Полный текст (3 210 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
(ذَكَره الْأَصْحَابُ فِي أَحْكَامِ الْمَفْقُودِ) .
قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: فِي إعَادَةِ فَاسِقٍ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ رَدَّهُ لَهَا حُكْمٌ بِالرَّدِّ فَقَبُولُهَا نَقْضٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ صَبِيٍّ وَعَبْدٍ لِإِلْغَاءِ قَوْلِهِمَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رَدِّ عَبْدٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ مَضَى وَالْمُخَالَفَةُ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ نَقْضٌ مَعَ الْعِلْمِ.
(وَثُبُوتُ شَيْءٍ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي (لَيْسَ حُكْمًا بِهِ) سِوَى إثْبَاتِ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ كَتَقْرِيرِ أُجْرَةِ مِثْلٍ.
(وَتَنْفِيذُ الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ.
وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ شَارِحِ الْمُحَرَّرِ وَالشَّارِحُ الْكَبِيرُ (وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ عَمَلٌ بِالْحُكْمِ وَإِجَازَةٌ لَهُ وَإِمْضَاءٌ لِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ بِالْمَحْكُومِ بِهِ إذْ الْحُكْمُ بِالْمَحْكُومِ بِهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ انْتَهَى وَمَعْنَى التَّنْفِيذِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ الْخَصْمِ مُنَازَعَةٌ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ وَيَرْفَعُ إلَيْهِ حُكْمَ الْأَوَّل فَيُمْضِيهِ وَيُنَفِّذُهُ وَلَزِمَهُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَأَمَّا التَّنْفِيذُ الْمُتَعَارَفُ الْآنَ الْمُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فَمَعْنَاهُ إحَاطَةُ الْقَاضِي الثَّانِي عِلْمًا بِحُكْمِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَرَضٍ عِنْدَهُ وَيُسَمَّى اتِّصَالًا، وَيَجُوزُ بِذِكْرِ الثُّبُوتِ وَالتَّنْفِيذِ فِيهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْغَرْسِ الْحَنَفِيِّ.
(وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ قَطْعًا) لِأَنَّ الصِّحَّةَ فَرْعُ ذَلِكَ.
(وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (حُكْمٌ بِمُوجَبِ الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) أَيْ بِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ بِذَلِكَ لِأَنَّ مُوجَبَ الشَّيْءِ هُوَ أَثَرُهُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ (فَالدَّعْوَى الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى بِهِ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ) لِأَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ مُوجَبِهِ إذْنٌ (وَ) الدَّعْوَى (غَيْرُ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ (الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَيْسَ حُكْمًا بِهَا) أَيْ بِالصِّحَّةِ.
(قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) قَالَ الْغَزِّيِّ فِي شَرْحِ نَظْمِهِ الْعُمْدَةِ: الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ إذَا كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى وَأَعَمَّ لِوُجُودِ الْإِلْزَامِيَّةِ فِيهِ وَتَضَمُّنُهُ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَمَا إذَا شَهِدَ عِنْدَ الشُّهُودِ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ وَذَكَرُوا الْمَصْرِفَ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ عِنْدَهُ فَحُكِمَ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ قَالَ السُّبْكِيّ لَكِنَّهُ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ (وَقَالَ السُّبْكِيّ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَتَبِعَهُ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (ابْنُ قُنْدُسٍ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَسْتَدْعِي صِحَّةَ الصِّيغَةِ وَأَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَيَزِيدُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَوْنَ تَصَرُّفِهِ فِي مَحِلِّهِ.
وَقَالَ السُّبْكِيّ أَيْضًا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ هُوَ الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِبُهُ اللَّفْظُ وَ) الْحُكْمُ (بِالصِّحَّةِ كَوْنُ اللَّفْظِ
стр. 3047
بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَحْكُمُ بِالصِّحَّةِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَقِيلَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ بِهِ.
(وَالْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ) كَالنُّكُولِ (فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُوجَبُهُ.
(وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَا يَشْمَلُ الْفَسَادَ انْتَهَى) وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرَ السُّبْكِيّ أَيْضًا قَوْلَ مَنْ قَالَ مُوجَبُهُ يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ الصَّحِيحَ يُوجِبُ حُكْمًا، وَاللَّفْظَ الْفَاسِدَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا قَالَ فِي التَّنْقِيحِ بَعْدَ مَا سَبَقَ (وَالْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالُوا) أَيْ الْأَصْحَابُ.
(الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ) فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَا يَرَاهُ نَقْضُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مُوجَبٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُوجَبَ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ يَقْتَضِي عَقْدَهُ لَا حُكْمَ بِالْعَقْدِ وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَذَكَرَ الْغَزِّيِّ فُرُوقًا بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ مِنْهَا مَا سَبَقَ وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ صَحِيحًا بِالِاتِّفَاقِ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي مُوجَبِهِ.
فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الَّذِي حَكَمَ بِالصِّحَّةِ وَلَوْ حَكَمَ الْأَوَّلُ فِيهِ بِالْمُوجَبِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ عَلَى الثَّانِي مِثَالُهُ التَّدْبِيرُ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي مَنْعِهِ الْبَيْعَ خِلَافٌ فَإِذَا حَكَمَ بِصِحَّةِ التَّدْبِيرِ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ بَيْعِهِ لِمَنْ يَرَاهُ وَإِنْ حَكَمَ بِمُوجَبِهِ مَنْ لَا يَرَى بَيْعَهُ مَنَعَ الْبَيْعَ وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ دَعْوَى كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا إلْزَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْإِلْزَامِ هُوَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَلَا يَكُونُ بِالصِّحَّةِ لَكِنْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إقْرَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَمِنْهَا بِالْحُكْمِ عَلَى الزَّانِي وَالسَّارِقِ بِمُوجَبِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ لَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَمِنْهَا أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَلَا فَسْخُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ حُكِمَ بِمُوجَبِهِ وَالْإِلْزَامُ بِمُقْتَضَاهُ امْتَنَعَ التَّمْكِينُ مِنْ الْفَسْخِ انْتَهَى.
وَقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ الشَّافِعِيُّ وُرَيْقَاتٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَأَوْرَدَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْفَتُوحِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمُنْتَهَى وَهِيَ نَافِعَةٌ جَيِّدَةٌ مُوضِحَةٌ لِمَا سَبَقَ.
стр. 3048
[فَصْلٌ يَنْظُرُ الْقَاضِي وُجُوبًا فِي أَمْرِ يَتَامَى وَمَجَانِينَ]
(فَصْلٌ ثُمَّ يَنْظُرُ) الْقَاضِي (وُجُوبًا فِي أَمْرِ يَتَامَى وَمَجَانِينَ وَوُقُوفٍ) عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ (وَوَصَايَا لَا وَلِيَّ لَهُمْ وَلَا نَاظِرَ) لِأَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا قَوْلَ لَهُمَا وَأَرْبَابُ الْوُقُوفِ وَالْوَصَايَا غَيْرُ الْمُعَيَّنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ لَا يَتَعَيَّنُونَ.
(وَلَوْ نَفَّذَ) الْقَاضِي (الْأَوَّلُ وَصِيَّةَ مُوصَى إلَيْهِ أَمْضَاهَا) الْقَاضِي (الثَّانِي) وَلَمْ يَعْزِلْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعْرِفَةُ أَهْلِيَّتِهِ (فَدَلَّ) ذَلِكَ (أَنْ إثْبَاتَ صِفَةٍ كَعَدَالَةٍ وَجَرْحٍ وَأَهْلِيَّةِ مُوصَى إلَيْهِ وَغَيْرِهَا حُكْمٌ يَقْبَلُهُ حَاكِمٌ آخَرُ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْضَاؤُهُ وَتَنْفِيذُهُ (لَكِنْ يُرَاعِيهِ) أَيْ يُرَاعِي الْقَاضِي الْمُوصَى إلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ، فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ.
(فَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ) أَيْ الْمُوصَى إلَيْهِ وَمِثْلُهُ النَّاظِرُ بِشَرْطٍ (بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ أَضَافَ إلَيْهِ أَمِينًا) قَوِيًّا يُعِينُهُ لِيَحْصُلَ مَقْصُودَ الْوَصِيَّةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْقَاضِي (الْأَوَّلُ مَا نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ نَظَرَ) الثَّانِي (فِيهِ) أَيْ فِي الْمُوصَى إلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا) أَمِينًا (أَقَرَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا ضَعِيفًا ضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يُعِينُهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا عَزَلَهُ وَأَقَامَ غَيْرَهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ ثُمَّ قَالَ، وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْظُرُ عَلَيْهِ انْتَهَى وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ هُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَرَّفَ أَوْ فَرَّقَ لِلْوَصِيَّةِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْوَصِيَّةِ نَفَّذَ تَصَرُّفَهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِأَهْلٍ وَالْمُوصَى إلَيْهِمْ بَالِغِينَ عَاقِلِينَ مُعَيَّنِينَ صَحَّ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ قَبَضُوا حُقُوقَهُمْ.
(وَيَنْظُرُ) الْقَاضِي الثَّانِي (فِي أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ) قَبْلَهُ (وَهُمْ مَنْ رَدَّ إلَيْهِ الْحَاكِمُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ وَتَفْرِقَةِ الْوَصَايَا الَّتِي لَمْ يُعَيَّنْ لَهَا وَصِيٌّ) مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي (فَإِنْ كَانُوا بِحَالِهِمْ) مِنْ الْأَهْلِيَّةِ (أَقَرَّهُمْ) عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَبْلَهُ وَلَّاهُمْ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَنْعَزِلُونَ بِعَزْلِ الْقَاضِي وَلَا بِمَوْتِهِ بِخِلَافِ خُلَفَائِهِ فِي الْحُكْمِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ مَا يَلْحَقُ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ بِعَزْلِهِمْ بِإِضَاعَةِ حُقُوقِ الْأَيْتَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَلِذَلِكَ ذَكَرُوا فِي الْوَقْفِ لَوْ فَوَّضَ قَاضٍ النَّظَرَ لِوَاحِدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضِهِ وَعَلَّلَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى مِنْ عِنْدِهِ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُمْ - أَيْ الْأَصْحَابَ - نَزَّلُوا تَفْوِيضَهُ مَنْزِلَةَ حُكْمِهِ فَكَذَلِكَ يُقَالُ هُنَا.
(وَمَنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ) مِمَّنْ نَصَبَ وَصِيًّا (عَزَلَهُ إنْ فَسَقَ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ (وَإِنْ ضَعُفَ) مَعَ عَدَالَتِهِ (ضَمَّ إلَيْهِ أَمِينًا) لِيَقْوَى عَلَى
стр. 3049
التَّصَرُّفِ.
(ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الضَّوَالِّ وَاللُّقَطِ الَّتِي يَتَوَلَّى الْحَاكِمُ حِفْظَهَا) لِئَلَّا تَضِيعَ (فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُخَافُ تَلَفُهُ كَالْحَيَوَانِ أَوْ) كَانَ (فِي حِفْظِهَا مُؤْنَةٌ بَاعَهَا وَحَفِظَ ثَمَنَهَا لِأَرْبَابِهَا) لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهُمْ (وَإِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا حَفِظَهَا لِأَرْبَابِهَا وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا) لُقَطَةً أَوْ نَحْوَهُ (لِتُعْرَفَ) وَلَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا (ثُمَّ يَنْظُرُ فِي حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ إنْ شَاءَ وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّ الظَّاهِر صِحَّةُ قَضَايَا مَنْ قَبْلَهُ.
(فَإِنْ كَانَ) مَنْ قَبْلَهُ (مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ أَحْكَامِهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَيُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ أَصْلًا (إلَّا مَا يُخَالِفُ نَصَّ كِتَابِ) اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) نَصَّ (سُنَّةِ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ آحَادٍ كَقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ وَلَوْ مُلْتَزِمًا فَيَلْزَمُ نَقْضُهُ نَصًّا وَ) .
كَذَا (جَعْلَ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ) لِفَلَسٍ (أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فَيُنْقَضُ نَصًّا) لِأَنَّهُ قَضَاءٌ لَمْ يُصَادِفْ شَرْطَهُ فَوَجَبَ نَقْضُهُ كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ لِأَنَّ شَرْطَ الِاجْتِهَادِ عَدَمُ مُخَالِفَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ بِدَلِيلِ خَبَر مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَلِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ.
(وَلَوْ زَوَّجَتْ) الْمَرْأَةُ (نَفْسَهَا) وَحَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ (لَمْ يُنْقَضْ) حُكْمُهُ لِاخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي صِحَّتِهِ (أَوْ خَالَفَ مَا) حُكِمَ بِهِ (إجْمَاعًا قَطْعِيًّا) فَيُنْقَضُ لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهِ شَرْطِهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَ (لَا) يُنْقَضُ مَا خَالَفَ إجْمَاعًا (ظَنِّيًّا وَيُنْقَضُ حُكْمُهُ بِمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ) إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا بِخِلَافِ الْمُقَلِّدِ وَتَقَدَّمَ (وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ إجْمَاعًا وَيَأْثَمُ وَيَعْصَى بِذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] .
(وَلَوْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لَمْ يُنْقَضْ وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا إجْمَاعًا) وَيَأْتِي فِي أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ أَنَّهُ ﷺ : «قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْمَالِ» (وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ بِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِ) لِلْإِمَامِ (مَالِكٍ) لِأَنَّ عِلْمَهُ بِالْخِلَافِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلَا بُطْلَانِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ.
(وَلَا) يُنْقَضُ حُكْمُهُ أَيْضًا (لِمُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ وَلَوْ) كَانَ الْقِيَاسُ (جَلِيًّا) لِأَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ (وَحَيْثُ قُلْنَا بِنَقْضِ) الْحُكْمِ (فَالنَّاقِضُ لَهُ حَاكِمُهُ إنْ كَانَ) مَوْجُودًا (فَيَثْبُتُ السَّبَبُ) الْمُقْتَضَى عِنْدَهُ (وَيَنْقُضُهُ) حَاكِمُهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْغَزِّيِّ: إذَا قَضَى بِخِلَافِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ هَذَا بَاطِلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقُضَاةِ نَقْضُهُ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ انْتَهَى قُلْتُ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ النَّاقِضَ لَهُ حَاكِمُهُ إنْ كَانَ لَا يَتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا حَكَمَ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ أَوْ بِجَعْلِ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مُفْلِسٍ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ يَرَاهُ وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ مَنْ
стр. 3050
لَا يَرَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فَيَثْبُتُ السَّبَبُ وَيَنْقُضُهُ (وَلَا يُعْتَبَرُ لِنَقْضِهِ طَلَبُ رَبِّ الْحَقِّ) نَقْضِهِ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ فِيهِ لِمُعَيَّنٍ لِأَنَّ نَقْضَهُ حَقُّ لِلَّهِ (وَيَنْقُضُهُ) أَيْ يَنْقُضُ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ.
(إذَا بَانَتْ الْبَيِّنَةُ عَبِيدًا أَوْ نَحْوَهُمْ) كَمَا لَوْ كَانُوا أَبْنَاءَ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ مِنْ أُصُولِهِ (إنْ لَمْ يَرَ) الْحَاكِمُ (الْحُكْمَ بِهَا، وَفِي الْمُحَرَّرِ لَهُ نَقْضُهُ) وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَانِعِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ وَاجِبًا فَلَا خِلَافَ.
(قَالَ وَكَذَا كُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ صَادَفَ مَا حَكَمَ فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ) الْقَاضِي ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَثْبُتُ السَّبَبُ وَيَنْقُضُهُ كَعَدَاوَةِ الْبَيِّنَةِ وَعُصْبَتِهِمْ وَكَوْنِ الْمَبِيعِ مَنْذُورًا عِتْقُهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ وَنَحْوِهِ (قَالَ السَّامِرِيُّ لَوْ حَكَمَ بِجَهْلٍ نُقِضَ حُكْمُهُ) لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْقَاضِي (مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ) لِلْقَضَاءِ (لِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ نُقِضَ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا) وَلَوْ وَافَقَتْ الصَّوَابَ لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَضَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ لِفَقْدِ شَرْطِ الْقَضَاءِ فِيهِ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّيْخُ وَجَمْعٌ لَا يُنْقَضُ الصَّوَابُ مِنْهَا) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ (وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ مُدَّةٍ) ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
[فَصْلٌ إذَا تَخَاصَمَ اثْنَانِ]
(إذَا تَخَاصَمَ اثْنَانِ فَدَعَا أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ) فِي الْحُضُورِ مَعَهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ (فَإِنْ اسْتَعْدَى الْحَاكِمَ أَحَدٌ عَلَى خَصْمِهِ) أَيْ طَلَبَ مِنْهُ إحْضَارَهُ (فِي الْبَلَدِ بِمَا يَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ لَزِمَهُ) أَيْ الْحَاكِمَ (إحْضَارُهُ وَلَوْ لَمْ يُحَرِّرْ الدَّعْوَى) لِأَنَّ ضَرَرَ فَوَاتِ الْحَقِّ أَعْظَمُ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَقَدْ حَضَرَ عُمَرُ وَأُبَيٌّ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَحَضَرَ عُمَرُ وَآخَرُ عِنْدَ شُرَيْحٍ، وَسَوَاءٌ (عَلِمَ) الْقَاضِي (أَنَّ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُسْتَعْدِي وَالْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ (مُعَامَلَةً أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) ذَلِكَ.
(وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعْدِي مِمَّنْ يُعَامِلُ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ، أَوْ لَا يُعَامِلُهُ كَالْفَقِيرِ يَدَّعِي عَلَى ذِي ثَرْوَةٍ وَهَيْبَةٍ فَيَبْعَثُ مَعَهُ عَوْنًا يُحْضِرُهُ وَإِنْ شَاءَ) الْقَاضِي (بَعَثَ مَعَهُ) أَيْ الْمُسْتَعْدَى (قِطْعَةً مِنْ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ أَوْ فِي كَاغَدٍ وَنَحْوِهِ فَإِذَا بَلَغَهُ لَزِمَهُ الْحُضُورُ) إلَى مَجْلِسِ الشَّرْعِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ (وَإِنْ شَاءَ) الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ (وَكَّلَ)
стр. 3051
مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ إنْ كَرِهَ الْحُضُورَ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنْ الْحُضُورِ (أَوْ كَسَّرَ الْخَتْمَ أُعْلِمَ الْوَالِي بِهِ فَأَحْضَرَهُ) وَلَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي تَخَلُّفِهِ لِئَلَّا يَكُونَ وَسِيلَةً إلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ.
(فَإِذَا حَضَرَ) بَعْدَ امْتِنَاعِهِ (وَثَبَتَ امْتِنَاعُهُ عَزَّرَهُ) الْقَاضِي (إنْ رَأَى ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ كَلَامٍ وَكَشْفِ رَأْسٍ وَضَرْبٍ وَحَبْسٍ) لِأَنَّ التَّعْزِيرَ إلَى رَأْيِهِ (فَإِنْ اخْتَفَى) الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ (بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ بَابَهُ وَخَتَمَ عَلَيْهِ) لِتَزُولَ مَعْذِرَتُهُ (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ وَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ يُسَمَّرَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ وَيَخْتِمَهُ أَجَابَهُ إلَيْهِ، فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى الِامْتِنَاعِ (حَكَمَ عَلَيْهِ كَغَائِبٍ) عَنْ الْبَلَدِ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ (وَلَا يُعْدَى حَاكِمٌ فِي مِثْلِ مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ) لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْحُضُورِ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ التَّافِهِ الَّذِي لَا يُعَادِلهُ (وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ شَكِيَّةَ أَحَدٍ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ) بِحَيْثُ يَسْمَعُ شَكَوَاهُ وَيَرُدُّ جَوَابَهَا (وَإِنْ اسْتَعْدَاهُ عَلَى الْقَاضِي قَبْلَهُ أَوْ عَلَى مَنْ فِي مَعْنَاهُ كَالْخَلِيفَةِ وَالْعَالِمِ الْكَبِيرِ وَالشَّيْخِ الْمَتْبُوعِ وَكُلِّ مِنْ خِيفَ تَبْذِيلُهُ وَنَقْصُ حُرْمَتِهِ بِإِحْضَارِهِ) .
وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ كَانَ بِالْبَلَدِ حَاكِمًا فَأَكْثَرَ وَاسْتَعْدَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ (لَمْ يَعْدُهُ حَتَّى يُحَرِّرَ دَعْوَاهُ بِأَنْ يَعْرِفَ مَا يَدَّعِيهِ وَيَسْأَلَهُ عَنْهُ صِيَانَةٍ لِلْقَاضِي) وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ (عَنْ الِامْتِهَان فَإِنْ ذَكَرَ) الْمُسْتَعِدِّي (أَنَّهُ يَدَّعِي حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ رِشْوَةٍ أَخَذَهَا مِنْهُ عَلَى الْحَاكِمِ رَاسَلَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى اسْتِخْلَاصِ الْحَقِّ (فَإِنْ اعْتَرَفَ) الْقَاضِي وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ (بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْعُمْدَةِ) لِأَنَّ الْحَقَّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ (وَإِنْ أَنْكَرَ أَحْضَرَهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إلَى اسْتِخْلَاصِ حَقِّ الْمُدَّعِي (وَإِنْ ادَّعَى) الْمُسْتَعْدَى (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاضِي الْمَعْزُولِ (الْجَوْرَ فِي الْحُكْم وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ) بِدَعْوَاهُ (أَحْضَرَهُ وَحَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ) .
إذَا شَهِدَتْ فِي وَجْهِ الْقَاضِي وَثَبَتَتْ عَدَالَتُهَا كَسَائِرِ الدَّعَاوَى (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لِلْمُدَّعِي (بَيِّنَةٌ أَوْ قَالَ حُكِمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ فَأَنْكَرَ) الْقَاضِي (فَقَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ لَتَطَرَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إلَى إبْطَالِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ وَالْيَمِينُ تَجِبُ لِلتُّهْمَةِ وَالْقَاضِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (وَإِنْ قَالَ حَاكِمٌ مَعْزُولٌ عَدْلٌ لَا يُتَّهَمُ كُنْتُ حَكَمْتُ فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ وَهُوَ مِمَّنْ يَسُوغُ الْحُكْمُ لَهُ) بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ.
(قَبِلَ قَوْلُهُ) أَيْ الْحَاكِمُ (وَأَمْضَى ذَلِكَ الْحَقَّ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ) الْحَاكِمُ (مُسْتَنَدَهُ) الَّذِي حَكَمَ بِهِ (وَلَوْ أَنَّ الْعَادَةَ تَسْجِيلُ أَحْكَامِهِ وَضَبْطِهَا بِشُهُودٍ) لِأَنَّ عَزْلَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ
стр. 3052
قَوْلِهِ كَمَا لَوْ كَتَبَ كِتَابًا إلَى قَاضٍ آخَرَ ثُمَّ عُزِلَ وَوَصَلَ الْكِتَابُ بَعْدَ عَزْلِهِ لَزِمَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُ كِتَابِهِ، وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ أَشْبَهَ حَالَ وِلَايَتِهِ (مَا لَمْ يَشْتَمِلْ) الْحُكْمُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الْحَاكِمُ بَعْدَ عَزْلِهِ.
(عَلَى إبْطَالِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَلَوْ حَكَمَ) حَاكِمٌ (حَنَفِيٌّ بِرُجُوعِ وَاقِفٍ عَلَى نَفْسِهِ فَأَخْبَرَ حَنْبَلِيٌّ أَنَّهُ كَانَ حَكَمَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ لَمْ يُقْبَلْ) إخْبَارُ الْحَنْبَلِيِّ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ قَالَهُ الْقَاضِي مَجْدُ الدِّينِ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَهُوَ حَسَنٌ (وَإِنْ أَخْبَرَ حَاكِمٌ حَاكِمًا آخَرَ بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ فِي عَمَلِهِمَا أَوْ فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ عَمَلِهِمَا (أَوْ فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا) دُونَ الْآخَرِ (قَبِلَ) الْمُخَبَّرُ (وَعَمَل بِهِ) الْمُخَبَّرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ (إذَا بَلَغَ عَمَلُهُ) كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِحُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ وَ (لَا) يَقْبَلُ الْمُخَبَّرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَلَا يَعْمَلُ إذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ.
كَذَا وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ (مَعَ حُضُورِ الْمُخَبِّرِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ (وَهُمَا بِعَمَلِهِمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ كَنَقْلِ الشَّهَادَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ.
وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ يَزُولُ بِمَا قَدَّرْتُهُ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ الْكَاتِبِ (وَكَذَا إخْبَارُ أَمِيرِ جِهَادٍ وَأَمِينِ صَدَقَةٍ وَنَاظِرِ وَقْفٍ) بَعْدَ عَزْلِهِ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ.
قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: كُلُّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ إنْشَاءُ أَمْرٍ صَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ (وَإِنْ قَالَ) الْحَاكِمُ (فِي وِلَايَتِهِ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا قُبِلَ قَوْلُهُ سَوَاءٌ قَالَ قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَوْ قَالَ سَمِعْتُ بِبَيِّنَةٍ وَعَرَفْتُ عَدَالَتَهُمْ أَوْ قَالَ قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ أَوْ أُقِرَّ عِنْدِي لِفُلَانٍ بِحَقٍّ فَحَكَمْتُ بِهِ) أَوْ قَالَ حَكَمْتُ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى بَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْحُكْمَ فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ كَالزَّوْجِ إذَا أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ وَالسَّيِّدِ إذَا أَخْبَرَ بِالْعِتْقِ.
(بِالْعِتْقِ وَإِنْ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ بَرْزَةً وَهِيَ الَّتِي تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا أَحْضَرَهَا) لِعَدَمِ الْعُذْرِ (وَلَا يُعْتَبَرُ لِإِحْضَارِهَا فِي سَفَرِهَا هَذَا) إنْ كَانَ (مُحَرَّمٌ) لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهَا (كَسَفَرِ الْهَجْرَةِ) وَلِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا (مُخَدَّرَةً) لَا تَبْرُزُ لِقَضَاءِ حَوَائِجهَا (أَمَرَتْ بِالتَّوْكِيلِ) لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَقُومُ مَقَامَهَا فَلَمْ تَبْذُلْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَمْ يُحْضِرْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالضَّرَرِ.
(فَإِنْ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا بَعَثَ الْحَاكِمُ أَمِينًا مَعَهُ شَاهِدَانِ يَسْتَحْلِفُهَا بِحَضْرَتِهِمَا) لِأَنَّ إحْضَارَهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَالْيَمِينُ لَا بُدَّ مِنْهَا وَهَذَا طَرِيقُهُ (وَإِنْ أَقَرَّتْ) بِشَيْءٍ (شَهِدَ عَلَيْهَا) بِهِ لِيَقْضِيَ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا لِشَهَادَتِهِمَا بِطَلَبِ الْمُدَّعِي.
(قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ خَرَجَتْ لِلْعَزَايَا وَالزِّيَارَاتِ وَلَمْ تُكْثِرْ فَهِيَ مُخَدَّرَةً) فَلَا يُحْضِرُهَا الْقَاضِي بَلْ تُوَكِّلُ (وَمَرِيضٌ وَنَحْوُهُ) مِنْ ذَوِي الْأَعْذَارِ
стр. 3053
(كَمُخَدَّرَةٍ) فِي أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّوْكِيلِ وَلَا يَحْضُرُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَإِنْ اسْتَعْدَى عِنْدَهُ عَلَى غَائِبٍ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لَمْ يُعْدِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْلَى عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْغَائِبُ (فِي عَمَلِهِ) أَيْ الْقَاضِي (وَكَانَ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (فِي بَلَدِهِ) الَّذِي بِهِ الْغَائِبُ (خَلِيفَةٌ) أَيْ نَائِبٌ (فَإِنْ كَانَتْ لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ وَثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي (كَتَبَ بِهِ) أَيْ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ (إلَى خَلِيفَتِهِ) كَمَا يَكْتُبُ لِغَيْرِهِ (وَلَمْ يُحْضِرْهُ) أَيْ الْغَائِبَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي إحْضَارِهِ إذَنْ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (فِيهِ) أَيْ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ الْغَائِبُ (خَلِيفَةٌ وَكَانَ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ أَذِنَ لَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا) فَيَكُونُ نَائِبًا عَنْهُ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ) لِلْقَضَاءِ (كَتَبَ) الْقَاضِي (إلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَوَسَّطُوا بِهِ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى قَطْعِ الْخُصُومَةِ مَعَ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالْإِحْضَارِ (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلَا) أَيْ الْخَصْمَانِ (الْوَسَاطَةَ) أَوْ تَعَذَّرَ مَنْ يُتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا.
(قِيلَ) أَيْ قَالَ الْقَاضِي (لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (حَرِّرْ دَعْوَاك فَإِذَا تَحَرَّرَتْ) دَعْوَاهُ (أُحْضِرَ خَصْمُهُ وَلَوْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَصْلِ الْخُصُومَةِ وَقَدْ تَعَيَّنَ بِذَلِكَ.
(وَلَوْ ادَّعَى قَبْلَهُ شَهَادَةً لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَمْ يُعْدِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْلِفْ) إذَا أَنْكَرَ خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَالَ لَوْ قَالَ أَنَا أَعْلَمُهَا وَلَا أُؤَدِّيهَا فَظَاهِرٌ وَلَوْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا ادَّعَى بِهِ إنْ قَبِلَ ضَمَانَهَا مُوجَبٌ بِضَمَانِ مَا تَلِفَ وَلَا يَبْعُدُ كَمَا يَضْمَنُ مَنْ تَرَكَ الْإِطْعَامَ الْوَاجِب كَوْنَهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ لِفِسْقِهِ وَكِتْمَانِهِ لَا يَبْقَى ضَمَانُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحْتَجَّ الْقَاضِي بِالْأَوَّلِ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ حَقًّا عَلَى الشَّاهِد ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[بَابٌ طَرِيقُ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ]
ِ (طَرِيقُ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ طَرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ مَا تُوَصِّلَ إلَيْهِ) حُكْمًا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ (وَالْحُكْمُ الْفَصْلُ) أَيْ فَصْلُ الْخُصُومَةِ وَقَدْ لَا يَكُونُ خُصُومَةً كَعَقْدٍ رُفِعَ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بِهِ فَهُوَ إلْزَامٌ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالْحُكْمُ لُغَةً الْمَنْعُ وَسُمِّيَ الْقَاضِي حَاكِمًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ (لَا تَصِحُّ دَعْوَى وَإِنْكَارٍ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ (وَسَيَأْتِي) مُفَصَّلًا (وَتُسْمَعُ) الدَّعْوَى (فِي كُلِّ قَلِيلٍ) وَلَوْ لَمْ تَتْبَعْهُ الْهِمَّةُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُسْتَعْدَى فِيمَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ لِمَا فِي
стр. 3054
الِاسْتِعْدَاءِ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِسَبَبِ مَا هُوَ أَسْهَلُ مِنْهَا (أَوْ) كُلُّ (كَثِيرٍ) وَلَوْ لَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْمُدَّعِي فِي الْمُعَامَلَةِ بِهِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمُدَّعِي (وَتَصِحُّ) الدَّعْوَى (عَلَى سَفِيهٍ فِيمَا يُؤَاخَذُ بِهِ حَالَ سَفَهِهِ وَبَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ) كَالْقِصَاصِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَدِّ (وَيَحْلِفُ إذَا أَنْكَرَ) فِيمَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ.
(وَلَا تَصِحُّ دَعْوَى) فِي حَقِّ اللَّهِ (وَلَا تُسْمَعُ) دَعْوَى فِي حَقِّ اللَّهِ (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَعِبَادَةٍ) مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا (وَحَدٍّ) كَزِنًا وَسَرِقَةٍ (وَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَحْوِهِ) كَيَمِينِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْكَفَّارَاتِ (أَوْ) أَنَّ عَلَيْهِ (صَدَقَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ.
(وَيَأْتِي فِي) بَاب (الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا (وَتُسْمَعُ) الدَّعْوَى (بِوِكَالَةٍ وَوَصِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ خَصْمٍ) مُدَّعَى عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ فِي مَسْأَلَةِ الْوِكَالَةِ وَنَقَلَهُ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ وَلَوْ كَانَ الْخَصْمُ فِي الْبَلَدِ.
(وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى الْمَقْلُوبَةُ) بِأَنْ يَتَرَافَعَ اثْنَانِ إلَى حَاكِمٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَدَّعِي عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيَّ دِينَارًا مَثَلًا فَاسْتَخْلَصَ لَهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قَبْلُ فَلَا يَسْمَعُ مِنْهُ ذَلِكَ وَسُمِّيَتْ مَقْلُوبَةٌ لِأَنَّ الْمُدَّعِي فِيهَا يَطْلُبُ أَنْ يُعْطَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعِي فِي غَيْرِهَا يَطْلُبُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَانْقَلَبَ فِيهَا الْقَصْدُ الْمُعْتَادُ، (وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ عِتْقٍ وَلَوْ أَنْكَرَهُ) أَيْ الْعِتْقَ (عَبْدٌ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ وَكَذَا بَيِّنَةٌ بِطَلَاقٍ.
(وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهِ وَبِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْعِبَادَاتِ وَالْحُدُودِ وَالصَّدَقَةِ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى) بِذَلِكَ (فَشَهَادَةُ الشُّهُودِ بِهِ دَعْوَى وَكَذَا) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (بِحَقِّ آدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَوَقْفٍ عَلَى فُقَرَاءَ أَوْ عُلَمَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ وَصِيَّةٍ لَهُ) أَيْ لِلْمَسْجِدِ (أَوْ رِبَاطٍ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مُسْتَحِقُّهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ أَشْبَهَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى (وَكَذَا عُقُوبَةُ كَذَّابٍ مُفْتَرٍ عَلَى النَّاسِ وَالْمُتَكَلِّمِ فِيهِمْ) بِمَا يُوجِبُ تَعْزِيرًا (قَالَهُ الشَّيْخُ) وَقِيَاسُهُ مَنْ يَغُشُّ النَّاسَ.
(وَتُسْمَعُ دَعْوَى حِسْبَةٍ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدٍّ وَعِدَّةٍ وَرِدَّةٍ وَعِتْقٍ وَاسْتِيلَاءٍ وَطَلَاقٍ وَظِهَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا) هَذَا مُقَابِلُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا تُسْمَعُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَتُقْبَل شَهَادَةُ الْمُدَّعِي فِيهِ) أَيْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا (وَلَا تُقْبَلُ يَمِينٌ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ إنْ كَانَ) هُنَاكَ شَاهِدٌ وَقُلْنَا يَقْضِي بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (وَلَا تُسْمَع مَعَهُ الشَّهَادَةُ فِيهِ) أَيْ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ الْمُعَيَّنِ (قَبْل الدَّعْوَى) بِحَقِّهِ وَتَحْرِيرهَا
стр. 3055
(وَاخْتَارَ الشَّيْخُ سَمَاعَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ لِحِفْظِ وَقْفٍ وَغَيْرِهِ بِالثُّبُوتِ بِلَا خَصْمٍ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ بِالثُّبُوتِ الْمَحْضِ يَصِحُّ بِلَا دَعْوَى عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَفَعَلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْقُضَاةِ (وَأَجَازَهُمَا) أَيْ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةَ (الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا و) بَعْضُ (الشَّافِعِيَّةِ فِي الْعُقُودِ وَالْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا بِخَصْمٍ مُسَخَّرٍ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يُظْهِرُ النِّزَاعَ وَلَيْسَ مُنَازِعًا فِي الْحَقِيقَةِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ وَأَمَّا عَلَى أَصْلِنَا وَأَصْلِ مَالِكٍ فَإِمَّا أَنْ تُمْنَعَ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ مُنَازِعٍ) أَيْ فَلَا تُسْمَعُ عَلَى الْخَصْمِ الْمُسَخَّرِ (فَتَثْبُتُ الْحُقُوقُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَإِمَّا أَنْ تُسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ وَيَحْكُمُ بِلَا خَصْمٍ وَذَكَر بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَ) بَعْضُ (الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ فِي مَوَاضِعَ لِأَنَّا نَسْمَعُهَا عَلَى غَائِبٍ وَمُمْتَنِعٍ وَنَحْوِهِ) كَمَيِّتٍ (فَمَعَ عَدَمِ خَصْمٍ أَوْلَى فَإِنَّ الْمُشْتَرِي مَثَلًا قَبَضَ الْمَبِيعَ وَسَلَّمَ الثَّمَنَ فَلَا يَدَّعِي وَلَا يُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمَقْصُودُ سَمَاعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةُ وَحُكْمُهُ بِمُوجَبِهَا مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مُدَّعَى عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْر مُدَّعٍ عَلَى أَحَدٍ لَكِنْ خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ خَصْمٍ مُسْتَقْبَلٍ وَحَاجَةِ النَّاسِ خُصُوصًا فِيمَا فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ خِلَافٌ لِرَفْعِهِ انْتَهَى) .
قَالَ فِي التَّنْقِيحِ (وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوِيٌّ) أَيْ فِي النَّظَرِ قُلْت: وَإِذَا حَكَمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ مُقَابِلًا لِمَا قَدَّمُوهُ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا انْتَهَى.
[فَصْلٌ إذَا جَاءَ إلَى الْحَاكِمِ خَصْمَانِ سُنَّ أَنْ يُجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ]
ِ (إذَا جَاءَ إلَى الْحَاكِمِ خَصْمَانِ سُنَّ أَنْ يُجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ» وَلِقَوْلِ عُمَرَ: " وَلَكِنْ أَجْلِسُ مَعَ خَصْمِي مَجْلِسًا بَيْنَ يَدَيْ زَيْدٍ " وَقَالَ عَلِيٌّ حِينَ خَاصَمَ الْيَهُودِيَّ دِرْعَهُ إلَى شُرَيْحٍ " لَوْ أَنَّ خَصْمِي مُسْلِمٌ لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدِكَ ".
(ثُمَّ إنْ شَاءَ) الْقَاضِي (قَالَ) لِلْخَصْمَيْنِ (مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا) لِأَنَّ سُؤَالَهُ عَنْ الدَّعْوَى مِنْهُمَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَإِنْ شَاءَ) الْقَاضِي (سَكَتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا) أَيْ حَتَّى تَكُونَ الْبَدَاءَةُ بِالْكَلَامِ مِنْ جِهَتِهِمَا (وَلَا يَقُولُ هُوَ) أَيْ الْقَاضِي (وَلَا صَاحِبُهُ) أَيْ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ (لِأَحَدِهِمَا تَكَلَّمْ) لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِأَحَدِهِمَا
стр. 3056
بِمَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ (فَإِنْ بَدَا أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ (فَتَكَلَّمَ فَقَالَ خَصْمُهُ: أَنَا الْمُدَّعِي لَمْ يَلْتَفِتْ) الْحَاكِمُ (إلَيْهِ وَيُقَالُ لَهُ أَجِبْ) خَصْمَكَ (عَنْ دَعْوَاهُ ثُمَّ ادَّعِ بِمَا شِئْتَ) لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ.
(فَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا قَدَّمَ أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ لِأَمْرٍ حَجَّ غَيْرَهَا (فَإِذَا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ سَمِعَ دَعْوَى الْآخَرِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ (فَإِذَا حَرَّرَ) الْمُدَّعِي.
(قَالَ) الْقَاضِي (لِلْخَصْمِ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مَا تَقُول فِيمَا ادَّعَاهُ) لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْمُطَالَبَة فَإِنَّ إحْضَارَهُ وَالدَّعْوَى إنَّمَا تُرَاد لِيَسْأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ وَلَوْ بِقَوْلِهِ نَعَمْ) لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ (لَمْ يَحْكُمْ) الْقَاضِي (لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (حَتَّى يُطَالِبَ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ) لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إلَّا لِمَسْأَلَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ.
(وَالْحُكْمُ أَنْ يَقُولَ) الْحَاكِمُ (قَدْ أَلْزَمْتُكَ ذَلِكَ أَوْ قَضَيْتُ عَلَيْك لَهُ أَوْ يَقُول أَخْرِجْ إلَيْهِ مِنْهُ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَإِنْ أَنْكَرَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا أَوْ بِعْتُهُ) كَذَا بِكَذَا (فَيَقُولُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مَا أَقْرَضَنِي وَلَا بَاعَنِي أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَلَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ صَحَّ الْجَوَابُ) لِنَفْيِهِ عَيْنَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ وَلِأَنَّ قَوْلَ: لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ: نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ (مَا لَمْ يَعْتَرِفْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِسَبَبِ الْحَقِّ كَمَا إذَا ادَّعَتْ) امْرَأَةٌ (عَلَى مَنْ يَعْتَرِفُ مَنْ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ الْمَهْرَ فَقَالَ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ الْجَوَابُ وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ إنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِإِسْقَاطِهِ) وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَقُلْنَا لَا نَقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ (كَجَوَابِهِ فِي دَعْوَى قَرْضٍ اعْتَرَفَ بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّتْ فِي مَرَضٍ مَوْتِهَا) أَنَّهَا (لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْ) إقْرَارَهَا (إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ) مُطْلَقًا (أَوْ أَسْقَطَتْهُ فِي الصِّحَّةِ) لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ كَالْوَصِيَّةِ وَإِبْرَاؤُهُ لَهُ عَطِيَّةٌ وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ.
(وَلَوْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِمُدَّعٍ دِينَارًا) مَثَلًا (لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً فَلَيْسَ بِجَوَابٍ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ لَا يَكْتَفِي فِي دَفْعِ الدَّعْوَى إلَّا بِنَصٍّ وَلَا يَكْتَفِي بِالظَّاهِرِ) .
(وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ) الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ مَثَلًا (وَاَللَّهِ إنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْته عَلَيْهِ أَوْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ أَنَّهُ) أَيْ الْمُدَّعِيَ (لَكَاذِبٌ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَيَّ يُقْبَلُ) مِنْهُ ذَلِكَ وَيَحْلِفُ عَلَى طِبْقِ الدَّعْوَى فِي الْأُولَى وَعَلَى طِبْقِ الْجَوَابِ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا يَأْتِي (وَعِنْدَ الشَّيْخِ يَعُمُّ الْجِهَاتِ وَ) يَعُمُّ (مَا لَمْ يَنْدَرِجْ فِي لَفْظِ حَبَّةٍ مِنْ بَابِ الْفَحْوَى إلَّا أَنْ يُقَالَ يَعُمُّ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَ) قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: قُلْتُ (الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّين وَهُوَ الظَّاهِرُ انْتَهَى
стр. 3057
قَالَ الْأَزَجِيُّ: لَوْ قَالَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ فَقَالَ: لَيْسَ لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَى الْأَلْفِ لِأَنَّهُ نَفَاهَا بِنَفْيِ لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ دِرْهَمٌ فَقَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَلَا دَانَقٌ وَإِنَّمَا لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ قَبِلَ مِنْهُ دَعْوَى الْأَلْفِ لِأَنَّ مَعْنَى نَفْيِهِ لَيْسَ حَقِّي هَذَا الْقَدْرُ قَالَ وَلَوْ قَالَ لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا دِرْهَمٌ صَحَّ ذَلِكَ.
(وَلَوْ قَالَ) الْمُدَّعِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (لِي عَلَيْك مِائَةٌ فَقَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَوَابًا لَهُ: (لَيْسَ لَك عَلَيَّ مِائَةٌ اُعْتُبِرَ قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا كَالْيَمِينِ) أَيْ كَمَا لَوْ حَلَفَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا لِأَنَّ نَفْيَهُ الْمِائَةَ لَا يَنْفِي مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا.
(فَإِنْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى (مَا دُونَ الْمِائَةِ) بِأَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِائَةً وَنَكَلَ عَنْ قَوْلِهِ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا (حُكِمَ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ إلَّا جُزْءًا) مِنْ أَجْزَاءِ الْمِائَةِ.
(وَلِلْمُدَّعِي) إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَنْ يَقُولَ لِي بَيِّنَةٌ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَالْبَيِّنَةُ طَرِيقٌ إلَى تَخْلِيصِهِ (وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ) لِلْمُدَّعِي (أَلَكَ بَيِّنَةٌ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: لَكَ بَيِّنَةٌ قَالَ لَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ: فَلَكَ يَمِينُهُ " فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَارِفًا بِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ خُيِّرَ الْحَاكِمُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَبَيْنَ السُّكُوتِ.
(فَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعِي (لِي بَيِّنَةٌ قِيلَ) أَيْ قَالَ (لَهُ) الْقَاضِي (إنْ شِئْتَ فَأَحْضِرْهَا) قَالَ فِي الْمُغْنِي لَمْ يَقُلْ أَحْضِرْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى (فَإِذَا أَحْضَرَهَا) الْمُدَّعِي (لَمْ يَسْأَلْهَا الْحَاكِمُ عَمَّا عِنْدَهَا حَتَّى يَسْأَلُهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ (فَإِنْ سَأَلَهُ الْمُدَّعِي سُؤَالَهَا قَالَ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلِيَذْكُرْهَا إنْ شَاءَ أَوْ يَقُولُ بِمَ تَشْهَدَانِ؟ وَلَا يَقُولُ لَهُمَا اشْهَدَا) لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ: مَا أَنَا دَعَوْتُكُمَا وَلِأَنَّهَا كَمَا تُرْجِعَا وَمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ غَيْرُكُمَا وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يُلَقِّنَهُمَا) الشَّهَادَةَ وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ لَا يَنْبَغِي وَفِي الْمُوجِزِ يَكْرَهُ (كَتَعْنِيفِهِمَا) أَيْ تَعْنِيفِ الشَّاهِدَيْنِ (وَانْتِهَارِهِمَا) لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُمَا أَوْ غَيْرَهُمَا عَلَى كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ وَعَدَم أَدَائِهَا فَتَضِيعُ الْحُقُوقُ.
(فَإِذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ شَهَادَةً صَحِيحَةً وَاتَّضَحَ الْحُكْمُ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْدِيدُهَا) أَيْ الْبَيِّنَةِ (وَلَزِمَهُ فِي الْحَالِ أَنْ يَحْكُمَ) وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرٍ عَنْ مَوْضِعِهِ (إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي) الْحُكْمَ (إنْ كَانَ الْحَقُّ) فِي الْحُكْمِ (لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ) وَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِدُونِ سُؤَالِ صَاحِبِ الْحَقِّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ حَقٌّ لَهُ فَلَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِمَسْأَلَتِهِ (وَتَقَدَّمَ إنْ كَانَ) الْحُكْمُ (لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَالْوَصِيَّةِ وَلِلْوَقْفِ عَلَى نَحْوِ الْفُقَرَاءِ (أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى) كَالْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ
стр. 3058
فَيَحْكُمُ إذَا اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ إنْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ الْحُكْمَ.
(وَإِذَا حَكَمَ) الْحَاكِمُ بِشَرْطِهِ (وَقَعَ الْحُكْمُ لَازِمًا لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَا نَقْضُهُ) مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ (إلَّا بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ آدَابِ الْقَاضِي وَيَأْتِي بَعْضُهُ آخِرَ الْبَابِ) أَيْ إذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ مَا يَعْتَقِدُهُ.
(وَلَا يَجُوز) الْحُكْمُ (وَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ) .
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ (بَلْ يَتَوَقَّفُ) وَمَعَ اللَّبْسِ يَأْمُرُ بِالصُّلْحِ فَإِنْ عَجَّلَ فَحَكَمَ قَبْلَ الْبَيَانِ حَرُمَ وَلَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِالْجَهْلِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ إنَّمَا يَسَعُهُ الصُّلْحُ فِي الْأُمُورِ الْمُشْكِلَةِ أَمَّا إذَا اسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَرَوَى عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ مَا أَصْلَحَ بَيْنَ الْمُتَحَاكِمَيْنِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحَا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُحْدِثُ بَيْنَ النَّاسِ الضَّغَائِنَ ".
(وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ) وَهُوَ مَحِلُّ نُفُوذِ حُكْمِهِ (إذَا سَمِعَهُ شَاهِدَانِ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا.
(فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ وَالْبَيِّنَةَ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْحَاكِمِ (أَحَدٌ أَوْ سَمِعَهُ) مَعَهُ (شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَهُ) الْحُكْمُ (أَيْضًا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ أَيْضًا لَيْسَ بِمَحْضِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ وَلَا يَضُرُّ رُجُوعَ الْمُقِرِّ قَالَ الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ بِهِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِعِلْمِهِ (وَالْأَوْلَى) أَوْ يَحْكُمُ (إذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(فَأَمَّا حُكْمُهُ بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا يَجُوزُ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِمَا سَمِعَ لَا بِمَا عَلِمَ.
وَفِي حَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ " لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ قَالَ مَا أُحَدِّثُهُ وَلَا دَعَوْتُ لَهُ أَحَدًا حَتَّى يَكُونَ مَعِي غَيْرِي " حَكَاهُ أَحْمَدُ (إلَّا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) فَيَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ التُّهْمَةَ لَا تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ صِفَاتِ الشُّهُودِ مَعْنًى ظَاهِرٌ بَلْ قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لَيْسَ هَذَا بِحُكْمٍ لِأَنَّهُ يُعَدِّلُ هُوَ وَيَجْرَحُ غَيْرَهُ وَيَجْرَحُ هُوَ وَيُعَدِّلُ غَيْرَهُ وَلَوْ كَانَ حُكْمًا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ.
وَفِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ إنَّ الْحُكْمَ بِالِاسْتِفَاضَةِ لَيْسَ مِنْ حُكْمِهِ بِعِلْمِهِ فَيَحْكُمُ بِمَا اسْتَفَاضَ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ عِنْدَهُ.
(وَيَحْرُمُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَاكِمِ (لِتَرْكِهِ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ) الْمَحْكُومِ بِهِمْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا (وَقَالَ الشَّيْخُ لَهُ) أَيْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (طَلَبُ تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ
стр. 3059
لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَدْحِ بِالْإِيقَانِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ تَرْكِهِ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ.
(وَلَوْ قَالَ حَكَمْتُ بِكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ) مِنْ إقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ.
(قَالَ فِي الرِّعَايَةِ لَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِبَعْضِ الدَّعْوَى) قَالَ الْحَاكِمُ فِي عَلَامَتِهِ الَّتِي يَصِفُهَا بِالْوَثِيقَةِ (شَهِدَ عِنْدِي بِمَا وَضَعَ بِهِ خَطَّهُ فِيهِ أَوْ) يَكْتُبُ (عَادَةُ حُكَّامِ بَلَدِهِ) أَيْ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فِي الْإِمْضَاءِ.
(وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا كَتَبَ) الْقَاضِي (تَحْتَ خَطِّهِ) بِشَهَادَتِهِ (شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ وَإِنْ قَبِلَهُ كَتَبَ شَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدِي وَإِنْ قَبِلَهُ غَيْرُهُ) مِنْ الْحُكَّامِ (أَوْ أَخْبَرَهُ) حَاكِمٌ آخَرُ (بِذَلِكَ) أَيْ بِأَنَّهُ مَقْبُولٌ (كَتَبَ) الْحَاكِمُ بَعْدَ شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ (وَهُوَ مَقْبُولٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ مَقْبُولًا كَتَبَ) الْقَاضِي (شَهِدَ بِذَلِكَ) لِئَلَّا يَفْضَحَهُ (وَقَالَ لِلْمُدَّعِي زِدْنِي شُهُودًا أَوْ زِدْ شَاهِدَكَ انْتَهَى) كَلَامُ الرِّعَايَةِ (وَلْيَكُنْ لِلْقَاضِي عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا مِنْ بَيْنِ الْحُكَّامِ نَحْوُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ) لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ (وَيَكُونُ) ذَلِكَ (بِقَلَمٍ غَلِيظٍ وَلَا يُغَيِّرُهَا) لِئَلَّا يُزَوَّرَ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِبًا فَيُنْفَى أَصْلًا أَوْ يَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَلَا يَحْصُلُ لَبْسٌ وَيَكْتُبُهَا) أَيْ الْعَلَامَةَ (فَوْقَ السَّطْرِ الْأَوَّلِ تَحْتَ الْبَسْمَلَةِ مِنْ حِذَاءِ طَرَفِهَا وَتَكُونُ) الْعَلَامَةُ (بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَتَأَمُّلِ الْحُجَّةِ الْمُكْتَتَبَةِ) .
وَالتَّحَرُّزُ مِمَّا عَسَاهُ يُدْخِلُهُ الْمُوَثِّقُ مِمَّا اعْتَادُوهُ وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ بِحَسَبِ الصِّنَاعَةِ (وَيَكْتُبُ تَحْتَ الْعَلَامَةِ جَرَى ذَلِكَ أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ أَوْ لِيَشْهَدَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِي الْمَقَامُ) قُلْتُ وَالْأَوْلَى عَادَةُ بَلَدِهِ وَلَوْ ذَكَر كَلَامَ الرِّعَايَةِ هُنَا كَانَ أَنْسَبَ (وَإِنْ كَتَبَ الْمُزَكِّي خَطَّهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ تَحْتَ خَطِّ الشَّاهِدِ فِي الْمَكْتُوبِ فَيَكْتُبُ إنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْوَاضِعَ خَطَّهُ أَعْلَاهُ عَدْلٌ فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ وَيُرَقِّمُ الْقَاضِي فِي الْمَكْتُوبِ عِنْدَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِالْقَلَمِ الْغَلِيظِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ إنْ شَاءَ بِخَطٍّ وَاحِدٍ) يَعُمُّ الشُّهُودَ (نَحْوَ شَهِدَا عِنْدِي) .
إنْ كَانَا اثْنَيْنِ (أَوْ شَهِدَ الثَّلَاثَةُ أَوْ الْأَرْبَعَةُ أَوْ أَفْرَدَ) الْقَاضِي (كُلَّ وَاحِدٍ) مِنْ الشُّهُودِ (بِخَطٍّ) تَحْتَ خَطِّ الشَّاهِدِ (وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ جَلِيلَ الْقَدْرِ كَالْأَمِيرِ وَنَحْوِهِ) كَالْعَالِمِ الْكَبِيرِ وَقَاضٍ آخَرَ (كَتَبَ) الْحَاكِمُ (أَعْلَمَنِي بِذَلِكَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ فِيهِ) الْوَقْفَ وَنَحْوِهِ (أَوْصَالًا شَغَلَ كُلَّ مَوْضِعِ وَصْلٍ بِكَلِمَةٍ بِقَلَمِ الْعَلَّامَةِ نَحْوَ ثِقَتِي بِاَللَّهِ أَوْ حَسْبِي اللَّهُ وَنَحْوَهُ كَالْبَيَاضِ) أَيْ كَمَا يَشْغَلُ الْبَيَاضُ فِي الْمَكْتُوبِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ احْتِيَاطًا.
قُلْتُ وَالْعَادَةُ الْآنَ شَغْلُهُ بِخَتْمٍ فِي كُلِّ مَوْضِعِ وَصْلٍ وَهُوَ حَسَنٌ إذْ الْغَرَضُ الِاحْتِيَاطُ فَكُلُّ مَا أَدَّى إلَيْهِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ أَوْ غَالِبُهُ طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَدْ اُعْتِيدَ الْآنَ خِلَافَهَا وَلِذَلِكَ تَقَدَّمَ عَنْ الرِّعَايَةِ أَوْ عَادَةِ بَلَدِهِ.
стр. 3060
[فَصْلٌ إنْ قَالَ الْمُدَّعِي مَالِي بَيِّنَةٌ فَقَوْلُ الْمُنْكِرِ بِيَمِينِهِ]
فَصْلٌ (وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: مَالِي بَيِّنَةٌ فَقَوْلُ الْمُنْكِرِ بِيَمِينِهِ) لِلْخَبَرِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (إلَّا النَّبِيَّ ﷺ «إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَوْ ادَّعَى هُوَ) ﷺ عَلَى أَحَدٍ فَقَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ لِعِصْمَتِهِ» قُلْتُ: وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ لِتَعْلِيلِهِمْ بِالْعِصْمَةِ وَالْكُلُّ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا (فَيُعْلِمُ) الْحَاكِم (الْمُدَّعِي) الَّذِي لَا بَيِّنَة لَهُ (أَنَّ لَهُ الْيَمِين عَلَى خَصْمه) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ (فَإِنْ سَأَلَ إحْلَافَهُ أَحْلَفَهُ) لِأَنَّ الْيَمِينَ طَرِيقٌ إلَى تَخْلِيصِ حَقِّهِ فَلَزِمَ الْحَاكِمَ إجَابَةُ الْمُدَّعِي إلَيْهَا لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ (وَخَلَّى سَبِيلَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ إحْلَافِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ حَقٌّ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (اسْتِحْلَافُهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَبْلَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي) لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لَهُ كَنَفْسِ الْحَقِّ وَيَمِينُ الْمُنْكِرِ عَلَى الْمُقَرَّرِ (فَإِنْ أَحْلَفَهُ) الْقَاضِي قَبْلَ سُؤَالِ الْمُدَّعَى لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ (أَوْ حَلَفَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَبْلَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي) تَحْلِيفُهُ وَسُؤَالُ الْحَاكِمِ لَهُ (لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا (فَإِنْ سَأَلَهُ الْمُدَّعِي أَعَادَهَا لَهُ) لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ يَمِينَهُ (وَلَا بُدَّ فِي الْيَمِينِ) الَّتِي تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ (مِنْ سُؤَالِ الْمُدَّعِي) لَهَا (طَوْعًا) لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَا اعْتِدَادَ بِهِ (وَ) مَنْ (أَذِنَ الْحَاكِمُ فِيهَا) فَلَوْ حَلَفَ قَبْلَ إلْقَاءِ الْحَاكِمِ الْحَلِفُ عَلَيْهِ لَمْ تَنْقَطِعْ الْخُصُومَةُ وَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمُقَدَّمٌ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (مَعَ الْكَرَاهَةِ تَحْلِيفُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى حَقِّهِ نَصًّا) أَمَّا كَوْنُهُ لَهُ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى حَقِّهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَفِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَلَوْ عَلِمَ عَدَمَ قُدْرَتِهِ عَلَى حَقِّهِ وَيُكْرَهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ أَمَّا فِي كَوْنِهِ يُكْرَهُ لَهُ إحْلَافُهُ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَضْطَرُّهُ إلَى الْيَمِينِ لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْحَبْسِ إذَا أَقَرَّ لِعُسْرَتِهِ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ بِخِلَافِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ.
(وَيَحْرُمُ تَحْلِيفُ الْبَرِيءِ) مِمَّا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ (دُونَ الظَّالِمِ) فَلَا يَحْرُمُ تَحْلِيفُهُ إيَّاهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) تَحْرُمُ (دَعْوَاهُ ثَانِيًا وَتَحْلِيفُهُ) ثَانِيًا كَالْبَرِيءِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ لَهُ تَحْلِيفُهُ عِنْدَ مَنْ جَهِلَ حَلِفَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ لِبَقَاءِ الْحَقِّ بِدَلِيلِ أَخْذِهِ بَيِّنَةً (وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ لِخَصْمِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْجَوَابِ فَيَحْلِفُ عَلَيْهِ لَا عَلَى صِفَةِ الدَّعْوَى (وَلَا يَصِلُهَا) أَيْ
стр. 3061
الْيَمِينَ (بِاسْتِثْنَاءٍ) لِأَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَ الْيَمِينِ (وَلَا) يَصِلُهَا أَيْضًا (بِمَا لَا يُفْهَمُ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً.
(وَتَحْرُمُ التَّوْرِيَةُ وَالتَّأْوِيلُ) لِحَدِيثِ «يَمِينُكَ عَلَى مَا يَصْدُقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (إلَّا لِمَظْلُومٍ) كَمَنْ يَسْتَحْلِفُهُ ظَالِمٌ مَا لِفُلَانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ؟ فَيَنْوِي بِمَا الَّذِي وَنَحْوُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّأْوِيلِ (وَقَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (أَيْضًا لَا يُعْجِبُنِي) أَيْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَلَّا يَعْتَقِدَهُ فَلَوْ بَاعَ شَافِعِيٌّ حَنْبَلِيًّا لَحْمًا مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ بِدِينَارٍ مَثَلًا ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ فَأَجَابَ الْحَنْبَلِيُّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ فَالْتَمَسَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ فَمُقْتَضَى نَصِّ الْإِمَامِ أَلَّا يَحْلِفَ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ بِهَذِهِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُدَّعِي مَالًا عِنْدَهُ (وَحَمَلَ الْمُوَفَّقُ) النَّصَّ عَلَى (الْوَرَعِ) لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ شَيْئًا لِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِهِ (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِيهَا) أَيْ فِي الْيَمِينِ (فِيمَنْ عَامَلَهُ بِحِيلَةٍ كَعِينَةٍ) أَيْ كَمَسْأَلَةِ الْعَيِّنَةِ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَرَاهَا هَلْ يَحْلِفُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ إلَّا رَأْسُ الْمَالِ نَقَلَهُ حَرْبٌ قَالَ الْقَاضِي لِأَنَّ يَمِينَهُ هُنَا عَلَى الْقَطْعِ وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ ظَنِّيَّةٌ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي الشُّفْعَةِ وَلَوْ قَدِمَ مِنْ لَا يَرَاهَا لِجَارٍ إلَى حَاكِمٍ لَمْ يَحْلِفْ وَإِنْ أَخْرَجَهُ خَرَجَ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا يُعْجِبُنِي الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ.
(وَلَوْ أَمْسَكَ) الْمُدَّعِي (عَنْ إحْلَافِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ الدَّعْوَى (وَأَرَادَهُ) أَيْ أَرَادَ الْمُدَّعِي إحْلَافُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ بِدَعْوَاهُ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (ذَلِكَ) أَيْ تَحْلِيفِهِ بِالدَّعْوَى السَّابِقَةِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدٍ لَهَا لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ.
(وَلَوْ بَرَّأَهُ) الْمُدَّعِي (مِنْ يَمِينِهِ بَرِيءَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى) فَقَطْ.
(فَلَوْ جَدَّدَهَا) أَيْ الدَّعْوَى (وَطَلَب الْيَمِينَ فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ الْيَمِينِ وَهَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ الَّتِي بَرَّأَهُ مِنْ الْيَمِينِ فِيهَا.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُعْسِرَ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ وَلَوْ نَوَى السَّاعَةَ خَافَ أَنْ يُحْبَسَ أَوْ لَا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ وَجَوَّزَهُ فِي الرِّعَايَةِ بِالنِّيَّةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ خَافَ حَبْسًا.
(وَلَا) يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ (مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ إذَا أَرَادَ غَرِيمُهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرٍ) حَتَّى يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ بِجَوَازٍ أَوْ كَفِيلٍ فَأَنْكَرَ الدَّيْنَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ وَلَوْ أَرَادَ السَّاعَةَ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ فَلَا يَنْفَعُهُ التَّأْوِيلُ.
(وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ إنْ حَلَفْتَ وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْك بِالنُّكُولِ) لِأَنَّ النُّكُولَ ضَعِيفٌ فَوَجَبَ اعْتِضَادُهُ بِذَلِكَ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ) ذَلِكَ (ثَلَاثًا) إزَالَةً لِمَعْذِرَتِهِ (وَكَذَا يَقُولُ) الْحَاكِمُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْتُ يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَضَى عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ (إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ) لِأَنَّ عُثْمَانَ قَضَى عَلَى
стр. 3062
ابْنِ عُمَرَ بِنُكُولِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَحَصَرَهَا فِي جِهَتِهِ فَلَمْ تُشْرَعْ لِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَأْذُونًا لَهُ أَوْ مَرِيضًا أَوْ غَيْرَهُمَا (وَهُوَ) أَيْ النُّكُولُ (كَإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ لَا كَإِقْرَارٍ) بِالْحَقِّ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى جَعْلُهُ مُقِرًّا مَعَ إنْكَارِهِ (وَلَا كَبَذْلِ) الْحَقِّ لِأَنَّ الْبَذْلَ قَدْ يَكُونُ تَبَرُّعًا وَلَا تَبَرُّعَ هُنَا لَكِنْ لَا يُشَارِكُ مَنْ قَضَى لَهُ بِالنُّكُولِ عَلَى مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسِ غُرَمَائِهِ لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ.
(وَلَا تُرَدُّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعِي) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَصْرِهِ ﷺ لَهَا فِي جِهَتِهِ.
(وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ مَالِي بَيِّنَةٌ لَمْ تُسْمَعْ) لِأَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ قَدْ تَحَقَّقَ كِذْبُهُ فَيَعُودُ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ الْمَقْصُودِ (وَكَذَا قَوْلُهُ كَذَبَ شُهُودِي أَوْ كُلُّ بَيِّنَةٍ أَقَمْتُهَا فَهِيَ زُورٌ) أَوْ بَاطِلَةٌ أَوْ فَلَا حَقَّ لِي فِيهَا فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ كَمَا لَوْ قَالَ مَالِي بَيِّنَةٌ (وَأَوْلَى) لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي تَكْذِيبِ شُهُودِهِ (وَلَا تَبْطُلُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ) أَيْ بِقَوْلِهِ كَذَبَ شُهُودِي أَوْ كُلَّ بَيِّنَةٍ أُقِيمُهَا فَهِيَ زُورٌ وَبَاطِلَةٌ فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْحَقُّ لَا بَيِّنَةَ بِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعِي (لَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً ثُمَّ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ) بَيِّنَتُهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يَعْلَمُهَا وَنَفْيُ الْعِلْمِ بِهَا لَيْسَ نَفْيًا لَهَا فَلَا يَكُونُ مُكَذِّبًا لَهَا.
(وَإِنْ) قَالَ لَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً فَ (قَالَتْ بَيِّنَةٌ نَحْنُ نَشْهَدُ لَك فَقَالَ هَذِهِ بَيِّنَتِي سُمِعَتْ) وَهِيَ أَوْلَى مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ (لَكِنْ لَوْ شَهِدَتْ) الْبَيِّنَةُ (لَهُ بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ادَّعَاهُ (فَهُوَ مُكَذِّبٌ لَهَا) فَلَا تُسْمَعُ وَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ تُقْبَلُ فَيَدَّعِيهِ ثُمَّ يُقِيمُهَا وَفِيهِ وَفِي الرِّعَايَةِ إنْ قَالَ اسْتَحَقَّهُ وَمَا شَهِدُوا بِهِ وَإِنَّمَا ادَّعَيْتُ بِأَحَدِهِمَا لِأَدَّعِيَ الْآخَرَ وَقْتًا آخَرَ ثُمَّ شَهِدُوا بِهِ قُبِلَتْ.
(وَإِنْ ادَّعَى شَيْئًا فَأَقَرَّ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَهُ بِغَيْرِهِ لَزِمَهُ) مَا أَقَرَّ بِهِ (إذَا صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَالدَّعْوَى بِحَالِهَا) فَلِلْمُدَّعِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَوْ تَحْلِيفُهُ.
(وَلَوْ سَأَلَهُ) الْمُدَّعِي (مُلَازَمَتَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (حَتَّى يُقِيمَهَا) أَيْ الْبَيِّنَةَ (أُجِيبَ) إلَى مُلَازَمَتِهِ مَا دَامَ الْقَاضِي (فِي الْمَجْلِسِ) لِأَنَّ ذَلِكَ
ضَرُورَةٌ
إقَامَتُهَا فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ لَذَهَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَتِهَا إلَّا بِحُضُورِهِ وَتُفَارَقُ الْبَيِّنَةُ الْبَعِيدَةُ وَمَنْ لَا يُمْكِنُ حُضُورُهَا فَإِنَّ إلْزَامَهُ الْإِقَامَةَ إلَى حِينِ حُضُورِهَا يَحْتَاجُ إلَى حَبْسٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ.
(فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهَا) أَيْ الْبَيِّنَةَ (فِي الْمَجْلِسِ صَرَفَهُ وَلَا يَجُوزُ حَبْسُهُ وَلَا يُلْزَمُ بِإِقَامَةِ كَفِيلٍ وَلَوْ سَأَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (الْمُدَّعِي ذَلِكَ) أَيْ حَبْسَهُ أَوْ إقَامَةَ كَفِيلٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعِي لِلْبَيِّنَةِ (مَا أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدُوا لِي لَمْ يُكَلَّفْ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ أَوْ تَرَكَهُ (وَإِنْ قَالَ
стр. 3063
لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ يَمِينَهُ فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ الْمَجْلِسِ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً فَلَهُ إحْلَافُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ طَرِيقًا إلَى اسْتِخْلَاصِ الْحَقِّ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الْبَيِّنَةُ (حَاضِرَةً فِيهِ) أَيْ الْمَجْلِسِ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (إلَّا إحْدَاهُمَا) لِأَنَّ فَصْلَ الْحُكُومَةِ مُمْكِنٌ بِإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْيَمِينِ.
(وَإِنْ حَلِفَ الْمُنْكِرُ) مَعَ غَيْبَةِ الْبَيِّنَةِ (ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ حَكَمَ) لَهُ (بِهَا وَلَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ) لِقَوْلِ عُمَرَ الْبَيِّنَةُ الصَّادِقَةُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ وَلِأَنَّ كُلَّ حَالٍ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ كَمَا قَبْلَ الْيَمِينِ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَوْ أَزَالَتْ الْحَقَّ لَاجْتَرَأَ الْفَسَقَةُ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ.
(وَلَوْ سَأَلَ الْمُدَّعِي إحْلَافَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فَحَلَفَ كَانَ لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (إقَامَتُهَا) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِحْلَافِ كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ.
(وَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَالِ أَوْ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ) كَالْوِكَالَةِ فِي الْمَالِ (عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ) بِلَا رِضَا خَصْمِهِ لِمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ وَالشَّهَادَةِ» .
(فَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعِي (لَا أَحْلِفُ وَأَرْضَى يَمِينَهُ اسْتَحْلَفَ لَهُ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ أَقَامَهُ (فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَقُّ) أَيْ انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَمَا يَأْتِي (فَإِنْ عَادَ الْمُدَّعِي بَعْدَهَا وَقَالَ أَنَا أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي لَمْ يُسْتَحْلَفْ) لِأَنَّ الْيَمِينَ فَعَلَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ.
(وَإِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَبَذَلَ) الْمُدَّعِي (الْيَمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ) ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ.
(وَإِنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ أَوْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ أَوْ قَالَ لَا أَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ قَالَ لَهُ الْقَاضِي احْلِفْ وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ) لِأَنَّهُ نَاكِلَ لِمَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ فِيهِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عَنْهُ كَالْيَمِينِ وَالْجَامِعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ طَرِيقٌ إلَى ظُهُورِ الْحَقِّ وَيُسَنُّ تَكْرَارُهُ مِنْ الْحَاكِمِ ثَلَاثًا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُنْتَهَى.
(وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا فَلَمْ يَحْلِفْ) الْمُدَّعِي (مَعَهُ) أَيْ مَعَ شَاهِدِهِ (وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَحَلِفَ لَهُ ثُمَّ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمُلَتْ بَيِّنَتُهُ وَقَضَى بِهَا) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعِي.
(وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ) الْمُدَّعِي (لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا) لِأَنَّ الْجَوَابَ إقْرَارٌ أَوْ إنْكَارٌ وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ لَزِمَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (إنْظَارَهُ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ دَيْنِهِ أَوْ لِيَعْلَمَ هَلْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا وَالثَّلَاثُ هَذِهِ يَسِيرَةٌ
стр. 3064
وَلَا يُمْهَلُ أَكْثَرُ مِنْهَا لِأَنَّهُ كَثِيرٌ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إنْ ادَّعَيْتَ أَلْفًا بِرَهْنِ كَذَا لِي عِنْدَك أَجَبْتُ أَوْ إنْ ادَّعَيْتَ هَذَا) الَّذِي ادَّعَيْتَهُ (ثَمَنَ كَذَا بِعْتَنِيهِ وَلَمْ تُقْبِضْنِيهِ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَك عَلَيَّ فَجَوَابٌ صَحِيحٌ) لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ عَلَى قَيْدٍ يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ مُنْكَرٌ لَهُ فِيمَا سِوَاهُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ.
(وَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بَعْد ثُبُوت الدَّعْوَى قَضَيْتَهُ أَوْ أَبْرَأَنِي وَ) ذَكَر أَنَّ (لَهُ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ وَسَأَلَ الْإِنْظَارَ أُنْظِرَ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا فِيهِ طُولٌ بِخِلَافِهَا فَإِنَّهَا قَرِيبَةٌ وَقَدْ لَا تَتَكَامَلُ الْبَيِّنَةُ فِيمَا دُونِهَا وَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ فِي الْحَالِ لَكَانَ تَضْيِيقًا عَلَيْهِ (وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ) زَمَنَ الْإِنْظَارِ لِئَلَّا يَهْرُبَ فَيَتَأَخَّرَ عَنْ الْمُدَّةِ الَّتِي أُنْظِرهَا قُلْت وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يُحْبَس وَعَمَلَ الْقُضَاةُ الْآنَ بِخِلَافِهِ.
(فَإِنْ عَجَزَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ بَيِّنَةِ الْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ (حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ) مِنْ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَاسْتَحَقَّ) مَا ادَّعَى بِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
(فَإِنْ نَكَلَ) الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِين (قَضَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وَصَدَقَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَنَكَلَ عَنْهَا فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ كَمَا لَوْ كَانَ مُدَّعَى عَلَيْهِ ابْتِدَاءً (هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَنْكَرَ أَوَّلًا سَبَبَ الْحَقِّ) .
(فَأَمَّا إنْ أَنْكَرَهُ ثُمَّ ثَبَتَ فَادَّعَى قَضَاءً أَوْ إبْرَاءً سَابِقًا لِإِنْكَارِهِ لَمْ يُسْمَعْ) مِنْهُ (وَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ نَصًّا) فَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ فَقَالَ مَا اقْتَرَضْتُ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَقَالَ مَا ابْتَعْت مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ اقْتَرَضَ أَوْ اشْتَرَى بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَقَالَ قَضَيْته مِنْ قَبْل هَذَا الْوَقْت أَوْ أَبْرَأَنِي مِنْ قَبْلِ هَذَا الْوَقْتِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً لِأَنَّ الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ وَإِنْكَارُ الْحَقِّ يَقْتَضِي نَفْيَ الْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ فَيَكُونُ مُكَذِّبًا لَدَعْوَاهُ وَبَيِّنَتِهِ فَلَا تُسْمَعُ لِذَلِكَ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ سَابِقًا عَلَى إنْكَارِهِ عَمَّا لَوْ ادَّعَى قَضَاءً أَوْ إبْرَاءً بَعْدَ إنْكَارِهِ فَإِنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّ قَضَاؤُهُ بَعْدَ إنْكَارِهِ كَالْإِقْرَارِ بِهِ فَيَكُونُ قَاضِيًا لِمَا هُوَ مُقِرٌّ بِهِ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِهِ كَغَيْرِ الْمُنْكِرِ وَإِبْرَاءُ الْمُدَّعِي بَعْدَ الْإِنْكَارِ إقْرَارٌ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ فَلَا تَنَافِي بَيْنَ إنْكَارِهِ وَإِبْرَاءِ الْمُدَّعِي فَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ شَهِدَتْ بِبَيِّنَةٍ لِلْمُدَّعِي) بِمَا ادَّعَاهُ (فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلِّفُوهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لَمْ يُحَلَّفْ) لِقَوْلِهِ ﷺ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» وَقَوْلُهُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً لِلْبَيِّنَةِ.
(وَإِنْ ادَّعَى) أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (أَنَّهُ أَقَالَهُ بَائِعٌ) أَوْ أَجَارَهُ وَأَنْكَرَهُ (فَلَهُ تَحْلِيفُهُ) إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا وَإِنْ قَالَ قَتَلْتَ دَابَّتِي وَلِي عَلَيْكَ قِيمَتُهَا أَلْفٌ فَقَالَ: لَا يَلْزَمُنِي أَوْ لَا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيَّ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ فَقَدْ أَجَابَ انْتَهَى.
стр. 3065
[فَصْلٌ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَأَقَرَّ]
فَصْلٌ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَأَقَرَّ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِهَا لِحَاضِرٍ مُكَلَّفٍ سُئِلَ الْمُقَرُّ لَهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ صَدَّقَهُ) أَيْ صَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ (صَارَ) الْمُقَرُّ لَهُ (الْخَصْمُ فِيهَا وَصَارَ صَاحِبُ الْيَدِ) وَتَحَوَّلَتْ إلَيْهِ الْخُصُومَةُ (لِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ) وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِهِ إقْرَارٌ صَحِيحٌ سَوَاءٌ قَالَ الْمُقِرُّ: إنَّهُ مُسْتَأْجِرٌ مِنْهُ أَوْ مُسْتَعِيرٌ أَوْ لَا.
(فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ) أَنَّ الْعَيْنَ لَهُ (حُكِمَ لَهُ بِهَا) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ وَلِحَدِيثِ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ وَنَحْوُهُ (وَلِلْمُقَرِّ لَهُ قِيمَتُهَا عَلَى الْمُقِرِّ) قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَفِيهِ شَيْءٌ (وَإِلَّا) أَيْ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ (فَقَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
(فَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعَى إحْلَافَ الَّذِي كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا) أَيْ الْعَيْنَ (لِي) أَيْ لِلْمُدَّعَى (حَلَفَ لَهُ) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْعَيْنَ لَهُ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهَا لَزِمَهُ غُرْمُهَا كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْعَيْنُ لِزَيْدٍ ثُمَّ هِيَ لِعَمْرٍو فَإِنَّهَا تُدْفَعُ لِزَيْدٍ وَيَغْرَمُ لِعَمْرٍو قِيمَتِهَا وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُرْمُ مَعَ الْإِقْرَارِ لَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ (فَإِنْ نَكَلَ) مَنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ عَنْ الْيَمِينِ لِلْمُدَّعَى (لَزِمَهُ بَدَلُهَا) أَيْ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَقِيمَتَهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ) بِالْعَيْنِ (لَيْسَتْ لِي وَهِيَ لِلْمُدَّعِي حُكِمَ لَهُ بِهَا) لِأَنَّ الْيَدَ صَارَتْ لِلْمُقِرِّ لَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَاهَا شَخْصٌ فَأَقَرَّ بِهَا لَهُ (وَإِنْ قَالَ) الْمُقِرُّ (لَيْسَتْ لِي وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ أَوْ قَالَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ حُكِمَ لَهُ بِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَجَهِلَ لِمَنْ هِيَ سُلِّمَتْ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُدَّعِي (أَيْضًا بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهَا أَشْبَهَ الَّتِي فِي يَدِهِ وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ لَوْ ادَّعَاهَا ثُمَّ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قَضَى بِهَا لِلْمُدَّعَى فَمَعَ عَدَمِ ادِّعَائِهِ أَوْلَى (فَإِنْ كَانَا) أَيْ الْمُدَّعِيَانِ (اثْنَيْنِ اقْتَرَعَا بِهَا) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ أَخَذَهَا وَحَلَفَ لِصَاحِبِهِ (وَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ هِيَ لِثَالِثٍ انْتَقَلَتْ الْخُصُومَةُ عَنْهُ إلَيْهِ) كَالْمُقَرِّ لَهُ أَوَّلًا.
(وَإِنْ أَقَرَّ) مَنْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ (بِهَا لِغَائِبٍ أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ مُعَيَّنَيْنِ سَقَطَتْ الدَّعْوَى وَصَارَتْ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ) لِأَنَّ الْيَدَ صَارَتْ لَهُ وَيَصِيرُ الْغَائِبُ وَالْوَلِيُّ خَصْمَيْنِ إنْ صَدَّقَاهُ وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (ثُمَّ إنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ سُلِّمَتْ) الْعَيْنُ (إلَيْهِ) لِأَنَّ جَانِبَهُ قَدْ تَرَجَّحَ بِهَا
стр. 3066
(وَلَا يَحْلِفُ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ وَحْدَهَا كَافِيَةٌ لِلْخَبَرِ (وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى خُصُومَتِهِ) إذَا قَدِمَ وَنَازَعَ لَهُ لِعَدَمِ مَا يَقْطَعُ خُصُومَتَهُ (وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُقِرِّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِهَا لِلْغَائِبِ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَلَمْ يَقْضِ بِهَا) لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْغَائِبِ فِي الْحُكْمِ وَلَمْ يَطْلُبْهُ وَإِنَّمَا سُمِعَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّهَا لِمَنْ سَمَّاهُ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ (وَلَكِنْ تَسْقُطُ الْيَمِينُ وَالتُّهْمَةُ مِنْ الْمُقِرِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِهَا وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ) فَإِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ أَوْ يُكَذِّبَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ مَعَهُ الْخُصُومَةُ (وَ) حَتَّى (يُكَلِّفُ غَيْرَهُ لِتَكُونَ الْخُصُومَةُ مَعَهُ) لِكَوْنِ الْيَدِ صَارَتْ لَهُ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ) أَقَرَّتْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ لِأَنَّ الْمُدَّعِي انْدَفَعَتْ دَعْوَاهُ بِالْيَمِينِ (وَإِنْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ (غَرِمَ بَدَلَهَا) لِلْمُدَّعِي أَيْ مِثْلَهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَقِيمَتَهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً (فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لِلْعَيْنِ اثْنَيْنِ) وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَهُمَا (فَبَدَلَانِ) لَهُمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلٌ.
(وَإِنْ عَادَ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَأَقَرَّ بِهَا) أَيْ الْعَيْنِ (لِلْمُدَّعِي) بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهَا لِغَيْرِ الْغَائِبِ أَوْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ (لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ) لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُقِرِّ (لَهُ) أَيْ لِلْمُقَرِّ لَهُ ثَانِيًا (بَدَلَهَا) لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ (وَإِنْ) عَادَ (ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا) فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ.
(وَإِنْ ادَّعَى) إنْسَانٌ عَلَى آخَرَ بِعَيْنٍ أَنَّهَا لَهُ فَادَّعَى (مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ) أَيْ الْعَيْنَ (أَنَّهَا مَعَهُ إجَارَةً أَوْ إعَارَةً) مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ لَمْ يَقْضِ بِهَا لِلْغَائِبِ لِعَدَمِ دَعْوَاهُ وَسُؤَالِهِ الْحُكْمَ لَكِنْ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ لِتَسْقُطَ الْيَمِينُ وَالتُّهْمَةُ عَنْ الْمُقِرِّ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا) أَيْ الْعَيْنِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ (لِمَجْهُولٍ قِيلَ) أَيْ قَالَ (لَهُ) الْحَاكِمُ (عَرِّفْهُ وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ) بِالنُّكُولِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَا لِمَجْهُولٍ عُدُولٌ عَنْ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْخَصْمَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيُقَالُ لَهُ إمَّا أَنْ تُعَيِّنَ الْمُقَرَّ لَهُ لِتَنْتَقِلَ الْخُصُومَةُ إلَيْهِ أَوْ تَدَّعِيَهَا لِنَفْسِك لِتَكُونَ الْخُصُومَةُ مَعَكَ أَوْ تُقِرُّ بِهَا لِلْمُدَّعَى لِتَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ عَنْكَ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمَجْهُولَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهَا بِهَا (وَإِنْ عَادَ) الْمُقِرُّ (فَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ لَمْ تُسْمَعْ) دَعْوَاهُ لِمُخَالَفَتِهَا لِإِقْرَارِهِ أَوْ لِأَنَّهَا لِغَيْرِهِ.
стр. 3067
[فَصْلٌ لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَة تَحْرِيرًا يُعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعِي]
فَصْلٌ (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَة تَحْرِيرًا يُعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعِي) لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمَّا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ أَلْزَمَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُلْزِمَهُ مَجْهُولًا (إلَّا فِيمَا نُصَحِّحُهُ مَجْهُولًا كَوَصِيَّةٍ وَإِقْرَارٍ وَ) عِوَضٍ (خُلْعٍ وَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فِي مَهْرٍ) وَكَذَا فَرَسٍ مِنْ خَيْلِهِ وَثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِهِ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَجُوزُ الدَّعْوَى بِذَلِكَ مَعَ جَهَالَتِهِ لِصِحَّتِهِ وَيُبْتَدَأُ مَنْ عَلَيْهِ (وَيُعْتَبَرُ التَّصْرِيحُ بِالدَّعْوَى فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا حَتَّى يَقُولَ وَأَنَا الْآنَ مُطَالِبٌ بِهِ) لِيُوجَدَ التَّصْرِيحُ (وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَكْفِي الظَّاهِرُ) لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ (وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا (أَنْ تَكُونَ) الدَّعْوَى (مُتَعَلِّقَةً بِالْحَالِّ) أَيْ إذَا كَانَتْ بِدَيْنٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَالًّا.
وَ (لَا) تُسْمَعُ (بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّلَبُ بِهِ قَبْلَ حُلُولِهِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ (إلَّا فِي دَعْوَى تَدْبِيرٍ) وَكِتَابَةٍ وَإِيلَادٍ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ بِهِ إذَنْ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَثَرُهُ.
(وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي الدَّعْوَى (أَنْ تَنْفَكَّ عَمَّا يُكَذِّبُهَا) (فَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ) أَوْ سَرَقَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً وَسَنَةً دُونَهَا وَنَحْوَهُ لَمْ تُسْمَعْ لِأَنَّ الْحِسَّ يَكْذِبُهَا، وَمِنْهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ اشْتَرَى مِنْهُ حِزْمَةَ بَقْلٍ وَحَمَلَهَا بِيَدِهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ.
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ (أَبَاهُ) أَوْ ابْنَهُ وَنَحْوَهُ (مُنْفَرِدًا ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ الْمُشَارَكَةَ فِيهِ) أَيْ فِي قَتْلِ أَبِيهِ وَنَحْوِهِ (لَمْ تُسْمَعْ) الدَّعْوَى (الثَّانِيَةُ) لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِدَعْوَاهُ الْأُولَى وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الْآخَرُ الِانْفِرَادَ بِهِ فَلَا تُسْمَعُ (وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي) لِتَكْذِيبِهِ لَهُ أَوْ لَا (إلَّا أَنْ يَقُولَ) الْمُدَّعِي (غَلِطْتُ أَوْ كَذَبْتُ فِي الْأُولَى فَتُقْبَلُ) الثَّانِيَةُ لِإِمْكَانِهِ وَالْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمَا.
(وَمَنْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ) مِنْ دَارٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ ادَّعَاهُ) لِنَفْسِهِ (وَذَكَر تَلَقِّيهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ زَيْدٍ (سُمِعَ) مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ وَطُولِبَ بِالْبَيَانِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ تَلَقِّيه مِنْ زَيْدٍ (فَلَا) تَصِحُّ دَعْوَاهُ لِنَفْسِهِ التَّكْذِيبَ لِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ (وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ الْآنَ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَمْسِ أَوْ) أَنَّهُ كَانَ (فِي يَدِهِ) أَمْسِ لِعَدَمِ التَّطَابُقِ.
(وَلَوْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (كَانَ) الْمُدَّعَى بِهِ (بِيَدِك) أَمْسِ (أَوْ) كَانَ (لَك أَمْسِ وَهُوَ مِلْكِي الْآنَ لَزِمَهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بَيَانُ سَبَبِ زَوَالِ يَدِهِ) أَوْ مِلْكِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمِلْكِ أَوْ الْيَدِ.
(وَإِنْ ادَّعَى دَارًا بَيَّنَ حُدُودَهَا وَمَوْضِعَهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مَشْهُورَةً)
стр. 3068
عِنْدَ الْقَاضِي وَالْخَصْمَيْنِ بِمَا يُغْنِي عَنْ الْبَيَانِ قَالَ الْغَزِّيِّ: إنْ كَانَتْ فِي عَقَارٍ ذَكَرَ الْبَلَدَ وَالْمَحِلَةَ وَالسِّكَّةَ وَهِيَ الزُّقَاقُ وَالْحُدُودُ، فَإِنَّ التَّحْدِيدَ شَرْطٌ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ (فَيَدَّعِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارُ بِحُقُوقِهَا وَحُدُودِهَا لِي وَأَنَّهَا فِي يَدِهِ ظُلْمًا وَأَنَا أُطَالِبُهُ الْآنَ بِرَدِّهَا وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِي وَأَنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْهَا) وَأُطَالِبُهُ بِرَدِّهَا (صَحَّتْ الدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ يَقُلْ أَنَّهَا فِي يَدِهِ) اكْتِفَاءً بِذِكْرِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْهَا (وَتَكْفِي شُهْرَةُ الْمُدَّعَى بِهِ) مِنْ دَارٍ وَنَحْوِهِ (عِنْدَ الْخَصْمَيْنِ وَالْحَاكِمِ عَنْ تَحْدِيدِهِ) أَيْ بَيَانِ حُدُودِهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ عِلْمُ الْمُدَّعَى بِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالشُّهْرَةِ.
(وَلَوْ أَحْضَرَ) الْمُدَّعِي (وَرَقَةً فِيهَا دَعْوَى مُحَرَّرَةً فَقَالَ أَدَّعِي بِمَا فِيهَا مَعَ حُضُورِ خَصْمِهِ لَمْ تُسْمَعْ) دَعْوَاهُ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا فِيهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ لَا يُعْتَبَرُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ) بِالدَّيْنِ (قَوْلُهُ) أَيْ الشَّاهِدِ (إنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيم إلَى الْآن، بَلْ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِاسْتِصْحَابِهِ الْحَالَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ سَبَقَ الْحَقُّ إجْمَاعًا) اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ.
(وَتُسْمَعُ دَعْوَى اسْتِيلَادٍ وَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ) مِنْ الرَّقِيقِ عَلَى سَيِّدِهِ لِيَحْكُمَ لَهُ بِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَثَرُهُ وَتَقَدَّمَ لِأَنَّ نَفْسَ الْمُدَّعَى بِهِ حَالٌّ وَإِنْ تَأَخَّرَ مُوجِبُهُ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى) بِهِ (عَيْنًا حَاضِرَةً فِي الْمَجْلِس عَيَّنَهَا) أَيْ الْمُدَّعِي (بِالْإِشَارَةِ) إلَيْهَا لِيَنْتَفِيَ اللَّبْسُ (وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً) فِي الْبَلَدِ (لَكِنْ لَمْ تَحْضُرْ مَجْلِسَ الْحُكْمِ اُعْتُبِرَ إحْضَارُهَا لِتَعْيِينٍ) وَإِزَالَةِ اللَّبْسِ (وَيَجِبُ إحْضَارُهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ أَقَرَّ أَنَّ بِيَدِهِ مِثْلَهَا) فَيُوَكِّلُ بِهِ حَتَّى يُحْضِرَهَا فَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِغَضَبِ عَبْدٍ وَأَقَرَّ أَنَّ بِيَدِهِ عَبْدًا أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِإِحْضَارِهِ لِتَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى عَيْنِهِ.
(وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهَا) أَيْ الْعَيْنَ الْمُدَّعَى بِنَظِيرِهَا (بِيَدِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ) عَنْ يَمِينٍ طُلِبَ مِنْهُ (حُبِسَ أَبَدًا حَتَّى يَحْضُرَهَا أَوْ يَدَّعِيَ تَلَفَهَا فَيُصَدَّقُ
لِلضَّرُورَةِ
وَتَكْفِي الْقِيمَةُ) حِينَئِذٍ عَنْ تَعْيِينِهَا لِتَعَذُّرِهِ بِتَلَفِهَا.
(وَإِنْ دُعِيَ) بِالْيَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى أَبِيهِ دَيْنٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَثْبُت أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَك فِي يَدِهِ مَالًا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ) أَوْ حَرَّرَ التَّرِكَةَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَذَكَر الْقَاضِي أَنَّهُ يُحَرِّرُ التَّرِكَةَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (فَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعِي (تَرَكَ) أَبُوهُ (مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِبَعْضِ دَيْنِهِ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الْبَعْضَ لِيَعْلَمَ نِسْبَةَ الدَّيْنِ إلَيْهِ) فَيُلْزَمُ بِالْوَفَاءِ بِقَدْرِهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي نَفْيِ تَرِكَةِ الْأَبِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ.
(وَكَذَا إنْ أَنْكَرَ) الْوَلَدُ (مَوْتَ أَبِيهِ) فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَيَكْفِيهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِلْأَبِ تَرِكَةً أَوْ لَا يَعْلَمُ مَوْتَهُ (وَيَكْفِيهِ) أَيْ الْوَلَدُ (أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَتِهِ شَيْءٌ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَخْلُفُ تَرِكَةً
стр. 3069
لَا تَصِلُ إلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيفَاءُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَصَلَ إلَيْهِ) إنْ وَصَلَ إلَيْهِ مَا بَقِيَ بِبَعْضِ الدَّيْنِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى) بِهِ (عَيْنًا غَائِبَةً أَوْ تَالِفَةً) وَهِيَ (مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ أَوْ) كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا (فِي الذِّمَّةِ) كَمَبِيعٍ فِي الذِّمَّةِ وَمُسَلَّمٍ فِيهِ وَنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَنَحْوِهَا (ذَكَرَ مِنْ صِفَتِهَا مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ) مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَنْضَبِطُ بِهَا غَالِبًا لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى بِهَا (وَالْأَوْلَى مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهَا أَضْبَطُ (وَإِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ) الْعَيْنُ الْمُدَّعَى بِهَا (بِالصِّفَاتِ كَجَوْهَرَةٍ وَنَحْوِهَا) مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ مِنْ كُتُبِ عِلْمٍ وَمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ وَنَحْوِهَا (تَعَيَّنَ ذِكْرُ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهَا لَا تُعْلَمُ إلَّا بِذَلِكَ (لَكِنْ يَكْفِي ذِكْرُ قَدْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) وَيَكُونُ مُغْنِيًا عَنْ وَصْفِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ إلَّا نَقْدَ وَاحِدٍ لِتَعَيُّنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَبِيعِ وَغَيْرِهِ فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ.
(وَإِنْ ادَّعَى نِكَاحًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ بِعَيْنِهَا إنْ كَانَتْ حَاضِرَةً) فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ اللَّبْسَ يَنْتَفِي بِذَلِكَ (وَإِلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا) لِأَنَّهَا لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِذَلِكَ (وَاشْتُرِطَ ذِكْرُ شُرُوطِهِ) فِي الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِهَا حَتَّى يُعْلَمَ الْحَالُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَيَعْرِفُ كَيْفَ يَحْكُمُ (فَيَقُولُ) الْمُدَّعِي لِلنِّكَاحِ (تَزَوَّجْتُهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَبِرِضَاهَا) لِأَنَّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ لَهَا (وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ وَلَيْسَتْ مُرْتَدَّةً وَلَا مُعْتَدَّةً) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ أَمَةً (وَهُوَ حُرٌّ ذَكَرَ عَدَمَ الطَّوْلِ وَخَوْفَ الْعَنَتِ) مَعَ الْوَلِيِّ وَشَاهِدَيْ الْعَدْلِ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ.
(وَإِنْ ادَّعَى اسْتِدَامَةَ الزَّوْجِيَّةِ وَلَمْ يَدَّعِ الْعَقْدَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ شُرُوطِهِ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَعَهَا إجْمَاعُ الشُّرُوطِ.
(وَإِنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَقَرَّتْ) لَهُ بِهَا (صَحَّ إقْرَارُهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَالْغُرْبَةِ وَالْوَطَنِ) لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِحَقٍّ عَلَيْهَا فَقُبِلَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَفِي الْمُغْنِي (إنْ كَانَ الْمُدَّعِي وَاحِدًا وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ لَمْ يُسْمَعْ) إقْرَارُهَا لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا وَيَأْتِي مَا فِيهِ (وَإِنْ ادَّعَى عَقْدًا سِوَى النِّكَاحِ اُعْتُبِرَ ذِكْرُ شُرُوطِهِ أَيْضًا) كَالنِّكَاحِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَقَدَّمَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَذَكَرَ فِي الشَّرْح أَنَّهُ أَوْلَى وَأَصَحُّ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السَّبَبِ) لِكَثْرَةِ سَبَبِهِ وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ أَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي فِي يَدِهِ أَوْ أَسْتَحِقُّ كَذَا فِي ذِمَّتِهِ.
(وَكَذَا إنْ قَالَ) الْمُدَّعِي (اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ أَوْ بِعْتُهَا مِنْهُ بِأَلْفٍ لَمْ يُحْتَجْ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ مِلْكُهُ) فِيمَا إذَا قَالَ اشْتَرَيْتُ (أَوْ هِيَ مِلْكه) فِيمَا إذَا قَالَ اشْتَرَيْتُ (أَوْ وَهِيَ مِلْكِي) فِيمَا إذَا قَالَ بِعْتُهُ وَلَا أَنْ يَقُولَ (وَنَحْنُ جَائِزًا الْأَمْرُ أَوْ تَفَرَّقْنَا عَنْ تَرَاضٍ) اكْتِفَاءً
стр. 3070
بِالظَّاهِرِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَعَلَى الْأَوَّلِ أَيْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ شُرُوطُ الْعَقْدِ.
لَوْ ادَّعَى بَيْعًا لَازِمًا أَوْ هِبَةً مَقْبُوضَةً كَفَى فِي الْأَشْهَرِ وَفِي اعْتِبَارِ وَصْفِ الْبَيْعِ أَنَّهُ صَحِيحٌ وَجْهَانِ قَالَ: فَلَوْ ادَّعَى بَيْعًا أَوْ هِبَةً لَمْ تُسْمَعْ إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَيَلْزَمُ التَّسْلِيمُ إلَى الِاحْتِمَالِ كَوْنُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ (وَمَا لَزِمَ ذَكَرَهُ فِي الدَّعْوَى فَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُدَّعِي يَسْأَلهُ الْحَاكِم عَنْهُ) لِتَصِيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً فَيُمْكِنُ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بِهَا.
(وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ نِكَاحًا لِطَلَبِ نَفَقَةٍ أَوْ مَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهَا) لِأَنَّ حَاصِلَهَا دَعْوَى الْحَقِّ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ مَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (فَإِنْ أَنْكَرَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَقَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ) إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَحْلِفْ الْمَرْأَةَ وَالْحَقَّ عَلَيْهَا فَلِئَلَّا يَسْتَحْلِفَ مَنْ الْحَقُّ لَهُ وَهُوَ يُنْكِرُهُ أَوْلَى قُلْتُ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّكَاحِ وَأَصَحَّ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ وَنَحْوِهَا فَلَا وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ إلَّا فِيمَا إذَا ادَّعَتْ نِكَاحًا فَقَطْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
(وَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّهَا امْرَأَتُهُ ثَبَتَ لَهَا مَا تَضَمَّنَهُ النِّكَاحُ مِنْ حُقُوقِهَا) كَالنَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا إبَاحَتِهَا لَهُ فَتَنْبَنِي عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ حَلَّتْ لَهُ وَلَا يَكُونُ جُحُودُهُ طَلَاقًا وَلَوْ نَوَاهُ لِأَنَّ الْجُحُودَ هُنَا لِعَقْدِ النِّكَاحِ لَا لِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ: لَا امْرَأَةَ لِي.
وَفِي الْمُبْدِعِ: جُحُودُهُ النِّكَاحَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ.
(وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ لِعَدَمِ عَقْدٍ أَوْ لِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا ظَاهِرًا وَلَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ) لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ بَاطِنًا (وَحَيْثُ سَاغَ لَهَا دَعْوَى النِّكَاحِ فَكَزَوْجٍ فِي ذِكْرِ شُرُوطِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ ادَّعَتْ) الْمَرْأَةُ (النِّكَاحَ فَقَطْ) وَلَمْ تَدَّعِ مَعَهُ مَهْرًا وَلَا نَفَقَةً وَلَا غَيْرَهَا (لَمْ تُسْمَعْ) لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا فَدَعْوَاهَا لَهُ إقْرَارٌ لَا يُسْمَعُ مَعَ إنْكَارِ الْمُقِرِّ لَهُ.
(وَإِنْ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ ذَكَرَ) الْمُدَّعِي (الْقَاتِلَ وَأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شَارَكَ غَيْرَهُ) فِيهِ (وَأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شَبَهَ عَمْدٍ وَيَذْكُرُ صِفَةَ الْعَمْدِ) لِأَنَّ الْحَالَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِهِ لِتَرَتُّبِ حُكْمِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحَيَاةَ) أَيْ لَمْ يُعْتَبَرْ أَنْ يَقُولَ حَيًّا اكْتِفَاءً بِالظَّاهِرِ، وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَلَوْ قَالَ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ وَكَانَ حَيًّا أَوْ ضَرَبَهُ وَهُوَ حَيٌّ صَحَّ ظَاهِرُهَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْحَيَاةِ.
(وَإِنْ ادَّعَى الْإِرْثَ ذَكَرَ سَبَبَهُ) لِاخْتِلَافِهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقَدْرُهُ: وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ مَاتَ فُلَانٌ وَأَنَا وَارِثُهُ.
(وَإِنْ ادَّعَى شَيْئًا مُحَلَّى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ) لِئَلَّا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا (فَإِنْ كَانَ مُحَلَّى بِهِمَا) أَيْ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (قَوَّمَهُ) الْمُدَّعِي (بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ) إذْ التَّنْمِيَةُ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِمَا.
стр. 3071
[فَصْلٌ يُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ خَصْمَهُ]
(فَصْلٌ يُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ خَصْمَهُ) لِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فَيَجِبُ الْعِلْمُ بِهَا كَالْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَوْلُهُ ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ٍ﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةُ وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ» (فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِهَا) أَيْ الْعَدَالَةِ (وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ لِأَنَّ الْغَالِبَ الْخُرُوجُ عَنْهَا) (وَقَالَ) الشَّيْخُ: (مَنْ قَالَ: إنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِنْسَانِ الْعَدَالَةُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنَّمَا الْأَصْلُ الْجَهْلُ وَالظُّلْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] (فَالْفِسْقُ وَالْعَدَالَةُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْرَأُ) " عَلَى الْآخَرِ وَقَوْلُ عُمَرَ الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ مُعَارِضٌ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى بِشَاهِدَيْنِ فَقَالَ لَهُمَا: لَسْتُ أَعْرِفُكُمَا وَلَا يَضُرُّكُمَا أَنِّي لَا أَعْرِفُكُمَا وَالْأَعْرَابِيُّ الَّذِي قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَتَهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِرَمَضَانَ صَارَ صَحَابِيًّا وَهُمْ عُدُولٌ وَعَنْهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ فَإِنْ جَهِلَ إسْلَامَهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِ وَالْعَمَلِ عَلَى الْأَوَّلِ.
(وَلَا تُشْتَرَطُ) الْعَدَالَةُ (بَاطِنًا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ) فَلَا يَبْطُلُ لَوْ بَانَا فَاسِقَيْنِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ وَلِلْمَشَقَّةِ (وَتَقَدَّمَ) فِي شُرُوطِ النِّكَاحِ.
(وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ (حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا) عَمَلًا بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ لَتَسَلْسَلَ لِأَنَّ الْمُزَكَّى يَحْتَاجُ إلَى تَعْدِيلِهِ فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ احْتَاجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُزَكَّيْنِ إلَى مَنْ يُزَكِّيهِ ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُزَكِّيهِمَا إلَى مُزَكَّيْنِ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
(وَإِنْ عَلِمَ فِسْقَهُمَا لَمْ يَحْكُمْ) بِشَهَادَتِهِمَا لِعَدَمِ شَرْطِ الْحُكْمِ (فَلَهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (الْعَمَلُ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمْ وَجَرْحِهِمْ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ) لِأَنَّ مِنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَإِذَا عَرَفَ) الْحَاكِمُ (عَدَالَةَ
стр. 3072
الشُّهُودِ اُسْتُحِبَّ قَوْلُهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَدْ شَهِدَا عَلَيْك فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ فَبَيِّنَةً عِنْدِي) لِدَفْعِ الرِّيبَةِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْدَحْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فِي شَهَادَتِهِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ إذَا اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ وَاسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ) وَسَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ فَوْرًا كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَ فِيهَا) أَيْ الْحُجَّةِ (لَبْسٌ أَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ فَإِنْ أَبَيَا) الصُّلْحَ (أَخَّرَهُمَا إلَى الْبَيَانِ) وَالِاتِّضَاحِ لِتَعَذُّرِ الْحُكْمِ إذَنْ (فَإِنْ عَجَّلَهَا) وَحَكَمَ (قَبْلَ الْبَيَانِ لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ) وَلَمْ يُنَفَّذْ لِفَقْدِ شَرْطِهِ.
(وَإِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةً نَظَرَ) الْحَاكِمُ (فِي كِتَابِ اللَّهِ) تَعَالَى (فَإِنْ وَجَدَهَا وَإِلَّا نُظِرَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا نُظِرَ فِي الْقِيَاسِ فَأَلْحَقَهَا بِأَشْبَهِ الْأُصُولِ بِهَا) لِأَنَّهُ ﷺ «بَعَثَ مُعَاذًا قَاضِيًا وَقَالَ: بِمَ تَحْكُمُ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: أَجْتَهِدُ بِالرَّأْيِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » .
(وَإِنْ ارْتَابَ) الْحَاكِمُ (فِي الشُّهُودِ لَزِمَ سُؤَالُهُمْ وَالْبَحْثُ عَنْ صِفَةِ تَحَمُّلِهِمْ وَغَيْرِهِ فَيُفَرِّقُهُمْ وَيَسْأَلُ كُلَّ وَاحِدٍ كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ وَمَتَى) أَيْ فِي أَيْ وَقْتٍ تَحَمَّلْتَ (وَفِي أَيْ مَوْضِعٍ) تَحَمَّلْتَ (وَهَلْ كُنْتَ وَحْدَكَ أَوْ أَنْتَ وَغَيْرَكَ وَنَحْوَهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ سَبْعَةً خَرَجُوا فَفُقِدَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ فَأَتَتْ زَوْجَتُهُ عَلِيًّا فَدَعَا السِّتَّةَ فَسَأَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَأَنْكَرَهُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فَظَنَّ الْبَاقُونَ أَنَّهُ قَدْ اعْتَرَفَ فَاسْتَدْعَاهُمْ فَاعْتَرَفُوا فَقَالَ لِلْأَوَّلِ: قَدْ شَهِدُوا عَلَيْكَ فَاعْتَرَفَ فَقَتَلَهُمْ.
(فَإِنْ اخْتَلَفُوا لَمْ يَقْبَلْهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ لِأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مَا يَمْنَعُ قَبُولُهَا وَفِي الشَّرْحِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ (وَإِنْ اتَّفَقُوا وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ) لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَوَقُّفِهِمْ إنْ كَانُوا شُهُودَ زُورٍ (فَإِنْ ثَبَتُوا) عَلَى شَهَادَتِهِمْ (حَكَمَ بِهِمْ إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي) لِأَنَّ الشَّرْطَ ثَبَاتُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَتِهِمَا إلَى حِينِ الْحُكْمِ وَطَلَبِ الْمُدَّعِي الْحُكْمَ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ لِلْمُنْكِرِ قَدْ قَبَلْتَهُمَا فَإِنْ جَرَحْتَهُمَا وَإِلَّا حَكَمْت عَلَيْك.
ذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَأَنْكَرَهُ فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا لَهُ فَقَالَ: الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ الشَّهَادَةَ وَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا.
وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ
стр. 3073
«إنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا وَتَرْمِي مَا فِي حَوَاصِلِهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ فَإِنْ صَدَقْتُمَا فَاثْبُتَا وَإِنْ كَذَبْتُمَا فَغَطِّيَا رُءُوسَكُمَا وَانْصَرِفَا؛ فَغَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَانْصَرَفَا» .
(وَإِنْ جَرَحَهُمَا الْخَصْمُ لَمْ يَقْبَلْ) الْحَاكِمُ (مِنْهُ) التَّجْرِيحَ بِمُجَرَّدِهِ (وَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ بِالْجَرْحِ) لِيَتَحَقَّقَ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ.
(فَإِنْ سَأَلَ) الْمُجَرِّحُ (الْإِنْظَارَ) لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ (أُنْظِرَ ثَلَاثًا) أَيْ تَكْلِيفُهُ إقَامَتَهَا فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ وَيَعْسُرُ فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُمَا شَهِدَا بِذَلِكَ عِنْدَ قَاضٍ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِفِسْقِهِمَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّ الشَّهَادَة الْمَرْدُودَةَ لِفِسْقٍ لَا تُقْبَلُ بَعْدُ.
(وَكَذَا لَوْ أَرَادَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (جَرْحَهُمْ) أَيْ الشُّهُودِ فَيُنْظَرُ لِذَلِكَ ثَلَاثًا (وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ) لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (فَإِنْ لَمْ يَأْتِ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ) بِالْجَرْحِ (حَكَمَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ وَضَحَ عَلَى وَجْهٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ (وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ عَنْ رُؤْيَةٍ فَيَقُولُ) الشَّاهِدُ بِالْجَرْحِ (أَشْهَد أَنِّي رَأَيْتُهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ يَظْلِمُ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ ضَرَبِهِمْ أَوْ يُعَامِلُ بِالرِّبَا أَوْ) عَنْ سَمَاعٍ مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ (سَمِعْتُهُ يَقْذِفُ أَوْ عَنْ اسْتِفَاضَةٍ) لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي شَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقْبَلَ مُجَرَّدَ الْجَرْحِ لِئَلَّا يَجْرَحَهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْقَاضِي جَرْحًا (فَلَا يَكْفِي أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ فَاسِقٌ أَوْ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلَا قَوْلُهُ بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] .
(لَكِنْ يُعَرِّضُ لِجَارِحٍ بِزِنًا) لِئَلَّا يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ (فَإِنْ صَرَّحَ) بِالرَّمْيِ بِالزِّنَا (حُدَّ) لِلْقَذْفِ بِشَرْطِهِ (إنْ لَمْ يَأْتِ بِتَمَامِ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الْآيَةُ -.
(وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ النِّسَاءِ) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فِي الْقِصَاصِ (وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ وَجَرَحَهُ وَاحِدٌ قَدَّمَ التَّعْدِيلَ) لِتَمَامِ نِصَابِهِ (وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ قَدَّمَ الْجَرْحَ وُجُوبًا) لِأَنَّ مَعَ شَاهِدَيْهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ يُمْكِنُ خَفَاؤُهَا عَنْ شَاهِدَيْ التَّعْدِيلِ (وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ عَدَّلُوا مَا جَرَّحَاهُ بِهِ قَدْ تَابَ مِنْهُ قَدَّمَ التَّعْدِيلَ) لِمَا مَعَ بَيِّنَتِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ (فَإِنْ
стр. 3074
شَهِدَ عِنْدَهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (فَاسِقٌ يَعْرِفُ قَالَ لِلْمُدَّعِي زِدْنِي شُهُودًا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ مَعَ السِّتْرِ عَلَى الشَّاهِدِ.
(وَإِنْ جَهِلَ) الْحَاكِمُ () أَيْ الشَّاهِدِ (طَلَبَ مِنْهُ الْمُدَّعِي التَّزْكِيَةَ) لِقَوْلِ عُمَرَ لِلشَّاهِدَيْنِ جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فَالشَّكُّ فِي وُجُودِهَا كَعَدَمِهِمَا كَشَرْطِ الصَّلَاةِ (وَالتَّزْكِيَةُ حَقٌّ لِلشَّرْعِ يَطْلُبُهَا الْحَاكِمُ وَإِنْ سَكَتَ عَنْهَا الْخَصْمُ) لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ حُكْمِهِ عَلَيْهَا حَيْثُ جَهِلَ حَالَ الْبَيِّنَةِ.
(وَيَكْفِي فِيهَا) أَيْ التَّزْكِيَةِ (عَدْلَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا أَوْ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ أَوْ عَدْلٌ فَقَطْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَإِذَا شَهِدَا أَنَّهُ عَدْلٌ ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي التَّزْكِيَةِ إلَى حُضُورِ الْخَصْمَيْنِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ وَلِي) لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وَلَهُ وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ (وَيَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ) فَلَهُ تَزْكِيَتُهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَالَتُهُ (بِخِلَافِ الْجَرْحِ) فَلَا يَجْرَحُهُ إلَّا بِمَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ اُسْتُفِيضَ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجِبُ فِيهَا) أَيْ التَّزْكِيَةِ (الْمُشَافَهَةُ حَيْثُ قُلْنَا هِيَ شَهَادَةٌ لَا إخْبَارٌ فَلَا يَكْفِي فِيهَا رُقْعَةُ الْمُزَكِّي لِأَنَّ الْخَطَّ لَا يُعْتَمَدُ فِي الشَّهَادَةِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّيَ الْحُضُورُ لِتَزْكِيَةٍ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَفِيهِ وَجْهٌ (وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُمَا) أَيْ الْمُزَكِّيَيْنِ (وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ عِلْمِ الشَّيْءِ انْتِفَاؤُهُ (وَيَشْتَرِطُ فِي قَبُولِ الْمُزَكِّيَيْنِ مَعْرِفَةُ الْحَاكِمِ خِبْرَتَهُمَا الْبَاطِنَةَ بِصُحْبَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ يُحْتَمَل أَنْ يُرِيدَ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرُوهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُعَدِّلَ لَا خِبْرَةَ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِالتَّعْدِيلِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا لَا يَجُوزُ لِلْمُعَدِّلِ الشَّهَادَةُ بِالْعَدَالَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ خِبْرَةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الْحَاكِمُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الْعَدْلُ بِالتَّعْدِيلِ وَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْحَالِ فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ وَإِنْ اسْتَكْشَفَ الْحَالَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ فَحَسَنٌ.
(وَلَا يَقْبَلُ التَّزْكِيَةَ إلَّا مِمَّنْ لَهُ خِبْرَةٌ بَاطِنَةٌ يَعْرِف الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ بِعَصَبِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا) لِأَنَّهَا كَالشَّهَادَةِ يُعْتَبَرُ لَهَا وَيُعْتَبَرُ فِيهَا (وَتَعْدِيلُ الْخَصْمِ وَحْدَهُ تَعْدِيلٌ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ) لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِ لِحَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهَا وَلِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ لِخَصْمِهِ فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ (وَكَذَا تَصْدِيقِهِ) لِلشَّاهِدِ فَهُوَ تَعْدِيلٌ لَهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدُونِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ (لَكِنْ لَا يَثْبُتُ تَعْدِيلُهُ) أَيْ الشَّاهِدِ (فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَدَالَتَهُ لَمْ تَثْبُتْ وَإِنَّمَا أَخَذَ الْمَشْهُودُ
стр. 3075
عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ كَمَا سَبَقَ.
(وَلَوْ رَضِيَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ فَاسِقٍ لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا) لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ حَقٌّ لِلَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا تَصِحُّ التَّزْكِيَةُ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ) بِأَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ فِي شَهَادَتِهِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَقَطْ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْعَدَالَةُ الْمُطْلَقَةُ وَلَمْ تُوجَدْ (وَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى تُزَكَّى شُهُودُهُ أَجَابَهُ) الْحَاكِمُ (وَحَبَسَهُ ثَلَاثًا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْعَدَالَةُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ (وَمِثْلُهُ لَوْ سَأَلَهُ كَفِيلًا بِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ إقَامَتِهِ الْبَيِّنَةَ حَتَّى تُزَكَّى (أَوْ) جَعَلَ (عَيْنَ مُدَّعَاهُ فِي يَدِ عَدْلٍ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ) فَيُجَابُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْآخَرَ لَمْ يُجِبْهُ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي إثْبَاتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مَالًا (أَجَابَهُ) لِأَنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةً فِيهِ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ إنَّمَا تَتَعَيَّنُ عِنْدَ تَعَذُّرِ شَاهِدٍ آخَرَ وَلَمْ يَحْصُلْ لِلتَّعَذُّرِ.
(فَإِنْ ادَّعَى رَقِيقٌ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَعْدِلَا فَسَأَلَ) الْمُدَّعِي (الْحَاكِمَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ إلَى أَنْ يَبْحَثَ الْحَاكِمُ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ فَعَلَ) أَيْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ (وَيُؤَجِّرُهُ) الْحَاكِمُ (مِنْ ثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ) إلَى مُضِيِّ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ (فَإِنْ عُدِّلَ الشَّاهِدَانِ) حَكَمَ بِعِتْقِهِ لِتَمَامِ الشَّرَائِطِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْدِلَا (رَدَّهُ إلَى سَيِّدِهِ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقَ كَعَدَمِهَا (وَإِنْ أَقَامَ) الْمُدَّعِي الْعِتْقَ (شَاهِدًا وَاحِدًا وَسَأَلَهُ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ) لِأَنَّ الْعِتْقَ كَالْمَالِ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى مَالًا.
(وَإِنْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ بِطَلَاقِهَا الْبَائِنِ وَلَمْ يَعْرِفْ) الْحَاكِمُ (عَدَالَةَ الشُّهُودِ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) احْتِيَاطًا مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ الْعَدَالَةُ (وَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا لَمْ يَحُلْ) بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَثْبُتُ بِهِ طَلَاقٌ فَأَشْبَهَ عَدَمَهُ.
(وَإِنْ حَاكَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِف) الْحَاكِمُ (لِسَانَهُ تَرْجَمَ إلَيْهِ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ إلَّا بِذَلِكَ وَالتَّرْجَمَةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْجِيمِ تَأْدِيَةُ الْكَلَامِ بِلُغَةٍ أُخْرَى وَاسْمُ الْفَاعِلِ تَرْجُمَانِ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمَّ الْجِيمِ وَهِيَ أَجْوَدُ لُغَاتِهِ وَبِضَمِّهِمَا وَفَتْحِهِمَا مَعًا وَالتَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلِيَّتَانِ فَوَزْنُ تَرْجَمَ فَعْلَلَ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَلَا يَقْبَلُ فِي تَرْجَمَةٍ وَجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَرِسَالَةٍ) أَيْ بَعَثَ مَنْ يَتَعَرَّفَ أَحْوَالَ الشُّهُودِ أَوْ رِسَالَةَ الْقَاضِي فِي تَحْلِيفِ مَرِيضٍ أَوْ مُخَدَّرَةٍ وَنَحْوِهِ (وَتَعْرِيفٍ عِنْدَ حَاكِمٍ وَيَأْتِي التَّعْرِيفُ عِنْدَ الشَّاهِدِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ لَا قَوْلَ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي غَيْرِ مَالٍ وَزِنًا) كَنِكَاحٍ وَقَذْفٍ وَنَحْوِهِ.
(وَفِي الْمَالِ يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَفِي الزِّنَا أَرْبَعَةُ)
стр. 3076
رِجَالٍ لِأَنَّ ذَلِكَ إثْبَاتُ شَيْءٍ يَبْنِي الْحَاكِمُ حُكْمَهُ عَلَيْهِ فَافْتَقَرَ إلَى ذَلِكَ كَالشَّهَادَةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالرِّسَالَةِ وَالتَّعْرِيفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَالتَّرْجَمَةِ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى فَيَكْفِي فِيهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فِي الْمَالِ وَالزِّنَا أَرْبَعَةٌ (وَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ التَّرْجَمَةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَإِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ بِتَعْرِيفِ حَالِ الشُّهُودِ وَالتَّعْرِيفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ (شَهَادَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ) فَلَا يَكْفِي الْإِخْبَارُ بِهِ.
(وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا نِيَّةٌ (يُعْتَبَرُ فِيهَا) أَيْ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ (وَتَجِبُ الْمُشَافَهَةُ) فَلَا يَكْفِي بِالرُّقْعَةِ مَعَ الرَّسُولِ كَالشَّهَادَةِ.
(وَتُعْتَبَرُ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ فِيمَنْ رَتَّبَهُ الْحَاكِمُ يَسْأَلُهُ سِرًّا عَنْ الشُّهُودِ لِتَزْكِيَةٍ أَوْ جَرْحٍ) وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَتَّخِذُ أَصْحَابَ مَسَائِلَ كَمَا سَبَقَ فَإِذَا شَهِدَ عِنْدَ مَنْ جَهِلَ عَدَالَتُهُ كَتَبَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَكُنْيَتَهُ وَحِلْيَتَهُ وَصَنْعَتَهُ وَسُوقَهُ وَمَسْكَنَهُ وَمَنْ يَشْهَدُ لَهُ وَعَلَيْهِ وَمَا شَهِدَ بِهِ فِي رِقَاعٍ وَدَفَعَهَا إلَى أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَعْرِفَهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُ وَلَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَلَا الشُّهُودُ وَيَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً وَلَا يَعْلَمُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ لِيَسْأَلُوا عَنْهُ فَإِنْ رَجَعُوا بِتَعْدِيلِهِ قَبِلَهُ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَرَجَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَيَشْهَدَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ ذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَمَنْ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْ تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ أَخْبَرَهُ بِحَالِهِ) وُجُوبًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ (لَمْ يَجِبْ) عَلَيْهِ إخْبَارُهُ بِحَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ (وَمِنْ نَصَبَ لِلْحُكْمِ بِجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَ) نَصَبَ لِ (سَمَاعِ بَيِّنَةٍ قَنَعَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ وَحْدَهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ فَاكْتَفَى بِخَبَرِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ قُلْتُ هَذَا إذَا حَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي سَمِعَهَا ظَاهِرًا وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِ وَهُمَا بِعَمَلِهِمَا بِالثُّبُوتِ لِأَنَّهُ كَنَقْلِ الشَّهَادَةِ.
(وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً وَجَبَ تَجْدِيدُ الْبَحْثِ عَنْهَا مَرَّةً أُخْرَى مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ) لِأَنَّ الْأَحْوَالَ تَتَغَيَّرُ إذَنْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ (فَلَا) يَجِبُ تَجْدِيدُ الْبَحْثِ عَنْهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ فَلَا يَزُولُ حَتَّى يَثْبُتَ الْجَرْحُ.
[فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى غَائِب مَسَافَةَ قَصْرٍ]
فَصْلٌ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى غَائِب مَسَافَةَ قَصْرٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ أَوْ) ادَّعَى عَلَى (مُمْتَنِعٍ) مِنْ الْحُضُورِ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ (أَيْ مُسْتَتِرٍ إمَّا فِي الْبَلَدِ أَوْ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ ادَّعَى عَلَى مَيِّتٍ أَوْ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ بِلَا بَيِّنَةٍ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ
стр. 3077
فِيهَا (وَلَمْ يُحْكَمْ لَهُ) بِمَا ادَّعَاهُ لِحَدِيثِ " لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ " (وَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ) لِحَدِيثِ هِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي فَقَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَقَضَى لَهَا وَلَمْ يَكُنْ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ هُنَا لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فَجَازَ الْحُكْمُ بِهَا كَمَا لَوْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا وَأَمَّا تَقْيِيدُ الشَّافِعِيَّةِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ وَأَمَّا الْمُسْتَتِرُ فَلِأَنَّهُ مُتَعَذِّرُ الْحُضُورِ أَشْبَهَ الْغَائِبَ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْغَائِبَ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا بِخِلَافِ الْمُسْتَتِرِ وَالْمَيِّتُ كَالْغَائِبِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْغَائِبَ قَدْ يَحْضُرُ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، وَالصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ كَالْغَائِبِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُعَبِّرُ عَلَى نَفْسِهِ " تَنْبِيهٌ " قَوْلُهُ وَلَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي عَمَلِهِ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِعَمَلِهِ أَحْضَرَهُ لِيَكُونَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ مَعَ حُضُورِهِ.
وَ (لَا) يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ (فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ) لِأَنَّ مَبْنَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ (لَكِنْ يَقْضِي فِي السَّرِقَةِ بِالْمَالِ فَقَطْ) لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ (وَلَيْسَ تَقَدَّمَ الْإِنْكَارِ فِي الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ وَنَحْوِهِ شَرْعًا) إذْ الْغَيْبَةُ وَنَحْوُهَا كَالسُّكُوتِ وَالْبَيِّنَةِ تُسْمَعُ عَلَى سَاكِتٍ لَكِنْ لَوْ قَالَ هُوَ مُعْتَرِفٌ وَأَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ اسْتِظْهَارًا لَمْ تُسْمَعْ وَقَالَهُ الْأَزَجِيُّ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ مِنْ التَّرْغِيبِ.
(وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ) مَعَ بَيِّنَتِهِ التَّامَّةِ (أَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَكَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى حَاضِرٍ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ شَاهِدًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُ (وَالِاحْتِيَاطُ تَحْلِيفُهُ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَكَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَادَّعَى بَعْضَ ذَلِكَ (وَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِي نَصْبَ مَنْ يُنْكِرُ أَوْ يُحْبَسُ بِغَيْرِهِ عَنْ الْغَائِب لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْإِنْكَارِ لَيْسَ شَرْطًا كَمَا سَبَقَ) ثُمَّ إذَا قَدِمَ الْغَائِبُ وَبَلَغَ الصَّغِيرُ وَرَشَدَ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَظَهَرَ الْمُسْتَتِرُ فَهُمْ عَلَى حِجَجِهِمْ (لِأَنَّ الْمَانِعَ إذَا زَالَ صَارُوا كَالْحَاضِرِينَ الْمُكَلَّفِينَ وَإِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَقَفَ الْحُكْمُ) عَلَى حُضُورِهِ وَلَمْ تَجِبْ إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ لَكِنْ يُخْبِرُهُ بِالْحَالِ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ الْجَرْحِ.
(وَلَوْ جَرَحَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ) جَرَحَهَا (مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يَغُرَّهُ لِمَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ وَلَا لِمَا بَعْدَهَا (لَمْ يَقْبَلْ) تَجْرِيحُهُ لَهَا (لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ (وَإِنْ جَرَحَهَا بِأَمْرٍ) مُفَسِّقٍ (كَانَ قَبْلَ) أَدَاءَ (الشَّهَادَةِ قَبِلَ) بِالْبَيِّنَةِ (وَبَطَلَ الْحُكْمُ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ.
(وَلَا يَمِينَ مَعَ بَيِّنَةٍ كَامِلَةٍ) فِي
стр. 3078
دَعْوَى عَلَى غَائِبٍ أَوْ غَيْرِهِ (كَقَوْلِهِ) فِي أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ (لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجْرِ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِنَفَاذِ مَالِهِ أَنَّهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (يَحْلِفُ مَعَهَا) لَا يَحْلِفُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَلَا تَكْذِيب لَهَا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَلَاكِ مَا شَهِدَتْ بِهَلَاكِهِ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمُرْتَهِنِ وَالْوَدِيعِ وَنَحْوِهِمَا إذَا ادَّعُوا التَّلَفَ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ بِوُجُودِ الظَّاهِرِ يَحْلِفُونَ عَلَى التَّلَفِ.
(قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَتَخْتَصُّ الْيَمِينُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ الْمُدَّعِي) لِحَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (إلَّا فِي الْقَسَامَةِ) فَيَبْدَأُ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ لِخَبَرِهَا الْخَاصِّ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِهَا.
(وَ) إلَّا فِي (دَعَاوَى الْأُمَنَاءِ الْمَقْبُولَةِ) كَدَعْوَى التَّلَفِ وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ وَنَحْوِهِ وَتَقَدَّمَ (وَبِحَيْثُ يَحْكُمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ) بِأَنْ كَانَ الْمُدَّعِي بِهِ مَالًا أَوْ يَقْصِدُ بِهِ الْمَالَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَالَ حَفِيدُهُ) أَيْ ابْنُ ابْنِهِ وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّين بْنُ تَيْمِيَّةَ (دَعَاوَى الْأُمَنَاءِ الْمَقْبُولَةُ غَيْرُ مُسْتَثْنَاةٍ) مِنْ قَوْلِنَا تَخْتَصُّ الْيَمِينُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَيَحْلِفُونَ وَذَلِكَ) أَيْ تَوْضِيحُ عَدَمِ اسْتِثْنَائِهِمْ (لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ إلَّا بِتَفْرِيطٍ أَوْ عُدْوَانٍ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَنْكَرُوا أَنَّهُمْ مُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ) فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِمْ لَكِنَّ جَدَّهُ نَظَرَ إلَى الصُّورَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (غَائِبًا عَنْ الْمَجْلِسِ أَوْ) غَائِبًا (عَنْ الْبَلَد دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) مِنْ الْحُضُورِ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ (لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى) عَلَيْهِ (وَلَا الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ) لِأَنَّ حُضُورَهُ مُمْكِنٌ فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ مَعَ حُضُورِهِ (كَحَاضِرٍ فِي الْمَجْلِسِ) الْغَائِبِ الْبَعِيدِ وَالْمُمْتَنِعِ (فَإِنْ أَبَى) الْخَصْمُ (الْحُضُورَ لَمْ يَهْجُمْ) لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْضَاءِ شَهَادَتِهِ (وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ أَنَّ فُلَانًا شَهِدَ لِفُلَانٍ بِكَذَا) أَيْ فَيَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا كَمَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْحَقِّ نَفْسِهِ قُلْتُ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ تُوجَدْ بَاقِي شُرُوطِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ حُضُورٍ كَالْغَالِبِ الْبَعِيدِ (ثُمَّ إنْ وَجَدَ) الْحَاكِمُ (لَهُ) أَيْ الْغَائِبِ أَوْ الْمُمْتَنِعِ (مَالًا وَفَّاهُ مِنْهُ وَإِلَّا قَالَ لِلْمُدَّعِي إنْ وَجَدْتَ لَهُ مَالًا وَثَبَتَ عِنْدِي) أَنَّهُ مَالُهُ (وَفَّيْتُكَ مِنْهُ) لِوِلَايَتِهِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْمُمْتَنِعِ (وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ بِهِ عَلَى الْغَائِبِ) أَوْ الْمُمْتَنِعِ (عَيْنًا سُلِّمَتْ إلَى الْمُدَّعِي) كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.
(وَالْحُكْمُ لِلْغَائِبِ مُمْتَنِعٌ) قَالَ فِي التَّرْغِيبِ لِامْتِنَاعِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لَهُ وَالْكِتَابَةِ لَهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ لِيَحْكُم لَهُ بِكِتَابِهِ بِخِلَافِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ (وَيَصِحُّ) الْحُكْمُ لِلْغَائِبِ (تَبَعًا كَدَعْوَاهُ) أَيْ الْحَاضِرِ (أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ) مُطْلَقًا (أَوْ) أَخٍ لَهُ (غَيْرِ رَشِيدٍ وَلَهُ) أَيْ الْأَبِ (عِنْدَ فُلَانٍ عَيْنٌ أَوْ دَيْنٌ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَهُوَ لِلْمَيِّتِ
стр. 3079
وَيَأْخُذُ الْمُدَّعِي نَصِيبَهُ وَ) يَأْخُذُ (الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْآخَرِ فَيَحْفَظُهُ لَهُ) حَتَّى يَحْضُرَ أَوْ يَرْشُدَ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ وَذَلِكَ يُوجِبُ تَسْلِيمَ نَصِيبِهِ إلَيْهِ.
(وَتُعَادُ الْبَيِّنَةُ فِي غَيْرِ الْإِرْثِ) أَيْ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِحَقٍّ مُشْتَرَكٍ سَبَّبَهُ غَيْرُ إرْثٍ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ لِحَاضِرٍ ادَّعَى نَصِيبَهُ مِنْهُ وَحَكَمَ لَهُ الْقَاضِي ثُمَّ حَضَرَ شَرِيكُهُ الْغَائِبُ فَادَّعَى نَصِيبَهُ مِنْهُ تُعَادُ لَهُ الْبَيِّنَةُ وَلَا تَبَعِيَّةَ هُنَا (وَكَحُكْمِهِ) أَيْ مِثْلِ الْإِرْثِ فِي ثُبُوت حَقِّ الْغَائِبِ تَبَعًا لِلْحَاضِرِ حُكْمُ الْحَاكِمِ (بِوَقْفٍ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ) مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ (تَبَعًا لِمُسْتَحِقِّهِ الْآنَ وَ) مِثْلُهُ (إثْبَاتُ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ بِالْوِكَالَةِ فِي غَيْبَةِ الْآخَرِ فَتَثْبُتُ لَهُ) أَيْ لِلْغَائِبِ (تَبَعًا وَ) مِثْلُهُ (سُؤَالُ أَحَدِ الْغُرَمَاءِ الْحَجْرَ) عَلَى الْمُفْلِسِ فَإِنَّهُ كَسُؤَالِ الْكُلِّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَالْقِصَّةُ الْوَاحِدَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى عَدَدٍ أَوْ أَعْيَانٍ كَوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ فِي الْمُشْرِكَةِ) وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ فَأَكْثَر وَإِخْوَةُ الْأَبَوَيْنِ (وَالْحُكْمُ فِيهَا لِوَاحِدٍ) مِنْ الْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ وَإِنَّهُ يُشَارِكُ الْإِخْوَةَ لِأُمٍّ وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (أَوْ) الْحُكْمُ (عَلَيْهِ) بِأَنَّهُ سَاقِطٌ لِاسْتِغْرَاقِ الْمَفْرُوضِ التَّرِكَةَ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ (يَعُمُّهُ) أَيْ الْمَحْكُومَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ (أَوْ) يَعُمُّ (غَيْرَهُ) مِنْ الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ لِتُسَاوِيهِمْ فِي الْحُكْمِ (وَحُكْمُهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (لِطَبَقَةٍ) مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ (حُكْمٌ) لِلطَّبَقَةِ (الثَّانِيَةِ إنْ كَانَ الشَّرْطُ وَاحِدًا حَتَّى مَنْ أَبْدَى) مِنْ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ الْأَوَّلَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَلِلثَّانِي الدَّفْعُ بِهِ لِأَنَّ كُلَّ بَطْنٍ تَلَقَّاهُ عَنْ وَاقِفِهِ فَهُوَ صَلِيٌّ.
(وَمِنْ ادَّعَى أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ فَصَدَّقَهُ) الْحَاكِمُ (قَبْلَ قَوْلِهِ الْحَاكِمِ) وَحْدَهُ (إنْ كَانَ) الْحَاكِمُ (عَدْلًا كَقَوْلِهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (ابْتِدَاءً) مِنْ غَيْرِ دَعْوَى (حَكَمْتُ بِكَذَا) فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ.
(وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ) أَيْ الْحَاكِمَ (حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ فَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا وَأَمْضَى الْقَضَاءَ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ) لِأَنَّهُمَا إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قُبِلَ فَكَذَا إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ إذَا نَسِيَ شَهَادَتَهُ أَنَّ ذِكْرَ مَا نَسِيَهُ لَيْسَ إلَيْهِ وَالْحَاكِمُ يُمْضِي مَا حَكَمَ بِهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالشَّاهِدُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ أَيْ يَحْرُمُ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ إنْ صَحَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ أَمَرَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ وَنَصَّهُ يَحْكُمُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ (وَسَمِعْتُ الْبَيِّنَةُ) عَلَى الْمُمْتَنِعِ بِبَيِّنَةٍ كَغَيْرِهِ (وَحَكَمَ بِهَا) ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ) أَيْ بِحُكْمِهِ (أَحَدٌ لَكِنْ وَجَدَهُ) الْحَاكِمُ (فِي قُطْرِهِ فِي صَحِيفَتِهِ تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ وَثِيقَتَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يُنَفِّذْهُ) .
لِأَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ لَمْ يَعْلَمْهُ فَلَمْ
стр. 3080
يَجُزْ إنْفَاذُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَحُكْمِ غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَوَّرَ عَلَيْهِ وَعَلَى خَطِّهِ وَخَتْمِهِ وَ (كَخَطِّ أَبِيهِ) إذَا وَجَدَهُ (بِحُكْمٍ أَوْ شَهَادَةٍ لَمْ يَحْكُمْ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهَا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا (وَكَذَا شَاهِدٌ رَأَى خَطَّهُ فِي كِتَابٍ بِشَهَادَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ فَلَا يَشْهَدُ اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَعَنْهُ يَجُوزُ إذَا تَيَقَّنَهُ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا خَطُّهُ (وَمَنْ تَحَقَّقَ الْحَاكِمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَطِّ يَتَجَوَّزُ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ) لِلْحَاكِمِ (قَبُولُ شَهَادَتِهِ) كَالْمُغَفَّلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ عَلَى الْخَطِّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْحَاكِمُ ذَلِكَ مِنْهُ (حَرُمَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ) أَهَلْ ذَكَرَ الشَّهَادَةَ أَوْ اعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَطِّ؟ لِأَنَّهُ قَدْحٌ فِيهِ بِمَا الْأَصْلُ خِلَافُهُ.
(وَلَا يَجِبُ) عَلَى الشَّاهِدِ إذَا سَأَلَهُ الْحَاكِمُ فِي هَذِهِ الْحَالِ (أَنْ يُخْبِرَهُ بِالصِّفَةِ) أَيْ بِكَوْنِهِ ذَكَرَ الشَّهَادَةَ أَوْ اعْتَمَدَ عَلَى خَطِّهِ (وَمَنْ نَسِيَ لِشَهَادَتِهِ فَشَهِدَا) أَيْ شَاهِدَانِ (بِهَا لَمْ يَشْهَدْ بِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ وَمَنْ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ حَقٌّ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهُ مِنْهُ بِحَاكِمٍ وَقُدِّرَ لَهُ أَيْ لِلْمَدِينِ عَلَى مَالٍ]
ٍ لَمْ يَجُزْ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَى رَبِّ الْحَقِّ (فِي الْبَاطِنِ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» وَقَوْلُهُ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ وَالْمُعَارَضَةَ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَالِكِ (إلَّا إذَا تَعَذَّرَ عَلَى ضَيْفٍ أَخْذَ حَقَّهُ مِنْ) وَاجِبِ (الضِّيَافَةِ يُحَاكَمُ) فَلَهُ أَخْذُهُ قَهْرًا وَتَقَدَّمَ بِدَلِيلِهِ فِي الْأَطْعِمَةِ (أَوْ مَنْعُ زَوْجٍ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ) مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ (مَا وَجَبَ عَلَيْهِ) لِزَوْجَتِهِ أَوْ قَرِيبِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ (مِنْ نَفَقَةٍ وَنَحْوِهَا) كَكِسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ (فَلَهُ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ فِي النَّفَقَاتِ لِقَوْلِهِ ﷺ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِيَّةِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَالْمُحَاكَمَةُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَشُقُّ بِخِلَافِ مَنْ لَهُ دَيْنٌ أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ.
(لَكِنْ لَوْ غَصَبَ مَالَهُ جَهْرًا أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَيْنُ مَالِهِ فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ الْمَغْصُوبِ جَهْرًا) ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ (أَوْ) أَخْذَ (عَيْنَ مَالِهِ وَلَوْ قَهْرًا) زَادَ فِي التَّرْغِيبِ مَا لَمْ يُفْضِ إلَى فِتْنَةٍ (وَعَنْهُ يَجُوزُ) لِرَبِّ الدَّيْنِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ مِنْ الْمَدِينِ بِالْحَاكِمِ لِجُحْدِهِ أَوْ غَيْرِهِ (إنْ لَمْ يَكُنِ)
стр. 3081
الْمَدِينُ (مُعْسِرًا بِهِ أَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ مُؤَجَّلًا الْأَخْذُ (فَيَأْخُذ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ جِنْسِهِ) إنْ وَجَدَ فِي مَالِ الْمَدِينِ مِنْ جِنْسِهِ (وَإِلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِهِ فِي الْبَاطِنِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ) فِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ هِنْدٍ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَلِقَوْلِهِ: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ حَدِيثَ هِنْدٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا فَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُقِرًّا بِهِ بَاذِلًا لَهُ أَوْ كَانَ مَالُهُ لِأَمْرٍ يُبِيحَ الْمَنْعَ كَالتَّأْجِيلِ وَالْإِعْسَارِ أَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ بِالْحَاكِمِ لَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
(وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَجَحَدَ أَحَدُهُمَا) دَيْنَ الْآخَرِ (فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَجْحَدَهُ) دَيْنَهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لِأَنَّهُ كَبَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ لَا يَجُوزُ وَلَوْ رَضِيَا فَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ مِنْ جِنْسٍ تَقَاصَّا بِشَرْطِهِ وَسَبَقَ (وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ بَاطِنًا) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِشَهَادَةِ زُورٍ فَلَا يُحِلُّ لَهُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ كَالْمَالِ الْمُطْلَقِ.
(وَلَوْ) كَانَ حُكْمُ الْحَاكِمِ (فِي عَقْدٍ وَفَسْخٍ وَطَلَاقٍ فَمَنْ حَكَمَ لَهُ بِبَيِّنَةِ زُورٍ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ) بَاطِنًا (وَيَلْزَمُهَا) حُكْمُهُ (فِي الظَّاهِرِ) لِعَدَمِ مَا يَدْفَعُهُ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا (أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهَا فَإِنْ أَكْرَهَهَا) وَوَطِئَهَا (فَالْأَثِمُ عَلَيْهِ دُونَهَا) لِأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ (ثُمَّ إنْ وَطِئَ مَعَ الْعِلْمِ فَكَزِنًا فَيُحَدُّ) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ: " رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَرَفَعَا إلَى عَلِيٍّ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ فَقَالَتْ وَاَللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي اعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ فَقَالَ: شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ " فَتَقْدِيرُ صِحَّتِهِ لَا حَجَّةَ فِيهِ لِلْمُخَالِفِ لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّزْوِيجَ إلَى الشَّاهِدَيْنِ لَا إلَى حُكْمِهِ وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى التَّزْوِيجِ لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الشُّهُودِ لَكِنْ اللِّعَانُ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا لِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَهُ لِسِتْرِ الزَّانِيَةِ وَصِيَانَةِ النَّسَبِ فَتَعَقَّبَهُ النَّسْخُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ إلَّا بِهِ وَلَيْسَ كَمَسْأَلَتِنَا.
(وَيَصِحُّ نِكَاحُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ الْمَحْكُومِ بِنِكَاحِهَا لِرَجُلٍ بِبَيِّنَةِ زُورٍ (غَيْرَهُ) لِخُلُوِّهَا مِنْ النِّكَاحِ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (لَا يَصِحُّ) تَزْوِيجُهَا غَيْرَهُ (لِإِفْضَائِهِ إلَى وَطْئِهَا مِنْ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا بِحُكْمِ الظَّاهِرِ وَالْآخَرُ بِحُكْمِ الْبَاطِنِ) وَهَذَا فَسَادٌ وَكَالْمُزَوَّجَةِ بِلَا وَلِيٍّ.
(وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا بِشُهُودِ زُورٍ فَهِيَ زَوْجَتُهُ بَاطِنًا) نَصًّا.
(وَيُكْرَهُ لَهُ اجْتِمَاعُهُ بِهَا ظَاهِرًا خَوْفًا مِنْ مَكْرُوهٍ يَنَالُهُ) بِسَبَبِ طَعْنِهِ عَلَى الْحَاكِمِ (وَلَا يَصِحُّ
стр. 3082
نِكَاحُهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ بِالْحَالِ) لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي عِصْمَةِ الْأَوَّلِ (وَمَنْ حَكَمَ لِمُجْتَهِدٍ أَوْ) حَكَمَ (عَلَيْهِ بِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ عَمِلَ) الْمُجْتَهِدُ (بَاطِنًا بِالْحُكْمِ) كَمَا يَعْمَل بِهِ ظَاهِرًا (لَا بِاجْتِهَادِهِ) لِرَفْعِ حُكْمِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْإِمَامِ مَا يَرَى أَنَّهُ حَرَامٌ وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لَكِنْ لَوْ كَانَ الطَّالِبُ غَيْرَهُ أَوْ ابْتَدَأَ الْإِمَامُ بِحُكْمٍ أَوْ قِسْمَةٍ فَهُنَا يَتَوَجَّهُ الْقَوْلُ بِالْحِلِّ.
(وَإِنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ) عَمْدًا مِنْ ذَبِيحَةٍ أَوْ صَيْدٍ (فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ شَافِعِيٌّ نَفَذَ) حُكْمُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إلَّا بِالْخِطَابِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَإِنْ رَدَّ حَاكِمٌ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِ) رُؤْيَةِ (هِلَالِ رَمَضَانَ لَمْ يُؤَثِّرْ) رَدُّهُ لِشَهَادَتِهِ (كَ) رَدِّهِ بِبَيِّنَةِ (مِلْكٍ مُطْلَقٍ وَأَوْلَى لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِحُكْمِهِ فِي عِبَادَةٍ وَوَقْتٍ وَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ رَدُّهُ لِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ (فَتْوَى فَلَا يُقَالُ حَكَمَ بِكَذِبِهِ أَوْ) حَكَمَ (أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ) أَيْ الْهِلَالَ فَيَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ الصَّوْمُ وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَرَى قَبُولَ الْوَاحِدِ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ قَالَ الْغَزِّيِّ: وَكَذَا طَهَارَةُ شَيْءٍ وَنَجَاسَتُهُ لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا، لَكِنْ يَدْخُلُهَا تَضَمُّنًا كَمَنْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا أَوْ بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلَّقِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ.
(وَلَوْ رُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (حُكْمٌ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ) لِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا أَوْ مَا يَعْتَقِدُهُ (لَيُنَفِّذَهُ لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ) الْمَرْفُوعُ إلَيْهِ صَحِيحًا لِأَنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلَافُ فِيهِ فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ (وَكَذَا لَوْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمٍ وَ) حُكْمِهِ (بِنُكُولِهِ) أَيْ الْخَصْمِ (وَ) حُكْمِهِ (بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَتَزْوِيجِهِ بِيَتِيمَةٍ) بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَكَالْحُكْمِ عَلَى غَائِبٍ وَفِي الْمُحَرَّرِ: لَمْ يَلْزَمْهُ تَنْفِيذُهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ آخَرُ قَبْلَهُ قَالَ شَارِحُهُ: فَإِنَّ نَفْسَ الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّةِ الْحُكْمِ.
(وَلَوْ رَفَعَ إلَيْهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (خَصْمَانِ عَقْدًا فَاسِدًا عِنْدَهُ وَأَقَرَّا) أَيْ الْخَصْمَانِ (بِأَنَّ نَافِذَ الْحُكْمِ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فَلَهُ إلْزَامُهُمَا بِذَلِكَ) الْعَقْدِ الَّذِي أَقَرَّا أَنَّ نَافِذَ الْحُكْمِ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ أَقَرَّا بِهِ فَلَزِمَهُمَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِغَيْرِهِ (وَلَهُ رَدُّهُ وَالْحُكْمُ) عَلَيْهِمَا (بِمَذْهَبِهِ) لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِهِ لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمَا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا بَيِّنَةَ هُنَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ.
(وَمَنْ قَلَّدَ) مُجْتَهِدًا (فِي صِحَّةِ نِكَاحٍ) مُخْتَلَفٍ فِيهِ (لَمْ يُفَارِقْ) الْمَنْكُوحَةَ (بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ) أَيْ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي قَلَّدَهُ فِي الصِّحَّةِ (كَحُكْمٍ) أَيْ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ مُجْتَهِدٌ يَرَى صِحَّتَهُ حَالَ
стр. 3083
الْحُكْمِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لِقَوْلِ عُمَرَ " ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي " (بِخِلَافِ مُجْتَهِدٍ نَكَحَ) نِكَاحًا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى صِحَّتِهِ (ثُمَّ رَأَى بُطْلَانَهُ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَارِقَ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَهُ وَحُرْمَةَ الْوَطْءِ.
(وَلَا يَلْزَمُ) الْمُجْتَهِدَ (إعْلَامُ الْمُقَلِّدِ) بِكَسْرِ اللَّامِ (بِتَغَيُّرِهِ) أَيْ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ أَنْ يُفَارِقَ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مَنْ قَلَّدَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَإِنْ بَانَ خَطَؤُهُ) أَيْ الْحَاكِمِ (فِي إتْلَافٍ) كَقَطْعٍ وَقَتْلٍ (لِمُخَالَفَةِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ أَوْ) بَانَ (خَطَأُ مُفْتٍ لَيْسَ أَهْلًا) لَلْفُتْيَا (ضَمِنَا) أَيْ الْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي لِأَنَّهُ إتْلَافٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَاهُ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ فِيمَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ مِمَّا يَقْبَلُ الِاجْتِهَادَ لَا ضَمَانَ.
(وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ كُفْرُ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقُهُمْ لَزِمَهُ) أَيْ الْحَاكِمَ (نَقْضُهُ) أَيْ الْحُكْمِ لِفَقْدِ شَرْطِ صِحَّتِهِ (وَيَرْجِعُ بِالْمَالِ) الْمَحْكُومِ بِهِ إنْ بَقِيَ (أَوْ بَدَلَهُ) إنْ تَلِفَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ لِأَنَّهُ أَخْذَ بِغَيْرِ حَقٍّ (أَوْ) يَرْجِعُ بِ (بَدَلِ قَوَدٍ مُسْتَوْفًى عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ قَتْلِهِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي الْعَمْدِ.
(وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ لِلَّهِ) - تَعَالَى - (بِإِتْلَافٍ حِسِّيٍّ) كَقَتْلٍ فِي رِدَّةٍ وَقَطْعٍ فِي سَرِقَةٍ (أَوْ بِمَا سَرَى إلَيْهِ) أَيْ الْإِتْلَافُ الْحِسِّيُّ كَجَلْدٍ سِرِّيٍّ وَمَاتَ بِهِ ثُمَّ بَانَ كُفْرُ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقُهُمْ (ضَمِنَهُ مُزَكُّونَ) إنْ كَانُوا لِتَفْرِيطِهِمْ وَتَسَبُّبِهِمْ وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ (وَإِنْ بَانُوا) أَيْ الشُّهُودُ (عَبِيدًا أَوْ وَلَدًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ) وَلَدًا أَوْ عَدُوًّا (لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ) لِمُوَافَقَتِهِ اعْتِقَادَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرَ حَاكِمُهُ الْحُكْمَ بِهِ (وَنَقَضَهُ وَلَمْ يُنَفِّذْ) حُكْمَهُ بِهِ (لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ) وَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ اعْتِقَادَهُ إلَّا الْمُقَلِّدُ فَإِنَّهُ يُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ وَيُرَاعِي نُصُوصَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا وَيَحْكُمُ بِهِ وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ أَفْتَى التَّقِيُّ الْفَتُوحِيُّ بِنَقْضِ حُكْمِ الْحَنْبَلِيِّ بِأَنَّ طَلَاقَ الثَّلَاثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ إمَامِهِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ الْمِرْدَاوِيُّ فِي الرَّدِّ الْجَلِيِّ أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُ الْمُقَلِّدِ بِمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ إمَامِهِ.
(وَإِذَا حَكَمَ) الْحَاكِمُ (بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ ثُمَّ) ارْتَابَ الْحَاكِمُ (فِي شَهَادَتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي حُكْمِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَةٌ لِلصِّحَّةِ وَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ.
(وَفِي الْمُحَرَّرِ: مَنْ حَكَمَ بِقَوَدٍ أَوْ حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ بَانُوا) أَيْ الشُّهُودُ (عَبِيدًا فَلَهُ نَقْضُهُ إذَا كَانَ) الْحَاكِمُ (لَا يَرَى قَبُولَهُمْ فِيهِ) أَيْ الْقَوَدِ وَالْحَدِّ فَقَوْلُهُ لَهُ نَقْضُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ شَاءَ نَقَضَهُ أَوْ أَمْضَاهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا وَلَعَلَّهُ قَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْعِ فَلَا يُنَافِي ظَاهِرُهُ كَلَامَ غَيْرِهِ مِنْ لُزُومِ نَقْضِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ عِنْدَهُ (وَكَذَا) شَيْءٌ (مُخْتَلَفٌ فِيهِ)
стр. 3084
أَيْ فِي كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ لِلشَّهَادَةِ أَوْ الْحُكْمِ (صَادَفَ مَا حَكَمَ بِهِ) الْحَاكِمُ (وَجَهِلَهُ) الْحَاكِمُ فَيَنْقُضُهُ إذَا كَانَ لَا يَرَى الْحُكْمَ مَعَهُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ (خِلَافًا لِمَالِكٍ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) مُوَضَّحًا.
[بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي]
(بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي) وَالْأَصْلُ فِي الْمُكَاتَبَةِ الْإِجْمَاعُ وَسَنَدُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٠] الْآيَةَ وَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَمُلُوكِ الْأَطْرَافِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ وَسُعَاتِهِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَة إلَى قَبُولِهِ فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ وَلَا مُطَالَبَتُهُ إلَّا بِكِتَابِ الْقَاضِي وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ قَبُولِهِ.
(لَا يُقْبَلُ) كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (فِي حَدِّ اللَّهِ - تَعَالَى - كَزِنًا وَنَحْوِهِ) كَحَدِّ الشُّرْبِ وَكَالْعِبَادَاتِ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالسِّتْرِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ وَالسُّقُوطِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهَا وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ فَكَذَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (وَيُقْبَلُ) كِتَابُ الْقَاضِي (فِي كُلِّ حَقٍّ آدَمِيٍّ مِنْ الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالصُّلْحِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ مَثَلًا.
(وَ) الْوَصِيَّةِ (إلَيْهِ وَ) الْوَصِيَّةِ (فِي الْجِنَايَةِ وَالْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّوْكِيلِ) فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ (وَحَدِ الْقَذْفِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ لَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَلِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) وَهِيَ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي لَا يُقْبَلُ إلَّا فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ.
(ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي) إلَى الْغَائِبِ (حُكْمُهُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا) أَيْ كِتَابَتَهُ (شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ وَذَكَرُوا) أَيْ الْأَصْحَابُ (فِيمَا إذَا تَغَيَّرَتْ حَالٌ لَهُ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ (أَصْلٌ وَمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ) بِكِتَابِهِ (فَرْعٌ فَلَا يَسُوغُ) لِقَاضٍ (نَقْضُ الْحُكْمِ) مِنْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ (بِإِنْكَارِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَلَا يَقْدَحُ) إنْكَارُهُ (فِي عَدَالَةِ الْبَيِّنَةِ بَلْ يَمْنَعُ إنْكَارُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ كَمَا يَمْنَعُ رُجُوعَ شُهُودِ الْأَصْلِ)
стр. 3085
قَبْلَ الْحُكْمِ (الْحُكْمُ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ (فَرْعٌ لِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ) بِالْحَقِّ الَّذِي كَتَبَ بِهِ (و) أَنَّهُ (أَصْلٌ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ) بِكِتَابِهِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ فَرْعٍ أَصْلًا لِفَرْعٍ آخَرَ
لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَالْمَحْكُومُ بِهِ إنْ كَانَ عَيْنًا فِي بَلَدِ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُهُ إلَى الْمُدَّعِي وَلَا حَاجَةَ إلَى كِتَابٍ) لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً عَلَى الْغَائِبِ وَالْمُمْتَنِعِ فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي تَسْلِيمِ الْعَيْنِ كَوَلِيِّ الصَّغِيرِ (وَإِنْ كَانَ) الْمَحْكُومُ بِهِ (دَيْنًا أَوْ عَيْنًا فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ بَلْدَةِ الْحَاكِمِ (فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْكِتَابِ) لِيُسَلِّمَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ الْعَيْنَ لِرَبِّهَا أَوْ يَأْمُرُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِوَفَاءِ الدَّيْنِ (وَهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ مُتَدَاخِلَاتٌ مَسْأَلَةُ إحْضَارِ الْخَصْمِ إذَا كَانَ غَائِبًا) بِعَمَلِ الْمَاضِي وَلَوْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ (وَمَسْأَلَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ) إذَا كَانَ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ أَوْ مُسْتَتِرًا وَلَوْ بِالْبَلَدِ (وَمَسْأَلَةُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَلَوْ قِيلَ إنَّمَا يَحْكُم عَلَى الْغَائِبِ إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ حَاضِرًا لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً وَهِيَ تَسْلِيمُهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ غَائِبًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَاتِبَ الْحَاكِمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَكُونَ الْحُكْمُ فِي بَلَدِ التَّسْلِيمِ لَكَانَ مُتَوَجِّهًا.
(وَيُقْبَلُ) كِتَابُ الْقَاضِي (فِيمَا حَكَمَ بِهِ) الْكَاتِبُ مِنْ حَقِّ إنْسَانٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَفَاؤُهُ أَوْ عَلَى غَائِبٍ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَهُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ إلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِب وَيَكْتُبُ إلَيْهِ أَوْ تَقُومُ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ فَهَرَبَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُ رَبُّ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ (لِيُنَفِّذَهُ) الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ.
(وَلَوْ كَانَا) أَيْ الْقَاضِيَانِ الْكَاتِبَ وَالْمَكْتُوبَ إلَيْهِ (بِبَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ) كَانَ (كُلٌّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا بِبَلَدٍ وَلَوْ) كَانَ أَحَدُ الْبَلَدَيْنِ (بَعِيدًا) عَنْ الْآخَرِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَجِبُ إمْضَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ (إلَّا فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْكَاتِبِ (لِيَحْكُمَ بِهِ) الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ (إلَّا فِي مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ) لِأَنَّهُ نَقْلُ شَهَادَةٍ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَكِتَابُهُ بِالْحُكْمِ لَيْسَ هُوَ نَقْلًا وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ وَالثُّبُوتُ لَيْسَ بِحُكْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِلْحَاكِمِ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ ذَلِكَ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهِ إذَا كَانَ يَرَى صِحَّتَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ لَوْ أَثْبَتَ حَاكِمٌ مَالِكِيٌّ وَقْفًا لَا يَرَاهُ كَوَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَإِنْ حَكَمَ الْخِلَافَ فِي الْعَمَلِ بِالْخَطِّ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فَلِحَاكِمٍ حَنْبَلِيٍّ يَرَى صِحَّةَ الْحُكْمِ أَنْ يُنَفِّذَهُ فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بَلْ قَالَ ثَبَتَ هَذَا فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الثُّبُوتَ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ حُكْمٌ ثُمَّ إنْ رَأَى الْحَنْبَلِيُّ الثُّبُوتَ حُكْمًا
следующие страницы →