Полный текст (3 210 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
عُثْمَانُ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَى.
(وَيُكْرَهُ لَهُ طَلَبُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (وَكَذَلِكَ الْإِمَارَةُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَطَرِيقَةُ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ) طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ حَرُمَ) عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ (وَتَأَكَّدَ الِامْتِنَاعُ) مِنْ الْإِجَابَةِ إلَيْهِ.
(وَيَحْرُمُ بَذْلُ الْمَالِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي نَصْبِهِ قَاضِيًا (وَيَحْرُمُ أَخْذُهُ) أَيْ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ (وَ) يَحْرُمُ (طَلَبُهُ وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَهُ) وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْقَائِمِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَمْ يَحْرُمْ طَلَبُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ إزَالَتَهُ أُثِيبَ وَإِنْ كَانَ لِيَخْتَصَّ بِالنَّظَرِ أُبِيحَ، فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ تَمْكِينِهِ فَالِاحْتِمَالَانِ.
(وَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ) مِنْهُ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ يُوَلَّى مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا وَتَصِحُّ أَيْضًا تَوْلِيَةُ حَرِيصٍ عَلَيْهَا بِلَا كَرَاهَةٍ.
(وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَلَمْ تَجُزْ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ وَاجِبُ الطَّاعَةِ مَسْمُوعُ الْكَلِمَةِ.
(وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا) أَيْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ (مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ (كَوْنَ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِهَا (عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقَضَاءِ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِذَلِكَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَهْلِيَّتِهِ، كَمَا لَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِصَلَاحِيَتِهِ (وَ) مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (تَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْمُحَكَّمُ فِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ) كَمِصْرِ وَنَوَاحِيهَا (وَالْبُلْدَانِ) كَالْمَحِلَّةِ وَنَحْوِهَا لِيَعْلَمَ مَحَلَّ وِلَايَتِهِ فَيَحْكُمَ فِيهِ وَلَا يَحْكُمُ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وِلَايَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْوِكَالَةِ.
(وَ) مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (مُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ فِي الْمَجْلِسِ) إنْ كَانَ حَاضِرًا (وَمُكَاتَبَتُهُ بِهَا) إنْ كَانَ غَائِبًا لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ كَالتَّوْكِيلِ وَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا بِمَا وَلَّاهُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ» ، وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ " أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ لَكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللَّهِ قَاضِيًا " (فِي الْبُعْدِ) أَيْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا فِي الْبُعْدِ (وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ فَيَقْرَأُ) الْإِمَامُ (أَوْ نَائِبُهُ عَلَيْهِمَا الْعَهْدَ أَوْ يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ بِحَضْرَتِهِ لِيَمْضِيَا مَعَهُ إلَى بَلَدِ تَوْلِيَتِهِ فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ وَيَقُولُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (لَهُمَا اشْهَدَا
стр. 3012
عَلَيَّ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُهُ قَضَاءَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ وَتَقَدَّمْتُ عَلَيْهِ بِمَا يَشْتَمِلُ هَذَا الْعَهْدِ عَلَيْهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي وَلَّاهُ فِيهِ بَعِيدًا لَا يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَا يَكُونُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ (وَلَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ بِمُجَرَّدِ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادِ) عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِذَلِكَ.
(وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ) الَّذِي وَلَّاهُ فِيهِ (قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الْإِمَامِ لِيَسْتَفِيضَ إلَيْهِ مَا يَجْرِي فِي بَلَدِ الْإِمَامِ نَحْوُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِفَاضَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ كَالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ) أَيْ كَمَا يَكْتَفِي بِالِاسْتِفَاضَةِ عَنْ الْكِتَابَةِ وَعَنْ الْإِشْهَادِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْوِلَايَةِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَأَطْلَقَ الْأَزَجِيُّ وَاسْتِفَاضَةٌ وَظَاهِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ وَلَوْ كَانَ نَائِبَ الْإِمَامِ) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ الْكُبْرَى تَصِحُّ مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، فَتَصِحُّ وِلَايَتُهُ كَالْعَدْلِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ اُعْتُبِرَتْ فِي الْمُوَلِّي أَفْضَى إلَى تَعَذُّرِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ (وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّحِيحَةِ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ وَقَلَّدْتُكَ) الْحُكْمَ (وَاسْتَنَبْتُكَ) فِي الْحُكْمِ (وَاسْتَخْلَفْتُكَ) فِي الْحُكْمِ (وَرَدَدْتُ إلَيْكَ) الْحُكْمَ (وَفَوَّضْتُ إلَيْكَ) الْحُكْمَ (وَجَعَلْتُ إلَيْكَ الْحُكْمَ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ السَّبْعَةِ.
(وَقَبِلَ الْمُوَلَّى الْحَاضِرُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ) قَبِلَ (الْغَائِبُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (أَوْ شَرَعَ الْغَائِبُ فِي الْعَمَلِ انْعَقَدَتْ) الْوِلَايَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ دَلَالَةً لَا تَفْتَقِرُ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَصِحُّ الْقَبُولُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فِي الْأَصَحِّ انْتَهَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَالْكِنَايَةُ نَحْوَ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ وَوَكَّلْتُ إلَيْكَ وَأَسْنَدْتُ الْحُكْمَ إلَيْك فَلَا تَنْعَقِدُ) الْوِلَايَةُ بِكِنَايَةٍ مِنْهَا (حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ نَحْوُ: فَاحْكُمْ أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ فِيهِ عَلَيْكَ وَمَا أَشْبَهَهُ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ التَّوْلِيَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِرَأْيِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا تَنْصَرِفُ إلَى التَّوْلِيَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَنْفِي الِاحْتِمَالَ.
[فَصْلٌ وَتُفِيدُ وِلَايَة الْحُكْمِ الْعَامَّةِ]
ُ أَيْ الَّتِي لَمْ تُخَصَّ بِحَالَةٍ دُونَ حَالَّةِ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُ) الْقَاضِي (بِهَا) أَيْ بِسَبَبِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ (فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: تَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ (وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ
стр. 3013
الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ) لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ (وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ) لِأَنَّ الْحَجْرَ يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فَلِذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ.
(وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ) الَّتِي (فِي عَمَلِهِ) أَيْ وِلَايَتِهِ (لِتَجْرِي بِإِجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ) لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إلَى إجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِهِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ نَاظِرٌ خَاصٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ (وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا) لِأَنَّ الْمَيِّتَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ كَغَيْرِهِ (وَتَزْوِيجُ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ) لِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَالْقَاضِي نَائِبُهُ (وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُقِيمُهَا وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ (وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِالْأَذَانِ فِي إقَامَتِهَا، وَنَصْبُ إمَامِهَا وَكَذَا الْعِيدُ) لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ كَانُوا يُقِيمُونَهَا (مَا لَمْ يُخَصَّا بِإِمَامٍ) مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ الْوَاقِفِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ (وَالنَّظَرُ فِي مَالِ الْغَائِبِ) لِئَلَّا يَضِيعَ.
(وَجِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ) أَيْ الزَّكَاةِ (إنْ لَمْ يُخَصَّا بِعَامِلٍ) مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ) لِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِلْمَصَالِحِ (وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ لِيَسْتَبْقِيَ وَيَسْتَبْدِل مَنْ يَصْلُحُ) أَيْ يَسْتَبْقِي مَنْ يَصْلُحُ وَيَسْتَبْدِلُ مَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ كَمَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْقَضَاءِ ذَلِكَ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ الْوِلَايَةِ تَنْصَرِفُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
(قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَيَسْتَفِيدُ الِاحْتِسَابَ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَإِلْزَامِهِمْ بِالشَّرْعِ) .
وَفِي الْمُنْتَهَى: لَا يَسْتَفِيد ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ بِتَوَلِّي الْقُضَاةِ لِذَلِكَ.
(قَالَ الشَّيْخُ: مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْوِلَايَةِ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا بَلْ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ) لِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُحَدَّ شَرْعًا يُحَلُّ عَلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ (وَلَا يَحْكُمُ) الْقَاضِي فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (وَلَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً غَيْرَ عَمَلِهِ وَهُوَ) فِي الْأَصْلِ مَا يَجْمَعُ بُلْدَانًا أَوْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً، كَالْعِرَاقِ وَنَوَاحِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا (مَحَلُّ حُكْمِهِ) الَّذِي وَلِيَ لِيَحْكُمَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ يَجْمَعُ بُلْدَانًا أَوْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً أَوْ بَلَدًا مُعَيَّنًا أَوْ مَحَلًّا مُعَيَّنًا مِنْ الْبَلَدِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ حَكَمَ أَوْ وَلِيَ أَوْ سَمِعَ بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ (لُغِيَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ وِلَايَةً (وَتَجِبُ إعَادَةُ الشَّهَادَةِ كَتَعْدِيلِهَا) فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ نُفُوذِ حُكْمِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (طَلَبُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ) لِأَنَّ عُمَرَ رَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَرَزَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِصْفَ شَاةٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِذَا جَازَ لَهُ الطَّلَبُ لِنَفْسِهِ جَازَ لِمَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهُ (مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ فَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ، وَفَرَضَ
стр. 3014
عُمَرُ لِزَيْدٍ وَغَيْرِهِ وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَتْ وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ (فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (شَيْءٌ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إلَّا بِجُعْلٍ جَازَ) فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
(وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَلَا يَعْمَلُهُ إنْسَانٌ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ.
(وَلِلْمُفْتِي أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَالْأَذَانِ (وَلَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا كِفَايَةَ لَمْ يَأْخُذْ) مِنْ الْمُسْتَفْتِي لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ (وَمَنْ أَخْذَ رِزْقًا) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (لَمْ يَأْخُذْ) مِنْ الْمُسْتَفْتِي أُجْرَةً لِفُتْيَاهُ وَلَا لِحَظِّهِ لِاسْتِغْنَائِهِ بِالرِّزْقِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذ رِزْقًا (أَخَذَ أُجْرَةَ حَظِّهِ) فَقَطْ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِتَدْرِيسِ، الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ التَّكَسُّبِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَالِانْقِطَاعِ لَهُ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ.
[فَصْلٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْإِمَامُ عُمُومَ النَّظَرِ]
ِ (فِي عُمُومِ الْعَمَلِ بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ) فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ (فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ) وَ) يَجُوزُ (أَنْ يُوَلِّيَهُ) الْإِمَامُ (خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ الْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ (أَوْ) أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ (فَيُوَلِّيَهُ النَّظَرَ فِي بَلَدٍ) خَاصٍّ (أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ فَيَنْفُذَ قَضَاؤُهُ فِي، أَهْلِهِ وَمَنْ طَرَأَ إلَيْهِ) لِأَنَّ الطَّارِئَ إلَيْهِ يُعْطَى حُكْمَ أَهْلِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الدِّمَاءَ الْوَاجِبَةَ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا فِي الطَّارِئِ إلَيْهَا كَأَهْلِهَا (وَلَكِنْ لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا) مِنْ الْأَوْلَى لَهَا وَهِيَ فِي عَمَلِهِ (فَلَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ عَمَلِهِ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ) لَهَا مَا دَامَتْ خَارِجَةً عَنْ عَمَلِهِ لِأَنَّهَا حَالَةَ التَّزْوِيجِ لَمْ تَكُنْ فِي عَمَلِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ (كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلَا يَصِحُّ.
(وَلَوْ دَخَلَتْ بَعْدَ) ذَلِكَ (إلَى عَمَلِهِ) لِأَنَّ إذْنهَا لَهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لَا عِبْرَةَ بِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ عَمَلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ لَهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَدْخُلْ إلَى عَمَلِهِ (فَإِنْ قَالَتْ) لِلْقَاضِي فِي غَيْرِ عَمَلِهِ (إذَا حَصُلْتُ فِي عَمَلِكَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ) أَنْ تُزَوِّجَنِي (فَزَوَّجَهَا) بَعْدَ حُصُولِهَا (فِي عَمَلِهِ صَحَّ) تَزْوِيجُهُ لَهَا (بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ
стр. 3015
الْوِكَالَةِ بِالشَّرْطِ) وَالْإِذْنُ فِي مَعْنَى الْوِكَالَةِ وَلَيْسَ وَكَالَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ عَزْلَهُ (أَوْ يَجْعَلُ) الْأَمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (إلَيْهِ) أَيْ الْقَاضِي (الْحُكْمَ فِي الْمُدَايِنَاتِ خَاصَّةً أَوْ) الْحُكْمَ (فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ لَا يُتَجَاوَزُ، أَوْ يُفَوِّضُ إلَيْهِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا) فِي بَلَدٍ خَاصٍّ أَوْ جَمِيعِ الْبُلْدَانِ لِأَنَّ الْخِبْرَةَ مِنْ التَّوْلِيَةِ إلَى الْأَمَامِ فَكَذَا فِي صِفَتِهَا وَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْكُلِّ فَكَذَا فِي الْبَعْضِ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَنِيبُ أَصْحَابَهُ كُلًّا فِي شَيْءٍ، فَوَلَّى عُمَرَ الْقَضَاءَ، وَبَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا بِالْيَمَنِ وَكَانَ يُرْسِلُ بَعْضَهُمْ لَقَبْضِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ) الْإِمَامُ قَاضِيًا (مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ) لِأَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي قَضَائِهِ (وَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ فَلَهُ الْحُكْمُ بِهَا) هَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَوَازُ انْتَهَى قُلْتُ: فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا وَلَّاهُ ابْتِدَاءً شَيْئًا خَاصًّا وَبَيْنَ مَا إذَا وَلَّاهُ ثُمَّ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ) مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ (قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَلِّي الْإِمَامَ أَوْ الْقَاضِيَ) وَلَّى (خُلَفَاءَهُ مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَ إلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ وَ) يَجْعَلَ (إلَى الْآخَرِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ) لِأَنَّ الْإِمَامَ كَامِلُ الْوِلَايَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ كَتَوْلِيَةِ الْقَاضِي الْوَاحِدِ (فَإِنْ جَعَلَ إلَيْهِمَا) أَيْ الْقَاضِيَيْنِ (عَمَلًا وَاحِدًا جَازَ) لَهُ ذَلِكَ (فَيَحْكُمُ كُلُّ وَاحِدٍ بِاجْتِهَادِهِ) لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ فَجَازَ جَعْلُهَا لِاثْنَيْنِ كَالْوِكَالَةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَالْإِمَامُ أَوْلَى (وَلَيْسَ) لِلْقَاضِي (الْآخَرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَفِيقِهِ (وَلَا نَقْضَ حُكْمِهِ) كَمَا لَوْ قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ خَاصٍّ (فَإِنْ تَنَازَعَ خَصْمَانِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ أَحَدِهِمْ قَدَّمَ قَوْلَ الطَّالِبِ) وَهُوَ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الطَّالِبُ يُرِيد الدَّعْوَى (عِنْدَ نَائِبٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي (فَلَوْ تَسَاوَيَا) أَيْ الْخَصْمَانِ (فِي الدَّعْوَى كَالْمُدَّعِيَيْنِ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاقٍ اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ إلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّكَلُّفِ لِلْأَبْعَدِ مِنْهُمَا (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ الْحَاكِمَانِ فِي الْقُرْبِ (أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إذَا طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاضِيًا لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ بِدُونِ الْقُرْعَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ وَقَدْ يَظْهَرُ الْحَقّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ وَلَّاهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ
стр. 3016
بِعَيْنِهِ (بَطَلَ الشَّرْطُ) وَصَحَّتْ الْوِلَايَةُ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبِيَعِ (وَعَمَلَ النَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا) .
(قَالَ الشَّيْخُ: مَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إمَامٍ بِعَيْنِهِ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ قَالَ يَنْبَغِي) أَيْ تَقْلِيدُ إمَامٍ بِعَيْنِهِ (كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا قَالَ: وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِلْإِمَامِ فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ أَوْ أَتْقَى فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ) بِلَا نِزَاعٍ.
(قَالَ: وَفِي هَذِهِ الْحَالِ) أَيْ حَالِ قُوَّةِ الدَّلِيلِ أَوْ كَوْنِ أَحَدِهِمَا أَعْلَمَ أَوْ أَتْقَى (يَجُوزُ) تَقْلِيدُ مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ (عِنْدَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ بَلْ يَجِبُ وَإِنَّ) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ) انْتَهَى.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَ الْإِمَامُ إلَى إنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ) أَيْ أَنْ يُوَلِّيَ، الْقُضَاةَ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ (أَنْ يُوَلِّيَ نَفْسَهُ وَلَا وَالِدَهُ وَلَا وَلَدَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا دَفْعُهُ إلَى هَذَيْنِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوِكَالَةِ (فَإِنْ مَاتَ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى بِفَتْحِهَا) أَيْ: اللَّامِ (مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ كَمَا لَوْ عُزِلَ الْإِمَام لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِيَ (نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ لَا نَائِبُهُ) فَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَلَا عَزْلِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا لَوْ عَقَدَ الْوَلِيُّ النِّكَاحَ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ فَسَخَهُ (وَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ كَوَالٍ وَمَنْ يُنَصِّبُهُ) الْإِمَامُ (لِجِبَايَةِ مَالٍ) كَخَرَاجٍ وَزَكَاةٍ (وَصَرْفِهِ وَأَمِيرِ جِهَادٍ وَوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَمُحْتَسِبٍ قَالَهُ الشَّيْخُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَقَالَ:) الشَّيْخُ (الْكُلُّ لَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِ الْمُسْتَنِيبِ وَمَوْتِهِ حَتَّى يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ انْتَهَى) لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا (وَلَا يَبْطُلُ مَا فَرَضَهُ فَارِضٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) أَيْ لَوْ قَدَّرَ الْقَاضِي نَفَقَةً أَوْ كُسْوَةً أَوْ نَحْوَهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ لَمْ يَبْطُلْ فَرْضُهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِمَوْتِهِ وَلَا بِعَزْلِهِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ لِأَنَّ فَرْضَهُ حُكْمٌ، وَأَحْكَامُهُ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْعَزْلِ.
(وَلَا يَنْعَزِلُ) الْقَاضِي (حَيْثُ صَحَّ عَزْلُهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ فَلَيْسَ كَوَكِيلٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوِلَايَةِ لِلَّهِ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ وَكِيلٌ وَالنَّسْخُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْعِلْمِ كَمَا قُلْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ إنَّ نَسْخَ الْحُكْمِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْوَكِيلِ بِثُبُوتِ الضَّمَانِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْجَهْلَ بِخِلَافِ الْحُكْمِ فَإِنَّ فِيهِ الْإِثْمَ وَذَلِكَ يُنَافِي الْجَهْلَ، كَذَلِكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ (فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ قَاضِيًا فَعَزَلَ نُوَّابَهُ أَوْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ انْعَزَلُوا) لِأَنَّهُمْ نُوَّابُهُ أَشْبَهُوا الْوَكِيلَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ قَاضِيًا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامُهُمْ عِنْدَهُ
стр. 3017
وَعِنْدَ نُوَّابِهِ بِالْبُلْدَانِ فَيَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا فَنُوَّابُ الْأَمِيرِ كَالْوَالِي وَالْمُحْتَسِبِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ وِلَايَتُهُ مِنْهُ يَنْعَزِلُونَ بِعَزْلِهِ.
(وَمَنْ عَزَلَ نَفْسَهُ انْعَزَلَ) قَاضِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ.
(وَلَوْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ قَاضِي بَلَدٍ فَوَلَّى غَيْرَهُ) وَكَانَ (فَبَانَ) الْمُخْبِرُ عَنْهُ (حَيًّا لَمْ يَنْعَزِلْ) لِأَنَّهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى صِحَّةِ الْأَخْبَارِ وَكَذَا كُلُّ مَا رُتِّبَ عَلَى أَنَّهَا فَاسِدَةٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْإِمَامِ (أَنْ يَجْعَلَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ مِنْهُ بِلَا إذْنٍ (وَإِنْ نَهَاهُ) أَيْ نَهَى الْإِمَامُ الْقَاضِي (عَنْ الِاسْتِخْلَافِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ) غَيْرَهُ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ قَاصِرَةٌ (وَإِنْ أَطْلَقَ) الْإِمَامُ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاسْتِخْلَافِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ (فَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (ذَلِكَ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ نَصَّ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ وَجَعْلًا لَهُ كَالْوَصِيِّ انْتَهَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا لَا يُبَاشِرُهُ مِثْلُهُ عُرْفًا أَوْ يَشُقُّ وَهَذَا الثَّانِي جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْوِكَالَةِ تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ وَقَالَ عَنْهُ هُنَاكَ فِي الْإِنْصَافِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَدْ نَقْلنَا كَلَامَهُ فِي الْحَاشِيَةِ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُوَلِّ وَيُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ التَّائِبِ لِمَا نَوَاهُ.
(وَيَصِحُّ) تَعْلِيقُ (تَوَلِّيَةِ قَضَاءٍ وَتَوْلِيَةِ إمَارَةٍ) بَلَدٍ أَوْ سَرِيَّةٍ وَنَحْوِهَا (بِشَرْطٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ بَعْدَ زَيْدٍ عَلَى شَرْطٍ فَكَذَا وِلَايَة الْحُكْمِ.
(فَإِذَا قَالَ الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَهُوَ خَلِيفَتِي أَوْ نَفَّذَ وِلَايَتَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ لِمَنْ يَنْظُرُ) مِنْهُمَا (لِجَهَالَةِ الْمُوَلَّى مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ وَاحِدًا مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ (وَإِنْ قَالَ) الْإِمَامُ: (وَلَّيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي؛ انْعَقَدَتْ لِمَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا النَّظَرُ) لِأَنَّهُ وَلَا هُمَا جَمِيعًا ثُمَّ عَيَّنَ السَّابِقَ مِنْهُمَا.
[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ]
ٍ: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا) لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُنَفِّذُ قَوْلَهُ فِي نَفْسِهِ، فَلِئَلَّا يَنْعَقِدَ فِي غَيْرِهِ أَوْلَى وَهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا وَالْقَاضِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى غَيْرِهِ وَبَيْنَ الْحَالَتَيْنِ مُنَافَاةٌ (ذَكَرًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمَرَهُمْ امْرَأَةً» وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَاقِصَةُ الْعَقْلِ قَلِيلَةُ الرَّأْيِ
стр. 3018
لَيْسَتْ أَهْلًا لِحُضُورِ مَحَافِلِ الرِّجَالِ (حُرًّا) لِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِرِقِّهِ، مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ، وَكَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى (لَكِنْ تَصِحُّ وِلَايَةُ عَبْدٍ إمَارَةَ سَرِيَّةٍ وَقَسْمَ صَدَقَةٍ وَ) قَسْمُ (فَيْءٍ، وَإِمَامَةُ صَلَاةٍ) غَيْرَ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ (وَأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا) ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يَقْتَضِي إذْلَالَ صَاحِبِهِ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي احْتِرَامَهُ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، وَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ فَهُنَا أَوْلَى (عَدْلًا وَلَوْ تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ) نَصّ عَلَيْهِ.
(فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ وَلَا مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ) قَبُولَ (الشَّهَادَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ا﴾ [الحجرات: ٦] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَجِبُ التَّبْيِينُ عِنْدَ حُكْمِهِ وَكَالشَّهَادَةِ (وَأَنْ يَكُونَ سَمِيعًا) لِأَنَّ الْأَصَمَّ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ (بَصِيرًا) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمَيِّز الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُقِرَّ مَنْ الْمُقَرِّ لَهُ (نَاطِقًا) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ، وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إشَارَتَهُ (مُجْتَهِدًا) إجْمَاعًا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَلِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ لِحَاكِمٍ وَلَا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ لَا يَحْكُمُ وَلَا يُفْتِي إلَّا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ فَاقِدَ الِاجْتِهَادِ إنَّمَا يَحْكُمُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا الْمُفْتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا فَالْحَاكِمُ أَوْلَى.
(وَلَوْ) كَانَ اجْتِهَادُهُ (فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ) إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ (لِضَرُورَةٍ) لَكِنْ فِي الْإِفْصَاحِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ مُجْتَهِدٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا عُنِيَ بِهِ مَا كَانَتْ الْحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَذَاهِبُ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي خُطْبَةِ الْمُفْتِي: النِّسْبَةُ إلَى إمَامٍ فِي الْفُرُوعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ، وَاتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ (وَاخْتَارَ فِي الْإِفْصَاحِ وَالرِّعَايَةِ أَوْ مُقَلِّدًا) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: (وَعَلَيْهِ عَمِلَ النَّاسُ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَإِلَّا تَعَطَّلَتْ أَحْكَامُ النَّاسِ وَكَذَا الْمُفْتِي) قَالَ ابْنُ يَسَارٍ مَا أَعِيبُ مَنْ يَحْفَظُ خَمْسَ مَسَائِلَ لِأَحْمَدَ يُفْتِي بِهَا، وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ مُفْتٍ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْحَاجَةِ (فَيُرَاعِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَ) يُرَاعِي مِنْ أَقْوَالِهِ
стр. 3019
(مُتَأَخِّرًا وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبٍ فِي ذَلِكَ وَيَحْكُمُ بِهِ وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ) وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الظَّاهِرِ عَنْهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ يَنْقَسِمُ) أَيْ يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ (حَتَّى لَوْ وَلَّاهُ فِي الْمَوَارِيثِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَعْرِفَ إلَّا الْفَرَائِضَ وَالْقَضَايَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَإِنْ وَلَّاهُ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ وَفَسْخَهَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يَعْرِفَ إلَّا ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَقُضَاةُ الْأَطْرَافِ يَجُوزُ أَنْ لَا يَقْضُوا فِي الْأُمُورِ الْكِبَارِ كَالدِّمَاءِ وَالْقَضَايَا الْمُشْكَلَةِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: اقْضِ فِيمَا نَعْلَمُ كَمَا يَقُول لَهُ: فِيمَا تَعْلَمُ جَازَ وَيَبْقَى مَا لَا يَعْلَمُ خَارِجًا عَنْ وِلَايَتِهِ انْتَهَى وَمِثْلُهُ لَا تَقْضِي فِيمَا مَضَى لَهُ عَشْرُ سِنِينَ وَنَحْوَهُ) لِخُصُوصِ وِلَايَتِهِ.
(وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى إجْمَاعًا وَلْيَحْذَرْ الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ فِي فُتْيَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ مَعَ خَصْمِهِ مِثْل أَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا هُوَ لَهُ) فَقَطْ (أَوْ يَكْتُبَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ) فَقَطْ (وَنَحْوَ ذَلِكَ) بَلْ يَكْتُبُ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِيمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي مَسَائِلِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ بِذِكْرِ وُجُوهِ الْمَخَالِصِ مِنْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ مَيْلٌ مَعَ أَحَدِهِمَا (وَإِنْ سَأَلَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ تَنْدَفِعُ دَعْوَى كَذَا وَكَذَا وَبَيِّنَةُ كَذَا وَكَذَا؟ لَمْ يُجِبْ لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ) السَّائِلُ (بِذَلِكَ إلَى إبْطَالِ حَقٍّ وَلَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا شَرَحَهُ) الْمُسْتَفْتِي (لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (عَرَّفَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ دَافِعٍ وَغَيْرِ دَافِعٍ) لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ (وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ إجْمَاعًا قَالَهُ الشَّيْخُ) :
(وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَاضِي كَاتِبًا) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ كَوْنُهُ كَاتِبًا (أَوْ) أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا كَوْنُهُ (وَرِعًا أَوْ زَاهِدًا أَوْ يَقِظًا أَوْ مُثْبِتًا لِلْقِيَاسِ أَوْ حَسَنَ الْخَلْقِ وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ كَذَلِكَ) أَيْ كَاتِبًا وَرِعًا زَاهِدًا يَقِظًا مُثْبِتًا لِلْقِيَاسِ حَسَنَ الْخَلْقِ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ.
(قَالَ الشَّيْخُ: الْوِلَايَةُ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، فَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ تَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ، وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ) تَعَالَى.
(قَالَ: وَشُرُوطُ الْقَضَاءِ تُعْتَبَرُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ وَيَجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَيُوَلِّي لِلْعَدَمِ أَنْفَعَ الْفَاسِقِينَ وَأَقَلَّهُمَا شَرًّا، وَأَعْدَلَ الْمُقَلِّدِينَ وَأَعْرَفَهُمَا بِالتَّقْلِيدِ وَهُوَ كَمَا قَالَ) وَإِلَّا لَتَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ وَاخْتَلَّ النِّظَام (وَالشَّابُّ الْمُتَّصِفُ بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ كَغَيْرِهِ لَكِنْ الْأَسَنُّ أَوْلَى مَعَ التَّسَاوِي) فِي الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ وَوَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً (وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِحُسْنِ الْخُلُقِ) وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُرَجَّحُ (مَنْ كَانَ أَكْمَلَ فِي
стр. 3020
الصِّفَاتِ) السَّابِقِ ذِكْرُهَا لِتَرَجُّحِهِ بِكَمَالِهِ (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُوَلِّيَ الْمَوْلَى) أَيْ الْمُعْتَقَ (مَعَ أَهْلِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا أَشْبَهَ حُرَّ الْأَصْلِ.
(وَمَا يَمْنَعُ التَّوْلِيَةَ ابْتِدَاءً يَمْنَعُهَا دَوَامًا، إذَا طَرَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِفِسْقٍ أَوْ زَوَالِ عَقْلٍ) فَيَنْعَزِلُ بِذَلِكَ لِأَنَّ وُجُودَ الْعَقْلِ وَالْعَدَالَةِ وَنَحْوِهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ فَتَبْطُلُ بِزَوَالِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهَا (إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي (فِي حَالِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَتَّى عَمِيَ أَوْ طَرِشَ فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ بَاقِيَةٌ فِيهِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ الْأَعْمَى وَالْأَصَمُّ ابْتِدَاءً، لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، وَالْأَصَمُّ لَا يَعْرِفُ مَا يُقَالُ فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ فَإِذَا كَانَ قَدْ عَرَفَهُمَا قَبْلَ الْعَمَى وَسَمِعَ مِنْهُمَا قَبْلَ الصَّمَمِ وَثَبَتَ عِنْدَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَصْمِ وَاللَّفْظُ لَمْ يَمْنَعْ الْعَمَى وَالصَّمَمُ الْحُكْمَ لِأَنَّ فَقْدَهُمَا لَيْسَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الِاجْتِهَادِ فَيَصِحُّ الْحُكْمُ مِنْهُ مُسْتَنِدًا إلَى حَالِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْفِسْقِ وَالْجُنُونِ وَالرِّدَّةِ وَنَحْوِهَا.
(وَلَوْ مَرِضَ مَرَضًا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ تَعَيَّنَ عَزْلُهُ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ عَزْلُهُ انْتَهَى) أَيْ مَنْعُهُ إقَامَةَ غَيْرِهِ.
(وَالْمُجْتَهِدُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ الْحَقِيقَةَ) أَيْ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ (وَالْمَجَازَ) أَيْ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ (وَالْأَمْرَ) أَيْ الْقَوْلَ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَالنَّهْيَ) أَيْ اقْتِضَاءَ الْكَفِّ عَنْ فِعْلٍ لَا بِقَوْلِ كُفَّ (وَالْمُجْمَلَ) أَيْ مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ (وَالْمُبَيِّنَ) أَيْ الْمُخْرِجَ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ (وَالْمُحْكَمَ) أَيْ اللَّفْظَ الْمُتَّضِحَ الْمَعْنَى (وَالْمُتَشَابِهَ) مُقَابِلُهُ إمَّا لِاشْتِرَاكٍ أَوْ لِظُهُورِ تَشْبِيهٍ (وَالْخَاصَّ) الْمَقْصُورَ مِنْ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ.
(وَالْعَامَّ) مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا (وَالْمُطْلَقَ) مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ (وَالْمُقَيَّدَ) مَا دَلَّ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ (وَالنَّاسِخَ) أَيْ الرَّافِعَ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (وَالْمَنْسُوخَ) مَا ارْتَفَعَ شَرْعًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ شَرْعًا (وَالْمُسْتَثْنَى) أَيْ الْمُخْرَجَ بِإِلَّا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا (وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) هُوَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِإِلَّا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا (وَيَعْرِفُ مِنْ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا) وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ (مِنْ سَقِيمِهَا) وَهُوَ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَرْطُ الصِّحَّةِ كَالضَّعِيفِ وَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُنْكَسِرِ وَالشَّاذِّ وَغَيْرِهَا (وَمُتَوَاتِرَهَا) هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي نَقَلَهُ جَمْعٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ مَشُوبًا فِي ذَلِكَ
стр. 3021
طَرَفَاهُ وَوَسَطُهُ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعَقْلِ، وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْهُ ضَرُورِيٌّ فِي الْأَصَحِّ (مِنْ آحَادِهَا) وَهُوَ مَا عَدَا الْمُتَوَاتِرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةَ وَاحِدٍ بَلْ كُلُّ مَا لَمْ يَبْلُغْ التَّوَاتُرَ فَهُوَ آحَادٌ (وَمُرْسَلَهَا) وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَمُتَّصِلَهَا) أَيْ مَا اتَّصَلَ إسْنَادُهُ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا (وَمُسْنَدَهَا) مَا اتَّصَلَ إسْنَادُهُ مِنْ رَاوِيهِ إلَى مُنْتَهَاهُ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (وَمُنْقَطِعَهَا) أَيْ مَا اتَّصَلَ إسْنَادُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الِانْقِطَاعُ (مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْأَحْكَامِ خَاصَّةً) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حِفْظُ خَمْسمِائَةِ آيَةٍ كَالْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُعْظَمُ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الصَّوَابَ بِدَلِيلِهِ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ.
وَلِكُلٍّ مِمَّا ذَكَرْنَا دَلَالَةٌ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لِتُعْرَفَ دَلَالَتُهُ وَتَوَقَّفَ الِاجْتِهَادُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ (وَيَعْرِفُ مَا اُجْتُمِعَ عَلَيْهِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَهُ اجْتِهَادُهُ إلَى قَوْلٍ يَخْرُجُ عَنْ الْإِجْمَاعِ وَعَنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ.
(وَ) يَعْرِفُ (الْقِيَاسَ) وَهُوَ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ (وَ) يَعْرِفُ (حُدُودَهُ) أَيْ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ (وَشُرُوطَهُ) وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ وَبَعْضُهَا إلَى الْفَرْعِ وَبَعْضُهَا إلَى الْعِلَّةِ (وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ) عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَحَالِّهَا.
(وَ) يَعْرِفُ (الْعَرَبِيَّةَ) أَيْ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصُهَا بِأَحْوَالٍ هِيَ: الْإِعْرَابُ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ اللُّغَاتِ (الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا يُوَالِيهِمْ) لِيَعْرِفَ بِهِ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ وَرُزِقَ فَهْمَهُ صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ) لِأَنَّ الْعَالِمَ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَوَضْعِهَا فِي مَوَاضِعِهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: مَنْ حَصَّلَ أُصُولَ الْفِقْهِ وَفُرُوعَهُ فَمُجْتَهِدٌ وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْفُتْيَا]
(كَانَ السَّلَفُ) رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (يَأْبَوْنَ الْفُتْيَا وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَهَا) قَالَ
стр. 3022
النَّوَوِيُّ رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ " أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ " وَفِي رِوَايَةٍ " مَا مِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ إيَّاهُ وَلَا يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا " (وَأَنْكَرَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ يَهْجُمُ عَلَى الْجَوَابِ) لِخَبَرِ «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ» .
(وَقَالَ) أَحْمَدُ (لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى فِيهِ وَقَالَ: إذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنْ يَقُولَ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ إحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ) أَيْ أَنْ يُخْلِصَ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَقْصِدُ رِيَاسَةً وَلَا نَحْوَهَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ وَلَا عَلَى كَلَامِهِ نُورٌ) إذْ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى (الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ حِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ) وَإِلَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِ مَا تَصَدَّى لَهُ مِنْ بَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ (الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ) وَإِلَّا فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِعَظِيمٍ (الرَّابِعَةُ: الْكِفَايَةُ وَإِلَّا أَبْغَضَهُ النَّاسُ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ احْتَاجَ إلَى النَّاسِ وَإِلَى الْأَخْذِ مِمَّا فِي) أَيْدِيهِمْ، فَيَتَضَرَّرُونَ مِنْهُ (الْخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ النَّاسِ أَيْ يَنْبَغِي لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِمَكْرِ النَّاسِ وَخِدَاعِهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِهِمْ بَلْ يَكُونُ حَذِرًا فَطِنًا مِمَّا يُصَوِّرُونَهُ فِي سُؤَالَاتِهِمْ) لِئَلَّا يُوقِعُوهُ فِي الْمَكْرُوهِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «احْتَرِسُوا مِنْ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ وَاخْبَرْ أَخَاكَ الْبَكْرِيَّ وَلَا تَأْمَنْهُ» .
وَالْمُفْتِي مَنْ يُبَيِّنُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَيُخْبِرُ بِهِ مَنْ غَيْرِ إلْزَامٍ (وَالْحَاكِمُ يُبَيِّنُهُ) أَيْ الْحُكْم الشَّرْعِيَّ (وَيُلْزِمُ بِهِ) فَامْتَازَ بِالْإِلْزَامِ قَالَ الْخَطِيبُ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ فَمَنْ صَلَحَ لِلْفُتْيَا أَقَرَّهُ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ مَنْعَهُ وَنَهَاهُ أَنْ يَعُودَ وَتُوَاعَدَهُ بِالْعُقُوبَةِ إنْ عَادَ، وَطَرِيقُ الْإِمَامِ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى أَنْ يَسْأَلَ عُلَمَاءَ وَقْتِهِ وَيَعْتَمِدُ أَخْبَارَ الْمُوَثَّقِينَ بِهِمْ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى سَأَلْتُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي هَلْ تَرَانِي مَوْضِعًا لِذَلِكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُفْتِي فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكِمَ فِيهَا كَغَضَبٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرٍّ (مُفْرِطٍ وَبَرْدٍ مُفْرِطٍ وَمَلَلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُغَيِّرُ) الْفِكْرَ (فَإِنْ أَفْتَى) فِي ذَلِكَ الْحَالِ (وَأَصَابَ) الْحَقَّ (صَحَّ) جَوَابُهُ
стр. 3023
(وَكُرِهَ) .
(وَتَصِحُّ فَتْوَى الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ الْمَفْهُومِ الْإِشَارَةِ أَوْ الْكِتَابَةِ) كَخَبَرِهِمْ (وَتَصِحُّ) الْفُتْيَا (مَعَ أَحَدِ الشَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ مِنْ الْعَدُوِّ وَأَنْ يُفْتَى أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَشَرِيكَهُ وَ) سَائِرَ (مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) كَزَوْجَتِهِ وَمُكَاتِبَتِهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بَيَانُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ وَلَيْسَ مِنْهُ إلْزَامٌ بِخِلَافِ الْحَاكِمِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْفُتْيَا (مِنْ فَاسِقٍ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ عَلَى مَا يَقُولُ وَفِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ قُلْتُ: الصَّوَابُ جَوَازُ اسْتِفْتَاءِ الْفَاسِقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ دَاعِيًا إلَى بِدْعَتِهِ (لَكِنْ يُفْتِي) الْمُجْتَهِدُ الْفَاسِقُ (نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ (وَلَا يَسْأَلُهُ) أَيْ الْفَاسِقَ (غَيْرُهُ) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالْوُثُوقِ بِهِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْفُتْيَا (مِنْ مَسْتُورِ الْحَالِ وَفِي الْمُبْدِعِ تَصِحُّ فُتْيَا مَسْتُورِ) الْحَالِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَالْحَاكِمُ كَغَيْرِهِ فِي الْفُتْيَا) فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ (وَيَحْرُمُ لِتَسَاهُلِ مُفْتٍ) فِي الْفُتْيَا (وَتَقْلِيدِ مَعْرُوفٍ بِهِ) أَيْ بِالتَّسَاهُلِ فِي الْفُتْيَا.
(قَالَ الشَّيْخُ لَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ إلَّا مَنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ أَوْ عَدْلٍ انْتَهَى) لِأَنَّ أَمْرَ الْفُتْيَا خَطَرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَاطَ.
(وَلَيْسَ لِمَنْ انْتَسَبَ إلَى مَذْهَبِ إمَامٍ) إذَا اُسْتُفْتِيَ (فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ بِأَنْ يَتَخَيَّرَ وَيَعْمَلَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ) بَلْ يُرَاعِي أَلْفَاظَ الْأُمَّةِ وَمُتَأَخِّرِهِمَا وَأَقْرَبِهِمَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ) .
(وَيَلْزَمُ الْمُفْتِي تَكْرِيرُ النَّظَرِ عِنْدَ تَكْرَارِ الْوَاقِعَةِ) كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ يَجْتَهِدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَأَمَّا الْعَامِّيُّ إذَا وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فَسَأَلَ عَنْهَا ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ ثَانِيًا فَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهَا شَيْئًا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطِّيبِ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ ثَانِيًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةٌ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِ إعَادَةُ السُّؤَالِ عَنْهَا فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَكْفِيهِ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ لِلْمَشَقَّةِ نَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يَلْزَمُهُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الْمُفْتِي عَلَيْهِ انْتَهَى وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا.
(وَإِنْ حَدَّثَ مَا لَا قَوْلَ فِيهِ) لِلْعُلَمَاءِ (تَكَلَّمَ فِيهِ حَاكِمٌ وَمُجْتَهِدٌ وَمُفْتٍ) فَيَرُدُّهُ إلَى الْأَصْلِ وَالْقَوَاعِدِ (وَيَنْبَغِي لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (أَنْ يُشَاوِرَ مَنْ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ إفْشَاءُ سِرِّ السَّائِلِ أَوْ تَعْرِيضُهُ لِلْأَذَى أَوْ) يَكُونَ فِيهِ (مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ) فَيُخْفِيهِ إزَالَةٌ لِذَلِكَ.
(وَحَقِيقٌ بِهِ) أَيْ الْمُفْتِي (أَنْ يُكْثِرَ الدُّعَاءَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالَمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفْتُ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»
стр. 3024
وَيَقُولُ إذَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ: يَا مُعَلِّمَ إبْرَاهِيمَ عَلِّمْنِي) لِلْخَبَرِ.
(وَفِي آدَابِ الْمُفْتِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ مُفَصِّلًا بَلْ يَمْنَعُ السَّائِلَ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنْ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا تَجُوزُ الْفَتْوَى فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بَلْ نَهْيُ السَّائِلِ عَنْهُ وَالْعَامَّةِ أَوْلَى وَيَأْمُرُ الْكُلَّ بِالْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ وَمَا يَلِيقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ بِهِ الْجَزْمُ وَلَا إثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَلَا الِاجْتِهَادُ فِيهِ وَيَجُوزُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ وَإِثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِي (تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْتَى يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ وَإِنْ لَمْ يُخَيِّرْهُ، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الطَّلَاقِ؟ فَقَالَ: إنْ فَعَلَ حَنِثَ فَقَالَ السَّائِلُ: إنْ أَفْتَانِي إنْسَانٌ لَا أَحْنَثُ قَالَ: تَعْرِفُ حَلْقَةَ الْمَدَنِيِّينَ؟ قَالَ: فَإِنْ أَفْتَوْنِي حَلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
(وَلَا يَلْزَمُ جَوَابُ مَا لَمْ يَقَعْ) لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى ذَلِكَ " (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ) أَيْ السَّائِلِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي خَبَرِ «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا سُئِلَهُ» - الْحَدِيثَ.
(وَلَا) يَلْزَمُ (جَوَابُ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ السَّائِلُ) قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ " وَفِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ ".
(وَ) لَا يَلْزَمُ جَوَابُ (مَا لَا يَقَعُ فِيهِ) لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ " مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ " وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَمُسْلِمُونَ هُمْ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أَحْكَمْتَ الْعِلْمَ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ ذَا؟ وَسَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي اللِّعَانِ فَقَالَ: سَلْ رَحِمَكَ اللَّهُ عَمَّا اُبْتُلِيتَ بِهِ.
(وَإِنْ جَعَلَ لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (أَهْلُ بَلَدٍ رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ جَازَ) لَهُ أَخْذُهُ وَالْأَرْزَاقُ مَعْرُوفٌ غَيْر لَازِمٍ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَلَا يُورَثُ بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ قَالَ: وَبَابُ الْأَرْزَاقِ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ، وَأَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبَابُ الْإِجَارَةِ أَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَلُ فِي بَاب الْمُكَاسَبَةِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِي (قَبُولُ هَدِيَّةٍ وَالْمُرَادُ لَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ مِمَّا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُهْدِي (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ أَخَذَهَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ مِمَّا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ (حُرِّمَتْ) عَلَيْهِ الْهَدِيَّةُ.
(وَمَنْ عَدِمَ مُفْتِيًا فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ فَلَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ) عَلَى الْخِلَافِ هَلْ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْحَظْرُ أَوْ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْوَقْفُ؟ (وَقِيلَ مَتَى خَلَتْ الْبَلَدُ مِنْ مُفْتٍ حُرِّمَ السُّكْنَى فِيهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْأَصَحُّ لَا يَحْرُمُ إنْ أَمْكَنَ الذَّهَابُ إلَى مُفْتٍ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِي (رَدُّ الْفُتْيَا إنْ خَافَ غَائِلَتَهَا أَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ)
стр. 3025
فِي الْفُتْيَا لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ فِي حَقِّهِ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ سَنَةً (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (لَمْ يَجُزْ) لَهُ رَدُّ الْفُتْيَا لِتَعَيُّنِهَا عَلَيْهِ، وَالتَّعْلِيمُ كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ مَعْنَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ (لَكِنْ إنْ كَانَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَهُ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ مُفْتِيًا وَهُوَ جَاهِلٌ تَعَيَّنَ الْجَوَابُ عَلَى الْعَالِمِ) لِتَعَيُّنِ الْإِفْتَاءِ عَلَيْهِ إذَنْ (قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْحُكْمُ يَتَعَيَّنُ بِوِلَايَتِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ رَدُّ مُحْتَكِمَيْنِ إلَيْهِ وَيُمْكِنُهُ رَدُّ مَنْ يَسْتَشِيرُهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا شَهَادَةً فَنَادِرٌ أَنْ لَا يَكُونَ سِوَاهُ) أَيْ مَعَهُ مُتَحَمِّلًا لِتِلْكَ الشَّهَادَةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إذْ يُمْكِنُ نِيَابَةُ غَيْرِهِ (وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَ) إنَّهُ (لَا يَنُوبُ الْبَعْض عَنْ الْبَعْضِ وَلَا يَقُولُ لِمَنْ ارْتَفَعَ: إلَيْهِ امْضِ إلَى غَيْرِي مِنْ الْحُكَّامِ انْتَهَى) أَيْ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لَمَا يَلْزَمُ عَلَى جَوَازِ تَدَافُعِ الْحُكُومَاتِ مِنْ الْحُقُوقِ.
(وَمَنْ قَوِيَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ) لِظُهُورِ الدَّلِيلِ مَعَهُ (أَفْتَى بِهِ) أَيْ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِ إمَامِهِ (وَأَعْلَمَ السَّائِلَ) بِذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَقْلِيدِهِ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: إذَا جَاءَتْ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ) أَيْ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَا مَوْقُوفٌ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ (فَأَفْتِ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ) .
وَفِي الْمُبْدِعِ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: إذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا خَبَرًا قُلْتُ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ إمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ قَالَ ﷺ «يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا» .
(وَيَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (الْعُدُولُ عَنْ جَوَابِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلسَّائِلِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
(وَ) يَجُوزُ لِلْمُفْتِي (أَنْ يُجِيبَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
(وَ) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَدُلَّهُ) أَيْ الْمُسْتَفْتِي (عَلَى عِوَضِ مَا مَنَعَهُ عَنْهُ وَأَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى مَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْهِدَايَةِ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ (وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُسْتَغْرَبًا وَطَّأَ قَبْلَهُ) أَيْ مَهَّدَ لَهُ، أَيْ ذَكَرَ لِلْحُكْمِ شَيْئًا يُوَضِّحُ وَيُبَيِّنُ بِهِ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ، وَوَطَّأَ قَبْلَهُ (مَا هُوَ كَالْمُقَدَّمَةِ لَهُ) لِيُزِيلَ اسْتِغْرَابَهُ (وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ أَحْيَانًا) قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]
стр. 3026
وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ أَحْيَانًا احْتِرَازٌ مِنْ الْإِفْرَاطِ فِي الْحَلِفِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ.
(وَلَهُ أَنْ يُكَذْلِكَ مَعَ جَوَابِ مَنْ تَقَدَّمَهُ بِالْفُتْيَا لِيَقُولَ جَوَابِي كَذَلِكَ وَالْجَوَابُ صَحِيحٌ وَبِهِ أَقُولُ) طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ (إذَا عَلِمَ صَوَابَ جَوَابِهِ وَكَانَ أَهْلًا) لِلْفُتْيَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَوَابَهُ (اشْتَغَلَ بِالْجَوَابِ مَعَهُ فِي الْوَرَقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) مَنْ تَقَدَّمَ الْمُفْتِي (أَهْلًا) لِلْفُتْيَا (لَمْ يُفْتِ مَعَهُ لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمُنْكَرٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُفْتِي اسْمَ مَنْ كَتَبَ فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْفُتْيَا مَعَهُ خَوْفًا مِمَّا قُلْنَاهُ) أَيْ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَهْلٍ تَقْرِيرًا لِلْمُنْكَرِ (وَالْأَوْلَى أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِ الرُّقْعَةِ بِإِبْدَالِهَا) إذَا جَهِلَ الْمُفْتِي قَبْلَهُ فِيهَا (فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ) أَيْ إبْدَالَهَا (أَجَابَهُ شَفَاهًا) بِلَا كِتَابَةٍ (وَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْإِفْتَاءِ فِي الرُّقْعَةِ كَتَبَ فِي النَّاحِيَةِ الْيُسْرَى لِأَنَّهُ أَمْكَنَ وَإِنْ كَتَبَ فِي) الْجَانِبِ (الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَسْفَلِ جَازَ وَلَا يَكْتُبُ فَوْقَ الْبَسْمَلَةِ) احْتِرَامًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَصِرَ جَوَابَهُ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ إشْغَالٌ لِلرُّقْعَةِ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ وَقَدْ لَا يَرْضَى رَبُّهَا بِذَلِكَ، وَدَلَالَةُ الْحَالِ إنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ (وَلَا بَأْسَ لَوْ كَتَبَ) الْمُفْتِي (بَعْد جَوَابِهِ كَمَا فِي الرُّقْعَةِ: زَادَ السَّائِلُ مِنْ لَفْظِهِ كَذَا وَكَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا) لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ.
(وَإِنْ جَهِلَ) الْمُفْتِي (لِسَانَ السَّائِلِ) أَيْ لُغَتَهُ (أَجْزَأَتْ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ ثِقَةٍ) كَالْإِخْبَارِ بِالْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ التَّرْجَمَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَحُكْمُهَا كَالشَّهَادَةِ وَيَأْتِي.
(وَإِنْ رَأَى) الْمُفْتِي (لَحْنًا فَاحِشًا فِي الرُّقْعَةِ) الْمَكْتُوبِ فِيهَا السُّؤَالُ (أَوْ) رَأَى بِهَا (خَطَأً يُحِيلُ الْمَعْنَى أَصْلَحَهُ) لِأَنَّ إجَابَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ لِفَهْمِ الْمَقْصُودِ (وَيَنْبَغِي) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ بِخَطٍّ وَاضِحٍ وَسَطًا، وَيُقَارِبَ سُطُورَهُ وَخَطَّهُ لِئَلَّا يُزَوِّرَ أَحَدٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَأَمَّلَ الْجَوَابَ بَعْدَ كِتَابَتِهِ خَوْفًا مِنْ غَلَطٍ أَوْ سَهْوٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ فِي فَتْوَاهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفِي آخِرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَنَحْوَهُ، وَكَتَبَهُ فُلَانٌ الْحَنْبَلِيُّ أَوْ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوُهُ) كَالْمَالِكِيِّ وَالْحَنَفِيِّ اقْتِدَاءً بِمَنْ سَلَفَ (وَإِذَا رَأَى خِلَالَ السُّطُورِ أَوْ فِي آخِرِهَا بَيَاضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ مَا يُفْسِدُ الْجَوَابَ فَلْيَحْتَرِزْ مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْوَرَقَةِ أَوْ يَشْغَلَهُ بِشَيْءٍ) لِيَأْمَنَ مِنْ الزِّيَادَةِ (وَيَنْبَغِي) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مَوْصُولًا بِآخِرِ سَطْرٍ فِي الْوَرَقَةِ وَلَا يَدَعُ بَيْنَهُمَا فُرْجَةً خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكْتُبَ لِلسَّائِلِ فِيهَا غَرَضًا لَهُ ضَارًّا، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ وَرَقَةٌ مَلْزُوقَةٌ كَتَبَ عَلَى مَوْضِعِ الِالْتِزَاقِ وَشَغَلَهُ بِشَيْءٍ) لِئَلَّا يَحِلَّ اللَّزْقُ
стр. 3027
وَيُوصَلَ بِرُقْعَةٍ أُخْرَى قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُلْتَزِقٍ وَطُلِبَ مِنْهُ الْكِتَابَةُ لِيُلْزَقَ لَمْ يَجِبْ لِئَلَّا يُلْزَقَ بِغَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا يُخَالِفُ فِي الْحُكْمِ.
(وَإِذَا سُئِلَ) الْمُفْتِي (عَنْ شَرْطٍ وَاقِفٍ لَمْ يُفْتِ بِإِلْزَامِ الْعَمَلِ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ الشَّرْطُ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ أَوْ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ مِثْلُ أَنْ يَشْرِطَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ فِي التُّرْبَةِ الْمَدْفُونِ بِهَا) الْوَاقِفُ (وَيَدْعُ الْمَسْجِدَ أَوْ يُشْعِلَ بِهَا) أَيْ التُّرْبَةِ (قِنْدِيلًا أَوْ سِرَاجًا) لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ (أَوْ وَقَفَ مَدْرَسَةً أَوْ رِبَاطًا أَوْ زَاوِيَةً وَشَرَطَ أَنَّ الْمُقِيمِينَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُبْتَدِعِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَأَصْحَابِ الْإِشَارَاتِ وَالْمَلَاذِنِ وَأَهْلِ الْحَيَّاتِ وَأَشْبَاهِ الذُّبَابِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرَّقْصِ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ) كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْأَيْمَانِ وَالْأَقَارِيرِ (بِمَا اعْتَادَهُ هُوَ مِنْ فَهْمِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ عُرْفَ أَهْلِهَا وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِهَا بَلْ يَحْمِلُهَا عَلَى مَا اعْتَادُوهُ وَعَرَفُوهُ وَإِنْ كَانَ) الَّذِي اعْتَادُوهُ (مُخَالِفًا لِحَقَائِقِهَا الْأَصْلِيَّةِ) اللُّغَوِيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ الْعُرْفَ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ.
(وَإِذَا اعْتَدَلَ عِنْدَهُ قَوْلَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ) أَيْ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ (فَقَالَ الْقَاضِي يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ) وَتَقَدَّمَ لَيْسَ لِمَنْ انْتَسَبَ لِمَذْهَبِ إمَامٍ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ.
(وَمَنْ أَرَادَ كِتَابَةً عَلَى فُتْيَا أَوْ) أَنْ يَكْتُبَ (شَهَادَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَبِّرَ خَطَّهُ وَلَا أَنْ يُوَسِّعَ السُّطُورَ بِلَا إذْنٍ وَلَا حَاجَةٍ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ بِخَطِّهِ) أَيْ الْمُفْتِي وَ (لَا) يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ (بِإِمْلَائِهِ وَتَهْذِيبِهِ وَإِذَا كَانَ فِي رُقْعَةِ الِاسْتِفْتَاءِ مَسَائِلُ فَحَسَنٌ أَنْ يُرَتِّبَ الْجَوَابَ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ) لِيَحْصُلَ التَّنَاسُبُ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ، بَلْ يَذْكُرُ جَوَابَهُ فِي الرُّقْعَةِ) فَإِنْ أَرَادَ الْجَوَابَ عَلَى خِلَافِ مَا فِيهَا فَلْيَقُلْ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَا فَجَوَابُهُ كَذَا قُلْتُ وَإِنْ أَمَرَ السَّائِلَ بِتَغْيِيرِ الرُّقْعَةِ فَهُوَ أَوْلَى.
(وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ فِي الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ إجْمَاعًا) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (بَلْ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ) فِي الْجَوَابِ (فَلَوْ سُئِلَ) الْمُفْتِي (هَلْ لَهُ الْأَكْلُ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ يَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي وَأَرْسَلَ) الْإِمَامُ (أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَبِي يُوسُفَ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ فَقَصَرَهُ وَجَحَدَهُ هَلْ لَهُ أُجْرَةٌ إنْ عَادَ وَسَلَّمَهُ إلَى رَبِّهِ؟ وَقَالَ) أَبُو حَنِيفَةَ (إنْ قَالَ:) أَبُو يُوسُفَ (نَعَمْ أَوْ لَا أَخْطَأَ فَفَطِنَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ: إنْ قَصَّرَهُ قَبْلَ جُحُودِهِ فَلَهُ) الْأُجْرَةُ لِأَنَّهُ
стр. 3028
قَصَّرَهُ لِرَبِّهِ (وَبَعْدَهُ) أَيْ وَإِنْ قَصَّرَهُ بَعْدَ جُحُودِهِ (لَا) أُجْرَةَ لَهُ (لِأَنَّهُ قَصَّرَهُ لِنَفْسِهِ، وَسَأَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ) (قَوْمًا) مِنْ أَصْحَابِهِ (عَنْ بَيْعِ رَطْلِ تَمْرٍ بِرَطْلِ تَمْرٍ فَقَالُوا: يَجُوزُ، فَخَطَّأَهُمْ فَقَالُوا: لَا فَخَطَّأَهُمْ) فَخَجِلُوا (فَقَالَ: إنْ تَسَاوَيَا كَيْلًا جَازَ) فَهَذَا يُوَضِّحُ خَطَأَ الْمُطْلِقِ فِي كُلِّ مَا يَحْتَمِلُ التَّفْصِيل قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ: الْمَذْكُورِ كَذَا قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ عَمَلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا بِظَاهِرِهِ انْتَهَى قُلْتُ وَلَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يُجِيبُونَ بِحَسْبِ مَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ الْمُتَبَادَرِ إلَى الْفَهْمِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جِبْرِيلَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ هَلْ السُّؤَالُ عَنْ حَقَائِقِهَا أَوْ شُرُوطِهَا أَوْ أَرْكَانِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا.
(وَلَا يَجُوزُ) لِلْمُفْتِي (أَنْ يُلْقِيَ السَّائِلَ فِي الْحَيْرَةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفَرَائِضِ: تُقْسَمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ) تَعَالَى (أَوْ يَقُولَ فِيهَا) أَيْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا (قَوْلَانِ وَنَحْوُهُ) مِمَّا لَا يُنَافِيهِ (بَلْ يُبَيِّنُ لَهُ بَيَانًا مُزِيلًا لِلْإِشْكَالِ) لِأَنَّ الْفُتْيَا تَبْيِينُ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُفْتِي (أَنْ يَذْكُرَ الْمَانِعَ فِي الْمِيرَاثِ مِنْ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ) كَالرِّقِّ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ (وَكَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْعُقُودِ مِنْ الْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَالْبَيْعِ وَالصُّلْحِ وَنَحْوِهِمَا (فَلَا يَجِبُ) عَلَى الْمُفْتِي (أَنْ يَذْكُرَ الْجُنُونَ وَالْإِكْرَاهَ وَنَحْوَ ذَلِكَ) مِنْ الصِّغَرِ وَعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ.
(وَالْعَامِّيُّ يُخَيَّرُ فِي فَتْوَاهُ فَيَقُولُ) الْمُفْتِي: (مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا) وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْعَامِّيَّ يَتَخَيَّرُ وَإِنْ لَمْ يُخَيَّرْ وَإِنْ لَمْ يُخَيِّرْهُ الْمُفْتِي.
(وَيُقَلِّدُ الْعَامِّيُّ مَنْ عَرَفَهُ عَالِمًا عَدْلًا أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا) لِلتَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ (مُعَظَّمًا) لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ (وَلَا يُقَلِّدُ مَنْ عَرَفَهُ جَاهِلًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَيَكْفِيهِ) أَيْ الْعَامِّيَّ (قَوْلُهُ عَدْلٌ خَبِيرٌ) بِمَا أَفْتَاهُ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجِبُ سُؤَالُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (فَإِنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ (وَيُقَلِّدُ) الْمُجْتَهِدُ الْعَدْلُ وَلَوْ (مَيِّتًا وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَقَبْلِهَا) لِأَنَّ قَوْلَهُ بَاقٍ فِي الْإِجْمَاعِ كَالْحَاكِمِ، وَالشَّاهِدُ لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ بِمَوْتِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَيْسَ لَهُ أَيْ لِلْعَامِّيِّ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبِ أَحَدِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَعْلَى دَرَجَةً مِمَّنْ بَعْدَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا
стр. 3029
لِتَدْوِينِ الْعِلْمِ وَضَبْطِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَذْهَبٌ مُحَرَّرٌ مُقَرَّرٌ.
(وَيَحْفَظُ الْمُسْتَفْتِي الْأَدَبَ مَعَ الْمُفْتِي وَيُجِلُّهُ) لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ (وَلَا يُومِئُ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ وَلَا يَقُلْ: وَمَا مَذْهَبُ إمَامِكَ فِي كَذَا وَمَا تَحْفَظُ فِي كَذَا؟ أَوْ أَفْتَانِي غَيْرُكَ أَوْ) أَفْتَانِي (فُلَانٌ بِكَذَا أَوْ قُلْتُ أَنَا) كَذَا (أَوْ وَقَعَ لِي) كَذَا (أَوْ إنْ كَانَ جَوَابُكَ مُوَافِقًا فَاكْتُبْ) وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُنَافِي الْأَدَبَ.
(لَكِنْ إنْ عَلِمَ) الْمُفْتِي (غَرَضَ السَّائِلِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ) لَهُ (أَنْ يَكْتُبَ) فِي رُقْعَتِهِ (بِغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ يُفْسِدُ عَلَيْهِ رُقْعَتَهُ وَيُحْوِجُهُ إلَى إبْدَالِهَا.
(وَيُكْرَهُ) لِلْمُسْتَفْتِي (أَنْ يَسْأَلَهُ) أَيْ الْمُفْتِيَ (فِي حَالِ ضَجِرٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ) عِنْدَ (قِيَامِهِ أَوْ نَحْوِهِ) كَنُعَاسِهِ وَكُلِّ مَا يَشْغَلُ الْفِكْرِ (وَلَا يُطَالِبُهُ بِالْحُجَّةِ) أَيْ لَا يَطْلُبُ الْمُسْتَفْتِي مِنْ الْمُفْتِي الدَّلِيلَ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ فِيهِ اتِّهَامًا لَهُ.
(وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ) مَعَ وُجُودِ أَفْضَل مِنْهُ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ كَانَ يُفْتِي مَعَ الْفَاضِلِ مِنْهُمْ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَقَالَ ﷺ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَفِيهِمْ الْأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَيْضًا الْعَامِّيُّ لَا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ لِقُصُورِهِ عَنْهُ.
" فَائِدَةٌ " لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَذَكَرَهُ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَفِي صَحِيحِ ابْن حِبَّانَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَاب﴾ [آل عمران: ١٩٠] قَالَ «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهُنَّ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُنَّ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَحْصُلُ بِتَقْلِيدٍ لِجَوَازِ كَذِبِ الْمُخْبِرِ وَاسْتِحَالَةِ حُصُولهِ لِمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَكَمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَمِهِ، وَلِأَنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ أَفَادَ عِلْمًا فَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ فَيَسْتَلْزِمُ الدَّلِيلَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ وَاحْتِمَالِ الْخَطَأَ لِعَدَمِ تَمَامِ مُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الصَّحِيحِ وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى
стр. 3030
ذَمَّ التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وَهِيَ فِيمَا يُطْلَبُ لِلْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: (وَلُزُومُ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ، وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ الْأَشْهَرُ عَدَمُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَامِّيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا يَأْخُذُ بِعَزَائِمِهِ وَرُخَصِهِ وَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَا يُحِبُّونَ ذَلِكَ وَاَلَّذِينَ يُوجِبُونَ يَقُولُونَ: إذَا الْتَزَمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ مَا دَامَ مُلْتَزِمًا لَهُ، أَوْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِالِالْتِزَامِ مِنْهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْتِزَامَ الْمَذَاهِبِ وَالْخُرُوجَ عَنْهَا إنْ كَانَ لِغَيْرِ أَمْرٍ دِينِيٍّ مِثْلَ أَنْ يَلْتَمِسَ مَذْهَبًا لِحُصُولِ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ بَلْ يُذَمُّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَوْ كَانَ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا انْتَقَلَ عَنْهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُسْلِمُ وَلَا يُسْلِمُ إلَّا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ يُهَاجِرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ لِامْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا وَدُنْيَا يُصِيبُهَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ انْتِقَالُهُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ فَهُوَ مُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْهُ وَلَا يَتْبَعُ أَحَدًا فِي مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ طَاعَتَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ انْتَهَى.
وَفِي الرِّعَايَةِ مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ وَلَا عُذْرٍ، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: بِلَا دَلِيلٍ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَقَوْلُهُ: وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ أَيْ لِعَالِمٍ أَفْتَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ.
وَقَوْلُهُ، وَلَا عُذْرٍ أَيْ يُبِيحُ لَهُ مَا فَعَلَهُ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ: لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَلْزَمُ كُلُّ مُقَلِّدٍ أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فِي الْأَشْهَرِ وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ وَقِيلَ بَلَى، وَقِيلَ: ضَرُورَةٌ.
(وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمُفْتِي (وَلَا لِغَيْرِهِ تَتَبُّعُ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ وَلَا تَتَبُّعُ الرُّخَصِ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ فَإِنْ تَتَبَّعَ ذَلِكَ) أَيْ الْحِيَلَ الْمَكْرُوهَةَ وَالْمُحَرَّمَةَ وَالرُّخَصَ (فَسَقَ وَحَرُمَ اسْتِفْتَاؤُهُ وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ) أَيْ الْمُفْتِي (فِي حِيلَةٍ جَائِزَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا وَلَا مَفْسَدَةَ لِتَخَلُّصِ الْمُسْتَفْتِي بِهَا مِنْ حَرَجٍ جَازَ، كَمَا أَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا ﵁ إلَى بَيْعِ التَّمْرِ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا آخَرَ فَيَتَخَلَّصُ مِنْ الرِّبَا) بِذَلِكَ، وَهَذَا إذَا كَانَ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ فَاشْتَرَى
стр. 3031
فِي ذِمَّتِهِ بِدَرَاهِمَ مِنْ جِنْسِ الْأَوْلَى وَعَلَى صِفَتِهَا فَتَحِلُّ الْمُقَاصَّةُ وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الرِّبَا وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ قَبْلَ قَبْضِهَا مِمَّا يُشَارِكهُ فِي الْعِلَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.
(وَإِذَا اسْتَفْتَى وَاحِدًا أَخَذَ) الْمُسْتَفْتِي (بِقَوْلِهِ وَيَلْزَمُهُ) الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ (بِالْتِزَامِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: لَوْ أَفْتَى الْمُقَلِّدَ مُفْتٍ وَاحِدٌ وَعَمَل بِهِ الْمُقَلِّدُ لَزِمَهُ قَطْعًا وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا إجْمَاعًا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: هَذَا الْأَشْهَرُ.
(وَلَوْ سَأَلَ) الْعَامِّيُّ (مُفْتِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ تَخَيَّرَ) صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ: لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَفْضَلِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهَا: وَالظَّاهِرُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَفْضَلِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ.
وَفِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَبْحَثَ عَنْ الرَّاجِحِ بِحَسَبِهِ وَهُوَ أَرْجَحُ الْمَذَاهِبِ السَّبْعَةِ انْتَهَى وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُسَوَّدَةِ وَقَدَّمَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي أُصُولِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مُفْتِيًا وَاحِدًا لَزِمَهُ قَبُولُهُ) كَمَا لَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَا يَتَوَقَّف ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَلَا سُكُونِ نَفْسِهِ إلَى صِحَّتِهِ.
(وَلَهُ الْعَمَلُ بِخَطِّ الْمُفْتِي، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْفَتْوَى مِنْ لَفْظِهِ إذَا عُرِفَ أَنَّهُ خَطُّهُ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَوُلَاتِهِ وَسُعَاتِهِ وَيَعْمَلُونَ بِذَلِكَ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَاكِمِ قُلْتُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِكُتُبِ الْأَئِمَّةِ إذَا عُلِمَ أَنَّهَا خَطُّهُمْ أَوْ نَقَلَهَا الثِّقَةُ عَنْ خَطِّهِمْ.
[فَصْلٌ وَإِنْ تَحَاكَمَ شَخْصَانِ إلَى رَجُلٍ لِلْقَضَاءِ]
ِ (بَيْنَهُمَا فَحَكَمَ، نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالْحَدِّ وَالنِّكَاحِ وَاللِّعَانِ وَغَيْرِهَا حَتَّى مَعَ وُجُودِ قَاضٍ فَهُوَ كَحَاكِمِ الْإِمَامِ) لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: إنَّ قَوْمِي كَانُوا إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ الْفَرِيقَانِ قَالَ فَمَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَنْ أَكْبَرُ وَلَدِكَ؟ قَالَ: شُرَيْحٌ قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو
стр. 3032
شُرَيْحٍ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
وَعَنْهُ ﷺ «مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَحَاكَمَا إلَيْهِ وَارْتَضَيَا بِهِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُهُمَا لَمَا لَحِقَهُ هَذَا الذَّمُّ وَلِأَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَتَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمَا قَاضِيًا (وَيَلْزَمُ مَنْ كَتَبَ إلَيْهِ) الْمُحَكِّمُ (بِحُكْمِهِ الْقَبُولُ وَ) يَلْزَمُهُ (تَنْفِيذُهُ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ نَافِذُ الْأَحْكَامِ فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ (كَحَاكِمِ الْإِمَامِ وَلَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا لَا يُنْقَضُ) فِيهِ (حُكْمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ) مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ الرُّجُوعُ عَنْ تَحْكِيمِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ أَشْبَهَ رُجُوعَ الْمُوَكِّلِ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ وَ (لَا) يَصِحُّ رُجُوعُ أَحَدِهِمَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ (وَقَبْلَ تَمَامِهِ) كَرُجُوعِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ صُدُورِ مَا وُكِّلَ فِيهِ مِنْ وَكِيلِهِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ: وَإِنْ حَكَّمَ أَحَدُهُمَا خَصْمَهُ أَوْ حَكَّمَا مُفْتِيًا فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ جَازَ، وَقَالَ: يَكْفِي وَصْفُ الْقِصَّةِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَعْوَى (وَقَالَ: الْعَشْرُ صِفَاتٍ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ فِي الْقَاضِي: لَا تُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحَكِّمُهُ الْخَصْمَانِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا بِالرِّضَا بِهِ قَبْلَ حُكْمِهِ لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا (وَقَالَ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّحْكِيمِ: وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى مُقَدَّمُو الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ الْوَاسِطَاتِ وَالصُّلْحَ عِنْدَ الْفَوْرَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَتَفْوِيضَ الْأَمْوَالِ إلَى الْأَوْصِيَاءِ، وَتَفْرِقَةَ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى رَقِيقِهِ، وَخُرُوجَ طَائِفَةٍ إلَى الْجِهَادِ، وَالْقِيَامَ بِأَمْرِ الْمَسَاجِدِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالتَّعْزِيرَ لِعَبِيدٍ، وَإِمَاءٍ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ) قُلْتُ: وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ.
[بَابُ آدَابِ الْقَاضِي]
بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ، يُقَالُ: أَدِبَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا لُغَةً إذَا صَارَ أَدِيبًا فِي خُلُقٍ أَوْ عِلْمٍ (وَهُوَ) أَيْ الْأَدَبُ (أَخْلَاقُهُ الَّتِي يَنْبَغِي) لَهُ وَلِغَيْرِهِ (التَّخَلُّقُ بِهَا) وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي، أَوْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ نَفْسَهُ وَأَعْوَانَهُ
стр. 3033
مِنْ الْآدَابِ وَالْقَوَانِينَ الَّتِي تَنْضَبِطُ بِهَا أُمُورُ الْقَضَاءِ وَتَحْفَظُهُمْ مِنْ الْمَيْلِ وَالزَّيْغِ (وَالْخُلُقُ) بِضَمِّ اللَّامِ (صُورَتُهُ الْبَاطِنَةُ) وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافُهَا وَمَعَانِيهَا، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: حُسْنُ الْخُلُقِ اخْتِيَارُ الْفَضَائِلِ وَتَرْكُ الرَّذَائِلِ.
(يَنْبَغِي) أَيْ يُسَنُّ (أَنْ يَكُونَ) الْقَاضِي (قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ) لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِ الظَّالِمُ، وَالْعُنْفُ ضِدُّ الرِّفْقِ.
(لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ) لِئَلَّا يَهَابَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَظَاهِرُ الْفُصُولِ يَجِبُ ذَلِكَ (حَلِيمًا) لِئَلَّا يَغْضَبَ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمِ فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا (مُتَأَنِّيًا) لِئَلَّا تُؤَدِّيَ عَجَلَتُهُ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي (ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ) لِئَلَّا يُخْدَعَ مِنْ بَعْضِ الْخُصُومِ عَلَى غِرَّةٍ (بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ، يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُرَاقِبُهُ لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ وَلَا يُخْدَعُ لِغِرَّةٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ " لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ حَلِيمٌ عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ " (صَحِيحَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ الْمُتَرْجِمَ قَدْ يُخْفِي شَيْئًا مِنْ كَلَامِ أَحَدِهِمَا.
(عَفِيفًا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ (وَرِعًا نَزِهًا بَعِيدًا عَنْ الطَّمَعِ صَدُوقَ اللَّهْجَةِ لَا يَهْزِلُ وَلَا يَمْجِنُ) أَيْ يَمْزَحُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِهَيْئَتِهِ (ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ (لِكَلَامِهِ لَيِّنٌ ذَا قُرْبٍ وَهَيْبَةٍ إذَا أَوْعَدَ وَوَفَاءٍ إذَا وَعَدَ) يُقَالُ: وَعَدَ فِي الْخَيْرِ وَأَوْعَدَ فِي ضِدِّهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الْآخَرِ (وَلَا يَكُونُ) الْقَاضِي (جَبَّارًا وَلَا عَسُوفًا) لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِتَوْلِيَتِهِ مِنْ وُصُولِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ (وَلَهُ أَنْ يَنْتَهِرَ الْخَصْمَ إذَا الْتَوَى) لِأَنَّ
الْحَاجَةَ
دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ لِإِقَامَةِ الْعَدْلِ (وَ) أَنْ (يَصِيحَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخَصْمِ عِنْدَ الْتِوَائِهِ (وَإِنْ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَزَّرَهُ بِمَا يَرَى مِنْ أَدَبٍ) لَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ (أَوْ حَبْسٍ) .
(وَإِنْ افْتَاتَ) الْخَصْمُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاضِي (بِأَنْ يَقُولَ) الْخَصْمُ: (حَكَمْتَ عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوْ ارْتَشَيْتَ، فَلَهُ تَأْدِيبُهُ) لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ، فَجَازَ لَهُ تَأْدِيبُهُ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ (وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَعْفُوَ) عَمَّنِ افْتَاتَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ.
(وَإِنْ بَدَأَ الْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ قَطَعَهَا) الْقَاضِي (عَلَيْهِ، وَقَالَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى خَصْمِكَ) الْمُدَّعِي (فَإِنْ عَادَ) الْمُنْكِرُ إلَى الْيَمِينِ (نَهَرَهُ) عَنْ ذَلِكَ (فَإِنْ عَادَ) إلَيْهِ (عَزَّرَهُ إنْ رَأَى) ذَلِكَ (وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إسَاءَةُ الْأَدَبِ) .
(وَإِذَا وَلِيَ) الْقَاضِي (فِي غَيْرِ بَلَدٍ فَأَرَادَ الْمَسِيرَ إلَيْهِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ إنْ وُجِدَ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ)
стр. 3034
أَيْ عَنْ الْبَلَدِ (وَعَنْ عُلَمَائِهِ وَعُدُولِهِ وَفُضَلَائِهِ) لِيَعْرِفَ حَالَهُمْ حَتَّى يُشَاوِرَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْمُشَاوَرَةِ، وَيَقْبَلَ شَهَادَةَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْعَدَالَةِ (وَيَتَعَرَّفَ مِنْهُمْ) أَيْ مِمَّنْ وَجَدَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ (مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يَسْأَلُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ (وَلَا فِي طَرِيقِهِ سَأَلَ إذَا دَخَلَ) لِيَتَعَرَّفَ حَالَهُمْ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا قَرَّبَ) الْقَاضِي (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي وَلِيَ فِيهِ (بَعَثَ مَنْ يُعْلِمُ بِقُدُومِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَلَقِّيهِ) لِأَنَّ فِي تَلَقِّيهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَذَلِكَ طَرِيقٌ لِقَبُولِ قَوْلِهِ وَنُفُوذِ أَمْرِهِ (وَيَدْخُلُ فِي الْبَلَدِ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ أَوْ) يَوْمُ (الْخَمِيسِ أَوْ) يَوْمُ (السَّبْتِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا» .
وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ قَدِمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ» (ضَحْوَةً) لِاسْتِقْبَالِ الشَّهْرِ تَفَاؤُلًا (لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ) أَيْ أَحْسَنَهَا لِأَنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] لِأَنَّهَا مَجَامِعُ النَّاسِ وَهَذَا مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ مَا لَا يَجْتَمِعُ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ أَوْلَى بِالزِّينَةِ (وَفِي التَّبْصِرَةِ وَكَذَا أَصْحَابُهُ) أَيْ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَعْظَمُ لَهُ وَلَهُمْ فِي النُّفُوسِ (وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا) أَيْ الثِّيَابِ (سُودًا وَإِلَّا فَالْعِمَامَةُ) لِأَنَّهُ ﷺ " دَخَلَ مَكَّةَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ حَرْقَانِيَّةٌ أَيْ سَوْدَاءُ " قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ.
(وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ غَيْرُ السَّوَادِ أَوْلَى) لِلْأَخْبَارِ أَيْ فِي الْبَيَاضِ (وَلَا يَتَطَيَّرُ) أَيْ يَتَشَاءَمُ (بِشَيْءٍ وَإِنْ تُفَاءَلَ فَحَسَنٌ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ وَنَهَى عَنْ الطِّيَرَةِ (فَيَأْتِي) الْقَاضِي (الْجَامِعَ يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» فَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِكُلِّ قَادِمٍ (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اسْتَقْبَلَ بِهِ الْقِبْلَةَ (فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَمَرَ بِعَهْدِهِ) أَيْ بِاَلَّذِي كَتَبَهُ لَهُ مُوَلِّيهِ عَمَّا وَلَّاهُ إيَّاهُ (فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْحَاضِرِينَ لِيَعْلَمُوا تَوْلِيَتَهُ وَيَعْلَمُوا احْتِيَاطَ الْإِمَامِ عَلَى اتِّبَاعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَالنَّهْيَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَقَدْرَ الْمَوْلَى عِنْدَهُ وَيَعْلَمُوا حُدُودَ وِلَايَتِهِ وَمَا فَوَّضَ إلَيْهِ الْحُكْمَ فِيهِ (وَلْيُقْلِلْ) الْقَاضِي (مِنْ كَلَامِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ) لِلْخَبَرِ (وَيَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي بِيَوْمِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ) لِيَعْلَمَ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَيَقْصِدَ الْحُضُورَ لِفَصْلِ حَاجَتِهِ.
(ثُمَّ يَنْصَرِفُ) الْقَاضِي (إلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي أُعِدَّ لَهُ) لِيَسْتَرِيحَ مِنْ نَصَبِ سَفَرِهِ وَيُعِدَّ أَمْرَهُ وَلِيُرَتِّبَ نُوَّابَهُ لِيَكُونَ
стр. 3035
خُرُوجُهُ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ.
(وَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ أَنْ يَبْعَثَ إلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ دِيوَانَ الْحُكْمِ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، لِأَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمَعْزُولَ (تَسْلِيمُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْقَاضِي الْمُتَوَلِّي لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْحَاكِمِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ وَقَدْ صَارَتْ إلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الدِّيوَانُ (مَا فِيهِ وَثَائِقُ النَّاسِ مِنْ الْمَحَاضِرِ، وَهِيَ نُسَخُ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالسِّجِلَّاتِ وَهِيَ نُسَخُ مَا حُكِمَ بِهِ) وَيُعْرَفُ الْآن بِالسِّجِلِّ.
(وَلِيَأْمُرَ) الْقَاضِي (كَاتِبًا ثِقَةً يَكْتُبُ مَا يُسَجِّلُهُ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ) احْتِيَاطًا (ثُمَّ يَخْرُجُ) الْقَاضِي (يَوْمَ الْوَعْدِ عَلَى أَعْدَلِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ غَضْبَانَ وَلَا جَائِعٍ وَلَا شَبْعَانَ وَلَا حَاقِنٍ وَلَا مَهْمُومٍ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنْ الْفَهْمِ كَالْعَطَشِ وَالْفَرَحِ الشَّدِيدَيْنِ وَالْحُزْنِ الْكَثِيرِ وَالْهَمِّ الْعَظِيمِ وَالْوَجَعِ الْمُؤْلِمِ وَالنُّعَاسِ الَّذِي يَغْمُرُ الْقَلْبَ) لِيَكُونَ أَجْمَعَ لِقَلْبِهِ وَأَبْلَغَ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
(وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (وَلَوْ صِبْيَانًا ثُمَّ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ) لِحَدِيثِ «إنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ» .
(وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدٍ (خَيْرٌ وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ) لِيَنَالَ ثَوَابَهَا.
(وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ لِبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ يُفْرَشُ لَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي هَيْبَتِهِ وَأَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ وَأَعْظَمُ لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ (وَلَا يَجْلِسُ عَلَى التُّرَابِ وَلَا عَلَى حُصُرِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَذْهَبُ بِهَيْبَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ الْخُصُومِ) لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جُلُوسِهِ عَلَى الْبِسَاطِ دُونَ تُرَابٍ وَحَصِيرٍ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ أَوْلَى.
(وَيَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُ سِرًّا أَنْ يَعْصِمَهُ مِنْ الزَّلَلِ وَيُوَفِّقَهُ لِلصَّوَابِ وَلِمَا يُرْضِيهِ) مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ مُطْلَقًا فَفِي وَقْتِ الْحَاجَةِ أَوْلَى وَالْقَاضِي أَشَدُّ النَّاسِ إلَيْهِ حَاجَةً.
(وَيَجْعَلُ) الْقَاضِي (مَجْلِسَهُ فِي مَكَان فَسِيحٍ كَجَامِعٍ وَيَصُونُهُ) أَيْ الْمَسْجِدَ (عَمَّا يُكْرَهُ فِيهِ) مِنْ لَغَطٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ) يَجْلِسُ فِي (فَضَاءٍ وَاسِعٍ أَوْ دَارٍ وَاسِعَةٍ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ إنْ أَمْكَنَ) لِيَكُونَ ذَلِكَ أَوْسَعَ عَلَى الْخُصُومِ وَأَقْرَبَ إلَى الْعَدْلِ.
(وَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ " أَنَّهُمْ
стр. 3036
كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ ".
وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ السُّنَّةُ وَالْقَضَاءُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَالْقَدِيمِ فَإِنْ اتَّفَقَ لِأَحَدٍ مِنْ الْخُصُومِ مَانِعٌ مِنْ الدُّخُولِ كَحَيْضٍ وَكُفْرٍ، وَكَّلَ وَكِيلًا وَيَنْتَظِرُ حَتَّى يَخْرُجَ فَيُحَاكِمُ إلَيْهِ.
(وَلَا يَتَّخِذُ) الْقَاضِي (فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا نَدْبًا بِلَا عُذْرٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَا مِنْ إمَامٍ أَوْ وَالٍ يُغْلَقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ، وَلِأَنَّ الْحَاجِبَ رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ (وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الْخُصُومَةِ إذَا تَنَازَعُوا إلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ (وَلَا لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَحْتَجِبَ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَقْتًا لِلْحُكُومَةِ.
(وَيَعْرِضَ الْقِصَصَ) لِيَقْضِيَ حَوَائِجَ أَصْحَابِهَا (فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) كَمَا لَوْ سَبَقُوا إلَى مُبَاحٍ (وَيَكُونَ لَهُ مَنْ يُرَتِّبُ النَّاسَ إذَا كَثُرُوا فَيَكْتُبَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ) لِيَعْلَمَ السَّابِقُ (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ السَّابِقِ عَلَى غَيْرِهِ) كَالسَّبَقِ إلَى الْمُبَاحِ.
(فَإِذَا حَكَمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَقَالَ: لِي دَعْوَى أُخْرَى لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُ: اجْلِسْ، إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ نَظَرْتُ فِي دَعْوَاكَ الْأُخْرَى إنْ أَمْكَنَ) لِئَلَّا يَسْتَوْعِبَ الْمَجْلِسُ بِدَعَاوِيهِ فَيُضِرَّ بِغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الَّذِي يَلِيهِ سَبَقَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ (فَإِذَا فَرَغَ الْكُلُّ) مِنْ دَعَاوِيهِمْ (فَقَالَ الْأَخِيرُ بَعْدَ فَصْلِ حُكُومَتِهِ لِي دَعْوَى أُخْرَى لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ حَتَّى تُسْمَعَ دَعْوَى الْأَوَّلِ الثَّانِيَةِ) لِسَبْقِهِ (ثُمَّ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ) لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ (وَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَكَمَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فِي الْمُدَّعِي لَا فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِذَا تَقَدَّمَ الثَّانِي) أَيْ الَّذِي جَاءَ ثَانِيًا (فَادَّعَى عَلَى الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ حَكَمَ بَيْنَهُمَا) كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِمَا.
(وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ) مُدَّعِيَانِ (أَوْ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً) وَتَشَاحُّوا (أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ) لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِلتَّرْجِيحِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَكَذَا هُنَا.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ يُقَدَّمُ الْمُسَافِرُ وَالْمُرْتَحِلُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ وَالْمَرْأَةُ فِي حُكُومَاتٍ يَسِيرَةٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَكِنْ لَوْ قَدِمَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْ عُكِسَ صَحَّ قَضَاؤُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَحْرُمُ،.
وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَضَرَ قَبْلَ الْآخَرِ لِيَدَّعِيَ عَلَيْهِ فَهَلْ يُقَدِّمُ الْحَاكِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَوْ يَصْرِفُهُمَا حَتَّى يَتَّفِقَا أَوْ يَقْرِعَ بَيْنَهُمَا أَوْ يُحَلِّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ وَالِاعْتِبَارُ بِسَبْقِ الْمُدَّعِي.
стр. 3037
(وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ) أَيْ الْمُدَّعِينَ الَّذِينَ جَاءُوا دُفْعَهً وَاحِدَةً (كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِقَاعٍ وَتَرَكَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ رُقْعَةً وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى أَيْ كُلَّمَا انْتَهَتْ خُصُومَةُ صَاحِبِ رُقْعَةٍ أَخَذَ الْأُخْرَى فَأَنْهَى) حُكُومَةَ صَاحِبِهَا (وَ) يَأْخُذُ (أُخْرَى) فَ (يُقَدِّمُ صَاحِبَهَا حَسَبَ مَا يُتَّفَقُ) إلَى أَنْ يَنْتَهُوا لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ هُنَا إلَّا الْقُرْعَةُ وَهَذَا أَسْهَلُ طُرُقِهَا.
[فَصْلٌ مَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ]
فَصْلٌ وَيَلْزَمُهُ أَيْ الْقَاضِيَ (الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ وَمَجْلِسِهِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ قُضَاةِ الْبَصْرَةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ وَلَا يَرْفَعَنَّ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَرْفَعْهُ عَلَى الْآخَرِ» وَلِأَنَّهُ إذَا مَيَّزَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ حُصِرَ وَانْكَسَرَ وَرُبَّمَا لَمْ يَفْهَمْ حُجَّتَهُ فَيُؤَدِّي إلَى ظُلْمِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ وَيَرْفَعُهُ فِي الْجُلُوسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ لِشُرَيْحٍ " لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْجُلُوسِ» قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (أَوْ يَأْذَنُ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فِي رَفْعِ الْخَصْمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ فَيَجُوزُ) لَهُ رَفْعُهُ لِإِسْقَاطِ خَصْمِهِ حَقَّهُ بِإِذْنِهِ فِيهِ (وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا رَدَّ عَلَيْهِ) السَّلَامَ (وَلَا يَنْتَظِرُ) بِالرَّدِّ (سَلَامَ الثَّانِي) لِوُجُوبِ رَدِّ السَّلَامِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (الْقِيَامُ السَّائِغُ) كَالْقِيَامِ لِعَالِمٍ وَوَالِدٍ وَنَحْوِهِمَا فَيَقُومُ لِخَصْمَيْنِ فَإِنْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْقِيَامُ لِلْآخَرِ لِلْعَدْلِ (وَ) لَهُ (تَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ الْقِيَامِ لَهُمَا لِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْهَيْبَةِ (وَمُسَارَّةُ أَحَدِهِمَا) لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ وَرُبَّمَا أَضْعَفَهُ ذَلِكَ عَنْ إقَامَةِ حُجَّتِهِ.
(وَ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ (تَلْقِينُهُ) لِأَحَدِهِمَا (حُجَّتَهُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا وَلِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى وَجْهِ صَاحِبهِ (وَ) يُحَرَّمُ عَلَيْهِ (تَضْيِيفُهُ) أَيْ تَضْيِيفُ أَحَدِ
стр. 3038
الْخَصْمَيْنِ (إلَّا أَنْ يُضَيِّفَ خَصْمَهُ مَعَهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: لَكَ خَصْمٌ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: تَحَوَّلْ عَنَّا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ» .
(وَ) يُحَرَّمُ أَيْضًا (تَعْلِيمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى خَصْمِهِ وَكَسْرِ قَلْبِهِ (إذَا لَمْ يَلْزَمْ ذِكْرُهُ، فَإِنْ لَزِمَ كَشَرْطِ عَقْدٍ أَوْ سَبَبِ) إرْثٍ (وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الدَّعْوَى كَوَصْفِ سَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ (وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُدَّعِي فَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَسْأَلَ) عَنْهُ (لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ) وَيُحَرِّرُهُ لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَشْفَعَ إلَى خَصْمِهِ لِيَنْظُرَهُ) بِالدَّيْنِ (أَوْ يَضَعَ عَنْهُ وَلَهُ أَنْ يَزِنَ عَنْهُ وَيَكُونُ) ذَلِكَ (بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحُكْمِ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَفْعًا لِخَصْمِهِ وَلِأَنَّ مُعَاذًا " أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ فَلَوْ تَرَكُوا لِأَحَدٍ لَتَرَكُوا مُعَاذًا لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ سَعِيدٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ " تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا عَلَيْهِ وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى كَعْبٍ أَنْ ضَعْ الشِّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ قُمْ فَأَعْطِهِ " قَالَ أَحْمَدُ هَذَا حُكْمٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ .
(وَيَنْبَغِي) لِلْقَاضِي (أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إنْ أَمْكَنَ؛ يُشَاوِرهُمْ فِيمَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ) لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا وَجَوَابَهُمْ عَنْهَا فَإِنَّهُ أَسْرَعُ إلَى اجْتِهَادِهِ وَأَقْرَبُ إلَى صَوَابِهِ (فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ (وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ نَصًّا) مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَظَاهِرَهُ وَلَوْ آحَادًا كَمَا يَأْتِي (أَوْ إجْمَاعًا) لِوُجُوبِ إنْكَارِهِ وَنَقْضِ حُكْمِهِ بِهِ (وَيُشَاوِرُ) الْقَاضِي (الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ) مِنْ الْفُقَهَاءِ (وَيَسْأَلهُمْ عَنْ حُجَجِهِمْ لِاسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ وَ) لِ (تَعَرُّفِ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ ﵁) : لَمَّا وَلِيَ سَيِّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ يُشَاوِرُهُمَا، وَوُلِّيَ مُحَارَبُ بْنُ زِيَادٍ قَضَاءَ الْكُوفَةِ فَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ يُشَاوِرُهُمَا (مَا أَحْسَنَهُ لَوْ فَعَلَهُ الْحُكَّامُ يُشَارُونَ وَيَنْظُرُونَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (فَإِنْ اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ) حَكَمَ فَوْرًا (وَإِلَّا أَخَّرَهُ) أَيْ الْحُكْمَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الْحَقُّ فَيَحْكُمَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْجَهْلِ.
(فَلَوْ حَكَمَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ فَأَصَابَ الْحَقَّ لَمْ يَصِحَّ) حُكْمُهُ (وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا (تَقْلِيدُ غَيْرِهِ إنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ
стр. 3039
نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ قَالَ عُمَرُ " وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ " وَلَوْ كَانَ حَكَمٌ يَحْكُمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ هَذَا وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ لَا تُقَلِّدْ أَمْرَك أَحَدًا وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ.
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ زِيَادٍ: لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ الرِّجَالَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يُسْأَلُوا أَنْ يَغْلَطُوا.
(وَيَحْرُمُ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ كَثِيرًا) لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ (أَوْ) وَهُوَ (حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ أَوْ فِي شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ غَمٍّ أَوْ وَجَعٍ أَوْ نُعَاسٍ أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ أَوْ تَوَقَانِ جِمَاعٍ أَوْ شِدَّةِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ فَرَحٍ غَالِبٍ أَوْ مَلَلٍ أَوْ كَسَلٍ وَنَحْوِهِ) كَحُزْنٍ قِيَاسًا عَلَى الْغَضَبِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الذِّكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ (فَإِنْ خَالَفَ) الْقَاضِي (وَحَكَمَ) فِي حَالٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ (فَوَافَقَ الْحَقَّ نَفَذَ) حُكْمُهُ خِلَافًا لِلْقَاضِي، قَالَ: لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْقَضَاءُ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ غَلَطٌ يُقِرُّ عَلَيْهِ لَا قَوْلًا وَلَا فِعْلًا فِي حُكْمٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ.
(وَيُحَرَّمُ) عَلَى الْقَاضِي (قَبُولُ رِشْوَةٍ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ وَزَادَ " وَالرَّائِشَ " وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا (وَهِيَ) أَيْ الرِّشْوَةِ (مَا يُعْطَى بَعْدَ طَلَبِهِ) لَهَا (وَيُحَرَّمُ بَذْلُهَا مِنْ الرَّاشِي لِيَحْكُمَ بِبَاطِلٍ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ حَقًّا وَإِنَّ رَشَّاهُ لِيَدْفَعَ) عَنْهُ (ظُلْمَهُ وَيَجْرِيهِ عَلَى وَاجِبِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي حَقِّهِ) قَالَ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مَا لَهُ كَمَا يَسْتَفِيدُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ.
(وَيَحْرُمُ قَبُولُهُ) أَيْ الْقَاضِي (هَدِيَّةً) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ؟ أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ
стр. 3040
الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَتْ عُقْدَةُ إبِطَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: قَرَأْتُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ: الْهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحُكْمِ (بِخِلَافِ مُفْتٍ) فَلَا يَحْرُمُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) مُفَصَّلًا (وَهِيَ) أَيْ: الْهَدِيَّةُ (الدَّفْعُ إلَيْهِ ابْتِدَاءً) مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ (وَظَاهِرُهُ) أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ (وَلَوْ كَانَ) الْقَاضِي (فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (إلَّا مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْمُهْدِي (حُكُومَةٌ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِمَالَةِ أَوْ مِنْ أَجْلِ الْحُكُومَةِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ (أَوْ) كَانَتْ الْهَدِيَّةُ (مِنْ ذَوِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَاكِمِ (لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ) هَذَا وَاضِحٌ فِي عَمُودَيْ نَسَبَهُ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَقَارِبِهِ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَهْدِيَ لِئَلَّا يَحْكُمَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ صَدِيقٍ كَانَ يُلَاطِفُهُ، أَوْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خَصْمٌ (وَرَدَّهَا) أَيْ رَدَّ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ حَيْثُ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا (أَوْلَى) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِحُكُومَةٍ مُنْتَظَرَةٍ (وَاسْتِعَارَتُهُ) أَيْ الْقَاضِي (مِنْ غَيْرِهِ كَالْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّ نَافِعَ كَالْأَعْيَانِ، وَمِثْلُهُ لَوْ خَتَنَ) الْقَاضِي (وَلَدَهُ وَنَحْوَهُ فَأُهْدِيَ لَهُ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهَا لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى الرِّشْوَةِ فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ كَالْهَدِيَّةِ) عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ وَفِي الْفُنُونِ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ.
(وَإِنْ قَبِلَ) الرِّشْوَةَ أَوْ الْهَدِيَّةَ (حَيْثُ حَرُمَ الْقَبُولُ وَجَبَ رَدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا، كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) وَقِيلَ: تُؤْخَذُ لِبَيْتِ الْمَالِ لِخَبَرِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ (وَقَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ تَابَ: إنْ عَلِمَ صَاحِبُهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَإِلَّا دَفَعَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى) .
(وَتَقَدَّمَ لَوْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا) يَدْفَعُهَا لِلْحَاكِمِ، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ أَرْبَابِهَا مَضْمُونَةً.
(فَإِنْ أَهْدَى لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ (لَمْ يَجُزْ) لِلشَّافِعِ (أَخْذُهَا) لِيَشْفَعَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً أَوْ يُوصِلَ إلَيْهِ حَقَّهُ، أَوْ يُوَلِّيهِ وِلَايَةً يَسْتَحِقّهَا، أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ وَيَجُوزُ لِلْمَهْدِيِّ أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.
(وَنَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَدَّاهَا فَأُهْدِيَتْ إلَيْهِ هَدِيَّةٌ؛ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا بُنَيَّةِ الْمُكَافَأَةِ وَحُكْمُ الْهَدِيَّةِ عِنْدَ سَائِرِ
стр. 3041
الْأَمَانَاتِ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ) وَمِثْلُهُ دَفْعُ رَبِّ اللُّقَطَةِ لِوَاجِدِهَا عِنْدَ رَدِّهَا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِعَالَةِ.
(وَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ خُصُوصًا بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ فَيُحَابَى فَيَكُونُ كَالْهَدِيَّةِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَ (لَا) يُكْرَهُ (لِمُفْتٍ وَلَوْ فِي مَجْلِسِ فَتْوَاهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يُحَابَى (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْقَاضِي (أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (مِنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ) ، لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْ شَقَّ جَازَ، لِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشَهَادَةُ الْجَنَائِزِ وَزِيَارَةُ الْأَهْلِ وَالصَّالِحِينَ وَالْإِخْوَانِ وَتَوْدِيعُ الْغَازِي وَالْحَاجِّ مَا لَمْ يُشْغَلْهُ عَنْ الْحُكْم) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَقَدْ وَعَدَ الْمُشَرِّعُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا عَظِيمًا فَيَدْخُلُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ (فَإِنْ شَغَلَهُ) ذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ (فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْفَصْلِ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَمُبَاشَرَةَ الْحُكْمِ أَوْلَى (وَلَهُ حُضُورُ بَعْضِ) ذَلِكَ (دُونَ بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ لِنَفْعٍ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَلَائِمِ.
، (وَلَهُ حُضُورُ الْوَلَائِمِ) كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِحُضُورِهَا (فَإِنْ كَثُرَتْ الْوَلَائِمُ تَرَكَهَا) كُلَّهَا، (وَاعْتَذَرَ إلَيْهِمْ) وَسَأَلَهُمْ التَّحْلِيلَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ (وَلَا يُجِيبُ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَسْرٌ لِقَلْبِ مَنْ لَا يُجِيبُهُ (إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضَهَا بِعُذْرٍ يَمْنَعُهُ، مِثْل أَنْ يَكُونَ فِي إحْدَاهُمَا مُنْكَرٌ، أَوْ فِي مَكَان بَعِيدٍ أَوْ يَشْتَغِلُ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا، وَالْأُخْرَى بِخِلَافِهَا فَلَهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا لِظُهُورِ عُذْرِهِ) وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ يُكْرَهُ مُسَارَعَتُهُ إلَى غَيْرِ وَلِيمَةِ عُرْسٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ حُضُورُ غَيْرِ وَلِيمَةِ عُرْسٍ وَالْمُرَادُ غَيْرُ مَأْتَمٍ فَيُكْرَهُ وَلَوْ تَضَيَّفَ رَجُلًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَجُوزُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ عَلَى بَابِهِ الرِّفْقَ بِالْخُصُومِ وَقِلَّةَ الطَّمَعِ) تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى الْفِعْلِ الْجَمِيلِ اللَّائِقِ بِمَجَالِسِ الْحُكَّامِ وَالْقُضَاةِ، (وَيَجْتَهِدُ) الْقَاضِي (أَنْ يَكُونُوا) أَيْ الْوُكَلَاءُ وَالْأَعْوَانُ (شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ وَالصِّيَانَةِ) ، لِأَنَّ فِي ضِدِّ ذَلِكَ ضَرَرًا بِالنَّاسِ وَلِلْكُهُولِ وَالشُّيُوخِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَأْتِيهِ النِّسَاءُ وَفِي اجْتِمَاعِ الْأَشْبَابِ لَهُنَّ ضَرَرٌ.
(وَيَتَّخِذُ حَبْسًا لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَأْدِيبِ وَاسْتِيفَاءِ حَقٍّ وَاحْتِفَاظِ مِمَّنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَنَحْوُهُ وَيَتَّخِذُ أَصْحَابَ مَسَائِلَ يَتَصَرَّفُ بِهِمْ أَحْوَالَ مَنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ مِنْ الشُّهُودِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا) لِأَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولٍ (بُرَآءُ مِنْ الشَّحْنَاءِ) أَيْ الْعَدَاوَةِ (بِعَدَاءٍ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ فِي
стр. 3042
نَسَبٍ أَوْ مَذْهَبٍ) لِئَلَّا يَحْمِلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى كِتْمَانِ الْحَقِّ، (وَلَا يَسْأَلُوا) شَاهِدًا (عَدُوًّا وَلَا صَدِيقًا) ، لَهُ لِأَنَّهُ مِنْهُمَا (وَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) .
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اتِّخَاذُ كَاتِبٍ) لِأَنَّهُ ﵊ اسْتَكْتَبَ زَيْدًا وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ، (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ) الْكَاتِبُ (مُسْلِمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: ١١٨] (مُكَلَّفًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يُوثَقُ لِقَوْلِهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ (عَدْلًا) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ، (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ) الْكَاتِبُ (وَافِرَ الْعَقْلِ وَرِعًا نَزِهًا مُتَيَقِّظًا) لِئَلَّا يُخْدَعَ، (لَيِّنًا فَقِهًا حَافِظًا جَيِّدَ الْخَطِّ، لَا يُشْتَبَهُ فِيهِ سَبْعَةٌ بِتِسْعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا يُؤَدِّي إلَى اللَّبْسِ فَيُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، (صَحِيحُ بِالضَّبْطِ) لِئَلَّا يُفْسِدَ مَا يَكْتُبُهُ (حُرًّا) لِأَنَّهُ رُبَّمَا اُحْتِيجَ إلَى شَهَادَتِهِ فَيَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى قَبُولِهَا، (يُجْلِسُهُ) الْقَاضِي (بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَكْتَبَهُ) لِأَنَّهُ أَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ وَأَمْكَنُ لِإِمْلَائِهِ، وَإِنْ قَصَدَ نَاحِيَةً جَازَ لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَاضِي (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ) الْكَاتِبُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ الْقَاضِي (لِلْمُشَافَهَةِ بِمَا يُمْلِي عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَمْكَنَ الْقَاضِي تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ جَازَ) لَهُ ذَلِكَ (وَالْأَوْلَى الِاسْتِتَابَةُ) وَظَاهِرُ كَلَامِ السَّامِرِيِّ أَنَّهُ لَا يُتَّخَذُ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ (وَيَجْعَلُ) الْقَاضِي (الْقِمَطْرَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ الَّذِي تُصَانُ فِيهِ الْكُتُبُ (مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُنْزِلَ) مِنْهُ مَا يَجْتَمِعُ (مِنْ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ) ، لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْقَاضِي (أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ الْمُتَحَاكِمِينَ) ، لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمْ الْحُقُوقَ وَتَثْبُتَ بِهِمْ الْحُجَجُ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ (لَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لِيَشْهَدهُمْ النَّاسُ فَيَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ وَيَسْتَغْنِي الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ) ، لِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ.
(وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (مَنْعُ الْفُقَهَاءِ مِنْ عَقْدِ الْعُقُودِ وَكِتَابَةِ الْحِجَجِ) أَيْ الْإِشْهَادَاتِ، (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الشَّرْعِ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إذَا كَانَ الْكَاتِبُ فَقِيهًا عَالِمًا بِأُمُورِ الشَّرْعِ، وَشُرُوطُهُ) أَيْ الْعَقْدِ (مِثْلُ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ وَلِيُّهَا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ، وَيَكْتُبَ كَاتِبٌ عَقْدَهَا، أَوْ يَكْتُبَ رَجُلٌ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْكَاتِبُ مُرْتَزِقًا بِذَلِكَ وَإِذَا مَنَعَ الْقَاضِي، ذَلِكَ لِيَصِيرَ إلَيْهِ مَنَافِعُ هَذِهِ الْأُمُورِ كَانَ هَذَا مِنْ الْمَكْسِ نَظِيرَ مَنْ يَسْتَأْجِرُ حَانُوتًا مِنْ) حَاكِمِ (الْقَرْيَةِ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ غَيْرَهُ) فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْقَاضِي يُرِيدُ (مَنْعَ الْجَاهِلِينَ لِئَلَّا يَعْقِدَ) الْجَاهِلُ (عَقْدًا فَاسِدًا،
стр. 3043
فَالطَّرِيقُ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بِتَعْزِيرِ مَنْ يَعْقِدُ نِكَاحًا فَاسِدًا، كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ ﵁ فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَفِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ) .
(وَلَا يَجُوز وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ) الْقَاضِي (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا، وَيَتَحَاكَمَ هُوَ وَخَصْمُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَوْ بَعْضِ خُلَفَائِهِ، لِأَنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إلَى زَيْدٍ وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إلَى جُبَيْرٍ.
(وَ) لَا يَصِحُّ حُكْمُهُ (لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا، كَشَهَادَتِهِ لَهُ (وَلَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَأَبِيهِ وَوَلَدِهِ كَشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ، (وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ) لِزَوَالِ التُّهْمَةِ.
(وَيَجُوزُ) لِلْقَاضِي (أَنْ يَسْتَحْلِفَ وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ كَحُكْمِهِ لِغَيْرِهِ بِشَهَادَتِهِمَا) قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ تُهْمَةٌ وَلَمْ يُوجِبْ لَهُمَا بِقَبُولِ شَهَادَتِهِمَا رِيبَةً وَلَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ التَّزْكِيَةِ.
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى عَدُوِّهِ) كَشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ (وَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَدُوِّهِ وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ لِلْقَاضِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْمَحْبُوسِينَ]
فَصْلٌ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْمَحْبُوسِينَ) لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ فِيهِ فَاسْتُحِبَّتْ الْبَدَاءَةُ فِيهِمْ (فَيُنْفِذُ) أَيْ يَبْعَثُ (ثِقَةً يَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوسٍ وَمَنْ حَبَسَهُ وَفِيمَ حُبِسَ فِي) رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ (لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَالِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلِئَلَّا يَتَكَرَّرَ بِكِتَابَتِهِ فِي رُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ النَّظَرُ فِي حَالِ الْأَوَّلِ مِنْهَا فَالْأَوَّلُ بَلْ يُخْرِجُ وَاحِدًا مِنْهَا بِحَسَبِ الِاتِّفَاق) كَالْقُرْعَةِ (وَيَأْمُر مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْبَلَدِ أَنَّ الْقَاضِي يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ يَوْمَ كَذَا فَمَنْ لَهُ خَصْمٌ مِنْهُمْ فَلْيَحْضُرْ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِعْلَامِ بِيَوْمِ جُلُوسِ الْقَاضِي لَهُمْ.
وَفِي الشَّرْحِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْبَلَد بِذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (فَإِذَا حَضَرُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَنَاوَلَ) الْقَاضِي (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الرِّقَاعِ الَّتِي كَتَبَ بِهَا أَسْمَاءَهُمْ (رُقْعَةً) بِحَسَبِ الِاتِّفَاق كَمَا تَقَدَّمَ (وَقَالَ مَنْ خَصْمُ فُلَانٍ الْمَحْبُوسِ؟) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ إلَّا بِذَلِكَ (فَإِنْ حَضَرَ لَهُ خَصْمٌ بَعَثَ ثِقَةً الْحَبْسَ فَأَخْرَجَ خَصْمَهُ وَحَضَرَ مَعَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ) فَيَنْظُرُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لِذَلِكَ وَلِيَ (وَيَفْعَلُ) الْقَاضِي (ذَلِكَ فِي قَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّسِعُ زَمَانُهُ لِلنَّظَرِ فِيهِ) مِنْ الْمَحْبُوسِينَ (فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَلَا يُخْرِجُ غَيْرُهُمْ) فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ (فَإِذَا حَضَرَ الْمَحْبُوسُ وَخَصْمُهُ لَمْ يَسْأَلْ خَصْمَهُ فِيمَ
стр. 3044
حَبَسَهُ) لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا حَبَسَهُ لِحَقٍّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ (بَلْ يَسْأَلُ الْمَحْبُوسَ بِمَ حُبِسْتَ؟) .
فَإِنْ قَالَ حُبِسْتُ بِحَقٍّ أَمَرَهُ بِقَضَائِهِ إنْ طَلَبَهُ خَصْمُهُ فَإِنْ أَبَى وَلَهُ مَوْجُودٌ قَضَاهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَفِي الشَّرْحِ قَالَ لَهُ الْقَاضِي اقْضِهِ وَإِلَّا رَدَدْتُكَ إلَى الْحَبْسِ فَإِنْ ادَّعَى عَجْزًا فَقَدْ قُدِّمَ فِي أَوَّلِ الْحَجْرِ مُفَصَّلًا.
وَإِنْ أَقَامَ خَصْمُهُ بَيِّنَةً بِأَنَّ لَهُ مِلْكًا مُعَيَّنًا فَقَالَ هُوَ لِزَيْدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا هُنَاكَ (ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ حُبِسَ لِتَعَدُّلِ الْبَيِّنَةِ فَإِعَادَتْهُ) إلَى الْحَبْسِ (مَبْنِيَّةً عَلَى حَبْسِهِ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) تَفْصِيلُ ذَلِكَ (وَيَقْبَلُ قَوْلَ خَصْمِهِ فِي أَنَّهُ حَبَسَهُ بَعْدَ تَكْمِيلِ بَيِّنَتِهِ وَتَعْدِيلِهَا) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ.
(وَإِنْ) كَانَ (حُبِسَ بِقِيمَةِ كَلْبٍ) وَلَوْ مُعَلَّمًا لِصَيْدٍ (أَوْ خَمْرِ ذِمِّيٍّ وَصَدَّقَهُ غَرِيمُهُ) عَلَى ذَلِكَ (خَلَّى) سَبِيلَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَمَوِّلٍ فَلَا غُرْمَ فِيهِ (وَإِنْ أَكْذَبَهُ) خَصْمُهُ (وَقَالَ بَلْ حُبِسْتَ بِحَقٍّ وَاجِبٍ غَيْرِ هَذَا فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) أَيْ خَصْمِ الْمَحْبُوسِ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ حَبْسُهُ بِحَقٍّ) وَاجِبٍ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ) كَانَ (حُبِسَ فِي تُهْمَةٍ أَوْ افْتِيَاتٍ عَلَى الْقَاضِي قَبِلَهُ أَوْ) فِي (تَعْزِيرٍ خَلَّى) الْقَاضِي (سَبِيلَهُ) إنْ رَآهُ (أَوْ أَبْقَاهُ) فِي الْحَبْسِ (بِقَدْرِ مَا يَرَى) إبْقَاءَهُ فِيهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْمٌ فَقَالَ حُبِسْتُ ظُلْمًا وَلَا حَقَّ عَلَيَّ وَلَا خَصْمَ لِي نَادَى) أَيْ أَمَرَ مَنْ يُنَادِي بِذَلِكَ فِي الْبَلَدِ وَيُكْرَهُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا غَرِيمَ لَهُ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ عُرْفًا.
وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ وَمَنْ تَبِعَهُ ثَلَاثًا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَوْ كَانَ غَرِيمٌ لَظَهَرَ فِي الثَّلَاثَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: إنَّ الْمَعْنَى فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ (فَإِنْ حَضَرَ لَهُ خَصْمٌ) نَظَرَ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَصْمٌ (أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ) لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ خَصْمٌ لَظَهَرَ (وَمَعَ غَيْبَةِ خَصْمِهِ يَبْعَثُ إلَيْهِ) لِيَحْضُرَ فَيَنْظُرَ بَيْنَهُمَا (وَمَعَ جَهْلِهِ) أَيْ الْخَصْمِ (أَوْ تَأَخُّرِهِ بِلَا عُذْرٍ يُخَلِّي) سَبِيلَهُ (وَالْأَوْلَى) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ (بِكَفِيلٍ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ حَبْسُهُ بِحَقٍّ.
(وَيَنْظُرُ) الْقَاضِي (فِي مَالِ الْغَائِبِ) وَتَقَدَّمَ فِيمَا تُفِيدُهُ الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ (وَإِطْلَاقُهُ) أَيْ الْقَاضِي (الْمَحْبُوسَ مِنْ الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ) بِأَنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ الْحَبْسِ حُكْمُهُ (وَإِذْنُهُ) فِي شَيْءٍ.
(وَلَوْ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ وَنَفَقَةٍ فَيَرْجِعُ) الْقَاضِي لِلْمَدِينِ أَوْ الْمُنْفِقِ حُكْمُهُ (وَ) إذْنُهُ فِي (وَضْعِ مِيزَابٍ وَ) فِي (بِنَاءٍ وَغَيْرِهِ) كَإِخْرَاجِ جَنَاحٍ أَوْ سَابَاطٍ فِي دَرْبٍ نَافِذٍ حُكْمُ (الضَّمَانِ) لِمَا يَتْلَفُ مِنْ ذَلِكَ.
(وَأَمْرُهُ بِإِرَاقَةِ نَبِيذٍ) حُكْمٌ (وَقُرْعَتُهُ) فِي أَيْ مَوْضِعٍ شُرِعَتْ فِيهِ (حُكِمَ بِرَفْعِ الْخِلَافِ إنْ كَانَ) فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ لِصُدُورِهِ عَنْ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْحُكْمِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ لِتَعَذُّرِ
стр. 3045
النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا: الْحَاكِمُ لَيْسَ هُوَ الْفَاسِخُ وَإِنَّمَا يَأْذَنُ أَوْ يَحْكُمُ بِهِ فَمَتَى أَذِنَ أَوْ حَكَمَ لِأَحَدٍ بِاسْتِحْقَاقِ عَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ لَمْ يَحْتَجْ بَعْد ذَلِكَ إلَى حُكْمٍ بِصِحَّتِهِ بِلَا نِزَاعٍ لَكِنْ لَوْ عَقَدَ هُوَ أَوْ فَسَخَ فَهُوَ فِعْلُهُ وَهَلْ فِعْلُهُ حُكْمٌ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ.
(وَفُتْيَاهُ لَيْسَتْ حُكْمًا مِنْهُ فَلَوْ حَكَمَ غَيْرُهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِغَيْرِ مَا أَفْتَى بِهِ لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ (نَقْضًا لِحُكْمِهِ وَلَا هِيَ) أَيْ فُتْيَا الْقَاضِي (كَالْحُكْمِ) إذْ لَا إلْزَامَ فِي الْفُتْيَا (وَلِهَذَا يَجُوزُ) لِلْقَاضِي (أَنْ يُفْتِيَ الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ) بِخِلَافِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ.
(وَ) لِكَوْنِ فُتْيَاهُ لَيْسَتْ حُكْمًا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ (مَنْ يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ) حُكْمُهُ لَهُ كَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَزَوْجَتِهِ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَإِقْرَارُهُ) أَيْ الْقَاضِي غَيْرُهُ (عَلَى فِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ) كَتَزْوِيجٍ بِلَا وَلِيٍّ فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ بَلَغَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ (لَيْسَ حُكْمًا بِهِ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ هُوَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ وَلَيْسَ حُكْمًا بِهِ (وَفِعْلُهُ) أَيْ الْقَاضِي الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ وَيَسْتَفِيدُهُ بِطَرِيقِ وِلَايَةِ الْحُكْمِ (حُكْمٌ كَتَزْوِيجِ يَتِيمَةٍ) بِلَا وَلِيٍّ لَهَا بِإِذْنِهَا إذَا تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ (وَشِرَاءُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ) بِالصِّفَةِ لِيَفِيَ بِهَا دَيْنَ مُفْلِسٍ وَنَحْوِهِ (وَعَقْدُ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ) وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ فِي بَيْعِ مَا فُتِحَ عَنْوَةً إنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا صَحَّ، لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَفِيهِ أَيْضًا لَا شُفْعَةَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِبَيْعِهَا حَاكِمٌ أَوْ يَفْعَلَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَفِيهِ أَيْضًا إنْ تَرَكَهَا بِلَا قِسْمَةٍ وَقَفَ لَهَا وَإِنَّمَا فَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ انْتَهَى بِخِلَافِ فِعْلٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ بِوِلَايَةِ حُكْمٍ كَبَيْعِ عَقَارِ نَفْسِهِ لِغَائِبٍ أَوْ لِيَتِيمٍ هُوَ وَصِيُّهُ أَوْ وَكَالَةٍ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ عَنْ ابْنِ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ (وَتَقَدَّمَ آخِرُ الصَّدَاقِ أَنَّ ثُبُوتَ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ كَتَقْرِيرِ أُجْرَةِ مِثْلٍ وَ) تَقْرِيرِ (نَفَقَةٍ وَنَحْوِهِ) كَتَقْرِيرِ صَدَاقِ الْمِثْلِ وَمَسْكَنِ مِثْلٍ وَكِسْوَةِ مِثْلٍ (حُكْمٌ) فَلَا يُغَيِّرُهُ حَاكِمٌ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ.
(وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ قَرِيبًا) وَهِيَ قَوْلُهُ فَدَلَّ أَنَّ إثْبَاتَ صِفَةٍ كَعَدَالَةٍ وَجَرْحٍ إلَخْ (قَالَ الشَّيْخُ الْقَضَاءُ نَوْعَانِ إخْبَارٌ وَهُوَ إظْهَارٌ وَ) الثَّانِي (إبْدَاءٌ وَأَمْرٌ وَهُوَ إنْشَاءٌ فَالْخَبَرُ يَدْخُلُ فِيهِ خَبَرُهُ عَنْ حُكْمِهِ وَعَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَعَنْ الْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ وَالْآخَرُ) الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاءُ (هُوَ حَقِيقَةُ الْحُكْمِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ وَيَحْصُلُ) الْحُكْمُ (بِقَوْلِهِ أَعْطِهِ وَلَا تُكَلِّمْهُ وَالْزَمْهُ وَ) يَحْصُلُ أَيْضًا (بِقَوْلِهِ حَكَمْتُ وَأَلْزَمْتُ) قُلْتُ وَكُلُّ مَا أَدَّى هَذَا الْمَعْنَى.
(وَحُكْمُهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِشَيْءٍ حُكْمٌ يُلَازِمُهُ) فَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ بَيْعِ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنَ بِمَالِهِ كَانَ حُكْمًا بِإِبْطَالِ الْعِتْقِ السَّابِقِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ بُطْلَانُ الْعِتْقِ
стр. 3046
(ذَكَره الْأَصْحَابُ فِي أَحْكَامِ الْمَفْقُودِ) .
قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: فِي إعَادَةِ فَاسِقٍ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ رَدَّهُ لَهَا حُكْمٌ بِالرَّدِّ فَقَبُولُهَا نَقْضٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ صَبِيٍّ وَعَبْدٍ لِإِلْغَاءِ قَوْلِهِمَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رَدِّ عَبْدٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ مَضَى وَالْمُخَالَفَةُ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ نَقْضٌ مَعَ الْعِلْمِ.
(وَثُبُوتُ شَيْءٍ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي (لَيْسَ حُكْمًا بِهِ) سِوَى إثْبَاتِ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ كَتَقْرِيرِ أُجْرَةِ مِثْلٍ.
(وَتَنْفِيذُ الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمُنَفَّذِ.
وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ شَارِحِ الْمُحَرَّرِ وَالشَّارِحُ الْكَبِيرُ (وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ عَمَلٌ بِالْحُكْمِ وَإِجَازَةٌ لَهُ وَإِمْضَاءٌ لِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ بِالْمَحْكُومِ بِهِ إذْ الْحُكْمُ بِالْمَحْكُومِ بِهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ انْتَهَى وَمَعْنَى التَّنْفِيذِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ الْخَصْمِ مُنَازَعَةٌ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ وَيَرْفَعُ إلَيْهِ حُكْمَ الْأَوَّل فَيُمْضِيهِ وَيُنَفِّذُهُ وَلَزِمَهُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَأَمَّا التَّنْفِيذُ الْمُتَعَارَفُ الْآنَ الْمُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فَمَعْنَاهُ إحَاطَةُ الْقَاضِي الثَّانِي عِلْمًا بِحُكْمِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَرَضٍ عِنْدَهُ وَيُسَمَّى اتِّصَالًا، وَيَجُوزُ بِذِكْرِ الثُّبُوتِ وَالتَّنْفِيذِ فِيهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْغَرْسِ الْحَنَفِيِّ.
(وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ قَطْعًا) لِأَنَّ الصِّحَّةَ فَرْعُ ذَلِكَ.
(وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (حُكْمٌ بِمُوجَبِ الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) أَيْ بِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ بِذَلِكَ لِأَنَّ مُوجَبَ الشَّيْءِ هُوَ أَثَرُهُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ (فَالدَّعْوَى الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى بِهِ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ) لِأَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ مُوجَبِهِ إذْنٌ (وَ) الدَّعْوَى (غَيْرُ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ (الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَيْسَ حُكْمًا بِهَا) أَيْ بِالصِّحَّةِ.
(قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) قَالَ الْغَزِّيِّ فِي شَرْحِ نَظْمِهِ الْعُمْدَةِ: الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ إذَا كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى وَأَعَمَّ لِوُجُودِ الْإِلْزَامِيَّةِ فِيهِ وَتَضَمُّنُهُ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَمَا إذَا شَهِدَ عِنْدَ الشُّهُودِ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ وَذَكَرُوا الْمَصْرِفَ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ عِنْدَهُ فَحُكِمَ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ قَالَ السُّبْكِيّ لَكِنَّهُ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ (وَقَالَ السُّبْكِيّ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَتَبِعَهُ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (ابْنُ قُنْدُسٍ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَسْتَدْعِي صِحَّةَ الصِّيغَةِ وَأَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَيَزِيدُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَوْنَ تَصَرُّفِهِ فِي مَحِلِّهِ.
وَقَالَ السُّبْكِيّ أَيْضًا الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ هُوَ الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِبُهُ اللَّفْظُ وَ) الْحُكْمُ (بِالصِّحَّةِ كَوْنُ اللَّفْظِ
стр. 3047
بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَحْكُمُ بِالصِّحَّةِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَقِيلَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ بِهِ.
(وَالْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ) كَالنُّكُولِ (فَالْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُوجَبُهُ.
(وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ لَا يَشْمَلُ الْفَسَادَ انْتَهَى) وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرَ السُّبْكِيّ أَيْضًا قَوْلَ مَنْ قَالَ مُوجَبُهُ يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ الصَّحِيحَ يُوجِبُ حُكْمًا، وَاللَّفْظَ الْفَاسِدَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا قَالَ فِي التَّنْقِيحِ بَعْدَ مَا سَبَقَ (وَالْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالُوا) أَيْ الْأَصْحَابُ.
(الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ) فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَا يَرَاهُ نَقْضُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مُوجَبٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُوجَبَ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ يَقْتَضِي عَقْدَهُ لَا حُكْمَ بِالْعَقْدِ وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَذَكَرَ الْغَزِّيِّ فُرُوقًا بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ مِنْهَا مَا سَبَقَ وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ صَحِيحًا بِالِاتِّفَاقِ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي مُوجَبِهِ.
فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الَّذِي حَكَمَ بِالصِّحَّةِ وَلَوْ حَكَمَ الْأَوَّلُ فِيهِ بِالْمُوجَبِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ عَلَى الثَّانِي مِثَالُهُ التَّدْبِيرُ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي مَنْعِهِ الْبَيْعَ خِلَافٌ فَإِذَا حَكَمَ بِصِحَّةِ التَّدْبِيرِ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ بَيْعِهِ لِمَنْ يَرَاهُ وَإِنْ حَكَمَ بِمُوجَبِهِ مَنْ لَا يَرَى بَيْعَهُ مَنَعَ الْبَيْعَ وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ دَعْوَى كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا إلْزَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْإِلْزَامِ هُوَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ وَلَا يَكُونُ بِالصِّحَّةِ لَكِنْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ إقْرَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَمِنْهَا بِالْحُكْمِ عَلَى الزَّانِي وَالسَّارِقِ بِمُوجَبِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ لَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَمِنْهَا أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَلَا فَسْخُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ حُكِمَ بِمُوجَبِهِ وَالْإِلْزَامُ بِمُقْتَضَاهُ امْتَنَعَ التَّمْكِينُ مِنْ الْفَسْخِ انْتَهَى.
وَقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ الشَّافِعِيُّ وُرَيْقَاتٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَأَوْرَدَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْفَتُوحِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمُنْتَهَى وَهِيَ نَافِعَةٌ جَيِّدَةٌ مُوضِحَةٌ لِمَا سَبَقَ.
стр. 3048
[فَصْلٌ يَنْظُرُ الْقَاضِي وُجُوبًا فِي أَمْرِ يَتَامَى وَمَجَانِينَ]
(فَصْلٌ ثُمَّ يَنْظُرُ) الْقَاضِي (وُجُوبًا فِي أَمْرِ يَتَامَى وَمَجَانِينَ وَوُقُوفٍ) عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ (وَوَصَايَا لَا وَلِيَّ لَهُمْ وَلَا نَاظِرَ) لِأَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا قَوْلَ لَهُمَا وَأَرْبَابُ الْوُقُوفِ وَالْوَصَايَا غَيْرُ الْمُعَيَّنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ لَا يَتَعَيَّنُونَ.
(وَلَوْ نَفَّذَ) الْقَاضِي (الْأَوَّلُ وَصِيَّةَ مُوصَى إلَيْهِ أَمْضَاهَا) الْقَاضِي (الثَّانِي) وَلَمْ يَعْزِلْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعْرِفَةُ أَهْلِيَّتِهِ (فَدَلَّ) ذَلِكَ (أَنْ إثْبَاتَ صِفَةٍ كَعَدَالَةٍ وَجَرْحٍ وَأَهْلِيَّةِ مُوصَى إلَيْهِ وَغَيْرِهَا حُكْمٌ يَقْبَلُهُ حَاكِمٌ آخَرُ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْضَاؤُهُ وَتَنْفِيذُهُ (لَكِنْ يُرَاعِيهِ) أَيْ يُرَاعِي الْقَاضِي الْمُوصَى إلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ، فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ.
(فَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ) أَيْ الْمُوصَى إلَيْهِ وَمِثْلُهُ النَّاظِرُ بِشَرْطٍ (بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ أَضَافَ إلَيْهِ أَمِينًا) قَوِيًّا يُعِينُهُ لِيَحْصُلَ مَقْصُودَ الْوَصِيَّةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْقَاضِي (الْأَوَّلُ مَا نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ نَظَرَ) الثَّانِي (فِيهِ) أَيْ فِي الْمُوصَى إلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا) أَمِينًا (أَقَرَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا ضَعِيفًا ضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يُعِينُهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا عَزَلَهُ وَأَقَامَ غَيْرَهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ ثُمَّ قَالَ، وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْظُرُ عَلَيْهِ انْتَهَى وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ هُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَرَّفَ أَوْ فَرَّقَ لِلْوَصِيَّةِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْوَصِيَّةِ نَفَّذَ تَصَرُّفَهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِأَهْلٍ وَالْمُوصَى إلَيْهِمْ بَالِغِينَ عَاقِلِينَ مُعَيَّنِينَ صَحَّ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ قَبَضُوا حُقُوقَهُمْ.
(وَيَنْظُرُ) الْقَاضِي الثَّانِي (فِي أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ) قَبْلَهُ (وَهُمْ مَنْ رَدَّ إلَيْهِ الْحَاكِمُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ وَتَفْرِقَةِ الْوَصَايَا الَّتِي لَمْ يُعَيَّنْ لَهَا وَصِيٌّ) مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي (فَإِنْ كَانُوا بِحَالِهِمْ) مِنْ الْأَهْلِيَّةِ (أَقَرَّهُمْ) عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَبْلَهُ وَلَّاهُمْ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَنْعَزِلُونَ بِعَزْلِ الْقَاضِي وَلَا بِمَوْتِهِ بِخِلَافِ خُلَفَائِهِ فِي الْحُكْمِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ مَا يَلْحَقُ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ بِعَزْلِهِمْ بِإِضَاعَةِ حُقُوقِ الْأَيْتَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَلِذَلِكَ ذَكَرُوا فِي الْوَقْفِ لَوْ فَوَّضَ قَاضٍ النَّظَرَ لِوَاحِدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضِهِ وَعَلَّلَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى مِنْ عِنْدِهِ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُمْ - أَيْ الْأَصْحَابَ - نَزَّلُوا تَفْوِيضَهُ مَنْزِلَةَ حُكْمِهِ فَكَذَلِكَ يُقَالُ هُنَا.
(وَمَنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ) مِمَّنْ نَصَبَ وَصِيًّا (عَزَلَهُ إنْ فَسَقَ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ (وَإِنْ ضَعُفَ) مَعَ عَدَالَتِهِ (ضَمَّ إلَيْهِ أَمِينًا) لِيَقْوَى عَلَى
стр. 3049
التَّصَرُّفِ.
(ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الضَّوَالِّ وَاللُّقَطِ الَّتِي يَتَوَلَّى الْحَاكِمُ حِفْظَهَا) لِئَلَّا تَضِيعَ (فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُخَافُ تَلَفُهُ كَالْحَيَوَانِ أَوْ) كَانَ (فِي حِفْظِهَا مُؤْنَةٌ بَاعَهَا وَحَفِظَ ثَمَنَهَا لِأَرْبَابِهَا) لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهُمْ (وَإِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا حَفِظَهَا لِأَرْبَابِهَا وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا) لُقَطَةً أَوْ نَحْوَهُ (لِتُعْرَفَ) وَلَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا (ثُمَّ يَنْظُرُ فِي حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ إنْ شَاءَ وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّ الظَّاهِر صِحَّةُ قَضَايَا مَنْ قَبْلَهُ.
(فَإِنْ كَانَ) مَنْ قَبْلَهُ (مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ أَحْكَامِهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَيُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ أَصْلًا (إلَّا مَا يُخَالِفُ نَصَّ كِتَابِ) اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) نَصَّ (سُنَّةِ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ آحَادٍ كَقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ وَلَوْ مُلْتَزِمًا فَيَلْزَمُ نَقْضُهُ نَصًّا وَ) .
كَذَا (جَعْلَ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ) لِفَلَسٍ (أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فَيُنْقَضُ نَصًّا) لِأَنَّهُ قَضَاءٌ لَمْ يُصَادِفْ شَرْطَهُ فَوَجَبَ نَقْضُهُ كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ لِأَنَّ شَرْطَ الِاجْتِهَادِ عَدَمُ مُخَالِفَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ بِدَلِيلِ خَبَر مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَلِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ.
(وَلَوْ زَوَّجَتْ) الْمَرْأَةُ (نَفْسَهَا) وَحَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ (لَمْ يُنْقَضْ) حُكْمُهُ لِاخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي صِحَّتِهِ (أَوْ خَالَفَ مَا) حُكِمَ بِهِ (إجْمَاعًا قَطْعِيًّا) فَيُنْقَضُ لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهِ شَرْطِهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَ (لَا) يُنْقَضُ مَا خَالَفَ إجْمَاعًا (ظَنِّيًّا وَيُنْقَضُ حُكْمُهُ بِمَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ) إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا بِخِلَافِ الْمُقَلِّدِ وَتَقَدَّمَ (وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ إجْمَاعًا وَيَأْثَمُ وَيَعْصَى بِذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] .
(وَلَوْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لَمْ يُنْقَضْ وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا إجْمَاعًا) وَيَأْتِي فِي أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ أَنَّهُ ﷺ : «قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْمَالِ» (وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ بِعَدَمِ عِلْمِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِ) لِلْإِمَامِ (مَالِكٍ) لِأَنَّ عِلْمَهُ بِالْخِلَافِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلَا بُطْلَانِهِ حَيْثُ وَافَقَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ.
(وَلَا) يُنْقَضُ حُكْمُهُ أَيْضًا (لِمُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ وَلَوْ) كَانَ الْقِيَاسُ (جَلِيًّا) لِأَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ (وَحَيْثُ قُلْنَا بِنَقْضِ) الْحُكْمِ (فَالنَّاقِضُ لَهُ حَاكِمُهُ إنْ كَانَ) مَوْجُودًا (فَيَثْبُتُ السَّبَبُ) الْمُقْتَضَى عِنْدَهُ (وَيَنْقُضُهُ) حَاكِمُهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْغَزِّيِّ: إذَا قَضَى بِخِلَافِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ هَذَا بَاطِلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقُضَاةِ نَقْضُهُ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ انْتَهَى قُلْتُ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ النَّاقِضَ لَهُ حَاكِمُهُ إنْ كَانَ لَا يَتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا حَكَمَ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ أَوْ بِجَعْلِ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مُفْلِسٍ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ يَرَاهُ وَإِنَّمَا يَنْقُضُهُ مَنْ
стр. 3050
لَا يَرَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فَيَثْبُتُ السَّبَبُ وَيَنْقُضُهُ (وَلَا يُعْتَبَرُ لِنَقْضِهِ طَلَبُ رَبِّ الْحَقِّ) نَقْضِهِ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ فِيهِ لِمُعَيَّنٍ لِأَنَّ نَقْضَهُ حَقُّ لِلَّهِ (وَيَنْقُضُهُ) أَيْ يَنْقُضُ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ.
(إذَا بَانَتْ الْبَيِّنَةُ عَبِيدًا أَوْ نَحْوَهُمْ) كَمَا لَوْ كَانُوا أَبْنَاءَ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ مِنْ أُصُولِهِ (إنْ لَمْ يَرَ) الْحَاكِمُ (الْحُكْمَ بِهَا، وَفِي الْمُحَرَّرِ لَهُ نَقْضُهُ) وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَانِعِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ وَاجِبًا فَلَا خِلَافَ.
(قَالَ وَكَذَا كُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ صَادَفَ مَا حَكَمَ فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ) الْقَاضِي ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَثْبُتُ السَّبَبُ وَيَنْقُضُهُ كَعَدَاوَةِ الْبَيِّنَةِ وَعُصْبَتِهِمْ وَكَوْنِ الْمَبِيعِ مَنْذُورًا عِتْقُهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ وَنَحْوِهِ (قَالَ السَّامِرِيُّ لَوْ حَكَمَ بِجَهْلٍ نُقِضَ حُكْمُهُ) لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْقَاضِي (مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ) لِلْقَضَاءِ (لِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ نُقِضَ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا) وَلَوْ وَافَقَتْ الصَّوَابَ لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَضَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ لِفَقْدِ شَرْطِ الْقَضَاءِ فِيهِ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّيْخُ وَجَمْعٌ لَا يُنْقَضُ الصَّوَابُ مِنْهَا) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ (وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ مُدَّةٍ) ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
[فَصْلٌ إذَا تَخَاصَمَ اثْنَانِ]
(إذَا تَخَاصَمَ اثْنَانِ فَدَعَا أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ) فِي الْحُضُورِ مَعَهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ (فَإِنْ اسْتَعْدَى الْحَاكِمَ أَحَدٌ عَلَى خَصْمِهِ) أَيْ طَلَبَ مِنْهُ إحْضَارَهُ (فِي الْبَلَدِ بِمَا يَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ لَزِمَهُ) أَيْ الْحَاكِمَ (إحْضَارُهُ وَلَوْ لَمْ يُحَرِّرْ الدَّعْوَى) لِأَنَّ ضَرَرَ فَوَاتِ الْحَقِّ أَعْظَمُ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَقَدْ حَضَرَ عُمَرُ وَأُبَيٌّ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَحَضَرَ عُمَرُ وَآخَرُ عِنْدَ شُرَيْحٍ، وَسَوَاءٌ (عَلِمَ) الْقَاضِي (أَنَّ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُسْتَعْدِي وَالْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ (مُعَامَلَةً أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) ذَلِكَ.
(وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعْدِي مِمَّنْ يُعَامِلُ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ، أَوْ لَا يُعَامِلُهُ كَالْفَقِيرِ يَدَّعِي عَلَى ذِي ثَرْوَةٍ وَهَيْبَةٍ فَيَبْعَثُ مَعَهُ عَوْنًا يُحْضِرُهُ وَإِنْ شَاءَ) الْقَاضِي (بَعَثَ مَعَهُ) أَيْ الْمُسْتَعْدَى (قِطْعَةً مِنْ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ أَوْ فِي كَاغَدٍ وَنَحْوِهِ فَإِذَا بَلَغَهُ لَزِمَهُ الْحُضُورُ) إلَى مَجْلِسِ الشَّرْعِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ (وَإِنْ شَاءَ) الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ (وَكَّلَ)
следующие страницы →