← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

" تَتِمَّةٌ " إذَا وَلَغَ فِي الْإِنَاءِ كِلَابٌ، أَوْ أَصَابَ الْمَحَلَّ نَجَاسَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحُكْمِ فَهِيَ كَنَجَاسَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ لِأَغْلَظِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَ عَمَّا يُمَاثِلُ، فَعَمَّا دُونَهُ أَوْلَى وَلَوْ وَلَغَ فِيهِ فَغَسَلَ دُونَ السَّبْعِ، ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى غُسِلَ لِلنَّجَاسَةِ الثَّانِيَةِ، وَانْدَرَجَ فِيهَا مَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الْأُولَى. (وَتُطَهَّرُ بَقِيَّةُ الْمُتَنَجِّسَاتِ بِسَبْعٍ مُنَقِّيَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا أَنْ نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا» ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُبْدِعِ وَغَيْرُهُ فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِهِ ﷺ وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ فَيَلْحَقُ بِهِ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا وَالْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ النَّصِّ بِدَلِيلِ إلْحَاقِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ بِهِ فَعَلَى هَذَا يُغْسَلُ مَحَلُّ الِاسْتِنْجَاءِ سَبْعًا كَغَيْرِهِ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالشِّيرَازِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ. لَكِنْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ عَدَدٌ، اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، لَا فِي قَوْلِهِ وَلَا فِي فِعْلِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا) أَيْ: بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ (تُرَابٌ) قَصْرًا لَهُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ. (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَحَلُّ الْمُتَنَجِّسُ (بِهَا) أَيْ: بِالسَّبْعِ (زَادَ) فِي الْغُسْلِ (حَتَّى يُنَقَّى) الْمَحَلُّ (فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ النَّجَاسَاتِ، مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ (وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ) النَّجَاسَةِ (أَوْ رِيحِهَا أَوْ هُمَا) أَيْ: اللَّوْنُ وَالرِّيحُ (عَجْزًا) عَنْ إزَالَتِهِمَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. «أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ قَالَ فَإِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَخْرُجْ أَثَرُهُ قَالَ يَكْفِيكِ الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَيُطَهَّرُ) الْمَحَلُّ مَعَ بَقَائِهِمَا أَوْ بَقَاءِ أَحَدِهِمَا (وَيَضُرُّ) بَقَاءُ (طَعْمٍ) لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلِسُهُولَةِ إزَالَتِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ مَعَ بَقَاءِ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ. (وَإِنْ اسْتَعْمَلَ فِي إزَالَتِهِ) أَيْ: أَثَرِ النَّجَاسَةِ (مَا يُزِيلُهُ كَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ، فَحَسَنٌ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ، فَحَاضَتْ قَالَتْ: فَنَزَلْتُ، فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي فَقَالَ: مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ» (وَلَا يَجِب) ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِإِفْسَادِ الْمَالِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، كَمَا يُنْهَى عَنْ ذَبْحِ الْخَيْلِ الَّتِي يُجَاهَدُ عَلَيْهَا، وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحَجُّ عَلَيْهَا، وَالْبَقَرِ الَّتِي يُحْرَثُ عَلَيْهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهَا قَالَهُ الشَّيْخُ) . وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ: وَيُكْرَهُ ذَبْحُ الْفَرَسِ

стр. 177

الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْجِهَادِ، بِلَا نِزَاعٍ (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ النُّخَالَةِ الْخَالِصَةِ) مِنْ الدَّقِيقِ (فِي التَّدَلُّكِ، وَغَسْلِ الْأَيْدِي بِهَا، وَكَذَا) التَّدَلُّكِ وَغَسْلُ الْأَيْدِي (بِبِطِّيخٍ وَدَقِيقِ الْبَاقِلَاءِ) وَهِيَ الْفُولُ، إنْ شَدَّدْتَ اللَّامَ قَصَرْتَ، وَإِنْ خَفَّفْتَ مَدَدْتَ. ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَغَيْرهَا مِمَّا لَهُ قُوَّةُ الْجَلَاءِ، لِحَاجَةٍ) وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ أَنْ يَغْسِلَ جِسْمَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ، مِثْلِ دَقِيقِ الْحِمَّصِ أَوْ الْعَدَسِ أَوْ الْبَاقِلَاءِ وَنَحْوِهِ (وَيُغْسَلُ مَا نُجِّسَ بِبَعْضِ الْغَسَلَاتِ بِعَدَدِ مَا بَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الْغَسْلَةِ) لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تُطَهَّرُ فِي مَحَلِّهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ، فَطَهُرَتْ بِهِ فِي مِثْلِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ. فَلَوْ تَنَجَّسَ بِالْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ مَثَلًا، غُسِلَ ثَلَاثُ غَسَلَاتٍ إحْدَاهُنَّ (بِتُرَابٍ إنْ لَمْ يَكُنْ) التُّرَابُ (اُسْتُعْمِلَ) فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْغَسَلَاتِ (حَيْثُ اُشْتُرِطَ) التُّرَابُ، بِأَنْ كَانَتْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا قَبْلُ كَفَى (وَيُعْتَبَرُ الْعَصْرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) خَارِجَ الْمَاءِ (مَعَ إمْكَانِهِ) أَيْ: الْعَصْرِ (فِيمَا تَشَرَّبَ نَجَاسَةً لِيَحْصُلَ انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ (وَلَا يَكْفِي تَجْفِيفُهُ بَدَلَ الْعَصْرِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عَصْرُهُ، كَالزُّلَالِيِّ وَنَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ (فَبِدَقِّهَا أَوْ دَوْسِهَا، وَتَقْلِيبِهَا أَوْ تَثْقِيلِهَا بِمَا يَفْصِلُ الْمَاءَ عَنْهَا) ، لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْعَصْرِ لِتَعَذُّرِهِ. (وَلَوْ عُصِرَ الثَّوْبُ فِي مَاءٍ وَلَوْ جَارِيًا، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مِنْهُ لَمْ يَطْهُرْ) لِعَدَمِ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْهُ (فَإِذَا رَفَعَهُ مِنْهُ) وَلَوْ بَعْدَ عَصْرِهِ مَرَّاتٍ (فَهِيَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، يَبْنِي عَلَيْهَا) وَيُتِمُّ السَّبْعَ (وَلَا يَكْفِي فِي الْعَدَدِ تَحْرِيكُهُ) أَيْ: الْإِنَاءِ (فِي الْمَاءِ وَخَضْخَضَتُهُ) وَلَوْ غُمِسَ الْإِنَاءُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَطْهُرْ، حَتَّى يَنْفَصِلَ عَنْهُ وَيُعَادَ إلَيْهِ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ. (إنْ وَضَعَهُ) أَيْ: الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ (فِي إنَاءٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَهُ وَاحِدَةً يُبْنَى عَلَيْهَا) بَعْدَ عَصْرِهِ، حَتَّى يَحْصُلَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ (وَيَطْهُرُ) الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ بِذَلِكَ (نَصًّا) لِأَنَّ الْمَاءَ وَارِدٌ عَلَى مَحَلِّ التَّطْهِيرِ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَبَّهُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ إنَاءٍ وَإِنْ غُمِسَ النَّجِسُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، نَجُسَ الْمَاءُ، وَلَمْ يَطْهُرْ النَّجِسُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا غَسْلَةً (وَعَصْرُ كُلِّ ثَوْبٍ) وَنَحْوِهِ (عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ، بِحَيْثُ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ) لِلنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ (وَمَا لَمْ يَتَشَرَّبْ) النَّجَاسَةَ (كَالْآنِيَةِ: يُطَهَّرُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ) عَنْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَكْفِي مَسْحُهُ) أَيْ: الْمُتَنَجِّسِ (وَلَوْ كَانَ صَقِيلًا، كَسَيْفٍ وَنَحْوِهِ) كَمِرْآةٍ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ. وَالْمَسْحُ لَيْسَ غَسْلًا (فَلَوْ قُطِعَ بِهِ) أَيْ: بِالسَّيْفِ الْمُتَنَجِّسِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ مَسْحِهِ (قَبْلَ غَسْلِهِ مِمَّا فِيهِ بَلَلٌ، كَبِطِّيخٍ وَنَحْوِهِ، نَجَّسَهُ) لِمُلَاقَاةِ الْبَلَلِ لِلنَّجَاسَةِ (فَإِنْ كَانَ) مَا قَطَعَهُ بِهِ (رَطْبًا لَا) بَلَلَ فِيهِ (كَجُبْنٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ) كَمَا لَوْ قَطَعَ

стр. 178

بِهِ يَابِسًا لِعَدَمِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ لَصِقَتْ النَّجَاسَةُ) فِي الطَّاهِرِ (وَجَبَ فِي إزَالَتِهَا الْحَتُّ) أَيْ: الْحَكُّ بِطَرَفِ حَجَرٍ أَوْ عُودٍ (وَالْقَرْصُ) أَيْ: الدَّلْكُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ دَلْكًا شَدِيدًا، وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ حَتَّى تَزُولَ عَيْنُهُ، وَأَثَرُهُ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ (إنْ لَمْ تُزَلْ) النَّجَاسَةُ (بِدُونِهِمَا) أَيْ: الْحَتِّ وَالْقَرْصِ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إذَا أَصَابَ ثَوْبَ الْمَرْأَةِ حَيْضُهَا اُسْتُحِبَّ أَنْ تَحُتُّهُ بِظُفْرِهَا، حَتَّى تَذْهَبَ خُشُونَتُهُ، ثُمَّ تَقْرِصَهُ بِرِيقِهَا لِيَلِينَ لِلْغَسْلِ ثُمَّ تَغْسِلهُ بِالْمَاءِ. (قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْمَحَلُّ بِهِمَا) أَيْ: بِالْحَتِّ وَالْقَرْصِ، فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِمَا سَقَطَا (وَيُحْسَبُ الْعَدَدُ فِي إزَالَتِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ، وَلَوْ قَبْلَ زَوَالِ عَيْنِهَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (فَلَوْ لَمْ تُزَلْ) النَّجَاسَةُ (إلَّا فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ أَجْزَأَ) ذَلِكَ لِحُصُولِ الْإِنْقَاءِ وَالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فَائِدَةٌ: لَوْ غُسِلَ بَعْضُ الثَّوْبِ النَّجِسِ طَهُرَ مَا غُسِلَ مِنْهُ قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَيَكُونُ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا لِمُلَاقَاتِهِ غَيْرَ الْمَغْسُولِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ فَإِنْ أَرَادَ غَسْلَ بَقِيَّتِهِ غَسَلَ مَا لَاقَاهُ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. [فَصْلٌ وَتَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ بِمَائِعٍ] (فَصْلٌ) (وَتَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ بِمَائِعٍ) كَبَوْلٍ (أَوْ) بِنَجَاسَةٍ (ذَاتِ جِرْمٍ أُزِيلَ) ذَلِكَ (عَنْهَا، وَلَوْ) كَانَتْ النَّجَاسَةُ (مِنْ كَلْبٍ، نَصًّا) أَوْ خِنْزِيرٍ. (وَ) يَطْهُرُ (صَخْرٌ وَأَجْرِنَةُ حَمَامٍ) وَنَحْوِهِ صِغَارٌ مَبْنِيَّةٌ أَوْ كِبَارٌ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَحِيطَانٌ وَأَحْوَاضٌ وَنَحْوُهَا: بِمُكَاثَرَةِ الْمَاءِ عَلَيْهَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ، مِنْ الْأَرْضِ وَالصَّخْرِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ إلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ لَكَانَ تَكْثِيرًا لِلنَّجَاسَةِ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مَصَابُّ الْفَضَلَاتِ وَمَطَارِحُ الْأَقْذَارِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي تَطْهِيرِهَا عَدَدٌ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَلَوْ) كَانَ مَا كُوثِرَتْ بِهِ (مِنْ مَطَرٍ وَسَيْلٍ) لِأَنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لَا

стр. 179

يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ فَاسْتَوَى مَا صَبَّهُ الْآدَمِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَاثَرَةِ: صَبُّ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ (بِحَيْثُ يَغْمُرهَا مِنْ غَيْرِ) اعْتِبَارِ (عَدَدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ مِنْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ) فَإِنْ لَمْ يَذْهَبَا لَمْ تَطْهُرْ (إنْ لَمْ يَعْجَزْ) عَنْ إزَالَتِهِمَا أَوْ إزَالَةِ أَحَدِهِمَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُزَالُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، سَقَطَ كَالثَّوْبِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ وَنَحْوُهَا بِالْمُكَاثَرَةِ (وَلَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ الْمَاءُ) الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ عَنْهَا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ حَيْثُ لَمْ يَأْمُرْ بِإِزَالَةِ الْمَاءِ عَنْهَا (وَيَضُرُّ) بَقَاءُ (طَعْمِ) النَّجَاسَةِ بِالْأَرْضِ كَالثَّوْبِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (أَوْ اخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالرَّمِيمِ وَالدَّمِ إذَا جَفَّ، وَالرَّوْثِ لَمْ تَطْهُرْ) الْأَرْضُ إذَنْ (بِالْغَسْلِ) لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ لَا تَنْقَلِبُ (بَلْ) تَطْهُرُ (بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ) بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ. (وَلَوْ بِإِدْرَارِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ) كَالدَّمِ (وَهُوَ رَطْبٌ فَقَلَعَ التُّرَابَ الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُهُ، فَالْبَاقِي طَاهِرٌ) لِعَدَمِ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ جَفَّ) الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ (فَأَزَالَ مَا عَلَيْهِ الْأَثَرُ) مِنْ التُّرَابِ (لَمْ تَطْهُرْ) الْأَرْضُ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا يَبِينُ عَلَى ظَاهِرِهَا (إلَّا أَنْ يُقْلَعَ مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ زَوَالُ مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ وَالْبَاقِي طَاهِرٌ) لِتَحَقُّقِهِ عَدَمَ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ. (وَلَا تَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ وَلَا غَيْرُهَا) مِنْ الْمُتَنَجِّسَاتِ (بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ وَلَا جَفَافٍ) لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِغَسْلِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُطَهِّرُ لَاكْتَفَى بِهِ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مَحَلٌّ نَجِسٌ فَلَمْ يُطَهَّرْ بِالْجَفَافِ، كَثِيَابٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ يُحْمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِيهِ فَيَكُونُ إقْبَالُهَا وَإِدْبَارُهَا بَعْدَ بَوْلِهَا، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. (وَلَا) تَطْهُرُ (نَجَاسَةٌ بِاسْتِحَالَةٍ) لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا " لِأَكْلِهَا النَّجَاسَة، وَلَوْ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ (وَلَا) تَطْهُرُ نَجَاسَةٌ أَيْضًا بِ (نَارٍ فَالْقَصْرُ مل) أَيْ: الرَّمَادُ مِنْ الرَّوْثِ النَّجِسِ نَجِسٌ (وَصَابُونٍ عُمِلَ مِنْ زَيْتٍ نَجِسٍ، وَدُخَانِ نَجَاسَةٍ، وَغُبَارُهَا) نَجِس (وَمَا تَصَاعَدَ مِنْ بُخَارِ مَاءٍ نَجِسٍ إلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ) نَجِسٌ (وَتُرَابُ جَبَلٍ بِرَوْثِ حِمَارٍ) أَوْ بَغْلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (نَجِسٌ) وَلَوْ

стр. 180

احْتَرَقَ كَالْخَزَفِ. وَكَذَا لَوْ وَقَعَ كَلْبٌ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا، أَوْ فِي صَبَّانَةٍ فَصَارَ صَابُونًا (إلَّا عَلَقَةً خُلِقَ مِنْهَا آدَمِيٌّ) أَوْ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ فَإِنَّهَا تَصِيرُ طَاهِرَةً، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نَجِسَةً لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا بِصَيْرُورَتِهَا عَلَقَةً فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَادَتْ إلَى أَصْلِهَا كَالْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ (وَ) إلَّا (خَمْرَةً انْقَلَبَتْ خَلًّا بِنَفْسِهَا) فَإِنَّهَا تَطْهُرُ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِشِدَّتِهَا الْمُسْكِرَةِ الْحَادِثَةِ لَهَا. وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَطْهُرَ، كَالْمَاءِ الَّذِي تَنَجَّسَ بِالتَّغَيُّرِ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ، لِكَوْنِهَا لَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِعَيْنِهَا وَالْخَمْرَةُ نَجَاسَتُهَا لِأَمْرٍ زَالَ بِالِانْقِلَابِ (أَوْ) انْقَلَبَتْ الْخَمْرَةُ خَلًّا (بِنَقْلِهَا) مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ دَنٍّ إلَى آخَرَ (لِغَيْرِ قَصْدِ التَّخْلِيلِ) فَتَطْهُرُ، كَمَا لَوْ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا. (وَيَحْرُمُ تَخْلِيلُهَا) وَلَوْ كَانَتْ لِيَتِيمٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ لَا وَالنَّبِيذُ كَالْخَمْرِ» فِيمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ خُلِّلَتْ) أَيْ: فُعِلَ بِهَا شَيْءٌ تَصِيرُ بِهِ خَلًّا (وَلَوْ بِنَقْلِهَا لِقَصْدِهِ) أَيْ: التَّخْلِيلِ (لَمْ تَطْهُرْ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَخْلِيلُهَا فَلَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ (وَدَنُّهَا) أَيْ: الْخَمْرِ (مِثْلُهَا، فَيَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا) تَبَعًا لَهَا (وَلَوْ مِمَّا يُلَاقِي الْخَلّ مِمَّا فَوْقَهُ مِمَّا أَصَابَهُ الْخَمْرُ فِي غَلَيَانِهِ) فَيَطْهُرُ كَاَلَّذِي لَاقَاهُ الْخَلُّ (كَمُحْتَفَرٍ مِنْ الْأَرْضِ طَهُرَ مَاؤُهُ بِمُكْثٍ) أَيْ: بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ (أَوْ بِإِضَافَةِ) مَاءٍ كَثِيرٍ، أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا بُنِيَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الصَّهَارِيجِ وَالْبَحْرَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَطْهُرُ بِمُكَاثَرَتِهِ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ (لَا إنَاء طَهُرَ مَاؤُهُ بِمُكْثِهِ أَوْ كُوثِرَ مَاءٌ نَجِسٌ فِيهِ بِمَاءٍ كَثِيرٍ طَهُورٍ، حَتَّى صَارَ) مَا فِيهِ (طَهُورًا لَمْ يَطْهُرْ الْإِنَاءُ بِدُونِ انْفِصَالِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (عَنْهُ فَإِذَا انْفَصَلَ) الْمَاءُ عَنْهُ (حُسِبَتْ غَسْلَةً وَاحِدَةً) وَلَوْ خَضْخَضَهُ مَرَّاتٍ (يُبْنَى عَلَيْهَا) مَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ (وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ خَلَّالٍ إمْسَاكُ خَمْرٍ لِيَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ، بَلْ يُرَاقُ) الْخَمْرُ (فِي الْحَالِ فَإِنْ خَالَفَ) غَيْرُ الْخَلَّالِ (وَأَمْسَكَ) الْخَمْرَ (فَصَارَ خَلًّا بِنَفْسِهِ) أَوْ بِنَقْلِهِ لَا لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ (طَهُرَ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْخَلَّالُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ الْخَمْرِ لِيَتَخَلَّلَ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ وَإِذَا تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ بِنَقْلٍ، لَا لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ حَلَّتْ وَإِلَّا فَلَا (وَالْخَلُّ الْمُبَاحُ: أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوْ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ) وَقَبْلَ أَنْ تَمْضِي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ (حَتَّى لَا يَغْلِيَ) قِيلَ لِلْإِمَامِ: فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ فَغَلِيَ قَالَ يُهْرَاقُ (وَالْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ نَجِسَةٌ) اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْمُرَادُ بَعْدَ عِلَاجِهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْغَزِّيِّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ وَقِيلَ: طَاهِرَةٌ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ

стр. 181

الْكُبْرَى وَحَوَاشِي صَاحِبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْمُقْنِعِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَلَا يَطْهُرُ دُهْنٌ) تَنَجَّسَ (بِغَسْلِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَلَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ بِإِرَاقَةِ السَّمْنِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مِنْهَا مَا يَتَأَتَّى غَسْلُهُ كَزَيْتٍ وَنَحْوِهِ وَكَيْفِيَّةُ تَطْهِيرِهِ: أَنْ يُجْعَلَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَيُحَرَّكَ، حَتَّى يُصِيبَ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، ثُمَّ يُتْرَكَ حَتَّى يَعْلُوَ عَلَى الْمَاءِ، فَيُؤْخَذَ. وَإِنْ تَرَكَهُ فِي جَرَّةٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ مَاءً وَحَرَّكَهُ فِيهِ، وَجَعَلَ لَهَا بِزَالًا، يَخْرُج مِنْهُ الْمَاءُ جَازَ (وَلَا) يَطْهُرُ (بَاطِنُ حُبٍّ) تَشَرَّبَ النَّجَاسَةَ. (وَ) لَا (عَجِينٌ) تَنَجَّسَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ (وَ) لَا (لَحْمٌ تَنَجَّسَ) وَتَشَرَّبَ النَّجَاسَةَ (وَلَا إنَاءٌ تَشَرَّبَ نَجَاسَةً وَ) لَا (سِكِّينٌ سُقِيَتْ مَاءً نَجِسًا) أَوْ بَوْلًا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يَسْتَأْصِلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ مِمَّا ذُكِرَ قَالَ أَحْمَدُ فِي الْعَجِينِ: يُطْعَمُ النَّوَاضِحَ، وَلَا يُطْعَمُ لِشَيْءٍ يُؤْكَلُ فِي الْحَالِ وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهُ، لِئَلَّا يَنْجُسَ بِهِ وَيَصِيرَ كَالْجَلَّالَةِ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيِّ فِي الْمُبْهِجِ: آنِيَةُ الْخَمْرِ مِنْهَا الْمُزَفَّتُ، فَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ لِأَنَّ الزِّفْتَ يَمْنَعُ وُصُولَ النَّجَاسَةِ إلَى جِسْمِ الْإِنَاءِ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُزَفَّتٍ، فَيَتَشَرَّبَ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ، فَلَا يَطْهُرُ بِالتَّطْهِيرِ فَإِنَّهُ مَتَى تُرِكَ مَائِعٌ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةٌ يَطْهُرُ الزِّئْبَقُ بِالْغَسْلِ) لِأَنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْجَامِدِ، وَبَعْدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ. (وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِدُهْنٍ مُتَنَجِّسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ) لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَعَدَّى وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَنْجِيسِهِ (وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ) لِأَنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ. (وَإِنْ وَقَعَ فِي مَائِعٍ سِنَّوْرٍ) وَهُوَ الْهِرُّ (أَوْ فَأْرَةٌ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَنْضَمُّ دُبُرُهُ إذَا وَقَعَ) فِي مَائِعٍ (فَخَرَجَ حَيًّا فَطَاهِرٌ) لِانْضِمَامِ دُبُرِهِ (وَكَذَا) إذَا وَقَعَ (فِي جَامِدٍ وَهُوَ) أَيْ: الْجَامِدُ (مَا لَا تَسْرِي النَّجَاسَةُ فِيهِ) غَالِبًا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَا لَوْ فُتِحَ وِعَاؤُهُ لَمْ تَسِلْ أَجْزَاؤُهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ سَمْنَ الْحِجَازِ لَا يَكَادُ يَبْلُغهُ (وَإِنْ مَاتَ فِيهِ) أَيْ: الْجَامِدِ هِرٌّ أَوْ نَحْوُهُ أُلْقِيَتْ وَمَا حَوْلَهَا (أَوْ حَصَلَتْ مِنْهُ) أَيْ: السِّنَّوْرِ وَنَحْوِهِ (رُطُوبَةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ (أُلْقِيَتْ وَمَا حَوْلَهَا، وَبَاقِيهِ طَاهِرٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (فَإِنْ اخْتَلَطَ) النَّجِسُ بِالطَّاهِرِ (وَلَمْ يَنْضَبِطْ) النَّجِسُ (حَرُمَ) الْكُلُّ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ (وَتَقَدَّمَ إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَائِعٍ) فِي الثَّالِثِ

стр. 182

مِنْ أَقْسَامِ الْمِيَاه، وَأَنَّهُ يَنْجُسُ وَإِنْ كَثُرَ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا. (وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ نَجَاسَةٍ فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مُصَلًّى صَغِيرٍ، كَبَيْتٍ صَغِيرٍ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ إزَالَتَهَا فَلَا يَكْفِي الظَّنُّ) لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ، الْجَمِيعِ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بِالْغَسْلِ كَمَا لَوْ خَفِيَ الْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ مُتَيَقَّنَةٌ فَلَا تَزُولُ إلَّا بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ جِهَتَهَا مِنْ الثَّوْبِ غَسَلَهُ كُلَّهُ وَإِنْ عَلِمَهَا فِي أَحَدِ كُمَّيْهِ وَجَهِلَهُ غَسَلَهُمَا وَإِنْ رَآهَا فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ غَسَلَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ نَظَرُهُ (وَ) إنْ خَفِيَتْ نَجَاسَةٌ (فِي صَحْرَاءَ وَاسِعَةٍ وَنَحْوِهَا) كَحَوْشٍ وَاسِعٍ (يُصَلِّي فِيهَا بِلَا غَسْلٍ وَلَا تَحَرٍّ) فَيُصَلِّي فِيهِ حَيْثُ شَاءَ، لِئَلَّا يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. (وَبَوْلُ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ نَجِسٌ) صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ، كَبَوْلِ الْكَبِيرِ، لَكِنْ، (يُجْزِئُ نَضْحُهُ وَهُوَ غَمْرُهُ بِالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ) الْمَاءُ عَنْ الْمَحَلِّ (وَيَطْهُرُ الْمَحَلُّ بِهِ) أَيْ: بِالنَّضْحِ بَوْلُ الْغُلَامِ الْمَذْكُورِ، لِحَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مُحْصَنٍ «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهَا لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ أَيْ: بِشَهْوَةٍ وَاخْتِيَارٍ، لَا لِعَدَمِ أَكْلِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ يُسْقَى الْأَدْوِيَةُ وَالسُّكَّرُ وَيُحَنَّكُ حِينَ الْوِلَادَةِ فَإِنْ أَكَلَهُ بِنَفْسِهِ غُسِلَ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِيمَنْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ، فَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (وَكَذَا قَيْؤُهُ) أَيْ: قَيْءِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ (وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ بَوْلِهِ) فَيَكْفِي نَضْحُهُ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَ (لَا) يُنْضَحُ بَوْلُ (أُنْثَى وَخُنْثَى) وَقَيْؤُهُمَا بَلْ يُغْسَلُ لِقَوْلِ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ «يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ» قَالَ قَتَادَةَ هَذَا إذَا لَمْ يُطْعَمَا فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا وَالْحِكْمَةُ فِيهِ: أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ يَخْرُجُ بِقُوَّةٍ، فَيَنْتَشِرُ، أَوْ أَنَّهُ يَكْثُرُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَيْدِي، فَتَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ بِغَسْلِهِ، أَوْ أَنَّ مِزَاجَهُ حَارٌّ، فَبَوْلُهُ رَقِيقٌ بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي فَرْقٌ مِنْ السُّنَّةِ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغُلَامَ أَصْلُهُ مِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالْجَارِيَةُ مِنْ اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَقَدْ أَفَادَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ. (وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلَ خُفٍّ أَوْ حِذَاءٍ) وَهُوَ النَّعْلُ (أَوْ نَحْوَهُمَا) كَالسُّرْمُوزَةِ (أَوْ) تَنَجَّسَ أَسْفَلُ (رِجْلٍ أَوْ ذَيْلِ امْرَأَةٍ بِمَشْيٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَبَ غَسْلُهُ) كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: يَسِيرُ النَّجَاسَةِ إذَا كَانَتْ عَلَى أَسْفَلِ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ بَعْدَ الدَّلْكِ يُعْفَى عَنْهُ، عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ

стр. 183

اهـ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إذَا وَطِئَ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ ﵇ هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَسْلَمُ مِنْ نَجَاسَةٍ تُصِيبُهَا، فَلَوْلَا أَنَّ دَلْكَهَا يُجْزِئُ لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهَا وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ يَكْثُرُ إصَابَةُ النَّجَاسَةِ لَهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ بَعْدَ الدَّلْكِ كَالسَّبِيلَيْنِ. [فَصْلٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا الْبَصَرُ] (فَصْلٌ وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا الطَّرْفُ) أَيْ: الْبَصَرُ (كَاَلَّذِي يَعْلَقُ بِأَرْجُلِ ذُبَابٍ وَنَحْوِهِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] . وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أُمِرْنَا أَنْ «نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ (إلَّا يَسِيرَ دَمٍ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الدَّمِ (مِنْ قَيْحٍ وَغَيْرِهِ) كَصَدِيدٍ (وَمَاءِ قُرُوحٍ) فَيُعْفَى عَنْ ذَلِكَ (فِي غَيْرِ مَائِعٍ وَمَطْعُومٍ) أَيْ: يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ. وَأَمَّا الْمَائِعُ وَالْمَطْعُومُ فَلَا يُعْفَى فِيهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (وَقَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ هُوَ (الَّذِي لَمْ يَنْقُضْ) الْوُضُوءَ أَيْ: مَا لَا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ، وَالْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنْ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ مِنْ الدَّمِ، وَإِنَّمَا يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ (مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ مِنْ آدَمِيٍّ) سَوَاءٌ الْمُصَلِّي وَغَيْرُهُ (مِنْ غَيْرِ سَبِيلٍ) فَإِنْ كَانَ مِنْ سَبِيلٍ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ (حَتَّى دَمِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَاسْتِحَاضَةٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا

стр. 184

أَيْ: حَرَّكَتْهُ وَفَرَكَتْهُ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. (أَوْ مِنْ غَيْرِ دَمٍ آدَمِيٍّ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ (مَأْكُولِ اللَّحْمِ) كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ (أَوْ لَا، كَهِرٍّ) بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ، كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ دَمِهِ، وَكَذَا دَمُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ (وَيُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي ثَوْبٍ) مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ فَحُشَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ وَ (لَا) يُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ بِ (أَكْثَرَ) مِنْ ثَوْبٍ بَلْ يُعْتَبَرُ مَا فِي كُلِّ ثَوْبٍ عَلَى حِدَتِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَتْبَعُ الْآخَرَ. وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي شَيْءٍ صَفِيقٍ قَدْ نَفَذَتْ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهِيَ نَجَاسَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ، بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الدَّمُ، فَهُمَا نَجَاسَتَانِ إذَا بَلَغَا لَوْ جُمِعَا قَدْرًا لَا يُعْفَى عَنْهُ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَجَانِبَيْ الثَّوْبِ (وَدَمُ عِرْقٍ مَأْكُولٍ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ بِالذَّبْحِ، وَمَا فِي خِلَالِ اللَّحْمِ طَاهِرٌ وَلَوْ ظَهَرَتْ حُمْرَتُهُ نَصًّا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (كَدَمِ سَمَكٍ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَوَقَّفَتْ إبَاحَتُهُ عَلَى إرَاقَتِهِ بِالذَّبْحِ، كَحَيَوَانِ الْبَرِّ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مَاءً. (وَيُؤْكَلَانِ) أَيْ: دَمُ عِرْقِ الْمَأْكُولِ وَدَمُ السَّمَكِ كَالْكَبِدِ (وَكَدَمِ شَهِيدٍ عَلَيْهِ) فَهُوَ طَاهِرٌ (وَلَوْ كَثُرَ) فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ، فَنَجِسٌ، كَغَيْرِهِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ بَقَاؤُهُ) أَيْ: بَقَاءُ دَمِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِ، حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ فَيُعَايَا بِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ: يَجِبُ بَقَاءُ دَمِ شَهِيدٍ عَلَيْهِ (وَكَدَمِ بَقٍّ وَقُمَّلٍ وَبَرَاغِيثَ وَذُبَابٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ (وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ) مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرَانِ لِحَدِيثِ " أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ " (وَدُودُ الْقَزِّ) وَبَزْرُهُ طَاهِرٌ (وَالْمِسْكُ وَفَأْرَتُهُ) وَهِيَ سُرَّةُ الْغَزَالِ طَاهِرَةٌ (وَالْعَنْبَرُ) طَاهِرٌ، ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْعَنْبَرُ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ أَيْ: دَفَعَهُ وَرَمَى بِهِ. (وَمَا يَسِيلُ مِنْ فَمٍ وَقْتَ النَّوْمِ) طَاهِرٌ (وَالْبُخَارُ الْخَارِجُ مِنْ الْجَوْفِ) طَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا تَظْهَرُ لَهُ صِفَةٌ بِالْمَحَلِّ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَالْبَلْغَمُ) وَلَوْ أَزْرَقَ طَاهِرٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ الصَّدْرِ، أَوْ الْمَعِدَةِ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا - وَوَصَفَهُ الْقَاسِمُ - فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ» وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَحْتَ قَدَمِهِ (وَبَوْلُ سَمَكٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤْكَلُ (طَاهِرٌ) . قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (لَا الْعَلَقَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنْهَا الْآدَمِيُّ أَوْ) يُخْلَقُ مِنْهَا (حَيَوَانٌ طَاهِرٌ) فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، لِأَنَّهَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ (وَلَا الْبَيْضَةُ الْمَذِرَةُ) أَيْ: الْفَاسِدَةُ (أَوْ) الْبَيْضَةُ (الَّتِي صَارَتْ دَمًا) فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، أَمَّا الَّتِي صَارَتْ دَمًا فَلِأَنَّهَا فِي حُكْمِ

стр. 185

الْعَلَقَةِ وَأَمَّا الْمَذِرَةُ فَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَقَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ الصَّحِيحُ طَهَارَتُهَا كَاللَّحْمِ إذَا أَنْتَنَ (وَأَثَرُ الِاسْتِجْمَارِ نَجِسٌ) لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ (يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ) بَعْدَ الْإِنْقَاءِ وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْمُرَادُ فِي مَحَلِّهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُسْتَجْمِرِ يَعْرَقُ فِي سَرَاوِيلِهِ: لَا بَأْسَ بِهِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ (وَ) يُعْفَى (عَنْ يَسِيرِ طِينِ شَارِعٍ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ) لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَ) يُعْفَى عَنْ (يَسِيرِ سَلَسِ بَوْلٍ، مَعَ كَمَالِ التَّحَفُّظِ) مِنْهُ لِلْمَشَقَّةِ (وَ) يُعْفَى عَنْ (يَسِيرِ دُخَانِ نَجَاسَةٍ وَغُبَارِهَا وَبُخَارِهَا مَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ صِفَةٌ) فِي الشَّيْءِ الطَّاهِرِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مَا لَمْ يَتَكَاثَفْ، لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ عَنْ ذَلِكَ (وَ) يُعْفَى عَنْ (يَسِيرِ مَاءٍ نَجِسٍ) بِمَاءٍ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ كَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ كُلَّ نَجَاسَةٍ نَجَّسَتْ الْمَاءَ، فَحُكْمُ هَذَا الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ بِهَا حُكْمُهَا لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ نَاشِئَةٌ عَنْ نَجَاسَةِ الْوَاقِعِ فِيهِ. فَهِيَ فَرْعُهُ (وَ) يُعْفَى (عَمَّا فِي عَيْنٍ مِنْ نَجَاسَةٍ) أَيْ: نَجَاسَةٍ كَانَتْ لِلتَّضَرُّرِ بِغَسْلِهَا (تَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْوُضُوءِ. (وَعَنْ حَمْلِ نَجِسٍ كَثِيرٍ فِي صَلَاةِ خَوْفٍ وَيَأْتِي) فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (وَمَا تَنَجَّسَ بِمَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ) كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ (عُفِيَ عَنْ أَثَرِ كَثِيرِهِ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ بَعْدَ الْمَسْحِ) لِأَنَّ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَسْحِ يَسِيرٌ وَإِنْ كَثُرَ مَحَلُّهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَيَسِيرِ غَيْرِهِ. (وَالْمَذْي وَالْقَيْءُ) نَجِسٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَنْ غَسَلَ فَمَهُ مِنْ قَيْءٍ بَالَغَ فِي الْغَسْلِ كَمَا هُوَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَهَلْ يُبَالِغُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ دُخُولَ الْمَاءِ أَوْ مَا لَمْ يَظُنّ أَوْ مَا لَمْ يَحْتَمِلْ؟ يَتَوَجَّه احْتِمَالَاتٌ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّ غَالِبَ الْأَحْكَامِ مَنُوطَةٌ بِالظُّنُونِ. (وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَالْبَغْلُ مِنْهُ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحُ الطَّيْرِ) مِنْ كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ خِلْقَةً نَجِسَةٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ فَقَالَ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً لَمْ يَحِدَّهُ بِالْقُلَّتَيْنِ» «وَقَالَ ﷺ فِي الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ إنَّهَا رِجْسٌ» . قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَرْكَبهُمَا وَيُرْكَبَانِ فِي زَمَنِهِ، وَفِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَبَيَّنَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ وَأَمَّا الْحِمَارُ الْوَحْشِيُّ وَالْبَغْلُ مِنْهُ فَطَاهِرٌ مَأْكُولٌ، وَيَأْتِي (وَرِيقُهَا وَعَرَقُهَا) أَيْ: الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ نَجِسَانِ؛ لِتَوَلُّدِهِمَا مِنْ النَّجِسِ (فَدَخَلَ فِيهِ) أَيْ: فِي عَرَقِ السِّبَاعِ (الزَّبَادُ) بِوَزْنِ سَحَابٍ، فَهُوَ نَجِسٌ (لِأَنَّهُ مِنْ حَيَوَانٍ بَرِّيٍّ غَيْرِ مَأْكُولٍ أَكْبَرَ مِنْ

стр. 186

الْهِرِّ) قَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ فِي مُفْرَدَاتِهِ. قَالَ الشَّرِيفُ الْإِدْرِيسِيُّ: الزَّبَادُ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ يُجْمَعُ مِنْ بَيْنِ أَفْخَاذِ حَيَوَانٍ مَعْرُوفٍ يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ يُصَادُ وَيُطْعَمُ اللَّحْمَ، ثُمَّ يَعْرَقُ فَيَكُونُ مِنْ عَرَقٍ بَيْنَ فَخِذَيْهِ حِينَئِذٍ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ الْأَهْلِيّ اهـ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ طَهَارَتُهُ قَالَ: وَهَلْ الزَّبَادُ لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيّ أَوْ عَرَقِ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ؟ فِيهِ خِلَافٌ (وَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا) أَيْ: الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ الْجَوَارِحِ: نَجِسَةٌ. (وَبَوْلُ الْخُفَّاشِ وَالْخُطَّافِ، وَالْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ الْمُحَرَّمُ) أَيْ: الْمُسْكِرُ أَوْ الَّذِي غَلَا وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ، وَأَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا. (وَالْجَلَّالَةُ قَبْلَ حَبْسِهَا) ثَلَاثًا تُطْعَمُ فِيهَا الطَّاهِرُ نَجِسَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِهَا وَأَلْبَانِهَا (وَالْوَدْيُ) مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ (وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ) مِنْ آدَمِيٍّ وَمَا لَا يُؤْكَلُ (نَجِسَةٌ) مِنْ غَيْرِهِ ﷺ وَمِنْ غَيْرِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فَالنَّجِسُ مِنَّا طَاهِرٌ مِنْهُمْ (وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْمَذْيِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَعَنْهُ فِي الْمَذْيِ وَالْقَيْءِ وَرِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَعَرَقِهَا وَبَوْل الْخُفَّاش وَالنَّبِيذِ أَنَّهُ كَالدَّمِ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَيُغْسَلُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ مِنْ الْمَذْيِ) مَا أَصَابَهُ سَبْعًا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا لَمْ يُصِبْهُ مَرَّةً لِمَا رُوِيَ عَنْ «عَلِيٍّ قَالَ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ قَالَ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَطِينُ الشَّارِعِ وَتُرَابُهُ طَاهِرٌ) وَإِنْ ظُنَّتْ نَجَاسَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ (مَا لَمْ تُعْلَم نَجَاسَتُهُ) فَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ وَتَقَدَّمَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ فَأَصَابَ شَيْئًا رَطْبًا غُبَارٌ نَجِسٌ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ النَّجَاسَةَ بِهِ وَأَطْلَقَ أَبُو الْمَعَالِي الْعَفْوَ عَنْهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَسِيرِ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ. (وَلَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ وَلَا طَرَفُهُ، وَلَا أَجْزَاؤُهُ) كَلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَعَصَبِهِ (وَلَا مَشِيمَتِهِ) بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ - كِيسِ الْوَلَدِ (وَلَوْ كَافِرًا بِمَوْتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وَلِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ

стр. 187

الْمُسْلِمُ لَا يَنْجَسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا (فَلَا يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ) آدَمِيٌّ أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ (فَغَيْرُهُ، كَرِيقِهِ) أَيْ: الْآدَمِيِّ (وَعَرَقِهِ وَبُزَاقِهِ وَمُخَاطِهِ، وَكَذَا مَا لَا نَفْسَ) أَيْ: دَمَ (لَهُ سَائِلَةٌ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ بِالْغَمْسِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا. وَلَوْ نَجَّسَ الطَّعَامَ لَأَفْسَدَهُ فَيَكُونُ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِغَمْسِهِ إزَالَةَ ضَرَرِهِ وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ أَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ إذَا مَاتَ فِيهِ وَاَلَّذِي لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ (كَذُبَابٍ وَبَقٍّ وَخَنَافِسَ) جَمْعُ خُنْفَسَاءَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ، وَيُقَالُ: خُنْفُسَةٌ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَعَقَارِبَ وَصَرَاصِيرَ وَسَرَطَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ) أَيْ: مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ طَاهِرَانِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ فِي قَوْلِهِمَا أَيْ: الشَّيْخَيْنِ قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَجْهًا وَاحِدًا، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: نَجَاسَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا (وَلَا يُكْرَه مَا) أَيْ: طَعَامٌ أَوْ غَيْرُهُ (مَاتَ فِيهِ) مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ. وَمَحَلُّ طَهَارَةِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ (إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنْ نَجَاسَةٍ كَصَرَاصِيرِ الْحَشِّ) وَدُودِ الْجُرْحِ (فَإِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْهَا فَنَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا) لِأَنَّ الِاسْتِحَالَةَ غَيْرُ مُطَهِّرَةٍ (وَلِلْوَزَغِ نَفْسٌ سَائِلَةٌ نَصًّا، كَالْحَيَّةِ وَالضُّفْدَعِ وَالْفَأْرَةِ) فَتُنَجِّسُ بِالْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْعَقْرَبِ (وَإِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ حَيَوَانٌ وَشَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَلَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ أَمْ لَا؟ (لَمْ يُنَجِّسْ) الْمَاءَ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ فَيَبْقَى عَلَيْهَا، حَتَّى يَتَحَقَّقَ انْتِقَالُهُ عَنْهَا وَكَذَا إنْ شَرِبَ مِنْهُ حَيَوَانٌ يَشُكُّ فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ وَطَهَارَتِهِ. (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ) طَاهِرَانِ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا " وَالنَّجِسُ لَا يُبَاحُ شُرْبُهُ، وَلَوْ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ لَأَمَرَهُمْ بِغَسْلِ أَثَرِهِ إذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ وَكَانَ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضَ الْغَنَمِ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا، وَطَافَ عَلَى بَعِيرِهِ (وَرِيقُهُ) أَيْ: مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (وَبُزَاقُهُ وَمُخَاطُهُ وَدَمْعُهُ وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ) كَبَوْلِهِ وَأَوْلَى (كَمَنِيِّ الْآدَمِيّ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ الرَّسُولِ ثُمَّ ﷺ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ امْسَحْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا وَفَارَقَ الْبَوْلَ وَالْمَذْيَ بِأَنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ وَيُسْتَحَبُّ

стр. 188

غَسْلُهُ أَوْ فَرْكُهُ إنْ كَانَ مَنِيَّ رَجُلٍ لِمَا تَقَدَّمَ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا أَوْ لَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ (وَلَوْ خَرَجَ) الْمَنِيُّ (بَعْدَ اسْتِجْمَارٍ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ لَا يَجِبُ فِيهِ فَرْكٌ وَلَا غَسْلٌ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَنِيُّ الْمُسْتَجْمِرِ نَجِسٌ دُونَ غَيْرِهِ (وَكَذَا رُطُوبَةُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) طَاهِرَةٌ لِلْحُكْمِ بِطَهَارَةِ مَنِيِّهَا، فَلَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا لَزِمَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا. (وَلَبَنُ غَيْرُ مَأْكُولٍ) كَلَبَنِ الْهِرِّ وَالْحِمَارِ (وَبَيْضُهُ) أَيْ: بَيْضُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ، كَبَيْضِ الْبَازِ وَالْعُقَابِ وَالرَّخَمِ (وَمَنِيُّهُ مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ: نَجِسٌ) كَبَوْلِهِ وَرَوْثِهِ (وَسُؤْرُ) بِضَمِّ السِّينِ وَبِالْهَمْزِ (الْهِرِّ) وَيُسَمَّى الضَّيْوَنَ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَيَاءٍ وَنُونٍ وَالسِّنَّوْرِ وَالْقِطِّ (وَهُوَ) أَيْ: سُؤْرُهُ (فَضْلَةُ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ) طَاهِرٌ. (وَ) سُؤْرُ (مِثْلِ خَلْقِهِ) أَيْ: مِثْلِ الْهِرِّ فِي الْخِلْقَةِ (وَ) سُؤْرُ (مَا دُونَهُ) أَيْ: الْهِرِّ فِي الْخِلْقَةِ (مِنْ طَيْرٍ وَغَيْرِهِ طَاهِرٌ) لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْهِرِّ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» شَبَّهَهَا بِالْخُدَّامِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وَلِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّرِ مِنْهَا، كَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ كَالْحَيَّةِ قَالَ الْقَاضِي فَطَهَارَتُهَا مِنْ النَّصِّ. وَمِثْلُهَا وَمَا دُونَهَا مِنْ التَّعْلِيلِ (فَلَوْ أَكَلَ) هِرٌّ وَنَحْوُهُ (نَجَاسَةً ثُمَّ وَلَغَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ فَطَهُورٌ وَلَوْ لَمْ يَغِبْ) الْهِرُّ وَنَحْوُهُ بَعْدَ أَكْلِهِ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ عَفَى عَنْهَا مُطْلَقًا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ (وَكَذَا فَمُ طِفْلٍ وَبَهِيمَةٍ) إذَا أَكَلَا نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَا مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ فَيَكُونُ الرِّيقُ مُطَهِّرًا لَهَا وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ نَجَاسَةٍ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يُكْرَه سُؤْرُهُنَّ نَصًّا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِرِّ، وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى بِنَقْرِ الْفَأْرِ وَغَيْرِهِ. (وَفِي الْمُسْتَوْعَبِ وَغَيْرِهِ يُكْرَهُ سُؤْرُ الْفَأْرِ؛ لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ النِّسْيَانَ وَيُكْرَهُ سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً نَصًّا) . لِأَنَّ الظَّاهِرَ نَجَاسَتُهُ (وَسُؤْرُ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ) كَالْكَلْبِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِمَا (نَجِسٌ) أَمَّا الشَّرَابُ فَلِأَنَّهُ مَائِعٌ لَاقَى النَّجَاسَةَ وَأَمَّا الطَّعَامُ فَلِنَجَاسَةِ رِيقِهَا الْمُلَاقِي لَهُ

стр. 189

[بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ] (بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ. (الْحَيْضُ) لُغَةً السَّيَلَانُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ حَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ وَحَاضَتْ الشَّجَرَةُ إذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ وَهُوَ الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ يُقَالُ: حَاضَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا، فَهِيَ حَائِضٌ وَحَائِضَةٌ: إذَا جَرَى دَمُهَا، وَتَحَيَّضَتْ، أَيْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنْ الصَّلَاةِ وَيُسَمَّى أَيْضًا الطَّمْثُ وَالْعِرَاكُ، وَالضَّحِكُ وَالْإِعْصَارُ، وَالْإِكْبَارُ وَالنِّفَاسُ وَالْفِرَاكُ وَالدِّرَاسُ وَشَرْعًا (دَمُ طَبِيعَةٍ) أَيْ: جِبِلَّةً وَخِلْقَةً وَسَجِيَّةً (يَخْرُجُ مَعَ الصِّحَّةِ) بِخِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ (مِنْ غَيْرِ سَبَبِ وِلَادَةٍ) خَرَجَ النِّفَاسُ (مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ) أَيْ: بَيْتِ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَائِهِ (يَعْتَادُ أُنْثَى، إذَا بَلَغَتْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ) وَلَيْسَ بِدَمِ فَسَادٍ، بَلْ خَلَقَهُ اللَّه لِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ إلَى غِذَائِهِ وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ فَإِذَا وَضَعَتْ قَلَبَهُ اللَّهُ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ وَلِذَلِكَ قَلَّمَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ فَإِذَا خَلَتْ مِنْهُمَا بَقِيَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ فَيَسْتَقِرّ فِي مَكَان، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقِلُّ وَيَطُولُ شَهْرُهَا وَيَقْصُرُ بِحَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ فِي الطِّبَاعِ وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِرِّ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبِبِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ، وَالسُّنَّةُ قَالَ أَحْمَدُ الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثِ فَاطِمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَحَمْنَةَ وَفِي رِوَايَةٍ أُمِّ سَلَمَةَ مَكَانَ أُمِّ حَبِيبَةَ. (وَالِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ) الْمُعْتَادَةِ مِنْ (مَرَضٍ وَفَسَادٍ مِنْ عِرْقٍ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى) ذَلِكَ الْعِرْقُ (الْعَاذِلُ) بِالْمُهْمَلَةِ، وَالْمُعْجَمَةِ، وَالْعَاذِرُ فِيهِ حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ، يُقَالُ: اُسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. (وَالنِّفَاسُ الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ) يُقَالُ: نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ فِيهِمَا إذَا وَلَدَتْ، وَيُقَالُ فِي الْحَيْضِ:

стр. 190

نَفِسَتْ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الصِّحَاحِ: النِّفَاسُ وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ إذَا وَضَعَتْ، فَهِيَ نُفَسَاءُ وَنِسْوَةٌ نِفَاسٌ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعَلَاءُ يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ غَيْرَ نَفْسَاءَ، وَعَسْرَاءَ، اهـ. (وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَيْئًا) بِالِاسْتِقْرَاءِ أَحَدُهَا: (الطَّهَارَةُ) أَيْ: لِلْحَيْضِ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ (لَهُ) وَتَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ لِجَنَابَةٍ، أَوْ إحْرَامٍ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ. (وَ) الثَّانِي (الْوُضُوءُ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ انْقِطَاعَ مَا يُوجِبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الثَّالِثُ (قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ. (وَ) الرَّابِعُ (مَسُّ الْمُصْحَفِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الْخَامِسُ (الطَّوَافُ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ إذَا حِضْتِ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) السَّادِسُ (فِعْلُ الصَّلَاةِ وَ) السَّابِعُ (وُجُوبُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (فَلَا تَقْضِيهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا، وَعَلَى أَنَّ قَضَاءَ مَا فَاتَ عَنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» وَلِمَا رَوَتْ مُعَاذَةُ قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا،. وَمَعْنَى قَوْلِهَا أَحَرُورِيَّةٌ الْإِنْكَارُ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ حَرُورَاءَ وَهِيَ مَكَانٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ الْخَوَارِجُ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ لِفَرْطِ تَعَمُّقِهِمْ فِي الدِّينِ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ لِتَكَرُّرِهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّتْ الْقَضَاءَ فَظَاهِرُ نَقَلِ الْأَثْرَمِ التَّحْرِيمُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ يُكْرَهُ لَكِنَّهُ بِدْعَةٌ كَمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ عِكْرِمَةَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ، إلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ فَيُعَايَى بِهَا اهـ يَعْنِي إذَا طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَإِنَّهَا تُصَلِّيهِمَا إذَا طَهُرَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِمَا فَتَسْمِيَتهَا قَضَاءٍ تَجَوُّزٌ. (وَ) الثَّامِنُ: (فِعْلُ الصِّيَامِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَلَيْسَ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ وَلَمْ تُصَلِّ؟ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ (وُجُوبَهُ) أَيْ: الصَّوْمِ (فَتَقْضِيهِ) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالتَّمَكُّنِ، فَإِنْ

стр. 191

لَمْ تَتَمَكَّنْ لَمْ تَكُنْ عَاصِيَةً وَتَقْضِيهِ هِيَ وَكُلُّ مَعْذُورٍ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ، لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ. وَالتَّاسِعُ (الِاعْتِكَافُ وَ) الْعَاشِرُ (اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ) وَلَوْ بِوُضُوءٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ: (الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] " وَلِقَوْلِهِ ﷺ «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (إلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ لَا تَنْدَفِعَ شَهْوَتُهُ بِدُونِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ وَيَخَافُ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ إنْ لَمْ يَطَأ، وَلَا يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى مَهْرِ حُرَّةٍ وَلَا ثَمَنِ أَمَةٍ. (وَ) الثَّانِي عَشَرَ: (سُنَّةُ الطَّلَاقِ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ أَوْ حَامِلًا وَلِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِيهِ كَانَ مُحَرَّمًا، وَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَسَيَأْتِي (مَا لَمْ تَسْأَلْهُ طَلَاقًا بِعِوَضٍ أَوْ خُلْعٍ لِأَنَّهَا) إذْن قَدْ أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا (فَإِنْ سَأَلَتْهُ) طَلَاقًا (بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يُبَحْ) قُلْت: وَلَعَلَّ اعْتِبَارَ الْعِوَضِ لِأَنَّهَا تُظْهِرُ خِلَافَ مَا تُبْطِنُ فَبَذْلُ الْعِوَضِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ. (وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ: (الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَحِيضُ لَا تَعْتَدّ بِالْأَشْهُرِ، بَلْ بِالْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَشَرَطَ فِي الْآيِسَةِ عَدَمَ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الْآيَةَ (إلَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) فَتَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ. وَالرَّابِعَ عَشَرَ: (ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ إذَا طَلَّقَهَا فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَبَعْضُ الْقُرْءِ لَيْسَ بِقُرْءٍ. (وَ) الْخَامِسَ عَشَرَ: (مُرُورُهَا فِي الْمَسْجِدِ إنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ) لِأَنَّ تَلْوِيثَهُ بِالنَّجَاسَةِ مُحَرَّمٌ وَالْوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (وَلَا يَمْنَعُ) الْحَيْضُ (الْغُسْلَ لِلْجَنَابَةِ وَالْإِحْرَامِ) وَدُخُولِ مَكَّةَ وَنَحْوِهِ وَتَقَدَّمَ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) الْغُسْلُ لِذَلِكَ (وَلَا) يُمْنَعُ (مُرُورُهَا فِي الْمَسْجِدِ إنْ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ) قَالَ فِي رِوَايَةِ

стр. 192

ابْنِ إبْرَاهِيمَ: تَمُرُّ وَلَا تَقْعُدُ. (وَيُوجِبُ) الْحَيْضُ (خَمْسَةَ أَشْيَاءَ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (الِاعْتِدَادَ بِهِ) لِغَيْرِ وَفَاةٍ لِمَا سَبَقَ (وَالْغُسْلَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَالْبُلُوغَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ (وَالْحُكْمَ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي الِاعْتِدَادِ) بِهِ، إذْ الْعِلَّةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْعِدَّةِ فِي الْأَصْلِ: الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ. (وَ) الْحُكْمَ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي (اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ) إذْ فَائِدَتُهُ ذَلِكَ. (وَ) الْخَامِسَ (الْكَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحَيْضِ قُلْتُ قَدْ يُقَالُ الْمُوجِبُ الْوَطْءُ، وَالْحَيْضُ شَرْطٌ كَمَا قَالُوا فِي الزِّنَا: أَنَّهُ مُوجِبٌ وَالْإِحْصَانُ فِي ذَلِكَ شَرْطٌ وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ (وَنِفَاس مِثْله) أَيْ: الْحَيْضِ فِيمَا يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ اُحْتُبِسَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ (حَتَّى فِي) وُجُوبِ (الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ فِيهِ) أَيْ: فِي النِّفَاسِ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الِاعْتِدَادِ بِهِ) لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِالْقُرُوءِ، وَالنِّفَاسُ لَيْسَ بِقُرْءٍ؛ وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ (وَكَوْنِهِ) أَيْ: النِّفَاسِ (لَا يُوجِبُ الْبُلُوغَ لِحُصُولِهِ قَبْلَهُ بِالْحَمْلِ) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْعَقِدُ مِنْ مَائِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] (وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ) أَيْ: بِالنِّفَاسِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَوْلَى (فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ بِخِلَافِ الْحَيْضِ. (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ) أَيْ: الْحَيْضُ أَوْ النِّفَاسُ (أُبِيحَ فِعْلُ الصِّيَامِ) لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ كَالْجُنُبِ (وَ) أُبِيحَ (الطَّلَاقُ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ بِالْحَيْضِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ (وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ كَالْإِجْمَاعِ، وَحَكَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ لِحِلِّ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالْغُسْلَ، فَقَالَ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ: يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ أَيْ: اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ فَأْتُوهُنَّ كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي عَلَى قِرَاءَةِ الْأَكْثَرِ بِتَخْفِيفِ يَطْهُرْنَ الْأُولَى أَنَّهُ يَنْتَهِي النَّهْيُ عَنْ الْقُرْبَانِ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، إذْ الْغَايَةُ تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا لِكَوْنِهَا بِحَرْفِ حَتَّى لِأَنَّهُ قَبْلَ: الِانْقِطَاعِ النَّهْي

стр. 193

وَالْقُرْبَان مُطْلَقٌ فَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ، وَبَعْدَهُ يَزُولُ التَّحْرِيمُ الْمُطْلَقُ، وَتَصِيرُ إبَاحَةُ وَطْئِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْغُسْلِ وَظَهَرَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْأَكْثَرِ أَكْثَرُ فَائِدَةً. تَنْبِيه تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ بِوُضُوءٍ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَالْحَصْرُ إضَافِيٌّ (فَلَوْ أَرَادَ وَطْأَهَا وَادَّعَتْ أَنَّهَا حَائِضٌ وَأَمْكَنَ) بِأَنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَيْضُ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ (قُبِلَ) قَوْلُهَا وُجُوبًا (نَصًّا) لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ تُزَفُّ الْعَرُوسُ إلَى زَوْجِهَا فَتَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ وَعَلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْئِهَا بِذَلِكَ، وَعَلَى تَصْدِيقِهَا فِي قَوْلِهَا: أَنَا حَائِضٌ، وَفِي قَوْلِهَا: قَدْ طَهُرْتُ. (وَيُبَاح أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (بِغَيْرِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ) كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، زَادَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَالِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَيَخْتَصُّ بِالتَّحْرِيمِ بِمَكَانِ الْحَيْضِ، وَهُوَ الْفَرْجُ وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظِهَا إلَّا الْجِمَاعَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُنِعَ لِلْأَذَى فَاخْتَصَّ بِمَحَلِّهِ، كَالدُّبُرِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَأْتَزِرَ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ» لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَقَذُّرًا كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ. (وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ) أَيْ: الْفَرْجِ (إذَنْ) أَيْ: عِنْدَ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ الْحَائِضِ بِغَيْرِ الْفَرْجِ لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ «إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ (وَوَطْؤُهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (فِي الْفَرْجِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ) لِعَدَمِ انْطِبَاقِ تَعْرِيفِهَا عَلَيْهِ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ الْكَبَائِرِ (فَإِنْ وَطِئَهَا) أَيْ: الْحَائِضَ (مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ فَأَكْثَرَ

стр. 194

(وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (فِي الْحَيْضِ، وَالدَّمِ يَجْرِي) أَيْ: يَسِيلُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ (فِي أَوَّلِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ (أَوْ) فِي (آخِرِهِ) لِأَنَّهُ مَعْنًى تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، فَاسْتَوَى الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ إقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ وَصِفَاتِهِ. (وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (بِحَائِلٍ) لَفَّهُ عَلَى ذَكَرِهِ، أَوْ كِيسٍ أَدْخَلَهُ فِيهِ (أَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَحَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ وَطْئِهِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَدِمْ) الْوَطْءُ بَلْ نَزَعَ فِي الْحَالِ (لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ زِنَتُهُ مِثْقَالٌ خَالِيًا مِنْ الْغِشِّ وَلَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ) خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ (أَوْ نِصْفُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ كَفَّارَةٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَنْ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ لَا يُقَالُ: كَيْفَ يُخَيِّرُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ؟ لِأَنَّهُ كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْإِتْمَامِ وَالْقَصْرِ وَأَخَذَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ. أَنَّ مَنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ: أَنَّهُ فِي تَكْرَارِ الْكَفَّارَةِ كَالصَّوْمِ (مَصْرِفُهَا) أَيْ: هَذِهِ الْكَفَّارَةِ (مَصْرِفُ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ) أَيْ: إلَى مَنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَتِهِ (وَتَجُوزُ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ) أَيْ: كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِمَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ (وَتَسْقُطُ) كَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ (بِعَجْزٍ) . قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: كَفَّارَةُ وَطْءِ الْحَائِضِ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا أَوْ عَنْ بَعْضِهَا كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ (وَكَذَا هِيَ) أَيْ: الْحَائِضُ (إنْ طَاوَعَتْهُ) عَلَى وَطْئِهَا فِي الْحَيْضِ فَتَجِبُ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، فَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ تَكْلِيفِهَا وَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ بِوَطْءِ الْحَائِضِ (حَتَّى) وَلَوْ كَانَ الْوَطْءُ (مِنْ نَاسٍ وَمُكْرَهٍ، وَجَاهِلِ الْحَيْضِ أَوْ التَّحْرِيمِ) أَيْ: جَاهِلِ الْحَيْضِ أَوْ التَّحْرِيمِ (أَوْ هُمَا) أَيْ: جَاهِلِ الْحَيْضِ وَالتَّحْرِيمِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ (وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِوَطْئِهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ وَهِيَ حَائِضٌ وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِحَائِضٍ. (وَلَا) تَجِبُ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا (بِوَطْئِهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (فِي الدُّبُرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ) عَنْ الدِّينَارِ أَوْ نِصْفِهِ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ (إلَّا) إذَا أَخْرَجَ الْقِيمَةَ (مِنْ الْفِضَّةِ) كَإِجْزَاءِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ. (وَبَدَنُ الْحَائِضِ وَعَرَقُهَا وَسُؤْرُهَا طَاهِرٌ وَ) لِذَا (لَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَعَجْنُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَلَا وَضْعُ يَدَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَائِعَاتِ) ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ إجْمَاعًا سَأَلَهُ حَرْبٌ

стр. 195

تُدْخِلُ يَدَهَا فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَخَلٍّ وَتَعْجِنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ قَالَ: نَعَمْ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَا يَفْسُدُ مِنْ الْمَائِعَاتِ بِمُلَاقَاتِهِ بَدَنَهَا، وَإِلَّا تَوَجَّهَ الْمَنْعُ فِيهَا وَفِي الْمَرْأَةِ الْجُنُبِ. (وَأَقَلُّ سِنٌّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ: تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ) هِلَالِيَّةٍ، فَمَتَى رَأَتْ دَمًا قَبْلَ بُلُوغِ ذَلِكَ السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْوُجُودِ وَالْعَادَةِ لِأُنْثَى حَيْضٌ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، كَتِهَامَةَ، وَالْبَارِدَةِ كَالصِّينِ وَإِنْ رَأَتْ مِنْ الدَّمِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَقَدْ بَلَغَتْ هَذَا السِّنَّ حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَثَبَتَتْ فِي حَقِّهَا أَحْكَامُ الْحَيْضِ كُلُّهَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَتْ عَائِشَةُ «إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَيْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَأَيْتُ جَدَّةً لَهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ نِسَاءَ تِهَامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ. (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ: أَكْثَرُ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ (خَمْسُونَ سَنَةً) لِقَوْلِ عَائِشَةَ إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَتْ أَيْضًا لَنْ تَرَى فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ، لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكِ الْقَاضِي. فَجُعِلَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ «وَقَالَ ﷺ فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلًا» فَجُعِلَ الْحَمْلُ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (فَلَا تَتْرُكُ) الْحَامِلُ (الصَّلَاةَ لِمَا تَرَاهُ) مِنْ الدَّمِ، لِأَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ، لَا حَيْضٍ وَكَذَا الصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ وَالطَّوَافُ وَنَحْوُهَا وَلَوْ عَبَّرَ بِالْعِبَادَةِ كَغَيْرِهِ، لَكَانَ أَعَمَّ (وَلَا يُمْنَعُ) زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا (وَطْأَهَا) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَائِضًا (إنْ خَافَ الْعَنَتَ) مِنْهُ أَوْ مِنْهَا وَإِلَّا مُنِعَ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِمَّنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ. وَيَأْتِي (وَتَغْتَسِلُ) الْحَامِلُ إذَا رَأَتْ دَمًا زَمَنَ حَمْلِهَا (عِنْدَ انْقِطَاعِهِ اسْتِحْبَابًا، نَصًّا) احْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَالْمُرَادُ مَا ذَكَرَهُ

стр. 196

صَاحِبُ الْفُرُوعِ: أَنَّ الْإِمَامَ نَصَّ عَلَى أَنَّهَا تَغْتَسِلُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ نَصًّا عَلَى قَوْلِهِ اسْتِحْبَابًا. (وَأَقَلُّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى الْعُرْفِ، كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، وَلَمْ يُوجَدْ أَقَلُّ مِنْهُ قَالَ عَطَاءٌ رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ،. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَأَيْتُ امْرَأَةً قَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُهُ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ كَانَ فِي نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا أَيْ: بِلَيْلَتِهِ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْيَوْمِ وَالْمُرَادُ: مِقْدَارُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَيْ: أَرْبَعٍ وَعِشْرُونَ سَاعَةً (فَلَوْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لِأَقَلَّ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْيَوْمِ بِلَيْلَتِهِ (فَلَيْسَ بِحَيْضٍ) (بَلْ) هُوَ (دَمُ فَسَادٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ: الْحَيْضِ (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهِنَّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٍ وَقَالَ عَطَاءٌ رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعَا «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ قِيلَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ قَالَ: تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا يَثْبُتُ هَذَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ خَطَأٌ (وَغَالِبُهُ) أَيْ: الْحَيْضِ (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ. (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ - قَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا - فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ قُلْ فِيهَا فَقَالَ شُرَيْحٌ إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْجَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ فَقَالَ عَلِيٌّ قالون أَيْ: جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ اُشْتُهِرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا، قَالَ أَحْمَدُ لَا نَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ (وَغَالِبُهُ) أَيْ: الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ) فَإِذَا كَانَ الْحَيْضُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، فَالْغَالِبُ

стр. 197

أَنْ يَكُونَ الطُّهْرُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَغَالِبُ الطُّهْرِ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقِيلَ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ: أَكْثَرِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا وَقَدْ تَحِيضُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَحَكَى أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ امْرَأَةً فِي زَمَنِهِ كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ زَمَنَ الْحَيْضِ خُلُوصُ النَّقَاءِ، بِأَنْ لَا تَتَغَيَّرَ مَعَهُ قُطْنَةٌ احْتَشَتْ بِهَا، وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا زَمَنَهُ. [فَصْلٌ وَالْمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ] (فَصْلٌ وَالْمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ) أَيْ: الَّتِي رَأَتْ دَمًا وَلَمْ تَكُنْ حَاضَتْ (فِي سِنٍّ تَحِيضُ لِمِثْلِهِ) كَبِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (وَلَوْ) كَانَ مَا رَأَتْهُ (صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَجْلِسُ بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ) لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ جُبْلَةٌ وَعَادَةٌ، وَدَمَ الِاسْتِحَاضَةِ لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (فَتَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ) وَنَحْوَهُمَا كَالطَّوَافِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْقِرَاءَةِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِجُلُوسِهَا. (أَقَلُّهُ) أَيْ: أَقَلُّ الْحَيْضِ، هُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ وَمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نُسْقِطُهَا بِالشَّكِّ، وَلَوْ نُجْلِسُهَا الْأَقَلَّ لَأَدَّى إلَى عَدَمِ جُلُوسِهَا أَصْلًا. (فَإِنْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لِدُونِهِ) أَيْ: لِدُونِ الْأَقَلِّ (فَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ، بَلْ دَمُ فَسَادٍ (وَقَضَتْ وَاجِبَ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا) لِثُبُوتِهَا فِي ذِمَّتِهَا. (وَإِنْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لَهُ) أَيْ: لِأَقَلِّ الْحَيْضِ، بِأَنْ انْقَطَعَ عِنْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (كَانَ حَيْضًا) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، كَمَا سَبَقَ (وَاغْتَسَلَتْ لَهُ) لِأَنَّهُ آخِرُ حَيْضِهَا. (وَإِنْ جَاوَزَهُ) أَيْ: جَاوَزَ الدَّمُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، بِأَنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ (وَلَمْ يَعْبُرْ) أَيْ يُجَاوِزْ (الْأَكْثَرَ) أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، بِأَنْ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَهَا (لَمْ تَجْلِسْ الْمُجَاوِزَ) لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ (بَلْ تَغْتَسِلُ عَقِبَ أَقَلِّهِ) أَيْ: الْحَيْضِ، لِأَنَّهُ آخِرُ حَيْضِهَا حُكْمًا، أَشْبَهَ آخِرَهُ حِسًّا (وَتَصُومُ وَتُصَلِّي فِيمَا جَاوَزَهُ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُمَا هُوَ الْحَيْضُ وَقَدْ حُكِمَ بِانْقِطَاعِهِ (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِيهِ) أَيْ: فِي الدَّمِ، أَيْ: زَمَنِهِ الْمُجَاوِزِ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ (قَبْلَ تَكْرَارِهِ نَصًّا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالْعِبَادَةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا فَتَعَيَّنَ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا. (فَإِنْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (يَوْمًا فَأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ أَكْثَرِهِ اغْتَسَلَتْ)

стр. 198

عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ حَيْضِهَا، فَلَا تَكُونُ طَاهِرًا بِيَقِينٍ إلَّا بِالْغُسْلِ، (وَحُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. (وَيُبَاحُ وَطْؤُهَا) إذَا اغْتَسَلَتْ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ (فَإِنْ عَادَ) الدَّمُ (فَكَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ (وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ: الدَّمِ (غُسْلًا ثَانِيًا) لِمَا تَقَدَّمَ (تَفْعَلُ ذَلِكَ) الْفِعْلَ، وَهُوَ جُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَغُسْلُهَا عِنْدَ آخِرِهَا، وَغُسْلُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ (ثَلَاثًا) أَيْ: فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ (فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِ الثَّلَاثِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ ﷺ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ، كَالْأَقْرَاءِ، وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ، وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ (فَإِنْ كَانَ) الدَّمُ (فِي الثَّلَاثِ مُتَسَاوِيًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً) وَلَمْ تَخْتَلِفْ (تَيَقَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ وَصَارَ عَادَةً) كَمَا ذَكَرْنَاهُ. (فَلَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِدُونِ الثَّلَاثِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا) أَيْ: الثَّلَاثِ مِنْ الشُّهُورِ (التَّوَالِي) . فَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ فِي شَهْرٍ وَلَمْ تَرَهُ فِي الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ رَأَتْهُ وَتَكَرَّرَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ، صَارَ عَادَةً لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَيْثُ تَكَرَّرَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ (فَ) إنَّهَا (تَجْلِسُهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ) لِأَنَّهُ صَارَ عَادَةً لَهَا (وَتُعِيدُ مَا فَعَلَتْهُ فِي الْمُجَاوِزِ) لِأَقَلِّ الْحَيْضِ (مِنْ وَاجِبِ صَوْمٍ، وَ) وَاجِبِ (طَوَافٍ، وَ) وَاجِبِ (اعْتِكَافٍ وَنَحْوِهَا) كَوَاجِبِ قِرَاءَةٍ لِتُبَيِّنَ أَنَّهَا فَعَلَتْهُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ (بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَادَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِتُعِيدُ، لِأَنَّهُ قَبْلَ ثُبُوتِهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ. (فَإِنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ يَعُدْ) ثَلَاثًا (أَوْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكَرُّرِهِ) ثَلَاثًا (لَمْ تُعِدْ) مَا فَعَلَتْهُ فِي الْمُجَاوِزِ، لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْهُ حَيْضًا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهَا. (فَإِنْ كَانَ) الدَّمُ (عَلَى أَعْدَادٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ) ثَلَاثًا (صَارَ عَادَةً) لَهَا، لِمَا تَقَدَّمَ، دُونَ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ (مُرَتَّبًا كَانَ، كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَسِتَّةٍ فِي) شَهْرٍ (ثَانٍ، وَسَبْعَةٍ فِي) شَهْرٍ (ثَالِثٍ، فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ لِتَكْرَارِهَا) ثَلَاثًا، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ (أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ عَكْسُهُ) أَيْ: عَكْسُ الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (كَأَنْ تَرَى فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسَةً وَفِي) الشَّهْرِ (الثَّانِي أَرْبَعَةً وَفِي) (الشَّهْرِ الثَّالِثِ سِتَّةً فَتَجْلِسُ الْأَرْبَعَةَ) لِتَكَرُّرِهَا ثُمَّ كُلَّمَا تَكَرَّرَ شَيْءٌ جَلَسَتْهُ. (فَإِنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَ) هِيَ (مُسْتَحَاضَةٌ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا

стр. 199

وَالِاسْتِحَاضَةُ كَمَا تَقَدَّمَ: سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ، دُونَ قَعْرِهِ، إذْ الْمَرْأَةُ لَهَا فَرْجَانِ، دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ، مِنْهُ الْحَيْضُ، وَخَارِجٌ كَالْأَلْيَتَيْنِ مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ ثُمَّ هِيَ لَا تَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ. (فَإِنْ كَانَ) دَمُهَا (مُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ أَسْوَدُ أَوْ ثَخِينٌ أَوْ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ) غَيْرُ مُنْتِنٍ (فَحَيْضُهَا زَمَنَ الْأَسْوَدِ أَوْ) زَمَنَ (الثَّخِينِ أَوْ) زَمَنَ (الْمُنْتِنِ إنْ صَلُحَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِأَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ) يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (وَلَا يُجَاوِزُ أَكَثْرُهُ) خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَلَا يَنْقُصُ غَيْرُهُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ (فَتَجْلِسُهُ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ «إذَا كَانَ الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عَرَقٍ» وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَرَجَعَ إلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، كَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ تَعَارَضَتْ الصِّفَاتُ فَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ. فَإِنْ اسْتَوَتْ رُجِّحَ بِالسَّبْقِ، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ (كَثُبُوتِهَا بِانْقِطَاعِ) الدَّمِ، فَإِذَا رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَسْوَدَ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ، وَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا، صَارَتْ عَادَتُهَا بِالتَّمْيِيزِ، لِثُبُوتِهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ فَإِذَا رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَسْوَدَ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ وَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا صَارَتْ عَادَةً، فَتُجْلِسهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ وَلَوْ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ بَعْدَ (وَلَا يُعْتَبَر فِيهَا) أَيْ: الْعَادَةُ الثَّانِي بِالتَّمْيِيزِ (التَّوَالِي أَيْضًا) أَيْ: كَمَا لَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ. (فَلَوْ رَأَتْ دَمًا أَسْوَدَ) يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا (ثُمَّ) دَمًا (أَحْمَرَ وَعَبَرَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ) أَيْ: جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، بِأَنْ كَانَ الْأَسْوَدُ عَشْرًا وَالْأَحْمَرُ ثَلَاثِينَ - مَثَلًا - (فَحَيْضُهَا زَمَنُ الدَّمِ الْأَسْوَدَ) إنْ صَلُحَ حَيْضًا فَتَجْلِسُهُ (وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ) لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) دَمُهَا (مُتَمَيِّزًا) بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ وَنَحْوَهُ (أَوْ كَانَ) مُتَمَيِّزًا (وَلَمْ يَصْلُحْ) الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، بِأَنْ نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ جَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ (قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيْضِ: سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي) أَيْ بِاجْتِهَادِهَا وَرَأْيِهَا فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى عَادَتِهَا أَوْ عَادَةِ نِسَائِهَا، أَوْ مَا يَكُونُ أَشْبَهَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا. وَوَجْهُ كَوْنِهَا تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ: " حَدِيثُ «حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَبِيرَةً قَدْ

стр. 200

مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ فَقَالَ: تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ اغْتَسِلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَعَمَلًا بِالْغَالِبِ وَلِأَنَّهَا تُرَدُّ إلَى غَالِبِ الْحَيْضِ وَقْتًا فَكَذَا قَدْرًا وَتُفَارِقُ الْمُبْتَدَأَةَ فِي جُلُوسِهَا الْأَقَلِّ، مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَوَّلُ مَا تَرَى الدَّمَ تَرْجُو انْكِشَافَ أَمْرِهَا عَنْ قُرْبٍ. وَلَمْ يُتَيَقَّنْ لَهَا دَمٌ فَاسِدٌ وَإِذَا عُلِمَ اسْتِحَاضَتُهَا، فَقَدْ اخْتَلَطَ الْحَيْضُ بِالْفَاسِدِ يَقِينًا، وَلَيْسَ ثَمَّ قَرِينَةٌ فَلِذَلِكَ رُدَّتْ إلَى الْغَالِبِ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّهَا) أَيْ: الْمُبْتَدَأَةِ (تَكْرَارُ الِاسْتِحَاضَةِ نَصًّا) بِخِلَافِ الْمُعْتَادَةِ (فَتَجْلِسُ) الْمُبْتَدَأَةُ الَّتِي جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ (قَبْلَ تَكْرَارِهِ) أَيْ: الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (أَقَلَّهُ) أَيْ: أَقَلَّ الْحَيْضِ، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ (وَلَا تَبْطُلُ دَلَالَةُ التَّمْيِيزِ بِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ) أَيْ: الدَّمِ الَّذِي يَصْلُحُ حَيْضًا كَالْأَسْوَدِ أَوْ الثَّخِينِ أَوْ الْمُنْتِنِ، إذَا بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَمْ يُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالدَّمِ الْآخَرِ (عَلَى شَهْرٍ) هِلَالِيٍّ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِأَنْ كَانَ الْأَسْوَدُ مِثْلَهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَالْأَحْمَرُ ثَلَاثِينَ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ بِمَنْزِلَةِ الطُّهْرِ وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ الْمُعْتَادَةُ إذَا اُسْتُحِيضَتْ] (فَصْلٌ) لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ، أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمُعْتَادَةِ إذَا اُسْتُحِيضَتْ، مُقَدِّمًا عَلَى ذَلِكَ تَعْرِيفَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَحُكْمَهَا الْعَامَّ فَقَالَ: (الْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي تَرَى دَمًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا) هَكَذَا فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَالدَّمُ الْفَاسِدُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى أَيْ: مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ فَعَلَى كَلَامِ الْإِنْصَافِ: مَا نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَمَا تَرَاهُ الْحَامِلُ لِأَقْرَبِ الْوِلَادَةِ، وَمَا تَرَاهُ قَبْلَ تَمَامِ تِسْعِ سِنِينَ: دَمُ فَسَادٍ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الِاسْتِحَاضَةِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ (وَحُكْمُهَا) أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةِ (حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ) أَيْ: الْخَالِيَاتِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ (فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ وَفِعْلِهَا) لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ أَشْبَهَتْ سَلَسَ الْبَوْلِ. وَلِلْمُسْتَحَاضَةِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً فَقَطْ، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ مُعْتَادَةٌ رَجَعَتْ، إلَى عَادَتِهَا) لِتَعْمَلَ بِهَا لِمَا يَأْتِي

стр. 201

الْحَالُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً مُمَيِّزَةً وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً) بَعْضَ دَمِهَا أَسْوَدَ أَوْ ثَخِينٍ أَوْ مُنْتِنٍ فَتُقَدَّمُ الْعَادَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ، سَوَاءٌ (اتَّفَقَ تَمْيِيزُهَا وَعَادَتُهَا) بِأَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا أَرْبَعَةً مَثَلًا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَكَانَ دَمُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَسْوَدَ، وَدَمُ بَاقِي الشَّهْرِ أَحْمَرَ (أَوْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْعَادَةُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ (بِمُدَاخَلَةٍ) بِأَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ الشَّهْرِ، فَتَرَى فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ أَرْبَعَةً أَسْوَدَ وَبَاقِي الشَّهْرِ أَحْمَرَ فَتَجْلِسُ السِّتَّةَ كُلَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ (أَوْ مُبَايَنَةٍ) بِأَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَتَرَى الدَّمَ الصَّالِحَ لِلْحَيْضِ فِي آخِرِهِ فَتَجْلِسُ عَادَتَهَا. ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَهَا، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي، لِقَوْلِهِ ﷺ «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا بِخِلَافِ اللَّوْنِ إذْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ وَالْعَادَةُ ضَرْبَانِ: مُتَّفِقَةٌ، بِأَنْ تَكُونَ أَيَّامًا مُتَسَاوِيَةً، كَسَبْعَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَإِذَا اُسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْهَا وَمُخْتَلِفَةٌ، وَهِيَ قِسْمَانِ: مُرَتَّبَةٌ، بِأَنْ تَرَى فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً ثُمَّ تَعُودُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَهَذِهِ إذَا اُسْتُحِيضَتْ فِي شَهْرٍ وَعَرَفَتْ نَوْبَتَهُ عَمِلَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَسِيَتْ نَوْبَتَهُ جَلَسَتْ الْأَقَلَّ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ وَشَكَّتْ هَلْ هُوَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ جَلَسَتْ أَرْبَعَةً لِأَنَّهَا الْيَقِينُ. ثُمَّ تَجْلِسُ فِي الشَّهْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَفِي الرَّابِعِ أَرْبَعَةً ثُمَّ تَعُودُ إلَى الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ أَبَدًا وَيَكْفِيهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَسَتْهَا، كَالنَّاسِيَةِ وَصَحَّحَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَيْضًا عِنْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ عَادَتِهَا، وَغَيْرُ الْمُرَتَّبَةِ، كَأَنْ تَحِيضَ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً. وَفِي الثَّانِي خَمْسَةً وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةً فَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ هُوَ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ جَلَسَتْ الْأَقَلَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَاغْتَسَلَتْ عَقِبَهُ (وَنَقْصُ الْعَادَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْعَدَمُ. (فَلَوْ نَقَصَتْ عَادَتُهَا ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ النَّقْصِ (فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةَ) أَيَّامٍ (فَرَأَتْ) الدَّمَ (سَبْعَةً ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ جَلَسَتْ السَّبْعَةَ) لِأَنَّهَا الَّتِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهَا عَادَتُهَا

стр. 202

الْحَالُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ وَتَنْسَى الْعَادَةَ، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ نَسِيَتْ الْعَادَةَ عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ الصَّالِحِ) لَأَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَتَقَدَّمَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «إذَا كَانَ دَمَ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ الْآخَرَ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» وَلِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ وَلَا تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَلْزَمُهَا الْعَمَلُ بِالتَّمْيِيزِ كَالْمُبْتَدَأَةِ. (وَلَوْ تَنَقَّلَ) التَّمْيِيزُ بِأَنْ كَانَتْ تَرَاهُ تَارَةً فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَتَارَةً فِي وَسَطِهِ وَتَارَةً فِي آخِرِهِ (مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) أَيْ: تَعْمَلُ بِالتَّمْيِيزِ وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ) بِأَنْ كَانَ الدَّمُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ (أَوْ كَانَ) لَهَا تَمْيِيزٌ (وَ) لَكِنَّهُ (لَيْسَ بِصَالِحٍ) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ (فَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ) لِأَنَّهَا قَدْ تَحَيَّرَتْ، فِي حَيْضِهَا بِجَهْلِ الْعَادَةِ وَعَدَمِ التَّمْيِيزِ وَهَذَا هُوَ الْحَالُ الرَّابِعُ وَلَا (تَفْتَقِرُ اسْتِحَاضَتُهَا إلَى تَكْرَارٍ) بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ (أَيْضًا) أَيْ: كَمَا أَنَّ تَمْيِيزَهَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَكْرَارٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِلْمُتَحَيِّرَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لِلْعَدَدِ فَقَطْ (تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ إنْ اتَّسَعَ شَهْرُهَا لَهُ) بِأَنْ كَانَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَهِيَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ قَالَهُ أَحْمَدُ وَلَمْ يَسْأَلْهَا عَنْ تَمْيِيزِهَا وَلَا عَادَتِهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً فَتَرُدُّ إلَى غَالِبِ الْحَيْضِ إنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِالْأَكْثَرِ كَمَا تَرُدُّ الْمُعْتَادَةُ لِعَادَتِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَّسِعْ شَهْرُهَا لِغَالِبِ الْحَيْضِ (جَلَسَتْ الْفَاضِلَ) مِنْ شَهْرِهَا (بَعْدَ أَقَلِّ الطُّهْرِ كَأَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الزَّائِدَ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرَيْنِ الْحَيْضَتَيْنِ فَقَطْ) لِئَلَّا يَنْقُصَ الطُّهْرُ عَنْ أَقَلِّهِ (وَهُوَ) أَيْ: مَا تَجْلِسُهُ (هُنَا) أَيْ: فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (خَمْسَةُ أَيَّامٍ) لِأَنَّهَا الْبَاقِي مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ فَتَجْلِسُهَا فَقَطْ (لِئَلَّا يَنْقُصَ الطُّهْرُ عَنْ أَقَلِّهِ) فَيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ طُهْرًا. (وَإِنْ جَهِلَتْ شَهْرَهَا جَلَسَتْهُ) أَيْ غَالِبَ الْحَيْضِ (مِنْ) كُلِّ (شَهْرٍ) لِلْخَبَرِ (هِلَالِيٍّ) لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَشَهْرُ الْمَرْأَةِ هُوَ) الزَّمَنُ (الَّذِي يَجْتَمِعُ لَهَا فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ) أَيْ: تَامَّانِ (وَأَقَلُّ ذَلِكَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا (يَوْمٌ) بِلَيْلَتِهِ (لِلْحَيْضِ) لِأَنَّهُ أَقَلُّهُ (وَثَلَاثَةَ عَشَرَ) يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا (لِلطُّهْرِ) لِأَنَّهَا أَقَلُّهُ (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ: شَهْرِ الْمَرْأَةِ لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (وَغَالِبُهُ) أَيْ: شَهْرِ الْمَرْأَةِ (الشَّهْرُ الْهِلَالِيُّ) لِأَنَّ غَالِبَ الْحَيْضِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَغَالَبَ الطُّهْرِ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ. وَتَقَدَّمَ (وَلَا تَكُونُ) الْمَرْأَةُ (مُعْتَادَةً حَتَّى تَعْرِفَ شَهْرَهَا) الَّذِي تَحِيضُ فِيهِ وَتَطْهُرُ فِيهِ (وَ) تَعْرِفَ (وَقْتَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا)

стр. 203

مِنْهُ بِأَنْ تَعْرِفَ أَنَّهَا تَحِيضُ خَمْسَةً مَثَلًا مِنْ ابْتِدَائِهِ وَتَطْهُرُ فِي بَاقِيهِ (وَيَتَكَرَّرُ) حَيْضُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهَا كَمَا تَقَدَّمَ الْحَالُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ عَالِمَةً بِالْعَدَدِ نَاسِيَةً لِلْمَوْضِعِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ. (وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا) أَيْ: أَيَّامِ حَيْضِهَا (وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا) بِأَنْ لَمْ تَدْرِ أَكَانَتْ تَحِيضُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ؟ (جَلَسَتْهَا) أَيْ أَيَّامَ حَيْضِهَا (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ) لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ حَيْضَةَ حَمْنَةَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَالصَّلَاةَ فِي بَقِيَّتِهِ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ جُبْلَةٌ وَالِاسْتِحَاضَةُ عَارِضَةٌ، فَإِذَا رَأَتْهُ وَجَبَ تَقْدِيمُ دَمِ الْحَيْضِ الْحَالُ الثَّالِثُ النَّاسِيَةُ لِلْعَدَدِ وَالْمَوْضِعِ، وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَا مَنْ عَدِمَتْهُمَا) أَيْ: عَدِمَتْ الْعِلْمَ بِعَدَدِ حَيْضِهَا وَمَوْضِعِهِ، فَتَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ عَرَفَتْ ابْتِدَاءَ الدَّمِ) بِأَنْ عَلِمَتْ أَنَّ الدَّمَ كَانَ يَأْتِيهَا فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ الشَّهْرِ وَأَوَّلِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ. (فَهُوَ أَوَّلُ دَوْرِهَا) فَتَجْلِسُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَتْ نَاسِيَةً لِلْعَدَدِ فَقَطْ وَالْمَوْضِعِ (وَمَا جَلَسَتْهُ نَاسِيَةً) لِلْعَدَدِ أَوْ الْمَوْضِعِ أَوْ هُمَا (مِنْ حَيْضٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَحَيْضٍ يَقِينًا) فِيمَا يُوجِبُهُ وَيَمْنَعُهُ، وَعَدَمِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ النِّفَاسِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ (وَمَا زَادَ عَلَى مَا تَجْلِسُهُ إلَى أَكْثَرِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ (كَطُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ) . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِمَا كَالْيَقِينِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيُبَاحُ وَيَسْقُطُ وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْوَطْءُ فِي طُهْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَالِاسْتِحَاضَةِ (وَغَيْرِهِمَا) أَيْ: غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَهُوَ نِصْفُ الشَّهْرِ الْبَاقِي إنْ حَيَّضْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (اسْتِحَاضَةً) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا (وَإِنْ ذَكَرَتْ) الْمُسْتَحَاضَةُ النَّاسِيَةُ لِعَادَتِهَا (عَادَتَهَا رَجَعَتْ إلَيْهَا) فَتَجْلِسُهَا لِأَنَّ تَرْكَ الْجُلُوسِ فِيهَا إنَّمَا كَانَ لِعَارِضِ النِّسْيَانِ وَإِذَا زَالَ الْعَارِضُ رَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ. (وَقَضَتْ الْوَاجِبَ زَمَنَ الْعَادَةِ الْمَنْسِيَّةِ) كَأَنْ كَانَتْ صَامَتْ فَرْضًا فِيهَا، فَتَقْضِيهِ، لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، لِمُوَافَقَةِ زَمَنِ الْحَيْضِ (وَ) قَضَتْ الْوَاجِبَ أَيْضًا (زَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهَا) فَتَقْتَضِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَنَحْوَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ حَيْضٍ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ حَيْضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، مِثْلُ الْمُبْتَدَأَةِ إذَا لَمْ تَعْرِفْ وَقْتَ ابْتِدَاءِ دَمِهَا وَلَا تَمْيِيزَ لَهَا) فَإِنَّهَا تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ بَعْدَ تَكَرُّرِهِ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ، وَإِذَا ذَكَرَتْ وَقْتَ

стр. 204

ابْتِدَاءِ دَمِهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ وَقَضَتْ الْوَاجِبَ زَمَنَهُ وَزَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهِ. (وَإِنْ عَلِمَتْ) الْمُسْتَحَاضَةُ عَدَدَ (أَيَّامِهَا فِي وَقْتٍ مِنْ الشَّهْرِ) كَأَنْ عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ (وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا) بِأَنْ لَمْ تَدْرِ أَهِيَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟ (فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا نِصْفَ الْوَقْتِ) الَّذِي عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِيهِ (فَأَقَلَّ) مِنْ نِصْفِهِ (فَحَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِهَا) فَإِذَا عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا كَانَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الشَّهْرِ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ مِنْ أَوَّلِهِ (أَوْ بِالتَّحَرِّي) أَيْ: لِلِاجْتِهَادِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا قَطَعَ بِهِ مَنْ قَالَ (وَلَيْسَ لَهَا حَيْضٌ بِيَقِينٍ) بَلْ حَيْضُهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ. (وَإِنْ زَادَتْ) أَيَّامُهَا (عَلَى النِّصْفِ) مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَتْ الْحَيْضَ فِيهِ (مِثْلُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأُوَلِ) مِنْ الشَّهْرِ (ضُمَّ الزَّائِدُ) عَلَى النِّصْفِ (وَهُوَ) فِي الْمِثَالِ (يَوْمٌ) لِأَنَّ نِصْفَ الْعَشَرَةِ خَمْسَةٌ (إلَى مِثْلِهِ مِمَّا قَبْلَهُ وَهُوَ يَوْمٌ، فَيَكُونَانِ) أَيْ: الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ (حَيْضًا بِيَقِينٍ) إذْ لَا يُحْتَمَلُ خِلَافُهُ (يَبْقَى لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ) تَتِمَّةَ عَادَتِهَا (فَإِنْ جَلَسَتْهَا مِنْ الْأَوَّلِ) عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ (كَانَ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى آخِرِ السَّادِسِ مِنْهَا يَوْمَانِ) وَهُمَا الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ (حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ) وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ. (وَإِنْ جَلَسَتْ بِالتَّحَرِّي) عَلَى الْوَجْهِ الْمُقَابِلِ لِقَوْلِ الْأَكْثَرِ (فَأَدَّاهَا اجْتِهَادُهَا إلَى أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ فَهِيَ كَاَلَّتِي ذَكَرْنَا) فَيَكُونَ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى آخِرِ السَّادِسِ مِنْهَا يَوْمَانِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ، وَالْأَرْبَعَةُ (حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ) وَالْيَوْمَانِ قَبْلَهَا حَيْضًا بِيَقِينٍ (وَالْأَرْبَعَةُ الْأُولَى طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَإِنْ قَالَتْ: حَيْضَتِي سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ الْعَشْرِ) الْأُوَلِ أَوْ الْوَسَطِ أَوْ الْأَخِيرِ (فَقَدْ زَادَتْ) أَيَّامُهَا (يَوْمَيْنِ عَلَى نِصْفِ الْوَقْتِ) لِأَنَّ نِصْفَ الْعَشَرَةِ خَمْسَةٌ (فَتَضُمُّهُمَا إلَى يَوْمَيْنِ قَبْلَهُمَا فَيَصِيرُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ حَيْضًا بِيَقِينٍ مِنْ أَوَّلِ الرَّابِعِ إلَى آخِرِ السَّابِعِ وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَجْلِسُهَا لِمَا تَقَدَّمَ) . مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ أَوْ بِالتَّحَرِّي عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَهِيَ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ (وَحُكْمُ الْحَيْضِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ حُكْمُ الْمُتَيَقَّنِ فِي تَرْكِ الْعِبَادَاتِ) وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ (كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ شَاءَتْ أَسْقَطَتْ الزَّائِدَ مِنْ أَيَّامِهَا) عَنْ نِصْفِ الْوَقْتِ (مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ) وَأَسْقَطَتْ (مِثْلَهُ مِنْ أَوَّلِهَا فَمَا بَقِيَ) أَيْ: صَارَ بِمَعْنَى: اجْتَمَعَ، كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (فَهُوَ حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَالشَّكُّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ) كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ. (وَإِنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا) بِأَنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ (وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ) أَيْ: عَدَدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ (جَلَسَتْ

стр. 205

فِيهِ) أَيْ: فِي مَوْضِعِ حَيْضِهَا (غَالِبَ الْحَيْضِ) سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً بِالتَّحَرِّي، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهَا) بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، فَرَأَتْ الدَّمَ ثَمَانِيَةً (أَوْ) تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ (بِتَقَدُّمٍ) ، بِأَنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ مِنْ وَسَطِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْهُ فِي أَوَّلِهِ (أَوْ) تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ بِ (تَأَخُّرٍ) بِأَنْ كَانَتْ تَرَاهُ فِي أَوَّلِهِ فَتَأَخَّرَ إلَى آخِرِهِ (أَوْ انْتِقَالٍ) بِأَنْ كَانَ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ الْأُوَلَ فَتَصِيرُ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ وَالْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ (فَ) مَا تَغَيَّرَ (كَدَمٍ زَائِدٍ عَلَى أَقَلِّ حَيْضٍ) مِنْ (مُبْتَدَأَةٍ) لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَتَصُومُ فِيهِ وَتُصَلِّي قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ غُسْلًا ثَانِيًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً تَجْلِسُهُ وَتُعِيدُ صَوْمَ فَرْضٍ وَنَحْوِهِ فِيهِ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّاهُ حَيْضًا (فَلَوْ لَمْ يَعُدْ، أَوْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ) ثَلَاثًا (لَمْ تَقْضِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ. (وَعَنْهُ تَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ (اخْتَارَهُ جَمْعٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَلَا يَسَعُ النِّسَاءَ الْعَمَلُ بِغَيْرِهِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ أَشْبَهُ قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ. (وَإِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا طُهْرًا خَالِصًا لَا تَتَغَيَّرُ مَعَهُ الْقُطْنَةُ إذَا احْتَشَّتْهَا، وَلَوْ أَقَلَّ مُدَّةٍ) فَلَا يُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ يَوْمًا (فَهِيَ طَاهِرٌ، تَغْتَسِلُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ فَلْتَغْتَسِلْ (وَتُصَلِّي) وَتَفْعَلْ مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَاتُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ زَوَالُ الْحَيْضِ (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) بَعْدَ الِاغْتِسَالِ، كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ. (فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي) أَثْنَاءِ (الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْهَا جَلَسَتْهُ) أَيْ: زَمَنَ الدَّمِ مِنْ الْعَادَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ (وَإِنْ جَاوَزَهَا) أَيْ: جَاوَزَ دَمُهَا الْعَائِدُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ عَادَتَهَا (وَلَمْ يَعْبُرْ) أَيْ: يُجَاوِزْ (أَكْثَرُ الْحَيْضِ) خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (لَمْ تَجْلِسْهُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ) ثَلَاثًا (وَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرُهُ) أَيْ جَاوَزَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ (فَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً لِاتِّصَالِهِ بِهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ الْحَيْضِ. (وَإِنْ عَاوَدَهَا) أَيْ: رَجَعَ الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ عَنْهَا (بَعْدَ الْعَادَةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا) إمَّا بِضَمِّهِ إلَى مَا قَبْلَهُ أَوْ نَفْسِهِ (أَوْ لَا) يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا (فَإِنْ أَمْكَنَ) جَعْلُهُ حَيْضًا إمَّا بِضَمِّهِ إلَى مَا قَبْلَهُ أَوْ بِنَفْسِهِ (بِأَنْ يَكُونَ) الدَّمُ (بِضَمِّهِ إلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا) أَيْ أَوَّلِ الدَّمَيْنِ وَآخِرِهِمَا (أَكْثَرُ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ) خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (فَيُلْفَقَانِ) أَيْ: الدَّمَانِ (وَيُجْعَلَانِ حَيْضَةً وَاحِدَةً إنْ تَكَرَّرَ) الدَّمُ الَّذِي بَعْدَ الْعَادَةِ ثَلَاثًا وَهَذَا مِثَالٌ لِمَا أَمْكَنَ

стр. 206

أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِالضَّمِّ وَأَشَارَ إلَى مَا أَمْكَنَ جَعْلُهُ بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: الدَّمَيْنِ (أَقَلُّ الطُّهْرِ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَكُلٌّ مِنْ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا إذَنْ بِمُفْرَدِهِ) بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَكْثَرَ وَلَا يُجَاوِزُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ (فَيَكُونَانِ حَيْضَتَيْنِ) لِوُجُودِ الطُّهْرِ التَّامِّ بَيْنَهُمَا. (إذَا تَكَرَّرَ) الثَّانِي ثَلَاثًا (وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ حَيْضٍ، فَهُوَ دَمٌ فَاسِدٌ إذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلَى مَا بَعْدَهُ) يَعْنِي إلَى الدَّمِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا. (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ الطُّهْرِ) بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا دُونَهُ (فَهَذَا اسْتِحَاضَةٌ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَمْ لَا) لِمُجَاوَزَتِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ (وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ فَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا فَرَأَتْ مِنْهَا خَمْسَةً دَمًا وَطَهُرَتْ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً) أُخْرَى (دَمًا وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ) ثَلَاثًا (فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَ) الْخَمْسَةُ (الثَّالِثَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ بِالتَّلْفِيقِ) لِأَنَّهُمَا مَعَ مَا بَيْنَهُمَا لَا يُجَاوِزَانِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (وَلَوْ رَأَتْ) الدَّمَ (الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً) فَأَكْثَرَ (لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا) لِمُجَاوَزَتِهِ مَعَ الْأَوَّلِ وَمَا بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ (وَلَوْ كَانَتْ رَأَتْ يَوْمًا) بِلَيْلَتِهِ (دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا) بِلَيْلَتِهِ (دَمًا وَتَكَرَّرَ) الثَّانِي (فَهُمَا حَيْضَتَانِ لِوُجُودِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (وَلَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَ) رَأَتْ (اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، ثُمَّ) رَأَتْ (يَوْمَيْنِ دَمًا فَهُنَا لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، لِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطُّهْرِ عَنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ) لِأَنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا (وَلَا) يُمْكِنْ (جَعْلُهُمَا حَيْضَتَيْنِ، لِانْتِقَاءِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ بَيْنَهُمَا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ (فَيَكُونُ الْحَيْضُ مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ) لِتَقَوِّيهِ بِمُوَافَقَتِهَا (وَ) يَكُونُ (الْآخَرُ اسْتِحَاضَةً) وَلَوْ تَكَرَّرَ. (وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ) وَهُمَا شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ حَيْضٌ) لِدُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ النَّصِّ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ وَكَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ: لَا تَعَجَّلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ. وَفِي الْكَافِي قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ هِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَتْبَعُ الْحَيْضَةَ (لَا بَعْدَهَا) أَيْ: لَيْسَتْ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ بَعْدَ الْعَادَةِ حَيْضًا (وَلَوْ تَكَرَّرَ) ذَلِكَ فَلَا تَجْلِسُهُ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ الطُّهْرِ

стр. 207

[فَصْلٌ فِي التَّلْفِيقِ وَشَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا] (فَصْلٌ فِي التَّلْفِيقِ) وَشَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا (وَمَعْنَاهُ) أَيْ: التَّلْفِيقِ (ضَمُّ الدِّمَاءِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ) وَجَعْلُهَا حَيْضَةً وَاحِدَةً (إنْ تَخَلَّلَهَا طُهْرٌ) لَا يَبْلُغُ أَقَلَّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (وَصَلُحَ زَمَانُهُ) أَيْ: الدَّمِ لِلْمُتَفَرِّقِ (أَنْ يَكُونَ حَيْضًا) بِأَنْ بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَ مُدَّةِ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (فَمَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ دَمًا يَبْلُغُ مَجْمُوعُهُ أَقَلَّ الْحَيْضِ) يَوْمًا وَلَيْلَةً (فَأَكْثَرَ وَ) تَرَى (طُهْرًا مُتَخَلِّلًا) لِذَلِكَ الدَّمِ، سَوَاءٌ كَانَ زَمَنُهُ كَزَمَنِ الطُّهْرِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (فَالدَّمُ حَيْضٌ مُلَفَّقٌ) فَتَجْلِسُهُ. لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ حَيْضَةً، ضَرُورَةَ نَقْصِهِ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ كَوْنُ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ تَعَيَّنَ الضَّمُّ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ كَوْنُهُ حَيْضًا أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ (وَالْبَاقِي) أَيْ: النَّقَاءُ (طُهْرٌ) لِمَا تَقَدَّمَ، مِنْ أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ صَحِيحٌ (فَتَغْتَسِلُ فِيهِ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي) لِأَنَّهُ طُهْرٌ حَقِيقَةً. (وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا) زَمَنَ طُهْرٍ، عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ يُبَاحُ (إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ زَمَنُ الدَّمِ، وَ) زَمَنُ (النَّقَاءِ أَكْثَرَهُ) أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ كَأَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً، إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَثَلًا (فَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً) لِقَوْلِ عَلِيٍّ (وَتَجْلِسُ الْمُبْتَدَأَةُ مِنْ هَذَا الدَّمِ) الَّذِي تَخَلَّلَهُ طُهْرٌ وَصَلُحَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا (أَقَلَّ الْحَيْضِ) ثُمَّ تَغْتَسِلُ (وَالْبَاقِي) مِنْ الدَّمِ (إنْ تَكَرَّرَ) ثَلَاثًا (فَهُوَ حَيْضٌ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، أَوْ جَاوَزَ أَكْثَرَهُ (فَاسْتِحَاضَةٌ) لَا تَجْلِسُهُ وَالْمُعْتَادَةُ تَجْلِسُ مَا تَرَاهُ فِي زَمَنِ عَادَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا بِتَلْفِيقٍ جَلَسَتْ عَلَى حَسَبِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، وَلَهَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ جَلَسَتْ زَمَنَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَقُلْنَا تَجْلِسُ الْغَالِبَ فَهَلْ تَلْفِقُ ذَلِكَ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، أَوْ تَجْلِسُ أَيَّامَ الدَّمِ مِنْ السِّتِّ أَوْ السَّبْعِ؟ وَجْهَانِ جُزِمَ بِالثَّانِي فِي الْكَافِي. (وَإِذَا أَرَادَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ الطَّهَارَةَ فَ) إنَّهَا (تَغْسِلُ فَرْجَهَا) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّمِ (وَتَحْتَشِي بِقُطْنٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ) مِنْ خِرَقٍ وَنَحْوِهَا طَاهِرَةٍ، لِيَمْتَنِعَ الدَّمُ (فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ) الْحَشْوُ (الدَّمَ، عَصَبَتْهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ يَمْنَعُ الدَّمَ حَسَبَ الْإِمْكَانِ، بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ، تَتَلَجَّمُ بِهَا، وَتُوثِقُ طَرَفَيْهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ قَدْ شَدَّتْهُ عَلَى وَسَطِهَا)

стр. 208

«لِقَوْلِهِ ﷺ لِحَمْنَةَ حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ - يَعْنِي - الْقُطْنَ تَحْشِينَ بِهِ الْمَكَانَ قَالَتْ:» إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ تَلَجَّمِي. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ صَائِمَةً، لَكِنْ يَتَوَجَّهُ أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى التَّعْصِيبِ فَقَطْ (فَإِنْ غَلَبَ) الدَّمُ (وَقَطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَتُهَا) لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَلَا يَلْزَمُهَا إذَنْ إعَادَةُ شَدِّهِ، وَ) لَا إعَادَةُ (غَسْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إنْ لَمْ تُفْرِطْ) فِي الشَّدِّ لِلْحَرَجِ فَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الشَّدِّ وَخَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَعَادَتْهُ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إنْ خَرَجَ شَيْءٌ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ لَهَا تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا يُقَالُ: فِيهِ وَفِي غَالِبِ الرِّوَايَاتِ وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِهِ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ (فَلَا) تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ (وَتُصَلِّي) الْمُسْتَحَاضَةُ بِوُضُوئِهَا (مَا شَاءَتْ) مَا دَامَ الْوَقْتُ (حَتَّى جَمْعًا بَيْنَ فَرْضَيْنِ) لِبَقَاءِ وُضُوئِهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَكَالْمُتَيَمِّمِ وَأَوْلَى (وَلَهَا) أَيْ الْمُسْتَحَاضَةِ (الطَّوَافُ) فَرْضًا وَنَفْلًا (وَلَوْ لَمْ تَطُلْ اسْتِحَاضَتُهَا) كَالصَّلَاةِ وَأَوْلَى (وَتُصَلِّي عَقِبَ طُهْرِهَا نَدْبًا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (فَإِنْ أَخَّرَتْ) الصَّلَاةَ عَنْ طُهْرِهَا (وَلَوْ) كَانَ التَّأْخِيرُ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَمْ يَضُرَّ) مَا دَامَ الْوَقْتُ لِأَنَّهَا مُتَطَهِّرَةٌ كَالْمُتَيَمِّمِ (وَإِنْ كَانَ لَهَا) أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةِ (عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ) أَيْ: الدَّمِ (زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، تَعَيَّنَ فِعْلُهُمَا فِيهِ) لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ الْإِتْيَانُ بِالْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا عُذْرَ مَعَهُ وَلَا ضَرُورَةَ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَتْ زَمَنَ انْقِطَاعِهِ ثُمَّ عَادَ بَطَلَ. (وَإِنْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ) لِلدَّمِ فِي زَمَنٍ يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (بَعْدَ طَهَارَتِهَا لِمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ) أَيْ: اتِّصَالُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ (بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا وَلَزِمَهَا اسْتِئْنَافُهَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ فِي حُكْمِ مَنْ حَدَثُهَا غَيْرُ دَائِمٍ. (فَإِنْ وُجِدَ) هَذَا الِانْقِطَاعُ (قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ الشُّرُوعُ فِيهَا) حَتَّى تَتَوَضَّأَ، لِبُطْلَانِ وُضُوئِهَا بِالِانْقِطَاعِ (فَإِنْ خَالَفَتْ وَشَرَعَتْ) فِي الصَّلَاةِ (وَاسْتَمَرَّ الِانْقِطَاعُ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، فَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ) لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ الطَّهَارَةِ بِانْقِطَاعِهِ. (وَإِنْ عَادَ) دَمُهَا (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ) لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِهَذَا الِانْقِطَاعِ (وَتَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا

стр. 209

صَلَّتْ بِطَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهَا فَلَمْ تَصِحَّ كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا. (وَإِنْ عَرَضَ) الِانْقِطَاعُ (فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَبْطَلَهَا مَعَ الْوُضُوءِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا بِالِانْقِطَاعِ تَصِيرُ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهَا (وَمُجَرَّدُ الِانْقِطَاعِ يُوجِبُ الِانْصِرَافَ) مِنْ الصَّلَاةِ، لِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ فَتَبْطُلُ هِيَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ يَسِيرٍ) فَلَا يَلْزَمُهَا الِانْصِرَافُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ مِنْ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُعْتَادِ لَهَا وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ (وَلَوْ تَوَضَّأَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ يَسِيرٍ فَ) انْقَطَعَ دَمُهَا. وَ (اتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى اتَّسَعَ) لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (أَوْ بَرِئَتْ) مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ (بَطَلَ وُضُوءُهَا إنْ وُجِدَ) أَيْ: خَرَجَ (مِنْهَا دَمٌ) بَعْدَ الْوُضُوءِ، كَالْمُتَيَمِّمِ لِلْمَرَضِ، فَيُعَافَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَمْ يَبْطُلْ (وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ) الَّذِي انْقَطَعَ فِيهِ الدَّمُ (لَا يَتَّسِعُ لَهُمَا) أَيْ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (لَمْ يُؤَثِّرْ) فِي بُطْلَانِ الْوُضُوءِ وَلَا الصَّلَاةِ. (وَلَوْ كَثُرَ الِانْقِطَاعُ) وَاتَّسَعَ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (وَ) لَكِنْ (اخْتَلَفَتْ بِتَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ وَقِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ، وَوُجِدَ مَرَّةً وَعُدِمَ) مَرَّةً (أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ بِاتِّصَالٍ وَلَا بِانْقِطَاعٍ فَهَذِهِ كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ) فِي الدَّمِ (فِي بُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالِانْقِطَاعِ الْمُتَّسِعِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، دُونَ مَا) أَيْ: انْقِطَاعٍ (دُونَهُ) أَيْ دُونَ مَا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَحُكْمُهَا كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ (فِي سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَ) لَا مِنْ (الْمُضِيِّ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ تَبَيُّنِ اتِّسَاعِهِ) لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ هَذَا الِانْقِطَاعِ فَيَقْضِي لُزُومُ اعْتِبَارِهِ إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. (وَلَا يَكْفِيهَا) أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةَ (نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ) قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَكْفِي (وَتَكْفِي نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ) أَيْ: تَتَعَيَّنُ، وَلَوْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهَا بِطُرُوءِ حَدَثٍ غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قُلْنَا إنَّ طَهَارَتَهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ. قُلْتُ لِأَنَّهَا لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ السَّابِقَ دُونَ الْمُقَارَنِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ كَالْمُتَأَخِّرِ لِلضَّرُورَةِ وَلِهَذَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ (فَأَمَّا تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ فَلَا تُعْتَبَرُ) هُنَا، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ بِخِلَافِهِ (وَتَبْطُلُ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَيْضًا) أَيْ: كَمَا تَبْطُلُ بِدُخُولِهِ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَالتَّيَمُّمِ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ تَبْطُلُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، دُونَ خُرُوجِهِ وَقَالَ أَبُو يَعْلَى تَبْطُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَالصَّحِيحُ فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْمَجْدُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى اهـ وَكَذَا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي نَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، قَالَ وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ طُهْرٌ يَبْطُلُ ... لِمَنْ بِهَا اسْتِحَاضَةٌ قَدْ نَقَلُوا

стр. 210

لَا بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لَوْ تَطَهَّرَتْ لِلْفَجْرِ لَمْ يَبْطُلْ بِشَمْسٍ ظَهَرَتْ. (وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُهَا لِفَرْضٍ) كَظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ جُمُعَةٍ (قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهِ) لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ (وَمِثْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ) فِيمَا تَقَدَّمَ (لَا فِي الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) فَإِنَّ، اسْتِحْبَابَهُ يَخْتَصُّ الْمُسْتَحَاضَةَ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ (مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ) أَوْ الْمَذْيُ (وَالرِّيحُ وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَى دَمُهُ، وَ) ذُو (الرُّعَافِ الدَّائِمِ) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ هَؤُلَاءِ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، غَيْرُ مَا اسْتَثْنَى، لِتَسَاوِيهِمْ مَعْنًى، وَهُوَ عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ. فَوَجَبَ الْمُسَاوَاةُ حُكْمًا، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: كَانَ يَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَكَانَ يُدَاوِيهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا غَلَبَهُ صَلَّى وَلَا يُبَالِي مَا أَصَابَ ثَوْبَهُ (لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَشِيَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِيمَنْ بِهِ رُعَافٌ دَائِمٌ أَنَّهُ يَحْتَشِي، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ خِلَافَهُ قُلْتُ وَمَنْ بِهِ دُودُ قِرَاحٍ يَعْصِبُ الْمَحَلَّ بَعْدَ حَشْوِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَإِنْ كَانَ صَائِمًا عَصَبَهُ فَقَطْ، وَإِنْ مَنَعَهُ الْعَصْبَ اكْتَفَى بِهِ أَيْضًا غَيْرُ الصَّائِمِ. (وَإِنْ كَانَ) مَحَلُّ الْحَدَثِ (مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ كَالْجُرْحِ الَّذِي لَا) يَرْقَأُ دَمُهُ، وَلَا (يُمْكِنُ شَدُّهُ أَوْ مَنْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ وَلَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) لِفِعْلِ عُمَرَ حَيْثُ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَلَوْ قَدَرَ عَلَى حَبْسِهِ) أَيْ: الْحَدَثِ (حَالَ الْقِيَامِ) وَحْدَهُ (لَا حَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَزِمَهُ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ نَصًّا، وَلَا يُومِئُ) بِهِمَا وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ (كَالْمَكَانِ النَّجِسِ) الْيَابِسِ إذَا حُبِسَ بِهِ، وَيَأْتِي. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُومِئُ لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ لَا بُدَّ لَهُ (وَلَوْ امْتَنَعَتْ الْقِرَاءَةُ) إنْ صَلَّى قَائِمًا، صَلَّى قَاعِدًا (أَوْ لَحِقَهُ السَّلَسُ إنْ صَلَّى قَائِمًا، صَلَّى قَاعِدًا) لِأَنَّ لِلْقِيَامِ بَدَلًا، وَهُوَ الْقُعُودُ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ وَالطَّهَارَةِ (وَلَوْ كَانَ) مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ (لَوْ قَامَ وَقَعَدَ لَمْ يَحْبِسْهُ، وَلَوْ اسْتَلْقَى حَبَسَهُ، صَلَّى قَائِمًا) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ (أَوْ قَاعِدًا) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ، لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا. (قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَتْ الرِّيحُ تَتَمَاسَكُ جَالِسًا لَا سَاجِدًا لَزِمَهُ، السُّجُودُ بِالْأَرْضِ نَصًّا) وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي الْمَعَالِي يُومِئُ لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ لَا بُدَّ لَهُ، وَالسُّجُودُ لَهُ بَدَلٌ. (وَلَا يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا وَلِأَنَّ بِهَا أَذًى فَحَرُمَ وَطْؤُهَا كَالْحَائِضِ، وَعَنْهُ يُبَاحُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُجَامِعُهَا، وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ

стр. 211

يَغْشَاهَا، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَقَدْ قِيلَ: إنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ مَجْذُومًا. (فَإِنْ كَانَ) أَيْ: وُجِدَ خَوْفُ الْعَنَتِ مِنْهُ أَوْ خَافَتْهُ هِيَ وَطَلَبَتْهُ مِنْهُ (أُبِيحَ) لَهُ وَطْؤُهَا (وَلَوْ لِوَاجِدِ الطُّولِ لِنِكَاحِ غَيْرِهَا) خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ وَمُدَّتُهُ تَطُولُ (وَالشَّبَقُ الشَّدِيدُ كَخَوْفِ الْعَنَتِ) فَيُبِيحُ وَطْأَهَا وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَالٍ تُبِيحُ وَطْءَ الْحَائِضِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ نَصًّا) كَالْعَزْلِ وَ (قَالَ الْقَاضِي لَا يُبَاحُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ) أَيْ: لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ (وَفِعْلُ الرَّجُلِ ذَلِكَ بِهَا) أَيْ: إسْقَاؤُهُ إيَّاهَا دَوَاءً مُبَاحًا يَقْطَعُ الْحَيْضَ (مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا يَتَوَجَّهُ تَحْرِيمُهُ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقُطِعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ. (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ شُرْبِهَا دَوَاءً مُبَاحًا لِقَطْعِ الْحَيْضِ (شَرْبَةُ كَافُورٍ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلِلرَّجُلِ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ (وَلَا يَجُوزُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ) ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ جَوَازُهُ كَإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ بَلْ أَوْلَى وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ النَّسْلِ وَقَدْ يَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ مِمَّا سَبَقَ فِي الْكَافُورِ فَإِنَّ شُرْبَهُ يَقْطَعُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَقَطْعِ الْحَيْضِ (وَيَجُوزُ) لِأُنْثَى (شُرْبُ دَوَاءٍ) مُبَاحٍ (لِحُصُولِ الْحَيْضِ، لَا قُرْبَ رَمَضَانَ لِتُفْطِرَهُ) كَالسَّفَرِ لِلْفِطْرِ. [فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ] ِ وَهُوَ بَقِيَّةُ الدَّمِ الَّذِي احْتَبَسَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ لِأَجْلِهِ وَأَصْلُهُ لُغَةً مِنْ التَّنَفُّسِ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْجَوْفِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ، أَيْ: فَرَّجَهَا، وَهُوَ دَمٌ تُرْخِيهِ الرَّحِمُ مَعَ وِلَادَةٍ وَقَبْلَهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مَعَ أَمَارَةٍ وَبَعْدَهَا إلَى تَمَامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. (وَأَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مِنْ ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ) حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَأُمِّ سَلَمَةَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ. وَقَالَ

стр. 212

إِسْحَاقُ: وَهُوَ السُّنَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا (فَإِنْ رَأَتْهُ) أَيْ: الدَّمَ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ (بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ بِأَمَارَةٍ) كَتَوَجُّعٍ (فَ) هُوَ (نِفَاسٌ) كَالْخَارِجِ مَعَ الْوِلَادَةِ (وَلَا يُحْسَبُ) مَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ (مِنْ مُدَّتِهِ) أَيْ: النِّفَاسِ. (وَإِنْ جَاوَزَ) دَمُ النِّفَاسِ (الْأَرْبَعِينَ) يَوْمًا (وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا) وَلَمْ يَزِدْ عَنْ الْعَادَةِ (فَ) الْمُجَاوِزُ (حَيْضٌ) لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ يَتَّصِلُ بِزَمَنِ النِّفَاسِ. (فَإِنْ زَادَ) الْمُجَاوِزُ (عَلَى الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ) فَحَيْضٌ إنْ تَكَرَّرَ (أَوْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةَ) حَيْضِهَا (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ (أَيْضًا فَحَيْضٌ إنْ تَكَرَّرَ) ثَلَاثًا كَدَمِ الْمُبْتَدَأَةِ الْمُجَاوِزِ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ، وَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، أَوْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةً وَجَاوَزَ أَكْثَرَهُ (فَاسْتِحَاضَةٌ) وَلَوْ تَكَرَّرَ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا. (وَلَا تَدْخُلُ اسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ) كَمَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ حَيْضٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَقْوَى (وَيَثْبُتُ حُكْمُ النِّفَاسِ وَلَوْ بِتَعَدِّيهَا) عَلَى نَفْسِهَا بِضَرْبٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ لِأَنَّ وُجُودَ الدَّمِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ مِنْ جِهَتِهَا وَلَا يُمْكِنُهَا قَطْعُهُ بِخِلَافِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ الْقَاضِي: وَالسُّكْرُ جُعِلَ شَرْعًا كَمَعْصِيَةٍ مُسْتَدَانَةٍ يَفْعَلُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، بِدَلِيلِ جَرَيَانِ الْإِثْمِ وَالتَّكْلِيفِ (بِوَضْعِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ نَصًّا) . فَلَوْ وَضَعَتْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً لَا تَخْطِيطَ فِيهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا بِذَلِكَ حُكْمُ النِّفَاسِ، وَيَأْتِي أَنَّ أَقَلَّ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا وَغَالِبُهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَمَتَى رَأَتْ دَمًا عَلَى طَلْقٍ قَبْلَهَا لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَبَعْدَهَا تُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ثُمَّ إنْ انْكَشَفَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْوَضْعِ عَلَى الظَّاهِرِ، رَجَعَتْ فَاسْتَدْرَكَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْكَشِفْ، بِأَنْ دُفِنَ وَلَمْ تَتَفَقَّدْ أَمْرَهُ اسْتَمَرَّ حُكْمُ الظَّاهِرِ إذْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ خَطَأٌ. (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) أَيْ النِّفَاسِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تَحْدِيدُهُ، فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا عَقِبَ سَبَبِهِ فَكَانَ نِفَاسًا، كَالْكَثِيرِ (فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ) أَيْ النِّفَاسِ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَنَحْوِهِ (وَلَوْ بِقَطْرَةٍ) وَعَنْهُ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ، وَقَدَّمَ فِي التَّلْخِيصِ لَحْظَةً (فَإِنْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (فِي مُدَّتِهِ) أَيْ: فِي الْأَرْبَعِينَ (فَ) هِيَ (طَاهِرٌ) لِانْقِطَاعِ دَمِ النِّفَاسِ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ فِي عَادَتِهَا يُؤَيِّدهُ «مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إذَا وَلَدَتْ؟ قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ بِمَكَّةَ فَلَمْ تَرَ دَمًا فَلَقِيَتْ، عَائِشَةَ فَقَالَتْ أَنْتِ امْرَأَةٌ طَهَّرَكِ اللَّهُ (تَغْتَسِلُ

стр. 213

وَتُصَلِّي) وَتَصُومُ وَنَحْوُهُ (لِأَنَّهُ طُهْرٌ صَحِيحٌ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ بَعْدَ التَّطْهِيرِ) قَالَ أَحْمَدُ مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهَا أَتَتْهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فَقَالَ لَا تَقْرَبِينِي وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَوْدَ الدَّمِ فِي زَمَنِ الْوَطْءِ. (فَإِنْ عَادَ) الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْأَرْبَعِينَ (فَمَشْكُوكٌ فِيهِ) أَيْ: فِي كَوْنِهِ دَمَ نِفَاسٍ أَوْ فَسَادٍ، لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ الْأَمَارَتَانِ (كَمَا لَمْ تَرَهُ) أَيْ: الدَّمَ مَعَ الْوِلَادَةِ (ثُمَّ رَأَتْهُ فِي الْمُدَّةِ) أَيْ: فِي الْأَرْبَعِينَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ (فَتَصُومُ وَتُصَلِّي) أَيْ: تَتَعَبَّدُ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَسُقُوطُهَا بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَفِي غُسْلِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ رِوَايَتَانِ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَعَدَمِهِ، فَعَلَى هَذَا يَقْوَى عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ أَيْضًا اهـ مُلَخَّصًا قُلْتُ: إنَّ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِحْبَابِ قَوَّى الِاسْتِحْبَابَ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَأَوْلَى (وَتَقْضِي صَوْمَ الْفَرْضِ) وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا، وَلِوُجُوبِهِ يَقِينًا لَا يُقَالُ: إنَّهَا لَا تَقْضِي الصَّوْمَ قِيَاسًا عَلَى النَّاسِيَةِ إذَا صَامَتْ فِي الدَّمِ الزَّائِدِ عَلَى غَالِبِ الْحَيْضِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ النِّفَاسِ (وَلَا يَأْتِيهَا فِي الْفَرْجِ) زَمَنَ هَذَا الدَّمِ، كَالْمُبْتَدَأَةِ فِي الدَّمِ الزَّائِدِ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَبْلَ تَكَرُّرِهِ. (وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ) فَأَكْثَرَ (فَأَوَّلُ النِّفَاسِ وَآخِرُهُ) (مِنْ) ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ (الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ عَقِبَ الْوِلَادَةِ، فَكَانَ نِفَاسًا وَاحِدًا كَحَمْلٍ وَاحِدٍ وَوَضْعِهِ (فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: التَّوْأَمَيْنِ (أَرْبَعُونَ) فَأَكْثَرُ (فَلَا نِفَاسَ لِلثَّانِي نَصًّا) لِأَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِيَ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي آخِرِ النِّفَاسِ كَأَوَّلِهِ (بَلْ هُوَ) أَيْ: مَا خَرَجَ مَعَ الْوَلَدِ الثَّانِي بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ الْأَوَّلِ (دَمُ فَسَادٍ) لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا (وَيَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ) . وَفِي أَحْكَامِ النِّسَاءِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ: يَحْرُمُ وَفِي الْفُرُوعِ عَنْ الْفُنُونِ: إنَّمَا الْمَوْءُودَةُ بَعْدَ التَّارَاتِ السَّبْعِ وَتَلَا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]- إلَى - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قَالَ وَهَذَا حَلَّتْهُ الرُّوحُ لِأَنَّ مَا لَمْ تَحِلَّهُ لَا يُبْعَثُ فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ لَا يَحْرُمُ إسْقَاطُهُ وَلَهُ وَجْهٌ وَمَنْ اسْتَمَرَّ دَمُهَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِهَا بِقَدْرِ الْعَادَةِ فِي وَقْتِهَا، وَوَلَدَتْ فَخَرَجَتْ الْمَشِيمَةُ وَدَمُ النِّفَاسِ مِنْ فَمِهَا: فَغَايَتُهُ نَقْضُ الْوُضُوءِ لِأَنَّا لَا نَتَحَقَّقُهُ حَيْضًا كَزَائِدٍ عَلَى الْعَادَةِ، كَمَنِيٍّ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِ ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ.

стр. 214

[كِتَابُ الصَّلَاةِ] وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ، وَاحِدُهُمَا صَلًى كَعَصًا، وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ وَقِيلَ: عَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ مِنْ صَلَّيْت الْعُودَ إذَا لَيَّنْته، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَاوٌ أَوْ مِنْ صَلَّيْت يَاءٌ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَيْت الْمُخَفَّفُ تَقُولُ صَلَيْت اللَّحْمَ صَلْيًا إذَا شَوَيْته وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: صَلَيْت الْعَصَا تَصْلِيَةً أَدَرْته عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ (وَهِيَ) أَيْ: الصَّلَاةُ لُغَةً الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ: اُدْعُ لَهُمْ وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ، أَيْ: أَنْزِلْ رَحْمَتَك عَلَيْهِمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» . وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْت مُرْتَحِلَا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْت فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وَشَرْعًا (أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ) وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ، وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَوْجُودِ وَالتَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فَلَا يَرِدُ أَيْضًا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (وَهِيَ آكَدُ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (سُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ) وَقِيلَ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الشَّهَادَتَيْنِ كَالْمُصَلِّي مِنْ خَيْلِ الْحَلْبَةِ. (وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَوَاتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ خَمْسِينَ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا، ثُمَّ نُودِيَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَك بِهَذِهِ الْخَمْسَةِ خَمْسِينَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَانَ

стр. 215

الْإِسْرَاءُ (قَبْلَ الْهِجْرَةِ) مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ (بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ) عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ، وَهُوَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ. (وَ) الصَّلَوَاتُ (الْخَمْسُ فَرْضُ عَيْنٍ) بِالْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة: ٥] وَبِالسُّنَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبِالْإِجْمَاعِ. وَقَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ تَجِدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] الْآيَتَيْنِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ. (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ) أَيْ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ (كَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ حَرْبٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ نَشَأَ بِرَأْسِ جَبَلٍ (وَلَمْ يَسْمَعْ بِالصَّلَاةِ، فَيَقْضِيهَا) إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَتَعَلَّمَ حُكْمَهَا لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرَائِعَ لَا تُلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، وَأَجْرَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ، مِنْ تَيَمُّمٍ وَزَكَاةٍ وَنَحْوِهِمَا. (إلَّا حَائِضًا وَنُفَسَاءَ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَقْضِيَانِهَا، لِمَا مَرَّ (وَلَوْ طَرَحَتْ نَفْسَهَا) بِضَرْبٍ أَوْ دَوَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، وَتَقَدَّمَ. (وَتَجِبُ) الْخَمْسُ (عَلَى نَائِمٍ) أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إذَا اسْتَيْقَظَ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ حَالَ نَوْمِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا كَالْمَجْنُونِ، وَمِثْلُهُ السَّاهِي (وَيَجِبُ إعْلَامُهُ) أَيْ: النَّائِمِ (إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ) صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ. (وَتَجِبُ) الْخَمْسُ (عَلَى مَنْ تَغَطَّى عَقْلُهُ بِمَرَضٍ، أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ مُبَاحٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الصَّوْمَ، فَكَذَا الصَّلَاةُ، وَكَالنَّائِمِ وَلِأَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ هَلْ صَلَّيْت فَقَالُوا مَا صَلَّيْت مُنْذُ ثَلَاثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ ". وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ نَحْوُهُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْإِغْمَاءِ لَا تَطُولُ غَالِبًا وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ (أَوْ) تَغَطَّى عَقْلُهُ (بِمُحَرَّمٍ كَمُسْكِرٍ فَيَقْضِي) لِأَنَّ سُكْرَهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُنَاسِبُ إسْقَاطَ الْوَاجِبِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ إذَا
следующие страницы →