْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْحَارِّ بِلَا ضَرَرٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ. (وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِ) خَوْفِ (فَوَاتِ مَطْلُوبِهِ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، كَعَدُوٍّ خَرَجَ فِي طَلَبِهِ أَوْ آبِقٍ أَوْ شَارِدٍ يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ؛ لِأَنَّ فِي فَوْتِهِ ضَرَرًا وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِ (عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ) كَانَ الْعَطَشُ (مُتَوَقَّعًا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ وَمَعَهُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَخَافُ أَنْ يَعْطَشَ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْتَسِلُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ، بَلْ أَوْلَى (أَوْ) يَخَافُ الْعَطَشَ عَلَى (رَفِيقِهِ الْمُحْتَرَمِ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَأَى غَرِيقًا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا، فَيَتْرُكُهَا، وَيَخْرُجُ لِإِنْقَاذِهِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. قَالَ أَحْمَدُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ تَيَمَّمُوا وَحَبَسُوا الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ (وَلَا فَرْق) فِي الرَّفِيقِ الْمُحْتَرَمِ (بَيْنَ الْمُزَامِلِ لَهُ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ) لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُرَافَقَةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: مَنْ مَعَهُ الْمَاءُ (بَذْلُهُ لَهُ) أَيْ: لِعَطْشَانَ يَخْشَى تَلَفَهُ. وَفِي حَبْسِ الْمَاءِ لِعَطَشِ الْغَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ رِوَايَتَانِ، اخْتَارَ الشَّرِيفُ وَابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبَهُ وَصَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ الْوُجُوبُ، وَهُوَ

стр. 157

ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ ضَعِيفٌ جِدًّا فِيمَا يَظْهَرُ وَ (لَا) يَلْزَمُ بَذْلُ الْمَاءِ (لِطَهَارَةِ غَيْرِهِ بِحَالٍ) سَوَاءٌ كَانَ يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ لَا، طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ أَوْ لَا، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ لَا يَلْزَمُ بَذْلُهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: الْمُحْتَرَمِ: الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُرْتَدُّ وَالْحَرْبِيُّ فَلَا يَلْزَمُ بَذْلُهُ لَهُ إذَا عَطِشَ وَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ (أَوْ) عَطَشٍ يَخَافُهُ (عَلَى بَهِيمَتِهِ أَوْ بَهِيمَةِ غَيْرِهِ الْمُحْتَرَمَيْنِ) ؛ لِأَنَّ لِلرُّوحِ حُرْمَةً، وَسَقْيَهَا وَاجِبٌ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ كَلْبُ الصَّيْدِ وَخَرَجَ عَنْهُ الْعَقُورُ وَالْخِنْزِيرُ وَنَحْوُهُ؛ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ. (قَالَ) أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (بْنُ الْجَوْزِيِّ: إنْ احْتَاجَ الْمَاءَ لِلْعَجْنِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِمَا تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ) أَيْ: الْمَاءَ لِذَلِكَ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ. (وَإِذَا وَجَدَ الْخَائِفُ مِنْ الْعَطَشِ مَاءً طَاهِرًا أَوْ مَاءً نَجِسًا) وَكَانَ (يَكْفِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِشُرْبِهِ حَبَسَ الطَّاهِرَ) لِشُرْبِهِ (وَأَرَاقَ النَّجِسَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْ شُرْبِهِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ، لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ (فَإِنْ خَافَ حَبَسَهُمَا) لِلْحَاجَةِ وَكَمَا لَوْ انْفَرَدَ النَّجِسُ. (وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَاءِ) وَبَقِيَ مَاؤُهُ (يَمَّمَهُ رَفِيقَهُ الْعَطْشَانَ) كَمَا يَتَيَمَّمُ لَوْ كَانَ حَيًّا لِذَلِكَ (وَيَغْرَمُ) الْعَطْشَانُ (ثَمَنَهُ) أَيْ: قِيمَةَ الْمَاءَ (فِي مَكَانِهِ) أَيْ: مَكَانِ إتْلَافِهِ (وَقْتَ إتْلَافِهِ لِوَرَثَتِهِ) لِانْتِقَالِهِ إلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَإِنَّمَا غَرِمَهُ بِثَمَنِهِ بِقِيمَتِهِ مَعَ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْوَرَثَةِ، إذْ الْمَاءُ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْحَضَرِ غَالِبًا، وَلَوْ كَانَتْ فَشَيْءٌ تَافِهٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي السَّفَرِ وَظَاهِرُ النِّهَايَةِ: إنْ غَرِمَهُ فِي مَكَانِهِ أَيْ: التَّلَفِ فَبِمِثْلِهِ (وَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَجْمَعَ الْمَاءَ) الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ (وَيَشْرَبَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ) أَيْ: تَعَافُ شُرْبَهُ. (وَمَنْ خَافَ فَوْتَ رُفْقَتِهِ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِفَوْتِ الرُّفْقَةِ؛ لِفَوْتِ الْإِلْفِ وَالْأُنْسِ. (وَكَذَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (خَوْفًا مُحَقَّقًا، لَا جُبْنًا) وَهُوَ الْخَوْفُ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَالْخَوْفُ الْمُحَقَّقُ (كَأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ) أَيْ: حَيَوَانٌ مُفْتَرِسٌ (أَوْ حَرِيقٌ أَوْ لِصٌّ وَنَحْوُهُ) سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (أَوْ خَافَ) بِطَلَبِ الْمَاءِ (غَرِيمًا يُلَازِمُهُ وَيَعْجَزُ عَنْ أَدَائِهِ) فَلَهُ التَّيَمُّمُ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى وَفَائِهِ حَالَ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِإِثْمِهِ بِالتَّأْخِيرِ إذَنْ. (أَوْ خَافَتْ امْرَأَةٌ) بِطَلَبِ الْمَاءِ (فُسَّاقًا) يَفْجُرُونَ بِهَا، فَتَتَيَمَّمُ، (بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ فِي طَلَبِهِ) إذَنْ؛؛ لِأَنَّهَا تُعَرِّضُ نَفْسَهَا لِلْفَسَادِ، وَمِثْلُهَا الْأَمْرَدُ. (وَلَوْ كَانَ خَوْفُهُ بِسَبَبِ ظَنِّهِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ، مِثْلَ مَنْ رَأَى سَوَادًا بِاللَّيْلِ ظَنَّهُ عَدُوًّا،

стр. 158

فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ) لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنَّهَا نَادِرَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهِيَ بِذَلِكَ أَنْدَرُ (يَلْزَمُهُ) أَيْ: عَادِمَ الْمَاءِ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ (شِرَاءُ الْمَاءِ) الَّذِي يَحْتَاجُهُ لَهَا (بِثَمَنِ مِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَوْ مِثْلِهَا) أَيْ: مِثْلِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ (غَالِبًا) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سُتْرَةِ عَوْرَتِهِ لِلصَّلَاةِ فَكَذَا هُنَا. (وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا شِرَاؤُهُ بِ (زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) عُرْفًا؛ لِأَنَّ ضَرَرَهَا يَسِيرٌ وَقَدْ اُغْتُفِرَ الْيَسِيرُ فِي النَّفْسِ (كَضَرَرٍ يَسِيرٍ فِي بَدَنِهِ مِنْ صُدَاعٍ أَوْ بَرْدٍ) فَهُنَا أَوْلَى وَ (لَا) يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ (بِثَمَنٍ يَعْجَزُ عَنْهُ) وَيَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الثَّمَنِ يُبِيحُ الِانْتِقَالَ إلَى الْبَدَلِ، كَالْعَجْزِ عَنْ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِثَمَنٍ (يَحْتَاجُهُ لِنَفَقَةٍ وَنَحْوِهَا) كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَمُؤْنَةِ سَفَرِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ مِنْ مُؤْنَةٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِهَا (وَحَبْلٍ وَدَلْوٍ كَمَا) يَلْزَمُ شِرَاؤُهُمَا بِثَمَنِ مَالٍ أَوْ أَزْيَدَ يَسِيرًا، إذَا احْتَاجَ إلَيْهِمَا. وَ (يَلْزَمُهُ طَلَبُهُمَا) أَيْ: الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ، أَيْ: اسْتَعَارَتُهُمَا لِيُحَصِّلَ بِهِمَا الْمَاءَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (وَ) يَلْزَمُهُ (قَبُولُهُمَا) أَيْ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ (عَارِيَّةً) لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ يَسِيرَةٌ. (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى) اسْتِخْرَاجِ (مَاءِ بِئْرٍ بِثَوْبِهِ، يَبُلُّهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ لَزِمَهُ) ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَاءِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ حَبْلًا وَدَلْوًا (إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ) الَّذِي يَسْتَخْرِجُهُ فِي مَكَانِهِ فَإِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، كَشِرَائِهِ (وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَاءِ قَرْضًا وَكَذَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ) قَرْضًا (وَلَهُ مَا يُوَفِّيهِ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ يَسِيرَةٌ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ (اقْتِرَاضُ ثَمَنِهِ) أَيْ الْمَاءِ لِلْمِنَّةِ (وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَاءِ) إذَا بُذِلَ لَهُ (هِبَةً) لِسُهُولَةِ الْمِنَّةِ فِيهِ لِعَدَمِ تَمَوُّلِهِ عَادَةً. وَ (لَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ) هِبَةً لِلْمِنَّةِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (شِرَاؤُهُ) أَيْ الْمَاءِ (بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ) وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَرُبَّمَا تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَكَالْهَدْيِ وَقَالَ الْقَاضِي يَلْزَمُهُ كَالرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ بِخِلَافِ الْمُكَفِّرِ. (فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا وَنَحْوِهِ) بِأَنْ كَانَ بِهِ قُرْحٌ (وَتَضَرَّرَ) بِغَسْلِهِ وَمَسْحِهِ بِالْمَاءِ (تَيَمَّمَ لَهُ) أَيْ لِلْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا (لِمَا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ مِمَّا قَرُبَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ. (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ضَبْطِهِ) أَيْ: ضَبْطِ الْجَرِيحِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ (لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ إنْ قَدَرَ) عَلَى الِاسْتِنَابَةِ، بِأَنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ وَأُجْرَتَهُ إنْ طَلَبَهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ (كَفَاهُ التَّيَمُّمُ) فَيُصَلِّي بِهِ وَلَا إعَادَةَ

стр. 159

(فَإِنْ أَمْكَنَ مَسْحُهُ) أَيْ: الْجُرْحِ وَنَحْوِهِ (بِالْمَاءِ وَجَبَ) الْمَسْحُ (وَأَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْمَسْحُ بَعْضُهُ فَوَجَبَ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ نَجِسًا، فَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَمْسَحُ ثُمَّ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا أُلْغِيَتْ، وَاكْتَفَى بِنِيَّةِ الْحَدَثِ، وَإِلَّا نَوَى الْحَدَثَ وَالنَّجَاسَةَ إنْ شُرِطَتْ فِيهَا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَزِمَهُ مُرَاعَاةُ تَرْتِيبٍ، وَمُوَالَاةٍ فِي وُضُوءٍ لَا غُسْلٍ فَيَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ: لِلْجُرْحِ (عِنْدَ غُسْلِهِ، لَوْ كَانَ صَحِيحًا) ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يُعْطَى حُكْمَ مُبْدَلِهِ (فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي الْوَجْهِ قَدْ اسْتَوْعَبَهُ) وَأَرَادَ الْوُضُوءَ (لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ أَوَّلًا) لِقِيَامِهِ مَقَامَ غَسْلِ الْوَجْهِ (ثُمَّ يُتَمِّمُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (فِي بَعْضِ الْوَجْهِ خُيِّرَ بَيْنَ غَسْلِ الصَّحِيحِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْوَجْهِ. (ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ) أَوَّلًا (ثُمَّ يَغْسِلُ صَحِيحَ وَجْهِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ الْوَاحِدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَرْتِيبٌ (ثُمَّ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي عُضْوٍ آخَرَ) غَيْرِ الْوَجْهِ (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا قَبْلَهُ) مُرَتَّبًا (ثُمَّ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ) أَيْ: الْجَرِيحِ (عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ) فَإِنْ اسْتَوْعَبَهُ عبه الْجُرْحُ تَيَمَّمَ بَعْدَ غَسْلِ مَا قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ خُيِّرَ بَعْدَ غَسْلِهِ قَبْلَهُ بَيْنَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ ثُمَّ، يَغْسِلَ الْبَاقِيَ، أَوْ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ. (وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ احْتَاجَ فِي كُلِّ عُضْوٍ إلَى تَيَمُّمٍ فِي مَحَلِّ غُسْلِهِ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ) وَلَوْ غَسَلَ صَحِيحَ وَجْهِهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ لِجَرِيحِهِ وَجَرِيحِ يَدَيْهِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، فَيَفُوتُ التَّرْتِيبُ، لَا يُقَالُ: يَبْطُلُ هَذَا بِالتَّيَمُّمِ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ حَيْثُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ جُمْلَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَهَا وَإِنْ كَانَ عَنْ بَعْضِهَا نَابَ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ التَّرْتِيبِ. (وَيَبْطُلُ وُضُوءُهُ وَتَيَمُّمُهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) فَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ فِي رِجْلِهِ فَتَيَمَّمَ لَهُ عِنْدَ غَسْلِهَا، ثُمَّ بَعْدَ زَمَنٍ لَا تُمْكِنُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَبَطَلَتْ طَهَارَتُهُ بِالْمَاءِ أَيْضًا؛ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ فَيُعِيدُ غَسْلَ الصَّحِيحِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ عَقِبَهُ (وَلَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِالْمَاءِ إنْ كَانَ غُسْلًا لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِهَا) كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (بِخُرُوجِهِ) أَيْ: الْوَقْتِ (بَلْ) يَبْطُلُ (التَّيَمُّمُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. (وَإِنْ وَجَدَ مَا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ جُنُبًا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ

стр. 160

لِلْبَاقِي) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الشَّرْطِ، فَلَزِمَهُ كَالسُّتْرَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَيَمَّمَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فَاعْتُبِرَ اسْتِعْمَالُهُ أَوَّلًا؛ لِيَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمَاءِ وَلِيَتَمَيَّزَ الْمَغْسُولُ عَنْ غَيْرِهِ لِيُعْلَمَ مَا يُتَيَمَّمُ لَهُ وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَهُورًا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا. (وَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ لِلتَّيَمُّمِ اسْتَعْمَلَهُ وَصَلَّى) قُلْتُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ عَلَى مَا يَأْتِي وَظَاهِرُهُ: وَلَا إعَادَةَ وَفِي الرِّعَايَةِ: ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ إنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَاب. (وَمَنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي أَحَدَهُمَا، غَسَلَ النَّجَاسَةَ، ثُمَّ تَيَمَّمَ مِنْ الْحَدَثِ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ يَصِحُّ تَطْهِيرِهِ مِنْ الْحَدَثِ فَيَسْتَعْمِلُهُ) أَيْ: الْمَاءَ (فِيهِ عَنْهُمَا) أَيْ: عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ قَالَهُ الْمَجْدُ قُلْتُ: وَهَذَا وَاضِحٌ، إنْ كَانَ الْحَدَثُ أَكْبَرَ، فَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَعَلَى كَلَامِهِمْ، لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فَإِنْ كَانَ لَا يَبْقَى لِلنَّجَاسَةِ مَا يُزِيلُهَا بَعْدَ مُرَاعَاتِهِ قَدَّمَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ) تَحْقِيقًا لِشَرْطِهِ (وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ) أَوْ بُقْعَتِهِ (غَسَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ تَيَمَّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ عَدِمَ الْمَاءَ وَظَنَّ وُجُودَهُ] فَصْلٌ (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَظَنَّ وُجُودَهُ) لَزِمَهُ طَلَبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدْ إلَّا لِمَنْ طَلَبَ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ إلَيْهِ قَبْلَ طَلَبِ الْمُبْدَلِ، كَالصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ التَّرْتِيبِ (أَوْ شَكَّ) أَيْ: تَرَدَّدَ فِي وُجُودِ الْمَاءِ (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمَهُ) وَلَوْ ظَنَّ عَدَمَ وُجُودِهِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (لَزِمَهُ طَلَبُهُ) أَيْ: (فِي رَحْلِهِ) أَيْ: مَا يَسْكُنُهُ وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنْ الْأَثَاثِ (وَمَا قَرُبَ مِنْهُ عُرْفًا)

стр. 161

لِمَا تَقَدَّمَ. (فَيُفَتِّشُ مِنْ رَحْلِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ) إذْ تَفْتِيشُ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ طَلَبٌ لِلْمُحَالِ (وَيَسْعَى فِي جِهَاتِهِ الْأَرْبَعِ) قُدَّامَهُ وَوَرَاءَهُ وَيَمِينَهُ وَشِمَالَهُ (إلَى مَا قَرُبَ مِنْهُ مِمَّا عَادَةُ الْقَوَافِلِ السَّعْيُ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَبُ الْمَاءُ فِيهِ عَادَةً (وَيَسْأَلُ رُفْقَتَهُ) ذَوِي الْخِبْرَةِ بِالْمَكَانِ (عَنْ مَوَارِدِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (وَ) يَسْأَلُهُمْ (عَمَّنْ مَعَهُمْ لِيَبِيعُوا لَهُ أَوْ يَبْذُلُوهُ) لَهُ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَإِنْ كَانَ لَهُ رُفْقَةٌ يُدِلُّ عَلَيْهِمْ طَلَبَهُ مِنْهُمْ (وَوَقْتُ الطَّلَبِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَنْ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ وَشَرْطِهَا (فَلَا أَثَرَ لِطَلَبِهِ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْل دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَهُ. (فَإِنْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ) رَأَى (شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ لَزِمَهُ قَصْدُهُ، فَاسْتَبْرَأَهُ) لِيَتَحَقَّقَ شَرْطُ التَّيَمُّمِ (وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ رَبْوَةٌ أَوْ شَيْءٌ قَائِمٌ أَتَاهُ فَطَلَبَ) أَيْ: فَتَّشَ (عِنْدَهُ) قَطْعًا لِلشَّكِّ (وَإِنْ كَانَ سَائِرًا طَلَبَهُ أَمَامَهُ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ فِي طَلَبِهِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ضَرَرًا بِهِ (فَإِنْ دَلَّهُ) أَيْ: أَرْشَدَهُ (عَلَيْهِ ثِقَةٌ) أَيْ: عَدْلٌ ضَابِطٌ لَزِمَهُ قَصْدُهُ، إنْ كَانَ قَرِيبًا عُرْفًا (أَوْ عَلِمَهُ قَرِيبًا) عُرْفًا (لَزِمَهُ قَصْدُهُ) وَلَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ إذَنْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، حَيْثُ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا، وَلَا فَوْتَ وَقْتٍ وَلَا رُفْقَةٍ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: عَادِمَ الْمَاءِ (طَلَبُهُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا وَبِشُرُوطِهَا كُلَّمَا دَخَلَ وَقْتُهَا وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمَهُ، كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا سَبَقَ فِي كَلَامِهِ فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِطَلَبِ شَيْءٍ مُتَحَقَّقِ الْعَدَمِ. (وَمَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضٍ) أَيْ: مَزَارِعِ وَمُحْتَطَبَاتِ (بَلَدِهِ لِحَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ احْتِطَابٍ وَنَحْوِهَا) كَأَخْذِ حَشِيشٍ وَكَمَا لَوْ خَرَجَ لِحَصَادٍ أَوْ دِيَاسٍ وَنَحْوِهِ (حَمَلَهُ) أَيْ: إنَاءً مَعَهُ وُجُوبًا (إنْ أَمْكَنَهُ) حَمْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ إذَنْ فِي عَدَمِ حَمْلِهِ، وَالْوَاجِبُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ حَمْلُهُ وَلَا الرُّجُوعُ) إلَى مَحَلِّ الْمَاءِ (لِلْوُضُوءِ أَوْ نَحْوِهِ) إلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ (تَيَمَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ (وَصَلَّى وَلَا يُعِيدُ) وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ وَفُقِدَ، أَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ (كَمَا لَوْ كَانَتْ حَاجَتُهُ فِي أَرْضِ قَرْيَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ بَلَدِهِ (وَلَوْ كَانَتْ قَرِيبًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَعِيدِ السَّفَرِ وَقَرِيبِهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] . (وَلَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ كَانَ مَعَهُ) الْمَاءُ (فَأَرَاقَهُ) قَبْلَ الْوَقْتِ (ثُمَّ دَخَلَ الْوَقْتُ وَعَدِمَ الْمَاءَ) فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ (وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ) ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ الْمَاءَ (وَلَا إعَادَةَ

стр. 162

عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ. (وَإِنْ مَرَّ بِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (فِي الْوَقْتِ وَأَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ) حَرُمَ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُضُوءُ أَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ الْمَاءَ وَبُعْدِهِ عَنْهُ أَوْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ (أَوْ كَانَ) الْمَاءُ (مَعَهُ فَأَرَاقَهُ فِي الْوَقْتِ) حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى فَوَاتِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْوَاجِبَةِ (أَوْ بَاعَهُ) أَيْ: الْمَاءَ فِيهِ أَيْ: فِي الْوَقْتِ (أَوْ وَهَبَهُ فِيهِ) لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ لِشُرْبٍ (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَ) لَا (الْهِبَةُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَالْمَنْذُورِ عِتْقُهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ لِعَجْزِهِ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا (أَوْ وُهِبَ لَهُ) مَاءٌ أَوْ بُذِلَ قَرْضًا فِي الْوَقْتِ (فَلَمْ يَقْبَلْهُ حَرُمَ) عَلَيْهِ (أَيْضًا) لِتَفْوِيتِهِ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ. (وَ) إنْ (تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيع الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ (صَحَّ) تَيَمُّمُهُ وَصَلَاتُهُ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ حِينَئِذٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَقْتِ (وَلَمْ يُعِدْ) الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةَ تَيَمُّمٍ صَحِيحٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْ عُدِمَ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا وَقَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، وَلَا صَلَاتُهُ؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِهِ لِوُضُوحِهِ. (وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ) وَتَيَمَّمَ لَمْ يُجْزِئْهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ، أَوْ ثَمَنَهُ أَيْ: إذَا كَانَ الْمَاءُ يُبَاعُ وَنَسِيَ ثَمَنَهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِدًا، وَشَرْطُ إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الْوُجْدَانِ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ كَالْحَدَثِ. (أَوْ جَهِلَهُ) أَيْ: الْمَاءَ (بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ وَتَيَمَّمَ، لَمْ يُجْزِئْهُ) لِتَقْصِيرِهِ، كَمُصَلٍّ عُرْيَانًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِالسُّتْرَةِ وَيُكَفِّرُ بِصَوْمٍ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وُجُودَ الرَّقَبَةِ (كَأَنْ يَجِدَهُ) أَيْ: الْمَاءَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: التَّيَمُّمِ (فِي رَحْلِهِ وَهُوَ) أَيْ: رَحْلُهُ (فِي يَدِهِ) الْمُشَاهَدَةِ أَوْ الْحُكْمِيَّةِ (أَوْ) يَجِدَهُ (بِبِئْرٍ بِقُرْبِهِ أَعْلَامُهَا ظَاهِرَةٌ) وَكَانَ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَنَاوُلِهِ مِنْهَا فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إذَنْ وَلَا صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (فَأَمَّا إنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ وَفِيهِ الْمَاءُ وَقَدْ طَلَبَهُ) فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يُجْزِئُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ (أَوْ) تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ بِئْرًا بِقُرْبِهِ، وَ (كَانَتْ أَعْلَامُ الْبِئْرِ خَفِيَّةً وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا) قَبْلَ ذَلِكَ (أَوْ كَانَ يَعْرِفُهَا وَضَلَّ عَنْهَا فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يُجْزِئُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لِلْمَاءِ وَغَيْرُ مُفَرِّطٍ. (وَإِنْ أَدْرَجَ أَحَدٌ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ) حَتَّى صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ لِتَفْرِيطِهِ لِعَدَمِ طَلَبِهِ فِي رَحْلِهِ أَوْ ضَلَّ عَنْ مَوْضِعِ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا (أَوْ كَانَ الْمَاءُ مَعَ عَبْدِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ السَّيِّدُ وَنَسِيَ الْعَبْدُ أَنْ يُعْلِمَهُ

стр. 163

حَتَّى صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ) مَا صَلَّاهُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، كَمَا لَوْ كَانَ النِّسْيَانُ مِنْهُ وَكَنِسْيَانِ رَقَبَةٍ مَعَ عَبْدِهِ وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ. (وَيَتَيَمَّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ) أَمَّا الْأَكْبَرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وَالْمُلَامَسَةُ الْجِمَاعُ. وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّي مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهُمَا وَالْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ كَالْجُنُبِ وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] وَقَوْلُهُ ﷺ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ لِلْجُنُبِ جَازَ لِغَيْرِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى. (وَلِنَجَاسَةٍ عَلَى جُرْحٍ وَغَيْرِهِ عَلَى بَدَنِهِ فَقَطْ تَضُرُّهُ إزَالَتُهَا أَوْ) يَضُرُّهُ (الْمَاءُ) الَّذِي يُزِيلُهَا بِهِ لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَتْ الْحَدَثَ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ عَقِيلٍ لَا يَتَيَمَّمُ لِلنَّجَاسَةِ أَصْلًا كَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ وَغُسْلُ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَطْ: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ وَلَا بُقْعَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي التَّيَمُّمِ لِأَجْلِ الْحَدَثِ فَدَخَلَ فِيهِ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِ النَّجَسِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةٍ مَعْفُوٍّ عَنْهَا. (وَلَا إعَادَةَ) لِمَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى الْبَدَنِ، كَاَلَّذِي يُصَلِّيهِ بِالتَّيَمُّمِ لِلْمُحْدِثِ وَإِنَّمَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ الْبَدَنِ (بَعْدَ أَنْ يُخَفِّفَ مِنْهُمَا مَا أَمْكَنَهُ) تَخْفِيفُهُ بِحَكِّ يَابِسَةٍ وَمَسْحِ رَطْبَةٍ (لُزُومًا) أَيْ: وُجُوبًا، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهَا فِي الْجُمْلَةِ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَإِنْ تَيَمَّمَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا خَوْفًا مِنْ الْبَرْدِ) وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَسْخِينُهُ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ وَتَقَدَّمَ (وَصَلَّى، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَتَقَدَّمَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ ﷺ بِالْإِعَادَةِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَأَمَرَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِز

стр. 164

وَقِيسَ الْحَضَرُ عَلَى السَّفَر. (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاء وَالتُّرَاب، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْمَالهمَا) أَيْ: الْمَاء وَالتُّرَاب (لِمَانِعٍ) (كَمَنْ بِهِ قُرُوح لَا يَسْتَطِيع مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَة بِوُضُوءِ وَلَا تَيَمُّمٍ صَلَّى) الْفَرْض فَقَطْ (عَلَى حَسَب حَالِهِ وُجُوبًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّ الْعَجْز عَنْ الشَّرْط يُوجِب تَرْك الْمَشْرُوط، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ السُّتْرَة وَالِاسْتِقْبَال. (وَلَا إعَادَة) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَضَلَّتْهَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا فِي طَلَبِهَا، فَوَجَدُوهَا، فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلُّوا بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَشَكَوْا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا بِالْإِعَادَةِ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَسَقَطَ عِنْدَ الْعَجْزِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا. (وَلَا يَزِيدُ هُنَا عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاة مِنْ قِرَاءَة وَغَيْرِهَا) فَلَا يَقْرَأ زَائِدًا عَلَى الْفَاتِحَة، وَلَا يُسَبِّح أَكْثَر مَنْ مَرَّةٍ وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي طُمَأْنِينَة رُكُوع أَوْ سُجُود أَوْ جُلُوس بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَة الْفَاتِحَة رَكَعَ فِي الْحَال وَإِذَا فَرَغَ مِمَّا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّل نَهَضَ فِي الْحَال، وَإِذَا فَرَغَ مِمَّا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير سَلَّمَ فِي الْحَال (وَلَا يَتَنَفَّل) مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَاب وَنَحْوَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفَرْض لِدَاعِي الضَّرُورَة إلَيْهِ. (وَلَا يَؤُمَّ) مَنْ يُصَلِّي حَسَب حَالُهُ (مُتَطَهِّرًا بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ) لِعَدَمِ صِحَّة اقْتِدَاء الْمُتَطَهِّر بِالْمُحْدِثِ الْعَالِم بِحَدَثِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَؤُمُّ مِثْلَهُ (وَلَا يَقْرَأ فِي غَيْر صَلَاة إنْ كَانَ جُنُبًا وَنَحْوَهُ) كَحَائِضِ وَنُفَسَاء لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْل. (وَتَبْطُل صَلَاتُهُ) أَيْ: صَلَاة الْمُصَلِّي عَلَى حَسَبَ حَالِهِ (بِالْحَدَثِ فِيهَا) وَبِطُرُوءِ نَجَاسَة لَا يُعْفَى عَنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الصَّلَاة، فَاقْتَضَى وُجُوده بُطْلَانَهَا عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. (وَلَا) تَبْطُلُ صَلَاة الْمُصَلِّي عَلَى حَسَب حَالِهِ (بِخُرُوجِ وَقْتِهَا) بِخِلَافِ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّم لِأَنَّ التَّيَمُّم يَبْطُلُ فَتَبْطُل الصَّلَاة بِخِلَافِ مَا هُنَا (وَتَبْطُل الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّتِ إذَا لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُيَمَّمَ) لِعَدَمِ الْمَاء وَالتُّرَاب، وَصَلَّى عَلَيْهِ (بِغُسْلِهِ أَوْ بِتَيَمُّمِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَبْطُلُ، وَالْمُرَاد بِوُجُودِ مَا يُغْسَل بِهِ أَوْ يَتَيَمَّم بِهِ. (وَبَعْدَهَا) أَيْ: بَعْد

стр. 165

الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَتُعَادَ الصَّلَاة عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَيِّت بَعْد أَنْ يُغَسَّل أَوْ يُيَمَّم وُجُوبًا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِشَرْطِهَا (وَيَجُوزُ نَبْشه) بَعْد دَفْنِهِ (لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: لِلْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّم (مَعَ أَمْن تَفَسُّخِهِ) لِأَنَّهُ مَصْلَحَة بِلَا مَفْسَدَة، فَإِنْ خِيفَ تَفَسُّخه لَمْ يُنْبَش. [فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إلَّا بِتُرَابٍ طَهُورٍ] (فَصْل وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إلَّا بِتُرَابٍ طَهُورٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وَمَا لَا غُبَارَ لَهُ كَالصَّخْرِ لَا يُمْسَحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (الصَّعِيدُ تُرَابُ الْحَرْثِ، وَالطَّيِّبُ الطَّاهِرُ) يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «جُعِلَ لِي التُّرَابُ طَهُورًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَخَصَّ تُرَابَهَا بِحُكْمِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ " مِنْ " الِابْتِدَاء الْغَايَة. قَالَ فِي الْكَشَّافِ: قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ، وَلَا يَفْهَم أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ الدُّهْنِ وَمِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ إلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ أَحَقُّ مِنْ الْمِرَاءِ، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِرَمْلٍ وَنَحْتِ حِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا بِتُرَابٍ زَالَتْ طَهُورِيَّتُهُ، وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ (مُبَاحٍ) فَلَا يَصِحُّ بِمَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتُرَابٌ مَغْصُوبٌ كَالْمَاءِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تُرَابَ مَسْجِدٍ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ، مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ (غَيْرِ مُحْتَرِقٍ) فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِمَا حُرِّقَ مِنْ خَزَفٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الطَّبْخ أَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ (لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ) أَوْ غَيْرِهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ عَلَى لَبَدٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَثَوْبٍ وَبِسَاطٍ وَحَصِيرٍ وَحَائِطٍ وَصَخْرَةٍ وَحَيَوَانٍ وَبَرْذَعَةِ حِمَارٍ وَشَجَرٍ وَخَشَبٍ وَعَدْلِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ، مِمَّا عَلَيْهِ غُبَارٌ طَهُورٌ (حَتَّى مَعَ وُجُودِ تُرَابٍ) لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ،. فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِسَبْخَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ لَهُ غُبَارٌ، وَ (لَا بِطِينِ) رَطْبٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتُرَابٍ (لَكِنْ إنْ أَمْكَنَهُ تَجْفِيفُهُ وَالتَّيَمُّمُ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَزِمَهُ) بَعْدَ (ذَلِكَ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ وَجَدَ مَاءَ بِئْرٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَلْزَمْهُ. (وَلَا) يَصِحُّ

стр. 166

التَّيَمُّمُ (بِتُرَابِ مَقْبَرَةٍ تَكَرَّرَ نَبْشُهَا) لِاخْتِلَاطِهِ بِالصَّدِيدِ (فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّر) نَبْشُهَا (جَازَ) التَّيَمُّمُ بِتُرَابِهَا وَإِنْ شَكَّ فِيهِ، أَوْ فِي نَجَاسَةِ التُّرَابِ الَّذِي يَتَيَمَّمُ بِهِ، جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ (وَأَعْجَبَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ حَمْلُ التُّرَابِ لِأَجْلِ التَّيَمُّمِ) احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ (وَقَالَ الشَّيْخُ: وَغَيْرُهُ لَا يَحْمِلهُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ (وَهُوَ الصَّوَابُ) إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ فِعْلُ ذَلِكَ، مَعَ كَثْرَةِ أَسْفَارِهِمْ. (وَلَوْ وَجَدَ ثَلْجًا وَتَعَذَّرَ تَذْوِيبُهُ لَزِمَهُ مَسْحُ أَعْضَائِهِ) الْوَاجِبِ غَسْلهَا (بِهِ) لِقَوْلِهِ « ﷺ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» لِأَنَّهُ مَاءٌ جَامِدٌ تَعَذَّرَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الِاسْتِعْمَالَ الْمُعْتَادَ وَهُوَ الْغُسْلُ لِعَدَمِ مَا يُذِيبهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الِاسْتِعْمَالَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ (وَيُعِيدُ) الصَّلَاةَ إنْ لَمْ يُجْرِ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِالْمَسِّ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ بِلَا طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَمِثْلُهُ لَوْ صَلَّى بِلَا تَيَمُّمٍ، مَعَ وُجُودِ طِينٍ يَابِسٍ عِنْدَهُ، لِعَدَمِ مَا يَدُقّهُ بِهِ لِيَصِيرَ لَهُ غُبَارٌ. (وَإِنْ كَانَ) الثَّلْجُ (يَجْرِي) أَيْ: يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ (إذَا مَسَّ يَدَهُ) وَغَيْرَهَا مِنْ بَاقِي الْأَعْضَاءِ (لَمْ يُعِدْ) الصَّلَاةَ حَيْثُ جَرَى بِالْمَسِّ لِوُجُودِ الْغُسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا. (وَلَوْ نَحَتَ الْحَجَرَ حَتَّى صَارَ تُرَابًا لَمْ يَصِحّ التَّيَمُّمُ بِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا الطِّين) الصُّلْبَ (ك) الطِّينِ (الْأَرْمَنِيّ إذَا دَقَّهُ) وَصَارَ لَهُ غُبَارًا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ. (فَإِنْ خَالَطَ التُّرَابَ) الطَّهُورَ (ذُو غُبَارٍ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ كَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ) كَالنَّوْرَةِ وَدَقِيقِ الْبُرِّ وَنَحْوِهِ (فَكَالْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ) فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُخَالِطِ لَمْ يَجُزْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ وَإِنْ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَإِنْ كَثُرَ التُّرَابُ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَهُوَ كَالْمَائِعَاتِ. (وَلَا يُكْرَه التَّيَمُّمُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ وَمَا تَيَمَّمَ بِهِ) وَهُوَ مَا تَنَاثَرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، أَوْ بَقِيَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ مَسْحِهِمَا بِهِ (كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ) لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةِ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ (وَلَا بَأْسَ بِمَا تُيُمِّمَ مِنْهُ) يَعْنِي لَوْ تَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَوْ تَوَضَّئُوا مِنْ حَوْضٍ وَاحِدٍ يَغْتَرِفُونَ مِنْهُ. (وَيُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِمَا تَيَمَّمَ لَهُ) مِنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ لِحَدِيثِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، بِخِلَافِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ (وَلَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ فَكَوُضُوءٍ) إنْ نَوَاهُ

стр. 167

بِالْمَفْعُولِ بِهِ صَحَّ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْفَاعِلُ مُكْرَهًا (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ الْوُضُوءِ (فَيَنْوِي) بِالتَّيَمُّمِ (اسْتِبَاحَةَ مَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهِ) كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَيُعَيِّن مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ وَفَرْضَهُ، إنْ كَانَ لَهُ نَفْلٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّ التَّيَمُّمَ غَيْرُ رَافِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. [فَصْلٌ فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ] (فَصْلٌ: وَفَرَائِضُهُ) أَيْ: التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ (أَرْبَعَةُ) أَشْيَاءَ: (مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَاللِّحْيَةُ مِنْ الْوَجْهِ، لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي حُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ (سِوَى مَا تَحْتَ شَعْرِهِ وَلَوْ خَفِيفًا وَ) سِوَى (مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ) فَلَا يُدْخِلُ التُّرَابَ فَمَهُ وَأَنْفَهُ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ قَطْعًا (بَلْ يُكْرَهَانِ) لِمَا فِيهِمَا مِنْ التَّقْذِيرِ (فَإِنْ بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْهُ التُّرَابُ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْصِلْ رَاحَتَهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَعْمِيمُ الْمَسْحِ لَا تَعْمِيمُ التُّرَابِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا﴾ [المائدة: ٦] (فَإِنْ فَصَلَهَا) أَيْ: الرَّاحَة (وَقَدْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهَا غُبَارٌ جَازَ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا) مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ غُبَارٌ طَهُورٌ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا شَيْءٌ) مِنْ الْغُبَارِ (ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى) لِيَحْصُلَ مَسْحُ بَاقِي مَحَلِّ الْفَرْضِ بِالتُّرَابِ. (وَإِنْ نَوَى) اسْتِبَاحَةَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ (وَأَمَرَّ وَجْهَهُ عَلَى التُّرَابِ) أَوْ مَسَحَهُ بِهِ صَحَّ (أَوْ) نَوَى ثُمَّ (صَمَدَهُ) أَيْ: وَجْهَهُ (لِلرِّيحِ فَعَمّ التُّرَابُ) الْوَجْهَ (وَمَسَحَهُ بِهِ صَحَّ) التَّيَمُّمُ إذَا أَتَمَّهُ لِوُجُودِ الْمَسْحِ بِالتُّرَابِ الطَّهُورِ بَعْدَ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ صَمَدَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ بَعْدَ نِيَّتِهِ لِمَطَرٍ أَوْ مِيزَابٍ، حَتَّى جَرَى الْمَاءُ عَلَيْهَا. وَ (لَا) يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ (إنْ سَفَّتْهُ) أَيْ: التُّرَابَ (رِيحٌ) (قَبْلَ النِّيَّةِ، فَمَسَحَ بِهِ) مَا يَجِبْ مَسْحُهُ، لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦] لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ. (وَ) الْفَرْضُ الثَّانِي (مَسْحَ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إذَا عُلِّقَ حُكْمٌ بِمُطْلَقِ الْيَدَيْنِ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ الذِّرَاعَ، كَقَطْعِ السَّارِقِ وَمَسِّ الْفَرْجِ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ قَالَ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ

стр. 168

فَلَمْ أَجِدْ مَاءً فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَوَاهَا سَلَمَةُ، وَشَكَّ فِيهَا ذَكَرَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ ` فَلَا تَثْبُتُ مَعَ، الشَّكِّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ. (فَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الْكُوعِ لَا مِنْ فَوْقِهِ وَجَبَ مَسْحُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ) لِبَقَاءِ بَعْضِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ، مِنْ دُونِ الْكُوعِ (وَتَجِبُ التَّسْمِيَةُ) فِي تَيَمُّمٍ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ (كَوُضُوءٍ وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْوُضُوءِ. (وَ) الْفَرْضُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ (تَرْتِيبٌ وَمُوَالَاةٌ فِي غَيْرِ حَدَثٍ أَكْبَرَ) يَعْنِي فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ لِأَنَّ التَّيَمُّم مَبْنِيٌّ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ فَرْضَانِ فِي الْوُضُوءِ، فَكَذَا فِي التَّيَمُّمِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ، وَخَرَجَ التَّيَمُّمُ لِحَدَثٍ أَكْبَرَ وَنَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ (وَهِيَ) أَيْ: الْمُوَالَاةُ (هُنَا) أَيْ: فِي التَّيَمُّمِ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ مَسْحُ عُضْوٍ عَمَّا قَبْلَهُ (زَمَنًا بِقَدْرِهَا فِي الْوُضُوءِ) أَيْ: بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَ مَغْسُولًا لَجَفَّ بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ. (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا تَيَمَّمَ لَهُ) كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ (مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، أَوْ نَجَاسَةٍ عَلَى بَدَنِهِ) لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّعْيِينِ تَقْوِيَةً لِضَعْفِهِ، وَصِفَةُ التَّعْيِينِ: أَنْ يَنْوِي اسْتِبَاحَةَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا مِنْ الْجَنَابَةِ إنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ مِنْ الْحَدَثِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ مِنْهُمَا إنْ كَانَ جُنُبًا مُحْدِثًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (وَإِنْ كَانَ) التَّيَمُّمُ (عَنْ جُرْحٍ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ نَوَى التَّيَمُّمَ عَنْ غُسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ) الْجَرِيحِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَسْحُهُ بِالْمَاءِ ضَرَرًا، وَإِنْ كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ عَلَى الْغُسْلِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ مَا يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ نَوَى جَمِيعهَا) أَيْ: نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاة مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، وَالنَّجَاسَةُ بِبَدَنِهِ (صَحَّ) تَيَمُّمُهُ (وَأَجْزَاهُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ فَيَكُونُ مَنْوِيًّا (وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ (لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْآخَرِ) أَيْ: عَنْ الَّذِي لَمْ يَنْوِهِ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . (فَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ) وَنَحْوِهَا (دُونَ الْحَدَثِ) الْأَصْغَرِ (أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ،

стр. 169

مِنْ قِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ وَلَمْ تُبَحْ لَهُ صَلَاةٌ وَ) لَا (طَوَافٌ وَ) لَا (مَسُّ مُصْحَفٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ. (وَإِنْ أَحْدَثَ) مَنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا (لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي تَيَمُّمِهِ) لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مُبْدَلِهِ، وَهُوَ الْغُسْلُ (وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ وَبَقِيَ تَيَمُّمُ الْجَنَابَةِ) حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، أَوْ يُوجَدَ مُوجِبُ الْغُسْلِ وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ بِبَدَنِهِ، وَأَحْدَثَ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ، وَبَقِيَ تَيَمُّمُهُ لِلْخَبَثِ. (وَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضِهَا) أَوْ نِفَاسِهَا (لِحَدَثِ الْحَيْضِ) أَوْ النِّفَاسِ (ثُمَّ أَجْنَبَتْ) أَوْ أَحْدَثَتْ (لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا) لِبَقَاءِ حُكْمِ تَيَمُّمِهَا (وَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَسْبَابُ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ وَنَوَى) الِاسْتِبَاحَةَ مِنْ (أَحَدِهَا أَجْزَأَ) التَّيَمُّمُ (عَنْ الْجَمِيعِ) لِأَنَّ حُكْمَهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ إمَّا إيجَابُ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ وَكَطَهَارَةِ الْمَاءِ، لَكِنْ لَوْ نَوَى الِاسْتِبَاحَةَ مِنْ أَحَدِهَا عَلَى أَنْ لَا يَسْتَبِيحَ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ، وَأَوْلَى. (وَمَنْ نَوَى) بِتَيَمُّمِهِ (شَيْئًا) أَيْ: (اسْتِبَاحَةَ) شَيْءٍ تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ اسْتَبَاحَهُ لِأَنَّهُ مَنْوِيٌّ. (وَ) اسْتَبَاحَ (مِثْلَهُ) فَمَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا، فَلَهُ فِعْلُهَا وَفِعْلُ مِثْلِهَا، كَفَائِتَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ. (وَ) اسْتَبَاحَ (دُونَهُ) أَيْ: دُونَ مَا نَوَاهُ، كَالنَّفْلِ فِي الْمِثَالِ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَنِيَّةُ الْفَرْضِ تَتَضَمَّنهُ وَ (لَا) يَسْتَبِيحُ مَنْ نَوَى شَيْئًا (أَعْلَى مِنْهُ) فَمَنْ نَوَى النَّفَلَ لَا يَسْتَبِيحَ الْفَرْضَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ سَوِيًّا لَا صَرِيحًا وَلَا ضِمْنًا (فَإِنْ نَوَى نَفْلًا) لَمْ يُصَلِّ إلَّا نَفْلًا، لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ) بِأَنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَنْوِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا (لَمْ يُصَلِّ إلَّا نَفْلًا) لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ النَّفَلُ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ وَالطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ نَوَى) بِتَيَمُّمِهِ (فَرْضًا) كَظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ (فَعَلَهُ، وَ) فَعَلَ (مِثْلَهُ، كَمَجْمُوعَةٍ وَفَائِتَةٍ، وَ) فَعَلَ مَا (دُونَهُ) كَمَنْذُورَةٍ وَنَافِلَةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ (فَأَعْلَاهُ) أَيْ: أَعْلَى مَا يُبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ (فَرْضٌ عَيْنٌ) كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (فَنَذْرُ) صَلَاةٍ (فَ) فَرْضُ (كِفَايَةٍ) (فَنَافِلَةٌ فَطَوَافُ نَفْلٍ) . قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ نَوَى نَافِلَةً أُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافُ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِكَوْنِ الطَّهَارَةِ مُشْتَرَطَةً لَهَا بِالْإِجْمَاعِ قَالَ وَإِنْ نَوَى فَرْضَ الطَّوَافِ اسْتَبَاحَ نَفْلَهُ وَلَا يَسْتَبِيح الْفَرْضَ مِنْهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ، كَالصَّلَاةِ. وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُبَاحُ الطَّوَافُ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ فِي الْأَشْهَرِ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا، خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي (فَمَسُّ الْمُصْحَفِ، فَقِرَاءَةٌ فَلُبْثٌ) وَسُكُوتُهُمْ عَنْ الْوَطْءِ يُعْلِمُ أَنَّهُ دُونَ الْكُلِّ (وَلَوْ

стр. 170

تَيَمَّمَ صَبِيٌّ لِصَلَاةِ فَرْضٍ ثُمَّ بَلَغَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ كَانَ نَفْلًا) وَهُوَ دُون الْفَرْضِ. [فَصْلٌ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ] (فَصْلٌ) فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ (يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَ بِالْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ (حَتَّى) التَّيَمُّمِ (مِنْ جُنُبٍ لِقُرْآنٍ وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ وَ) حَتَّى التَّيَمُّمِ مِنْ (حَيْضٍ لِوَطْءٍ وَ) حَتَّى التَّيَمُّمِ (لِطَوَافٍ، وَ) حَتَّى التَّيَمُّمِ مِنْ (نَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ. (وَ) لِصَلَاةِ (جِنَازَةٍ وَنَافِلَةٍ وَنَحْوِهَا) كَالتَّيَمُّمِ مِنْ نُفَسَاءَ لِوَطْءٍ، فَيَبْطُلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ لِلْمَكْتُوبَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةِ جُمُعَةٍ) وَيَخْرُجُ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا، فَلَا يَبْطُلُ مَا دَامَ فِيهَا وَيُتِمّهَا لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى (فَيَلْزَمُ مَنْ تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةٍ وَوَطْءٍ وَنَحْوِهِ) كَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ (التَّرْكُ) حَتَّى يُعِيدَ التَّيَمُّمَ (لَكِنْ لَوْ نَوَى الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَة ثُمَّ تَيَمَّمَ لَهَا) أَيْ: لِلْمَجْمُوعَةِ (أَوْ) تَيَمَّمَ (لِفَائِتَةٍ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَمْ يَبْطُلْ) التَّيَمُّمُ (بِخُرُوجِهِ) أَيْ: خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى لِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ صَيَّرَتْ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ. (وَيَبْطُلُ) التَّيَمُّمُ (بِوُجُودِ الْمَاءِ لِعَادِمِهِ) إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِلَا ضَرَرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ ﷺ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَضُوءٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ. (وَ) يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ (بِزَوَالِ عُذْرٍ مُبِيحٍ لَهُ) أَيْ: لِلتَّيَمُّمِ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ فَعُوفِيَ، أَوْ لِبَرْدٍ فَزَالَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا (ثُمَّ إنْ وَجَدَهُ) أَيْ: الْمَاءَ (بَعْدَ صَلَاتِهِ أَوْ طَوَافِهِ لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهُ) لِمَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ ثُمَّ أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ وَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قُلْتُ: فَتُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ لِلْخَبَرِ. (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ: الْمَاءَ (فِيهَا) أَيْ: فِي الصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ وَطَوَافُهُ وَلَوْ انْدَفَقَ الْمَاءُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ

стр. 171

وَقْتِهَا فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَطَوَافُهُ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ (وَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ) إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ الطَّوَافُ فَرْضًا. (وَ) يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ (بِمُبْطِلَاتِ وُضُوءٍ) كَخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ سَبِيلٍ، وَزَوَالِ عَقْلٍ وَمَسِّ فَرْجٍ (إذَا كَانَ تَيَمُّمُهُ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ. (وَ) يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ (عَنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ بِمَا يُوجِبُهُ) كَالْجِمَاعِ، وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ بِلَذَّةٍ (إلَّا غُسْلَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، إذَا تَيَمَّمَتْ لَهُ فَلَا يَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِ غُسْلٍ، وَوُضُوءٍ، بَلْ بِوُجُودِ حَيْضٍ) . أَوْ نِفَاسٍ فَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضِ لَهُ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ، فَلَهُ الْوَطْء، لِبَقَاءِ حُكْمِ تَيَمُّمِ الْحَيْضِ وَالْوَطْءُ إنَّمَا يُوجِبُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ (وَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيْهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) كَعِمَامَةٍ أَوْ جَبِيرَةٍ أَوْ خُفٍّ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ (ثُمَّ خَلَعَهُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ نَصًّا) فِي رِوَايَة عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَلَيْهِمَا وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَسَحَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ أَوْ لَا وَكَذَا إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَهُوَ وَإِنْ اخْتَصَّ صُورَة بِعُضْوَيْنِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْبَعَةِ حُكْمًا. (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ) بِحَيْثُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ (لِمَنْ يَعْلَمُ) وُجُودَ الْمَاءِ (أَوْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ) فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ فَرِيضَةٌ، وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَضِيلَةٌ، وَانْتِظَارُ الْفَرِيضَةِ أَوْلَى (فَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ) أَيْ: احْتِمَالُ وُجُودِ الْمَاءِ وَاحْتِمَالُ عَدَمِهِ (فَالتَّأْخِيرُ) أَيْ: تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ (أَفْضَلُ) مِنْهُ أَوَّل الْوَقْتِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجُنُبِ يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّقْدِيمَ لِمُتَحَقِّقِ الْعَدَمِ أَوْ ظَانّه، أَفْضَلُ. (وَإِنْ تَيَمَّمَ) مَنْ يَعْلَمُ أَوْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ أَوْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ (وَصَلَّى أَوَّلَ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ وَلَا تَلْزَمهُ الْإِعَادَةُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ: أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) كَفَرْضِ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، أَوْ الْأَكْبَرِ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ يُسَمِّيَ) فَيَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا وَتَسْقُطُ سَهَوْا (وَيَضْرِبَ يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَا بَيْنهَا (عَلَى التُّرَابِ أَوْ) عَلَى (غَيْرِهِ مِمَّا لَهُ غُبَارٌ طَهُورٌ، كَلَبَدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ بَرْذَعَةِ حِمَارٍ وَنَحْوِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً) وَتَقَدَّمَ لَوْ صَمَدَ مَحَلَّ الْفَرْضِ لِرِيحٍ وَنَحْوِهِ فَعَمّهُ وَمَسَحَهُ بِهِ أَجْزَأَهُ (بَعْد نَزْعِ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ) لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَا تَحْتَهُ. (فَإِنْ عَلِقَ بِيَدَيْهِ تُرَابٌ كَثِيرٌ نَفَخَهُ إنْ شَاءَ وَإِنْ كَانَ) التُّرَابُ (خَفِيفًا) (كُرِهَ نَفْخُهُ) لِئَلَّا يَذْهَب فَيَحْتَاجَ إلَى إعَادَةِ الضَّرْبِ

стр. 172

(فَإِنْ ذَهَبَ مَا عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْيَدَيْنِ (بِالنَّفْخِ أَعَادَ الضَّرْبَ) لِيَحْصُلَ الْمَسْحُ بِتُرَابٍ (فَيَمْسَح وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ كَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا وَأَيْضًا: الْيَدُ إذَا أُطْلِقَتْ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الذِّرَاعُ بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ وَالْمَسِّ لَا يُقَالُ: هِيَ مُطْلَقَةٌ فِي التَّيَمُّمِ مُقَيَّدَةٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّهَارَةِ لِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ كَالْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ عَلَى الْعِتْقِ فِي الْخَطَأِ. وَالتُّرَابُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ وَهُوَ يُشْرَعُ فِيهِ التَّثْلِيثُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ هُنَا وَالْوُضُوءُ يُغْسَلُ فِيهِ بَاطِنُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ بِخِلَافِهِ هُنَا (وَإِنْ مَسَحَ بِضَرْبَتَيْنِ) مَسَحَ (بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَ) مَسَحَ (بِالْأُخْرَى يَدَيْهِ أَوْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ) جَازَ لِأَنَّ الْغَرَضَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ وَقَدْ حَصَلَ. وَقَالَ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: الْمَسْنُونُ ضَرْبَتَانِ يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ أَحْمَدُ مَنْ قَالَ ضَرْبَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ يَعْنِي لَا يَصِحُّ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ ضِعَافٌ جِدًّا وَلَمْ يَرْوِ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْهَا إلَّا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَرْوِيه مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ (أَوْ) . مَسَحَ (بِبَعْضِ يَدِهِ، أَوْ بِخِرْقَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ كَانَ التُّرَابُ نَاعِمًا فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَضْعًا جَازَ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ فَكَيْفَمَا حَصَلَ جَازَ كَالْوُضُوءِ. (وَفِي الرِّعَايَةِ: لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَمِينِهِ وَيَمِينَهُ بِيَسَارِهِ، أَوْ عَكَسَ) فَمَسَحَ وَجْهَهُ بِيَسَارِهِ وَيَسَارَهُ بِيَمِينِهِ (وَخَلَّلَ أَصَابِعَهُمَا فِيهِمَا، صَحَّ، انْتَهَى) يَعْنِي حَيْثُ اسْتَوْعَبَ مَحَلَّ الْفَرْضِ بِالْمَسْحِ (وَإِنْ مَسَحَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ، مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِمَا دُونَهُ، كُرِهَ) . وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ، إذَا حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ بِهِمَا (وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ، أَوْ قُطِعَ الْمَاءُ مِنْ) عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ بَلَدِهِ (صَلَّى، بِالتَّيَمُّمِ) لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ (بِلَا إعَادَةٍ) لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالْبَدَلِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ كَالْمُسَافِرِ. (وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ) مِنْ وَاجِدِ الْمَاءِ الْقَادِرِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِلَا ضَرَرِ (خَوْفِ فَوْتِ جِنَازَةٍ وَلَا عِيدٍ وَلَا مَكْتُوبَةٍ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَبَاحَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَهَذَا وَاجِبٌ لَهُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ (إلَّا إذَا وَصَلَ مُسَافِرٌ إلَى مَاءٍ) بِنَحْوِ بِئْرٍ (وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ عُلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي

стр. 173

الْوَقْتِ، أَشْبَهَ الْعَادِمَ لَهُ (أَوْ عَلِمَهُ) أَيْ: عَلِمَ الْمُسَافِرُ الْعَادِمُ لِلْمَاءِ، الْمَاءَ (قَرِيبًا) عُرْفًا (أَوْ دَلَّهُ) عَلَيْهِ (ثِقَةٌ) قَرِيبًا عُرْفًا (وَخَافَ) بِطَلَبِهِ (فَوْتَ الْوَقْتِ، أَوْ دُخُولَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، أَوْ فَوْتَ عَدُوٍّ أَوْ فَوْتَ غَرَضِهِ الْمُبَاحِ) كَمَالِهِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ. (وَإِنْ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ فَبُذِلَ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ أَوْ نَذْرٌ، أَوْ وَصِيٌّ بِهِ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ، أَوْ وُقِفَ عَلَيْهِ، فَلِمَيِّتٍ) أَيْ: فَيُقَدَّمُ الْمَيِّتُ يُغَسَّلُ بِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَنْظِيفُهُ، وَلَا يَحْصُلُ بِالتَّيَمُّمِ، وَالْحَيُّ يُقْصَدُ بِغُسْلِهِ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالتُّرَابِ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَعَلَى هَذَا إنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ لِوَرَثَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، فَلِلْحَيِّ أَخْذُهُ لِطَهَارَتِهِ بِثَمَنِهِ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ إتْلَافُهُ، أَمَّا إذَا احْتَاجَ الْحَيُّ إلَيْهِ لِعَطَشٍ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي الْأَصَحِّ اهـ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: أَنَّ مَا فَضَلَ مِنْهُ يَكُونُ لِمَنْ بَعْدَهُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، دُونَ وَرَثَتِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْمَبْذُولُ أَوْ الْمَنْذُورُ، أَوْ الْمُوصَى بِهِ، أَوْ الْمَوْقُوفُ لَلْأَوْلَى مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ (ثَوْبًا، صَلَّى فِيهِ حَيٌّ) فَرْضَهُ (ثُمَّ كُفِّنَ بِهِ مَيِّتٌ) لِيَحْصُلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (وَحَائِضٌ أَوْلَى) بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَاءِ (مِنْ جُنُبٍ) لِأَنَّهَا تَقْضِي حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ زَوْجِهَا فِي إبَاحَةِ وَطْئِهَا (وَهُوَ) أَيْ: الْجُنُبُ (أَوْلَى) بِالْمَاءِ مِنْ مُحْدِثٍ حَدَثًا أَصْغَرَ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ مَا لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ الْمُحْدِثُ بِهِ. (وَمَنْ كَفَاهُ) الْمَاءُ (وَحْدَهُ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ (فَهُوَ أَوْلَى بِهِ) لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضِ طَهَارَةٍ وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ أَوْلَى مِنْ الْجَمِيعِ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الثَّوْبِ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا، وَنَجَاسَةُ الْبَدَنِ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَهَا، بِخِلَافِ الْحَدَثِ. (وَيُقَدَّمُ) غُسْلُ نَجَاسَةِ (ثَوْبٍ) وَبُقْعَةٍ (عَلَى) غُسْلِ نَجَاسَةِ (بَدَنٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَيُقَدَّمُ ثَوْبٌ عَلَى بُقْعَةٍ لِأَنَّ إعَادَةَ الصَّلَاةِ الَّتِي تُصَلَّى فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ وَاجِبَةٌ، بِخِلَافِهَا فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي تَعَذَّرَ غَيْرُهَا، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَتُقَدَّمُ نَجَاسَةُ بَدَنِهِ عَلَى نَجَاسَةِ السَّبِيلَيْنِ، أَيْ: إذَا كَانَ الِاسْتِجْمَارُ يَكْفِي فِيهِمَا (وَيُقَدَّمُ عَلَى غُسْلِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ (غَسْلُ طِيبِ مُحْرِمٍ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِتَأْخِيرِ غَسْلِ الطِّيبِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ غَسْلُ طِيبِ مُحْرِمٍ، فَنَجَاسَةُ ثَوْبٍ فَبُقْعَةٌ، فَبَدَنٌ، فَمَيِّتٌ، فَحَائِضٌ، فَجُنُبٌ فَمُحْدِثٌ إلَّا إنْ كَفَاهُ وَحْدَهُ فَيُقَدَّمُ عَلَى جُنُبٍ (وَيُقْرَعُ مَعَ التَّسَاوِي) كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ حَائِضَيْنِ أَوْ مُحْدِثَانِ وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يُقْرَعُ

стр. 174

بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ قُدِّمَ بِهِ لِأَنَّهُ صَارَ أَوْلَى بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَهُ (وَإِنْ تَطَهَّرَ بِهِ غَيْرُ الْأَوْلَى) كَمَا لَوْ تَطَهَّرَ بِهِ حَيٌّ مَعَ وُجُودِ مَيِّتٍ يَحْتَاجهُ (أَسَاءَ، وَصَحَّتْ) طَهَارَتُهُ لِأَنَّ الْأَوْلَى لَمْ يَمْلِكْهُ بِكَوْنِهِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ. (وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِهِمْ) أَيْ: الْمُحْتَاجِينَ إلَيْهِ (لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ) لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَتَمْكِينِهِ مِنْهُ (وَلَمْ يُؤْثِرْ بِهِ) أَحَدًا (وَلَوْ لِأَبَوَيْهِ) لِتَعَيُّنِهِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِهِ (وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ) لَعَلَّهُ فِي مُسْوَدَّتِهِ، وَإِلَّا فَلَمْ نَرَهُ فِي النُّسَخِ الْمَشْهُورَةِ. (وَلَوْ احْتَاجَ حَيٌّ إلَى كَفَنِ مَيِّتٍ لِبَرْدٍ) وَنَحْوِهِ، زَادَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ (يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ، قُدِّمَ) الْحَيُّ (عَلَى الْمَيِّتِ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُصَلِّي عَلَيْهِ عَادِمُ السُّتْرَةِ فِي إحْدَى لِفَافَتَيْهِ يُقَالُ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ عُرْيَانًا كَلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ بِهَا، ذَكَرَهُ فِي التَّكْفِينِ. [بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ] (بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ) أَيْ: تَطْهِيرُ مَوَارِدِ الْأَنْجَاسِ، وَذِكْرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النَّجَاسَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ (وَهِيَ) أَيْ: النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ (الطَّارِئَةُ عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ) بِخِلَافِ الْعَيْنِيَّةِ (وَلَا تَصِحّ إزَالَتُهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ (بِغَيْرِ مَاءٍ طَهُورٍ) لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ قَالَتْ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَرَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَاءُ الطَّهُورُ (غَيْرَ مُبَاحٍ) لِأَنَّ إزَالَتَهَا مِنْ قِسْمِ التُّرُوكِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُعْتَبَرْ لَهُ النِّيَّةُ (وَ) النَّجَاسَةُ (الْعَيْنِيَّةُ لَا تَطْهُرُ بِغَسْلِهَا بِحَالٍ وَتَقَدَّمَ) (فِي الطَّهَارَةِ) وَلَا يُعْقَلُ لِلنَّجَاسَةِ مَعْنًى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. (وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ نَجِسَانِ) وَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا وَسُؤْرُ ذَلِكَ وَعَرَقُهُ، وَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنْهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بِهِمَا وَ) مُتَنَجِّسٌ (بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ

стр. 175

أَحَدِهِمَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِمَا) أَوْ أَجْزَاءِ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (غَيْر أَرْضٍ وَنَحْوِهَا) كَصَخْرٍ وَحِيطَانٍ (بِسَبْعِ غَسَلَاتِ مُنَقِّيَةٍ، إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ طَهُورٍ وُجُوبًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَلَهُ أَيْضًا «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» . وَلَوْ كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا لَمْ يَأْمُرْ بِإِرَاقَتِهِ وَلَا وَجَبَ غَسْلُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ وُجُوبَ الْغَسْلِ لِنَجَاسَتِهِ، وَلَمْ يُعْهَدْ التَّعَبُّدُ فِي غَسْلِ الْبَدَنِ، وَالطَّهُورُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَحَلِّ الطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعَبُّدًا، لَمَا اخْتَصَّ الْغَسْلُ بِمَوْضِعِ الْوُلُوغِ، لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْإِنَاءِ كُلِّهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْكَلْبِ فَالْخِنْزِيرُ شَرٌّ مِنْهُ لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَحُرْمَةِ اقْتِنَائِهِ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَادُونَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ فِي الْخِنْزِيرِ عَدَدًا وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي التُّرَابُ غَيْرُ الطَّهُورِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَالْإِنْصَافِ، وَقَدَّمَاهُ، وَأَنَّهُ إذَا لَمْ تُنَقَّ النَّجَاسَةُ بِالسَّبْعِ زَادَ حَتَّى تُنَقَّى كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَأَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ إحْدَى الْغَسَلَاتِ لِلتُّرَابِ. (وَ) لَكِنَّ الْغَسْلَةَ (الْأُولَى أَوْلَى) بِجَعْلِ التُّرَابِ فِيهَا لِلْخَبَرِ وَلِيَأْتِيَ الْمَاءُ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفَهُ (وَيَقُومُ أُشْنَانٌ وَصَابُونٌ وَنُخَالَةٌ وَنَحْوُهَا) مِنْ كُلِّ مَا لَهُ قُوَّةٌ فِي الْإِزَالَةِ (مَقَامَهُ) أَيْ: التُّرَابِ (وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ) وَعَدَمِ تَضَرُّرِ الْمَحَلِّ بِهِ لِأَنَّ نَصَّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي التَّنْظِيفِ. وَ (لَا) تَقُومُ (غَسْلَةٌ ثَامِنَةٌ) مَقَامَ التُّرَابِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتُّرَابِ مَعُونَةٌ لِلْمَاءِ فِي قَطْعِ النَّجَاسَةِ أَوْ لِلتَّعَبُّدِ فَلَا يَحْصُلُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ (وَيُعْتَبَرُ اسْتِيعَابُ الْمَحَلِّ بِهِ) أَيْ: بِالتُّرَابِ بِأَنْ يُمِرَّ التُّرَابَ مَعَ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (إلَّا فِيمَا يَضُرّهُ) التُّرَابُ. (فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ) أَيْ: أَقَلُّ شَيْءٍ يُسَمَّى تُرَابًا يُوضَعُ فِي مَاءِ إحْدَى الْغَسَلَاتِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِلنَّهْيِ عَنْ إفْسَادِ الْمَالِ (وَيُعْتَبَرُ مَزْجُهُ) أَيْ: التُّرَابِ (بِمَاءٍ يُوصِلهُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ فَلَا يَكْفِي مَائِعٌ غَيْرُ الْمَاءِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ. وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: فَيُعْتَبَرُ مَائِعٌ يُوصِلهُ إلَيْهِ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى فَ (لَا) يَكْفِي (ذَرُّهُ) أَيْ: التُّرَاب عَلَى الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ (وَإِتْبَاعُهُ الْمَاءَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» إذْ الْبَاءُ فِيهِ لِلْمُصَاحَبَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ يَكْفِي ذَرّهُ وَيُتْبِعُهُ الْمَاءَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَهُوَ أَظْهَرُ

стр. 176

" تَتِمَّةٌ " إذَا وَلَغَ فِي الْإِنَاءِ كِلَابٌ، أَوْ أَصَابَ الْمَحَلَّ نَجَاسَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحُكْمِ فَهِيَ كَنَجَاسَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ لِأَغْلَظِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَ عَمَّا يُمَاثِلُ، فَعَمَّا دُونَهُ أَوْلَى وَلَوْ وَلَغَ فِيهِ فَغَسَلَ دُونَ السَّبْعِ، ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى غُسِلَ لِلنَّجَاسَةِ الثَّانِيَةِ، وَانْدَرَجَ فِيهَا مَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الْأُولَى. (وَتُطَهَّرُ بَقِيَّةُ الْمُتَنَجِّسَاتِ بِسَبْعٍ مُنَقِّيَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا أَنْ نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا» ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُبْدِعِ وَغَيْرُهُ فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِهِ ﷺ وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ فَيَلْحَقُ بِهِ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا وَالْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ النَّصِّ بِدَلِيلِ إلْحَاقِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ بِهِ فَعَلَى هَذَا يُغْسَلُ مَحَلُّ الِاسْتِنْجَاءِ سَبْعًا كَغَيْرِهِ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالشِّيرَازِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ. لَكِنْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ عَدَدٌ، اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، لَا فِي قَوْلِهِ وَلَا فِي فِعْلِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا) أَيْ: بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ (تُرَابٌ) قَصْرًا لَهُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ. (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَحَلُّ الْمُتَنَجِّسُ (بِهَا) أَيْ: بِالسَّبْعِ (زَادَ) فِي الْغُسْلِ (حَتَّى يُنَقَّى) الْمَحَلُّ (فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ النَّجَاسَاتِ، مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ (وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ) النَّجَاسَةِ (أَوْ رِيحِهَا أَوْ هُمَا) أَيْ: اللَّوْنُ وَالرِّيحُ (عَجْزًا) عَنْ إزَالَتِهِمَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. «أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ قَالَ فَإِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَخْرُجْ أَثَرُهُ قَالَ يَكْفِيكِ الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَيُطَهَّرُ) الْمَحَلُّ مَعَ بَقَائِهِمَا أَوْ بَقَاءِ أَحَدِهِمَا (وَيَضُرُّ) بَقَاءُ (طَعْمٍ) لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلِسُهُولَةِ إزَالَتِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ مَعَ بَقَاءِ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ. (وَإِنْ اسْتَعْمَلَ فِي إزَالَتِهِ) أَيْ: أَثَرِ النَّجَاسَةِ (مَا يُزِيلُهُ كَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ، فَحَسَنٌ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ، فَحَاضَتْ قَالَتْ: فَنَزَلْتُ، فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي فَقَالَ: مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ» (وَلَا يَجِب) ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِإِفْسَادِ الْمَالِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، كَمَا يُنْهَى عَنْ ذَبْحِ الْخَيْلِ الَّتِي يُجَاهَدُ عَلَيْهَا، وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحَجُّ عَلَيْهَا، وَالْبَقَرِ الَّتِي يُحْرَثُ عَلَيْهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهَا قَالَهُ الشَّيْخُ) . وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ: وَيُكْرَهُ ذَبْحُ الْفَرَسِ

стр. 177

الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْجِهَادِ، بِلَا نِزَاعٍ (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ النُّخَالَةِ الْخَالِصَةِ) مِنْ الدَّقِيقِ (فِي التَّدَلُّكِ، وَغَسْلِ الْأَيْدِي بِهَا، وَكَذَا) التَّدَلُّكِ وَغَسْلُ الْأَيْدِي (بِبِطِّيخٍ وَدَقِيقِ الْبَاقِلَاءِ) وَهِيَ الْفُولُ، إنْ شَدَّدْتَ اللَّامَ قَصَرْتَ، وَإِنْ خَفَّفْتَ مَدَدْتَ. ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَغَيْرهَا مِمَّا لَهُ قُوَّةُ الْجَلَاءِ، لِحَاجَةٍ) وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ أَنْ يَغْسِلَ جِسْمَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ، مِثْلِ دَقِيقِ الْحِمَّصِ أَوْ الْعَدَسِ أَوْ الْبَاقِلَاءِ وَنَحْوِهِ (وَيُغْسَلُ مَا نُجِّسَ بِبَعْضِ الْغَسَلَاتِ بِعَدَدِ مَا بَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الْغَسْلَةِ) لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تُطَهَّرُ فِي مَحَلِّهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ، فَطَهُرَتْ بِهِ فِي مِثْلِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ. فَلَوْ تَنَجَّسَ بِالْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ مَثَلًا، غُسِلَ ثَلَاثُ غَسَلَاتٍ إحْدَاهُنَّ (بِتُرَابٍ إنْ لَمْ يَكُنْ) التُّرَابُ (اُسْتُعْمِلَ) فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْغَسَلَاتِ (حَيْثُ اُشْتُرِطَ) التُّرَابُ، بِأَنْ كَانَتْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا قَبْلُ كَفَى (وَيُعْتَبَرُ الْعَصْرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) خَارِجَ الْمَاءِ (مَعَ إمْكَانِهِ) أَيْ: الْعَصْرِ (فِيمَا تَشَرَّبَ نَجَاسَةً لِيَحْصُلَ انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ (وَلَا يَكْفِي تَجْفِيفُهُ بَدَلَ الْعَصْرِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عَصْرُهُ، كَالزُّلَالِيِّ وَنَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ (فَبِدَقِّهَا أَوْ دَوْسِهَا، وَتَقْلِيبِهَا أَوْ تَثْقِيلِهَا بِمَا يَفْصِلُ الْمَاءَ عَنْهَا) ، لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْعَصْرِ لِتَعَذُّرِهِ. (وَلَوْ عُصِرَ الثَّوْبُ فِي مَاءٍ وَلَوْ جَارِيًا، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مِنْهُ لَمْ يَطْهُرْ) لِعَدَمِ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْهُ (فَإِذَا رَفَعَهُ مِنْهُ) وَلَوْ بَعْدَ عَصْرِهِ مَرَّاتٍ (فَهِيَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، يَبْنِي عَلَيْهَا) وَيُتِمُّ السَّبْعَ (وَلَا يَكْفِي فِي الْعَدَدِ تَحْرِيكُهُ) أَيْ: الْإِنَاءِ (فِي الْمَاءِ وَخَضْخَضَتُهُ) وَلَوْ غُمِسَ الْإِنَاءُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَطْهُرْ، حَتَّى يَنْفَصِلَ عَنْهُ وَيُعَادَ إلَيْهِ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ. (إنْ وَضَعَهُ) أَيْ: الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ (فِي إنَاءٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَهُ وَاحِدَةً يُبْنَى عَلَيْهَا) بَعْدَ عَصْرِهِ، حَتَّى يَحْصُلَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ (وَيَطْهُرُ) الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ بِذَلِكَ (نَصًّا) لِأَنَّ الْمَاءَ وَارِدٌ عَلَى مَحَلِّ التَّطْهِيرِ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَبَّهُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ إنَاءٍ وَإِنْ غُمِسَ النَّجِسُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، نَجُسَ الْمَاءُ، وَلَمْ يَطْهُرْ النَّجِسُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا غَسْلَةً (وَعَصْرُ كُلِّ ثَوْبٍ) وَنَحْوِهِ (عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ، بِحَيْثُ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ) لِلنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ (وَمَا لَمْ يَتَشَرَّبْ) النَّجَاسَةَ (كَالْآنِيَةِ: يُطَهَّرُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ) عَنْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَكْفِي مَسْحُهُ) أَيْ: الْمُتَنَجِّسِ (وَلَوْ كَانَ صَقِيلًا، كَسَيْفٍ وَنَحْوِهِ) كَمِرْآةٍ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ. وَالْمَسْحُ لَيْسَ غَسْلًا (فَلَوْ قُطِعَ بِهِ) أَيْ: بِالسَّيْفِ الْمُتَنَجِّسِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ مَسْحِهِ (قَبْلَ غَسْلِهِ مِمَّا فِيهِ بَلَلٌ، كَبِطِّيخٍ وَنَحْوِهِ، نَجَّسَهُ) لِمُلَاقَاةِ الْبَلَلِ لِلنَّجَاسَةِ (فَإِنْ كَانَ) مَا قَطَعَهُ بِهِ (رَطْبًا لَا) بَلَلَ فِيهِ (كَجُبْنٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ) كَمَا لَوْ قَطَعَ

стр. 178

بِهِ يَابِسًا لِعَدَمِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ لَصِقَتْ النَّجَاسَةُ) فِي الطَّاهِرِ (وَجَبَ فِي إزَالَتِهَا الْحَتُّ) أَيْ: الْحَكُّ بِطَرَفِ حَجَرٍ أَوْ عُودٍ (وَالْقَرْصُ) أَيْ: الدَّلْكُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ دَلْكًا شَدِيدًا، وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ حَتَّى تَزُولَ عَيْنُهُ، وَأَثَرُهُ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ (إنْ لَمْ تُزَلْ) النَّجَاسَةُ (بِدُونِهِمَا) أَيْ: الْحَتِّ وَالْقَرْصِ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إذَا أَصَابَ ثَوْبَ الْمَرْأَةِ حَيْضُهَا اُسْتُحِبَّ أَنْ تَحُتُّهُ بِظُفْرِهَا، حَتَّى تَذْهَبَ خُشُونَتُهُ، ثُمَّ تَقْرِصَهُ بِرِيقِهَا لِيَلِينَ لِلْغَسْلِ ثُمَّ تَغْسِلهُ بِالْمَاءِ. (قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْمَحَلُّ بِهِمَا) أَيْ: بِالْحَتِّ وَالْقَرْصِ، فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِمَا سَقَطَا (وَيُحْسَبُ الْعَدَدُ فِي إزَالَتِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ، وَلَوْ قَبْلَ زَوَالِ عَيْنِهَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (فَلَوْ لَمْ تُزَلْ) النَّجَاسَةُ (إلَّا فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ أَجْزَأَ) ذَلِكَ لِحُصُولِ الْإِنْقَاءِ وَالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فَائِدَةٌ: لَوْ غُسِلَ بَعْضُ الثَّوْبِ النَّجِسِ طَهُرَ مَا غُسِلَ مِنْهُ قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَيَكُونُ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا لِمُلَاقَاتِهِ غَيْرَ الْمَغْسُولِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ فَإِنْ أَرَادَ غَسْلَ بَقِيَّتِهِ غَسَلَ مَا لَاقَاهُ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. [فَصْلٌ وَتَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ بِمَائِعٍ] (فَصْلٌ) (وَتَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ بِمَائِعٍ) كَبَوْلٍ (أَوْ) بِنَجَاسَةٍ (ذَاتِ جِرْمٍ أُزِيلَ) ذَلِكَ (عَنْهَا، وَلَوْ) كَانَتْ النَّجَاسَةُ (مِنْ كَلْبٍ، نَصًّا) أَوْ خِنْزِيرٍ. (وَ) يَطْهُرُ (صَخْرٌ وَأَجْرِنَةُ حَمَامٍ) وَنَحْوِهِ صِغَارٌ مَبْنِيَّةٌ أَوْ كِبَارٌ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَحِيطَانٌ وَأَحْوَاضٌ وَنَحْوُهَا: بِمُكَاثَرَةِ الْمَاءِ عَلَيْهَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ، مِنْ الْأَرْضِ وَالصَّخْرِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ إلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ لَكَانَ تَكْثِيرًا لِلنَّجَاسَةِ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مَصَابُّ الْفَضَلَاتِ وَمَطَارِحُ الْأَقْذَارِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي تَطْهِيرِهَا عَدَدٌ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَلَوْ) كَانَ مَا كُوثِرَتْ بِهِ (مِنْ مَطَرٍ وَسَيْلٍ) لِأَنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لَا

стр. 179

يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ فَاسْتَوَى مَا صَبَّهُ الْآدَمِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَاثَرَةِ: صَبُّ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ (بِحَيْثُ يَغْمُرهَا مِنْ غَيْرِ) اعْتِبَارِ (عَدَدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ مِنْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ) فَإِنْ لَمْ يَذْهَبَا لَمْ تَطْهُرْ (إنْ لَمْ يَعْجَزْ) عَنْ إزَالَتِهِمَا أَوْ إزَالَةِ أَحَدِهِمَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُزَالُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، سَقَطَ كَالثَّوْبِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ وَنَحْوُهَا بِالْمُكَاثَرَةِ (وَلَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ الْمَاءُ) الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ عَنْهَا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ حَيْثُ لَمْ يَأْمُرْ بِإِزَالَةِ الْمَاءِ عَنْهَا (وَيَضُرُّ) بَقَاءُ (طَعْمِ) النَّجَاسَةِ بِالْأَرْضِ كَالثَّوْبِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (أَوْ اخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالرَّمِيمِ وَالدَّمِ إذَا جَفَّ، وَالرَّوْثِ لَمْ تَطْهُرْ) الْأَرْضُ إذَنْ (بِالْغَسْلِ) لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ لَا تَنْقَلِبُ (بَلْ) تَطْهُرُ (بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ) بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ. (وَلَوْ بِإِدْرَارِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ) كَالدَّمِ (وَهُوَ رَطْبٌ فَقَلَعَ التُّرَابَ الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُهُ، فَالْبَاقِي طَاهِرٌ) لِعَدَمِ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ جَفَّ) الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ (فَأَزَالَ مَا عَلَيْهِ الْأَثَرُ) مِنْ التُّرَابِ (لَمْ تَطْهُرْ) الْأَرْضُ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا يَبِينُ عَلَى ظَاهِرِهَا (إلَّا أَنْ يُقْلَعَ مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ زَوَالُ مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ وَالْبَاقِي طَاهِرٌ) لِتَحَقُّقِهِ عَدَمَ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ. (وَلَا تَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ وَلَا غَيْرُهَا) مِنْ الْمُتَنَجِّسَاتِ (بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ وَلَا جَفَافٍ) لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِغَسْلِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُطَهِّرُ لَاكْتَفَى بِهِ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مَحَلٌّ نَجِسٌ فَلَمْ يُطَهَّرْ بِالْجَفَافِ، كَثِيَابٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ يُحْمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِيهِ فَيَكُونُ إقْبَالُهَا وَإِدْبَارُهَا بَعْدَ بَوْلِهَا، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. (وَلَا) تَطْهُرُ (نَجَاسَةٌ بِاسْتِحَالَةٍ) لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا " لِأَكْلِهَا النَّجَاسَة، وَلَوْ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ (وَلَا) تَطْهُرُ نَجَاسَةٌ أَيْضًا بِ (نَارٍ فَالْقَصْرُ مل) أَيْ: الرَّمَادُ مِنْ الرَّوْثِ النَّجِسِ نَجِسٌ (وَصَابُونٍ عُمِلَ مِنْ زَيْتٍ نَجِسٍ، وَدُخَانِ نَجَاسَةٍ، وَغُبَارُهَا) نَجِس (وَمَا تَصَاعَدَ مِنْ بُخَارِ مَاءٍ نَجِسٍ إلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ) نَجِسٌ (وَتُرَابُ جَبَلٍ بِرَوْثِ حِمَارٍ) أَوْ بَغْلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (نَجِسٌ) وَلَوْ

стр. 180

احْتَرَقَ كَالْخَزَفِ. وَكَذَا لَوْ وَقَعَ كَلْبٌ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا، أَوْ فِي صَبَّانَةٍ فَصَارَ صَابُونًا (إلَّا عَلَقَةً خُلِقَ مِنْهَا آدَمِيٌّ) أَوْ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ فَإِنَّهَا تَصِيرُ طَاهِرَةً، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نَجِسَةً لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا بِصَيْرُورَتِهَا عَلَقَةً فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَادَتْ إلَى أَصْلِهَا كَالْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ (وَ) إلَّا (خَمْرَةً انْقَلَبَتْ خَلًّا بِنَفْسِهَا) فَإِنَّهَا تَطْهُرُ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِشِدَّتِهَا الْمُسْكِرَةِ الْحَادِثَةِ لَهَا. وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَطْهُرَ، كَالْمَاءِ الَّذِي تَنَجَّسَ بِالتَّغَيُّرِ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ، لِكَوْنِهَا لَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِعَيْنِهَا وَالْخَمْرَةُ نَجَاسَتُهَا لِأَمْرٍ زَالَ بِالِانْقِلَابِ (أَوْ) انْقَلَبَتْ الْخَمْرَةُ خَلًّا (بِنَقْلِهَا) مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ دَنٍّ إلَى آخَرَ (لِغَيْرِ قَصْدِ التَّخْلِيلِ) فَتَطْهُرُ، كَمَا لَوْ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا. (وَيَحْرُمُ تَخْلِيلُهَا) وَلَوْ كَانَتْ لِيَتِيمٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ لَا وَالنَّبِيذُ كَالْخَمْرِ» فِيمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ خُلِّلَتْ) أَيْ: فُعِلَ بِهَا شَيْءٌ تَصِيرُ بِهِ خَلًّا (وَلَوْ بِنَقْلِهَا لِقَصْدِهِ) أَيْ: التَّخْلِيلِ (لَمْ تَطْهُرْ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَخْلِيلُهَا فَلَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ (وَدَنُّهَا) أَيْ: الْخَمْرِ (مِثْلُهَا، فَيَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا) تَبَعًا لَهَا (وَلَوْ مِمَّا يُلَاقِي الْخَلّ مِمَّا فَوْقَهُ مِمَّا أَصَابَهُ الْخَمْرُ فِي غَلَيَانِهِ) فَيَطْهُرُ كَاَلَّذِي لَاقَاهُ الْخَلُّ (كَمُحْتَفَرٍ مِنْ الْأَرْضِ طَهُرَ مَاؤُهُ بِمُكْثٍ) أَيْ: بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ (أَوْ بِإِضَافَةِ) مَاءٍ كَثِيرٍ، أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا بُنِيَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الصَّهَارِيجِ وَالْبَحْرَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَطْهُرُ بِمُكَاثَرَتِهِ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ (لَا إنَاء طَهُرَ مَاؤُهُ بِمُكْثِهِ أَوْ كُوثِرَ مَاءٌ نَجِسٌ فِيهِ بِمَاءٍ كَثِيرٍ طَهُورٍ، حَتَّى صَارَ) مَا فِيهِ (طَهُورًا لَمْ يَطْهُرْ الْإِنَاءُ بِدُونِ انْفِصَالِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (عَنْهُ فَإِذَا انْفَصَلَ) الْمَاءُ عَنْهُ (حُسِبَتْ غَسْلَةً وَاحِدَةً) وَلَوْ خَضْخَضَهُ مَرَّاتٍ (يُبْنَى عَلَيْهَا) مَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ (وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ خَلَّالٍ إمْسَاكُ خَمْرٍ لِيَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ، بَلْ يُرَاقُ) الْخَمْرُ (فِي الْحَالِ فَإِنْ خَالَفَ) غَيْرُ الْخَلَّالِ (وَأَمْسَكَ) الْخَمْرَ (فَصَارَ خَلًّا بِنَفْسِهِ) أَوْ بِنَقْلِهِ لَا لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ (طَهُرَ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْخَلَّالُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ الْخَمْرِ لِيَتَخَلَّلَ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ وَإِذَا تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ بِنَقْلٍ، لَا لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ حَلَّتْ وَإِلَّا فَلَا (وَالْخَلُّ الْمُبَاحُ: أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوْ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ) وَقَبْلَ أَنْ تَمْضِي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ (حَتَّى لَا يَغْلِيَ) قِيلَ لِلْإِمَامِ: فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ فَغَلِيَ قَالَ يُهْرَاقُ (وَالْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ نَجِسَةٌ) اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْمُرَادُ بَعْدَ عِلَاجِهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْغَزِّيِّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ وَقِيلَ: طَاهِرَةٌ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ
следующие страницы →