Полный текст (3 210 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
فِي الْحَاشِيَةِ (وَمَسْكَنًا وَتَوَابِعَهَا) أَيْ تَوَابِعَ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ وَالْمَسْكَنِ، كَثَمَنِ الْمَاءِ وَالْمُشْطِ وَالسُّتْرَةِ وَدُهْنِ الْمِصْبَاحِ وَالْغِطَاءِ وَالْوَطْءِ وَنَحْوِهَا وَأَصْلُهَا الْإِخْرَاجُ مِنْ النَّافِقَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يَجْعَلُهُ الضَّبُّ فِي مُؤَخَّرِ الْحُجْرِ رَفِيعًا يَعُدُّهُ لِلْخُرُوجِ إذَا أَتَى مِنْ بَابِهِ رَفْعَهُ بِرَأْسِهِ وَخَرَجَ وَمِنْهُ سُمِّيَ النِّفَاقُ، لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْإِيمَانِ أَوْ خُرُوجٌ الْإِيمَان مِنْ الْقَلْبِ، فَسُمِّيَ الْخُرُوجُ نَفَقَةً لِذَلِكَ وَهِيَ أَصْنَافٌ: نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ هُنَا وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَتَأْتِي (وَيَلْزَمُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ وَهُوَ الْكِفَايَةَ مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ وَتَوَابِعِهَا (الزَّوْجَ لِزَوْجَتِهِ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الْآيَةُ وَمَعْنَى قَدَرَ ضَيَّقَ «وَقَوْلِهِ ﷺ : فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ نَفَقَتُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَى الزَّوْجِ يَمْنَعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ وَالِاكْتِسَابِ فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ (وَلَوْ) كَانَتْ الزَّوْجَةُ (ذِمِّيَّةً) تَحْتَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (بِ) حَسَبِ (مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهَا) مَعَ مِثْلِهِ (بِالْمَعْرُوفِ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ.
(وَهِيَ) أَيْ النَّفَقَةُ (مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ) فَيَجِبُ لَهَا كِفَايَتُهَا مِمَّا ذُكِرَ لِحَدِيثِ هِنْدٍ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ تَجِبُ لَهُ فِي قَدْرِهَا لِلْحَدِيثِ فَأَمَرَهَا بِأَخْذِ مَا يَكْفِيهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَالْكِفَايَةُ لَا تَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُمَا الشَّرْعُ فِي الْجِنْسِ لَا الْقَدْرِ.
(وَتَخْتَلِفُ) النَّفَقَةُ (بِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ) يَسَارًا وَإِعْسَارًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] (فَيَعْتَبِرُ ذَلِكَ الْحَاكِمُ بِحَالِهِمَا عِنْدَ التَّنَازُعِ) لَا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ بِحَالِهِمَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَرِعَايَةً لِكُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي الْوَاجِبُ رِطْلَانِ مِنْ خُبْزٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ اعْتِبَارًا بِالْكَفَّارَاتِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ (فَيَفْرِضُ) الْحَاكِمُ (لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ) الْخَاصِّ (وَدُهْنِهِ وَأُدْمِهِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا بِأَكْلِهِ مِنْ الْأُرْزِ وَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا تُكْرَهُ عُرْفًا) لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ؛ وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ إطْعَامُ الْمُوسِرَةِ خُبْزَ الْمُعْسِرَةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ التَّفْرِيقُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ يَتَعَارَفُونَ
стр. 2627
فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ جِنْسَ نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ أَعْلَى مِنْ جِنْسِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِينَ وَيَعُدُّونَ الْمُنْفِقَ مِنْ الْمُوسِرِينَ مِنْ جِنْسِ الْمُعْسِرِينَ بَخِيلًا (وَإِنْ تَبَرَّمَتْ بِأُدْمٍ نَقَلَهَا إلَى أُدْمٍ غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ.
(وَ) يَفْرِضُهُ لَهَا (لَحْمًا عَادَةَ الْمُوسِرِينَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَ) يَفْرِضُ لَهَا (حَطَبًا وَمِلْحًا لِطَبْخِهِ) لِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ (وَقَدْرُ اللَّحْمِ رِطْلٌ عِرَاقِيٌّ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْمِيَاهِ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ وَمَا قَدَّمَهُ أَوْلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْكِفَايَةِ (لَكِنْ يُخَالِفُ فِي إدْمَانِهِ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ (قَالَ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ فِي الْجُمُعَةِ مَرَّتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهَادِي وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ (وَ) يَفْرِضُ لَهَا الْحَاكِمُ مِنْ الْكُسْوَةِ (مَا يَلْبِسُ مِثْلُهَا مِنْ حَرِيرٍ وَخَزٍّ) وَهُوَ مَا سُدِيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَلُحِمَ بِغَيْرِهِ (وَجَيِّدِ كَتَّانٍ وَقُطْنٍ وَأَقَلُّهُ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَوِقَايَةٌ وَهِيَ مَا تَضَعُهُ فَوْقَ الْمِقْنَعَةِ وَتُسَمَّى الطَّرْحَةَ وَمِقْنَعَةٌ وَمَدَاسٌ وَجُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ.
لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَيْءٍ يُوَارِي جَسَدَهُ وَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمِنْ شَيْءٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَهُوَ السَّرَاوِيلُ، وَمِنْ شَيْءٍ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ الْوِقَايَةُ، وَمِنْ شَيْءٍ فِي رِجْلِهِ وَهُوَ الْمَدَاسُ وَمِنْ شَيْءٍ يُدْفِئُهُ وَهُوَ جُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ، وَمِنْ شَيْءٍ يَنَامُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلِلنَّوْمِ فِرَاشٌ وَلِحَافٌ وَمِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (مَحْشُوٌّ ذَلِكَ بِالْقُطْنِ الْمَنْزُوعِ الْحَبِّ إذَا كَانَ عُرْفُ) الْبَلَدِ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ (وَمِلْحَفَةٌ لِلِّحَافِ) لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ (وَإِزَارٌ) تَنَامُ فِيهِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِالنَّوْمِ فِيهِ كَأَرْضِ الْحِجَازِ وَنَحْوِهَا.
(وَلِلْجُلُوسِ زِلِّيٌّ وَهُوَ بِسَاطٌ مِنْ صُوفٍ وَهُوَ الطَّنْفَسَةُ وَرَفِيعُ الْحُصْرِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَا لَا غِنًى عَنْهُ (وَتُزَادُ مِنْ عَدَدِ الثِّيَابِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ مِمَّا لَا غِنًى عَنْهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ دَفْعُ الْحَاجَةِ الْغَالِبَةِ (دُونَ مَا لِلتَّجَمُّلِ وَالزِّينَةِ وَ) يُفْرَضُ (لِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ كَخِشْكَارٍ) ضِدَّ النَّاعِمِ (بِأُدْمِهِ الْمُلَائِمِ لَهُ عُرْفًا كَالْبَاقِلَاءِ وَالْخَلِّ وَالْبَقْلِ وَالْكَامَخِ وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا) لِأَنَّهَا إحْدَى الزَّوْجَيْنِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ حَالِهَا كَالْمُوسِرَةِ (وَدُهْنِهِ وَلَحْمِهِ عَادَةً.
وَفِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ كَالرِّعَايَةِ فِي اللَّحْمِ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً وَ) يَفْرِضُ لَهَا (مَا يَلْبِسُ مِثْلُهَا أَوْ يَنَامُ فِيهِ مِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَلِلنَّوْمِ فِرَاشٌ بِصُوفٍ وَكِسَاءٍ أَوْ عَبَاءَةٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ (لِلْغِطَاءِ وَالْجُلُوسِ بَارِيَّةٍ أَوْ خَيْشٍ) عَلَى قَدْرِ عَادَتِهَا وَعَادَةِ أَمْثَالِهَا.
(وَ) يُفْرَضُ (لِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ وَالْمُوسِرَةِ مَعَ الْمُعْسِرِ وَالْمُعْسِرَةِ مَعَ الْمُوسِر الْمُتَوَسِّطِ مِنْ ذَلِكَ عُرْفًا) لِأَنَّ إيجَابَ نَفَقَةَ الْمُوسِرِ عَلَى الْمُعْسِرِ وَإِنْفَاقِ الْمُعْسِرِ نَفَقَةَ الْمُوسِرُ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَفِيهِ إضْرَارٌ بِصَاحِبِهِ، فَكَانَ
стр. 2628
اللَّائِقُ بِحَقِّهِمَا هُوَ الْمُتَوَسِّطُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: الْمُوسِرُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَة بِمَالِهِ أَوْ كَسْبِهِ وَعَكْسُهُ الْمُعْسِرُ وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ وَالْمُتَوَسِّطُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِ النَّفَقَةِ بِمَالِهِ أَوْ كَسْبِهِ قَالَ ابْنُ حَمَدَانِ: وَمِسْكِينٌ لَا زَكَاةَ لَهُ مُعْسِرٌ وَمِنْ فَوْقَهُ مُتَوَسِّطٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُعْسِرٌ.
(وَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ الْبَدَوِيَّةِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَادِيَةِ بِالنَّاحِيَةِ الَّتِي يَنْزِلُونَهَا وَيَجِبُ) لِلزَّوْجَةِ (مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدُّهْنِ لِلسِّرَاجِ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ كُلُّهُ بِحَسْبِ عَادَةِ بَلَدِهِمَا (عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ فِي بُلْدَانِهِ) فَيَجِبُ لَهَا (السَّمْنُ فِي مَوْضِعٍ وَالزَّيْتُ فِي آخَرَ وَالشَّحْمِ فِي آخَرَ وَالشَّيْرَجِ فِي آخَرَ) بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَ (لَا) يَجِبُ دُهْنُ الْمِصْبَاحِ (لِأَهْلِ الْخِيَامِ وَالْبَادِيَةِ) لِعَدَمِ تَعَارُفِهِمْ لَهُ (وَلَا يَجِبُ لَهَا إزَارٌ لِلْخُرُوجِ وَهُوَ الْمِلْحَفَةُ، وَمِثْلُهُ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ) كَالرَّانِ (لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ أَمْرُهَا عَلَى الْخُرُوجِ) وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْخُرُوجِ لِحَقِّ الزَّوْجِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ مَا هِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ لِأَجْلِهِ (وَلَا بُدَّ مِنْ مَاعُونِ الدَّارِ) لِأَنَّهُ لَا غِنًى لَهَا عَنْهُ (وَيُكْتَفَى بِخَزَفٍ) وَهُوَ آنِيَةُ الطِّينِ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ وَهُوَ الصَّلْصَالُ فَإِذَا شُوِيَ فَهُوَ الْفَخَّارُ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَخَشَبٍ وَالْعَدْلُ مَا يَلِيقُ بِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآنِيَةِ.
(وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ) فِي النَّفَقَةِ (كَالْمُعْسِرِ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِأَحْسَنَ حَالًا مِنْهُ (وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَكَمُتَوَسِّطِينَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَكَمُعْسِرَيْنِ) وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ نَفَقَتِهِ وَنِصْفُ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَبَاقِيهِمَا عَلَى سَيِّدِهِ.
(وَلَا يَجِبُ فِي النَّفَقَةِ الْحَبُّ) بَلْ الْكِفَايَةُ مِنْ الْخُبْزِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ وَكَنَفَقَةِ السَّيِّدِ وَلِأَنَّ الْحَبَّ يَحْتَاجُ إلَى كُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ (فَلَوْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ حَبًّا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ دَقِيقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ (أَوْ) طَلَبَتْ (مَكَانَ الْكُسْوَةِ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرَهَا) مِنْ الْعُرُوضِ (لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوِضُهُ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا.
(وَ) كَذَا (لَا يَلْزَمُهَا قَبُولُهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا لَوْ بَذَلَهُ) الزَّوْجُ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ بَذْلِ الْخُبْزِ أَوْ الْكُسْوَةِ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ تَرَاضَيَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ أَخْذُ الْعِوَضَ (جَازَ) لِأَنَّهُ الْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمَا (بِخِلَافِ الطَّعَامِ) فِي الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى (وَلَيْسَ هُوَ مُعَاوَضَةً حَقِيقَةً) لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاجِبَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْكِفَايَةِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى إيجَابِ الْخُبْزِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ فَرُجِّحَ بِذَلِكَ.
(وَ) إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْعِوَضِ فِي النَّفَقَةِ أَوْ الْكُسْوَةِ أَوْ فِيهِمَا فَ (لِكُلٍّ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَنْهُ بَعْدَ التَّرَاضِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ) لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ.
(وَلَا يَمْلِكُ الْحَاكِمُ فَرْضَ غَيْرِ الْوَاجِبِ كَدَرَاهِمَ مَثَلًا) إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا وَلَا يُجْبَرُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا قَالَ فِي الْهَدْيِ: وَأَمَّا فَرْضُ الدَّرَاهِمِ فَلَا أَصْلَ لَهَا فِي كِتَابٍ
стр. 2629
وَلَا سُنَّةٍ وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ بِغَيْرِ الرِّضَا عَنْ غَيْرِ مُسْتَقَرٍّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَّجِهٌ مَعَ عَدَمِ الشِّقَاقِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ، فَأَمَّا مَعَ الشِّقَاقِ وَالْحَاجَةُ كَالْغَائِبِ مَثَلًا فَيَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى.
(وَلَا يُعْتَاضُ عَنْ الْمَاضِي) مِنْ وَاجِبِ النَّفَقَةِ (بِرِبَوِيٍّ) لِأَنَّهُ رِبًا.
(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (مُؤْنَةُ نَظَافَتِهَا مَنْ الدُّهْنِ) لِرَأْسِهَا (وَالسِّدْرِ وَالصَّابُونِ وَثَمَنُ مَاءَ شُرْبٍ وَوُضُوءٍ وَغُسْلٍ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَجَنَابَةٍ وَنَجَاسَةٍ وَغَسْلِ ثِيَابٍ وَكَذَا الْمُشْطُ وَأُجْرَةُ الْقِيمَةِ وَنَحْوُهُ وَتَبْيِيضُ الدَّسْتِ وَقْتَ الْحَاجَةِ) إلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ كَتَنْظِيفِ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (الْأَدْوِيَةُ وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَالْحَجَّامِ وَالْفَاصِدِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِإِصْلَاحِ الْجِسْمِ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ بِنَاءُ مَا يَقَعُ مِنْ الدَّارِ (وَكَذَا ثَمَنُ الطِّيبِ وَالْحِنَّاءُ وَالْخِضَابُ وَنَحْوُهُ) كَالْإِسْفِيدَاجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الزِّينَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَشِرَاءِ الْحُلِيِّ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُرِيدُ لِذَلِكَ (أَوْ قَطْعَ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْهَا) أَيْ يَلْزَمُهُ مَا يُرَادُ لِقَطْعِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالتَّرْغِيبِ (وَيَلْزَمُهَا تَرْكُ الْحِنَّاءِ وَزِينَةً نَهَاهَا عَنْهُ) ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(فَإِنْ احْتَاجَتْ) الزَّوْجَةُ (إلَى مَنْ يَخْدُمُهَا لِكَوْنِ مِثْلِهَا لَا يَخْدُمُ نَفْسَهَا أَوْ لِمَوْضِعِهَا وَلَا خَادِمَ لَهَا لَزِمَهُ لَهَا خَادِمٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَلِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا بِشِرَاءٍ أَوْ كِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخِدْمَةُ كَمَا لَوْ أَسْكَنَهَا دَارًا بِالْأُجْرَةِ أَوْ عَارِيَّةٍ وَالْخَادِمُ وَاحِدُ الْخَدَمِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ غَيْرِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْأَفْعَالِ كَحَائِضٍ وَعَاتِقٍ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجُ (أَنْ يُمَلِّكَهَا إيَّاهُ) أَيْ الْخَادِمَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْإِخْدَامُ لَا التَّمْلِيكُ فَإِنْ مَلَّكَهَا إيَّاهُ فَقَدْ زَادَهَا خَيْرًا (وَلَا إخْدَامَ) عَلَيْهِ (لِرَقِيقَةٍ وَلَوْ كَانَتْ جَمِيلَةً) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالزَّوْجَةِ.
(فَإِنْ طَلَبَتْ) الزَّوْجَةُ (مِنْهُ أَجْرَ خَادِمِهَا فَوَافَقَهَا جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَإِنْ أَبَى) الزَّوْجُ ذَلِكَ (وَقَالَ أَنَا آتِيكِ بِخَادِمٍ سِوَاهُ فَلَهُ ذَلِكَ إذَا أَتَى بِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا) لِأَنَّهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ (وَلَا يَكُونُ الْخَادِمُ إلَّا مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الزَّوْجَةِ (إمَّا امْرَأَةٌ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ) لِأَنَّ الْخَادِمَ يَلْزَمُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ فَلَا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ.
(فَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ مِلْكَهَا كَانَ تَعْيِينُهُ إلَيْهِمَا) أَيْ إلَى الزَّوْجَيْنِ فَإِذَا رَضِيَتْ بِخِدْمَتِهِ وَنَفَقَتِهِ عَلَى الزَّوْجِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَإِنْ كَانَ)
стр. 2630
الْخَادِمُ (مِلْكَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اسْتِعَارَهُ فَتَعْيِينُهُ إلَيْهِ) لِأَنَّ أُجْرَتَهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُ إلَيْهِ (وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ) الْخَادِمُ (كِتَابِيَّةً) لِأَنَّهَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ لِلْمُسْلِمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَلْزَمُهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ (قَبُولُهَا) أَيْ الْكِتَابِيَّةَ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ (وَلَهُ تَبْدِيلُ خَادِمٍ أَلِفَتْهَا) الزَّوْجَةُ لِأَنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ (وَلَا يَلْزَمُ) الزَّوْجَ (أُجْرَةُ مَنْ يُوَضِّئُ) زَوْجَةً (مَرِيضَةً) بِخِلَافِ رَقِيقِهِ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْوُضُوءُ بِنَفْسِهِ.
(وَتَلْزَمُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ وَكُسْوَتِهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْفَقِيرَيْنِ) لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ وَحَالُهُ حَالُ الْمُعْسِرِينَ (إلَّا فِي النَّظَافَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ لَهَا) أَيْ الْخَادِمِ (مَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا وَلَا مُشْطٍ وَدُهْنٍ وَسِدْرٍ لِرَأْسِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلزِّينَةِ وَالتَّنْظِيفِ وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْخَادِمِ (فَإِنْ احْتَاجَتْ) الْخَادِمُ (إلَى خُفٍّ وَمِلْحَفَةٍ لِحَاجَةِ الْخُرُوجِ لَزِمَهُ) ذَلِكَ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (إلَّا إذَا كَانَتْ) الْخَادِمُ (بِأُجْرَةٍ أَوْ) كَانَتْ (عَارِيَّةً فَ) نَفَقَتُهَا وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ (عَلَى مُؤَجِّرٍ وَمُعِيرٍ) لِأَنَّ الْمُكْرِي لَيْسَ لَهُ إلَّا الْأُجْرَةُ وَالْمُعَيَّرُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَةٌ مِلْكُهُ بِإِعَارَتِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجُ (أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ خِدْمَتُهَا فِي نَفْسِهَا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدِ وَمَا زَادَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ قَالَتْ) لِزَوْجِهَا (أَنَا أَخْدُمُ نَفْسِي وَآخُذ مَا يَلْزَمُكَ لِخَادِمِي لَمْ يَلْزَمْهُ) ذَلِكَ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ الْخَادِمُ إلَيْهِ (وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (أَنَا أَخْدُمُكِ) بِنَفْسِي (لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ) لِأَنَّهَا تَحْتَشِمُهُ وَفِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهَا لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمًا لَهَا (وَلَوْ أَرَادَتْ مِنْ الْإِخْدَامِ لَهَا أَنْ تَتَّخِذَ خَادِمًا وَتُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ) لَهَا فِيهِ وَيَلْزَمُهُ مُؤْنِسَةٌ لِحَاجَةٍ.
[فَصْلٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ]
فَصْلٌ (وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَكُسْوَتُهَا وَمَسْكَنُهَا كَالزَّوْجَةِ) فِيمَا تَقَدَّمَ (سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ أَشْبَهَ مَا قَبْل الطَّلَاقِ (إلَّا فِيمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ لِلِاسْتِمْتَاعِ (أَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (تَأْخُذُهَا
стр. 2631
كُلَّ يَوْمٍ قَبْلَ الْوَضْعِ) لِلْآيَةِ (وَلَهَا السُّكْنَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] .
(وَ) لَهَا (الْكُسْوَةُ) لِدُخُولِهَا فِي النَّفَقَةِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ دُونَهَا مُتَعَذِّرٌ فَوَجَبَ كَمَا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) الْبَائِنُ (حَامِلًا فَلَا شَيْءَ لَهَا) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ " وَلَا سُكْنَى.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اُنْظُرِي يَا ابْنَةَ قَيْسٍ إنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا فَكَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحُمَيْدِيُّ وَقَوْلُ عُمَرَ بِوُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ.
(فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا اسْتِحْقَاقَهَا لَهُ فَرَجَعَتْ بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ (سَوَاءٌ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ إنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهَا وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَلَا (وَعَكْسُهَا) بِأَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلًا فَبَانَتْ حَائِلًا (يَرْجِعُ عَلَيْهَا) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهَا دَيْنًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) بَائِنٌ (أَنَّهَا حَامِلٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا) مُبِينُهَا (ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ) مِنْ ابْتِدَاءِ زَمَنٍ ذَكَرَتْ أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْهُ بِنَظِيرِ مَا أَنْفَقَ الثَّلَاثَةُ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يَبِنْ) حَمْلُهَا (رَجَعَ عَلَيْهَا، إلَّا إنْ ظَهَرَ بَرَاءَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثَةِ أَشْهُرٍ (بِحَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَقْطَعُ النَّفَقَةَ) عَنْهَا لِتَبَيُّنِ عَدَمِ الْحَمْلِ (سَوَاءٌ دُفِعَ إلَيْهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ بِغَيْرٍ شَرَطَ أَنَّهَا نَفَقَةٌ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ) ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَمْلَ يَتَبَيَّنُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَقَرِينَةُ الْحَالِ دَالَّةٌ أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهَا عَلَى وَجْهِ النَّفَقَةِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ الْحَمْلَ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ عِدَّتِهَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِالزِّيَادَةِ) لِتَبَيُّنِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا لَهَا (وَيَرْجِعُ فِي) قَدْرِ (مُدَّةِ الْعِدَّةِ إلَيْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا.
(وَلَا يُرْجَعُ بِالنَّفَقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا تَبَيَّنَ فَسَادُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ النَّفَقَةُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالْإِنْفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ مُفَرِّطٌ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ (كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ) بِلَا إذْنِهَا لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ عَلَى الْمُبِينِ (لِلْحَمْلِ لَا لَهَا) أَيْ الْبَائِنُ (مِنْ أَجْلِهِ) أَيْ الْحَمْلِ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ (وَتَسْتَحِقُّ) الْبَائِنُ (قَبْضَهَا) أَيْ النَّفَقَةَ (وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا) وَكَذَلِكَ صَحَّتْ مُخَالَعَتُهَا عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ (فَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (عَلَى زَوْجٍ لِ) زَوْجَةٍ (نَاشِزٍ حَامِلٍ وَلِمُلَاعَنَةٍ حَامِلٍ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَهُوَ وَلَدُهُ (وَلَوْ نَفَاهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْيِهِ) مَا دَامَ حَمْلًا (فَإِنْ
стр. 2632
نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ، فَلَا نَفَقَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُ (فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ) لِمُلَاعِنٍ بَعْدَ نَفْيِهِ لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَ (رَجَعْت عَلَيْهِ الْأُمُّ بِمَا أَنْفَقَتْهُ، وَبِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ وَالرَّضَاعِ سَوَاءٌ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْلَمْهُ ثُمَّ عَلِمَهُ.
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِحَامِلٍ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ عَلَى الْوَاطِئِ) لِأَنَّهُ لَاحِقٌ بِهِ وَالنَّفَقَةُ لَهُ.
(وَ) تَجِبُ النَّفَقَةُ (لِمِلْكِ يَمِينٍ عَلَى السَّيِّدِ، وَلَوْ عَتَقَهَا) وَهِيَ حَامِلٌ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ.
(وَ) تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَامِلِ مِنْ زَوْجٍ مَيِّتٍ عَلَى وَارِث زَوْجٍ مَيِّتٍ لِلْقُرْبَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَمْلِ مَالُ.
(وَ) تَجِبُ (مِنْ مَالِ حَمْلِ مُوسِرٍ فَتَسْقُطُ عَنْ أَبِيهِ) وَعَنْ وَارِثِهِ لِأَنَّ الْمُوسِرَ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ تَلِفَتْ) النَّفَقَةُ بِيَدِ حَامِلٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ (مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ) مِنْهَا (وَجَبَ) عَلَى مَنْ قُلْنَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ حَمْلِهَا (بَدَلَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ.
(وَلَا تَجِبُ) نَفَقَةُ الْحَمْلِ (عَلَى زَوْجٍ رَقِيقٍ وَلَا مُعْسِرٍ وَلَا غَائِبٍ) لِأَنَّهَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ (فَلَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَتَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ) كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ (مَا لَمْ تَسْتَأْذِنْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ تُنْفِقْ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ) الْإِنْفَاقُ عَلَى الْحَمْلِ لِكَوْنِهَا قَامَتْ عَنْهُ بِوَاجِبٍ.
(وَلَا تَجِبُ) نَفَقَةُ الْحَمْل (عَلَى مَنْ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ الْحَمْلِ كَزَانٍ) لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ (وَلَا تَجِب نَفَقَةُ الْحَمْلِ عَلَى وَارِثِ) الْحَمْلِ (مَعَ عُسْرِ زَوْجٍ لَاحِقٍ بِهِ الْحَمْلُ) لِحَجْبِهِمْ بِهِ قَلَّتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ مِنْ عَمُودِيِّ النَّسَبِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ يَسَارِهِ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ (وَلَا تَجِبُ فِطْرَةُ حَامِلٍ مُطَلَّقَةٍ) وَإِنْ قُلْنَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا لِلْحَمْلِ وَفِطْرَتُهُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، بَلْ تُسْتَحَبُّ.
(وَلَا يَصِحُّ جَعْلُ نَفَقَةِ الْحَامِلِ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ لَهَا) بَلْ لِلْحَمْلِ فَلَا تَعَارُضَ لَهَا هَذَا مَعْنَى كَلَامُ الشِّيرَازِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ: يَصِحُّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْخُلْعِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَالِكَةِ لَهَا لِأَنَّهَا الَّتِي قَبَضَتْهَا وَتَسْتَحِقُّهَا وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ هِيَ الْمَالِكَةُ لَهَا وَبَعْد الْوِلَادَةِ هِيَ أُجْرَةُ رَضَاعِهَا وَهِيَ الْآخِذَةُ لَهَا.
(وَلَوْ وُطِئَتْ الرَّجْعِيَّةُ بِشُبْهَةٍ أَوْ) وُطِئَتْ (بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ ثُمَّ بَانَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزَّوْجِ وَ) مِنْ (الْوَطْءِ) بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ (فَعَلَيْهِمَا) أَيْ الزَّوْجِ وَالْوَاطِئِ (الْأُجْرَةُ حَتَّى تَضَعَ وَ) عَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ (بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْأَبُ مِنْهُمَا) وَيَتَمَيَّزَ (وَمَتَى ثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ الْحَمْلِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَيْ الزَّوْجِ أَوْ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ أَوْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ (رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ) الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ بِهِ (بِمَا أَنْفَقَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ شَيْئًا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الدَّافِعِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ
стр. 2633
تَتِمَّةٌ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ وُطِئَتْ زَوْجَتُهُ فَحَمَلَتْ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَاطِئِ إنْ وَجَبَتْ لِلْحَمْلِ وَلَهَا عَلَى الْأَصَحِّ إنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً تَظُنُّهُ زَوْجَهَا فَلَا.
(وَلَا نَفَقَةَ مِنْ التَّرِكَةِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَوْ) كَانَتْ (حَامِلًا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ تَجِبُ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَقَدْ فَاتَ (وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ مِنْ نَصِيبِهِ) فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ نَصِيبِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْكَمَالُ فِي حَمْلِ أُمِّ الْوَلَدِ وَاسْتَشْكَلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَرِثُ بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا وَيُوقَفُ نَصِيبُهُ فَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ؟ وَيُجَابُ: بِأَنَّ هَذَا النَّصَّ يَشْهَدُ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ مِنْ حِينِ مَوْتِ مُورَثِهِ وَإِنَّمَا خُرُوجُهُ حَيًّا يَتَبَيَّنُ بِهِ ذَلِكَ فَإِذَا حَكَمْنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَا سِيَّمَا وَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّهِ يَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ كَمَا يُتَصَرَّفُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ.
(وَلَا) نَفَقَةَ (لِأُمِّ وَلَدٍ حَامِلٍ وَيُنْفِقُ) عَلَيْهَا (مِنْ مَالِ حَمْلِهَا نَصًّا) كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ مَا سَبَقَ (وَلَا سُكْنَى لَهُمَا) أَيْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَوْ حَامِلًا وَأُمِّ الْوَلَدِ الْحَامِلِ (وَلَا كُسْوَة) لِمَا تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَةِ.
وَفِي الْمُغْنِي فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إنْ مَاتَ وَهِيَ فِي مَسْكَنِهِ قُدِّمَتْ بِهِ، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ لِنَسْخِ بَعْضِ الْمُدَّةِ وَبَقِيَ مَا فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ السُّكْنَى لِلْفُرَيْعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَسْكُنَ إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ وَقِصَّةُ فُرَيْعَةَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ.
(وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ) لِأَنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ كَعَدَمِهِ (لِغَيْرِ حَامِلٍ) فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَالنَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ.
(وَلَا) تَجِبُ النَّفَقَةُ (لِ) زَوْجَةٍ (نَاشِزٍ غَيْرِ حَامِلٍ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي نَظِيرِ تَمْكِينِهَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالنَّاشِزُ غَيْرُ مُمَكَّنَةٌ (فَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ) أَيْ النَّاشِزِ (أَعْطَاهَا نَفَقَةَ وَلَدِهَا إنْ كَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ لَهُ أَوْ الْمُرْضِعَةَ) لَهُ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ لَيْسَتْ فِي نَظِيرِ التَّمْكِينِ بَلْ لِلْقَرَابَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَعَ نُشُوزِ أُمِّهِ (وَيُعْطِيهَا أَيْضًا أُجْرَةَ رَضَاعِهَا إنْ طَالَبَتْ بِهَا) وَإِنْ كَانَتْ فِي حِبَالِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَالنَّاشِزُ الْعَاصِيَةُ لِزَوْجِهَا (فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ فِرَاشِهِ أَوْ) مِنْ (الِانْتِقَالِ مَعَهُ إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا أَوْ خَرَجَتْ) مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (أَوْ سَافَرَتْ أَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ أَبَتْ السَّفَرَ مَعَهُ إذَا لَمْ تَشْتَرِطْ بَلَدَهَا فَهِيَ نَاشِزٌ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
стр. 2634
[فَصْلٌ وَيَلْزَمُهُ دَفْعُ الْقُوتِ إلَى الزَّوْجَةِ]
(فَصْلٌ وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجَ (دَفْعُ الْقُوتِ) أَيْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ (إلَى الزَّوْجَةِ) لَا بُدَّ لَهُ وَلَا حَبَّ إنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ (فِي صَدْرِ كُلِّ نَهَارٍ وَذَلِكَ إذَا طَلَعْتُ الشَّمْسُ) لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ (فَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَى تَأْخِيرِهِ) أَيْ الْقُوتِ عَنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ (أَوْ) عَلَى (تَعْجِيلِهِ لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا كَالدَّيْنِ وَتَمْلِكُهُ بِقَبْضِهِ قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ لَا يَلْزَمُهُ تَمْلِيكٌ يُنْفِقُ وَيَكْسُو بِحَسَبِ الْعَادَةِ انْتَهَى) .
(وَلَوْ أَكَلَتْ) الزَّوْجَةُ (مَعَ زَوْجِهَا عَادَةً سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا) عَمَلًا بِالْعُرْفِ (وَكَذَا إنْ كَسَاهَا) الزَّوْجُ (بِدُونِ إذْنِهَا وَ) بِدُونِ (إذْنِ وَلِيِّهَا) إنْ كَانَتْ سَفِيهَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا عَمَلًا بِالْعَادَةِ (وَنَوَى أَنْ يَعْتَدَّ لَهَا) أَيْ بِالنَّفَقَةِ أَوْ الْكُسْوَةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ سَقَطَتْ عَنْهُ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ صَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
(وَإِنْ رَضِيَتْ) الزَّوْجَةُ (بِالْحَبِّ لَزِمَهُ أُجْرَةُ طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهِ وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ.
(فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا دَفْعَ الْقِيمَةِ عَنْ النَّفَقَةِ أَوْ الْكُسْوَةِ لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ إجَابَتُهُ) لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (أَوَّلَ الْبَابِ) .
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الزَّوْجَ (كُسْوَتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً) لِأَنَّهُ الْعَادَةُ (وَيَلْزَم الدَّفْع) لِلْكُسْوَةِ (فِي أَوَّلِهِ) أَيْ الْعَامِ (لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْوُجُوبِ) وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَابْنُهُ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي أَوَّلِ الصَّيْفِ كُسْوَةٌ وَفِي أَوَّلِ الشِّتَاءِ كُسْوَةٌ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْوَاضِحِ بِقَوْلِهِ كُلَّ نِصْفِ سَنَةٍ (وَتَمْلِكُهَا) أَيْ الْكُسْوَةَ بِالْقَبْضِ (مَعَ نَفَقَةٍ) أَيْ وَتَمْلِكُ النَّفَقَةَ أَيْضًا (بِالْقَبْضِ) كَمَا يَمْلِكُ رَبُّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ بِقَبْضِهِ (وَغِطَاءٌ وَوِطَاءٌ وَنَحْوِهِمَا) كَسِتَارَةٍ (كَكُسْوَةٍ) فَيَجِبُ كُلَّ عَامٍ وَتَمْلِكُهُ بِقَبْضِهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ أَنَّهُ كَمَاعُونِ الدَّارِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ (وَلَا تَمْلِكُ) الزَّوْجَةُ (الْمَسْكَنَ وَأَوْعِيَةَ الطَّعَامِ وَالْمَاعُونَ وَالْمُشْطَ وَنَحْوَ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ إمْتَاعٌ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(وَإِنْ أَكَلَتْ) الزَّوْجَةُ (مَعَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَادَةً أَوْ كَسَاهَا بِلَا إذْنٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلَيِّهَا وَلَمْ يَتَبَرَّعْ سَقَطَتْ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إنْ اخْتَلَفَا فِي نِيَّةِ التَّبَرُّعِ فَ (الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَهُوَ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ.
(فَإِذَا قَبَضَتْهَا) أَيْ النَّفَقَةَ أَوْ الْكُسْوَةَ (فَسُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ أَوْ بَلِيَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا) لِأَنَّهَا قَبَضَتْ حَقَّهَا فَلَمْ
стр. 2635
يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ كَالدَّيْنِ إذَا وَفَّاهَا إيَّاهُ ثُمَّ ضَاعَ مِنْهَا لَكِنْ لَوْ بَلِيَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا لَزِمَهُ بَدَلهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ كُسْوَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ تَبْلَى فِيهِ عَادَةً وَإِنَّمَا بَلِيَتْ قَبْلَهُ لِكَثْرَةِ خُرُوجِهَا وَدُخُولِهَا فَلَا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَتْهَا وَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ وَلَمْ تَبْلَ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ لِلْكُسْوَةِ وَالثَّانِي: بَلَى لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَإِذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ وَهِيَ) أَيْ الْكُسْوَةُ (صَحِيحَةٌ فَعَلَيْهِ كُسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ بَقَائِهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَتْ (وَإِنْ مَاتَ) الزَّوْجُ قَبْلَ مُضِيَّ السَّنَةِ (أَوْ مَاتَتْ أَوْ بَانَتْ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ) رَجَعَ بِقِسْطِهِ (أَوْ تَسَلَّفَتْ) أَيْ تَعَجَّلَتْ (النَّفَقَةَ أَوْ الْكُسْوَةَ فَحَصَلَ ذَلِكَ) أَيْ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ أَوْ بَانَتْ (قَبْلَ مُضِيِّهَا) أَيْ مُضِّي الْمُدَّةِ الَّتِي تَسَلَّفَتْ نَفَقَتَهَا أَوْ كِسْوَتَهَا (رَجَعَ بِقِسْطِهِ) لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.
(لَكِنْ لَا يَرْجِعُ) مَنْ عَجَّلَ نَفَقَةً ثُمَّ سَقَطَتْ (بِبَقِيَّةِ يُومِ الْفُرْقَةِ إلَّا عَلَى نَاشِزٍ) لِأَنَّ عَلَيْهَا أَنْ لَا تُعْطِيَهُ شَيْئًا بِأَنْ تَرْجِعَ إلَى الطَّاعَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ أَعَادَهَا أَيْ غَيْرُ نَاشِزٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَةٌ ثَانِيًا.
(وَإِذْ قَبَضَتْ) الزَّوْجَةُ (النَّفَقَةَ) أَوْ الْكُسْوَةَ (فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا وَلَا يَنْهَكُ) بِفَتْحِ الْهَاء أَيْ يُجْهِدُ (بَدَنُهَا) لِأَنَّهَا مَلَكَتْهَا بِالْقَبْضِ (فَيَجُوزُ لَهَا بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَالصَّدَقَةُ بِهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ عَادَ) التَّصَرُّفُ (عَلَيْهَا بِضَرَرٍ فِي بَدَنِهَا أَوْ نَقْصٍ فِي اسْتِمْتَاعِهَا لَمْ تَمْلِكْهُ) لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ بِذَلِكَ (فَإِذْ دَفَعَ إلَيْهَا الْكُسْوَةَ فَأَرَادَتْ بَيْعَهَا أَوْ الصَّدَقَةَ بِهَا وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا أَوْ يُخِلُّ بِتَحَمُّلِهَا بِهَا أَوْ) يُخِلُّ (بِسُتْرَتِهَا لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ الزَّوْجِ أَوْ حَقِّ اللَّهِ.
(وَلَوْ أَهْدَى لَهَا كُسْوَةً لَمْ تَسْقُطْ كُسْوَتُهَا) كَمَا لَوْ أَهْدَى الْمَدِينُ الرَّبَّ شَيْئًا لَمْ يَسْقُطْ دَيْنُهُ بِهِ (وَلَوْ أَهْدَى لَهَا طَعَامًا فَأَكَلَتْهُ وَبَقِيَ قُوتُهَا إلَى الْغَدِ لَمْ يَسْقُطْ قُوتُهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ لَا بِحَقِيقَةِ الْحَاجَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ لِأَنَّهَا امْتِنَاعٌ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.
(وَإِنْ غَابَ) الزَّوْجُ (مُدَّةً وَلَمْ يُنْفِقْ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى سَوَاءٌ تَرَكَهَا) أَيْ النَّفَقَةَ (لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَرَضَهَا حَاكِمٌ أَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا) حَاكِمٌ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعِوَضِ فَرَجَعْت بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ
стр. 2636
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر هَذِهِ نَفَقَةٌ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا يَزُولُ مَا وَجَبَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ إلَّا بِمِثْلِهَا وَالْكُسْوَةُ وَالسُّكْنَى كَالنَّفَقَةِ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
(وَإِذَا أَنْفَقَتْ) الزَّوْجَةُ (فِي غَيْبَتِهِ مِنْ مَالِهِ فَبَانَ) الزَّوْجُ (مَيِّتًا رَجَعَ عَلَيْهَا الْوَارِثُ) بِمَا أَنْفَقَتْهُ مُنْذُ مَاتَ، لِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ ارْتَفَعَ بِمَوْتِ الزَّوْجِ فَلَا تَسْتَحِقُّ مَا قَبَضَتْهُ مِنْ النَّفَقَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَعَلَى قِيَاسِهِ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ شَيْءٌ وَزَالَتْ الْإِبَاحَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُبِيحِ كَالْمُعِيرِ إذَا مَاتَ أَوْ رَجَعَ وَالْمَانِحِ وَأَهْلِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ فَارَقَهَا) الزَّوْجُ بَائِنًا (فِي غَيْبَتِهِ فَأَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ) الزَّوْجُ (عَلَيْهَا بِمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ) الثَّانِيَةِ لِمَا سَبَقَ (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي الْعِدَدِ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إذَا أَنْفَقَتْ) مِنْ مَالِهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ انْتَهَى.
[فَصْلٌ وَإِذَا بَذَلَتْ الزَّوْجَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا]
(فَصْلٌ وَإِذَا بَذَلَتْ) الزَّوْجَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا (الْبَذْلُ التَّامُّ) بِأَنْ لَا تُسَلِّمَ فِي مَكَان دُونَ آخَر أَوْ بَلَدٍ دُونَ آخَر بَلْ بَذَلَتْ نَفْسَهَا حَيْثُ شَاءَ مِمَّا يَلِيقُ بِهَا (وَهِيَ مَنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا) كَذَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلِ وَالْمُوَفَّقِ وَالشِّيرَازِيِّ وَأَنَاطَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِابْنَةِ تِسْعَ سِنِينَ وَتَبِعَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ وَسُئِلَ مَتَى يُؤْخَذُ مِنْ الرَّجُلِ نَفَقَةُ الصَّغِيرَةِ فَقَالَ إذَا كَانَ مِثْلهَا يُوطَأُ كَبِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى هَذَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ.
(أَوْ بَذَلَهُ) أَيْ التَّسْلِيمَ (وَلِيُّهَا أَوْ اسْتَلَمَ مَنْ يَلْزَمُهُ تَسَلُّمِهَا) وَهِيَ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا (لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ كَبِيرًا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ صَغِيرًا) وَسَوَاءٌ كَانَ (يُمْكِنُهُ الْوَطْءَ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ كَالْعِنِّينِ وَالْمَجْبُوبِ وَالْمَرِيضِ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَقَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ ذَلِكَ كَالْمُؤَجَّرِ إذَا أَسْلَمَ الْمُؤَجَّرَةَ أَوْ بَذَلَهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَلَوْ تَسَاكَنَا طَوِيلًا وَيَأْتِي مَا لَمْ تَبْذُلْ وَتُسَلِّمْ فَتَجِبُ (حَتَّى وَلَا تَعَذَّرَ وَطْؤُهَا لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ رَتْقٍ أَوْ قَرْنٍ أَوْ لِكَوْنِهَا نِضْوَةَ الْخَلْقِ) أَيْ هَزِيلَةً (أَوْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمَرَضِ أَوْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ أَوْ الرَّتْقِ وَنَحْوِهِ (عِنْدَهُ) أَيْ الزَّوْجِ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مُمْكِنٌ وَلَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا وَلَوْ بَذَلَتْ الصَّحِيحَةُ الِاسْتِمْتَاعَ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا.
(لَكِنْ لَوْ
стр. 2637
امْتَنَعَتْ مِنْ التَّسْلِيمِ) وَهِيَ صَحِيحَةٌ (ثُمَّ حَدَثَ لَهَا مَرَضٌ فَبَذَلَتْهُ) أَيْ التَّسْلِيمَ (فَلَا نَفَقَةَ) لَهَا مَا دَامَتْ مَرِيضَةً عُقُوبَةً عَلَيْهَا بِمَنْعِهَا نَفْسِهَا فِي حَالَةِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِيهَا وَبَذْلِهَا فِي ضِدِّهَا (وَتَقَدَّمَ أَوَّلُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ إذَا ادَّعَتْ عَبَالَةَ ذَكَرِهِ) وَعَظْمِهِ أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَنْظُرَ الْمَرْأَةُ إلَيْهِمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ أَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي وَطْئِهِ لِضِيقِ فَرْجِهَا أَوْ قُرُوحٍ بِهِ قُبِلَ بِامْرَأَةٍ ثِقَةٍ.
(فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا) فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ كَالْكَبِيرِ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ أَشْبَهَ الْكَبِيرَ إذَا هَرَبَ أَوْ (أَجْبَرَ وَلِيَّهُ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا عَلَيْهِ) وَالْوَلِيُّ يَنُوبُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ كَالزَّكَاةِ وَكَذَا السَّفِيهُ وَالْمَجْنُونُ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (صَغِيرَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَزَوْجُهَا طِفْلٌ أَوْ بَالِغٌ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا وَلَوْ مَعَ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا) أَوْ بِتَسْلِيمِ وَلِيِّهَا لَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحِلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَلَا أَثَرَ لِتَسْلِيمِهَا قُلْتُ لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا يُوطَأ مِثْلُهَا أَرَادَ تَسْلِيمَهَا مُضَارَّةً لِإِسْقَاطِ حَقِّ الْحَضَانَةِ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ بِقَصْدِ الْمُضَارَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَضَانَةِ.
(وَإِنْ بَذَلَتْ) زَوْجَةٌ أَوْ بَذَلَ وَلِيُّهَا (تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَالزَّوْجُ غَائِبٌ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا) النَّفَقَةَ (حَتَّى يُرَاسَلَهُ حَاكِمُ الشَّرْعِ) لِأَنَّهَا بَذَلَتْ فِي حَالٍ لَا يُمْكِنْهُ التَّسْلِيمُ فِيهِ (فَيَكْتُبُ) الْقَاضِي (إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ (فِيهِ لِيَسْتَدْعِيَهُ وَيُعْلِمَهُ ذَلِكَ) أَيْ زَوْجَتَهُ بَذَلَتْ لِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا (فَإِنْ سَارَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَتَسَلَّمَهَا) لَهُ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَحْرَمِهَا (فَوَصَلَ فَتَسَلَّمَهَا هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ (أَوْ نَائِبُهُ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ) حِينَئِذٍ، لِأَنَّ الْبَذْلَ قَبْلَ ذَلِكَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) الزَّوْجُ أَيْ: لَمْ يَحْضُرْ أَوْ لَمْ يُوَكِّلْ مِنْ يَتَسَلَّمُهَا (فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا وَتَسَلُّمُهَا) لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا مَعَ إمْكَانِهِ وَبَذْلِهَا لَهُ فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (بَعْدَ تَمْكِينِهَا) مِنْ نَفْسِهَا (فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي غِيبَتِهِ) سَوَاءٌ سَلَّمَهَا أَوْ لَا إذْ الْمَانِعُ مِنْهُ.
(وَإِنْ مَنَعَتْ) الزَّوْجَةُ (تَسْلِيمَ نَفْسِهَا) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (أَوْ مَنَعَهَا) أَيْ الزَّوْجَةَ (أَهْلُهَا) مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (أَوْ تَسَاكَنَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (بَعْد الْعَقْدِ فَلَمْ تَبْذُلْ) الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا (وَلَمْ يَطْلُبْ) الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ طَالَ مُقَامُهَا عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّ الْبَذْلَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَإِنْ بَذَلَتْ) نَفْسَهَا (تَسْلِيمًا غَيْرَ تَامٍّ كَتَسْلِيمِهَا فِي مَنْزِلهَا) دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَنَازِلِ (أَوْ) تَسْلِيمِهَا (فِي الْمَنْزِلِ الْفُلَانِيِّ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ) تَسْلِيمِهَا (فِي بَلَدِهَا) أَوْ بَلَدِ كَذَا (دُونَ غَيْرِهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ) لِأَنَّ هَذَا التَّسْلِيمَ كَعَدَمِهِ.
(وَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا
стр. 2638
قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ فَلَهَا ذَلِكَ) لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا يُفْضِي إلَى تَسْلِيمِ مَنْفَعَتِهَا الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ ثُمَّ لَا تُسَلِّمُ صَدَاقَهَا فَلَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْهَا، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْسَرَ بِثَمَنِهِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ (وَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا) لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَالَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ وَلَوْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا لِمَرَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لِقَبْضِ صَدَاقِهَا امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ الِامْتِنَاعِ لِمَرَضِهَا، لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ جِهَتِهَا فَهُوَ يُشْبِهُ تَعَذُّرَ الِاسْتِمْتَاعِ لِصِغَرِهَا.
(وَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَهُ) أَيْ حَالَ الصَّدَاقِ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ ثُمَّ أَرَادَ مَنْعَهُ مِنْهُ (وَلَا) لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ (حَتَّى تَقْبِضَ) الصَّدَاقَ (الْمُؤَجَّلَ) لِأَنَّ قَبْضَهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ فَيَكُونُ مَنْعُهَا لِلتَّسْلِيمِ الْمُوجِبِ لِلنَّفَقَةِ فَلَمْ تَجِبُ حَتَّى (وَلَوْ حَلَّ قَبْلَ الدُّخُولِ) لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا، لِأَنَّهَا أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا حَيْثُ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِهِ (فَإِنْ فَعَلَتْ) أَيْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَيْثُ قُلْنَا لَيْسَ لَهَا مَنْعُهَا (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِعَدَمِ التَّمْكِينِ بِلَا عُذْرٍ مِنْ قِبَلِهِ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) الزَّوْجَةَ (الْأَمَةَ) لِزَوْجِهَا (سَيِّدُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فَكَحُرَّةٍ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ) عَلَى زَوْجِهَا الْحُرِّ (وَلَوْ أَبَى الزَّوْجُ) لِأَنَّ سَيِّدَهَا مُكِّنَ مِنْهَا فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ) .
(وَإِنْ كَانَتْ) الْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ (عِنْدَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (لَيْلًا فَقَطْ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ اللَّيْلِ مِنْ الْعَشَاءِ وَتَوَابِعِهِ كَالْوِطَاءِ وَالْغِطَاءِ وَدُهْنِ الْمِصْبَاحِ وَنَحْوِهِ) كَإِزَارِ النَّوْمِ (وَنَفَقَةُ النَّهَارِ عَلَى سَيِّدِهَا) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ فَلَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذَا الزَّمَنِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ وَجَدَ فِي حَقِّهِ التَّمْكِينَ لَيْلًا فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ سَلَّمَهَا السَّيِّدُ) لِلزَّوْجِ (نَهَارًا فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ حُصُولِ الْغَرَضِ، إذْ النَّهَارُ مَحِلُّ الْمَعَاشِ وَاللَّيْلُ مَحِلُّ السَّكَنِ قُلْتُ إلَّا مَنْ مَعِيشَتُهُ بِلَيْلٍ كَأَنْ يَكُونَ حَارِسًا.
(وَعَلَى الْمُكَاتَبِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً لِأَنَّهُ يَمْلِكُ كَسْبَهُ أَشْبَهَ الْحُرَّ (وَنَفَقَةُ امْرَأَةِ الْعَبْدِ الْقِنِّ) أَوْ الْمُدَبَّرِ (عَلَى سَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي النِّكَاحِ الْمُفْضِي إلَى إيجَابِهَا كَمَا لَوْ أَذِنَهُ فِي الِاسْتِدَانَةِ (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (حُرًّا فَعَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (بِقَدَرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَبَاقِيهَا عَلَى سَيِّدِهِ) كَنَفَقَتِهِ.
стр. 2639
[فَصْلٌ وَإِذَا نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا]
(فَصْلٌ وَإِذَا نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ وَقَدْ زَالَ بِخِلَافِ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ (أَوْ سَافَرَتْ) بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا نَاشِزٌ (أَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ) بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِنُشُوزِهَا (وَإِنْ) أَيْ وَلَوْ (كَانَ) خُرُوجُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ (فِي غَيْبَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) فَلَا نَفَقَةَ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ تَطَوَّعَتْ بِحَجٍّ أَوْ) تَطَوَّعَتْ (بِصَوْمٍ مَنَعَتْهُ فِيهِ نَفْسَهَا أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِي الذِّمَّةِ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسَافِرَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ لِلزَّوْجِ فَإِنْ أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ فَقَالَ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالْمُسَافِرَةِ لِأَنَّهَا بِإِحْرَامِهَا مَانِعَةٌ لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الْوَطْءِ أَوْ مَكَّنَتْهُ مِنْهُ) أَيْ الْوَطْءِ (دُونَ بَقِيَّةِ الِاسْتِمْتَاعِ) كَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ (أَوْ لَمْ تَبِتْ مَعَهُ فِي فِرَاشِهِ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تُسْلِمْ نَفْسَهَا التَّسْلِيمَ التَّامَّ (أَوْ لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ) بِأَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ إنْ طَاوَعَتْ إلَّا إنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا نَاشِزٌ (وَسَوَاءٌ فِيهِ) أَيْ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (الْبَالِغَةُ وَالْمُرَاهِقَةُ وَالْعَاقِلَةُ وَالْمَجْنُونَةُ قَدَرَ الزَّوْجُ عَلَى رَدِّهَا إلَى الطَّاعَةِ أَمْ لَا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ سَقَطَتْ.
(فَإِنْ أَطَاعَتْ النَّاشِزُ فِي غَيْبَتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (لَمْ تَعْدُ نَفَقَتُهَا حَتَّى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بِحُضُورِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (أَوْ حُضُورِ وَكِيلِهِ) إذْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّسْلِيمُ فِي غِيبَتِهِمَا (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) الزَّوْجُ وَلَا وَكِيلُهُ (وَرُوسِلَ) أَيْ رَاسَلَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ كَتَبَ إلَى قَاضِي بَلَدِهِ يُعْلِمُهُ بِطَاعَتِهَا (فَعَلِمَ بِذَلِكَ وَمَضَى زَمَنٌ يَقْدَمُ فِي مِثْلِهِ لَزِمَتْهُ) النَّفَقَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ بَذَلَتْ نَفْسَهَا ابْتِدَاءً.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (تَفْطِيرُهَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَوَطْؤُهَا فِيهِ) لِأَنَّ حَقَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّطَوُّعِ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) الصَّائِمَةُ تَطَوُّعًا مِنْ تَمْكِينِ زَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا (فَنَاشِزٌ) لَا نَفَقَةَ لَهَا لِمَعْصِيَتِهَا إيَّاهُ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهَا.
(وَبِمُجَرَّدِ إسْلَامِ مُرْتَدَّةٍ) فِي غَيْبَتِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ تَعُودُ نَفَقَتُهَا.
(وَ) بِمُجَرَّدِ إسْلَامِ (مُتَخَلِّفَةٍ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي غَيْبَتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (لَزِمَتْ النَّفَقَةُ) لِأَنَّ الرِّدَّةَ وَتَخَلُّفَهَا عَنْ الْإِسْلَامِ أَسْقَطَ النَّفَقَةَ لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا كَسُقُوطِهَا بِالطَّلَاقِ فَإِذَا رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ عَادَ النِّكَاحُ إلَى حَالِهِ فَعَادَتْ النَّفَقَةُ، بِخِلَافِ النَّاشِزِ فَإِنَّ سُقُوطَ نَفَقَتِهَا بِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِهِ أَوْ مَنْعِهَا لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ
стр. 2640
عَلَيْهَا، وَلَا يَعُودُ ذَلِكَ إلَّا بِعَوْدِهَا إلَى يَدِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهَا، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ بَذَلَتْ لِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا وَهُوَ غَائِبٌ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ بِمُجَرَّدِ الْبَذْلِ.
(وَيَشْطُرُ) النَّفَقَةَ (لِنَاشِزٍ لَيْلًا فَقَطْ) أَنْ تُطِيعَهُ نَهَارًا وَتَمْنَعَهُ لَيْلًا (أَوْ) نَاشِزٍ (نَهَارًا فَقَطْ بِ) أَنْ تُطِيعَهُ لَيْلًا وَتَمْتَنِعَ مِنْهُ نَهَارًا أَيْ تُعْطَى نِصْفَ النَّفَقَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَ (لَا) تُعْطَى مِنْ النَّفَقَةِ (بِقَدْرِ الْأَزْمِنَةِ) لِعُسْرِ التَّقْدِيرِ بِالْأَزْمِنَةِ (وَيَشْطُرُ لَهَا) النَّفَقَةَ أَيْضًا إذَا نَشَزَتْ (بَعْضَ يَوْمٍ) أَوْ بَعْضَ لَيْلَةٍ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ صَامَتْ لِكَفَّارَةٍ) بِلَا إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (أَوْ) صَامَتْ لِنَذْرٍ (أَوْ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَوَقْتُهُ مُتَّسِعٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي النَّذْرِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ (بِلَا إذْنِهِ) فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا مَنَعَتْ نَفْسَهَا عَنْهُ بِسَبَبٍ لَا مِنْ جِهَتِهِ (أَوْ سَافَرَتْ لِتَغْرِيبٍ) بِأَنْ زَنَتْ فَغُرِّبَتْ (أَوْ حُبِسَتْ وَلَوْ ظُلْمًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) زَمَنَ تَغْرِيبِهَا، أَوْ حَبْسِهَا لِفَوَاتِ التَّمْكِينِ الْمُقَابِلِ لِلنَّفَقَةِ.
(وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الْبَيْتُوتَةُ مَعَهَا فِي حَبْسِهَا) لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي الْبَيْتُوتَةِ مَعَهَا فَلَا يَسْقُطُ بِحَبْسِهَا.
(وَإِنْ حَبَسَتْهُ) أَيْ الزَّوْجَ (عَلَى صَدَاقِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ حُقُوقِهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ كَانَتْ ظَالِمَةً مَانِعَةً لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا مُدَّةَ حَبْسِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهَا (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (قَادِرًا عَلَى أَدَائِهِ) أَيْ أَدَاءِ مَا حَبَسَتْهُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهَا (لِمَنْعِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ فَلَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهِ إذَا كَانَتْ بَاذِلَةً لِلتَّمْكِينِ قَالَهُ الشَّيْخُ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَا مِنْهَا.
(وَإِنْ سَافَرَتْ) الزَّوْجَةُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (فِي حَاجَتِهِ) فَلَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ فِي شُغْلِهِ وَمُرَادِهِ (أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتِهِ) فَلَهَا النَّفَقَةُ أَوْ أَحْرَمَتْ بِمَكْتُوبَةٍ فِي وَقْتِهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ، لِأَنَّهَا فَعَلَتْ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَكَانَ كَصِيَامِ رَمَضَانَ وَكَذَا سُنَنُ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا (أَوْ طَرَدَهَا) الزَّوْجُ (وَأَخْرَجَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِوُجُودِ التَّمْكِينِ مِنْهَا وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْهُ وَمَحَلُّ وُجُوبِ النَّفَقَةِ فِيمَا إذَا أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتِهِ (إنْ أَحْرَمَتْ فِي الْوَقْتِ) أَيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ قَدَّمَتْ الْإِحْرَامَ عَلَى الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَ الْوَقْتِ فَكَالْمُحْرِمَةِ بِتَطَوُّعٍ فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا مُدَّةَ التَّقْدِيمِ.
(وَإِنْ سَافَرْتِ) الزَّوْجَةُ (فِي حَاجَةِ نَفْسِهَا أَوْ لَوْ لِنُزْهَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةِ) رَحِمٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ حَجِّ تَطَوُّعٍ) أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ (وَلَوْ بِإِذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ التَّمْكِينَ لِأَجْلِ نَفْسِهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا مَعَهَا مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا فَلَا تَسْقُطُ) نَفَقَتُهَا، لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا هُنَا، يَعْنِي إذَا سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِحَالٍ، وَعَزَى الْأَوَّلَ لِلْقَاضِي.
(وَإِنْ أَحْرَمَتْ) الزَّوْجَةُ (بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِي وَقْتِهِ) أَوْ صَامَتْ نَذْرًا مُعَيَّنًا فِي
стр. 2641
وَقْتِهِ وَلَوْ كَانَ النَّذْرُ بِإِذْنِهِ أَوْ كَانَ نَذْرُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ وَصَامَتْهُ (فِي وَقْتِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَى زَوْجِهَا حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا، وَلِأَنَّ النَّذْرَ صَدَرَ مِنْ جِهَتِهَا بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (فِي نُشُوزِهَا بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِالتَّسْلِيمِ أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَوْ) فِي (تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ إلَيْهَا فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ الْقَيِّمِ فِي النَّفَقَةِ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْعُرْفُ، لِأَنَّهُ يُعَارِضُ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ رَاضِيَةً وَإِنَّمَا تُطَالِبُهُ عِنْدَ الشِّقَاقِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) الزَّوْجَةُ (يَسَارَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (لِيَفْرِضَ) الْحَاكِمُ (لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ، أَوْ قَالَتْ) لِزَوْجِهَا (كُنْتَ مُوسِرًا) فَيَلْزَمُكَ لِمَا مَضَى نَفَقَة الْمُوسِرِينَ (فَأَنْكَر) الزَّوْج الْيَسَارَ (فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَقَوْلُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِالْمَلَاءَةِ (فَقَوْلُهُ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (فِي بَذْلِهِ التَّسْلِيمَ) بِأَنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا بَذَلَتْ التَّسْلِيمَ وَأَنْكَرَ فَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي وَقْتِهِ) بِأَنْ قَالَتْ بَذَلْتُ التَّسْلِيمَ مِنْ سَنَةٍ فَقَالَ بَلْ مِنْ شَهْرٍ فَقَوْلُهُ.
(أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي فَرْضِ الْحَاكِمِ) النَّفَقَةَ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي وَقْتِهَا فَقَالَ) الزَّوْجُ (فَرَضَهَا) الْحَاكِمُ (مُنْذُ شَهْرٍ وَقَالَتْ) الزَّوْجَةُ (بَلْ مُنْذُ عَامٍ فَقَوْلُهُ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ (وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ خَصْمِهِ.
(وَإِنْ دَفَعَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (نَفَقَةً وَكُسْوَةً أَوْ بَعَثَ بِذَلِكَ إلَيْهَا فَقَالَتْ) لِلزَّوْجِ (إنَّمَا فَعَلْتَهُ تَبَرُّعًا وَهِبَةً فَقَالَ) الزَّوْجُ (بَلْ وَفَاءً لِلْوَاجِبِ) عَلَيَّ (فَقَوْلُهُ) لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي نِيَّتِهِ وَهُوَ أَدْرَى بِهَا (كَمَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ وَاخْتَلَفَ هُوَ وَغَرِيمُهُ فِي نِيَّتِهِ) فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَدِينِ.
(وَإِنْ دَفَعَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْكُسْوَةِ مِثْلَ مَصَاغٍ وَقَلَائِدَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ فَقَدْ مَلَكَتْهُ) بِقَبْضِهِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ (وَلَيْسَ لَهُ إذَا طَلَّقَهَا أَنْ يُطَالِبَهَا بِهِ) لِلُزُومِ الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (قَدْ أَعْطَاهَا) ذَلِكَ (لِلتَّجَمُّلِ بِهِ كَمَا يُرْكِبُهَا دَابَّتَهُ وَيَخْدُمُهَا غُلَامُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ الْمُعَيَّنِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِشَيْءٍ يَقْتَضِيهِ (فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَتَى شَاءَ سَوَاءٌ طَلَّقَهَا أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) الزَّوْجُ (وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ حَامِلًا فَانْقَضَتْ عِدَّتُكِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَانْقَضَتْ نَفَقَتُكِ وَ) انْقَضَتْ (رَجْعَتُكِ فَقَالَتْ: بَلْ) طَلَّقْتَنِي (بَعْدَ الْوَضْعِ فَلِيَ النَّفَقَةُ وَلَكَ الرَّجْعَةُ) فَالْقَوْلُ (قَوْلُهَا) فِي بَقَاءِ النَّفَقَةِ اسْتِصْحَابًا
стр. 2642
لِلْأَصْلِ (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) مُؤَاخَذَةً لَهَا بِإِقْرَارِهَا (وَلَا رَجْعَةَ لَهُ) عَلَيْهَا لِإِقْرَارِهِ بِسُقُوطِهَا (وَإِنْ رَجَعَ) الْمُطَلِّقُ (فَصَدَّقَهَا) أَنَّهُ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ (فَلَهُ الرَّجْعَةُ) مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةُ (وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ: (طَلَّقْتُكِ بَعْدَ الْوَضْعِ فَلِيَ الرَّجْعَةُ وَلَكِ النَّفَقَةُ فَقَالَتْ: بَلْ) طَلَّقْتَنِي (وَأَنَا حَامِلٌ) فَلَا رَجْعَةُ لَكَ وَلَا نَفَقَةُ لِي (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) فِي سُقُوطِ النَّفَقَةِ لِاعْتِرَافِهَا عَلَى نَفْسِهَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى فِي الْعَدَدِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ زَوْجٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا بَعْدَ حَيْضٍ أَوْ وِلَادَةٍ أَوْ وَقْتِ كَذَا (وَإِنْ عَادَ) الزَّوْجُ (فَصَدَّقَهَا سَقَطَتْ رَجْعَتُهُ) لِاعْتِرَافِهِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْوَضْعِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الطَّلَاقِ (وَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ) لِاعْتِرَافِهِ بِبَقَائِهَا فِي الْعِدَّةِ (هَذَا) أَيْ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ (فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ وَ) أَمَّا (مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُبْنَى عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ دُونَ مَا قَالَهُ) فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ الْبَاطِنَةِ.
[فَصْلٌ وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا الْوَاجِبَةِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا) الْوَاجِبَةِ (أَوْ) أَعْسَرَ الزَّوْجُ (بِبَعْضِهَا) أَيْ بَعْضِ النَّفَقَةِ بِأَنْ أَعْسَرَ (عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ) فَلَهَا الْفَسْخُ وَ (لَا) تَفْسَخُ إذَا أَعْسَرَ (بِمَا زَادَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَسْقُطُ بِإِعْسَارِهِ (أَوْ) أَعْسَرَ الزَّوْجُ (بِالْكُسْوَةِ أَوْ بِبَعْضِهَا أَوْ) أَعْسَرَ (بِالسُّكْنَى أَوْ) أَعْسَرَ (بِ) الْمَهْرِ (بِشَرْطِهِ وَتَقَدَّمَ) السَّابِقُ فِي آخِرِ الصَّدَاقِ (خُيِّرَتْ عَلَى التَّرَاخِي بَيْنَ الْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ) أَيْ تَأْجِيلِ ثَلَاثًا خِلَافًا لِابْنِ الْبَنَّاءِ (وَبَيْنَ الْمَقَامِ) مَعَهُ عَلَى النِّكَاحِ وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ مَعَ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ فَتَعَيَّنَ التَّسْرِيحُ «وَقَالَ ﷺ امْرَأَتُكَ تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ " سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفَقُ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو الزِّنَادِ لِسَعِيدٍ: سَنَةً؟ قَالَ سَعِيدٌ سَنَةً " وَلِأَنَّ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْعَجْزِ بِالْوَطْءِ وَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ.
(وَ) إذَا اخْتَارَتْ الْمَقَامَ فَلَهَا (تَمْكِينُهُ وَتَكُونُ النَّفَقَةُ أَيْ
стр. 2643
نَفَقَةُ الْفَقِيرِ وَالْكُسْوَةُ وَالْمَسْكَنُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ مَا لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ إذَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ مَهْرِهَا (وَلَهَا الْمَقَامُ) عَلَى النِّكَاحِ (وَمَنْعُهُ مِنْ نَفْسِهَا فَلَا يَلْزَمُهَا تَمْكِينُهُ وَلَا الْإِقَامَةُ فِي مَنْزِلِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْبِسَهَا بَلْ يَدَعَهَا تَكْتَسِبُ وَلَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً) لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهَا عِوَضَ الِاسْتِمْتَاعِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ الْمَقَامَ) ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ (أَوْ رَضِيَتْ بِعُسْرَتِهِ) ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ (أَوْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِهِ) أَيْ بِأَنَّهُ مُعْسِرٌ وَفِي نُسْخَةٍ " بِهَا " أَيْ بِعُسْرَتِهِ بِالنَّفَقَةِ، ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا ذَلِكَ (أَوْ) تَزَوَّجَتْهُ مُعْسِرًا أَوْ (شَرَطَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا، أَوْ أَسْقَطَتْ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ فَلَهَا ذَلِكَ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَيَتَجَدَّدُ لَهَا الْفَسْخُ كَذَلِكَ.
وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ نَفَقَتِهَا فِيمَا لَا يَجِبُ لَهَا كَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَكَمَا لَوْ أَسْقَطَتْ الْمَهْرَ أَوْ النَّفَقَةَ قَبْلَ النِّكَاحِ.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا قُوتَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ فَلَيْسَ بِمُعْسِرٍ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ) وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (يَجِدُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَا يُغَدِّيهَا وَ) يَجِدُ (فِي آخِرِهِ مَا يُعَشِّيهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا وَالْكِفَايَةُ مَوْجُودَةٌ (وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (صَانِعًا يَعْمَلُ فِي الْأُسْبُوعِ مَا يَبِيعُهُ فِي يَوْمٍ بِقَدْرِ كِفَايَتهَا فِي الْأُسْبُوعِ) فَلَا فَسْخَ لَهَا، لِحُصُولِ الْكِفَايَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهَا (أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (الْكَسْبُ فِي بَعْضِ زَمَانِهِ) فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ (أَوْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ (الْبَيْعُ) فَلَا فَسْخَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِرَاضُ (أَوْ مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ أَوْ عَجَزَ عَنْ الِاقْتِرَاضِ أَيَّامًا يَسِيرَةً) فَلَا فَسْخَ لَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ (أَوْ اقْتَرَضَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهَا) فَلَا فَسْخَ لَهَا، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا (أَوْ تَبَرَّعَ لَهُ إنْسَانٌ بِمَا يُنْفِقُهُ) عَلَيْهَا بِأَنْ مَلَّكَهُ لَهُ ثُمَّ أَنْفَقَهُ هُوَ عَلَيْهَا (فَلَا فَسْخَ) لِأَنَّ الْمِنَّةَ عَلَيْهِ لَا عَلَيْهَا.
(وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ يَطُولُ) وَتَعَذَّرَ مَعَهُ الْإِنْفَاقُ فَلَهَا الْفَسْخُ (أَوْ كَانَ) الزَّوْجُ (لَا يَجِدُ مِنْ النَّفَقَةِ إلَّا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ فَلَهَا الْفَسْخُ) لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الضَّرَرِ الْغَالِبِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْبَدَنَ لَا يَقُومُ بِدُونِ كِفَايَتِهِ.
(وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَتِهَا فَبَذَلَهَا غَيْرُهُ لَمْ تُجْبَرْ) عَلَى قَبُولِهَا مِنْ غَيْرِهِ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْمِنَّةِ (إلَّا إنْ مَلَكَهَا الزَّوْجُ) ثُمَّ دَفَعَهَا الزَّوْجُ لَهَا (أَوْ دَفَعَهَا) إلَيْهَا (وَكِيلُهُ) فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ مِنْهُ لِأَنَّ الْمِنَّةَ إذَنْ عَلَى الزَّوْجِ دُونَهَا (وَكَذَا مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَيْنٍ عَنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ رَبُّهُ) أَيْ الدَّيْنَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ مِنْ الْمُتَبَرِّعِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ لِلْمَدِينِ ثُمَّ دَفَعَهُ الْمَدِينُ أَوْ وَكِيلُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ أُجْبِرَ (وَتَقَدَّمَ فِي
стр. 2644
السَّلَمِ إنْ أَتَاهَا) الزَّوْجُ (بِنَفَقَةٍ حَرَامٍ لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهَا) بَلْ لَمْ يَجُزْ لَهَا تَنَاوُلُهَا (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي الْمُكَاتَبِ وَيُجْبَرُ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ) لِيُؤَدِّيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ.
(وَإِنْ أَعْسَرَ) الزَّوْجُ (بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ) فَلَا فَسْخَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ عَنْهَا (أَوْ) أَعْسَرَ بَ (النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ) فَلَا فَسْخَ كَالصَّدَاقِ إذَا أَعْسَرَ بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ (أَوْ) أَعْسَرَ بِ (نَفَقَةِ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ أَوْ) أَعْسَرَ ب (الْإِدَامِ فَلَا فَسْخَ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ عَنْهُ (وَتَبْقَى النَّفَقَةُ) أَيْ نَفَقَةُ الْخَادِمِ وَالنَّفَقَةُ الْمَاضِيَةُ.
(وَ) يَبْقَى (الْإِدَامُ) دَيْنًا (فِي ذِمَّتِهِ) لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ فَتَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلْمَرْأَةِ قُوتًا وَهَذَا فِيمَا عَدَا الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَلَعَلَّهُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بَعْدُ وَأَمَّا عَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى فَلَا.
(وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مُتَمَكِّنٌ مِنْ اسْتِيفَائِهِ) وَالْإِنْفَاقِ مِنْهُ (فَكَمُوسِرِ) لَيْسَ لِزَوْجَتِهِ الْفَسْخُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِنْفَاقِ (وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ) مِنْ اسْتِيفَائِهِ لِجَحْدٍ أَوْ مَطْلٍ وَنَحْوِهِمَا (فَكَمُعْسِرٍ) لِزَوْجَتِهِ الْفَسْخُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَلَيْهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (دَيْنٌ فَأَرَادَ أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مَكَانَ النَّفَقَةِ فَلَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ مُوسِرَةً) بِالدَّيْنِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا إذَنْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُوسِرَةً (فَلَا) يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مِنْ نَفَقَتِهَا، لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا فَضُلَ عَنْ الْكِفَايَةِ.
(وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ فَرَضِيَتْ أَوْ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ أَوْ) زَوْجُ (الْمَجْنُونَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ لَهُنَّ فَلَمْ يَمْلِكْ الْوَلِيُّ الْفَسْخَ كَالْفَسْخِ لِلْعَيْبِ وَقَالَ الْقَاضِي لِسَيِّدِهَا: الْفَسْخُ فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ رَجَعَ عَلَى الزَّوْجِ، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ.
[فَصْلٌ مَنَعَ زَوْجٌ مُوسِرٌ كُسْوَةً أَوْ بَعْضَهَا]
(فَصْلٌ وَإِنْ مَنَعَ زَوْجٌ مُوسِرٌ) (أَوْ) مَنَعَ (سَيِّدُهُ إنْ كَانَ) الزَّوْجُ (عَبْدًا كُسْوَةً أَوْ بَعْضَهَا، وَقُدِّرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ وَلَوْ مِنْ عَيْنِ جِنْسِ الْوَاجِبِ أَخَذَتْ) الزَّوْجَةُ مِنْهُ أَيْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، أَوْ مَالِ سَيِّدِهِ (كِفَايَتَهَا وَكِفَايَةَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ عُرْفًا وَنَحْوَهُ) كَالْوَلَدِ الْمَجْنُونِ وَالْخَادِمِ (بِالْمَعْرُوفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ - حِينَ قَالَتْ لَهُ: «إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ
стр. 2645
النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي -: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا بَعْضَ الْكِفَايَةِ وَلَا يُتِمُّهَا لَهَا فَرَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لَهَا فِي أَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا غِنًى عَنْهَا وَلَا قَوَامَ إلَّا بِهَا وَلِأَنَّهَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَتَشُقُّ الْمُرَافَعَةُ بِهَا إلَى الْحَاكِمِ وَالْمُطَالَبَةُ بِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَحَدِيثُ " أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَخْ " مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ هِنْدٍ لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالنَّفَقَةِ.
(وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ) عَلَى أَخْذِ كِفَايَتِهَا وَكِفَايَةِ وَلَدِهَا مِنْ مَالِهِ (أَخْبَرَهُ الْحَاكِمُ) إذَا رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ عَلَى كِفَايَتِهَا وَكِفَايَةِ وَلَدِهَا وَنَحْوِهِ بِالْمَعْرُوفِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ) ذَلِكَ (حَبْسَهُ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ وُضِعَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْحَبْسُ طَرِيقٌ إلَى الْفَصْلِ فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ (فَإِنْ صَبَرَ) الزَّوْجُ (عَلَى الْحَبْسِ وَقَدَرَ الْحَاكِمُ عَلَى مَالِهِ أَنْفَقَ مِنْهُ) عَلَيْهَا وَعَلَى مَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ وَجَبَ الدَّفْعُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ مَالٍ خَصَمَهُ كَالدَّيْنِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ الدَّيْنِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْحَاكِمُ (لَهُ عَلَى مَال يَأْخُذُهُ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ) الْحَاكِمُ (عَلَى النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ وَلَمْ يَجِدْ) الْحَاكِمُ (إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا بَاعَهُ وَأَنْفَقَ مِنْهُ فَيَدْفَعُ) الْحَاكِمُ (إلَيْهَا نَفَقَةَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ) كَالنَّقْدَيْنِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ نَقْدًا وَلَا عَرَضًا وَلَا عَقَارًا (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِتَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ كَحَالِ الْإِعْسَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ.
وَلَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَ الزَّوْجَةِ لِفَقْدِ مَالِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ يُنْفَقُ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مَالٌ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: الظَّاهِرُ صِحَّةُ الْفَسْخِ وَعَدَمُ نَقْضِهِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهَا إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا وَأَمَّا مَا كَانَ غَائِبًا عَنْهَا لَا عِلْمَ لَهَا بِهِ فَلَا تُكَلَّفَ الصَّبْرَ لِاحْتِمَالِهِ، وَلَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، لِأَنَّ الْمَاءَ فِي قَبْضِهِ وَيَدِهِ وَنِسْيَانُهُ لَا يَخْلُو مِنْ تَقْصِيرٍ وَتَفْرِيطٍ بِخِلَافِ هَذِهِ قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا.
(وَنَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالرَّقِيقِ وَالْبَهَائِمِ إذَا امْتَنَعَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ) قُلْتُ أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ (فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَهُ الرُّجُوعُ) لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ أَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) وَحُكْمُ وَكِيلِهِ حُكْمُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْأَخْذِ مِنْ الْمَالِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (نَفَقَةً وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَالٍ لَهُ وَلَا) عَلَى اسْتِدَانَةٍ (وَلَا) عَلَى (الْأَخْذِ مِنْ وَكِيلِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ كَتَبَ
стр. 2646
الْحَاكِمُ إلَيْهِ) لَمْ أَجِدْ الْكِتَابَةَ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ بَلْ الْكُتُبُ الْمَشْهُورَةُ لَمْ يَذْكُرُوهَا وَعَمِلَ قُضَاتُنَا عَلَى عَدَمِ الْكِتَابَةِ وَكَذَا إفْتَاءُ مَشَايِخِنَا (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) قُلْت أَوْ عُلِمَ إذْ لَمْ نَرَ فِي كَلَامِهِمْ هَذَا الْقَيْدَ (وَتَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ كَمَا تَقَدَّمَ) بِالِاسْتِدَانَةِ وَعَدَمِ الْوُصُولِ، إلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (فَلَهَا الْفَسْخُ) لِأَنَّهَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إلَى نَفَقَتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ إعْسَارُهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً أَوْ قَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ عَلَى الِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا فَسْخَ لَهَا، لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مِنْ جِهَتِهِ غَيْرُ مُتَعَذَّرٍ (وَلَا يَصِحُّ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَافْتُقِرَ إلَى الْحُكْمِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ (فَيَفْسَخُ) الْحَاكِمُ (بِطَلَبِهَا) لِأَنَّهُ لِحَقِّهَا فَلَا يَسْتَوْفِيه إلَّا بِطَلَبِهَا (أَوْ تَفْسَخُ) هِيَ (بِأَمْرِهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (وَفَسْخُ الْحَاكِمِ تَفْرِيقٌ لَا رَجْعَةَ فِيهِ) قُلْتُ وَكَذَا فَسْخُهَا بِأَمْرِهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ.
(وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ لِامْرَأَتِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مُدَّةً لَمْ تَسْقُطْ) النَّفَقَةُ كَالدَّيْنِ (وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ وَكَانَتْ) النَّفَقَةُ (دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ) وَتَقَدَّمَ (وَيَصِحُّ ضَمَانُ النَّفَقَةِ مَا وَجَبَ مِنْهَا وَمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) كَضَمَانِ السُّوقِ (وَتَقَدَّمَ فِي الضَّمَانِ وَالصَّدَاقِ) .
(تَتِمَّةٌ) قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ إذَا ثَبَتَ عِنْد الْحَاكِمِ صِحَّةُ النِّكَاحِ وَمَبْلَغُ الْمَهْرِ فَإِنْ عُلِمَ مَكَانُهُ كُتِبَ إنْ سَلَّمْتَ إلَيْهَا حَقَّهَا وَإِلَّا بِعْتُ عَلَيْكَ بِقَدْرِهِ فَإِنْ أَبَى أَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ بَاعَ بِقَدْرِ نَصْفِهِ لِجَوَازِ طَلَاقِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
[بَاب نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْبَهَائِمِ]
(بَاب نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْبَهَائِمِ) وَالْمُرَادُ بِالْأَقَارِبِ مِنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ كَمَا يَأْتِي فَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْعَتِيقُ (تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَمِنْ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَمِنْ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ
стр. 2647
أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا نَفَقَةُ (وَلَدِهِ وَإِنْ سَفُلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ فَكَذَا عَلَى بَعْضِهِ وَأَصْلِهِ (أَوْ بَعْضِهَا) أَيْ لَوْ وَجَدَ وَالِدُهُ أَوْ وَلَدُهُ بَعْضَ النَّفَقَةِ وَعَجَزُوا عَنْ إتْمَامِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ إكْمَالُهَا لِمَا سَبَقَ (حَتَّى ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا وَوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلُوا (وَلَوْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ) كَجَدٍّ مُوسِرٍ مَعَ أَب مُعْسِرٍ، وَكَابْنٍ مُعْسِرٍ وَابْنِ ابْنٍ مُوسِرٍ، فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُوسِرِ فِي الْمِثَالَيْنِ وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ مَحْجُوبًا، لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً قَوِيَّةً تُوجِبُ الْعِتْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ فَأَشْبَهَ الْقَرِيبَ وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِمَنْ ذُكِرَ (بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ (مِنْ حَلَالٍ) لَا مِنْ حَرَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّوْجَةِ (إذَا كَانُوا) أَيْ الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ (فُقَرَاءَ) فَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُنْفِقِ (مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ فَاضِلًا عَنْ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ وَرَقِيقِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَ) عَنْ (كُسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ مِنْ مَالِهِ وَأُجْرَةِ مِلْكِهِ وَنَحْوِهِ) كَتِجَارَتِهِ (أَوْ مِنْ كَسْبِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «ابْدَأْ بِنَفْسِكِ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَاجِ كَالْبِرِّ وَ (لَا) يَجِبُ الْإِنْفَاقُ - عَلَى مَنْ ذُكِرَ - (مِنْ أَصْلِ الْبِضَاعَةِ) الَّتِي يَتَّجِرُ بِهَا.
(وَ) لَا مِنْ (ثَمَنِ الْمِلْكِ وَآلَةِ الْعَمَلِ) لِحُصُولِ الضَّرَرِ بِذَلِكَ لِفَوَاتِ مَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ قُوتَهُ وَقُوتَ زَوْجَتِهِ وَنَحْوِهَا (وَيُجْبَرُ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ) مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ إذَنْ لِأَنَّ كَسْبَهُ الَّذِي يَسْتَغْنِي بِهِ كَالْمَالِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْضًا (نَفَقَةُ كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ مِمَّنْ سِوَاهُ) أَيْ: سِوَى عَمُودِيِّ النَّسَبِ سَوَاءٌ وَرِثَهُ الْآخَرُ كَأَخِيهِ (أَوْ لَا كَعَمَّتِهِ وَعَتِيقِهِ وَبِنْتِ أَخِيهِ وَنَحْوِهِ) كَبِنْتِ عَمِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ ثُمَّ عُطِفَ الْوَارِثُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْوُجُوبِ.
(فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ) وَهُمْ مَنْ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ (مِنْ غَيْرِ عَمُودِيِّ النَّسَبِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ) لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمْ، وَلِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مَالَهُ فَهُمْ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْمَالَ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ الرَّدّ عَلَيْهِمْ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْوُجُوبَ، لِأَنَّهُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَهُوَ عَامٌّ.
(وَيَتَلَخَّصُ لِوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ) عَلَى الْقَرِيبِ (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا
стр. 2648
أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِمْ فُقَرَاءَ لَا مَالَ لَهُمْ وَلَا كَسْبَ يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ إنْفَاقِ غَيْرِهِمْ) وَالْكُسْوَةُ وَالسَّكَنُ كَالنَّفَقَةِ وَشَرْطُهُ الْحُرِّيَّةُ فَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا فَلَا نَفَقَةَ (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِمْ (مُوسِرِينَ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَكْفِيهِمْ فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ وَجَبَ إكْمَالُهَا وَتَقَدَّمَ.
(الثَّانِي أَنْ تَكُونَ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ) مِنْهُ (فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ) وَزَوْجَتِهِ وَقَنِّهِ كَمَا سَبَقَ (إمَّا مِنْ مَالِهِ وَإِمَّا مِنْ كَسْبِهِ، فَمَنْ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا إذَنْ (الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْفِقُ وَارِثًا) لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ (إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِيِّ النَّسَبِ) أَمَّا عَمُودًا النَّسَبِ فَتَجِبُ وَلَوْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَعَلَى الْوَلَدِ الْمُوسِرِ أَنْ يُنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ الْمُعْسِرِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَعَلَى إخْوَتِهِ الصِّغَارِ.
(وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ وَلَوْ حَمْلًا وَارِثٌ غَيْرُ أَبٍ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ) عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ (لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْإِرْثِ) فَيَجِبُ أَنْ يُرَتَّبَ الْمِقْدَارُ عَلَيْهِ (فَأُمٌّ وَجَدٌّ) لِأَبٍ (عَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ (وَجَدَّةٌ وَأَخٌ) لِغَيْرِ أُمٍّ أَيْ شَقِيقٍ أَوْ لِأَبٍ (عَلَى الْجَدَّةِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي عَلَى الْأَخِ) كَإِرْثِهِمَا لَهُ (وَأُمٌّ وَبِنْتٌ) النَّفَقَةُ (بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا) كَمَا يَرِثَانِهِ فَرْضًا وَرَدًّا (وَابْنُ وَبِنْتٌ) النَّفَقَةُ (بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا) لِمَا سَبَقَ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ) أَيْ الْوَارِثُ (مُوسِرًا لَزِمَهُ بِقَدْرِ إرْثِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ) لِأَنَّ الْمُوسِرَ مِنْهُمَا إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ يَسَارِ الْآخَرِ ذَلِكَ الْقَدْرُ فَلَا يَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْغَيْرُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمُودِيِّ النَّسَبِ) فَتَجِبُ النَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْمُوسِرِ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِرْثِ.
(وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى) السَّابِقِ (حِسَابُ النَّفَقَاتِ) يَعْنِي أَنَّ تَرْتِيبَ النَّفَقَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، فَكَمَا أَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ مِنْ الْمِيرَاثِ كَذَلِكَ عَلَيْهَا السُّدُسُ مِنْ النَّفَقَةِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ بِنْتٌ وَأُخْتٌ لِغَيْرِ أُمٍّ أَوْ بِنْتٌ وَأَخٌ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٌ فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ رَدًّا أَوْ عَوْلًا أَوْ لَا، وَلَوْ اجْتَمَعَ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي النَّفَقَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ (أَبٌ فَيَنْفَرِدُ بِالنَّفَقَةِ) بِالْمَعْرُوفِ (وَأُمُّ أُمٍّ وَأَبُو أُمٍّ الْكُلُّ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ) لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ بِخِلَافِ أَبِي الْأُمِّ.
(وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا) أَمَّا الِابْنُ فَلِعُسْرَتِهِ، وَأَمَّا الْأَخ فَلِعَدَمِ مِيرَاثِهِ (وَمَنْ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْجَدَّةِ) الْمُوسِرَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَحْجُوبَةً لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ (وَكَذَا أَبٌ فَقِيرٌ وَجَدٌّ مُوسِرٌ) النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ
стр. 2649
(وَأَبَوَانِ وَجَدٌّ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ عَلَى الْأُمِّ) الْمُوسِرَةِ (ثُلُثُ النَّفَقَةِ) لِأَنَّهَا تَرِثُ الثُّلُثَ (وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) لِأَنَّهُ يَرِثُهُ كَذَلِكَ لَوْلَا الْأَبُ (وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجَةٌ فَكَذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ بَلْ نَفَقَتُهَا تَابِعَةٌ لِنَفَقَتِهِ (وَأَبَوَانِ وَأَخَوَانِ وَجَدٌّ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَخَوَيْنِ لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ وَلَيْسَا مِنْ عَمُودِيِّ النَّسَبِ وَيَكُونُ عَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ) مِنْ النَّفَقَةِ قِيَاسُ الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ السُّدُسُ فَقَطْ كَالْإِرْثِ لِحَجْبِ الْأَخَوَيْنِ لَهَا عَنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَا مَحْجُوبَيْنِ بِالْأَبِ (وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ أَخَوَانِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ جَدٌّ فَالنَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْأُمِّ) وَحْدَهَا دُونَ الْأَبِ لِعُسْرَتِهِ وَدُونَ الْإِخْوَةِ لِحَجْبِهِمْ.
(وَتَجِبُ نَفَقَةُ مِنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا مُكَلَّفًا وَلَوْ) كَانَ (مِنْ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِهِنْدٍ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ بَالِغًا وَلَا صَحِيحًا، وَلِأَنَّهُ فَقِيرٌ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى قَرِيبِهِ أَشْبَهَ الزَّمِنَ فَإِنْ كَانَ لَهُ حِرْفَةٌ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّ الْحِرْفَةَ تُعِينُهُ وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ لَا تَجِبُ إلَّا مَعَ الْفَقْرِ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْحِرْفَةُ يَحْصُلُ بِهَا غِنَاهُ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِكْمَالُ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُنْفِقَ (خِدْمَةُ قَرِيبٍ) وَجَبَتْ نَفَفْتُهُ فَيَخْدُمُهُ (بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِحَاجَةٍ) إلَى الْخِدْمَةِ (كَزَوْجَةٍ) لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْكِفَايَةِ.
(وَيَبْدَأُ) مَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ مَا يَكْفِي جَمِيعَ مِنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ (بِالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ) لَحَدِيثِ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» (فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُ نَفَقَةُ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ بَدَأَ بِامْرَأَتِهِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ (ثُمَّ بِرَقِيقِهِ) لِأَنَّ نَفَقَته تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ (ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ) لِحَدِيثِ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» أَيْ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ وَبِرٌّ وَمَنْ قَرُبَ أَوْلَى بِالْبِرِّ مِمَّنْ بَعُدَ يُبْدَأُ بِالْعَصَبَةِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الدَّرَجَةِ كَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ (ثُمَّ التَّسَاوِي) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(وَإِنْ فَضُلَ عَنْهُ مَا يَكْفِي وَاحِدًا لَزِمَهُ بَذْلُهُ) لِمَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ قُدِّمَ الْأَبُ) عَلَى الْأُمِّ لِفَضِيلَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْوِلَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ (فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا) أَيْ الْأَبَوَيْنِ (ابْنٌ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمَا) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِالنَّصِّ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ الِابْنُ أَحَقُّ بِالنَّفَقَةِ مِنْهَا وَهِيَ أَحَقُّ بِالْبِرِّ (وَقَالَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ الْأَبَوَانِ وَالِابْنُ إنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا قُدِّمَ) لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ مَعَ أَنَّهُ عَاجِزٌ.
(وَإِنْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا وَالْأَبُ زَمِنًا فَهُوَ) أَيْ الْأَبُ
стр. 2650
(أَحَقُّ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ وَحَاجَتَهُ أَشَدُّ (وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ يُقَدَّمُ الْأَحْوَجُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ) لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ (وَإِنْ كَانَ أَبٌ وَجَدٌّ أَوْ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ قُدِّمَ الْأَبُ وَالِابْنُ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ (وَيُقَدَّمُ جَدٌّ عَلَى أَخٍ) لِأَنَّ لَهُ مَزِيَّةَ الْوِلَادَةِ وَالْأُبُوَّةِ (وَأَبٌ عَلَى ابْنِ ابْنٍ) لِقُرْبِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إرْثُهُ بِحَالٍ.
(وَ) يُقَدَّمُ أَبُو أَبٍ عَلَى أَبِي أُمٍّ لِامْتِيَازِهِ بِالْعُصُوبَةِ (وَ) الْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ (مَعَ أَبِي أَبِي أَبٍ يَسْتَوِيَانِ) لِأَنَّ أَبَ الْأُمِّ امْتَازَ بِالْقُرْبِ وَأَبَا أَبِي الْأَبِ امْتَازَ بِالْعَصَبَةِ فَتَسَاوَيَا لِذَلِكَ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا (يَأْخُذُ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (إنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ لِزَوْجَةٍ) نَقَلَ ابْنَاهُ وَالْجَمَاعَةُ يَأْخُذُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ بِلَا إذْنِهِ بِالْمَعْرُوفِ إذَا احْتَاجَ وَلَا يَتَصَدَّقُ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) .
وَلَا تَجِبُ نَفَقَةٌ لِقَرِيبٍ (مَعَ اخْتِلَافِ دِينٍ) أَيْ إذَا كَانَ دِينُ الْقَرِيبَيْنِ مُخْتَلِفًا فَلَا نَفَقَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا وَلَا وِلَايَةَ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا (إلَّا بِالْوَلَاءِ) لِثُبُوتِ إرْثِهِ مِنْ عَتِيقِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ (أَوْ بِإِلْحَاقِ الْقَافَةِ) فَتَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ وَالرِّعَايَةِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
(وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ مُدَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ) أَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ وَجَبَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ وَإِحْيَاءِ النَّفْسِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي الْمَاضِي بِدُونِهَا وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ (إلَّا إنْ فَرَضَهَا حَاكِمٌ) لِأَنَّهَا تَأَكَّدَتْ بِفَرْضِهِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ (أَوْ اسْتَدَانَ بِإِذْنِهِ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَأَمَّا نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ فَلَا تَلْزَمُهُ لِمَا مَضَى وَإِنْ فُرِضَتْ إلَّا أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ.
(لَكِنْ لَوْ غَابَ زَوْجٌ فَاسْتَدَانَتْ لَهَا وَلِأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ رَجَعْت) بِمَا اسْتَدَانَتْهُ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ أَوْلَادُهَا لِأَنَّ وَلَاءَهُمْ حِينَئِذٍ لِمَوْلَى أَبِيهِمْ فَهُوَ الْوَارِثُ لَهُمْ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ) (أَعْتَقَهُ أَبُوهُمْ) أَيْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ (فَأَنْجَزَ الْوَلَاءَ إلَى مُعْتِقِهِ) كَمَا مَرَّ فِي الْوَلَاءِ (صَارَ وَلَاؤُهُمْ لِمُعْتِقِ أَبِيهِمْ وَنَفَقَتُهُمْ) عِنْدَ عَدَمِ أَبِيهِمْ (عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَوْلَاهُمْ الْوَارِثُ لَهُمْ.
(وَلَيْسَ عَلَى الْعَتِيقِ نَفَقَة مُعْتِقِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى الْآخَرِ) وَتَقَدَّمَ تَصْوِيرُهُ فِي الْوَلَاءِ (فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَقَةُ الْآخَرِ) مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَتِيقًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُعْتِقًا كَمَا يَرِثُهُ.
كَذَلِكَ (لَيْسَ عَلَى الْعَبْد نَفَقَةُ وَلَدِهِ حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً) لِأَنَّ أَوْلَادَ الْحُرَّةِ أَحْرَارٌ وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ الْحُرِّ لِمَا يَأْتِي، وَأَوْلَادُ الْأَمَةِ عَبِيدٌ لِسَيِّدِهَا فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ (وَلَا نَفَقَةَ أَقَارِبِهِ
стр. 2651
الْأَحْرَارِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ مَلَكَ فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ كَالزَّكَاةِ (وَنَفَقَةُ أَوْلَادِ الْمُكَاتَبِ وَالْأَحْرَارِ وَ) نَفَقَةُ (أَقَارِبِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ وَحَاجَتُهُ إلَى فَكِّ رَقَبَتِهِ أَشَدُّ (وَتَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ وَكَسْبُهُ لَهُ (وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ حُرَّةً فَنَفَقَةُ أَوْلَادِهَا عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مُوسِرَةً وَانْفَرَدَتْ، لِأَنَّهَا الْوَارِثَةُ لَهُمْ دُونَهُ (فَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَقَارِبُ أَحْرَارٌ كَجَدٍّ وَأَخٍ مَعَ أُمٍّ أَنْفَقَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مِيرَاثِهِ وَالْمُكَاتَبُ كَالْمُعْدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفَقَةِ) وَالْإِرْثِ وَالْحَجْبِ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (مُكَاتَبَةً فَسَيَأْتِي) فِي نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ الْكَلَامُ عَلَى نَفَقَتِهِمْ (فَإِنَّ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ التَّبَرُّعَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَةٍ) لِغَيْرِ سَيِّدِهِ (أَوْ) مِنْ (مُكَاتَبَةٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ أَوْ) مِنْ (حُرَّةٍ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَلَا يَتَبَرَّعُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَإِنْ كَانَ) وَلَد الْمُكَاتَبِ (مِنْ أَمَةٍ لِسَيِّدِهِ جَازَ) لِلْمُكَاتَبِ التَّبَرُّعُ بِنَفَقَةٍ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَمْ يَتَبَرَّعْ لِأَجْنَبِيٍّ وَ (لَا) يَتَبَرَّعُ بِنَفَقَةِ (وَلَدِهِ مِنْ مُكَاتَبَةٍ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِهَا عَلَيْهَا فَتَبَرُّعُهُ بِنَفَقَتِهِ تَبَرُّعٌ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّهِ.
[فَصْلٌ وَتَجِبُ نَفَقَةُ ظِئْرٍ]
ٍ) أَيْ مُرْضِعَةِ (الصَّغِيرِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (فِي مَالِهِ) إنْ كَانَ كَنَفَقَةِ الْكَبِيرِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الصَّغِيرِ (مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) مِنْ أَبٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ نَفَقَةَ ظِئْرِ الصَّغِيرِ كَنَفَقَةِ الْكَبِيرِ وَيَخْتَصُّ وُجُوبُهَا بِالْأَبِ وَحْدَهُ إنْ كَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) نَفَقَةُ الظِّئْرِ (لِمَا فَوْقَ الْحَوْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (وَلَا يُفْطَمُ قَبْلَهَا) لِلْآيَةِ (إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ) فَيَجُوزُ (إلَّا أَنْ يُضَرَّ) الصَّغِيرُ فَلَا، وَلَوْ رَضِيَا لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
وَفِي الرِّعَايَةِ هُنَا يَحْرُمُ رَضَاعَةٌ بَعْدَهُمَا وَلَوْ رَضِيَا وَظَاهِرُ عُيُونِ الْمَسَائِلِ إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَقَالَ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ: وَيَجُوزُ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْأُمُّ عَلَى رَضَاعَةٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إلَى نِصْفِ الثَّالِثِ أَوْ
стр. 2652
أَكْثَرِهِ.
(وَلِلْأَبِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ خِدْمَةِ وَلَدِهَا مِنْهُ) مَجَانِينَ أَوْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ التَّكَسُّبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ امْتَنَعَ زَوْجٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ بِأَنْ تُطْلَبَ مِنْهُ) النَّفَقَةُ (فَيَمْتَنِعُ) فَقَامَ بِهَا غَيْرُهُ (رَجَعَ عَلَيْهِ مُنْفِقٌ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ) لِأَنَّهُ قَامَ بِوَاجِبٍ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَقَدَّمَ.
(وَيَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِعْفَافِ إلَّا بِهِ.
(وَ) يَجِبُ أَيْضًا (عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِقَرِيبِهِ إعْفَافُ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ نَفَقَةٌ مِنْ أَبٍ وَإِنْ عَلَا وَ) مِنْ ابْنٍ وَإِنْ نَزَلَ وَغَيْرِهِمْ كَأَخٍ وَعَمٍّ (إذَا احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ لِزَوْجَةٍ حُرَّةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ تُعِفُّهُ أَوْ يَدْفَعُ) الْمُنْفِقُ إلَيْهِ مَالًا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً أَوْ يَشْتَرِي بِهِ أَمَةً لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو حَاجَتُهُ إلَيْهِ وَيُسْتَضَرُّ بِفَقْدِهِ فَلَزِمَ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ الْحَلْوَى فَإِنَّهُ لَا يُسْتَضَرُّ بِتَرْكِهَا (وَالتَّخْيِيرُ) فِيمَا ذُكِرَ (لِلْمَلْزُومِ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِهِ فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ إلَيْهِ فِيهِ فَيُقَدِّمُ تَعْيِينَهُ عَلَى تَعْيِينِ الْمَعْفُوفِ.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ قَبِيحَةً وَلَا أَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهَا) أَيْ أَمَةً قَبِيحَةً لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِعْفَافِ بِهَا (وَلَا) يُزَوِّجَهُ وَلَا يُمَلِّكَهُ (كَبِيرَةً لَا اسْتِمْتَاعَ بِهَا) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا (وَلَا أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَةً) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ لِاسْتِرْقَاقِ أَوْلَادِهِ (وَلَا يَمْلِكُ) الْقَرِيبُ اسْتِرْجَاعَ مَا دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ جَارِيَةٍ وَلَا عِوَضِ مَا زَوَّجَهُ بِهِ (إذَا أَيْسَرَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ لَا يَرْجِعُ بِهَا بَعْدُ (وَيُقَدِّمُ تَعْيِينَ قَرِيبٍ إذَا اسْتَوَى الْمَهْرُ) عَلَى تَعْيِينِ زَوْجٍ لِمَا سَبَقَ (وَيَصَّدَّقُ) الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ (إذَا ادَّعَى أَنَّهُ تَائِقٌ بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ.
(وَإِنْ مَاتَتْ) الَّتِي أَعَفَّهُ بِهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ (أَعَفَّهُ ثَانِيًا) لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي ذَلِكَ (إلَّا إنْ طَلَّقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ أَعْتَقَ) السُّرِّيَّةَ مَجَّانًا بِأَنْ لَمْ يَجْعَلْ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَلَا يَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ ثَانِيًا، لِأَنَّهُ الَّذِي فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ جَدَّانِ وَلَمْ يَمْلِكْ) وَلَدُ وَلَدِهِمَا (إلَّا إعْفَافَ أَحَدِهِمَا قُدِّمَ الْأَقْرَبُ) كَالنَّفَقَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ فَيُقَدَّمَ وَإِنْ بَعُدَ عَلَى الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ) لِامْتِيَازِهِ بِالْعُصُوبَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي تَحْقِيقُ الْقُرْبِ بَيْنَ النَّفَقَةِ وَالْإِعْفَافِ.
(وَيَلْزَمُهُ إعْفَافُ أُمِّهِ كَأَبِيهِ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ وَخَطَبَهَا كُفْءٌ) قَالَ الْقَاضِي وَلَوْ سَلِمَ فَالْأَبُ آكَدُ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّ الْإِعْفَافَ لَهَا بِالتَّزْوِيجِ وَنَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إنْ تَعَذَّرَ تَزْوِيجٌ بِدُونِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
(وَالْوَاجِبُ فِي نَفَقَتِهِ الْقَرِيبَ قَدْرُ الْكِفَايَةِ مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ وَالْمَسْكَنِ بِقَدْرِ الْعَادَةِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ (كَمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّوْجَةِ) .
(وَيَجِبُ عَلَى الْمُعْتِقِ نَفَقَةُ عَتِيقِهِ) لِأَنَّهُ يَرِثُهُ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
стр. 2653
وَلِقَوْلِهِ ﵊ «أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ أَدْنَاكَ وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَاكَ حَقًّا وَاجِبًا وَرَحِمًا مَوْصُولًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ مَاتَ مَوْلَاهُ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ عَصَبَاتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي) بَابِ (الْوَلَاءِ) لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ النَّفَقَةَ تَتْبَعُ الْإِرْثَ.
(وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَوْلَى (نَفَقَةُ أَوْلَادِ مُعْتِقِهِ إذَا كَانَ أَبُوهُمْ عَبْدًا) لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَيُقَدِّرَهَا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهَا أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُبَاشَرَةُ الْخِدْمَةِ بِنَفْسِهَا بَلْ تَخْدُمُهُ خَادِمُهَا وَنَحْوُهَا عِنْدَهَا.
وَ (لَا) يَمْنَعُ الْأَبُ أُمَّ الرَّضِيعِ (مِنْ رَضَاعِهِ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا وَوَجَدَ) الْأَبُ (مَنْ يَتَبَرَّعُ) لَهُ (بِرَضَاعِهِ فَهِيَ) أَيْ الْأُمُّ (أَحَقُّ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ وَهُوَ خَبَرٌ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَلِأَنَّهَا أَشْفَقُ وَأَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ وَلَبَنُهَا أَمْرَأُ.
(فَإِنْ طَلَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهَا وَلَوْ بِيَسِيرٍ لَمْ تَكُنْ أَحَقَّ بِهِ) مَعَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِهِ أَوْ يَرْفَعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] (إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ إلَّا بِمِثْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ) فَتَكُونُ الْأُمُّ أَحَقَّ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ لِشَفَقَتِهَا (وَلَوْ كَانَتْ) أُمُّ الرَّضِيعِ (زَوْجَ آخَرَ وَطَلَبَتْ رَضَاعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا وَوُجِدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ فَأُمُّهُ أَحَقُّ إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ الثَّانِي) بِذَلِكَ لِلْآيَةِ وَقَدْ رَضِيَ الزَّوْجُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَأَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُزَوَّجَةِ (وَإِذَا أَرْضَعَتْ الزَّوْجَةُ وَلَدَهَا وَهِيَ فِي حِبَالِ وَالِدِهِ فَاحْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةِ نَفَقَةٍ لَزِمَهُ) ذَلِكَ إذْ كِفَايَتُهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ وَلِرَضَاعِ وَلَدِهِ.
(وَلِلسَّيِّدِ إجْبَارُ أُمِّ وَلَدِهِ عَلَى رَضَاعِهِ) أَيْ وَلَدِهَا (مَجَّانًا) لِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَمَنَافِعُهَا لَهُ كَالْقِنِّ (فَإِنْ عَتَقَتْ عَلَى السَّيِّدِ) بِإِعْتَاقٍ أَوْ تَعْلِيقٍ (فَحُكْمُ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْهُ حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْ أَمْرَ نَفْسِهَا بِالْعِتْقِ فَلَهَا طَلَبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ رَضَاعِهِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَتْ الْأُمُّ) الْحُرَّةُ (مِنْ إرْضَاعِ وَلَدِهَا لَمْ تُجْبَرْ) وَلَوْ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ (إلَّا أَنْ
стр. 2654
يُضْطَرَّ) الصَّغِيرُ (إلَيْهَا أَوْ يُخْشَى عَلَيْهِ) بِأَنْ لَا يُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سِوَاهَا أَوْ لَا يَقْبَلُ الصَّغِيرُ الْإِرْضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا إرْضَاعُهُ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ وَحِفْظُ النَّفْسِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ غَيْرُهَا (وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْقِيَهُ اللَّبَنَ) لِتَضَرُّرِهِ بِعَدَمِهِ بَلْ يُقَالُ لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ.
(وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ إرْضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا وَمِنْ إرْضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْضِي تَمْلِيكَ الزَّوْجِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فِي كُلِّ الزَّمَانِ سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، فَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ كَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ (إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ غَيْرُهَا أَوْ لَا يَقْبَلُ الْإِرْضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِب التَّمْكِين مِنْ إرْضَاعِهِ) لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ وَحِفْظٍ فَقُدِّمَ عَلَى حَقّ الزَّوْجِ كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ (أَوْ تَكُونُ) الْمَرْأَةُ (قَدْ شَرَطَتْهُ) أَيْ الرَّضَاعَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الزَّوْجِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ (نَصًّا) لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» .
(وَإِنْ أَجَّرَتْ) الْمَرْأَةُ (نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ لَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَلَا مَنْعَهَا مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ، لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي عِشْرَة النِّسَاء) فَإِنْ نَامَ الصَّبِيُّ أَوْ اشْتَغَلَ فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمُزَوَّجَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا صَحَّ وَلَزِمَ الْعَقْدُ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ، لِتَضَمُّنِهِ تَفْوِيتَ حَقِّ زَوْجِهَا وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ]
(فَصْلٌ وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ قَدْر كِفَايَتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَوْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَلَوْ) كَانَ رَقِيقُهُ (آبِقًا أَوْ نَشَزَتْ الْأَمَةُ أَوْ عَمِيَ أَوْ زَمِنَ أَوْ مَرِضَ أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ) وَتَكُونُ النَّفَقَةُ (مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَأُدْمِ مِثْلِهِ وَ) يَلْزَمُهُ (كُسْوَتُهُمْ مِنْ غَالِبِ الْكِسْوَةِ لِأَمْثَالِ الْعَبِيدِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَ) يَلْزَمُهُ (غِطَاءٌ وَوِطَاءٌ وَمَسْكَنٌ وَمَاعُونٌ) لِرَقِيقِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ لَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْمِلْكِ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ لِلْآبِقِ وَالنَّاشِزِ وَالزَّمِنِ وَغَيْرِهِمْ (وَإِنْ مَاتُوا فَعَلَيْهِ
стр. 2655
تَكْفِينُهُمْ وَتَجْهِيزُهُمْ وَدَفْنُهُمْ) كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ حَالَ الْحَيَاةِ.
(وَيُسَنُّ) لِسَيِّدِ الرَّقِيقِ (أَنْ يُلْبِسَهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَ) أَنْ (يُطْعِمَهُ مِمَّا يَطْعَمُ فَإِنْ وَلِيَهُ) أَيْ وَلِيَ الرَّقِيقُ الطَّعَامَ (فَ) إنَّ سَيِّدَهُ يُجْلِسُهُ يَأْكُلُ (مَعَهُ) أَوْ يُطْعِمُهُ (مِنْهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «إذَا وَلَّى أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيَدْعُهُ وَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَى التَّرْوِيغِ غَمْسُهَا فِي الْمَرَقِ وَالدَّسَمِ وَرَفْعُهَا إلَيْهِ وَلِأَنَّ الْحَاضِرَ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَى ذَلِكَ (وَلَا يَأْكُلُ) الرَّقِيقُ (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ السَّيِّدِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ لَكِنْ إنْ مَنَعَهُ مَا وَجَبَ لَهُ فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ عَبِيدِهِ) فِي الْكُسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ (وَ) بَيْنَ (إمَائِهِ فِي الْكُسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ) لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لِنُفُوسِهِمْ وَأَقْرَبُ لِلْعَدْلِ (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ مَنْ هِيَ) مِنْ الْإِمَاءِ (لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي الْكِسْوَةِ) لِدُعَاءِ الْمَصْلَحَةِ إلَيْهِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ السَّيِّدَ (نَفَقَةُ وَلَدِ أَمَتِهِ الرَّقِيقِ) لِأَنَّهُ رَقِيقُهُ تَبَعًا لِأُمِّهِ (دُونَ زَوْجِهَا) أَيْ الْأَمَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ الرَّقِيقِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَابِعًا لَهُ بَلْ لِأُمِّهِ (وَيَلْزَمُ الْحُرَّةَ نَفَقَةُ وَلَدِهَا مِنْ عَبْدٍ) وَطْئِهَا بِزَوْجِيَّةٍ أَوْ شُبْهَةٍ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهَا وَإِلَّا فَعَلَى قَدْرِ الْإِرْثِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَلْزَمُ الْمُكَاتَبَةَ نَفَقَةُ وَلَدِهَا وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ مُكَاتَبًا) لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ لَا أَبَاهُ (وَكَسْبُهُ) أَيْ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ (لَهَا) لِتَبَعِيَّتِهِ لَهَا.
(وَيُنْفِقُ) السَّيِّدُ (عَلَى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بِقَدْرِ رِقِّهِ وَبَقِيَّتُهَا) أَيْ النَّفَقَةُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُبَعَّضِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ أَعْتَقَ الْبَعْضَ أَوْ وَارِثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ) أَيْ الْمُبَعَّضِ (وَطْءُ أَمَةٍ مَلَكَهَا يُجْزِئُهُ الْحُرُّ بِلَا إذْنِ) سَيِّدِهِ، لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهَا تَامٌّ وَلَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِهِ.
(وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ تَزْوِيجُهُمْ) أَيْ الْأَرِقَّاءِ (إذَا طَلَبُوهُ كَالنَّفَقَةِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ مِنْ تَرْكِ إعْفَافِهِ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْظُورِ، وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْعَبْدِ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ) إذَا كَانَ كَبِيرًا (إلَّا أَمَةً يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَلَوْ مُكَاتَبَةً بِشَرْطِ وَطْئِهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ وَإِنْ شَاءَ زَوْجُهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ (فَإِنْ أَبَى) السَّيِّدُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَزْوِيجِهِمْ (أُجْبَرَ) عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ (وَتَصْدُقُ الْأُمَّةُ أَنَّهُ مَا يَطَؤُهَا) لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ زَوَّجَهَا) أَيْ السَّيِّدُ (بِمَنْ عَيْبُهُ غَيْرُ الرِّقِّ فَلَهَا الْفَسْخُ) لِلْعَيْبِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ
стр. 2656
فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلًا) لِأَنَّ الْعَادَةَ ذَلِكَ.
(وَمَنْ غَابَ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ زُوِّجَتْ لِحَاجَةِ نَفَقَةٍ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَحُفِظَ مَهْرُهَا لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ يَلِي مَالَ الْغَائِبِ كَمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ.
وَفِي الِانْتِصَارِ يُزَوِّجُهَا مَنْ يَلِي مَالَهُ أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ بَكْرٍ (وَكَذَا) تُزَوَّجُ أُمُّ وَلَدٍ (لِحَاجَةِ وَطْءٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ (وَأَمَّا الْأَمَةُ) غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ (فَقَالَ الْقَاضِي إذَا غَابَ سَيِّدُهَا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً) وَهِيَ مَا لَا يُقْطَعُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ (فَطَلَبَتْ التَّزْوِيجَ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَتَقَدَّمَ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ) لِوِلَايَتِهِ عَلَى الْغَائِبِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُزَوِّجُهَا مَنْ يَلِي مَالَهُ وَمَشَى عَلَيْهِ هُنَا فِي الْمُنْتَهَى.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى السَّيِّدِ (أَنْ يُكَلِّفهُمْ) أَيْ الْأَرِقَّاءِ (مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَهُوَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ) أَيْ الرَّقِيقِ (مَشَقَّةً كَثِيرَةً) بِحَيْثُ يَقْرُبُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْهُ (فَإِنْ كَلَّفَهُ) مُشِقًّا (أَعَانَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْأَمَةِ بِالرَّعْيِ، لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ لِبُعْدِهَا عَمَّنْ يَذُبُّ عَنْهَا) وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَنْ نَقْلِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ زَوْجَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ النَّوَى عَلَى رَأْسِهَا لِلزُّبَيْرِ مِنْ نَحْوِ ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ مِنْ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي سَفَرِ الْمَرْأَةِ السَّفَرَ الْقَصِيرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَرَعْيُ جَارِيَةٍ الْحُكْمُ فِي مَعْنَاهُ وَأَوْلَى وَقَالَ غَيْرُهُ يَجُوزُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا وَلَا يُتَأَهَّبُ لَهُ أُهْبَةً قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَيَجِبُ) عَلَى سَيِّدِ الْأَرِقَّاءِ (أَنْ يُرِيحَهُمْ وَقْتَ قَيْلُولَةٍ وَنَوْمٍ وَصَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ.
(وَ) يَجِبُ (أَنْ يُرْكِبَهُمْ عُقْبَةً) بِوَزْنِ غُرْفَةٍ (عِنْدَ الْحَاجَةِ) إذَا سَافَرَ بِهِمْ لَيْلًا لِئَلَّا يُكَلِّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَعْنَاهُ يُرْكِبُهُمْ تَارَةً وَيُمْشِيهِمْ أُخْرَى (وَتُسْتَحَبُّ مُدَاوَاتُهُمْ إذَا مَرِضُوا) قَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قُلْتُ الْمَذْهَبُ أَنَّ تَرْكَ الدَّوَاءِ أَفْضَلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ: الْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ فَالسَّيِّدُ أَحَقُّ بِنَفَقَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ وَلِهَذَا: النَّفَقَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْمَرَضِ تَلْزَمهُ مِنْ الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ.
(وَيَجِبُ خِتَانُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا مِنْهُمْ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ أَدِلَّة الْخِتَانِ وَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْبُلُوغِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِبَاقُ الْعَبْدِ كَبِيرَةٌ) لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ (وَيَحْرُمُ إفْسَادُهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِفْسَادُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ السَّعْيِ بِالْفَسَادِ وَمَحَلُّ كَوْنِ إبَاقِ الْعَبْدِ مُحَرَّمًا إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَلِهَذَا.
(قَالَ الشَّيْخُ فِي مُسْلِمٍ نَحِسٍ فِي بِلَادِ التَّتَارِ أَبَى بَيْعَ عَبْدِهِ وَ) أَبَى (عِتْقَهُ وَيَأْمُرُهُ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَهَرَّبَهُ إلَى بِلَادِ)
стр. 2657
أَهْلِ بِدَعٍ مُضِلَّةٍ (فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِهَذَا) النَّحِسِ الْآمِرِ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَفِعْلِ الْمَنْهِيِّ (وَلَوْ كَانَ فِي طَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَبْدُ إذَا هَاجَرَ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ) مُسْلِمًا (فَهُوَ حُرٌّ) إذَا حَصَلَ بِدَارِنَا أَوْ لَحِقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَوْ سَبَى سَيِّدَهُ لَكَانَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ (وَلَوْ لَمْ تُلَائِمْ أَخْلَاقُ الْعَبْدِ أَخْلَاقَ سَيِّدِهِ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا يُعَذِّبُ خَلْقَ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ» .
(وَيَجِبُ أَنْ لَا يَسْتَرْضِعَ الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا) لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِوَلَدِهَا لِلنَّقْصِ مِنْ كِفَايَتِهِ وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لَهُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ كَنَقْصِ الْكَبِيرِ عَنْ كِفَايَتِهِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ (بَعْدَ رَبّهِ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ (كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا وَبَقِيَ لَبَنُهَا) .
(وَلَا يَجُوز لَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (إجَارَتُهَا) أَيْ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ (بِلَا إذْن زَوْجٍ فِي مُدَّة حَقِّهِ) لِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِرَضَاعٍ وَحَضَانَةٍ (وَيَجُوزُ) إيجَارُهَا (فِي مُدَّةِ حَقِّ السَّيِّدِ) لِأَنَّ لَهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا) أَيْ الْأَمَةِ فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَيَجُوزُ الْمُخَارَجَةُ بِاتِّفَاقِهِمَا إذَا كَانَ مَا جَعَلَ عَلَى الْحَجْمِ بِقَدْرِ كَسْبِ الْعَبْدِ فَأَقَلّ بَعْدَ نَفَقَتِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ «حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُ أُجْرَةً وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يَحْفَظُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ لِرَقِيقِهِمْ خَرَاجًا، وَرُوِيَ " أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ كُلَّ يَوْمٍ ".
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَسْبِهِ (لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لَهُ مَا لَا يُطِيقهُ (وَلَا يُجْبَرُ) عَلَى الْمُخَارَجَةِ مَنْ أَبَاهَا مِنْ السَّيِّدِ أَوْ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا عَقْدٌ بَيْنَهُمَا فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالْكِتَابَةِ (وَمَعْنَاهَا) أَيْ الْمُخَارَجَةِ (أَنْ يَضْرِبَ) السَّيِّدُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْعَبْدِ (خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيهِ إلَى سَيِّدِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَمَا فَضَلَ لِلْعَبْدِ) .
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ لِعَبْدٍ مُخَارَجٍ هَدِيَّةُ طَعَامٍ وَإِعَارَةُ مَتَاعٍ وَعَمَلُ دَعْوَةٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَعَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُبْدِعِ قَالَا: وَظَاهِرُ كَلَامُ جَمَاعَةٍ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَائِدَةُ الْمُخَارَجَةِ تَرْكُ الْعَمَلِ بَعْدَ الضَّرِيبَةِ (وَفِي الْهَدْيِ لِلْعَبْدِ التَّصَرُّفُ بِمَا زَادَ عَلَى خَرَاجِهِ) .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ (وَلِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُهُمْ) أَيْ الْأَرِقَّاءِ (بِاللَّوْمِ وَالضَّرْبِ كَوَلَدٍ وَزَوْجَةٍ) نَاشِزٍ (وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ) فِي الرَّقِيقِ عَلَى الزَّوْجَةِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ لَقِيطٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَ أَمَتِكَ» وَلِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ «لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ لَعَلَّهُ يُجَامِعُهَا
стр. 2658
أَوْ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ الْيَوْمِ» وَلِابْنِ مَاجَهْ بَدَلَ الْعَبْدِ الْأَمَةُ فَهَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الرَّقِيقِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الْمَرْأَةِ (وَيُسَنُّ) لِلسَّيِّدِ (الْعَفْوُ عَنْهُ أَوْ لَا) أَيْ قَبْلَ التَّأْدِيبِ (وَيَكُونُ) الْعَفْوُ (مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ نَصًّا) نَقَلَ حَرْبٌ " لَا تَضْرِبْ إلَّا فِي ذَنْبٍ بَعْدَ عَفْوٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ " (وَلَا يَضْرِبُهُ شَدِيدًا وَلَا يَضْرِبُهُ إلَّا فِي ذَنْبٍ عَظِيمٍ نَصًّا) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» (وَيُقَيِّدُهُ بِقَيْدٍ إذَا خَافَ عَلَيْهِ) الْإِبَاقَ (وَيُؤَدَّبُ عَلَى فَرَائِضِهِ) أَيْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
(وَ) يُؤَدِّبُهُ السَّيِّدُ (عَلَى مَا إذَا كَلَّفَهُ مَا يُطِيقُ فَامْتَنَعَ) مِنْ امْتِثَالِهِ (وَلَيْسَ لَهُ لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَطَمَ غُلَامَهُ فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا خِصَاؤُهُ وَلَا التَّمْثِيلُ بِهِ) بِجَدْعِ أَنْفٍ أَوْ نَحْوِهِ وَيُعْتَقُ بِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ.
(وَلَا يَشْتُمُ) السَّيِّدُ (أَبَوَيْهِ الْكَافِرِينَ لَا يُعَوِّد لِسَانَهُ الْخَنَا وَالرَّدَى) الْخَنَا بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيفِ النُّونِ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ وَقَدْ أَخْنَى عَلَيْهِ مِنْ بَابِ صَدَى وَأَخْنَى عَلَيْهِ فِي مَنْطِقِهِ أَيْ أَفْحَشَ «وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا (وَهُوَ الَّذِي يُسِيءُ إلَى مَمَالِيكِهِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ السِّرُّ الْمَصُونُ: " مُعَاشَرَةُ الْوَلَدِ بِاللُّطْفِ وَالتَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى ضَرْبِهِ ضُرِبَ) يَعْنِي غَيْرَ مُبَرِّحٍ (وَيُحْمَلُ الْوَلَدُ عَلَى أَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَيُجَنَّبُ سَيِّئَهَا) لِيَعْتَادَ ذَلِكَ وَيَنْشَأَ عَلَيْهِ (فَإِذَا كَبِرَ) الْوَلَدُ (فَالْحَذَرُ مِنْهُ وَلَا يُطْلِعُهُ عَلَى كُلِّ الْأَسْرَارِ، وَمِنْ الْغَلَطِ تَرْكُ تَزْوِيجِهِ إذَا بَلَغَ فَإِنَّك تَدْرِي مَا هُوَ فِيهِ بِمَا كُنْتَ فِيهِ فَصُنْهُ مِنْ الزَّلَلِ عَاجِلًا خُصُوصًا الْبَنَاتِ) فَإِنَّ عَارَهُنَّ عَظِيمٌ (وَإِيَّاكَ أَنْ تُزَوِّجَ الْبِنْتَ بِشَيْخٍ أَوْ شَخْصٍ مَكْرُوهٍ) فَرُبَّمَا حَمَلَهُنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي (وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْكُنَ إلَيْهِ بِحَالٍ بَلْ كُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ وَلَا تُدْخِلْ الدَّارَ مِنْهُمْ مُرَاهِقًا وَلَا خَادِمًا فَإِنَّهُمْ رِجَالٌ مَعَ النِّسَاءِ وَنِسَاءٌ مَعَ الرِّجَالِ وَرُبَّمَا امْتَدَّتْ عَيْنُ امْرَأَةٍ إلَى غُلَامٍ مُحْتَقَرٍ انْتَهَى) وَكَذَا خِدْمَةُ أَحْرَارٍ.
(وَإِنْ بَعَثَ) أَيْ الرَّقِيقَ (سَيِّدُهُ لِحَاجَةٍ فَوَجَدَ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ صَلَّى) فَيَجْمَعُ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ مَوَالِيهِ وَهُوَ مِمَّنْ يُؤْتَى أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ إذَنْ (وَإِنْ صَلَّى) أَوَّلًا ثُمَّ قَضَى حَاجَتَهُ (فَلَا بَأْسَ) لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَإِذَا خَافَ فَوَاتَ الْحَاجَةِ بِالصَّلَاةِ فَلَهُ تَأْخِيرُهَا وَيَقْضِي حَاجَتَهُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ يَدْخُلُهَا الْقَضَاءُ.
(وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ فَطَلَبَ الْعَبْدُ) أَوْ الْأَمَةُ (الْبَيْعَ لَزِمَهُ بَيْعُهُ سَوَاءٌ كَانَ امْتِنَاعُ السَّيِّدِ لِعَجْزِهِ عَنْهُ أَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ
стр. 2659
عَلَيْهِ إذَنْ عَلَيْهِ إضْرَارٌ بِهِ وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ وَاجِبَةٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «جَارِيَتُكَ تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي إلَى مَنْ تَتْرُكُنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلَا يَلْزَمهُ بَيْعُهُ بِطَلَبِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهُ) لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَطَلَاقِ زَوْجَتِهِ إذَنْ.
(وَلَا يَتَسَرَّى عَبْدٌ وَلَوْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ) وَالْوَطْءُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ لِلنَّصِّ (وَقِيلَ بَلْ) يَتَسَرَّى (بِإِذْنِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ جَمَاعَةٌ وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ، وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ هُوَ قَوْلُ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَابْنُ شَاقِلَا، نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْوَاضِحِ وَرَجَّحَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغَنِّي وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَهِيَ أَصَحُّ فَإِنَّ نُصُوصَ أَحْمَدَ لَا تَخْتَلِفُ فِي إبَاحَةِ التَّسَرِّي لَهُ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيّ وَنَصَرَهُ (وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ) .
فِيهِ نَظَرٌ إنَّمَا الْمَذْهَبُ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مِلْكِهِ فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي (إذَا قَالَ لَهُ السَّيِّدُ تَسَرَّاهَا أَوْ أَذِنْت لَكَ فِي وَطْئِهَا أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّسَرِّي (أُبِيحَ لَهُ عَلَى) هَذَا (الْقَوْلِ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهَدٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ النِّكَاحَ بِإِذْنِهِ فَمِلْكُ التَّسَرِّي كَالْحُرِّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (يَجُوزُ) أَنْ يَأْذَنَ لَهُ (فِي) التَّسَرِّي (أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ) كَالنِّكَاحِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَأَطْلَقَ تَسَرَّى بِوَاحِدَةٍ فَقَطْ كَالتَّزْوِيجِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَهُ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّسَرِّي جَازَ بِغَيْرِ حَصْرٍ كَالْحُرِّ (وَلَمْ يَمْلِكْ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ بَعْدَ التَّسَرِّي) مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِهِ (نَصًّا) أَيْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَاهَانَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ كَالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بُضْعًا أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ.
[فَصْلٌ فِي نَفَقَةِ الْبَهَائِمِ]
(فَصْلٌ) فِي نَفَقَةِ الْبَهَائِمِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمَالِكَ (إطْعَامُ بَهَائِمِهِ وَلَوْ عَطِبَتْ وَ) يَلْزَمُهُ (سَقْيُهَا حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى أَوَّلِ شِبَعِهَا وَرِيِّهَا دُونَ غَايَتِهِمَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ
стр. 2660
حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشَ الْأَرْضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ مَالِكَ الْبَهِيمَةِ (الْقِيَامُ بِهَا وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَإِقَامَةُ مَنْ يَرْعَاهَا أَوْ نَحْوُهُ) ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهَا.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ) حَمْلَهُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ مَنَعَ تَكْلِيفَ الْعَبْدِ مَا لَا يُطِيقُ، وَالْبَهِيمَةُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ وَإِضْرَارًا بِهِ.
(وَ) يَحْرُمُ (أَنْ يَحْلُبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا) لِأَنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ، أَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ، (وَيُسَنُّ لِلْحَالِبِ أَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ لِئَلَّا يَجْرَحَ الضَّرْعَ، وَجِيفَتُهَا لَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (وَنَقْلُهَا عَلَيْهِ) قَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ (فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى مَكَان يَدْفَعُ فِيهِ ضَرَرَهَا عَنْ النَّاسِ) لِأَنَّ نَقْلَهَا كَانَ لَهُ فَغُرْمُهَا عَلَيْهِ.
(وَيَحْرُمُ وَسْمٌ فِي الْوَجْهِ) وَضَرْبٌ فِي الْوَجْهِ لِأَنَّهُ ﷺ لَعَنَ مَنْ وَسَمَ أَوْ ضَرَبَ الْوَجْهَ وَنَهَى عَنْهُ (إلَّا لِمُدَاوَاةٍ) لِلْحَاجَةِ (وَ) يَحْرُمُ ضَرْبُ الْوَجْهِ (فِي الْآدَمِيِّ أَشَدُّ) لِأَنَّهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً، وَيَجُوزُ وَسْمُ الْبَهِيمَةِ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.
(وَيُكْرَهُ خَصْيُ غَيْرِ غَنَمٍ وَدُيُوكٍ) وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَيُكْرَهُ خِصَاءٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَكَرِهَ أَحْمَدُ خِصَاءَ غَنَمٍ وَغَيْرِهَا إلَّا خَوْفَ غَضَاضَةٍ، وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُخْصَى شَيْءٌ.
(وَيَحْرُمُ) الْخِصَاءُ (فِي الْآدَمِيِّينَ لِغَيْرِ قِصَاصٍ وَلَوْ) رَقِيقًا وَتَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ تَعْلِيقُ جَرَسٍ وَوَتَرٍ وَجَزِّ مَعْرَفَةٍ وَنَاصِيَةٍ وَذَنَبٍ) لِلْخَبَرِ.
(وَيَحْرُمُ لَعْنُ الدَّابَّةِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ فِي سَفَرٍ فَلَعَنَتْ امْرَأَةٌ نَاقَةً فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا مَكَانَهَا مَلْعُونَةً، فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا تَعَرَّضَ لَهَا أَحَدٌ» وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ «لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ» قَالَ الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: قَالَ الصَّالِحُونَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) أَيْ شَهَادَةُ لَاعِنِ الدَّابَّةِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَ) مَالِكُ الْبَهِيمَةِ (مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (فَإِنْ أَبَى) الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا (أَوْ عَجَزَ) عَنْهُ (أُجْبِرَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ ذَبْحِ مَأْكُولٍ) لِأَنَّ بَقَاءَهَا فِي يَدِهِ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ظُلْمٌ، وَالظُّلْمُ تَجِبُ إزَالَتُهُ (فَإِنْ أَبَى) فِعْلَ أَخْذِهَا (فَعَلَ الْحَاكِمُ الْأَصْلَحَ) مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ (أَوْ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ) وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ.
(وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ كَ) الِانْتِفَاعِ بِبَقَرٍ (لِلْحَمْلِ أَوْ الرُّكُوبِ وَإِبِلٍ وَحُمُرٍ لِحَرْثٍ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمِلْكِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِيمَا يُمْكِنُ، وَهَذَا مُمْكِنٌ كَاَلَّذِي خُلِقَ لَهُ وَجَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَكْلُ الْخَيْلِ وَاسْتِعْمَالُ اللُّؤْلُؤِ فِي الْأَدْوِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا ذَلِكَ وَقَوْلُهُ
стр. 2661
- ﷺ : " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَهَا قَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِذَلِكَ إنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْ أَنَّهُ مُعْظَمُ النَّفْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَنْعُ غَيْرِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا) أَيْ الْبَهِيمَةِ (وَلَا ذَبْحُهَا لِلْإِرَاحَةِ) لِأَنَّهَا مَالٌ مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَذَبْحُهَا إتْلَافٌ لَهَا وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إتْلَافِ الْمَالِ (كَالْآدَمِيِّ الْمُتَأَلِّمِ بِالْأَمْرَاضِ الصَّعْبَةِ) أَوْ الْمَصْلُوبِ بِنَحْوِ حَدِيدٍ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مَادَامَ حَيًّا.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى مُقْتَنِي الْكَلْبِ الْمُبَاحِ) وَهُوَ كَلْبُ صَيْدٍ وَمَاشِيَةٍ وَزَرْعٍ (أَنْ يُطْعِمَهُ) وَيَسْقِيَهُ (أَوْ يُرْسِلَهُ) لِأَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهُ.
(وَلَا يَحِلُّ حَبْسُ شَيْءٍ مِنْ الْبَهَائِمِ لِتَهْلِكَ جُوعًا) أَوْ عَطَشًا لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ وَلَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ لِحَدِيثِ: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» .
(وَيَحْسُنُ قِتْلَةُ مَا يُبَاحُ قَتْلُهُ) لِلْخَبَرِ.
(وَيُبَاحُ تَجْفِيفُ دُودِ الْقَزِّ بِالشَّمْسِ إذَا اسْتَكْمَلَ) كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ (وَتَدْخِينُ الزَّنَابِيرِ) دَفْعًا لِأَذَاهَا بِالْأَسْهَلِ (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهَا إلَّا بِإِحْرَاقِهَا جَازَ) إحْرَاقُهَا، خَرَّجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَةِ الْآدَابِ عَلَى الْقَوْلِ فِي النَّمْلِ وَالْقَمْلِ وَغَيْرِهِمَا إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهُ إلَّا بِالْحَرْقِ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّاظِمُ، وَقَالَ إنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ الشَّيْخَ شَمْسَ الدِّينِ شَارِحَ الْمُقْنِعِ فَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، أَمَّا إذَا انْدَفَعَ ضَرَرُهَا بِدُونِ الْحَرْقِ فَقَالَ النَّاظِمُ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ التَّحْرِيمُ حَتَّى فِي الْقَمْلَةِ لِلْخَبَرِ (وَلَا يَجِبُ عِيَادَةُ الْمِلْكِ الطِّلْقِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ الْمُخْتَصِّ بِهِ وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْجِوَارِ (إذَا كَانَ) الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ (مِمَّا لَا رُوحَ فِيهِ كَالْعَقَارِ) مِنْ دُورٍ وَبَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ الْعَقَارِ كَالْأَوَانِي؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، نَفَقَتُهُ عَلَى الْعَقَارِ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ (وَإِنْ كَانَ) الْمِلْكُ (الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ) لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ (وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ عِمَارَةُ دَارِهِ) لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَحَظِّ (وَ) يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَيْضًا (حِفْظُ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ بِالسَّقْيِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ إضَاعَتَهُ لِمَالِهِ حَرَامٌ وَفِي تَرْكِهِ ذَلِكَ إضَاعَةٌ.
[بَابُ الْحَضَانَةِ]
ِ بِفَتْحِ الْحَاءِ مَصْدَرُ حَضَنْتُ الصَّغِيرَ حَضَانَةً أَيْ تَحَمَّلْتُ مُؤْنَتَهُ وَتَرْبِيَتَهُ، وَالْحَاضِنَةُ الَّتِي تُرَبِّي الطِّفْلَ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَضُمُّ الطِّفْلَ إلَى حِضْنِهَا (وَهِيَ) أَيْ الْحَضَانَةُ (حِفْظُ صَغِيرٍ
стр. 2662
وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ وَهُوَ الْمُخْتَلُّ الْعَقْلِ بِمَا يَضُرُّهُمْ وَتَرْبِيَتُهُمْ بِعَمَلِ مَصَالِحِهِمْ كَغَسْلِ رَأْسِ الطِّفْلِ وَ) غَسْلِ (يَدَيْهِ وَ) غَسْلِ (ثِيَابِهِ وَ) كَ (دَهْنِهِ وَتَكْحِيلِهِ وَرَبْطِهِ فِي الْمَهْدِ وَتَحْرِيكِهِ لِيَنَامَ وَنَحْوِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِ (وَهِيَ) أَيْ حَضَانَةُ مَنْ ذُكِرَ (وَاجِبَةٌ) لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهَا فَوَجَبَ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ (كَ) مَا يَجِبُ (الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ) وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ الْمَهَالِكِ (وَمُسْتَحِقُّهَا رَجُلُ عَصَبَةٍ) كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأَخِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَالْعَمِّ كَذَلِكَ (وَامْرَأَةٌ وَارِثَةٌ) كَالْأُمِّ وَالْجَدَّةِ وَالْأُخْتِ (أَوْ مُدْلِيَةٌ بِوَارِثٍ كَالْخَالَةِ وَبَنَاتِ الْأَخَوَاتِ أَوْ مُدْلِيَةٌ بِعَصَبَةٍ كَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ وَ) بَنَاتِ (الْأَعْمَامِ وَذَوِي رَحِمٍ) هُوَ مَرْفُوعٌ عُطِفَ عَلَى " رَجُلُ عَصَبَةٍ " وَجَرُّهُ لِلْمُجَاوَرَةِ عَلَى مَا فِيهِ (غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ) كَالْعَمِّ لِأُمٍّ وَالْجَدِّ لِأُمٍّ وَالْأَخِ لِأُمٍّ (وَحَاكِمٌ) .
(فَإِذَا افْتَرَقَ الزَّوْجَانِ وَلَهُمَا طِفْلٌ أَوْ مَعْتُوهٌ أَوْ مَجْنُونٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى فَأَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ أُمُّهُ كَمَا قَبْلَ الْفِرَاقِ مَعَ أَهْلِيَّتِهَا وَحُضُورِهَا وَقَبُولِهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلَفْظُهُ لَهُ.
وَ " لِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ بِعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ، وَقَالَ: وَرِيحُهَا وَشَمُّهَا وَلَفْظُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِيَّتِهَا أَنْ تَكُونَ حُرَّةً عَاقِلَةً عَدْلًا فِي الظَّاهِرِ فَتُقَدَّمَ (وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا) مَعَ مُتَبَرِّعَةٍ (كَرَضَاعٍ) فَهِيَ أَيْ الْأُمُّ (أَحَقُّ) بِحَضَانَتِهِ مِنْ أَبِيهِ لِلْحَدِيثِ (وَلِأَنَّ أَبَاهُ لَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى امْرَأَةٍ وَأُمُّهُ أَوْلَى مِنْ امْرَأَةِ أَبِيهِ لِشَفَقَتِهَا) .
(وَلَوْ امْتَنَعَتْ) الْأَمُّ مِنْ حَضَانَتِهِ (لَمْ تُجْبَرْ) عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا (ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى؛ لِأَنَّ وِلَادَتَهُنَّ مُحَقَّقَةٌ، فَمَنْ فِي مَعْنَى الْأُمِّ وَالْأَقْرَبُ - أَكْمَلُ شَفَقَةً مِنْ الْأَبْعَدِ (ثُمَّ أَبٌ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ كَمَالُ شَفَقَةٍ فَرَجَحَ بِهَا (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ وَقُدِّمْنَ عَلَى الْجَدِّ؛ لِأَنَّ الْأُنُوثَةَ مَعَ التَّسَاوِي تُوجِبُ الرُّجْحَانَ دَلِيلُهُ مَعَ الْأَب (ثُمَّ جَدٌّ) أَبُو الْأَبِ لِأَنَّهُ أَبٌ أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ وَقُدِّمْنَ عَلَى الْأَخَوَاتِ مَعَ إدْلَائِهِنَّ بِالْأَبِ؛ لِمَا فِيهِنَّ مِنْ وَصْفِ الْوِلَادَةِ وَكَوْنِ الطِّفْلِ بَعْضًا مِنْهُنَّ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْأَخَوَاتِ ثُمَّ جَدُّ الْأَبِ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ ثُمَّ جَدُّ الْجَدِّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ (وَهَلُمَّ جَرًّا ثُمَّ) الْأَخَوَاتُ؛ لِأَنَّهُنَّ يُشَارِكْنَ فِي
стр. 2663
النَّسَبِ.
وَتُقَدَّمُ مِنْهُنَّ (أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ) لِقُوَّةِ قَرَابَتِهِنَّ (وَتُقَدَّمُ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أَبٍ) لِأَنَّ الْأُمَّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ فَقُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِالْأُمِّ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِهِ.
(وَ) تُقَدَّمُ (خَالَةٌ عَلَى عَمَّةٍ) ؛ لِأَنَّ الْخَالَةَ تُدْلِي بِالْأُمِّ؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ قَدَّمَ خَالَةَ ابْنَةِ حَمْزَةَ عَلَى عَمَّتِهَا صَفِيَّةَ لِأَنَّ صَفِيَّةَ لَمْ تَطْلُبْ وَجَعْفَرًا طَلَبَ نَائِبًا عَنْ خَالَتِهَا فَقَضَى الشَّارِعُ بِهَا لَهَا فِي غَيْبَتِهَا.
(وَ) تُقَدَّمُ (خَالَةُ أُمٍّ عَلَى خَالَةِ أَبٍ) كَالْأَخَوَاتِ (وَ) تُقَدَّمُ (خَالَاتُ أَبِيهِ عَلَى عَمَّاتِهِ) أَيْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ خَالَاتِهِ يُدْلِينَ بِأُمِّهِ، وَعَمَّاتِهِ يُدْلِينَ بِأَبِيهِ وَالْأُمُّ أَحَقُّ مِنْهُ.
(وَ) تُقَدَّمُ (مَنْ يُدْلِي بِعَمَّاتٍ وَخَالَاتٍ بِأُمٍّ) فَقَطْ (عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَبٍ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ فَقُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا، وَمَنْ يُدْلِي بِالْأَبَوَيْنِ مِنْهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَحَدِهِمَا.
(وَتَحْرِيرُهُ) أَيْ الْأَحَقِّ بِالْحَضَانَةِ أَنْ تَكُونَ الْأَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ (أُمٌّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى ثُمَّ أَبٌ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) كَذَلِكَ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى (ثُمَّ جَدٌّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذَلِكَ) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى، وَيُقَدَّمُ أَيْضًا مِنْ الْأَجْدَادِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (ثُمَّ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ) (أُخْتٌ لِأُمٍّ ثُمَّ) أُخْتٌ (لِأَبٍ ثُمَّ خَالَةٌ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ) خَالَةٌ (لِأُمٍّ ثُمَّ) خَالَةٌ (لِأَبٍ ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذَلِكَ) أَيْ تُقَدَّمُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأُمٍّ ثُمَّ لِأَبٍ (ثُمَّ خَالَاتُ أُمِّهِ) كَذَلِكَ ثُمَّ خَالَاتُ أَبِيهِ ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيهِ كَذَلِكَ (ثُمَّ بَنَاتُ إخْوَتِهِ وَ) بَنَاتُ (أَخَوَاتِهِ) كَذَلِكَ (ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِهِ وَ) بَنَاتُ عَمَّاتِهِ كَذَلِكَ (ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِ أَبِيهِ وَبَنَاتُ عَمَّاتِ أَبِيهِ كَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ) تُقَدَّمُ مَنْ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ مَنْ لِأُمٍّ ثَمَّ مَنْ لِأَبٍ.
(وَتَقَدَّمَتْ حَضَانَةُ لَقِيطٍ) وَأَنَّ الْأَحَقَّ بِهَا مَنْ وَجَدَاهُ فِي بَابِ اللَّقِيطِ (ثُمَّ) يُقَدَّمُ مَنْ تُقَدِّمُ الْحَضَانَةُ (لِبَاقِي الْعَصَبَةِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ) لِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً وَتَعْصِيبًا بِالْقَرَابَةِ، فَتَثْبُتُ لَهُمْ الْحَضَانَةُ كَالْأَبِ (فَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَ) الْحَضَانَةُ عَلَيْهَا كَمُعَصَّبَةٍ (مِنْ مَحَارِمِهَا وَلَوْ بِرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ) كَمُصَاهَرَةٍ بِأَنْ تَكُونَ رَبِيبَةً لَهُ دَخَلَ بِأُمِّهَا (فَلَا حَضَانَةَ عَلَيْهَا لِابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ) كَابْنِ عَمِّ الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا بِرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا (وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ) كَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ (إذَا بَلَغَتْ سَبْعًا) لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ أَيْ إلَى ابْنِ الْعَمِّ غَيْرِ الْمَحْرَمِ (وَقَبْلَهَا) أَيْ السَّبْعِ (لَهُ) أَيْ ابْنِ الْعَمِّ (الْحَضَانَةُ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِصُورَتِهَا وَلَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ (وَهُوَ قَوِيٌّ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ قَوْلِهِمْ وَحَيْثُ اُعْتُبِرَ فَلِمَنْ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ) .
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِبِنْتِ سَبْعٍ سِوَى ابْنِ عَمِّهَا وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا سَلَّمَهَا إلَى ثِقَةٍ يَخْتَارُهَا أَوْ إلَى مَحْرُمَةٍ) وَكَذَا أُمٌّ تَزَوَّجَتْ وَلَيْسَ لِوَلَدِهَا غَيْرُهَا.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ أَخٌ وَأُخْتٌ أَوْ عَمٌّ وَعَمَّةٌ أَوْ ابْنُ أَخٍ وَبِنْتُ أَخٍ أَوْ ابْنُ أُخْتٍ وَبِنْتُ
стр. 2664
أُخْت قُدِّمَتْ الْأُنْثَى عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهَا مِنْ الذُّكُورِ) لِأَنَّ الْأُنُوثَةَ مَعَ التَّسَاوِي تُوجِبُ الرُّجْحَانَ، كَمَا تُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، وَأُمُّ الْأَبِ عَلَى أَبِي الْأَبِ ثُمَّ تَكُونُ الْحَضَانَةُ (لِذَوِي الْأَرْحَامِ رِجَالًا وَنِسَاءً غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ) لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَقَرَابَةً يَرِثُونَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ، أَشْبَهُوا الْبَعِيدَ مِنْ الْعَصَبَةِ (فَيُقَدَّمُ أَبُو أُمٍّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ؛ لِأَنَّ أَبَا الْأُمِّ يُدْلِي إلَيْهَا بِالْأُبُوَّةِ وَالْأَخُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ، وَالْأَبُ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ) فِي الْوِلَايَةِ فَيُقَدَّمُ فِي الْحَضَانَةِ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ (ثُمَّ أَخٌ مِنْ أُمٍّ) لِأَنَّهُ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَيُسْقِطُ ذَوِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ خَالٌ ثُمَّ حَاكِمٌ فَيُسَلِّمُهُ إلَى مَنْ يَحْضُنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ وَشَفَقَةٌ.
(وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَتْ) امْرَأَةٌ (لِلرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ لَزِمَاهَا) بِالْعَقْدِ (وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَتْ لِلرَّضَاعِ وَأُطْلِقَ) الْعَقْدُ (لَزِمَتْهَا الْحَضَانَةُ تَبَعًا) لِلرَّضَاعِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهَا سِوَى الرَّضَاعِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
(وَ) إنْ اُسْتُؤْجِرَتْ (لِلْحَضَانَةِ وَأُطْلِقَ) الْعَقْدُ (لَمْ يَلْزَمْهَا الرَّضَاعُ) قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالصَّوَابُ الرُّجُوعُ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا (وَإِنْ امْتَنَعَتْ الْأُمُّ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْحَضَانَةِ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ أَهْلٍ لَهَا انْتَقَلَتْ إلَى مَنْ بَعْدَهَا) كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ.
(وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهَا) أَيْ الْحَضَانَةِ سَقَطَ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ وَلَهُ الْعَوْدُ فِي حَقِّهِ (مَتَى شَاءَ) أَنَّهُ يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ كَالنَّفَقَةِ انْتَهَى.
[فَصْلٌ وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ]
ٍ لِعَجْزِهِ عَنْهَا بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ (وَلَا) حَضَانَةَ أَيْضًا (لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدٍ مُهَايَأَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْعَهُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْكَفَاءَةُ، وَقَالَ فِي الْهَدْيِ: لَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الطِّفْلِ) الْمَحْضُونِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ (رَقِيقًا وَ) الْحَضَانَةُ (لِسَيِّدِهِ وَقَرِيبِهِ بِمُهَايَأَةٍ لِأَنَّ حَضَانَةَ الطِّفْلِ الرَّقِيقِ لِسَيِّدِهِ) وَالْحُرِّيَّةُ لِقَرِيبِهِ (وَالْأَوْلَى لِسَيِّدِهِ أَنْ يُقِرَّهُ مَعَ أُمِّهِ) أَوْ نَحْوِهَا لِأَنَّهَا أَشْفَقُ.
(وَلَا) حَضَانَةَ أَيْضًا (لِفَاسِقٍ) لِأَنَّهُ لَا يُوَفِّي الْحَضَانَةَ حَقَّهَا.
(وَلَا) حَضَانَةَ أَيْضًا (لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) بَلْ ضَرَرُهُ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَام بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَرَرٌ.
(وَلَا) حَضَانَةَ (لِمَجْنُونٍ وَلَوْ غَيْرَ مُطْبَقٍ وَلَا لِمَعْتُوهٍ وَلَا لِطِفْلٍ) لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ لِمَنْ يَحْضُنُهُمْ.
(وَلَا) حَضَانَةَ
стр. 2665
أَيْضًا (لِعَاجِزٍ عَنْهَا كَأَعْمَى وَنَحْوِهِ) كَزَمِنٍ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَضَعْفُ الْبَصَرِ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَحْضُونُ مِنْ الْمَصَالِحِ) انْتَهَى.
(وَإِذَا كَانَ بِالْأُمِّ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ) كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ (وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْعَلَائِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ، وَقَالَ لِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَى الْوَلَدِ مِنْ لَبَنِهَا وَمُخَالَطَتِهَا انْتَهَى) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ وَاضِحٌ فِي كُلٍّ عَيْبٍ مُتَعَدٍّ ضَرَرُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَخِلَافٌ لَنَا (وَيَأْتِي فِي التَّقْرِيرِ أَنَّ الْجَذْمَى مَمْنُوعُونَ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصِحَّاءِ) فَمَنْعُهُمْ مِنْ حَضَانَتِهِمْ أَوْلَى.
(وَلَا لِامْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ الطِّفْلِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَأَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي» وَلِأَنَّهَا تَشْتَغِلُ عَنْ حَضَانَتِهِ بِحَقِّ الزَّوْجِ فَتَسْقُطُ حَضَانَتُهَا (مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) لِأَنَّهَا بِالْعَقْدِ مَلَكَ مَنَافِعَهَا وَاسْتَحَقَّ زَوْجُهَا مَنْعَهَا مِنْ الْحَضَانَةِ فَسَقَطَتْ حَضَانَتُهَا (وَلَوْ رَضِيَ الزَّوْجُ لِئَلَّا يَكُونَ) الْمَحْضُونُ (فِي حَضَانَةِ أَجْنَبِيٍّ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا كَجَدِّهِ) أَيْ الْمَحْضُونِ (وَقَرِيبِهِ فَلَهَا الْحَضَانَةُ) لِأَنَّ الزَّوْجَ الْقَرِيبَ يُشَارِكُهَا فِي الْقَرَابَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِالْأَبِ.
(وَلَوْ اتَّفَقَا) أَيْ أَبُو الْمَحْضُونِ وَأُمُّهُ (عَلَى أَنْ يَكُونَ) الْوَلَدُ (فِي حَضَانَتِهَا وَهِيَ) أَيْ الْأُمُّ (مُزَوَّجَةٌ وَرَضِيَ زَوْجُهَا جَازَ) ذَلِكَ (وَلَمْ يَكُنْ لَازِمًا) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ، وَأَيُّهُمْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَهُ ذَلِكَ.
(وَلَوْ تَنَازَعَ عَمَّانِ وَنَحْوُهُمَا) كَأَخَوَيْنِ وَابْنَيْ أَخٍ وَابْنَيْ عَمٍّ؛ (وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِالْأُمِّ أَوْ الْخَالَةِ فَهُوَ أَحَقُّ) بِالْحَضَانَةِ لِأَنَّهُ يَلِيهَا بِمَنْ لَهُ قَرَابَةٌ وَشَفَقَةٌ (فَإِنْ زَالَتْ الْمَوَانِعُ كَأَنْ عَتَقَ الرَّقِيقُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَعَدَلَ الْفَاسِقُ - وَلَوْ ظَاهِرًا - وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَطَلُقَتْ الزَّوْجَةُ - وَلَوْ رَجْعِيًّا، وَلَوْ لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ - رَجَعُوا إلَى حَقِّهِمْ) مِنْ الْحَضَانَةِ لِأَنَّ سَبِيلَهَا قَائِمٌ وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَشَرَطَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ الْبَنَاتِ لَا حَقَّ لَهَا فَتَزَوَّجَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَوْ أَكْثَرُ (ثُمَّ طَلُقَتْ عَادَ إلَيْهَا حَقُّهَا) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (فَإِنْ طَلُقَتْ وَكَانَ قَدْ أَرَادَ بِرَّهَا) مَا دَامَتْ عَازِبَةً (رَجَعَ) إلَيْهَا (حَقُّهَا كَالْوَقْفِ) عَلَى بَنَاتِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُنَّ فَلَا حَقَّ لَهَا (وَإِنْ أَرَادَ صِلَتَهَا مَا دَامَتْ حَافِظَةً لِحُرْمَةِ فِرَاشِهِ فَلَا حَقَّ لَهَا) لِأَنَّهَا قَدْ أَزَالَتْ ذَلِكَ بِتَزْوِيجِهَا، وَهَذَا - إذَا عَلِمَتْ إرَادَتَهُ - وَاضِحٌ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ مَا أَرَادَ فَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ لِلِاحْتِمَالَيْنِ.
وَفِي الْإِنْصَافِ قُلْتُ: يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى حَالِ الزَّوْجِ عِنْدَ الْوَقْفِ؛ فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِهِمْ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا.
(وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ عَلَى الْبَالِغِ الرَّشِيدِ الْعَاقِلِ) لِأَنَّهُ اسْتَقَلَّ
следующие страницы →