Полный текст (3 210 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
وَأَنْ يُعْلَمَ مِنْهُمْ الْإِنْصَاتُ إلَيْهِ (وَيُكْرَهُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ مَدْحٌ طَعَامِهِ وَتَقْوِيمِهِ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ) .
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ]
فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ (وَالْحِكَايَاتُ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ إذَا كَانُوا مُنْقَبِضِينَ) لِيَحْصُلَ لَهُمْ الِانْبِسَاطُ وَيَطُولَ جُلُوسُهُمْ (وَيُقَدِّمُ) رَبُّ الطَّعَامِ (مَا حُضِرَ عِنْدَهُ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ) لِمَعْدُومٍ لِلْخَبَرِ الْآتِي (وَلَا يَحْتَقِرُهُ) لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّه وَإِنْ قَلَّ.
(وَإِذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَالضُّيُوفُ كَثِيرَةٌ فَالْأَوْلَى تَرْكُ الدَّعْوَةِ) وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَلِيلًا جِدًّا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُوقِعُهُمْ فِي الْخَوْضِ فِيهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ وَاجِدًا لِلزِّيَادَةِ وَتَرَكَهَا، أَمَّا الَّذِي لَا يَجِدُ إلَّا مَا قَدَّمَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التَّرْكُ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَخُصَّ بِدَعْوَتِهِ الْأَتْقِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ) لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ (١) وَلِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِخِلَافِ ضِدَّهُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَيَكُونُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَيْهَا.
(وَإِذَا طَبَخَ مَرَقَةً فَلْيُكْثِرْ مِنْ مَائِهَا وَيَتَعَاهَدْ مِنْهُ بَعْضَ جِيرَانِهِ) لِلْخَبَرِ (وَإِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَ) أُقِيمَتْ (الصَّلَاةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ آخِرُ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاة وَلَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يُضَيِّفُ) كَمَا فِي الْخَبَرِ.
(وَمِنْ آدَابِ إحْضَارِ الطَّعَامِ تَعْجِيله) لِلْقَادِمِ (لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَ) يُسْتَحَبُّ (تَقْدِيمُ الْفَاكِهَةِ قَبْلَ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي بَابِ الطِّبِّ) لِأَنَّهَا أَسْرَعُ هَضْمًا فَتَنْحَدِرُ عَلَى مَا تَحْتِهَا فَتُفْسِدُهُ.
(وَيُكْرَهُ أَكْلُ مَا لَمْ يَطِبْ أَكْلُهُ) أَيْ يَنْضُجُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَاكِهَةِ لِأَنَّهُ يَضُرُّ.
(وَلَا يَسْتَأْذِنَهُمْ) أَيْ لَا يَسْتَأْذِنُ رَبُّ الطَّعَامِ الضُّيُوفَ (فِي التَّقْدِيمِ) أَيْ تَقْدِيمُ الطَّعَامِ إلَيْهِمْ.
(وَمِنْ التَّكَلُّفِ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ) وَقَالَ ﷺ «أَنَا وَأَتْقِيَاءُ أُمَّتِي بُرَآءُ مِنْ التَّكَلُّفِ وَقَالَ ﷺ لَا تَتَكَلَّفُوا لِلضَّيْفِ فَتُبْغِضُوهُ فَإِنَّ مَنْ أَبْغَضَ الضَّيْفَ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ وَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ فَقَدْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» .
(قَالَ الشَّيْخُ إذَا دُعِيَ إلَى أَكْلٍ دَخَلَ بَيْتَهُ فَأَكَلَ مَا يَكْسِرُ نَهْمَتَهُ قَبْلَ ذَهَابِهِ انْتَهَى) .
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ النَّوَى
стр. 2347
وَالتَّمْرِ فِي طَبَقٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ نُفُورًا عَنْ أَكْلِ الْبَاقِي وَكَذَا أَكْلُ الرُّمَّانِ وَكُلُّ مَالَهُ قِشْرٌ كَالْقَصَبِ (وَلَا يَجْمَعُهُ فِي كَفِّهِ بَلْ يَضَعُهُ مِنْ فِيهِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ وَكَذَا كُلّ مَا فِيهِ عَجَمٌ وَثُفْلٌ) قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ يَأْكُلُ التَّمْرَ وَيَأْخُذُ النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَالْعَجَمُ بِالتَّحْرِيكِ النَّوَى وَكُلُّ مَا كَانَ فِي جَوْفٍ مَأْكُولٍ كَالزَّبِيبِ الْوَاحِدَةُ عُجْمَةٌ مِثْلُ قَصَبٌ وَقَصَبَةٌ قَالَ يَعْقُوبُ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ عَجْمٌ بِالتَّسْكِينِ وَالثُّفْلُ بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مَا ثَفَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَهُ فِي الْآدَابِ.
(وَلَا يَخْلِطُ قِشْرُ الْبِطِّيخ الَّذِي أَكَلَهُ بِمَا لَمْ يُؤْكَلْ وَلَا يَرْمِي بِهِ لِأَنَّ فِي جَمْعِهِ لِيُطْرَحَ كُلْفَةً وَرُبَّمَا صَدَمَ) حَالَ رَمْيِهِ (رَأْسُ الْجَلِيسِ أَوْ قُطِّرَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي حَالَةِ الرَّمْيِ) عَلَى جَلِيسِهِ فَآذَاهُ (وَلِرَبِّ الطَّعَامِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الضَّيْفَانِ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ إذَا لَمْ يَتَأَذَّ غَيْرُهُ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُفْضِلَ شَيْئًا) مِنْ الطَّعَامِ (لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِفَضْلَتِهِ أَوْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٍ) إلَى إبْقَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ (وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ وَأَهْلِ الطَّعَامِ الْأَكْلُ بَعْدَ فَرَاغِ الضَّيْفَانِ لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ) «وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَذَهَبَ بِالضَّيْفِ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ فَقَالَ: نَوِّمِي صِبْيَانَكِ وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَقَدِّمِي مَا عِنْدَكِ لِلضَّيْفِ وَنُوهِمُهُ أَنَّنَا نَأْكُلُ فَفَعَلَا ذَلِكَ» وَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (٢) .
(وَالْأَوْلَى النَّظَرُ فِي قَرَائِنِ الْحَالِ) وَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى إبْقَاءِ شَيْءٍ أَبْقَاهُ وَإِلَّا مَسَحَ الْإِنَاءَ لِأَنَّهَا تَسْتَغْفِرُ لِلَاعِقِهَا.
(وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَلَا الْجَمَادَاتِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ) كَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَقَدَّمَ فِيهِ كَلَامٌ فِي الْحَجِّ.
(وَيُكْرَه أَنْ يَأْكُلَ مَا انْتَفَخَ مِنْ الْخُبْزِ وَوَجْهَهُ وَيَتْرُكَ الْبَاقِي) مِنْهُ لِأَنَّهُ كِبْرٌ.
(وَلَا يَقْتَرِحُ طَعَامًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ خُيِّرَ) الزَّائِرُ (بَيْنَ طَعَامَيْنِ اخْتَارَ الْأَيْسَرَ) مِنْهُمَا لِئَلَّا يَحْمِلَ رَبَّ الطَّعَامِ عَلَى التَّكَلُّفِ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُضَيِّفَهُ يُسَرُّ بِاقْتِرَاحِهِ وَلَا يُقَصِّرُ) فَلَا بَأْسَ بِالِاقْتِرَاحِ لِأَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ السُّرُورِ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ) الْمَدْعُوَّ (بِالْإِجَابَةِ إلَى الدَّعْوَةِ نَفْسَ الْأَكْلِ) لِأَنَّهُ سِمَةُ الْبَهَائِمِ (بَلْ يَنْوِي بِهِ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِكْرَام أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَيَنْوِي صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ مُسِيءٍ بِهِ الظَّنَّ وَالتَّكَبُّرَ) لِيُثَابَ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَه أَكْلُ الثُّومِ وَالْبَصَلِ
стр. 2348
وَنَحْوِهِمَا) مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ نِيئًا وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ مَاءَ الْأَيْدِي فِي طَسْتٍ وَاحِدٍ فَلَا يَرْفَعَهُ إلَّا أَنْ يَمْتَلِئَ) لِئَلَّا يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِالْأَعَاجِمِ فِي زِيّهِمْ (١) .
(وَلَا يَضَعُ الصَّابُونَ فِي مَاءِ الطَّسْتِ بَعْدَ غَسْلِ يَدِهِ) لِأَنَّهُ يُذِيبَهُ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُكْرَه غَسْلُ الْيَدِ بِالطِّيبِ) فَلَا يُكْرَه بِالصَّابُونِ الْمُطَيَّبِ.
(وَمَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَلْيَقُلْ) اسْتِحْبَابًا (اللَّهُمَّ بَارِكَ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ) لِلْخَبَرِ (وَإِذَا شَرِبَ لَبَنًا) قَالَ نَدْبًا (اللَّهُمَّ بَارِكَ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ) لِلْخَبَرِ.
(وَإِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ) أَيْ الْبَعُوضُ (وَنَحْوِهِ) كَالزَّنَابِيرِ وَالنَّحْلِ قَالَ الْجَاحِظُ: اسْمُ الذُّبَابِ يَقَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى الزَّنَابِيرِ وَالنَّحْلِ وَالْبَعُوضِ وَغَيْرِهَا (فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ سُنَّ غَمْسُهُ كُلُّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ أَوْ قَالَ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحَهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً وَإِنَّهُ يُتَّقَى بِالدَّاءِ» وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابِ غَمْسُهَا مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةٌ وَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى مَوْتِهَا بِالْغَمْسِ.
(وَيَغْسِل يَدَيْهِ وَفَمَهُ مِنْ ثُومٍ وَبَصَلٍ وَزُهُومَةٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ) تَنْظِيفًا لِذَلِكَ (وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ النَّوْمِ) خَشْيَةَ اللَّمَمِ (وَفِي الثَّرِيدِ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّعَامِ) لِحَدِيثِ «فَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ كَفَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ» .
(وَهُوَ) أَيْ الثَّرِيدُ (أَنْ يَثْرِدَ الْخُبْزَ أَيْ يَفُتَّهُ ثُمَّ يَبِلَّهُ بِمَرَقِ لَحْمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا ثَرَدَ غَطَّاهُ شَيْئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرُهُ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ) .
(وَيُكْرَه) لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَ جَمَاعَةٍ (رَفْعُ يَدِهِ قَبْلَهُمْ بِلَا قَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى شَبَعِ الْجَمِيعِ وَتَقَدَّمَ (و) يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ (أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ عَنْ الطَّعَامِ قَبْلَ فَرَاغِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ لَذَّتِهِ وَلَا يَقُومُ عَنْ الطَّعَامِ حَتَّى يُرْفَعَ) الطَّعَامُ.
(وَإِنْ أَكَلَ تَمْرًا عَتِيقًا وَنَحْوَهُ) مِمَّا يُسَوِّسُ (فَتَّشَهُ وَأَخْرَجَ سُوسَهُ) لِاسْتِقْذَارِهِ قُلْتُ وَكَذَا نَبْقٌ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُدَوَّدُ.
(وَإِطْعَامُ الْخُبْزِ الْبَهِيمَة تَرْكُهُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ يُؤْذِيهَا (إلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ كَانَ يَسِيرًا) .
(وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ ضَيْفِهِ إلَى بَابِ الدَّارِ) تَتْمِيمًا لِإِكْرَامِهِ (وَيَحْسُنُ أَنْ يَأْخُذَ بِرِكَابِهِ) أَيْ رِكَابُ ضَيْفِهِ إذَا رَكِبَ (وَرُوِيَ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (مَرْفُوعًا «مَنْ أَخَذَ بِرِكَابِ مَنْ لَا يَرْجُوهُ وَلَا يَخَافُهُ غُفِرَ لَهُ» ) قَالَ فِي الْآدَابِ.
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَيَنْبَغِي) أَيْ لِلضَّيْفِ بَلْ لِكُلِّ أَحَدٍ (أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي مَجْلِسِهِ وَ) يَنْبَغِي (إذَا حَضَرَ أَنْ لَا يَتَصَدَّرَ وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ
стр. 2349
مَكَانًا لَمْ يَتَعَدَّهُ) أَيْ لَمْ يُجَاوِزْهُ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ مِنْهُ.
(وَالنِّثَارُ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهَانِ لِأَنَّهُ شَبِهَ النُّهْبَةِ) وَقَدْ - «نَهَى عَنْ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ.
(وَالْتِقَاطه دَنَاءَة وَإِسْقَاطُ مُرُوءَةٍ) وَاَللَّهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سِفْسَافَهَا، وَلِأَنَّ فِيهِ تَزَاحُمًا وَقِتَالًا وَقَدْ يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِهِ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَى صَاحِبِهِ (وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ) أَيْ النِّثَارِ (شَيْئًا مَلَكَهُ وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ) سَوَاءٌ قَصَدَ تَمَلُّكَهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ، لِأَنَّ مَالِكَهُ قَصَدَ تَمْلِيكَهُ لِمَنْ حَازَهُ وَقَدْ حَازَهُ مَنْ أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَيَمْلِكَهُ كَمَا لَوْ وَثَبَتْ سَمَكَةٌ مِنْ الْبَحْرِ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ صَيْدٌ دَارِهِ أَوْ خَيْمَتَهُ فَأُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ.
(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذَهُ مِنْهُ) أَيْ أَخْذِ النِّثَارِ مِمَّنْ أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ (فَإِنْ قُسِّمَ) الْأَخْذُ لِلنِّثَارِ مَا أَخَذَهُ أَوْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ (عَلَى الْحَاضِرِينَ لَمْ يُكْرَهْ) لَهُ وَلَا لَهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ أَبَاحَهُ لَهُمْ (وَكَذَلِكَ) فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ (إنْ وَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَخْذِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ) فِيهِ (تَنَاهُبٌ) فَيُبَاحُ لِعَدَمِ مُوجِبِ الْكَرَاهَةِ.
(يُسَنُّ إعْلَانُ) أَيْ إظْهَارُ (النِّكَاحِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهِ بِدُفٍّ لَا حِلَقَ فِيهِ وَلَا صُنُوجَ لِلنِّسَاءِ) لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ وَالصَّوْتِ فِي الْأَمْلَاكِ فَقِيلَ لَهُ مَا الصَّوْتُ قَالَ يَتَكَلَّمُ وَيَتَحَدَّثُ وَيَظْهَرُ.
(وَيُكْرَهُ) الضَّرْبُ بِالدُّفِّ (لِلرِّجَالِ) مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ ضَرْبُ الدُّفِّ مَخْصُوصٌ بِالنِّسَاءِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ وَكَلَامِ الْأَصْحَابِ التَّسْوِيَةُ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَلَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِي الْعُرْسِ) .
لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِ «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ لَمَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ السَّوْدَاءُ مَا سُرَّتْ عَذَارِيكُمْ» لَا عَلَى مَا يَصْنَعُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ (وَضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْخِتَانِ وَقُدُومِ الْغَائِبِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْوِلَادَةِ (كَالْعُرْسِ) لِمَا فِيهِ مِنْ السُّرُورِ.
(وَيَحْرُمُ كُلُّ مَلْهَاةٍ سِوَى الدُّفِّ كَمِزْمَارٍ وَطُنْبُورٍ وَرَبَابٍ وَجِنْكٍ وَنَايِ وَمَعْرِفَةٍ وَجِفَانَةٍ وَعُودٍ وَزَمَّارَةِ الرَّاعِي وَنَحْوِهَا سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَتْ لِحُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ) .
وَفِي الْقَضِيبِ وَجْهَانِ وَفِي الْمُغْنِي لَا يُكْرَهُ إلَّا مَعَ تَصْفِيقٍ أَوْ غِنَاءِ أَوْ رَقْصٍ وَنَحْوِهِ وَكَرِهَ أَحْمَدُ التَّغْبِيرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ونَهَى عَنْ اسْتِمَاعِهِ وَقَالَ بِدْعَةٌ وَمُحْدَثٌ
стр. 2350
وَنَقَلَ أَبُو وَالنَّسَائِيَّ لَا يُعْجِبُنِي وَنَقَلَ يُوسُفُ وَلَا تَسْتَمِعْهُ قِيلَ هُوَ بِدْعَةٌ قَالَ حَسْبُكَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغَبَّرَةُ قَوْمٌ يُغَبِّرُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ يُهَلِّلُونَ وَيُرَدِّدُونَ الصَّوْتَ بِالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُرَغِّبُونَ النَّاسَ فِي الْمُغَابَرَةِ إلَى الْبَاقِيَةِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ مَنَعَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْبِدْعَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ تَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ شِعْرٌ مُلْحَنٌ كَالْحِدَاءِ وَالْحَدْوِ لِلْإِبِلِ وَنَحْوِهِ وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ عَنْ الصُّوفِيَّةِ لَا أَعْلَمُ أَقْوَامًا أَفْضَلُ مِنْهُمْ قِيلَ إنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَ وَيَتَوَاجَدُونَ قَالَ دَعُوهُمْ يَفْرَحُونَ مَعَ اللَّهِ سَاعَةً قِيلَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْشَى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وَلَعَلَّ مُرَادَهُ سَمَاعُ الْقُرْآنِ وَعُذْرهُمْ لِقُوَّةِ الْوَارِدِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(وَهِيَ) أَيْ الْعِشْرَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْأَصْلِ الِاجْتِمَاعُ يُقَالُ لِكُلِّ جَمَاعَةِ عِشْرَةٌ وَمَعْشَرُ الْمُرَادُ هُنَا (مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْأُلْفَةِ والِانْضِمَامِ) أَيْ الِاجْتِمَاعِ (وَيَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (مُعَاشَرَةَ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ الصُّحْبَةِ الْجَمِيلَةِ وَكَفِّ الْأَذَى وَأَنْ لَا يَمْطِلَهُ بِحَقِّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ بَلْ بِبِشْرٍ وَطَلَاقَةٍ وَلَا يَتْبَعَهُ مِنَّةً وَلَا أَذًى) لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَقَوْلِهِ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَ أَبُو زَيْدٍ تَتَّقُونَ اللَّه فِيهِنَّ كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ
стр. 2351
لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (وَحَقُّهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَقَوْلُهُ ﷺ «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ» رَوَاهُ أَبُو وَالنَّسَائِيَّ.
وَقَالَ «إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيُسَنُّ) لِكُلِّ مِنْهُمَا (تَحْسِينُ الْخُلُقِ لِصَاحِبِهِ وَالرِّفْقِ بِهِ وَاحْتِمَالِ آذَاهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] قِيلَ هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَقَالَ ﷺ «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عَلَيْكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ ﷺ «إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ لَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ «خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مُعَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ بِالتَّلَطُّفِ) لِئَلَّا تَقَعَ النُّفْرَةُ بَيْنَهُمَا (مَعَ إقَامَةِ هَيْبَتِهِ) لِئَلَّا تَسْقُطَ حُرْمَتُهُ عِنْدَهَا (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهَا قَدْرَ مَالِهِ وَلَا يُفْشِ إلَيْهَا سِرًّا يَخَافُ إذَاعَتَهُ) لِأَنَّهَا تُفْشِيهِ.
(وَلَا يُكْثِرُ مِنْ الْهِبَةِ لَهَا) فَإِنَّهُ مَتَى عَوَّدَهَا شَيْئًا لَمْ تَصْبِرْ عَنْهُ (وَلِيَكُنْ غَيُورًا مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ لِئَلَّا تُرْمَى بِالشَّرِّ مِنْ أَجْلِهِ) وَيَنْبَغِي إمْسَاكُهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رُبَّمَا رُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
(وَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ) لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ تَسْلِيمَ الْعِوَضِ كَمَا تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الْعِوَض كَالْإِجَارَةِ (مَا لَمْ تَشْتَرِطْ بَيْتَهَا إذَا طَلَبَهَا) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَا يَجِبُ بِدُونِ طَلَبِهِ (وَكَانَتْ حُرَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) كَمَا يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ إذَا طَلَبَتْهُ فَإِنْ شَرَطَتْ دَارَهَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ طَلَبَهَا إلَى بَيْتِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
وَفِي الْمُبْدِعِ فَإِنْ شَرَطَتْهُ لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا فِي دَارِهَا انْتَهَى قُلْتُ
стр. 2352
تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُسَنُّ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فَعَلَيْهِ لَهُ طَلَبُهَا وَلَهَا الْفَسْخُ بِمُخَالَفَتِهِ وَاعْتِبَارُ الْحُرِّيَّةِ لِمَا يَأْتِي فِي الْأَمَةِ وَاعْتُبِرَ إمْكَانُ الِاسْتِمْتَاعِ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ إنَّمَا وَجَبَ ضَرُورَةُ اسْتِيفَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا (وَنَصَّهُ) أَيْ نَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الَّتِي يُمْكِنَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا هِيَ (بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ) قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي الصَّغِيرَةِ يَطْلُبُهَا زَوْجُهَا فَإِنْ أَتَى عَلَيْهَا تِسْعُ سِنِينَ دُفِعَتْ إلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهَا بَعْدَ التِّسْعِ وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنَى بِعَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ " لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي لَيْسَ هَذَا عِنْدِي عَلَى طَرِيقَةِ التَّحْدِيدِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ابْنَةَ تِسْعٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاع بِهَا فَيَلْزَمُ تَسْلِيمُ بِنْتِ التِّسْعِ.
(وَلَوْ كَانَتْ نِضْوَةَ الْخِلْقَةِ) أَيْ مَهْزُولَةَ الْجِسْمِ وَهُوَ جَسِيمٌ (لَكِنْ إنْ خَافَتْ عَلَى نَفْسَهَا الْإِفْضَاءَ مِنْ عِظَمِهِ فَلَهَا مَنْعُهُ مِنْ جِمَاعِهَا) لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ) لِأَنَّ مَنْعَهَا نَفْسَهَا مِنْهُ لِعُذْرٍ (وَلَا يَثْبُتُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (خِيَارُ الْفَسْخِ) بِكَوْنِهَا نِضْوَةَ الْخِلْقَةِ.
(وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا كَمَا يَسْتَمْتِعُ مِنْ الْحَائِضِ) أَيْ بِمَا دُون الْفَرْجِ (وَإِنْ أَنْكَرَ أَنَّ وَطْأَهُ يُؤْذِيهَا لَزِمَتْهَا الْبَيِّنَةُ) لِعُمُومِ حَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (وَيُقْبَلُ قَوْلُ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ فِي ضِيقِ فَرْجِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَعَبَالَةِ ذَكَرِهِ وَنَحْوِهِ) أَيْ كَقُرُوحٍ بِفَرْجِهَا كَسَائِرِ عُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ.
(وَ) يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الثِّقَةِ (أَنْ تَنْظُرَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (وَقْت اجْتِمَاعِهِمَا لِلْحَاجَةِ) أَيْ لِتَشْهَدَ بِمَا تُشَاهِدُ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجُ (تَسْلِيمُهُمَا) أَيْ تَسْلِيمُ زَوْجَتِهِ (إنْ بَذَلَتْهُ) فَتَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ لِتَسْلِيمِهَا أَيْ لَا لِوُجُودِ التَّمْكِينِ حَيْثُ كَانَتْ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا (وَلَا يَلْزَمُ) زَوْجَةً وَلَا وَلِيَّهَا ابْتِدَاءً أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ تَسْلِيمِ الزَّوْجَةِ (مَعَ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ) بِهَا (بِالْكُلِّيَّةِ وَيُرْجَى زَوَالُهُ كَإِحْرَامٍ وَمَرْضٍ وَسَفَرٍ وَحَيْضٍ وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (لَا أَطَأُ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ يُرْجَى زَوَالُهُ وَيَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاع بِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَبَ أَنْ يَتَسَلَّمَهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
(وَمَتَى امْتَنَعَتْ قَبْلَ الْمَرَضِ) مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا (ثُمَّ حَدَثَ) الْمَرَضُ (فَلَا نَفَقَةَ) لَهَا وَلَوْ سَلَّمْت نَفْسَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ تَسَلُّمُهَا إذْن (وَإِنْ
стр. 2353
كَانَ الْمَرَضُ) بِالزَّوْجَةِ (غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ لَزِمَ تَسْلِيمُهَا إذَا طَلَبَهَا) الزَّوْجُ (وَلَزِمَ) الزَّوْجُ (تَسَلُّمَهَا إذَا بَذَلَتْهُ) هِيَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَيَنْتَظِرُ زَوَالَهُ.
(وَإِنْ) طَلَبَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وَ (سَأَلَتْ الْإِنْظَارَ أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهَا فِيهَا كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَاجَتِهَا فَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ كَانَ تَعْسِيرًا فَوَجَبَ إمْهَالُهَا طَلَبًا لِلْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ وَالْمَرْجِعِ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ وَ (لَا) تُمْهَلُ (لِعَمَلِ جَهَازٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسَرَهَا وَفِي الْغُنْيَةِ إنْ اُسْتُمْهِلَتْ هِيَ أَوْ أَهْلُهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتَهُمْ مَا يَعْلَمُ بِهِ مِنْ شِرَاءِ جِهَازِ وَتَزَيُّنٍ.
(وَكَذَا لَوْ سَأَلَ هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ (الْإِنْظَارَ) فَيُنْظَرُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَوَلِيُّ مَنْ بِهِ صِغَرٌ أَوْ جُنُونٌ) مِنْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ (مِثْلُهُ) إذَا طَلَبَ الْمُهْلَةَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيل لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (أَمَةً لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إلَّا لَيْلًا مَعَ الْإِطْلَاقِ نَصًّا وَلِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهَا نَهَارًا) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةُ عَقْدٍ عَلَى إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَمَا لَوْ أَجَرَهَا لِخِدْمَةِ النَّهَارِ (فَلَوْ شَرَطَ) الزَّوْجُ (التَّسْلِيمَ نَهَارًا أَوْ بَذَلَهُ سَيِّدُهَا وَجَبَ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا) لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ التَّسْلِيمِ مَعَ الْبَذْلِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الْأَمَةِ فِي زَمَانِ النَّهَارِ لِحَقِّ السَّيِّد فَإِذَا بَذَلَهُ فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهُ فَعَادَ إلَى الْأَصْلِ فِي الزَّوْجِيَّةِ وَلِأَنَّ عَقْدَ الزَّوْجِيَّةِ اقْتَضَى لُزُومَ نَفَقَتِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَانِعُ بِبَذْلِ السَّيِّد تَسْلِيمَهَا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ قَبُولُهُ.
(وَلِلزَّوْجِ حَتَّى الْعَبْدِ السَّفَرُ بِلَا إذْنِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ مَعَ سَيِّدِهِ وَبِدُونِهِ لِأَنَّهَا لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي تَرْكِ السَّفَرِ بِخِلَافِ سَفَرِهَا بِلَا إذْنِهِ.
(وَ) لِلزَّوْجِ أَيْضًا وَلَوْ عَبْدًا السَّفَرُ (بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ لِأَنَّهُ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ بِنِسَائِهِمْ (إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مَخُوفًا) بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ أَوْ الْبَلَدُ الَّذِي يُرِيدُهُ مَخُوفًا فَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِهَا بِلَا إذْنِهَا لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (أَوْ شَرَطَتْ بَلَدَهَا) فَلَهَا شَرْطُهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفَرُّوجَ» (أَوْ تَكُونَ) الزَّوْجَةُ (أَمَةً فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ السَّفَرُ بِهَا بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ (وَلَا لِسَيِّدِهَا) أَيْ الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ.
(وَلَوْ صَحِبَهُ الزَّوْجُ السَّفَرَ بِهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّهِ عَلَيْهِ (وَلَوْ بَوَّأَهَا أَيْ بَذَلَ لَهَا) أَيْ لِلْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ (السَّيِّدُ مَسْكَنًا لِيَأْتِيَهَا فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الزَّوْجُ إتْيَانهَا فِيهِ لِأَنَّ السُّكْنَى لِلزَّوْجِ لَا لَهَا (وَلِلسَّيِّدِ بَيْعُهَا) أَيْ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ لِأَنَّهُ ﷺ «أَذِنَ لِعَائِشَةَ فِي شِرَاءِ بَرِيرَةَ» وَهِيَ
стр. 2354
ذَاتُ زَوْجٍ وَكَالْمُؤَجَّرَةِ (وَلَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (السَّفَرُ بِعَبْدِهِ الْمُزَوِّجِ وَاسْتِخْدَامُهُ نَهَارًا) وَمَنْعُهُ مِنْ التَّكَسُّب لِتَعَلُّقِ الْمُهْرِ وَالنَّفَقَةِ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ (وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ) لِمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ زَوَّجَهُ أَمَتَهُ (بِعْتُكَهَا فَقَالَ: زَوَّجْتَنِيهَا فَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا بِغَيْرِهِ) مُفَصَّلًا.
(وَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِزَوْجَتِهِ كُلَّ وَقْتٍ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ إذَا كَانَ) الِاسْتِمْتَاعُ (فِي الْقُبُلِ وَلَوْ) كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ فِي الْقُبُلِ (مِنْ جِهَةِ عَجِيزَتِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وَالتَّحْرِيمُ مُخْتَصٌّ بِالدُّبُرِ دُونَ سِوَاهُ (مَا لَمْ يُشْغِلْهَا عَنْ الْفَرَائِضِ أَوْ يَضُرُّهَا) فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا إذَنْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَحَيْثُ لَمْ يَشْغَلْهَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَضُرُّهَا فَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ (وَلَوْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ) كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
(وَلَهُ الِاسْتِمْنَاءُ بِيَدِهَا وَيَأْتِي فِي التَّعْزِيرِ فَإِنْ زَادَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا فِي الْجِمَاعِ صُولِحَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ) قَالَهُ أَبُو حَفْصٍ وَالْقَاضِي.
(قَالَ الْقَاضِي لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَرَجَعَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَإِنْ تَنَازَعَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ كَالنَّفَقَةِ وَكَوَطْئِهِ إذَا زَادَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ مَا لَمْ يُشْغِلْهَا عَنْ الْفَرَائِضِ أَوْ يَضُرُّهَا (وَجَعَلَ) عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِرَجُلٍ (أَرْبَعًا بِاللَّيْلِ وَأَرْبَعًا بِالنَّهَارِ وَصَالَحَ أَنَسٌ رَجُلًا اسْتَعْدَى عَلَى امْرَأَتِهِ عَلَى سِتَّةٍ وَلَا يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي وَلَا يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ وَكَذَا السَّفَرُ وَالتَّفْصِيلُ وَالْخِيَاطَةُ وَالْغَزْلُ وَالصِّفَاتُ كُلُّهَا) لَا تُكْرَهُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي وَلَا يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ حَيْثُ لَا تُؤَدِّي إلَى إخْرَاجِ فَرْضٍ عَنْ وَقْتِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ لَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ (تَطَوُّعٌ بِصَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَهُوَ مُشَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ بِشَطْرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيَحْرُم وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَكَذَا نِفَاسِ.
(وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (وَحُكْمُ) وَطْءِ (الْمُسْتَحَاضَةِ فِي بَابِ الْحَيْضِ) فَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ خَوْفِ عَنَتْ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا (وَيَحْرُمُ) الْوَطْءُ (فِي الدُّبُرِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ
стр. 2355
فِي أَدْبَارِهِنَّ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .
فَرَوَى جَابِرٌ قَالَ " كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلُ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَمِنْ خَلْفِهَا غَيْر أَنْ لَا يَأْتِيَهَا إلَّا فِي الْمَأْتَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَيَّتُهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْفَرْجِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ وَطْئِهَا فِي الدُّبُرِ (عُزِّرَ) إنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهُ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةً.
(وَإِنْ تَطَاوَعَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ فُرِّقَ بَيْنِهِمَا (أَوْ أَكْرَهَهَا) أَيْ أَكْرَهَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ (وَنُهِيَ) عَنْهُ (فَلَمْ يَنْتَهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ الشَّيْخُ كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبَيْنَ مَنْ يَفْجُرُ بِهِ) مِنْ رَقِيقِهِ انْتَهَى.
(وَلَهُ التَّلَذُّذُ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ) فِي الدُّبُرِ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي السِّرِّ الْمَصُونِ: كَرِهَ الْعُلَمَاءُ الْوَطْءَ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَا (وَلَيْسَ لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (اسْتِدْخَالُ ذَكَرِهِ وَهُوَ نَائِمٌ) فِي فَرْجِهَا (بِلَا إذْنِهِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَلَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (لَمْسُهُ وَتَقْبِيلُهُ بِشَهْوَةٍ) وَلَوْ نَائِمًا.
(وَقَالَ الْقَاضِي يَجُوزُ تَقْبِيلُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْجِمَاعِ وَيُكْرَهُ بَعْدَهُ) لِتَعَذُّرِهِ إذَنْ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ النَّظَرُ إلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ يُضْعِفُ الْبَصَرَ وَكَذَا الْجُلُوسُ مُسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَكَذَا النَّظَرُ لِلْقَاذُورَاتِ.
(وَيَحْرُم الْعَزْلُ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ لَهَا فِي الْوَلَدِ حَقًّا وَعَلَيْهَا فِي الْعَزْلِ ضَرَرٌ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهَا وَمَعْنَى الْعَزْلِ أَنْ يَنْزِعَ إذَا قَرُبَ الْإِنْزَالُ فَيُنْزِلُ خَارِجًا عَنْ الْفَرْجِ (وَ) يَحْرُمُ الْعَزْلُ (عَنْ الْأَمَة إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدهَا) لِأَنَّ الْحَقّ فِي الْوَلَد لَهُ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يَعْزِل عَنْ سَرِيَّته بِلَا إذْنهَا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعَا «إنَّا نَأْتِي النِّسَاءَ وَنُحِبُّ إتْيَانَهُنَّ فَمَا تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ فَقَالَ ﷺ اصْنَعُوا مَا
стр. 2356
بَدَا لَكُمْ فَمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ كَائِنٌ وَلَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَيَعْزِلُ وُجُوبًا عَنْ الْكُلِّ) أَيْ عَنْ زَوْجَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ وَعَنْ سُرِّيَّةٍ (بِدَارِ الْحَرْبِ) لِئَلَّا يُسْتَعْبَدَ الْوَلَدُ (بِلَا إذْنٍ) أَيْ لَا يَحْتَاج بِدَارِ الْحَرْبِ إلَى اسْتِئْذَانٍ فِي الْعَزْلِ وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مَا فِيهِ (وَإِذَا عَنَّ لَهُ قَبْلَ الْإِنْزَالِ أَنْ يَنْزِعَ لَا عَلَى قَصْدِ الْإِنْزَالِ خَارِجَ الْفَرْجِ لَمْ يَحْرُمْ فِي الْكُلِّ) مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْوَطْءِ كَمَا لَوْ تَرَكَ ابْتِدَاءً.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (إجْبَارُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَلَوْ) كَانَتْ (ذِمِّيَّةً وَمَمْلُوكَةً عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقُّ لَهُ فَمَلِكَ إجْبَارَهَا عَلَى إزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ.
(وَ) لَهُ إجْبَارُ الزَّوْجَةِ (الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ عَلَى غُسْلِ جَنَابَةِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا وَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا بِالْغُسْلِ وَ (لَا) يُجْبِرُ الزَّوْجَةَ (الذِّمِّيَّةَ) عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ (كَالْمُسْلِمَةِ الَّتِي دُونَ بُلُوغٍ) لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ لِإِبَاحَتِهِ بِدُونِهِ وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ لَهُ إجْبَارُ الذِّمِّيَّةِ الْمُكَلَّفَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُنْتَهَى (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (إجْبَارُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (عَلَى غَسْلٍ نَجَاسَةٍ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا (وَ) لَهُ أَيْضًا إجْبَارُهَا عَلَى (اجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا.
(وَ) لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى (أَخْذِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ تَعَافُهُ النَّفْسُ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ (فَإِنْ احْتَاجَتْ) فِي فِعْلِ مَا ذَكَرَ (إلَى شِرَاءِ الْمَاءِ فَثَمَنُهُ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ لِحَقِّهِ (وَتُمْنَعُ) الزَّوْجَةُ (مِنْ أَكْلِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَبَصَلٍ أَوْ ثُومٍ وَكَرَّاتٍ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ قُلْتُ وَكَذَا تَنَاوُلُ النَّتِنِ إذَا تَأَذَّى بِهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ.
(وَتُمْنَعُ) أَيْضًا (مِنْ تَنَاوُلِ مَا يُمْرِضُهَا) لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا زَمَنَ الْمَرَضِ (وَلَا تَجِبُ النِّيَّةُ) فِي غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ لِلْعُذْرِ (وَلَا) تَجِبُ أَيْضًا (التَّسْمِيَةُ فِي غُسْل ذِمِّيَّةٍ) كَالنِّيَّةِ هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ اعْتِبَارًا لِلتَّسْمِيَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَاكَ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا تَتَعَبَّدُ) الذِّمِّيَّةُ (بِهِ) أَيْ بِغُسْلِهَا لِلْحَيْضِ أَوْ النِّفَاس (لَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ) فَلَا تُصَلِّي بِهِ وَلَا تَطُوفُ وَلَا تَقْرَأُ قُرْآنًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ قَالَ الْقَاضِي إنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ فَيَجِبُ عَوْدُهُ إذَا أَسْلَمَتْ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَلِّيَ بِهِ انْتَهَى وَأَيْضًا فَالْغُسْلُ يَجِبُ بِالْإِسْلَامِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ وَتَقَدَّمَ (وَتُمْنَعُ) أَيْ لِلزَّوْجِ مَنْعُ الزَّوْجَةِ (الذِّمِّيَّةُ مِنْ دُخُولِ كَنِيسَةِ وَبَيْعَةِ) فَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ.
(وَ) لَهُ مَنْعُهَا مِنْ (تَنَاوُلِ مُحَرَّمٍ وَ) مِنْ (شُرْبٍ مَا يُسْكِرُهَا) لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا وَ (لَا) تُمْنَعُ مِمَّا (دُونَهُ) أَيْ دُون مَا يُسْكِرُهَا (نَصًّا)
стр. 2357
لِاعْتِقَادِهَا حِلُّهُ فِي دِينِهَا (وَكَذَا مُسْلِمَةٌ تَعْتَقِدُ إبَاحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ) فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ (وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ أَفْوَاهِهِمَا وَمَنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الْقُبْلَةِ (وَلَا تُكْرَهُ الذِّمِّيَّةُ عَلَى الْوَطْءِ فِي صَوْمِهَا نَصًّا وَلَا) عَلَى (إفْسَادِ صَلَاتِهَا) بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا.
(وَ) لَا عَلَى إفْسَادِ (سَبْتِهَا وَلَا يَشْتَرِي لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ الذِّمِّيَّةِ زُنَّارًا (وَلَا) يَشْتَرِي (لِأَمَتِهِ الذِّمِّيَّةِ زُنَّارًا) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى إظْهَارِ شِعَارِهِمْ (بَلْ تَخْرُجُ هِيَ تَشْتَرِي لِنَفْسِهَا نَصًّا) .
[فَصْل عَلَى الزَّوْج أَنْ يَبِيت فِي الْمَضْجَعِ لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ]
فَصْل وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيت فِي الْمَضْجَعِ لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ (عِنْدَ الْحُرَّةِ) ، لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنِ سَوَّارٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلُ مِنْ زَوْجِي وَاَللَّهِ أَنَّهُ لِيَبِيتَ لَيْلَهُ قَائِمًا وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا فَاسْتَغْفَرَ لَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا وَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ وَقَامَتْ رَاجِعَةً فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَّا أَعْدَيْتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: إنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ: إذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ فِي الْعِبَادَةِ مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا فَبَعَثَ عُمَرُ إلَى زَوْجِهَا وَقَالَ لِكَعْبِ اقْضِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّكَ فَهِمْتَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْهُ قَالَ فَإِنِّي أَرَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ نِسْوَةٍ وَهِيَ رَابِعَتُهُنَّ فَاقْضِ لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّام وَلَيَالِيهنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَقَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ مَا رَأْيُكَ الْأَوَّلُ بِأَعْجَب إلَيَّ مِنْ الْآخَرِ اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى الْبَصْرَةِ وَفِي لَفْظٍ قَالَ نِعْمَ الْقَاضِي أَنْتَ رَوَاهُ سَعِيدُ.
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اُشْتُهِرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ يُؤَيِّدهُ قَوْلُهُ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «إنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهَا عَلَيْهِ حَقٌّ لَمَلِكَ الزَّوْجُ تَخْصِيصُ إحْدَى زَوْجَاتِهِ بِهِ كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ.
(وَ) عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةً (مِنْ كُلِّ سَبْعِ عِنْدَ) الزَّوْجَةِ (الْأَمَةِ) لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ لَهُنَّ سِتٌّ وَلَهَا السَّابِعَةُ وَمَحَلُّ وُجُوبِ مَا ذُكِرَ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ (إنْ طَلَبْنَا ذَلِكَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَلَا يَجِبُ بِدُونِ الطَّلَبِ.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الِانْفِرَادُ فِي الْبَقِيَّةِ بِنَفْسِهِ أَوْ مَعَ سَرِيَّتِهِ) ، فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةً وَأَمَةً قَسَّمَ لَهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ ثَمَانٍ وَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي خَمْسٍ، وَإِنْ كَانَ
стр. 2358
تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَةٌ فَلَهُنَّ خَمْسٌ، وَلَهُ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ فَلَهُنَّ سِتٌّ وَلَهُ لَيْلَتَانِ قَالَ فِي الْمُبْدِع وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَلَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سِتّ.
(قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَبِيتُ وَحْدَهُ) قَالَ فِي الْمُبْدِع قَالَ أَحْمَدُ مَا أُحِبّ أَنْ يَبِيتَ وَحْدَهُ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ وَقَالَهُ فِي سَفَرِهِ وَحْدَهُ، وَعَنْهُ لَا يُعْجِبُنِي وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ لَعَنَ رَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ وَالْبَائِتَ وَحْدَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ طَيِّبُ بْنُ مُحَمَّدٍ قِيلَ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ وَلَهُ مَنَاكِيرُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَات.
(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (أَنْ يَطَأَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ (فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُرَّةً) إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَصِرْ بِالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِهِ وَاجِبًا كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ، وَدَفْعٍ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُفْضٍ إلَى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَة مِنْ الْمَرْأَةِ كَإِفْضَائِهِ إلَى دَفْعِهِ عَنْ الرَّجُلِ، فَيَكُونُ الْوَطْءُ حَقًّا لَهُمْ جَمِيعًا وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَقّ لَمَا وَجَبَ اسْتِئْذَانُهَا فِي الْعَزْلِ كَالْأَمَةِ، وَاشْتُرِطَ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ ثُلُثَ سَنَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى ذَلِكَ فَكَذَا فِي حَقّ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عُذْرٌ فَإِنْ كَانَ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ عُذْرِهِ (فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ أَيْ الْوَطْءَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ) أَبَى (الْبَيْتُوتَةَ فِي الْيَوْمِ) أَيْ الزَّمَنِ (الْمُقَرَّرِ) وَهُوَ لَيْلَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ لِلْحُرَّةِ، وَلَيْلَةٌ مِنْ سَبْعٍ لِلْأَمَةِ (حَتَّى مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بِلَا عُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِطَلَبِهِمَا) كَالْمَوْلَى وَكَمَا لَوْ مَنَعَ النَّفَقَةَ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهَا مِنْ قَبْلِهِ (وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ نَصَّ عَلَيْهِ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ (فِي رَجُلٍ) تَزَوُّج امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا (يَقُولُ غَدًا أَدْخُلُ بِهَا غَدًا أَدْخُلُ بِهَا إلَى شَهْرٍ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الدُّخُولِ قَالَ: اذْهَبْ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إنْ دَخَلَ بِهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) ، فَجَعَلَهُ أَحْمَدُ كَالْمَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ لَمْ يَرْوِ مَسْأَلَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ غَيْرُهُ وَفِيهَا نَظَرٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ ضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةُ لِذَلِكَ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ وَلَا خِلَاف فِي اعْتِبَارِهِ، (وَكَذَا لَوْ ظَاهَرَ وَلَمْ يُكَفِّرْ) فَلَهَا الْفَسْخ بَعْد الْأَرْبَعَة أَشْهُرٍ فَإِنْ لَمْ يَطَأْ لِعُذْرٍ فَلَا فَسْخَ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إذَنْ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ إنْ تَعَذَّرَ الْوَطْءُ) لِعَجْزِ الزَّوْجِ (فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ) إذَا تَعَذَّرَتْ فَتُفْسَخُ.
(وَ) الْفَسْخُ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ (أَوْلَى) مِنْ الْفَسْخِ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ (لِلْفَسْخِ بِتَعَذُّرِهِ) أَيْ الْوَطْءِ (إجْمَاعًا فِي الْإِيلَاءِ) وَقَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِع وَالْفَرْقُ أَنَّهَا لَا تَبْقَى بِدُونِ النَّفَقَةِ بِخِلَافِ الْوَطْءِ.
(وَلَوْ سَافَرَ) الزَّوْج (عَنْهَا لِعُذْرٍ وَحَاجَةٍ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ) لِلْعُذْرِ (بِدَلِيلِ أَنَّهُ
стр. 2359
لَا يُفْسَخ نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَتَهَا) ، أَوْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ أَوْ مَنْ يَفْرِضُهَا عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمُسَافِرِ (عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ وَغَابَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قُدُومَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) لِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ تَقُولُ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَطَالَ عَلَيَّ أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبهُ
فَوَاَللَّهِ لَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ وَالْحَيَا ... لَحُرّك مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ: لَهُ فُلَانَة زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا امْرَأَةً تَكُونُ مَعَهَا وَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا فَأَقْفَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ: بُنَيَّةُ كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مِثْلُك يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُكِ فَقَالَتْ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَوَقَّتَّ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَسِيرُونَ شَهْرًا وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَيَرْجِعُونَ فِي شَهْرٍ وَمَحَلُّ لُزُومِ قُدُومِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ) فِي سَفَرِهِ كَطَلَبِ عِلْمٍ (أَوْ كَانَ فِي غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ وَاجِبَيْنِ أَوْ) فِي (طَلَبِ رِزْقٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ نَصًّا) فَلَا يَلْزَمُهُ الْقُدُومُ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْعُذْر يُعْذَرُ مِنْ أَجْلِ عُذْرِهِ (فَيَكْتُبُ إلَيْهِ الْحَاكِم) لِيُقْدِمَ.
(فَإِنْ أَبَى أَنْ يُقْدِمَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَعْدَ مُرَاسَلَةِ الْحَاكِمِ إلَيْهِ فَسَخَ) الْحَاكِمُ (نِكَاحَهُ نَصًّا) لِأَنَّهُ تَرَكَ حَقًّا عَلَيْهِ يَتَضَرَّرُ بِهِ أَشْبَهَ الْمَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُرَاسَلَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُقْنِعِ وَلَا الْفُرُوعِ وَلَا الْإِنْصَافِ وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُنْتَهَى وَحَكَاهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ قَالَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ بِقِيلَ.
(وَإِنْ غَابَ) زَوْجٌ (غَيْبَةً ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ) كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ عِنْدَ مَنْ لَيْسَتْ عَادَتُهُ الْقَتْلُ (وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) أَيْ حَيَاتُهُ وَلَا مَوْتُهُ (وَتَضَرَّرَتْ زَوْجَتُهُ بِتَرْكِ النِّكَاحِ) مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا (لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهَا) لِتَضَرُّرِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْر.
(يُسَنُّ) لِمَنْ أَرَادَ وَطْئًا (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْوَطْءِ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قَالَ عَطَاءٌ هُوَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيّ قَالَ «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا
стр. 2360
وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَتَقُولُهُ الْمَرْأَةُ أَيْضًا) وَرَوَى ابْنُ شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا قَالَ «إذَا أَنْزَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ فِيمَا رَزَقْتَنِي نَصِيبًا» قَالَ فِي الْإِنْصَافِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ عِنْد إنْزَالِهِ وَلَمْ أَرَهُ لِلْأَصْحَابِ وَهُوَ حَسَنٌ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُلَاعِبَهَا قَبْلَ الْجِمَاعِ لِتَنْهَضَ شَهْوَتُهَا) فَتَنَالَ مِنْ لَذَّةِ الْجِمَاعِ مِثْلَ مَا يَنَالُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تُوَاقِعْهَا إلَّا وَقَدْ أَتَاهَا مِنْ الشَّهْوَةِ مِثْلُ مَا أَتَاكَ لِكَيْ لَا تَسْبِقَهَا بِالْفَرَاغِ» .
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَ) أَنْ يُغَطِّيَهَا (عِنْدَ الْخَلَاءِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ» .
(وَأَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) عِنْدَ الْجِمَاعِ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ وَعَطَاءَ كَرِهَا ذَلِكَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَّخِذَ خِرْقَةً تُنَاوِلُهَا لِلزَّوْجِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جِمَاعِهَا) لِيَمْسَحَ بِهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ، عَنْ عَائِشَةَ.
(قَالَ أَبُو حَفْصٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَظْهَرَ الْخِرْقَةَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلٍ دَارِهَا.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ: يُكْرَهُ أَنْ يَمْسَح ذَكَرَهُ بِالْخِرْقَةِ الَّتِي تَمْسَحُ بِهَا فَرْجَهَا.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَاب أَحْكَامِ النِّسَاءِ: لَا يُكْرَهُ نَخْرُهَا لِلْجِمَاعِ وَلَا نَخْرُهُ وَقَالَ) الْإِمَامُ (مَالِكُ) بْنُ أَنَسٍ (لَا بَأْسَ بِالنَّخْرِ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَأَرَادَ سَفَهًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ يُعَابُ عَلَى فَاعِلِهِ وَتُكْرَه كَثْرَةُ الْكَلَامِ حَالَ الْوَطْءِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَأَةُ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَلِأَنَّهُ يُكْرَه الْكَلَامُ حَالَ الْبَوْلِ وَحَالُ الْجِمَاعِ فِي مَعْنَاهُ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْوَاطِئِ (أَنْ لَا يَنْزِعَ إذَا فَرَغَ) أَيْ أَنْزَلَ (قَبْلَهَا حَتَّى تَفْرَغَ فَلَوْ خَالَفَ) وَنَزَعَ قَبْلَهَا (كُرِهَ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا «إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَلِيَقْصِدْهَا، ثُمَّ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلَا يُعَجِّلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهَا وَمَنْعًا لَهَا مِنْ قَضَاء شَهْوَتهَا.
(وَيُكْرَهُ) الْوَطْءُ (وَهُمَا مُتَجَرِّدَانِ) لِمَا رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلَا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ حِمَارِ الْوَحْشِ شَبَهَهُمَا بِهِ تَنْفِيرًا عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ.
(وَ) يُكْرَه (تَحَدُّثُهُمَا بِهِ) أَيْ بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا (وَلَوْ لِضَرَّتِهَا، وَحَرَّمَهُ فِي الْغُنْيَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ السِّرّ وَإِفْشَاءُ
стр. 2361
السِّرِّ حَرَامٌ) وَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ «جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَأَقْبَلَ عَلَى الرِّجَالِ فَقَالَ: لَعَلَّ أَحَدَكُمْ يُحَدِّثُ بِمَا يَصْنَعُ بِأَهْلِهِ إذَا خَلَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ لَعَلَّ إحْدَاكُنَّ تُحَدِّثُ النِّسَاءَ بِمَا يَصْنَعُ بِهَا زَوْجُهَا قَالَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ وَإِنَّا لَنَفْعَلُ، فَقَالَ لَا تَفْعَلُوا إنَّمَا مَثَلُ ذَلِكُمْ كَمَثَلِ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً فَجَامَعَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ» وَرَوَى أَبُو وَالنَّسَائِيَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ.
(وَيُكْرَهُ وَطْؤُهُ) لِزَوْجَتِهِ أَوْ سَرِيَّتِهِ (بِحَيْثُ يَرَاهُ غَيْرُ طِفْلٍ لَا يَعْقِل أَوْ) بِحَيْثُ (يَسْمَعُ حِسَّهُمَا) غَيْرُ طِفْلٍ لَا يَعْقِلُ (وَلَوْ رَضِيَا) أَيْ الزَّوْجَانِ قَالَ أَحْمَدُ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْوَجْسَ وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، يُقَال تَوَجَّسَ إذَا تَسَمَّعَ الصَّوْتَ الْخَفِيَّ (إنْ كَانَا مَسْتُورَيْ الْعَوْرَةِ وَإِلَّا) يَكُونَا مَسْتُورَيْ الْعَوْرَة (حَرُمَ مَعَ رُؤْيَتِهَا) أَيْ الْعَوْرَةِ لِحَدِيثِ «احْفَظْ عَوْرَتَكَ» وَتَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَبِّلَهَا) أَيْ زَوْجَتَهُ أَوْ سَرِيَّتَهُ (أَوْ يُبَاشِرَهَا عِنْد النَّاسِ) لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ (وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ) وَطْءِ (نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ بِدَلِيلِ إتْمَامِ الْجِمَاعِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَ فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعُودِ (وَالْغُسْلِ) لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ (أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «طَافَ عَلَى نِسَائِهِ جَمِيعًا فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُسْلًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَعَلْتَهُ غُسْلًا وَاحِدًا قَالَ هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ.
(وَلَيْسَ) وَاجِبًا (عَلَيْهَا خِدْمَةُ زَوْجِهَا فِي عَجْنٍ وَخَبْزٍ وَنَحْوِهِ) كَكَنْسِ الدَّارِ وَمَلْءِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَطَحْنٍ (نَصًّا) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ فَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ مِنْ مَنَافِعهَا (لَكِنْ الْأَوْلَى لَهَا فِعْلُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِقِيَامِهَا؛ بِهِ) لِأَنَّهُ الْعَادَةُ وَلَا يَصِلُ الْحَالُ إلَّا بِهِ وَلَا تَنْتَظِمُ الْمَعِيشَةُ بِدُونِهِ (وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ الْمَعْرُوفُ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ) وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ.
وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ شَيْبَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَاجَانِيُّ وَاحْتَجَّا بِقَضِيَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ
стр. 2362
الْبَيْتِ، وَعَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْبَيْتِ مِنْ عَمَلٍ» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ.
(وَأَمَّا خِدْمَةُ نَفْسِهَا فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْعَجْنِ وَالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِ (ف) هِيَ (عَلَيْهَا) بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُلْزَمُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَهَا لَا يَخْدِمُ نَفْسَهَا) فَعَلَيْهِ خَادِمٌ لَهَا (وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ وَلَا يَصِحُّ إجَارَتُهَا) .
أَيْ الزَّوْجَةِ (لِرَضَاعٍ وَخِدْمَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُفَوِّتُ بِهِ حَقَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ بِعَقْدٍ سَابِقٍ فَلَمْ يَصِحَّ كَإِجَارَةِ الْمُؤَجَّرِ، فَأَمَّا مَعَ إذْنِ الزَّوْجِ فَإِنَّ الْإِجَارَةِ تَصِحَّ وَيَلْزَم الْعَقْدُ لِأَنَّ الْحَقُّ لَهُمَا لَا يَخْرُج عَنْهُمَا (وَلَوْ) أَجَرَتْ نَفْسَهَا (لِعَمَلٍ فِي ذِمَّتِهَا) صَحَّ الْعَقْدُ لِأَنَّ ذِمَّتَهَا قَابِلَةٌ لِذَلِكَ (فَإِنْ عَمِلَتْ) أَيْ الْعَمَلَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَتْ لَهُ (بِنَفْسِهَا) عَمَلُهُ (مِنْ إقَامَتِهِ مُقَامِهَا اسْتَحَقَّتْ الْأُجْرَةَ) لِأَنَّهَا وَفَّتْ بِالْعَمَلِ (فَإِنْ أَجَرَتْ) نَفْسَهَا أَوْ أَجَرَهَا وَلِيُّهَا لِصِغَرِهَا مَثَلًا (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ صَحَّ الْعَقْدُ) أَيْ عَقَدُ الْإِجَارَةِ.
(وَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَلَا يَمْنَعُهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ) لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ (أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً أَوْ دَارًا مُسْتَعَارَةً) بِمَا يَطُولُ نَقْلُهُ مِنْهَا.
(فَإِذَا نَامَ الصَّبِيُّ) الَّذِي اُسْتُؤْجِرَتْ لِرَضَاعِهِ (أَوْ اشْتَغَلَ فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) لِزَوَالِ الْمُعَارِض لِحَقِّهِ (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ) مَنْعَهُ (أَيْ الزَّوْجُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا) (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّرَةِ لِرَضَاعٍ.
(وَلَوْ أَضَرَّ اللَّبَنَ) ، لِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ التَّزْوِيجِ فَلَا يَسْقُطُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ وَلَا يَمْلِك فَسْخَ النِّكَاحِ مَعَ جَهْلِهِ بِكَوْنِهَا مُؤَجَّرَةً (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَ) لَهُ مَنْعُهَا أَيْضًا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا لِأَنَّ اشْتِغَالَهَا بِذَلِكَ يُفَوِّت عَلَيْهِ إكْمَالُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا.
وَ (لَا) يَمْنَعُهَا مِنْ رَضَاع (وَلَدِهَا مِنْهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا فَلَا يَمْنَعُهَا كَسَائِرِ حُقُوقِهَا وَمَحَلُّ مَنْعِهِ لَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَمِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا (إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ) الرَّضِيعُ (إلَيْهَا وَيُخْشَى عَلَيْهِ) كَأَنْ لَا تُوجَدُ مُرْضِعَةً سِوَاهَا أَوْ لَا يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِهَا أَوْ تَكُونَ قَدْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ (نَصًّا وَيَأْتِي فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ) مُوَضَّحًا.
(وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ) فَأَكْثَرَ (فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ أَيْ بَيْتٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا لِأَنَّ) عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ضَرَرًا لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ الْغَيْرَة وَاجْتِمَاعِهِنَّ يُثِيرُ الْخُصُومَةَ، لِأَنَّ (كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَسْمَعُ حِسَّهُ إذَا أَتَى الْأُخْرَى أَوْ تَرَى ذَلِكَ فَإِنْ رَضِيَتَا ذَلِكَ أَوْ) رَضِيَتَا (بِنَوْمِهِ بَيْنَهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا فَلَهُمَا الْمُسَامَحَةُ بِتَرْكِهِ.
(وَإِنْ أَسْكَنَهُمَا فِي دَارٍ
стр. 2363
وَاحِدَةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي بَيْتٍ) مِنْهَا (جَازَ إذَا كَانَ) بَيْتُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مَسْكَنَ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِي ذَلِكَ (وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالسَّرِيَّةِ) فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ (إلَّا بِرِضَا الزَّوْجَة) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ نَوْمُهُ) أَيْ الرَّجُلِ (مَعَ امْرَأَتِهِ بِلَا جِمَاعٍ بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ لَهَا) «كَنَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ فِي طُولِ الْوِسَادَةِ» وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا بَاتَ عِنْدَهُ فِي عَرْضِهَا.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (مَنْعُهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا أَوْ عِيَادَتِهِمَا أَوْ حُضُورِ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) قَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ طَاعَةُ زَوْجِهَا: أَوْجَبُ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهَا (وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (الْخُرُوجُ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ الزَّوْجِ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْج وَاجِبٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ (فَإِنْ فَعَلَتْ) الزَّوْجَةُ أَيْ خَرَجَتْ بِلَا إذْنِهِ (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا إذَنْ) أَيْ مَا دَامَتْ خَارِجَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ (هَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ تَحْرِيمِ الْخُرُوجِ بِلَا إذْنِهِ وَسُقُوطِ نَفَقَتِهَا بِهِ (إذَا قَامَ) الزَّوْجُ (بِحَوَائِجِهَا) الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِحَوَائِجِهَا (فَلَا بُدَّ لَهَا) مِنْ الْخُرُوجِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا تَسْقُط نَفَقَتُهَا بِهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ حَبَسَتْهُ امْرَأَةٌ بِحَقِّهَا: إنْ خَافَ خُرُوجَهَا بِلَا إذْنِهِ أَسْكَنَهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا الْخُرُوجَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْفَظُهَا غَيْرُ نَفْسِهِ حُبِسَتْ مَعَهُ) لِيَحْفَظَهَا (يَعْنِي إذَا كَانَ الْحَبْسُ مَسْكَنَ مِثْلِهَا) وَلَمْ يُفْضِ إلَى اخْتِلَاطِهَا بِالرِّجَالِ (كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا) بِالْحَبْسِ (أَوْ خِيفَ حُدُوثُ شَرٍّ) بِسَبَبِ حَبْسِهَا مَعَهُ (أُسْكِنَتْ فِي رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ) دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ (وَمَتَى كَانَ خُرُوجُهَا مَظِنَّةَ الْفَاحِشَةِ صَارَ حَقًّا لِلَّهِ يَجِبْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ رِعَايَتُهُ فَإِنْ مَرَض بَعْضُ مَحَارِمِهَا) كَأَبَوَيْهَا وَإِخْوَتِهَا (أَوْ مَاتَ) بَعْضُ مَحَارِمهَا (لَا غَيْرَهُ) أَيْ الْمَحْرَمِ (مِنْ أَقَارِبهَا) كَأَوْلَادِ عَمِّهَا وَعَمَّتِهَا وَأَوْلَادِ خَالِهَا وَخَالَتِهَا.
(اُسْتُحِبَّ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى تَمْرِيضِهِ أَوْ عِيَادَتِهَا أَوْ شُهُودِ جِنَازَتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِم وَفِي مَنْعِهَا مِنْ ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ وَرُبَّمَا حَمَلَهَا عَدَمُ إذْنِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوج (لِزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا) مَعَ عَدَم الْمَرَضِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلِئَلَّا تَعْتَادُهُ (وَلَا يَمْلِكُ) الزَّوْجُ (مَنْعَهَا مِنْ كَلَامِهِمَا، وَلَا) يَمْلِكُ (مَنْعَهَا مِنْ زِيَارَتِهِمَا) ، لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (إلَّا مَعَ ظَنِّ حُصُولِ ضَرَرٍ يُعْرَفُ بِقَرَائِنِ الْحَالِ) بِسَبَبِ زِيَارَتِهِمَا
стр. 2364
فَلَهُ مَنْعُهَا إذَنْ مِنْ زِيَارَتِهِمَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
(وَلَا يَلْزَمُهَا طَاعَةُ أَبَوَيْهَا فِي فِرَاقِهِ وَلَا) فِي (زِيَارَةٍ وَنَحْوِهَا بَلْ طَاعَةُ زَوْجِهَا أَحَقُّ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهَا وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ فِي أَحْكَامِ النِّسَاءِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ وَمَنَعَ زَوْجَتَهُ الْخُرُوجَ، فَمَرِضَ أَبُوهَا فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حُضُورِ جِنَازَتِهِ فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَكَ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا» .
[فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ فَأَكْثَرَ]
َ (وَهُوَ تَوْزِيعُ الزَّمَانِ عَلَى زَوْجَاتِهِ) إنْ كُنَّ ثِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ (وَيَلْزَمُ غَيْرُ طِفْلٍ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي الْقَسْمِ إذَا كُنَّ حَرَائِرَ كُلُّهُنَّ أَوْ) كُنَّ (إمَاءً كُلّهنَّ) لِأَنَّهُ إذَا قَسَّمَ لِوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَيْلٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَلَيْسَ مَعَ الْمَيْل مَعْرُوفٌ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩] ، لِأَنَّ الْعَدْلَ أَنْ لَا يَقَعَ مَيْلٌ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ وَلَوْ حَرَصْتُمْ عَلَى تَحَرِّي ذَلِكَ، وَبَالَغْتُمْ فِيهِ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ ذَاتَ بَعْلٍ وَلَا مُطَلَّقَةٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَال إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» وَعَنْ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَسِّمُ بَيْنِنَا فَيَعْدِلُ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَيَكُونُ (لَيْلَةً) وَ (لَيْلَةً) لِأَنَّهُ إنْ قَسَّمَ لَيْلَتَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِحَقِّ مَنْ لَهَا اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ لِلَّتِي قَبْلَهَا (إلَّا أَنْ يَرْضَيْنَ بِالزِّيَادَةِ) عَلَى لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُنَّ (وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ) لِأَنَّهُ يَأْوِي فِيهِ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْزِلِهِ وَيَسْكُنْ إلَى أَهْلهِ، وَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً وَالنَّهَارُ لِلْمَعَاشِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]
стр. 2365
(وَيَخْرُج فِي نَهَارِهِ فِي مَعَاشِهِ وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ وَلِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ وَلَوْ قَبْلَ طُلُوعِهِ كَصَلَاةِ النَّهَارِ) قُلْتُ لَكِنْ لَا يُعْتَادُ الْخُرُوجُ قَبْلَ الْأَوْقَاتِ إذَا كَانَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ دُونَ الْأُخْرَى، لِأَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ بَيْنَهُمَا.
أَمَّا لَوْ اتَّفَقَ ذَلِكَ بَعْضَ الْأَحْيَانِ أَوْ لِعَارِضِ فَلَا بَأْسَ (وَحُكْمُ السَّبْعَةِ) لِلْبِكْرِ وَالثَّلَاثِ لِلثَّيِّبِ (الَّتِي يُقِيمُهَا عِنْدَ الْمَزْفُوفَةِ) إلَيْهِ (حُكْمُ سَائِرِ الْقَسْمِ) فِي أَنَّ عِمَادَهَا اللَّيْلُ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ بِالنَّهَارِ، وَلِلصَّلَوَاتِ وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (الْمَقَامُ عِنْدَهَا) أَيْ عِنْدَ ذَاتِ اللَّيْلَةِ (لَيْلًا لِشُغْلٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ) أَيْ الْمَقَامَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا (لِغَيْرِ عُذْرٍ قَضَاهُ لَهَا) كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (وَيَدْخُلُ النَّهَارُ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ) لِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ لِلَيْلِ وَلِهَذَا يَكُونُ أَوَّل الشَّهْرِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي وَإِنَّمَا قُبِضَ ﷺ نَهَارًا» .
(وَإِنَّ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ النَّهَارَ مُضَافًا إلَى اللَّيْلِ الَّذِي يَتَعَقَّبَهُ جَازَ) لَهُ ذَلِكَ (لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَفَاوَتُ) وَالْغَرَضُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُنَّ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ (إلَّا لِمَنْ مَعِيشَتَهُ بِاللَّيْلِ كَالْحَارِسِ فَإِنَّهُ يُقَسِّمُ بِالنَّهَارِ لِأَنَّهُ مَحِلُّ سَكَنِهِ، وَيَكُونُ اللَّيْلُ تَبَعًا لِلنَّهَارِ) فِي حَقِّهِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الزَّوْج إذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الْقَسْمِ (الْبَدَاءَةَ بِإِحْدَاهُنَّ) إلَّا بِقُرْعَةٍ أَوْ رِضَاهُنَّ، لِأَنَّ الْبَدَاءَةَ بِهَا تَفْضِيلٌ لَهَا، وَالتَّسْوِيَةُ وَاجِبَةٌ، وَلِأَنَّهُنَّ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْحَقِّ وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْقُرْعَةِ إنْ لَمْ يَرْضَيْنَ (ولَا) أَيْ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ (السَّفَرُ بِهَا) أَيْ بِإِحْدَاهُنَّ (أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ (إلَّا بِقُرْعَةٍ أَوْ رِضَاهُنَّ وَرِضَاهُ) لِمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْن نِسَائِهِ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ) رَضِينَ وَرَضِيَ بِالْبَدَاءَةِ بِوَاحِدَةٍ، أَوْ السَّفَرِ بِهَا جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ.
وَإِنْ (رَضِينَ) بِالْبَدَاءِ بِإِحْدَاهُنَّ أَوْ السَّفَرِ بِهَا (وَلَمْ يَرْضَ) الزَّوْجُ بِهَا (وَأَرَادَ خُرُوجَ غَيْرِهَا) لِلْبَدَاءَةِ أَوْ السَّفَرِ (أَقْرَعَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا بَاتَ) الزَّوْجُ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ (بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) بِرِضًا أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ الْمَبِيتُ) فِي اللَّيْلَةِ الْآتِيَةِ (عِنْدَ الثَّانِيَةِ) مِنْ الزَّوْجَاتِ إنْ كُنَّ (ثِنْتَيْنِ) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ أَوْ تَدَارَكَ الظُّلْمِ وَلَمْ يَحْتَجْ لِإِعَادَةِ الْقُرْعَةِ (فَإِنْ كُنَّ) أَيْ الزَّوْجَاتُ (ثَلَاثًا) وَبَدَأَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ) بَيْن الْبَاقِيَتَيْنِ لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَتَرَاضَوْا، (فَإِنْ كُنَّ) أَيْ الزَّوْجَاتُ (أَرْبَعًا) وَبَدَأَ بِإِحْدَاهُنَّ، ثُمَّ بِأُخْرَى مِنْهُنَّ (أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ
стр. 2366
الثَّالِثَةِ) بَيْنَ الْبَاقِيَتَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَصِيرُ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ إلَى) الزَّوْجَةِ (الرَّابِعَةِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ) لِأَنَّهَا حَقُّهَا.
(وَلَوْ أَقْرَعَ) مَنْ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ (فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى) بَيْنَهُنَّ (فَجَعَلَ سَهْمًا لِلْأُولَى وَسَهْمًا لِلثَّانِيَةِ وَسَهْمًا لِلثَّالِثَةِ وَسَهْمًا لِلرَّابِعَةِ ثُمَّ أَخْرَجَ) السِّهَامَ (عَلَيْهِنَّ مَرَّةً وَاحِدَةً جَازَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُوَفٍّ بِالْمَقْصُودِ (وَكَانَ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مَا يَخْرُجُ لَهَا) مِنْ اللَّيَالِي عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ (وَيُقَسِّمُ) مَنْ تَحْتَهُ مُبَعَّضَةٌ وَغَيْرِهَا (لِمُعْتَقِ بَعْضِهَا بِالْحِسَابِ) بِأَنْ يَجْعَلَ لِحُرِّيَّتِهَا بِحِسَابِ مَا لِلْحُرَّةِ وَلِرِقِّهَا بِحِسَابِ مَا لِلْأَمَةِ فَإِنْ كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا فَلَهَا ثَلَاثُ لَيَالٍ وَلِلْحُرَّةِ أَرْبَع، لِأَنَّا نَجْعَلُ لِجُزْئِهَا الرَّقِيقَ لَيْلَةً فَيَكُونُ لِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ ضِعْفُ ذَلِكَ وَيَجْعَلُ لِجُزْئِهَا الْحُرِّ لَيْلَتَيْنِ فَيَكُونُ لِمَا يُقَابِلهُ مِنْ الْحُرَّة لَيْلَتَانِ مِثْلُ ذَلِكَ.
(وَيُقَسِّمُ) الزَّوْجُ (الْمَرِيضُ وَالْمَجْنُونُ وَالْعِنِّينُ وَالْخَصِيُّ كَالصَّحِيحِ) لِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِمَّنْ لَا يَطَأُ وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ: أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَإِنْ شَقَّ عَلَى الْمَرِيضِ) الْقَسْمُ (اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَى نِسَائِهِ فَاجْتَمَعْنَ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَعَلْت، فَأَذِنَّ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ) أَنْ يُقِيمَ عِنْد إحْدَاهُنَّ (أَقَامَ عِنْد إحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ أَوْ اعْتَزَلَهُنَّ جَمِيعًا إنْ أَحَبَّ) ذَلِكَ تَعْدِيلًا بَيْنَهُنَّ (وَيَطُوفُ بِمَجْنُونٍ مَأْمُونٍ) لَهُ زَوْجَتَانِ فَأَكْثَرُ (وَلِيُّهُ وُجُوبًا) لِحُصُولِ الْأُنْسِ بِهِ (فَإِنْ خِيفَ مِنْهُ) لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْمُونٍ (فَلَا قِسْمَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ أُنْسٌ) لَهُنَّ (وَلَا قِسْمَ لِمَجْنُونَةٍ يَخَافُ مِنْهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَمْ يَعْدِل الْوَلِيُّ فِي الْقَسْمِ ثُمَّ أَفَاقَ الزَّوْجُ) مِنْ جُنُونِهِ (قُضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ) مَا فَاتَهَا اسْتِدْرَاكًا لِلظُّلَّامَةِ (وَيَحْرُمُ تَخْصِيصُ) بَعْضِ الزَّوْجَاتِ (بِإِفَاقَتِهِ) لِأَنَّهُ جَوْرٌ عَلَى الْأُخْرَى (وَإِذَا أَفَاقَ) الْمَجْنُونُ (فِي نَوْبَةٍ وَاحِدَةٍ) مِنْ زَوْجَاتِهِ (قَضَى يَوْمَ جُنُونِهِ لِلْأُخْرَى) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي وَطْءٍ وَدَوَاعِيه) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقَةُ الشَّهْوَةِ وَالْمَيْلِ وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ (وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ (فِي نَفَقَةٍ وَشَهَوَاتٍ وَكِسْوَةٍ إذَا قَامَ بِالْوَاجِبِ) عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ (وَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ فِي الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ وَفِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَغَيْرِهَا (وَفِعْلُهُ كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى)
стр. 2367
لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُسَوِّي بَيْن زَوْجَاتِهِ فِي الْقُبْلَةِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» .
(وَيُقَسِّم) مَنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ (لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَيْلَةً لِأَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرَّةِ وَ) لِزَوْجَتِهِ (الْحُرَّةُ لَيْلَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ) زَوْجَتُهُ الْحُرَّةُ (كِتَابِيَّةً) لِقَوْلِ عَلِيٍّ إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ قَسَّمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الْحُرَّةَ حَقُّهَا فِي الْإِيوَاءِ أَكْثَرُ وَيُخَالِفُ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ فَإِنَّهُ مُقَدَّر بِالْحَاجَةِ وَقِسْمُ الِابْتِدَاءِ شُرِّعَ لِيَزُولَ الِاحْتِشَامُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (فَإِنْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي نَوْبَتِهَا) فَلَهَا قِسْمُ حُرَّةٍ (أَوْ) عَتَقَتْ الْأَمَةُ (فِي نَوْبَةِ حُرَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ قَبْلَهُمَا فَلَهَا قِسْمُ حُرَّةٍ) لِأَنَّ النَّوْبَةَ أَدْرَكَتْهَا وَهِيَ حُرَّةٌ فَتَسْتَحِقُّ قِسْمَ حُرَّةٍ (وَإِنْ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ (فِي نَوْبَةِ حُرَّةٍ مُتَأَخِّرَة) عَنْ الْأَمَةِ (أَتَمَّ لِلْحُرَّةِ نَوْبَتَهَا عَلَى حُكْمِ الرِّقِّ) لِضَرَّتِهَا (وَلَا تُزَادُ الْأَمَةُ شَيْئًا وَيَكُونُ لِلْحُرَّةِ ضِعْفَ مُدَّةِ الْأَمَةِ) لِأَنَّهُ بِاسْتِيفَاءِ الْأَمَةِ مَدَّتِهَا فِي حَالِ الرِّقِّ وَجَبَ لِلْحُرَّةِ ضِعْفُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا عَتَقَتْ قَبْلَ مَجِيءِ نَوْبَتِهَا أَوْ قَبْلَ تَمَامِهِ وَالْحُرِّيَّةُ الطَّارِئَةُ لَا تُنْقِصُ الْحُرَّةَ مِمَّا وَجَبَ لَهَا وَإِذَا أَتَمَّ لِلْحُرَّةِ نَوْبَتَهَا ابْتَدَأَ الْقَسْمُ مُتَسَاوِيًا (وَالْحَقُّ فِي الْقَسْمِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا فَلَهَا) أَيْ الْأَمَةِ (أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِزَوْجِهَا أَوْ لِبَعْضِ ضَرَائِرهَا) بِإِذْنِ زَوْجِهَا (كَالْحُرَّةِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا (وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا) فِي ذَلِكَ (وَلَا أَنْ يَهَبَهُ) أَيْ وَلَيْسَ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ أَنْ يَهَبَ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ (دُونَهَا) لِأَنَّ الْإِيوَاءَ وَالسَّكَنَ حَقٌّ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا وَتَقَدَّمَ.
(وَيُقَسِّمُ) الزَّوْجُ (ل) زَوْجَةٍ (حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمَرِيضَةٍ وَمَعِيبَةٍ) بِجُذَامٍ أَوْ نَحْوِهِ (وَلِرَتْقَاءَ وَ) ل (صَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَمَنْ آلَى) مِنْهَا أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا وَمُحْرِمَةٍ وَزَمِنَةٍ وَمَجْنُونَةٍ مَأْمُونَةٍ نَصًّا لِأَنَّ الْقَصْدَ السَّكَنُ وَالْإِيوَاءُ وَالْأُنْسُ وَحَاجَتُهُنَّ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ خِيفَ مِنْ الْمَجْنُونَةِ فَلَا قِسْمَ لَهَا وَتَقَدَّمَ (وَلَا قِسْمَ) لِمُطَلَّقَةٍ (رَجْعِيَّةٍ صُرِّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالزَّرْكَشِيُّ فِي الْحَضَانَة وَمَا ثَمَّ صَرِيحٌ يُخَالِفُهُ وَلِأَنَّهَا تَرْجِعُ حَضَانَتَهَا عَلَى وَلَدِهَا) مِنْ غَيْر مُطَلِّقِهَا (وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(وَيُقَسِّمُ) الزَّوْجُ (لِمَنْ سَافَرَ بِهَا) مِنْ زَوْجَاتِهِ (بِقُرْعَةٍ إذَا قَدِمَ) مِنْ سَفَرِهِ (وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا بِمُدَّةِ السَّفَرِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ وَلَمْ تَذْكُرْ قَضَاءً وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَة اخْتَصَّتْ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ (وَإِنْ كَانَ) السَّفَرُ بِهَا (بِغَيْرِ قُرْعَةٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ مُدَّةَ غَيْبَتِهِ) ، لِأَنَّهُ خَصَّ بَعْضَهُنَّ بِمُدَّةٍ عَلَى وَجْهٍ تَلْحَقُهُ التُّهْمَة فِيهِ فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا (مَا لَمْ تَكُنْ الضَّرَّةُ رَضِيَتْ بِسَفَرِهَا) أَيْ سَفَر
стр. 2368
ضَرَّتِهَا مَعَهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى مِنْهَا مَا أَقَامَ مَعَهَا لِمَبِيتٍ وَنَحْوِهِ (وَيَقْضِي) مَنْ سَافَرَ بِإِحْدَى زَوْجَاتِهِ (مَعَ قُرْعَةِ مَا تَعَقَّبَهُ السَّفَرَ) أَيْ مَا أَقَامَ عِنْدَ انْتِهَاء مَسِيرِهِ فِي السَّفَرِ (أَوْ) مَا (تَخَلَّلَهُ) أَيْ السَّفَرَ مِنْ (مُدَّةِ إقَامَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ) لِتَسَاكُنِهِمَا فِي ذَلِكَ لَا زَمَنَ سَيْرِهِ وَحَلِّهِ وَتِرْحَالِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى سَكَنًا فَلَا يَجِبْ قَضَاؤُهُ كَمَا لَوْ كَانَا مُنْفَرِدِينَ.
(وَإِذَا) أَرَادَ السَّفَرَ وَأَقْرَعَ بَيْن نِسَائِهِ وَ (خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُنَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا وَلَهُ تَرْكَهَا وَالسَّفَر وَحْدَهُ) لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُوجِبُ وَإِنَّمَا تُعَيِّنُ مَنْ اسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ (ب) إحْدَى زَوْجَاتِهِ (غَيْرَ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ) لِأَنَّهُ جَوْرٌ (وَإِنْ وَهَبَتْ) مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ (حَقَّهَا مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ لِإِحْدَى ضَرَّاتِهَا (جَازَ) لَهَا (إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَإِنْ وَهَبَتْهُ) أَيْ وَهَبَتْ مَنْ خَرَجَ لَهَا الْقُرْعَةُ حَقَّهَا مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ (لِلزَّوْجِ أَوْ) وَهَبَتْهُ لِضَرَائِرِهَا (الْجَمِيعِ أَوْ امْتَنَعَتْ) مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ (مِنْ السَّفَرِ سَقَطَ حَقُّهَا) لِإِعْرَاضِهَا عَنْهُ بِاخْتِيَارِهَا (إذَا رَضِيَ الزَّوْج) بِمَا صَنَعَتْهُ مِنْ الْهِبَة أَوْ الِامْتِنَاعِ (وَاسْتَأْنَفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَوَاقِي) مَعَ ضَرَّاتِهَا إنْ لَمْ يَرْضَيْنَ مَعَهُ بِوَاحِدَةٍ.
(وَإِنْ أَبَى) مَا صَنَعْتُهُ مِنْ الْهِبَةِ أَوْ الِامْتِنَاع (فَلَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَأُجْبِرَتْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَالسَّفَرُ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ سَوَاءٌ) فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ فِي الْمُبْدِع: وَظَاهِرُهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُبَاحًا بَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُرَخَّصًا (وَمَتَى سَافَرَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ إلَى مَكَان كَالْقُدْسِ مَثَلًا ثُمَّ بَدَا لَهُ) السَّفَرُ (إلَى مِصْرَ) مَثَلًا (فَلَهُ اسْتِصْحَابُهَا مَعَهُ) إلَيْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ إتْمَامُ لِسَفَرِهِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ لَهَا حَقٌّ مَعَهَا أَشْبَهَتْ الْمُنْفَرِدَةُ (وَإِذَا سَافَرَ بِزَوْجَتَيْنِ) فَأَكْثَرَ (بِقُرْعَةٍ أَوَى إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ لَيْلَةً) بِيَوْمِهَا (فِي رَحْلهَا مِنْ خَيْمَةٍ أَوْ خَرِكَاةٍ أَوْ خِبَاءِ شَعْرٍ فَهُوَ) أَيْ رَحْلُهَا (كَبَيْتِ الْمُقِيمَةِ) فِيمَا ذَكَرَ (وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا فِي رِحْلَة فَلَا قِسْمَ إلَّا فِي الْفِرَاشِ) كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعَهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ بِرِضَاهَا (فَلَا يَحِلُّ) لَهُ (أَنْ يَخُصَّ فِرَاشَ وَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا (بِالْبَيْتُوتَةِ فِيهِ دُونَ فِرَاشِ الْأُخْرَى) لِأَنَّهُ مَيْلٌ.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى مَنْ تَحْتِهِ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ (دُخُولُهُ فِي لَيْلَتِهَا) أَيْ لَيْلَةِ إحْدَى الزَّوْجَاتِ (إلَى غَيْرِهَا) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ (إلَّا لِضَرُورَةٍ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ) غَيْرَ ذَاتِ اللَّيْلَةِ (مَنْزُولًا بِهَا) أَيْ مُحْتَضَرَةٍ فَيُرِيدُ أَنْ يُحْضِرَهَا (أَوْ تُوصِي إلَيْهِ أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) عُرْفًا لِأَنَّ ذَلِكَ حَالُ ضَرُورَةٍ فَأُبِيحَ بِهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِإِمْكَانِ قَضَائِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ (فَإِنْ لَمْ يَلْبَث عِنْدَهَا لَمْ
стр. 2369
يَقْضِ شَيْئًا) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ (وَإِنَّ لَبِثَ) عِنْدَهَا (أَوْ جَامَعَ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى) لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ وَاجِبَةٌ وَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ (وَلَوْ قَبَّلَ) الَّتِي دَخَلَ إلَيْهَا فِي غَيْرِ لَيْلَتِهَا (أَوْ بَاشَرَ) هَا (أَوْ نَحْوَهُ) كَمَا لَوْ نَظَرَ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ (لَمْ يَقْضِ) ذَلِكَ لِذَاتِ اللَّيْلَةِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيَّ فِي يَوْمِ غَيْرِي فَيَنَالُ مِنِّي كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ» .
(وَالْعَدْلُ الْقَضَاءُ) لِتَحْصُلَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ (وَكَذَا يَحْرُم دُخُولُهُ نَهَارًا إلَى غَيْرِهَا إلَّا لِحَاجَةٍ) قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: كَدَفْعِ نَفَقَةٍ وَعِيَادَةٍ أَوْ سُؤَالٍ عَنْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَوْ زِيَارَتِهَا لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهَا (وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ لَيْلَةَ صَيْفٍ عَنْ لَيْلَةِ شِتَاءٍ) لِأَنَّهُ قَضَى لَيْلَةً عَنْ لَيْلَةٍ.
(وَ) يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَقْضِيَ (أَوَّلَ اللَّيْلِ عَنْ آخِرِهِ وَعَكْسِهِ) بِأَنْ يَقْضِيَ لَيْلَةَ شِتَاءٍ عَنْ لَيْلَةِ صَيْفٍ وَآخِرَ لَيْلٍ عَنْ أَوَّلِهِ لِأَنَّهُ قَضَى بِقَدْرِ مَا فَاتَهُ.
وَفِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمُمَاثَلَة (وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَسْكَنٌ يَأْتِيهَا فِيهِ) لِفِعْلِهِ ﷺ وَلِأَنَّهُ صَوْنٌ لَهُنَّ وَأَسْتَرُ، حَتَّى لَا يَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ.
(فَإِنْ اتَّخَذَ) الزَّوْجُ لِنَفْسِهِ (مَسْكَنًا) غَيْرَ مَسَاكِنِ زَوْجَاتِهِ (يَدْعُو إلَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا وَيُخَلِّيهِ مِنْ ضَرَّتِهَا جَازَ) لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ نَقْلَ زَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ بِمَسْكَنٍ يَلِيقُ بِهَا (وَلَهُ دُعَاءُ الْبَعْض إلَى مَسْكَنِهِ وَيَأْتِي الْبَعْض) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَيْثُ شَاءَ (وَإِنْ امْتَنَعَتْ مَنْ دَعَاهَا عَنْ إجَابَتِهِ) وَكَانَ مَا دَعَاهَا إلَيْهِ مَسْكَنُ مِثْلِهَا (سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ) لِنُشُوزِهَا (وَإِنَّ أَقَامَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ) مِنْ زَوْجَاتِهِ (وَدَعَا الْبَاقِيَاتُ إلَى بَيْتِهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِنَّ الْإِجَابَةَ) لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ الْغِيرَةِ وَالِاجْتِمَاعُ يَزِيدُهَا.
(وَإِنْ حُبِسَ) الزَّوْجُ (فَاسْتَدْعَى كُلُّ وَاحِدَةٍ) مِنْ زَوْجَاتِهِ فِي الْحَبْسِ (فِي لَيْلَتِهَا فَعَلَيْهِنَّ طَاعَتُهُ إنْ كَانَ) الْحَبْسُ (مَسْكَنُ مِثْلِهِنَّ) وَلَا مَفْسَدَة كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنِ مَحْبُوسًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَبْسُ مَسْكَنُ مِثْلِهِنَّ (لَمْ يَلْزَمْهُنَّ) طَاعَتُهُ كَمَا لَوْ دَعَاهُنَّ إلَى غَيْرِ الْحَبْسِ إلَى مَا لَيْسَ مَسْكَنًا لِمِثْلِهِنَّ (فَإِنْ أَطَعْنَهُ) فِي الْإِتْيَانِ إلَى الْحَبْسِ سَوَاءٌ كَانَ مَسْكَن مِثْلِهِنَّ أَوْ لَا (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ) لِأَنَّهُ جَوْرٌ (وَلِاسْتِدْعَاءِ بَعْضِهِنَّ دُون بَعْضٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّسْوِيَةِ بِلَا عُذْرٍ (كَمَا فِي غَيْرِ الْحَبْسِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتَاهُ فِي بَلَدَيْنِ) أَوْ كَانَ نِسَاؤُهُ فِي بِلَادٍ (فَعَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَهُمَا) أَوْ بَيْنَهُنَّ (بِأَنْ يَمْضِيَ إلَى الْغَائِبَةِ) عَنْ الْبَلَدِ (فِي أَيَّامِهَا أَوْ يُقْدِمَهَا إلَيْهِ) لِيُسَوِّيَ
стр. 2370
بَيْنَهُنَّ.
(فَإِنْ امْتَنَعَتْ) الْغَائِبَةُ (مِنْ الْقُدُومِ مَعَ الْإِمْكَانِ سَقَطَ حَقُّهَا) مِنْ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ (لِنُشُوزِهَا وَإِنْ قَسَّمَ فِي بَلَدَيْهِمَا جَعَلَ الْمُدَّةَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُ، كَشَهْرٍ وَشَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِ الْبَلَدَيْنِ) وَبُعْدِهُمَا لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَ (إنْ قَسَّمَ) لِإِحْدَى زَوْجَاتِهِ (ثُمَّ جَاءَ لِيُقَسِّمَ لِلثَّانِيَةِ فَأَغْلَقَتْ الْبَابَ دُونَهُ أَوْ مَنَعَتْهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا أَوْ قَالَتْ: لَا تَدْخُلْ عَلَيَّ أَوْ لَا تَبِيتَ، أَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ) لِنُشُوزِهَا (فَإِنْ عَادَتْ إلَى الْمُطَاوَعَةِ اسْتَأْنَفَ الْقَسْمَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْن مَنْ كَانَتْ نَاشِزًا وَضَرَّتِهَا (وَلَمْ يَقْضِ لِلنَّاشِزِ) مَبِيتَهُ عِنْدَ ضَرَّتِهَا لِسُقُوطِ حَقِّهَا إذْ ذَاكَ.
(فَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَة فَأَقَامَ عِنْدَ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً) عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَة عَشْر لَيَالٍ وَلَمْ تَكُنْ الرَّابِعَةُ نَاشِزًا (لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الرَّابِعَةِ عَشْرًا) لَيَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ (فَإِنْ نَشَزَتْ إحْدَاهُنَّ) أَيْ الْأَرْبَعُ (وَظَلَمَ وَاحِدَةً) مِنْهُنَّ (وَلَمْ يُقَسِّمْ لَهَا وَأَقَامَ عِنْدَ الِاثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً) كُلُّ وَاحِدَةٍ خَمْسَةَ عَشْرَ (ثُمَّ أَطَاعَتْهُ النَّاشِزُ وَأَرَادَ الْقَضَاءَ لِلْمَظْلُومَةِ قَسَّمَ لَهَا ثَلَاثًا وَلِلنَّاشِزِ لَيْلَةً خَمْسَةَ أَدْوَارٍ لِيُكْمِلَ لِلْمَظْلُومَةِ خَمْسَةَ عَشْرَ لَيْلَةً) لِتُسَاوِي ضَرَّتَيْهَا (وَيَحْصُل لِلنَّاشِزِ خَمْسُ) لَيَالٍ لِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ فَيَكُونُ لَهَا رُبْعُ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَذَلِكَ خَمْسٌ مِنْ عِشْرِينَ وَالْأُولَى وَالثَّانِيَةُ قَدْ اسْتَوْفَتَا مُدَّتَهُمَا فَالْخَمْسَةَ عَشْرَ لِلْمَظْلُومَةِ (ثُمَّ يُقَسِّمُ بَيْنَ الْجَمِيعِ) عَلَى السَّوَاءِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَقَسَّمَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَظَلَمَ الثَّالِثَةَ) فَلَمْ يُقَسِّمْ لَهَا (ثُمَّ تَزَوَّجَ جَدِيدَةً ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ) مَا فَاتَهَا (فَإِنَّهُ يَخُصَّ الْجَدِيدَةَ بِسَبْعٍ) لَيَالٍ (إنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ بِثَلَاثٍ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا) لِمَا يَأْتِي (ثُمَّ يُقَسِّمُ بَيْنَهَا) أَيْ الْجَدِيدَةِ (وَبَيْنِ الْمَظْلُومَةِ خَمْسَةَ أَدْوَارٍ لِلْمَظْلُومَةِ مِنْ كُلِّ دَوْرٍ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً لِلْجَدِيدَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي النَّاشِزِ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ وَهَبَتْهُ قَسْمِهَا ثُمَّ رَجَعَتْ فِيهِ فَإِذَا أَكْمَلَ الْحَقّ ابْتَدَأَ التَّسْوِيَةَ.
[فَصْلٌ أَرَادَ مَنْ تَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ امْرَأَةٍ النَّقْلَة مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَد بِنِسَائِهِ]
فَصْل وَإِنْ أَرَادَ مَنْ تَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ امْرَأَةٍ (النَّقْلَةَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَد بِنِسَائِهِ فَأَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُ الْكُلِّ فِي سَفَرِهِ فَعَلَ) أَيْ اسْتَصْحَبَهُنَّ (وَلَا يَجُوزُ لَهُ إفْرَادُ إحْدَاهُنَّ) بِاسْتِصْحَابِهَا مَعَهُ (بِغَيْرِ قُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ مَيْلٌ (فَإِنْ فَعَلَ)
стр. 2371
بِأَنْ اسْتَصْحَبَ إحْدَاهُنَّ مَعَهُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ (قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ) جَمِيعَ زَمَنِ سَفَرِهِ وَإِقَامَتِهِ بِهَا وَحْدَهَا لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) اسْتِصْحَابُ الْكُلِّ (أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ) اسْتِصْحَابُهُنَّ و (بَعَثَ بِهِنَّ جَمِيعًا مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَحْرَمٌ لَهُنَّ جَازَ) لَهُ ذَلِكَ (وَلَا يَقْضِي لِوَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ لِتَسَاوِيهِنَّ فِي انْفِرَادِهِ عَنْهُنَّ (وَإِنْ انْفَرَدَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ) وَاسْتَصْحَبَهَا مَعَهُ (فَإِذَا وَصَلَ الْبَلَدَ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ فَأَقَامَتْ مَعَهُ فِيهِ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ) مُدَّةَ (كَوْنِهَا مَعَهُ فِي الْبَلَدِ خَاصَّةً) لِتَسَاكُنِهِمَا إذَنْ لَا زَمَنَ سَيْرِهِ وَحَلِّهِ وَتِرْحَالِهِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَكَنًا فَلَا يَجِب قَضَاؤُهُ.
(وَإِنْ امْتَنَعَتْ) إحْدَى زَوْجَاتِهِ (مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ) بِلَا عُذْرٍ (أَوْ) امْتَنَعَتْ (مِنْ الْمَبِيتِ عِنْدَهْ أَوْ سَافَرْت بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِحَاجَتِهَا أَوْ غَيْرَتِهَا (أَوْ) سَافَرْت (بِإِذْنِهِ لِحَاجَتِهَا سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ قَسْمٍ وَنَفَقَةٍ) أَمَّا الْمُمْتَنِعَةُ مِنْ السَّفَر أَوْ الْمَبِيتِ مَعَهُ فَلِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ لَهُ فَهِيَ كَالنَّاشِزِ وَكَذَا مَنْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَمَّا مَنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا فَلِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ وَالنَّفَقَةِ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا فَسَقَطَ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَفَارَقَ مَا إذَا سَافَرَتْ مَعَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرْ ذَلِكَ (وَإِنْ بَعَثَهَا) الزَّوْجُ (لِحَاجَتِهِ أَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ بِإِذْنِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا قَسْمٍ) لِأَنَّ تَعَذُّرَ اسْتِمْتَاعِهِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ (وَيَقْضِي لَهَا بِحَسَبِ مَا أَقَامَ عِنْد ضَرَّتِهَا) لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا.
(وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْم فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ، وَفِي بَعْضِهِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِهِ أَوْ) تَهَبَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْم (لَهُنَّ) أَيْ لِضَرَائِرِهَا (كُلِّهِنَّ أَوْ) تَهَبُهُ (لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (فَيَجْعَلَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَلَوْ أَبَتْ الْمَوْهُوبُ لَهَا) ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لِلْوَاهِبَةِ وَالزَّوْجِ فَإِذَا رَضِيَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ جَازَ لَأَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُمَا وَحُقُّ الزَّوْج فِي الِاسْتِمْتَاعِ ثَابِتٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَإِنَّمَا مَنَعَتْهُ الْمُزَاحَمَةُ فِي حَقِّ صَاحِبَتِهَا فَإِذَا زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بِهِبَتِهَا ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَإِنْ كَرِهَتْ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا يَجُوزُ هِبَةُ ذَلِكَ بِمَالٍ) لِأَنَّ حَقَّهَا فِي كَوْنِ الزَّوْجِ عِنْدَهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ يُقَابَل بِمَالٍ (فَإِنْ أَخَذَتْ) الْوَاهِبَةُ (عَلَيْهِ مَالًا لَزِمَهَا رَدُّهُ) إلَى مَنْ أَخَذَتْهُ مِنْهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (أَنْ يَقْضِيَ لَهَا) زَمَنَ هِبَتِهَا (لِأَنَّهَا تَرَكَتْهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَلَمْ يُسَلِّمْ) الْعِوَضَ (لَهَا) فَتَرْجِعُ بِالْمُعَوَّضِ (فَإِنْ كَانَ عِوَضُهَا غَيْرَ الْمَالِ كَإِرْضَاءِ زَوْجِهَا عَنْهَا أَوْ غَيْرِهِ جَازَ) لِأَنَّ عَائِشَةَ «أَرْضَتْ
стр. 2372
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَفِيَّةَ فَأَخَذَتْ يَوْمَهَا وَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ» (وَقَالَ الشَّيْخُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ سَائِرِ حُقُوقِهَا مِنْ الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يَقْتَضِي جَوَازُهُ) كَأَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ الْقَوَدِ وَفِي الْخُلْعِ (ثُمَّ إنْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ الْمَوْهُوبَةُ) لِإِحْدَى الضَّرَائِرِ (تَلِي اللَّيْلَةَ الْمَوْهُوبَةَ لَهَا وَالَى) الزَّوْجُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ اللَّيْلَتَيْنِ فَيَبِيتُهُمَا عِنْد الْمَوْهُوبِ لَهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَلِ اللَّيْلَةُ الْمَوْهُوبَ لَهَا (لَمْ يَجُزْ) أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ اللَّيْلَتَيْنِ (إلَّا بِرِضَا الْبَاقِيَاتِ) لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهَا قَامَتْ مَقَامَ الْوَاهِبَةِ فِي لَيْلَتِهَا، فَلَمْ تُغَيِّرْ عَنْ مَوْضِعِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ الْوَاهِبَةُ بَاقِيَةً فَإِنْ رَضِينَ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُج عَنْهُنَّ (وَمَتَى رَجَعَتْ) الْوَاهِبَةُ (فِي الْهِبَةِ عَادَ حَقُّهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَقَطْ وَلَوْ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ) لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ (وَلَا يَقْضِيهِ) أَيْ لَا يَقْضِي بَعْضًا مِنْ لَيْلَةٍ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الزَّوْج بِرُجُوعِهَا (إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ اللَّيْلَةِ) لِحُصُولِ التَّفْرِيطِ مِنْهَا (وَلَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (هِبَةُ ذَلِكَ) أَيْ قَسْمُهَا (وَنَفَقَتُهَا وَغَيْرُهُمَا لِزَوْجِهَا لِيُمْسِكهَا وَلَهَا الرُّجُوعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ بِخِلَافِ مَا مَضَى لِأَنَّهُ قَدْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ (وَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ) .
(وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ وَإِنْ نَقَصَ) بِهِ (زَمَنُ زَوْجَاتِهِ) بِحَيْثُ لَا يُنْقِص الْحُرَّةَ عَنْ لَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعٍ، وَالْأَمَةَ عَنْ لَيْلَةِ مِنْ سَبْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ يُسَاوِي بَيْنَهُنَّ فِي حِرْمَانِهِنَّ أَيْ الزَّوْجَاتِ كَمَا إذَا بَاتَ عِنْدَ أَمَتِهِ أَوْ) فِي (دُكَّانِهِ أَوْ عِنْدَ صَدِيقِهِ) أَوْ مُنْفَرِدًا.
(وَ) لَهُ أَنْ (يَسْتَمْتِعَ بِهِنَّ كَيْفَ شَاءَ كَالزَّوْجَاتِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) بِأَنْ يَطَأ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مَتَى شَاءَ (وَإِنْ شَاءَ سَاوَى) بَيْنَهُنَّ (وَإِنْ شَاءَ فَضَّلَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَمْتَعَ بِبَعْضِهِنَّ دُون بَعْضٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ْ﴾ [النساء: ٣] «وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَارِيَةُ وَرَيْحَانَةُ فَلَمْ يَكُنْ يُقَسِّمُ لَهُمَا» وَلِأَنَّ الْأَمَة لَا حَقّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ بِكَوْنِ السَّيِّد مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا وَلَا يَضْرِبُ لَهَا مُدَّةَ الْإِيلَاءِ (وَيُسْتَحَبُّ) لَهُ (التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ) فِي الْقَسْمِ لِيَكُونَ أَطْيَبَ لِنُفُوسِهِنَّ.
(وَ) عَلَيْهِ (أَنْ لَا يَعْضُلَهُنَّ بِأَنْ لَمْ يُرِدْ الِاسْتِمْتَاعَ) بِهِنَّ فَلَا يَمْنَعْهُنَّ مِنْ الزَّوْجِ (وَإِذْ احْتَاجَتْ الْأَمَةُ إلَى النِّكَاحِ وَجَبَ عَلَيْهِ) أَيْ السَّيِّدِ (إعْفَافُهَا إمَّا بِوَطْئِهَا أَوْ تَزْوِيجِهَا أَوْ بَيْعِهَا) لِأَنَّ إعْفَافَهُنَّ وَصَوْنَهُنَّ عَنْ احْتِمَالِ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورَاتِ وَاجِبٌ.
стр. 2373
[فَصْل وَإِذَا تَزَوُّج بِكْرًا وَلَوْ أَمَةً وَمَعَهُ غَيْرُهَا أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا]
فَصْل وَإِذَا تَزَوُّج بِكْرًا وَلَوْ أَمَةً وَمَعَهُ غَيْرُهَا وَلَوْ حَرَائِرَ (أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا) ثُمَّ دَارَ.
(وَ) إذَا تَزَوَّجَ (ثَيِّبًا وَلَوْ أَمَةً) أَقَامَ عِنْدَهَا (ثَلَاثًا) لِعُمُومِ مَا يَأْتِي وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْأُنْسِ وَإِزَالَةِ الِاحْتِشَامِ وَالْأَمَةُ وَالْحُرَّة سَوَاءٌ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى ذَلِكَ فَاسْتَوَيَا فِيهِ كَالنَّفَقَةِ (وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهِمَا بِمَا أَقَامَ عِنْدهُمَا فَإِذَا انْتَهَتْ مُدَّةُ إقَامَتِهِ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ عَادَ إلَى الْقَسْمِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ كَمَا كَانَ) قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْجَدِيدَةَ (وَدَخَلَتْ) الْجَدِيدَةُ (بَيْنَهُنَّ فَصَارَتْ آخِرَهُنَّ نَوْبَةً) لِمَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَس قَالَ «مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ قَسَّمَ وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَّمَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ لَوْ شِئْتَ لَقُلْتُ: إنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ وَخُصَّتْ الْبِكْرُ بِزِيَادَةٍ لِأَنَّ حَيَاءَهَا أَكْثَرُ وَالثَّلَاثُ مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّرْعِ وَالسَّبْعَةُ لِأَنَّهَا أَيَّامُ الدُّنْيَا وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَتَكَرَّرُ وَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ الدَّوْرُ (وَإِنْ أَحَبَّتْ الثَّيِّبِ أَنْ يُقِيمَ) الزَّوْجُ (عِنْدَهَا سَبْعًا فَعَلَ وَقَضَى لِلْبَوَاقِي) مِنْ ضَرَّاتِهَا (سَبْعًا سَبْعًا) لِمَا رَوَتْ أُمّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا. وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكِ وَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَك سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَ مَنْ خَالَفَ حَدِيثُ مَرْفُوعٌ وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَدْلَى بِالسُّنَّةِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فَزُفَّتَا إلَيْهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ بِكْرَيْنِ كَانَتَا أَوْ ثَيِّبَتَيْنِ وَبِكْرًا وَثَيِّبًا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي إيفَاءِ حَقِّهِمَا وَتَسْتَضِرُّ الَّتِي يُؤَخَّرُ حَقُّهَا وَتَسْتَوْحِشُ (وَيُقَدِّمُ أَسْبَقَهُمَا دُخُولًا فَيُوَفِّيهَا حَقَّ الْعَقْدِ) لِأَنَّ حَقَّهَا سَابِقٌ (ثُمَّ يَعُودُ إلَى الثَّانِيَةِ فَيُوَفِّيهَا حَقَّ الْعَقْدِ) لِأَنَّ حَقَّهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَرَكَ الْعَمَلِ بِهِ فِي مُدَّةِ الْأُولَى، لِأَنَّهُ عَارَضَهُ وَرَجَّحَ عَلَيْهِ فَإِذَا زَالَ الْمُعَارِضُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضَى (ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ) لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الدُّورِ (فَإِنْ أُدْخِلَتَا عَلَيْهِ مَعًا قَدَّمَ إحْدَاهُمَا بِقُرْعَةٍ) لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةٌ عِنْدَ التَّسَاوِي.
وَفِي التَّبْصِرَةِ يُبْدَأُ بِالسَّابِقَةِ
стр. 2374
بِالْعَقْدِ وَإِلَّا أَقْرَعَ (وَيُكْرَه أَنْ تُزَفَّ إلَيْهِ امْرَأَةٌ فِي مُدَّةِ حَقِّ) عَقْدِ (امْرَأَةٍ زُفَّتْ إلَيْهِ قَبْلَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ أَنْ يُتَمِّم لِلْأُولَى) حَقّ عَقْدِهَا لِسَبْقِهَا (ثُمَّ يَقْضِي حَقّ عَقْد) (الثَّانِيَة) لِزَوَالِ الْمُعَارِض (وَإِنْ أَرَادَ) مَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ مَعًا (السَّفَر) بِإِحْدَى نِسَائِهِ فَأَقْرَع بَيْنَهُنَّ (فَخَرَجَتْ الْقُرْعَة لِإِحْدَى الْجَدِيدَتَيْنِ سَافَرَ بِهَا وَدَخَلَ حَقّ الْعَقْد فِي قَسْم السَّفَر) لِأَنَّهُ نَوْع قَسْم يَخْتَصّ بِهَا (فَإِذَا قَدِمَ) مِنْ سَفَره (بَدَأَ بِالْأُخْرَى فَوَفَّاهَا حَقّ الْعَقْد) لِأَنَّهُ حَقّ وَجَبَ لَهَا قَبْل سَفَره وَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِر بِالْأُخْرَى مَعَهُ (فَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَره قَبْل مُضِيّ مُدَّة يَنْقَضِي فِيهَا حَقّ عَقْد الْأُولَى تَمَّمَهُ فِي الْحَضَر وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ حَقَّهَا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَة لِغَيْرِ الْجَدِيدَتَيْنِ وَسَافَرَ بِهَا) قَضَى لِلْجَدِيدَتَيْنِ حَقَّهُمَا وَاحِدَة بَعْد وَاحِدَة، (يُقَدِّم السَّابِقَة دُخُولًا) إنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ إحْدَاهُمَا قَبْل الْأُخْرَى (أَوْ بِقُرْعَةٍ إنْ دَخَلَتَا مَعًا) لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ سَافَرَ بِجَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ بِقُرْعَةٍ أَوْ رِضًا تَمَّمَ لِلْجَدِيدَةِ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ قَسَّمَ بَيْنَهَا وَبَيْن الْأُخْرَى) عَلَى السَّوَاءِ (وَإِذَا طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَتِهَا) أَثِمَ (أَوْ) طَلَّقَ (الْحَارِس) إحْدَى نِسَائِهِ (فِي نَهَارِهَا أَثِمَ) لِأَنَّهُ فَرَّ مِنْ حَقِّهَا الْوَاجِبِ لَهَا (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ) ذَلِكَ (قَضَى لَهَا لَيْلَتَهَا) لِأَنَّهُ قَدَر عَلَى إيفَاءِ حَقِّهَا فَلَزِمَهُ كَالْمُعْسِرِ إذَا أَيْسَرَ بِالدَّيْنِ (وَلَوْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ غَيْرهَا بَعْد طَلَاقِهَا) لِأَنَّ تَزَوُّجَهُ بِغَيْرِهَا لَا يُسْقِطُ حَقَّهَا.
(وَإِذَا كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَبَاتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا لَيْلَةً ثُمَّ تَزَوَّج ثَالِثَةً) أَوْ تَجَدَّدَ حَقُّهَا بِعَوْدٍ فِي هِبَةٍ أَوْ رُجُوع مِنْ نُشُوزٍ (قَبْلَ لَيْلَةِ الثَّانِيَةِ قَدَّمَ الْمَزْفُوفَةَ بِلَيَالِيِهَا ثُمَّ يَبِيتُ لَيْلَةً عِنْدَ الْمَظْلُومَةِ ثُمَّ نِصْفَ لَيْلَةٍ لِلْجَدِيدَةِ) لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُوَفِّيهَا لِلْمَظْلُومَةِ نِصْفُهَا مِنْ حَقِّهَا وَنِصْفُهَا مِنْ حَقِّ الْجَدِيدَةِ فَيَثْبُت لِلْجَدِيدَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِإِزَاءِ مَا خَصَّ ضَرَّتَهَا (ثُمَّ يَبْتَدِئُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ لَا يَبِيتُ نِصْفَهَا بَلْ لَيْلَةً كَامِلَةً لِأَنَّهُ حَرَجَ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَكَانًا يَنْفَرِدُ فِيهِ إذْ لَا يَقْدِر عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلَةِ أَوْ الْمَجِيءِ مِنْهُ.
(وَلَوْ سَافَرَ بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ بِقُرْعَةٍ) أَوْ رَضَاهُنَّ (ثُمَّ تَزَوَّجَ فِي سَفَرِهِ بِامْرَأَةٍ أُخْرَى وَزُفَّتْ إلَيْهِ) فِي سَفَرِهِ (فَعَلَيْهِ تَقْدِيمُهَا بِأَيَّامِهَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (ثُمَّ يَقْسِمُ) بَيْنَ الْجَدِيدَةِ وَضَرَّتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَيَجُوزُ بِنَاءُ الرَّجُلِ بِزَوْجَتِهِ فِي السَّفَرِ وَكَوْنِهَا مَعَهُ عَلَى دَابَّةٍ بَيْن الْجَيْشِ لِفِعْلِهِ ﷺ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ.
стр. 2375
[فَصْل فِي النُّشُوزِ]
ِ وَهُوَ كَرَاهَةُ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ وَسُوءُ عِشْرَتِهِ يُقَال: نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ وَنَاشِزٌ، وَنَشَزَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا جَفَاهَا وَأَضَرَّ بِهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَهُوَ مَعْصِيَتُهَا إيَّاهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا) مَأْخُوذٌ مِنْ النَّشَزِ وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ فَكَأَنَّهَا ارْتَفَعَتْ عَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُقَالُ نَشَصَتْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ بِأَنْ تَتَثَاقَلَ) إذَا دَعَاهَا (أَوْ تَتَدَافَعَ إذَا دَعَاهَا إلَى الِاسْتِمْتَاعِ أَوْ تُجِيبَهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً وَيَخْتَلُّ أَدَبُهَا فِي حَقِّهِ، وَعَظَهَا) بِأَنْ يَذْكُرَ لَهَا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَقّ وَمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْإِثْمِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَمَا يَسْقُط بِذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَمَا يُبَاح لَهُ مِنْ هَجْرِهَا وَضَرْبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] .
(فَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الطَّاعَةِ وَالْأَدَبِ حُرِّمَ الْهَجْرُ وَالضَّرْبُ) لِزَوَالِ مُبِيحِهِ (وَإِنْ أَصَرَّتْ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَأَظْهَرَتْ النُّشُوزَ بِأَنْ عَصَتْهُ وَامْتَنَعَتْ مِنْ إجَابَتِهِ إلَى الْفِرَاشِ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " لَا تُضَاجِعَهَا فِي فِرَاشِكَ " وَقَدْ «هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) هَجْرُهَا (فِي الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا فَوْقِهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَالْهَجْرُ ضِدَّ الْوَصْلِ وَالتَّهَاجُرُ التَّقَاطُعُ (فَإِنْ أَصَرَّتْ وَلَمْ تَرْتَدِع) بِالْهَجْرِ (فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] .
(فَيَكُونُ الضَّرْبُ بَعْدَ الْهَجْرِ فِي الْفِرَاشِ وَتَرْكِهَا مِنْ الْكَلَامِ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ أَيْ غَيْرَ شَدِيدٍ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ يَرْفَعُهُ «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُضَاجِعْهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ» (وَيَجْتَنِبُ الْوَجْهَ) تَكْرِمَةً لَهُ (و) يَجْتَنِبُ (الْبَطْنَ وَالْمَوَاضِعَ الْمَخُوفَةَ) خَوْفَ الْقَتْلِ.
(وَ) يَجْتَنِبُ الْمَوَاضِعَ (الْمُسْتَحْسَنَةَ) لِئَلَّا يُشَوِّهَهَا، وَيَكُونُ الضَّرْبُ (عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَأَقَلَّ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ
стр. 2376
فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ وَغَيْره وَالْأَوْلَى تَرْكُ ضَرْبِهَا إبْقَاءً لِلْمَوَدَّةِ (وَقِيلَ) يَضْرِبُهَا (بِدُرَّةٍ أَوْ مِخْرَاقٍ) وَهُوَ مَنْدِيلٌ مَلْفُوفٌ (لَا بِسَوْطٍ وَلَا بِخَشَبٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّأْدِيبُ وَزَجْرُهَا فَيَبْدَأُ فِيهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَل (فَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا.
(وَيُمْنَعُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (مَنْ) أَيِّ زَوْجٌ (عُلِمَ بِمَنْعِهِ حَقَّهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهُ وَ) حَتَّى (يُحْسِنَ عِشْرَتَهَا) لِأَنَّهُ يَكُونُ ظَالِمًا بِطَلَبِهِ حَقَّهُ مَعَ مَنْعِهِ حَقِّهَا وَيَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تُغْضِبَ زَوْجَهَا لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ الْمِحْصَنِ «أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ذَاتَ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَقَالَ اُنْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ؟ فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَيَنْبَغِي لِلزَّوْجِ مُدَارَاتُهَا نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: حُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ لَا تَغْضَبَ وَلَا تَحْقِدَ وَحَدَّثَ رَجُلٌ لِأَحْمَدَ مَا قِيلَ: الْعَافِيَةُ عَشْرَةُ أَجْزَاءَ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ فَقَالَ أَحْمَدُ الْعَافِيَةُ عَشْرَةُ أَجْزَاءَ كُلّهَا فِي التَّغَافُلِ (وَلَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ لِمَ ضَرَبَهَا؟ وَلَا أَبُوهَا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْأَشْعَثِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ يَا أَشْعَثُ احْفَظْ مِنِّي شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَسْأَلَنَّ رَجُلًا فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ؟ " (وَلِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءً لِلْمَوَدَّةِ) وَلِأَنَّهُ قَدْ يَضْرِبُهَا لِأَجْلِ الْفِرَاشِ فَإِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ اسْتَحَى، وَإِنْ أَخْبَرَ بِغَيْرِهِ كَذِبَ.
(وَلَهُ تَأْدِيبُهَا عَلَى تَرْكِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْوَاجِبَيْنِ (نَصًّا) قَالَ عَلِيُّ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ " عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ " وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ «رَحِم اللَّهُ عَبْدًا عَلَّقَ فِي بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤَدِّبُ بِهِ أَهْلَهُ» ، فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فَقَالَ أَحْمَدُ أَخْشَى أَنْ لَا يَحِلَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقِيلَ مَعَ امْرَأَةٍ لَا تُصَلِّي وَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَا تَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ وَلَا يُؤَدِّبُهَا فِي حَادِثٍ مُتَعَلِّقٍ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَسِحَاقٍ.
(فَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (ظُلْمَ صَاحِبِهِ أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إلَى جَانِبِ ثِقَةٍ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا وَيَكْشِفُ حَالَهُمَا كَمَا يَكْشِفُ عَنْ عَدَالَةٍ وَإِفْلَاسٍ مِنْ خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ وَيَلْزَمُهُمَا الْإِنْصَافُ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى الْإِنْصَافِ فَتَعَيَّنَ بِالْحُكْمِ كَالْحَقِّ (وَيَكُونُ الْإِسْكَانُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ) لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْهُ
стр. 2377
(فَإِنْ خَرَجَا إلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ وَبَلَغَا إلَى الْمُشَاتَمَةِ بَعْثَ الْحَكَمَيْنِ) لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْهُ.
(فَإِنْ خَرَجَا إلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ وَبَلَغَا إلَى الْمُشَاتَمَةِ بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ ذَكَرَيْنِ عَدْلَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ فَقِيهَيْنِ عَالِمَيْنِ بِالْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ) لِأَنَّهُ يُفْتَقَرُ إلَى الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ، وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ مَتَى كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إلَّا عَدْلًا.
وَفِي الْمُغْنِي الْأَوْلَى إنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْعَبْدِ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْحَكَمِ (يَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ بَيْنَهُمَا أَوْ تَفْرِيقٍ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِهِمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] الْآيَةَ وَلِأَنَّهُمَا أَشْفَقُ وَأَعْلَمُ بِالْحَالِ وَيَجُوزَ أَنْ يَكُونَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِمَا لِأَنَّ الْقَرَابَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ وَلَا الْوَكَالَةَ (وَيَنْبَغِي لَهُمَا) أَيْ الْحَكَمَيْنِ (أَنْ يَنْوِيَا الْإِصْلَاحَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] وَأَنْ يُلَطِّفَا) الْقَوْلَ.
(وَ) أَنْ (يُنْصِفَا وَيُرَغِّبَا وَيُخَوِّفَا وَلَا يَخُصَّا بِذَلِكَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ) لِيَكُونَ أَقْرَبُ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا.
(وَهُمَا وَكِيلَانِ عَنْ الزَّوْجَيْنِ فِي ذَلِكَ لَا يُرْسَلَانِ إلَّا بِرِضَاهِمَا وَتَوْكِيلَهُمَا) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِمَا التَّصَرُّفُ إلَّا بِالْوَكَالَةِ (فَلَا يَمْلِكَانِ تَفْرِيقًا إلَّا بِإِذْنِهِمَا فَيَأْذَنُ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ إصْلَاحٍ وَتَأْذَنُ الْمَرْأَةُ لِوَكِيلِهَا فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَا يَرَاهُ وَلَا يَنْقَطِعُ نَظَرُهُمَا) أَيْ الْحَكَمَيْنِ (بِغِيبَةِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ) غِيبَةِ (أَحَدِهِمَا) لِأَنَّهُمَا وَكِيلَانِ وَالْوَكِيلُ لَا يَنْعَزِلُ بِغِيبَةِ الْمُوَكِّلِ (وَيَنْقَطِعُ) نَظَرُهُمَا (بِجُنُونِهِمَا أَوْ) جُنُونِ (أَحَدِهِمَا وَنَحْوِهِ مِمَّا يُبْطِلُ الْوَكَالَة) كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْوَكَالَةِ (وَإِنْ امْتَنَعَا مِنْ التَّوْكِيلِ لَمْ يُجْبَرَا عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ لَا يَزَالُ الْحَاكِمُ يَبْحَثُ وَيَسْتَحِثُّ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مَنْ الظَّالِمُ فَيَرْدَعَهُ وَيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْحَقَّ) إقَامَةً لِلْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ (وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الْحَكَمَيْنِ) لِأَنَّهُمَا لَمْ يُوَكَّلَا فِيهِ (إلَّا فِي الْخُلْعِ خَاصَّةً مِنْ وَكِيلِ الْمَرْأَةَ فَقَطْ) فَتَصِحُّ بَرَاءَتُهُ عَنْهَا لِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِعِوَضٍ فَتَوْكِيلهمَا فِيهِ إذْنٌ فِي الْمُعَاوَضَةِ وَمِنْهَا الْإِبْرَاءُ.
(وَإِنْ خَافَتْ امْرَأَةٌ نُشُوزَ زَوْجِهَا وَإِعْرَاضِهِ عَنْهَا لِكِبْرٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَرَضٍ أَوْ دَمَامَةٍ (فَوَضَعَتْ عَنْهُ بَعْضَ حُقُوقِهَا أَوْ) وَضَعَتْ عَنْهُ (كُلِّهَا) أَيْ كُلِّ حُقُوقِهَا (تَسْتَرْضِيهِ بِذَلِكَ جَازَ) لِأَنَّهُ حَقُّهَا وَقَدْ رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِهِ (وَإِنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ فِي ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) كَالْهِبَةِ الَّتِي لَمْ تَقْبَضْ وَ (لَا) رُجُوعَ لَهَا فِي (الْمَاضِي) كَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَإِنْ شَرَطَا مَا لَا يُنَافِي نِكَاحًا لَزِمَ وَإِلَّا فَلَا كَتَرْكِ قَسْمٍ أَوْ نَفَقَةٍ وَلِمَنْ رَضِيَ الْعَوْدُ (وَيَأْتِي إذَا اخْتَلَفَا فِي النُّشُوزِ أَوْ بَذَلَ التَّسْلِيمَ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ) مُفَصَّلًا.
стр. 2378
[بَابْ الْخُلْعِ]
ِ يُقَال: خَلَعَ امْرَأَتِهِ وَخَالَعَهَا مُخَالَعَةً وَاخْتَلَعَتْ هِيَ مِنْهُ فَهِيَ خَالِعٌ وَأَصْلُهُ مِنْ خَلْعِ الثَّوْبِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْخَلِعُ مِنْ لِبَاسِ زَوْجِهَا قَالَ تَعَالَى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] (وَهُوَ فِرَاقُ) الزَّوْجِ (امْرَأَتَهُ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ) مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا (بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ) وَفَائِدَتُهُ تَخْلِيصِهَا مِنْ الزَّوْج عَلَى وَجْهٍ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إلَّا بِرِضَاهَا (وَإِذَا كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا لِخُلُقِهِ أَوْ خَلْقِهِ) أَيْ صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ (أَوْ) كَرِهَتْهُ (لِنَقْصِ دِينِهِ أَوْ لِكِبَرِهِ أَوْ لِضَعْفِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَخَافَتْ إثْمًا بِتَرْكِ حَقِّهِ فَيُبَاحُ لَهَا أَنْ تُخَالِعَهُ عَلَى عِوَضٍ تَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهَا مِنْهُ) ' لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (وَيُسَنُّ) لَهُ (إجَابَتُهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ مِنْ دِينٍ وَلَا خُلُقٍ وَلَكِنْ أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهَا وَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(إلَّا أَنْ يَكُونَ) الزَّوْجُ (لَهُ إلَيْهَا مَيْلٌ وَمَحَبَّةٌ فَيُسْتَحَبُّ صَبْرُهَا وَعَدَمُ افْتِدَائِهَا) قَالَ أَحْمَدُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ لَا تَخْتَلِعَ مِنْهُ وَأَنْ تَصْبِرَ قَالَ الْقَاضِي قَوْلُ أَحْمَدَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَصْبِرَ: عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ وَالِاخْتِيَارِ وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا الْكَرَاهَةَ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى جَوَازِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ (وَإِنْ خَالَعَتْهُ) الْمَرْأَةُ (مَعَ اسْتِقَامَةٍ الْحَالِ كُرِهَ) ذَلِكَ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ وَلِأَنَّهُ عَبَثٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا (وَوَقَعَ الْخُلْعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] .
стр. 2379
(وَإِنَّ عَضَلَهَا أَيْ ضَارّهَا بِالضَّرْبِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا أَوْ مَنَعَهَا حُقُوقَهَا مِنْ الْقَسْم وَالنَّفَقَة وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَمَا لَوْ نَقَصَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (ظُلْمًا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ وَالْعِوَض مَرْدُود وَالزَّوْجِيَّة بِحَالِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] وَلِأَنَّ مَا تَفْتَدِي بِهِ نَفْسهَا مَعَ ذَلِكَ عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عَلَى بَذْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَخْذُهُ مِنْهَا لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ طَلَاقِ أَوْ نِيَّتِهِ فَيَقَعُ رَجْعِيًّا) وَلَمْ تَبِنْ مِنْهُ لِفَسَادِ الْعِوَضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَا نِيَّتِهِ كَانَ (لَغْوًا) لِفَسَادِ الْعِوَضِ (وَإِنْ فَعَلَ) الزَّوْجُ (ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُضَارَةِ بِالضَّرْبِ وَالتَّضْيِيقِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْحُقُوقِ (لَا لِتَفْتَدِيَ) مِنْهُ فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْضُلْهَا لِيَذْهَبَ بِبَعْضِ مَالِهَا، وَلَكِنْ عَلَيْهِ إثْمُ الظُّلْمِ (أَوْ فَعَلَهُ لِزِنَاهَا أَوْ نُشُوزِهَا أَوْ تَرْكِهَا فَرْضًا) كَصَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ (فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ) لِقَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] وَقِيسَ الْبَاقِي عَلَيْهَا.
(وَلَا يَفْتَقِر الْخُلْعُ إلَى حَاكِمٍ نَصًّا) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَلِأَنَّهُ إنْ قِيلَ إنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَانَ كَالْبَيْعِ أَوْ قِيلَ إنَّهُ قَطْعُ عَقْدٍ بِالتَّرَاضِي كَانَ كَالْإِقَالَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَاكِمٍ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ الْخُلْعِ (فِي الْحَيْضِ) إذَا كَانَ بِسُؤَالِهَا لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِدْخَالِ ضَرَرِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَى نَفْسِهَا.
(وَ) لَا بَأْسَ بِهِ فِي (الطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ إذَا كَانَ بِسُؤَالِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (الْحَيْضِ) .
وَيَصِحُّ الْخُلْعُ (مِنْ كُلِّ زَوْج يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَأَنْ يَتَوَكَّلَ فِيهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا) بَالِغًا أَوْ مُمَيِّزًا يَعْقِلُهُ رَشِيدًا أَوْ سَفِيهًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجٌ يَصِحّ طَلَاقُهُ فَصَحَّ خُلْعُهُ وَلِأَنَّهُ إذَا مَلِكَ الطَّلَاقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَبِالْعِوَضِ أَوْلَى وَظَاهِرْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلِهِ.
وَقَالَ فِي الِاخْتِبَارَاتِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِمَّنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ بِالْمِلْكِ أَوْ الْوَكَالَةِ أَوْ الْوِلَايَةِ كَالْحَاكِمِ فِي الشِّقَاقِ وَكَذَا لَوْ فَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِيلَاءِ أَوْ الْعُنَّة أَوْ الْإِعْسَارِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَمْلِكُ الْحَاكِمُ فِيهَا الْفُرْقَةَ (وَيَقْبِضُ) الزَّوْج (عِوَضهُ) إنْ كَانَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا (وَإِنْ) كَانَ (مُكَاتَبًا وَمَحْجُورًا عَلَيْهِ لِفَلَسِ) لِأَهْلِيَّتِهِ لِقَبْضِهِ.
(فَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَعَبْدٍ) فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ
стр. 2380
(وَصَغِيرٌ مُمَيِّزٌ وَسَفِيهٌ) فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِمَا لِحَظِّ أَنْفُسِهِمَا (دَفَعَ الْمَالَ) الْمُخَالَعُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا (إلَى سَيِّدِ) الْعَبْدِ.
(وَ) إلَى (وَلِيٍّ) صَغِيرٍ وَسَفِيهٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمْ، لِقَبْضِهِ وَلِأَنَّ مَا مَلَكَهُ الْعَبْد بِالْخُلْعِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ فَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ (وَلَيْسَ لِلْأَبِ خُلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَلَا طَلَاقُهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَالْخُلْعِ فِي مَعْنَاهُ (وَكَذَا لِسَيِّدِهِمَا) أَيْ سَيِّدِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لَيْسَ لَهُ خُلْعُ زَوْجَتِهِمَا وَلَا طَلَاقِهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لِأَبٍ خُلْعُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةِ) أَوْ الْمَجْنُونَةِ أَوْ السَّفِيهَةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا (وَلِإِطْلَاقِهَا بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا) لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفُ بِمَا لِهَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلَيْسَ فِي هَذَا حَظٌّ بَلْ فِيهِ إسْقَاطُ حَقِّهَا الْوَاجِبِ لَهَا وَالْأَبُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (وَيَصِحُّ مَعَ الزَّوْجَةِ الْبَالِغَةِ الرَّشِيدَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْحَدِيثِ.
(وَ) يَصِحُّ الْخُلْعُ (مَعَ الْأَجْنَبِيِّ لِجَائِزِ التَّصَرُّفِ) بِأَنْ يَسْأَلَ الزَّوْجَ أَنْ يَخْلَعَ زَوْجَتَهُ بِعِوَضِ بَذْلِهِ وَلَوْ (بِغَيْرِ إذْنِهَا) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ (وَيَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ) أَيْ الْخُلْعِ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَجْنَبِيِّ (بِأَنْ) تَقُولَ الْمَرْأَةُ اخْلَعْنِي عَلَى كَذَا، أَوْ (يَقُولَ الْأَجْنَبِيُّ: اخْلَعْ زَوْجَتَكَ) عَلَى أَلْفٍ (أَوْ) يَقُولُ (طَلِّقْهَا عَلَى أَلْفٍ أَوْ بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى سِلْعَتِي هَذِهِ فَيُجِيبُهُ) الزَّوْجُ (فَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (وَيَلْزَم الْأَجْنَبِيِّ وَحْدَهُ الْعِوَضُ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ دُونَ الزَّوْجَةِ (وَإِنْ قَالَ) الْأَجْنَبِيُّ اخْلَعْ زَوْجَتَكَ (عَلَى مَهْرِهَا أَوْ) عَلَى (سِلْعَتِهَا وَأَنَا ضَامِنٌ) صَحَّ (أَوْ) قَالَ اخْلَعْهَا (عَلَى أَلْفٍ فِي ذِمَّتِهَا وَأَنَا ضَامِنٌ فَيُجِيبَهُ صَحَّ) الْخَلْعُ لِأَنَّهُ بَاذِلٌ لِلْبَدَلِ وَذِكْرُ مَا أَضَافَهُ إلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا لَغْوٌ (وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ) الْأَجْنَبِيُّ لِلزَّوْجِ مَا سَأَلَهُ الْخُلْعَ عَلَيْهِ (حَيْثُ سُمِّيَ الْعِوَضُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّوْجَة قُلْتُ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَمْ يَصِحَّ الْبَذْلَ وَكَذَا لَوْ سَأَلَتْهُ الزَّوْجَةُ أَنْ يُخَالِعهَا عَلَى مَالِ زَيْدٍ إنْ ضَمِنَتْهُ صَحَّ الْخُلْعُ وَلَزِمَهَا الْعِوَضُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَإِنْ قَالَتْ لَهُ) إحْدَى زَوْجَتَيْهِ (طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهُمَا وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بَائِنًا وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ عَلَى بَاذِلَتِهِ) وَحْدَهَا لِالْتِزَامِهَا لَهُ بِالْعَقْدِ (وَإِنْ طَلَّقَ) الزَّوْجُ (إحْدَاهُمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا) لِأَنَّهَا إنَّمَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِي طَلَاقِهِمَا وَلَمْ يُوجَدُ (وَإِنْ قَالَتْ) لَهُ (طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي أَوْ) قَالَتْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ لَا تُطَلِّق ضَرَّتِي فَفَعَلَ فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ وَالْبَذْلُ لَازِمَانِ) لِأَنَّهَا بَذَلَتْ عِوَضًا فِي طَلَاقِهَا وَطَلَاقِ ضَرَّتِهَا أَوْ عَدَمِهِ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِالْأَلْفِ (فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهَا بِشَرْطِهَا اسْتَحَقَّ عَلَى السَّائِلَةِ الْأَقَلُّ مِنْ الْأَلْفِ وَمِنْ صَدَاقِهَا الْمُسَمَّى) لِأَنَّهُ
стр. 2381
لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا بِعِوَضِ فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ رَجَعَ إلَى مَا رَضِيَ بِكَوْنِهِ عِوَضًا وَهُوَ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَهُ الْأَلْفُ فَقَطْ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْهَا وَعَنْ شَيْءٍ آخَرَ فَإِذَا جُعِلَ كُلُّهُ عِوَضًا عَنْهَا كَانَ أَحَظَّ لَهُ.
(وَإِنْ خَالَعَتْهُ أَمَةٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدهَا عَلَى شَيْءٍ) مُعَيَّنٍ أَوْ فِي ذِمَّتِهَا (لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ إذْ الرَّقِيقُ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ كَالْمَجْنُونِ.
(وَ) إنْ خَالَعَتْهُ الْأَمَةُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ إذْنِ السَّيِّدِ (يَصِحُّ) الْخَلْعُ كَالْبَيْعِ (وَيَكُونُ الْعِوَضُ) الَّذِي أَذِنَ لَهَا فِي الْخُلْعِ عَلَيْهِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (كَاسْتِدَانَتِهَا بِإِذْنِهِ) فَيُطَالِبُ بِهِ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُكَاتَبَةِ) إذَا خَالَعَتْهُ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّد لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ صَحَّ (إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ) الْخُلْعُ (بِإِذْنِ سَيِّدِهَا سَلَّمَتْهُ مِمَّا فِي يَدِهَا) لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا) أَيْ الْمُكَاتَبَةِ (شَيْءٌ) مِمَّا خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا (فَهُوَ فِي ذِمَّة سَيِّدهَا) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَّبَّرَةِ وَالْمَأْذُونِ لَهَا فِي التِّجَارَةِ ف (إنْ خَالَعَتْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ وَلَوْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا إذْنَ لِلْوَلِيِّ فِي التَّبَرُّعَات قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ مَعَ الْإِذْنِ لِلْمَصْلَحَةِ (فَيَقَعُ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا إنْ كَانَ بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ نِيَّتِهِ) وَكَانَ (دُونَ ثَلَاثٍ) لِأَنَّ الثَّلَاث لَا رَجْعَةَ مَعَهَا (وَإِلَّا) بَلْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِ طَلَاقٍ وَلَا نِيَّتِهِ (كَانَ لَغْوًا) كَخُلُوِّهِ عَنْ عِوَضٍ.
(وَإِنْ تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ نِيَّتِهِ صَحَّ) الطَّلَاقُ لِمَا يَأْتِي (وَإِلَّا) بِأَنْ تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ بِغَيْرِ لَفْظِ طَلَاقٍ وَلَا نِيَّتِهِ (فَلَا) يَصِحُّ الْخُلْعُ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ (كَمَبِيعٍ وَلَا يَبْطُلُ إبْرَاءُ مَنْ) خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى بَرَاءَتِهِ لَهُ ثُمَّ (ادَّعَتْ سَفَهًا حَالَةَ الْخُلْعِ بِلَا بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِسَفَهِهَا حَالَتُهُ لِأَنَّهَا تَدَّعِي الْفَسَادَ وَالْأَصْلَ الصِّحَّةُ (وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ (مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا لِفَلَسٍ) عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتهَا، لِأَنَّ لَهَا ذِمَّةٌ يَصِحُّ تَصَرُّفُهَا فِيهَا وَلَيْسَ لَهَا مُطَالَبَتُهَا حَالَ حَجْرِهَا كَمَا لَوْ اسْتَدَانَتْ مِنْ إنْسَانٍ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ بَاعَهَا شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتهَا (وَيَكُونُ) مَا خَالَعَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا (فِي ذِمَّتِهَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إذَا انْفَكَّ عَنْهَا الْحَجْرُ وَأَيْسَرَتْ) وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ خَالَعَتْ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهَا لَمْ يَصِحَّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ انْتَهَى.
стр. 2382
[فَصْلٌ الْخُلْعُ طَلَاقٌ بَائِنٌ]
فَصْلٌ وَالْخُلْعُ طَلَاقٌ بَائِنٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَإِنَّمَا يَكُونُ فِدَاءً إذَا خَرَجَتْ مِنْ قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَائِنًا لَمَلِكَ الرَّجْعَةَ، وَكَانَتْ تَحْت حُكْمِهِ وَقَبْضَتِهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْد إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهَا فَلَوْ جَازَتْ الرَّجْعَةُ لَعَادَ الضَّرَرُ (إلَّا أَنْ يَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوْ الْفَسْخِ أَوْ الْمُفَادَاةِ وَلَا يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ فَيَكُونُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ) وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّهُ طَلْقَةً بَائِنَةً بِكُلِّ حَالٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ قَالَ لَيْسَ لَنَا فِي الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسْخ وَاحْتَجَّ ابْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ قَالَ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ قَالَ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَذَكَر تَطْلِيقَتَيْنِ وَالْخُلْعَ وَتَطْلِيقَةً بَعْدَهَا فَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ أَرْبَعًا وَلِأَنَّ الْخُلْعَ فُرْقَةٌ خَلَتْ عَنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنِيَّتِهِ، فَكَانَتْ فَسْخًا كَسَائِرِ الْفُسُوخِ (وَلَوْ لَمْ يَنْوِ) بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ (الْخُلْعَ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِيهِ) لِكَوْنِهَا الْوَارِدَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
(وَكِنَايَتُهُ) أَيْ الْخُلْعُ (بَارَيْتُكَ وَأَبْرَأْتُكَ وَأَبَنْتُكَ) لِأَنَّ الْخُلْعَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفُرْقَةِ فَكَانَ لَهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ كَالطَّلَاقِ (فَمَعَ سُؤَالِ الْخُلْعِ وَبَذْلِ الْعِوَضِ يَصِحُّ) الْخُلْعَ (مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ مِنْ سُؤَالِ الْخُلْعِ وَبَذْلِ الْعِوَضِ صَارِفَةٌ إلَيْهِ) فَأَغْنَتْ عَنْ النِّيَّةِ فِيهِ إنْ لَمْ تَكُنْ دَلَالَةَ حَالٍ، وَ (لَا بُدَّ فِي الْكِنَايَاتِ مِنْ نِيَّةِ الْخُلْعِ مِمَّنْ أَتَى بِهَا) أَيْ الْكِنَايَاتِ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الزَّوْجَيْنِ كَالطَّلَاقِ بِالْكِنَايَةِ (وَإِنْ تَوَاطَآ) أَيْ تَوَافَقَ الزَّوْجَانِ (عَلَى أَنْ تَهَبَهُ) الزَّوْجَةُ (الصَّدَاقَ وَتُبْرِئَهُ) مِنْهُ إنْ كَانَ دَيْنًا أَوْ مِنْ نَحْوِ نَفَقَةٍ أَوْ قَرْضٍ (عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَأَبْرَأَتْهُ) مِنْهُ أَوْ وَهَبَتْهُ الصَّدَاقَ إنْ كَانَ عَيْنَا (ثُمَّ طَلَّقَهَا كَانَ) الطَّلَاقُ (بَائِنًا) لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي مُقَابَلَةِ الْبَرَاءَةِ، فَيَكُونُ طَلَاقًا عَلَى عِوَضٍ.
(وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا) الزَّوْجُ (أَبْرِئِينِي وَأَنَا أُطَلِّقُكِ أَوْ إنْ أَبْرَأْتِينِي طَلَّقْتُكِ
стр. 2383
وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ سَأَلَ الْإِبْرَاءَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا وَإِنَّهَا أَبْرَأَتْهُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.
وَقَالَ أَيْضًا: إنْ كَانَتْ أَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً لَا تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ رَجْعِيٌّ) انْتَهَى لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَض لَفْظًا وَمَعْنًى (وَتَصِحُّ تَرْجَمَةُ الْخُلْعِ بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ أَهْلهَا) لِأَنَّهَا الْمَوْضُوعَةُ لَهُ فِي لِسَانِهِمْ، فَأَشْبَهَتْ الْمَوْضُوعَ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
(وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (خَالَعْتُ يَدَك) عَلَى كَذَا (أَوْ) خَالَعْتُ (رِجْلَك عَلَى كَذَا فَقَالَتْ قَبِلْتُ، فَإِنْ نَوَى بِهِ طَلَاقًا وَقَعَ) الطَّلَاقُ لِسَرَايَتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا (ف) هُوَ (لَغْوٌ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْأَزَجِيِّ) قَالَ فِي نِهَايَتِهِ يَتَفَرَّعُ عَلَى قَوْلِنَا الْخُلْعُ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ مَسْأَلَةٍ مَا إذَا قَالَ خَالَعْتُ يَدَك أَوْ رِجْلَكَ عَلَى كَذَا فَقَبِلَتْ فَإِنْ قُلْنَا الْخُلْعُ فَسْخٌ، لَا يَصِحُّ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ طَلَاقٌ صَحَّ كَمَا لَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا (وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْخُلْعِ طَلَاقٌ وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ) الْمُخَالِعُ لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الَّتِي انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بُضْعَهَا فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ كَالْأَجْنَبِيَّةِ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ مَادَامَ فِي الْعِدَّةِ» لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ وَلَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
(وَإِنْ شَرَطَ الرَّجْعَةَ) فِي الْخُلْعِ (أَوْ) شَرَطَ (الْخِيَارَ فِيهِ صَحَّ) الْخُلْعُ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالْعِوَضِ الْفَاسِدِ فَلَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالنِّكَاحِ (وَلَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ) لِمُنَافَاتِهِ لِلْخُلْعِ (وَيَسْتَحِقُّ) الْمُخَالِعُ (الْمُسَمَّى فِيهِ) أَيْ فِي الْخُلْعِ، لِأَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِهِ عِوَضًا فَلَمْ يَجِبْ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ خَلَا عَنْ الشَّرْطِ (وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَيْ الْخُلْعِ (عَلَى شَرْطٍ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ كَالْبَيْعِ، فَلَوْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (إنْ بَذَلْتِ لِي كَذَا فَقَدْ خَلَعْتُكِ لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ وَلَوْ بَذَلَتْ لَهُ مَا سَمَّاهُ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ اللَّازِمَةِ (وَإِنْ قَالَتْ: اجْعَلْ أَمْرِي فِي يَدِي وَأُعْطِيكَ عَبْدِي هَذَا فَفَعَلَ) أَيْ جَعَلَ أَمَرَهَا بِيَدِهَا (وَقَبَضَ الْعَبْدَ مَلَكَهُ) لِأَنَّهُ وَفَّاهَا مَا جَعَلَهُ لَهَا فِي نَظِيرِهِ.
(وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ) أَيْ الْعَبْدِ (وَلَوْ قَبَلَ اخْتِيَارَهَا) نَفْسِهَا كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ (وَمَتَى شَاءَتْ تَخْتَارُ) لِجَعْلِهِ ذَلِكَ لَهَا (مَا لَمْ يَطَأْ أَوْ يَرْجِعْ) فَلَا اخْتِيَارَ لَهَا لِانْعِزَالِهَا بِذَلِكَ (فَإِنْ رَجَعَ) عَنْ جَعْلِ أَمْرِهَا فِي يَدِهَا (فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ) الَّذِي بَذَلَتْهُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ عَبْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهَا مَا يُقَابِلُهُ (وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ (إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ مَلَكَ
стр. 2384
إبْطَال هَذِهِ الصِّفَةِ) لِأَنَّهُ وَكَالَةٌ وَهِيَ جَائِزَةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخَر الْكِنَايَاتِ فِي الطَّلَاقِ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ وَلَوْ جَعَلَتْ لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُخَيِّرَهَا) فَخَيَّرَهَا (فَاخْتَارَتْ الزَّوْجَ لَا يَرُدُّ) الزَّوْجُ (شَيْئًا) مِنْ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا جَاعَلَتْهُ عَلَيْهِ فَاسْتَقَرَّتْ لَهُ.
(وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِدِينَارٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ ارْتَدَّتْ) عَنْ الْإِسْلَام (لَزِمَهَا الدِّينَارُ) بِالطَّلَاقِ (وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا) لِأَنَّهُ عَلَى عِوَضٍ (وَلَا تُؤَثِّرُ الرِّدَّةُ) فِيهِ لِتَأَخُّرِهَا عَنْهُ (فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْد رِدَّتِهَا وَقَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا بَانَتْ بِالرِّدَّةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَمْ يَقَع الطَّلَاقُ) لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ (وَإِنْ كَانَ) طَلَّقَهَا بَعْدَ رِدَّتِهَا وَ (بَعْدَ الدُّخُولِ) بِهَا (وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَى رِدَّتِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتِهَا تَبَيَّنَّا عَدَم وُقُوعِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِزَوْجَةٍ) حِينَ طَلَّقَهَا (وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا) أَيْ الْعِدَّةِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً حِينَهُ.
[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إلَّا بِعِوَضٍ]
فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إلَّا بِعِوَضٍ لِأَنَّ الْعِوَضَ رُكْنٌ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ تَرْكُهُ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْع (فَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ عِوَض لَمْ يَقَعْ خُلْعٌ وَلَا طَلَاقٌ) لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ طَلَاقِ أَوْ نِيَّتِهِ فَيَقَعُ) طَلَاقًا (رَجْعِيًّا) لِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَا عِوَضَ فِيهِ فَكَانَ رَجْعِيًّا كَغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا لَمْ يَكُنْ شَيْئًا لِأَنَّ الْخُلْعَ إنْ كَانَ فَسْخًا فَالزَّوْجُ لَا يَمْلِكُ فَسْخَ النِّكَاحَ إلَّا بِعَيْبِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فَسَخْتُ النِّكَاحَ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَهُ الْعِوَضُ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَلَا يَجْتَمِعْ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ.
(وَلَا يَصِحُّ) الْخُلْعُ (بِمُجَرَّدِ بَذْلِ الْمَالِ وَقَبُولِهِ) مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْبُضْعِ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ اللَّفْظِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ قَبْضٌ لِعِوَضٍ فَلَمْ يَقُمْ بِمُجَرَّدِهِ مَقَامَ الْإِيجَاب، كَقَبْضِ أَحَد الْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَمِيلَةَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ» فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ اللَّفْظِ.
وَفِي رِوَايَةٍ " فَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا " وَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْفُرْقَةَ
стр. 2385
فَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِصَّةِ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْعِوَضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَكَذَا لَمْ يَذْكُرُوا مِنْ جَانِبِهَا لَفْظًا وَلَا دَلَالَةَ حَالٍ وَلَا بُدَّ مِنْهُ اتِّفَاقًا (بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ) بِأَنْ يَقُولَ: خَلَعْتُكِ وَنَحْوِهِ عَلَى كَذَا، فَتَقْوُلُ رَضِيتُ أَوْ نَحْوَهُ.
(فَإِنْ قَالَتْ) لِزَوْجِهَا (بِعْنِي عَبْدَك هَذَا وَطَلِّقْنِي بِأَلْفٍ فَفَعَلَ) أَيْ بَاعَهَا الْعَبْدَ وَطَلَّقَهَا بِالْأَلْفِ (صَحَّ) ذَلِكَ (وَكَانَ بَيْعًا وَخُلْعًا) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصِحُّ مُفْرَدًا فَصَحَّا مُجْتَمِعَيْنِ (وَيُقَسِّطُ الْأَلْفَ عَلَى الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى وَ) عَلَى (قِيمَةِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ عِوَضُ الْخُلْعِ مَا يَخُصُّ الْمُسَمَّى أَيْ الْمَهْرُ، وَعِوَضُ الْعَبْدِ مَا يَخُصُّ قِيمَتَهُ، حَتَّى لَوْ رَدَّتْهُ بِعَيْبٍ رَجَعَتْ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا يَخُصُّ قِيمَتَهُ لِأَنَّهُ ثَمَنُهُ (وَإِنْ وَجَدَتْهُ حُرًّا أَوْ) وَجَدَتْهُ (مَغْصُوبًا رَجَعَتْ بِهِ لِأَنَّهُ عِوَضُهَا) أَيْ ثَمَنُهَا الَّذِي بَذَلَتْهُ عِوَضًا عَنْ الْعَبْدِ (فَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ شِقْصٌ مَشْفُوعٌ) وَقَالَتْ لَهُ بِعْنِي شِقْصَكَ هَذَا وَطَلِّقْنِي بِأَلْفٍ وَفَعَلَ صَحَّ وَ (ثَبَتَتْ فِيهِ) أَيْ الشِّقْصِ (الشُّفْعَةُ) لِوُجُودِ سَبَبِهَا وَهُوَ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الْخُلْعِ، وَيُوَزِّعُ الْأَلْفَ عَلَى الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى وَقِيمَةِ الشِّقْصِ وَ (يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِحِصَّةِ قِيمَتِهِ مِنْ الْأَلْفِ) لِأَنَّهُ ثَمَنُهُ.
(وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا) صَدَاقًا (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ أَخَذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا (كُرِهَ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ جَمِيلَةَ بِ «وَلَا تَزْدَادُ» (وَصَحَّ) الْخُلْعُ (نَصًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَقَالَتْ الرَّبِيعُ بِنْت مُعَوِّذٍ " اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي بِمَا دُونَ عَقَاصِ رَأْسِي فَأَجَازَ ذَلِكَ عَلِيٌّ " وَاسْتَمَرَّ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ.
(وَالْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ كَالْعِوَضِ فِي الصَّدَاقِ وَالْبَيْعِ إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا أَوْ مَذْرُوعًا لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الزَّوَاجِ) إلَّا بِقَبْضِهِ (وَلَا يَمْلِكُ) الزَّوْجُ (التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ) وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ مُفَصَّلًا (وَإِنْ تَلِفَ) عِوَضُ الْخُلْعِ الْمَكِيلِ وَنَحْوِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَبْضِ (فَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عِوَضُهُ) وَلَمْ يَنْفَسِخْ الْخُلْعُ بِتَلَفِهِ (وَإِنْ كَانَ) عِوَضُ الْخُلْعِ (غَيْرَ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرَ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ وَلَا مَعْدُودٍ وَلَا مَذْرُوعٍ (دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) قَبْل قَبْضِهِ قُلْتُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْقُودًا عَلَيْهِ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ كَالْمَبِيعِ.
(وَإِنْ خَالَعَهَا بِمُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ وَالْحُرِّ فَكَخُلْعٍ بِلَا عِوَض إنْ كَانَا يَعْلَمَانِهِ) لِأَنَّ الْخُلْعَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ يَدُلُّ عَلَى رِضَا فَاعِلِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ لَا يُقَالُ هَلَّا يَصِحُّ الْخُلْعُ
следующие страницы →