Полный текст (3 210 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: لَا تَرْجِعُ هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا عَلَى زَوْجٍ (بِنَمَائِهِ) قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ (وَيُعْتَبَرُ فِي تَقْوِيمِهِ صِفَتُهُ يَوْمَ قَبَضَتْهُ) لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي مَلَكَتْهُ فِيهِ (وَيَجِبُ رَدُّهُ) أَيْ: رَدُّ نِصْفِهِ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ بَقَائِهِ (بِعَيْنِهِ) كَالْمُعَيَّنِ.
(وَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «وَلِيُّ الْعُقْدَةِ الزَّوْجُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَرَوَاهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلِأَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ بَعْدَ الْعَقْدِ هُوَ الزَّوْجُ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَطْعِهِ وَفَسْخِهِ وَإِمْسَاكِهِ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَالْعَفْوُ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى هُوَ عَفْوُ الزَّوْجِ عَنْ حَقِّهِ وَأَمَّا عَفْوُ وَلِيّ الْمَرْأَةِ عَنْ مَالِهَا فَلَيْسَ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلِأَنَّ الْمَهْرَ مَالُ الزَّوْجَةِ فَلَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ إسْقَاطَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهَا وَحُقُوقِهَا وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْعُدُولُ عَنْ خِطَابِ الْحَاضِرِ إلَى خِطَابِ الْغَائِبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] .
(فَإِذَا طَلَّقَ) الزَّوْجُ (قَبْلَ الدُّخُولِ) وَالْخَلْوَةِ وَسَائِرِ مَا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ (فَأَيُّهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ وَهُوَ جَائِزُ الْإِبْرَاءِ فِي مَالِهِ) بِأَنْ كَانَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا (بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
(فَإِنْ كَانَ) الْمَعْفُوُّ عَنْهُ (دَيْنًا سَقَطَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْعَفْوِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّرْكِ وَلَا يَفْتَقِرُ) إسْقَاطُهُ (إلَى قَبُولٍ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْهِبَةِ.
(وَإِنْ) كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ (عَيْنًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَعَفَا الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ هِبَةٌ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ: وَالْهِبَةِ وَالتَّمَلُّكِ وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ) لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ أَصَالَةً (وَيَفْتَقِرُ) لُزُومُ الْعَفْوِ عَنْ الْعَيْنِ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ (إلَى الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَلَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْقَبْضُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَبْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ، فَقَبْضُ مَا لَا يُنْقَلُ بِالتَّخْلِيَةِ وَلَوْ أُسْقِطَ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ لَكَانَ مُنَاسِبًا لِمَا سَبَقَ.
وَيُوهِمُ كَلَامُهُ أَنَّ مِنْ الْهِبَةِ فِيمَا بِيَدِ الْوَاهِبِ مَا يَلْزَمُهُ بِلَا قَبْضٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَإِنْ عَفَا غَيْرُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ) زَوْجًا كَانَ أَوْ زَوْجَةً (صَحَّ الْعَفْوُ
стр. 2312
بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ) مِنْ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْعَفْو وَالصَّدَقَةِ وَالتَّرْكِ (كُلِّهَا) وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهِ فِي الْهِبَةِ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَبْضُ.
(وَلَا يَمْلِكُ الْأَبُ الْعَفْوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إذَا طَلُقَتْ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ) كَثَمَنِ مَبِيعِهَا (وَلَا) يَمْلِكُ الْأَبُ أَيْضًا الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ (الْكَبِيرَةِ) إذَا طَلُقَتْ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا.
(وَلَا) يَمْلِكُ غَيْرُهُ أَيْ الْأَبُ (مِنْ الْأَوْلِيَاءِ) كَالْجَدِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ وَلِيَّتِهِ وَلَوْ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ فِي الْمَالِ.
(وَلَوْ بَانَتْ امْرَأَةُ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ صَدَاقَهَا عَنْهُمْ مِثْلَ أَنْ تَفْعَلَ امْرَأَتُهُ) أَيْ امْرَأَةُ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ (مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا بِرَضَاعٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ) وُجِدَ مَا يَسْقُطُ بِهِ (نِصْفُهُ) أَيْ الصَّدَاقِ (كَطَلَاقٍ مِنْ السَّفِيهِ) أَوْ مِنْ صَغِيرٍ يَعْقِلُهُ (أَوْ رَضَاعٍ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ لِمَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ) كَمَا لَوْ دَبَّ الزَّوْجُ الصَّغِيرُ فَارْتَضَعَ مِنْ أُمِّ زَوْجَتِهِ أَوْ أُخْتِهَا أَوْ نَحْوِهَا (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) كَمَا لَوْ وَطِئَ أُمَّ زَوْجَتِهِ فَانْفَسَخَ نِكَاحُ بِنْتِهَا وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ (لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِمْ الْعَفْوُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ أَبْرَأَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]
(فَصْلٌ وَإِذَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ) ؛ لِأَنَّ عَوْدَ نِصْفِ الصَّدَاقِ إلَى الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ غَيْرُ الْجِهَةِ الْمُسْتَحَقِّ بِهَا الصَّدَاقُ أَوَّلًا، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ إنْسَانًا مَنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ بِوَجْهٍ آخَرَ فَلَا يَتَسَاقَطَانِ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نِصْفِهِ) أَيْ الصَّدَاقِ (أَوْ وَهَبَتْهُ) أَيْ الصَّدَاقَ (لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا) الزَّوْجُ (قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي) ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَا أَصْدَقَهَا بِعَيْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَهَبْهُ لَهُ.
(وَلَوْ اشْتَرَى) إنْسَانٌ (عَبْدًا بِمِائَةٍ ثُمَّ أَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ قَبَضَتْهُ ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (عَيْبًا فَلَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَخْذَ أَرْشَ الْعَيْبِ مَعَ إمْسَاكِهِ) أَيْ الْمَعِيبِ كَالصَّدَاقِ فِيمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ وَهَبَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ لِلْبَائِعِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ ضَرَبَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْبَائِعِ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ.
(وَلَوْ كَاتَبَ) إنْسَانٌ (عَبْدًا
стр. 2313
ثُمَّ سَقَطَ عَنْهُ مَالُ الْكِتَابَةِ بَرِئَ) الْمُكَاتَبُ (وَعَتَقَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْكِتَابَةِ (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) وَ (لَمْ يَرْجِعْ الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيتَاءِ) وَهُوَ رُبْعُ مَالِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ عَنْهُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِيتَاءِ (وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْقَطَ) السَّيِّدُ (عَنْ الْمُكَاتَبِ الْقَدْرَ الَّذِي يَلْزَمُهُ إيتَاؤُهُ إيَّاهُ) وَهُوَ الرُّبْعُ (وَاسْتَوْفَى) السَّيِّدُ (الْبَاقِي) مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْكِتَابَةِ.
(وَلَوْ قَضَى الْمَهْرَ أَجْنَبِيُّ) عَنْ الزَّوْجِ (مُتَبَرِّعًا ثُمَّ سَقَطَ) الصَّدَاقُ لِرِدَّتِهَا وَنَحْوِهَا قَبْلَ دُخُولٍ (أَوْ تَنَصَّفَ) الصَّدَاقُ بِنَحْوِ طَلَاقِهِ قَبْلَ دُخُولٍ (فَالرَّاجِعُ) مِنْ الْمَهْرِ (لِلزَّوْجِ) لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ بِقَضَائِهِ عَنْهُ فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ بِغَيْرِ الْجِهَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ أَوَّلًا كَانَ لِلزَّوْجِ، كَمَا لَوْ أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ.
(وَلَوْ خَالَعَهَا) الزَّوْجُ (بِنِصْفِ صَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ صَحَّ) ذَلِكَ (وَصَارَ الصَّدَاقُ كُلُّهُ لَهُ نِصْفُهُ) لَهُ (بِالطَّلَاقِ) يَعْنِي الْخُلْعَ قَبْلَ الدُّخُولِ (وَنِصْفِهِ) لَهُ (بِالْخُلْعِ) أَيْ عِوَضًا لَهُ وَإِنْ خَالَعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (عَلَى مِثْلِ نِصْفِ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهَا) وَكَانَتْ لَمْ تَقْبِضْ الصَّدَاقَ مِنْهُ (صَحَّ) ذَلِكَ.
(وَسَقَطَ) عَنْهُ (جَمِيعُ الصَّدَاقِ: نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ، وَنِصْفُهُ بِالْمُقَاصَّةِ) حَيْثُ وُجِدَتْ بِشُرُوطِهَا (وَلَوْ قَالَتْ) الْمَرْأَةُ (لَهُ) أَيْ لِزَوْجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ قَبْضِ الصَّدَاقِ (اخْلَعْنِي بِمَا يُسَلَّمُ إلَيَّ مِنْ صَدَاقِي أَوْ) اخْلَعْنِي (عَلَى أَنْ لَا تَبِعَةَ عَلَيْك فِي الْمَهْرِ فَفَعَلَ) أَيْ خَلَعَهَا عَلَى ذَلِكَ (صَحَّ) الْخُلْعُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى سُؤَالِهَا الْخُلْعَ عَلَى نِصْفِ الصَّدَاقِ.
(وَبَرِئَ) الزَّوْجُ (مِنْ جَمِيعِهِ) نِصْفِهِ بِالْخُلْعِ وَنِصْفَهُ بِجَعْلِهِ عِوَضًا لَهُ فِيهِ (وَإِنْ خَالَعَهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ (بِمِثْلِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ) خَالَعَهَا (بِصَدَاقِهَا كُلِّهِ صَحَّ) الْخُلْعُ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ (وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ) وَسَقَطَ عَنْهُ الصَّدَاقُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَبْرَأَتْ مُفَوَّضَةٌ الْمَهْرَ) وَهِيَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ زَيْدٌ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمَهْرِ صَحَّ (أَوْ) أَبْرَأَتْ مُفَوَّضَةٌ (الْبُضْعَ) وَهِيَ مَنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ صَدَاقٍ مِنْ الْمَهْرِ صَحَّ (أَوْ) أَبْرَأَتْ (مَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ كَالْخَمْرِ وَالْمَجْهُولِ مِنْ الْمَهْرِ صَحَّ) الْإِبْرَاءُ (قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ) لِانْعِقَادِ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَهُوَ عَقْدُ النِّكَاحِ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ بَعْدَ الْجَرْحِ وَقَبْلَ الزُّهُوقِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ طَلَّقَ الزَّوْجُ الْمُفَوَّضَةَ أَوْ مَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ بَعْد الْبَرَاءَةِ وَ (قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ) الْمُطَلِّقُ (بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَبَ بِالْعَقْدِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ الْمُسَمَّى ثُمَّ طَلَّقَهَا وَعَفَا وَهَذَا احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: لَهَا الْمُتْعَةُ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ: (فَإِنْ كَانَتْ الْبَرَاءَةُ) مِنْ الْمُفَوَّضَةِ وَمَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ (مِنْ نِصْفِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ الْبَاقِي) بَعْدَ النِّصْفِ السَّاقِطِ بِالْبَرَاءَةِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَلَا مُتْعَةَ لَهَا) فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَطَعَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ: فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي
стр. 2314
لَا تَسْقُطُ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَقَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْأَصَحِّ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَأَوْجَبَ لَهَا الْمُتْعَةَ بِالطَّلَاقِ وَهِيَ إنَّمَا وَهَبَتْهُ مَهْرَ الْمِثْلِ فَلَا تَدْخُلُ الْمُتْعَةُ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُهَا قَبْلَ الْفُرْقَة؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ مَا لَا يَجِبُ كَمَنْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ (وَإِنْ ارْتَدَّتْ مَنْ وَهَبَتْ زَوْجَهَا الصَّدَاقَ) قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِكُلِّهِ (أَوْ) ارْتَدَّتْ مَنْ (أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ أَيْ الصَّدَاقِ) لِعَوْدِهِ إلَيْهِ بِذَلِكَ وَكَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ لَوْ تَنَصَّفَ (وَلَا يَبْرَأُ الزَّوْجُ مِنْ الصَّدَاقِ) مُعَيَّنًا كَانَ أَمْ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ (إلَّا بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهَا أَوْ إلَى وَكِيلِهَا إذَا كَانَتْ) بَالِغَةً (رَشِيدَةً وَلَوْ بِكْرًا) كَثَمَنِ مَبِيعِهَا.
(وَلَا يَبْرَأُ) الزَّوْجُ (بِالتَّسْلِيمِ إلَى أَبِيهَا وَلَا إلَى غَيْرِهِ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ سَلَّمَ الزَّوْجُ الصَّدَاقَ لِأَبِيهَا أَوْ غَيْرِهِ (وَأَنْكَرَتْ) الزَّوْجَةُ (وُصُولَهُ) أَيْ الْمَهْرِ (إلَيْهَا حَلَّفَهَا الزَّوْجُ) إنْ أَحَبَّ ذَلِكَ (وَرَجَعَتْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُصُولِهِ إلَيْهَا.
(وَرَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَى أَبِيهَا) أَوْ غَيْرِهِ بِمَا دَفَعَهُ لَهَا لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (غَيْرَ رَشِيدَةٍ سَلَّمَهُ إلَى وَلِيّهَا فِي مَالِهَا مِنْ أَبِيهَا أَوْ وَصِيّهَا أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ الْحَاكِمُ) فِيمَا عَلَيْهَا كَثَمَنِ مَبِيعِهَا وَسَائِرِ دُيُونِهَا.
[فَصْلٌ كُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ تَنَصَّفَ الْمَهْرُ]
(فَصْلٌ وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ) قِبَلِ (الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَطَلَاقِهِ وَخُلْعِهِ وَلَوْ بِسُؤَالِهَا و) كَ (إسْلَامِهِ) إنْ لَمْ تَكُنْ كِتَابِيَّةً (وَرِدَّتِهِ، أَوْ) جَاءَتْ (مِنْ) قِبَلِ (أَجْنَبِيٍّ كَرَضَاعٍ) بِأَنْ أَرْضَعَتْ أُخْتُهُ الزَّوْجَةَ مَثَلًا (وَنَحْوِهِ) بِأَنْ وَطِئَ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ الزَّوْجَةَ (تَنَصَّفَ الْمَهْرُ) الْمُسَمَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةَ فَثَبَتَ فِي الطَّلَاقِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا تَنَصَّفَ بِالْخُلْعِ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ جَانِبُ الزَّوْجِ بِدَلِيلٍ أَنَّ بَذْلَ عِوَضِهِ يَصِحُّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا فَصَارَ الزَّوْجُ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ وَالْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِ الْآخَرِ لَا جِنَايَةَ فِيهَا مِنْ الْمَرْأَةِ لِيَسْقُطَ صَدَاقُهَا وَيَرْجِعَ الزَّوْجُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ.
(وَيَجِبُ بِهَا)
стр. 2315
أَيْ بِالْفُرْقَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ (الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ مَنْ سُمِّيَ لَهَا) مَهْرٌ صَحِيحٌ كَالْمُفَوِّضَةِ وَمَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّلَاقِ.
(وَكَذَا تَعْلِيقُ طَلَاقِهَا عَلَى فِعْلِهَا) فَإِذَا فَعَلَتْ وَقَعَ وَتَنَصَّفَ الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ مِنْ الزَّوْجِ وَهُوَ الطَّلَاقُ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقَّقَتْ شَرْطَهُ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يُضَافُ إلَى صَاحِبِ السَّبَبِ (وَكَذَا تَوْكِيلُهَا) أَيْ تَوْكِيلُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ (فِيهِ) أَيْ فِي طَلَاقِهَا (فَفَعَلَتْهُ) فَيَنْتَصِفُ الصَّدَاقُ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْهُ وَإِنْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْإِيلَاءِ فَهُوَ كَطَلَاقِهِ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ فِي إيفَاءِ الْحَقِّ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ: لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَةٍ مِنْ فِعْلِهَا الَّذِي لَهَا مِنْهُ بُدٌّ) كَدُخُولِهَا دَارَ أَجْنَبِيٍّ (وَفَعَلَتْهُ) قَبْلَ الدُّخُولِ (فَلَا مَهْرَ لَهَا وَقَوَّاهُ ابْنُ رَجَبٍ) بِمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ تَنْجِيزِهَا فِي نَفْسِهَا إذَا اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ لَكِنْ إنَّمَا تَتِمُّ الْمُشَابَهَةُ إذَا كَانَ بِسُؤَالِهَا كَمَا يَأْتِي (وَلَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِنَسَبِ) زَوْجَتِهِ بِأَنْ قَالَ: هِيَ أُخْتِي مِنْ النَّسَبِ (أَوْ) أَقَرَّ بِ (رَضَاعٍ) كَقَوْلِهِ هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ) أَقَرَّ بِ (غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ) كَتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ لِمُصَاهَرَةٍ (قَبْلَ) إقْرَارِهِ (مِنْهُ فِي انْفِسَاخِ النِّكَاحِ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ فَأُوخِذَ بِهِ (دُونَ سُقُوطِ النِّصْفِ) أَيْ نِصْفِ الصَّدَاقِ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى الْغَيْرِ (فَإِنْ صَدَّقَتْهُ) الزَّوْجَةُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمُفْسِدِ سَقَطَ (أَوْ ثَبَتَ) الْمُفْسِدُ (بِبَيِّنَةٍ سَقَطَ) أَيْ تَبَيَّنَّا عَدَمَ وُجُوبِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَلَوْ وَطِئَ) الزَّوْجُ (أُمَّ زَوْجَتِهِ أَوْ) وَطِئَ (ابْنَتَهَا بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا انْفَسَخَ النِّكَاحُ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (نِصْفَ الصَّدَاقِ) إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهِ وَأَمَّا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَيَأْنِي حُكْمُهَا فِي الصَّدَاقِ.
(وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (قَبْلَ الدُّخُولِ كَإِسْلَامِهَا) تَحْتَ كَافِرٍ (وَرِدَّتِهَا أَوْ إرْضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ) كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى.
(وَارْتِضَاعِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ) مِنْ أُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ وَنَحْوِهَا (وَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ) أَيْ الزَّوْجِ كَكَوْنِهِ مَجْبُوبًا أَوْ مَجْذُومًا وَنَحْوِهِ.
(وَ) فَسْخِهَا (بِإِعْسَارِهِ بِمَهْرٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ لِعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ وَفَسْخِهِ لِعَيْبِهَا أَوْ) فَسْخِهِ (لِفَقْدِ صِفَةٍ شَرَطَهَا فِيهَا) كَأَنْ شَرَطَهَا بِكْرًا فَبَانَتْ ثَيِّبًا وَفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ (فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا وَ) يَسْقُطُ بِهِ
стр. 2316
أَيْضًا (مُتْعَتُهَا إنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً) أَوْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ الْعِوَضَ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا فَسَقَطَ الْبَدَلُ كُلُّهُ، كَالْبَائِعِ يُتْلِفُ الْمَبِيعَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ.
(وَكَذَا فَسْخُهَا بِشَرْطٍ صَحِيحٍ شُرِطَ عَلَيْهِ حَالَةَ الْعَقْدِ) كَأَنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا (فَلَمْ يَفِ بِهِ) فَلَا مَهْرَ لَهَا وَلَا مُتْعَةَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَفُرْقَةِ اللِّعَانِ تُسْقِطُ كُلَّ الْمَهْرِ) لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ تَمَامِ لِعَانِهَا.
(وَيَتَنَصَّفُ) الصَّدَاقُ (بِشِرَاءِ زَوْجٍ لِزَوْجَتِهِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِلْفَسْخِ تَمَّ بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ (وَلَوْ) كَانَ شِرَاءُ زَوْجَتِهِ (مِنْ مُسْتَحِقِّ مَهْرِهَا) وَهُوَ مَالِكٌ لِرَقَبَتِهَا وَنَفْعِهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَتَنَصَّفُ أَيْضًا (بِشِرَائِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ (لَهُ) أَيْ لِزَوْجِهَا الرَّقِيقِ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِلْفَسْخِ تَمَّ بِالْمَرْأَةِ وَالسَّيِّدِ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ (وَلَوْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ بِسُؤَالِهَا) بِأَنْ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا الْخِيَارَ فَجَعَلَهُ لَهَا (فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ (فَلَا مَهْرَ لَهَا نَصًّا) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ تَمَّتْ بِفِعْلِهَا وَهِيَ الْمُسْتَحِقَّةُ لِلصَّدَاقِ فَيَسْقُطُ كَمَا لَوْ بَاشَرَتْ إسْقَاطَهُ، وَكَذَا مُفَارِقَاتُ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ) جَعْلُهُ الْخِيَارَ إلَيْهَا (بِغَيْرِ سُؤَالِهَا لَمْ يُسْقِطْ) الصَّدَاقَ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَلْ يَتَنَصَّفُ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْهُ فَفِعْلُهَا كَفِعْلِهِ.
[فَصْلٌ يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى كَامِلًا]
فَصْلٌ وَيُقَرِّرُ (الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى) وَهُوَ الْمَهْرُ (كَامِلًا، حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً، مَوْتٌ وَقَتْلٌ كَالدُّخُولِ) لِمَا رَوَى مَعْقِلُ بْنُ سِنَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَكَانَ زَوْجُهَا مَاتَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، فَجَعَلَ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ عُمْرٍ، فَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا يَنْتَهِي فَيَسْتَقِرُّ بِهِ الْعِوَض كَانْتِهَاءِ الْإِجَارَةِ وَمَتَى اسْتَقَرَّ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ وَلَا غَيْرِهِ (حَتَّى وَلَوْ قَتَلَ أَحَدهمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (الْآخَر أَوْ قَتَلَ) أَحَدُهُمَا (نَفْسه) لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ بَلَغَ غَايَتَهُ فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ.
(وَ) يُقَرِّرُهُ أَيْضًا (وَطْؤُهَا فِي فَرْجٍ وَلَوْ دُبُرًا) أَوْ فِي غَيْرِ
стр. 2317
خَلْوَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ اسْتِيفَاءُ الْمَقْصُودِ فَاسْتَقَرَّ الْعِوَضُ (وَ) يُقَرِّرُهُ أَيْضًا (طَلَاقٌ فِي مَرَضِ مَوْتِ) الزَّوْجِ الْمَخُوفِ (قَبْلَ دُخُولِهِ) بِهَا.
الْمَخُوفُ يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ إذَا مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ وَطَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِرَارًا ثُمَّ مَاتَ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ كَامِلًا بِالْمَوْتِ لِوُجُوبِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَوَجَبَ كَمَالُ الْمَهْرِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ تَرْتَدَّ وَعِبَارَتُهُ تُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ، وَصَوَابُهَا مَا قُلْتُهُ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ (وَ) يُقَرِّرُهُ أَيْضًا (خَلْوَةُ) الزَّوْجِ (بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَزَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ رَوَى أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: " قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ أَوْجَبَ الْمَهْرَ، وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ " وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْأَحْنَفِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ.
وَهَذِهِ قَضَايَا اُشْتُهِرَتْ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهَا فَيَسْتَقِرُّ بِهِ الْبَدَلُ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا أَوْ كَمَا لَوْ أَجَرَتْ دَارَهَا وَسَلَّمَتْهَا أَوْ بَاعَتْهَا وَأَمَّا وقَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَنَّى بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْخَلْوَةُ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] فَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ " الْإِفْضَاءُ الْخَلْوَةُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَضَاءِ وَهُوَ الْخَالِي فَكَأَنَّهُ قَالَ وَقَدْ خَلَا بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وَيُشْتَرَطُ لِلْخَلْوَةِ الْمُقَرَّرَةِ أَنْ تَكُونَ (مِنْ بَالِغٍ وَمُمَيِّزٍ وَلَوْ) كَانَ (كَافِرًا وَأَعْمَى نَصًّا) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، عَاقِلًا وَمَجْنُونًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ الزَّوْج مُسْلِمًا وَالزَّوْجَةُ كِتَابِيَّةً.
(وَلَوْ كَانَ) الزَّوْجُ (الْخَالِي) بِزَوْجَتِهِ (أَعْمَى أَوْ نَائِمًا مَعَ عِلْمِهِ) بِأَنَّهَا عِنْدَهُ (إنْ لَمْ تَمْنَعْهُ) الزَّوْجَةُ مِنْ وَطْئِهَا، فَإِنْ مَنَعَتْهُ مِنْهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ الصَّدَاقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّمْكِينُ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْخَلْوَةُ مُقَرَّرَةً (إنْ كَانَ) الزَّوْجُ (مِمَّنْ يَطَأُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ وَقَدْ خَلَا.
(وَبِمَنْ يُوطَأُ مِثْلَهَا) فَإِنْ كَانَ دُونَ عَشْرٍ أَوْ كَانَتْ دُونَ تِسْعٍ لَمْ يَتَقَرَّرْ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْوَطْءِ (وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ) أَيْ دَعْوَى الزَّوْجِ
стр. 2318
بَعْدَ أَنْ خَلَا بِزَوْجَتِهِ (عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا وَلَوْ كَانَ أَعْمَى نَصًّا إنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ) عَلَى ذَلِكَ (لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقُدِّمَتْ الْعَادَةُ هُنَا عَلَى الْأَصْلِ قَالَ الشَّيْخُ: فَكَذَا دَعْوَى إنْفَاقِهِ) .
عَلَى زَوْجَةِ مُقِيمٍ مَعَهَا (فَإِنَّ الْعَادَةَ هُنَاكَ) أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ (أَقْوَى انْتَهَى) لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ الْإِنْفَاقِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَ) إذَا اخْتَلَفَا فِي الْوَطْءِ فِي الْخَلْوَةِ فَإِنَّهُ (يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَطْءِ فِي الْخَلْوَةِ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا وَفِيهِ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْعُيُوبِ (وَتُقَرِّرُهُ الْخَلْوَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَوْ لَمْ يَطَأْ وَلَوْ كَانَ بِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (مَانِعٌ أَوْ) كَانَ (بِأَحَدِهِمَا مَانِعٌ حِسِّيٌّ كَجَبٍّ وَرَتْقٍ وَنَضَاوَةٍ) أَيْ هُزَالٍ (أَوْ) مَانِعٌ (شَرْعِيٌّ كَإِحْرَامٍ وَحَيْضٍ) وَنِفَاسٍ (وَصَوْمٍ) وَلَوْ كَانَتْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهَا تُقَرِّرُ الْمَهْرَ كَامِلًا إذَا كَانَتْ بِشُرُوطِهَا لِأَنَّ الْخَلْوَةَ نَفْسَهَا مُقَرِّرَةٌ لِلْمَهْرِ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ (وَحُكْمُ الْخَلْوَةِ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي تَكْمِيلِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) كَذَا فِي (تَحْرِيمِ أُخْتِهَا) إذَا طَلَّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (وَ) فِي تَحْرِيمِ (أَرْبَعٍ سِوَاهَا إذَا طَلَّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَ) فِي (ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ عَلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا، وَ) فِي وُجُوبِ (نَفَقَةِ الْعِدَّةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْعُ وُجُوبِ الْعِدَّةِ.
(وَ) فِي (ثُبُوتِ النَّسَبِ) إذَا خَلَا بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ وَلَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَلَمْ تَكُنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرْءِ وَلِأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ فَهِيَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ (لَا) أَيْ لَيْسَ حُكْمُ الْخَلْوَةِ حُكْمَ الْوَطْءِ (فِي الْإِحْصَانِ) فَلَا يَصِيرُ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا بِالْخَلْوَةِ.
(وَ) لَا فِي (الْإِبَاحَةِ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا) فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِالْخَلْوَةِ لِحَدِيثِ «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» (وَلَا يَجِبُ بِهَا الْغُسْلُ) إذْ لَا الْتِقَاءُ لِلْخِتَانَيْنِ فِيهَا (وَلَا) يَجِبُ بِهَا (الْكَفَّارَةُ) إذَا خَلَا بِهَا فِي الْحَيْضِ أَوْ الْإِحْرَامِ.
(وَلَا يَخْرُجُ بِهَا) الْعِنِّينُ مِنْ الْعُنَّةِ (وَلَا تَحْصُلُ بِهَا الْفَيْئَةُ) مِنْ الْمُولِي (وَلَا تَفْسُدُ بِهَا الْعِبَادَاتُ وَلَا تَحْرُمُ بِهَا الرَّبِيبَةُ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مَنُوطَةٌ بِالْوَطْءِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَيُقَرِّرهُ) أَيْ الصَّدَاقُ كَامِلًا (لَمْسٌ) لِلزَّوْجَةِ (وَنَظَرٌ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ فِيهِمَا) أَيْ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ لِلْفَرْجِ (وَتَقْبِيلُهَا وَلَوْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ) لِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ فَأَوْجَبَ الْمَهْرَ كَالْوَطْءِ وَلِأَنَّهُ نَالَ شَيْئًا لَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِ، وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةَ.
وَحَقِيقَةُ اللَّمْسِ الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ وَ (لَا) يَتَقَرَّرُ الصَّدَاقُ (بِالنَّظَرِ إلَيْهَا) دُونَ فَرْجِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
(وَلَا) يُقْرِرُهُ أَيْضًا (تَحَمُّلُهَا مَاءَ الزَّوْجِ) أَيْ مَنِيَّهُ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ مِنْهُ بِهَا وَلَا وَطْءَ لِأَنَّهُ لَا اسْتِمْتَاعَ مِنْهُ بِهَا فِيهِ (وَيَثْبُتُ بِهِ)
стр. 2319
أَيْ بِتَحَمُّلِهَا مَاءَهُ (النَّسَبُ) فَإِذَا تَحَمَّلَتْ بِمَائِهِ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لَحِقَهُ نَسَبُهُ لِمَا يَأْتِي.
(وَهَدِيَّةُ زَوْجٍ لَيْسَتْ مِنْ الْمَهْرِ نَصًّا فَمَا) أَهْدَاهُ الزَّوْجُ مِنْ هَدِيَّةٍ (قَبْلَ الْعَقْدِ، إنْ وَعَدُوهُ بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يَفُوا رَجَعَ بِهَا قَالَهُ الشَّيْخُ) لِأَنَّهُ بَذَلَهَا فِي نَظِيرِ النِّكَاحِ وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ امْتِنَاعَ هَؤُلَاءِ رُجُوعٌ لَهُ، كَالْمُجَاعِلِ إذْ لَمْ يَفِ بِالْعَمَلِ.
(وَقَالَ) الشَّيْخُ (فِيمَا إذَا اتَّفَقُوا) أَيْ الْخَاطِبُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَوَلِيّهَا (عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَأَعْطَى) الْخَاطِبُ (إيَّاهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ شَيْئًا) مِنْ غَيْرِ الصَّدَاقِ (فَمَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا أَعْطَاهُمْ انْتَهَى) لِأَنَّ عَدَمَ التَّمَامِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِمْ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ: لَوْ مَاتَ الْخَاطِبُ لَا رُجُوعَ لِوَرَثَتِهِ (وَمَا قُبِضَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ) كَاَلَّذِي يُسَمُّونَهُ الْمَأْكَلَةَ (فَكَمَهْرٍ) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَهْرِ فِيمَا يُسْقِطُهُ أَوْ يُنَصِّفُهُ أَوْ يُقَرِّرُهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا وَلَا يَمْلِكُ مِنْهُ الْوَلِيُّ شَيْئًا، إلَّا أَنْ تَهَبَهُ لَهُ بِشَرْطِهِ إلَّا الْأَبُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشَّرْطِ وَبِلَا شَرْطٍ مِنْ مَالِهَا مَا شَاءَ بِشَرْطِهِ وَتَقَدَّمَ (وَمَا كُتِبَ فِيهِ الْمَهْرُ لَهَا وَلَوْ طَلُقَتْ قَالَهُ الشَّيْخُ) لِأَنَّ الْعَادَةَ أَخْذُهَا لَهُ.
(وَلَوْ فُسِخَ) النِّكَاحُ (فِي فُرْقَةٍ قَهْرِيَّةٍ) كَالْفَسْخِ (لِفَقْدِ كَفَاءَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ رَدَّ إلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (الْكُلَّ) أَيْ كُلَّ الصَّدَاقِ وَمَا دَفَعَهُ (وَلَوْ هَدِيَّةً نَصًّا) حَكَاهُ الْأَثْرَمُ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى أَنَّهُ وُهِبَ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ، فَإِذَا زَالَ مَلِكَ الرُّجُوعِ كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ قُلْتُ: قِيَاسُ ذَلِكَ لَوْ وَهَبَتْهُ هِيَ شَيْئًا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ طَلَّقَ وَنَحْوَهُ (وَكَذَا) يُرَدُّ إلَيْهِ الْكُلُّ وَلَوْ هَدِيَّةٌ (فِي فُرْقَةٍ اخْتِيَارِيَّةٍ مُسْقِطَةٍ لِلْمَهْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتَثْبُتُ الْهَدِيَّةُ) لِلزَّوْجَةِ (مَعَ فَسْخٍ) لِلنِّكَاحِ (مُقَرِّرٍ لَهُ) أَيْ الصَّدَاقِ (أَوْ لِنِصْفِهِ) فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي الْهَدِيَّةِ إذَنْ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْدِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا.
(وَإِنْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ لِغَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ كَأُجْرَةِ الدَّلَّالِ وَنَحْوِهَا) كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ) فِي النَّظَرِيَّاتِ (إنْ فُسِخَ بَيْعٌ بِإِقَالَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقِفُ عَلَى تَرَاضٍ) مِنْ الْعَاقِدَيْنِ (لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ لَمْ يَرُدَّ الدَّلَّالُ مَا أَخَذَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقِفْ الْفَسْخُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا كَالْفَسْخِ لِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ (رَدَّهُ) أَيْ رَدَّ الدَّلَّالُ مَا أَخَذَهُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ وَقَعَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ (وَقِيَاسُهُ) أَيْ قِيَاسُ الْمَبِيعِ (نِكَاحٌ فُسِخَ لِفَقْدِ كَفَاءَةِ) الزَّوْجِ (أَوْ عَيْبٍ فِي أَحَدهمَا) (فَيَرُدُّهُ) أَيْ خَاطِبْ مَا أَخَذَهُ وَ (لَا) يَرُدُّهُ إنْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ (لِرِدَّةٍ وَرَضَاعٍ وَمُخَالَعَةٍ) وَذَلِكَ حِكَايَةٌ لِكَلَامِهِ بِمَعْنَاهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْإِنْصَافِ.
стр. 2320
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ أَوَ وَرَثَتُهُمَا فِي قَدْرَ الصَّدَاقِ أَوْ صِفَتِهِ]
فَصْلٌ (وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ أَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ) أَوْ وَلِيُّ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ (أَوْ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ غَيْرِ مُكَلَّفَةٍ فِي الصَّدَاقِ أَوْ) فِي (عَيْنِهِ أَوْ) فِي (صِفَتِهِ أَوْ) فِي (جِنْسِهِ أَوْ مَا يَسْتَقِرُّ بِهِ) مِنْ وَطْءٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَنَحْوِهِمَا (فَقَوْلُ زَوْجٍ) بِيَمِينِهِ (أَوْ وَارِثِهِ بِيَمِينِهِ) وَكَذَا وَلِيِّهِ.
(وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) مَا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ أَوْ وَلِيُّهُ أَوْ وَارِثُهُ (مَهْرُ مِثْلٍ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَصُورَةُ الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِهِ أَنْ يَقُولَ: الصَّدَاقُ مِائَةٌ فَتَقُولُ: بَلْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَفِي عَيْنِهِ أَنْ يَقُولَ: أَصَدَقْتُكِ هَذَا الْعَبْدَ فَتَقُولُ: بَلْ هَذِهِ الْأَمَةَ، وَفِي صِفَتِهِ أَنْ يَقُولَ: أَصَدَقْتُكِ عَبْدًا زِنْجِيًّا فَتَقُولُ رُومِيًّا، وَفِي جِنْسِهِ أَنْ يَقُولَ: أَصَدَقْتُكِ مِائَةً مِنْ الدَّرَاهِمِ، فَتَقُولُ: مِنْ الدَّنَانِيرِ.
وَفِيمَا يُقَرِّرُهُ أَنْ تَقُولَ: دَخَلَ أَوْ خَلَا بِي فَيُنْكِرُهَا (وَ) إنْ اخْتَلَفَا أَوْ وَرَثَتُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَلِيُّ الْآخَرِ أَوْ وَارِثُهُ (فِي تَسْمِيَتِهِ) بِأَنْ قَالَ لَمْ نُسَمِّ مَهْرًا، وَقَالَتْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (بِيَمِينِهِ) فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي تَسْمِيَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّنْقِيحِ.
(وَلَهَا مَهْرُ مِثْلٍ) عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ إنْ وُجِدَ مَا يُقَرِّرُهُ (فَإِنْ طَلَّقَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ) بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ التَّسْمِيَةِ فَهِيَ مُفَوِّضَةٌ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى لَهَا لِقَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ (وَمِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلِيِّ (حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْيَمِينِ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ) كَالْوَرَثَةِ حَلَفَ (عَلَى نَفْي الْعِلْمِ) لَا عَلَى الْبَتِّ (وَإِنْ أَنْكَرَ) الزَّوْجُ (أَنْ يَكُونَ لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (عَلَيْهِ صَدَاقٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ فِيمَا يُوَافِقُ مَهْرَ الْمِثْلِ سَوَاءٌ ادَّعَى أَنَّهُ وَفَّاهُمَا) الصَّدَاقَ (أَوْ) ادَّعَى أَنَّهَا (أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ، أَوْ قَالَ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا) لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ مُوجِبُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ بَرَاءَتِهِ مِنْهُ.
(وَإِنْ دَفَعَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا أَلْفًا أَوْ) دَفَعَ إلَيْهَا (عَرَضًا فَقَالَ دَفَعْتُهُ صَدَاقًا، وَقَالَتْ: هِبَةً) فَالْقَوْلُ
стр. 2321
(قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، ومِثْلُهُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ (لَكِنْ إذْ كَانَ) مَا دَفَعَهُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ (فَلَهَا رَدُّهُ وَمُطَالَبَتُهُ بِصَدَاقِهَا) الْوَاجِبِ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُعَارَضَةِ بِلَا بَيِّنَةٍ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَهْرِ) قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (فَقَوْلُهَا) بِيَمِينِهَا لِحَدِيثِ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
(وَإِذَا كُرِّرَ الْعَقْدُ عَلَى صَدَاقَيْنِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) بِأَنْ عُقِدَ سِرًّا عَلَى صَدَاقٍ وَعَلَانِيَةً عَلَى صَدَاقٍ آخَرِ (أُخِذَ بِالزَّائِدِ) سَوَاءٌ كَانَ صَدَاقُ السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ لِلُحُوقِ الزِّيَادَةِ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (هُوَ عَقْدٌ) وَاحِدٌ (أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ) فَلَا يَلْزَمُنِي إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ (وَقَالَتْ) الزَّوْجَةُ (بَلْ عَقْدَانِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) بِيَمِينِهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالْأَوَّلِ (وَلَهَا الْمَهْرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَنِصْفُهُ) أَيْ الْمَهْرِ (فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ إنْ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ لُزُومِهِ لَهُ.
(وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ) أَيْ إنْكَارِ جَرَيَانِ عَقْدَيْنِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ (سُئِلَتْ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ نَكَحَهَا نِكَاحًا ثَانِيًا حَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَحَقَّتْ) مَا ادَّعَتْهُ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يُسْقِطُ نِصْفَ الْمَهْرِ أَوْ جَمِيعَهُ لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ.
(وَلَوْ اتَّفَقَا قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَى مَهْرٍ وَعَقَدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ أُخِذَ بِمَا عُقِدَ بِهِ) لِأَنَّهَا تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَوَجَبَتْ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا اتِّفَاقٌ عَلَى خِلَافِهَا وَ (كَعَقْدِهِ) أَيْ النِّكَاحِ (هَزْلًا وَتَلْجِئَةً) بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَفِيَ بِمَا وَعَدَتْ بِهِ وَشَرَطَتْهُ) مِنْ أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ إلَّا مَهْرَ السِّرِّ، لِكَيْ لَا يَحْصُلَ مِنْهَا غُرُورٌ وَلِحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (وَلَوْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ) بِأَنْ اتَّفَقَا عَلَى ثَمَنٍ وَعَقَدَاهُ بِأَكْثَرَ تَجَمُّلًا (فَالثَّمَنُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ دُونَ مَا عَقَدَاهُ بِهِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ هَزْلًا وَتَلْجِئَةً بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
(وَالزِّيَادَةُ عَلَى الصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ تُلْحَقُ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ زَمَنٌ لِفَرْضِ الْمَهْرِ، فَكَانَ حَالَةً لِلزِّيَادَةِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَمَعْنَى لُحُوقِ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فَيَكُونُ (حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَصْلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِيمَا يُقَرِّرُهُ) كُلَّهُ (وَيُنَصِّفُهُ) وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ (وَ) لَكِنْ إنَّمَا (تَمْلِكُ الزِّيَادَةَ مِنْ حِينِهَا) لَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى سَبَبِهِ وَلَا وُجُودِهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بَعْد سَبَبِهِ مِنْ حِينِهِ (وَزِيَادَةُ مَهْرِ أَمَةٍ بَعْدَ عِتْقِهَا لَهَا نَصًّا) نَقَلَهُ مُهَنًّا لِمَا تَقَدَّمَ.
стр. 2322
[فَصْلٌ فِي الْمُفَوِّضَةِ]
ِ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا فَالْكَسْرُ عَلَى نِسْبَةِ التَّفْوِيضِ إلَى الْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلَةٌ، وَالْفَتْحُ عَلَى نِسْبَتِهِ إلَى وَلِيِّهَا (وَهُوَ) أَيْ التَّفْوِيضُ لُغَةً: الْإِهْمَالُ كَأَنَّ الْمَهْرَ أُهْمِلَ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سُرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سُرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
(وَاصْطِلَاحًا عَلَى ضَرْبَيْنِ تَفْوِيضُ الْبُضْعِ) وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ (وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، أَوْ تَأْذَنُ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، سَوَاءٌ سَكَتَ عَنْ الصَّدَاقِ أَوْ شَرَطَ نَفْيَهُ) فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] .
وَلِقَضَائِهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانُ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ بِغَيْرِ مَهْرٍ، أَوْ يَزِيدَ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَالِ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.
(وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي تَفْوِيضُ الْمَهْرِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ عَلَى مَا (شَاءَ) الزَّوْجُ أَوْ الْوَلِيُّ (أَوْ) عَلَى مَا (شَاءَ أَجْنَبِيٌّ) أَيْ غَيْرُ الزَّوْجَيْنِ (أَوْ يَقُولُ) الْوَلِيُّ زَوَّجْتُكَهَا (عَلَى مَا شِئْنَا أَوْ) عَلَى (حُكْمِنَا وَنَحْوِهِ) كَعَلَى حُكْمِكَ أَوْ حُكْمِ زَيْدٍ (فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ) فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ.
(وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ فِي تَزْوِيجِهَا إلَّا عَلَى صَدَاقٍ لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ فَقَطْ لِجَهَالَتِهِ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ (بِالْعَقْدِ) فِي الضَّرْبَيْنِ، لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فَكَانَ وَاجِبًا كَالْمُسَمَّى، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ لَمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ.
(فَلَوْ فَوَّضَ مَهْرَ أَمَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ فَرَضَ لَهَا الْمَهْرَ كَانَ) الْمَهْرُ (لِمُعْتِقِهَا أَوْ بَائِعَهَا، لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ) وَهِيَ (فِي مِلْكِهِ) قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ الْبَيْعِ.
стр. 2323
(وَلَوْ فَوَّضَتْ الْمَرْأَةُ) بُضْعَ (نَفْسَهَا) بِأَنْ أَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِلَا مَهْرٍ (ثُمَّ طَالَبَتْ بِفَرْضِ مَهْرِهَا بَعْدَ تَغْيِيرِ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ) بَعْدَ (دُخُولِهِ بِهَا لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ حَالَةَ الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ.
(وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ هُنَا وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ فِيهِ التَّسْمِيَةُ) قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ فَإِنْ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ الْمَهْرِ، فَكَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِبَيَانِ قَدْرِهِ (فَإِنْ تَرَاضَيَا) أَيْ الزَّوْجَانِ الْمُكَلَّفَانِ الرَّشِيدَانِ (عَلَى فَرْضِهِ) أَيْ الْمَهْرِ (جَازَ) مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ (وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسَمَّى) فِي الْعَقْدِ (قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ مَهْرَ الْمِثْلِ، أَوْ لَا) أَيْ أَوْ جَاهِلِينَ بِهِ الْمِثْلَ لِأَنَّهُ إنْ فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا بَذَلَ لَهَا مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ.
وَإِنْ فَرَضَ لَهَا يَسِيرًا فَقَدْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ (فَرَضَهُ) أَيْ مَهْرَ الْمِثْلِ (حَاكِمٌ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ مَيْلٌ عَلَى الزَّوْجِ وَالنَّقْصَ عَنْهُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَلَا يَحِلُّ الْمَيْلُ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلَ الْبُضْعِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ كَسِلْعَةٍ أُتْلِفَتْ يُقَوِّمُهَا بِمَا يَقُولُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ (وَصَارَ) مَا قَدَّرَهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ (كَالْمُسَمَّى) فِي الْعَقْدِ (يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ مَعَهُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (فَإِذَا فَرَضَهُ) الْحَاكِمُ (لَزِمَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (فَرْضُهُ كَحُكْمِهِ) أَيْ كَمَا قَالَ حَكَمْتُ بِهِ سَوَاءٌ رَضِيَا بِفَرْضِهِ أَوْ لَا إذْ فَرْضُهُ لَهُ حُكِمَ بِهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ) وَهُوَ هُنَا فَرْضُ الْحَاكِمِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ فَرْضِهِ سَبَبٌ لِمُطَالَبَتِهَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ (كَتَقْدِيرِهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَالنَّفَقَةَ وَنَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ تَقْرِيرِ مَا ذُكِرَ كَتَقْدِيرِ كِسْوَةٍ أَوْ مَسْكَنِ مِثْلٍ أَوْ جُعْلٍ (حُكْمٌ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: أَيْ مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَ بِحُكْمٍ صَرِيحٍ (فَلَا يُغَيِّرُهُ حَاكِمٌ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ) كَيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، فَإِنَّ الْحَاكِم يُغَيِّرُهُ وَيَفْرِضُهُ ثَانِيًا بِاعْتِبَارِ الْحَالِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْحُكْمِ السَّابِقِ.
(وَإِنْ فَرَضَ لَهَا) أَيْ لِلْمُفَوِّضَةِ وَنَحْوِهَا (غَيْرُ الزَّوْجِ وَالْحَاكِمِ مَهْرَ مِثْلِهَا فَرَضِيَتْهُ لَمْ يَصِحَّ فَرْضُهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَلَا حَاكِمٍ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَقَبْلَ الْفَرْضِ) مِنْهُمَا أَوْ مِنْ الْحَاكِمِ (وَرِثَهُ صَاحِبُهُ) لِأَنَّ تَرْكَ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ لَمْ يَقْدَحْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ (وَكَانَ لَهَا) أَيْ الْمُفَوِّضَةِ (مَهْرُ نِسَائِهَا) أَيْ مِثْلُ مَهْرِ مَنْ تُسَاوِيهَا مِنْهُنَّ، لِحَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ السَّابِقِ.
(فَإِنْ فَارَقَهَا) أَيْ فَارَقَ الْمُفَوِّضَةَ زَوْجُهَا (قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِمَّا يُنَصِّفُ الصَّدَاقَ (لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ) لِعُمُومِ
стр. 2324
قَوْله تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ مِنْ الْإِحْسَانِ.
(وَهِيَ) أَيْ الْمُتْعَةُ (مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (فَأَعْلَاهَا) أَيْ الْمُتْعَةِ (خَادِمٌ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَأَدْنَاهَا إذَا كَانَ فَقِيرًا كِسْوَةٌ تُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا) وَهِيَ دِرْعٌ وَخِمَارٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَعْلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ " وَقُيِّدَتْ بِمَا يَجْزِيهَا فِي صَلَاتِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ الْكِسْوَةِ.
(فَإِنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ (بِهَا) أَيْ بِالْمُفَوِّضَةِ (قَبْلَ الْفَرْضِ اسْتَقَرَّ) بِهِ (مَهْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّ الدُّخُولَ يُوجِبُ اسْتِقْرَارَ الْمُسَمَّى، فَكَذَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلِاسْتِقْرَارِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيْ الْمُفَوِّضَةَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا (لَمْ تَجِبْ الْمُتْعَةُ) بَلْ مَهْرُ الْمِثْلِ لِمَا تَقَدَّمَ وَكَالدُّخُولِ سَائِرُ مَا يُقَرِّرُ الصَّدَاقُ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ أَوْ نِصْفُهُ لَمْ تَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ سُمِّيَ لَهَا صَدَاقٌ أَوْ لَا، وَلِأَنَّهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ لِأَنَّهَا كَالْبَدَلِ مَعَ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَالْمُتْعَةُ تَجِبُ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُفَوِّضَةٍ) بُضْعَ أَوْ مَهْرَ (حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ، طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا مَهْرٌ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَةِ.
وَلِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الْفَرْضِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَإِنْ وَهَبَ الزَّوْجُ لِلْمُفَوِّضَةِ شَيْئًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ فَرْضِ الصَّدَاقِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ نَصًّا لِأَنَّ الْمُتْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالطَّلَاقِ فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهَا قَبْلَهُ وَلِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَا تَنْقَضِي الْهِبَةُ كَالْمُسَمَّى (وَتُسْتَحَبُّ) الْمُتْعَةُ (لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْمُفَوِّضَةِ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] الْآيَةَ وَلَمْ تَجِبْ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَسَّمَ الْمُطَلَّقَاتِ قِسْمَيْنِ، وَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ وَنِصْفَ الْمُسَمَّى لِلْمَفْرُوضِ لَهُنَّ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ قِسْمٍ بِحُكْمِهِ.
وَلَا مُتْعَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ لِأَنَّ النَّصّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُطَلَّقَاتِ (وَمُتْعَةُ الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا كَمَهْرِهَا) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ نِصْفِهِ كَمَا مَرَّ (وَتَسْقُطُ الْمُتْعَةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَسْقُطُ فِيهِ كُلُّ الْمَهْرِ) كَرِدَّتِهَا وَرَضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا وَنَحْوُهُ لِأَنَّهَا
стр. 2325
أُقِيمَتْ مُقَامَ الْمُسَمَّى فَسَقَطَتْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَسْقُطُ فِيهِ (وَتَجِبُ) الْمُتْعَةُ لِلْمُفَوِّضَةِ (فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَتَنَصَّفُ فِيهِ الْمُسَمَّى) كَرِدَّتِهِ عَلَى الطَّلَاقِ (وَيَجُوزُ الدُّخُولُ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ إعْطَائِهَا شَيْئًا مُفَوِّضَةً كَانَتْ أَوْ مُسَمًّى لَهَا) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي الَّذِي زَوَّجَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ " لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا لِلْخَبَرِ " وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (وَيُسْتَحَبُّ إعْطَاؤُهَا شَيْئًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا فَاسِدًا) كَالْخَمْرِ وَالْمَجْهُولِ (وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ (وَجَبَ عَلَيْهِ) لَهَا (نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّف فِي الْحَاشِيَةِ (وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ) كَصَاحِبِ الرِّعَايَتَيْنِ وَالنَّظْمِ تَجِبُ (الْمُتْعَةُ) دُونَ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مَا قَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْفَاسِدَةَ كَعَدَمِهَا فَأَشْبَهَتْ الْمُفَوِّضَةَ.
[فَصْلٌ مَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ جَمِيعِ أَقَارِبِهَا]
(فَصْلٌ وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ جَمِيعِ أَقَارِبِهَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا كَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبِنْتِ عَمِّهَا وَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا وَغَيْرِهِنَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا» وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ (وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَالِ وَالْجَمَالِ وَالْعَقْلِ وَالْأَدَبِ، وَالسِّنِّ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْبَلَدِ وَصَرَاحَةِ نَسَبِهَا وَكُلِّ مَا يَخْتَلِفُ لِأَجْلِهِ الصَّدَاقُ) لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَاعْتُبِرَتْ الصِّفَاتُ الْمَقْصُودَةُ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) فِي نِسَائِهَا (إلَّا دُونَهَا زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى) مِنْهُنَّ لِمَزِيَّةِ الْقُرْبِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ فَضِيلَتِهَا تَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ.
(وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) فِي نِسَائِهَا (إلَّا فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا) كَأَرْشِ الْعَيْبِ بِقَدْرِ نَقْصِ الْمَبِيعِ وَلِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَنْقِيصِ الْمَهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّب بِحَسَبِهِ.
(وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ التَّخْفِيفَ) فِي الْمَهْرِ (عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْمِقْدَارِ فَكَذَا فِي التَّخْفِيفِ وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ تَسْمِيَةَ مَهْرٍ كَثِيرٍ لَا يَسْتَوْفُونَهُ قَطُّ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
قَالَهُ
стр. 2326
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يُقَالُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمُتْلَفَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَالِيَّةُ خَاصَّةً فَكَذَلِكَ لَمْ تَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ (وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ التَّأْجِيلَ فُرِضَ مُؤَجَّلًا) لِأَنَّهُ مَهْرُ نِسَائِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَادَتَهُمْ التَّأْجِيلُ فُرِضَ (حَالًّا) لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ اُعْتُبِرَ شَبَهُهَا بِنِسَاءِ بَلَدِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ (فَإِنْ عَدِمْنَ) أَيْ بَلَدَهَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ مَنْ يُشْبِهُهَا (فَبِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْأَقَارِبُ اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ غَيْرِهِنَّ كَمَا اُعْتُبِرَ قَرَابَتُهَا الْبَعِيدَةُ إذَا لَمْ يُوجَدْ قَرِيبٌ (فَإِنْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُنَّ) فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ (أَوْ) اخْتَلَفَتْ (مُهُورُهُنَّ) قِلَّةً وَكَثْرَةً (أُخِذَ بِالْوَسَطِ) مِنْهَا لِأَنَّهُ الْعَدْلُ (الْحَالِّ) مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ فَإِنْ تَعَدَّدَ فَمِنْ غَالِبِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَأَشْبَهَ قِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ.
[فَصْلٌ إذَا افْتَرَقَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ فِيهِ]
(فَصْلٌ وَإِذَا افْتَرَقَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ) قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَاخْتِلَافِ دِينٍ وَرَضَاعٍ (فَلَا مَهْرَ فِيهِ) لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ (وَإِنْ دَخَلَ) بِهَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ (أَوْ خَلَا بِهَا) فِيهِ (اسْتَقَرَّ الْمُسَمَّى) لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ «وَلَهَا الَّذِي أَعْطَاهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدِ الْخَلَّالِ بِإِسْنَادِهِمَا وَالْخَلْوَةُ كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مَعَ فَسَادِهِ يَنْعَقِدُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلُزُومِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الْمُسَمَّى فِيهِ كَالصَّحِيحِ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ) الْمَبِيعُ (فَإِنَّهُ يَضْمَنُ) ضَمَانَ الْمُتْلَفِ (لَا بِقِيمَتِهِ) أَوْ مِثْلِهِ (لَا) ضَمَانُ عَقْدٍ (بِثَمَنِهِ) ذُكِرَ مَعْنَاهُ فِي الْإِنْصَافِ.
قُلْتُ قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ مِنْ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَأَكْثَرُهَا مُنْتَفٍ بِخِلَافِ النِّكَاحِ (وَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مَنْ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ قَبْلَ طَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ فَسَخَهُ) أَيْ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ (حَاكِمٌ) لِأَنَّهُ
стр. 2327
نِكَاحٌ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ فَاحْتِيجَ فِي التَّفْرِيقِ إلَى إيقَاعِ فُرْقَةٍ كَالصَّحِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَلِأَنَّ تَزْوِيجَهَا مِنْ غَيْرِ فُرْقَةٍ يُفْضِي إلَى تَسْلِيطِ زَوْجَيْنِ عَلَيْهَا، كُلُّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نِكَاحِهِ وَفَسَادَ نِكَاحِ الْآخَرِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ الْبَاطِلَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَعَلَى هَذَا مَتَى تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الثَّانِي وَلَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا الثَّالِثَ حَتَّى يُطَلِّقَ الْأَوَّلَانِ أَوْ يُفْسَخُ نِكَاحُهُمَا.
(وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ) كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَلَا مَمْلُوكَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ عَمِلْنَاهُ كَبَدَلِ مُتْلَفٍ.
(وَ) يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَيْضًا (لِمُكْرَهَةٍ عَلَى زِنًا) وَطْئِهَا (فِي قُبُلٍ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ مَحَارِمِهِ) كَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ كَبَدَلِ مُتْلَفٍ (أَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ بِزِنًا (مَيِّتَةً) فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَيُورَثُ عَنْهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ وَطِئَ مَيِّتَةً لَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ وَهُوَ مُتَّجَهٌ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا مَهْرَ.
(وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا مَعَ إكْرَاهٍ (مِنْ مَجْنُونٍ) لِأَنَّهُ إتْلَافٌ وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ فِي الزِّنَا وَيَأْتِي (وَيَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الشُّبْهَةِ، مِثْلَ أَنْ تَشْتَبِهَ) الْمَوْطُوءَةُ (بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ) لَهُ (الْحَالُ وَيَعْرِفُ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ تَشْتَبِهُ الْمَوْطُوءَةُ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ) فَاطِمَةَ (ثُمَّ تَشْتَبِهُ بِزَوْجَتِهِ الْأُخْرَى أَوْ بِأَمَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) .
وَتَقَدَّمَ فِي الْكِتَابَةِ يَتَعَدَّدُ بِوَطْئِهِ مُكَاتَبَتِهِ إنْ اسْتَوْفَتْ مَهْرَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا وَقَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ (وَيَتَعَدَّدُ) أَيْضًا الْمَهْرُ (بِ) تَعَدُّدِ (وَطْءِ الزِّنَا إذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً) كُلِّ مَرَّةٍ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ فَيَتَعَدَّد بِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ (أَوْ) أَيْ وَكَذَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ وَطْءِ الزِّنَا إذَا كَانَتْ أَمَةً وَلَوْ كَانَتْ (مُطَاوِعَةً بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَهْرِ لِلسَّيِّدِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا وَ (لَا) يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ (بِتَعَدُّدِ وَطْءِ) فِي (شُبْهَةٍ) وَاحِدَةٍ (مِثْلَ أَنْ أَشْتَبَهَتْ) الْمَوْطُوءَةُ (عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ وَدَامَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ حَتَّى وَطِئَ مِرَارًا) فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافٍ وَاحِدٍ.
(وَلَا)
стр. 2328
يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ أَيْضًا (بِتَعَدُّدِهِ) أَيْ الْوَطْءِ (فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِدُخُولِهَا عَلَى أَنْ تَسْتَحِقَّ مَهْرًا وَاحِدًا (وَلَا مَهْرَ بِوَطْئِهَا) أَيْ الْمُشْتَبِهَةِ وَالْمَزْنِيِّ بِهَا (فِي دُبُرٍ وَلَا فِي اللِّوَاطِ بِالذَّكَرِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى أَحَدٍ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِبَدَلِهِ وَلَا هُوَ إتْلَافٌ لِشَيْءٍ فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ وَالْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ (وَلَا) مَهْرَ لِلْمَزْنِيِّ بِهَا (الْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَا) لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْبُضْعِ بِرِضَا مَالِكِهِ (كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي قُطْعِ يَدِهَا فَقَطَعَهَا إلَّا الْأَمَةَ) الْمَزْنِيَّ بِهَا فَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا بِطَوَاعِيَتِهَا لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهَا، وَالْمُبَعَّضَةُ يَسْقُطُ مِنْهُ مَا يُقَابِلُ حُرِّيَّتهَا وَالْبَاقِي لِسَيِّدِهَا.
(وَإِذَا وَطِئَ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ بِالْإِجْمَاعِ كَنِكَاحِ زَوْجَةِ الْغَيْرِ أَوْ) نِكَاحِ (الْمُعْتَدَّةِ) قُلْتُ: مِنْ غَيْرِ زِنًا وَإِلَّا فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَهُوَ عَالِمٌ بِالْحَالِ) أَيْ بِأَنَّهَا زَوْجَةُ الْغَيْرِ أَوْ مُعْتَدَّتُهُ.
(وَ) عَالِمٌ بِ (تَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَالِمَةٌ) بِالْحَالِ (فَلَا مَهْرَ) لَهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً (لِأَنَّهُ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ) جَهِلَتْ (كَوْنِهَا فِي عِدَّةٍ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) بِمَا نَالَ مِنْ فَرْجِهَا (كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَلَا يَجِبُ أَرْشُ بَكَارَةٍ مَعَ وُجُوبِ الْمَهْرِ) لِلْحُرَّةِ (الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا) لِأَنَّهُ وَطْءٌ ضُمِنَ بِالْمَهْرِ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ أَرْشٌ كَسَائِرِ الْوَطْءِ وَلِأَنَّ الْأَرْشَ يَدْخُلُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ فَلَا يَجِبُ مَرَّةً أُخْرَى وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ (وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ) وَالْخَلْوَةِ (طَلْقَةً وَظَنَّ أَنَّهَا لَا تَبِينُ بِهَا فَوَطِئَهَا لَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ) بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ.
(وَ) لَزِمَهُ أَيْضًا (نِصْفُ الْمُسَمَّى) بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا]
(فَصْلٌ وَإِنْ دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً) أَيْ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ (فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا) بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ بَكَارَتَهَا (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِصْبَعِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ بَكَارَتِهَا) لَا مَهْرَ مِثْلِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا وَهُوَ إتْلَافُ جُزْءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ عِوَضِهِ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى أَرْشِهِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ (وَهُوَ) أَيْ
стр. 2329
أَرْش الْبَكَارَةِ (مَا بَيْنَ مَهْرِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَكَلَامُهُمَا أَوَّلًا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ حُكُومَةٌ، قَالَا لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ دَيْنِهِ فَرُجِعَ فِيهَا إلَى الْحُكُومَةِ كَسَائِرِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي الْجِنَايَاتِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ هُنَاكَ.
(وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ أَذْهَبَ الْعُذْرَةَ بِغَيْرِ وَطْءٍ (الزَّوْجُ ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى) مَهْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهَذِهِ مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا سِوَى نِصْفِ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا يَسْتَحِقُّ إتْلَافَهُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَضْمَنهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ عُذْرَةَ أَمَتِهِ.
(وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا الْحَالَّ كُلَّهُ أَوْ الْحَالَّ مِنْهُ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا تُتْلَفُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَهْرُ عَلَيْهَا لَمْ يُمْكِنْهَا اسْتِرْجَاعُ عِوَضِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسَمَّى لَهَا وَالْمُفَوِّضَةِ (وَلَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ (الْمُطَالَبَةَ بِهِ) أَيْ بِحَالِ مَهْرِهَا.
(وَلَوْ لَمْ تَصْلُحْ لِلِاسْتِمْتَاعِ) لِصِغَرٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ (فَإِنْ وَطِئَهَا) الزَّوْجُ (مُكْرَهَةً) قَبْلَ دَفْعِ الْحَالِّ مِنْ صَدَاقِهَا (لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَقُّهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ) فَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ الْحَالَّ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ وَطْأَهَا مُكْرَهَةً كَعَدَمِهِ.
(وَحَيْثُ قُلْنَا لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا فَلَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ بِحَقٍّ لَمْ يَثْبُتْ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ، فَصَارَتْ كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا وَبَقَاءُ دِرْهَمٍ مِنْهُ كَبَقَاءِ جَمِيعِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَلَهَا) زَمَنَ مَنْعِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ حَالِّ صَدَاقِهَا (النَّفَقَةُ إنْ صَلُحَتْ لِلِاسْتِمْتَاعِ) وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ، لِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ قِبَلِهِ عَلَّلَ بِهِ أَحْمَدُ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَلَدُ صَاحِبِ الْمُغْنِي: إنَّمَا لَهَا النَّفَقَةُ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ لِأَنَّهُ لَوْ بَذَلَ لَهَا الصَّدَاقَ وَهِيَ غَائِبَةٌ لَمْ يُمْكِنْهُ تَسْلِيمُهَا وَبِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (فَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (مَحْبُوسَةً، أَوْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ وَجَبَ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ) كَمَهْرِ الصَّغِيرَةِ وَلِوُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا (لَمْ تَمْلِكْ مَنْعَ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَهُ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الطَّلَب بِهِ (وَلَوْ حَلَّ قَبْلَ الدُّخُولِ) فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ.
(وَإِنْ قَبَضَتْهُ) أَيْ الصَّدَاقَ (وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا
стр. 2330
ثُمَّ بَانَ) الصَّدَاقُ (مَعِيبًا كَانَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَ بَدَلَهُ أَوْ أَرْشَهُ لِأَنَّهَا إنَّمَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ.
(وَلَوْ أَبَى كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ) عَلَيْهِ (أُجْبِرَ زَوْجٌ) عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ (ثُمَّ) تُجْبَرُ (زَوْجَةٌ) عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِأَنَّ فِي إجْبَارِهَا عَلَى تَسْلِيم نَفْسِهَا أَوَّلًا خَطَرُ إتْلَافِ الْبُضْعِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ بَذْلِ الصَّدَاقِ وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِي الْبُضْعِ (وَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (بِهِ) أَيْ بِتَسْلِيمِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ (أُجْبِرَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ فِي التَّأْخِيرِ.
(وَإِنْ بَادَرَ هُوَ فَسَلَّمَ الصَّدَاقَ فَلَهُ طَلَبُ التَّمْكِينِ) مِنْهَا (فَإِنْ أَبَتْ) التَّمْكِينَ (بِلَا عُذْرٍ فَلَهُ اسْتِرْجَاعُهُ) أَيْ الصَّدَاقِ لِعَدَمِ تَسْلِيمِهَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ.
(وَإِنْ تَبَرَّعَتْ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، ثُمَّ أَرَادَتْ الِامْتِنَاعَ بَعْدَ دُخُولٍ أَوْ خَلْوَةٍ لَمْ تَمْلِكْهُ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَا الْمُسَلِّمِ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) بَعْدَ أَنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا نَاشِزٌ.
(وَإِنْ أُعْسِرَ) زَوْجٌ (بِالْمَهْرِ الْحَالِّ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالْحُرَّةُ مُكَلَّفَةُ الْفَسْخِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْوُصُولُ إلَى الْعِوَضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي (فَلَوْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ) امْتَنَعَ الْفَسْخُ (أَوْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةٌ بِعُسْرَتِهِ امْتَنَعَ الْفَسْخُ) لِرِضَاهَا بِهِ.
(وَلَهَا) أَيْ لِلَّتِي رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ الْعُسْرَةِ، أَوْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةٌ بِهَا (مَنْعُ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا الْحَالَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ (وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ وَالْخِيرَةِ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ) إذَا أُعْسِرَ زَوْجُهَا، لِأَنَّ الْحَقَّ لِسَيِّدِهَا لِأَنَّهُ مَالِكُ نَفْعِهَا وَالصَّدَاقُ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا فَهُوَ مِلْكُهُ دُونَهَا وَ (لَا) خِيرَةَ (لِوَلِيِّ) زَوْجَةٍ (صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا فِي الصَّدَاقِ دُونَ وَلِيِّهَا وَقَدْ تَرْضَى بِتَأْخِيرِهِ (وَلَا يَصِحُّ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، كَالْفَسْخِ لِلَّعْنَةِ وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجَانِ كُلٌّ يَعْتَقِد حِلِّهَا لَهُ وَتَحْرِيمَهَا عَلَى الْآخَرِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُعْتَقَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
[بَابُ الْوَلِيمَةِ وَآدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
َ (وَهِيَ) أَيْ الْوَلِيمَةُ (اسْمٌ لِطَعَامِ الْعُرْسِ خَاصَّةً) لَا تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْد الْبَرِّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: يَقَعُ عَلَى كُلِّ
стр. 2331
طَعَامٍ لِسُرُورٍ حَادِثٍ إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ أَكْثَرُ وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْوَى، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ وَأَعْلَمُ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلِيمَةُ الشَّيْءِ كَمَالُهُ وَجَمْعُهُ وَسُمِّيَتْ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَلِيمَةٌ لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ يُقَالُ: أَوْلَمَ إذَا صَنَعَ وَلِيمَةً (قَالَ الشَّيْخُ: وَتُسْتَحَبُّ بِالدُّخُولِ انْتَهَى) .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بِالْعَقْدِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَقَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَقْتَ الِاسْتِحْبَابِ مُوَسَّعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ إلَى انْتِهَاءِ أَيَّامِ الْعُرْسِ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا وَهَذَا، وَكَمَالُ السُّرُورِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
(وَجَرَتْ الْعَادَةُ) بِجَعْلِ الْوَلِيمَةِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ (بِيَسِيرٍ وَ) الْأَطْعِمَةُ الَّتِي يُدْعَى النَّاسُ إلَيْهَا إحْدَى عَشْرَةَ: الْوَلِيمَةُ وَتَقَدَّمَتْ وَالثَّانِي (شُنْدَخِيَّةٌ) وَيُقَالُ: شُنْدُخٌ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَة وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (لِطَعَامِ إمْلَاكٍ عَلَى زَوْجَةٍ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ مُشَنْدَخٌ، أَيْ يَتَقَدَّمُ غَيْرَهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ الدُّخُولَ.
(وَ) الثَّالِثُ (عَذِيرَةٌ وَإِعْذَارُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (لِ) طَعَامِ خِتَانٍ وَيُقَالُ الْعُذْرَةُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.
(وَ) الرَّابِعُ (خُرْسَةٌ وَخُرْسُ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَيُقَالُ بِالصَّادِ (لِطَعَامِ وِلَادَةٍ) أَيْ لِخَلَاصِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ السَّلَقِ.
(وَ) الْخَامِسُ (عَقِيقَةُ الذَّبْح لِلْمَوْلُودِ) وَتَقَدَّمَتْ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
(وَ) السَّادِسُ (وَكِيرَةٌ لِبِنَاءٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ الْمَسْكَنُ الْمُتَجَدِّدُ انْتَهَى مِنْ الْوَكْرِ وَهُوَ الْمَأْوَى وَالْمُسْتَقَرُّ (وَ) السَّابِعُ (نَقِيعَةٌ) مِنْ النَّقْعِ وَهُوَ الْغُبَارُ أَوْ النَّحْرُ أَوْ الْقَتْلُ (تُصْنَعُ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ) ظَاهِرِهِ طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا.
(وَ) الثَّامِنُ (التُّحْفَةُ: طَعَامُ الْقَادِمِ يَصْنَعُهُ هُوَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ) فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ (هُوَ) أَيْ الْقَادِمُ (الزَّائِرُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ سَفَرٍ (وَ) التَّاسِعُ (حِذَاقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ قَافٌ (لِطَعَامٍ عِنْدَ حِذَاقِ صَبِيٍّ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: يَوْمُ حِذَاقِ الصَّبِيِّ يَوْمُ خَتْمِهِ الْقُرْآنَ.
(وَ) الْعَاشِرُ: (وَضِيمَةٌ وَهِيَ طَعَامُ الْمَأْتَمِ وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ (شِنْدَاخٌ الْمَأْكُولُ مِنْ خَتْمَةِ الْقَارِئِ وَالْعَتِيرَةُ) مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَسْمَاءِ الطَّعَامِ، بَلْ هِيَ الذَّبِيحَةُ (تُذْبَحُ أَوَّلَ يَوْمٍ فِي رَجَبٍ) وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ (وَالْإِخَاءِ وَالتَّسَرِّي ذَكَرَهُمَا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ) .
وَفِي الْمُنْتَهَى: وَلَمْ يَخُصَّهَا، أَيْ الدَّعْوَةَ لِإِخَاءٍ وَلْتُسِرْ بِاسْمٍ.
وَالْفَرَعَةُ وَالْفَرَعُ: ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ (وَالْقِرَى اسْمٌ لِطَعَامِ
стр. 2332
الضِّيفَانِ) وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الدَّعَوَاتِ (وَالْمَأْدُبَةُ) بِضَمِّ الدَّالِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا (اسْمٌ لِكُلِّ دَعْوَةٍ بِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْآدِبُ) بِوَزْنِ فَاعِلٍ صَاحِبُ الْمَأْدُبَةِ فَإِنْ عَمَّمَ الدَّاعِي فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إلَى الطَّعَامِ، أَوْ يَقُولُ الرَّسُولُ أَيْ رَسُولُ الْآدِبِ (قَدْ أُذِنَ لِي أَنْ أَدْعُوَ مَنْ لَقِيتُ أَوْ مَنْ شِئْتُ، وَقَدْ شِئْتُ أَنْ تَحْضُرُوا فَهِيَ الْجَفَلَى) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْفَاءِ وَاللَّامِ.
(وَإِنْ خَصَّ قَوْمًا لِلدَّعْوَةِ دُون قَوْمٍ فَهِيَ النَّقَرَى) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْقَافِ وَالرَّاءِ قَالَ الشَّاعِرُ:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرُ
أَيْ لَا نَدْعُو قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ (وَجَمِيعُهَا) أَيْ الدَّعَوَاتِ (جَائِزَةٌ) أَيْ مُبَاحَةٌ، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مَأْتَمٍ فَيُكْرَهُ.
وَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ «دُعِيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ إلَى خِتَانٍ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ وَقَالَ كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَدْعُو إلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَلَيْسَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّعَوَاتِ (شَيْءٌ وَاجِبٌ) وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (وَوَلِيمَةُ الْعُرْسِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِهَا وَفَعَلَهَا.
(وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ كَمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ (وَيُسَنُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ) الْوَلِيمَةُ عَنْ (شَاةٍ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَالْأَوْلَى الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الشَّاةِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ " وَلَوْ بِشَاةٍ " (وَإِنْ نَكَحَ) رَجُلٌ (أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ أَجْزَأَتْهُ وَلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا نَوَاهَا عَنْ الْكُلِّ) لِتَدَاخُلِ أَسْبَابِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَقِيقَةِ وَكَمَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةِ وَالسُّنَّةِ.
(الْإِجَابَةُ إلَيْهَا) أَيْ الْوَلِيمَةِ (وَاجِبَةٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ» أَيْ الَّذِي يُدْعَى لَهُ الْأَغْنِيَاءُ وَتُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ «يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيتُمْ إلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إذَا عَيَّنَهُ دَاعٍ مُسْلِمٍ يَحْرُمُ هَجْرُهُ وَمَكْسَبُهُ طَيِّبٌ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) وَيَأْتِي مُحْتَرَزُ هَذِهِ الْقُيُودِ (وَهِيَ) أَيْ الْإِجَابَةُ (حَقُّ الدَّاعِي تَسْقُطُ بِعَفْوِهِ) عَنْ الدَّعْوَةِ كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ (وَقَدَّمَ
стр. 2333
فِي التَّرْغِيبِ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِي حُضُورَ وَلِيمَةِ عُرْسٍ) لَعَلَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمَنَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ إجَابَةِ ظَالِمٍ وَفَاسِقٍ وَمُبْتَدِعٍ وَمُتَفَاخِرٍ بِهَا أَوْ فِيهَا مُبْتَدِعٌ يَتَكَلَّمُ بِبِدْعَتِهِ إلَّا لِرَادٍّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِيهَا مُضْحِكٌ بِفُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُضْحِكًا بِفُحْشٍ وَلَا كَذِبٍ (أُبِيحَ) أَنْ يُجِيبَ (إذَا كَانَ) يُضْحِكُ (قَلِيلًا، وَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مَرِيضًا أَوْ مُمَرِّضًا) لِغَيْرِهِ (أَوْ مَشْغُولًا بِحِفْظِ مَالٍ) لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ كَانَ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ) فِي (مَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابَ أَوْ وَحْلٍ) لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ يُبِيح تَرْكَ الْجَمَاعَةِ فَأَبَاحَ تَرْكَ الْإِجَابَةِ (أَوْ كَانَ أَجِيرًا) خَاصًّا (وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ تَجِبْ) عَلَيْهِ (الْإِجَابَةُ) لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ.
أَشْبَهَ الْعَبْدَ غَيْرَ الْمَأْذُونِ (وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ) فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ) وَإِلَّا لَمْ يُجِبْ لِأَنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ آكَدُ (وَالْمُكَاتَبُ إنْ أَضَرَّ) حُضُورُهُ (بِكَسْبِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ إلَّا أَنْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ.
وَفِي التَّرْغِيبِ) وَالْبُلْغَةِ (إنْ عَلِمَ حُضُورُ الْأَرْذَالِ وَمَنْ مُجَالَسَتُهُمْ تَزِرِي بِمِثْلِهِ لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْوُجُوبَ وَاشْتِرَاطَ الْحَدِّ قَالَ: وَعَدَمُ الْمُنْكَرِ فَأَمَّا هَذَا الشَّرْطُ فَلَا أَصْلَ لَهُ، كَمَا أَنَّ مُخَالَطَةَ هَؤُلَاءِ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ لَا تُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ وَفِي الْجِنَازَةِ لَا تُسْقِطُ الْحُضُورَ فَكَذَلِكَ هُنَا وَهَذِهِ شُبْهَةُ الْحَجَّاجِ ابْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّكَبُّرِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
نَعَمْ إنْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ فَقَدْ اشْتَمَلَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَكْرُوهٍ (وَتُكْرَهُ إجَابَةُ مَنْ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ كَأَكْلِهِ مِنْهُ وَمُعَامَلَتِهِ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِ وَهِبَتِهِ وَنَحْوِهِ) كَصَدَقَتِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ الْأَزَجِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخِطْبَةِ انْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» .
(وَقِيلَ يَحْرُمُ) مُطْلَقًا (كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ حَرَامًا) قَطَعَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُنْتَخَبِ.
(وَقَالَ الْأَزَجِيُّ) فِي نِهَايَتِهِ (وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبُ) وَقَدَّمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ.
(وَسُئِلَ) أَيْ سَأَلَ الْمَرُّوذِيُّ (أَحْمَدَ عَنْ الَّذِي يُعَامِلُ بِالرِّبَا أَيُؤْكَلُ عِنْدَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ لَا وَفِي) آدَابِ (الرِّعَايَةِ) الْكُبْرَى (وَلَا يَأْكُلُ مُخْتَلِطًا بِحَرَامٍ بِلَا ضَرُورَةٍ) وَقِيلَ إنْ زَادَ الْحَرَامُ عَلَى الثُّلُثِ حَرُمَ الْأَكْلُ وَإِلَّا فَلَا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْحَرَامُ أَكْثَرَ حَرُمَ الْأَكْلُ وَإِلَّا
стр. 2334
فَلَا إقَامَةَ لِلْأَكْثَرِ مُقَامِ الْكُلِّ قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ.
(وَ) عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ (تَقْوَى الْكَرَاهَةُ وَتَضْعُفُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْحَرَامِ وَقِلَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَالِ حَرَامًا فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ) فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ وَلَا تَحْرِيمَ بِالِاحْتِمَالِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ (وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ) أَيْ الْأَكْلِ (أَوْلَى) حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ الْحِلُّ (لِلشَّكِّ وَيَنْبَغِي صَرْفُ الشُّبُهَاتِ فِي الْأَبْعَدِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ فَالْأَقْرَبُ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَنَحْوِهِ) .
فَيُجْرَى فِيهِ الْحَلَالُ (ثُمَّ مَا وَلِيَ الظَّاهِرُ مِنْ اللِّبَاسِ فَإِنْ دَعَاهُ الْجَفَلَى) كُرِهَتْ الْإِجَابَةُ (أَوْ) دَعَاهُ (فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ) كُرِهَتْ الْإِجَابَةُ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ وَالثَّالِثُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا (أَوْ) دَعَاهُ (ذِمِّيٌّ كُرِهَتْ الْإِجَابَةُ) لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إذْلَالُهُ وَذَلِكَ يُنَافِي إجَابَتَهُ (وَتُسْتَحَبُّ) الْإِجَابَةُ (فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَإِنْ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ فَكَرَجُلٍ) فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (إلَّا مَعَ خَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ) فَتَحْرُمُ الْإِجَابَةُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مُحَرَّمٍ.
(وَسَائِرُ الدَّعَوَاتِ مُبَاحَةٌ نَصًّا) وَتَقَدَّمَ (غَيْرُ عَقِيقَةٍ فَتُسَنُّ) وَتَقَدَّمَتْ فِي الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ (وَ) غَيْرُ (مَأْتَمٍ فَتُكْرَه) وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ، وَالْمَأْتَمِ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَأْتَمُ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْغَمِّ وَالْفَرَحِ، ثُمَّ خُصَّ بِهِ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ فِي الْمَوْتِ وَقِيلَ هُوَ لِلشَّوَابِّ مِنْهُنَّ لَا غَيْرُ (وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ الْإِسْرَاعُ إلَى الْإِجَابَةِ) إلَى الْوَلَائِمِ غَيْرُ الشَّرْعِيَّةِ (وَالتَّسَامُحِ) أَيْ التَّسَاهُلِ (فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ بِذْلَةً وَدَنَاءَةً وَشَرّ هًا لَا سِيَّمَا الْحَاكِمَ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ ذَرِيعَةً لِلتَّهَاوُنِ بِهِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ.
(وَإِنْ حَضَرَ) الْمَدْعُوُّ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا لَمْ يُفْطِرْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَلِأَنَّ الْفِطْرَ مُحَرَّمٌ وَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي رِوَايَةٍ " فَلْيَصِلْ " أَيْ يَدَعُ (وَدَعَا) لِلْخَبَرِ (وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ صَائِمٌ) كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ تَرْكِ فِي الْأَكْلِ (ثُمَّ انْصَرَفَ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا اُسْتُحِبَّ الْأَكْلُ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إكْرَامِ الدَّاعِي وَجَبْرُ قَلْبِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ دَعَا وَانْصَرَفَ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» قَالَ فِي الشَّرْحِ
стр. 2335
حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَدْعُوُّ (صَائِمًا تَطَوُّعًا وَفِي تَرْكِهِ الْأَكْلَ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ) لِأَنَّ فِي أَكْلِهِ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي دَعْوَةٍ مَعَهُ جَمَاعَةٌ فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ نَاحِيَةً فَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ كُلْ يَوْمًا ثُمَّ صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إنْ شِئْتَ» (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ الْأَكْلَ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي (كَانَ تَمَامُ الصَّوْمِ أَوْلَى مِنْ الْفِطْرِ) هَذَا مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْوَجِيزِ وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.
وَقَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الدَّعْوَةِ الْإِلْحَاحُ فِي الطَّعَامِ) أَيْ الْأَكْلِ (لِلْمَدْعُوِّ إذَا امْتَنَعَ) مِنْ الْفِطْرِ فِي التَّطَوُّعِ أَوْ الْأَكْلِ إنْ كَانَ مُفْطِرًا (فَإِنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ وَإِذَا أَلْزَمَهُ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْمَسْأَلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ صَائِمًا لِيُفْطِرَ (وَلَا) يَحْلِفُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا (لِيَأْكُلَ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمَدْعُوِّ إذَا رَأَى أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى امْتِنَاعِهِ) مِنْ الْأَكْلِ أَوْ الْفِطْرِ فِي النَّفْلِ (مَفَاسِدُ أَنْ يَمْتَنِعَ فَإِنَّ فِطْرَهُ جَائِزٌ انْتَهَى) .
(وَيَحْرُمُ أَخْذُ طَعَامٍ) مِنْ الْوَلِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا (بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ (فَإِنْ عَلِمَ) الْآخِذُ (بِقَرِينَةِ رِضَاهُ) أَيْ رَبُّ الطَّعَامِ (فَفِي التَّرْغِيبِ يُكْرَهُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّه يُبَاحُ وَأَنَّهُ يُكْرَهُ مَعَ ظَنِّهِ رِضَاهُ (فَمَعَ الظَّنِّ) رِضَاهُ (أَوْلَى) لِأَنَّ الظَّنَّ دُونَ الْعِلْمِ وَيَأْتِي حُكْمُ الْآكِلِ بِلَا إذْنٍ.
(وَإِنْ دَعَاهُ اثْنَانِ إلَى وَلِيمَتَيْنِ أَجَابَ أَسْبَقَهُمَا بِالْقَوْلِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبْ الَّذِي سَبَقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا) لِأَنَّ كَثْرَةَ الدِّينِ لَهَا أَثَرٌ فِي التَّقْدِيمِ كَالْإِمَامَةِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا أَجَابَ (أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا) لِمَا فِي تَقْدِيمِهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فَأَقْرَبُهُمَا (جِوَارًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا فَإِنَّ أَقَرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا» (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا (يُقْرَعُ) بَيْنَهُمَا (وَلَا يُجِيبُ الثَّانِي حَيْثُ) سَبَقَ الْأَوَّلُ (إلَّا أَنْ يَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِإِجَابَتِهِمَا فَإِنْ اتَّسَعَ) الْوَقْتُ (لَهُمَا وَجَبَا) أَيْ وَجَبَتْ إجَابَتُهُمَا لِلْأَخْبَارِ.
стр. 2336
[فَصْل عَلِمَ الْمَدْعُوّ أَنَّ فِي الدَّعْوَة مُنْكَرًا]
فَصْلٌ وَإِنْ عَلِمَ الْمَدْعُوّ أَنَّ فِي الدَّعْوَة مُنْكَرًا (كَالزَّمْرِ وَالْخَمْر وَالْعُودِ وَالطَّبْلِ وَنَحْوِهِ) كَالْجِنْكِ وَالرَّبَابِ (أَوْ) عَلِمَ أَنَّ فِيهَا (آنِيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ فُرُشًا مُحَرَّمَةً وَأَمْكَنَهُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ لَزِمَهُ الْحُضُورُ وَالْإِنْكَارُ) لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِذَلِكَ فَرْضَيْنِ: إجَابَةُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى إزَالَةِ الْمُنْكَرِ (لَمْ يَحْضُرْ) وَحَرُمَتْ الْإِجَابَةُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) بِالْمُنْكَرِ (حَتَّى حَضَرَ وَشَاهَدَهُ أَزَالَهُ وَجَلَسَ) بَعْدَ ذَلِكَ إجَابَةً لِمَنْ دَعَاهُ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى إزَالَتِهِ (انْصَرَفَ) لِمَا تَقَدَّمَ وَرَفَعَ «نَافِعٌ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَسَمِعَ زَمَّارَةَ رَاعٍ فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ثُمَّ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَتَسْمَعُ؟ حَتَّى قُلْتُ: لَا فَأَخْرَجَ إصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ صَنَعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْخَلَّالُ.
وَخَرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَلِيمَةٍ فِيهَا آنِيَةُ فِضَّةٍ فَقَالَ الدَّاعِي: نُحَوِّلُهَا فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَيُفَارِقُ مَنْ لَهُ جَارٌ مُقِيمٌ عَلَى الْمُنْكَرِ وَالزَّمْرِ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُ الْمُقَامُ فَإِنَّ تِلْكَ حَالُ حَاجَةٍ لِمَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ مِنْ الضَّرَرِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ عَلِمَ) الْمَدْعُوُّ (بِهِ) أَيْ بِالْمُنْكَرِ وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ فَلَهُ الْجُلُوسُ وَالْأَكْلُ نَصًّا (لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ رُؤْيَةُ الْمُنْكَرِ أَوْ سَمَاعُهُ) وَلَمْ يُوجَدْ (وَلَهُ الِانْصِرَافُ) فَيُخَيَّرُ لِإِسْقَاطِ الدَّاعِي حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِإِيجَادِ الْمُنْكَرِ.
(وَإِنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيهَا صُوَرُ وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا أَوْ) أَمْكَنَهُ قَطْعُ رُءُوسِهَا؛ (فَعَلَ) لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ (وَجَلَسَ) إجَابَةً لِلدَّاعِي.
(وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ كُرِهَ الْجُلُوسُ إلَّا أَنْ تُزَال) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْمَذْهَبُ لَا يَحْرُمُ انْتَهَى لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ فَقَالَ: قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ دُخُولَ
стр. 2337
الْكَنَائِس وَالْبِيَعِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَهِيَ لَا تَخْلُو مِنْهَا وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِهِ كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا صُحْبَةُ رُفْقَةٍ فِيهَا جَرَسُ مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُهُمْ وَيُبَاحُ تَرْكُ الْإِجَابَةِ إذَنْ عُقُوبَةً لِلْفَاعِلِ وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ.
(وَإنْ عَلِمَ بِهَا) أَيْ بِالصُّوَرِ الْمُعَلَّقَة قَبْلَ الدُّخُولِ كُرِهَ الدُّخُولُ، (وَإِنَّ كَانَتْ) السُّتُورُ الْمُصَوَّرَةُ (مَبْسُوطَةً أَوْ عَلَى وِسَادَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهَا) لِأَنَّ فِيهِ إهَانَةً لَهَا وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ تَعْلِيقِهَا إنَّمَا كَانَ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْإِغْرَاءِ وَالتَّشْبِيهِ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ.
وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْبَسْطِ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى نُمْرُقَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلِأَنَّ فِيهِ إهَانَةً كَالْبَسْطِ (وَيَحْرُمُ تَعْلِيقُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ وَتَصْوِيرِهِ) وَتَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ (فَإِنْ قَطَعَ إنْسَانُ رَأْسَ الصُّورَةِ) فَلَا كَرَاهَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " الصُّورَةُ الرَّأْسُ فَإِذَا قُطِعَ فَلَيْسَ بِصُورَةٍ " (أَوْ قُطِعَ مِنْهَا) أَيْ الصُّورَةُ (مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ ذَهَابِهِ فَهُوَ كَقَطْعِ الرَّأْسِ كَصَدْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ صَوَّرَهَا بِلَا رَأْسٍ أَوْ بِلَا صَدْرِ أَوْ بِلَا بَطْنٍ، أَوْ جَعَلَ لَهَا رَأْسًا مُنْفَصِلًا عَنْ بَدَنِهَا، أَوْ) صَوَّرَ (رَأْسًا بِلَا بَدَنٍ) فَلَا كَرَاهَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْي.
(وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ يَبْقَى الْحَيَوَانُ بَعْدَهُ كَالْعَيْنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ) حُرِّمَ تَعْلِيقُ مَا هِيَ فِيهِ وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ وَتَصْوِيرُهُ، لِدُخُولِهِ تَحْتَ النَّهْي (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَيُكْرَهُ سَتْرُ حِيطَانٍ بِسُتُورٍ لَا صُوَرَ فِيهَا، أَوْ) بِسُتُورٍ (فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ حَيَوَانٍ إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَرِيرٍ نَصًّا) لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ، وَذَلِكَ لَا يَبْلُغُ بِهِ التَّحْرِيمَ وَهُوَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ إلَى الدَّعْوَةِ قَالَ أَحْمَدُ " قَدْ خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِرَ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ عُمَرَ أَقَرّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ دُعِيَ حُذَيْفَةُ فَخَرَجَ وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا مِنْ زِيّ الْأَعَاجِمِ (وَ) مَحِلُ الْكَرَاهَةِ (إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ) فَإِنْ كَانَتْ فَلَا بَأْسَ لِلْحَاجَةِ (كَالسِّتْرِ عَلَى الْبَابِ لِلْحَاجَةِ) إلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي جَوَازِ خُرُوجِهِ لِأَجَلِهِ وَجْهَانِ (وَيُحَرَّم سَتْرُ) الْحِيطَانِ (بِحَرِيرٍ) وَتَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ.
(وَ) يَحْرُمُ (الْجُلُوس مَعَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، (وَلَا) يَحْرُمُ الْجُلُوسُ (مَعَ) السَّتْرِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ الْحَرِيرِ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ بِغَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَلَوْ مِنْ بَيْتِ قَرِيبِهِ أَوْ صَدِيقِهِ وَلَمْ يُحْرِزُهُ عَنْهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَج
стр. 2338
مُغِيرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصِرًا، وَلِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ فَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (كَأَخْذِ الدَّرَاهِمِ) .
وَقَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُبَاحُ الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ مِنْ مَالٍ غَيْرِ مُحْرَزٍ عَنْهُ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ رِضَا صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، نَظَرًا إلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ هَذَا هُوَ الْمُتَوَجَّهُ وَمَا يُذْكَرُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ مِنْ الِاسْتِئْذَانِ مَحْمُولٌ عَلَى الشَّكِّ فِي رِضَا صَاحِبِهِ أَوْ عَلَى الْوَرَعِ، وَتَابَعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ يَجُوزُ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ أَظْهَرُ (وَالدُّعَاءُ فِي الْوَلِيمَةِ أَوْ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ إذْنُ فِيهِ) أَيْ الْأَكْلِ (إذَا أَكْمَلَ وَضْعَهُ وَلَمْ يُلْحَظْ انْتِظَارُ مَنْ يَأْتِي) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَذَلِكَ إذْنٌ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إذَا دُعِيتَ فَقَدْ أُذِنَ لَكَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ.
وَ (لَا) يَكُونُ الدُّعَاءُ إلَى الْوَلِيمَةِ إذْنًا (فِي الدُّخُولِ إلَّا بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَيْهِ (فَلَا يُشْتَرَطُ) مَعَ الدُّعَاءِ إلَى الْوَلِيمَةِ أَوْ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ (إذْنٌ ثَانٍ لِلْأَكْلِ، كَالْخَيَّاطِ إذَا دُعِيَ لِلتَّفْصِيلِ وَالطَّبِيبِ لِلْفَصْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصَّنَائِعِ فَيَكُونُ) الْعُرْفُ (إذْنًا فِي التَّصَرُّفِ) قَالَ فِي الْغُنْيَةِ: لَا يَحْتَاجُ بَعْدَ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ إذْنًا إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ بِالْأَكْلِ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْعُرْف إذْنًا (وَلَا يَمْلِكُ) مَنْ قُدِّمَ إلَيْهِ طَعَامُ (الطَّعَامَ الَّذِي قُدِّمَ إلَيْهِ بَلْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ شَيْئًا وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ الْأَكْلَ وَهَذَا لَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَلَا يَجُوزُ لِلضِّيفَانِ قَسْمُهُ وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَهُ فَأَضَافَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْل آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا]
فَصْلٌ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا (يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ) مُتَقَدِّمًا بِهِ رَبّهُ.
(وَ) غَسْلُهَا (بَعْدَهُ) مُتَأَخِّرًا بِهِ رَبّهُ (وَلَوْ كَانَ) الْأَكْلُ (عَلَى وُضُوءٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْثُرَ خَيْرُ بَيْتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ إذَا حَضَر غِذَاؤُهُ وَإِذَا رُفِعَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَتَوَضَّأَ الْجُنُبَ قَبْلَ الْأَكْلِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَتَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ، وَالشُّرْبِ مِثْلُهُ (وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاء الَّذِي أَكَلَ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَهُ) غَسْلُ يَدَيْهِ (بِطَعَامٍ
стр. 2339
وَهُوَ الْقُوتُ وَلَوْ بِدَقِيقِ حِمَّصٍ وَعَدَسٍ وَبَاقِلَاءَ وَنَحْوِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْمِلْحُ لَيْسَ، بِقُوتٍ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ) فَعَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ الْغَسْلُ بِهِ (وَلَا بَأْسَ) بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ (بِنُخَالَةٍ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُوتًا (وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْقُوتِ مِثْلَ الدَّبْغِ بِدَقِيقِ الشَّعِيرِ وَالتَّطَبُّبِ لِلْجَرَبِ بِاللَّبَنِ وَالدَّقِيقِ وَنَحْوَ ذَلِكَ رَخَّصَ فِيهِ) لِلْحَاجَةِ وَتَقَدَّمَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَطْعُومٍ فِي إزَالَتِهَا.
(وَغَسْلُ الْفَمِ بَعْدَ الطَّعَامِ مُسْتَحَبُّ وَيُسَنُّ أَنْ يَتَمَضْمَض مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ) قَالَ فِي الْآدَابِ وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُسْتَحَبَّ الْمَضْمَضَةُ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ دَسَمٌ لِتَعْلِيلِهِ ﷺ (وَيُسَنُّ أَنْ يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ قَبْلَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ أَوْ يَلْعَقَهَا غَيْرُهُ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعً وَلَا يَمْسَحُ يَدَيْهِ حَتَّى يَلْعَقَهَا» رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
(وَيَعْرُضُ رَبُّ الطَّعَامِ الْمَاءَ لِغَسْلِهِمَا وَيُقَدِّمُهُ بِقُرْبِ طَعَامِهِ) تَذْكِيرًا بِالسُّنَّةِ (وَلَا يَعْرِضُ الطَّعَامَ) بَلْ يُقَدِّمُهُ لَهُمْ لِئَلَّا يَسْتَحْيُوا فَلَا يَطْلُبُونَهُ.
(وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «إذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» وَالشُّرْبُ مِثْلُهُ (وَيَجْهَرُ بِهَا) أَيْ التَّسْمِيَةُ نَدْبًا لِيُنَبِّهَ غَيْرَهُ عَلَيْهَا (فَيَقُولُ) الْآكِلُ أَوْ الشَّارِبُ (بِسْمِ اللَّهِ قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ زَادَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَكَانَ حَسَنًا) فَإِنَّهُ أَكْمَلُ بِخِلَافِ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَأْكُلَ بِيَمِينِهِ وَمِمَّا يَلِيهِ وَيُكْرَه تَرْكُهُمَا) أَيْ تَرْكُ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَمِمَّا يَلِيهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ «كُنْتُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهِ وَكُلْ بِيَمِينِكِ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُكْرَهُ (الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، بِشِمَالِهِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعَا «إذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ جَعَلَ بِيَمِينِهِ خُبْزًا وَبِشِمَالِهِ شَيْئًا) كَجُبْنٍ أَوْ خِيَارٍ (يَأْتَدِمَ بِهِ وَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا) الَّذِي جَعَلَهُ بِشِمَالِهِ (كُرِهَ لِأَنَّهُ أَكَلَ بِشِمَالِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَهِ فَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ وَشَرِبَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ) .
لِلْخَبَرِ (وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِهِ) أَيْ الْأَكْلَ أَوْ الشُّرْبَ.
(قَالَ إذَا ذَكَرَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَكْلِ (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْآكِلُونَ (جَمَاعَةً سَمَّوْا كُلُّهُمْ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَيُسَمَّى الْمُمَيَّزَ) لِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ (وَيُسَمَّى عَمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا تَمْيِيزَ) لِتَعَذُّرِهَا مِنْهُ وَيَنْبَغِي
стр. 2340
أَنْ يُشِيرَ بِهَا أَخْرَسُ وَنَحْوِهِ كَالْوُضُوءِ (وَيَحْمَدُ اللَّهَ) الْآكِلُ وَالشَّارِبُ (جَهْرًا إذَا فَرَغَ) مِنْ أَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيَقُولُ) إذَا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ (مَا وَرَدَ وَمِنْهُ) مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» وَمِنْهُ أَيْضًا مَا رَوَى مُعَاذُ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ) وَمِنْهُ «أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ» ) لِلْخَبَرِ.
(وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ الْأَكْلِ أَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بَلْ يَسْتَأْذِنُ رَبَّ الْمَنْزِلِ وَيَنْصَرِفُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] (١) (وَيُسَمِّي الشَّارِبُ عِنْدَ كُلِّ ابْتِدَاءٍ وَيَحْمَدُ عِنْدَ كُلِّ قَطْعٍ) وَقَدْ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي أَكْلِ كُلِّ لُقْمَةٍ فَعَلَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ أَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ.
(وَيُكْرَه الْأَكْل مِنْ ذُرْوَةِ الطَّعَامِ) أَيْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ (وَمِنْ وَسَطِهِ بَلْ) يَأْكُلُ (مِنْ أَسْفَلِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ وَلَكِنْ لِيَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَدَعُوا ذُرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ (وَكَذَلِكَ الْكَيْلُ) لِلْعِلَّةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا ﷺ .
(وَيُكْرَه نَفْخٌ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) لِيَبْرُدَ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ النَّفْخُ فِي الطَّعَام وَالشَّرَابِ وَالْكِتَابِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ لَا يُكْرَه النَّفْخُ وَالطَّعَامُ حَارٌّ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةً إلَى الْأَكْلِ حِينَئِذٍ.
(وَ) يُكْرَه (التَّنَفُّسُ فِي إنَاءَيْهِمَا) لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَادَ إلَيْهِ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ (وَأَكْلُهُ حَارًّا) لِأَنَّهُ لَا بَرَكَةَ فِيهِ كَمَا فِي الْخَبَرِ (إنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ) إلَى أَكْلِهِ حَارًّا فَيُبَاحُ.
(وَ) يُكْرَه أَيْضًا أَكْلُهُ (مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ إنْ كَانَ الطَّعَامُ نَوْعًا وَاحِدًا فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا) أَيْ نَوْعَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَا بَأْس (أَوْ) كَانَ الطَّعَامُ (فَاكِهَةً) فَلَا بَأْسَ لِحَدِيثِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ فَخَبَطَتْ
стр. 2341
يَدِي فِي نَوَاحِيهَا فَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ فَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي الطَّبَقِ. وَقَالَ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(قَالَ الْآمِدِيُّ أَوْ كَانَ يَأْكُل وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ) بِأَكْلِهِ مِمَّا لَايِلِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي بِذَلِكَ قُلْتُ وَكَذَا لَوْ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ مَنْ لَا يُسْتَقْذَرُ مِنْهُ، بَلْ يُسْتَشْفَى بِهِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ تَتَبُّعُهُ ﷺ لِلدُّبَّاءِ مِنْ حَوَالِي الصَّحْفَةِ فِي حَدِيثٍ أَنَسٍ.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَوْمُ حِين وَضْعِ الطَّعَامِ فَيَفْجَأُهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الْآيَة (وَكَذَا) الضَّيْفُ الَّذِي يَتْبَع الضَّيْفَ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَى وَهُوَ الطُّفَيْلِيُّ.
وَفِي الشَّرْحِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ فَجَأَهُمْ بِلَا تَعَمُّدٍ أَكَلَ نَصًّا) وَأَطْلَقَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ الْكَرَاهَةُ إلَّا مَنْ عَادَتُهُ السَّمَاحَةُ (وَكَرِهَ) أَحْمَدُ (الْخُبْزَ الْكِبَارَ وَقَالَ لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ) وَذَكَرَ مَعْمَرُ أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ قَدَّمَ لَهُمْ طَعَامًا فَكَسَّرَ الْخُبْزَ قَالَ أَحْمَدُ لِئَلَّا يَعْرِفُوا كَمْ يَأْكُلُونَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَبْذِلَهُ) أَيْ الْخُبْزَ لِقَوْلِهِ أَكْرِمُوا الْخُبْزَ (فَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ وَلَا السِّكِّينَ بِهِ) أَيْ بِالْخَبْزِ.
(وَلَا يَضَعَهُ تَحْتِ الْقَصْعَةِ وَلَا تَحْتَ الْمَمْلَحَةِ) أَيْ آنِيَةِ الْمِلْحِ لِأَنَّهُ اسْتِبْذَالٌ لَهُ (بَلْ يُوضَعُ الْمِلْحُ وَحْدَهُ عَلَى الْخُبْزِ) لِأَنَّهُ لَا اسْتِبْذَالَ فِيهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ وَيُجِيدَ الْمَضْغَ وَيُطِيلَ الْبَلْعَ) لِأَنَّهُ أَجْوَدُ هَضْمًا.
(قَالَ الشَّيْخُ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ الْإِطَالَةِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ تَصْغِيرَ الْكَسْرِ) يَعْنِي اللُّقَمَ (وَيَنْوِي) نَدْبًا (بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
(وَيَبْدَأُ الْأَكْبَرُ وَالْأَعْلَمُ وَصَاحِبُ الْبَيْت) بِالْأَكْلِ لِحَدِيثِ «كَبِّرْ كَبِّرْ» (وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمَا السَّبْقُ إلَى الْأَكْلِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّنَاءَةِ وَالشَّرَهِ.
(وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُ ضَرِيرٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) مِنْ الطَّعَامِ لِيَتَنَاوَلَ مَا يَشْتَهِيهِ (وَيُسَنُّ مَسْحُ الصَّحْفَةِ) الَّتِي يَأْكُلُ فِيهَا لِلْخَبَرِ (وَأَكْل مَا تَنَاثَرَ مِنْهُ) أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ مِنْ اللُّقَمِ بَعْدَ إزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ أَذَى لِلْخَبَرِ.
(وَالْأَكْلُ عِنْدَ حُضُورِ رَبِّ الطَّعَامِ وَإِذْنِهِ وَالْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ بِمَا دُونَهَا) لِأَنَّهُ كِبْرٌ (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (بِمَا فَوْقَهَا) لِأَنَّهُ شَرَهٌ (مَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ) قَالَ مُهَنَّا سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ كُلِّهَا فَذَهَبَ إلَى ثَلَاثِ أَصَابِعَ فَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَنْ النَّبِيّ ﷺ -
стр. 2342
«أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِكَفِّهِ كُلِّهَا» فَلَمْ يُصَحِّحْهُ وَلَمْ يَرَ إلَّا ثَلَاثَ أَصَابِعَ.
(وَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ بِالْمِلْعَقَةِ) وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لِأَنَّهَا تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ قُلْتُ رُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَكْرَهُ كُلَّ مُحْدَثٍ كَرَاهَتُهَا.
[فَصْل الْقِرَانُ فِي التَّمْرِ]
فَصْلٌ وَيُكْرَهُ الْقِرَانُ فِي التَّمْرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَنَاوُلِهِ أَفْرَادًا لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَه.
(وَ) يُكْرَه لَهُ (فِعْلُ مَا يُسْتَقْذَرُ مِنْ بُصَاقٍ وَمُخَاطٍ وَغَيْرِهِ وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَنْفُضَ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يُقَدِّمَ إلَيْهَا) أَيْ الْقَصْعَةِ (رَأْسَهُ عِنْدَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي فِيهِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا سَقَطَ مِنْ فَمِهِ شَيْءٌ فِيهَا فَقَذَّرَهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَغْمِسَ اللُّقْمَةَ الدَّسِمَةَ فِي الْخَلِّ أَوْ) يَغْمِسَ (الْخَلَّ فِي الدَّسَمِ فَقَدْ يَكْرَهُهُ غَيْرُهُ) قُلْتُ فَإِنْ أَحَبَّهُ الْكُلُّ فَلَا بَأْسَ كَمَا لَوْ كَانَ وَحْدَهُ.
(وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ الْخَلِّ وَالْبُقُولِ عَلَى الْمَائِدَةِ غَيْرِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ نِيئًا كَمَا يَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ (وَيَكُونُ) عِنْدَ الْمَائِدَةِ (مَا يَدْفَعُ بِهِ الْغُصَّةَ) خَشْيَةَ أَنْ تُوجَدَ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ عِنْدَ السُّعَالِ وَالْعُطَاسِ عَنْ الطَّعَامِ أَوْ يُبْعِدَهُ عَنْهُ أَوْ يَجْعَلَ عَلَى فِيهِ شَيْئًا لِئَلَّا يَخْرُج مِنْهُ بُصَاقٌ فَيَقَعُ فِي الطَّعَامِ) فَيُقْذِرُهُ.
(وَإِنْ خَرَجَ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ) مِنْ عَظْمٍ أَوْ ثِقَلٍ أَوْ نُخَامَةٍ (لِيَرْمِيَ بِهِ صَرَفَ وَجْهِهِ عَنْ الطَّعَامِ) لِئَلَّا يَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ فِيهِ (وَأَخَذَهُ بِيَسَارِهِ) فَرَمَى بِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ (يُكْرَه رَدُّهُ) أَيْ مَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ (إلَى الْقَصْعَةِ وَأَنْ يَغْسِلَ بَقِيَّةَ اللُّقْمَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا فِي الْمَرَقَةِ وَكَذَا هَنْدَسَةُ اللُّقْمَةِ وَهُوَ أَنْ يَقْضِمَ بِأَسْنَانِهِ) لَا بِيَدِهِ (بَعْضَ أَطْرَافِهَا ثُمَّ يَضَعُهَا فِي الْأُدْمِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقْذَرٌ وَتَعَافُهُ النَّفْسُ.
(وَ) يُكْرَهُ لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَ غَيْرِهِ (أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يُسْتَقْذَرُ أَوْ بِمَا يُضْحِكُهُمْ أَوْ يُخْزِيهِمْ) قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُنْبَطِحًا.
وَفِي الْغُنْيَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ عَلَى الطَّرِيقِ وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (أَنْ يَعِيبَ الطَّعَامَ وَأَنْ يَحْتَقِرَهُ بَلْ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ)
стр. 2343
لِمَا وَرَدَ " أَنَّهُ ﷺ مَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ بَلْ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ " (وَلَا بَأْسَ بِمَدْحِهِ) أَيْ الطَّعَامَ لَكِنْ يُكْرَهُ لِرَبِّ الطَّعَامِ مَدْحُهُ وَتَقْوِيمُهُ كَمَا يَأْتِي.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْآكِلِ (أَنْ يَجْلِسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى أَوْ يَتَرَبَّعَ) وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الِاتِّكَاءِ (قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَا يَشْرَبُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ) أَيْ عَدَمُ الشُّرْبِ فِي أَثْنَائِهِ (أَجْوَدُ فِي الطِّبِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عَادَةٌ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَفِي أَثْنَاءِ طَعَامٍ بِلَا عَادَةٍ انْتَهَى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَّا إذَا صَدَقَ عَطَشُهُ فَيُنْفَى مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ يُقَالُ إنَّهُ دِبَاغُ الْمَعِدَة.
(وَلَا يَعُبُّ الْمَاءَ عَبًّا) لِلْخَبَرِ (وَأَنْ يَأْخُذَ إنَاءَ الْمَاءِ بِيَمِينِهِ) مَعَ الْقُدْرَةِ (وَيُسَمِّي) وَتَقَدَّمَ (وَيَنْظُر فِيهِ) خَشْيَة أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَكْرَهُ أَوْ يُؤْذِيهِ (ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ مَصًّا مُقَطِّعًا ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «مُصُّوا الْمَاءَ مَصًّا فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنْ الْعَبِّ» وَالْكُبَادُ بِضَمِّ الْكَافِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قِيلَ وَجَعُ الْكَبِدِ وَيُعَبُّ اللَّبَنُ لِأَنَّهُ طَعَامٌ، (وَيَتَنَفَّسُ) كُلّ مَرَّةٍ (خَارِجَ الْإِنَاءِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِيهِ) وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَشْرَب مِنْ فَمِ السِّقَاءِ) لِنَهْيِهِ ﷺ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ دَاخِلِ الْقِرْبَةِ مَا يُنَغِّصُ الشُّرْبَ أَوْ يُؤْذِي الشَّارِبَ (وَ) مِنْ (ثُلْمَةِ الْإِنَاءِ أَوْ مُحَاذِيًا لِلْعُرْوَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِرَأْسِ الْإِنَاءِ) وَكَذَا اخْتِنَاثُ الْأَسْقِيَةِ وَهُوَ قَلْبُهَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: خَنَثَ الْإِنَاءُ وَأَخْنَثْتُهُ إذَا ثَنَّيْتُهُ إلَى خَارِجٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، فَإِنْ كَسَرْتَهُ إلَى دَاخِلٍ فَقَدْ قَبَعْتَهُ بِالْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
(وَلَا يُكْرَهُ الشُّرْبُ قَائِمًا و) شُرْبُهُ (قَاعِدًا أَكْمَلُ وَأَمَّا مَاءُ آبَارِ ثَمُودَ فَلَا يُبَاح شُرْبُهُ وَلَا الطَّبْخ بِهِ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ فَإِنْ طَبَخَ مِنْهُ أَوْ عَجَنَ أَكْفَأَ الْقُدُورَ وَعَلَفَ الْعَجِينَ النَّوَاضِحَ) جَمْعُ نَاضِحَةٍ أَوْ نَاضِحٍ وَهُوَ الْبَعِيرُ يُسْتَقَى عَلَيْهِ قُلْتُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْبَهَائِمِ.
(وَيُبَاحُ مِنْهَا بِئْرُ النَّاقَةِ فِي) كِتَابِ (الطَّهَارَةِ وَدِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ مَسْخُوطٌ عَلَيْهَا فَيُكْرَهُ شُرْبُ مَائِهَا وَاسْتِعْمَالُهُ) وَكَذَا بِئْرُ بَرَهُوتَ وَذَرْوَانَ بِئْرٌ بِمَقْبَرَةٍ وَتَقَدَّمَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ قَائِمًا) وَيَتَوَجَّهُ كَشُرْبٍ قَالَهُ شَيْخُنَا.
(وَإِذَا شَرِبَ) لَبَنًا أَوْ غَيْرَهُ (سِنَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْأَيْمَنُ) وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولًا وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فِي مُنَاوَلَتِهِ الْأَكْبَر فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ نَاوَلَهُ لَهُ لِلْخَبَرِ (وَكَذَا فِي غَسْلِ يَدِهِ) يَكُونُ لِلْأَيْمَنِ فَالْأَيْمَنِ (وَرَشٌّ لِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَكَذَا التَّجْمِيرُ بِالْعُودِ وَنَحْوِهِ (وَيَبْدَأُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الشُّرْبِ وَغَسْلِ الْأَيْدِي وَرَشِّ مَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ (بِأَفْضَلِهِمْ ثُمَّ بِمَنْ عَلَى الْيَمِينِ) لِفِعْلِهِ ﷺ فِي الشُّرْبِ وَقِيسَ الْبَاقِي (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغُضَّ طَرْفَهُ عَنْ جَلِيسِهِ)
стр. 2344
لِئَلَّا يُخْجِلَهُ.
(وَ) أَنْ (يُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ الْمُحْتَاجَ) لِمَدْحِهِ تَعَالَى فَاعِلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] .
(١) (وَيُخَلِّلُ أَسْنَانَهُ إنْ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ) مِنْ الطَّعَامِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «تَرْكُ الْخِلَالِ يُوهِنُ الْأَسْنَانَ» ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا وَرُوِيَ: «تَخَلَّلُوا مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الْمَلَكِ الَّذِي عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَجِدَ مِنْ أَحَدِكُمْ رِيحَ الطَّعَامِ» قَالَ الْأَطِبَّاءُ: وَهُوَ نَافِعٌ أَيْضًا لِلَّثَةِ وَمِنْ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ وَ (لَا) يُخَلِّلُ أَسْنَانَهُ (فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ) بَلْ إذَا فَرَغَ وَ (لَا) يَتَخَلَّلُ (بِعُودٍ يَضُرُّهُ) كَرُمَّانٍ وَآسٍ وَلَا بِمَا يَجْهَلُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَا مَا يَجْرَحُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ السِّوَاكِ وَيُلْقِي مَا أَخْرَجَهُ الْخِلَالُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْتَلِعَهُ) قَالَ النَّاظِمُ لِلْخَبَرِ (وَإِنْ لَعِقَهُ بِلِسَانِهِ لَمْ يُكْرَهْ ابْتِلَاعُهُ) كَسَائِرِ مَا بِفِيهِ.
(وَلَا يَأْكُلُ مِمَّا شُرِبَ عَلَيْهِ الْخَمْرُ) لِأَنَّ شِرَاءَهُ لِذَلِكَ فَاسِدٌ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ مَعْصِيَةٍ (وَلَا) يَأْكُلُ (مُخْتَلِطًا بِحَرَامٍ وَلَا يَلْقُمُ جَلِيسَهُ) إلَّا بِإِذْنِ رَبّ الطَّعَامِ.
(وَلَا يَفْسَحُ لِغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الطَّعَامِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الضَّيْفَانِ مَا لَدَيْهِ وَنَقْلِهِ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ) فَلَا يَفْعَلُهُ بِلَا إذْنِ رَبِّ الطَّعَامِ.
(قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ كَإِطْعَامِ سَائِلٍ وَسِنَّوْرٍ وَنَحْوِهِ وَتَلْقِيمٍ) غَيْرِهِ (وَتَقْدِيمِ) بَعْضِ الضَّيْفَانِ إلَى بَعْضٍ (يَحْتَمِلُ كَلَامُهُمْ وَجْهَيْنِ وَجَوَازُهُ أَظْهَرُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الدُّبَّاء) قَالَ أَنَسٌ «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَجِيءَ بِمَرَقَةٍ فِيهِ دُبَّاءُ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أُلْقِيهِ وَلَا أَطْعَمُهُ» قَالَ أَنَسٌ فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَقُلْ " وَلَا أَطْعَمُهُ " وَفِي لَفْظٍ قَالَ أَنَسٌ «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتْبَعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ فَلَمْ أَزَل أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ فَجَعَلْت أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ» .
(وَلَا يَخْلِطُ طَعَامًا بِطَعَامٍ) لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَقْذِرُهُ غَيْرُهُ (وَلَا يُكْرَه قَطْعُ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ لَا يَصِحُّ) قَالَهُ أَحْمَدُ (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُبَادِرَ إلَى تَقْطِيعِ اللَّحْمِ الَّذِي يُقَدَّمُ لَلضَّيْفَانِ حَتَّى يَأْذَنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ بِالنِّهْدِ) بِكَسْرِ النُّون وَيُقَالُ الْمُنَاهَدَةُ بِأَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْ رُفْقَتِهِ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ وَيَدْفَعُونَهُ إلَى مَنْ يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ وَإِنْ تَصَدَّقَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَالَ أَحْمَدُ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ مَا لَمْ يَزَلْ النَّاسَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) قَالَ فِي
стр. 2345
الْمُنْتَهَى: فَلَوْ أَكَلَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ أَوْ تَصَدَّقَ فَلَا بَأْسَ قَالَهُ فِي الْآدَابِ (وَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ صَدَقَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِمَا يُسَامَحُ بِهِ عَادَةً وَعُرْفًا وَكَذَا الْمُضَارِبُ وَالضَّيْف وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَكِنَّ الْأَدَبَ وَالْأَوْلَى الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ عَلَى صَاحِبِهِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى طَعَامِهِ بِبَعْضِ التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ.
(وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ الْبَطْنُ أَثْلَاثًا ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» .
(وَيَجُوز أَكْلُهُ أَكْثَرَ) مِنْ ثُلُثِهِ (بِحَيْثُ لَا يُؤْذِيه وَ) أَكْلُهُ كَثِيرًا (مَعَ خَوْفِ أَذًى وَتُخَمَةٍ يَحْرُمُ) نَقَله فِي الْفُرُوعِ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْهُ يُكْرَهُ.
وَفِي الْمُنْتَهَى وَكُرِهَ أَكْلُهُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُؤْذِيهِ (وَيُكْرَهُ إدْمَانُ أَكْلِ اللَّحْمِ) وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ.
(وَ) يُكْرَهُ (تَقْلِيلُ الطَّعَامِ بِحَيْثُ يَضُرّهُ وَلَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ تَرْكُ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] .
(وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ طَعَامَيْنِ) مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ لِحَدِيثٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ» (وَمِنْ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ فِي الْآدَابِ وَفِيهِ ضَعْفٌ (وَمَنْ أَذْهَب طَيِّبَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا نَقَصَتْ دَرَجَاتُهُ فِي الْآخِرَةِ) لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
(وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يُؤْجَرُ فِي تَرْكِ الشَّهَوَاتِ وَمُرَادُهُ مَا لَمْ يُخَالِفْ الشَّرْعَ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَمُبْتَدِعٌ (وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَدَبِ وَالْمُرُوءَةِ) بِوَزْنِ سُهُولَةِ (وَيَأْكُلُ مَعَ الْفُقَرَاءِ بِالْإِيثَارِ وَ) يَأْكُلُ مَعَ الْإِخْوَانِ (بِالِانْبِسَاطِ وَ) يَأْكُلُ (مَعَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعَلُّمِ وَلَا يَتَصَنَّعُ بِالِانْقِبَاضِ) لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْحَاضِرِينَ مَعَهُ وَيَتَكَلَّفُ الِانْبِسَاطَ (وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ) لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَلَوْ طِفْلًا وَالْمَمْلُوكِ وَأَنْ تَكْثُرَ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ وَلَوْ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدهِ) لِتَكْثِيرِ الْبَرَكَةِ وَلَعَلَّهُ يُصَادِفُ صَالِحًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَيُغْفَرَ لَهُ بِسَبَبِهِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يُجْلِسَ غُلَامَهُ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ أَطْعَمَهُ مِنْهُ) وَيَأْتِي فِي نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ.
(وَ) يُسَنُّ (لِمَنْ أَكَلَ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَنْ لَا يَرْفَع يَدَهُ قَبْلَهُمْ حَتَّى يَكْتَفُوا) لِئَلَّا يُخْجِلَهُمْ قَالَ فِي الْآدَابِ بِلَا قَرِينَةٍ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِر إلَّا
стр. 2346
وَأَنْ يُعْلَمَ مِنْهُمْ الْإِنْصَاتُ إلَيْهِ (وَيُكْرَهُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ مَدْحٌ طَعَامِهِ وَتَقْوِيمِهِ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ) .
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ]
فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ (وَالْحِكَايَاتُ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ إذَا كَانُوا مُنْقَبِضِينَ) لِيَحْصُلَ لَهُمْ الِانْبِسَاطُ وَيَطُولَ جُلُوسُهُمْ (وَيُقَدِّمُ) رَبُّ الطَّعَامِ (مَا حُضِرَ عِنْدَهُ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ) لِمَعْدُومٍ لِلْخَبَرِ الْآتِي (وَلَا يَحْتَقِرُهُ) لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّه وَإِنْ قَلَّ.
(وَإِذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَالضُّيُوفُ كَثِيرَةٌ فَالْأَوْلَى تَرْكُ الدَّعْوَةِ) وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَلِيلًا جِدًّا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُوقِعُهُمْ فِي الْخَوْضِ فِيهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ وَاجِدًا لِلزِّيَادَةِ وَتَرَكَهَا، أَمَّا الَّذِي لَا يَجِدُ إلَّا مَا قَدَّمَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التَّرْكُ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَخُصَّ بِدَعْوَتِهِ الْأَتْقِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ) لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ (١) وَلِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِخِلَافِ ضِدَّهُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَيَكُونُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَيْهَا.
(وَإِذَا طَبَخَ مَرَقَةً فَلْيُكْثِرْ مِنْ مَائِهَا وَيَتَعَاهَدْ مِنْهُ بَعْضَ جِيرَانِهِ) لِلْخَبَرِ (وَإِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَ) أُقِيمَتْ (الصَّلَاةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ آخِرُ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاة وَلَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يُضَيِّفُ) كَمَا فِي الْخَبَرِ.
(وَمِنْ آدَابِ إحْضَارِ الطَّعَامِ تَعْجِيله) لِلْقَادِمِ (لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَ) يُسْتَحَبُّ (تَقْدِيمُ الْفَاكِهَةِ قَبْلَ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي بَابِ الطِّبِّ) لِأَنَّهَا أَسْرَعُ هَضْمًا فَتَنْحَدِرُ عَلَى مَا تَحْتِهَا فَتُفْسِدُهُ.
(وَيُكْرَهُ أَكْلُ مَا لَمْ يَطِبْ أَكْلُهُ) أَيْ يَنْضُجُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَاكِهَةِ لِأَنَّهُ يَضُرُّ.
(وَلَا يَسْتَأْذِنَهُمْ) أَيْ لَا يَسْتَأْذِنُ رَبُّ الطَّعَامِ الضُّيُوفَ (فِي التَّقْدِيمِ) أَيْ تَقْدِيمُ الطَّعَامِ إلَيْهِمْ.
(وَمِنْ التَّكَلُّفِ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ) وَقَالَ ﷺ «أَنَا وَأَتْقِيَاءُ أُمَّتِي بُرَآءُ مِنْ التَّكَلُّفِ وَقَالَ ﷺ لَا تَتَكَلَّفُوا لِلضَّيْفِ فَتُبْغِضُوهُ فَإِنَّ مَنْ أَبْغَضَ الضَّيْفَ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ وَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ فَقَدْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» .
(قَالَ الشَّيْخُ إذَا دُعِيَ إلَى أَكْلٍ دَخَلَ بَيْتَهُ فَأَكَلَ مَا يَكْسِرُ نَهْمَتَهُ قَبْلَ ذَهَابِهِ انْتَهَى) .
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ النَّوَى
стр. 2347
وَالتَّمْرِ فِي طَبَقٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ نُفُورًا عَنْ أَكْلِ الْبَاقِي وَكَذَا أَكْلُ الرُّمَّانِ وَكُلُّ مَالَهُ قِشْرٌ كَالْقَصَبِ (وَلَا يَجْمَعُهُ فِي كَفِّهِ بَلْ يَضَعُهُ مِنْ فِيهِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ وَكَذَا كُلّ مَا فِيهِ عَجَمٌ وَثُفْلٌ) قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ يَأْكُلُ التَّمْرَ وَيَأْخُذُ النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَالْعَجَمُ بِالتَّحْرِيكِ النَّوَى وَكُلُّ مَا كَانَ فِي جَوْفٍ مَأْكُولٍ كَالزَّبِيبِ الْوَاحِدَةُ عُجْمَةٌ مِثْلُ قَصَبٌ وَقَصَبَةٌ قَالَ يَعْقُوبُ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ عَجْمٌ بِالتَّسْكِينِ وَالثُّفْلُ بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مَا ثَفَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَهُ فِي الْآدَابِ.
(وَلَا يَخْلِطُ قِشْرُ الْبِطِّيخ الَّذِي أَكَلَهُ بِمَا لَمْ يُؤْكَلْ وَلَا يَرْمِي بِهِ لِأَنَّ فِي جَمْعِهِ لِيُطْرَحَ كُلْفَةً وَرُبَّمَا صَدَمَ) حَالَ رَمْيِهِ (رَأْسُ الْجَلِيسِ أَوْ قُطِّرَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي حَالَةِ الرَّمْيِ) عَلَى جَلِيسِهِ فَآذَاهُ (وَلِرَبِّ الطَّعَامِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الضَّيْفَانِ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ إذَا لَمْ يَتَأَذَّ غَيْرُهُ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُفْضِلَ شَيْئًا) مِنْ الطَّعَامِ (لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِفَضْلَتِهِ أَوْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٍ) إلَى إبْقَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ (وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ وَأَهْلِ الطَّعَامِ الْأَكْلُ بَعْدَ فَرَاغِ الضَّيْفَانِ لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ) «وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَذَهَبَ بِالضَّيْفِ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ فَقَالَ: نَوِّمِي صِبْيَانَكِ وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَقَدِّمِي مَا عِنْدَكِ لِلضَّيْفِ وَنُوهِمُهُ أَنَّنَا نَأْكُلُ فَفَعَلَا ذَلِكَ» وَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (٢) .
(وَالْأَوْلَى النَّظَرُ فِي قَرَائِنِ الْحَالِ) وَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى إبْقَاءِ شَيْءٍ أَبْقَاهُ وَإِلَّا مَسَحَ الْإِنَاءَ لِأَنَّهَا تَسْتَغْفِرُ لِلَاعِقِهَا.
(وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَلَا الْجَمَادَاتِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ) كَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَقَدَّمَ فِيهِ كَلَامٌ فِي الْحَجِّ.
(وَيُكْرَه أَنْ يَأْكُلَ مَا انْتَفَخَ مِنْ الْخُبْزِ وَوَجْهَهُ وَيَتْرُكَ الْبَاقِي) مِنْهُ لِأَنَّهُ كِبْرٌ.
(وَلَا يَقْتَرِحُ طَعَامًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ خُيِّرَ) الزَّائِرُ (بَيْنَ طَعَامَيْنِ اخْتَارَ الْأَيْسَرَ) مِنْهُمَا لِئَلَّا يَحْمِلَ رَبَّ الطَّعَامِ عَلَى التَّكَلُّفِ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُضَيِّفَهُ يُسَرُّ بِاقْتِرَاحِهِ وَلَا يُقَصِّرُ) فَلَا بَأْسَ بِالِاقْتِرَاحِ لِأَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ السُّرُورِ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ) الْمَدْعُوَّ (بِالْإِجَابَةِ إلَى الدَّعْوَةِ نَفْسَ الْأَكْلِ) لِأَنَّهُ سِمَةُ الْبَهَائِمِ (بَلْ يَنْوِي بِهِ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِكْرَام أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَيَنْوِي صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ مُسِيءٍ بِهِ الظَّنَّ وَالتَّكَبُّرَ) لِيُثَابَ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَه أَكْلُ الثُّومِ وَالْبَصَلِ
стр. 2348
وَنَحْوِهِمَا) مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ نِيئًا وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ مَاءَ الْأَيْدِي فِي طَسْتٍ وَاحِدٍ فَلَا يَرْفَعَهُ إلَّا أَنْ يَمْتَلِئَ) لِئَلَّا يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِالْأَعَاجِمِ فِي زِيّهِمْ (١) .
(وَلَا يَضَعُ الصَّابُونَ فِي مَاءِ الطَّسْتِ بَعْدَ غَسْلِ يَدِهِ) لِأَنَّهُ يُذِيبَهُ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُكْرَه غَسْلُ الْيَدِ بِالطِّيبِ) فَلَا يُكْرَه بِالصَّابُونِ الْمُطَيَّبِ.
(وَمَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَلْيَقُلْ) اسْتِحْبَابًا (اللَّهُمَّ بَارِكَ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ) لِلْخَبَرِ (وَإِذَا شَرِبَ لَبَنًا) قَالَ نَدْبًا (اللَّهُمَّ بَارِكَ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ) لِلْخَبَرِ.
(وَإِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ) أَيْ الْبَعُوضُ (وَنَحْوِهِ) كَالزَّنَابِيرِ وَالنَّحْلِ قَالَ الْجَاحِظُ: اسْمُ الذُّبَابِ يَقَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى الزَّنَابِيرِ وَالنَّحْلِ وَالْبَعُوضِ وَغَيْرِهَا (فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ سُنَّ غَمْسُهُ كُلُّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ أَوْ قَالَ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحَهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً وَإِنَّهُ يُتَّقَى بِالدَّاءِ» وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابِ غَمْسُهَا مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةٌ وَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى مَوْتِهَا بِالْغَمْسِ.
(وَيَغْسِل يَدَيْهِ وَفَمَهُ مِنْ ثُومٍ وَبَصَلٍ وَزُهُومَةٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ) تَنْظِيفًا لِذَلِكَ (وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ النَّوْمِ) خَشْيَةَ اللَّمَمِ (وَفِي الثَّرِيدِ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّعَامِ) لِحَدِيثِ «فَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ كَفَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ» .
(وَهُوَ) أَيْ الثَّرِيدُ (أَنْ يَثْرِدَ الْخُبْزَ أَيْ يَفُتَّهُ ثُمَّ يَبِلَّهُ بِمَرَقِ لَحْمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا ثَرَدَ غَطَّاهُ شَيْئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرُهُ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ) .
(وَيُكْرَه) لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَ جَمَاعَةٍ (رَفْعُ يَدِهِ قَبْلَهُمْ بِلَا قَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى شَبَعِ الْجَمِيعِ وَتَقَدَّمَ (و) يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ (أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ عَنْ الطَّعَامِ قَبْلَ فَرَاغِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ لَذَّتِهِ وَلَا يَقُومُ عَنْ الطَّعَامِ حَتَّى يُرْفَعَ) الطَّعَامُ.
(وَإِنْ أَكَلَ تَمْرًا عَتِيقًا وَنَحْوَهُ) مِمَّا يُسَوِّسُ (فَتَّشَهُ وَأَخْرَجَ سُوسَهُ) لِاسْتِقْذَارِهِ قُلْتُ وَكَذَا نَبْقٌ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُدَوَّدُ.
(وَإِطْعَامُ الْخُبْزِ الْبَهِيمَة تَرْكُهُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ يُؤْذِيهَا (إلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ كَانَ يَسِيرًا) .
(وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ ضَيْفِهِ إلَى بَابِ الدَّارِ) تَتْمِيمًا لِإِكْرَامِهِ (وَيَحْسُنُ أَنْ يَأْخُذَ بِرِكَابِهِ) أَيْ رِكَابُ ضَيْفِهِ إذَا رَكِبَ (وَرُوِيَ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (مَرْفُوعًا «مَنْ أَخَذَ بِرِكَابِ مَنْ لَا يَرْجُوهُ وَلَا يَخَافُهُ غُفِرَ لَهُ» ) قَالَ فِي الْآدَابِ.
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَيَنْبَغِي) أَيْ لِلضَّيْفِ بَلْ لِكُلِّ أَحَدٍ (أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي مَجْلِسِهِ وَ) يَنْبَغِي (إذَا حَضَرَ أَنْ لَا يَتَصَدَّرَ وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ
стр. 2349
مَكَانًا لَمْ يَتَعَدَّهُ) أَيْ لَمْ يُجَاوِزْهُ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ مِنْهُ.
(وَالنِّثَارُ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهَانِ لِأَنَّهُ شَبِهَ النُّهْبَةِ) وَقَدْ - «نَهَى عَنْ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ.
(وَالْتِقَاطه دَنَاءَة وَإِسْقَاطُ مُرُوءَةٍ) وَاَللَّهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سِفْسَافَهَا، وَلِأَنَّ فِيهِ تَزَاحُمًا وَقِتَالًا وَقَدْ يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِهِ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَى صَاحِبِهِ (وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ) أَيْ النِّثَارِ (شَيْئًا مَلَكَهُ وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ) سَوَاءٌ قَصَدَ تَمَلُّكَهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ، لِأَنَّ مَالِكَهُ قَصَدَ تَمْلِيكَهُ لِمَنْ حَازَهُ وَقَدْ حَازَهُ مَنْ أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَيَمْلِكَهُ كَمَا لَوْ وَثَبَتْ سَمَكَةٌ مِنْ الْبَحْرِ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ صَيْدٌ دَارِهِ أَوْ خَيْمَتَهُ فَأُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ.
(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذَهُ مِنْهُ) أَيْ أَخْذِ النِّثَارِ مِمَّنْ أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ (فَإِنْ قُسِّمَ) الْأَخْذُ لِلنِّثَارِ مَا أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ (عَلَى الْحَاضِرِينَ لَمْ يُكْرَهْ) لَهُ وَلَا لَهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ أَبَاحَهُ لَهُمْ (وَكَذَلِكَ) فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ (إنْ وَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَخْذِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ) فِيهِ (تَنَاهُبٌ) فَيُبَاحُ لِعَدَمِ مُوجِبِ الْكَرَاهَةِ.
(يُسَنُّ إعْلَانُ) أَيْ إظْهَارُ (النِّكَاحِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهِ بِدُفٍّ لَا حِلَقَ فِيهِ وَلَا صُنُوجَ لِلنِّسَاءِ) لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ وَالصَّوْتِ فِي الْأَمْلَاكِ فَقِيلَ لَهُ مَا الصَّوْتُ قَالَ يَتَكَلَّمُ وَيَتَحَدَّثُ وَيَظْهَرُ.
(وَيُكْرَهُ) الضَّرْبُ بِالدُّفِّ (لِلرِّجَالِ) مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ ضَرْبُ الدُّفِّ مَخْصُوصٌ بِالنِّسَاءِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ وَكَلَامِ الْأَصْحَابِ التَّسْوِيَةُ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَلَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِي الْعُرْسِ) .
لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِ «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ لَمَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ السَّوْدَاءُ مَا سُرَّتْ عَذَارِيكُمْ» لَا عَلَى مَا يَصْنَعُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ (وَضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْخِتَانِ وَقُدُومِ الْغَائِبِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْوِلَادَةِ (كَالْعُرْسِ) لِمَا فِيهِ مِنْ السُّرُورِ.
(وَيَحْرُمُ كُلُّ مَلْهَاةٍ سِوَى الدُّفِّ كَمِزْمَارٍ وَطُنْبُورٍ وَرَبَابٍ وَجِنْكٍ وَنَايِ وَمَعْرِفَةٍ وَجِفَانَةٍ وَعُودٍ وَزَمَّارَةِ الرَّاعِي وَنَحْوِهَا سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَتْ لِحُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ) .
وَفِي الْقَضِيبِ وَجْهَانِ وَفِي الْمُغْنِي لَا يُكْرَهُ إلَّا مَعَ تَصْفِيقٍ أَوْ غِنَاءِ أَوْ رَقْصٍ وَنَحْوِهِ وَكَرِهَ أَحْمَدُ التَّغْبِيرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ونَهَى عَنْ اسْتِمَاعِهِ وَقَالَ بِدْعَةٌ وَمُحْدَثٌ
стр. 2350
وَنَقَلَ أَبُو وَالنَّسَائِيَّ لَا يُعْجِبُنِي وَنَقَلَ يُوسُفُ وَلَا تَسْتَمِعْهُ قِيلَ هُوَ بِدْعَةٌ قَالَ حَسْبُكَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغَبَّرَةُ قَوْمٌ يُغَبِّرُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ يُهَلِّلُونَ وَيُرَدِّدُونَ الصَّوْتَ بِالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُرَغِّبُونَ النَّاسَ فِي الْمُغَابَرَةِ إلَى الْبَاقِيَةِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ مَنَعَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْبِدْعَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ تَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ شِعْرٌ مُلْحَنٌ كَالْحِدَاءِ وَالْحَدْوِ لِلْإِبِلِ وَنَحْوِهِ وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ عَنْ الصُّوفِيَّةِ لَا أَعْلَمُ أَقْوَامًا أَفْضَلُ مِنْهُمْ قِيلَ إنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ وَيَتَوَاجَدُونَ قَالَ دَعُوهُمْ يَفْرَحُونَ مَعَ اللَّهِ سَاعَةً قِيلَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْشَى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وَلَعَلَّ مُرَادَهُ سَمَاعُ الْقُرْآنِ وَعُذْرهُمْ لِقُوَّةِ الْوَارِدِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(وَهِيَ) أَيْ الْعِشْرَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْأَصْلِ الِاجْتِمَاعُ يُقَالُ لِكُلِّ جَمَاعَةِ عِشْرَةٌ وَمَعْشَرُ الْمُرَادُ هُنَا (مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْأُلْفَةِ والِانْضِمَامِ) أَيْ الِاجْتِمَاعِ (وَيَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (مُعَاشَرَةَ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ الصُّحْبَةِ الْجَمِيلَةِ وَكَفِّ الْأَذَى وَأَنْ لَا يَمْطِلَهُ بِحَقِّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ بَلْ بِبِشْرٍ وَطَلَاقَةٍ وَلَا يَتْبَعَهُ مِنَّةً وَلَا أَذًى) لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَقَوْلِهِ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَ أَبُو زَيْدٍ تَتَّقُونَ اللَّه فِيهِنَّ كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ
следующие страницы →