← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

يُشْرَعْ كَالْقَتْلِ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ (وَحُبِسَ حَتَّى يَتُوبَ) كَالْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ وَفِي الْبُلْغَةِ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ (وَلَوْ سَرَقَ وَيَدُهُ الْيُمْنَى) ذَاهِبَةٌ (أَوْ) سَرَقَ وَ (رِجْلُهُ الْيُسْرَى ذَاهِبَةٌ قُطِعَ الْبَاقِي مِنْهُمَا) وَتُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمَّا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مَحِلًّا لِلْقَطْعِ انْتَقَلَ الْقَطْعُ إلَى مَا يَلِي ذَلِكَ وَهُوَ الرِّجْلُ الْيُسْرَى وَتُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا الْآلَةُ وَمَحِلُّ النَّصِّ (وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى لَمْ يُقْطَعْ لِتَعْطِيلِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ وَذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ الذَّاهِبُ يَدَيْهِ أَوْ يُسْرَاهُمَا) وَسَرَقَ (لَمْ تُقْطَعْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى) لِذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ (وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ رِجْلَيْهِ أَوْ يُمْنَاهُمَا وَيَدَاهُ صَحِيحَتَانِ قُطِعَتْ يُمْنَى يَدَيْهِ) لِأَنَّهَا الْآلَةُ وَمَحِلُّ النَّصِّ. (وَإِنْ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى فَذَهَبَتْ فِي قِصَاصٍ أَوْ) ذَهَبَتْ (بِأَكْلَةٍ أَوْ) ذَهَبَتْ ب (تَعَدٍّ سَقَطَ الْقَطْعُ) لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ لِتَلَفِ مَحِلِّهِ كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ (وَعَلَى الْعَادِي) بِقَطْعِ الْيَدِ (الْأَدَبُ فَقَطْ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ قَطْعَهَا مُسْتَحَقٌّ أَشْبَهَ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ (سَوَاءٌ قَطَعَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ وَالْحُكْمِ بِالْقَطْعِ أَوْ قَبْلَهُ إذَا كَانَ) قَطْعُهُ لَهَا (بَعْدَ السَّرِقَةِ لِأَنَّهُ قَطَعَ عُضْوًا غَيْرَ مَعْصُومٍ) أَشْبَهَ قَتْلَ الزَّانِي الْمُحْصَنِ (وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ) شَاهِدَانِ (فَحَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِتَعْدِلَ الشُّهُودُ فَقَطَعَهُ قَاطِعٌ ثُمَّ عَدَلُوا فَكَذَلِكَ) لَا ضَمَانَ عَلَى قَاطِعِهِ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ لَمْ يَعْدِلُوا) أَيْ الشُّهُودُ (وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ) لِأَنَّهُ قَطَعَ عُضْوًا مِنْ مَعْصُومٍ مُكَافِئٍ لَهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي قَطْعِهِ وَلَا شُبْهَةَ حَقٍّ (وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى) وَحْدَهَا (أَوْ) ذَهَبَتْ (مَعَ رِجْلَيْهِ أَوْ مَعَ إحْدَاهُمَا فَلَا قَطْعَ) لِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ بِقَطْعِ يُمْنَاهُ (وَإِنْ ذَهَبَتْ بَعْدَ سَرِقَتِهِ رِجْلَاهُ أَوْ يُمْنَاهُمَا قُطِعَ) إنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لِأَنَّهَا الْآلَةُ وَمَحِلُّ النَّصِّ (ك) مَا تُقْطَعُ مَعَ (ذَهَابِ يُسْرَاهُمَا) أَيْ يُسْرَى رِجْلَيْهِ (نَصًّا وَمِثْلًا) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ. (وَلَوْ أَمِنَ تَلَفَهُ بِقَطْعِهَا) كَمَعْدُومَةٍ (وَمَا ذَهَبَ مُعْظَمُ نَفْعِهَا) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (كَمَعْدُومَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَقْصُودُ الْقَطْع وَالشَّلَّاءُ لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا جَمَالَ فَتُشْبِهُ كَفًّا لَا أَصَابِعَ عَلَيْهِ (لَا مَا ذَهَبَ مِنْهَا خِنْصَرٌ أَوْ بِنْصِرٌ أَوْ أُصْبُعُ سِوَاهُمَا وَلَوْ الْإِبْهَام) فَلَيْسَتْ كَمَعْدُومَةٍ لِبَقَاءِ مُعْظَمِ نَفْعِهَا (وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يُمْنَاهُ فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يُسْرَاهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ أَجْزَأَتْ، وَلَا تُقْطَعُ يُمْنَاهُ) لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ مَنْفَعَةُ الْجِنْسِ، وَتُقْطَعُ يَدَاهُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ وَ (أَمَّا الْقَاطِعُ فَإِنْ كَانَ قَطَعَهَا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ السَّارِقِ، أَوْ كَانَ أَخْرَجَهَا السَّارِقُ دَهْشَةً أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ فَقَطَعَهَا الْقَاطِعُ

стр. 2872

عَالِمًا بِأَنَّهَا يُسْرَاهُ، وَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا عَمْدًا، فَأُقِيدَ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِبْ قَطْعُ يُمْنَاهُ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْقَاطِعُ (أَنَّهَا يُسْرَاهُ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا) لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ عَمْدُهُ الْقَوَدُ أَوْجَبَ خَطَؤُهُ الدِّيَةَ كَالْقَتْلِ (وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا اخْتِيَارًا عَالِمًا بِالْأَمْرَيْنِ) أَيْ بِأَنَّهَا الْيَسَارُ وَبِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ (فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ) لِإِذْنِ الْمَقْطُوعِ فِيهِ (وَلَا تُقْطَعُ يُمْنَى السَّارِقُ) لِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ جَزَمَ بِهِ فِي التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَالْوَجْهُ الثَّانِي تُقْطَعُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالتَّنْقِيحِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَيَجْتَمِعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ) عَلَى السَّارِقِ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ (فَيَرُدُّ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ إلَى مَالِكِهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً (وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً وَهِيَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا وَإِلَّا) تَكُنْ مِثْلِيَّةً (فَقِيمَتُهَا قَطَعَ أَوْ لَمْ يَقْطَعْ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا) . وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: «إذَا أَقَمْتُمْ الْحَدَّ عَلَى السَّارِقِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَلَوْ سَلَّمَ صِحَّتَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي أُجْرَةِ الْقَطْعِ (وَإِنْ فَعَلَ) السَّارِقُ (فِي الْعَيْنِ فِعْلًا نَقَصَهَا بِهِ كَقَطْعِ الثَّوْبِ) الْمَسْرُوقِ (وَنَحْوِهِ وَجَبَ رَدُّهُ وَرَدُّ) أَرْشِ (نَقْصِهِ) كَالْمَغْصُوبِ (وَالزَّيْتِ الَّذِي يُحْسَم بِهِ وَأُجْرَةُ الْقَطْع مِنْ مَالِ السَّارِقِ) أَمَّا الزَّيْتُ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمهُ حِفْظُ نَفْسِهِ وَهَذَا مِنْهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْسَمْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ فَوَجَبَ لِذَلِكَ. وَأَمَّا أُجْرَةُ الْقَطْعِ فَلِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهُ فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَقِيلَ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ. [بَابُ حَدِّ الْمُحَارِبِينَ] (بَابُ حَدِّ الْمُحَارِبِينَ) وَهُوَ جَمْعُ مُحَارِبٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَارَبَ يُحَارِبُ مِنْ الْحَرْبِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ الْحَرْبُ اشْتِقَاقُهَا مِنْ الْحَرَبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ مَصْدَرُ حَرَبَ مَالَهُ، أَيْ سَلَبَهُ وَالْحَرِبُ: الْمَحْرُوبُ (وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ) أَيْ (الْمُكَلَّفُونَ الْمُلْتَزِمُونَ) مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ (وَلَوْ أُنْثَى) لِأَنَّهَا تَقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ فَلَزِمَهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ كَالرَّجُلِ (الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِسِلَاحٍ وَلَوْ بِعَصَا وَحِجَارَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّلَاحِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ فَلَيْسُوا

стр. 2873

مُحَارِبِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مَنْ قَصَدَهُمْ (فِي صَحْرَاءَ أَوْ بُنْيَانٍ أَوْ بَحْرٍ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّ ضَرَرَهُمْ فِي الْمِصْرِ أَعْظَمُ فَكَانُوا بِالْحَدِّ أَوْلَى (فَيَغْصِبُونَهُمْ مَالًا) بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ (مُحْتَرَمًا) لَا صَلِيبًا وَمِزْمَارًا وَنَحْوَهُمَا (قَهْرًا مُجَاهِرَةً) وَالْأَصْل فِيهِمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] وَالْكَفَّارَةُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَقَبْلهَا وَعَنْ، ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُرْتَدِّينَ لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قَضِيَّةُ الْعُرَنِيِّينَ (فَإِنْ أَخَذُوا) الْمَالَ (مُخْتَفِينَ فَهُمْ سُرَّاقٌ) لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ فَلَيْسُوا مُحَارِبِينَ. (وَإِنْ خَطِفُوهُ وَهَرَبُوا فَمُنْتَهِبُونَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ خَرَجَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عَلَى آخِرِ قَافِلَةٍ فَاسْتَلَبُوا مِنْهَا شَيْئًا فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا إلَى مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ وَإِنْ خَرَجُوا عَلَى عَدَدٍ يَسِيرٍ فَقَهَرُوهُمْ فَهُمْ مُحَارِبُونَ) يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُهُمْ (وَيُعْتَبَر ثُبُوتُهُ) أَيْ قَطْعُ الطَّرِيقِ (بِبَيِّنَةٍ) أَيْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ (أَوْ إقْرَار مَرَّتَيْنِ) كَسَرِقَةٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ (قَدْ قَتَلَ) قَتِيلًا (لِأَخْذِ مَالِهِ وَلَوْ) كَانَ الْقَتْلُ (بِمُثْقَلٍ أَوْ سَوْطٍ أَوْ عَصَا وَلَوْ) قَتَلَ (غَيْرَ مَنْ يُكَافِئُهُ كَمَنْ قَتَلَ وَلَدَهُ أَوْ) قَتَلَ (عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا) أَيْ وُجُوبًا لِلْآيَةِ (بِالسَّيْفِ فِي عُنُقِهِ) لِحَدِيثِ: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (وَلَوْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ) الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ (ثُمَّ صَلْبُ الْمُكَافِئِ) لِمَقْتُولِهِ (دُونَ غَيْرِهِ بِقَدْرِ مَا يَشْتَهِرُ) بِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ زَجْرُ غَيْرِهِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ صُلِبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِّعَتْ أَيَدِيّهُمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنْ الْأَرْض وَرُوِيَ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا وَقُدِّمَ الْقَتْلُ عَلَى الصَّلْبِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ وَفِي صَلْبِهِ حَيًّا تَعْذِيبٌ. وَقَدْ نَهَى ﷺ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ (ثُمَّ يُنْزَلُ وَيُدْفَعُ إلَى أَهْلِهِ فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ مَاتَ) قَاطِعُ الطَّرِيقِ (قَبْلَ قَتْلِهِ لَمْ يُصْلَبْ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي صَلْبِهِ إذَنْ لِأَنَّ الصَّلْبَ إنَّمَا وَجَبَ لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ فِي الْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَهَذَا لَمْ يُقْتَلْ فِي الْمُحَارَبَةِ (وَلَا يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاءُ جِنَايَةٍ تُوجِبُ

стр. 2874

الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) . فَإِذَا قَطَعَ قَاطَعُ الطَّرِيقِ طَرَفًا لَمْ يَتَحَتَّمْ اسْتِيفَاؤُهُ وَالْخِيرَةُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يَتَحَتَّمُ لِأَنَّهُ حَدُّ الْمُحَارِبِ إذَا كَانَ قَاتِلًا فَأَمَّا الطَّرَفُ فَإِنَّمَا يُسْتَوْفَى هُنَا قِصَاصًا لَا حَدًّا فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَغَيْرِ الْمُحَارِبِ فَإِذَا عَفَا وَلِيُّ الْقَوَدِ وَسَقَطَ لِذَلِكَ (إلَّا إذَا كَانَ قَتَلَ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَلَا يَسْقُطُ تَحَتُّمُ الْقَوَدِ فِي الطَّرَفِ إذَا كَانَ قَدْ قُتِلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ انْتَهَى قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُبْدِعِ وَلَا يَسْقُطُ مَعَ تَحَتُّمِ الْقَتْلِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ انْتَهَيَا وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَلَا يَسْقُطُ مَعَ تَحَتُّمِ قَتْلٍ لَكِنْ يُمَكِّنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ لِلْقَوَدِ فِي الطَّرَفِ أَيْ لَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ فِي الطَّرَفِ بِتَحَتُّمِ الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ لَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ التَّحَتُّمُ فِي الطَّرَفِ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ بِخِلَافِ مَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْإِنْصَافِ. وَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَلَا يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاءُ الْجِنَايَةِ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَظَاهِرُهُمَا مُطْلَقًا (وَحُكْمُهَا) أَيْ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (حُكْمُ الْجِنَايَةِ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ) إذَا كَانَ قَدْ قَتَلَ (فَإِنْ جَرَحَ إنْسَانًا وَقَتَلَ آخَرَ اُقْتُصَّ مِنْهُ لِلْجِرَاحِ ثُمَّ قُتِلَ لِلْمُحَارَبَةِ حَتْمًا فِيهِمَا) وَعَلَى مَا فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى يَتَحَتَّمُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فَقَطْ وَوَلِيُّ الْجِرَاحِ بِالْخِيَارِ (وَرِدْءٍ) لِلْمُحَارِبِ وَهُوَ الْمُسَاعِدُ وَالْمُعِينُ لَهُ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ كَمُبَاشِرٍ (وَطَلِيعٍ) وَهُوَ الَّذِي يَكْشِفُ لِلْمُحَارِبِينَ حَالَ الْقَافِلَةِ لِيَأْتُوا إلَيْهَا (فِي ذَلِكَ) الْقَتْلِ (كَمُبَاشِرٍ) كَمَا فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَبَاشَرَ بَعْضُهُمْ الْقِتَالَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَوَقَفَ الْبَاقُونَ لِلْحِفْظِ وَالْحِرَاسَة مِمَّنْ يَدْهَمُهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ أَوْ أَرْسَلَ الْإِمَامُ عَيْنًا لِيَتَعَرَّفَ أَحْوَالَ الْعَدُوِّ فَإِنَّ الْكُلَّ يَشْتَرِكُونَ فِي الْغَنِيمَةِ وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرِقَةَ لِذَلِكَ. (وَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ثَبَتَ حُكْمُ الْقَتْلِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ) أَيْ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ (فَيَجِبُ قَتْلُ الْكُلِّ) لِأَنَّ حُكْمَ الرِّدْءِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ (وَإِنْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَ الْمَالَ بَعْضُهُمْ قُتِلُوا كُلُّهُمْ) وُجُوبًا (وَصُلِبَ الْمُكَافِئُ) لِمَقْتُولِهِ كَأَنَّ الْقَتْلَ وَالْأَخْذَ صَدَرَا مِنْ الْكُلِّ (فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ الْمُحَارِبِينَ (صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْ غَيْرِهِمَا) كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ مُكَلَّفٌ وَغَيْرُهُ فِي شُرْبٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي الْقَتْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ عَمْدًا عُدْوَانًا (وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا) أَيْ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (وَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَا أَخَذَا مِنْ الْمَالِ فِي أَمْوَالِهِمَا وَدِيَةُ قَتِيلِهِمَا عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) كَمَا لَوْ أَتْلَفَا مَالًا أَوْ قَتَلَا فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ (وَلَا شَيْءٍ) أَيْ لَا حَدَّ (عَلَى رِدْئِهِمَا) لِأَنَّ الرِّدْءَ يَتْبَعُ الْمُبَاشِرَ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فَيَضْمَنُ الرِّدْءَ الْمُكَلَّفُ مَا بَاشَرَ أَخْذَهُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ (وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ

стр. 2875

الْمُحَارِبِينَ (امْرَأَةُ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ) كَالرَّجُلِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَكَالسَّرِقَةِ (فَمَتَى قَتَلَتْ أَوْ أَخَذَتْ الْمَالَ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ فِي حَقٍّ مَنْ مَعَهَا كَهِيَ لِأَنَّهُمْ رِدْؤُهَا) فَيَكُونُونَ كَالْمُبَاشِرِينَ. (وَإِنْ قَطَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الطَّرِيقَ وَحْدَهُمْ أَوْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ اُنْتُقِضَ عَهْدُهُمْ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ (وَحَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ) يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ يُخَيَّرُ فِيهِمْ كَالْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالرِّقِّ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ فَإِنْ قَتَلُوا فَمَالُهُمْ فَيْءٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ فَإِنْ خِيفَ لُحُوقُهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ فَلِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ مَا مَعَهُمْ كَمَا يَأْتِي فِي الْمُرْتَدِّ. [فَصْلٌ وَمَنْ قَتَلَ لِقَصْدِ الْمَالِ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ] (فَصْلٌ وَمَنْ قَتَلَ) لِقَصْدِ الْمَالِ (وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا وَلَا أَثَرَ لِعَفْوِ وَلِيٍّ وَلَمْ يُصْلَبْ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالِ قُتِلَ وَلَمْ يَذْكُر صَلْبًا وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُمْ بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ الْقَتْلِ تَزِيدُ عَلَى الْجِنَايَةِ بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُمْ مَعَ أَخْذِ الْمَالِ أَغْلَظَ. (وَمَنْ أَخَذَ) مِنْهُمْ (الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَحُسِمَتْ ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَحُسِمَتْ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ حَتْمًا مُرَتَّبًا وُجُوبًا) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ (وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَخَذَ مِنْ حِرْزٍ) وَهُوَ الْقَافِلَةُ (لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ) بِخِلَافِ نَحْوِ أَبٍ وَسَيِّدٍ (مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ» وَلَمْ يُفَصِّلْ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تَعَلَّقَتْ بِهَا عُقُوبَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحَارِبِ فَلَا تَغْلُظُ فِي الْمُحَارِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ كَالْقَتْلِ. (فَإِذَا أَخَذُوا نِصَابًا أَوْ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا) أَيْ رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ خَالِصَةٍ (وَلَوْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا قُطِعُوا) كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ (فَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ كَأَخْذِهِ مِنْ مُنْفَرِدٍ عَنْ الْقَافِلَةِ وَنَحْوِهِ فَلَا قَطْعَ) وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ دُونَ نِصَابٍ أَوْ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالسَّرِقَةِ (وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى أَوْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مَعْدُومَةً أَوْ) كَانَتْ (مُسْتَحَقَّةً فِي قِصَاصٍ أَوْ) كَانَتْ (شَلَّاءَ قُطِعَ الْمَوْجُودُ مِنْهُمَا فَقَطْ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ. (وَيَسْقُطُ الْقَطْعُ فِي الْمَعْدُومِ) وَالشَّلَّاءِ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْغَرَضُ قَدْ زَالَ أَوْ فِي حُكْمِهِ فَيَسْقُطُ كَالْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ

стр. 2876

(وَإِنْ عُدِمَ يُسْرَى يَدَيْهِ قُطِعَتْ يُسْرَى رِجْلَيْهِ) فَقَطْ لِئَلَّا تَذْهَبَ مَنْفَعَةُ الْجِنْسِ (وَإِنْ عُدِمَ يُمْنَى يَدَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ يُمْنَى رِجْلَيْهِ) لِئَلَّا يَذْهَبَ عُضْوَانِ مِنْ شِقٍّ وَتُقْطَعُ يُسْرَى رِجْلَيْهِ (وَلَوْ حَارَبَ مَرَّة أُخْرَى لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ) كَالسَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَيَتَعَيَّنَ دِيَةً كَقَوَدٍ لَزِمَهُ بَعْدَ مُحَارَبَتِهِ لِتَقْدِيمِهَا) أَيْ الْمُحَارَبَةِ (بِسَبَقِهَا) لِلْقَوَدِ (وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ قَتْلِهِ لِلْمُحَارَبَةِ) تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ. (وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ الْمَالَ بَلْ أَخَافَ السَّبِيلَ) أَيْ الطَّرِيقَ (نُفِيَ وَشُرِّدَ) أَيْ طُرِدَ (فَلَا يُتْرَكُ يَأْوِي إلَى بَلَدٍ وَلَوْ عَبْدًا حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] (وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً نُفُوا مُتَفَرِّقِينَ) فَيُنْفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى جِهَةٍ خَشْيَةَ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الْمُحَارَبَةِ ثَانِيًا (وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ (قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا بَعْدَهَا سَقَطَ عَنْهُ حَقُّ اللَّهِ) تَعَالَى (مِنْ الصَّلْبِ وَالْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] (حَتَّى حَدُّ زِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبٍ) خَمْرٍ فَيَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ. (وَكَذَا خَارِجِيٌّ) مُحَارِبٌ (وَبَاغٍ) مُحَارِبٌ (وَمُرْتَدٌّ) مُحَارِبٌ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِعُمُومِ الْآيَةِ وَأَمَّا مَنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَفْهُومِ الْآيَةِ (وَأُخِذَ) مَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ (بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْجِرَاحِ إلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا) لِأَنَّهَا حُقُوقٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا فَلَمْ تَسْقُطْ كَغَيْرِ الْمُحَارِبِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِسُقُوطِ حَقِّهِ دُونَ حَقِّ غَيْرِهِ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُشَاحَّةِ (وَإِنْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ بَعْدَ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ لَمْ يَسْقُطْ) الْحَدُّ (بِإِسْلَامِهِ) بَلْ يُؤَاخَذُ بِهِ كَمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ لِالْتِزَامِهِ حُكْمَنَا (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُسْتَأْمَنِ فِي بَابَيْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ) . قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَيُؤْخَذُ غَيْرُ حَرْبِيٍّ أَسْلَمَ بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ آدَمِيٍّ طَلَبَهُ (وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ فَلَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ فِي كُفْرِهِ إجْمَاعًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَقَوْلُهُ ﷺ " الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ " (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ) تَعَالَى

стр. 2877

(سِوَى ذَلِكَ) أَيْ حَدِّ الْمُحَارَبَةِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ (فَتَابَ قَبْلَ ثُبُوتِهِ سَقَطَ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قَبْلَ إصْلَاحِ الْعَمَل) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وَلِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] . وَفِي الْحَدِيثِ: «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَحَدِّ الْمُحَارِبِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَدُّ لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ لِلْآدَمِيِّ كَحَدِّ الْقَذْفِ أَوْ كَانَ لِلَّهِ وَلَمْ يَثْبُت قَبْلَ تَوْبَتِهِ بَلْ بَعْدَهُ (فَلَا) يَسْقُطُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ) لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ (سَقَطَ) بِمَوْتِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ كَمَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ بِالْمَوْتِ. [فَصْلُ وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ بَهِيمَةٌ أَوْ آدَمِيٌّ] (فَصْلُ وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ) بَهِيمَةٌ أَوْ آدَمِيٌّ (أَوْ) صَالَ عَلَى (نِسَائِهِ) كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِنَّ (أَوْ) عَلَى (وَلَدِهِ أَوْ مَالِهِ وَلَوْ قَلَّ) الْمَالُ (بَهِيمَةٌ أَوْ آدَمِيٌّ وَلَوْ) كَانَ مَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ مَالُهُ (غَيْرُ مُكَافِئٍ) لِلْمُرِيدِ (أَوْ) كَانَ الصَّائِلُ (صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) كَالْبَهِيمَةِ وَسَوَاءٌ صَالَ عَلَى ذَلِكَ (فِي مَنْزِلِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَ (مُتَلَصِّصًا) أَيْ طَالِبًا لِلسَّرِقَةِ (وَلَمْ يَخَفْ) الدَّافِعُ (أَنْ يَبْدُرَهُ الصَّائِلُ بِالْقَتْلِ دَفَعَهُ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لَأَدَّى إلَى تَلَفِهِ وَأَذَاهُ فِي نَفْسِهِ وَحُرْمَتِهِ وَمَالِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَتَسَلَّطَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَدَّى إلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ (فَإِنْ انْدَفَعَ بِالْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ) بِشَيْءٍ (وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالْقَوْلِ فَلَهُ) أَيْ الدَّافِعِ (ضَرْبُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَظُنُّ أَنْ يَنْدَفِعَ بِهِ فَإِنْ ظَنَّ أَنْ يَنْدَفِعَ بِضَرْبِ عَصَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ بِحَدِيدٍ) لِأَنَّهُ آلَةُ الْقَتْلِ (وَإِنْ وَلَّى هَارِبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ وَلَا اتِّبَاعُهُ) كَالْبُغَاةِ (وَإِنْ ضَرَبَهُ فَعَطَّلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ كُفِيَ شَرُّهُ. (وَإِنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ فَوَلَّى هَارِبًا فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَالرِّجْلُ مَضْمُونَةٌ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ) لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الدَّفْعُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ قَالَ أَحْمَدُ لَا يُرِيدُ قَتْلَهُ وَضَرْبَهُ لَكِنْ دَفْعُهُ (فَإِنْ مَاتَ) الصَّائِلُ (مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعَيْنِ فَعَلَيْهِ) أَيْ الدَّافِعِ (نِصْفُ

стр. 2878

الدِّيَةِ) لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ مَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ. (وَإِنْ رَجَعَ) الصَّائِلُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الدَّافِعِ (بَعْدَ قَطْعِ) يَدِهِ ثُمَّ (رِجْلِهِ فَقَطَعَ) الدَّافِعُ (يَدَهُ الْأُخْرَى) لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْدَفِعْ بِدُونِهِ (فَالْيَدَانِ غَيْرُ مَضْمُونَتَيْنِ) بِخِلَافِ الرِّجْلِ الَّتِي قَطَعَهَا بَعْدَ أَنْ وَلَّى هَارِبًا (وَإِنْ مَاتَ) الصَّائِلُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الدَّافِعِ (ثُلُثُ الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحِ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَالشَّرْحِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَضْمَنَ نِصْفَ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ اثْنَانِ وَمَاتَ مِنْهُمَا. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) أَيْ الدَّافِعُ (دَفْعَهُ) أَيْ الصَّائِلُ (إلَّا بِالْقَتْلِ أَوْ خَافَ) الدَّافِعُ (ابْتِدَاءً أَنْ يَبْدَأهُ) أَيْ الصَّائِلَ (بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يُعَاجِلْهُ بِالدَّفْعِ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ وَيَقْطَعُ طَرَفَهُ وَيَكُونُ) ذَلِكَ (هَدْرًا) لِأَنَّهُ أُتْلِفَ لِدَفْعِ شَرِّهِ كَالْبَاغِي. (وَإِنْ قُتِلَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فَهُوَ شَهِيدٌ مَضْمُونٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ لَا تُعْطِهِ قَالَ أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي قَالَ قَاتِلْهُ قَالَ أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي قَالَ فَأَنْتَ شَهِيدٌ قَالَ أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ قَالَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ) لِلصَّائِلِ (عَنْ نِسَائِهِ فَهُوَ لَازِمٌ) أَيْ وَاجِبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّهِ وَحَقٍّ اللَّهِ وَهُوَ مَنْعُهُ مِنْ الْفَاحِشَةِ (وَإِنْ كَانَ) الدَّفْعُ (عَنْ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ فَكَذَلِكَ) أَيْ فَالدَّفْعُ لَازِمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَكَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا يَتَّقِي بِهِ كَالْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ فَإِنْ كَانَ فِي فِتْنَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ: «اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ فَإِنْ خِفْتَ أَنْ يَنْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَغَطِّ وَجْهَكَ» . وَفِي لَفْظٍ «فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» وَلِأَنَّ عُثْمَانَ تَرَكَ الْقِتَالَ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَمَنَعَ غَيْرَهُ قِتَالَهُمْ وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَأَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَدْفَع عَنْ نَفْسِهِ (وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ وَالِاحْتِمَاءُ كَمَا لَوْ خَافَ مِنْ سَيْلٍ أَوْ نَارٍ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَتَنَحَّى عَنْهُ وَكَمَا لَوْ كَانَ الصَّائِلُ) عَلَيْهِ (بَهِيمَةً) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهَا (وَلَه قَتْلُهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) فِيهَا لِسُقُوطِ حُرْمَتِهَا بِالصَّوْلِ. (وَإِنْ كَانَ) الدَّفْعُ عَنْ (نَفْسِهِ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ وَظَنَّ الدَّافِعُ

стр. 2879

سَلَامَةَ نَفْسِهِ) الدَّفْعُ (لَازِمٌ أَيْضًا) لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ إيثَارُ الشَّهَادَةِ كَإِحْيَائِهِ بِبَذْلِ طَعَامِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ فِي فِتْنَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ لِقِصَّةِ عُثْمَانَ. (وَلَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ مَالِهِ وَلَا حِفْظُهُ مِنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَذْلُهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ. وَفِي التَّرْغِيبِ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ أَنَّ تَرْكَ قِتَالِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ زَادَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِي عَنْ الثَّلَاثَة وَعِرْضِهِ (كَمَالِ غَيْرِهِ) أَيْ كَمَا لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ قَالَ فِي الْمَذْهَبِ أَمَّا دَفْعُ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ مَا لَمْ يُفْضِ إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسِ الطَّالِبِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَهَى بِاللُّزُومِ مَعَ ظَنِّ سَلَامَتِهِمَا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ (لَكِنْ لَهُ) كَذَا فِي الشَّرْحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ (مَعُونَةُ غَيْرِهِ فِي الدَّفْعِ عَنْ مَالِهِ وَنِسَائِهِ فِي قَافِلَةٍ وَغَيْرِهَا) مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ لِحَدِيثِ «اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» وَلِئَلَّا تَذْهَبَ الْأَنْفُسُ وَالْأَمْوَالُ. (وَإِنْ رَاوَدَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَنْ نَفْسِهَا) لِيَفْجُرَ بِهَا (فَقَتَلَتْهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهَا) إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ (لَمْ تَضْمَنْهُ) لِقَوْلِ عُمَرَ: وَلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي قَتْلِهِ شَرْعًا لِدَفْعِهِ عَنْهَا (وَلَوْ ظُلِمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (ظَالِمٌ لَمْ يُعِنْهُ) عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ (حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ ظُلْمِهِ) نَصًّا قَالَ: أَخْشَى أَنْ يَجْتَرِئَ يَدَعُهُ حَتَّى يَنْكَسِرَ (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى صَيْحَةٍ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ) نَقَلَهُ صَالِحُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافَهُ فِيهِمَا أَيْ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ أَظْهَرُ. (وَإِذَا وَجَدَ رَجُلًا يَزْنِي بِامْرَأَتِهِ فَقَتَلَهُمَا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ (إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) وَيَأْثَمُ لِسُقُوطِ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِالْإِكْرَاهِ فَهِيَ مَعْصُومَةٌ (هَذَا إذَا كَانَتْ بَيِّنَةً) أَنَّهُ وَجَدَهُ يَزْنِي بِهَا (أَوْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ) عَلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْوَلِيُّ (فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الظَّاهِرِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعِصْمَةُ وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الْقِصَاصِ بَعْضُ ذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ عَلَى وُجُودِهِ مَعَ الْمَرْأَةِ وَهَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعَةِ الزِّنَا، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الزِّنَا وَعَنْهُ أَرْبَعَةٌ لِقَوْلِ عَلِيٍّ. (وَإِنْ قَتَلَ رَجُلًا) فِي مَنْزِلِهِ (وَادَّعَى أَنَّهُ هَجَمَ مَنْزِلَهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) لِحَدِيثِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ يُعْرَفُ بِسَرِقَةٍ أَوْ عِيَارَةٍ أَوْ لَا) يُعْرَفُ بِذَلِكَ وَالْعِيَارَةُ التَّحَزُّبُ لِأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ وَالْعَيَّارُونَ: الْمَحْزُبُونَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ بِمِصْرَ وَالشَّامِ الْمَنْسَرُ كَانُوا يُسَمَّوْنَ عَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ (فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا هَذَا) أَيْ الْمَقْتُولَ (مُقْبِلًا إلَى هَذَا) أَيْ

стр. 2880

الْقَاتِلِ (بِسِلَاحِ مَشْهُورٍ فَضَرَبَهُ هَذَا) أَيْ الْقَاتِلُ (فَدَمُهُ) أَيْ الْمَقْتُولُ (هَدْرٌ) لِثُبُوتِ صِيَالَتِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ) أَيْ الْمَقْتُولَ (دَاخِلًا دَارِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا سِلَاحًا) أَوْ ذَكَرُوا سِلَاحًا (غَيْرَ مَشْهُورٍ لَمْ يَسْقُطْ الْقَوَدُ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ لِحَاجَةٍ. (وَإِنْ عَضَّ يَدَهُ إنْسَانٌ عَضًّا مُحَرَّمًا فَانْتَزَعَ) الْمَعْضُوضُ (يَدَهُ مِنْ فِيهِ وَلَوْ بِعُنْفٍ فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ) أَيْ الْعَاضُّ (فَهَدْرٌ) ظَالِمًا كَانَ الْمَعْضُوضُ أَوْ مَظْلُومًا لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: " أَنَّ رَجُلًا عَضَّ رَجُلًا فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ فَاخْتَصَمُوا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ يَدَ أَخِيهِ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَكَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ تَلِفَ ضَرُورَةَ دَفْعِ صَاحِبهِ، كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ وَنَحْوِهِ (وَكَذَا مَا فِي مَعْنَى الْعَضِّ) نَحْوَ أَنْ حَبَسَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ رَبَطَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَخَلَّصَ نَفْسَهُ فَتَلِفَ بِتَخَلُّصِهِ شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْهُ (فَإِنْ عَجَزَ) الْمَعْضُوضُ عَنْ التَّخَلُّصِ (دَفْعَهُ) أَيْ الْعَاضَّ (كَصَائِلٍ) بِأَسْهَلِ مَا يَظُنُّ انْدِفَاعَهُ بِهِ (وَإِنْ كَانَ الْعَضُّ مُبَاحًا مِثْلَ أَنْ يُمْسِكَهُ فِي مَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بِإِمْسَاكِهِ) كَخُصْيَيْهِ (أَوْ يَعْصِرَ يَدَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ إلَّا بِعَضِّهِ فَعَضَّهُ فَمَا سَقَطَ مِنْ أَسْنَانِهِ ضَمِنَهُ) الْمَعْضُوضُ. (وَإِنْ نَظَرَ فِي بَيْتِهِ مِنْ خَصَاصِ الْبَابِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهِيَ الْفُرُوجُ الَّتِي فِيهِ (أَوْ) نَظَرَ (مِنْ ثَقْبٍ فِي جِدَارٍ أَوْ) نَظَرَ (مِنْ كَوَّةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ (وَنَحْوِهِ) كَفُرُوجٍ فِي بَيْتِ شَعْرٍ وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ لَكِنْ ظَنَّهُ مُتَعَمِّدًا (لَا) إنْ نَظَرَ (مِنْ بَابٍ مَفْتُوحٍ فَرَمَاهُ) أَيْ النَّاظِرَ (صَاحِبُ الدَّارِ بِحَصَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ طَعَنَهُ بِعُودٍ فَقَلَعَ عَيْنَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَمْكَنَ الدَّفْعُ بِدُونِهِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الدَّارِ نِسَاءٌ أَوْ كَانَ) النَّاظِرُ (مَحْرَمًا أَوْ نَظَرَ مِنْ الطَّرِيقِ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ لَا) لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ تَرَكَ) النَّاظِرُ (الِاطِّلَاعَ وَمَضَى لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَإِنْ رَمَاهُ فَقَالَ الْمُطَّلِعُ: مَا تَعَمَّدْتُهُ أَوْ لَمْ أَرَ شَيْئًا حِينَ اطَّلَعْتُ لَمْ يَضْمَنْهُ) الرَّامِي لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا فِي ضَمِيره (وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً) كَالصَّائِلِ (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِرَمْيِهِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ جَازَ رَمْيُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ) كَالصَّائِلِ. (وَلَوْ تَسَمَّعَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ عَلَى مَنْ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَجُزْ طَعْنُ أُذُنِهِ) قَبْلَ إنْذَارِهِ قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ. (وَلَوْ كَانَ عُرْيَانًا فِي طَرِيقٍ لَمْ يَكُنْ

стр. 2881

لَهُ رَمْيُ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ. (وَإِنْ عَقَرَتْ كَلْبَةٌ مَنْ قَرُبَ مِنْ أَوْلَادِهَا أَوْ خَرَقَتْ ثَوْبَهُ لَمْ تُقْتَلْ) بِذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْعَقُورِ لِأَنَّ الطِّبَاعِ جُبِلَتْ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْوَلَدِ (بَلْ تُنْقَلُ) إلَى مَكَان مُنْفَرِد دَفْعًا لِأَذَاهَا. (وَقَالَ الشَّيْخُ: فِي جُنْدٍ قَاتَلُوا عَرَبًا نَهَبُوا أَمْوَالَ تُجَّارٍ لِيَرُدُّوهُ) لِمَالِكَيْهِ (هُمْ) أَيْ الْجُنْدُ (مُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي حُكْمِهِمْ لِأَنَّهُمْ نَاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْجُنْدِ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْ الْعَرَبِ (بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ) أَيْ وَلَا كَفَّارَةٍ حَيْثُ لَمْ يَنْدَفِعُوا إلَّا بِذَلِكَ كَالصَّائِلِ فَإِنْ قَاتَلُوهُمْ لِيَأْخُذُوا مِنْهُمْ مَا أَخَذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ فَهُمَا ظَالِمَانِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. [بَاب قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ] (بَاب قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ) وَهُوَ مَصْدَرٌ بَغَى يَبْغِي إذَا اعْتَدَى وَالْمُرَادُ هُنَا الظَّلَمَةُ الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْمُعْتَدُونَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]- إلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] وَفِيهِ فَوَائِدٌ مِنْهَا: أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا بِالْبَغْيِ عَنْ الْإِيمَانِ وَأَنَّهُ أَوْجَبَ قِتَالَهُمْ وَأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمْ التَّبِعَةَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي قِتَالِهِمْ وَإِجَازَةُ قِتَالِ كُلِّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ مِنْهَا مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِهِمْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَعَلِيًّا قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَأَهْلَ صِفِّينَ. (نَصْبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ لِحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحَوْزَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُخَاطَبُ بِذَلِكَ طَائِفَتَانِ إحْدَاهُمَا أَهْلُ الِاجْتِهَادِ حَتَّى يَخْتَارُوا وَالثَّانِيَةُ مَنْ تُوجَدُ فِيهِمْ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ حَتَّى يَنْتَصِبَ أَحَدُهُمْ لَهَا، أَمَّا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ الْمُوصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ وَالرَّأْيَ وَالتَّدْبِيرَ الْمُؤَدِّي إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْإِمَامَةِ أَصْلَحُ.

стр. 2882

وَأَمَّا شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فَتَأْتِي فِي كَلَامِهِ (وَيَثْبُتُ) نَصْبُ الْإِمَامِ (بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ كَإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ ﵁ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مِنْ بَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ) الَّذِينَ (بِصِفَةِ الشُّهُودِ) مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا نَظَرَ لِمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ كَالْهَوَامِّ (أَوْ يُجْعَلُ الْأَمْرُ شُورَى فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ لِيَتَّفِقَ أَهْلُهَا) أَيْ أَهْلُ الْبَيْعَةِ (عَلَى أَحَدِهِمْ فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ) كَفِعْلِ عُمَرَ ﵁ حَيْثُ جَعَلَ أَمْرَ الْإِمَامَةِ شُورَى بَيْن سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَوَقَعَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى عُثْمَانَ ﵁. (أَوْ بِنَصِّ مَنْ قَبْلَهُ عَلَيْهِ) بِأَنْ يَعْهَدَ الْإِمَامُ بِالْإِمَامَةِ إلَى إنْسَانٍ يَنُصُّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ بِالْإِمَامَةِ إلَى عُمَرَ ﵄ (أَوْ بِاجْتِهَادٍ) مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى نَصْبِ مَنْ يَصْلُحُ وَمُبَايَعَتِهِ (أَوْ بِقَهْرِهِ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَذْعَنُوا لَهُ وَدَعَوْهُ إمَامًا) فَثَبَتَ لَهُ الْإِمَامَةُ وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةُ طَاعَتَهُ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً وَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ يَبِيتُ وَلَا يَرَاهُ إمَامًا بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا انْتَهَى. لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلْكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا وَدَعَوْهُ إمَامًا وَلِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ. (وَيُعْتَبَرُ) فِي الْإِمَامِ (كَوْنُهُ قُرَشِيًّا) لِحَدِيثِ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَحَدِيثِ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَقَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ لِلْأَنْصَارِ: إنَّ الْعَرَبَ لَا تَدِينُ إلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَوَوْا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَخْبَارِ (بَالِغًا عَاقِلًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ، فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ (سَمِيعًا بَصِيرًا نَاطِقًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَّصِفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَصْلُحُ لِلسِّيَاسَةِ (حُرًّا) لَا عَبْدًا وَلَا مُبَعَّضًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ ذُو الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، فَلَا يَكُونُ وَلِيًّا عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَحَدِيثِ «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَسْوَدُ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» مَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ غَيْرِ سَرِيَّةٍ (ذَكَرًا) لِحَدِيثِ «خَابَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (عَدْلًا) لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَهِيَ دُونَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى قُلْتُ: فَإِنْ قَهَرَ النَّاسَ غَيْرُ عَدْلٍ فَهُوَ إمَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسٍ (عَالِمًا) بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مُرَاعَاتِهَا فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (ذَا بَصِيرَةٍ) أَيْ مَعْرِفَةٍ وَفِطْنَةٍ (كَافِيًا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا) لِلْحُرُوبِ وَالسِّيَاسَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي الذَّبِّ عَنْ الْأُمَّةِ وَنَحْوُ الْإِغْمَاءِ لَا يَمْنَعُ عَقْدَهَا

стр. 2883

وَلَا اسْتِدَامَتَهَا لِأَنَّهُ ﷺ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ وَالْجُنُونُ وَالْخَبَلُ إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا إفَاقَةٌ أَوْ كَانَا أَكْثَرُ زَمَانِهِ مَنَعَا الِابْتِدَاءَ وَالِاسْتِدَامَةَ. وَأَمَّا فَقْدُ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَتَمْتَمَةِ اللِّسَانِ مَعَ إدْرَاكِ الصَّوْتِ إذَا عَلَا وَقَطْعِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ فَلَا يَمْنَعُ عَقْدَهَا وَلَا اسْتِدَامَتَهَا وَذَهَابِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهَا وَاسْتِدَامَتَهَا. (وَلَوْ تَنَازَعَهَا اثْنَانِ مُتَكَافِئَانِ فِي صِفَاتِ التَّرْجِيحِ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ) فَيُبَايَعُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ وَصِفَتُهَا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُلُّ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ قَدْ بَايَعْنَاكَ عَلَى إقَامَةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِفُرُوضِ الْإِمَامَةِ وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ صَفْقَةُ الْيَدِ. (فَإِنْ بُويِعَ لِاثْنَيْنِ فِيهِمَا شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ فَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ) لِسَبَقِهِ (وَإِنْ بُويِعَ لَهُمَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ فِيهِمَا) لِأَنَّ الْعَمَلَ بِبَيْعَةِ أَحَدِهِمَا إذَنْ تَرْجِيحٌ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ. (وَيُجْبَرُ مُتَعَيِّنٌ لَهَا) أَيْ لِلْإِمَامَةِ لِئَلَّا تَذْهَبَ حُقُوقُ النَّاسِ (وَتَصَرُّفُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (عَلَى النَّاسِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ لَهُمْ فَهُوَ وَكِيلُ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ) وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ (وَلَهُمْ) أَيْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (عَزْلُهُ إنْ سَأَلَ الْعَزْلَ لِقَوْلِ) أَبِي بَكْرٍ (الصِّدِّيقِ) ﵁ (أَقِيلُونِي أَقِيلُونِي) قَالُوا: لَا نُقِيلُكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ الْعَزْلَ (حَرُمَ) عَزْلُهُ (إجْمَاعًا) سَوَاءٌ كَانَ سَأَلَ الْإِمَامَةَ أَوْ لَا خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى (وَلَا يَنْعَزِلُ) الْإِمَامُ (بِفِسْقِهِ) بِخِلَافِ الْقَاضِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ (وَلَا) يُعْزَلُ (بِمَوْتِ مَنْ بَايَعَهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ بَلْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ (وَيَحْرُم قِتَالُهُ) لِمَا سَبَقَ. وَيَلْزَم الْإِمَامَ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ حِفْظُ الدِّينِ عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ فَإِنْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ بَيَّنَ لَهُ بِالْحُجَّةِ وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحُقُوق لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنْ الْخَلَلِ، وَتَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ، وَقَطْعُ مَا بَيْنهمْ مِنْ الْخُصُومَاتِ وَحِمَايَةُ الْبَيْضَةِ وَالذَّبُّ عَنْ الْحَوْزَةِ لِيَنْصَرِفَ النَّاسُ فِي مَعَايِشِهِمْ وَيَسِيرُوا فِي الْأَسْفَارِ آمَنِينَ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ عَنْ الِانْتِهَاكِ وَتُحْفَظُ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إتْلَافٍ أَوْ اسْتِهْلَاكٍ وَتَحْصِينِ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا تَظْفَرَ الْأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ بِهَا مُحَرَّمًا أَوْ يَسْفِكُونَ بِهَا دَمًا مَعْصُومًا وَجِهَادُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ أَوْ يَدْخُلَ فِي الذِّمَّةِ وَجِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَتَقْدِيرُ الْعَطَاءِ وَمَا يُسْتَحَقُّ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ سَرَفِ وَلَا تَقْصِيرٍ وَدَفْعُهُ فِي وَقْتِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ وَاسْتِكْفَاءُ الْأُمَنَاءِ وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوِّضُهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ لِتَكُونَ مَضْبُوطَةٌ

стр. 2884

مَحْفُوظَةٌ، وَأَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ مُشَارَفَةَ الْأُمُورِ وَيَتَصَفَّحَ الْأَحْوَالَ لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى التَّفْوِيضِ تَشَاغُلًا فَقَدْ يَخُونُ الْأَمِينُ وَيَغُشُّ النَّاصِحُ وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ بِحُقُوقِ الْأُمَّةِ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ: الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ. (وَالْخَارِجُونَ عَنْ قَبْضَتِهِ) أَيْ طَاعَتِهِ (أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدُهَا قَوْمٌ امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَتِهِ وَخَرَجُوا عَنْ قَبْضَتِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ) أَيْ شُبْهَةٍ (فَهَؤُلَاءِ الْقُطَّاعُ) سَاعُونَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ (الثَّانِي) قَوْمٌ (لَهُمْ تَأْوِيلٌ إلَّا أَنَّهُمْ نَفَرٌ يَسِيرٌ لَا مَنَعَةَ) أَيْ قُوَّةَ (لَهُمْ كَالْعَشَرَةِ وَنَحْوِهِمْ وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ) لِأَنَّا لَوْ أَثْبَتنَا لِلْعَدَدِ الْيَسِيرِ حُكْمَ الْبُغَاةِ فِي سُقُوطِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوا أَفْضَى إلَى إتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ (الثَّالِثُ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ) الْمُسْلِمَ (بِالذَّنْبِ وَيُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْحَقِّ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَكَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ) ﵃ (وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ فَهُمْ فَسَقَةٌ) بِاعْتِقَادِهِمْ الْفَاسِدِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: تَتَعَيَّنُ اسْتِتَابَتُهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إفْسَادِهِمْ لَا عَلَى كُفْرِهِمْ (يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ابْتِدَاءً) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ (وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ) صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِرِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ (وَذَهَبَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَهِيَ أَشْهَرُ وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ) . قَالَ أَحْمَدُ الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِمْ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ. قَالَ وَالْحُكْمُ فِيهِمْ عَلَى مَا قَالَ عَلِيٌّ وَفِيهَا قَالَ: " لَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ " قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرُ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى كُفْرِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ وَقَوْلُهُ: يَتَمَارَى فِي الْفِرَقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَقَلُوا مِنْ الْإِسْلَامِ شَيْئًا بِحَيْثُ يُشَكُّ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْهُ. (وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ أَصْحَابِنَا تَكْفِيرَ مَنْ خَالَفَ فِي أَصْلِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُرْجِئَةِ) الصِّنْفُ (الرَّابِعُ قَوْمُ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ بَايَعُوا الْإِمَامَ وَرَامُوا خَلْعَهُ) أَيْ عَزْلَهُ (أَوْ مُخَالَفَتَهُ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ صَوَابٍ أَوْ خَطَأٍ وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ) بِحَيْثُ. (يُحْتَاجُ فِي كَفِّهِمْ إلَى جَمْعِ جَيْشٍ وَهُمْ الْبُغَاةُ) الْمَقْصُودُونَ بِالتَّرْجَمَةِ (فَمَنْ خَرَجَ عَلَى إمَامٍ وَلَوْ غَيْرِ عَدْلٍ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ) الْأَرْبَعَةِ (بَاغِيًا وَجَبَ قِتَالُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِمْ وَاحِدٌ مُطَّلِعٌ) أَوْ لَا (أَوْ كَانُوا فِي طَرَفِ وِلَايَتِهِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ مُتَوَسِّطٍ تُحِيط بِهِ وِلَايَتُهُ أَوْ لَا) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.

стр. 2885

(وَ) يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةَ (وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى الصُّلْحِ وَوَسِيلَةٌ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ وَقَدْ رُوِيَ " أَنَّ عَلِيًّا رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ " وَلَمَّا اعْتَزَلَتْهُ الْحَرُورِيَّةُ بَعَثَ إلَيْهِمْ ابْنَ عَبَّاسٍ فَوَاضَعُوهُ كِتَاب اللَّهِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. (وَ) أَنْ (يُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلِمَةٍ وَيَكْشِفَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى رُجُوعِهِمْ إلَى الْحَقِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ وَالْهَرَجِ وَالْمَرَجِ قَبْلَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَخَافَ كَلَبَهُمْ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ أَيْ شَرَّهُمْ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ كَالصَّائِلِ إذَا خَافَ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالْقَتْلِ (فَإِنْ أَبَوْا الرُّجُوعَ وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِالْقِتَالِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ شَرِّهِمْ لَا قَتْلُهُمْ (فَإِنْ فَاءُوا) أَيْ رَجَعُوا إلَى الطَّاعَةِ تَرَكَهُمْ (وَإِلَّا لَزِمَهُ قِتَالُهُمْ إنْ كَانَ قَادِرًا) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ تَرْكُهُ حَتَّى يَبْدَءُوهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ قَادِرًا عَلَى قِتَالِهِمْ (أَخَّرَهُ إلَى الْإِمْكَانِ) أَيْ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . (وَ) يَجِبُ (عَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ. (وَإِنْ اسْتَنْظَرُوهُ) أَيْ طَلَبَ الْبُغَاةُ مِنْهُ أَنْ يُنْظِرَهُمْ (مُدَّةً رَجَاءَ رُجُوعِهِمْ فِيهَا أَنْظَرَهُمْ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ لِأَنَّ الْإِنْظَارَ إذَنْ أَوْلَى مِنْ مُعَالَجَتِهِمْ بِالْقِتَالِ الْمُؤَدِّي إلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ (وَإِنْ ظَنَّ) الْإِمَامُ (أَنَّهَا) أَيْ طَلَبَ مُقَاتِلَتِهِمْ الْإِنْظَارَ (مَكِيدَةٌ لَمْ يُنْظِرْهُمْ) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِيرَ طَرِيقًا إلَى قَهْرِ أَهْلِ الْحَقِّ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَإِنْ أَعْطَوْهُ مَالًا وَإِنْ بَذَلُوا رَهَائِنَ عَلَى إنْظَارِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهَا لِتِلْكَ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِغَدْرِ أَهْلِهِمْ فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا (فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (أَسْرَى مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَعْطَوْا بِذَلِكَ رَهَائِنَ مِنْهُمْ قَبِلَهُمْ الْإِمَامُ وَاسْتَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةِ (فَإِنْ أَطْلَقُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (الْأَسْرَى) مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ (أُطْلِقَتْ رَهَائِنُهُمْ) وَفَاءً لَهُمْ بِمَا قِيلَ لَهُمْ (فَإِنْ قَتَلُوا مَنْ عِنْدَهُمْ) مِنْ أَسْرَى أَهْلِ الْعَدْلِ (لَمْ يَجُزْ قَتْلُ رَهَائِنِهِمْ

стр. 2886

وَلَا أَسَرَاهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (فَإِذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ خُلِّيَتْ الرَّهَائِنُ كَمَا تُخْلَى الْأَسْرَى مِنْهُمْ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إرْسَالِهِمْ خَوْفُ مُسَاعِدَةِ إخْوَانِهِمْ وَقَدْ زَالَ. (وَإِنْ سَأَلُوهُ) أَيْ سَأَلَ الْبُغَاةُ الْإِمَامَ (أَنْ يُنْظِرَهُمْ أَبَدًا وَيَدَعَهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِمْ وَيَكُفُّوا عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَخَافَ فَقَرَّهُمْ إنْ قَاتَلَهُمْ تَرَكَهُمْ) حَتَّى يَقْوَى عَلَى قِتَالِهِمْ (وَإِنْ قَوِيَ) الْإِمَامُ (عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْخُرُوجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ قُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ. (وَإِنْ حَضَرَ مَعَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَإِنْ قَاتَلَ مَعَهُمْ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِينَ وَتُرِكُوا مُدْبِرِينَ كَغَيْرِهِمْ) مِنْ الْأَحْرَارِ الذُّكُورِ وَالْبَالِغِينَ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ. وَفِي التَّرْغِيب وَمُرَاهِقٌ وَعَبْدٌ كَخَيْلٍ. (وَيُكْرَه قَصْدُ رَحِمِهِ الْبَاغِي) كَأَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ (بِقَتْلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ «كَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُقْبَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ» (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ قَتَلَ ذَا رَحِمِهِ الْبَاغِي (وَرِثَهُ) لِأَنَّ قَتْلَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَكَذَا لَوْ قَتَلَ الْبَاغِي ذَا رَحِمِهِ الْعَادِلِ وَكَذَا الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ. (وَيَحْرُم قَتْلُهُمْ) أَيْ قِتَالُهُمْ (بِمَا يَعُمُّ إتْلَافَهُ كَالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ) لِأَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ يَجُوزُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ كَغَيْرِ الْمُقَاتِلِ (إلَّا لِضَرُورَةٍ مِثْلَ أَنْ يَحْتَاطَ بِهِمْ الْبُغَاةُ وَلَا يُمْكِنهُمْ التَّخَلُّصَ إلَّا بِذَلِكَ) كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ (وَإِنْ رَمَاهُمْ الْبُغَاةُ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَنْجَنِيقٍ أَوْ نَارٍ (جَازَ) لِأَهْلِ الْعَدْلِ (رَمْيُهُمْ بِمِثْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . (وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْبُغَاةِ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْخَطَإِ (فَقَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا) أَيْ الطَّائِفَتَيْنِ (لَمْ يَمِلْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْبُغَاةِ (وَإِنْ عَجَزَ) عَنْ قِتَالِهِمَا مَعًا (وَخَافَ) الْإِمَامُ (اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى حَرْبِهِ ضَمَّ إلَيْهِ أَقْرَبَهُمَا إلَى الْحَقِّ) دَفْعًا لِأَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا (وَإِنْ اسْتَوَيَا اجْتَهَدَ) الْإِمَامُ (بِرَأْيِهِ فِي ضَمِّ إحْدَاهُمَا) إلَيْهِ (وَلَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ مَعُونَةَ إحْدَاهُمَا) عَلَى الْأُخْرَى (بَلْ) يُقْصَدُ بِذَلِكَ (الِاسْتِعَانَةَ عَلَى) الطَّائِفَةِ (الْأُخْرَى) لِيَرُدَّهَا إلَى الْحَقِّ (فَإِذَا هَزَمَهَا) الْإِمَامُ (لَمْ يُقَاتِلْ

стр. 2887

مَنْ مَعَهُمْ) أَيْ الطَّائِفَةَ الَّتِي ضَمَّهَا إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ (حَتَّى يَدْعُوَهُمْ إلَى الطَّاعَةِ) لِأَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا فِي أَمَانِهِ فَإِذَا دَعَاهُمْ فَإِنْ أَطَاعُوهُ كَفَّ عَنْهُمْ وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يَسْتَعِينَ) أَهْلُ الْعَدْلِ (فِي حَرْبِهِمْ) أَيْ قِتَالِهِمْ لِلْبُغَاةِ (بِكَافِرٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعَانَ بِهِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَلِئَلَّا يُسْتَعَانَ بِهِ فِي قِتَالِ مُسْلِمٍ بِطَرِيقٍ أَوْلَى وَلِأَنَّ الْقَصْدَ كَفُّهُمْ لَا قَتْلُهُمْ وَهُوَ لَا يَقْصِدُ إلَّا قَتْلَهُمْ (أَوْ) أَيْ وَيَحْرُمُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي حَرْبِهِمْ (بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْلِيطِ لَهُ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَأَنْ يَعْجِزَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَنْ قِتَالِهِمْ لِقِلَّتِهِمْ فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ لِفِعْلِهِمْ إنْ لَمْ تَفْعَلْهُ (وَلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَنْ يَسْتَعِينْ عَلَيْهِمْ بِسِلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ وَهُوَ خَيْلُهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَقَطْ) كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ (وَلَا يَجُوزُ) الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِمْ بِسِلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَخُيُولِهِمْ (فِي غَيْرِ قِتَالِهِمْ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عَصَمَ أَمْوَالَهُمْ وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ فَيَبْقَى الْمَالُ عَلَى الْعِصْمَةِ كَمَالِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ (وَمَتَى انْقَضَتْ الْحَرْبُ وَجَبَ رَدُّهُ) أَيْ سِلَاحِ الْبُغَاةِ (إلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ) لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ كَأَمْوَالِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهَا لِأَنَّ مُلْكَهُمْ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا بِالْبَغْيِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: " مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مَعَ أَحَدٍ فَلْيَأْخُذْهُ " فَعَرَفَ بَعْضُهُمْ قِدْرًا مَعَ أَصْحَاب عَلِيٍّ وَهُوَ يَطْبُخُ فِيهَا فَسَأَلَهُ إمْهَالَهُ حَتَّى يَنْضَجَ الطَّبْخُ فَأَبَى وَكَبَّهُ وَأَخَذَهَا (وَالْمُرَاهِقُ مِنْهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (وَالْعَبْدُ كَالْخَيْلِ) تَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمَا عَلَيْهِمْ عِنْد الضَّرُورَةِ فَقَطْ وَيُرَدَّانِ بَعْدَ الْحَرْبِ. (وَإِذَا تَرَكُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (الْقِتَالَ إمَّا بِالرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ أَوْ بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ أَوْ بِالْهَزِيمَةِ إلَى فِئَةٍ أَوْ) بِالْهَزِيمَةِ (إلَى غَيْرِ فِئَةٍ أَوْ بِالْعَجْزِ لِجِرَاحٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ أَسْرٍ حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَ) حَرُمَ (اتِّبَاعُ) مُدْبِرِهِمْ (وَقَتْلُ جَرِيحَهُمْ) لِمَا رَوَى مَرْوَانُ قَالَ: " صَرَخَ صَارِخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَعَنْ عَمَّارٍ نَحْوُهُ كَالصَّائِلِ (فَإِنْ قُتِلَ مُدْبِرُهُمْ أَوْ جَرِيحُهُمْ فَلَا قَوَدَ) عَلَى قَاتِلِهِ (لِلِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ) فَيَكُونُ شُبْهَةً وَلَكِنْ يَضْمَنُهُ بِالدِّيَةِ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغْنَمَ لَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (مَالٌ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا بِبَغْيِهِمْ وَلَا قِتَالِهِمْ وَعِصْمَةُ الْأَمْوَالِ تَابِعَةٌ لِدِينِهِمْ (وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ) لِعِصْمَتِهِمْ (وَيَجِبُ رَدُّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ إنْ أُخِذَ مِنْهُمْ) لِمَا سَبَقَ (وَلَا يُرَدُّ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ) أَيْ الْخَيْلُ (حَالَ الْحَرْبِ) لِأَنَّ فِيهِ مَعُونَةً عَلَيْنَا (بَلْ) يُرَدَّانِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ. (وَمَنْ أُسِرَ مِنْ رِجَالهمْ فَدَخَلَ فِي الطَّاعَةِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ)

стр. 2888

وَلَوْ كَانَ مُطَاعًا زَادَ فِي الرِّعَايَةِ إنْ أُمِنَ شَرُّهُ (وَإِنْ أَبَى) الدُّخُولَ فِي الطَّاعَةِ (وَكَانَ جَلَدًا) قَوِيًّا (حُبِسَ مَا دَامَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَإِذَا انْقَضَتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) لِأَنَّ فِي إطْلَاقِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا سَاعَدَ عَلَيْهِمْ وَفِي حَبْسِهِ كَسْرُ قُلُوبِ الْبُغَاةِ وَإِضْعَافِ شَوْكَتِهِمْ زَادَ فِي الشَّرْحِ (وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى الْقِتَالِ وَلَا يُرْسَلُ مَعَ بَقَاءِ شَوْكَتِهِمْ) لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً لِلْبُغَاةِ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ (فَإِنْ بَطَلَتْ شَوْكَتُهُمْ وَلَكِنْ يُتَوَقَّعُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْحَالِ لَمْ يُرْسَل) حَتَّى يَزُولَ ذَلِكَ (وَإِنْ أُسِرَ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ فُعِلَ بِهِمَا كَمَا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ) لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْبُغَاةِ (وَلَا يُخْلَى) سَبِيلُهُمَا (فِي الْحَالِ) بَلْ إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ وَزَالَتْ شَوْكَتُهُمْ. (وَيَجُوزُ فِدَاءُ أُسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِأَسَارَى الْبُغَاةِ) وَإِنْ قَتَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ أَسْرَى أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُ أَسْرَاهُمْ وَتَقَدَّمَ (وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ فِعْلُ مَا أُمِرَ بِهِ كَقَتْلِ الصَّائِلِ عَلَيْهِ. (فَإِنْ قُتِلَ الْعَادِلُ كَانَ شَهِيدًا) كَالْمَصُولِ عَلَيْهِ (وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) وَيُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا بَعْدَ نَزْعِ لَأْمَةِ حَرْبٍ وَنَحْوِ خُفٍّ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي قِتَالٍ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ كَشَهِيدِ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ (وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْبَغْي أَيْضًا مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى أَهْلِ عَدْلٍ (حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ " هَاجَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ مُتَوَاتِرُونَ فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا يُقَادَ أَحَدٌ وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ " ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَاحْتَجَّ بِهِ رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَلِأَنَّ تَضْمِينَهُمْ يُفْضِي إلَى تَنْفِيرِهِمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ فَسَقَطَ كَأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ. (وَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ الطَّائِعِينَ شَيْئًا فِي غَيْرِ الْحَرْبِ ضَمِنَهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ فِي حَالِ الْحَرْبِ لِلضَّرُورَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ. (وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِالْبَغْيِ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (مِنْ أَهْلِ بِدَعٍ فَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، بَلْ مُخْطِئِينَ فِي تَأْوِيلِهِمْ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ وَمَا أَخَذُوا فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خَرَاجٍ أَوْ جِزْيَةٍ لَمْ يَعُدْ) أَيْ يَرْجِعْ (عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى بَاذِلٍ) وَأَجْزَأَ (لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ) لِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَاهُ أَهْلُ الْبَغْي وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَأْتِيهِمْ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ فَيَدْفَعُوا إلَيْهِ زَكَاتَهُمْ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِهِ ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَثِيرَةً لِأَنَّهُمْ قَدْ يَغْلِبُوا عَلَى الْبِلَادِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ خَوَارِجٌ كَانُوا أَوْ غَيْرُهُمْ (وَمَا أَقَامُوا

стр. 2889

مِنْ حَدٍّ وَقَعَ مَوْقِعَهُ أَيْضًا خَوَارِجٌ كَانُوا أَوْ غَيْرُهُمْ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ. (وَمَنْ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا قَالَ أَحْمَدُ: " لَا تُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ " (وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى دَفْعِ خَرَاجٍ) إلَيْهِمْ (وَلَوْ كَانَ الدَّافِعُ مُسْلِمًا وَلَا دَعْوَى دَفْعِ جِزْيَةٍ إلَيْهِمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِوَضٌ وَالْأَصْلُ عَدَمِ الدَّفْعِ. (وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (إلَّا مَا يُنْقَض مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ) بِأَنْ خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ أَوْ إجْمَاعًا وَنَحْوَهُ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي لَهُ مَسَاغٌ فِي الشَّرْعِ لَا يُوجِبُ تَفْسِيقَ قَائِلِهِ أَشْبَهَ الْمُخْطِئَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي فَرْعٍ مِنْ الْأَحْكَامِ. (وَإِنْ كَتَبَ قَاضِيهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ جَازَ قَبُولُ كِتَابِهِ) وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ إذَا كَانَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ لِأَنَّهُ قَاضٍ ثَابِتُ الْقَضَاءِ. وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالتَّرْغِيبِ (الْأَوْلَى) رَدُّ كِتَابِهِ أَيْ (أَنْ لَا يَقْبَلَهُ) قَبْلَ حُكْمِهِ كَسْرًا لِقُلُوبِهِمْ. (وَإِنْ وَلَّى الْخَوَارِجُ قَاضِيًا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ) لِلْفِسْقِ وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: احْتِمَالٌ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ. (وَإِنْ ارْتَكَبَ أَهْلُ الْبَغْي فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ مَا يُوجِبُ حَدًّا ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِمْ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ. (وَإِنْ أَعَانَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةَ (أَهْلُ ذِمَّةٍ أَوْ عَهْدٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ) بِإِعَانَتِهِمْ لَهُمْ طَوْعًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِقِتَالِهِمْ (وَصَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ) تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِقِتَالِهِمْ (إلَّا أَنْ يَدَّعُوا شُبْهَةً كَأَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعُونَةَ مَنْ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا يَنْتَقِضُ) عَهْدُهُمْ لِأَنَّ مَا ادَّعَوْهُ مُحْتَمَلٌ فَيَكُونُ شُبْهَةً (وَإِنْ أَكْرَهَهُمْ الْبُغَاةُ عَلَى مَعُونَتِهِمْ) لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُمْ (وَ) إنْ (ادَّعَوْا ذَلِكَ) أَيْ الْإِكْرَاهَ (قُبِلَ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ. وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ بِبَيِّنَةٍ (وَيُغَرَّمُونَ) أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ (مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ حَالَ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ) بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْي لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ وَلِأَنَّ سُقُوطَ الضَّمَانِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الرُّجُوعِ لِلطَّاعَةِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذَلِكَ فِيهِمْ. (وَإِنْ اسْتَعَانُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَمَّنُوهُمْ لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُمْ) كَمَا لَوْ عَقَدُوا لَهُمْ ذِمَّةً لِأَنَّ الْأَمَانَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ إلْزَامُ كَفِّهِمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ (وَأُبِيحَ) لِأَهْلِ الْعَدْلِ (قَتْلُهُمْ) مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ (وَحُكْمُ أَسِيرِهِمْ حُكْمُ أَسِيرِ سَائِرِ أَهْلِ الْحَرْبِ) يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالرِّقِّ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ إلَّا أَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ أَمَّنَهُمْ مِنْ الْبُغَاةِ. (وَإِنْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ مِثْلِ تَكْفِيرِ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَ)

стр. 2890

مِثْلِ (تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَاسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ) حَيْثُ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ " (وَإِنْ سَبُّوا الْإِمَامَ أَوْ عَدْلًا غَيْرَهُ أَوْ تَعَرَّضُوا بِالسَّبِّ عَزَّرَهُمْ) لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ (وَإِنْ جَنَوْا جِنَايَةً وَأَتَوْا حَدًّا أَقَامَهُ) الْإِمَامُ (عَلَيْهِمْ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي ابْنِ مُلْجِمٍ لَمَّا جَرَحَهُ: " أَطْعِمُوهُ وَاسْقُوهُ وَاحْبِسُوهُ فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي وَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ " وَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِبُغَاةٍ فَهُمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ. (وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ طَلَبِ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَاغِيَةٌ عَلَى الْأُخْرَى (وَتَضْمَنُ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى) لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَمَالًا مَعْصُومًا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْمُتْلِفِ وَإِنْ تَقَابَلَا تَقَاصَّا لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ وَالْمُعِينَ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ مَا نَهَبَتْهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُخْرَى تَسَاوَتَا كَمَنْ جَهِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ الْمُخْتَلِطِ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ النِّصْفَ وَالْبَاقِي لَهُ (فَلَوْ قُتِلَ مَنْ دَخَلَ بَيْنَهُمْ بِصُلْحٍ وَجُهِلَ قَاتِلُهُ ضَمِنَتَاهُ) وَإِنْ عُلِمَ قَاتِلُهُ مِنْ طَائِفَةٍ وَجُهِلَ عَيْنُهُ ضَمِنَتْهُ وَحْدَهَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُفَارَقُ الْمَقْتُولُ فِي زِحَامِ الْجَامِعِ وَالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الزِّحَامَ وَالطَّوَافَ لَيْسَ فِيهَا تَعَدٍّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. تَتِمَّةً قَالَ فِي الِاخْتِبَارَاتِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ شَرِيعَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَالْمُحَارِبِينَ وَأَوْلَى. [بَابُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ] (بَاب حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَهُوَ) لُغَةً الرَّاجِعُ يُقَالُ ارْتَدَّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ إذَا رَجَعَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] وَشَرْعًا (الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إسْلَامِهِ) نُطْقًا أَوْ اعْتِقَادًا

стр. 2891

أَوْ شَكًّا أَوْ فِعْلًا (وَلَوْ مُمَيِّزًا) فَتَصِحّ رِدَّتُهُ كَإِسْلَامِهِ وَيَأْتِي (طَوْعًا) لَا مُكْرَهًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (وَلَوْ) كَانَ (هَازِلًا) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤] الْآيَةَ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ. (فَمَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ) تَعَالَى أَيْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَوْ مُكْرَهًا بِحَقٍّ كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (أَوْ جَحَدَ بِرُبُوبِيَّتِهِ أَوْ وَحْدَانِيِّتِهِ) كَفَرَ لِأَنَّ جَاحِدَ ذَلِكَ مُشْرِكٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَحَدَ (صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ) اللَّازِمَةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ لِأَنَّهُ كَجَاحِدِ الْوَحْدَانِيَّةِ. وَفِي الْفُصُولِ: شَرْطُهُ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مُتَّفَقًا عَلَى إثْبَاتِهَا (أَوْ اتَّخَذَ لَهُ) أَيْ لِلَّهِ (صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا) كَفَرَ لِأَنَّهُ تَعَالَى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ وَنَفَاهُ عَنْهُ فَمُتَّخِذُهُ مُخَالِفٌ لَهُ غَيْرُ مُنَزِّهٍ لَهُ عَنْ ذَلِكَ (أَوْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ أَوْ صَدَّقَ مَنْ ادَّعَاهَا) بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ كَفَرَ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا) مَجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ جَاحِدٌ لِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ (أَوْ) جَحَدَ (كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ) لِأَنَّ جَحْدَ شَيْءٍ مِنْهُ كَجَحْدِهِ كُلِّهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَوْنِ الْكُلِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (أَوْ جَحَدَ الْمَلَائِكَةَ) أَوْ أَحَدًا مِمَّنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَلَكٌ كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ الْقُرْآنَ (أَوْ) جَحَدَ (الْبَعْثَ) كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ) كَفَرَ لِأَنَّهُ لَا يَسُبُّهُ إلَّا وَهُوَ جَاحِدٌ بِهِ (أَوْ اسْتَهْزَأَ بِاَللَّهِ) تَعَالَى (أَوْ بِكُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] . قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِي الْهَازِئِ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يُؤَدَّبَ أَدَبًا يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْتَفَ مِمَّنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ بِالتَّوْبَةِ فَهَذَا أَوْلَى. (قَالَ الشَّيْخُ أَوْ كَانَ مُبْغِضًا لِرَسُولِهِ أَوْ لِمَا جَاءَ بِهِ) الرَّسُولُ (اتِّفَاقًا، وَقَالَ أَوْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ إجْمَاعًا انْتَهَى) أَيْ كَفَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ كَفِعْلِ عَابِدِي الْأَصْنَامِ قَائِلِينَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .

стр. 2892

(أَوْ سَجَدَ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ) عِبَارَةُ الْمُنْتَهَى لِكَوْكَبٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُ الْكَوَاكِبِ كَفَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ إشْرَاكٌ (أَوْ أَتَى بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ) الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ كَفَرَ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (أَوْ وُجِدَ مِنْهُ امْتِهَانٌ لِلْقُرْآنِ أَوْ طَلَبُ تَنَاقُصِهِ أَوْ دَعْوَى أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ أَوْ) أَنَّهُ (مُخْتَلِفٌ أَوْ مَقْدُورٌ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ إسْقَاطٌ لِحُرْمَتِهِ) كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الْآيَة (أَوْ أَنْكَرَ الْإِسْلَامَ) كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (أَوْ) أَنْكَرَ (الشَّهَادَتَيْنِ أَوْ) أَنْكَرَ (أَحَدَهُمَا كَفَرَ) لِأَنَّهُ إنْكَارٌ لِلْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ أَوْ إحْدَاهُمَا، وَذَلِكَ كُفْرٌ لِمَا مَرَّ. وَ (لَا) يَكْفُرُ (مَنْ حَكَى كُفْرًا سَمِعَهُ وَ) هُوَ (لَا يَعْتَقِدُهُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ هَذَا إجْمَاعٌ. وَفِي الِانْتِصَارِ: مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ كُفْرٍ مِنْ لُبْسِ غِيَارٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ وَتَعْلِيقِ صَلِيبٍ بِصَدْرِهِ حَرُمَ وَلَمْ يَكْفُرْ. (أَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَلَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا) فَلَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ (وَلَا مَنْ جَرَى) الْكُفْرُ (عَلَى لِسَانِهِ سَبْقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِشِدَّةٍ فَرَحٍ أَوْ دَهَشٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ فَقَالَ) غَلَطًا (اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» . (وَمِنْ إطْلَاقِ الشَّارِعِ ﷺ كُفْرٌ) دُونَ كُفْرٍ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ (كَدَعْوَاهُمْ لِغَيْرِ أَبِيهِمْ، وَكَمَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَهُوَ تَشْدِيدٌ) وَتَأْكِيدٌ. (وَ) نَقَلَ حَرْبٌ (كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ) وَقِيلَ كُفْرُ نِعْمَةٍ، وَقِيلَ قَارَبَ الْكُفْرَ وَعَنْهُ يَجِبُ الْوَقْفُ، وَلَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» أَيْ جَحَدَ تَصْدِيقِهِ بِكَذِبِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا إذَا اعْتَقَدَ تَصْدِيقَهُمْ بَعْد مَعْرِفَتِهِ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ كُفْرًا حَقِيقَةً انْتَهَى. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا وَأَنْكَرَ الْقَاضِي جَوَازَ

стр. 2893

إطْلَاقِ اسْمِ كُفْرِ النِّعْمَةِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ. (وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ) هُوَ (يَعْبُدُ الصَّلِيبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ) نَحْوَ هُوَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى (عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْإِيمَانِ) فَهُوَ كَافِرٌ. (وَقَذَفَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ) قَذَفَ (أُمَّهُ) فَهُوَ كَافِرٌ وَتَقَدَّمَ فِي الْقَذْفِ. (أَوْ اعْتَقَدَ قِدَمَ الْعَالَمِ) وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ (أَوْ) اعْتَقَدَ (حُدُوثَ الصَّانِعِ) جَلَّ وَعَلَا فَهُوَ كَافِرٌ لِتَكْذِيبِهِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ أَوْ بِوَعِيدِهِ) فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِهْزَاءِ بِاَللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. (أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ) أَيْ تَدَيَّنَ (بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ كَالنَّصَارَى) وَالْيَهُودِ (أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ) فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . (أَوْ قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلِلْخَبَرِ. (أَوْ) قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّل بِهِ إلَى (تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ) أَيْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ (فَهُوَ كَافِرٌ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلرَّسُولِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» وَغَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ. (وَقَالَ الشَّيْخُ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكَنَائِسَ بُيُوتُ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ يُعْبَدُ فِيهَا وَأَنَّ مَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِبَادَةً لِلَّهِ وَطَاعَةً لَهُ وَلِرَسُولِهِ أَوْ أَنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ أَوْ يَرْضَاهُ) فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اعْتِقَادَ صِحَّةِ دِينِهِمْ وَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَعَانَهُمْ عَلَى فَتْحِهَا) أَيْ الْكَنَائِسِ (وَإِقَامَةِ دِينِهِمْ وَ) اعْتَقَدَ (أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ أَوْ طَاعَةٌ فَهُوَ كَافِرٌ) لِتَضَمُّنِهِ اعْتِقَادَ صِحَّةِ دِينِهِمْ (وَقَالَ) الشَّيْخُ (فِي مَوْضِعِ آخَرَ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنْ زِيَارَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي كَنَائِسِهِمْ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ وَإِنْ جَهِلَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عُرِّفَ ذَلِكَ فَإِنْ أَصَرَّ صَارَ مُرْتَدًّا) لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . (وَقَالَ قَوْلَ الْقَائِلِ مَا ثَمَّ إلَّا اللَّهُ إنْ أَرَادَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الِاتِّحَادِ مِنْ أَنَّ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا اللَّهُ وَيَقُولُونَ إنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَ) يَقُولُونَ (الْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ وَالْعَبْدُ هُوَ الرَّبُّ وَالرَّبُّ هُوَ الْعَبْدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي) الَّتِي قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِهَا يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَان وَيَجْعَلُونَهُ مُخْتَلِطًا

стр. 2894

بِالْمَخْلُوقَاتِ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَذِهِ الْفِرَقِ وَأَفْسَدُوا كَثِيرًا مِنْ عَقَائِدِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ نَسْأَل اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. (وَقَالَ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ لِأَحَدٍ طَرِيقًا إلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ أَوْ أَنَّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ خُرُوجًا عَنْ اتِّبَاعِهِ) ﷺ (وَ) عَنْ (أَخْذِ مَا بُعِثَ بِهِ أَوْ قَالَ أَنَا مُحْتَاجٌ إلَى مُحَمَّدٍ فِي عِلْمِ الظَّاهِرِ دُونَ عِلْمِ الْبَاطِنِ أَوْ) هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ (فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ دُونَ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ أَوْ قَالَ إنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَسَعُهُ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَتِهِ) ﷺ (كَمَا وَسِعَ الْخَضِرَ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى) ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . (أَوْ) اعْتَقَدَ (أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَقَالَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بِمَعْنَى قَدَّرَ فَإِنَّ اللَّهَ مَا قَدَّرَ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ وَجَعَلَ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ فَإِنَّ هَذَا) الْمُعْتَقِدَ (مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كُفْرًا بِالْكُتُبِ كُلِّهَا) لِتَكْذِيبِهِ لَهَا فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ ثُبُوتِ وَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى مَعْنَى قَضَى هُنَا: أَوْجَبَ. (وَقَالَ مَنْ اسْتَحَلَّ الْحَشِيشَةَ) الْمُسْكِرَةَ (كَفَرَ بِلَا نِزَاعٍ وَقَالَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَلْعَنَ التَّوْرَاةَ بَلْ مَنْ أَطْلَقَ لَعْنَهَا يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِفُ أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا فَهَذَا يُقْتَلُ بِشَتْمِهِ لَهَا وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ دِينَ الْيَهُودِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ بَلْ شَرْعُنَا نَسَخَ سَائِرَ الشَّرَائِعِ (وَكَذَلِكَ إنْ سَبَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي عِنْدَهُمْ) أَيْ الْيَهُودِ (بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَصْدَهُ ذِكْرُ تَحْرِيفِهَا مِثْلَ أَنْ يُقَالَ نُسَخُ هَذِهِ التَّوْرَاةِ مُبَدَّلَةٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا وَمَنْ عَمِلَ الْيَوْمَ بِشَرَائِعِهَا الْمُبَدَّلَةِ وَالْمَنْسُوخَةِ فَهُوَ كَافِرٌ فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ حَقٌّ لَا شَيْءَ عَلَى قَائِلِهِ) لِمُطَابَقَتِهِ الْوَاقِعَ. [فَصْلُ وَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ] فَصْلُ (وَقَالَ) الشَّيْخُ (وَمَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ أَوْ) سَبَّ (أَحَدًا مِنْهُمْ وَاقْتَرَنَ بِسَبِّهِ دَعْوَى أَنَّ عَلِيًّا إلَهٌ أَوْ نَبِيٌّ أَوْ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ هَذَا) أَيْ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (بَلْ لَا شَكَّ فِي كُفْرِ مَنْ تَوَقَّفَ فِي

стр. 2895

تَكْفِيرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ كُتِمَ أَوْ أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَاتٍ بَاطِنَةً تُسْقِطُ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ وَغَيْرِهَا (وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَمِنْهُمْ النَّاسِخِيَّةُ وَلَا خِلَافَ فِي كُفْرِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ) لِتَكْذِيبِهِمْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ. (وَمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ ﵂ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ كَفَرَ بِلَا خِلَافٍ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ (وَمَنْ سَبَّ غَيْرَهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ ﷺ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَسَبِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ) لِعَدَمِ نَصٍّ خَاصٍّ (وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂) لِقَدْحِهِ فِيهِ ﷺ . (وَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةَ (سَبًّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ مِثْلَ مَنْ وَصَفَ بَعْضَهُمْ بِبُخْلٍ أَوْ جُبْنٍ أَوْ قِلَّةِ عِلْمٍ أَوْ عَدَمِ زُهْدٍ وَنَحْوِهِ فَهَذَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالتَّعْزِيرَ وَلَا يَكْفُرُ وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ وَقَبَّحَ مُطْلَقًا فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ أَعْنِي هَلْ يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ؟ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي كُفْرِهِ وَقَتْلِهِ وَقَالَ يُعَاقَبُ وَيُجْلَدُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقِيلَ: يَكْفُرُ إنْ اسْتَحَلَّهُ) وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ قَبْلِهِ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ لَهُ تَتِمَّةٌ (وَالْمَذْهَبُ يُعَزَّرُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ بَابِ التَّعْزِيرِ. وَفِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ) لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَتَنَازَعُوا هَلْ يُعَاقَبُ بِالْقَتْلِ أَوْ مَا دُونَ الْقَتْلِ؟ وَقَالَ أَمَّا مَنْ جَاوَزَ ذَلِكَ كَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةَ (ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا نَفَرًا قَلِيلًا لَا يَبْلُغُونَ بِضْعَةَ عَشَرٍ وَأَنَّهُمْ فَسَقُوا فَلَا رَيْبَ أَيْضًا فِي كُفْرِ قَائِلِ ذَلِكَ، بَلْ مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ) عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ. (وَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ ﵁ (صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠] فَإِنْكَارُ صُحْبَتِهِ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكْفُرْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صَحَابِيَّةِ غَيْرِهِ، وَالنَّصُّ وَارِدٌ شَائِعٌ قَالَ شَارِحُهُ الْأُشْمُونِيُّ قَلَتَ وَأَهْلُ الدَّرَجَاتِ أَنْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ لِأَنَّ صَحَابَتَهُمْ يَعْرِفهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَنَافِي صَحَابِيَّةَ أَحَدِهِمْ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . (وَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ) الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» (أَوْ) جَحَدَ (شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ (وَمِنْهَا الطَّهَارَةُ) مِنْ الْحَدَثَيْنِ كَفَرَ. (أَوْ) جَحَدَ (حِلَّ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْمَاءِ أَوْ أَحَلَّ الزِّنَا وَنَحْوَهُ) كَشَهَادَةِ الزُّورِ وَاللِّوَاطِ (أَوْ) أَحَلَّ (تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ) جَحَدَ (شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ

стр. 2896

الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ) كَالنَّاشِئِ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ (كَفَرَ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَسَائِرِ الْأُمَّةِ. (وَإِنْ اسْتَحَلَّ قَتْلَ الْمَعْصُومِينَ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ كَفَرَ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ (وَإِنْ كَانَ) اسْتِحْلَالُهُ ذَلِكَ (بِتَأْوِيلٍ كَالْخَوَارِجِ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِمْ مَعَ اسْتِحْلَالِهِمْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ مُتَقَرِّبِينَ بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (وَتَقَدَّمَ) الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ (فِي الْمُحَارِبِينَ) صَوَابُهُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ. (وَالْإِسْلَامُ) لُغَةً الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ وَشَرْعًا (شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ حِين سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْإِسْلَامِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْإِيمَانُ بِمَا عُلِمَ مَجِيءُ النَّبِيَّ ﷺ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إجْمَالًا فِيمَا عُلِمَ إجْمَالًا، وَتَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ تَفْصِيلًا وَقِيلَ التَّصْدِيقُ بِذَلِكَ وَالْإِقْرَارُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْإِقْرَارُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَيُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَانِ وَالْإِظْهَارِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَيْ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِ لِإِتْمَامِ الْإِيمَانِ عَلَى الثَّانِي وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ (فَمَنْ أَنْكَرَ) أَيْ جَحَدَ (ذَلِكَ) أَيْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهَا (أَوْ) جَحَدَ (بَعْضَهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا فَإِنْ عَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَبَدًا) يَعْنِي الْحَجَّ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ إذَا تَرَكَ تَهَاوُنًا فَرْضَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ الْحَجِّ بِأَنْ عَزَمَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَبَدًا أَوْ أَخَّرَهُ إلَى عَامٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ قَبْلَهُ (اُسْتُتِيبَ عَارِفٌ وُجُوبًا كَالْمُرْتَدِّ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ وَدُعِيَ إلَى ذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُرِّفَ) وُجُوبُ ذَلِكَ. (فَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ حَدًّا وَلَمْ يَكْفُرْ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَارِكَ الشَّهَادَتَيْنِ تَهَاوُنًا كَافِرٌ بِغَيْرِ خِلَافِ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ وَأَمَّا بَقِيَّةُ ذَلِكَ فَكَمَا ذَكَرَهُ (إلَّا الصَّلَاةُ إذَا دُعِيَ إلَيْهَا) مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (وَامْتَنَعَ) حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَ الَّتِي دُعِيَ إلَيْهَا عَنْ فِعْلِهَا (أَوْ) تَرْكَ (شَرْطًا أَوْ رُكْنًا لِلصَّلَاةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ) (فَيُقْتَلُ كُفْرًا) بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا. (وَمَنْ شُفِعَ عِنْدَهُ فِي رَجُلٍ فَقَالَ) الْمَشْفُوعُ عِنْدَهُ (لَوْ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَشْفَعُ فِيهِ مَا قَبِلْتُ مِنْهُ إنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قُتِلَ لَا) إنْ تَابَ (قَبْلَهَا) أَيْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَالْمُحَارِبِ (فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ قَالَهُ الشَّيْخُ) .

стр. 2897

[فَصْلُ وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ] (فَصْلُ وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْحَدَّ فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالزِّنَا وَمَا رُوِيَ أَنَّ " أَبَا بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ " فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُنَّ إسْلَامٌ وَأَمَّا نَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلِيَّةُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الشُّيُوخَ وَلَا الْمَكَافِيفُ (وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ) لِأَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونَ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ شُرْبٍ مُبَاحٍ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ وَالْمُمَيِّزَ وَإِنْ صَحَّتْ رِدَّتُهُ لَا يُقْتَلُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالِاسْتِتَابَةِ لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (مُخْتَارٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (دُعِيَ إلَيْهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِالِاسْتِتَابَةِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ) فِيهَا. (وَحُبِسَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي قَالَ: " قَدِمَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ هَلْ مِنْ مُغَرِّبَةٍ خَبَرٌ قَالَ نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَقَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِهِ قَالَ قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فَقَالَ عُمَرُ هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَرْضَ وَلَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي " رَوَاهُ مَالِكُ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِصْلَاحُهُ فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ قُبِلَ اسْتِصْلَاحُهُ كَالثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ مُدَّةٌ يَتَكَرَّرُ فِيهَا الرَّأْيُ وَيَتَقَلَّبُ النَّظَرُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَكْثَرِ مِنْهَا وَيَكُونُ الْقَتْلُ (بِالسَّيْفِ) لِحَدِيثِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (إلَّا رَسُولُ الْكُفَّارِ إذَا كَانَ مُرْتَدًّا) فَلَا يُقْتَلُ (بِدَلِيلِ رَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْكَذَّابِ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّتِهِمَا فِي

стр. 2898

الْجِهَادِ. (وَلَا يَقْتُلُهُ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ حُرًّا كَانَ الْمُرْتَدُّ أَوْ عَبْدًا) لِأَنَّهُ قُتِلَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ كَقَتْلِ الْحُرِّ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ : «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ لِكُفْرِهِ لَا حَدًّا (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ فِدَاءٍ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُرْتَدِّ بَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ (بِلَا إذْنِهِ أَسَاءَ وَعُزِّرَ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (وَلَمْ يَضْمَنْ) الْقَاتِلُ الْمُرْتَدَّ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ غَيْرُ مَعْصُومٍ (سَوَاءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا) لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ فِي الْجُمْلَةِ وَرِدَّتُهُ مُبِيحَةٌ لِدَمِهِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَهَا (إلَّا أَنْ يَلْحَقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ فَلِكُلِّ) أَحَدٍ (قَتْلُهُ) بِلَا اسْتِتَابَةٍ (وَأَخْذُ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ) لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا وَمَا تَرَكَهُ بِدَارِنَا مَعْصُومٌ نَصَّ عَلَيْهِ. (تَتِمَّةٌ) فِي الْفُنُونِ فِي مَوْلُودٍ وُلِدَ بِرَأْسَيْنِ فَبَلَغَ وَنَطَقَ أَحَدُهُمَا بِالْكُفْرِ وَالْآخَرُ بِالْإِسْلَامِ إنْ كَانَا نَطَقَا مَعًا فَفِي أَيِّهِمَا يُغَلَّبُ؟ احْتِمَالَانِ وَالصَّحِيحُ إنْ تَقَدَّمَ الْإِسْلَامُ فَمُرْتَدٌّ. (وَالطِّفْلُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَلَا إسْلَامُهُ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ وَإِنْ ارْتَدَّ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَقَتَلَهُ قَاتِلٌ فَعَلَيْهِ الْقَوْدُ) لِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا عَمْدًا عُدْوَانًا (وَإِنْ ارْتَدَّ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ جُنُونِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (فَإِذَا أَفَاقَ) مِنْ جُنُونِهِ (اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ تَابَ) تُرِكَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتُبْ (قُتِلَ) بِالسَّيْفِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ عَقَلَ صَبِيٌّ الْإِسْلَامَ صَحَّ إسْلَامُهُ) إنْ كَانَ مُمَيِّزًا لِإِسْلَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ صَبِيٌّ وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِ وَسَبْقِهِ وَقَالَ: " سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا صَبِيًّا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلُمِي " وَيُقَالُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصِّبْيَانِ وَمِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ وَقَالَ عُرْوَةُ " أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَهُمَا ابْنَا ثَمَانِ سِنِينَ " وَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَالصَّبِيُّ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مُحَصِّنَةٌ فَصَحَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَلِأَنَّ اللَّهَ دَعَاهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَجَعَلَ طَرِيقَهَا الْإِسْلَامَ فَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ وَسُلُوكِ طَرِيقِهَا لَا يُقَالُ الْإِسْلَامُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ وَنَفَقَةِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ وَحِرْمَانِ مِيرَاثَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ وَفَسْخِ نِكَاحِهِ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ نَفْعٌ مَحْضٌ لِأَنَّهَا سَبَبُ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ الْمَحْضَةِ لِلْمَالِ وَالْمِيرَاثِ

стр. 2899

وَالنَّفَقَةُ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ وَذَلِكَ مَجْبُورٌ بِحُصُولِ الْمِيرَاثِ لِلْمُسْلِمِينَ وَسُقُوطِ نَفَقَةِ أَقَارِبِهِمْ الْكُفَّارِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُل لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَ) تَصِحُّ أَيْضًا (رِدَّتُهُ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا) لِأَنَّ مَنْ صَحَّ إسْلَامُهُ صَحَّتْ رِدَّتُهُ. (وَمَعْنَى عَقْلُ الْإِسْلَامِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ رَبَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِذَا أَسْلَمَ) الْمُمَيِّزُ (حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ وَيَتَوَلَّاهُ الْمُسْلِمُونَ) كَأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ بَقَاءَهُ مَعَ الْكُفَّارِ قَدْ يُفْضِي إلَى عَوْدِهِ لِلْكُفْرِ (وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ (إذَا مَاتَ) بَعْدَ غَسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَيَرِثهُ أَقَارِبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ (فَإِنْ قَالَ) الْمُمَيِّزُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْإِسْلَامِ (لَمْ أَدْرِ مَا قُلْتُ أَوْ قَالَهُ كَبِيرًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ) كَالْبَالِغِ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ. (وَلَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِصَاصِ وَالزِّنَا. (وَلَا) يُقْتَلُ (الصَّغِيرُ) إذَا ارْتَدَّ (حَتَّى يَبْلُغَ وَيُسْتَتَابَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (فَإِنْ تَابَ) خُلِّيَ سَبِيلُهُ (وَإِلَّا قُتِلَ) بِالسَّيْفِ لِمَا تَقَدَّمَ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَسْلِمْ وَخُذْ أَلْفًا فَأَسْلَمَ فَلَمْ يُعْطِهِ) الْأَلِفَ (فَأَبَى الْإِسْلَامَ يُقْتَلُ) أَيْ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (وَيَنْبَغِي) لِلْقَائِلِ (أَنْ يَفِيَ) بِمَا وَعَدَ بِهِ. (وَقَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى صَلَاتَيْنِ قُبِلَ مِنْهُ) الْإِسْلَامُ (وَأُمِرَ بِالْخَمْسِ) لِوُجُوبِهَا عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ (وَمِثْلُهُ إذَا أَسْلَمَ عَلَى الرُّكُوعِ دُون السُّجُودِ وَنَحْوِهِ) فَيُقْبَل مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَيُؤْمَرُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ. (وَمَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانٌ صَحَّتْ رِدَّتُهُ) كَإِسْلَامِهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: " إذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ " فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي سُكْرِهِ وَاعْتَبَرُوا مَظِنَّتَهَا وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ فَصَحَّتْ رِدَّتُهُ كَالصَّاحِي (وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَصْحُوَ) لِيَكْمُلَ عَقْلُهُ وَيَفْهَمَ مَا يُقَالُ وَتَزُولُ شُبْهَتُهُ لِأَنَّ الْقَتْلَ جُعِلَ لِلزَّجْرِ. (وَ) حَتَّى (تَتِمَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ حِينِ صَحْوِهِ) لِيُسْتَتَابَ فِيهَا لِأَنَّ صَحْوَهُ أَوَّلُ زَمَنٍ صَارَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ (فَإِنْ تَابَ) خُلِّيَ سَبِيلُهُ (وَإِلَّا قُتِلَ) لِرِدَّتِهِ. (وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (قَاتِلٌ فِي حَالِ سُكْرِهِ أَوْ بَعْدِهِ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ لَكِنْ يُعَزَّرُ (وَإِنْ مَاتَ) الْمُرْتَدُّ (فِي سُكْرِهِ أَوْ قُتِلَ مَاتَ كَافِرًا) لِأَنَّهُ هَلَكَ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ وَقَبْلَ تَوْبَتِهِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُهُ أَقَارِبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي سُكْرِهِ وَلَوْ أَصْلِيًّا صَحَّ إسْلَامُهُ ثُمَّ يُسْأَلُ بَعْدَ صَحْوِهِ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إسْلَامِهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ مِنْ حِين إسْلَامِهِ) حَالَ سُكْرِهِ فَيَقْضِي الصَّلَاةَ مِنْ ذَلِكَ

стр. 2900

الْوَقْتِ (وَإِنْ كَفَرَ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ الْآنَ) أَيْ مِنْ حِينِ كَفَرَ بَعْدَ صَحْوِهِ فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. (وَلَا تُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا أَيْ فِي الظَّاهِرِ) بِحَيْثُ يُتْرَك قَتْلُهُمْ وَتَثْبُتُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ (تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ) وَهُوَ الْمُنَافِقُ (وَهُوَ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] وَالزِّنْدِيقُ لَا يُظْهَرُ مِنْهُ عَلَى مَا يَتَبَيَّنَ بِهِ رُجُوعُهُ وَتَوْبَتُهُ لِأَنَّ الزِّنْدِيقَ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يَنْفِي الْكُفْرَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ لِمَا قَالَهُ حُكْمٌ لِأَنَّ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَنْدَفِعُ الْقَتْلُ بِإِظْهَارِ التَّوْبَةِ فِي ذَلِكَ وَالْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَنَّ الزِّنْدِيقَ هُوَ الَّذِي لَا يَتَمَسَّكُ بِشَرِيعَةٍ وَيَقُولُ بِدَوَامِ الدَّهْرِ وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِمْ: مُلْحِدٌ أَيْ طَاعِنٌ فِي الْأَدْيَانِ (وَكَالْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ وَكَمَنْ يُفَضِّلُ مَتْبُوعَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ) يَعْتَقِدُ (أَنَّهُ إذَا حَصَلَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ وَالتَّحْقِيقُ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ أَوْ) يَعْتَقِدُ (أَنَّ الْعَارِفَ الْمُحَقِّقَ يَجُوزُ لَهُ التَّدَيُّنُ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ) الطَّوَائِفِ الْمَارِقِينَ مِنْ الدِّينِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ فِي الظَّاهِرِ كَالْمُنَافِقِ. (وَلَا) تُقْبَلُ أَيْضًا فِي الظَّاهِرِ تَوْبَةُ (مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٣٧] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] وَالِازْدِيَادُ يَقْتَضِي كُفْرًا مُتَجَدِّدًا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ إيمَانٍ عَلَيْهِ. وَلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَيْبَانَ بْنِ عِمَارَةَ " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ أُتِيَ بِك مَرَّةً فَزَعَمْتَ أَنَّكَ تُبْتَ وَأَرَاك قَدْ عُدْتَ فَقَتَلَهُ " وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الرِّدَّةِ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ (أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ صَرِيحًا أَوْ تَنَقَّصَهُ) لِأَنَّ ذَنْبَهُ عَظِيمٌ جِدًّا يَدُلّ مِنْهُ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَاسْتِخْفَافِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ ﷺ (وَلَا السَّاحِرُ الَّذِي يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ) لِمَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. فَسَمَّاهُ حَدًّا وَالْحَدُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى إخْلَاصِهِ فِي تَوْبَتِهِ لِأَنَّهُ يُضْمِرُ السِّحْرَ

стр. 2901

وَلَا يَجْهَرُ بِهِ فَيَكُونَ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ وَالتَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْ الْقَتْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ (وَيُقْتَلُونَ بِكُلِّ حَالٍ) لِأَنَّ عَلِيًّا: " أُتِيَ بِزَنَادِقَةٍ فَسَأَلَهُمْ فَجَحَدُوا فَقَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ فَقَتَلَهُمْ وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ (وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَمَنْ صَدَقَ مِنْهُمْ فِي تَوْبَتِهِ قُبِلَتْ بَاطِنًا) وَنَفَعَهُ ذَلِكَ (وَمَنْ أَظْهَرَ الْخَيْرَ وَأَبْطَنَ الْفِسْقَ وَ) هُوَ (كَالزِّنْدِيقِ فِي تَوْبَتِهِ) فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إظْهَارِ الْخَيْرِ. (وَمَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ) مِنْ الْبِدَعِ (قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَوْ) كَانَ (دَاعِيَةً) إلَى بِدْعَتِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ. (وَتُقْبَلُ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ) لِعُمُومِ حَدِيثِ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (فَلَوْ اُقْتُصَّ مِنْهُ أَوْ عُفِيَ عَنْهُ) مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ وَلَيِّ الْجِنَايَةِ (فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْمَقْتُولُ فِي الْآخِرَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَتْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ: حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِلْمَقْتُولِ وَحَقٌّ لِلْوَلِيِّ) أَيْ الْوَارِث لِلْمَقْتُولِ (فَإِذَا أَسْلَمَ الْقَاتِلُ نَفْسَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا إلَى الْوَلِيِّ نَدَمًا عَلَى مَا فَعَلَ وَخَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَتَوْبَةٍ نَصُوحًا سَقَطَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ وَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ الصُّلْحِ أَوْ الْعَفْوِ) عَنْهُ (وَبَقِيَ حَقُّ الْمَقْتُولِ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ وَيُصْلِحُ بَيْنَهُ) أَيْ الْقَاتِلِ التَّائِبِ (وَبَيْنَهُ) أَيْ الْمَقْتُولِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَقَبُولُ التَّوْبَةِ فَضْلُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ رَدُّهَا وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ قَبُولُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَسَبَقَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ: إنَّهُ لَا يَجِبُ وَيَجُوزُ رَدُّهَا وَتَوْبَةُ غَيْرِهِ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَلَمْ أَجِدْ الْمَسْأَلَةَ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ فِيهَا خِلَافًا لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْقَطْعِ وَالظَّنِّ وَاخْتِيَارِ أَبِي الْمَعَالِي الظَّنَّ وَأَنَّهُ أَصَحُّ. [فَصْلُ وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ] ِّ) إسْلَامُهُ (وَ) تَوْبَةُ (كُلُّ كَافِرٍ مُوَحِّدًا كَانَ) أَيْ مُقِرًّا لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ (كَالْيَهُودِيِّ أَوْ غَيْرِ مُوَحِّدٍ كَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ إسْلَامُهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا

стр. 2902

ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ: وَلَا يُفْتَقَرُ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَقُولَ الدَّاخِلُ فِيهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بَلْ لَوْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كَانَ مُسْلِمًا بِاتِّفَاقٍ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فَإِذَا تَكَلَّمُوا بِقَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُمْ الْعِصْمَةُ وَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِلَفْظِ أَشْهَدُ (وَلَا يَكْشِفُ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَجْحَدُ الْوَحْدَانِيَّةَ أَوْ رِسَالَةَ النَّبِيِّ ﷺ (وَلَا يُكَلَّفُ الْإِقْرَارَ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ) أَيْ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مِنْ الرِّدَّةِ لِصِحَّةِ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ مُسْلِمٍ وَمُرْتَدٍّ بِخِلَافِ تَوْبَتِهِ مِنْ بِدْعَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِرَافِهِ بِالْبِدْعَةِ (وَلَا يُشْتَرَطُ إقْرَارُهُ بِمَا جَحَدَهُ) مِنْ الرِّدَّةِ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ (وَيَكْفِي) فِي التَّوْبَةِ (جَحْدُهُ لِرِدَّتِهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهَا) كَرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِ بِحَدٍّ وَ (لَا) يَكْفِي جُحُودُهُ لِرِدَّتِهِ (بَعْدَ بَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِهَا (بَلْ يُجَدِّدُ إسْلَامَهُ) بِإِتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ جَحْدَ الرِّدَّةِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. (وَلَا يُعَزَّرُ) مَنْ جَحَدَ الرِّدَّةَ بَعْد أَنْ شَهِدَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ وَتَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ يُجَدِّدُ إسْلَامَهُ (اُسْتُتِيبَ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ (فَإِنْ تَابَ) تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ (قُتِلَ) لِرِدَّتِهِ. (لَكِنْ إنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (بِإِنْكَارِ فَرْضٍ أَوْ إحْلَالِ مُحَرَّمٍ أَوْ جَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ) جَحْدِ (كِتَابٍ أَوْ) جَحْدِ (شَيْءٍ مِنْهُ أَوْ) كَانَتْ رِدَّتُهُ (إلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةٍ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ) إذَا كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ (يَشْهَدَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا) ﷺ (بُعِثَ إلَى الْعَالَمِينَ) أَيْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَلَائِكَةِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ كَلِمَةَ الشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ إقْرَارِهِ بِمَا جَحَدَهُ (أَوْ يَقُول: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ) وَلَا يُكْتَفَى مِنْهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِمَا مَا يَعْتَقِدُهُ (وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ: مُحَمَّدُ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) لِأَنَّهُ مَنْ جَحَدَ شَيْئَيْنِ لَا يَزُولُ جَحْدُهُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِهِمَا جَمِيعًا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّه

стр. 2903

احْتِمَالُ يَكْفِي التَّوْجِيهُ مِمَّنْ لَا يُقِرُّ بِهِ. (وَإِنْ قَالَ الْكَافِرُ: أَشْهَد أَنَّ النَّبِيَّ رَسُولُ) اللَّهِ (لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ نَبِيِّنَا) مُحَمَّدٍ ﷺ . (وَقَوْلُهُ) أَيْ الْكَافِرِ (أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ) قَوْلُهُ (أَسْلَمْتُ أَوْ) قَوْلُهُ (أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ تَوْبَةً أَصْلِيًّا كَانَ) الْكَافِرُ (أَوْ مُرْتَدًّا) وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ (قَدْ عُلِمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالشَّهَادَتَيْنِ) لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ لَقِيتُ كَالْكُفَّارِ يُقَاتِلُنِي فَضَرَبَ أَحَدٌ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قَالَهَا؟ قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِهِ فَقَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: احْتِمَالًا لِأَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ أَوْ جَاحِدِ الْوَحْدَانِيَّةِ أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِهَذَا لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ. (وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ) فِي مُفْرَدَاتِهِ (لَا خِلَافَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ وَلَا أَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ) . وَفِي الِانْتِصَارِ (لَوْ كَتَبَ الشَّهَادَةَ) أَيْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (صَارَ مُسْلِمًا) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْخَطَّ كَاللَّفْظِ فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ صَارَ مُرْتَدًّا وَمُجْبَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ نَصَّ عَلَيْهِ. (وَلَوْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ أَوْ) أُكْرِهَ (مُسْتَأْمَنٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ (لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ) فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِسْلَامِ بِهِ طَوْعًا مِثْلَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ مِنْ حِينِ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ وَثُبُوتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ (فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ) فِي أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثهُ أَقَارِبُهُ الْمُسْلِمُونَ (وَإِنْ رَجَعَ) الذِّمِّيُّ أَوْ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ إكْرَاهِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ (إلَى الْكُفْرِ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَدٍّ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً (بِخِلَافِ حَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إكْرَاهُهُمَا عَلَيْهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ (وَيَصِحُّ) إسْلَامُهُ (ظَاهِرًا) لِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» خَصَّ مِنْهُ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ وَالْمَجُوس إذَا أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ وَالْمُسْتَأْمَنُ لِأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ (فَإِنْ مَاتَ) الْحَرْبِيُّ أَوْ الْمُرْتَدُّ (قَبْلَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ) عَنْهُ (فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ) لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ (وَفِي الْبَاطِنِ إنْ لَمْ

стр. 2904

يَعْتَقِدْ) الْحَرْبِيُّ أَوْ الْمُرْتَدُّ (الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ بَاطِنًا وَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا عُلِمَ مَجِيءٌ الرَّسُولِ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ. (وَإِنْ أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ صَارَ مُرْتَدًّا وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ نَصًّا) لِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ كَمَا لَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ. (وَإِذَا صَلَّى) الْكَافِرُ (أَوْ أَذَّنَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا) وَسَوَاءٌ صَلَّى (جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ وَلَا يَثْبُتُ) الْإِسْلَامُ (بِالصَّلَاةِ حَتَّى تَأْتِيَ بِصَلَاةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْكُفَّارِ مِنْ اسْتِقْبَالِ قِبْلَتِنَا وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ) لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي صَلَاتِهِمْ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُوَضَّحًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. (وَإِنْ صَامَ) كَافِرٌ (أَوْ زَكَّى أَوْ حَجَّ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَحُجُّونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَنَعَهُمْ وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ وَهُمْ يَتَصَدَّقُونَ وَلِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صِيَامٌ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ تَتَمَيَّزُ عَنْ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ وَيَخْتَصُّ بِهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ (فَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْد رِدَّتِهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ وَوَرِثَهُ الْمُسْلِمُ) مِنْ وَرَثَتِهِ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ بِصَلَاتِهِ (إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ صَلَاتِهِ أَوْ تَكُونُ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ) مِنْ الْمَلَائِكَةِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ فَلَا يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَيَفْعَلُهَا مَعَ كُفْرِهِ. (وَلَا يَبْطُلُ إحْصَانُ مُرْتَدٍّ بِرِدَّةٍ) أَيْ إذَا كَانَ مُحْصَنًا وَارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ إحْصَانُهُ بِرِدَّتِهِ (فَإِنْ أَتَى بِهِمَا) بِأَنْ زَنَى وَقَذَفَ (بَعْدَ إسْلَامِهِ حُدَّ) لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ وَكَذَا لَوْ قُذِفَ بَعْدَ إسْلَامِهِ حُدَّ قَاذِفُهُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِحْصَانِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (وَيُؤَاخَذُ بِحَدٍّ فَعَلَهُ فِي رِدَّتِهِ نَصًّا) كَمَا لَوْ زَنَى فِي رِدَّتِهِ ثُمَّ تَابَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِلزِّنَا كَمَا يُؤَاخَذُ بِحَدٍّ فَعَلَهُ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ رِدَّتِهِ (فَمَتَى زَنَى) وَهُوَ مُحْصِنٌ (رُجِمَ وَلَا تَبْطُلُ عِبَادَاتُهُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي إسْلَامِهِ مِنْ صَلَاةٍ وَحَجٍّ وَغَيْرِهِمَا إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا فَلَا تَعُدْ إلَى ذِمَّتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ. [فَصْلُ وَمَنْ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ] ُ) لِأَنَّ الرِّدَّةَ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَهُ فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ بِهَا كَزِنَا الْمُحْصَنِ وَلِأَنَّ زَوَالَ الْعِصْمَةِ

стр. 2905

لَا يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْمِلْكِ كَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارِبَةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ (وَيَمْلِكُ) الْمُرْتَدُّ (بِأَسْبَابِ التَّمْلِيكِ كَالصَّيْدِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاتِّهَابِ وَالشِّرَاءِ وَإِيجَارِ نَفْسِهِ إجَارَةً خَاصَّةً) بِأَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَنَحْوَهَا (أَوْ) إجَارَةً (مُشْتَرَكَةً) بِأَنْ يُؤَجَّرَ لِخَيَّاطَةٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ عَدَمَ عِصْمَتِهِ لَا يُنَافِي صِحَّةَ ذَلِكَ كَالْحَرْبِيِّ (وَلَا يَرِث) الْمُرْتَدُّ أَحَدًا بِقَرَابَةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِمُبَايِنَتِهِ لِدِينِ مُوَرِّثِهِ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ (وَلَا يُورَثُ) عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا اكْتَسَبَهُ حَالَ الْإِسْلَامِ أَوْ الرِّدَّةِ بَلْ يَكُونُ فَيْئًا (وَيَكُون مِلْكُهُ مَوْقُوفًا) فَإِنْ أَسْلَمَ ثَبَتَ مِلْكُهُ وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا (وَيُمْنَعُ) الْمُرْتَدُّ (مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ) أَيْ فِي مَالِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ كَمَالِ الْمُفْلِسِ وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ يُتْرَكُ عِنْدَ ثِقَةٍ. (وَ) يُمْنَعُ أَيْضًا (مِنْ وَطْءِ إمَائِهِ إلَى أَنْ يُسْلِمَ) فَيُمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّف فِي مَالِهِ وَوَطْءِ إمَائِهِ (فَإِذَا أَسْلَمَ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالَهُ) لِحَدِيثِ «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ» (وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ) أَيْ بِإِسْلَامِهِ (حَاكِمٌ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ (وَيُنْفَقُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةً) لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ (وَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ مَا كَانَ مِنْهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ كَمَا قَبْلِهَا) لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا (فَإِنْ أَسْلَمَ) الْمُرْتَدُّ (أَخَذَهُ) أَيْ مَالَهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا (أَوْ) أَخَذَ (بَقِيَّتَهُ) أَيْ مَا فَضَلَ بَعْدَ النَّفَقَاتِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ (وَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ) الَّذِي كَانَ يُصَرِّفُهُ فِي رِدَّتِهِ فِي مَالِهِ. (وَيَضْمَنُ) الْمُرْتَدُّ (مَا أَتْلَفَهُ لِغَيْرِهِ) مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (وَلَوْ فِي دَارِ حَرْبٍ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَأَنْ يُوجِبَهُ الْمُرْتَدُّ أَوْلَى (وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتْلِفُ وَاحِدًا) مُرْتَدًّا (أَوْ جَمَاعَةً) مُرْتَدِّينَ وَسَوَاءٌ (صَارَ لَهُمْ مَنَعَةً أَوْلَى) أَوْ لَمْ يَصِرْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقُوَّةٌ لِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَأَشْبَهُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ. (وَإِنْ تَزَوَّجَ) الْمُرْتَدُّ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى وَقْفِهِ النِّكَاحَ كَنِكَاحِ الْكَافِرِ مُسْلِمَةً (أَوْ زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ) مِنْ نَسَبٍ وَوَلَاءٍ (أَوْ) زَوَّجَ (أَمَتَهُ لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا وَلِزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالرِّدَّةِ. (وَإِنْ مَاتَ) الْمُرْتَدُّ (أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا) لِلرِّدَّةِ أَوْ غَيْرِهَا (صَارَ مَالُهُ فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ) لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ (وَبَطَلَ تَصَرُّفُهُ) الَّذِي كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي رِدَّتِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِقَطْعِ ثَوَابِهِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ. (وَإِنْ لَحِقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ فَهُوَ وَمَا مَعَهُ كَحَرْبِيٍّ لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ وَأَخْذُ مَا مَعَهُ) مِنْ مَالٍ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا (وَمَا بِدَارِنَا مِنْ أَمْلَاكِهِ فَمُلْكُهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَصِيرُ فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ)

стр. 2906

لِكَوْنِهِ لَا وَارِثَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَحِقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ تَعَذَّرَ قَتْلُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً فَعَلَ الْحَاكِمُ) فِي مَالِهِ (مَا يَرَى فِيهِ الْأَحَظَّ مِنْ بَيْعِ حَيَوَانِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَتِهِ وَإِجَارَةِ مَا يَرَى إبْقَاءَهُ) مِنْ مَالِهِ لِوِلَايَتِهِ الْعَامَّةِ (وَمُكَاتِبُهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَاكِمِ وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ) كَمَا لَوْ أَدَّى إلَيْهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ. (وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمَا) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانُوا أَسْلَمُوا وَلَا تَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ الرِّدَّةِ وَقَوْلُ عَلِيٍّ بِسَبْيِ الْمُرْتَدِّ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ (وَلَا اسْتِرْقَاقُ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا) أَيْ حُمِلَ بِهِمْ (فِي الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِمْ قَبْلَ الرِّدَّةِ يَتْبَعُونَهُمْ فِيهَا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَقَدْ تَبِعُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يَتْبَعُوهُمْ فِي الرِّدَّةِ (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا أَوْ حُمِلَ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ (قُتِلَ) بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ لِخَبَرِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . (وَلَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ وَجَرَى فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ (حُكْمُهُمْ) أَيْ الْمُرْتَدِّينَ (فَدَارُ حَرْبٍ) أَيْ صَارُوا حَرْبِيِّينَ (يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ وَيُغْنَمُ مَالُهُمْ وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ) حَدَثَ الْحَمْلُ بِهِ (وَوُلِدَ بَعْدَ الرِّدَّةِ وَإِقْرَارِهِ بِجِزْيَةٍ) فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِالْقِتَالِ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ وَإِذَا قَاتَلَهُمْ جَازَ قَتْلُ مَنْ يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ قُلْتُ إقْرَارُ مَنْ حَدَثَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ عَلَى جِزْيَةٍ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ عَلَى دِينِ مَنْ يُقِرَّ بِهَا كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَإِلَّا لَمْ يُقَرَّ كَمَا فِي الدُّرُوزِ وَالتَّيَامِنَةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ. (وَلَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ رِقٌّ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَامَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَمَنْ وُلِدَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّينَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ كَانَ حَمْلًا وَقْتُهَا) أَيْ الرِّدَّةِ (فَمَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَا فِي الرِّدَّةِ (وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ صِغَارًا) لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ (وَلَا كِبَارًا) لِأَنَّهُمْ إنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ بَعْدَ كِبَرِهِمْ فَهُمْ مُسْلِمُونَ وَإِنْ كَفَرُوا فَهُمْ مُرْتَدُّونَ (وَبَعْدَ الْبُلُوغِ) إذَا ثَبَتُوا عَلَى الْكُفْرِ (فَيُسْتَتَابُونَ كَآبَائِهِمْ) فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا (وَلَا يُقَرُّ مُرْتَدٌّ بِجِزْيَةٍ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَتْلُهُ لِخَبَرِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . (وَإِذَا مَاتَ أَبُو الطِّفْلِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الْمُمَيِّزِ أَوْ) مَاتَ (أَحَدُهُمَا فِي دَارِنَا عَلَى كُفْرِهِ لَا) إنْ مَاتَ (جَدُّهُ وَجَدَّتُهُ فَمُسْلِمٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ

стр. 2907

فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهِمَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبِمَوْتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ (وَيُقْسَمُ لَهُ) أَيْ الطِّفْلِ الْمُمَيِّزِ (الْمِيرَاثُ) مِنْ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ أَوْ أُمِّهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا وَقْتَ الْمَوْتِ وَأَمَّا الْحَمْلُ فَلَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ (وَكَذَا لَوْ عُدِمَ الْأَبَوَانِ أَوْ) عُدِمَ (أَحَدُهُمَا بِلَا مَوْتٍ كَزِنَا ذِمِّيَّةٍ وَلَوْ بِكَافِرٍ) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (أَوْ اشْتِبَاهُ وَلَدٍ مُسْلِمٍ بِوَلَدٍ كَافِرٍ نَصًّا) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ. (قَالَ الْقَاضِي أَوْ وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إذَا سُبِيَ الطِّفْلُ) يَتْبَعُ سَابِيهِ لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِأَبَوَيْهِ حَيْثُ سُبِيَ مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا. (وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ نَصًّا وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَكْلِيفَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ) فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ وَقَالَ أَيْضًا أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ فِيهِمْ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ لَا بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ (وَمِثْلُهُمْ) أَيْ مِثْلُ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ (مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَبِمَوْتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا بِدَارِنَا بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ (وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمُ أَصَمُّ وَصَارَ رَجُلًا هُوَ مَعَ أَبَوَيْهِ نَصًّا، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا بَعْدَ مَا صَارَ رَجُلًا قَالَ هُوَ مَعَهُمَا) وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُمَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ. (وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُرْتَدُّ لِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ صَحَّ) تَصَرُّفُهُ فَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالرِّدَّةِ إلَّا فِيمَا يُنَافِيهَا كَالنِّكَاحِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ. (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي رِدَّتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَكَالْحَرْبِيِّ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَأْمُرْ الْمُرْتَدِّينَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمْ (وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ حَالَ إسْلَامِهِ. (وَإِنْ قَتَلَ) الْمُرْتَدُّ (مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) كَالْمُسْلِمِ وَأَوْلَى (وَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ) كَالْمُسْلِمِ (فَإِنْ اخْتَارَ) الْوَلِيُّ (الْقِصَاصَ قُدِّمَ) الْقِصَاصُ (عَلَى قَتْلِ الرِّدَّةِ تَقَدَّمَتْ الرِّدَّةُ أَوْ تَأَخَّرَتْ) لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٍّ جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ (وَإِنْ عَفَا)

стр. 2908

الْوَلِيُّ (عَلَى مَالٍ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) أَيْ الْمُرْتَدِّ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ) الْقَتْلُ (خَطَأً وَجَبَتْ) الدِّيَةُ (أَيْضًا فِي مَالِهِ) وَكَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ. (قَالَ الْقَاضِي تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) كَمَا كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَتِهِ (فَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ) مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ قُلْتُ فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُقْتَلْ أَوْ يَمُتْ. (وَتَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ) وَهِيَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ كَقَتْلِ الْقِصَاصِ. [فَصْلُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ] (فَصْلُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ) عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ، وَلَا يُجِيبُ (وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ) بِأَنْ كَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى مَوْتِهِ (وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ وَأَجَابَ) بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ (ظَاهِرًا لَمْ يَصِرْ كَافِرًا إذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (وَمَتَى زَالَ الْإِكْرَاهُ أُمِرَ بِإِظْهَارِ إسْلَامِهِ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ (فَإِنْ أَظْهَرَهُ) فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إسْلَامِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ (حُكِمَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ) أَيْ بِالْكُفْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ، بَلْ اخْتِيَارًا (وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَكَانَ مَحْبُوسًا أَوْ مُقَيَّدًا عِنْدَ الْكُفَّارِ فِي حَالَةِ خَوْفٍ لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ) لِعَدَمِ طَوَاعِيَتِهِ. (وَإِنْ شَهِدَتْ) الْبَيِّنَةُ (أَنَّهُ كَانَ آمِنًا فِي حَالِ نُطْقِهِ) بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ (حُكِمَ بِرِدَّتِهِ) لِإِتْيَانِهِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُخْتَارًا،. وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَفَرَ فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ قَرِينَتِهِ فَقَطْ، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ قُبِلَ مُطْلَقًا لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ. (وَإِنْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (رُجُوعَهُ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِتَشْهَدَ بِرُجُوعِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمه. (وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ) بَيِّنَةٌ (بِأَكْلِ لَحْمِ خِنْزِيرٍ لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْلِهِ اسْتِحْلَالُهُ (فَإِنْ قَالَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ أَوْ أَقَرَّ) بَعْضُ وَرَثَتِهِ (بِرِدَّتِهِ حَرُمَ مِيرَاثُهُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَيُدْفَعُ إلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ) مِنْ وَرَثَتِهِ (قَدْرُ مِيرَاثِهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ وَ)

стр. 2909

يُدْفَعُ (الْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الضَّائِعِ لِعَدَمِ مَنْ يَدَّعِيهِ (فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونُ دُفِعَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ وَنَصِيبُ الْمُقِرِّ بِرِدَّةِ الْمُوَرِّثِ) لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ رِدَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي. [فَصْل وَيَحْرُمُ تَعَلَّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ] (فَصْلُ وَيَحْرُمُ تَعَلَّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى (وَهُوَ) أَيْ السِّحْرُ (عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ أَوْ يَكْتُبُهُ أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ، وَلَهُ حَقِيقَةٌ، فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ وَ) مِنْهُ (مَا يُمْرِضُ وَ) مِنْهُ (مَا يَأْخُذُ الرَّجُلَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَيَمْنَعُهُ وَطْأَهَا أَوْ يَعْقِدُ الْمُتَزَوِّجَ فَلَا يُطِيقُ وَطْأَهَا وَمَا كَانَ مِثْلُ فِعْلِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ حِينَ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مُشْطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَمِيمٌ تَكْسِرُهَا (وَمُشَاطَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ مَا يَسْقُطُ مِنْ الشَّعْرِ عِنْد مَشْطِهِ رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ» (أَوْ يَسْحَرُهُ حَتَّى يَهِيمَ مَعَ الْوَحْشِ وَمِنْهُ) أَيْ السِّحْرِ (مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا يُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَيُحَبِّبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ) زَوْجَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]- إلَى قَوْله - ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] أَيْ السَّوَاحِرِ اللَّاتِي يَعْقِدْنَ فِي سِحْرِهِنَّ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً لَمَا أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ (وَيَكْفُرُ) السَّاحِرُ (بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمُهُ أَوْ إبَاحَتَهُ كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْحِمَارَ مِنْ مِكْنَسَةٍ وَغَيْرِهَا فَتَسِيرُ) بِهِ (فِي الْهَوَاءِ أَوْ يَدَّعِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]

стр. 2910

(وَيُقْتَلُ) السَّاحِرُ (إنْ كَانَ مُسْلِمًا) بِالسَّيْفِ لِمَا رَوَى جُنْدُبُ مَرْفُوعًا قَالَ «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ وَقَالَ الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفٌ. وَعَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدٍ " قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِلْجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَتَانَا كِتَابُ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ أَنْ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ. وَفِي رِوَايَةِ «فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا» رَوَاهُ مَالِكٌ وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ (وَكَذَا مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ) أَيْ السِّحْرِ (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فَيُقْتَلُ كُفْرًا لِأَنَّهُ أَحَلَّ حَرَامًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ. (وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ ذِمِّيٌّ) لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَلِأَنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَالْأَخْبَارُ وَرَدَتْ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ وَهَذَا كَافِرٌ أَصْلِيٌّ (إلَّا أَنْ يَقْتُلَ) السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ (بِهِ) أَيْ بِسِحْرِهِ (وَيَكُونُ) سِحْرُهُ (مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ) إذَا قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ كَمَا لَوْ قَتَلَ بِغَيْرِهِ. (فَأَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيِ شَيْءٍ لَا يَضُرُّ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ السَّاحِرِينَ الْكَافِرِينَ بِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فَيَخْتَصُّ الْكُفْرُ بِهِمْ وَيَبْقَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ السَّحَرَةِ عَلَى أَصْلِ الْعِصْمَةِ (وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ) لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً (إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِفِعْلِهِ) ذَلِكَ وَيَكُونُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَيُقْتَصُّ مِنْهُ) إذَا قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَ) اللَّازِمُ (الدِّيَةُ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ) :. (وَأَمَّا الَّذِي يُعَزِّمُ عَلَى الْجِنِّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعهُ فَلَا يَكْفُرُ) بِذَلِكَ (وَلَا يُقْتَلُ) بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَى قَتْلِهِ بِالسِّحْرِ (وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً (وَكَذَا الْكَاهِنُ وَالْعَرَّافُ، وَالْكَاهِنُ الَّذِي لَهُ رَئِيٌّ مِنْ الْجِنِّ يَأْتِيهِ بِأَخْبَارِ وَالْعَرَّافُ الَّذِي يَحْدُسُ وَيَتَخَرَّصُ كَالْمُنَجِّمِ) وَهُوَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْحَوَادِثِ. (وَلَوْ أَوْهَمَ قَوْمًا طَرِيقَتُهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ وَقَالَ الشَّيْخُ: التَّنْجِيمُ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ مِنْ السِّحْرِ قَالَ) الشَّيْخُ (وَيَحْرُمُ إجْمَاعًا) وَأَقَرَّ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ بِبَرَكَتِهِ مَا زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تُوجِبُهُ، وَأَنَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الدَّارَيْنِ مَا لَا تَقْوَى الْأَفْلَاكُ أَنْ تَجْلِبَهُ (وَالْمُتَعَبِّدُ وَالْقَائِلُ بِزَجْرِ طَيْرٍ وَالضَّارِبِ بِحَصًى
следующие страницы →