Полный текст (3 210 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
لِكَوْنِهِ لَا وَارِثَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَحِقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ تَعَذَّرَ قَتْلُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً فَعَلَ الْحَاكِمُ) فِي مَالِهِ (مَا يَرَى فِيهِ الْأَحَظَّ مِنْ بَيْعِ حَيَوَانِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَتِهِ وَإِجَارَةِ مَا يَرَى إبْقَاءَهُ) مِنْ مَالِهِ لِوِلَايَتِهِ الْعَامَّةِ (وَمُكَاتِبُهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَاكِمِ وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ) كَمَا لَوْ أَدَّى إلَيْهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ.
(وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمَا) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانُوا أَسْلَمُوا وَلَا تَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ الرِّدَّةِ وَقَوْلُ عَلِيٍّ بِسَبْيِ الْمُرْتَدِّ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ (وَلَا اسْتِرْقَاقُ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا) أَيْ حُمِلَ بِهِمْ (فِي الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِمْ قَبْلَ الرِّدَّةِ يَتْبَعُونَهُمْ فِيهَا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَقَدْ تَبِعُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يَتْبَعُوهُمْ فِي الرِّدَّةِ (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا أَوْ حُمِلَ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ (قُتِلَ) بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ لِخَبَرِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
(وَلَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ وَجَرَى فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ (حُكْمُهُمْ) أَيْ الْمُرْتَدِّينَ (فَدَارُ حَرْبٍ) أَيْ صَارُوا حَرْبِيِّينَ (يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ وَيُغْنَمُ مَالُهُمْ وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ) حَدَثَ الْحَمْلُ بِهِ (وَوُلِدَ بَعْدَ الرِّدَّةِ وَإِقْرَارِهِ بِجِزْيَةٍ) فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِالْقِتَالِ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ وَإِذَا قَاتَلَهُمْ جَازَ قَتْلُ مَنْ يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ قُلْتُ إقْرَارُ مَنْ حَدَثَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ عَلَى جِزْيَةٍ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ عَلَى دِينِ مَنْ يُقِرَّ بِهَا كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَإِلَّا لَمْ يُقَرَّ كَمَا فِي الدُّرُوزِ وَالتَّيَامِنَةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ.
(وَلَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ رِقٌّ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَامَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَمَنْ وُلِدَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّينَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ كَانَ حَمْلًا وَقْتُهَا) أَيْ الرِّدَّةِ (فَمَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَا فِي الرِّدَّةِ (وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ صِغَارًا) لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ (وَلَا كِبَارًا) لِأَنَّهُمْ إنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ بَعْدَ كِبَرِهِمْ فَهُمْ مُسْلِمُونَ وَإِنْ كَفَرُوا فَهُمْ مُرْتَدُّونَ (وَبَعْدَ الْبُلُوغِ) إذَا ثَبَتُوا عَلَى الْكُفْرِ (فَيُسْتَتَابُونَ كَآبَائِهِمْ) فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا (وَلَا يُقَرُّ مُرْتَدٌّ بِجِزْيَةٍ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَتْلُهُ لِخَبَرِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
(وَإِذَا مَاتَ أَبُو الطِّفْلِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الْمُمَيِّزِ أَوْ) مَاتَ (أَحَدُهُمَا فِي دَارِنَا عَلَى كُفْرِهِ لَا) إنْ مَاتَ (جَدُّهُ وَجَدَّتُهُ فَمُسْلِمٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ
стр. 2907
فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهِمَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبِمَوْتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ (وَيُقْسَمُ لَهُ) أَيْ الطِّفْلِ الْمُمَيِّزِ (الْمِيرَاثُ) مِنْ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ أَوْ أُمِّهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا وَقْتَ الْمَوْتِ وَأَمَّا الْحَمْلُ فَلَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ (وَكَذَا لَوْ عُدِمَ الْأَبَوَانِ أَوْ) عُدِمَ (أَحَدُهُمَا بِلَا مَوْتٍ كَزِنَا ذِمِّيَّةٍ وَلَوْ بِكَافِرٍ) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (أَوْ اشْتِبَاهُ وَلَدٍ مُسْلِمٍ بِوَلَدٍ كَافِرٍ نَصًّا) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
(قَالَ الْقَاضِي أَوْ وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إذَا سُبِيَ الطِّفْلُ) يَتْبَعُ سَابِيهِ لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِأَبَوَيْهِ حَيْثُ سُبِيَ مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا.
(وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ نَصًّا وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَكْلِيفَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ) فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ وَقَالَ أَيْضًا أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ فِيهِمْ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ لَا بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ (وَمِثْلُهُمْ) أَيْ مِثْلُ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ (مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَبِمَوْتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا بِدَارِنَا بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ (وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمُ أَصَمُّ وَصَارَ رَجُلًا هُوَ مَعَ أَبَوَيْهِ نَصًّا، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا بَعْدَ مَا صَارَ رَجُلًا قَالَ هُوَ مَعَهُمَا) وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُمَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُرْتَدُّ لِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ صَحَّ) تَصَرُّفُهُ فَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالرِّدَّةِ إلَّا فِيمَا يُنَافِيهَا كَالنِّكَاحِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي رِدَّتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَكَالْحَرْبِيِّ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَأْمُرْ الْمُرْتَدِّينَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمْ (وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ حَالَ إسْلَامِهِ.
(وَإِنْ قَتَلَ) الْمُرْتَدُّ (مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) كَالْمُسْلِمِ وَأَوْلَى (وَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ) كَالْمُسْلِمِ (فَإِنْ اخْتَارَ) الْوَلِيُّ (الْقِصَاصَ قُدِّمَ) الْقِصَاصُ (عَلَى قَتْلِ الرِّدَّةِ تَقَدَّمَتْ الرِّدَّةُ أَوْ تَأَخَّرَتْ) لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٍّ جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ (وَإِنْ عَفَا)
стр. 2908
الْوَلِيُّ (عَلَى مَالٍ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) أَيْ الْمُرْتَدِّ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ) الْقَتْلُ (خَطَأً وَجَبَتْ) الدِّيَةُ (أَيْضًا فِي مَالِهِ) وَكَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ.
(قَالَ الْقَاضِي تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) كَمَا كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَتِهِ (فَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ) مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ قُلْتُ فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُقْتَلْ أَوْ يَمُتْ.
(وَتَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ) وَهِيَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ كَقَتْلِ الْقِصَاصِ.
[فَصْلُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ]
(فَصْلُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ) عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ، وَلَا يُجِيبُ (وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ) بِأَنْ كَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى مَوْتِهِ (وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ وَأَجَابَ) بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ (ظَاهِرًا لَمْ يَصِرْ كَافِرًا إذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (وَمَتَى زَالَ الْإِكْرَاهُ أُمِرَ بِإِظْهَارِ إسْلَامِهِ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ (فَإِنْ أَظْهَرَهُ) فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إسْلَامِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ (حُكِمَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ) أَيْ بِالْكُفْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ، بَلْ اخْتِيَارًا (وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَكَانَ مَحْبُوسًا أَوْ مُقَيَّدًا عِنْدَ الْكُفَّارِ فِي حَالَةِ خَوْفٍ لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ) لِعَدَمِ طَوَاعِيَتِهِ.
(وَإِنْ شَهِدَتْ) الْبَيِّنَةُ (أَنَّهُ كَانَ آمِنًا فِي حَالِ نُطْقِهِ) بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ (حُكِمَ بِرِدَّتِهِ) لِإِتْيَانِهِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُخْتَارًا،.
وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَفَرَ فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ قَرِينَتِهِ فَقَطْ، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ قُبِلَ مُطْلَقًا لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ.
(وَإِنْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (رُجُوعَهُ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِتَشْهَدَ بِرُجُوعِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمه.
(وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ) بَيِّنَةٌ (بِأَكْلِ لَحْمِ خِنْزِيرٍ لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْلِهِ اسْتِحْلَالُهُ (فَإِنْ قَالَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ أَوْ أَقَرَّ) بَعْضُ وَرَثَتِهِ (بِرِدَّتِهِ حَرُمَ مِيرَاثُهُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَيُدْفَعُ إلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ) مِنْ وَرَثَتِهِ (قَدْرُ مِيرَاثِهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ وَ)
стр. 2909
يُدْفَعُ (الْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الضَّائِعِ لِعَدَمِ مَنْ يَدَّعِيهِ (فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونُ دُفِعَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ وَنَصِيبُ الْمُقِرِّ بِرِدَّةِ الْمُوَرِّثِ) لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ رِدَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
[فَصْل وَيَحْرُمُ تَعَلَّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ]
(فَصْلُ وَيَحْرُمُ تَعَلَّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى (وَهُوَ) أَيْ السِّحْرُ (عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ أَوْ يَكْتُبُهُ أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ، وَلَهُ حَقِيقَةٌ، فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ وَ) مِنْهُ (مَا يُمْرِضُ وَ) مِنْهُ (مَا يَأْخُذُ الرَّجُلَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَيَمْنَعُهُ وَطْأَهَا أَوْ يَعْقِدُ الْمُتَزَوِّجَ فَلَا يُطِيقُ وَطْأَهَا وَمَا كَانَ مِثْلُ فِعْلِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ حِينَ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مُشْطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَمِيمٌ تَكْسِرُهَا (وَمُشَاطَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ مَا يَسْقُطُ مِنْ الشَّعْرِ عِنْد مَشْطِهِ رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ» (أَوْ يَسْحَرُهُ حَتَّى يَهِيمَ مَعَ الْوَحْشِ وَمِنْهُ) أَيْ السِّحْرِ (مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا يُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَيُحَبِّبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ) زَوْجَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]- إلَى قَوْله - ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] أَيْ السَّوَاحِرِ اللَّاتِي يَعْقِدْنَ فِي سِحْرِهِنَّ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً لَمَا أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ (وَيَكْفُرُ) السَّاحِرُ (بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمُهُ أَوْ إبَاحَتَهُ كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْحِمَارَ مِنْ مِكْنَسَةٍ وَغَيْرِهَا فَتَسِيرُ) بِهِ (فِي الْهَوَاءِ أَوْ يَدَّعِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]
стр. 2910
(وَيُقْتَلُ) السَّاحِرُ (إنْ كَانَ مُسْلِمًا) بِالسَّيْفِ لِمَا رَوَى جُنْدُبُ مَرْفُوعًا قَالَ «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ وَقَالَ الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفٌ.
وَعَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدٍ " قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِلْجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَتَانَا كِتَابُ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ أَنْ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ.
وَفِي رِوَايَةِ «فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا» رَوَاهُ مَالِكٌ وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ (وَكَذَا مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ) أَيْ السِّحْرِ (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فَيُقْتَلُ كُفْرًا لِأَنَّهُ أَحَلَّ حَرَامًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ.
(وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ ذِمِّيٌّ) لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَلِأَنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَالْأَخْبَارُ وَرَدَتْ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ وَهَذَا كَافِرٌ أَصْلِيٌّ (إلَّا أَنْ يَقْتُلَ) السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ (بِهِ) أَيْ بِسِحْرِهِ (وَيَكُونُ) سِحْرُهُ (مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ) إذَا قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ كَمَا لَوْ قَتَلَ بِغَيْرِهِ.
(فَأَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيِ شَيْءٍ لَا يَضُرُّ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ السَّاحِرِينَ الْكَافِرِينَ بِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فَيَخْتَصُّ الْكُفْرُ بِهِمْ وَيَبْقَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ السَّحَرَةِ عَلَى أَصْلِ الْعِصْمَةِ (وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ) لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً (إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِفِعْلِهِ) ذَلِكَ وَيَكُونُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَيُقْتَصُّ مِنْهُ) إذَا قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَ) اللَّازِمُ (الدِّيَةُ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ) :.
(وَأَمَّا الَّذِي يُعَزِّمُ عَلَى الْجِنِّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعهُ فَلَا يَكْفُرُ) بِذَلِكَ (وَلَا يُقْتَلُ) بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَى قَتْلِهِ بِالسِّحْرِ (وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ) لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً (وَكَذَا الْكَاهِنُ وَالْعَرَّافُ، وَالْكَاهِنُ الَّذِي لَهُ رَئِيٌّ مِنْ الْجِنِّ يَأْتِيهِ بِأَخْبَارِ وَالْعَرَّافُ الَّذِي يَحْدُسُ وَيَتَخَرَّصُ كَالْمُنَجِّمِ) وَهُوَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْحَوَادِثِ.
(وَلَوْ أَوْهَمَ قَوْمًا طَرِيقَتُهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ وَقَالَ الشَّيْخُ: التَّنْجِيمُ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ مِنْ السِّحْرِ قَالَ) الشَّيْخُ (وَيَحْرُمُ إجْمَاعًا) وَأَقَرَّ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ بِبَرَكَتِهِ مَا زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تُوجِبُهُ، وَأَنَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الدَّارَيْنِ مَا لَا تَقْوَى الْأَفْلَاكُ أَنْ تَجْلِبَهُ (وَالْمُتَعَبِّدُ وَالْقَائِلُ بِزَجْرِ طَيْرٍ وَالضَّارِبِ بِحَصًى
стр. 2911
وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ) أَيْ سِهَامٍ (زَادَ فِي الرِّعَايَةِ وَالنَّظَرِ فِي أَلْوَاحِ الْأَكْتَافِ إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ إبَاحَتَهُ وَ) اعْتَقَدَ (أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ) الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ (عُزِّرَ وَيُكَفُّ عَنْهُ وَإِلَّا) بِأَنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتُهُ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ (كَفَرَ) فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَتَحْرُمُ رُقْيَةُ وَحِرْزٌ وَتَعَوُّذٌ بِطَلْسَمٍ) بِغَيْرِ عَرَبِيٍّ.
(وَ) تَحْرُمُ (عَزِيمَةٌ بِغَيْرِ عَرَبِيٍّ وَبِاسْمِ كَوْكَبٍ، وَمَا وُضِعَ عَلَى نَجْمٍ مِنْ صُورَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا بَأْسَ بِحَلِّ السِّحْرِ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْأَقْسَامِ وَالْكَلَامِ الْمُبَاحِ وَإِنْ كَانَ) حَلُّ السِّحْرِ (بِشَيْءٍ مِنْ السِّحْرِ فَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْحَلِّ وَهُوَ إلَى الْجَوَازِ أَمْيَلُ.
وَسَأَلَهُ مُهَنَّا عَمَّنْ تَأْتِيهِ مَسْحُورَةٌ فَيُطْلِقُهُ عَنْهَا قَالَ: لَا بَأْسَ قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّمَا كَرِهَ فِعَالَهُ وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا كَمَا بَيَّنَهُ مُهَنَّا
وَهَذَا مِنْ الضَّرُورَةِ
الَّتِي تُبِيحُ فِعْلَهَا (وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ ضَرُورَةً قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَمِنْ السِّحْرِ السَّعْي بِالنَّمِيمَةِ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ غَرِيبٌ) وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَذَى بِكَلَامِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْحِيلَةِ أَشْبَهَ السِّحْرَ وَلِهَذَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ وَيُنْتَجُ مَا يَعْمَلُهُ السِّحْرُ أَوْ أَكْثَرُ فَيُعْطِي حُكْمُهُ تَسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ الْمُتَقَارِبَيْنِ لَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا: يُقْتَلُ الْآمِرُ بِالْقَتْلِ عَلَى رِوَايَةٍ فَهُنَا أَوْلَى.
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]
ِ وَاحِدُهَا طَعَامٌ وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ وَرُبَّمَا خُصَّ بِهِ الْبُرُّ (وَالْمُرَادُ هُنَا بَيَانُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَمَا يُبَاحُ) أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ (وَالْأَصْلُ فِيهَا الْحَلُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]
стр. 2912
وَقَوْلِهِ ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وَقَوْلِهِ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فَجَعَلَ الطَّيِّبَ صِفَةً فِي الْمُبَاحِ عَامَّةً تُمَيِّزُهُ عَنْ الْمُحَرَّمِ.
وَجَعَلَ الْخَبِيثَ صِفَةً فِي الْمُحَرَّمِ تُمَيِّزُهُ عَنْ الْمُبَاحِ وَالْمُرَادُ بِالْخَبِيثِ هُنَا كُلُّ مُسْتَخْبَثٍ فِي الْعُرْفِ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهِ الْحَرَامَ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَمَّا يَحِلُّ فَلَوْ بِهِ أُرِيدَ الْحَرَامُ وَبِالطَّيِّبِ الْحَلَالُ لَكَانَ مَعْنَاهُ الْحَلَالُ هُوَ الْحَلَالُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (فَيُبَاحُ كُلُّ طَعَامِ ظَاهِرٍ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِهَا) كَالنَّبَاتَاتِ غَيْرِ الْمُضِرَّةِ (حَتَّى الْمِسْكِ وَالْفَاكِهَةِ الْمُسَوِّسَةِ وَالْمُدَوِّدَةِ وَيُبَاحُ أَكْلُهَا) أَيْ الْفَاكِهَةِ (بِدُودِهَا) فَيُؤْكَلُ تَبَعًا لَهَا لَا اسْتِقْلَالًا (وَ) يُبَاحُ أَكْلُ (بَاقِلًا بِذُبَابِهِ وَ) أَكْلُ (خِيَارٍ وَقِثَّاءٍ وَحُبُوبٍ وَخَلٍّ بِمَا فِيهِ) مِنْ نَحْوِ دُودٍ (تَبَعًا) لَهَا وَ (لَا) يُبَاحُ (أَكْلُ دُودِهَا وَنَحْوِهَا) كَسُوسِهَا (أَصْلًا) اسْتِقْلَالًا.
(وَلَا) يُبَاحُ (أَكْلُ النَّجَاسَاتِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] (وَالرَّجِيعِ) أَيْ الرَّوْثِ (وَالْبَوْلِ وَلَوْ كَانَا طَاهِرَيْنِ) لِاسْتِقْذَارِهِمَا (بِلَا ضَرُورَةٍ) فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِمَا أَوْ إلَى أَحَدِهِمَا جَازَ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ: يَجُوزُ التَّدَاوِي بِبَوْلِ إبِلٍ.
(وَلَا) يُبَاحُ (أَكْلُ الْحَشِيشَةِ الْمُسْكِرَةِ وَتُسَمَّى حَشِيشَةِ الْفُقَرَاءِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» (وَلَا) يُبَاحُ كُلُّ (مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ مِنْ السُّمُومِ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
وَفِي الْوَاضِحِ: الْمَشْهُورِ أَنَّ السُّمَّ نَجِسٌ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَكْلِهِ ﷺ مِنْ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ (وَفِي التَّبْصِرَةِ مَا يَضُرُّ كَثِيرُهُ يَحِلُّ يَسِيرُهُ) فَيُبَاحُ يَسِيرُ السَّقَمُونْيَا وَالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهَا إذَا كَانَ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ (وَيَحْرُمُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْآدَمِيُّ) لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» .
(وَالْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَلَوْ تَوَحَّشَتْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا وَسَنَدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ
стр. 2913
عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحُكْمُ لَبَنِهَا حُكْمُهَا وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءُ وَطَاوُسُ وَالزُّهْرِيُّ.
(وَالْخِنْزِيرُ) بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّ لَهُ نَابًا يَفْتَرِسُ بِهِ.
(وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (سِوَى الضَّبُعُ) فَإِنَّهُ مُبَاحٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ نَابٌ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ، هُوَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا خَاصٌّ فَيَقْدَمُ عَلَى الْعَامِّ.
وَمَا لَهُ نَابٌ (كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَفَهْدٍ وَكَلْبٍ وَابْنِ آوَى) شِبْهَ الْكَلْبَ وَرَائِحَتُهُ كَرِيهَةٌ (وَابْنِ عِرْسٍ) بِالْكَسْرِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَسِنَّوْرٍ أَهْلِيٍّ وَبِرِّيٍّ) وَمِنْ أَنْوَاعِهِ أَلْتَفَّا كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (وَنِمْسٍ وَقِرْدٍ وَلَوْ صَغِيرًا لَمْ يَنْبُتْ نَابُهُ وَدُبٍّ وَفِيلٍ وَثَعْلَبٍ) لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ» (وَيَحْرُمُ سِنْجَابٌ وَسَمُّورٌ وَفَنَكٌ) بِفَتْحِ النُّونِ لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ لَهَا نَابًا.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (مَا لَهُ مِخْلَبٌ مِنْ الطَّيْرِ يَصِيدُ بِهِ كَعُقَابٍ وَبَازِي وَصَقْرٍ وَشَاهِينِ وَحِدَأَةٍ وَبُومَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
(وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَنِسْرٍ وَرُخْمٍ وَلَقْلَقٍ) مَقْصُورٌ مِنْ اللَّقْلَاقِ أَعْجَمِيٌّ طَائِرٌ نَحْوَ الْإِوَزَّةِ طَوِيلُ الْعُنُقِ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَعَقْعَقٍ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ طَائِرُ نَحْوَ الْحَمَامَةِ طَوِيلُ الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ تَتَشَاءَمُ بِهِ الْعَرَبُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَهُوَ) أَنَّ الْعَقْعَقَ وَ (الْقَاقَ وَغُرَابَ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعَ) .
لِقَوْلِهِ ﷺ «خَمْسٌ فَوَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» الْخَبَرُ فَذَكَرَ مِنْهَا الْغُرَابَ وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي أَكْلِ الْجِيَفِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ أَبَاحَ قَتْلَهَا فِي الْحَرَمِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ (وَمَا تَسْتَخْبِثُهُ) أَيْ تَسْتَقْذِرُهُ (الْعَرَبُ ذَوُو الْيَسَارِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ) لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْكِتَابُ وَخُوطِبُوا بِهِ وَبِالسُّنَّةِ فَرَجَعَ فِي مُطْلَقِ أَلْفَاظِهَا
стр. 2914
إلَى عُرْفِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ (وَلَا عِبْرَةَ بِأَهْلِ الْبَوَادِي) مِنْ الْأَعْرَابِ الْجُفَاةِ لِأَنَّهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَالْمَجَاعَةِ يَأْكُلُونَ كُلَّ مَا وَجَدُوهُ وَلِهَذَا سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا يَأْكُلُونَ فَقَالَ مَا دَبَّ وَدَرَجَ إلَّا أُمُّ حُبَيْنٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة فَقَالَ أَيُّهُنَّ أُمُّ حُبَيْنٍ الْعَاقِبَةُ تَأْمَنُ أَنْ تُطْلَبَ فَتُؤْكَلَ أُمُّ حُبَيْنٍ الْخَنَافِسُ الْكِبَارُ وَاَلَّذِي تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ ذَوُو الْيَسَارِ (كَالْقُنْفُذِ وَالدُّلْدُلِ وَهُوَ عَظِيمُ الْقَنَافِذِ قَدْرَ السَّخْلَةِ وَيُسَمَّى النَّيْصَ عَلَى ظَهْرِهِ شَوْكٌ طَوِيلٌ نَحْوَ ذِرَاعٍ وَالْحَشَرَاتُ كُلُّهَا كَدِيدَانِ وَجِعْلَانٍ وَبَنَاتٍ وَرْدَانٍ) نَحْوَ الْخُنْفُسَاءِ حَمْرَاءُ اللَّوْنِ.
وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ فِي الْحَمَّامَاتِ وَالْكُنُفِ (وَخَنَافِسُ وَأَوْزَاعُ وَصَرَاصِرُ وَحِرْبَاءُ وَعِضَاه وَجَرَادِينَ وَخُلْدٌ وَفَأْرٌ وَحَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَخُفَّاشٌ وَخُشَافٌ وَهُوَ الْوَطْوَاطُ وَزُنْبُورٌ وَنَحْلٌ وَنَمْلٌ وَذُبَابٌ وَطَبَابِيعُ) قَمْلُ أَحْمَرُ (وَقَمْلٌ وَبَرَاغِيثُ وَنَحْوُهَا وَهُدْهُدُ وَصُرَدُ) كَعُمَرَ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ وَهُوَ طَائِرٌ أَبْقَعُ أَبْيَضُ الْبَطْنِ أَخْضَرُ الظَّهْرِ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَالْمِنْقَارِ يَصِيدُ الْعَصَافِيرَ وَصِغَارُ الطَّيْرِ وَيُصَرْصِرُ كَالصَّقْرِ لَا يُرَى إلَّا فِي شُعَبٍ أَوْ شَجَرَةٍ وَلَا يَكَادُ يُقْدَرُ عَلَيْهِ الْأُنْثَى صِرْدَةٌ وَالْجَمْعُ صِرْدَانُ وَيُقَالُ لَهُ الْوَاقُ وَهُوَ طَائِرُ دَمَّامٌ وَمِنْهُ نَوْعٌ أَسْوَدُ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْعَقْعَقَ (وَغُدَافٌ) كَغُرَابٍ وَجَمْعُهُ غِدْفَانُ كَغِرْبَانٍ وَيُقَالُ هُوَ غُرَابُ الْغَيْطِ.
(وَخُطَّافٌ) طَائِرٌ أَسْوَدُ مَعْرُوفٌ (وَأَخْيَلُ وَهُوَ الشِّقِرَّاقُ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَبِكَسْرِ الْقَافِ مُشَدَّدَةٌ وَبِكَسْرِ الشِّينِ مَعَ التَّثْقِيلِ وَأَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَبِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَهُوَ دُونَ الْحَمَامَةِ أَخْضَرُ اللَّوْنِ أَسْوَدُ الْمِنْقَارِ بِأَطْرَافِ جَنَاحَيْهِ سَوَادٌ وَبِظَاهِرِهِمَا حُمْرَةٌ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَسُنُونُو وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْخُطَّافِ وَغَيْرِهَا مِمَّا أَمَرَ الشَّرْعُ بِقَتْلِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ وَمَا لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ أَمْصَارِ الْحِجَازِ وَقُرَاهَا وَلَا ذُكِرَ فِي الشَّرْعِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ) أَيْ بِالْحِجَازِ (فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ (فَمُبَاحٌ) لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَة.
(وَمَا أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْمَأْكُولَيْنِ مَغْصُوبٌ وَ) هُوَ (كَأُمِّهِ حِلًّا وَحُرْمَةً وَمِلْكًا) فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ هِيَ الْمَغْصُوبَةُ لَمْ تَحِلَّ هِيَ وَلَا شَيْءَ مِنْ أَوْلَادِهَا لِلْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ الْفَحْلَ وَنَزَّاهُ الْغَاصِبُ عَلَى إنَاثٍ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْغَاصِبِ شَيْءٌ مِنْ أَوْلَادِ الْفَحْلِ الْآتِيَةِ بِهَا إنَاثُهُ فِي مِلْكِهِ.
(وَلَوْ اشْتَبَهَ مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ حَرُمَا) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ وَكَذَا لَوْ اشْتَبَهَ مَا لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ وَذُكِرَ
стр. 2915
فِي الشَّرْعِ مُبَاحًا وَمُحَرَّمًا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ.
(وَيَحْرُمُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ كَالْبَغْلِ) الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (وَالسِّمْعِ) بِكَسْرِ السِّين (وَلَدِ الضَّبُعِ مِنْ الذِّئْبِ وَالْعِسْبَارِ وَلَدِ الذِّئْبِ مِنْ الزِّنْجِ وَهُوَ الضِّبْعَانُ) بِكَسْرِ الضَّاد وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَجَمْعُهُ ضَبَاعِينَ كَمَسَاكِينٍ (وَهُوَ ذُكِرَ) تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (وَالدِّرْيَابُ وَهُوَ أَبُو زُرَيْقٍ قِيلَ إنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الشَّقِرَّاقِ وَالْغُرَابِ وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ) كَالْحِمَارِ بَيْنَ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَحِمَارٍ وَحْشِيٍّ تَغْلِيبًا (وَكَحَيَوَانٍ مِنْ نَعْجَةٍ نِصْفُهُ خَرُوفٌ وَنِصْفُهُ كَلْبٌ) فَيَحْرُمُ تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ.
(وَيَحْرُم مَا لَيْسَ مِلْكًا لِآكِلِهِ وَلَا أَذِنَ فِيهِ رَبُّهُ وَلَا الشَّارِعُ) لِحَدِيثِ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ رَبُّهُ جَازَ أَكْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ كَأَكْلِ الْوَلِيِّ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ مِنْهُ وَالْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي.
[فَصْل الْمُبَاح مِنْ الْأَطْعِمَة]
(فَصْل وَمَا عَدَا هَذَا) الْمَذْكُورِ مِمَّا تَقَدَّمَ تَحْرِيمُهُ (فَمُبَاحٌ كَمُتَوَلِّدٍ مِنْ مَأْكُولَيْنِ كَبَغْلٍ مِنْ حِمَارِ وَحْشٍ وَخَيْلٍ وَلَوْ) كَانَتْ الْخَيْلُ (غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ وَوَبْرٍ) بِسُكُونِ الْبَاءِ (وَيَرْبُوعٍ) لِأَنَّ عُمَرَ قَضَى فِيهِ بِجَفْرَةٍ وَالْوَبْرُ فِي مَعْنَاهُ (وَبَقَرِ وَحْشٍ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مِنْ الْإِبِلِ وَالتَّيْتَلِ وَالْوَعِلِ وَالْمَهَا وَظِبَاءٍ وَحُمُرِ وَحْشٍ وَلَوْ تَأَنَّسَتْ وَعَلَّقَتْ) لِأَنَّ الظِّبَاءَ إذَا تَأَنَّسَتْ لَمْ تَحْرُمْ وَكَالْأَهْلِيِّ إذَا تَوَحَّشَ (وَأَرْنَبٍ وَزَرَافَةٍ) بِفَتْحِ الزَّاي وَضَمِّهَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ زَادَ الصَّفَّانِيُّ وَالْفَاءُ تُشَدَّدُ وَتُخَفَّفُ فِي الْوَجْهَيْنِ قِيلَ هِيَ مُسَمَّاةٌ بِاسْمِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهَا فِي صُورَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَهِيَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ إلَّا أَنَّ عُنُقَهَا أَطْوَلُ مِنْ عُنُقِهِ وَجِسْمُهَا أَلْطَفُ مِنْ جِسْمِهِ وَيَدَاهَا أَطْوَلُ مِنْ رِجْلَيْهَا وَوَجْهُ حِلِّهَا أَنَّهَا مُسْتَطَابَةٌ لَيْسَ لَهَا نَابٌ أَشْبَهَتْ الْإِبِلَ.
(وَنَعَامَةٍ) لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ فِيهَا بِالْفِدْيَةِ (وَضَبٍّ) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَأَنْ يُهْدَى إلَى أَحَدِنَا ضَبٌّ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ دَجَاجَةٍ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَهُوَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْحِرْدَوْنِ مِنْ عَجِيبِ خِلْقَتِهِ أَنَّ الذَّكَرَ لَهُ ذَكَرَانِ وَالْأُنْثَى لَهَا فَرْجَانِ تَبِيضُ مِنْهُمَا (وَضَبُعٍ) وَتَقَدَّمَ (وَإِنْ عُرِفَ) الضَّبُعُ (بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ فَ) كَانَ (كَجَلَّالَةٍ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ
стр. 2916
وَالْجَامُوسُ وَالْغَنَمُ) ضَأْنُهَا وَمَعْزُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] .
(وَدَجَاجٍ) لِقَوْلِ أَبِي مُوسَى «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ» (وَدُيُوكٍ وَطَاوُسٍ وَبَبَّغَاءَ وَهِيَ الدُّرَّةُ وَعَنْدَلِيبِ) وَهُوَ الْهَزَارُ وَهُوَ الشُّحْرُورُ (وَسَائِرِ الْوَحْشِ مِنْ الصَّيُودِ كُلِّهَا وَزَاغٍ) طَائِرٌ صَغِيرٌ أَغْبَرُ (وَغُرَابِ الزَّرْعِ وَهُوَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلِ) يَأْكُلُ الزَّرْعَ يَطِيرُ مَعَ الزَّاغِ لِأَنَّ مَرْعَاهُمَا الزَّرْعُ وَالْحُبُوبُ (وَحَجَلٍ وَزُرْزُورٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ نَوْعُ مِنْ الْعَصَافِيرِ (وَصَعْوَةٌ جَمْعُ صَعْوٍ وَهُوَ صِغَارُ الْعَصَافِيرِ أَحْمَرُ الرَّأْسِ وَحَمَامٍ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ الْفَوَاخِتِ وَالْجَوَازِلِ وَالرَّقَاطِي وَالدَّيَاسِي وَسُمَّانِىِّ وَسَلْوَى وَقِيلَ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَعَصَافِيرَ وَقَنَابِرَ وَقَطَا وَحُبَارَى) لِقَوْلِ سَفِينَةَ «أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُبَارَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَكُرْكِيٍّ وَكَرَوَانٍ وَبَطٍّ وَإِوَزٍّ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَغْلُظُ الْحَبُّ أَوْ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَطَابٌ فَيَحِلُّ لِأَنَّهُ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
(وَغَرَانِيقَ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ الْغَرَانِقُ جَمْعُ غُرْنَقٍ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ طَوِيلُ الْعُنُقِ (وَطَيْرُ الْمَاءِ كُلُّهُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ) أَيْ مُبَاحٌ لِمَا سَبَقَ.
(وَيُبَاحُ جَمْعُ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] الْآيَة وَقَوْله ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» رَوَاهُ مَالِكٌ (إلَّا الضِّفْدِعَ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَالدَّالِ وَالْأُنْثَى ضِفْدِعَة وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحْ الدَّالَ نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (وَالْحَيَّةُ) لِأَنَّهَا مِنْ الْخَبَائِثِ وَفِيهَا وَجْهٌ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ (وَالتِّمْسَاحُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَأْكُلُ النَّاسَ.
[فَصْل وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ وَهِيَ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ]
(فَصْل وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ وَهِيَ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ وَلَبَنُهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ
стр. 2917
وَأَلْبَانِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «نَهَى عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ» .
وَفِي أُخْرَى لَهُ «نَهَى عَنْ رُكُوبِ جَلَّالَةِ الْإِبِلِ» .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ وَأَكْلِ لَحْمِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (وَبِيضِهَا) لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ النَّجَاسَةِ.
(وَيُكْرَهُ رُكُوبُهَا لِأَجْلِ عَرَقِهَا) لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَخْبَارِ (حَتَّى تُحْبَسَ) الْجَلَّالَةُ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهِنَّ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَكْلَهَا يَحْبِسُهَا ثَلَاثًا (وَتُطْعَمُ الطَّاهِرَ وَتُمْنَعُ مِنْ النَّجَاسَةِ طَائِرًا كَانَتْ أَوْ بَهِيمَةً) إذْ الْمَانِعُ مِنْ حِلِّهَا يَزُولُ بِذَلِكَ وَلِأَنَّ مَا طَهَّرَ حَيَوَانًا طَهَّرَ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بِظَاهِرِهِ (وَمِثْلُهُ خَرُوفٌ ارْتَضَعَ مِنْ كَلْبَةٍ ثُمَّ شَرِبَ لَبَنًا طَاهِرًا) أَوْ أَكَلَ شَيْئًا طَاهِرًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ تَعْلِفَ النَّجَاسَةَ الْحَيَوَانَ الَّذِي لَا يُذْبَحُ) قَرِيبًا (أَوْ لَا يُحْلَبُ قَرِيبًا) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ أَحْيَانًا قَالَ شَارِحُهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا فِي الرَّعْيِ عَلَى اخْتِيَارِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تُعْلَفُ لِلنَّجَاسَةِ انْتَهَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَيَحْرُمُ عَلْفُهَا نَجَاسَةً إنْ كَانَتْ تُؤْكَلُ قَرِيبًا أَوْ تُحْلَبُ قَرِيبًا وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَبْحُهُ أَوْ حَلْبُهُ وَقِيلَ بِقَدْرِ حَبْسِهَا الْمُعْتَبَرِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ كَغَيْرِ الْمَأْكُولِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ.
(وَإِذَا عَضَّ كَلْبٌ شَاةً وَنَحْوَهَا فَكَلِبَتْ ذُبِحَتْ) دَفْعًا لِضَرَرِهَا (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْكَلَ لَحْمُهَا) لِضَرَرِهَا أَوْ قِيَاسًا عَلَى الْجَلَّالَةِ.
(وَمَا سُقِيَ) بِنَجِسٍ (أَوْ سُمِّدَ بِنَجِسٍ) أَيْ أُصْلِحَ بِالسَّمَادِ كَسَلَامٍ فَلَا يَصْلُحُ بِهِ الزَّرْعُ مِنْ تُرَابٍ أَوْ سِرْجِينٍ (مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ يَحْرُمُ وَيُنَجَّسُ بِذَلِكَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنَّا نَكْرِي أَرَاضِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَدْمُلُوهَا بِعَذِرَةِ النَّاسِ» قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَدَمَلَ الْأَرْضَ دَمْلًا وَدَمَلَانًا أَصْلَحَهَا أَوْ سَرْقَنَهَا فَتَدَمَّلَتْ صَلُحَتْ بِهِ انْتَهَى وَلَوْلَا أَنَّ مَا فِيهَا يَحْرُمُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَائِدَةٌ وَلِأَنَّهُ تَتَرَبَّى بِالنَّجَاسَةِ أَجْزَاؤُهُ وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تُطَهِّرُ عِنْدنَا (فَإِنْ سُقِيَ) الثَّمَرُ أَوْ الزَّرْعُ أَيْ بَعْدَ أَنْ سُقِيَ النَّجَسُ أَوْ سُمِّدَ بِهِ (بِطَاهِرٍ يُسْتَهْلَكُ بِهِ عَنْ النَّجَاسَةِ بِهِ طَهُرَ وَحَلَّ) لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ يُطَهِّرُ النَّجَاسَاتِ وَكَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ وَأُطْعِمَتْ الطَّاهِرَاتِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْقِ بِطَاهِرٍ يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ (فَلَا) يَحِلُّ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَهُ أَكْلُ تُرَابٍ وَفَحْمٍ وَطِينٍ) لِضَرَرِهِ (وَهُوَ) أَيْ أَكْلُ الطِّينِ (عَيْبٌ فِي الْمَبِيعِ) نَقَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُهُ إلَّا مَنْ بِهِ مَرَضٌ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ يُضَرُّ الْبَدَنُ) بِهِ عِلَّةً لِكَرَاهَةِ أَكْلِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ مِنْهُ) أَيْ الطِّينِ (مَا يُتَدَاوَى بِهِ كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ لَمْ يُكْرَهْ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ
стр. 2918
(وَكَذَا يَسِيرُ تُرَابٍ وَطِينٍ) بِحَيْثُ لَا يَضُرَّ فَلَا يُكْرَهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ.
(وَيُكْرَهُ أَكْلُ غُدَّةٍ وَأُذُنُ قَلْبٍ) نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أُذُنِ الْقَلْبِ» وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ «كَرِهَ النَّبِيُّ أَكْلَ الْعَذِرَةِ» .
(وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (بَصَلٍ وَثُومٍ وَنَحْوِهِمَا) كَالْكُرَّاثِ (مَا لَمْ يَنْضَجْ بِطَبْخٍ) قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ كَرِهَهُ لِمَكَانِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ (و) يُكْرَهُ (أَكْلُ كُلِّ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ فَإِنْ أَكَلَهُ) أَيْ الْبَصَلَ أَوْ الثُّومَ أَوْ نَحْوَهُ قَبْلَ إنْضَاجِهِ بِالطَّبْخِ (كُرِهَ دُخُولُهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» وَيُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا حُضُورُ جَمَاعَةٍ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدِ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (أَكْلُ حَبٍّ) مِنْ نَحْوِ بُرٍّ (دُبِّسَ بِحُمُرٍ أَهْلِيَّةٍ وَبِغَالٍ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدَبِّسُوهُ بِهَا وَقَالَ حَرْبٌ أَكْرَهُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً (وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ) نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى وَلَا يُؤْكَلُ حَتَّى يُغْسَلَ.
(وَيُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ أَكْلِ لَحْمٍ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ قُلْتُ وَمُدَاوَمَةُ تَرْكِ أَكْلِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوَرِّثُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ (وَ) يُكْرَهُ (أَكْلُ لَحْمٍ مُنْتِنٍ وَنَيْءٍ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَهَى بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: فَلَا يُكْرَهُ أَكْلُهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ نَيْءٍ نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَلَحْمُ مُنْتِنٌ نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِيهِمَا يُكْرَهُ وَجَعَلَهُ فِي الِانْتِصَارِ فِي الثَّانِيَةِ اتِّفَاقًا.
(وَيُكْرَهُ الْخُبْزُ الْكِبَارُ) قَالَ الْإِمَامُ: لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ (وَ) يُكْرَهُ (وَضْعُهُ) أَيْ الْخُبْزِ (تَحْتَ الْقَصْعَةِ) لَا فَوْقهَا وَحَرَّمَهُ الْآمِدِيُّ.
[فَصْلُ اُضْطُرَّ إلَى محرم]
(فَصْل وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مُحَرَّمٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حَضَرًا أَوْ سَفَرًا سِوَى سُمٍّ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَضُرُّ وَاضْطِرَارُهُ (بِأَنْ يَخَافَ التَّلَفَ إمَّا مِنْ جُوعٍ أَوْ يَخَافَ إنْ تَرَكَ الْأَكْلَ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ وَانْقَطَعَ عَنْ الرُّفْقَةِ فَيَهْلِكَ أَوْ يَعْجِزَ عَنْ الرُّكُوبِ فَيَهْلِكَ وَلَا يَتَقَيَّدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ) لِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فِي ذَلِكَ (وَجَبَ
стр. 2919
عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ) أَيْ الْمُحَرَّمِ (مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْقَافِ أَيْ بَقِيَّةَ رُوحِهِ (وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَقَوْلِهِ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (الشِّبَعُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَاسْتَثْنَى مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (كَمَا) يَحْرُمُ مَا (فَوْقَ الشِّبَعِ) إجْمَاعًا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ الْمُبْدِعِ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ إنْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً جَازَ الشِّبَعُ وَإِنْ كَانَتْ) الْحَاجَةُ (مَرْجُوَّةَ الزَّوَالِ فَلَا) يَشْبَعُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهُ) أَيْ الْمُحَرَّمِ (إنْ خَافَ الْحَاجَةَ) إنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي اسْتِصْحَابِهَا وَلَا فِي إعْدَادِهَا لِدَفْعِ ضَرُورَتِهِ وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ ضَرُورَتِهِ (فَإِنْ تَزَوَّدَ فَلَقِيَهُ مُضْطَرٌّ آخَرُ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ) مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَيَلْزَمُهُ إعْطَاؤُهُ) مِنْهُ (بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ) أَيْ الْمُتَزَوِّدُ (مُضْطَرًّا فِي الْحَالِ إلَى مَا مَعَهُ) فَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَيَجِبُ) عَلَى الْمُضْطَرِّ (تَقْدِيمُ السُّؤَالِ عَلَى أَكْلِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ لِسَائِلٍ قُمْ قَائِمًا لِيَكُونَ لَهُ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ الْقَاضِي: أَثِمَ إذَا لَمْ يَسْأَلْ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: إنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَسْأَلَةِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ قِيلَ: فَإِنْ تَوَقَّفَ قَالَ: مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَمُوتُ مِنْ الْجُوعِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِرِزْقِهِ (وَقَالَ الشَّيْخُ: لَا يَجِبُ) تَقْدِيمُ السُّؤَالِ (وَلَا يَأْثَمُ) بِعَدَمِهِ (وَأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ) لِظَاهِرِ نَقْلِ الْأَثْرَمِ (وَإِنْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِامْتِنَاعُ) لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِنَفْسِهِ إلَى الْهَلَاكِ (وَ) لَا (الْعُدُولُ إلَى الْمَيْتَةِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهَا (إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَسُمَّهُ فِيهِ) أَيْ فِي الطَّعَامِ (أَوْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا يَضُرُّهُ وَيَخَافُ أَنْ يُهْلِكَهُ أَوْ يُمْرِضَهُ) فَيَمْتَنِعَ مِنْهُ وَيَعْدِلَ إلَى الْمَيْتَةِ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهَا.
(وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا مَعَ صَاحِبِهِ وَمَيْتَةً وَامْتَنَعَ) رَبُّ الطَّعَامِ (مِنْ بَذْلِهِ) لِلْمُضْطَرِّ (أَوْ بَيْعِهِ مِنْهُ وَوَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (ثَمَنَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ) أَيْ لِلْمُضْطَرِّ (مُكَابَرَتُهُ) أَيْ رَبِّ الطَّعَامِ (عَلَيْهِ وَأَخَذَهُ مِنْهُ) لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ بِالْمَيْتَةِ. (وَيَعْدِلُ) الْمُضْطَرُّ (إلَى الْمَيْتَةِ سَوَاءٌ كَانَ) الْمُضْطَرُّ (ثَوْبًا يَخَافُ مِنْ مُكَابَرَتِهِ التَّلَفَ أَوْ لَمْ يَخَفْ) التَّلَفَ. (وَإِنْ بَذَلَهُ) أَيْ الطَّعَامَ رَبُّهُ (لَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَقَدَرَ) الْمُضْطَرُّ (عَلَى الثَّمَنِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ) لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا بِالْمُبَاحِ. (وَإِنْ بَذَلَهُ) أَيْ الطَّعَامَ رَبُّهُ (بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ أَيْ لَا تَكْثُرُ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ) كَالرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ لِنَذْرِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ
стр. 2920
مَاءِ الْوُضُوءِ. (وَإِنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ عَاجِزًا عَنْ الثَّمَنِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْعَادِمِ) لِمَا يَشْتَرِيهِ فَتَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ. (وَإِنْ امْتَنَعَ) رَبُّ الطَّعَامِ (مِنْ بَذْلِهِ) لِلْمُضْطَرِّ (إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ فَاشْتَرَاهُ الْمُضْطَرُّ بِذَلِكَ) كَرَاهَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا دَمٌ أَوْ عَجَزَا عَنْ قِتَالِهِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْمُضْطَرَّ (أَكْثَرُ مِنْ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى رَبِّهِ بَذْلُهُ بِقِيمَتِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْهَا فَإِنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ رَدَّهُ وَإِلَّا سَقَطَ. (وَلَيْسَ لِلْمُضْطَرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَ) الْقِنِّ (الْآبِقِ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ. قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] (إلَّا أَنْ يَتُوبَ) مِنْ الْمَعْصِيَةِ فَيَأْكُلَ مِنْ الْمُحَرَّمِ، لِأَنَّهُ صَارَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ أَهْلِ الرُّخْصَةِ.
(وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا جَهِلَ مَالِكَهُ وَمَيْتَةً) أَكَلَ الْمَيْتَةَ إنْ أَمْكَنَ رَدُّ الطَّعَامِ إلَى رَبِّهِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ وَحَقُّهُ يَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ.
وَفِي الْفُنُونِ قَالَ حَنْبَلٌ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنَا خِلَافَ هَذَا فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى رَبِّهِ بِعَيْنِهِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْإِنَاءَاتِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مَالِكُهَا قَدَّمَ أَكْلَهَا عَلَى الْمَيْتَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.
(أَوْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (صَيْدًا حَيًّا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَمَيْتَةً أَكَلَ مِنْ الْمَيْتَةِ) لِأَنَّ ذَبْحَ الصَّيْدِ جِنَايَةٌ لَا تَجُوزُ لَهُ حَالَ الْإِحْرَامِ (وَإِنْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (صَيْدًا وَطَعَامًا جَهِلَ مَالِكَهُ بِلَا مَيْتَةٍ وَهُوَ) أَيْ الْمُضْطَرُّ (مُحْرِمٌ أَكْلَ الطَّعَامَ) لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَفِيهِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ (وَإِنْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (لَحْمَ صَيْدِ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ وَمَيْتَةً أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ قَالَهُ الْقَاضِي) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ انْتَهَى.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ تَمْيِيزُ الصَّيْدِ الَّذِي ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ بِالِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُ مُذَكًّى مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ (وَلَوْ وُجِدَ بَيْضَ صَيْدٍ) سَلِيمًا (وَمَيْتَةً فَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَكْسِرُهُ) لِأَنَّ كَسْرَهُ جِنَايَةٌ لَا تَجُوزُ لَهُ حَالَ الْإِحْرَامِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُحْرِمُ الْمُضْطَرُّ (إلَّا صَيْدًا ذَبَحَهُ وَكَانَ ذَكِيًّا طَاهِرًا وَلَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَا مَيْتَةٍ فِي حَقِّهِ) لِإِبَاحَتِهِ لَهُ إذَنْ (وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ) وَهُوَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ (وَتُعْتَبَرُ شُرُوطُ الذَّكَاةِ فِيهِ) كَسَائِرِ مَا يُذَكَّى (وَلَهُ الشِّبَعُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ ذَكِيٌّ لَا مَيْتَةَ (وَلَا يَجُوزُ) لَهُ (قَتْلُهُ) إذَنْ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَكَاتِهِ كَالْأَهْلِيِّ الْمَأْكُولِ، وَهُوَ مَيْتَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا يُبَاحُ إلَّا لِمَنْ تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ وَتَقَدَّمَ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَكَذَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى صَيْدٍ بِالْحَرَمِ.
(وَلَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ وَلَمْ
стр. 2921
يَجِدْ غَيْرَهُمَا تَحَرَّى الْمُضْطَرُّ فِيهِمَا) أَيْ اجْتَهَدَ وَأَكَلَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْمُذَكَّاةُ لِلْحَاجَةِ (وَحَرُمَتَا عَلَى غَيْرِهِ) مِمَّنْ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ.
(وَلَوْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ (مَيْتَتَيْنِ مُخْتَلَفٌ فِي أَحَدِهِمَا) فَقَطْ (أَكَلَهَا دُونَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا مُبَاحَةٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا وَجَدَهَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمُبَاحِ عَلَى ذَلِكَ، الْقَوْلِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَلِأَنَّهَا أَخَفُّ (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُضْطَرُّ (شَيْئًا) مُبَاحًا وَلَا مُحَرَّمًا (لَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُ بَعْضَ أَعْضَائِهِ) لِأَنَّهُ يُتْلِفُهُ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ مَوْهُومٌ.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا طَعَامًا) لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا (مَا لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) بِأَنْ كَانَ خَائِفًا أَنْ يُضْطَرَّ (فَهُوَ) أَيْ صَاحِبُهُ (أَحَقُّ بِهِ) لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي الضَّرُورَةِ وَانْفَرَدَ بِالْمِلْكِ أَشْبَهَ غَيْرَ حَالَةِ الِاضْطِرَارِ (إلَّا النَّبِيُّ ﷺ فَكَانَ لَهُ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ وَيَلْزَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَقِيَهُ) ﷺ (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَهُ) ﷺ (طَلَبُهُ) أَيْ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ وَنَحْوِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
(وَلَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ الْإِيثَارُ بِالطَّعَامِ الَّذِي مَعَهُ فِي حَالَ اضْطِرَارِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُضْطَرِّ طَعَامَهُ الْمُضْطَرَّ إلَيْهِ فَإِنْ أَخَذَهُ فَمَاتَ) صَاحِبُهُ جُوعًا (لَزِمَهُ) أَيْ الْآخِذَ (ضَمَانُهُ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ) لِلْمُضْطَرِّ (بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْيَاءُ نَفْسٍ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ فَلَزِمَهُ بَذْلُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَنَافِعِهِ فِي تَخْلِيصِهِ مِنْ الْغَرَقِ.
(فَإِنْ أَبَى) رَبُّ الطَّعَامِ بَذْلَهُ (أَخَذَهُ) الْمُضْطَرُّ (بِالْأَسْهَلِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ اسْتِرْضَاءٍ وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُ) حَيْثُ أَمْكَنَ أَخَذَهُ بِدُونِهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَدَفْعِ الصَّائِلِ (فَإِنْ أَبَى) رَبُّ الطَّعَامِ بَذْلَهُ بِالْأَسْهَلِ (أَخَذَهُ) الْمُضْطَرُّ (قَهْرًا) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ دُونَ مَالِكِهِ (وَيُعْطِيهِ) الْمُضْطَرُّ (عِوَضَهُ) أَيْ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَى مَالِكِهِ فَوَاتُ الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ (فَإِنْ مَنَعَهُ) أَيْ مَنَعَ رَبُّ الطَّعَامِ الْمُضْطَرَّ مِنْ أَخْذِهِ (فَلَهُ قِتَالُهُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَانِعِي الزَّكَاةِ.
(فَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ) لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِقِتَالِهِ أَشْبَهَ الصَّائِلَ (وَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ فَعَلَيْهِ) أَيْ صَاحِبِ الطَّعَامِ (ضَمَانُهُ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُضْطَرَّ (عِوَضُهُ) أَيْ الطَّعَامِ (فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَخَذَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْعِوَضُ (مَعَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (فِي الْحَالِ) بِأَنْ كَانَ مُعْسَرًا (لَزِمَهُ) الْعِوَضُ (فِي ذِمَّتِهِ) إذَا أَيْسَرَ
стр. 2922
لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ بَادَرَ صَاحِبُ الطَّعَامِ فَبَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ) وَنَحْوَهُ (قَبْلَ الطَّلَبِ صَحَّ) تَصَرُّفُهُ لِأَنَّهُ مَالِكٌ تَامُّ الْمِلْكِ كَالشَّفِيعِ قَبْلَ الطَّلَبِ (وَيَسْتَحِقُّ) الْمُضْطَرُّ (أَخْذَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُشْتَرِي) كَالْمَالِكِ الْأَوَّلِ.
(وَ) إنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ (بَعْدَ الطَّلَبِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْأَظْهَرِ قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ) قَالَ: كَمَا لَوْ طَالَبَ الشَّفِيعُ قَالَ: وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّفِيعَ حَقُّهُ مُنْحَصِرٌ فِي عَيْنِ الشِّقْصِ وَهَذَا حَقُّهُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ وَلِهَذَا كَانَ إطْعَامُهُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِذَا نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِذَلِكَ الْغَيْرِ وَوَجَبَ الْبَذْلُ عَلَيْهِ انْتَهَى وَلِهَذَا أَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: أَنَّهُ يَصِحُّ.
(وَلَوْ بَذَلَهُ) أَيْ الطَّعَامَ رَبُّهُ لِلْمُضْطَرِّ (بِثَمَنٍ مِثْلِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَلَوْ كَانَ مُعْسَرًا) وَيُعْطِيهِ ثَمَنَهُ إذَا أَيْسَرَ.
(وَلَوْ امْتَنَعَ الْمَالِكُ) لِطَعَامٍ (مِنْ الْبَيْعِ) لِلْمُضْطَرِّ (إلَّا بِعَقْدِ رِبَا جَازَ) لِلْمُضْطَرِّ (أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ) لِإِطْلَاقِهِمْ تَحْرِيمُ الرِّبَا (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمُضْطَرُّ (عَلَى قَهْرِهِ دَخَلَ) مَعَهُ (فِي الْعَقْدِ) صُورَةً كَرَاهِيَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنهمَا دَمٌ (وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يُتِمَّ عَقْدُ الرِّبَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] (فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ) الَّذِي فِيهِ الرِّبَا (نَسَاءً عَزَمَ) الْمُضْطَرُّ (عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ الثَّابِتَ فِي الذِّمَّةِ قَرْضٌ) تَخَلُّصًا مِنْ إتْمَامِ الرِّبَا.
(وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقِيلَ إنَّ لَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ (أَنْ يُظْهِرَ صُورَةَ الرِّبَا وَلَا يُقَاتِلُهُ) لِئَلَّا يَجْرِيَ بَيْنهمَا دَمٌ (وَيَكُونَ) الْمُضْطَرُّ (كَالْمُكْرَهِ) عَلَى مُحَرَّمٍ لِدُعَاءِ ضَرُورَتِهِ إلَيْهِ، وَلَا يَأْثَمُ (فَيُعْطِيهِ مِنْ عَقْدِ الرِّبَا صُورَتَهُ لَا حَقِيقَتَهُ لَكَانَ أَقْوَى) تَخَلُّصًا مِنْ الْقِتَالِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إلَى قَتْلِ أَحَدِهِمَا.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُضْطَرُّ (إلَّا آدَمِيًّا مَحْقُونَ الدَّمِ لَمْ يُبَحْ قَتْلُهُ وَلَا إتْلَافُ عُضْوٍ مِنْهُ مُسْلِمًا كَانَ) الْمَحْقُونُ (أَوْ كَافِرًا) ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا لِأَنَّ الْمَعْصُومُ الْحَيَّ مِثْلُ الْمُضْطَرِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ بِإِتْلَافِ مِثْلِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْآدَمِيُّ (مُبَاحَ الدَّمِ كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ) وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ (حَلَّ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ) لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاعِ (وَكَذَا) لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُهُ (بَعْد مَوْتِهِ) لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ.
(وَإِنْ وَجَدَ) الْمُضْطَرُّ آدَمِيًّا (مَعْصُومًا مَيِّتًا لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ) لِأَنَّهُ كَالْحَيِّ فِي الْحُرْمَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» .
(وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) أَيْ الْمَالِ (لِدَفْعِ بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ) ل (اسْتِقَاءِ مَاءٍ وَنَحْوِهِ) كَالْمِقْدَحَةِ (وَجَبَ) عَلَى رَبِّهِ (بَذْلُهُ) لِلْمُضْطَرِّ إلَيْهِ (مَجَّانًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ عَلَى مَنْعِهِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ
стр. 2923
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ مَجَاعَةٍ وَأَصَابَتْ الضَّرُورَةُ خَلْقًا كَثِيرًا وَكَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةُ عِيَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّينَ وَلَيْسَ لَهُمْ) أَيْ الْمُضْطَرِّينَ (أَخْذُهُ مِنْهُ) لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ دِرْهَمٌ مُبَاحٌ أَكَلَ عَادَتَهُ لَا مَا لَهُ عَنْهُ غِنًى كَحَلْوَى وَفَاكِهَةٍ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ) وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فِي الْغَصْبِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ) .
(وَالتِّرْيَاقِ) قَدْ تُبَدَّلُ تَاؤُهُ دَالًا أَوْ طَاءً (الَّذِي فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ أَوْ) فِيهِ شَيْءٌ (مِنْ الْخَمْرِ مُحَرَّمٌ) لِأَنَّ الْحَيَّةَ وَالْخَمْرَ مُحَرَّمَاتٌ بِخِلَافِ التِّرْيَاقِ الْخَالِي مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُبَاحُ.
(وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ أَوْ) بِشَيْءٍ (فِيهِ مُحَرَّمٌ كَأَلْبَانِ الْأُتُنِ وَلَحْمِ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَا بِشُرْبِ مُسْكِرٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ وَتَقَدَّمَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِبَوْلِ إبِلٍ انْتَهَى.
[فَصْلُ مَنْ مَرَّ بِثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ]
ٍ) بِبُسْتَانٍ (أَوْ) مَرَّ بِثَمَرٍ (سَاقِطٍ تَحْتَهُ) أَيْ الشَّجَرِ (لَا حَائِطَ عَلَيْهِ) أَيْ الشَّجَرِ (وَلَا نَاظِرَ) أَيْ حَافِظَ (وَلَوْ) كَانَ الْمَارُّ بِهِ (غَيْرَ مُسَافِرٍ وَلَا مُضْطَرٍّ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَجَّانًا وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) إلَى أَكْلِهِ (وَلَوْ) أَكَلَهُ (مِنْ غُصُونِهِ مِنْ غَيْرِ رَمْيِهِ بِشَيْءٍ وَلَا ضَرْبِهِ وَلَا صُعُودِ شَجَرَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَتَيْتَ حَائِطَ بُسْتَانٍ فَنَادِ يَا صَاحِبَ الْبُسْتَانِ فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلَّا فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وَفَعَلَهُ أَنَسٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وَأَبُو بَرْزَةَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ رَمْيُهُ بِشَيْءٍ وَلَا ضَرْبُهُ بِهِ وَلَا صُعُودُ شَجَرٍ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ (وَاسْتَحَبَّ جُمْلَةٌ) .
مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ (أَنْ يُنَادِيَ) الْمَارُّ (قَبْلَ الْأَكْلِ ثَلَاثًا يَا صَاحِبَ
стр. 2924
الْبُسْتَانِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا أَكَلَ لِلْخَبَرِ) السَّابِقِ (وَكَذَا يُنَادِي لِلْمَاشِيَةِ) إذَا أَرَادَ الشُّرْبَ مِنْ لَبَنِهَا.
(وَنَحْوِهَا) كَزَرْعٍ قَائِمٍ قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرَةِ (وَلَا يَحْمِلُ) مِنْ الثَّمَرَةِ إذَا مَرَّ بِهَا وَلَوْ بِلَا حَائِطٍ وَلَا نَاطُورٍ لِقَوْلِ عُمَرَ: " يَأْكُلُ وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً " وَهِيَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَحْمِلُهُ فِي حِضْنِهِ (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ) ثَمَرٍ (مَجْمُوعٍ) وَ (مَجْنِيٍّ) لِإِحْرَازِهِ (وَلَا) يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِ (مَا وَرَاءَ حَائِطٍ) أَوْ عَلَيْهِ نَاطُورٌ لِأَنَّ إحْرَازَهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ.
(إلَّا لِضَرُورَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا فَيَأْكُلُ لِلضَّرُورَةِ (مُلْتَزِمًا عِوَضَهُ) لِرَبِّهِ كَغَيْرِ الثَّمَرِ (وَكَثَمَرِ زَرْعٍ قَائِمٍ كَبُرٍّ يُؤْكَلُ فَرِيكًا عَادَةً) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا أَشْبَهَ الثَّمَرَ (وَبَاقِلَّا وَحِمَّص أَخْضَرَيْنِ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا عَادَةً) لِمَا سَبَقَ.
(وَلَبَنَ مَاشِيَةٍ إذَا لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا فَهِيَ كَالثَّمَرَةِ) لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ أَوْ حَافِظٌ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ (بِخِلَافِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ رَطْبًا فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ شَرْعًا وَعَادَةً.
(وَالْأَوْلَى فِي الثِّمَارِ وَغَيْرِهَا) كَالزَّرْعِ وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ (أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنٍ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ جُبْنِ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلَوْ كَانَتْ إِنْفَحَتُهُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَكَذَا الدُّرُوزُ وَالتَّبَّانِيَّةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ) جِيلٌ مِنْ النَّاسِ يَتَزَوَّجُونَ مَحَارِمَهُمْ وَيَفْعَلُونَ كَثِيرًا مِنْ الْبِدَعِ، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْجُبْنِ فَقَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَقِيلَ لَهُ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي وَذَكَرَ أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ وَقِيلَ لَهُ يُعْمَلُ فِيهِ أَنَفْحَةُ الْمَيْتَةِ قَالَ: سَمُّوا اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا ".
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَوْزَ وَالْبَيْضَ الَّذِي اُكْتُسِبَ مِنْ الْقِمَارِ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ) فَلَا يَمْلِكُونَهُ وَكَذَا كُلُّ مَا أُخِذَ بِالْقِمَارِ.
[فَصْلٌ أَوَّلُ مَنْ أَضَافَ الضَّيْفَ إبْرَاهِيمُ]
ُ ﷺ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَ (يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُسَافِرِ الْمُجْتَازِ إذَا نَزَلَ بِهِ فِي الْقُرَى) لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ
стр. 2925
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد: «فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ: «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَهُمْ حَقُّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) تَجِبُ الضِّيَافَةُ فِي (الْأَمْصَارِ) لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهَا السُّوقُ وَالْمَسَاجِدُ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الضِّيَافَةِ بِخِلَافِ الْقُرَى فَإِنَّهُ يَبْعُدُ فِيهَا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فَوَجَبَتْ ضِيَافَةُ الْمُجْتَازِ إذَا نَزَلَ بِهَا وَإِيوَاؤُهُ لِوُجُوبِ حِفْظِ النَّاسِ (مَجَّانًا) فَلَا يَلْزَمُ الضَّيْفَ عِوَضُ الضِّيَافَةِ (يَوْمًا وَلَيْلَةً) لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ مَرْفُوعًا قَالَ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالضِّيَافَةُ (قَدْرُ كِفَايَتِهِ مَعَ أُدُمٍ وَفِي الْوَاضِحِ لِفَرَسِهِ تِبْنٌ لَا شَعِيرٌ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ وَجْهُ كَأُدُمِهِ وَأَوْجَبَ شَيْخُنَا الْمَعْرُوفَ عَادَةً قَالَ كَزَوْجَةٍ وَقَرِيبٍ وَرَقِيقٍ.
(وَلَا تَجِبُ) الضِّيَافَةُ (لِلذِّمِّيِّ إذَا اجْتَازَ بِالْمُسْلِمِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي الْمُسْلِمَ فِي وُجُوبِ الْإِكْرَامِ.
(فَإِنْ أَبَى) الْمَنْزُولُ بِهِ ضِيَافَةَ الْمُسْلِمِ (فَلِلضَّيْفِ طَلَبُهُ بِهِ) أَيْ بِنَحْوِ ضِيَافَتِهِ (عِنْد حَاكِمٍ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالزَّوْجَةِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الضَّيْفِ أَنْ يُحَاكِمَهُ (جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ ضِيَافَتِهِ) الْوَاجِبَةِ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَتُسَنُّ ضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ (وَالْمُرَادُ يَوْمَانِ مَعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَهُوَ صَدَقَةٌ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ قَالُوا وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ، يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُؤْثِمَهُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْف يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَقْرِيهِ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إنْزَالُهُ) أَيْ الضَّيْفُ (فِي بَيْتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ) الضَّيْفُ (مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا وَنَحْوَهُمَا يَبِيتُ فِيهِ وَلَا يَخَافُ مِنْهُ) ضَرَرًا فَيَلْزَمُهُ إنْزَالُهُ فِي بَيْتِهِ لِلضَّرُورَةِ (وَمَنْ قَدَّمَ لِضِيفَانِهِ طَعَامًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ قَسْمُهُ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ) لَا تَمْلِيكٌ.
(وَيَجُوزُ لِلضَّيْفِ الشُّرْبُ مِنْ كُوزِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَى وِسَادَةٍ) مَوْضُوعَةٍ لِذَلِكَ (وَقَضَاءُ حَاجَةٍ فِي مِرْحَاضِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ بِاللَّفْظِ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا (كَطَرْقِ بَابِهِ عَلَيْهِ وَطَرْقِ حَلْقَتِهِ) أَيْ الْبَابِ.
(قَالَ الشَّيْخُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَمَذْمُومٌ مُبْتَدِعٌ وَمَا نُقِلَ عَنْ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْبِطِّيخِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَيْفِيَّةِ أَكْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ كَذِبٌ) ذَكَرَهُ
стр. 2926
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَفِي عُمْدَةِ الصَّفْوَةِ فِي حِلِّ الْقَهْوَةِ لِشَيْخِ شَيْخِنَا الْجَزِيرِيِّ نَقْلًا عَنْ تَارِيخِ الْمَقْرِيزِيِّ الْمُسَمَّى بِالْمُقَفَّى: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى بْنِ سِرَاجٍ النَّاسِخَ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِهِ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُؤْكَلُ الْبِطِّيخُ فَقَطَعَ شِقَّةً وَأَكَلَهَا مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ إلَى نِصْفِهَا ثُمَّ حَوَّلَهَا إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَأَكَلَهَا حَتَّى فَرَغَتْ وَقَالَ: هَكَذَا يُؤْكَلُ الْبِطِّيخُ انْتَهَى وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ رُؤْيَا الْمَنَامِ لَا تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ وَلَكِنَّهُ اسْتِئْنَاسٌ.
[بَابُ الذَّكَاةِ]
ِ قَالَ الزَّجَّاجُ الذَّكَاةُ تَمَامُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الذَّكَاةُ فِي السِّنِّ وَهُوَ تَمَامُ السِّنِّ وَسُمِّيَ الذَّبْحُ ذَكَاةً لِأَنَّهُ إتْمَامُ الزُّهُوقِ وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أَيْ أَدْرَكْتُمُوهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ فَأَتْمَمْتُمُوهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الذَّبْحِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ جُرْحٍ سَابِقٍ أَوْ ابْتِدَاءً يُقَال: ذَكَّى الشَّاةَ وَنَحْوَهَا تَذْكِيَةً أَيْ ذَبَحَهَا وَالِاسْمُ الذَّكَاةُ فَالْمَذْبُوحُ ذَكِيٌّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
(وَهِيَ) أَيْ الذَّكَاةُ شَرْعًا (ذَبْحُ) مَقْدُورٍ عَلَيْهِ (أَوْ نَحْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مُبَاحٌ أَكْلُهُ مِنْ حَيَوَانٍ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَا جَرَادَ وَنَحْوَهُ) كَالْجُنْدُبِ وَالدَّبَا بِوَزْنِ عَصَا الْجَرَادُ يَتَحَرَّكُ قَبْلَ أَنْ تَثْبُتَ أَجْنِحَتُهُ (بِقَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ) وَيَأْتِي بَيَانُهُمَا (أَوْ عَقْرٍ إذَا تَعَذَّرَ) قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ (فَلَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ وَالطَّيْرِ إلَّا بِالذَّكَاةِ إنْ كَانَ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَهِيَ مَا زَهَقَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُبَاحٍ أَوْ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَمَا لَمْ يُذَكَّ فَهُوَ مَيْتَةٌ فَيَحْرُمُ لِذَلِكَ (إلَّا الْجَرَادُ وَشِبْهُهُ) كَالْجُنْدُبِ فَيَحِلُّ.
(وَلَوْ مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ كَبْسٍ وَتَغْرِيقٍ فَأَمَّا السَّمَكُ
стр. 2927
وَشِبْهُهُ) مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ (مِمَّا لَا يَعِيش إلَّا فِي الْمَاءِ فَيُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ سَوَاءٌ صَادَهُ إنْسَانٌ أَوْ نَبَذَهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ الْمَاءُ عَنْهُ) (أَوْ حُبِسَ فِي الْمَاءِ بِحَظِيرَةٍ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ ذَكَّاهُ أَوْ عَقَرَهُ فِي الْمَاءِ أَوْ خَارِجِهِ أَوْ طَفَا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَاءِ لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ.
(وَمَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرَ وَهُوَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ كَكَلْبِ الْمَاءِ وَطَيْرِهِ وَسُلَحْفَاةٍ وَسَرَطَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْهُ إلَّا بِالتَّذْكِيَةِ) لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ أُلْحِقَ بِحَيَوَانِ الْبَرِّ احْتِيَاطًا قَالَ أَحْمَدُ كَلْبُ الْمَاءِ نَذْبَحُهُ وَلَا أَرَى بِالسُّلَحْفَاةِ بَأْسًا إذَا ذُبِحَ أَمَّا السُّلَحْفَاةُ الْبَرِّيَّةُ فَنَقَلَ الدَّمِيرِيُّ عَنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَّحَ التَّحْرِيمَ لِأَنَّهَا خَبِيثَةٌ لِأَنَّهَا تَأْكُلُ الْحَيَّاتِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ قَالَ: بِحِلِّهَا بَرِّيَّةً كَانَتْ أَوْ بَحْرِيَّةً.
(وَذَكَاةُ السَّرَطَانِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا يَمُوتُ بِهِ) بِأَنْ يُعْقَرَ فِي أَيْ مَوْضِعٍ كَانَ كَمُلْتَوَى عُنُقِهِ.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ شَيَّ السَّمَكِ الْحَيِّ) لِأَنَّ لَهُ دَمًا وَلَا حَاجَةَ إلَى إلْقَائِهِ فِي النَّارِ لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ حَتَّى يَمُوتَ بِسُرْعَةٍ وَلَمْ يَكْرَهْ أَكْلَ السَّمَكِ إذَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ إنَّمَا كَرِهَ تَعْذِيبَهُ (لَا) شَيَّ (جَرَادٍ) حَيٍّ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ وَلَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ بَلْ يَبْقَى مُدَّةً.
وَفِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ " أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلُ جَرَادٍ فَنَسِيَ وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ وَشَوَاهُمَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهُمَا فِي النَّارِ ".
(وَيَحْرُمُ بَلْعُ السَّمَكِ حَيًّا) ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ يُكْرَهُ.
(وَيَجُوزُ أَكْلُ الْجَرَادِ بِمَا فِيهِ وَ) أَكْلُ (السَّمَكِ بِمَا فِيهِ بِأَنْ يُقْلَى) الْجَرَادُ أَوْ السَّمَكُ (أَوْ يُشْوَى وَيُؤْكَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَقَّ جَوْفُهُ) وَيُخْرَجَ مَا فِيهِ لِعُمُومِ النَّصِّ فِي إبَاحَتِهِ وَكَدُودِ الْفَاكِهَةِ تَبَعًا.
[فَصْلٌ مَا يُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ ذَبْحًا كَانَتْ أَوْ نَحْرًا]
فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ ذَبْحًا كَانَتْ أَوْ نَحْرًا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ (أَحَدُهَا أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ) وَالنَّاحِرِ أَوْ الْعَاقِرِ (وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا قَاصِدًا التَّذْكِيَةَ) لِأَنَّ التَّذْكِيَةَ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الدِّينُ فَيُعْتَبَرُ لَهُ الْعَقْلُ كَالْغُسْلِ فَتَصِحُّ ذَكَاةُ الْعَاقِلِ (وَلَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) عَلَى ذَبْحِ مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا
стр. 2928
صَحِيحًا (أَوْ أَقْلَفَ وَتُكْرَهُ ذَبِيحَتُهُ) نَقَلَ حَنْبَلُ عَنْ الْأَقْلَفِ لَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا حَجَّ هِيَ مِنْ تَمَامِ الْإِسْلَامِ وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ لَا بَأْسَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْأَقْلَفِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالصَّحِيحُ إبَاحَتُهُ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ.
(فَلَوْ وَقَعَتْ الْحَدِيدَةُ عَلَى حَلْقِ شَاةٍ فَذَبَحَتْهَا) لَمْ تُبَحْ (أَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا بِسَيْفٍ فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ لَمْ تُبَحْ) الشَّاةُ لِعَدَمِ قَصْدِ التَّذْكِيَةِ.
(وَلَا تُعْتَبَرُ) لِصِحَّةِ الذَّكَاةِ (إرَادَةُ الْأَكْلِ) اكْتِفَاءً بِإِرَادَةِ التَّذْكِيَةِ (مُسْلِمًا كَانَ الذَّابِحُ أَوْ كِتَابِيًّا وَلَوْ حَرْبِيًّا أَوْ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ لَا تَأْكُلُوا مِنْ الذَّبَائِحِ إلَّا مَا ذَبَحَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ (ذَكَرًا) كَانَ الذَّابِحُ (أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا) وَلَوْ آبِقًا (وَلَوْ جُنُبًا وَحَائِضًا وَنُفَسَاءَ وَأَعْمَى عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ الْمُخَصِّصِ (وَالْمُسْلِمُ بِالذَّبْحِ أَوْلَى مِنْ الْكِتَابِيِّ) لِكَمَالِهِ وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
(وَلَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كَافِرٌ غَيْرَ كِتَابِيٍّ) كَوَلَدِ مَجُوسِيَّةٍ مِنْ كِتَابِيٍّ فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (وَلَا) يُبَاحُ (صَيْدُهُ غَيْرُ سَمَكٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ وَالْجَرَادِ وَنَحْوِهِ لِحِلِّ مَيْتَتِهِ.
(وَلَا ذَكَاةُ مَجْنُونٍ وَسَكْرَانٍ وَطِفْلٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ) لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمْ (وَتُبَاحُ) الذَّكَاةُ (مِنْ مُمَيِّزٍ وَلَوْ دُونَ عَشْرِ) سِنِينَ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا صَحِيحًا أَشْبَهَ الْبَالِغَ.
(وَلَا) تُبَاحُ (ذَكَاةُ مُرْتَدٍّ وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا مَجُوسِيٍّ وَلَا وَثَنِيٍّ وَلَا زِنْدِيقٍ وَكَذَا الدُّرُوزُ وَالتَّيَامِنَةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ بِالشَّامِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَمَفْهُومُهُ تَحْرِيمُ طَعَامِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةُ لِأَنَّ شِبْه الْكِتَابِ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لِدِمَائِهِمْ فَلَمَّا غُلِّبَ التَّحْرِيمُ فِي دِمَائِهِمْ وَجَبَ أَنْ يُغَلَّبَ عَدَمُ الْكِتَابِ فِي تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ احْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (وَيُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ) أَيْ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمَجُوس وَالْوَثَنِيِّ وَالزِّنْدِيقِ وَالدُّرُوزِ وَالتَّيَامِنَةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ (غَيْرُ اللَّحْمِ وَالدَّسْمِ) أَيْ الشَّحْمِ وَالْكَوَارِعِ وَالرُّءُوسِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الذَّبِيحَةِ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ وَكُلُّ أَجْزَائِهَا مَيْتَةٌ.
(فَلَوْ ذَبَحَ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ) كَالْمَجُوسِيِّ (حَيَوَانًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَمِنَهُ حَيًّا) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ (وَ) إنْ كَانَ ذَبْحُهُ لِلْحَيَوَانِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ إذْنِ مَالِكِهِ (لَا يَضْمَنُ) لِإِذْنِ رَبِّهِ فِي إتْلَافِهِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: الْآلَةُ وَهُوَ) أَيْ الذَّبْحُ بِآلَةٍ (أَنْ يَذْبَحَ بِآلَةٍ مُحَدَّدَةٍ تَقْطَعُ أَوْ تَخْرِقُ بِحَدِّهَا لَا) إنْ قَطَعَتْ
стр. 2929
أَوْ خَرَقَتْ (بِثِقَلِهَا مِنْ حَدِيدٍ كَانَتْ) الْآلَةُ (أَوْ) مِنْ (حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا السِّنُّ وَالظُّفْرُ) فَلَا يَصِحُّ الذَّكَاةُ بِهِمَا (مُتَّصِلَيْنِ أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَأَمَرَ مَنْ يَسْأَلُهُ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَفِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ وَالْحَائِضِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ وَالذَّبْحُ بِالْحَجَرِ وَذَبْحُ مَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَحِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْغَيْرِ عِنْدِ الْخَوْفِ عَلَيْهَا.
(فَإِنْ ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ) بِآلَةٍ مِنْ (ذَهَبٍ وَنَحْوِهَا) كَفِضَّةٍ (حَلَّ) الْمَذْبُوحُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إنْهَارُ الدَّمِ وَقَدْ وُجِدَ (وَيُبَاحُ الْمَغْصُوبُ لِرَبِّهِ وَلِغَيْرِهِ إذَا ذَبَحَهُ غَاصِبُهُ أَوْ غَيْرُهُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ أَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ قَالَ الشَّيْخُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ فَوْقَ الْغَلْصَمَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْفَانِي مِنْ الْحَلْقِ أَوْ) كَانَ الْقَطْعَ (دُونَهَا) أَيْ الْغَلْصَمَةِ (وَأَنْ يَقْطَعَ الْمَرِيءَ وَهُوَ الْبُلْعُومُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) قَالَ وَالنَّحْرُ فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَرَوَى سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ يَزِيدَ بْنَ وَرْقَاءَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى أَلَا إنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (فَإِنْ أَبَانَهُمَا) أَيْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ (كَانَ أَكْمَلُ) لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُبِنْهُمَا (صَحَّ) الذَّبْحُ وَحَلَّ الْمَذْبُوحُ قَوَّاهُ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ) لِأَنَّهُ قَطْعٌ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ مَا لَا يَبْقَى الْحَيَوَانُ مَعَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الْأَرْبَعَةَ (وَالْأَوْلَى قَطْعُهُمَا) أَيْ الْوَدَجَيْنِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " إذَا أُهْرِيقَ الدَّمُ وَقُطِعَ الْوَدَجُ فَكُلْ " (وَلَا يَضُرُّهُ رَفْعُ يَدِهِ) قَبْلَ الْإِتْمَامِ.
(إذَا أَتَمَّ الذَّكَاةَ عَلَى الْفَوْرِ) وَاعْتُبِرَ فِي التَّرْغِيبِ قَطْعًا تَامًّا فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْحُلْقُومِ جِلْدُهُ وَلَمْ يَنْفُذْ الْقَطْعُ وَانْتَهَى الْحَيَوَانُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ثُمَّ قَطَعَ الْجِلْدَ لَمْ يَحِلَّ (وَمَحَلُّ الذَّكَاةِ الْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَيَذْبَحُ فِي الْحَلْقِ وَيَنْحَرُ فِي اللَّبَّةِ) وَاخْتَصَّ الذَّبْحُ بِالْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ فَيَخْرُجُ بِالذَّبْحِ فِيهِ الدِّمَاءُ السَّيَّالَةُ وَيُسْرِعُ زُهُوقُ الرُّوحِ فَيَكُونُ أَطْيَبَ اللَّحْمِ وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ.
(وَيُسَنّ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرُ
стр. 2930
وَيَذْبَحُ مَا سِوَاهُ) «لِأَنَّهُ ﷺ نَحَرَ الْبُدْنَ وَذَبَحَ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ بِيَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ ذَبَحَ الْبَعِيرَ وَنَحَرَ غَيْرَهُ (أَجْزَأَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ» وَقَالَتْ أَسْمَاءُ «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» وَعَنْ عَائِشَةَ «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً» (وَالنَّحْرُ أَنْ يَطْعَنَهُ بِمُحَدِّدٍ فِي لَبَّتِهِ) وَتَقَدَّمَتْ.
(فَإِنْ عَجَزَ) الْمُذَكِّي (عَنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مِثْل أَنْ يَنِدَّ الْبَعِيرُ أَوْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَلَا يَقْدِرُ) الْمُذْكِي (عَلَى ذَبْحِهِ صَارَ كَالصَّيْدِ إذَا جَرَحَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَدَّ بَعِيرٌ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ كَذَا» .
وَفِي لَفْظٍ " فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَمُوتَ) الْمَعْجُوزُ عَنْ ذَبْحِهِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ الْجُرْحِ الَّذِي جُرِحَهُ (مِثْل أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ فَلَا يُبَاحُ) أَكْلُهُ (وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ مُوحِيًا) لِحُصُولِ قَتْلِهِ بِمُبِيحٍ وَحَاظِرٍ فَيُغَلَّبُ جَانِبُ الْحَظْرِ (كَمَا لَوْ جَرَحَهُ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ) أَوْ ذَبَحَاهَا.
(وَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا وَلَوْ عَمْدًا فَأَتَتْ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهَا) وَهِيَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ (وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أُكِلَتْ) لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي الْقَفَا وَإِنْ كَانَ غَائِرًا تَبْقَى الْحَيَاة مَعَهُ كَأَكِيلَةِ السَّبُعِ إذَا ذُبِحَتْ وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ (وَيُعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ فِيهَا حَيَاة مُسْتَقِرَّةً (بِوُجُودِ الْحَرَكَةِ) بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَهُوَ دَلِيلُ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ قَبْلَهُ (فَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا وَشَكَّ) وَلَمْ يَعْلَمْ (هَلْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ أَوْ لَا نَظَرَ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ بَقَاءَ ذَلِكَ لِحِدَّةِ الْآلَةِ وَسُرْعَةِ الْقَطْعِ أُبِيحَ) أَكْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ) الْآلَةُ (كَالَّةً وَأَبْطَأَ قَطْعُهُ وَطَالَ تَعْذِيبُهُ) لِلْحَيَوَانِ (لَمْ يُبَحْ) أَكْلُهُ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي وُجُودِ مَا يُحِلُّهُ.
(وَلَوْ أَبَانَ الرَّأْسَ) مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ (بِالذَّبْحِ أَوْ بِسَيْفِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الذَّبِيحَةَ أُبِيحَتْ) مُطْلَقًا لِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِيمَنْ ضَرَبَ رَأْسَ ثَوْرٍ بِالسَّيْفِ تِلْكَ ذَكَاةٌ مُوحِيَةٌ وَأَفْتَى بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا وَلِأَنَّ ذَلِكَ قَطْعٌ مَا لَا يَعِيش مَعَهُ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ فَحَلَّتْ.
(وَكُلَّمَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبُ الْمَوْتِ كَالْمُنْخَنِقَةِ وَهِيَ الَّتِي تُخْنَقُ فِي حَلْقِهَا وَالْمَوْقُوذَةِ وَهِيَ الَّتِي تُضْرَبُ
стр. 2931
حَتَّى تُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَهِيَ الْوَاقِعَةُ مِنْ عُلْوٍ وَالنَّطِيحَةِ وَهِيَ الَّتِي نَطَحَتْهَا دَابَّةٌ أُخْرَى وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ وَهِيَ الَّتِي أَكَلَ السَّبُعُ بَعْضَهَا وَالْمَرِيضَةِ وَمَا صِيدَ بِشَبَكَةٍ أَوْ أُحْبُولَةٍ أَوْ فَخٍّ أَوْ أَنْقَذَهُ مِنْ مَهْلَكَةٍ فَذَكَّاهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يُمْكِن زِيَادَتُهَا عَلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ سَوَاءٌ انْتَهَتْ) الْمُنْخَنِقَةُ وَنَحْوُهَا.
(إلَى حَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مَعَهُ أَوْ يَعِيشُ حَلَّتْ) قَالَ الْإِمَامُ (إنْ تَحَرَّكَتْ) الذَّبِيحَةُ (بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَوْضِعِ ذَنَبٍ أَيْ تَحْرِيكِهِ وَنَحْوِهِ) قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ قَوْلًا.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَعِيشُ زَمَانًا يَكُونُ الْمَوْتُ بِالذَّبْحِ أَسْرَعَ مِنْهُ حَلَّتْ بِالذَّبْحِ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ حَلَّ أَكْلُهُ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ تَحَرُّكِهِ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَصْعِ ذَنَبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ وَقَالَ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ إلَّا مَعَ تَحَرُّكٍ وَلَوْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَصْعِ ذَنَبٍ (وَسُئِلَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ عَنْ شَاةٍ مَرِيضَةٍ خَافُوا عَلَيْهَا الْمَوْتُ فَذَبَحُوهَا فَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ تَحَرَّكَتْ يَدُهَا أَوْ رِجْلُهَا أَوْ ذَنَبُهَا بِضَعْفٍ فَنَهَرَ الدَّمَ فَقَالَ) أَحْمَدُ (لَا بَأْسَ) قُلْت: مَفْهُومُ مَا وَقَعَ جَوَابًا لِسَائِلٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَا يَحْصُلُ غَرَضُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَيَاتِهَا) أَيْ الْمُنْخَنِقَةِ وَنَحْوِهَا (إلَّا مِثْلُ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ لَمْ تُبَحْ) بِالذَّكَاةِ (لِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مَا ذَبَحَهُ الْمَجُوسُ لَمْ يُبَحْ) لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ.
(وَمَا قُطِعَ حُلْقُومُهُ أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ وَنَحْوُهُ فَ) هُوَ (فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ) لِأَنَّ وُجُودَ حَيَاتِهِ مِمَّا لَا يَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ كَعَدَمِهَا.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ عِنْد حَرَكَةِ يَدِهِ) بِالذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ أَوْ الْعَقْرِ (لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا) كَالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ إطْلَاقَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَالْفِسْقُ الْحَرَامُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا ذَبَحَ سَمَّى.
(وَتَجُوزُ) التَّسْمِيَةُ (بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى التَّسْمِيَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اللَّهِ وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ وَالسَّلَامِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَفْظُهُ.
(وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ مَعَهَا) أَيْ مَعَ التَّسْمِيَةِ (فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ إذَا ذَبَحَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُهُ وَلَا خِلَافَ بِأَنَّ قَوْلَ بِسْمِ اللَّه يُجْزِئُهُ (وَلَا تُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الذَّبِيحَةِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَلِأَنَّهَا لَا تُنَاسِبُ الْمَقَامَ كَزِيَادَةِ الرَّحْمَنِ
стр. 2932
الرَّحِيمِ.
(فَإِنْ كَانَ) الْمُذَكِّي (أَخْرَسَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إلَى السَّمَاءِ وَلَوْ أَشَارَ إشَارَةً تَدُلُّ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَعُلِمَ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ أَرَادَ التَّسْمِيَةَ (كَانَ) فِعْلُهُ (كَافِيًا) لِقِيَامِ إشَارَتِهِ مَقَامَ نُطْقِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ عَلَى إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ.
(فَإِنْ تَرَكَ) الْمُذَكِّي (التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا) مِنْهُ بِاعْتِبَارِهَا (لَمْ تُبَحْ) الذَّبِيحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (وَ) إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ (سَهْوًا) فَإِنَّهَا (تُبَاحُ) لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
(وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التَّسْمِيَةِ عَلَى مَا يَذْبَحُهُ فَلَوْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ وَذَبَحَ غَيْرَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ تُبَحْ) الثَّانِيَةُ سَوَاءٌ أَرْسَلَ الْأُولَى أَوْ ذَبَحَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ (وَكَذَا لَوْ رَأَى قَطِيعًا فَسَمَّى وَأَخَذَ شَاةً) مِنْ الْقَطِيعِ (فَذَبَحَهَا بِالتَّسْمِيَةِ الْأُولَى) لَمْ تُبَحْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا بِالتَّسْمِيَةِ (وَلَوْ جَهِلَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ) فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ كَمَا لَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ جَاهِلًا (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَجَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ (تَكُونُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَصَلَ بِالْكَلَامِ أَوْ لَا كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ) لِأَنَّ الْقَرِيبَ كَالْمُقَارِنِ (فَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى) اللَّهَ (ثُمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ وَأَخَذَ سِكِّينًا أُخْرَى أَوْ رَدَّ سَلَامًا أَوْ كَلَّمَ إنْسَانًا أَوْ اسْتَقَى مَاءً ثُمَّ ذَبَحَ حَلَّ) إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ لِأَنَّهُ سَمَّى عَلَى تِلْكَ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا.
(وَيَضْمَن أَجِيرٌ وَنَحْوُهُ) كَالْمُتَطَوِّعِ (تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَى رَبِّهَا كَمَا لَوْ قَتَلَهَا وَاخْتَارَ فِي النَّوَادِرِ لِغَيْرِ شَافِعِيٍّ يَعْنِي لِحِلِّهَا لَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ تَضْمِينُهُ النَّقْصَ إنْ حَلَّتْ وَعُلِمَ مِنْهُ إنْ تَرَكَهَا سَهْوًا لَا ضَمَانَ لِحِلِّهَا.
(وَإِنْ ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ بِاسْمِ الْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تُبَحْ) الذَّبِيحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] (وَإِذَا لَمْ يَعْلَم أَسَمَّى الذَّابِحُ أَمْ لَا أَوْ) لَمْ يَعْلَمْ (أَذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَمْ لَا؟ ف) فَالذَّبِيحَةُ (حَلَالٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا؟ فَقَالَ سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَتَحْصُلُ ذَكَاةُ جَنِينٍ مَأْكُولٍ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ ذَبْحِهَا بِذَكَاةِ أُمِّهِ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا أَوْ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ) سَوَاءٌ (أَشْعَرَ) أَيْ نَبَتَ شَعْرُهُ (أَوْ لَمْ يُشْعِرْ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا قَالَ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
стр. 2933
وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَابْنِ مَاجَهْ مِثْله مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ وَلِأَنَّ الْجَنِينَ مُتَّصِلٌ بِأُمِّهِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا فَتَكُونُ ذَكَاتُهُ بِذَكَاتِهَا كَأَعْضَائِهَا وَقَوْلُهُ ﷺ : " ذَكَاةُ أُمِّهِ " فِيهِ الرَّفْع وَالنَّصْب فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ ذَكَاةُ أُمِّهِ لَا يَحْتَاجُ الْجَنِينُ إلَى ذَكَاةٍ لَكِنْ قَدَّرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ النَّصْبِ ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ الْمَشْهُورَةِ قُلْتُ وَكَذَا لَوْ قَدَّرَ بِذَكَاةِ أُمِّهِ (وَيُسْتَحَبُّ ذَبْحُهُ) أَيْ الْجَنِينِ (وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لِيَخْرُجَ الدَّمُ الَّذِي فِي جَوْفِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ الْجَنِينِ (حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَمْ يُبَحْ إلَّا بِذَبْحِهِ) أَوْ نَحْرِهِ لِأَنَّهُ نَفْسٌ أُخْرَى وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِحَيَاتِهِ وَلَا يُؤَثِّرُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ كَسَبُعٍ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ الْمُبَاحَةِ.
(وَلَوْ وَجَأَ) أَيْ ضَرَبَ (بَطْنَ أُمِّ جَنِينٍ مُسَمِّيًا فَأَصَابَ مَذْبَحَ الْجَنِينِ) الْمُبَاحِ (فَهُوَ مُذَكًّى وَالْأُمُّ مَيْتَةٌ) لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَهُوَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قَطْعِهِمَا فَإِنْ كَانَتْ نَادَّةً حَلَّا.
[فَصْلٌ يُسَنُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ]
(فَصْلٌ يُسَنُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ضَحَّى وَجَّهَ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَقَالَ ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] » الْآيَتَيْنِ.
(وَ) يُسَنُّ (كَوْنُ الْمَذْبُوحِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَرِفْقِهِ بِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْآلَةِ بِقُوَّةٍ وَإِسْرَاعِ الْقَطْعِ) لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيُكْرَهُ) تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ) كَالْأَذَانِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قُرْبَةً كَالْأُضْحِيَّةِ.
(وَ) يُكْرَهُ (آلَةٌ كَالَّةٌ) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَحُدَّ السِّكِّينَ وَالْحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ أَوْ يَذْبَحُ شَاةً وَأُخْرَى تَنْظُرُ إلَيْهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وَأَنْ تَوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيُكْرَهُ كَسْرُ عُنُقِ الْمَذْبُوحِ) حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسَهُ (وَ)
стр. 2934
يُكْرَهُ (سَلْخُهُ وَقَطْعُ عُضْوٍ مِنْهُ وَنَتْفُ رِيشِهِ حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى بِكَلِمَاتٍ مِنْهَا لَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ إلَى أَنْ تَزْهَقَ وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» وَيُقَالُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَكَسْرُ الْعُنُقِ إعْجَالٌ لِزُهُوقِ الرُّوحِ فِي مَعْنَاهُ السَّلْخُ وَنَحْوُهُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ كَسَرَ عُنُقَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ وَنَحْوَهُ قَبْلَ زُهُوقِ نَفْسِهِ (أَسَاءَ وَأُكِلَتْ) لِأَنَّ الذَّكَاةَ تَمَّتْ بِالذَّبْحِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٌ.
(وَيُكْرَهُ نَفْخُ اللَّحْمِ نَصًّا قَالَ الْمُوَفَّقُ: مُرَادُهُمْ) أَيْ الْأَصْحَابِ اللَّحْمُ (الَّذِي لِلْبَيْعِ لِأَنَّهُ غِشٌّ) بِخِلَافِ مَا يَذْبَحُهُ لِنَفْسِهِ وَيَنْفُخُهُ لِسُهُولَةِ السَّلْخِ.
(وَإِنْ ذَبَحَهُ فَغَرِقَ الْمَذْبُوحُ فِي مَاءٍ) يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ (أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ لَمْ يَحِلَّ) لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الصَّيْدِ «وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ فَلَا تُؤْكَلُ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ يُعِينُ عَلَى زُهُوقِ الرُّوحِ فَيَحْصُلُ الزُّهُوقُ مِنْ سَبَبِ مُبِيحٍ وَمُحَرَّمٍ فَيُغَلَّبُ التَّحْرِيمُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ كَطَيْرِ الْمَاءِ يَقَعُ فِيهِ أَوْ طَيْرٍ وَقَعَ بِالْأَرْضِ لَمْ يَحْرُمْ (وَعَنْهُ يَحِلُّ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ وَذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ أَنَّهَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لِحُصُولِ ذَبْحِهِ وَحُصُولِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالذَّبْحِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ مَا أَصَابَهُ لِحُصُولِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِحِلِّهِ قُلْتُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِي كَسْرِ عُنُقِهِ.
(وَإِنْ ذَبَحَ كِتَابِيٌّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ يَقِينًا كَذِي الظُّفْرِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالنَّعَامُ وَالْبَطُّ وَمَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْأَصَابِعِ) لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا لِأَنَّ قَصْدَهُ لِحِلِّهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (أَوْ) ذَبَحَ كِتَابِيٌّ (مَا زَعَمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدنَا تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِ كَحَالِ الرِّئَةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا) لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ وَذَبَحَ مَا يَحِلَّ لَنَا أَشْبَهَ الْمُسْلِمَ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ حَالِ الرِّئَةِ (أَنَّ الْيَهُودَ إذَا وَجَدُوا الرِّئَةَ لَاصِقَةً بِالْأَضْلَاعِ امْتَنَعُوا مِنْ أَكْلِهَا زَاعِمِينَ تَحْرِيمَهَا وَيُسَمُّونَهَا اللَّازِقَةَ وَإِنْ وَجَدُوهَا غَيْرَ لَاصِقَةٍ أَكَلُوهَا وَإِنْ ذَبَحَ) الْكِتَابِيُّ (حَيَوَانًا غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (مِمَّا يَحِلُّ لَهُ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ وَهِيَ شَحْمُ الثَّرْبِ) بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ (شَحْمٌ رَقِيقٌ يَغْشَى الْكَرِشَ وَالْأَمْعَاءِ وَشَحْمِ الْكُلْيَتَيْنِ) وَاحِدُهَا كُلْوَةٌ وَكُلْيَةٌ بِضَمِّ الْكَافِ فِيهِمَا وَالْجَمْعُ كُلُيَاتٌ وَكُلًى (وَلَنَا) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ.
(أَنْ نَتَمَلَّكَهَا) أَيْ الشُّحُومَ الْمُحَرَّمَةَ عَلَيْهِمْ (مِنْهُمْ بِمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ قَالَ «أَصَبْتُ مِنْ الشُّحُومِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْتُهُ فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا شَيْئًا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهَا ذَكَاةٌ أَبَاحَتْ اللَّحْمَ فَأَبَاحَتْ الشَّحْمَ كَذَكَاةِ الْمُسْلِمِ وَكَذَبْحِ حَنَفِيِّ حَيَوَانًا
стр. 2935
فَتَبَيَّنَ حَامِلًا وَكَذَبْحِ مَالِكِيِّ فَرَسًا مُسَمِّيًا عَلَيْهَا (وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا) أَيْ الشُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ كَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَالْقَاضِي (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ) وَلَا لِغَيْرِهِ (أَنْ يُطْعِمَهُمْ) أَيْ الْيَهُودَ (شَحْمًا مِنْ ذَبْحِنَا نَصًّا لِبَاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ) فِي مِلَّتِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَة وَشَرْعُنَا وَإِنْ نَسَخَ شَرْعَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَكِنْ نُعَامِلُهُمْ بِأَحْكَامِ مِلَّتِهِمْ مَا دَامُوا عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] الْآيَة وَتَحِلُّ ذَبِيحَتُنَا لَهُمْ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ تَحْرِيمَهَا.
(وَإِنْ ذَبَحَ) الْكِتَابِيُّ (لِعَبْدِهِ أَوْ لِكَنِيسَتِهِ أَوْ) ذَبَحَ (الْمَجُوسِيُّ لِآلِهَتِهِ أَوْ لِلزُّهْرَةِ أَوْ لِلْكَوَاكِبِ فَإِنْ ذَبَحَهُ مُسْلِمٌ مُسَمِّيًا فَمُبَاحٌ) لِأَهْلِيَّةِ الْمُذَكِّي (وَإِنْ ذَبَحَهُ الْكِتَابِيُّ وَسَمَّى اللَّهَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ اسْمِهِ حَلَّ) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ طَعَامِهِمْ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّهُ قَصَدَ الذَّكَاةَ وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ (وَكُرِهَ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِلْخِلَافِ (وَعَنْهُ: يَحْرُمُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ) لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ مَعَهُ أَوْ مُنْفَرِدًا لَمْ يَحِلَّ.
(وَلَا تُؤْكَلُ الْمَصْبُورَةُ وَلَا الْمُجَثَّمَةُ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُجَثَّمَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا وَعَنْ الْمَصْبُورَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا» (وَهِيَ) أَيْ الْمُجَثَّمَةُ (الطَّائِرُ أَوْ الْأَرْنَبُ يُجْعَلُ غَرَضًا يُرْمَى) بِالسِّهَامِ (حَتَّى يُقْتَلَ) فَلَا يَحِلُّ لِعَدَمِ الذَّكَاةِ (وَلَكِنْ يُذْبَحُ ثُمَّ يَرْمُوا إنْ شَاءُوا وَالْمَصْبُورَةُ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّ الْمُجَثَّمَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الطَّائِرِ أَوْ الْأَرْنَبِ وَأَشْبَاهِهَا وَالْمَصْبُورَةُ كُلُّ حَيَوَانٍ يُحْبَسُ لِلْقَتْلِ) أَيْ يُحْبَسُ ثُمَّ يُرْمَى حَتَّى يُقْتَلَ.
(وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا فَوَجَدَ فِي بَطْنِهِ جَرَادًا أَوْ) وَجَدَ (سَمَكَةً فِي حَوْصَلَةِ طَائِرٍ) أَوْ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ (أَوْ) وَجَدَ (حَبًّا فِي بَعْرِ جَمَلٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُؤْكَلُ (لَمْ يَحْرُمْ) لِأَنَّهُ طَاهِرٌ وُجِدَ فِي مَحَلِّ طَاهِرٍ فَلَمْ يَحْرُمْ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مُلْقًى (وَكُرِهَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ لِأَنَّهُ رَجِيعٌ (وَيَحْرُمُ بَوْلٌ وَرَوْثٌ طَاهِرَانِ وَتَقَدَّمَ أَوَّلُ) كِتَابِ (الْأَطْعِمَةِ) لِأَنَّهُ رَجِيعٌ مُسْتَخْبَثٌ.
(وَيَحِلُّ مَذْبُوحٌ مَنْبُوذٌ) أَيْ مُلْقًى (بِمَوْضِعٍ يَحِلُّ ذَبْحُ أَكْثَرِ أَهْلِهِ وَلَوْ جُهِلَتْ تَسْمِيَةُ الذَّابِحِ) لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى كُلِّ ذَبْحٍ وَعَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ (وَإِسْمَاعِيلَ) بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا
стр. 2936
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ (الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ) لَا إِسْحَاقَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَة وَتَشْهَدُ بِهِ الْأَخْبَارُ.
[كِتَابُ الصَّيْدِ]
(كِتَابُ الصَّيْدِ وَهُوَ) فِي الْأَصْلِ (مَصْدَرُ) صَادَ يَصِيدُ فَهُوَ صَائِدٌ ثُمَّ أُطْلِقَ (بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ) أَيْ الْمَصِيدُ لِتَسْمِيَتِهِ لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ (اقْتِنَاصُ حَيَوَانٍ حَلَالٍ مُتَوَحِّشٍ طَبْعًا غَيْرِ مَمْلُوكٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَيْهِ) وَالصَّيْدُ حَيَوَانٌ مُقْتَنَصٌ حَلَالٌ مُتَوَحِّشٌ طَبْعًا غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَلَا مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَخَرَجَ الْحَرَامُ كَالذِّئْبِ وَالْإِنْسِيِّ كَالْإِبِلِ وَلَوْ تَوَحَّشَتْ، وَالْمَأْكُولُ وَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لِكَسْرِ شَيْءٍ مِنْهُ وَنَحْوِهِ (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (مُبَاحٌ لِقَاصِدِهِ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وَقَوْلِهِ ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]- الْآيَةُ وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ مِنْهَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَهُ) الصَّيْدُ (لَهْوًا) لِأَنَّهُ عَبَثٌ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ الصَّيْدِ (ظُلْمُ النَّاسِ بِالْعُدْوَانِ عَلَى زُرُوعِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَ) هُوَ (حَرَامٌ) لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (أَفْضَلُ مَأْكُولٍ) لِأَنَّهُ حَلَالٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ.
(وَالزِّرَاعَةُ أَفْضَلُ مُكْتَسَبٍ) لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ مِنْ غَيْرِهَا وَأَقْرَبُ لِلْحِلِّ وَفِيهَا عَمَلُ الْيَدِ وَالنَّفْعُ الْعَامُّ لِلْآدَمِيِّ وَالدَّوَابِّ وَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْكَلَ عَادَةً مِنْ الزَّرْعِ بِلَا عِوَضٍ (وَقِيلَ: عَمَلُ الْيَدِ) قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ وَذَكَرَ الْمَطَاعِمَ يُفَضِّلُ عَمَلَ الْيَدِ انْتَهَى لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الْكَسْبِ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ مَبِيعٍ مَبْرُورٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَمَعْنَى مَبْرُورٍ لَا غِشَّ فِيهِ وَلَا خِيَانَةَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ الْمِقْدَامِ مَرْفُوعًا «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» .
(وَقِيلَ) أَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ (التِّجَارَةُ) قَالَ
стр. 2937
فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَفْضَلُ الْمَعَاشِ التِّجَارَةُ انْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ وَإِنْ جَعَلْتَ الْكَلَامَ عَلَى مَعْنَى مِنْ أَفْضَلَ فَلَا تَعَارُضَ أَوْ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ (وَأَفْضَلُهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (فِي بِزٍّ وَعِطْرٍ وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ وَمَاشِيَةٍ) لِبُعْدِهَا مِنْ الشُّبْهَةِ وَالْكَذِبِ (وَأَبْغَضُهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (فِي رَقِيقٍ وَصَرْفٍ) لِلشُّبْهَةِ (وَيُسَنُّ التَّكَسُّبُ وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ حَتَّى مَعَ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] وَيُرْشِد إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «كَالطَّيْرِ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَعُودُ بِطَانًا» وَالْأَخْذُ فِي الْأَسْبَابِ مِنْ التَّوَكُّلِ فَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّ الرِّزْقَ مِنْ الْكَسْبِ بَلْ مِنْ اللَّهِ بِوَاسِطَةٍ.
(وَقَالَ) صَاحِبُ الرِّعَايَةِ (أَيْضًا فِيهَا يُبَاحُ كَسْبُ الْحَلَالِ لِزِيَادَةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالْمُرُوءَةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ) لِأَنَّهُ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ إذَنْ (وَيَجِبُ) التَّكَسُّبُ (عَلَى مَنْ لَا قُوتَ لَهُ وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) لِحِفْظِ نَفْسِهِ قُلْتُ وَكَذَا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَاجِبٌ لِأَدَائِهِ (وَيُقَدَّمُ الْكَسْبَ لِعِيَالِهِ عَلَى كُلِّ نَفْلٍ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّطَوُّعِ.
(وَيُكْرَهُ تَرْكه) أَيْ التَّكَسُّبِ (وَالِاتِّكَالِ عَلَى النَّاسِ قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الْغِنَى عَنْ النَّاسِ.
وَقَالَ فِي قَوْمٍ لَا يَعْمَلُونَ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ هَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَةٌ) لِتَعْطِيلِهِمْ الْأَسْبَابَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْكَسْبُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّكَاثُرُ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّوَسُّلُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ أَوْ التَّعَفُّفِ عَنْ وُجُوهِ النَّاسِ فَهُوَ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّفَرُّغِ إلَى طَلَبِ الْعِبَادَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ.
(وَأَفْضَلُ الصَّنَائِعِ خِيَاطَةٌ وَكُلُّ مَا نَصَحَ فِيهِ فَهُوَ حَسَنٌ نَصًّا) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يَجِبُ النُّصْحُ فِي الْمُعَامَلَةِ وَكَذَا فِي غَيْرِهَا وَتَرْكُ الْغِشِّ (وَأَدْنَاهَا) أَيْ الصَّنَائِعِ (حِيَاكَةٌ وَحِجَامَةٌ وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً صَبْغٌ وَصِيَاغَةٌ وَحِدَادَةٌ وَنَحْوُهَا وَيُكْرَهُ كَسْبُهُمْ) لِلْخَبَرِ فِي الْحِجَامَةِ وَقِيَاسِ الْبَاقِي عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (كَسْبُ الْجَزَّارِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ قَسَاوَةُ قَلْبِهِ وَ) يُكْرَهُ كَسْبُ (مَنْ يُبَاشِرُ النَّجَاسَاتِ وَالْفَاصِدَ وَالْمُزَيِّنَ وَالْجَرَائِحِيَّ وَالْخَتَّان وَنَحْوهُمْ مِمَّنْ صَنْعَتُهُ دَنِيئَةٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْحِجَامَةِ.
(قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُرَادُ مَعَ إمْكَانِ أَصْلَح مِنْهَا.
وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُحْتَاجًا إلَى هَذَا الْكَسْبِ لَيْسَ لَهُ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ إلَّا الْمَسْأَلَةُ لِلنَّاسِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ كَمَا قَالَ
стр. 2938
بَعْضُ السَّلَفِ: كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ انْتَهَى قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ: أَنَّ الصَّنَائِعَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ ذِي صِنَاعَةٍ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْقِيَامَ بِذَلِكَ الْفَرْضِ طَاعَةً وَيُثَابُ عَلَيْهَا لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَيُسْتَحَبُّ الْغَرْسُ وَالْحَرْثُ) أَيْ الزَّرْعُ (وَاِتِّخَاذُ الْغَنَمِ) لِلْخَبَرِ.
(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ) بِأَنْ صَارَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ (مَلَكَهُ) الْمُثْبِتُ لَهُ لِحِيَازَتِهِ لَهُ (ثُمَّ إنْ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَتْ رَمْيَةُ الْأَوَّلِ مُوحِيَةً بِأَنْ نَحَرَتْهُ أَوْ ذَبَحَتْهُ أَوْ وَقَعَتْ فِي حُلْقُومِهِ أَوْ قَلْبِهِ وَجِرَاحَةُ الثَّانِي غَيْرُ مُوحِيَةٍ) حَلَّ (أَوْ أَصَابَ) الثَّانِي (مَذْبَحَهُ أَوْ نَحْرَتَهُ حَلَّ) لِأَنَّهُ ذُكِّيَ (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي إلَّا مَا نَقَصَهُ مِنْ خَرْقِ جِلْدِهِ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ سِوَى ذَلِكَ الْمَحَلّ (وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (الْأَوَّلُ غَيْرَ مُوحٍ حَرُمَ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِإِثْبَاتِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يُبَحْ إلَّا بِذَبْحِهِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَيُغَرَّمُ) الثَّانِي (قِيمَتَهُ لِلْأَوَّلِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ حَتَّى وَلَوْ أَدْرَكَ الْأَوَّلُ ذَكَاتَهُ فَلَمْ يُذَكِّهِ (إلَّا أَنْ تَنْحَرَهُ رَمْيَتُهُ) أَيْ الثَّانِي (أَوْ تَذْبَحَهُ أَوْ يُدْرِكَ) الصَّيْدَ وَ (فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَيُذَكَّى فَيَحِلُّ) لِأَنَّهُ ذَكِيٌّ (وَإِنْ كَانَ الْمَرْمِيُّ قِنًّا أَوْ شَاةً لِلْغَيْرِ وَلَمْ يُوحِيَاهُ) أَيْ الْجُرْحَانِ (وَسَرَيَا) إلَى النَّفْسِ (فَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ قِيمَتِهِ) أَيْ الْقِنِّ أَوْ الشَّاةِ (مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ) اعْتِبَارًا بِحَالِ جِنَايَتِهِ (وَيُكْمِلُهَا) أَيْ الْقِيمَةِ حَالَ كَوْنِ الْقِنِّ الْمَجْرُوحِ أَوْ الشَّاةِ (سَلِيمًا) الْجَارِحُ (الْأَوَّلُ) لِأَنَّهُ وَقْتُ جِنَايَتِهِ كَانَ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ رَمَيَا) أَيْ الصَّائِدَانِ مَعَ أَهْلِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَتَسْمِيَتُهُ (الصَّيْدَ مَعًا فَقَتَلَاهُ كَانَ) الصَّيْدُ (حَلَالًا) كَمَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي ذَبْحِهِ (وَمَلَكَاهُ بَيْنهمَا) نِصْفَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إصَابَتِهِ سَوَاءٌ تَسَاوَى الْجُرْحَانِ أَوْ تَفَاوَتَا (فَإِنْ كَانَ جُرْحُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الصَّائِدَيْنِ مَعًا (مُوحِيًا وَ) الْجُرْحُ (الْآخَرُ غَيْرَ مُوحٍ وَلَا يُثْبِتُهُ) أَيْ الصَّيْدَ (مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْجُرْحِ (فَهُوَ) أَيْ الْمَصِيدُ.
(لِصَاحِبِ الْجُرْحِ الْمُوحِي) لِانْفِرَادِهِ بِإِثْبَاتِهِ (وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ صَاحِبِهِ فَوَجَدَاهُ مَيِّتًا وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ صَارَ ب) الْجُرْحِ (الْأَوَّلِ مُمْتَنِعًا أَوْ لَا حَلَّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ (وَيَكُونُ) مِلْكُهُ (بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ تَخْصِيصَ أَحَدِهِمَا بِهِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ (فَإِنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: أَنَا أَثْبَتُّهُ ثُمَّ قَتَلْتَهُ أَنْتَ) فَتَضْمَنُهُ (حَرُمَ) لِإِقْرَارِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتَحْرِيمِهِ (وَيَتَحَالَفَانِ لِأَجْلِ الضَّمَانِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ.
(وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَوَّل مِنْهُمَا) أَيْ عَلَى أَنَّ زَيْدًا مَثَلًا رَمَاهُ أَوَّلًا (فَقَالَ الْأَوَّلُ أَنَّا أَثْبَتُّهُ ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ) فَحَرُمَ وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ (وَأَنْكَرَ الثَّانِي إثْبَاتَ الْأَوَّلِ لَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَيَحْرُمُ) الْمَصِيدُ (عَلَى
стр. 2939
الْأَوَّلِ) لِاعْتِرَافِهِ بِتَحْرِيمِهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي فِي عَدَمِ الْإِثْبَاتِ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْأَوَّلِ (وَإِنْ عُلِمَتْ جِرَاحَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِعَيْنِهَا (وَ) عُلِمَ (أَنَّ جِرَاحَةَ الْأَوَّلِ لَا يَبْقَى مَعَهَا امْتِنَاعٌ مِثْلُ كَسْرِ جَنَاحِ الطَّائِرِ أَوْ (كَسْرِ) سَاقِ الظَّبْيِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ) أَنَّهُ أَثْبَتَهُ.
(بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ (وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ) أَيْ جُرْحَ الْأَوَّلِ (لَا يُزِيلُ الِامْتِنَاعَ مِثْلُ خَدْشِ الْجِلْدِ فَقَوْلُ الثَّانِي) بِغَيْرِ يَمِينٍ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ احْتَمَلَ) جُرْحُ الْأَوَّلِ (الْأَمْرَيْنِ) أَيْ إزَالَةَ الِامْتِنَاعِ وَعَدَمِهَا (فَقَوْلُهُ) أَيْ الثَّانِي (نَصًّا) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِامْتِنَاعِ.
(وَلَوْ رَمَاهُ) صَائِدٌ (فَأَثْبَتَهُ ثُمَّ رَمَاهُ) ذَلِكَ الصَّائِدُ (مَرَّةً أُخْرَى فَقَتَلَهُ حَرُمَ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَمْ يَحِلَّ إلَّا بِذَبْحِهِ قُلْتُ فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى مُوحِيَةً أَوْ أَصَابَتْ الثَّانِيَةُ مَذْبَحَهُ حَلَّ كَمَا لَوْ كَانَتْ الرَّمْيَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ صَائِدٍ آخَرَ كَمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدِ وَفِيهِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ بَلْ وَجَدَهُ مُتَحَرِّكًا فَيَحِلُّ بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِيَةِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدِ وَفِيهِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ بَلْ) وَجَدَهُ (مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَهُوَ كَالْمَيْتَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ) لِأَنَّ عَقْرَهُ ذَكَاةٌ لَهُ فَيَحِلُّ بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِيَةِ (وَكَذَا لَوْ كَانَ) لِلصَّيْدِ (فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَوْقَ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَلَكِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ لِتَذْكِيَتِهِ) فَيَحِلُّ بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّهُ بِعَدَمِ الِاتِّسَاعِ لِتَذْكِيَتِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَذْكِيَتِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا (وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لَهَا) أَيْ لِتَذْكِيَتِهِ (لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ (إلَّا بِهَا) أَيْ بِتَذْكِيَةٍ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ أَشْبَهَ سَائِرَ مَا قُدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ (وَإِنْ خَشِيَ مَوْتَهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ لَمْ يُبَحْ أَيْضًا) لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُبَاحُ بِغَيْرِ التَّذْكِيَةِ إذَا كَانَ مَعَهُ آلَةُ الذَّكَاةِ فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِ التَّذْكِيَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ آلَةُ الذَّكَاةِ كَسَائِرِ الْمَقْدُورِ عَلَى تَذْكِيَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا يَحِلَّ بِالْإِرْسَالِ قَالَهُ فِي التَّبْصِرَةِ أَيْ إرْسَالِ الصَّائِدِ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ.
(وَلَوْ اصْطَادَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ) مِنْ فَخٍّ أَوْ شَبَكَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (فَالصَّيْدُ لِمَالِكِهَا) وَكَذَا لَوْ اصْطَادَ عَلَى الْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ.
(وَلَوْ امْتَنَعَ الصَّيْدُ عَلَى الصَّائِدِ مِنْ الذَّبْحِ بِأَنْ جَعَلَ يَعْدُو مِنْهُ حَتَّى مَاتَ تَعَبًا حَلَّ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ بِامْتِنَاعِهِ بِالْعَدْوِ صَارَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى تَذْكِيَتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَحِلُّ
стр. 2940
لِأَنَّ الْإِتْعَابَ يُعِينُهُ عَلَى الْمَوْتِ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ.
(وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ مَيِّتًا حَلَّ) لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ أُقِيمَ مَقَامَ الذَّكَاةِ وَالْجَارِحُ لَهُ آلَةٌ كَالسَّكَاكِينِ.
[الشَّرْط الْأَوَّل أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ]
وَعَقْرُهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ (بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ) : (أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ) أَيْ مِمَّنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالصَّائِدُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكِّي فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ (وَلَوْ) كَانَ الصَّائِدُ (أَعْمَى) خِلَافًا لِابْنِ حَمْدَانَ قَالَ: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِتَعَذُّرِ قَصْدِهِ صَيْدًا مُعَيَّنًا (وَتَقَدَّمَتْ شُرُوطُهَا) أَيْ الذَّكَاةِ فِي بَابِهَا (إلَّا مَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ كَحُوتٍ وَجَرَادٍ فَيُبَاحُ إذَا صَادَهُ مَنْ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ) مِنْ مَجُوسِيٍّ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ مَيِّتًا.
(فَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ) أَوْ كِتَابِيٌّ (أَوْ غَيْرُ كِتَابِيٍّ) كَمَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَدُرْزِيٍّ (أَوْ مُتَوَلِّدٍ بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ غَيْرِ كِتَابِيٍّ (وَبَيْنَ كِتَابِيٍّ) كَوَلَدِ مَجُوسِيَّةٍ مِنْ كِتَابِيٍّ (صَيْدًا أَوْ أَرْسَلَا عَلَيْهِ جَارِحًا أَوْ شَارَكَ كَلْبُ مَجُوسِيٍّ كَلْبَ مُسْلِمٍ فِي قَتْلِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (لَمْ يَحِلَّ) الصَّيْدُ (سَوَاءٌ وَقَعَ سِهَامُهُمَا فِيهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ) وَقَعَ فِيهِ سَهْمُ (أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكِ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ فَغَلَّبْنَا التَّحْرِيمَ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْن مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُبِيحُ رُدَّ إلَى أَصْلِهِ (لَكِنْ أَثْخَنَهُ كَلْبُ الْمُسْلِمِ) أَوْ الْكِتَابِيِّ.
(ثُمَّ قَتَلَهُ) كَلْبُ (الْآخَرِ) أَيْ الْمَجُوسِيِّ وَنَحْوِهِ (وَفِيهِ) أَيْ الصَّيْدِ (حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَرُمَ) الصَّيْدُ لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ الْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ (لَهُ) أَيْ لِلْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَصَابَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا مَقْتَلَهُ دُونَ الْآخَرِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ قَدْ عَقَرَهُ مُوحِيًا مِثْلَ أَنْ ذَبَحَهُ أَوْ جَعَلَهُ فِي حُكْمِ الْمَذْبُوحِ، ثُمَّ أَصَابَهُ الثَّانِي وَهُوَ) أَيْ جُرْحُهُ (غَيْرُ مُوحٍ فَالْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ الْمُسْلِمَ أُبِيحَ) الصَّيْدُ لِأَنَّهُ ذُكِّيَ مِنْ أَهْلٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ كِتَابِيًّا.
(وَإِنْ كَانَ) الْأَوَّلُ (الْمَجُوسِيَّ لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ كَذَبِيحَتِهِ (وَإِنْ كَانَ الْجَرْحُ الثَّانِي مُوحِيًا أَيْضًا فَ) الصَّيْدُ (مُبَاحٌ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ، مُسْلِمًا) أَوْ كِتَابِيًّا مُسَمِّيًا (لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ حَصَلَتْ بِهِ) فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِعْلُ الثَّانِي (وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ مُوحٍ وَ) الْجُرْحُ (الثَّانِي مُوحٍ فَالْحُكْمُ الثَّانِي فِي الْحَظْرِ) إنْ كَانَ الثَّانِي مَجُوسِيًّا أَوْ نَحْوَهُ (وَالْإِبَاحَةُ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا مُسَمِّيًا لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ حَصَلَتْ بِهِ (وَإِنْ رَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ) كَلْب الْمُسْلِمِ حَلَّ الصَّيْدُ لِأَنَّ جَارِحَ الْمُسْلِمِ
стр. 2941
انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ فَأُبِيحَ كَمَا لَوْ رَمَى الْمَجُوسِيُّ سَهْمَهُ فَرَدَّ الصَّيْدَ فَأَصَابَهُ سَهْمُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ أَوْ أَمْسَكَ الْمَجُوسِيُّ شَاةً فَذَبَحَهَا.
(وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ حَلَّ صَيْدُهُ) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالصَّائِدِ وَالْكَلْب آلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ بِقَوْسِهِ وَسَهْمِهِ (وَكُرِهَ) فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ جَابِرُ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَاءِ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ أَوْ نَحْوِهِ (لَا يَحِلَّ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الصَّائِدِ لِلذَّكَاةِ،.
(وَإِنْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ) أَوْ الْكِتَابِيُّ (كَلْبًا فَزَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ) أَوْ نَحْوُهُ (فَزَادَ عَدْوُهُ) فِي عَدْوِهِ (حَلَّ صَيْدُهُ) لِأَنَّ الصَّائِدَ لَهُ هُوَ الْمُسْلِمُ أَوْ الْكِتَابِيُّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ كَلْبًا فَزَجَرَهُ الْمُسْلِمُ (لَمْ يَحِلَّ) صَيْدُهُ لِأَنَّ الصَّائِدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ إذْ الْعِبْرَةُ بِالْإِرْسَالِ.
(وَلَوْ وَجَدَ) الْمُسْلِمُ أَوْ الْكِتَابِيُّ (مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا آخَرَ وَجَهِلَ) الْمُسْلِمُ أَوْ الْكِتَابِيُّ () أَيْ الْكَلْبِ الْآخَرِ (هَلْ سَمَّى عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ أَمْ لَا؟ أَوْ جَهِلَ حَالَ مُرْسِلِهِ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّيْدِ) أَيْ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ (أَمْ لَا؟ وَلَا يُعْلَمُ أَيّهمَا) أَيْ الْكَلْبَيْنِ (قَتَلَهُ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا) أَيْ الْكَلْبَانِ (قَتَلَاهُ مَعًا أَوْ عَلِمَ أَنَّ) الْكَلْبَ (الْمَجْهُولَ هُوَ الْقَاتِلَ) لِلصَّيْدِ وَحْدُهُ (لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ عَلِمَ حَالَ الْكَلْبِ الَّذِي وَجَدَهُ) الْمُسْلِمُ أَوْ الْكِتَابِيُّ (مَعَ كَلْبِهِ وَ) عَلِمَ (أَنَّ الشَّرَائِطَ الْمُعْتَبَرَةَ قَدْ وُجِدَتْ فِيهِ) بِأَنْ كَانَ مُعَلَّمًا وَأَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ مُسَمِّيًا (حَلَّ) الصَّيْدُ كَمَا لَوْ ذَكَّاهُ مَعًا وَلِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (ثُمَّ إنْ كَانَ الْكَلْبَانِ قَتَلَاهُ مَعًا فَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (لِصَاحِبَيْهِمَا) أَيْ: صَاحِبَيْ الْكَلْبَيْنِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحِ (وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَتَلَهُ) وَحْدُهُ (فَهُوَ لِصَاحِبِهِ) أَيْ صَاحِبِ الْجَارِحِ الَّذِي قَتَلَهُ لِأَنَّهُ الصَّائِدُ لَهُ (وَإِنْ جَهِلَ الْحَالَ) فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا أَوْ اشْتَرَكَا.
(حَلَّ أَكْلُهُ) لِأَهْلِيَّةِ الصَّائِدَيْنِ (ثُمَّ إنْ كَانَ الْكَلْبَانِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ فَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ صَاحِبَيْ الْجَارِحَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ جَارِحَيْهِمَا قَتَلَاهُ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْكَلْبَيْنِ (مُتَعَلِّقًا بِهِ) وَحْدَهُ (فَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ صَاحِبِ الْجَارِحِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ (وَعَلَى مَنْ حُكِمَ لَهُ بِهِ الْيَمِينُ) بِطَلَبِ رَفِيقِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الْجَارِحِ الْآخَرِ أَوْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ (وَإِنْ كَانَ الْكَلْبَانِ) وَاقِفَيْنِ (نَاحِيَةً) عَنْ الصَّيْدِ (وُقِفَ
стр. 2942
الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ (فَإِنْ خِيفَ فَسَادُهُ) أَيْ الصَّيْدِ بِبَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ (بِيعَ) أَيْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ (وَاصْطَلَحَا عَلَى ثَمَنِهِ) لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَالِاعْتِبَارُ بِأَهْلِيَّةِ الرَّامِي) لِلسَّهْمِ (وَسَائِرِ الشُّرُوطِ) مِنْ كَوْنِهِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا وَالتَّسْمِيَةِ (حَالِ الرَّمْيِ) لِلسَّهْمِ (فَإِنْ) رَمَاهُ وَهُوَ أَهْلٌ ثُمَّ (ارْتَدَّ) بَعْدَ رَمْيِهِ (أَوْ مَاتَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ حَلَّ) اعْتِبَارًا بِحَالِ الرَّمْيِ وَعَكْسُهُ بِأَنْ رَمَاهُ مُرْتَدًّا أَوْ مَجُوسِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَحِلَّ.
[فَصَلِّ الشَّرْطُ الثَّانِي الْآلَةُ]
[الْآلَةُ نَوْعَانِ]
[النَّوْع الْأَوَّل مُحَدَّدَةٌ]
(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي الْآلَةُ وَهِيَ نَوْعَانِ) (أَحَدُهُمَا مُحَدَّدَةٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ) أَيْ لِلْمُحَدَّدِ (مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ) لِأَنَّ جُرْحَهُ قَائِمٌ مَقَامَ ذَكَاتِهِ فَاعْتُبِرَ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ فِي آلَةِ الذَّكَاةِ (وَلَا بُدَّ مِنْ جُرْحِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (بِهِ) أَيْ بِالْمُحَدَّدِ (فَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَمْ يُبَحْ كَشَبَكَةٍ وَفَخٍّ وَبُنْدُقَةٍ وَعَصًى وَحَجَرٍ لَا حَدَّ لَهُ وَلَوْ شَدَخَهُ أَوْ حَرَقَهُ أَوْ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَمَرِيئَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الْحَجَرِ (حَدٌّ كَصَوَّانٍ فَكَمِعْرَاضٍ) إنْ قَتَلَهُ بِحَدِّهِ حَلَّ إنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ (وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ وَهُوَ عُودٌ مَحْدُودٌ رُبَّمَا جُعِلَ فِي رَأْسِهِ حَدِيدَةٌ أُكِلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ دُونَ عَرْضِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَدِّي بْنِ حَاتِمٍ «مَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَرَقْتَ فَكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْمِعْرَاضِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ» (وَكَذَا سَهْمٌ وَرُمْحٌ وَحَرْبَةٌ وَسَيْفٌ وَنَحْوُهُ) كَسِكِّينٍ (يَضْرِبُ) بِهِ (صَفْحًا فَيَقْتُلُ فَكُلُّهُ حَرَامٌ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِعْرَاضِ لِأَنَّ الْقَتْلَ إذَنْ يَكُونُ بِثِقَلِهِ لَا بِحَدِّهِ (وَكَذَا إنْ أَصَابَ) السَّهْمُ أَوْ نَحْوُهُ الصَّيْدَ (بِحَدِّهِ فَلَمْ يَجْرَحْ) الصَّيْدَ (وَقَتَلَ بِثِقَلِهِ) فَلَا يَحِلُّ كَقَتْلِ الْمِعْرَاضِ بِثِقَلِهِ، لِأَنَّ عِلَّةَ الْحِلِّ الْجُرْحُ وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَحِلَّ الصَّيْدُ.
(وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ أَوْ) نَصَبَ (سَكَاكِينَ) لِلصَّيْدِ (وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا فَقَتَلَتْ صَيْدًا وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ نَاصِبهِ أَوْ رِدَّتِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ النَّصْبِ لِأَنَّهُ كَالرَّمْيِ (أُبِيحَ) الصَّيْدُ (إنْ جَرَحَهُ) الْمَنْصُوبُ مِنْ سِكِّينٍ أَوْ مِنْجَلٍ رُوِيَ
стр. 2943
عَنْ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّ النَّصْبَ جَرَى مَجْرَى الْمُبَاشَرَةِ فِي الضَّمَانِ، فَكَذَا فِي الْإِبَاحَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ «كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ» وَلِأَنَّهُ قَتْلُ الصَّيْدِ بِمَا لَهُ حَدٌّ، جَرَتْ الْعَادَةُ بِالصَّيْدِ بِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ، وَفَارَقَ مَا إذَا نَصَبَ سِكِّينًا فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالصَّيْدِ بِهَا ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ: مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُنْتَهَى مَنْ نَصَبَ مِنْجَلًا أَوْ سِكِّينًا لَكِنْ عِبَارَةُ الْمُقْنِعِ بِالْجَمْعِ كَالْمُصَنِّفِ وَلَمْ يُغَيِّرْهَا فِي التَّنْقِيحِ وَلَا تَعَرَّضَ لِهَؤُلَاءِ فِي الْإِنْصَافِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ مَا نَصَبَهُ مِنْ مَنَاجِلَ أَوْ سَكَاكِينَ (فَلَا) يُبَاحُ الصَّيْدُ لِعَدَمِ الْجُرْحِ.
(وَإِنْ قَتَلَ) الصَّيْدَ (بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ لَمْ يُبَحْ) الصَّيْدُ (إذَا احْتَمَلَ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ) لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ فَغُلِّبَ الْمُحَرِّمُ وَكَسَهْمِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ فَيَحْرُمُ وَلَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ حَيْثُ احْتَمَلَ فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ فَلَا.
(وَلَوْ رَمَاهُ) أَيْ الصَّيْدَ (فَوَقَعَ فِي مَا يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ) لَمْ يَحِلَّ (أَوْ تَرَدَّى) مِنْ نَحْوِ جَبَلٍ (تَرَدِّيًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ) لَمْ يَحِلَّ (أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) بَعْدَ رَمْيِهِ (فَقَتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ أَشْبَهَ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ وَلِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّيْدِ فَقَالَ إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْمُتَرَدِّي مِنْ نَحْوِ جَبَلٍ وَالْمَوْطُوءِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْقَاتِلِ مِنْ السَّبَبَيْنِ (وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ مُوحِيًا) لِظَاهِرِ مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ وَقَعَ) الصَّيْدُ (فِي مَاءٍ وَرَأْسُهُ) أَيْ الصَّيْدِ (خَارِجُهُ) أَيْ الْمَاءِ فَمُبَاحٌ (أَوْ كَانَ) الصَّيْدُ (مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ) فَمُبَاحٌ (أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ فَمُبَاحٌ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ لِأَنَّ التَّرَدِّي وَالْوُقُوعَ إنَّمَا حَرُمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ وَهَذَا مُنْتَفٍ هُنَا.
(وَإِنْ رَمَى طَيْرًا فِي الْهَوَاءِ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ جَبَلٍ فَوَقَعَ) طَيْرًا (إلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ حَلَّ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِالْإِصَابَةِ) وَالظَّاهِرُ زُهُوقُ رُوحِهِ بِالرَّمْيِ لَا بِالْوُقُوعِ وَلِأَنَّ وُقُوعَهُ إلَى الْأَرْضِ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَوْ حَرُمَ بِهِ لَأَدَّى إلَى أَنْ لَا يَحِلَّ طَيْرٌ أَبَدًا.
(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا وَلَوْ) كَانَ الرَّامِي (لَيْلًا فَجَرَحَهُ وَلَوْ غَيْرَ مُوحٍ فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا بَعْدَ يَوْمِهِ) أَيْ الَّذِي رَمَاهُ فِيهِ (وَسَهْمُهُ فَقَطْ فِيهِ) حَلَّ (أَوْ أَثَرُهُ) أَيْ السَّهْمِ بِالصَّيْدِ (وَلَا أَثَرَ بِهِ غَيْرُهُ حَلَّ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي سَهْمِي؟ قَالَ: مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ
стр. 2944
فَكُلْ قَالَ، فَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ غَيْرَ سَهْمِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ جُرْحَهُ بِسَهْمِهِ سَبَبُ إبَاحَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ يَقِينًا، وَالْمُعَارِضُ لَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ كَمَا لَوْ وُجِدَ بِفَمِ كَلْبِهِ أَوْ هُوَ يَعْبَثُ بِهِ (وَإِنْ وَجَدَ بِهِ سَهْمًا) غَيْرَ سَهْمِهِ لَمْ يَحِلَّ (أَوْ) وَجَدَ بِهِ (أَثَرَ سَهْمٍ غَيْرِ سَهْمِهِ) لَمْ يَحِلَّ (أَوْ شَكَّ فِي سَهْمِهِ) إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ الَّذِي بِالصَّيْدِ سَهْمُهُ لَمْ يَحِلَّ (أَوْ) شَكَّ.
(فِي قَتْلِهِ) أَيْ الصَّيْدِ (بِهِ) أَيْ بِسَهْمِهِ لَمْ يَحِلَّ (أَوْ أَكَلَ مِنْهُ سَبُعٌ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ) أَكْلُهُ مِنْهُ (قَتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَكَمَا لَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا سِوَاهُ (وَإِنْ كَانَ الْأَثَرُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ (مِثْلُ أَكْلِ حَيَوَانٍ ضَعِيفٍ كَسِنَّوْرٍ وَثَعْلَبٍ مِنْ حَيَوَانٍ قَوِيٍّ أَوْ تَهَشَّمَ مِنْ وَقْعَتِهِ فَمُبَاحٌ) لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ (وَلَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ) أَيْ الصَّيْدِ (كَلْبَهُ فَعَقَرَهُ فَغَابَ) ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا (أَوْ غَابَ) الصَّيْدُ (قَبْلَ عَقْرِهِ ثُمَّ وُجِدَ مَيِّتًا وَالْكَلْبُ وَحْده أَوْ) وَجَدَ (الصَّيْدَ بِفَمِهِ أَوْ) وَهُوَ (يَعْبَثُ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ حَلَّ) الصَّيْدُ لِأَنَّ وُجُودَهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ وَعَدَمَ أَثَرِ ذَلِكَ فِيهِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِجَارِحِهِ فَحَلَّ كَمَا لَوْ لَمْ يَغِبْ عَنْهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَإِنْ غَابَ قَبْلَ عَقْرِهِ ثُمَّ وَجَدَ سَهْمَهُ أَوْ كَلْبَهُ عَلَيْهِ فَفِي الْمُنْتَخَبِ أَنَّهَا كَذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ.
وَعَنْهُ يَحْرُمُ وَذَكَرَهَا فِي الْفُصُولِ كَمَا لَوْ وَجَدَ كَلْبَهُ أَوْ السَّهْمَ نَاحِيَةً كَذَا قَالَ وَتَبِعَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا ذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى الْخِلَافِ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَحَنْبَلٍ كُلْهُ وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ (وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا لَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا آخَر) .
(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا أَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَأَبَانَ بَعْضَهُ وَلَوْ بِنَصْبِ مَنَاجِلَ وَنَحْوِهَا) كَسَكَاكِينَ (فَإِنْ قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ أَوْ مُتَقَارِبَتَيْنِ أَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ حَلَّ) الْجَمِيعُ (فَإِنْ أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا غَيْرَ الرَّأْسِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَكَانَتْ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ مَعًا أَوْ) كَانَ مَوْتُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ أَبَانَ مِنْهُ الْعُضْوَ (بِقَلِيلٍ أُكِلَ) هُوَ (وَمَا أُبِينَ مِنْهُ) .
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ «مَا قَطَعْتَ مِنْ الْحَيِّ مَيْتَةٌ» إذَا قَطَعْتَ وَهِيَ حَيَّةٌ تَمْشِي وَتَذْهَبُ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ جَمِيعًا أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْمَوْتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَلَا تَرَى الَّذِي ذُبِحَ رُبَّمَا مَكَثَ سَاعَةً وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى يَمُوتَ وَلِأَنَّ مَا كَانَ ذَكَاةً لِبَعْضِ الْحَيَوَانِ كَانَ ذَكَاةً لِجَمِيعِهِ كَمَا لَوْ قَدَّ الصَّائِدُ الصَّيْدَ نِصْفَيْنِ وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي حَيًّا حَتَّى يَكُونَ الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ مَيِّتًا (وَإِنْ كَانَتْ) حَيَاتُهُ (مُسْتَقِرَّةً فَالْمُبَانُ) مِنْهُ (حَرَامٌ سَوَاءٌ بَقِيَ الْحَيَوَانُ حَيًّا أَوْ أَدْرَكَهُ) أَحَدٌ (فَذَكَّاهُ أَوْ رَمَاهُ) الصَّائِدُ (بِسَهْمٍ آخَرَ فَقَتَلَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ
стр. 2945
مَيِّتٌ» (وَإِنْ بَقِيَ) الْعُضْوُ (مُتَعَلِّقًا بِجِلْدِهِ حَلَّ) الْعُضْوُ (بِحِلِّهِ) أَيْ الْحَيَوَانِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْعُضْوَ.
(لَمْ يَبِنْ) أَيْ لَمْ يَنْفَصِلْ فَهُوَ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ (وَإِنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ حُوتٍ وَأَفْلَتَ) الْحُوتُ (حَيًّا أُبِيحَ مَا أَخَذَ مِنْهُ) لِأَنَّ أَقْصَى حَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً وَمَيْتَةُ الْحُوتِ وَنَحْوِهِ طَاهِرَةٌ (وَتَحِلُّ الطَّرِيدَةُ وَهِيَ الصَّيْدُ يَقَعُ بَيْنَ الْقَوْمِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَيَقْطَعُ ذَا مِنْهُ بِسَيْفِهِ قِطْعَةً وَيَقْطَعُ الْآخَرُ أَيْضًا) قِطْعَةً (حَتَّى يُؤْتَى عَلَيْهِ) أَيْ الصَّيْدِ (وَهُوَ حَيٌّ) قَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالطَّرِيدَةِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ (وَكَذَا النَّادُّ) مِنْ الْإِبِلِ وَنَحْوِهَا إذَا تَوَحَّشَتْ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَذْكِيَتِهَا.
[فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْآلَةِ الْجَارِحَةِ]
(فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ نَوْعَيْ الْآلَةِ (الْجَارِحَةِ فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ) الْجَارِحَةُ (إذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ وَكُلُّ طَيْرٍ تَعَلَّمَ الصَّيْدَ " وَالْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُهَا وَالْجَارِحُ لُغَةً الْكَاسِبُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أَيْ كَسَبْتُمْ وَمُكَلِّبِينَ مِنْ التَّكَلُّبِ وَهُوَ الْإِغْرَاءُ (إلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ الْأَسْوَدَ وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ) قَالَ ثَعْلَبٌ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ كُلُّ لَوْنٍ لَمْ يُخَالِطْهُ لَوْنُ آخَرُ فَهُوَ بَهِيمٌ قِيلَ لَهُمَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ قَالَا نَعَمْ (أَوْ) كَانَ أَسْوَدَ (بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ) فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَهُوَ الصَّحِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (كَمَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ) أَيْ حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالطُّفْيَةُ خُوصُ الْمُقَلِ فَشَبَّهَ الْخَطَّيْنِ الْأَبْيَضَيْنِ مِنْهُ بِالْخُوصَتَيْنِ (فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ) أَيْ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ " لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ: إنَّهُ شَيْطَانٌ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (كَ) صَيْدِ (غَيْرِ الْمُعَلَّمِ) مِنْ
следующие страницы →