← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

[كِتَابُ النِّكَاحِ وَخَصَائِصِ النَّبِيِّ] (كِتَابُ النِّكَاحِ وَخَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَذُكِرَتْ هُنَا لِأَنَّهَا فِي النِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ النِّكَاحُ لُغَةً الضَّمُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَنَاكَحَتْ الْأَشْجَارُ، أَيْ انْضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَقَوْلُهُ: أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ وَعَنْ الزَّجَّاجِ: النِّكَاحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ جَمِيعًا قَالَ ابْنُ جِنِّي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ فَرَّقَتْ الْعَرَبُ فَرْقًا لَطِيفًا يُعْرَفُ بِهِ مَوْضِعُ الْعَقْدِ مِنْ الْوَطْءِ فَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ فُلَانَةَ أَوْ بِنْتَ فُلَانٍ أَرَادُوا تَزْوِيجَهَا وَالْعَقْدَ عَلَيْهَا وَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ امْرَأَتَهُ لَمْ يُرِيدُوا إلَّا الْمُجَامَعَةَ لِأَنَّ بِذِكْرِ امْرَأَتِهِ وَزَوْجَتِهِ يُسْتَغْنَى عَنْ الْعَقْدِ. وَشَرْعًا (عَقْدُ التَّزْوِيجِ) أَيُّ عَقْدٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ نِكَاحٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ تَرْجَمَتِهِ (وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ، مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ) لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ لَفْظُ النِّكَاحِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ إلَّا قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لِخَبَرِ «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» وَلِصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْ الْوَطْءِ فَيُقَالُ هَذَا نِكَاحٌ وَلَيْسَ بِسِفَاحٍ وَصِحَّةُ النَّفْيِ دَلِيلُ الْمَجَازِ وَلِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَا يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلَّا إلَيْهِ

стр. 2172

فَهُوَ مِمَّا نَقَلَهُ الْعُرْفُ وَقِيلَ إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ لِمَا سَبَقَ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَالْأَشْهَر أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ مُطْلَقِ الضَّمِّ، لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّوَاطُؤِ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ لِأَنَّهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ (وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ) أَيْ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ النِّكَاحِ وَيَقَعُ عَلَيْهِ (مَنْفَعَةُ الِاسْتِمْتَاعِ لَا مِلْكُهَا) أَيْ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ قَالَ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْحِلُّ لَا مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ وَلِهَذَا يَقَعُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهَا وَقِيلَ بَلْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الِازْدِوَاجُ كَالْمُشَارَكَةِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقَوْلُهُ ﷺ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِي النِّكَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (يُسَنُّ لِمَنْ لَهُ شُهْرَةٌ وَلَا يَخَافُ الزِّنَا) لِلْحَدِيثِ السَّابِق، عَلَّلَ أَمْرَهُ بِهِ بِأَنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَخَاطَبَ الشَّبَابَ لِأَنَّهُمْ أَغْلَبُ شَهْوَةً وَذَكَرَهُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى لِلْأَمْنِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورِ النَّظَرِ وَالزِّنَا مَنْ تَرَكَهُ (وَلَوْ) كَانَ (فَقِيرًا) عَاجِزًا عَنْ الْإِنْفَاقِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ» وَلِأَنَّهُ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ وَلَا وَجَدَ إلَّا إزَارَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ قَلِيلِ الْكَسْبِ يَضْعُفُ قَلْبُهُ عَنْ التَّزَوُّجِ اللَّهُ يَرْزُقهُمْ التَّزَوُّجُ أَحْصَنُ لَهُ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُمْكِنُهُ التَّزَوُّجُ فَأَمَّا مَنْ لَا يُمْكِنُهُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] انْتَهَى وَنَقَلَ صَالِحُ يَقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ (وَاشْتِغَالُهُ) أَيْ ذِي الشَّهْوَةِ (بِهِ) أَيْ النِّكَاحِ (أَفْضَلُ) مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ قَالَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَمِنْ (التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَوْ لَمْ

стр. 2173

يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إلَّا عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا، وَلِي طَوْلُ النِّكَاحِ فِيهِنَّ لَتَزَوَّجْتُ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " تَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ: لَيْسَتْ الْعُزُوبَةُ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ وَمَنْ دَعَاكَ إلَى غَيْرِ التَّزَوُّجِ فَقَدْ دَعَاكَ إلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ. وَلَوْ تَزَوَّجَ بِشْرٌ كَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ وَلِأَنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْ مَصَالِحِ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَحْصِينِ فَرْجِ نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَحِفْظِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا وَإِيجَادِ النَّسْلِ وَتَكْثِيرِ الْأُمَّةِ وَتَحْقِيقِ مُبَاهَاة النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحِ أَحَدُهَا عَلَى نَفْلِ الْعِبَادَةِ الْقِسْمُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَيُبَاحُ) النِّكَاحُ (لِمَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ) كَالْعِنِّينِ وَالْمَرِيضِ وَالْكَبِيرِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لَهَا يَجِبُ النِّكَاحُ أَوْ يُسْتَحَبُّ - وَهُوَ خَوْفُ الزِّنَا أَوْ وُجُودُ الشَّهْوَةِ - مَفْقُودَةٌ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ وَهُوَ فِيمَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْخِطَابُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ لِعَدَمِ مَنْعِ الشَّرْعِ مِنْهُ وَتَخَلِّيهِ إذَنْ لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ لِمَنْعِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا مِنْ التَّحْصِينِ بِغَيْرِهِ وَيَضُرُّهَا بِحَبْسِهَا عَلَى نَفْسِهِ وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِوَاجِبَاتٍ وَحُقُوقٍ لَعَلَّهُ لَا يَقُومُ بِهَا، وَيَشْتَغِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَخَافُ الزِّنَا) بِتَرْكِ النِّكَاحِ (مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ) سَوَاءٌ كَانَ خَوْفُهُ ذَلِكَ (عِلْمًا أَوْ ظَنًّا) لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ وَصَرْفِهَا عَنْ الْحَرَامِ وَطَرِيقُهُ النِّكَاحُ (وَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ) وَجَبَ (عَلَى حَجٍّ وَاجِبٍ نَصًّا) لِخَشْيَةِ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ بِتَأْخِيرِهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَإِنْ كَانَتْ الْعِبَادَاتُ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَالْعِلْمِ وَالْجِهَادِ قُدِّمَتْ عَلَى النِّكَاحِ إذَا لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَمَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ ظَاهِرٌ إنْ قُلْنَا أَنَّ النِّكَاحَ سُنَّةٌ، فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ كَمَا قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِير وَابْنُ الْمُثَنَّى فِي تَعْلِيقِهِمَا فَقَدْ تَعَارَضَ فَرْضَا كِفَايَةٍ فَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ النِّكَاحَ وَاجِبٌ قَدَّمَهُ لِأَنَّ فُرُوضَ الْأَعْيَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ (وَلَا يَكْتَفِي فِي) الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ (الْوُجُوبِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ يَكُونُ) التَّزْوِيجُ (فِي مَجْمُوعِ الْعُمْرِ) لِتَنْدَفِعَ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ (وَلَا يُكْتَفَى) فِي الِامْتِثَالِ (بِالْعَقْدِ فَقَطْ، بَلْ يَجِبُ الِاسْتِمْتَاعُ) لِأَنَّ خَشْيَةَ الْمَحْظُورِ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِهِ. (وَيُجْزِئُ تَسَرٍّ عَنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] . (وَمَنْ أَمَرَهُ بِهِ وَالِدَاهُ أَوْ)

стр. 2174

أَمَرَهُ بِهِ (أَحَدُهُمَا قَالَ أَحْمَدُ أَمَرْتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ) لِوُجُوبِ بِرِّ وَالِدَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاَلَّذِي يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ لَا يَتَزَوَّجُ أَبَدًا إنْ أَمَرَهُ بِهِ أَبُوهُ تَزَوَّجَ. (قَالَ الشَّيْخُ وَلَيْسَ لَهُمَا) أَيْ لِأَبَوَيْهِ (إلْزَامُهُ بِنِكَاحِ مَنْ لَا يُرِيدُ) نِكَاحَهَا لَهُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا (فَلَا يَكُونُ عَاقًّا) بِمُخَالَفَتِهِمَا فِي ذَلِكَ (كَأَكْلِ مَا لَا يُرِيدُ) أَكْلَهُ. (وَيَجِبُ) النِّكَاحُ (بِالنَّذْرِ) مِنْ ذِي الشَّهْوَةِ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وَأَمَّا نَحْو الْعِنِّينِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ إذَا نَذَرَهَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي النَّذْرِ. (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ دَخَلَ دَارَ كُفَّارٍ بِأَمَانٍ كَتَاجِرٍ (أَنْ يَتَزَوَّجَ) بِدَارِ حَرْبٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ (وَلَا يَتَسَرَّى) بِدَارِ حَرْبٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ (وَلَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ إنْ كَانَتْ مَعَهُ) وَلَا أَمَتَهُ وَلَا أَمَةً اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ (بِدَارِ حَرْبٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ) وَلَوْ مُسْلِمَةً نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَعَلَى مُقْتَضَى تَعْلِيلِهِ لَهُ نِكَاحُ آيِسَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ فَإِنَّهُ عَلَّلَ وَقَالَ مِنْ أَجْلِ الْوَلَدِ لِئَلَّا يُسْتَعْبَدَ قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ قُلْتُ وَعَلَّلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ لَا يَنْكِحُ حَتَّى الصَّغِيرَةَ وَالْآيِسَةَ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَبَا بَكْرٍ وَهُمْ تَحْتَ الرَّايَاتِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فِي آخِرِ الْجِهَادِ وَأَمَّا لِلْأَسِيرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّزْوِيجُ مَادَامَ أَسِيرًا لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مَنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ إذَا أُسِرَتْ مَعَهُ مَعَ صِحَّةِ نِكَاحِهِمَا انْتَهَى فَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لِضَرُورَةٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُنْتَهِي. (وَيَصِحُّ النِّكَاحُ) بِدَارِ الْحَرْبِ (وَلَوْ فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ (وَيَجِبُ عَزْلُهُ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ حُرِّمَ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ أَوْ جَازَ فَإِنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ وَلْيَعْزِلْ عَنْهَا. وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: حَيْثُ حُرِّمَ نِكَاحُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِعْلٍ وَجَبَ عَزْلُهُ، وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ عَزْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ قُلْتُ فَيُعَايَى بِهَا (وَلَا يَتَزَوَّجُ) بِدَارِ الْحَرْبِ (مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْكُفَّارِ بَلْ حَيْثُ احْتَاجَ يَتَزَوَّجُ الْمُسْلِمَةَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِسَلَامَةِ الْوَلَدِ مِنْهَا أَنْ يُسْتَعْبَدَ. (وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ أَرَادَ النِّكَاحَ أَنْ يَتَخَيَّرَ (نِكَاحَ دَيِّنَةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ نِكَاحُ (وَلُودٍ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:

стр. 2175

«تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَيُعْرَفُ كَوْنُ الْبِكْرِ وَلُودًا بِكَوْنِهَا مِنْ نِسَاءٍ يُعْرَفْنَ بِكَثْرَةِ الْأَوْلَادِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ نِكَاحُ (بِكْرٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِجَابِرٍ «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَتُهُ فِي نِكَاحِ الثَّيِّبِ أَرْجَحَ) فَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْبِكْرِ وَأَنْ تَكُونَ (مِنْ بَيْتٍ مَعْرُوفٍ بِالدِّينِ وَالْقَنَاعَةِ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ دِينِهَا وَقَنَاعَتِهَا وَأَنْ تَكُونَ (حَسِيبَةً وَهِيَ النَّسِيبَةُ أَيْ طَيِّبَةُ الْأَصْلِ) لِيَكُونَ وَلَدُهَا نَجِيبًا فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَهْلَهَا وَنَزَعَ إلَيْهِمْ. وَ (لَا) يَنْبَغِي تَزَوُّجُ (بِنْتِ زِنًا وَلَقِيطَةٍ وَمَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهَا وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ تَكُونَ جَمِيلَةً) لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِنَفْسِهِ وَأَغَضُّ لِبَصَرِهِ وَأَكْمَلُ لِمَوَدَّتِهِ وَلِذَلِكَ جَازَ النَّظَرُ قَبْلَ النِّكَاحِ وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا فِي مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْغَرَائِبَ أَنْجَبُ وَبَنَاتُ الْعَمِّ أَصْبَرُ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «خَيْرُ فَائِدَةٍ أَفَادَهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ إسْلَامِهِ: امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهَا وَتَحْفَظُهُ فِي غَيْبَتِهِ فِي مَالِهَا وَنَفْسِهَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ (أَجْنَبِيَّةً) لِأَنَّ وَلَدَهَا يَكُونُ أَنْجَبَ وَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ الطَّلَاقَ فَيُفْضِي مَعَ الْقَرَابَةِ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلْعِشْرَةِ وَلَا تَصْلُحُ الْعِشْرَةُ مَعَ الْحَمْقَاءِ وَلَا يَطِيبُ الْعَيْشُ مَعَهَا، وَرُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا وَقَدْ قِيلَ اجْتَنِبُوا الْحَمْقَاءَ فَإِنَّ وَلَدَهَا ضَيَاعٌ وَصِحَّتَهَا بَلَاءٌ (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى وَاحِدَةٍ إنْ حَصَلَ بِهَا الْإِعْفَافُ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْمُحَرَّمِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] وَقَالَ ﷺ «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَأَرَادَ أَحْمَدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى، فَقَالَ: يَكُونُ لَهُمَا لَحْمٌ يُرِيدُ كَوْنَهُمَا سَمِينَتَيْنِ وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلْيَسْتَجْدِ شَعْرَهَا فَإِنَّ الشَّعْرَ وَجْهٌ فَتَخَيَّرُوا أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ. وَأَحْسَنُ النِّسَاءِ التُّرْكِيَّاتُ وَأَصْلَحُهُنَّ الْجَلَبُ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ أَحَدًا، وَلِيَعْزِلَ عَنْ الْمَمْلُوكَةِ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ جَوْدَةَ دِينِهَا وَقُوَّةَ مَيَلَانِهَا إلَيْهِ

стр. 2176

وَلْيَحْذَرْ الْعَاقِلُ إطْلَاقَ الْبَصَرِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ تَرَى غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْعِشْقُ فَيَهْلَكُ الْبَدَنُ وَالدِّينُ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ دِينِهَا حَتَّى يُحْمَدَ لَهُ جَمَالُهَا. (وَيُسَنُّ) لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إجَابَتُهُ: النَّظَرُ جَزَمَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَجَعَلَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مُسْتَحَبًّا وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ (وَقَالَ الْأَكْثَرُ يُبَاحُ) جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ (لِوُرُودِهِ) أَيْ الْأَمْرِ بِالنَّظَرِ (بَعْدَ الْحَظْرِ) أَيْ الْمَنْعِ. رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «اُنْظُرْ إلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد قَالَ فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ أَدَم اللَّهُ بَيْنَكُمَا يَأْدِمُ أَدْمًا بِالسُّكُونِ أَيْ أَلَّفَ وَوَفَّقَ (لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ (وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إجَابَتُهُ النَّظَرُ وَيُكَرِّرُهُ) أَيْ النَّظَرَ (وَيَتَأَمَّلُ الْمَحَاسِنَ وَلَوْ بِلَا إذْنٍ) إنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ مِنْ الْمَرْأَةِ (وَلَعَلَّهُ) أَيْ عَدَمُ الْإِذْنِ (أَوْلَى) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ قَالَ فَخَطَبْتُ جَارِيَةً مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا بَعْضَ مَا دَعَانِي إلَى نِكَاحِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (إنْ أَمِنَ) الَّذِي أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ (الشَّهْوَةَ) أَيْ ثَوَرَانَهَا مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ (إلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (غَالِبًا كَوَجْهٍ وَرَقَبَةٍ وَيَدٍ وَقَدَمٍ) لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَذِنَ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا عُلِمَ أَنَّهُ أَذِنَ فِي النَّظَرِ إلَى جَمِيع مَا يَظْهَرُ غَالِبًا إذْ لَا يُمْكِنُ إفْرَادَ الْوَجْهِ بِالنَّظَرِ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ فِي الظُّهُورِ، وَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ غَالِبًا أَشْبَهَ الْوَجْهَ. (فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ النَّظَرُ أَوْ كَرِهَهُ) أَيْ النَّظَرَ (بَعَثَ إلَيْهَا امْرَأَةً) ثِقَةً (تَتَأَمَّلُهَا ثُمَّ تَصِفُهَا لَهُ) لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ. (وَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى الرَّجُلِ إذَا عَزَمَتْ عَلَى نِكَاحِهِ لِأَنَّهُ يُعْجِبُهَا مِنْهُ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا) وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى الرَّجُلِ وَالْمَذْهَبُ كَمَا يَأْتِي أَنَّهَا تَنْظُرُ إلَى مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُسَنُّ فَهُوَ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ غَيْرِ الْأَكْثَرِ. (قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ النِّسَاءِ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ أَنْ يَنْظُرَ لَهَا شَابًّا مُسْتَحْسَنَ الصُّورَةِ وَلَا يُزَوِّجُهَا دَمِيمًا) بِالدَّالِ

стр. 2177

الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الْقَبِيحُ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. (وَعَلَى مَنْ اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ أَوْ مَخْطُوبَةٍ أَنْ يَذْكُرَ مَا فِيهِ مِنْ مَسَاوِئَ) أَيْ عُيُوبٍ (وَغَيْرِهَا وَلَا يَكُون غِيبَةً مُحَرَّمَةً إذَا قُصِدَ بِهِ النَّصِيحَةُ) لِحَدِيثِ «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» وَحَدِيثِ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ بِأَوْسَعَ مِنْ هَذَا. (وَإِنْ اُسْتُشِيرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ بَيَّنَهُ كَقَوْلِهِ عِنْدِي شُحٌّ، وَخُلُقِي شَدِيدٌ وَنَحْوِهِمَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَلَا يَصْلُحُ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ قَدْ طَالَ لُبْثُهَا مَعَ رَجُلٍ وَمِنْ التَّغْفِيلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الشَّيْخُ صَبِيَّةً) أَيْ شَابَّةً. (وَيَمْنَعُ) الزَّوْجُ (الْمَرْأَةَ مِنْ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ يُفْسِدْنَهَا عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْكُنَ) الزَّوْجُ (بِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) لِسُقُوطِ حُرْمَتِهِ عِنْدَهَا بِذَلِكَ (وَأَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَهُ مُرَاهِقٌ وَلَا يَأْذَنُ لَهَا فِي الْخُرُوجِ) مِنْ بَيْتِهِ لِأَنَّهَا إذَا اعْتَادَتْهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَنْعِهَا بَعْدُ. (وَلِرَجُلٍ نَظَرُ ذَلِكَ) أَيْ الْوَجْهِ وَالرَّقَبَةِ وَالْيَدِ وَالْقَدَمِ (وَ) نَظَرُ (رَأْسٍ وَسَاقٍ مِنْ الْأَمَةِ الْمُسْتَامَةِ وَهِيَ الْمَطْلُوبُ شِرَاؤُهَا) لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ كَالْمَخْطُوبَةِ وَأَوْلَى، لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ التِّجَارَةِ وَحُسْنُهَا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِهِ (وَكَذَا الْأَمَةُ غَيْرُ الْمُسْتَامَةِ) يَنْظُرُ مِنْهَا إلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى أَمَةً مُتَلَمْلِمَةً فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ يَا لَكَاعِ " وَرَوَى أَنَسٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ قَالَ النَّاسُ لَا نَدْرِي أَجَعَلَهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَمْ أُمَّ وَلَدِهِ؟ فَقَالُوا إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ فَلَمَّا رَكِبَ وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ - النَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ حَجْبِ الْإِمَاءِ كَانَ مُسْتَفِيضًا عِنْدَهُمْ (وَهُوَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْأَمَةِ غَيْرِ الْمُسْتَامَةِ كَالْمُسْتَامَةِ (أَصْوَبُ مِمَّا فِي التَّنْقِيحِ) حَيْثُ قَالَ وَمِنْ أَمَةٍ غَيْرِ مُسْتَامَةِ إلَى غَيْرِ عَوْرَةِ صَلَاةٍ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّنْقِيحِ مُخَالِفٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَ النَّظَرُ مِنْ أَجْلِهِ وَقَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا. (وَ) لِرَجُلٍ أَيْضًا نَظَرُ وَجْهِ وَرَقَبَةِ وَيَدِ وَقَدَمِ وَرَأْسِ وَسَاقِ (ذَاتِ مَحَارِمِهِ) قَالَ الْقَاضِي عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُبَاحُ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا كَالرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ (وَهُنَّ مَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ) كَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) كَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ وَأُمِّ زَوْجَتِهِ وَرَبِيبَةٍ دَخَلَ بِأُمِّهَا وَحَلِيلَةِ أَبٍ أَوْ ابْنٍ (لِحُرْمَتِهَا) احْتِرَازًا عَنْ الْمُلَاعَنَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ (إلَّا نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 2178

فَلَا) يُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] الْآيَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الْحَجِّ) مُفَصَّلًا. (فَيُحَرَّمُ) عَلَى زَانٍ (النَّظَرُ إلَى أُمِّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَ) إلَى (بِنْتِهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهُمَا (لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ بِسَبَبِ مَحْرَمٍ وَكَذَا الْمُحَرَّمَةُ بِاللِّعَانِ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ النَّظَرُ إلَيْهَا (وَ) كَذَا (بِنْتِ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَأُمِّهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهُنَّ. (وَلَا تُسَافِرُ الْمُسْلِمَةُ مَعَ أَبِيهَا الْكَافِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا فِي السَّفَرِ نَصًّا) وَإِنْ كَانَ مَحْرَمًا فِي النَّظَرِ. (وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ جَمِيلَةً وَخِيفَتْ الْفِتْنَةُ بِهَا حُرِّمَ النَّظَرُ إلَيْهَا كَالْغُلَامِ الْأَمْرَدِ الَّذِي يُخْشَى الْفِتْنَةُ بِنَظَرِهِ) لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ وَهُوَ الْخَوْفُ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْفِتْنَةُ يَسْتَوِي فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى (وَنَصَّ) أَحْمَدُ (أَنَّ) الْأَمَةَ (الْجَمِيلَةَ تَنْتَقِبُ) وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْمَمْلُوكَةِ فَكَمْ نَظْرَةٌ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَاءَ. (وَلِعَبْدِهِ لَا مُبَعَّضٍ وَمُشْتَرَكٍ، وَأَفْتَى الْمُوَفَّقُ بَلَى) فِي الْمُشْتَرَكِ أَنَّهُ كَالْعَبْدِ (نَظَر ذَلِكَ) أَيْ الْوَجْهَ وَالرَّقَبَةَ وَالْيَدَ وَالْقَدَمَ وَالرَّأْسَ وَالسَّاقَ (مِنْ مَوْلَاتِهِ) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى رَبَّةِ الْعَبْدِ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. (وَكَذَا) أَيْ كَالْعَبْدِ وَالْمَحْرَمِ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ، أَيْ غَيْرِ أُولِي الْحَاجَةِ مِنْ النِّسَاءِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَنْهُ هُوَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَيْهِ آلَةٌ وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ الَّذِي لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ (وَهُوَ مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ كَعِنِّينٍ وَكَبِيرٍ وَمُخَنَّثٍ) أَيْ شَدِيدِ التَّأْنِيثِ فِي الْخِلْقَةِ حَتَّى يُشْبِهَ الْمَرْأَةَ فِي اللِّينِ وَالْكَلَامِ وَالنَّغَمَةِ وَالنَّظَرِ وَالْفِعْلِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي النِّسَاءِ أَرَبٌ (وَمَنْ ذَهَبَتْ شَهْوَتُهُ لِمَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] .

стр. 2179

(وَيَنْظُرُ مِمَّنْ لَا تُشْتَهَى كَعَجُوزٍ وَبَرْزَةٍ) لَا تُشْتَهَى (وَقَبِيحَةٍ) وَمَرِيضَةٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا (إلَى غَيْرِ عَوْرَةِ صَلَاةٍ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَقَالَ فِي الْكَافِي يُبَاحُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠] الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ اسْتَثْنَاهُنَّ اللَّهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ النَّظَرُ لِأَجْلِهِ مَعْدُومٌ فِي جِهَتِهَا فَأَشْبَهَتْ ذَوَاتَ الْمَحَارِمِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ. (وَيَحْرُمُ نَظَرُ خَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ) وَمَمْسُوحٍ (إلَى) امْرَأَةٍ (أَجْنَبِيَّةٍ نَصًّا) قَالَ الْأَثْرَمُ اسْتَعْظَمَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إدْخَالَ الْخُصْيَانِ عَلَى النِّسَاءِ لِأَنَّ الْعُضْوَ وَإِنْ تَعَطَّلَ أَوْ عُدِمَ فَشَهْوَةُ الرِّجَالِ لَا تُزَالُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَلَا يُؤْمَنُ التَّمَتُّعُ بِالْقُبْلَةِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ (كَفَحْلٍ) وَلِذَلِكَ لَا تُبَاحُ خَلْوَةُ الْفَحْلِ بِالرَّتْقَاءِ مِنْ النِّسَاءِ. (وَلِشَاهِدٍ نَظَرُ وَجْهِ مَشْهُودٍ عَلَيْهَا تَحَمُّلًا وَأَدَاءً عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ مِنْهُ لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى عَيْنِهَا) قَالَ أَحْمَدُ لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا (وَنَصُّهُ وَكَفَّيْهَا مَعَ الْحَاجَةِ) عِبَارَةُ الْإِنْصَافِ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا إذَا كَانَتْ تُعَامِلُهُ انْتَهَى وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي نَقْلِي الرِّوَايَاتِ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ الْحَاشِيَةِ وَأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَنْظُرُ سِوَى الْوَجْهِ إذْ الشَّهَادَةُ لَا دَخْلَ لَهَا فِي نَظَرِ الْكَفَّيْنِ. (وَكَذَا) يَنْظُرُ (لِمَنْ يُعَامِلُهَا فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ ذَلِكَ) كَقَرْضٍ وَغَيْرِهِ فَيَنْظُرُ لِوَجْهِهَا لِيَعْرِفَهَا بِعَيْنِهَا فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالدَّرَكِ، وَإِلَى كَفَّيْهَا لِحَاجَةٍ. (وَلِطَبِيبٍ نَظَرُ وَلَمْسُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى نَظَرِهِ وَلَمْسِهِ حَتَّى ذَلِكَ فَرْجِهَا وَبَاطِنِهِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَمِثْلُهُ الْمُغْنِي (وَلْيَكُنْ ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَعَ الْخَلْوَةِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَسْتُرُ مِنْهَا مَا عَدَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ) لِأَنَّهَا عَلَى الْأَصْلِ فِي التَّحْرِيمِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الطَّبِيبُ (مَنْ يَلِي خِدْمَةَ مَرِيضٍ أَوْ مَرِيضَةٍ فِي وُضُوءٍ وَاسْتِنْجَاءٍ وَغَيْرِهِمَا وَكَتَخْلِيصِهَا مِنْ غَرَقٍ وَحَرْقٍ وَنَحْوِهِمَا وَكَذَا لَوْ حَلَقَ عَانَةَ مَنْ لَا يُحْسِنُ حَلْقَ عَانَتِهِ نَصًّا) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا وَكَذَا لِمَعْرِفَةِ بَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ وَبُلُوغٍ لِأَنَّهُ ﷺ «لَمَّا حَكَّمَ سَعْدًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَ يَكْشِفُ عَنْ مُؤْتَزَرِهِمْ» وَعَنْ عُثْمَانَ

стр. 2180

أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلَامٍ قَدْ سَرَقَ فَقَالَ اُنْظُرُوا إلَى مُؤْتَزَرِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ أَنْبَتَ الشَّعْرَ فَلَمْ يَقْطَعْهُ ". (وَلِصَبِيٍّ مُمَيِّزٍ غَيْرِ ذِي شَهْوَةٍ نَظَرُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ) لِأَنَّهُ لَا شَهْوَةَ لَهُ أَشْبَهَ الطِّفْلَ وَلِأَنَّ الْمُحَرِّمَ لِلرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا. (وَ) الْمُمَيِّزُ (ذُو الشَّهْوَةِ) كَذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ لَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ. (وَبِنْتِ تِسْعٍ) مَعَ رَجُلٍ (كَذِي رَحِمٍ) مَحْرَمٍ لِأَنَّ عَوْرَتهَا مُخَالِفَةٌ لِعَوْرَةِ الْبَالِغَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ لَمْ تَحِضْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَكَقَوْلِنَا فِي الْغُلَامِ الْمُرَاهِقِ مَعَ النِّسَاءِ. (وَمَنْ لَهُ النَّظَرُ) مِمَّنْ تَقَدَّمَ (لَا يُحَرَّمُ الْبُرُوزُ لَهُ) أَيْ عَدَمُ الِاسْتِتَارِ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ وَهَبَهُ لَهَا قَالَ وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ إذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَهَا وَإِذَا غَطَّتْ رِجْلَهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا يُحَرَّمُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَةِ الطِّفْلِ وَالطِّفْلَةِ قَبْلَ السَّبْعِ وَلَا لَمْسَهَا نَصًّا وَلَا يَجِبُ سَتْرُهَا) أَيْ عَوْرَةُ الطِّفْلِ وَالطِّفْلَةِ (مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ) لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ النَّبِيِّ ﷺ غَسَّلَهُ النِّسَاءُ (وَلَا يَجِبُ الِاسْتِتَارُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ دُونِ سَبْعٍ (فِي شَيْءٍ) مِنْ الْأُمُورِ. (وَلِلْمَرْأَةِ مَعَ الرَّجُلِ) نَظَرُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ «اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَلَا يَرَاكِ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ " وَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ مَضَى إلَى النِّسَاءِ فَذَكَّرَهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ " وَلِأَنَّهُنَّ لَوْ مُنِعْنَ مِنْ النَّظَرِ لَوَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ الْحِجَابُ كَمَا وَجَبَ عَلَى النِّسَاءِ لِئَلَّا يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ فَأَمَّا حَدِيثُ نَبْهَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «كُنْتُ قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَحَفْصَةُ فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ احْتَجِبَا مِنْهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ فَقَالَ أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِ» رَوَاهُ

стр. 2181

أَبُو دَاوُد فَقَالَ أَحْمَدُ نَبْهَانُ رَوَى حَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ هَذَا الْحَدِيثَ وَالْآخَرَ «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ إذْ لَمْ يَرْوِ إلَّا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُخَالِفَيْنِ لِلْأُصُولِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: نَبْهَانُ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ صَحِيحٌ فَالْحُجَّةُ بِهِ لَازِمَةٌ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّ حَدِيثَ نَبْهَانَ خَاصٌّ بِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِذَلِكَ قَالَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد قُلْتُ لَكِنْ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ. (وَ) لِلْمَرْأَةِ (مَعَ الْمَرْأَةِ وَلَوْ كَافِرَةٌ) مَعَ مُسْلِمَةٍ نَظَرُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ لِأَنَّ النِّسَاءَ الْكَوَافِرَ كُنَّ يَدْخُلْنَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَكُنَّ يَحْتَجِبْنَ وَلَا أُمِرْنَ بِحِجَابٍ. (وَلِلرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ وَلَوْ أَمْرَدَ نَظَرُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» (وَخُنْثَى مُشْكِلٌ فِي النَّظَرِ إلَيْهِ كَامْرَأَةٍ) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْخَطَرِ (وَنَظَرُهُ) أَيْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (إلَى رَجُلٍ كَنَظَرِ امْرَأَةٍ إلَيْهِ وَ) نَظَرُهُ (إلَى امْرَأَةٍ كَنَظَرِ رَجُلٍ إلَيْهَا) قَالَهُ الْمُنَقِّحُ: تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْخَطَرِ. (وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى الْغُلَامِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ) لِأَنَّهُ ذَكَرٌ أَشْبَهَ الْمُلْتَحِيَ (مَا لَمْ يَخَفْ ثَوَرَانَهَا) أَيْ الشَّهْوَةِ (فَيُحَرَّمُ) النَّظَرُ إلَى الْغُلَامِ (إذَا كَانَ مُمَيِّزًا) لِمَا فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ (وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ) أَيْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَخُنْثَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَسَرِيَّتِهِ (بِشَهْوَةٍ أَوْ) مَعَ (خَوْفِ) ثَوَرَانِهَا (نَصًّا) لِمَا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الْفِتْنَةِ (وَلَمْسٌ كَنَظَرٍ) فَيُحَرَّمُ حَيْثُ يُحَرَّمُ النَّظَرُ (وَأَوْلَى) أَيْ بَلْ اللَّمْسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ النَّظَرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حِلِّ النَّظَرِ حِلُّ اللَّمْسِ كَالشَّاهِدِ وَنَحْوِهِ (وَمَعْنَى الشَّهْوَةِ التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ) إلَى الشَّيْءِ. (وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى) شَيْءٍ مِنْ (الْحُرَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ قَصْدًا) فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ وَأَمَّا النَّظَرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «الْأُولَى لَكَ» أَيْ مَا كَانَ فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ (وَيَحْرُمُ نَظَرُ شَعْرِهَا) أَيْ شَعْرِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا وَ (لَا) يَحْرُمُ نَظَرُهُ وَلَا مَسُّ الشَّعْرِ (الْبَائِنِ) أَيْ الْمُنْفَصِلِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ بِالِانْفِصَالِ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (السِّوَاكِ وَصَوْتُهَا) أَيْ الْأَجْنَبِيَّةِ (لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَيُحَرَّمُ التَّلَذُّذُ بِسَمَاعِهِ وَلَوْ) كَانَ (بِقِرَاءَةٍ) خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَتُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ إنْ كَانَ يَسْمَعُهَا أَجْنَبِيٌّ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْفِضَ مِنْ صَوْتِهَا فِي قِرَاءَتِهَا إذَا قَرَأَتْ بِاللَّيْلِ. (وَيَحْرُمُ النَّظَرُ مَعَ شَهْوَةِ تَخْنِيثٍ وَسِحَاقٍ وَدَابَّةٍ يَشْتَهِيهَا وَلَا يُعِفُّ عَنْهَا) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ (وَكَذَا الْخَلْوَةُ بِهَا)

стр. 2182

أَيْ بِدَابَّةٍ يَشْتَهِيهَا وَلَا يُعِفُّ عَنْهَا لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ. (وَتُحَرَّمُ الْخَلْوَةُ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ عَلَى الْكُلِّ) أَيْ مَنْ تَقَدَّمَ (مُطْلَقًا) أَيْ مَعَ شَهْوَةٍ أَوْ بِدُونِهَا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (كَخَلْوَتِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (بِأَجْنَبِيَّةٍ وَلَوْ) كَانَتْ (رَتْقَاءَ فَأَكْثَرَ) فَيُحَرَّمُ خَلْوَةُ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بِعَدَدٍ مِنْ النِّسَاءِ (وَخَلْوَةُ) رِجَالٍ (أَجَانِبَ بِهَا) أَيْ بِامْرَأَةٍ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَتَحْرُمُ) الْخَلْوَةُ (بِحَيَوَانٍ يَشْتَهِي الْمَرْأَةَ أَوْ تَشْتَهِيهِ كَالْقِرْدِ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ الْخَلْوَةُ بِأَمْرَدَ حَسَنٍ وَمُضَاجَعَتُهُ كَامْرَأَةٍ) أَيْ فَتُحَرَّمُ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ (وَلَوْ لِمَصْلَحَةِ تَعْلِيمٍ وَتَأْدِيبٍ وَالْمُقِرُّ مُوَلَّاهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيدِ اللَّامِ) (عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ كَذَلِكَ) أَيْ مَعَ الْخَلْوَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ (مَلْعُونٌ دَيُّوثٌ وَمَنْ عُرِفَ بِمَحَبَّتِهِمْ وَمُعَاشَرَةٍ بَيْنَهُمْ يُمْنَعُ مِنْ تَعْلِيمِهِمْ) سَدًّا لِلْبَابِ (وَقَالَ أَحْمَدُ لِرَجُلٍ مَعَهُ غُلَامٌ جَمِيلٌ - هُوَ ابْنُ أُخْتِهِ الَّذِي أَرَى لَكَ أَنْ لَا يَمْشِيَ مَعَكَ فِي طَرِيقٍ) . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ فِي الْأَمْرَدِ هُوَ أَشَدُّ فِتْنَةٍ مِنْ الْعَذَارَى فَإِطْلَاقُ الْبَصَرِ مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَكَانَ عَاقِلًا مِنْ أَشْيَاخِ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ مَنْ أُعْطَى أَسْبَابَ الْفِتْنَةِ مِنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا: لَمْ يَنْجُ مِنْهَا آخِرًا: وَإِنْ كَانَ جَاهِدًا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْأَمْرَدُ يُنْفِقُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ شَبَكَةُ الشَّيَاطِينِ فِي حَقِّ النَّوْعَيْنِ (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مُصَافَحَتَهُ النِّسَاءَ وَشَدَّدَ أَيْضًا حَتَّى لِمَحْرَمٍ وَجَوَّزَهُ لِوَالِدٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ وَمَحْرَمٍ. (وَجَوَّزَ أَخْذَ يَدِ عَجُوزٍ) وَفِي الرِّعَايَةِ وَشَعْرِهَا. (وَلَا بَأْسَ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ بِتَقْبِيلِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَذَكَرَ حَدِيثَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ «أَنَّهُ ﷺ قَدِمَ مِنْ غَزْوٍ فَقَبَّلَ فَاطِمَةَ» (لَكِنْ لَا يَفْعَلُهُ عَلَى الْفَمِ بَلْ الْجَبْهَةِ وَالرَّأْسِ) . وَنَقَلَ حَرْبٌ فِيمَنْ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَطْنِ رَجُلٍ لَا يَحِلُّ لَهَا قَالَ لَا يَنْبَغِي إلَّا لِضَرُورَةٍ وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهِ قَالَ ضَرُورَةٌ. (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ نَظَرُ جَمِيعِ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ حَتَّى الْفَرْجِ) لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلِأَنَّ الْفَرْجَ مَحَلُّ الِاسْتِمْتَاعِ فَجَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَبَقِيَّةِ الْبَدَنِ وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى فَرْجِ الْآخَرِ قَالَتْ عَائِشَةُ «مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »

стр. 2183

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ «مَا رَأَيْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا رَآهُ مِنِّي» . (قَالَ الْقَاضِي يَجُوزُ تَقْبِيلُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْجِمَاعِ وَيُكْرَهُ) تَقْبِيلُهُ (بَعْدَهُ) وَذَكَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ وَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ حَالَ الطَّمْثِ (وَكَذَا سَيِّدٌ مَعَ أَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ) لَهُ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ الْمُبَاحَةِ عَنْ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّنْ لَا تَحِلُّ لَهُ. (وَلَا يَنْظُرُ) السَّيِّدُ مِنْ الْأَمَةِ (الْمُشْتَرَكَةِ عَوْرَتَهَا) فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ نَظَرُ مَا عَدَاهَا كَالْمُزَوَّجَةِ. (وَيَحْرُمُ أَنْ تَتَزَيَّنَ) امْرَأَةٌ (لِمَحْرَمٍ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهَا لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ. (وَلَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (النَّظَرُ مِنْ أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ إلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ جَارِيَتَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا يَنْظُرُ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى مَا عَدَا ذَلِكَ. (قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ) بِلَا حَاجَةٍ قُلْتُ لَعَلَّ الْمُرَادَ حَيْثُ أُبِيحَ كَشْفُهَا وَإِلَّا حُرِّمَ لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلْكَشْفِ الْمُحَرَّمِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ. (وَيُكْرَهُ) (نَوْمُ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ) وَفِي الرِّعَايَةِ مُمَيِّزَيْنِ (مُتَجَرِّدَيْنِ تَحْتَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ) (أَوْ) تَحْتَ (لِحَافٍ وَاحِدٍ) قَالَ فِي الْآدَابِ: ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعَبِ وَالرِّعَايَةِ وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ» . (قَالَ فِي الْمُسْتَوْعَبِ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ) فَلَا يُكْرَهُ نَوْمُهُمَا تَحْتَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَوْ لِحَافٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ مُتَجَرِّدَيْنِ. (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا غَيْرَ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ) وَالْآخَر أُنْثَى (أَوْ) كَانَ رَجُلٌ (مَعَ أَمْرَدَ حُرِّمَ) نَوْمُهُمَا تَحْتَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلِحَافٍ وَاحِدٍ لِمَا يَأْتِي فِي الْإِخْوَةِ. (وَإِذَا بَلَغَ الْإِخْوَةُ عَشْرَ سِنِينَ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، أَوْ إنَاثًا وَذُكُورًا فَرَّقَ وَلِيُّهُمْ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ فَيَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِرَاشًا وَحْدَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» أَيْ حَيْثُ كَانُوا يَنَامُونَ مُتَجَرِّدِينَ كَمَا فِي الْمُسْتَوْعَبِ وَالرِّعَايَةِ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْمَنْصُوصُ - وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا - وُجُوبُ التَّفْرِيقِ فِي ابْنِ سَبْعٍ فَأَكْثَرَ، وَأَنَّ لَهُ عَوْرَةٌ يَجِبُ حِفْظُهَا.

стр. 2184

[فَصْلٌ فِي الْخِطْبَةِ] (فَصْلٌ فِي الْخِطْبَةِ وَيُحَرَّمُ التَّصْرِيحُ وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكَاحِ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ بَائِنٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَحْمِلَهَا الْحِرْصُ عَلَى النِّكَاحِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا وَالتَّعْرِيضُ بِخِلَافِهِ (إلَّا لِزَوْجٍ تَحِلُّ لَهُ) كَالْمُخْتَلِعَةِ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُهَا فِي عِدَّتِهَا أَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُعْتَدَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَالْمَزْنِيِّ بِهَا وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْمُسْتَبْرَأَةُ كَأُمِّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا أَوْ أَعْتَقَهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ. (وَيَحْرُمُ) أَيْضًا (تَعْرِيضٌ وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّكَاحُ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ النِّكَاحِ (بِخِطْبَةِ) مُطَلَّقَةٍ (رَجْعِيَّةٍ) لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ. (وَيَجُوزُ) التَّعْرِيضُ (فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْبَائِنِ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ وَ) الْبَائِنِ (بِغَيْرِ) الطَّلَاقِ (الثَّلَاثِ) كَالْمُخْتَلِعَةِ وَالْمُطَلَّقَةِ عَلَى عِوَضٍ. (وَ) الْبَائِنِ (بِفَسْخِ لَعْنَةٍ وعَيْبٍ وَرَضَاعٍ) وَنَحْوِهِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (هِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ (فِي الْجَوَابِ) لِلْخَاطِبِ (كَهُوَ فِيمَا يَحِلُّ وَيُحَرَّمُ) فَيَجُوزُ لِلْبَائِنِ التَّعْرِيضُ فِي الْإِجَابَةِ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهَا التَّصْرِيحُ وَعَلَى الرَّجْعِيَّةِ التَّعْرِيضُ وَالتَّصْرِيحُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ لِلْعَقْدِ فَلَا يَخْتَلِفَانِ فِي حِلِّهِ وَحُرْمَتِهِ. (وَالتَّعْرِيضُ) مِنْ الْخَاطِبِ (نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ وَلَا تُفَوِّتِينِي بِنَفْسِكِ وَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَأَعْلِمِينِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّهَا عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا) نَحْوُ مَا أَحْوَجَنِي إلَى مِثْلِكِ (وَتُجِيبُهُ) تَعْرِيضًا نَحْوَ (مَا يُرْغَبُ عَنْكَ وَإِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ وَنَحْوَ ذَلِكَ) نَحْو إنْ يَكُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ. (فَإِنْ صَرَّحَ) الْخَاطِبُ (بِالْخِطْبَةِ أَوْ عَرَّضَ) بِالْخِطْبَةِ (فِي مَوْضِعٍ يَحْرُمَانِ فِيهِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حِلِّهَا) وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (صَحَّ نِكَاحُهُ) لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي ذَلِكَ تَقْدِيمٌ حُظِرَ عَلَى الْعَقْدِ. (وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَخْطُبَ) امْرَأَةً عَلَى خِطْبَةِ مُسْلِمٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ»

стр. 2185

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَلِأَنَّ فِي خِطْبَةِ الثَّانِي إفْسَادًا عَلَى الْأَوَّلِ وَإِيقَاعٌ لِلْعَدَاوَةِ وَ (لَا) تَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ (كَافِرٍ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ «عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» (كَمَا لَا) يَجِبُ أَنْ (يَنْصَحَهُ نَصًّا) لِحَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِثْلُهُ وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ وَلَا حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِهِ (إنْ أُجِيبَ) الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ (تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا إنْ عَلِمَ) الثَّانِي بِخِطْبَةِ الْأَوَّلِ وَإِجَابَتِهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ كَانَ مَعْذُورًا بِالْجَهْلِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِجَابَةِ. (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ وَعَقَدَ عَلَيْهَا (صَحَّ الْعَقْدُ كَالْخِطْبَةِ) أَيْ كَمَا لَوْ خَطَبَهَا (فِي الْعِدَّةِ) لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يُقَارِنُ الْعَقْدَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) عَلَى بَيْعِ الْمُسْلِمِ. (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الثَّانِي (أُجِيبَ) الْأَوَّلُ (أَمْ لَا) جَازَ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالْجَهْلِ (أَوْ رُدَّ) الْأَوَّلُ جَازَ لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ «أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ رَدَّهُ (بَعْدَ الْإِجَابَةِ) فَيَجُوزُ لِلثَّانِي الْخِطْبَةُ لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ الْأَوَّلِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ (أَوْ لَمْ يُرْكَنْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ بِمَعْنَى عَدَمِ الْإِجَابَةِ (أَوْ أَذِنَ) الْأَوَّلُ (لَهُ) أَيْ لِلثَّانِي فِي الْخِطْبَةِ جَازَ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ (أَوْ سَكَتَ) الْأَوَّلُ (عَنْهُ) بِأَنْ اسْتَأْذَنَ الثَّانِي الْأَوَّلَ فَسَكَتَ عَنْهُ جَازَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّرْكِ (لَوْ كَانَ) الْأَوَّلُ (قَدْ عَرَّضَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَمَنْ خَطَبَ تَعْرِيضًا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا يُنْهِي غَيْرَهُ عَنْ الْخِطْبَةِ (أَوْ تَرَكَ) الْأَوَّلُ (الْخِطْبَةَ جَازَ) لِلثَّانِي أَنْ يَخْطُبَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ» وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعُدْ الْخَاطِبُ حَتَّى طَالَتْ الْمُدَّةُ وَتَضَرَّرَتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ أَوْ زَالَتْ وِلَايَةُ الْوَلِيِّ الْمُجِيبِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ كَانَتْ الْإِجَابَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ جُنَّتْ ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ. (وَلَا يُكْرَهُ لِلْوَلِيِّ) الْمُجْبَرِ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ لِغَرَضٍ (وَلَا) يُكْرَهُ (لِلْمَرْأَةِ) غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ (الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ لِغَرَضٍ) صَحِيحٍ لِأَنَّهُ عَقْدُ عُمْرٍ يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ فَكَانَ لَهَا الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا وَالْوَلِيُّ قَائِمٌ مَقَامَهَا فِي ذَلِكَ (وَبِلَا غَرَضٍ) صَحِيحٍ (يُكْرَهُ) الرُّجُوعُ مِنْهُ وَمِنْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ وَالرُّجُوعِ عَنْ الْقَوْلِ

стр. 2186

وَلَمْ يُحَرَّمْ لِأَنَّ الْحَقَّ بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْ كَمَنْ سَاوَمَ لِسِلْعَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهَا. (وَأَشَدُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى الْخِطْبَةِ (تَحْرِيمًا مَنْ فَرَضَ لَهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَى الصَّدَقَاتِ أَوْ غَيْرِهَا) كَالْجَوَالِي (مَا يَسْتَحِقّهُ فَيَجِيءُ مَنْ زَاحَمَهُ) فِيهِ (أَوْ) مَنْ (يَنْزِعُهُ عَنْهُ) لِأَنَّهُ أَشَدُّ إيذَاءً لَهُ مِنْ خِطْبَةٍ عَلَيْهِ. (وَالتَّعْوِيلُ فِي الرَّدِّ وَالْإِجَابَةِ عَلَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً) لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَلَوْ أَجَابَتْ الْوَلِيَّ وَرَغِبَتْ هِيَ عَنْ النِّكَاحِ كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً (فَ) التَّعْوِيلُ فِي الرَّدِّ وَالْإِجَابَةِ (عَلَى الْوَلِيِّ) لِأَنَّهُ مَلَكَ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ بِهِ لَا بِهَا (لَكِنْ لَوْ كَرِهَتْ) الْمُجْبَرَةُ (الْمُجَابَ وَاخْتَارَتْ) كُفُؤًا (غَيْرَهُ وَعَيَّنَتْهُ سَقَطَ حُكْمُ إجَابَةِ وَلِيِّهَا لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا) إذَا تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ (يُقَدَّمُ عَلَى اخْتِيَارِهِ) . (قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ خَطَبَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا الرَّجُلَ ابْتِدَاءً فَأَجَابَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ لِرَجُلٍ آخَرَ خِطْبَتُهَا) لِأَنَّهُ إيذَاءٌ لَهُ (إلَّا أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَاطِبَ) لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي الْإِيذَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ مَسْأَلَةً وَقَعَ فِيهَا فِي كَلَامِهِ سَقْطُ كَلِمَةٍ فَتَرَكَهَا الْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ (وَنَظِيرُ الْأُولَى) وَهِيَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَكَ فِي الْمَتْنِ (أَنْ تَخْطُبَهُ امْرَأَةٌ أَوْ) يَخْطُبَهُ (وَلِيُّهَا بَعْدَ أَنْ خَطَبَ هُوَ امْرَأَةً فَإِنَّ هَذَا إيذَاءٌ لِلْمَخْطُوبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ إيذَاءٌ لِلْخَاطِبِ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ قَبْلَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ) أَيْ لُزُومِهِ (وَذَلِكَ كُلُّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرَامًا انْتَهَى) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ نَقِيضُ جَوَازِ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى خِطْبَةِ أُخْتِهَا وَصَرَّحَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ بِالْمَنْعِ وَلَعَلَّ الْعِلَّةَ تُسَاعِدُهُ. (وَالسَّعْيُ مِنْ الْأَبِ لِلْأَيِّمِ فِي التَّزْوِيجِ وَاخْتِيَارُ الْأَكْفَاءِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ) بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ (لِفِعْلِ عُمَرَ ﵁) حَيْثُ عَرَضَ حَفْصَةَ عَلَى عُثْمَانَ ﵃ قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. (وَلَوْ أَذِنَتْ) امْرَأَةٌ (لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهَلْ يُحَرَّمُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ خِطْبَتُهَا أَمْ لَا) يُحَرَّمُ فِيهِ (احْتِمَالَانِ) أَحَدُهُمَا يُحَرَّمُ كَمَا لَوْ خُطِبَتْ فَأَجَابَتْ قَالَ التَّقِيُّ الْفَتُوحِيُّ الْأَظْهَرُ التَّحْرِيمُ وَالثَّانِي لَا يُحَرَّمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْطُبْهَا أَحَدٌ وَهُمَا لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْ الْقَاضِي أَنَّ سُكُوتَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ لَيْسَ بِخِطْبَةٍ بِحَالٍ. (وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَسَاءً) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَمْسُوا بِالْمَلَاكِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِمَقْصُودِهِ وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ شَرِيفٌ وَيَوْمُ عِيدٍ وَالْبَرَكَةُ فِي النِّكَاحِ مَطْلُوبَةٌ فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَشْرَفُ الْأَيَّامِ طَلَبًا لِلْبَرَكَةِ وَالْإِمْسَاءُ بِهِ لِأَنَّ فِي آخِرِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ. وَيُسْتَحَبُّ

стр. 2187

أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ (بَعْدَ خُطْبَةِ) عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ (يَخْطُبُهَا الْعَاقِدُ) أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْحَاضِرِينَ (قَبْلَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ) . وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَإِنْ أَخَّرَ الْخُطْبَةَ عَنْ الْعَقْدِ جَازَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ يَنْبَغِي أَنْ تُقَالَ مَعَ النِّسْيَانِ بَعْدَ الْعَقْدِ (وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ وَلَمْ يَخْطُبْ فِيهِ بِهَا قَامَ وَتَرَكَهُمْ) وَهَذَا مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابهَا (وَلَيْسَتْ وَاجِبَةٌ) لِأَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ «زَوِّجْنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ خُطْبَةً وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ «رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ خَطَبْتُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ» وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ خُطْبَةٌ كَالْبَيْعِ. (وَهِيَ) أَنَّ خُطْبَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ» (إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ (نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ) فَفَسَّرَهَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] الْآيَةَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَاقْتَصَرَ فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى عَلَى خُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ زَادَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ (وَبَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالنِّكَاحِ وَنَهَى عَنْ السِّفَاحِ فَقَالَ مُخْبِرًا وَآمِرًا ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الْآيَةَ) قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ هَذِهِ الْآيَةَ أَيْضًا (وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا دُعِيَ لِيُزَوِّجَ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ إنَّ فُلَانًا يَخْطُبُ إلَيْكُمْ فُلَانَةَ فَإِنْ أَنْكَحْتُمُوهُ فَالْحَمْدُ

стр. 2188

لِلَّهِ وَإِنْ رَدَدْتُمُوهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ ". (وَالْمُسْتَحَبُّ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (لَا) خُطْبَتَانِ (اثْنَتَانِ إحْدَاهُمَا) مِنْ الْعَاقِدِ وَالْأُخْرَى (مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ قَبُولِهِ) لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ ﷺ وَعَنْ السَّلَفِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَوْلَى مَا اُتُّبِعَ. (وَيُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ) الَّذِي لَا حَلْقَ فِيهِ وَلَا صُنُوجَ (وَالصَّوْتُ فِي الْإِمْلَاكِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ التَّزْوِيجِ (حَتَّى يَشْتَهِرَ وَيُعْرَفَ نَصًّا قِيلَ لِأَحْمَدَ مَا الصَّوْتُ قَالَ يَتَكَلَّمُ وَيَتَحَدَّثُ وَيَظْهَرُ وَيُسَنُّ إظْهَارُهُ النِّكَاحُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَيَأْتِي آخِرَ الْوَلِيمَةِ) . (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَعَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَّأَ إنْسَانًا تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» . (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقُولَ) الزَّوْجُ (إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ) الْمَرْأَةُ (اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلَكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا أَخَذَ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أَسِيدٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَحُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا لَهُ: إذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خُذْ بِرَأْسِ أَهْلِكَ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي وَبَارِكْ لِأَهْلِي فِي وَارْزُقْنِي مِنْهُمْ ثُمَّ شَأْنَكَ وَشَأْنَ أَهْلِكَ " رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادِهِ.

стр. 2189

[فَصْلٌ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ] ِّ ﷺ وَاحْتِيجَ إلَى بَيَانِهَا لِئَلَّا يَرَى جَاهِلٌ بَعْضَ الْخَصَائِصِ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ فَيَعْمَلُ بِهَا أَخْذًا بِأَصْلِ التَّأَسِّي فَوَجَبَ بَيَانُهَا لِتُعْرَفَ وَأَيُّ فَائِدَةٍ أَهَمُّ مِنْ هَذَا وَأَمَّا مَا يَقَع فِي ضِمْنِ الْخَصَائِصِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ الْيَوْمَ فَقَلِيلٌ لَا تَخْلُو أَبْوَابُ الْفِقْهِ عَنْ مِثْلِهِ لِلتَّدْرِيبِ وَمَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ (خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِوَاجِبَاتٍ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَاهَاتٍ قَالَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) وَقَدْ بَدَأَ مِنْهَا بِالْوَاجِبَاتِ فَقَالَ (فَالْوَاجِبَاتُ الْوِتْرُ) لِخَبَرِ «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ النَّحْرُ وَالْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الضُّحَى» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَقَلُّ الضُّحَى لَا أَكْثَرُهُ وَقِيَاسُهُ فِي الْوِتْرِ كَذَلِكَ قِيلَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَةٍ (وَهَلْ هُوَ) أَيْ الْوِتْرُ (قِيَامُ اللَّيْلِ أَوْ غَيْرُهُ احْتِمَالَانِ الْأَظْهَرُ الثَّانِي) أَيْ أَنَّ الْوِتْرَ غَيْرُ قِيَامِ اللَّيْلِ لِحَدِيثٍ سَاقَهُ ابْنُ عَقِيلٍ «الْوِتْرُ وَالتَّهَجُّدُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَرَّقَ أَصْحَابُنَا هُنَا بَيْنَ الْوِتْرِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ انْتَهَى. وَأَكْثَرُ الْوَاصِفِينَ لِتَهَجُّدِهِ ﷺ اقْتَصَرُوا عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَذَلِكَ هُوَ الْوِتْرُ وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَنَّ التَّهَجُّدَ بَعْدَ نَوْمٍ وَعَلَيْهِ فَإِنْ نَامَ ثُمَّ أَوْتَرَ فَتَهَجُّدٌ وَوِتْرٌ وَإِنْ أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ فَوِتْرٌ لَا تَهَجُّدٌ. (وَالسِّوَاكُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ (وَالْأُضْحِيَّةُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَلَوْ عَبَّرَ بِالتَّضْحِيَةِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ اسْمٌ لِلشَّاةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُضَحَّى بِهِ (وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ الْوِتْرُ وَالنَّحْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَفِي الرِّعَايَةِ وَالضُّحَى) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَرَدَّ بِضَعْفِ الْخَبَرِ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى» (وَغَلَّطَهُ الشَّيْخُ) قَالَ وَلَمْ يَكُنْ يُوَاظِبُ عَلَى الضُّحَى بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ بِسُنَّتِهِ. (وَقِيَامُ اللَّيْلِ لَمْ يُنْسَخْ) وُجُوبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ وَقِيلَ نُسِخَ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعَبِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. (وَأَنْ يُخَيِّرَ) ﷺ -

стр. 2190

(نِسَاءَهُ) ﵅ (بَيْنَ فِرَاقِهِ) طَلَبًا لِلدُّنْيَا (وَالْإِقَامَةِ مَعَهُ) طَلَبًا لِلْآخِرَةِ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الْآيَتَيْنِ وَلِئَلَّا يَكُون مُكْرِهًا لَهُنَّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَا آثَرَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الْفَقْرِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا تَعَوَّذَ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى أَوْ تَعَوَّذَ مِنْ فَقْرِ الْقَلْبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» وَخَيَّرَهُنَّ وَبَدَأَ مِنْهُنَّ بِعَائِشَةَ فَاخْتَرْنَ الْمُقَامَ. (وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ إذَا رَآهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ) فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْخَوْفِ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُ بِالْعِصْمَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَا إذَا كَانَ الْمُرْتَكِبُ يَزِيدُهُ الْإِنْكَارُ إغْرَاءً لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ إبَاحَتُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأُمَّةِ ذَكَرَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي الْقَوَاطِعِ. (وَالْمُشَاوَرَةُ فِي الْأَمْرِ مَعَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ) ذَوِي الْأَحْلَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَالْحِكْمَةُ أَنْ يَسْتَنَّ بِهَا الْحُكَّامُ بَعْدَهُ فَقَدْ كَانَ ﷺ غَنِيًّا عَنْهَا بِالْوَحْيِ. (وَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ الْكَثِيرِ) الزَّائِدِ عَلَى الضِّعْفِ (لِلْوَعْدِ بِالنَّصْرِ) أَيْ لِأَنَّهُ مَوْعُودٌ بِالْعِصْمَةِ وَالنَّصْرِ بَلْ رَوَى الدَّمِيرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ أَمَرَ بِالْقِتَالِ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمَحْظُورَاتِ بِقَوْلِهِ (وَمُنِعَ ﷺ مِنْ الرَّمْزِ بِالْعَيْنِ وَالْإِشَارَةِ بِهَا) لِحَدِيثِ «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَهِيَ الْإِيمَاءُ إلَى مُبَاحٍ مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ وَقَتْلٍ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ الظَّاهِرِ، وَسُمِّيَ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ لِشَبَهِهِ بِالْخِيَانَةِ بِإِخْفَائِهِ، وَلَا يُحَرَّمُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا فِي مَحْظُورٍ. (وَ) مِنْ (نَزْعٍ لَأْمَةِ الْحَرْبِ) أَيْ سِلَاحِهِ كَدِرْعِهِ (إذَا لَبِسَهَا حَتَّى يَلْقَى الْعَدُوَّ) وَيُقَاتِلُهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ لَمَّا أُشِيرَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْحَرْبِ بَعْدَ أَنْ لَبِسَ لَأْمَتَهُ «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ ثُمَّ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ» وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ. (وَ) مِنْ (إمْسَاكِ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ) كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ تَخْيِيرِهِ نِسَاءَهُ وَاحْتَجَّ لَهُ بِخَبَرِ الْعَائِذَةِ بِقَوْلِهَا: " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْكَ " وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمَعَاذٍ الْحَقِي بِأَهْلِكِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَمِنْ الشِّعْرِ وَالْخَطِّ وَتَعَلُّمُهُمَا) قَالَ

стр. 2191

اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] . وَقَالَ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]- الْآيَةَ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» وَنَحْوُهُ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مَوْزُونٌ بِلَا قَصْدِ زِنَتِهِ وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعَرُوضِ وَالْأَدَبِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ شِعْرًا إلَّا بِالْقَصْدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجَزِ أَشِعْرٌ هُوَ أَمْ لَا؟ وَكَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ جَيِّدِ الشِّعْرِ وَرَدِيئِهِ. (وَمِنْ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ) لِأَنَّهَا تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ، وَلِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ كَافِرَةٍ. وَفِي الْخَبَرِ «سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا أُزَوَّجَ إلَّا مَنْ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ فَأَعْطَانِي» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ (كَالْأَمَةِ) أَيْ كَمَا مَنَعَ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ وَلَوْ مُسْلِمَةً لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُعْتَبَرٌ بِخَوْفِ الْعَنَتِ وَهُوَ مَعْصُومٌ وَبِفُقْدَانِ مَهْرِ الْحُرَّةِ وَنِكَاحُهُ غَنِيٌّ عَنْ الْمَهْرِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَخَرَجَ بِالنِّكَاحِ التَّسَرِّي. (وَمِنْ) أَخْذِ (الصَّدَقَةِ) لِنَفْسِهِ (وَلَوْ تَطَوُّعًا أَوْ) كَانَتْ (غَيْرَ مَأْكُولَةٍ) وَكَذَا الْكَفَّارَةُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَصِيَانَةً لِمَنْصِبِهِ الشَّرِيفِ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ ذُلِّ الْآخِذِ وَعِزِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَأَبْدَلَ بِهَا الْفَيْءَ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ الْمُنْبِئَ عَنْ عِزِّ الْآخِذِ وَذُلِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ. (وَ) مِنْ (الزَّكَاةِ عَلَى قَرَابَتَيْهِ وَهُمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ عَلَى قَوْلٍ فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ) وَكَذَا مَوَالِيهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِكَوْنِ تَحْرِيمِهَا عَلَى هَؤُلَاءِ سَبَبَ انْتِسَابِهِمْ إلَيْهِ عُدَّ مِنْ خَصَائِصِهِ أَمَّا صَدَقَةُ النَّفْلِ فَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ (وَقَالَ الْقَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلَى قَوْلِهِ: ﴿اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] (الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تُهَاجِرْ مَعَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي قَرَابَتِهِ فِي الْآيَةِ لَا الْأَجْنَبِيَّاتِ فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ نَسْخَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ. (وَكَانَ) ﷺ (لَا يُصَلِّي أَوَّلًا) أَيْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ (عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ، كَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إلَّا مَعَ ضَامِنٍ وَيَأْذَنُ ﷺ لِأَصْحَابِهِ) ﵃ (فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَ الْمَنْعُ،

стр. 2192

فَكَانَ آخِرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ وَلَا ضَامِنَ وَيُوَفِّي دَيْنَهُ مِنْ عِنْدِهِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِرْثِ. وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ لَا يَرِثُ وَلَا يُعْقَلُ بِالْإِجْمَاعِ) وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْإِنْصَافِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْمُبَاحَاتِ بِقَوْلِهِ (وَأُبِيحَ لَهُ) ﷺ (أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الْآيَةَ وَلِأَنَّهُ مَأْمُونُ الْجَوْرِ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ (وَفِي الرِّعَايَةِ: كَانَ لَهُ) ﷺ (أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ إلَى أَنْ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] انْتَهَى ثُمَّ نُسِخَ لِتَكُونَ الْمِنَّةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَرْكِ التَّزْوِيجِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الْآيَةَ) وَقِيلَ نُسِخَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الْآيَةَ. (وَلَهُ) ﷺ (التَّزَوُّجُ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ الشُّهُودِ لِأَمْنِ الْجُحُودِ وَهُوَ مَأْمُونٌ مِنْهُ وَالْمَرْأَةُ لَوْ جَحَدَتْ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا وَاعْتِبَارُ الْوَلِيِّ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْكَفَاءَةِ وَهُوَ فَوْقَ الْأَكْفَاءِ. (وَ) لَهُ التَّزَوُّجُ أَيْضًا (بِلَا مَهْرٍ) وَهُوَ بِمَعْنَى الْهِبَةِ فَلَا يَجِبُ مَهْرٌ ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الْآيَةَ. (وَ) لَهُ التَّزَوُّجُ (بِلَفْظِ الْهِبَةِ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (وَتَحِلُّ لَهُ) ﷺ (الْمَرْأَةُ بِتَزْوِيجِ اللَّهِ) تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِعَقْدٍ (كَزَيْنَبِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] (وَإِذَا تَزَوَّجَ) ﷺ (بِلَفْظِ الْهِبَةِ لَا يَجِبُ مَهْرٌ بِالْعَقْدِ وَلَا بِالدُّخُولِ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ. (وَ) كَانَ (لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا. وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «قَالَتْ تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 2193

وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرَفٍ» وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ «تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْتُ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقَدْ رَدَّ بِهَذَا رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأُولَى. (وَ) لَهُ (أَنْ يُرْدِفَ الْأَجْنَبِيَّةَ خَلْفَهُ لِقِصَّةِ أَسْمَاءَ) وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ وَتَخَلَّى بِهَا» لِقِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ قَالَ فِي الْآدَابِ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُرْدِفَهَا مَعَهُ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ عَدَمِ سُوءِ الظَّنِّ يَتَوَجَّه خِلَافٌ؟ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إرْدَافَهُ لَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَنْعُ. (وَ) لَهُ (أَنْ يُزَوِّجَهَا) أَيْ الْأَجْنَبِيَّةَ (لِمَنْ شَاءَ بِلَا إذْنِهَا وَإِذْنِ وَلِيِّهَا وَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ) وقَوْله تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . (وَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (خَلِيَّةً) مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ (أَوْ رَغِبَ) ﷺ (فِيهَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْإِجَابَةُ وَحُرِّمَ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ. (وَأُبِيحَ لَهُ) ﷺ (الْوِصَالُ فِي الصَّوْمِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ فَقِيلَ: إنَّكَ تُوَاصِلُ فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى» أَيْ أُعْطَى قُوَّةَ الطَّاعِمِ وَالشَّارِبِ. (وَ) أُبِيحَ (لَهُ خُمْسُ الْغَنِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) الْوَقْعَةَ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] . (وَ) أُبِيحَ لَهُ (الصَّفِيُّ مِنْ الْمَغْنَمِ وَهُوَ مَا يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِنْ) الْغَنِيمَةِ (كَجَارِيَةٍ وَنَحْوِهَا) كَسَيْفٍ وَدِرْعٍ وَمِنْهُ صَفِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂. (وَأُبِيحَ لَهُ) ﷺ (دُخُولُ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. (وَ) أُبِيحَ لَهُ (الْقِتَالُ فِيهَا) أَيْ فِي مَكَّةَ (سَاعَةً) مِنْ النَّهَارِ فَكَانَتْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الْعَصْرِ وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا فِي الْحَجِّ. (وَلَهُ) ﷺ (أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ) وَالطَّعَامِ مِنْ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. (وَ) أُبِيحَ لَهُ (أَنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ إحْدَى الثَّلَاثِ نَصًّا) يَعْنِي بِالثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَجُعِلَتْ تَرِكَتُهُ صَدَقَةً، فَلَا يُوَرَّثُ)

стр. 2194

لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةً» وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِنَبِيِّنَا، بَلْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهُ فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، (وَفِي عُيُونٍ الْمَسَائِلِ) وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَابْنِ عَقِيلٍ. (وَيُبَاحُ لَهُ مِلْكُ الْيَمِينِ مُسْلِمَةً كَانَتْ) الْأَمَةُ (أَوْ مُشْرِكَةً) يَعْنِي كِتَابِيَّةً وَلَا يَسْتَشْكِلُ جَوَازُ التَّسَرِّي بِالْكِتَابِيَّةِ بِمَا عَلَّلُوا أَنَّ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ مِنْ كَوْنِهَا تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ، لِأَنَّ التَّوَالُدَ لَا يَسْتَلْزِمُ كَرَاهِيَتهَا وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنِّكَاحِ إصَابَةُ التَّوَالُدِ فَاحْتِيطَ لَهُ وَيَلْزَمُ فِي النِّكَاحِ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ الْمُشْرِكَةُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، بِخِلَافِ الْمُلْكِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْكَرَامَةَ بِقَوْلِهِ: (وَأُكْرِمَ) ﷺ (بِأَنْ جُعِلَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . (وَ) جُعِلَ (خَيْرَ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ) لِحَدِيثِ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» أَيْ وَلَا فَخْرَ أَكْمَلُ مِنْ هَذَا الْفَخْرِ أُعْطِيتُهُ، أَوْ لَا أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِافْتِخَارِ بَلْ لِبَيَانِ الْوَاقِع أَوْ لِلتَّبْلِيغِ وَحَدِيثُ «لَا تُفَاضِلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» وَنَحْوِهِ، أُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ مَا يُؤَدِّي إلَى التَّنْقِيصِ وَنَوْعُ الْآدَمِيِّ أَفْضَلُ الْخَلْقِ فَهُوَ ﷺ أَفْضَلُ الْخَلْقِ (وَأُمَّتُهُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (وَجُعِلَتْ) أُمَّتُهُ (شُهَدَاءَ عَلَى الْأُمَمِ بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] . (وَأَصْحَابُهُ خَيْرُ الْقُرُونِ) لِحَدِيثِ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَأُمَّتُهُ مَعْصُومَةٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الضَّلَالَةِ) لِحَدِيثِ: «لَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ لَهُ شَوَاهِدَ (وَ) لِذَلِكَ كَانَ (إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً) وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةً. (وَنَسَخَ شَرْعُهُ الشَّرَائِعَ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ أَمَرَ بِتَرْكِ شَرَائِعِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ (وَلَا تُنْسَخُ شَرِيعَتُهُ) لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ

стр. 2195

بَعْدَهُ (وَجُعِلَ كِتَابُهُ مُعْجِزًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الْآيَةَ. (وَ) جُعِلَ كِتَابُهُ (مَحْفُوظًا عَنْ التَّبْدِيلِ) وَالتَّحْرِيفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَزِيَادَةٍ، وَجَمَعَ كُلَّ شَيْءٍ وَيُسِّرَ لِلْحِفْظِ وَنَزَلَ مُنَجَّمًا وَعَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ أَيْ أَوْجُهٍ مِنْ الْمَعَانِي مُتَّفِقَةً بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَبِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ لَكِنَّ أَكْثَرَهُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ فَفِيهِ خَمْسُونَ لُغَةً ذَكَرَهَا الْوَاسِطِيُّ فِي الْإِرْشَادِ. (وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ) بِشَيْءٍ (أَوْ ادَّعَى) عَلَى غَيْرِهِ (بِحَقٍّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ) ﷺ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّهُ الْمَعْصُومُ الصَّادِقُ الصَّدُوقُ انْتَهَى. (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ الْأَصْحَابِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ (أَنَّهُ فِي وَجُوَبِ الْقَسْمِ) بَيْنَ الزَّوْجَاتِ (وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ كَغَيْرِهِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُنُونِ وَالْفُصُولِ انْتَهَى لِقَوْلِهِ «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ (وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ) أَيْ الْقَسْمُ (غَيْرُ وَاجِبٍ) عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أُبِيحَ لَهُ تَرْكُ الْقَسْمِ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ أَوْ قَسْمُ الِانْتِهَاءِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي الْجَامِعِ. (وَجُعِلَ) ﷺ (أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (وَيَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَهُ طَلَبُ ذَلِكَ) حَتَّى مِنْ الْمُحْتَاجِ، وَيَفْدِي بِمُهْجَتِهِ مُهْجَتَهُ ﷺ -

стр. 2196

فَإِنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَمِثْلُهُ لَوْ قَصَدَهُ ظَالِمٌ فَعَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ دُونَهُ. (وَ) يَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ (أَنْ يُحِبَّهُ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ) لِحَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَنْ يُؤْمِنَ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَ) أَكْثَرُ مِنْ (مَالِهِ وَوَلَدِهِ) وَوَالِدِهِ (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ النَّسَائِيُّ " وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ". (وَحُرِّمَ عَلَى غَيْرِهِ نِكَاحُ زَوْجَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] حَتَّى مَنْ فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى مَنْ دَخَلَ بِهَا دُونَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَأُطْلِقَ فِي الْفُرُوعِ: عَنْ جَوَازِ نِكَاحِ مَنْ فَارَقَهَا فِي حَيَاتِهِ وَأَمَّا تَحْرِيمُ سَرَارِيهِ ﷺ عَلَى غَيْرِهِ فَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا نَفْيًا، وَلَا إثْبَاتًا وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ: وَجَزَمَ الطُّوسِيُّ وَالْبَارِزِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْهُمْ بِالتَّحْرِيمِ قِيَاسًا عَلَى زَوْجَتِهِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ، وَظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ تَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تُحَرَّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَتِهِ وَلَا أُمِّ الْمُؤْمِنَيْنِ، لَكِنَّ الْمَنْعَ أَقْوَى (وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) لِلْخَبَرِ (وَجَعَلَهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ مَنْ مَاتَتْ عَنْهُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَوُجُوبِ احْتِرَامِهِنَّ وَطَاعَتِهِنَّ وَتَحْرِيمِ عُقُوقِهِنَّ) دُونَ الْخَلْوَةِ وَالنَّظَرِ وَالْمُسَافَرَةِ وَنَحْوِهَا (وَلَا يَتَعَدَّى تَحْرِيمُ نِكَاحهنَّ إلَى قَرَابَتهنَّ) وَلَا أَخَوَاتِهِنَّ وَنَحْوِهِنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (إجْمَاعًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (وَجُعِلَ ثَوَابُهُنَّ وَعِقَابُهُنَّ ضِعْفَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الْآيَتَيْنِ. (وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَسْأَلْنَ شَيْئًا إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (وَيَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ غَيْرُهُنَّ) مِنْ النِّسَاءِ (مُشَافَهَةً) وَأَفْضَلُهُنَّ:

стр. 2197

خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ وَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ قَالَتْ لَهُ «قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا: لَا وَاَللَّهِ مَا رَزَقَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَأَعْطَتْنِي مَالَهَا حِينَ حَرَمَنِي النَّاسُ» وَمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ «أَقْرَأَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ جِبْرِيلَ وَخَدِيجَةُ أَقْرَأَهَا جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ» يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ وَخَبَرُ «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» وَقَوْلُهُ لَهَا «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا مَرْيَمَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ عَائِشَةَ بِمَا احْتَجَّتْ بِهِ مِنْ أَنَّهَا فِي الْآخِرَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الدَّرَجَةِ وَفَاطِمَةَ مَعَ عَلِيٍّ فِيهَا. (وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ) ﷺ (يُنْسَبُونَ إلَيْهِ) لِحَدِيثِ «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ مُشِيرًا إلَى الْحَسَنِ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى. وَفِي حَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلَّا جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ غَيْرِي، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذُرِّيَّتِي مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ» ذَكَرَهُ فِي الْخَصَائِصِ الصُّغْرَى (دُونَ أَوْلَادِ بَنَاتِ غَيْرِهِ) فَيُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . (وَالنَّجَسُ مِنَّا طَاهِرٌ مِنْهُ) ﷺ وَمِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَبِجَوَازِ أَنْ يُسْتَشْفَى بِبَوْلِهِ وَدَمِهِ لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ فَقَالَ: إذَنْ لَا تَلِجُ النَّارُ بَطْنَكِ» لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ. وَلِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ «أَنَّ غُلَامًا حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حِجَامَتِهِ شَرِبَ دَمَهُ فَقَالَ وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ بِالدَّمِ قَالَ غَيَّبْتُهُ فِي بَطْنِي قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ أَحْرَزْتَ نَفْسَكَ مِنْ النَّارِ» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَكَانَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ مَا صَنَعَهُ الْمَلَكَانِ مِنْ غَسْلِهِمَا جَوْفَهُ. (وَهُوَ) ﷺ (طَاهِرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ) وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ غَيْرَهُ أَيْضًا طَاهِرٌ. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ)

стр. 2198

- ﷺ (فَيْءٌ) أَيْ ظِلٌّ (فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِأَنَّهُ نُورَانِيُّ وَالظِّلُّ نَوْعُ ظُلْمَةٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَيَشْهَد لَهُ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجِهَاتِهِ نُورًا، وَخَتَمَ بِقَوْلِهِ وَاجْعَلْنِي نُورًا (وَكَانَتْ الْأَرْضُ تَجْتَذِبُ أَثْقَالَهُ) لِلْأَخْبَارِ (وَسَاوَى الْأَنْبِيَاءَ فِي مُعْجِزَاتِهِمْ وَانْفَرَدَ بِالْقُرْآنِ) فَآدَمُ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَمُحَمَّدٌ شَقَّ صَدْرَهُ وَمَلَأَهُ ذَلِكَ الْخُلُقَ النَّبَوِيَّ وَأُعْطِيَ إدْرِيسُ عُلُوَّ الْمَكَانِ وَمُحَمَّدٌ الْمِعْرَاجَ وَلَمَّا نَجَا إبْرَاهِيمُ مِنْ النَّارِ نَجَّى مُحَمَّدًا مِنْ نَارِ الْحَرْبِ. وَلَمَّا أَعْطَاهُ مَقَامَ الْخُلَّةِ أَعْطَى مُحَمَّدًا مَقَامَ الْمَحَبَّةِ بَلْ جَمَعَهُ لَهُ مَعَ الْخُلَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي يَعْلَى فِي الْمِعْرَاجِ «فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ اتَّخِذْهُ خَلِيلًا وَحَبِيبًا» وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ وَمُحَمَّدٌ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ وَلَمَّا أَعْطَى مُوسَى قَلْبَ الْعَصَا حَيَّةً أَعْطَى مُحَمَّدًا حُنَيْنَ الْجِذْعِ الَّذِي هُوَ أَغْرَبُ وَلَمَّا أَعْطَاهُ انْفِلَاقَ الْبَحْرِ أَعْطَى مُحَمَّدًا انْشِقَاقَ الْقَمَرِ الَّذِي هُوَ أَبْهَى لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَلَمَّا أَعْطَى تَفْجِيرَ الْمَاءِ مِنْ الْحَجَرِ أَعْطَى مُحَمَّدًا نَبْعَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ. وَلَمَّا أَعْطَاهُ الْكَلَامَ أَعْطَى مُحَمَّدًا الدُّنُوَّ وَالرُّؤْيَا وَلَمَّا أَعْطَى يُوسُفَ شَطْرَ الْحُسْنِ أَعْطَى مُحَمَّدًا الْحُسْنَ كُلَّهُ وَلَمَّا أَعْطَى دَاوُد تَلْيِينَ الْحَدِيدِ أَعْطَى مُحَمَّدًا اخْضِرَارَ الْعُودِ الْيَابِسِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَمَّا أَعْطَى سُلَيْمَانَ كَلَامَ الطَّيْرِ أَعْطَى مُحَمَّدًا أَنْ كَلَّمَهُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ وَالزَّرْعُ وَالضَّبُّ وَلَمَّا أَعْطَى عِيسَى إبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى أَعْطَى مُحَمَّدًا رَدَّ الْعَيْنِ بَعْدَ سُقُوطِهَا وَهَكَذَا. (وَ) أُحِلَّتْ لَهُ (الْغَنَائِمُ) وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ لِحَدِيثِ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» وَالْأَنْبِيَاءُ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ فَلَمْ تَكُنْ غَنَائِمَ وَالْمَأْذُونُ الْمَمْنُوعُ مِنْهَا فَتَأْتِي نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَتَحْرِقُهَا إلَّا الذُّرِّيَّةَ (وَجُعِلَتْ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا) أَيْ مَحَلَّ السُّجُودِ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي مَكَان صَلَّى وَلَمْ تَكُنْ الْأُمَمُ الْمُتَقَدِّمَة تُصَلِّي إلَّا فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ. (وَ) جُعِلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ (تُرَابُهَا طَهُورًا) أَيْ مُطَهِّرًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ شَرْعًا رَوَى ذَلِكَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا. (وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ) أَيْ بِسَبَبِ

стр. 2199

خَوْفِ الْعَدُوِّ مِنْهُ (مَسِيرَةَ شَهْرٍ) أَمَامَهُ وَشَهْرٍ خَلْفَهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ رَوَى ذَلِكَ الشَّيْخَانِ وَجُعِلَتْ الْغَايَةُ شَهْرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ (وَبُعِثَ إلَى النَّاسِ كَافَّةً) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] وَأَمَّا عُمُومُ رِسَالَةِ نُوحٍ بَعْدَ الطُّوفَانِ لِانْحِصَارِ الْبَاقِينَ فِيمَنْ كَانُوا مَعَهُ وَأُرْسِلَ إلَى الْجِنِّ بِالْإِجْمَاعِ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. (وَأُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى وَالْمَقَامَ الْمَحْمُودَ) مُقْتَضَى كَلَامِهِ كَالْمَوَاهِبِ وَالْخَصَائِصِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْأَذَانِ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى لِأَنَّ فِيهِ يَحْمَدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ جُلُوسُهُ ﷺ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَلَى الْكُرْسِيِّ ذَكَرَهُمَا الْبَغَوِيّ. (وَمُعْجِزَاتُهُ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وَانْقَضَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ بِمَوْتِهِمْ، إذْ أَكْثَرُ مُعْجِزَاتِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَتْ حِسِّيَّةً تُشَاهَدُ بِالْأَبْصَارِ كَنَاقَةِ صَالِحٍ وَعَصَا مُوسَى فَانْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِ مَنْ عَاصَرَهُمْ وَلَمْ يُشَاهِدْهَا إلَّا مَنْ حَضَرَهَا، وَمُعْجِزَاتُ الْقُرْآنِ تُشَاهَدُ بِالْبَصِيرَةِ فَتَسْتَمِرُّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَمُرُّ عَصْرٌ إلَّا وَيَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ إذْ مَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ يَعْلَمُهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْأَوَّلِ (وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ بَرَكَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَلَّتْ فِي الْمَاءِ بِوَضْعِ أَصَابِعِهِ فِيهِ فَجَعَلَ يَفُورُ وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) حَتَّى كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وُقُوعُهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فَنَفِدَ الْمَاءُ فَوَضَعَ ﷺ يَدَهُ فِي قَلِيلٍ فَفَارَ الْمَاءُ مِنْ إصْبَعَيْهِ وَشَرِبُوا وَتَوَضَّئُوا وَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ (لَا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ نَفْسِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ قَالَهُ فِي الْهَدْيِ) . وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ «جَابِرٍ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ» قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَكِلَاهُمَا مُعْجِزَةٌ لَهُ ﷺ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ غَيْرِ مُلَابَسَةِ مَاءٍ وَلَا وَضْعِ إنَاءٍ تَأَدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى إذْ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِابْتِدَاعِ الْمَعْلُومَاتِ وَإِيجَادِهَا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ. (وَمَنْ دَعَاهُ) ﷺ -

стр. 2200

(وَهُوَ يُصَلِّي وَجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (وَإِجَابَتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (وَتَطَوُّعُهُ ﷺ بِالصَّلَاةِ قَاعِدًا) بِلَا عُذْرٍ (كَتَطَوُّعِهِ قَائِمًا فِي الْأَجْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي جَالِسًا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: مَالَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ قُلْتُ حُدِّثْتُ أَنَّكَ قُلْتَ: «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ قَالَ أَجَلْ وَلَكِنْ لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُذْرِ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْفَرْقِ (وَقَالَ الْقَفَّالُ) تَطَوُّعهُ بِالصَّلَاةِ قَاعِدًا (عَلَى النِّصْفِ) مِنْ أَجْرِ الْقَائِم (كَغَيْرِهِ) وَيَرُدُّهُ مَا سَبَقَ. (وَكَانَ لَهُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ خَطَأٌ يُقَرُّ عَلَيْهِ. (وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) لِلْخَبَرِ (وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» (وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ) رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ (وَهُوَ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» . وَحَدِيثِ الْبَزَّارِ «يَأْتِي مَعِي مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ السَّيْلِ وَاللَّيْلِ» . وَحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «مَا صَدَقَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ» إذْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ (وَأُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْ أَلْفَاظًا قَلِيلَةً تُفِيدُ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ (وَصُفُوفُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» . (وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] (وَلَا أَنْ يُنَادِيَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] (وَلَا أَنْ يُنَادِيَهُ بِاسْمِهِ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ بَلْ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالْكُنْيَةُ مِنْ الِاسْمِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ

стр. 2201

مِنْ نِدَائِهِ بِكُنْيَتِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ قَائِلُهُ أَوْ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ. (وَيُخَاطَبُ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَلَوْ خَاطَبَ مَخْلُوقًا غَيْرَهُ بَطُلَتْ صَلَاتُهُ وَخَاطَبَ إبْلِيسَ بِاللَّعْنَةِ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» ) . وَفِي الْفُرُوعِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُؤَوَّلٌ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ. (وَكَانَتْ الْهَدِيَّةُ حَلَالًا لَهُ) فَكَانَ «إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ قَالَ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ وَأَكَلَ مَعَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَلَا تَحِلُّ لَهُمْ الْهَدِيَّةُ مِنْ رَعَايَاهُمْ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَمَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآهُ حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنْهُ لَكِنْ لَا يَعْمَلُ الرَّائِي بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ لِعَدَمِ الضَّبْطِ لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ (وَكَانَ لَا يَتَثَاءَبُ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ عَصَمَهُ مِنْهُ (وَعُرِضَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مِنْ آدَمَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ كَمَا عَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) لِحَدِيثِ الدَّيْلَمِيِّ «مُثِّلَتْ لِي الدُّنْيَا بِالْمَاءِ وَالطِّينِ فَعُلِّمْتُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا كَمَا عُلِّمَ آدَم الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا» وَعُرِضَ عَلَيْهِ أُمَّتُهُ بِأَسْرِهِمْ حَتَّى رَآهُمْ لِحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي الْبَارِحَةَ لَدَى هَذِهِ الْحُجْرَةِ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا صُوِّرُوا لِي بِالْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى إنِّي لَأَعْرَفُ بِالْإِنْسَانِ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِصَاحِبِهِ» وَعُرِضَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا هُوَ كَائِن فِي أُمَّتِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ «أُدْرِيتُ مَا تَلْقَى أُمَّتِي بَعْدِي وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دِمَاءَ بَعْضٍ» (وَيَبْلُغُهُ سَلَامُ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ أَحَدٍ سَلَّمَ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» . (وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ) ﷺ (لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ وَالْكَذِبُ عَلَى غَيْرِهِ صَغِيرَةٌ إلَّا فِيمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ) لِخَبَرِ

стр. 2202

الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي خَبَرِ الْإِسْرَاءِ «وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ: نَوْمُهُ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ إنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ وَهِيَ نَائِمَةٌ أَوْ يُقَالُ: كَانَ لَهُ نَوْمَان: أَحَدُهُمَا تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ وَالثَّانِي عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ وَكَانَ يَوْمُ الْوَادِي عَنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ. (وَلَا نَقْضَ بِنَوْمِهِ وَلَوْ مُضْطَجِعًا) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ اضْطَجَعَ وَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . (وَيَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى أَمَامَهُ رُؤْيَةً بِالْعَيْنِ حَقِيقَةً نَصًّا) كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْأَخْبَارُ الْوَاجِبَةُ فِيهِ مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ الصَّلَاةِ فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ لِقَوْلِهِ: «لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي هَذَا» قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ. (وَالدَّفْنُ فِي الْبُنْيَانِ مُخْتَصٌّ بِهِ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا) وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا «لَمْ يُقْبَرْ نَبِيٌّ إلَّا حَيْثُ قُبِضَ» (وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِعُمُومِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَكَقَبْرِهِ الشَّرِيفِ فِي عُمُومِ الزِّيَارَةِ تَبَعًا لَهُ قَبْرُ صَاحِبَيْهِ ﵄ وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ مَنْ عَدَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَتَقَدَّمَ. (وَخُصَّ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: كَانَ خَاصًّا بِهِ وَكَذَا أَجَابَ الْقَاضِي لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَيَنْهَى عَنْهُمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ: أَنَّهُ مِنْ قَضَاءِ الرَّاتِبَةِ إذَا فَاتَتْ، وَلَيْسَ بِخُصُوصِيَّةٍ حَيْثُ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ الرَّاتِبَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ) شَيْئًا (لِيُعْطَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَكْثَرَ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أَيْ لَا تُعْطِ

стр. 2203

شَيْئًا لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ. (وَلَهُ) ﷺ (أَنْ يَقْضِيَ) وَيُفْتِيَ (وَهُوَ غَضْبَانُ، وَأَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ وَيَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَيَشْهَدَ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَيَقْبَلَ شَهَادَةَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ) ﷺ أَوْ لِوَلَدِهِ لِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ وَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَشْهَدُ وَيَقْبَلُ وَيَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ وَبِإِبَاحَةِ الْحِمَى لِنَفْسِهِ وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إنْ كَانَ لِصَبِيٍّ مَالٌ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ قِيلَ لِلْقَاضِي: الزَّكَاةُ طُهْرَةٌ وَالصَّبِيُّ مُطَهَّرٌ فَقَالَ: بَاطِلٌ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ ثُمَّ بِالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لِأَنَّهُمْ مُطَهَّرُونَ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ لَزِمَتْهُمْ الزَّكَاةُ وَخَصَائِصُهُ ﷺ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ وَفِيهَا كُتُبٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى بَعْضِهَا. [بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِهِ] (بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِهِ) أَرْكَانُ الشَّيْءِ أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ وَالْمَاهِيَّةُ لَا تُوجَدُ بِدُونِ جُزْئِهَا فَكَذَا الشَّيْءُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ رُكْنِهِ وَالشَّرْطُ مَا يَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ بِانْتِفَائِهِ، وَلَيْسَ جَزَاءٌ لِلْمَاهِيَّةِ (وَأَرْكَانُهُ) أَيْ النِّكَاحِ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا (الزَّوْجَانِ الْخَالِيَانِ مِنْ الْمَوَانِعِ) الْآتِيَةِ فِي بَابِ مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ، وَأَسْقَطَهُ فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ لِوُضُوحِهِ. (وَ) الثَّانِي (الْإِيجَابُ وَ) الثَّالِثُ (الْقَبُولُ) لِأَنَّ مَاهِيَّةَ النِّكَاحِ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَمُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهِمَا (وَلَا يَنْعَقِدُ) النِّكَاحُ (إلَّا بِهِمَا مُرَتَّبِينَ، الْإِيجَابُ أَوَّلًا وَهُوَ) أَيْ الْإِيجَابُ (اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) كَوَكِيلٍ لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا لِعَدَمِ مَعْنَاهُ. (وَلَا يَصِحُّ إيجَابٌ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ إلَّا بِلَفْظِ: أَنْكَحْتُ أَوْ زَوَّجْتُ) لِوُرُودِهِمَا فِي نَصِّ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] (وَلِمَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ) يَمْلِكُ (بَعْضَهَا الْآخَرُ حُرٌّ) إذَا أَذِنَتْ لَهُ هِيَ وَمُعْتِقُ الْبَقِيَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي (أَعْتَقَهَا وَجَعَلْتَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَنَحْوَهُ) مِمَّا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى وَيَأْتِي لِقِصَّةِ صَفِيَّةَ إذْ الْعَادِلُ عَنْ، هَذِهِ الصِّيَغِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَهَا عَادِلٌ عَنْ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنْ قُلْتَ

стр. 2204

قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً فَقَالَ: مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قُلْتُ وَرَدَ فِيهِ «زَوَّجْتُكَهَا، وَزَوَّجْنَاكَهَا وَأَنْكَحْتُكَهَا» مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى بِالْمَعْنَى، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيَكُونُ خَاصًّا بِهِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَبْقَى حُجَّةٌ وَيَصِحُّ الْإِيجَابُ مِنْ الْوَلِيِّ بِلَفْظِ زُوِّجْتَ بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْحِ التَّاءِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لَا جَوَّزْتُكَ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَ إلَّا: قَبِلْتُ تَجْوِيزَهَا؟ فَأَجَابَ بِالصِّحَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: جَوْزَتِي طَالِقٌ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ. (وَلَا يَصِحُّ قَبُولٌ لِمَنْ يُحْسِنُهَا) أَيْ الْعَرَبِيَّةَ (إلَّا بِ) لَفْظِ (قَبِلْتُ تَزْوِيجَهَا أَوْ) قَبِلْتُ (نِكَاحَهَا أَوْ) قَبِلْتُ (هَذَا التَّزْوِيجَ أَوْ) قَبِلْتُ (هَذَا النِّكَاحَ أَوْ تَزَوَّجْتُهَا أَوْ رَضِيتُ هَذَا النِّكَاحَ أَوْ قَبِلْتُ فَقَطْ أَوْ تَزَوَّجْتُ) لِأَنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ فَصَحَّ النِّكَاحُ بِهِ كَالْبَيْعِ (أَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْتَ؟ فَقَالَ) الْوَلِيُّ (نَعَمْ وَقَالَ) الْخَاطِبُ (لِلْمُتَزَوِّجِ أَقَبِلْتَ؟ فَقَالَ) الْمُتَزَوِّجُ (نَعَمْ) انْعَقَدَ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْمَعْنَى: نَعَمْ زَوَّجْتُ، نَعَمْ قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ لِأَنَّ السُّؤَالَ يَكُون مُضْمَرًا فِي الْجَوَابِ مُعَادًا فِيهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] أَيْ نَعَمْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا وَلَوْ قِيلَ لِلرَّجُلِ الْفُلَانِيِّ: عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كَانَ إقْرَارًا صَرِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ وَلَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى تَغْيِيرِهِ وَبِمِثْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ مَعَ أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ التَّزْوِيجُ. (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَجَمْعُ انْعِقَادِهِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يُحْسِنْهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ (وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: يَنْعَقِدُ) النِّكَاحُ (بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ نِكَاحًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ وَأَنَّ مِثْلَهُ) أَيْ النِّكَاحِ (كُلُّ عَقْدٍ) فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ وَالْإِجَارَةُ بِمَا عَهِدَهُ النَّاسُ إجَارَةً بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ. وَهَكَذَا (وَ) قَالَ أَيْضًا (إنَّ الشَّرْطَ بَيْنَ النَّاسِ مَا عَدُّوهُ شَرْطًا) وَكَذَا قَالَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فَلَوْ تَزَوَّجَ مِنْ قَوْمٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالتَّزَوُّجِ عَلَى نِسَائِهِمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَإِلَى مَأْخَذِهِ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ (فَالْأَسْمَاءُ تُعْرَفُ حُدُودُهَا تَارَةً بِالشَّرْعِ) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِهَا (وَ) تُعْرَفُ حُدُودُهَا (تَارَةً بِاللُّغَةِ) كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ وَشَجَرٍ

стр. 2205

وَنَحْوِهَا. (وَ) تُعْرَفُ حُدُودُهَا (تَارَةً بِالْعُرْفِ) الْعَامِّ كَالدَّابَّةِ الذَّوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ الْخَاصِّ كَالْفَاعِلِ وَالْمُبْتَدَأِ (وَكَذَا الْعُقُودُ) فَتُعْرَفُ حُدُودُهَا بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (انْتَهَى) . وَالْفَرْقُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِالنِّيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّيَّةِ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) لِلنِّكَاحِ (يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْآخَرِ أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ) بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ إيجَابٍ أَوْ قَبُولٍ (بِهَا) أَيْ بِالْعَرَبِيَّةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَ) الْعَاقِدُ (الْآخَرُ يَأْتِي) بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ (بِلِسَانِهِ) أَيْ بِلُغَتِهِ. (وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الْعَاقِدَيْنِ (لَا يُحْسِنُ لِسَانَ الْآخَرِ تَرْجَمَ بَيْنَهُمَا ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْقَاضِي وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَعَدُّدَهُ أَيْ الثِّقَةَ الَّذِي يُتَرْجِمُ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ: أَنَّ التَّرْجَمَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَالشَّهَادَةِ، فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا فَلَا بُدَّ فِي التَّرْجَمَةِ عِنْدَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ (وَلَا بُدّ أَنْ يَعْرِفَ الشَّاهِدَانِ اللِّسَانَيْنِ الْمَعْقُودَ بِهِمَا) لِيَتَمَكَّنَا مَنْ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا عَلَى اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْهُمَا فَإِذَا لَمْ يَعْرِفَاهُ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُمَا الشَّهَادَةُ بِهِ (وَيَأْتِي حُكْمُ تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ) فِي فَصْلِ: وَإِذَا اسْتَوَى وَلِيَّانِ. (وَيَصِحُّ إيجَابُ أَخْرَسَ وَقَبُولُهُ) النِّكَاحَ (بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ يَفْهَمُهَا صَاحِبُهُ) الْعَاقِدُ مَعَهُ (وَ) يَفْهَمُهَا (الشُّهُودُ) لِأَنَّ النِّكَاحَ مَعْنَى لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَصَحَّ بِإِشَارَتِهِ كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ (أَوْ كِتَابَةٍ) أَيْ وَيَصِحُّ إيجَابُهُ وَقَبُولُهُ مِنْ أَخْرَسَ بِكِتَابَةٍ، لِأَنَّهَا أَوْلَى مِنْ الْإِشَارَةِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّرِيحِ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ وَ (لَا) يَصِحُّ النِّكَاحُ (مِنْ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ) بِإِشَارَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا (وَلَا) يَصِحُّ إيجَابُ النِّكَاحِ وَلَا قَبُولِهِ (مِنْ أَخْرَسَ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ الْقَوْلِيَّةِ، لِعَدَمِ الصِّيغَةِ. (فَإِنْ قَدِرَ عَلَى تَعَلُّمِهِمَا) أَيْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (مَنْ لَا يُحْسِنهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ) تَعَلُّمُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ النِّكَاحَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَلَمْ يَجِبْ تَعَلُّمُ أَرْكَانِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ الْمُعْجِزِ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ (وَكَفَاهُ) أَيْ الْعَاجِزُ (مَعْنَاهُمَا الْخَاصُّ بِكُلِّ لِسَانٍ) أَيْ لُغَةٍ عَرَفَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ فِي لُغَتِهِ نَظِيرُ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَفْظٍ لَا يُؤَدِّي مَعْنَى النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ الْخَاصِّ لِأَنَّ مَنْ عَدَلَ عَنْ اللَّفْظِ الْخَاصِّ بِذَلِكَ اللِّسَانِ إلَى غَيْرِهِ يُشْبِهُ مَنْ هُوَ عَرَبِيٌّ وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِهِمَا الْخَاصِّ. (وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْمُتَزَوِّجِ: زَوَّجْتُكَ) مُوَلِّيَتِي (فُلَانَةَ بِفَتْحِ التَّاءِ) مِنْ زَوَّجْتُكَ (عَجْزًا) عَنْ ضَمِّهَا (أَوْ جَهْلًا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّة صَحَّ) النِّكَاحُ وَ (لَا) يَصِحُّ إنْ كَانَ ذَلِكَ (مِنْ عَارِفٍ) بِالْعَرَبِيَّةِ

стр. 2206

قَادِرٍ عَلَى إصْلَاحِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَأَفْتَى الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَتَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَاصِحُ الْإِسْلَامِ ابْنُ أَبِي الْفَهْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُنْتَهَى وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: قَبِلْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ. (وَإِنْ أَوْجَبَ) الْوَلِيُّ (النِّكَاحَ) وَنَحْوَهُ (ثُمَّ جُنَّ) قَبْلَ الْقَبُولِ (أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَ الْعَقْدُ) أَيْ الْإِيجَابُ بِذَلِكَ كَمَا يَبْطُلُ (بِمَوْتِهِ نَصًّا) لِأَنَّ الْإِيجَابَ قَبْلَ الْقَبُولِ غَيْرُ لَازِمٍ فَبَطَلَ بِزَوَالِ الْعَقْلِ كَالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ) أَوْجَبَ ثُمَّ (نَامَ) وَحَصَلَ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ فَكَذَلِكَ هُنَا. (وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ النِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَقَوْلِهِ: إنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي جَارِيَةً فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا أَوْ زَوَّجْتُكَ مَا فِي بَطْنِهَا) أَيْ بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ (أَوْ) زَوَّجْتُك (مَنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَهُمَا) أَيْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ (لَا يَعْلَمَانِ مَا فِيهَا) أَيْ الدَّارِ فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ (بِخِلَافِ الشُّرُوطِ الْحَاضِرَةِ وَ) الشُّرُوطِ (الْمَاضِيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: زَوَّجْتُك هَذَا الْمَوْلُودَ إنْ كَانَ أُنْثَى أَوْ زَوَّجْتُك ابْنَتِي إنْ كَانَتْ عِدَّتُهَا قَدْ انْقَضَتْ، أَوْ) زَوَّجْتُكَ بِنْتِي (إنْ كُنْتُ وَلِيُّهَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنِهَا أُنْثَى فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي أَوْ أَنَّهُ وَلِيُّهَا فِي الثَّالِثِ (فَإِنَّهُ يَصِحُّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ حَقِيقَةً إذْ الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ لَا يَقْبَلُهُ (وَكَذَا تَعْلِيقُهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ) كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ قَبِلْتُ إنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ قَالَ) الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي إنْ شِئْتَ فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ وَقَبِلْتُ فَيَصِحُّ) النِّكَاحُ (قَالَهُ) زَيْنُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَجَبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (وَإِذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ انْعَقَدَ النِّكَاحُ وَلَوْ مِنْ هَازِلٍ أَوْ مُلْجَأٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جَدٌّ وَجَدُّهُنَّ جَدٌّ الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا أَوْ أَطْلَقَ لَاعِبًا أَوْ عَتَقَ لَاعِبًا جَازَ» وَقَالَ عُمَرُ " أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ: الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ ". (وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) مُوَضَّحًا (وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ كَقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ) فَيَقُولُ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا (أَوْ زَوِّجْنِي ابْنَتَك) فَيَقُولُ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا (لَمْ يَصِحَّ نَصًّا) لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا لِعَدَمِ مَعْنَاهُ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الطَّلَبِ لَمْ يَصِحَّ وَإِذَا تَقَدَّمَ كَانَ أَوْلَى كَصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ، لِأَنَّهُ لَا

стр. 2207

يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةُ الْإِيجَابِ بَلْ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظٌ بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ إذَا أَتَى بِالْمَعْنَى، وَيُفَارِقُ الْخَلْعَ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ إذَا أَتَى بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ. (وَإِنْ تَرَاخَى) قَبُولٌ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِيجَابِ (صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا) وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَبِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ. (وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَبُول بَعْدَ الْإِيجَابِ (بَطَلَ الْإِيجَاب) وَكَذَا إنْ تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا لِأَنَّ ذَلِكَ إعْرَاضٌ عَنْهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّهُ. (وَإِنْ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ) بِنْتِي مَثَلًا (فَقَالَ الْمُتَزَوِّجُ: قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ قَالَ الْوَلِيُّ: أَنْكَحْتُكَ بِنْتِي، فَقَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُهَا وَنَحْوَهُ (صَحَّ) الْعَقْدُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ اخْتَلَفَ فَالْمَعْنَى مُتَّحِدٌ (وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي النِّكَاحِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ وَالْعِوَضُ لَيْسَ رُكْنًا فِيهِ وَلَا مَقْصُودًا مِنْهُ. [فَصْلٌ وَشُرُوطُهُ أَيْ النِّكَاحِ خَمْسَةٌ] [الشَّرْط الْأَوَّل تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ] فَصْلٌ وَشُرُوطُهُ أَيْ النِّكَاحُ خَمْسَةٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ) لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ تَعْيِين الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ التَّعْيِينُ فَلَمْ يَصِحُّ بِدُونِهِ (فَلَا يَصِحُّ) الْعَقْدُ إنْ قَالَ الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَلَهُ بَنَاتٌ حَتَّى يُمَيِّزَهَا) عَنْ غَيْرِهَا (بِأَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا أَوْ يُسَمِّيَهَا) بِاسْمٍ يَخُصُّهَا (أَوْ يَصِفُهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا) بِأَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ لَا يُشْرِكُهَا فِيهَا غَيْرُهَا مِنْ أَخَوَاتِهَا (كَقَوْلِهِ) زَوَّجْتُكَ بِنْتِي (الْكُبْرَى أَوْ) بِنْتِي (الصُّغْرَى، أَوْ) بِنْتِي (الْوُسْطَى أَوْ) بِنْتِي (الْبَيْضَاء وَنَحْوه) كَالْحَمْرَاءِ أَوْ السَّوْدَاءِ (فَإِنْ سَمَّاهَا مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ وَصْفِهَا الَّذِي تَتَمَيَّزُ بِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فُلَانَةَ الْكُبْرَى (كَانَ) ذَلِكَ (تَأْكِيدًا) لِأَنَّهُ مُقَوٍّ لِمَا دَلَّ الِاسْمُ عَلَيْهِ. (وَلَوْ) قَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (إلَّا) بِنْتٌ (وَاحِدَةٌ صَحَّ) الْعَقْدُ (وَلَوْ سَمَّاهَا) الْوَلِيُّ (بِغَيْرِ اسْمِهَا) لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ التَّعَدُّدِ وَلَا تَعَدُّدَ هُنَا (وَكَذَا لَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَأَشَارَ إلَيْهَا) بِأَنْ قَالَ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى خَدِيجَةَ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَقْوَى. (وَإِنْ سَمَّاهَا) الْوَلِيُّ (بِاسْمِهَا)

стр. 2208

بِأَنْ قَالَ زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) سَمَّاهَا (بِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ اسْمِهَا (وَلَمْ يَقُلْ بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ وَكَذَا لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ الْكَبِيرَةَ أَوْ الطَّوِيلَةَ وَنَحْوَهُ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ أَوْ هَذِهِ الصِّفَةَ يَشْتَرِكَانِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْفَوَاطِمِ أَوْ الطِّوَالِ. (وَكَمَنْ لَهُ بَنَاتٌ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ فَقَالَ) الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَائِشَةَ فَقَبِلَ) الزَّوْجُ (وَنَوَيَا فِي الْبَاطِنِ فَاطِمَةَ) فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَعَيَّنُ بِهِ فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لَا يُمَيِّزُهَا بَلْ يَصْرِفُ الْعَقْدُ عَنْهَا وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ عَائِشَةَ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِيمَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى وَكَذَا إنْ قَصَدَ الْوَلِيّ وَاحِدَة وَالزَّوْج أُخْرَى. (وَإِنْ سُمِّيَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ يُرِيدُ التَّزَوُّجَ (فِي الْعَقْدِ غَيْر مَنْ خَطَبَهَا فَقَبِلَ يَظُنّهَا الْمَخْطُوبَةَ لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهَا (وَلَوْ رَضِيَ) الزَّوْجُ (بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ) فَلَا يَنْقَلِبُ النِّكَاحُ صَحِيحًا فَإِنْ قَبِلَ غَيْرُ ظَانٍّ أَنَّهَا الْمَخْطُوبَةُ صَحَّ النِّكَاحُ. (وَإِنْ كَانَ) الَّذِي سُمِّيَ لَهُ الْعَقْدُ غَيَّرَ مَخْطُوبَتَهُ وَقَبِلَ، يَظُنُّهَا إيَّاهَا (قَدْ أَصَابَهَا) أَيْ وَطِئَهَا (وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِالْحَالِ) أَيْ بِأَنَّهَا سُمِّيَتْ لَهُ فِي الْعَقْدِ بَعْدَ أَنْ خَطَبَ غَيْرَهَا (أَوْ) جَاهِلَةٌ بِ (التَّحْرِيمِ فَلَهَا الصَّدَاقُ) أَيْ مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ (يَرْجِعُ بِهِ) الْوَاطِئُ (عَلَى وَلِيِّهَا قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَتُجَهَّزُ إلَيْهِ) أَيْ اسْتِحْبَابًا (الَّتِي خَطَبَهَا بِالصَّدَاقِ الْأَوَّلِ يَعْنِي بِعَقْدٍ جَدِيدٍ) لَتَوَقَّفَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ (بَعْدَ انْقِضَاء عِدَّةِ الَّتِي أَصَابَهَا إنْ كَانَتْ) الْمَخْطُوبَةُ (مِمَّنْ يُحَرَّمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) بِأَنْ كَانَتْ أُخْتَ الْمُصَابَةِ أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا وَنَحْوَهُ لِمَا يَأْتِي فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْمُصَابَةُ. (وَلَدَتْ مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ (وَإِنْ عَلِمَتْ) الْمُصَابَةُ (أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ وَ) عَلِمَتْ (أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ لَا صَدَاقَ لَهَا) وَعَلَيْهَا الْحَدُّ، لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجَةِ يَأْتِي نَظِيرَهُ الزَّوْجُ، وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِ لِوُضُوحِهِ. [الشَّرْط الثَّانِي رِضَى الزَّوْجَيْنِ] الشَّرْطُ (الثَّانِي رِضَاهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمَا فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (أَوْ) لَمْ يَرْضَ (أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَهُمَا فَاعْتُبِرَ تَرَاضِيهِمَا بِهِ كَالْبَيْعِ. (لَكِنْ لِلْأَبِ) خَاصَّةً (تَزْوِيجُ بَنِيهِ الصِّغَارِ) وَبَنِيهِ (الْمَجَانِينِ وَلَوْ) كَانَ بَنُوهُ الْمَجَانِينِ (بَالِغِينَ) لِأَنَّهُمْ لَا قَوْلَ لَهُمْ فَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهِمْ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَاخْتَصَمُوا

стр. 2209

إلَى زَيْدٍ فَأَجَازَاهُ جَمِيعًا وَكَأَبِي الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَحَيْثُ زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَهُ لِصِغَرِهِ وَجُنُونِهِ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهُ (بِغَيْرِ أَمَةٍ) لِئَلَّا يُسْتَرَقَّ وَلَدُهُ (وَلَا مَعِيبَةٍ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ النِّكَاحُ) كَرَتْقَاءَ وَجَذْمَاءَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ وَيُزَوِّجُ الْأَبُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ (بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كَرِهَا) لِأَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا وَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ فَجَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ فِيهِ كَمُدَاوَاتِهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَرْضَى أَنْ تَتَزَوَّجَ الْمَجْنُونَ، إلَّا أَنْ تُرَغَّبَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا فَيَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى النِّكَاحِ بِدُونِ ذَلِكَ (وَلَيْسَ لَهُمْ) أَيْ لِلْبَنِينَ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ إنْ زَوَّجَهُمْ الْأَبُ (خِيَارٌ إذَا بَلَغُوا) وَعَقَلُوا كَمَا لَوْ بَاعَ مَا لَهُمْ وَنَحْوَهُ. (وَ) لِلْأَبِ (تَزْوِيجُ بَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَمَّا قَسَّمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ وَأَثْبَتَ الْحَقَّ لِأَحَدِهِمَا دَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ الْآخَرِ وَهِيَ الْبِكْرُ فَيَكُونُ وَلِيُّهَا أَحَقَّ مِنْهَا بِهَا وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ هُنَا وَالِاسْتِئْذَانَ فِي حَدِيثِهِمْ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ. (وَ) لِلْأَبِ أَيْضًا تَزْوِيجُ (ثَيِّبٍ لَهَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ) لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا (بِغَيْرِ إذْنِهِمْ) أَيْ الْبَنِينَ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبِنْتِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ الَّتِي لَهَا دُون تِسْعِ سِنِينَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ تَزْوِيجُ مَنْ ذُكِرَ (لِلْجَدِّ) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ قَاصِرٌ عَنْ الْأَبِ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْإِجْبَارَ كَالْعَمِّ. (وَيُسَنُّ اسْتِئْذَانُ بِكْرٍ بَالِغَةٍ هِيَ وَأُمُّهَا أَمَّا) هِيَ فَلِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا اسْتِئْذَانُ أُمِّهَا فَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَكُونُ اسْتِئْذَانُ الْوَلِيِّ لَهَا (بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ يَنْظُرْنَ مَا فِي نَفْسِهَا) لِأَنَّهَا قَدْ تَسْتَحِي مِنْهُ (وَأُمُّهَا بِذَلِكَ أَوْلَى) لِأَنَّهَا تُظْهِرُ عَلَى أُمِّهَا مَا تُخْفِيهِ عَلَى غَيْرِهَا. (وَإِذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ) فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهُ (بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا. (وَ) لَهُ تَزْوِيجُهُ (بِأَكْثَرَ) مِنْ وَاحِدَةٍ (إنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً) نَقَلَهُ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِ لَكِنْ ضَعَّفَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ قَالَ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ بَلْ مَفْسَدَةٌ وَصَوَّبَ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَقَالَ هُوَ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلَا يُزَوِّجُهُ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ لِحَاجَةٍ، وَالْكِفَايَةُ تَحْصُلُ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ غَائِبَةً أَوْ صَغِيرَةً طِفْلَةً وَبِهِ حَاجَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ثَانِيَةً قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي الْوَصَايَا انْتَهَى وَعَلَى نَحْوِ ذَلِكَ يُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ رَزِينٍ

стр. 2210

وَغَيْرِهِ فَلَا تَضْعِيفَ. (وَحَيْثُ أُجْبِرَتْ) الْبِكْرُ (أَخَذَ بِتَعْيِينِ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ كُفُؤًا لَا بِتَعَيُّنِ الْمُجْبَرِ) مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلرَّغْبَةِ فَلَا تُجْبَرُ عَلَى مَنْ لَا تَرْغَبُ فِيهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِجْبَارِ شُرُوطٌ: أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَبِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَنْ يُزَوِّجَهَا بِنَقْدِ الْبَلَدِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ قُلْتُ وَفِيهِ شَيْءٌ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمُجْبِرُ (مِنْ تَزْوِيجِ مَنْ عَيَّنَتْهُ) بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (فَهُوَ عَاضِلٌ سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ) وَيُفَسَّقُ بِهِ إنْ تَكَرَّرَ عَلَى مَا يَأْتِي. (وَمَنْ يُخْنَقُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ) لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ تَثْبُتْ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهِ لِغَيْرِهِ كَالْعَاقِلِ (أَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِبِرْسَامٍ أَوْ بِمَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ) كَالْعَاقِلِ فَإِنْ دَامَ بِهِ صَارَ كَالْمَجْنُونِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّارِحِ. (وَلَيْسَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا وَكَانَ) النِّكَاحُ (أَصْلَحَ لَهُ) بِأَنْ يَكُون زَمِنًا أَوْ ضَعِيفًا يَحْتَاجُ إلَى امْرَأَةٍ تَخْدُمهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ تَزْوِيجُهُ (وَلَهُ) أَيْ الْأَبِ (قَبُولُ النِّكَاحِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ) وَلَوْ مُمَيِّزًا (وَ) لِابْنِهِ (الْمَجْنُونِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا الْبَالِغُ الْمَعْتُوهُ. وَفِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ مَعَ ظُهُورِ أَمَارَاتِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي إنَّمَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الشَّهْوَةِ بِمَيْلِهِ إلَى النِّسَاءِ وَنَحْوِهِ. (وَيَصِحُّ قَبُولُ مُمَيِّزٍ لِنِكَاحٍ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ نَصًّا) كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَ (لَا) يَصِحُّ قَبُولُ (طِفْلٍ دُونَ التَّمْيِيزِ) لِنِكَاحِهِ (وَلَا) قَبُولُ (مَجْنُونٍ) لِنِكَاحِهِ (وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا) لِأَنَّ قَوْلَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. (وَلِلسَّيِّدِ إجْبَارُ إمَائِهِ الْأَبْكَارِ وَالثَّيِّبِ) لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ مِنْهُنَّ وَلَا بَيْنَ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُنَّ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهِنَّ فَأَشْبَهَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ وَلِذَلِكَ مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْعَبْدَ وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا وَتَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُبَاحَةً أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ كَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ (إلَّا مُكَاتَبَتَهُ) وَلَوْ صَغِيرَةً فَلَا يَجْبُرُهَا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا وَلَا يَمْلِكُ إجَارَتَهَا وَلَا أَخْذَ مَهْرِهَا (وَلَوْ كَانَ نِصْفُ الْأَمَةِ حُرًّا لَمْ يَمْلِك مَالِكُ الرِّقِّ إجْبَارَهَا) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْعَهَا (وَيُعْتَبَرُ إذْنُهَا) لِمَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ. (وَ) يُعْتَبَرُ (إذْنُ مَالِكِ الْبَقِيَّةِ كَأَمَةٍ لِاثْنَيْنِ)
следующие страницы →