Полный текст (3 210 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
رَمَضَانَ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِهَا التَّرَاوِيحَ وَيَخْتِمُ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَيَدْعُو) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ رَأَى أَهْلَ مَكَّةَ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ أَدْرَكْت النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ يَفْعَلُونَهُ وَبِمَكَّةَ وَذَكَرَ عُثْمَانَ (بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ) وَهُوَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِالْقُرْآنِ وَاجْعَلْهُ لِي إمَامًا وَنُورًا وَهُدًى وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ ذَكِّرْنِي مِنْهُ مَا نُسِّيت وَعَلِّمْنِي مِنْهُ مَا جَهِلْت وَارْزُقْنِي تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاجْعَلْهُ لِي حُجَّةً يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمُظَفَّرُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَأَبُو بَكْرٍ الضَّحَّاكُ فِي الشَّمَائِلِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَدِيثٌ مُعْضَلٌ وَقَالَ لَا أَعْلَمُ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ حَدِيثٌ غَيْرُهُ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا قَالَهُ بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ بَلْ نَقَلُوا عَنْ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْإِمَامَ: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ بِمَا شِئْت، لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: قَدْ تَسَاهَلَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي قَبُولِ مَا وَرَدَ مِنْ الدَّعَوَاتِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي رُوَاتِهِ مَنْ يُعْرَفُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَالْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى فَلِذَلِكَ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الدُّعَاءَ بِالْمَأْثُورِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً إلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) إذَا دَعَا لِمَا سَبَقَ (وَيُطِيلُ) الْقِيَامَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ (وَيَعِظُ بَعْدَ الْخَتْمِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَقِيلَ لَهُ:) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (يَخْتِمُ فِي الْوِتْرِ وَيَدْعُو؟ فَسَهَّلَ فِيهِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: لَا بَأْسَ بِهِ) وَقِرَاءَةُ الْأَنْعَامِ فِي رَكْعَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ بِدْعَةٌ إجْمَاعًا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[فَصْلٌ حِفْظُ الْقُرْآنِ]
فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ حِفْظُ الْقُرْآنِ إجْمَاعًا وَحِفْظُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةُ لَمْ يُعْطُوا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ وَهِيَ حَرِيصَةٌ عَلَى اسْتِمَاعِهِ مِنْ الْإِنْسِ انْتَهَى قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ النَّازِلُ بِالْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] أَيْ تَتْلُو الْقُرْآنَ انْتَهَى قُلْت يُحْتَمَلُ
стр. 422
أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ الصَّلَاحِ الْمَلَائِكَةَ غَيْرَ جِبْرِيلَ أَوْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نُزُولِهِ بِهِ بَقَاءُ حِفْظِهِ لَهُ جُمْلَةً لَكِنْ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ مُدَارَسَتِهِ ﷺ إيَّاهُ الْقُرْآنَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ يُلْهِمُهُ إلْهَامًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى تَبْلِيغِهِ وَأَمَّا تِلَاوَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا حِفْظُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «يَقُولُ الرَّبُّ : مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
لَكِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْمَأْثُورِ مِنْ الذِّكْرِ فِي مَحَلِّهِ كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ (وَ) الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ الصُّحُفِ (وَبَعْضُهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ) إمَّا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْفَاتِحَةُ، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، (وَيَجِبُ) أَنْ يَحْفَظَ (مِنْهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (مَا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً عَلَى مُقَابِلِهِ (وَيَبْدَأُ الصَّبِيُّ وَلِيَّهُ بِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ، فَيَقْرَأُهُ كُلَّهُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ أَوَّلًا تَعَوَّدَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ لَزِمَهَا (إلَّا أَنْ يَعْسُرَ) عَلَيْهِ حِفْظُهُ كُلِّهِ، فَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (وَالْمُكَلَّفُ يُقَدِّمُ الْعِلْمَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ (كَمَا يُقَدِّمُ الْكَبِيرُ تَعَلُّمَ نَفْلِ الْعِلْمِ عَلَى نَفْلِ الْقِرَاءَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ) فِيمَا سَبَقَ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ.
(وَيُسَنُّ خَتْمُهُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ كَانَ أَبِي يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي النَّهَارِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا، لَا يَكَادُ يَتْرُكُهُ نَظَّرَا أَيْ فِي الْمُصْحَفِ وَذَلِكَ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَإِنْ قَرَأَهُ) أَيْ الْقُرْآنَ (فِي ثَلَاثٍ فَحَسَنٌ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي قُوَّةً قَالَ اقْرَأْهُ فِي ثَلَاثٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْخَتْمِ (فِيمَا دُونَهَا) أَيْ الثَّلَاثِ (أَحْيَانًا وَفِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ، كَرَمَضَانَ، خُصُوصًا اللَّيَالِي اللَّاتِي تُطْلَبُ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) كَأَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْهُ (وَ) فِي (الْأَمَاكِنِ الْفَاضِلَةِ كَمَكَّةَ لِمَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا فَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، اغْتِنَامًا لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ)
стр. 423
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالنَّشَاطِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فَمَنْ وَجَدَ نَشَاطًا فِي خَتْمِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي لَيْلَةٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ.
(وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ بِلَا عُذْرٍ) قَالَ أَحْمَدُ أَكْثَرُ مَا سَمِعْت أَنْ يُخْتَمَ الْقُرْآنُ فِي أَرْبَعِينَ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى نِسْيَانِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ (وَيَحْرُمُ) تَأْخِيرُ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ (إنْ خَافَ نِسْيَانَهُ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مَا أَشَدُّ مَا جَاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ) .
(وَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ) قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (التَّعَوُّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] (وَ) يُسْتَحَبُّ (حَمْدُ اللَّهِ) تَعَالَى (عِنْدَ قَطْعِهَا) أَيْ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ (عَلَى تَوْفِيقِهِ وَنِعْمَتِهِ) عَلَيْهِ بِجَعْلِهِ مِنْ آلِ الْقُرْآنِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (سُؤَالُ الثَّبَاتِ) عَلَيْهَا (وَ) يَقْصِدُ (الْإِخْلَاصَ) فِي الْقِرَاءَةِ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ (فَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ (قَطْعَ تَرْكٍ وَإِهْمَالٍ أَعَادَ التَّعَوُّذَ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا) أَيْ أَرَادَ الْعَوْدَ إلَى الْقِرَاءَةِ (وَإِنْ قَطَعَهَا لِعُذْرٍ عَازِمًا عَلَى إتْمَامِهَا إذَا زَالَ) الْعُذْرُ (كَتَنَاوُلِ شَيْءٍ أَوْ إعْطَائِهِ أَوْ أَجَابَ سَائِلًا) أَوْ عَطَسَ وَنَحْوِهِ (كَفَاهُ التَّعَوُّذُ الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ فِي الْآدَابِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا ثُمَّ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ، فَلَا تَسْقُطُ بِتَرْكِهَا إذَنْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى فَرَغَ سَقَطَتْ (وَيَخْتِمُ فِي الشِّتَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ) لِطُولِهِ.
(وَفِي الصَّيْفِ أَوَّلَ النَّهَارِ) لِطُولِهِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَكَانَ يُعْجِبُ أَحْمَدَ لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْخَيْرِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَسْتَحِبُّونَ الْخَتْمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ، يَقُولُونَ إذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ: صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ: صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (وَيَجْمَعُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عِنْدَ خَتْمِهِ) رَجَاءَ عَوْدِ نَفْعِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ إلَيْهِمْ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ رَجُلًا يُرَاقِبُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ أَعْلَمَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَيَشْهَدُ ذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ كَانَ أَنَسٌ إذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَدَعَا وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ الْخَتْمَةِ أَنْ يَشْرَعَ فِي أُخْرَى لِحَدِيثِ أَنَسٍ «خَيْرُ الْأَعْمَالِ الْحِلُّ وَالرِّحْلَةُ» قِيلَ وَمَا هُمَا؟ قَالَ افْتِتَاحُ الْقُرْآنِ وَخَتْمُهُ (وَيَدْعُو)
стр. 424
عَقِبَ الْخَتْمِ (نَصًّا) لِفِعْلِ أَنَسٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُكَبِّرَ فَقَطْ) فَلَا يُسْتَحَبُّ التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ (لِخَتْمِهِ آخِرَ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ آخِرِ الضُّحَى) إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ بِإِسْنَادِهِ (وَيُكَرِّرُ سُورَةَ الصَّمَدِ، وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَخَمْسًا) أَيْ خَمْسَ آيَاتٍ (مِنْ) أَوَّلِ (الْبَقَرَةِ عَقِبَ الْخَتْمِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ فِيهِ أَثَرٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلُهَا وَإِعْرَابُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] (وَالْمُرَادُ الِاجْتِهَادُ عَلَى حِفْظِ إعْرَابِهَا، لَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ عَمْدًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ لِتَغْيِيرِهِ الْقُرْآنَ، ذَكَرَهُ) الشَّمْسُ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ (فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَالتَّفَهُّمُ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّدَبُّرُ بِالْقَلْبِ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ إدْرَاجِهِ) أَيْ الْقُرْآنِ (كَثِيرًا بِغَيْرِ تَفَهُّمٍ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] (وَيُمَكِّنُ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] .
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يُحَسِّنُ الْقَارِئُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، وَيَقْرَؤُهُ بِحُزْنٍ وَتَدَبُّرٍ) «لِقَوْلِ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ ﷺ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّك تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَك تَحْبِيرًا» وَعَلَى كُلٍّ فَتَحْسِينُ الصَّوْتِ وَالتَّرَنُّمُ مُسْتَحَبٌّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى زِيَادَةِ حَرْفٍ فِيهِ، أَوْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ.
وَمِنْ الْآدَابِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو مُوسَى لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ لَمْ يَبْكِ فَلْيَتَبَاكَ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ عِنْدَ آيَةِ الرَّحْمَةِ وَيَتَعَوَّذَ عِنْدَ آيَةِ الْعَذَابِ وَلَا يَقْطَعُهَا لِحَدِيثِ النَّاسِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ وَأَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْعُدُولِ الصَّالِحِينَ الْعَارِفِينَ بِمَعْنَاهَا وَأَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إذَا قَرَأَ قَاعِدًا، وَيَتَحَرَّى أَنْ يَعْرِضَهُ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ وَيَفْصِلُ كُلَّ سُورَةٍ مِمَّا قَبْلَهَا بِالْوَقْفِ أَوْ التَّسْمِيَةِ وَيَتْرُكُ الْمُبَاهَاةَ، وَأَنْ لَا يَطْلُبَ بِهِ الدُّنْيَا بَلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَقَنَاعَةٍ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، زَادَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى وَغَيْرُهُ وَأَنْ لَا يَجْهَرَ بَيْنَ مُصَلِّينَ أَوْ نِيَامٍ أَوْ تَالِينَ جَهْرًا يُؤْذِيهِمْ.
(قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوَّلَ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ آخِرَهُ) وَلَعَلَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] (وَقِرَاءَةُ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ أَيْ مِنْ السَّبْعَةِ، وَ) قِرَاءَةُ الْكَلِمَةِ (الْأُخْرَى
стр. 425
بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ آخَرَ جَائِزَةٌ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إحَالَةٌ) أَيْ تَغْيِيرُ (الْمَعْنَى) فَيَمْتَنِعُ وَالْأَوْلَى بَقَاؤُهُ عَلَى الْأُولَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
(وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ حَالٍ قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهَا قَالَتْ إنِّي لَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ (وَلَا تُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (فِي الطَّرِيقِ نَصًّا) لِمَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ قَالَ كُنْت أَقْرَأُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ.
(وَلَا) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (مَعَ حَدَثٍ أَصْغَرَ وَبِنَجَاسَةِ بَدَنٍ وَثَوْبٍ، وَلَا حَالَ مَسِّ الذَّكَرِ وَالزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ وَتُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (فِي الْمَوَاضِعِ الْقَذِرَةِ) تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ.
(وَ) تُكْرَهُ (اسْتِدَامَتُهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (حَالَ خُرُوجِ الرِّيحِ) فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ أَمْسَكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ.
(وَ) يُكْرَهُ (جَهْرُهُ بِهَا) أَيْ بِالْقِرَاءَةِ (مَعَ الْجِنَازَةِ) ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ لَهَا مَخْرَجَ النِّيَاحَةِ (وَلَا تَمْنَعُ نَجَاسَةُ الْفَمِ الْقِرَاءَةَ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ الْأَوْلَى الْمَنْعُ.
(وَتُسْتَحَبُّ) الْقِرَاءَةُ (فِي الْمُصْحَفِ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ قَالَ الْقَاضِي إنَّمَا اخْتَارَ أَحْمَدُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ لِلْأَخْبَارِ، ثُمَّ ذَكَرَهَا (وَ) يُسْتَحَبُّ (الِاسْتِمَاعُ لَهَا) أَيْ لِلْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْقَارِئَ فِي أَجْرِهِ.
(وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَلِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ الِاسْتِمَاعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
(وَكَرِهَ أَحْمَدُ السُّرْعَةَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ وَتَرْكُهَا) أَيْ السُّرْعَةِ (أَكْمَلُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيلِ وَالتَّفَكُّرِ (وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ) وَقَالَ حَرْبٌ حَسَنَةٌ وَلِلْمَالِكِيَّةِ وَجْهَانِ (وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ قَارِئٌ ثُمَّ يَقْرَأُ غَيْرُهُ) أَيْ بِمَا بَعْدَ قِرَاءَتِهِ وَأَمَّا لَوْ أَعَادَ مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ وَهَكَذَا فَلَا يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُدَارِسُ النَّبِيَّ ﷺ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ (وَحَكَى الشَّيْخُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا) أَيْ قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ (حَسَنَةٌ كَالْقِرَاءَةِ مُجْتَمِعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ) وَلَوْ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِقِرَاءَةٍ وَدُعَاءٍ وَذِكْرٍ فَعَنْهُ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْهُ كَمَا قَالَتْ الْأَنْصَارُ وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ وَعَنْهُ: مُحْدَثٌ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ مَا أَكْرَهُهُ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى غَيْرِ وَعْدٍ إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ يَعْنِي يَتَّخِذُوهُ عَادَةً وَكَرِهَهُ مَالِكٌ قَالَ فِي الْفُنُونِ: أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ وَقْتِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ
стр. 426
لَيَالِي يُسَمُّونَهَا إحْيَاءً.
(وَكَرِهَ أَحْمَدُ) وَالْأَصْحَابُ (قِرَاءَةَ الْأَلْحَانِ وَقَالَ هِيَ بِدْعَةٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ " أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغْنِيَهُمْ غِنَاءً " وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ وَنَظْمِهِ وَالْأَلْحَانُ تُغَيِّرُهُ (فَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا) أَيْ الْأَلْحَانِ (تَغَيُّرُ - نَظْمِ الْقُرْآنِ وَجَعْلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا حَرُمَ) ذَلِكَ (وَقَالَ الشَّيْخُ: التَّلْحِينُ الَّذِي يُشْبِهُ الْغِنَاءَ مَكْرُوهٌ وَلَا يُكْرَهُ التَّرْجِيعُ) وَتَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «وَقَالَ ﷺ زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَقَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» قَالَ طَائِفَةٌ، مَعْنَاهُ تَحْسِينُ قِرَاءَتِهِ وَالتَّرَنُّمُ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةٌ يَسْتَغْنِي بِهِ.
(وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَسْوَاقِ يَصِيحُ أَهْلُهَا فِيهَا بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ) قَالَ فِي الْفُنُونِ، قَالَ حَنْبَلٌ: كَثِيرٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ يَخْرُجُ مَخْرَجَ الطَّاعَاتِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَهِيَ مَآثِمُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، مِثْلُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَسْوَاقِ، يَصِيحُ فِيهَا أَهْلُ الْأَسْوَاقِ بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ وَلَا أَهْلُ السُّوقِ يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِمَاعُ وَذَلِكَ امْتِهَانٌ كَذَا قَالَ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُكْرَهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَقِيلٍ التَّحْرِيمُ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَلَا يَجُوزُ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ بَحْثُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ الْمَكْتُوبَ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا جَمَعَهُ الدَّفَّتَانِ: مِنْ أَوَّلِ الْحَمْدُ (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - إلَى آخِرِ - قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ حَقٌّ وَأَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ حَرْفًا قَاصِدًا لِذَلِكَ، أَوْ بَدَّلَهُ بِحَرْفٍ آخَرَ مَكَانَهُ، أَوْ زَادَ فِيهِ حَرْفًا آخَرَ مِمَّا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ الْمُصْحَفُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَأُجْمِعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ عَامِدًا لِكُلِّ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ.
(وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةٍ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ) لِاشْتِغَالِهِمْ.
(وَيَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) ؛ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَقَوْلُهُ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]
стр. 427
وَقَوْلُهُ ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] الْمُرَادُ الْأَحْكَامُ وَ (لَا) يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ (بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ وَلَا نَقْلٍ فَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ فَسَّرَهُ (بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ) أَيْ لِيَنْزِلَ مَنْزِلَهُ (مِنْ النَّارِ وَأَخْطَأَ، وَلَوْ أَصَابَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَسُهَيْلٌ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرْآنُ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ، مِثْلُ أَنْ يَرَى رَجُلًا جَاءَ فِي وَقْتِهِ، فَيَقُولُ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠] .
وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَهُوَ تَوْقِيفٌ (وَيَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ) ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَضَرُوا التَّأْوِيلَ فَهُوَ أَمَارَة ظَاهِرَةٌ وَ (لَا) يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِ (التَّابِعِيِّ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ الْمَرْوَزِيُّ: نَنْظُرُ مَا كَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِنْ التَّابِعِينَ، لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى إجْمَاعِهِمْ، لَا عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمْ قَالَهُ الْقَاضِي.
(وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «غَضِبَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً مِنْ التَّوْرَاةِ، وَقَالَ أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» الْحَدِيثَ (وَلَا) النَّظَرُ فِي (كُتُبِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَ) لَا النَّظَرُ فِي (الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا رِوَايَتُهَا) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ إفْسَادِ الْعَقَائِدِ (وَتَقَدَّمَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ جُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُصْحَفِ) فَيَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهَا.
وَيَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْرَمِ الْأَحْوَالِ وَأَكْرَمِ الشَّمَائِلِ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو، وَلَا يَسْهُو مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلَا يَلْغُو مَعَ مَنْ يَلْغُو تَعْظِيمًا لِحَقِّ الْقُرْآنِ.
стр. 428
[فَصْلٌ تُسْتَحَبُّ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ]
ِ) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (إلَّا أَوْقَاتَ النَّهْيِ) فَيَحْرُمُ فِيهَا كَمَا يَأْتِي (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِيهِ أَيْضًا «إنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَلِأَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ الْغَفْلَةِ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ (وَبَعْدَ النَّوْمِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّاشِئَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ) وَمَنْ لَمْ يَرْقُدْ فَلَا نَاشِئَةَ لَهُ قَالَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ هِيَ أَشَدُّ وَطْأَةً، أَيْ تَثَبُّتًا: تَفْهَمُ مَا تَقْرَأُ وَتَعِي أُذُنُك (وَالتَّهَجُّدُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ النَّوْمِ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ يَسِيرًا (فَإِذَا اسْتَيْقَظَ) مِنْ نَوْمِهِ (ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ مَا وَرَدَ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَمِنْهُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " ثُمَّ إنْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ) .
لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ - فَذَكَرَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُهُ تَعَارَّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ اسْتَيْقَظَ وَقَوْلُهُ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا هُوَ شَكٌّ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَحَدُ الرُّوَاةِ وَهُوَ شَيْخُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (ثُمَّ يَقُولُ) يَعْنِي إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانِي بَعْدَمَا أَمَاتَنِي وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ.
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ لَا شَرِيكَ لَك، سُبْحَانَك أَسْتَغْفِرُك لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُك رَحْمَتَك اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتنِي وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك رَحْمَةً إنَّك أَنْتَ الْوَهَّابُ» .
رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ إذَا اسْتَيْقَظَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ - وَذَكَرَهُ» (ثُمَّ يَسْتَاكُ) إذَا اسْتَيْقَظَ، وَيَشُوصُ فَاهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي السِّوَاكِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ .
(وَإِذَا تَوَضَّأَ وَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، إنْ شَاءَ اسْتَفْتَحَ بِاسْتِفْتَاحِ الْمَكْتُوبَةِ) وَسَبَقَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَإِنْ شَاءَ) اسْتَفْتَحَ (بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ
стр. 429
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُك حَقٌّ وَقَوْلُك حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أَيْ رَفَعْت الْحُكْمَ إلَيْك فَلَا حُكْمَ إلَّا لَك (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت، وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) .
لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُك الْحَقُّ وَلِقَاؤُك حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ - إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَاءَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ بِهِ صَلَاتَهُ فَقَالَ» - فَذَكَرَهُ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقْرَأَ حِزْبَهُ) أَيْ الْحِصَّةَ الَّتِي يَقْرَؤُهَا كُلَّ لَيْلَةٍ (مِنْ الْقُرْآنِ فِيهِ) أَيْ فِي تَهَجُّدِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَأَنْ يُغْفِي بَعْدَ تَهَجُّدِهِ) لِئَلَّا يَظْهَرَ عَلَيْهِ أَثَرُ النُّعَاسِ «لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَصْفِ تَهَجُّدِهِ ﷺ ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ» وَكَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ يَنَامُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ أَفْضَلُ مِنْ) النِّصْفِ (الْأَوَّلِ، وَ) أَفْضَلُ (مِنْ الثُّلُثِ الْأَوْسَطِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَصَلِّ مَا شِئْتَ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا
стр. 430
حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ وَفِي أُخْرَى لَهُ إذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي هَكَذَا، وَفِي بَعْضِهَا هَكَذَا (وَالثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ أَفْضَلُ نَصًّا) لِقَوْلِهِ ﷺ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» .
(وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] (وَلَمْ يُنْسَخْ) وَقَطَعَ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ بِنَسْخِهِ.
(وَلَا يَقُومُهُ كُلَّهُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ مَا عَلِمْتُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَا لَيَالِي الْعَشْرِ، فَيَكُونُ قَوْلُ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَحْيَا اللَّيْلَ أَيْ كَثِيرًا مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَهُ وَيَتَوَجَّهُ بِظَاهِرِهِ احْتِمَالٌ وَيَخْرُجُ مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهَا الْأَوَّلُ: عَلَى غَيْرِ الْعَشْرِ، أَوْ لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُ وَاسْتَحَبَّهُ شَيْخُنَا وَقَالَ قِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِي كُلِّهَا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ (إلَّا لَيْلَةَ عِيدٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي عِلَلِهِ وَفِي مَعْنَاهَا: لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي اللَّطَائِفِ (وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ قِيَامِهِ كُلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي قِيَامِهِ كُلِّهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ تَفْوِيتِ حَقٍّ.
وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» وَكَسِلَ بِكَسْرِ السِّينِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» وَعَنْهَا مَرْفُوعًا «خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» مُتَّفَقٌ عَلَى ذَلِكَ.
(وَيُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَهُوَ) أَيْ التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ اللَّيْلَ (مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِقَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]- الْآيَةَ قَالَ كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ أَبِي سَاعَةَ يُصَلِّي عِشَاءَ الْآخِرَةِ يَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الصَّبَاحِ يُصَلِّي وَيَدْعُو وَقَالَ مَا سَمِعْت بِصَاحِبِ حَدِيثٍ لَا يَقُومُ بِاللَّيْلِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا وَإِذَا فَاتَتْ يَقْضِيهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ ﷺ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَكَانَ
стр. 431
إذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ) مَا وَرَدَ قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَيْلِ فَصِيحِ ثَعْلَبٍ الصَّبَاحُ عِنْدَ الْغُرُوبِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ إلَى الزَّوَالِ ثُمَّ الْمَسَاءُ إلَى آخِرِ نِصْفِ اللَّيْلِ اهـ وَمِنْ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ وَأَنَّهُ يُكْفَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَعَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ ﷺ «مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَعَنْهُ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَك فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ (النَّوْمِ وَالِانْتِبَاهِ) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ النَّوْمِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَفِي السَّفَرِ) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرِهِ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ - وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ وَمَعْنَى مُقْرِنِينَ مُطِيقِينَ» (وَغَيْرَ ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمَ (مِمَّا وَرَدَ) وَمِنْهُ: مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ النَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ وَآخِرِ الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِمَا وَمِنْهُ: مَا يُقَالُ لِلْمُسَافِرِ سَفَرًا مُبَاحًا أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ وَزَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى
стр. 432
وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ خَوْلَةَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ نَوْمِهِ مِنْ اللَّيْلِ قِيَامَ لَيْلِهِ (وَاسْتَحَبَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَكَعَاتٌ مَعْلُومَةٌ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِذَا نَشِطَ طَوَّلَهَا، وَإِذَا لَمْ يَنْشَطْ خَفَّفَهَا) لِحَدِيثِ «أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» .
(وَصَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: مَثْنَى مَثْنَى) أَيْ يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلَيْسَ بِمُنَاقِضٍ لِلْحَدِيثِ الَّذِي خُصَّ فِيهِ اللَّيْلُ بِذَلِكَ وَهُوَ «قَوْلُهُ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ عَيَّنَهُ فِي سُؤَالِهِ وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً بِاتِّفَاقٍ وَلِأَنَّهُ سِيقَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْوِتْرِ، وَالنُّصُوصُ بِمُطْلَقِ الْأَرْبَعِ لَا تَنْفِي فَضْلَ الْفَصْلِ بِالسَّلَامِ (وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ، كَالظُّهْرِ فَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا كَرَاهَةَ لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، لَا يَفْصِلُ، بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَإِنْ سَرَدَهُنَّ) أَيْ الْأَرْبَعَ (وَلَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ جَازَ، وَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الْأَرْبَعِ (الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً) كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ (وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ نَهَارًا) كُرِهَ، وَصَحَّ (أَوْ) زَادَ عَلَى (اثْنَتَيْنِ لَيْلًا، وَلَوْ جَاوَزَ ثَمَانِيًا، عَلِمَ الْعَدَدَ أَوْ نَسِيَهُ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ كُرِهَ وَصَحَّ) أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِمُخَالَفَتِهِ مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَلَّى الْوِتْرَ خَمْسًا وَسَبْعًا وَتِسْعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَطَوُّعٌ فَأَلْحَقْنَا بِهِ سَائِرَ التَّطَوُّعَاتِ.
وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ» وَهَذَا لَا يُنَافِي رِوَايَتَهَا الْأُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهَا رَأَتْهُ يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ قُلْت يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِمَا عَدَا الْوِتْرَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَالتَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ (وَإِسْرَارُهُ، أَيْ عَدَمُ إعْلَانِهِ أَفْضَلُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ) فَإِنْ كَانَ مِمَّا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ، كَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالتَّرَاوِيحِ، وَالْوَتْرِ بَعْدَهَا فَفِعْلُهُ فِي غَيْرِ الْبَيْتِ كَالْمَسْجِدِ وَإِظْهَارُهُ أَفْضَلُ لِشَبَهِهِ بِالْفَرَائِضِ، وَكَذَا السُّنَنُ مِنْ الْمُعْتَكِفِ، وَسُنَّةُ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ.
(وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ جَمَاعَةً) كَمَا تُفْعَلُ فُرَادَى؛ لِأَنَّهُ ﷺ -
стр. 433
فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعَاتِهِ مُنْفَرِدًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَمَا سُنَّ فِعْلُهُ مُنْفَرِدًا، كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، إنْ فُعِلَ جَمَاعَةً فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُتَّخَذُ سُنَّةً رَاتِبَةً.
(وَيُكْرَهُ جَهْرُهُ فِيهِ) أَيْ التَّطَوُّعِ (نَهَارًا) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وَالْمُرَادُ: غَيْرُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي بَابِهَا (وَ) الْمُتَطَوِّعُ (لَيْلًا يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ فَإِنْ كَانَ الْجَهْرُ أَنْشَطَ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَصَالِحِ (وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ مَنْ يَتَهَجَّدُ أَوْ يَسْتَضِرُّ بِرَفْعِ صَوْتِهِ) مِنْ نَائِمٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ خَافَ رِيَاءً فَالْإِسْرَارُ أَفْضَلُ) دَفْعًا لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ.
(وَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَخْفِيفُهُ) كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ افْتِتَاحِ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (أَوْ) وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (تَطْوِيلُهُ) كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (فَالْأَفْضَلُ اتِّبَاعُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (وَمَا عَدَاهُ) أَيْ مَا عَدَا مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ تَخْفِيفُهُ وَتَطْوِيلُهُ (فَكَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» .
وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّك لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» .
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَك فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَرَفَعَ بِهَا لَهُ دَرَجَةً فَاسْتَكْثِرُوا مِنْ السُّجُودِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ السُّجُودَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ وَآكَدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّفْلِ وَيُبَاحُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْعَالِمِ وَسَيِّدِ الْقَوْمِ وَالِاسْتِكْثَارُ مِمَّا هُوَ آكَدُ وَأَفْضَلُ أَوْلَى.
(وَيُسْتَحَبُّ اسْتِغْفَارٌ بِالسَّحَرِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] وَسَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، خَلَقْتنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي
стр. 434
فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، إلَّا أَنْتَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ بِقَوْلِهِ كُلُّ أَحَدٍ وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَقَالَ شَيْخُنَا: تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَمَتُك بِنْتُ عَبْدِك أَوْ بِنْتِ أَمَتِك " وَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا عَبْدُك لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِتَأْوِيلِ شَخْصٍ.
(وَمَنْ فَاتَهُ تَهَجُّدُهُ قَضَاهُ قَبْلَ الظُّهْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ» (وَتَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ مَنْ نَوَى عَدَدًا فَزَادَ عَلَيْهِ) وَحَاصِلُهُ: إنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَهَارًا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا أَرْبَعًا، وَلَيْلًا فَلَا.
(وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ صَلَاةِ الْقَائِمِ إلَّا الْمَعْذُورَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ أَجْرُ نِصْفِ الْقَائِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ» قَالَتْ عَائِشَةُ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسُومِحَ فِي التَّطَوُّعِ تَرْكُ الْقِيَامِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْقُعُودِ مُتَرَبِّعًا) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ (فَإِذَا بَلَغَ الرُّكُوعَ فَإِنْ شَاءَ قَامَ فَرَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ مِنْ قُعُودٍ لَكِنْ يَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، قَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَالَتْ «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا، حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ (وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسَ.
(وَلَا يَصِحُّ) النَّفَلُ (مِنْ مُضْطَجِعٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ عَلَى افْتِرَاضِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ فِعْلُ ذَلِكَ لِيُخَصِّصَ بِهِ الْعُمُومَ (وَ) التَّنَفُّلُ (لَهُ) أَيْ لِعُذْرٍ مُضْطَجِعًا (يَصِحُّ) كَالْفَرْضِ وَأَوْلَى (وَيَسْجُدُ) الْمُتَنَفِّلُ مُضْطَجِعًا (إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى السُّجُودِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ (أَوْمَأَ) بِهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
стр. 435
[فَصْلٌ صَلَاةُ الضُّحَى]
(فَصْلٌ تُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي الرَّسُولُ ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَوَقْتُهَا) أَيْ صَلَاةِ الضُّحَى (مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ) أَيْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قِيدَ رُمْحٍ (إلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ، مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ النَّهْيِ) أَيْ وَقْتُ الِاسْتِوَاءِ (وَعَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ) .
وَفِي الْمُبْدِعِ: تُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهَا، بَلْ تُفْعَلُ غِبًّا نَصَّ عَلَيْهِ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ مَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى قَطُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَلِأَنَّ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا تَشْبِيهًا بِالْفَرَائِضِ (وَاسْتَحَبَّهَا) أَيْ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا (جُمُوعٌ مُحَقِّقُونَ) مِنْهُمْ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ (وَهُوَ أَصْوَبُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمَا (وَاخْتَارَهَا) أَيْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (الشَّيْخُ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ مِنْ اللَّيْلِ) حَتَّى لَا يَفُوتهُ كُلٌّ مِنْهُمَا (وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهَا إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ: أَنْ تَحْمَى الرَّمْضَاءُ وَهِيَ الرَّمْلُ فَتَبْرُكُ الْفِصَالُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ (وَأَقَلُّهَا: رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنْت أَعْرِضُ بَعِيرًا لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَبْصَرْته يُصَلِّي الضُّحَى سِتًّا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ فِي سَفَرٍ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَيَصِحُّ التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ بِفَرْدٍ، كَرَكْعَةٍ وَنَحْوِهَا، كَثَلَاثٍ وَخَمْسٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، اسْتَكْثِرْ أَوْ أَقِلَّ» رَوَاهُ ابْنُ
стр. 436
حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا صَلَّيْت رَكْعَةً، قَالَ هُوَ تَطَوُّعٌ فَمَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ وَصَحَّ عَنْ اثْنَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ: تَقْصِيرُ الْوِتْرِ بَرَكَةً، وَهُوَ تَطَوُّعٌ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْوِتْرِ.
(وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ إذَا هَمَّ بِأَمْرٍ) أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ (وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا وَالْمُرَادُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتُ) فَيَكُونُ قَوْلُ أَحْمَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ يُبَادِرُ بِهِ بَعْدَ فِعْلِ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (إنْ كَانَ) الْحَجُّ وَنَحْوُهُ (نَفْلًا) فَتَكُونُ الِاسْتِخَارَةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ، لَا الْوَاجِبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ - وَيُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ لَهُ (وَيَقُولُ فِيهِ: مَعَ الْعَافِيَةِ) .
(وَلَا يَكُونُ وَقْتَ الِاسْتِخَارَةِ عَازِمًا عَلَى الْأَمْرِ) الَّذِي يَسْتَخِيرُ فِيهِ (أَوْ) عَلَى (عَدَمِهِ: فَإِنَّهُ خِيَانَةٌ فِي التَّوَكُّلِ ثُمَّ يَسْتَشِيرُ فَإِذَا ظَهَرْت الْمَصْلَحَةُ فِي شَيْءٍ فَعَلَهُ) فَيَنْجَحُ مَطْلُوبُهُ.
(وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (أَوْ إلَى آدَمِيٍّ فَيَتَوَضَّأُ وَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ) تَعَالَى (وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرْته وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْته وَلَا حَاجَةً هِيَ لَك رِضًا إلَّا قَضَيْتهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ.
(وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ التَّوْبَةِ إذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا، يَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا غُفِرَ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الْآيَةَ رَوَاهُ أَبُو
стр. 437
دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْوَرْقَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ وَصَلَاةُ التَّسْبِيحِ وَنَصُّهُ: لَا) قَالَ مَا يُعْجِبُنِي قِيلَ لِمَ؟ قَالَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ، وَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُنْكِرِ وَلَمْ يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَإِنْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فَلَا بَأْسَ فَإِنَّ النَّوَافِلَ وَالْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا، وَهِيَ (أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةً، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ يَقُولُهَا) أَيْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (فِي رُكُوعِهِ عَشْرًا، ثُمَّ) يَقُولُهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ (عَشْرًا، ثُمَّ يَقُولُهَا فِي سُجُودِهِ عَشْرًا ثُمَّ) يَقُولُهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ فِي سُجُودِهِ عَشْرًا ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَشْرًا ثُمَّ) يَفْعَلُ (كَذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ.
(يَفْعَلُهَا) أَيْ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهَا (كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ يَوْمٍ (فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ جُمُعَةٍ (فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ شَهْرٍ (فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ سَنَةٍ (فَفِي الْعُمُرِ مَرَّةً) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ «يَا عَمَّاهُ، أَلَا أُعْطِيكَ، أَلَا أَمْنَحُكَ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غُفِرَ لَك ذَنْبُك أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَقَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ خَطَؤُهُ وَعَمْدُهُ صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ، سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ عَشْرَ خِصَالٍ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
(وَ) تُسَنُّ صَلَاةُ (تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي آخِرِ) بَابِ صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ) مُوَضَّحَةً.
(وَ) تُسَنُّ (سُنَّةُ الْوُضُوءِ) أَيْ رَكْعَتَانِ عَقِبَهُ وَتَقَدَّمَ (وَ) يُسَنُّ (إحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) لِلْخَبَرِ (وَتَقَدَّمَ) وَأَنَّهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ.
(وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّغَائِبِ وَالصَّلَاةُ الْأَلْفِيَّةُ لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ فَبِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهُمَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ وَأَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَفِيهَا فَضْلٌ وَكَانَ) فِي (السَّلَفِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا، لَكِنَّ الِاجْتِمَاعَ لَهَا لِإِحْيَائِهَا فِي الْمَسَاجِدِ بِدْعَةٌ اهـ وَفِي اسْتِحْبَابِ قِيَامِهَا) أَيْ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (مَا فِي) إحْيَاءِ (لَيْلَةِ الْعِيدِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ (بْنِ رَجَبٍ) الْبَغْدَادِيِّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيِّ (فِي) كِتَابِهِ الْمُسَمَّى (اللَّطَائِفَ) فِي الْوَظَائِفِ.
وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَمَاعَةٌ وَلَيْلَةُ عَاشُورَاءَ وَلَيْلَةُ أَوَّلِ رَجَبٍ وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ.
وَفِي الرِّعَايَةِ وَفِي الْغُنْيَةِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَهُوَ أَظْهَرُ لِضَعْفِ الْأَخْبَارِ وَهُوَ
стр. 438
قِيَاسُ نَصِّهِ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَأَوْلَى.
وَفِي آدَابِ الْقَاضِي صَلَاةُ الْقَادِمِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةَ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا وَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْحَجِّ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[فَصْلٌ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ]
ِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيّ فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ وَقَرَأَ عُمَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةُ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ فَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَقَالَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا وَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إجْمَاعًا وَالْأَوَامِرُ بِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ وَإِنَّمَا ذُمَّ مَنْ تَرَكَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] تَكْذِيبًا وَاسْتِكْبَارًا كَإِبْلِيسَ وَالْكُفَّارِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥] فَالْمُرَادُ بِهِ: الْتِزَامُ السُّجُودِ وَاعْتِقَادُهُ فَإِنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِيمَانِ إجْمَاعًا وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِالتَّسْبِيحِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] وَلَيْسَ التَّسْبِيحُ بِوَاجِبٍ (لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ) لَهُ (وَهُوَ الَّذِي يَقْصِدُ الِاسْتِمَاعَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى فِي طَوَافٍ عَقِبَ تِلَاوَتِهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السَّجْدَةَ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِجَبْهَتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (وَلَوْ) كَانَ السُّجُودُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ وَالِاسْتِمَاعِ (مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ) بَيْنَ السُّجُودِ وَسَبَبِهِ فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ نَسْجُدْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَيَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ وَيَسْجُدُ مَعَ قِصَرِهِ) أَيْ الْفَصْلِ (أَيْضًا) بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ لِطُولِ الْفَصْلِ (وَلَا
стр. 439
يَتَيَمَّمُ لَهَا) أَيْ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ (مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ) وَقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّيَمُّمِ.
(وَالرَّاكِبُ) الْمُسَافِرُ (يُومِئُ بِالسُّجُودِ) لِلتِّلَاوَةِ (حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ) كَسَائِرِ النَّوَافِلِ (وَيَسْجُدُ الْمَاشِي) الْمُسَافِرُ (بِالْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا) لِلْقِبْلَةِ، كَمَا يَسْجُدُ فِي النَّافِلَةِ (وَلَا يَسْجُدُ السَّامِعُ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْصِدُ الِاسْتِمَاعَ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ عُثْمَانُ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ مَا جَلَسْنَا لَهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ وَلِأَنَّ السَّامِعَ لَا يُشَارِكُ التَّالِيَ فِي الْأَجْرِ، فَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي السُّجُودِ كَغَيْرِهِ أَمَّا الْمُسْتَمِعُ فَقَالَ ﷺ «التَّالِي وَالْمُسْتَمِعُ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ» فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ فِيهِ مَقَالٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ اسْتَمَعَ آيَةً كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا يُحْمَلُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا قَاصِدًا.
(وَلَا) يَسْجُدُ (الْمُصَلِّي لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ بِحَالٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّالِي فِي صَلَاةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ غَيْرَ الْمَأْمُومِ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ نَفْسِهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِصَلَاتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ اسْتِمَاعِ غَيْرِهِ وَالْمَأْمُومُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ فَلَا تَكُونُ قِرَاءَةُ غَيْرِ إمَامِهِ سَبَبًا لِاسْتِحْبَابِ السُّجُودِ فِي حَقِّهِ (وَلَا) يَسْجُدُ (مَأْمُومٌ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى الْإِمَامِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (وَلَا) يَسْجُدُ (الْإِمَامُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَعَلَ) عَمْدًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا سُجُودًا.
(وَهِيَ) أَيْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (وَسَجْدَةُ شُكْرٍ: صَلَاةٌ فَيُعْتَبَرُ لَهُمَا مَا يُعْتَبَرُ لِصَلَاةِ نَافِلَةٍ، مِنْ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا) كَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى، يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ لَهُ تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ فَكَانَ صَلَاةً، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَالسَّهْوِ.
(وَ) وَيُعْتَبَرُ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ (أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ يَصْلُحُ إمَامًا لِلْمُسْتَمِعِ) لَهُ، أَيْ يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ قَرَأَ سَجْدَةً ثُمَّ نَظَرَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إنَّكَ كُنْتَ إمَامَنَا، فَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَك» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَفِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى وَفِيهِ كَلَامٌ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ اقْرَأْ فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَقَالَ: اُسْجُدْ فَإِنَّك إمَامُنَا فِيهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا (فَلَا يَسْجُدُ) الْمُسْتَمِعُ (قُدَّامَ الْقَارِئِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ وَلَا رَجُلٌ لِتِلَاوَةِ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى) ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ لَا يَصْلُحُ إمَامًا لَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ (وَيَسْجُدُ) الْمُسْتَمِعُ (لِتِلَاوَةِ أُمِّيٍّ وَزَمِنٍ وَصَبِيٍّ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَالْقِيَامَ لَيْسَا بِوَاجِبٍ فِي النَّفْلِ وَاقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالصَّبِيِّ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَمِعِ (الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ الْقَارِئِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إمَامًا لَهُ حَقِيقَةً بَلْ بِمَنْزِلَتِهِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَرْفَعُ قَبْلَ إمَامِهِ، كَسُجُودِ الصُّلْبِ (وَيَسْجُدُ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ السُّجُودَ التَّالِي فِي الصَّلَاةِ) إذَا اسْتَمَعَ لَهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ سَجَدَ)
стр. 440
الْقَارِئُ أَوْ الْمُسْتَمِعُ لِلتِّلَاوَةِ (فِي صَلَاةٍ أَوْ خَارِجَهَا اُسْتُحِبَّ) لَهُ (رَفْعُ يَدَيْهِ) لِمَا رَوَى، وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي، التَّكْبِيرِ» (وَ) فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ (لَا يَرْفَعُهُمَا فِيهَا) أَيْ، فِي الصَّلَاةِ، «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ فِي السُّجُودِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ.
(وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَةُ إمَامِهِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ) إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (فَلَوْ تَرَكَهَا) أَيْ تَرَكَ الْمَأْمُومُ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ (عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ السَّمَاعِ كَبُعْدٍ وَطَرَشٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ.
(وَلَا يَقُومُ رُكُوعٌ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا، وَلَا سُجُودُهَا الَّذِي بَعْدَ الرُّكُوعِ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ أَشْبَهَ سُجُودَ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْمَذْهَبِ إنْ جَعَلَ مَكَانَ السُّجُودِ رُكُوعًا لَمْ يُجْزِهِ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَإِذَا سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ) لِلتِّلَاوَةِ (ثُمَّ قَامَ، فَإِنْ شَاءَ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُسْتَمِعُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَهُوَ) أَيْ سُجُودُ التِّلَاوَةِ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) فِي الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَالْإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ سَجْدَةً سَجْدَةً وَ (فِي الْحَجِّ اثْنَتَانِ) وَفِي الْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنْزِيلُ، وَحم السَّجْدَةُ (وَفِي الْمُفَصَّلِ ثَلَاثٌ) فِي النَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمْ سَجَدُوا فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ «وَسَجَدَ ﷺ فِي النَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِانْشِقَاقِ وَفِي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَسَجْدَةُ ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، بَلْ سَجْدَةُ شُكْرٍ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فَعَلَى هَذَا (يَسْجُدُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَ) إنْ سَجَدَ لَهَا (فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (تَبْطُلُ صَلَاةَ غَيْرِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي) كَسَائِرِ سَجَدَاتِ
стр. 441
الشُّكْرِ.
وَمَوَاضِعُ السَّجَدَاتِ آخِرَ الْأَعْرَافِ وَفِي الرَّعْدِ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] وَفِي النَّحْلِ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وَفِي بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وَفِي مَرْيَمَ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَفِي أَوَّلِ الْحَجِّ ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] .
وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وَفِي الْفُرْقَانِ ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وَفِي النَّمْلِ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] وَفِي الم تَنْزِيلُ ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] وَسَجْدَةُ حم عِنْدَ ﴿يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] ؛ لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ فَكَانَ السُّجُودُ عِنْدَهُ، وَالنَّجْمُ وَاقْرَأْ آخِرَهُمَا وَفِي الِانْشِقَاقِ ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] .
(وَيُكَبِّرُ) مَنْ أَرَادَ السُّجُودَ لِلتِّلَاوَةِ (إذَا سَجَدَ بِلَا تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ كَبَّرَ وَاحِدَةً (وَ) يُكَبِّرُ (إذَا رَفَعَ) مِنْ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مُفْرِدٌ فَشُرِعَ التَّكْبِيرُ فِي ابْتِدَائِهِ وَفِي الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ السَّهْوِ وَصُلْبِ الصَّلَاةِ (وَيَجْلِسُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ يَعْقُبُهُ فَشُرِعَ لِيَكُونَ سَلَامُهُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ (وَلَعَلَّ جُلُوسَهُ نَدْبٌ) وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا جُلُوسَهُ فِي الصَّلَاةِ لِذَلِكَ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَتَبِعَهُ عَلَى مَعْنَاهُ، فِي الْمُبْدِعِ قُلْت وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ كَمَا مَرَّ فِي عَدَدِ الْأَرْكَانِ.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) فَتَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا
стр. 442
لِحَدِيثِ «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ فَوَجَبَ التَّسْلِيمُ فِيهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَتُجْزِئُ وَاحِدَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا ثِنْتَانِ ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَعَنْهُ لَا سَلَامَ لَهُ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ (بِلَا تَشَهُّدٍ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا، فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهَا التَّشَهُّدُ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، بَلْ لَا يُسَنُّ نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ نَصًّا) لِلْأَخْبَارِ (إلَّا إذَا سَمِعَ سَجْدَتَيْنِ مَعًا فَيَسْجُدُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ سَجْدَةً) إذَا قَصَدَ الِاسْتِمَاعَ.
وَكَذَا لَوْ قَرَأَ سَجْدَةً وَاسْتَمَعَ أُخْرَى لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ فِي صُورَةِ الْمَتْنِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ وَيَتَخَرَّج أَنَّهُ يَكْتَفِي بِوَاحِدَةٍ، قَالَهُ فِي الْمُنْتَهَى: وَيُكَرِّرُهُ بِتَكْرَارِهَا أَيْ يُكَرِّرُ السُّجُودَ بِحَسَبِ تَكْرَارِ التِّلَاوَةِ (وَسُجُودُهُ لَهَا) أَيْ لِلتِّلَاوَةِ (وَالتَّسْلِيمُ رُكْنَانِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي عَدِّ السُّجُودِ رُكْنًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ رُكْنًا لِنَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ كَوْنُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَكَذَا الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ) رُكْنٌ وَعَلَى هَذَا: فَتَكْبِيرُ الِانْحِطَاطِ وَالرَّفْعُ وَالذِّكْرُ فِي السُّجُودِ وَاجِبٌ كَمَا فِي سُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْجُلُوسُ لِلتَّسْلِيمِ فَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ.
(وَيَقُولُ فِي سُجُودِهَا مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ) أَيْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وُجُوبًا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَإِنْ زَادَ غَيْرَهُ مِمَّا وَرَدَ فَحَسَنٌ وَمِنْهُ) أَيْ مِمَّا وَرَدَ (اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا وَضَعْ) أَيْ اُمْحُ (عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَمِنْهُ أَيْضًا «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» (وَالْأَفْضَلُ سُجُودُهُ عَنْ قِيَامٍ) لِمَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَإِذَا انْتَهَتْ إلَى السَّجْدَةِ قَامَتْ فَسَجَدَتْ وَتَشْبِيهًا لَهُ بِصَلَاةِ النَّفْلِ.
(وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةُ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ سِرٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو حِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَسْجُدَ لَهَا أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهَا كَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ وَإِنْ سَجَدَ لَهَا أَوْجَبَ الْإِبْهَامَ وَالتَّخْلِيطَ عَلَى الْمَأْمُومِ فَكَانَ تَرْكُ السَّبَبِ الْمُفْضِي إلَى ذَلِكَ أَوْلَى.
(وَ) يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ (سُجُودُهُ لَهَا) أَيْ لِقِرَاءَةِ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ سِرٍّ؛ لِأَنَّهُ يَخْلِطُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي صَلَاةِ سِرٍّ (خُيِّرَ الْمَأْمُومُ بَيْنَ الْمُتَابَعَةِ وَتَرْكِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَالٍ وَلَا مُسْتَمِعٍ (وَالْأَوْلَى السُّجُودُ) مُتَابَعَةً لِلْإِمَامِ.
(وَيُكْرَهُ اخْتِصَارُ آيَاتِ السُّجُودِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ) أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (يَسْجُدُ فِيهَا أَوْ أَنْ يُسْقِطَهَا مِنْ قِرَاءَتِهِ) لِئَلَّا يَسْجُدَ لَهَا قَالَ الْمُوَفَّقُ: كِلَاهُمَا مُحْدَثٌ وَفِيهِ إخْلَالُ التَّرْتِيبِ (وَلَا يَقْضِي هَذَا السُّجُودَ إذَا طَالَ الْفَصْلُ، كَمَا لَا تُقْضَى صَلَاةُ كُسُوفٍ وَ) صَلَاةُ (اسْتِسْقَاءٍ) وَتَحِيَّةُ مَسْجِدٍ وَعَقِبَ الْوُضُوءِ وَنَحْوُهَا، بِخِلَافِ الرَّوَاتِبِ، لِتَبَعِهَا لِلْفَرَائِضِ.
(وَتُسْتَحَبُّ سَجْدَةُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ عَامَّتَيْنِ) لَهُ وَلِلنَّاسِ (أَوْ فِي أَمْرٍ يَخُصُّهُ نَصًّا)
стр. 443
كَتَجَدُّدِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ، أَوْ نُصْرَةٍ عَلَى عَدُوٍّ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «وَسَجَدَ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ «أَنَّهُ ﷺ خَرَّ سَاجِدًا حِين جَاءَهُ كِتَابُ عَلِيٍّ مِنْ الْيَمَنِ بِإِسْلَامِ هَمْدَانَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي السُّنَنِ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ.
«وَيَسْجُدُ حِينَ يَشْفَعُ فِي أُمَّتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَسَجَدَ الصِّدِّيقُ حِينَ جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَسَجَدَ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى ذَا الثُّدَيَّةِ مِنْ الْخَوَارِجِ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَسَجَدَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ بُشِّرَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقِصَّتُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ فِي النِّعْمَةِ الظُّهُورُ (فَنِعَمُ اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تُحْصَى) وَالْعُقَلَاءُ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ (وَلَا يَسْجُدُ لَهُ) أَيْ الشُّكْرِ (فِي الصَّلَاةِ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ مِنْهَا (فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ، لَا مِنْ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) كَمَا لَوْ زَادَ فِيهَا سُجُودًا (وَصِفَتُهَا) أَيْ سَجْدَةِ الشُّكْرِ (وَأَحْكَامُهَا كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ) وَتَقَدَّمَ (وَمَنْ رَأَى مُبْتَلًى فِي دِينِهِ سَجَدَ بِحُضُورِهِ وَغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ حُضُورِهِ (وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاك بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا وَإِنْ كَانَ) مُبْتَلًى (فِي بَدَنِهِ سَجَدَ وَقَالَ ذَلِكَ وَكَتَمَهُ مِنْهُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِحَضْرَةِ الْمُبْتَلَى ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ «أَنَّهُ ﷺ سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ قِرْدٍ وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ نَغَاشِيٍّ» بِالنُّونِ وَالْغَيْنِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ قِيلَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ، وَقِيلَ الْمُبْتَلَى وَقِيلَ: مُخْتَلِطُ الْعَقْلِ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ أَرَادَ الدُّعَاءَ فَعَفَّرَ وَجْهَهُ لِلَّهِ فِي التُّرَابِ وَسَجَدَ لَهُ لِيَدْعُوَهُ فِيهِ فَهَذَا سُجُودٌ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ وَلَا شَيْءٌ يَمْنَعُهُ وَالْمَكْرُوهُ: هُوَ السُّجُودُ بِلَا سَبَبٍ) .
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا]
(فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا) (أَوْقَاتُ النَّهْيِ خَمْسَةٌ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَتَبِعَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ بَعْدَ الْفَجْرِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَهُوَ يَشْمَلُ وَقْتَيْنِ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا، حَتَّى تَزُولَ وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَحَادِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَالْأَوْقَاتُ خَمْسَةٌ (بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ طُلُوعِهَا حِينَ تَرْتَفِعُ قِيدَ) بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ قَدْرَ (رُمْحٍ) فِي رَأْيِ الْعَيْنِ (وَعِنْدَ قِيَامِهَا) أَيْ الشَّمْسِ (وَلَوْ
стр. 444
يَوْمَ جُمُعَةٍ حَتَّى تَزُولَ، وَبَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ عَصْرٍ حَتَّى تَشْرَعَ) الشَّمْسُ (فِي الْغُرُوبِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ يَتَعَلَّقُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا " لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ نَحْوُهُ مُرْسَلًا.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تُضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالظَّهِيرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ وَقَائِمُهَا: الْبَعِيرُ، يَكُونُ بَارِكًا فَيَقُومُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْأَرْضِ وَتُضَيَّفُ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقَ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ، ثُمَّ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ تَمِيلُ وَمِنْهُ الضَّيْفُ تَقُولُ: أَضَفْت فُلَانًا إذَا أَمَلْته إلَيْك، وَأَنْزَلْته عِنْدَك وَيَتَعَلَّقُ النَّهْيُ فِي الْعَصْرِ بِفِعْلِهَا لَا بِالْوَقْتِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَوْ) فُعِلَتْ الْعَصْرُ (جَمْعًا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ مُنِعَ التَّطَوُّعَ) لِمَا تَقَدَّمَ إلَّا مَا يُسْتَثْنَى (وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ) الْعَصْرَ (غَيْرَهُ وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ) الْعَصْرَ (لَمْ يُمْنَعْ) التَّنَفُّلَ (وَإِنْ صَلَّى غَيْرَهُ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عِنْدَ مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ (وَالِاعْتِبَارُ بِفَرَاغِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعَصْرِ (لَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ قَلَبَهَا نَفْلًا) أَوْ قَطَعَهَا (لَمْ يُمْنَعْ مِنْ التَّطَوُّعِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِفَرَاغِهَا (وَتُفْعَلُ سُنَّةُ الْفَجْرِ بَعْدَهُ) أَيْ الْفَجْرِ (وَقَبْلَ) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» .
(وَ) تُفْعَلُ (سُنَّةُ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْجَمْعِ تَقْدِيمًا) كَانَ (أَوْ تَأْخِيرًا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا؟ فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَإِنَّهُ قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا، فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) الْخَامِسُ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ (إذَا شَرَعَتْ) الشَّمْسُ (فِي الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمَّا نَامَ عَنْهَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَخَّرَهَا حَتَّى ابْيَضَّتْ
стр. 445
الشَّمْسُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ، لَا تَحْرِيمِ الْفِعْلِ.
(وَ) يَجُوزُ (فِعْلُ الْمَنْذُورَةِ) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا (وَلَوْ كَانَ نَذَرَهَا فِيهَا) بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاجِبَةٌ فَأَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ.
(وَ) يَجُوزُ (فِعْلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ، فَرْضًا كَانَ) الطَّوَافُ (أَوْ نَفْلًا) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ وَهَذَا إذْنٌ مِنْهُ ﷺ فِي فِعْلِهِمَا فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ؛ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ جَائِزٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَعَ كَوْنِهِ صَلَاةً، كَذَلِكَ رَكْعَتَاهُ تَبَعًا لَهُ.
(وَ) تَجُوزُ (إعَادَةُ جَمَاعَةٍ إذَا أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِ إمَامِ الْحَيِّ وَسَوَاءٌ كَانَ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ وَحْدَهُ، فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا فَقَالَ: لَا تَفْعَلَا إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْفَجْرِ، وَبَقِيَّةُ الْأَوْقَاتِ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُعِدْ لَحِقَتْهُ تُهْمَةٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَظَاهِرُهُ: إذَا دَخَلَ وَهُمْ يُصَلُّونَ لَا يُعِيدُ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَهُوَ نَصُّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ قَالَ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، أَيُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ نَعَمْ لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ (وَتَجُوزُ صَلَاةُ جِنَازَةٍ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ، وَ) بَعْدَ صَلَاةِ (الْعَصْرِ) لِطُولِ مُدَّتِهِمَا فَالِانْتِظَارُ فِيهِمَا يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا.
وَ (لَا) يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةٍ (فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ) الْبَاقِيَةِ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَتَقَدَّمَ وَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الْخَمْسِ أَشْبَهَتْ النَّوَافِلَ (إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا) فَتَجُوزُ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ (وَتَحْرُمُ) الصَّلَاةُ (عَلَى قَبْرٍ، وَ) عَلَى (غَائِبٍ وَقْتَ نَهْيٍ) مُطْلَقًا (نَفْلًا وَفَرْضًا) ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ خَشْيَةَ الِانْفِجَارِ بِالِانْتِظَارِ بِهَا إلَى خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَعَلَى الْغَائِبِ.
(وَيَحْرُمُ التَّطَوُّعُ بِغَيْرِهَا) أَيْ الْمُسْتَثْنَاةِ السَّابِقَةِ (فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ (وَ) يَحْرُمُ (إيقَاعُ بَعْضِهِ) أَيْ بَعْضِ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ (فِيهَا) أَيْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ (
стр. 446
كَأَنْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فَدَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ، وَهُوَ) أَيْ الْمُتَطَوِّعُ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِدَامَةُ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّ إتْمَامَ النَّفْلِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يَقْطَعُهُ بَلْ يُخَفِّفُهُ (وَإِنْ شَكَّ) هَلْ دَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ؟ (فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَعْلَمَ) دُخُولَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ إخْبَارِ عَارِفٍ (وَإِنْ ابْتَدَأَهُ) أَيْ النَّفَلَ (فِيهَا) أَيْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَالْمُرَادُ فِي وَقْتٍ مِنْهَا (لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَوْ) كَانَ (جَاهِلًا) بِالْحُكْمِ، أَوْ بِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ وَسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ) كَسُنَّةِ الصُّبْحِ إذَا صَلَّاهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ.
(وَ) كَ (صَلَاةِ كُسُوفٍ) وَاسْتِسْقَاءٍ (وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) وَسُنَّةِ وُضُوءٍ وَالِاسْتِخَارَةِ، لِعُمُومِ النَّهْيِ.
وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ عُمُومُهَا عَلَى أَحَادِيثِ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا حَاظِرَةٌ وَتِلْكَ مُبِيحَةٌ وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وَمَحَلُّ مَنْعِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَقْتَ النَّهْيِ (فِي غَيْرِ حَالِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَفِيهَا) أَيْ فِي حَالِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (تُفْعَلُ) تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ فَيَرْكَعُهُمَا (وَلَوْ كَانَ وَقْتَ قِيَامِ الشَّمْسِ قَبْلَ الزَّوَالِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (بِلَا كَرَاهَةٍ) عَلِمَ أَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ نَهْيٍ أَوْ لَا، شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَمَكَّةُ كَغَيْرِهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
[بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]
(بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) وَمَنْ تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَمَنْ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَمَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَمَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْأَعْذَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ شُرِعَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِبَرَكَةِ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ ﷺ الِاجْتِمَاعُ لِلْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ فَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِلْمَكْتُوبَاتِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْأُسْبُوعِ وَهُوَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي السَّنَةِ مُتَكَرِّرًا وَهُوَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ لِجَمَاعَةِ كُلِّ بَلَدٍ وَمِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ فِي السَّنَةِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لِأَجْلِ التَّوَاصُلِ وَالتَّوَادُدِ وَعَدَمِ التَّقَاطُعِ (أَقَلُّهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (اثْنَانِ) إمَامٌ وَمَأْمُومٌ (فَتَنْعَقِدُ) الْجَمَاعَةُ (بِهِمَا) لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِقَوْلِهِ ﷺ -
стр. 447
فِي حَدِيثِ مَالِكٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرَّةً وَحُذَيْفَةُ مَرَّةً (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِيهِمَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
وَتَصِحُّ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ (وَلَوْ بِأُنْثَى) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَالْإِمَامُ رَجُلٌ أَوْ أُنْثَى (أَوْ عَبْدٌ) وَالْإِمَامُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ مُبَعَّضٌ (فَإِنْ أَمَّ عَبْدَهُ، أَوْ) أَمَّ (زَوْجَتَهُ كَانَا جَمَاعَةً) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَ (لَا) تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ (بِصَغِيرٍ فِي فَرْضٍ) وَالْإِمَامُ بَالِغٌ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي الْفَرْضِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ صَغِيرًا فِي نَفْلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَبِيٌّ فِي التَّهَجُّدِ وَعَنْهُ: يَصِحُّ أَيْضًا فِي الْفَرْضِ كَمَا لَوْ أَمَّ رَجُلًا مُتَنَفِّلًا قَالَهُ فِي الْكَافِي.
(وَهِيَ) أَيْ الْجَمَاعَةُ (وَاجِبَةٌ وُجُوبَ عَيْنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ حَالَ الْخَوْفِ، فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَيْضًا «أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ: قَالَ فَأَجِبْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ وَيُعَضِّدُ وُجُوبَ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهَا حَالَ الْخَوْفِ عَلَى صِفَةٍ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْنِ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَأَبَاحَ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَطَرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا جَازَ ذَلِكَ (لَا وُجُوبَ كِفَايَةٍ) كَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذِّنُونَ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(فَيُقَاتَلُ تَارِكُهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ
стр. 448
(كَآذَانٍ) الظَّاهِرُ: أَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِلْمَنْفِيِّ أَيْ لَيْسَ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ وُجُوبَ كِفَايَةٍ كَآذَانٍ فَإِنَّ وُجُوبَهُ وُجُوبُ كِفَايَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَيُقَاتَلُ تَارِكُ الْجَمَاعَةِ، كَتَارِكِ الْآذَانِ، لَكِنَّ الْآذَانَ إنَّمَا يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهِ إذَا تَرَكَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ كُلُّهُمْ، بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ تَارِكُهَا، وَإِنْ أَقَامَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْأَعْيَانِ، بِخِلَافِهِ وَقَوْلُهُ (لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الْمُؤَدَّاةِ حَضَرًا وَسَفَرًا) مُتَعَلِّقٌ بِوَاجِبَةٍ (حَتَّى فِي خَوْفٍ) شَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةَ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالْغَالِبُ كَوْنُ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ فَمَعَ الْأَمْنِ وَفِي الْحَضَرِ أَوْلَى (عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْقَادِرِينَ) عَلَيْهَا (دُونَ) غَيْرِ الْخَمْسِ، كَالْكُسُوفِ وَالْوَتْرِ وَالْمَنْذُورَةِ، دُونَ الْمَقْضِيَّاتِ مِنْ الْخَمْسِ، وَدُونَ (النِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى) وَالصِّبْيَانِ.
وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ أَوْ لَهُ عُذْرٌ مِمَّا يَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ لِمَا يَأْتِي (لَا) أَيْ لَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ بِ (شَرْطٍ لِصِحَّتِهَا) أَيْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ مِنْهُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى قَالُوا مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ لَكِنْ قَالَ الشَّرِيفُ: لَا يَصِحُّ عَنْ صَاحِبِنَا فِي كَوْنِهَا شَرْطًا (إلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) فَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِيهِمَا، عَلَى مَا يَأْتِي تَوْضِيحُهُ (وَ) حَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْخَمْسِ فَإِنَّهَا (تَصِحُّ مِنْ مُنْفَرِدٍ، وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَفِي صَلَاتِهِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ (فَضْلٌ مَعَ الْإِثْمِ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ثُبُوتُ الْأَجْرِ فِيهِمَا وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ وَلَا تَقْدِيرَ.
(وَتَفْضُلُ الْجَمَاعَةُ عَلَى صَلَاتِهِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ وَأَبَا دَاوُد قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَذِّ مُفْرَدَةً أَشْبَهَتْ الْعَدَدَ الْمُفْرَدَ، فَلَمَّا جُمِعَتْ مَعَ غَيْرِهَا أَشْبَهَتْ ضَرْبَ الْعَدَدِ وَكَانَتْ خَمْسًا، فَضُرِبَتْ فِي خَمْسٍ فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَهِيَ غَايَةُ مَا يَرْتَفِعُ إلَيْهِ ضَرْبُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَأُدْخِلَتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ مَعَ الْمُضَاعَفَةِ فِي الْحِسَابِ (وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ) أَيْ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا (مَعَ الْعُذْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ
стр. 449
احْتِمَالُ تَسَاوِيهِمَا فِي أَصْلِ الْأَجْرِ وَهُوَ الْجَزَاءُ وَالْفَضْلُ بِالْمُضَاعَفَةِ.
(وَتُسَنُّ) الْجَمَاعَةُ (فِي مَسْجِدٍ) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الشِّعَارِ، وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ (وَلَهُ فِعْلُهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (فِي بَيْتِهِ وَ) فِي (صَحْرَاءَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) فِعْلُهَا (فِي مَسْجِدٍ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ السُّنَّةُ، وَحَدِيثُ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» يَحْتَمِلُ: لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِقَامَتُهَا فِي الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا قَرِيبٌ مِنْ إقَامَتِهَا فِي الْمَسَاجِدِ نَعَمْ إنْ كَانَ ذَهَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ يُؤَدِّي إلَى انْفِرَادِ أَهْلِهِ فَالْمُتَّجَهُ إقَامَتُهَا فِي بَيْتِهِ فَذًّا، تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فَذًّا، وَبَيْنَ فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ، وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ وَفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى.
(وَتُسْتَحَبُّ) الْجَمَاعَةُ (لِنِسَاءٍ، إذَا اجْتَمَعْنَ مُنْفَرِدَاتٍ عَنْ الرِّجَالِ، سَوَاءٌ كَانَ إمَامُهُنَّ مِنْهُنَّ أَوْ لَا) لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةَ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ أَشْبَهْنَ الرِّجَالَ (وَيُبَاحُ لَهُنَّ حُضُورُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، تَفِلَاتٍ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ) يُقَالُ: تَفِلَتْ الْمَرْأَةُ تَفَلًا، مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا أَنْتَنَ رِيحُهَا لِتَرْكِ الطِّيبِ وَالِادِّهَانِ وَتَفِلَتْ إذَا تَطَيَّبَتْ، مِنْ الْأَضْدَادِ، وَذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ) ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ وَفِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَكَوْنُهُنَّ تَفِلَاتٍ لِئَلَّا يَفْتِنَّ وَكَوْنُهُ بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ يَحْرُمُ خُرُوجُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا.
(وَيُكْرَهُ حُضُورُهَا) أَيْ جَمَاعَةَ الرِّجَالِ (لِحَسْنَاءَ) شَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةَ الِافْتِتَانِ (وَيُبَاحُ) الْحُضُورُ (لِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْحَسْنَاءِ، تَفِلَةً غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ بِإِذْنِ زَوْجِهَا: وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا، لِلْخَبَرِ (وَكَذَا مَجَالِسُ الْوَعْظِ) وَأَوْلَى (وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ قَرِيبًا) أَوَاخِرَ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ.
(وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِهِ إلَى الْمَسْجِدِ مُنْكَرٌ كَغِنَاءٍ لَمْ يَدَعْ الْمَسْجِدَ) وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُنْكَرُ بِالْمَسْجِدِ فَيَحْضُرُ (وَيُنْكِرُهُ) بِحَسَبِهِ (وَيَأْتِي) آخِرَ الْبَابِ (قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ) إتْيَانُ الْمَسْجِدِ (إلَّا بِمَشْيِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَعَلَ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
(فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا، وَهُوَ) الْمَكَانُ (الْمَخُوفُ) مِنْ فُرُوجِ الْبُلْدَانِ (فَالْأَفْضَلُ لِأَهْلِهِ: الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى لِلْكَلِمَةِ، وَأَوْقَعُ لِلْهَيْبَةِ فَإِذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ عَنْ عَدُوِّهِمْ سَمِعَهُ جَمِيعُهُمْ،
стр. 450
وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَإِنْ جَاءَهُمْ عَيْنٌ لِلْكُفَّارِ رَأَى كَثْرَتَهُمْ، فَأَخْبَرَ بِهَا، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ لَسَمَّرْت أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لِلثُّغُورِ، لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ (وَالْأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمْ: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِحُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلُ ثَوَابِ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَتَحْصِيلُ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ.
وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي غَيْرِهِ (أَوْ تُقَامُ) فِيهِ الْجَمَاعَةُ (بِدُونِهِ) أَيْ حُضُورِهِ (لَكِنْ فِي قَصْدِهِ لِغَيْرِ كَسْرِ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ) فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى.
(قَالَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَابْنُ تَمِيمٍ (ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْعَتِيقُ) ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ فِيهِ أَسْبَقُ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فَالْأَفْضَلُ مِنْ الْمَسَاجِدِ (مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةٍ) لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ (الْأَبْعَدِ) أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَقْرَبِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَجْرًا أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ بِكَثْرَةِ خُطَاهُ.
(وَفَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ انْتِظَارِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ) قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ: قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: إنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، وَلَوْ قَلَّ الْجَمْعُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَتُقَدَّمُ: الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَأَوَّلُ الْوَقْتِ سُنَّةٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَسْنُونٍ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُ وَتَبْطُلُ فَائِدَةُ اخْتِصَاصِهِ بِالتَّقَدُّمِ، وَمَعَ الْإِذْنِ لَهُ هُوَ نَائِبٌ عَنْهُ وَ (لَا) يَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ: لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، فَلَا افْتِيَاتَ، عَلَيْهِ (وَيَتَوَجَّهُ إلَّا لِمَنْ يُعَادِي الْإِمَامَ) لِقَصْدِهِ الْإِيذَاءَ إذَنْ فَيُشْبِهُ مَا لَوْ تَقَدَّمَهُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ أَمَّ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ بِلَا إذْنِهِ (لَمْ تَصِحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَمَعْنَاهُ فِي التَّنْقِيحِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ: الصِّحَّةُ كَمَا يَأْتِي فِي نَقْلِ كَلَامِهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (إلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ) الرَّاتِبُ (لِعُذْرٍ، أَوْ لَمْ يَظُنَّ حُضُورُهُ، أَوْ ظَنَّ) حُضُورَهُ (وَلَكِنْ لَا يَكْرَهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ (ذَلِكَ) أَيْ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرُهُ مَعَ غَيْبَتِهِ (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ، فَيُصَلُّونَ) «لِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ حِينَ غَابَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ»
стр. 451
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مَرَّةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عُذْرُهُ) أَيْ الرَّاتِبِ (وَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ، اُنْتُظِرَ، وَرُوسِلَ مَعَ قُرْبِهِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ) فِي الذَّهَابِ إلَيْهِ (وَسَعَةِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَامَ بِهِ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ، فَلَا تُتْرَكُ مَعَ الْإِمْكَانِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَات بِنَصْبِ غَيْرِهِ (وَإِنْ بَعُدَ) مَكَانُهُ (أَوْ شَقَّ) الذَّهَابُ إلَيْهِ أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ (صَلَّوْا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ صَلَّى) فَرْضَهُ (ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) اُسْتُحِبَّ إعَادَتهَا وَلَوْ كَانَ صَلَّى أَوَّلًا فِي جَمَاعَة أَوْ كَانَ وَقْتُ نَهْيٍ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْلَهُ (أَوْ جَاءَ) أَيْ الْمَسْجِدَ (غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ وَلَمْ يَقْصِدْ) بِمَجِيئِهِ الْمَسْجِد (الْإِعَادَةَ وَأُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ (اُسْتُحِبَّ إعَادَتُهَا) مَعَ إمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَغْبَتُهُ عَنْهُ (إلَّا الْمَغْرِبَ) فَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْمُعَادَةَ تَطَوُّعٌ وَهُوَ لَا يَكُونُ بِوَتْرٍ وَلَوْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ ذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (وَالْأَوْلَى فَرْضُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ وَ (كَإِعَادَتِهَا مُنْفَرِدًا، فَلَا يَنْوِي الثَّانِيَةَ فَرْضًا، بَلْ ظُهْرًا مُعَادَةً مَثَلًا) ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَسْقَطَتْ الْفَرْضَ (وَإِنْ نَوَاهَا) أَيْ الْمُعَادَةَ (نَفْلًا صَحَّ) لِمُطَابَقَتِهِ الْوَاقِعَ وَإِنْ نَوَاهَا ظُهْرًا مَثَلًا فَقَطْ صَحَّتْ عَلَى مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النِّيَّةِ، وَكَانَتْ نَفْلًا.
(وَإِنْ أُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ (وَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الدُّخُولُ) حَتَّى تَفْرُغَ الصَّلَاةُ، لِامْتِنَاعِ الْإِعَادَةِ إذَنْ وَإِيهَامِ رَغْبَتِهِ عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ (وَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقْتَ نَهْيٍ بِقَصْدِ الْإِعَادَةِ انْبَنَى عَلَى فِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ) فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَالْمَذْهَبُ كَمَا جَزَمَ بِهِ آنِفًا لَا يَجُوزُ، فَلَا إعَادَةَ قُلْت وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعَادَةَ كَمَا هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَقَوْلِ صَاحِبِ الْمُنْتَهَى فِيمَا سَبَقَ وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ (وَالْمَسْبُوقُ فِي الْمُعَادَةِ يُتِمُّهَا فَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَيْنِ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْهَا) رَكْعَتَيْنِ (وَلَمْ يُسَلِّمْ مَعَهُ نَصًّا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَقِيلَ: يُسَلِّمُ مَعَهُ قُلْت وَلَعَلَّ الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ، وَإِلَّا فَهِيَ نَفْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَلْزَمُهُ إيقَاعُهُ أَرْبَعًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُ إتْمَامُهَا أَرْبَعًا مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا فَرْضٌ وَفِيهِ بُعْدٌ.
(وَلَا تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ) أَيْ إذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَلِقَوْلِهِ «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يُكْرَهُ أَوْ يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ، فَهُوَ مَعَ الْمُخَالَفَةِ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ
стр. 452
الْجَمَاعَةِ، أَوْ يُقَالُ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِيُصَلُّوا فِي غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ (فِي غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَطْ) فَالْأَقْصَى كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ (وَفِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (تُكْرَهُ) إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ.
وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ فِي تَوْفِيرِ الْجَمَاعَةِ، أَيْ لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الرَّاتِبِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ إذَا أَمْكَنَهُمْ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى قُلْت: فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ تَعَدُّدُ الْأَئِمَّةِ الرَّاتِبِينَ بِالْمَسْجِدَيْنِ، لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَنْ يَتَأَخَّرُ، وَفَوَاتِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَذَاهِبُ (إلَّا لِعُذْرٍ) كَنَوْمٍ وَنَحْوِهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ إذَنْ إعَادَتُهَا بِالْمَسْجِدَيْنِ لِمَا، تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟» وَلِأَنَّ إقَامَتَهَا إذَنْ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِهَا (وَإِنْ قَصَدَ) مَسْجِدًا مِنْ (الْمَسَاجِدِ لِلْإِعَادَةِ، كُرِهَ) زَادَ بَعْضُهُمْ وَلَوْ كَانَ صَلَّى فَرْضَهُ وَحْدَهُ وَلِأَجْلِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِفَوَاتِهَا لَا لِقَصْدِ الْجَمَاعَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
(وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ اعْتِيَادُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَجَعْلُ الثَّانِيَةِ عَنْ فَائِتَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ.
وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ فِعْلُ ظُهْرَيْنِ فِي يَوْمٍ) قُلْت لَعَلَّ الْمُرَادَ عَلَى اعْتِقَادِ فَرْضِيَّتِهِمَا، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُعَادَةً أَوْ فَائِتَةً فَلَا مَانِعَ وَمَنْ نَذَرَ أَنَّهُ مَتَى حَفِظَ الْقُرْآنَ صَلَّى مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ فَرِيضَةً أُخْرَى، وَحَفِظَهُ، لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
(وَإِذَا أُقِيمَتْ) أَيْ شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي إقَامَةِ (الصَّلَاةِ) لِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ (الَّتِي يُرِيدُ الصَّلَاةَ مَعَ إمَامِهَا) وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ لَا يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا (فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ، فَلَا يَشْرَعُ فِي نَفْلٍ مُطْلَقٍ، وَلَا رَاتِبَةٍ) مِنْ سُنَّةِ فَجْرٍ أَوْ غَيْرِهَا (فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ بِبَيْتِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ (لَمْ تَنْعَقِدْ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَأَبَاحَ قَوْمٌ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ (فَإِنْ جَهِلَ الْإِقَامَةَ فَكَجَهْلِ وَقْتِ نَهْيٍ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، لَكِنْ إنْ وَافَقَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا لَمْ تَنْعَقِدْ.
(وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِيهَا) أَيْ النَّافِلَةِ (وَلَوْ) كَانَ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَتَمَّهَا خَفِيفَةً، وَلَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ
стр. 453
شَرَعَ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّالِثَةِ أَتَمَّهَا) أَيْ النَّافِلَةَ (أَرْبَعًا) ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الثَّلَاثِ (فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ (جَازَ نَصًّا فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَعَلَّ عَدَمَ كَرَاهَةِ الثَّلَاثِ هُنَا لِلْعُذْرِ (إلَّا أَنْ يَخْشَى) مَنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ (فَوَاتَ مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجَمَاعَةُ، فَيَقْطَعُهَا) ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ.
(قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ (وَفَضِيلَةُ تَكْبِيرَةِ الْأُولَى) أَيْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (لَا تَحْصُلُ إلَّا بِشُهُودِ تَحْرِيمِ الْإِمَامِ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ) مَا يُؤْذِنُ بِذَلِكَ.
[فَصْلٌ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى]
(فَصْلٌ وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ وَلَوْ لَمْ يَجْلِسْ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا، مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْوِيَ الصِّفَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ مَأْمُومًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ، بِحَيْثُ يَصِلُ الْمَأْمُومُ إلَى الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ الْإِمَامُ عَنْ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْهُ (غَيْرَ شَاكٍّ فِي إدْرَاكِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (رَاكِعًا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الطُّمَأْنِينَةَ إذَا اطْمَأَنَّ هُوَ) أَيْ الْمَسْبُوقُ ثُمَّ لَحِقَهُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ غَيْرُ الْقِيَامِ وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ: هَلْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَوْ لَا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِهِ.
وَإِنْ كَبَّرَ وَالْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ، ثُمَّ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى رَفَعَ إمَامُهُ لَمْ يُدْرِكْهُ وَلَوْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْمَأْمُومِينَ وَإِنْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَةَ فِي انْحِنَائِهِ انْقَلَبَتْ نَفْلًا وَتَقَدَّمَ (وَأَجْزَأَتْهُ) أَيْ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ نَصًّا) وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَأَجْزَأَ الرُّكْنُ عَنْ الْوَاجِبِ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَوْ كَانَتْ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ وَاجِبَةً لَمْ تَسْقُطْ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ الْقِرَاءَةَ وَأَسْقَطَهَا إذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ فِي حَالَةِ قِيَامٍ، خِلَافُ مَا يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ.
(وَإِتْيَانُهُ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (بِهَا) أَيْ
стр. 454
تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ (أَفْضَلُ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، كَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ (فَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ نَوَى الْمُدْرِكُ فِي الرُّكُوعِ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ (بِالتَّكْبِيرَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَّكَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي النِّيَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ عَنْهُمَا.
وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لَا تُنَافِي نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ وَإِنْ نَوَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقُ (بَعْدَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَعَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ قَوْلًا وَفِعْلًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا» الْحَدِيثَ وَالْمُرَادُ بِمُتَابَعَتِهِ فِي الْأَقْوَالِ: أَنْ يَأْتِيَ بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ عَمَّا أَدْرَكَهُ فِيهِ وَمَا فِي السُّجُودِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَأَمَّا التَّشَهُّدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِتَشَهُّدِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ) مِنْ الرُّكُوعِ (قَبْلَ إحْرَامِهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (سُنَّ دُخُولُهُ مَعَهُ) فَيُسَنُّ كَيْفَ أَدْرَكَهُ لِلْخَبَرِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَةِ فِي حَالِ قِيَامِهِ) لِوُجُوبِ التَّكْبِيرِ لِكُلِّ انْتِقَالٍ يَعْتَدُّ بِهِ الْمُصَلِّي، (وَيَنْحَطُّ مَسْبُوقٌ) أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (بِلَا تَكْبِيرٍ لَهُ) أَيْ لِانْحِطَاطِهِ (وَلَوْ أَدْرَكَهُ سَاجِدًا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ (وَيَقُومُ) مَسْبُوقٌ (لِلْقَضَاءِ بِتَكْبِيرٍ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) الرَّكْعَةُ الَّتِي قَامَ إلَيْهَا (ثَانِيَتَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ سَائِرَ الِانْتِقَالَاتِ (فَإِنْ قَامَ) مَسْبُوقٌ (قَبْلَ) أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ (التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ، بِلَا عُذْرٍ يُبِيحُ الْمُفَارَقَةَ) لِلْإِمَامِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقَ (الْعَوْدُ، لِيَقُومَ بَعْدَهَا) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الرُّكْنِ وَلَا يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ بِلَا عُذْرٍ (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ) الْمَسْبُوقُ (انْقَلَبَتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا) بِلَا إمَامٍ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالذِّكْرِ وَضِدِّهِمَا وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرَى وُجُوبَ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ وَإِلَّا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْأَوْلَى خُصُوصًا بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ رَأْسًا فَكَيْفَ يَصْنَعُ الْمَسْبُوقُ؟ لَوْ قِيلَ لَا يُفَارِقُهُ قَبْلَهَا.
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (فِي سُجُودِ سَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهَا بِهِ، حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ فِيهِ لَمْ تَبْطُلْ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ دَخَلَ مَعَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ (لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ) لِمَا مَرَّ.
(وَمَا أَدْرَكَ) الْمَسْبُوقُ (مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) كَالثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ (لَمْ يَسْتَفْتِحْ وَلَمْ يَسْتَعِذْ وَمَا يَقْضِيهِ) الْمَسْبُوقُ (أَوَّلَهَا) أَيْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ (يَسْتَفْتِحُ لَهُ، وَيَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأُ السُّورَةَ) وَلَوْ أَدْرَكَ
стр. 455
رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ مَثَلًا أَطَالَ قِرَاءَتَهَا أَيْ أَدْرَكَهَا، وَرَاعَى تَرْتِيبَ السُّوَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ مُسْلِمٌ أَخْطَأَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَاقْضُوا وَلَا أَعْلَمُ رَوَاهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «وَاقْضِ مَا سَبَقَك» وَالْمَقْضِيُّ هُوَ الْفَائِتُ فَيَكُونُ عَلَى صِفَتِهِ.
(لَكِنْ لَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ رَكْعَةً تَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (عَقِبَ قَضَاءِ) رَكْعَةٍ (أُخْرَى نَصًّا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى) أَنَّ مَا أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ آخِرَهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى: فَأَتِمُّوا قَضَاءً، لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَتَشَهَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً عَقِبَ أُخْرَى لِئَلَّا يَلْزَمَ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ، لَزِمَ عَلَيْهِ قَطْعُ الرُّبَاعِيَّةِ عَلَى وَتْرٍ وَالثُّلَاثِيَّةِ شَفْعًا وَمُرَاعَاةُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ مُمْكِنَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَرْكِهَا فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهَا (وَيُخَيَّرُ) الْمَسْبُوقُ إذَا قَضَى مَا فَاتَهُ (فِي الْجَهْرِ) بِالْقِرَاءَةِ (فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ) غَيْرَ الْجُمُعَةِ (بَعْدَ مُفَارَقَةِ إمَامِهِ وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ) وَعَلَى هَذَا أَيْضًا: يَتَخَرَّجُ تَكْبِيرُ الْعِيدِ وَالْقُنُوتِ فَلَا يَقْنُتُ مَنْ قَنَتَ مَعَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ.
(وَيَتَوَرَّكُ) الْمَسْبُوقُ (مَعَ إمَامِهِ) فِي مَوْضِعِ تَوَرُّكِهِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُعْتَدَّ لَهُ قُلْت: جُلُوسُهُ وَاجِبٌ مِنْ حَيْثُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ.
وَفِي كَلَامِ الْفُرُوعِ هُنَا تَأَمُّلٌ (كَمَا يَتَوَرَّكُ) الْمَسْبُوقُ (فِيمَا يَقْضِيه) لِلتَّشَهُّدِ الثَّانِي فَعَلَى هَذَا: لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ مُتَوَرِّكًا مُتَابَعَةً لَهُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَجَلَسَ بَعْدَ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ أَيْضًا مُتَوَرِّكًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ سَلَامُهُ (وَيُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَصًّا، حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ) التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ وَاقِعٌ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَوَّلِ قُلْت: وَهَذَا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ فَإِنْ كَانَ مَحَلًّا لِتَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ فَالْوَاجِبُ مِنْهُ الْمَرَّةُ الْأُولَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (فَإِنْ سَلَّمَ) الْإِمَامُ (قَبْلَ إتْمَامِهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (قَامَ) الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (وَلَمْ يُتِمَّهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي صِفَة الصَّلَاة.
(وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّي فِي جَمَاعَة أُخْرَى فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) جَمَاعَة أُخْرَى (اُسْتُحِبَّ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يُصَلِّي مَعَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَجِبُ فِعْلُ قِرَاءَةِ عَلَى مَأْمُومٍ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ
стр. 456
وَابْنِ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَلَوْلَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَمَا أَمَرَ بِتَرْكِهَا مِنْ أَجْلِ سُنَّةِ الِاسْتِمَاعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ قَدْ رَوَى مُسْنَدًا مِنْ طُرُقٍ ضِعَافٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَهُوَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا أَعْلَمُ فِي السُّنَّةِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قِرَاءَتَهُ تَكْفِيك وَقَالَ عَلِيٌّ لَيْسَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَدِدْتُ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ أَمْلَأَ فَاهُ تُرَابًا رَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ وَالْمُرَادُ بِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فَلِذَلِكَ قَالَ (فَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ إمَامُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ: الْفَاتِحَةَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَسُجُودَ السَّهْوِ) إذَا كَانَ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ (وَالسُّتْرَةَ قُدَّامَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ (وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ إذَا سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ (وَسُجُودَ تِلَاوَةٍ أَتَى بِهَا) الْمَأْمُومُ (فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَ) فِيمَا إذَا (سَجَدَ الْإِمَامُ لِتِلَاوَةِ سَجْدَةٍ قَرَأَهَا) الْإِمَامُ (فِي صَلَاةِ سِرٍّ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إنْ شَاءَ لَمْ يَسْجُدْ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: الْمَأْمُومُ لَيْسَ بِتَالٍ، وَلَا مُسْتَمِعٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ تُشْرَعْ السَّجْدَةُ فِي حَقِّهِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَتَحَمَّلَهَا عَنْهُ الْإِمَامُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تَوَجَّهَ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَابَعَةِ، فَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ (وَقَوْلَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَقَوْلَ: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) إلَى آخِرِهِ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ وَدُعَاءَ الْقُنُوتِ) إنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِمَامَ فَيُؤَمِّنُ فَقَطْ، وَإِلَّا قَنَتَ، وَتَقَدَّمَ.
(وَتُسَنُّ قِرَاءَتُهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ (الْفَاتِحَةَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ وَلَوْ) كَانَ سُكُوتُهُ (لِتَنَفُّسٍ) نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ (وَلَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ.
(وَ) تُسَنُّ قِرَاءَتُهُ (فِيمَا لَا يَجْهَرُ) الْإِمَامُ (فِيهِ) لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عَلِيٍّ اقْرَءُوا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
стр. 457
وَسُورَةٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ لِلْأَدِلَّةِ فَبَقِيَ حَالَ تَعَذُّرِ اسْتِمَاعِهِ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ.
(أَوْ لَا يَسْمَعُهُ) أَيْ يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ إذَا كَانَ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ (لِبُعْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَامِعٍ لِقِرَاءَتِهِ أَشْبَهَ حَالَ سَكَتَاتِهِ وَالصَّلَاةَ السِّرِّيَّةَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٌ يَتَمَكَّنْ) الْمَأْمُومُ (فِيهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ نَدْبًا (مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً فِي أُولَتَيْ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ وَعَلِيٍّ (فَإِنْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (قِرَاءَةَ الْإِمَامِ كُرِهَتْ لَهُ الْقِرَاءَةُ) لِلْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ تَكْرَارٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْأَخِيرُ عَلَى السِّرِّيَّةِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْجَهْرِيَّةِ (فَلَوْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (هَمْهَمَتَهُ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا يَقُولُ) الْإِمَامُ (لَمْ يَقْرَأْ) ؛ لِأَنَّهُ سَامِعٌ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ.
(وَمَوَاضِعُ سَكَتَاتِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (ثَلَاثَةٌ) إحْدَاهَا: (بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِيَسْتَفْتِحَ وَيَتَعَوَّذَ وَعُلِمَ مِنْهُ اخْتِصَاصُهَا بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى.
(وَ) الثَّانِيَةُ (بَعْدَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ) لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَ) الثَّالِثَةُ: بَعْدَ (فَرَاغِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَتُسْتَحَبُّ هُنَا سَكْتَةٌ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ) لِيَقْرَأَهَا الْمَأْمُومُ فِيهَا.
(وَيَقْرَأُ أَطْرَشُ إنْ لَمْ يُشْغِلْ مَنْ إلَى جَنْبِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُ اسْتِمَاعِ الْقِرَاءَةِ أَشْبَهَ الْبَعِيدَ فَإِنْ أَشْغَلَ مَنْ إلَى جَنْبِهِ عَنْ اسْتِمَاعِهِ أَوْ قِرَاءَتِهِ لَمْ يَقْرَأْ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمَأْمُومِ (أَنْ يَسْتَفْتِحَ وَيَسْتَعِيذَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ) لِبُعْدِهِ أَوْ سُكُوتِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِعَدَمِ جَهْرِهِ بِهِ، بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، وَكَالسِّرِّيَّةِ.
[فَصْلٌ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ]
(فَصْلٌ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ) قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهِبِ وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِمَّا كَانَ فِيهِ اهـ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ (فَلَوْ سَبَقَ الْإِمَامُ) الْمَأْمُومَ (بِالْقِرَاءَةِ وَرَكَعَ الْإِمَامُ تَبِعَهُ) الْمَأْمُومُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَطَعَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُتَابَعَةُ وَاجِبَةٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ
стр. 458
وَمُسْتَحَبٍّ (بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ) إذَا سَبَقَ بِهِ الْإِمَامُ وَسَلَّمَ (فَ) لَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ بَلْ يُتِمُّهُ (إذَا سَلَّمَ) إمَامُهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِالتَّشَهُّدِ.
(وَإِنْ وَافَقَهُ) أَيْ وَافَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الْأَفْعَالِ (كُرِهَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
(وَ) أَمَّا مُوَافَقَةُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ (فِي أَقْوَالِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، فَ (إنْ كَبَّرَ) الْمَأْمُومُ (لَلْإِحْرَامِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ (أَوْ) كَبَّرَ الْمَأْمُومُ (قَبْلَ تَمَامِهِ) أَيْ تَمَامِ إحْرَامِ إمَامِهِ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (مَعَهُ كُرِهَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ،؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ.
(وَ) إنْ سَلَّمَ (قَبْلَهُ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ تَبْطُلُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ مُتَعَمِّدًا وَ (لَا) تَبْطُلُ إنْ سَلَّمَ قَبْلَ إمَامِهِ (سَهْوًا، فَيُعِيدُهُ) أَيْ السَّلَامَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ إمَامِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَهُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ أَيْضًا (وَالْأَوْلَى: أَنْ يُسَلِّمَ الْمَأْمُومُ عَقِبَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ فَإِنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (الْأُولَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الْأُولَى) وَقَبْلَ سَلَامِهِ الثَّانِيَةَ.
(وَ) سَلَّمَ الْمَأْمُومُ (الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (الثَّانِيَةُ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُتَابَعَةِ (لَا إنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (الثَّانِيَةَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ الثَّانِيَةَ، حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا) فَلَا يَجُوزُ لَهُ لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ كَالْأُولَى.
(وَلَا يُكْرَهُ) لِلْمَأْمُومِ (سَبْقُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَلَا مُوَافَقَتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (بِقَوْلٍ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ، كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ، وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّشَهُّدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وِفَاقًا (وَيَحْرُمُ سَبْقُهُ) أَيْ سَبْقُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ (بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا فَإِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ) كَأَنْ رَفَعَ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (قَبْلَ إمَامِهِ عَمْدًا حَرُمَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَقَالَ الْبَرَاءُ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ ﷺ سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» «وَقَالَ ﷺ أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (إنْ رَفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ) أَيْ بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ (مَعَهُ، وَيُدْرِكُهُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا سَبَقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ بَعْدُ فَحَصَلَتْ الْمُتَابَعَةُ وَالْمُرَادُ مِنْ إتْيَانِهِ بِهِ مَعَهُ: أَيْ عَقِبَهُ، وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ: تُكْرَهُ مُوَافَقَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)
стр. 459
أَيْ يَرْجِعْ لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ إمَامِهِ (عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ قَبْلَ إمَامِهِ (جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ وَلِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ) يَعْنِي يَرْجِعَ (لِيَأْتِيَ بِهِ) مُؤْتَمًّا بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَنَحْوِهِ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ، أَيْ عَقِبَهُ لِيَكُونَ مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ إمَامُهُ فِيهِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ فِعْلِيٍّ بِأَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَامِلٍ هُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِالسَّلَامِ لِلنَّهْيِ (وَإِنْ كَانَ) رُكُوعُهُ وَرَفْعُهُ قَبْلَ إمَامِهِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» .
(وَإِنْ سَبَقَهُ) الْمَأْمُومُ (بِرُكْنَيْنِ، بِأَنْ رَكَعَ) الْمَأْمُومُ (وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (وَهَوَى إلَى السُّجُودِ قَبْلَ رَفْعِهِ، عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ (وَصَحَّتْ صَلَاةُ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَبَطَلَتْ) تِلْكَ (الرَّكْعَةُ) لِمَا سَبَقَ (قَالَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ: (مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إمَامِهِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَلَا يُعَدُّ سَابِقًا بِرُكْنٍ مَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ فَإِذَا رَكَعَ وَرَفَعَ فَقَدْ سَبَقَ بِالرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْهُ بِالرَّفْعِ وَلَا يَكُونُ سَابِقًا بِالرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ فَإِذَا هَوَى إلَى السُّجُودِ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِنْ الْقِيَامِ، وَحَصَلَ السَّبْقُ بِرُكْنَيْنِ وَلَا تَبْطُلُ بِسَبْقٍ بِرُكْنٍ غَيْرِ رُكُوعٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ الْمَأْمُومُ الرَّكْعَةَ فَتَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ السَّبْقَ بِرُكْنَيْنِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مَعَ الْعَمْدِ مُطْلَقًا.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ إمَامِهِ (بِرُكْنٍ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ (فَكَالسَّبْقِ بِهِ) بِرُكْنٍ، عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَ) إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ (لِعُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ عَجَلَةِ إمَامٍ وَنَحْوِهِ (يَفْعَلُهُ وَيَلْحَقُهُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ فَلَزِمَهُ (وَتَصِحُّ الرَّكْعَةُ) فَيُعْتَدُّ بِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ وَيَلْحَقُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ (فَلَا) تَصِحُّ الرَّكْعَةُ بَلْ تُلْغَى لِفَوَاتِ رُكْنِهَا.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومَ (عَنْهُ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، لِعُذْرٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ) كَزِحَامٍ (تَابَعَهُ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (وَقَضَى) الْمَأْمُومُ مَا تَخَلَّفَ بِهِ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ جُمُعَةً) كَانَتْ (أَوْ غَيْرَهَا، كَمَسْبُوقٍ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ كَأَنَّهُ
стр. 460
أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى رَكْعَتَيْنِ قُلْت وَالْمَقْضِيُّ هُنَا لَيْسَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ دَائِمًا، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتِهِ مَعَهُ.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومُ (بِرُكْنَيْنِ) لِغَيْرِ عُذْرٍ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ بِلَا عُذْرٍ.
(وَ) إنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ بِالرُّكْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (لِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ إنْ أَمِنَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ وَتَبِعَهُ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِدْرَاكِهِ بِلَا مَحْذُورٍ (وَصَحَّتْ رَكْعَتُهُ) فَيُتِمُّ عَلَيْهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَأْمَنْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ إنْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ (تَبِعَهُ) ؛ لِأَنَّ اسْتِدْرَاكَهُ الْفَائِتَةَ إذَنْ يُؤَدِّي إلَى فَوْتِ رَكْعَةٍ غَيْرِهَا فَيَتْرُكُهُ مُحَافَظَةً عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ (وَلَغَتْ رَكْعَتُهُ وَاَلَّتِي تَلِيهَا عِوَضُهَا) فَيَبْنِيَ عَلَيْهَا.
(وَلَوْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ، يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ) فَيَأْتِي بَعْدَهَا بِرَكْعَةٍ فَتَتِمُّ جُمُعَتُهُ وَلَمْ نَقُلْ بِالتَّلْفِيقِ فِيمَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُعْتَبَرٍ وَإِنْ ظَنَّ تَحْرِيمَ مُتَابَعَتِهِ فَسَجَدَ جَهْلًا اُعْتُدَّ بِهِ.
وَلَوْ أَتَى بِمَا تَخَلَّفَ بِهِ وَأَدْرَكَ إمَامَهُ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَبِعَهُ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَبَعْدَ رَفْعَهُ مِنْهُ تَبِعَهُ وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ.
(وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إتْمَامِهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَا «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ: فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ (إذَا لَمْ يُؤْثِرْ مَأْمُومٌ التَّطْوِيلَ فَإِنْ آثَرُوا) هـ (كُلُّهُمْ اُسْتُحِبَّ) لِزَوَالِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ وَهِيَ التَّنْفِيرُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَعَدَدُهُمْ مُنْحَصِرٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ.
(وَ) يُسَنُّ، لِلْإِمَامِ (أَنْ يُرَتِّلَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّشَهُّدَ، بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى بِهِ وَأَنْ يَتَمَكَّنَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالثَّقِيلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ) لِيَتَمَكَّنَ كُلٌّ مِنْ الْمَأْمُومِينَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ بِسُنَّةٍ (وَيُسَنُّ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (إذَا عَرَضَ فِي الصَّلَاةِ عَارِضٌ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ يَقْتَضِي خُرُوجَهُ) مِنْ الصَّلَاةِ (أَنْ يُخَفِّفَ، كَمَا إذَا سَمِعَ بُكَاءَ صَبِيٍّ وَنَحْوَ ذَلِكَ) «لِقَوْلِهِ ﷺ إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ
следующие страницы →