Полный текст (3 210 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَابْنِ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَلَوْلَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَمَا أَمَرَ بِتَرْكِهَا مِنْ أَجْلِ سُنَّةِ الِاسْتِمَاعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ قَدْ رَوَى مُسْنَدًا مِنْ طُرُقٍ ضِعَافٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَهُوَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا أَعْلَمُ فِي السُّنَّةِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قِرَاءَتَهُ تَكْفِيك وَقَالَ عَلِيٌّ لَيْسَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَدِدْتُ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ أَمْلَأَ فَاهُ تُرَابًا رَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ وَالْمُرَادُ بِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فَلِذَلِكَ قَالَ (فَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ إمَامُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ: الْفَاتِحَةَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَسُجُودَ السَّهْوِ) إذَا كَانَ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ (وَالسُّتْرَةَ قُدَّامَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ (وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ إذَا سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ (وَسُجُودَ تِلَاوَةٍ أَتَى بِهَا) الْمَأْمُومُ (فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَ) فِيمَا إذَا (سَجَدَ الْإِمَامُ لِتِلَاوَةِ سَجْدَةٍ قَرَأَهَا) الْإِمَامُ (فِي صَلَاةِ سِرٍّ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إنْ شَاءَ لَمْ يَسْجُدْ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: الْمَأْمُومُ لَيْسَ بِتَالٍ، وَلَا مُسْتَمِعٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ تُشْرَعْ السَّجْدَةُ فِي حَقِّهِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَتَحَمَّلَهَا عَنْهُ الْإِمَامُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تَوَجَّهَ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَابَعَةِ، فَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ (وَقَوْلَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَقَوْلَ: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) إلَى آخِرِهِ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ وَدُعَاءَ الْقُنُوتِ) إنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِمَامَ فَيُؤَمِّنُ فَقَطْ، وَإِلَّا قَنَتَ، وَتَقَدَّمَ.
(وَتُسَنُّ قِرَاءَتُهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ (الْفَاتِحَةَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ وَلَوْ) كَانَ سُكُوتُهُ (لِتَنَفُّسٍ) نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ (وَلَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ.
(وَ) تُسَنُّ قِرَاءَتُهُ (فِيمَا لَا يَجْهَرُ) الْإِمَامُ (فِيهِ) لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عَلِيٍّ اقْرَءُوا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
стр. 457
وَسُورَةٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ لِلْأَدِلَّةِ فَبَقِيَ حَالَ تَعَذُّرِ اسْتِمَاعِهِ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ.
(أَوْ لَا يَسْمَعُهُ) أَيْ يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ إذَا كَانَ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ (لِبُعْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَامِعٍ لِقِرَاءَتِهِ أَشْبَهَ حَالَ سَكَتَاتِهِ وَالصَّلَاةَ السِّرِّيَّةَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٌ يَتَمَكَّنْ) الْمَأْمُومُ (فِيهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ نَدْبًا (مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً فِي أُولَتَيْ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ وَعَلِيٍّ (فَإِنْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (قِرَاءَةَ الْإِمَامِ كُرِهَتْ لَهُ الْقِرَاءَةُ) لِلْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ تَكْرَارٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْأَخِيرُ عَلَى السِّرِّيَّةِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْجَهْرِيَّةِ (فَلَوْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (هَمْهَمَتَهُ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا يَقُولُ) الْإِمَامُ (لَمْ يَقْرَأْ) ؛ لِأَنَّهُ سَامِعٌ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ.
(وَمَوَاضِعُ سَكَتَاتِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (ثَلَاثَةٌ) إحْدَاهَا: (بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِيَسْتَفْتِحَ وَيَتَعَوَّذَ وَعُلِمَ مِنْهُ اخْتِصَاصُهَا بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى.
(وَ) الثَّانِيَةُ (بَعْدَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ) لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَ) الثَّالِثَةُ: بَعْدَ (فَرَاغِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَتُسْتَحَبُّ هُنَا سَكْتَةٌ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ) لِيَقْرَأَهَا الْمَأْمُومُ فِيهَا.
(وَيَقْرَأُ أَطْرَشُ إنْ لَمْ يُشْغِلْ مَنْ إلَى جَنْبِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُ اسْتِمَاعِ الْقِرَاءَةِ أَشْبَهَ الْبَعِيدَ فَإِنْ أَشْغَلَ مَنْ إلَى جَنْبِهِ عَنْ اسْتِمَاعِهِ أَوْ قِرَاءَتِهِ لَمْ يَقْرَأْ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمَأْمُومِ (أَنْ يَسْتَفْتِحَ وَيَسْتَعِيذَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ) لِبُعْدِهِ أَوْ سُكُوتِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِعَدَمِ جَهْرِهِ بِهِ، بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، وَكَالسِّرِّيَّةِ.
[فَصْلٌ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ]
(فَصْلٌ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ) قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهِبِ وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِمَّا كَانَ فِيهِ اهـ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ (فَلَوْ سَبَقَ الْإِمَامُ) الْمَأْمُومَ (بِالْقِرَاءَةِ وَرَكَعَ الْإِمَامُ تَبِعَهُ) الْمَأْمُومُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَطَعَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُتَابَعَةُ وَاجِبَةٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ
стр. 458
وَمُسْتَحَبٍّ (بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ) إذَا سَبَقَ بِهِ الْإِمَامُ وَسَلَّمَ (فَ) لَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ بَلْ يُتِمُّهُ (إذَا سَلَّمَ) إمَامُهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِالتَّشَهُّدِ.
(وَإِنْ وَافَقَهُ) أَيْ وَافَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الْأَفْعَالِ (كُرِهَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
(وَ) أَمَّا مُوَافَقَةُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ (فِي أَقْوَالِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، فَ (إنْ كَبَّرَ) الْمَأْمُومُ (لَلْإِحْرَامِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ (أَوْ) كَبَّرَ الْمَأْمُومُ (قَبْلَ تَمَامِهِ) أَيْ تَمَامِ إحْرَامِ إمَامِهِ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (مَعَهُ كُرِهَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ،؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ.
(وَ) إنْ سَلَّمَ (قَبْلَهُ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ تَبْطُلُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ مُتَعَمِّدًا وَ (لَا) تَبْطُلُ إنْ سَلَّمَ قَبْلَ إمَامِهِ (سَهْوًا، فَيُعِيدُهُ) أَيْ السَّلَامَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ إمَامِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَهُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ أَيْضًا (وَالْأَوْلَى: أَنْ يُسَلِّمَ الْمَأْمُومُ عَقِبَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ فَإِنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (الْأُولَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الْأُولَى) وَقَبْلَ سَلَامِهِ الثَّانِيَةَ.
(وَ) سَلَّمَ الْمَأْمُومُ (الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (الثَّانِيَةُ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُتَابَعَةِ (لَا إنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (الثَّانِيَةَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ الثَّانِيَةَ، حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا) فَلَا يَجُوزُ لَهُ لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ كَالْأُولَى.
(وَلَا يُكْرَهُ) لِلْمَأْمُومِ (سَبْقُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَلَا مُوَافَقَتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (بِقَوْلٍ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ، كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ، وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّشَهُّدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وِفَاقًا (وَيَحْرُمُ سَبْقُهُ) أَيْ سَبْقُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ (بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا فَإِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ) كَأَنْ رَفَعَ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (قَبْلَ إمَامِهِ عَمْدًا حَرُمَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَقَالَ الْبَرَاءُ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ ﷺ سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» «وَقَالَ ﷺ أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (إنْ رَفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ) أَيْ بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ (مَعَهُ، وَيُدْرِكُهُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا سَبَقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ بَعْدُ فَحَصَلَتْ الْمُتَابَعَةُ وَالْمُرَادُ مِنْ إتْيَانِهِ بِهِ مَعَهُ: أَيْ عَقِبَهُ، وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ: تُكْرَهُ مُوَافَقَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)
стр. 459
أَيْ يَرْجِعْ لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ إمَامِهِ (عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ قَبْلَ إمَامِهِ (جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ وَلِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ) يَعْنِي يَرْجِعَ (لِيَأْتِيَ بِهِ) مُؤْتَمًّا بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَنَحْوِهِ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ، أَيْ عَقِبَهُ لِيَكُونَ مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ إمَامُهُ فِيهِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ فِعْلِيٍّ بِأَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَامِلٍ هُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِالسَّلَامِ لِلنَّهْيِ (وَإِنْ كَانَ) رُكُوعُهُ وَرَفْعُهُ قَبْلَ إمَامِهِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» .
(وَإِنْ سَبَقَهُ) الْمَأْمُومُ (بِرُكْنَيْنِ، بِأَنْ رَكَعَ) الْمَأْمُومُ (وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (وَهَوَى إلَى السُّجُودِ قَبْلَ رَفْعِهِ، عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ (وَصَحَّتْ صَلَاةُ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَبَطَلَتْ) تِلْكَ (الرَّكْعَةُ) لِمَا سَبَقَ (قَالَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ: (مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إمَامِهِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَلَا يُعَدُّ سَابِقًا بِرُكْنٍ مَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ فَإِذَا رَكَعَ وَرَفَعَ فَقَدْ سَبَقَ بِالرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْهُ بِالرَّفْعِ وَلَا يَكُونُ سَابِقًا بِالرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ فَإِذَا هَوَى إلَى السُّجُودِ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِنْ الْقِيَامِ، وَحَصَلَ السَّبْقُ بِرُكْنَيْنِ وَلَا تَبْطُلُ بِسَبْقٍ بِرُكْنٍ غَيْرِ رُكُوعٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ الْمَأْمُومُ الرَّكْعَةَ فَتَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ السَّبْقَ بِرُكْنَيْنِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مَعَ الْعَمْدِ مُطْلَقًا.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ إمَامِهِ (بِرُكْنٍ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ (فَكَالسَّبْقِ بِهِ) بِرُكْنٍ، عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَ) إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ (لِعُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ عَجَلَةِ إمَامٍ وَنَحْوِهِ (يَفْعَلُهُ وَيَلْحَقُهُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ فَلَزِمَهُ (وَتَصِحُّ الرَّكْعَةُ) فَيُعْتَدُّ بِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ وَيَلْحَقُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ (فَلَا) تَصِحُّ الرَّكْعَةُ بَلْ تُلْغَى لِفَوَاتِ رُكْنِهَا.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومَ (عَنْهُ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، لِعُذْرٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ) كَزِحَامٍ (تَابَعَهُ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (وَقَضَى) الْمَأْمُومُ مَا تَخَلَّفَ بِهِ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ جُمُعَةً) كَانَتْ (أَوْ غَيْرَهَا، كَمَسْبُوقٍ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ كَأَنَّهُ
стр. 460
أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى رَكْعَتَيْنِ قُلْت وَالْمَقْضِيُّ هُنَا لَيْسَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ دَائِمًا، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتِهِ مَعَهُ.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومُ (بِرُكْنَيْنِ) لِغَيْرِ عُذْرٍ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ بِلَا عُذْرٍ.
(وَ) إنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ بِالرُّكْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (لِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ إنْ أَمِنَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ وَتَبِعَهُ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِدْرَاكِهِ بِلَا مَحْذُورٍ (وَصَحَّتْ رَكْعَتُهُ) فَيُتِمُّ عَلَيْهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَأْمَنْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ إنْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ (تَبِعَهُ) ؛ لِأَنَّ اسْتِدْرَاكَهُ الْفَائِتَةَ إذَنْ يُؤَدِّي إلَى فَوْتِ رَكْعَةٍ غَيْرِهَا فَيَتْرُكُهُ مُحَافَظَةً عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ (وَلَغَتْ رَكْعَتُهُ وَاَلَّتِي تَلِيهَا عِوَضُهَا) فَيَبْنِيَ عَلَيْهَا.
(وَلَوْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ، يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ) فَيَأْتِي بَعْدَهَا بِرَكْعَةٍ فَتَتِمُّ جُمُعَتُهُ وَلَمْ نَقُلْ بِالتَّلْفِيقِ فِيمَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُعْتَبَرٍ وَإِنْ ظَنَّ تَحْرِيمَ مُتَابَعَتِهِ فَسَجَدَ جَهْلًا اُعْتُدَّ بِهِ.
وَلَوْ أَتَى بِمَا تَخَلَّفَ بِهِ وَأَدْرَكَ إمَامَهُ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَبِعَهُ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَبَعْدَ رَفْعَهُ مِنْهُ تَبِعَهُ وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ.
(وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إتْمَامِهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَا «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ: فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ (إذَا لَمْ يُؤْثِرْ مَأْمُومٌ التَّطْوِيلَ فَإِنْ آثَرُوا) هـ (كُلُّهُمْ اُسْتُحِبَّ) لِزَوَالِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ وَهِيَ التَّنْفِيرُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَعَدَدُهُمْ مُنْحَصِرٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ.
(وَ) يُسَنُّ، لِلْإِمَامِ (أَنْ يُرَتِّلَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّشَهُّدَ، بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى بِهِ وَأَنْ يَتَمَكَّنَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالثَّقِيلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ) لِيَتَمَكَّنَ كُلٌّ مِنْ الْمَأْمُومِينَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ بِسُنَّةٍ (وَيُسَنُّ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (إذَا عَرَضَ فِي الصَّلَاةِ عَارِضٌ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ يَقْتَضِي خُرُوجَهُ) مِنْ الصَّلَاةِ (أَنْ يُخَفِّفَ، كَمَا إذَا سَمِعَ بُكَاءَ صَبِيٍّ وَنَحْوَ ذَلِكَ) «لِقَوْلِهِ ﷺ إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ
стр. 461
عَلَى أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَتُكْرَهُ) لِلْإِمَامِ (سُرْعَةٌ تَمْنَعُ مَأْمُومًا فِعْلِ مَا يُسَنُّ) لَهُ كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ وَالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِتْمَامِ مَا يُسَنُّ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْوِيتِ الْمَأْمُومِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ الْمَأْمُومِ إنْ تَضَرَّرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ وَنَحْوُهُ وَقَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ وَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ غَالِبًا مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ غَالِبًا وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُزِيدُ وَيُنْقِصُ أَحْيَانًا.
(وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ) قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ «كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْبَقِيعَ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَأْتِي وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ إلَيْهَا لِئَلَّا يَفُوتُهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ شَيْءٌ (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ طَوَّلَ الثَّانِيَةَ عَنْ الْأُولَى (فَنَصُّهُ: يُجْزِئُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَذَلِكَ) أَيْ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ (فِي كُلِّ صَلَاةٍ) ثُنَائِيَّةً كَانَتْ أَوْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً (إلَّا فِي صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، كَمَا يَأْتِي) فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (فَالثَّانِيَةُ أَطْوَلُ) مِنْ الْأُولَى لِتُتِمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى صَلَاتَهَا ثُمَّ تَذْهَبَ لِتَحْرُسَ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتَدْخُلُ مَعَهُ (وَ) إلَّا فِي (صَلَاةِ جُمُعَةٍ إذَا قَرَأَ بِسَبِّحِ وَالْغَاشِيَةِ) لِوُرُودِهِ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: لَا أَثَرَ لِتَفَاوُتٍ يَسِيرٍ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ أَيْ إذَا كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَطْوَلُ بِيَسِيرٍ، لَا كَرَاهَةَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ.
(وَإِنْ أَحَسَّ) الْإِمَامُ (بِدَاخِلٍ وَهُوَ) أَيْ الْإِمَامُ (فِي، رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَ الدَّاخِلُ (مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، وَكَانَتْ الْجَمَاعَةُ كَثِيرَةٌ كُرِهَ) لِلْإِمَامِ (انْتِظَارُهُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَالَ وَالشَّأْنَ (يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ) ذَلِكَ زَادَ جَمَاعَةٌ أَوْ طَالَ ذَلِكَ.
(وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً وَالِانْتِظَارُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ) فَيُكْرَهُ،؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَأْمُومِ الَّذِي مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ، فَلَا يَشُقَّ عَلَى مَنْ مَعَهُ لِنَفْعِ الدَّاخِلِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ) بِأَنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً وَلَا يَشُقُّ الِانْتِظَارُ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى بَعْضِهِمْ (اُسْتُحِبَّ انْتِظَارُهُ) لِلدَّاخِلِ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا وَلِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى الْمُتَقَدِّمِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ بِلَا مَضَرَّةٍ فَكَانَ مُسْتَحَبًّا، كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
(وَإِنْ اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةٌ إلَى
стр. 462
الْمَسْجِدَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، كُرِهَ لِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ مَنْعُهَا إذَا خَرَجَتْ تَفِلَةً، غَيْرَ مُزَيَّنَةٍ وَلَا مُطَيَّبَةٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (إلَّا أَنْ يَخْشَى) زَوْجُهَا إلَى الْمَسْجِدَ (فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا) فَيَمْنَعُهَا عَنْهُ دَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ.
(وَكَذَا أَبٌ مَعَ ابْنَتِهِ) إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ فِي الْخُرُوجِ لِلْمَسْجِدِ كُرِهَ لَهُ مَنْعُهَا إلَّا أَنْ يَخْشَى فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا (وَلَهُ) أَيْ الْأَبِ (مَنْعُهَا مِنْ الِانْفِرَادِ) عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ دُخُولٍ يُفْسِدُهَا وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ وَالزَّوْجُ أَمْلَكُ مِنْ الْأَبِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ فَأَوْلِيَاؤُهَا الْمَحَارِمُ) لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ اسْتِصْحَابًا لِلْحَضَانَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى هَذَا فِي رِجَالِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، كَالْخَالِ أَوْ الْحَاكِمِ: الْخِلَافُ فِي الْحَضَانَةِ وَيَتَوَجَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ وَلَا ضَرَرَ حَرُمَ الْمَنْعُ عَلَى وَلِيٍّ أَوْ لِغَيْرِ أَبٍ (وَيَأْتِي فِي الْحَضَانَةِ) .
(وَتُنْهَى الْمَرْأَةُ عَنْ تَطَيُّبِهَا لِحُضُورِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ « ﷺ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ (فَإِنْ فَعَلَتْ) أَيْ تَطَيَّبَتْ لِلْخُرُوجِ (كُرِهَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ) .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يُكْرَهُ تَطَيُّبُهَا لِحُضُورِ مَسْجِدٍ وَغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُهُ أَظْهَرُ اهـ فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ (وَلَا تُبْدِي زِينَتَهَا) أَيْ تُظْهِرُهَا (إلَّا لِمَنْ فِي الْآيَةِ) وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الْآيَةَ.
(قَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ (ظُفْرُهَا عَوْرَةٌ) كَسَائِرِ بَدَنِهَا (فَلَا تَخْرُجْ، فَإِذَا خَرَجَتْ فَلَا تُبَيِّنْ شَيْئًا وَلَا خُفَّهَا فَإِنَّهُ يَصِفُ الْقَدَمَ) أَيْ حَجْمَهُ.
(وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَجْعَلَ لِكُمِّهَا زِرًّا عِنْدَ يَدِهَا) وَاخْتَارَ الْقَاضِي قَوْلَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الزِّينَةِ مِنْ الثِّيَابِ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ لَا قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ بِبَعْضِ الْحُلِيِّ أَوْ بِبَعْضِهَا فَإِنَّهَا الْخَفِيَّةُ، وَنَصُّ أَحْمَدَ: الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ الثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا عَوْرَةٌ حَتَّى الظُّفْرُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الْوَجْهُ وَبَاطِنُ الْكَفِّ» .
(وَصَلَاتُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ) لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ وَظَاهِرُهُ: حَتَّى مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّهَا جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَك قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي
стр. 463
قَالَ فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بَيْتِهَا، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ، حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ » .
(وَالْجِنُّ مُكَلَّفُونَ) فِي الْجُمْلَةِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (يَدْخُلُ كَافِرُهُمْ النَّارَ) إجْمَاعًا.
(وَ) يَدْخُلُ (مُؤْمِنُهُمْ الْجَنَّةَ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ تُرَابًا وَإِنَّ ثَوَابَهُ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ كَالْبَهَائِمِ وَهُمْ فِيهَا عَلَى قَدْرِ ثَوَابِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ فِيهَا، أَوْ إنَّهُمْ فِي رَبَضَ الْجَنَّةِ، أَيْ مَا حَوْلَهَا.
قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْجُمُعَةَ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَنَرَاهُمْ) أَيْ الْجِنَّ (فِيهَا) أَيْ الْجَنَّةِ (وَلَا يَرَوْنَا) فِيهَا عَكْسُ مَا فِي الدُّنْيَا (وَلَيْسَ مِنْهُمْ رَسُولٌ) وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَهِيَ كَقَوْلِهِ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وَإِنَّمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَكَقَوْلِهِ ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ قَالَ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ إخْرَاجُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ التَّكْلِيفِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا نُهُوا عَنْهُ مُسَاوِيًا لِمَا عَلَى الْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اهـ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ أَنَّ مَا بِيَدِهِمْ مِلْكُهُمْ مَعَ إسْلَامِهِمْ فَتَصِحُّ مُعَامَلَتُهُمْ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَيَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمْ، وَكَافِرُهُمْ كَالْحَرْبِيِّ يَجُوزُ قَتْلُهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الْآدَمِيِّينَ وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَتَحِلَّ ذَبِيحَتُهُمْ، وَبَوْلُهُمْ وَقَيْئُهُمْ طَاهِرَانِ وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ الْآدَمِيُّ لِئَلَّا يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ الْجِنِّ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ لِلْجِنِّ قُدْرَةً عَلَى النُّفُوذِ فِي بَوَاطِنِ الْبَشَرِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» وَكَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إذَا أَتَى بِالْمَصْرُوعِ وَعَظَ مَنْ صَرَعَهُ، وَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَإِنْ انْتَهَى وَفَارَقَ الْمَصْرُوعَ أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَعُودَ وَإِنْ لَمْ يَأْتَمِرْ وَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يُفَارِقْهُ ضَرَبَهُ حَتَّى يُفَارِقَهُ وَالضَّرْبُ يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ عَلَى الْمَصْرُوعِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَنْ صَرَعَهُ وَلِهَذَا يَتَأَلَّمُ مَنْ صَرَعَهُ بِهِ وَيَصِيحُ وَيُخْبِرُ الْمَصْرُوعُ إذَا أَفَاقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ:
стр. 464
وَأَظُنُّ أَنِّي رَأَيْتُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِثْلَ فِعْلِ شَيْخِنَا وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى مَنْ صَرَعَهُ فَفَارَقَهُ، وَأَنَّهُ عَاوَدَ بَعْدَ مَوْتِ أَحْمَدَ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ بِنَعْلِ أَحْمَدَ وَقَالَ لَهُ: فَلَمْ يُفَارِقْهُ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمَرُّوذِيَّ ضَرَبَهُ فَامْتِنَاعُهُ لَا يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ.
[فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ]
(فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ) (الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً الْأَفْقَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (ثُمَّ الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً الْفَقِيهُ، ثُمَّ الْأَقْرَأُ) جَوْدَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا لَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا تَقْدِيمُ النَّبِيِّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ حَيْثُ قَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانَ أَقْرَأَ مِنْهُ وَأَحْفَظَ كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَدَّمَهُ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ لِتَفْهَمَ الصَّحَابَةُ مِنْ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ الصُّغْرَى اسْتِحْقَاقَهُ لِلْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَتَقْدِيمَهُ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمَّا اسْتَخْلَفَ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ صَحَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْرَؤُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَعَلَّمُونَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَعَانِيهِ وَمَا يُرَادُ بِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إذَا عَلِمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْأَجْوَدَ قِرَاءَةً عَلَى الْأَكْثَرِ قُرْآنًا؛ لِأَنَّ الْمُجَوِّدَ لِقِرَاءَتِهِ أَعْظَمُ أَجْرًا، لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إعْرَابُ الْقُرْآنْ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ.
(ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِي الْجَوْدَةِ وَعَدَمِهَا فَالْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ (الْأَكْثَرُ قُرْآنًا الْأَفْقَهُ، ثُمَّ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا الْفَقِيهُ، ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا
стр. 465
فِي الْقِرَاءَةِ (فَالْقَارِئُ الْأَفْقَهُ، ثُمَّ الْقَارِئُ الْفَقِيهُ ثُمَّ الْقَارِئُ الْعَارِفُ فِقْهَ صَلَاتِهِ، ثُمَّ الْأَفْقَهُ) وَالْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا، إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ كَذَلِكَ، لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءٌ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءٌ فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَمِنْ شَرْطِ تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا فِقْهَ صَلَاتِهِ) وَمَا يَحْتَاجُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُؤْمَنَ أَنْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهَا (حَافِظًا لِلْفَاتِحَةِ) ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ (وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَقِيهَيْنِ) الْمُسْتَوِيَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ (أَفْقَهَ أَوْ أَعْلَمَ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ قُدِّمَ) ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ (وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ لَا يَعْلَمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ عَلَى فَقِيهٍ أُمِّيٍّ) لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ،؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ يُقَدَّمُ (الْأَسَنُّ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِيمَا تَقَدَّمَ فَالْأَوْلَى (الْأَشْرَفُ وَهُوَ مَنْ كَانَ قُرَشِيًّا) إلْحَاقًا لِلْإِمَامَةِ الصُّغْرَى بِالْكُبْرَى لِقَوْلِهِ ﷺ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَقَوْلُهُ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَالشَّرَفُ يَكُونُ بِعُلُوِّ النَّسَبِ.
(فَتَقَدَّمَ مِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ) لِقُرْبِهِمْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ (عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) كَبِنَى عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ (ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً بِسَبْقِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا) وَعُلِمَ مِنْهُ بَقَاءُ حُكْمِ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» فَالْمَعْنَى: لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ (وَمِثْلُهُ السَّبْقُ بِالْإِسْلَامِ) فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْهِجْرَةِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَا بِدَارِ إسْلَامٍ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ مُسْلِمًا أَيْ إسْلَامًا» ، وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ كَالْهِجْرَةِ (ثُمَّ الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فَيُقَدَّمُ عَلَى الْأَعْمَرِ لِلْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ هُوَ الْخُضُوعُ، وَرَجَاءُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَالْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ أَقْرُبُ إلَى ذَلِكَ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: الْوَرَعُ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ زَادَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى التَّقْوَى وَالزُّهْدِ فِي الْخُطْبَةِ
стр. 466
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ أَنَّ الزُّهْدَ تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْوَرَعُ تَرْكُ مَا يُخْشَى ضَرَرُهُ فِي الْآخِرَةِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ يُقَدَّمُ (مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ الْمُصَلُّونَ، أَوْ كَانَ أَعَمْرُ لِلْمَسْجِدِ) هَذِهِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ وَالشَّارِحِ وَالْمَذْهَبِ، كَمَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا يُقْرَعُ (ثُمَّ قُرْعَةٌ) مَعَ التَّشَاحِّ؛ لِأَنَّ سَعْدًا أَقْرَعَ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي الْآذَانِ، وَالْإِمَامَةِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(فَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَفْضُولُ) عَلَى الْفَاضِلِ بِلَا إذْنِهِ (جَازَ) أَيْ صَحَّتْ إمَامَتُهُ.
(وَكُرِهَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ» ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ.
(وَإِذَا أَذِنَ الْأَفْضَلُ لِلْمَفْضُولِ لَمْ يُكْرَهْ) أَنْ يَتَقَدَّمَ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّقَدُّمِ لَهُ وَقَدْ أَسْقَطَهُ.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ أَبَاهُ بِلَا كَرَاهَةٍ) إذَا كَانَ بِإِذْنِهِ، أَوْ فِيهِ مَزِيَّةٌ يُقَدَّمُ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ الصِّدِّيقُ عَلَى أَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ (وَصَاحِبَ الْبَيْتِ وَإِمَامَ الْمَسْجِدِ وَلَوْ عَبْدًا، وَلَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ إذَا كَانَ إمَامَ مَسْجِدٍ أَوْ صَاحِبَ بَيْتٍ (بِالْأَحْرَارِ) جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَبَا ذَرٍّ صَلَّوْا خَلْفَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ عَبْدٌ رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ (أَحَقُّ بِإِمَامَةِ مَسْجِدٍ وَبَيْتِهِ مِنْ الْكُلِّ) مِمَّنْ تَقَدَّمَ (إذَا كَانَ) إمَامَ الْمَسْجِدِ أَوْ صَاحِبَ الْبَيْتِ (مِمَّنْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا أَفْضَلَ مِنْهُمَا) .
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى أَرْضًا لَهُ عِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لَهُ، فَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فَأَبَى وَقَالَ صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِهِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ (فَيَحْرُمُ تَقْدِيمُ غَيْرِهِمَا عَلَيْهِمَا بِدُونِ إذْنٍ) ؛ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَيْهِمَا (وَلَهُمَا تَقْدِيمُ غَيْرِهِمَا وَلَا يُكْرَهُ) لَهُمَا أَنْ يُقَدِّمَا غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا (بَلْ يُسْتَحَبُّ) تَقْدِيمُهُمَا لِغَيْرِهِمَا (إنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُمَا) مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْفَضْلِ.
(وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ (ذُو سُلْطَانٍ وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، ثُمَّ نُوَّابُهُ كَالْقَاضِي، وَكُلُّ ذِي سُلْطَانٍ أَوْلَى مِنْ) جَمِيعِ (نُوَّابِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا وَلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَامَّةً وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (وَسَيِّدٌ فِي بَيْتِ عَبْدِهِ أَوْلَى) بِإِمَامَةٍ (مِنْهُ) لِوِلَايَتِهِ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ (وَحُرٌّ أَوْلَى مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ مُبَعَّضٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَشْرَفُ وَيَصْلُحُ إمَامًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (وَمُكَاتَبٌ وَمُبَعَّضٌ أَوْلَى مِنْ عَبْدٍ) لِحُصُولِ بَعْضِ الْأَكْمَلِيَّةِ وَالْأَشْرَفِيَّةِ فِيهِمَا (وَحَاضِرٌ) أَيْ مُقِيمٌ أَوْلَى مِنْ مُسَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَرَ،
стр. 467
فَيَفُوتُ الْمَأْمُومِينَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ (وَبَصِيرٌ) أَوْلَى مِنْ أَعْمَى؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادِهِ (وَحَضَرِيٌّ) وَهُوَ النَّاشِئُ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى أَوْلَى مِنْ بَدْوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْجَفَاءُ وَقِلَّةُ الْمَعْرِفَةِ بِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، لِبُعْدِهِمْ عَمَّنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْأَعْرَابِ ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] (وَمُتَوَضِّئٌ) أَوْلَى مِنْ مُتَيَمِّمٍ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُبِيحٌ (وَمُعِيرٌ) فِي الْبَيْتِ الْمُعَارِ أَوْلَى مِنْ مُسْتَعِيرٍ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْمُسْتَعِيرُ إنَّمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ (وَمُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ) كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ وَقَادِرٌ عَلَى مَنْعِ الْمُؤَجِّرِ مِنْ دُخُولِهِ.
(فَإِنْ قَصَرَ إمَامٌ مُسَافِرٌ قَضَى) أَيْ أَتَمَّ (الْمُقِيمُ كَمَسْبُوقٍ) مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (وَلَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ إذَنْ كَالْعَكْسِ) أَيْ كَإِمَامَةِ الْمُقِيمِ لِلْمُسَافِرِ.
(وَإِنْ أَتَمَّ) الْمُسَافِرُ (كُرِهَتْ) إمَامَتُهُ بِالْمُقِيمِ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهَا نَظَرًا إلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ نَفْلٌ فَيَلْزَمُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَجَوَابُهُ: الْمَنْعُ، وَأَنَّ الْكُلَّ فَرْضٌ فَلِذَلِكَ قَالَ.
(وَإِنْ تَابَعَهُ) أَيْ الْإِمَامُ الْمُسَافِرُ (الْمُقِيمَ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى الِائْتِمَامَ لَزِمَهُ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ فَرْضًا.
(وَلَوْ كَانَ الْأَعْمَى أَصَمَّ صَحَّتْ إمَامَتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَى وَالصَّمَمَ فَقْدُ حَاسَّتَيْنِ لَا يُخِلَّانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَا بِشُرُوطِهَا، فَصَحَّتْ مَعَ ذَلِكَ الْإِمَامَةِ كَمَا لَوْ كَانَ أَعْمَى فَاقِدَ الشَّمِّ (وَكُرِهَتْ) إمَامَتُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ فَاسِقٍ بِفِعْلٍ) كَزَانٍ وَسَارِقٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ وَنَمَّامٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ اعْتِقَادٍ) كَخَارِجِيٍّ وَرَافِضِيٍّ (وَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَذَا: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ لِمَعْنًى فِي دِينِهِ فَأَشْبَهَ الْكَافِرَ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى شَرَائِطِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ بِمِثْلِهِ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فَاسِقٌ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ بِالتَّوْبَةِ (عُلِمَ فِسْقُهُ ابْتِدَاءً أَوَّلًا، فَيُعِيدُ) الْمَأْمُومُ (إذَا عَلِمَ) فِسْقَ إمَامِهِ وَاخْتَارَ الشَّيْخَانِ أَنَّ الْبُطْلَانَ مُخْتَصٌّ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ، دُونَ خَفِيِّهِ
стр. 468
قَالَ فِي الْوَجِيزِ لَا تَصِحُّ خَلْفَ الْفَاسِقِ الْمَشْهُورِ فِسْقُهُ لَكِنَّ ظَاهَرَ كَلَامِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ.
(وَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ) خَلْفَ فَاسِقٍ (بِلَا إعَادَةٍ إنْ تَعَذَّرَتْ خَلْفَ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَصَّانِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ فَالْمَنْعُ مِنْهُمَا خَلْفَهُ يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِهَا دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا عَدْلٌ فَعَلَهُمَا وَرَاءَهُ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا (وَإِنْ خَافَ أَذًى) بِتَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ (صَلَّى خَلْفَهُ) أَيْ الْفَاسِقِ، دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ (وَأَعَادَ، نَصًّا) لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ.
(وَإِنْ نَوَى مَأْمُومٌ الِانْفِرَادَ) أَيْ نَوَى الْمُصَلِّي خَلْفَ الْفَاسِقِ صُورَةَ عَدَمِ الِائْتِمَامِ بِهِ (وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهَا) أَيْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (صَحَّ) مَا صَلَّاهُ.
(وَلَمْ يُعِدْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ (حَتَّى وَلَوْ) كَانُوا (جَمَاعَةً صَلَّوْا خَلْفَهُ بِإِمَامٍ) عَدْلٍ وَوَافَقَهُ الْإِمَامُ فِي أَفْعَالِهَا فَلَا إعَادَةَ لِعَدَمِ الِاقْتِدَاءِ بِفَاسِقٍ.
(وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْعَدْلِ إذَا كَانَ تَائِبًا لِفَاسِقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا تَرْتَبِطُ بِصَلَاةِ إمَامِهِ فَلَا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَالْحَدَثِ (كَصَلَاةِ فَاسِقٍ خَلْفَ عَدْلٍ) .
(وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ إمَامٍ لَا يَعْرِفُهُ) أَيْ يَجْهَلُ عَدَالَتَهُ وَفِسْقَهُ، إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَةُ.
(وَالِاسْتِحْبَابُ) أَنْ يُصَلِّيَ (خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُهُ) عَدْلًا، لِيَتَحَقَّقَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ (وَالْفَاسِقُ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً) وَهِيَ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ (أَوْ دَاوَمَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَتَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي) بَابِ (شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) ،.
(وَمَنْ صَحَّ اعْتِقَادُهُمْ فِي الْأُصُولِ) كَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (فَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ) كَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، لِصَلَاةِ الصَّحَابَةِ خَلْفَ بَعْضِهِمْ مَعَ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْفُرُوعِ (وَيَأْتِي قَرِيبًا) .
(وَمَنْ صَلَّى بِأُجْرَةٍ لَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ، قَالَهُ) مُحَمَّدُ بْنُ تَمِيمٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَسْأَلُ عَنْ إمَامٍ قَالَ أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا؟ قَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟ (فَإِنْ دُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْإِمَامِ (شَيْءٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَلَا بَأْسَ نَصًّا) وَكَذَا لَوْ كَانَ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ وَقْفٍ.
(وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ كَافِرٍ، وَلَوْ) كَانَ كُفْرُهُ (بِبِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ) عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولُ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
(وَلَوْ أَسَرَّهُ) أَيْ الْكُفْرَ، فَجَهِلَ الْمَأْمُومُ كُفْرَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ،؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِهِ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» وَالْكُفْرُ لَا يَخْفَى غَالِبًا فَالْجَهْلُ بِهِ مُفْرِطٌ.
(وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ) ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
(وَلَوْ قَالَ
стр. 469
مَنْ جُهِلَ حَالُهُ) لِمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ (بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ وَإِنَّمَا صَلَّى تَهَزُّؤًا، أَعَادَ مَأْمُومٌ فَقَطْ) نَصَّ عَلَيْهِ (كَمَنْ ظُنَّ كُفْرُهُ أَوْ حَدَثُهُ فَبَانَ بِخِلَافِهِ، أَوْ) ظُنَّ (أَنَّهُ خُنْثَى مُشْكِلٌ فَبَانَ رَجُلًا) فَيُعِيدُ الْمَأْمُومُ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ.
(وَلَوْ عَلِمَ مِنْ إنْسَانٍ حَالَ رِدَّةٍ وَحَالَ إسْلَامٍ) وَصَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ هُوَ؟ أَعَادَ (وَ) لَوْ عَلِمَ لِإِنْسَانٍ (حَالَ إفَاقَةٍ وَحَالَ جُنُونٍ كُرِهَ تَقْدِيمُهُ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِيهَا (فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ هُوَ أَعَادَ) مَا صَلَّاهُ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِالْوُجُوبِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَا يَبْرَأُ بِهِ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُعِيدُ وَصَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إسْلَامَهُ أَوْ إفَاقَتَهُ وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ وَجُنُونِهِ فَلَا إعَادَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ رِدَّتَهُ أَوْ جُنُونَهُ وَشَكَّ فِي إسْلَامِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ أَعَادَ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ، جُزِمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى، وَقُطِعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَافِرٌ فَقَالَ بَعْدَ صَلَاتِهِ: كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَفَعَلْتُ مَا يَجِبُ لِلصَّلَاةِ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ (سَكْرَانٍ) ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ، فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِهِ (وَإِنْ سَكِرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (خَلْفَ أَخْرَسِ وَلَوْ بِ) أَخْرَسَ (مِثْلِهِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ وَالتَّحْرِيمَةُ وَغَيْرُهُمَا فَلَا يَأْتِي بِهِ وَلَا بِبَدَلِهِ، بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ وَنَحْوِهِ قَالَهُ يَأْتِي بِالْبَدَلِ.
(وَلَا) تَصِحَّ الصَّلَاةُ (خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسٌ مِنْ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ) كَنَجْوٍ وَرِيحٍ وَرُعَافٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَجُرُوحٍ سَيَّالَةٍ إلَّا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ خَلَلًا غَيْرَ مَجْبُورٍ بِبَدَلٍ لِكَوْنِهِ يُصَلِّي مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ يَعْلَمُ حَدَثَهُ وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ (أَوْ عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُ كَأَحْدَبَ، أَوْ) عَاجِزٍ عَنْ (سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ عَنْ اسْتِقْبَالٍ أَوْ اجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ أَوْ) عَاجِزٍ (عَنْ الْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ أَوْ الشُّرُوطِ إلَّا بِمِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ فَلَمْ يُجْزَ كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَصِحُّ إمَامَتُهُمْ بِمِثْلِهِمْ لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ» ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ
стр. 470
(خَلْفَ عَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِرَاءَة إلَّا بِمِثْلِهِ (إلَّا إمَامَ الْحَيِّ وَهُوَ كُلُّ إمَامِ مَسْجِدٍ رَاتِبٍ) لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٌّ، فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ إلَى قَوْلِهِ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ وَلِأَنَّ إمَامَ الْحَيِّ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَالْقِيَامُ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّفْلِ (الْمَرْجُوِّ زَوَالُ عِلَّتِهِ) الَّتِي مَنَعَتْهُ الْقِيَامَ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ: فِعْلُهُ ﷺ وَكَانَ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ.
(وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ) جُلُوسًا (وَ) يُصَلُّونَ أَيْضًا (وَرَاءَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) إذَا مَرِضَ وَرُجِيَ زَوَالُ عِلَّتِهِ (جُلُوسًا) لِلْخَبَرِ.
قَالَ فِي الْخِلَافِ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا فَيُتِمُّهَا كَذَلِكَ وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ، فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ» وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا وَصَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ قَالَ وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ مَالِكٌ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ إمَامًا لَكَانَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ قِيلَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَلْفَهُ صَفٌّ، وَنَقَلَ مِثْلَ قَوْلِنَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَجَابِرٌ وَقَيْسُ بْنُ فَهْدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ (فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا) خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ الْمَرْجُوِّ زَوَالُ عِلَّتِهِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ قَائِمًا بِالْإِعَادَةِ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ.
(وَالْأَفْضَلُ لَهُ) أَيْ لِإِمَامِ الْحَيِّ (أَنْ يَسْتَخْلِفَ إذَا مَرِضَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ أَنَّهُ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ، مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ وَكَمَالُهَا مَطْلُوبٌ.
(وَإِنْ ابْتَدَأَ بِهِمْ) الْإِمَامُ (الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ) أَيْ حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (فَجَلَسَ) عَجْزًا (أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا وَلَمْ يَجُزْ الْجُلُوسُ نَصًّا) لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ كَمَنْ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ رُكْنًا) عِنْدَهُ وَحْدَهُ كَالطُّمَأْنِينَةِ (أَوْ) تَرَكَ الْإِمَامُ (وَاجِبًا) عِنْدَهُ وَحْدَهُ كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (أَوْ)
стр. 471
تَرَكَ الْإِمَامُ (شَرْطًا عِنْدَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْمَأْمُومِ كَسَتْرِهِ أَحَدَ الْعَاتِقَيْنِ فِي الْفَرْضِ، بِأَنْ كَانَ الْمَأْمُومُ لَا يَرَى الْمَتْرُوكَ رُكْنًا، وَلَا وَاجِبًا، وَلَا شَرْطًا (أَوْ) كَانَ الْمَتْرُوكُ رُكْنًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ شَرْطًا (عِنْدَهُ، وَعِنْدَ الْمَأْمُومِ) حَالَ كَوْنِ الْإِمَامِ (عَالِمًا) بِمَا تَرَكَهُ (أَعَادَ) لِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِتَرْكِهِ الشَّرْطَ أَوْ الرُّكْنَ أَوْ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَبُطْلَانُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ سَهْوًا فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ وَاجِبًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا وَلَا إعَادَةَ وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ صَحَّتْ لِمَأْمُومٍ وَحْدَهُ، عَلَى مَا يَأْتِي وَإِنْ كَانَ رُكْنًا وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ قَرِيبًا فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا غَيْرَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُمَا وَأَعَادَا (وَإِنْ كَانَ) الْمَتْرُوكُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا أَوْ وَاجِبًا (عِنْدَ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ) كَالْحَنْبَلِيِّ اقْتَدَى بِمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ تَرْكَ سَتْرَ أَحَدِ الْعَاتِقَيْنِ أَوْ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَكْبِيرَةَ الِانْتِقَالِ وَنَحْوِهِ، مُتَأَوِّلًا أَوْ مُقَلِّدًا مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ مُفْسِدًا (فَلَا) إعَادَةَ عَلَى الْإِمَامِ، وَلَا عَلَى الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ فَجَازَتْ خَلْفَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وَمِثْلُهُ لَوْ صَلَّى شَافِعِيٌّ قَبْلَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْحَنْبَلِيِّ خَلْفَهُ.
(وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ) أَعَادَ، ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ إجْمَاعًا كَتَرْكِهِ فَرْضَهُ، وَلِهَذَا أَمَرَ ﷺ الَّذِي تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ بِالْإِعَادَةِ وَجَعَلَ فِي الْمُبْدِعِ تَرْكَ الْوَاجِبِ كَذَلِكَ وَمُرَادُهُ: إذَا شَكَّ فِي وُجُوبِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ فَيَسْقُطُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَيُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، إنْ عَلِمَ فِيهَا أَوْ قَرِيبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَتَصِحَّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ مَنْ خَالَفَ فِي فَرْعٍ لَمْ يُفَسَّقْ بِهِ) أَيْ بِمُخَالَفَتِهِ فِيهِ، كَالصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَرَى النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَعَ شِدَّةِ الْخِلَافِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ خَالَفَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمَنْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَشُرْبِ نَبِيذٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ فُسِّقَ) بِالْمُدَاوَمَةِ.
(وَلَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ) لِفِسْقِهِ (وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ) عَلَيْهِ (فَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (هُوَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ) ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَحْصُلُ بِالصَّغِيرَةِ بَلْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْمَأْمُومِ دُونَهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ: صَحَّتْ
стр. 472
صَلَاتُهُ خَلْفَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ.
(وَلَا إنْكَارَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ) عَلَى مَنْ اجْتَهَدَ فِيهَا وَقَلَّدَ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إمَّا مُصِيبٌ، أَوْ كَالْمُصِيبِ فِي حَطِّ الْإِثْمِ عَنْهُ وَحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ ضَعُفَ الْخِلَافُ أُنْكِرَ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا اهـ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ رَأَيْتُ النَّاسَ لَا يَعْصِمُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ إلَّا الْعَجْزُ وَلَا أَقُولُ الْعَوَامُّ بَلْ الْعُلَمَاءُ كَانَتْ أَيْدِي الْحَنَابِلَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَيَّامِ ابْنِ يُونُسَ فَكَانُوا يَسْتَطِيلُونَ بِالْبَغْيِ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْفُرُوعِ، حَتَّى مَا يُمَكِّنُوهُمْ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْقُنُوتِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ فَلَمَّا جَاءَتْ أَيَّامُ النَّظَّامِ، وَمَاتَ ابْنُ يُونُسَ وَزَالَتْ شَوْكَةُ الْحَنَابِلَةِ اسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ اسْتِطَالَةَ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ، فَاسْتَعْدَوْا بِالسَّجْنِ، وَآذَوْا الْعَوَامَّ بِالسِّعَايَاتِ، وَالْفُقَهَاءَ بِالنَّبْذِ بِالتَّجْسِيمِ قَالَ: فَتَدَبَّرْتُ أَمْرَ الْفَرِيقَيْنِ فَإِذَا بِهِمْ لَمْ تَعْمَلْ فِيهِمْ آدَابُ الْعِلْمِ وَهَلْ هَذِهِ إلَّا أَفْعَالُ الْأَجْنَادِ، يَصُولُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَيَلْزَمُونَ الْمَسَاجِدَ فِي بَطَالَتِهِمْ.
(وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ امْرَأَةٍ) بِرِجَالٍ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ كَالْمَجْنُونِ، وَلَا بِخَنَاثَى لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِمْ رِجَالًا.
(وَلَا) إمَامَةُ (خُنْثَى مُشْكِلٍ بِرِجَالٍ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ امْرَأَةً.
(وَلَا) إمَامَةُ الْخُنْثَى (بِخَنَاثَى) مُشْكِلِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَهُمْ رِجَالٌ وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ وَغَيْرِهَا وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ إذَا كَانَا قَارِئَيْنِ وَالرِّجَالُ أُمِّيُّونَ، وَيَقِفُونَ خَلْفَهَا، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الرَّجُلُ الْمَأْمُومُ بِكَوْنِ الْإِمَامِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى (إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَعَادَ) ؛ لِأَنَّهُ مُفْرِطٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى غَالِبًا.
(وَتَصِحَّ) إمَامَةُ الْمَرْأَةِ بِنِسَاءٍ، لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ «أُمِّ وَرَقَةَ أَنَّهُ ﷺ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا» وَتَصِحُّ أَيْضًا إمَامَةُ الْخُنْثَى (بِنِسَاءٍ) لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَإِمَامَتُهَا بِهِنَّ صَحِيحَةٌ (وَيَقِفْنَ) أَيْ الْمَأْمُومَاتُ (خَلْفَهُ) أَيْ خَلْفَ الْخُنْثَى، إذَا أَمَّهُنَّ كَالرَّجُلِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَقُومُ وَسْطَهُنَّ.
(وَإِنْ صَلَّى) رَجُلٌ (خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ خُنْثَى لَكِنْ، يَجْهَلُ إشْكَالَهُ، ثُمَّ بَانَ) الْخُنْثَى (بَعْدَ الصَّلَاةِ رَجُلًا فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ (الْإِعَادَةُ) كَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُحْدِثًا فَبَانَ مُتَطَهِّرًا.
(وَإِنْ صَلَّى) رَجُلٌ (خَلْفَهُ) أَيْ الْخُنْثَى (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) أَنَّهُ خُنْثَى (فَبَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ رَجُلًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعَدَمِ شَكِّهِ حَالَ الْفِعْلِ فِيمَا يُفْسِدُهَا.
(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ) نَصَّ عَلَيْهِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ «وَقَالَ ﷺ لَا تُقَدِّمُوا
стр. 473
صِبْيَانَكُمْ» وَلِأَنَّهَا حَالُ كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ بَلْ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ وَصِحَّةَ الْإِقْرَارِ وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْقِرَاءَةِ حَالَ السِّرِّ.
(وَتَصِحُّ) إمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ (فِي نَفْلٍ) كَكُسُوفٍ وَتَرَاوِيحٍ (وَ) تَصِحُّ إمَامَةُ مُمَيِّزٍ (بِمِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلًا.
(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مُحْدِثٍ) يَعْلَمُ ذَلِكَ (وَلَا) إمَامَةُ (نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ أَشْبَهَ الْمُتَلَاعِبَ لِكَوْنِهِ لَا صَلَاةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ (وَلَوْ جَهِلَهُ) أَيْ الْحَدَثَ أَوْ النَّجَسَ (مَأْمُومٌ فَقَطْ) أَيْ وَحْدَهُ وَعَلِمَهُ الْإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّهُمْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ وَلَا بَيْنَ نَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْبُقْعَةِ فَإِنْ جَهِلَهُ أَيْ الْحَدَثَ أَوْ النَّجَسَ (هُوَ) أَيْ الْإِمَامُ.
(وَالْمَأْمُومُونَ كُلُّهُمْ حَتَّى قَضَوْا الصَّلَاةَ صَحَّتْ صَلَاةُ مَأْمُومٍ وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْإِمَامِ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ أَعَادَ صَلَاتَهُ وَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلَاتُهُمْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجَرْفِ فَأَهْرَاقَ الْمَاءَ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ النَّاسُ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ وَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مِمَّا يَخْفَى وَلَا سَبِيلَ إلَى الْمَعْرِفَةِ مِنْ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ فَكَانَ مَعْذُورًا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ (إلَّا فِي الْجُمُعَةِ إذَا كَانُوا أَرْبَعِينَ بِالْإِمَامِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ) إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا.
(وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ مُحْدِثًا) أَوْ نَجِسًا (فِيهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ فَقَطْ فَيُعِيدُ الْكُلُّ، لِفَقْدِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ أَوْ النَّجِسَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ غَيْرَ الْمُحْدِثِ أَوْ النَّجِسِ فَالْإِعَادَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ جَاهِلًا) أَوْ نَاسِيًا فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ.
(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ أُمِّيٍّ نِسْبَةً إلَى الْأُمِّ) كَأَنَّهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْهَا وَقِيلَ: إلَى أُمَّةِ الْعَرَبَ وَهُوَ لُغَةً مَنْ لَا يَكْتُبُ وَمِنْ ذَلِكَ وَصْفُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْأُمِّيِّ (بِقَارِئٍ) مَضَتْ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ كَالطَّهَارَةِ وَالسُّتْرَةِ وَهُوَ يَتَحَمَّلُهَا عَنْ الْمَأْمُومِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ (وَالْأُمِّيُّ) اصْطِلَاحًا (مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ) أَيْ لَا يَحْفَظُهَا (أَوْ يُدْغِمُ مِنْهَا حَرْفًا لَا يُدْغَمُ) أَيْ فِي غَيْرِ مِثْلِهِ، وَغَيْرِ مَا يُقَارِبُهُ فِي الْمَخْرَجِ (وَهُوَ
стр. 474
الْأَرَتُّ) .
وَفِي الْمَذْهَبِ هُوَ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عَجَلَةٌ تُسْقِطُ بَعْضَ الْحُرُوفِ (أَوْ يَلْحَنُ) فِيهَا (لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، كَفَتْحِ هَمْزَةِ اهْدِنَا) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى طَلَبِ الْهَدِيَّةِ لَا الْهِدَايَةِ (وَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ) وَكَسْرِهَا، وَكَسْرِ كَافِ إيَّاكَ فَإِنْ لَمْ يُحِلْ الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَالِ نَعْبُدُ وَنُونِ نَسْتَعِينُ فَلَيْسَ أُمِّيًّا.
(وَإِنْ أَتَى بِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إصْلَاحِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا يَأْتِي) ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا، فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلَامِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ.
(وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إصْلَاحِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (قَرَأَهُ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَمَا زَادَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْفَاتِحَةِ (تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى فِيهِ وَاللَّحْنُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يُحِلْ الْمَعْنَى، فَإِنْ أَحَالَهُ كَانَ عَمْدُهُ كَالْكَلَامِ وَسَهْوُهُ كَالسَّهْوِ عَنْ كَلِمَةٍ وَجَهْلُهُ كَجَهْلِهَا.
(وَيَكْفُرُ إنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ) أَيْ إبَاحَةَ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى، لِإِدْخَالِهِ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
(وَإِنْ كَانَ) اللَّحْنُ الْمُحِيلُ لِلْمَعْنَى (لِجَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ آفَةٍ) كَسَبْقِ لِسَانِهِ أَوْ غَفْلَتِهِ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَلَمْ تُمْنَعْ إمَامَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأُمِّيٍّ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ تَصِحَّ إمَامَةُ الْأُمِّيِّ بِمِثْلِهِ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ.
(وَإِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا فَإِنْ، كَانَا) أَيْ الْمَأْمُومَانِ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ) كَانَ (الْأُمِّيُّ فَقَطْ) عَنْ يَمِينِهِ وَالْقَارِئُ عَنْ يَسَارِهِ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ.
(وَ) صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (الْأُمِّيِّ) ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمِثْلِهِ، وَوَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَارِئِ) لِاقْتِدَائِهِ بِأُمِّيٍّ (وَإِنْ كَانَا) أَيْ الْأُمِّيُّ وَالْقَارِئُ الْمَأْمُومَانِ (خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ الْأُمِّيَّ (أَوْ) كَانَ (الْقَارِئُ وَحْدَهُ عَنْ يَمِينِهِ) وَالْأُمِّيُّ عَنْ يَسَارِهِ (فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ) أَمَّا الْإِمَامُ فَلِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، وَأَمَّا الْقَارِئُ فَلِاقْتِدَائِهِ بِالْأُمِّيِّ وَأَمَّا الْأُمِّيُّ فَلِمُخَالَفَتِهِ مَوْقِفَهُ وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ الْأُمِّيَّ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِيَسَارِ إمَامِهِ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمَا يَأْتِي فَصَحَّ اقْتِدَاؤُهُ أَوَّلًا بِالْإِمَامِ وَبُطْلَانُ صَلَاتِهِ بَعْدُ لَا يُؤَثِّرُ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النِّيَّةِ، وَكَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ عَقِبَهُ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِالْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَخِيرِ) مِنْهَا.
(وَلَا بِالْعَكْسِ) أَيْ إقْصَاءُ الْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِالْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأُوَلِ (وَلَا اقْتِدَاءُ مَنْ يُبَدِّلُ حَرْفًا مِنْهَا بِمَنْ يُبَدِّلُ حَرْفًا غَيْرَهُ) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ.
(وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ وَيُحْسِنَ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ بِقَدْرِهَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ مَنْ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ) وَجَوَّزَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ
стр. 475
لِأَنَّهُمَا أُمِّيَّانِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُحْسِنُ دُونَ السَّبْعِ فَوَجْهَانِ.
(وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ) لِلْإِمَامَةِ (فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَلْفَهُ وَأَعَادَ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ قُلْتُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ أَذًى لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَاسِقِ.
(وَإِنْ شَاءَ صَلَّى وَحْدَهُ جَمَاعَةً) بِإِمَامِ يَصْلُحُ لِلْعُذْرِ (أَوْ) صَلَّى (وَحْدَهُ وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهِ، وَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ بِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا.
(وَإِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى تَغْيِيرِ نَظْمِ الْقُرْآنِ بِمَا هُوَ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُحِيلُ مَعْنَاهُ، كَقَوْلِهِ: إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، وَنَحْوِهِ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ) إذَا كَانَ سَهْوًا عِنْدَ الْمَجْدِ، وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ يَسْجُدُ لَهُ.
(وَحُكْمُ مَنْ أَبْدَلَ مِنْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (حَرْفًا بِحَرْفٍ، لَا يُبَدَّلُ كَالْأَلْثَغِ الَّذِي يَجْعَلُ الرَّاءَ غَيْنًا وَنَحْوِهِ، حُكْمُ مَنْ لَحَنَ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ لَا يُبَدِّلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا ضَادَ الْمَغْضُوبِ وَالضَّالِّينَ) إذَا أَبْدَلَهَا (بِظَاءٍ فَتَصِحُّ) إمَامَتُهُ بِمَنْ لَا يُبَدِّلُهَا ظَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ أُمِّيًّا بِهَذَا الْإِبْدَالِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَلِمَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَفْظًا وَمَعْنَى (كَ) مَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ (بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا) أَيْ الضَّادِ وَالظَّاءِ (مِنْ أَطْرَافِ اللِّسَانِ، وَبَيْنَ الْأَسْنَانِ وَكَذَلِكَ مَخْرَجُ الصَّوْتِ وَاحِدٌ قَالَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إصْلَاحِ ذَلِكَ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إدْغَامِ حَرْفٍ فِي آخَرَ لَا يُدْغَمُ فِيهِ، أَوْ إبْدَالِ حَرْفٍ بِحَرْفٍ غَيْرِ ضَادِ الْمَغْضُوبِ وَالضَّالِّينَ بِظَاءٍ، أَوْ إصْلَاحِ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ مَا لَمْ يُصْلِحْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا.
(وَتُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ كَثِيرِ اللَّحْنِ الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى) كَجَرِّ دَالِ الْحَمْدِ وَنَصْبِ هَاءِ اللَّهُ وَنَصْبِ بَاءِ رَبِّ وَنَحْوِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُؤْتَمُّ مِثْلَهُ أَوْ كَانَ لَا يَلْحَنُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ بَاقٍ، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الرَّبِّ .
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ وَمُتَعَمِّدٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ: إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالْيَسِيرِ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَخْلُو مِنْ ذَلِكَ، إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ.
(وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (مَنْ يُصْرَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، مِنْ الصَّرْعِ، وَهُوَ دَاءٌ يُشْبِهُ الْجُنُونَ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (أَوْ تُضْحِكُ رُؤْيَتُهُ) أَوْ صُورَتُهُ، أَيْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ وَتَصِحُّ.
(وَمَنْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كَرَاهَةُ إمَامَةِ الْمُوَسْوِسِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِئَلَّا يَقْتَدِي بِهِ عَامِّيٌّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يُكْرَهُ.
(وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (أَقْلَف) أَمَّا الصِّحَّةُ فَلِأَنَّهُ
стр. 476
ذَكَرٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ قَارِئٌ، فَصَحَّتْ إمَامَتُهُ كَالْمَخْتُونِ، وَالنَّجَاسَةُ تَحْتَ الْقُلْفَةِ بِمَحَلٍّ لَا تُمْكِنُهُ إزَالَتُهَا مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لِعَدَمِ إمْكَانِ إزَالَتِهَا، وَكُلُّ نَجَاسَةٍ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْأَقْلَفِ الْمُرْتَفِقِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى فَتْقِ قُلْفَتِهِ وَغَسْلِ مَا تَحْتَهَا فَأَمَّا الْمَفْتُوقُ الْقُلْفَةَ فَإِنْ تَرَكَ غَسْلَ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ مِمَّا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ لَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ وَلَا صَلَاتُهُ، لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً لَا يُعْفَى عَنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهَا، قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ (وَ) .
تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (أَقْطَعِ يَدَيْنِ، أَوْ) أَقْطَعِ (إحْدَاهُمَا أَوْ) أَقْطَعِ (رِجْلَيْنِ أَوْ) أَقْطَعَ (إحْدَاهُمَا) .
قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الصِّحَّةِ إذَا أَمْكَنَ أَقْطَعِ رِجْلَيْنِ الْقِيَامُ، بِأَنْ يَتَّخِذَ لَهُ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، أَوْ نَحْوِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَوْ أَنْفٍ) أَيْ تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ أَقْطَعِ أَنْفٍ.
(وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (الْفَأْفَاءِ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتَّمْتَامِ: الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ) كَالْقَافِ وَالضَّادِ، أَمَّا صِحَّةُ إمَامَتِهِ فَلِإِتْيَانِهِ بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا كَرَاهَةُ تَقْدِيمِهِ فَلِزِيَادَتِهِ مَا يُكَرِّرُ، أَوْ عَدَمِ فَصَاحَتِهِ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَؤُمَّ رَجُلٌ) أُنْثَى (أَجْنَبِيَّةً فَأَكْثَرَ، لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْوَسْوَاسِ.
(وَلَا بَأْسَ) أَنْ يَؤُمَّ (بِذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَشْهَدْنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةَ.
وَفِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ لِلشَّوَابِّ وَذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الْخُرُوجُ لِلصَّلَاةِ، وَيُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ فَإِنْ صَلَّى بِهِنَّ رَجُلٌ مَحْرَمٌ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ، بِحَقٍّ نَصًّا، لِخَلَلٍ فِي دِينِهِ أَوْ فَضْلِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ لَيِّنٌ.
وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُقْبَلُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ الْإِفْرِيقِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
قَالَ الْقَاضِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ أَمَّا إنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ (فَإِنْ كَرِهَهُ) أَيْ الْإِمَامَ (نِصْفُهُمْ لَمْ يُكْرَهْ) أَنْ يَؤُمَّهُمْ لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ إزَالَةً لِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(قَالَ الشَّيْخُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (مُعَادَاةٌ
стр. 477
مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَذَاهِبِ، لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، لِعَدَمِ الِائْتِلَافِ) وَالْمَقْصُودُ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً إنَّمَا يَتِمُّ بِالِائْتِلَافِ (وَلَا يُكْرَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ) حَيٌّ صَلُحَ لِلْإِمَامَةِ (؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ) دُونَهُمْ، لِلْأَخْبَارِ (وَإِنْ كَرِهُوهُ لِدِينِهِ وَسُنَّتِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ) ،.
(وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ زِنًا وَلَقِيطٍ وَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وَخَصِيٍّ وَجُنْدِيٍّ) بِضَمِّ الْجِيمِ (وَأَعْرَابِيٍّ إذَا سَلِمَ دِينُهُمْ وَصَلَحُوا لَهَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» وَصَلَّى الْبَاقُونَ خَلْفَ ابْنِ زِيَادٍ وَهُوَ مِمَّنْ فِي نِسْبَتِهِ نَظَرٌ قَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ قَالَتْ: يُقَالُ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ حُرٌّ مَرْضِيٌّ فِي دِينِهِ، يَصْلُحُ لَهَا كَغَيْرِهِ.
(وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيَهَا) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ الْخَلَّالُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْوَقْتُ.
(وَعَكْسُهُ) أَيْ يَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يَقْضِي الصَّلَاةَ بِمَنْ يُؤَدِّيهَا لِمَا سَبَقَ (وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (قَاضِي ظُهْرَ يَوْمٍ بِقَاضِي ظُهْرَ يَوْمٍ آخَرَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالطَّهَارَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ وَالْعَكْسُ أَوْ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَصِحُّ) ائْتِمَامُ (مَاسِحٍ عَلَى حَائِلٍ بِغَاسِلٍ) لِمَا تَحْتَ ذَلِكَ الْحَائِلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رَافِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ» .
(وَ) لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ (مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) أَوْ بِهِ قُرُوحٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ بِأَحَدِهِمَا (بِمَنْ تَطْهُرُ بِأَحَدِهِمَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي ائْتِمَامِ الْقَادِرِ بِالْعَاجِزِ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ.
(وَلَا) يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ (مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَا تُؤَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ أَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَهُوَ يُنْقَضُ بِالْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَنْوِي الظُّهْرَ مَنْ يُصَلِّيهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الظُّهْرَ بَدَلٌ عَنْ الْجُمُعَةِ بِإِذْنٍ وَالْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَعَنْهُ يَصِحُّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ «مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ يُقَالُ: هَذِهِ قَضِيَّةُ عَيْنٍ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ فَيَسْقُطُ بِهَا الِاسْتِدْلَال (إلَّا إذَا
стр. 478
صَلَّى بِهِمْ فِي صَلَاةِ خَوْفٍ صَلَاتَيْنِ) فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ لِفِعْلِهِ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(فَائِدَةٌ) لَوْ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ لَا؟ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ وَلَهُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبُ فِعْلِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَوْ لَا؟ .
(وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ أَوْ غَيْرَهُمَا) كَالْعِشَاءِ (وَلَا عَكْسُهُ) وَمِثْلُهُ صَلَاةُ كُلِّ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ غَيْرِهِ وَقْتًا وَاسْمًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﷺ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الصِّفَةِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْوَصْفِ.
(تَتِمَّةٌ) إذَا صَلَّى مَرِيضٌ بِمِثْلِهِ ظُهْرًا قَبْلَ إحْرَامِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ حَضَرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ لَمْ تَنْقَلِبْ ظُهْرُهُ نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
[فَصْلٌ فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ]
(فَصْلٌ فِي الْمَوْقِفِ) (السُّنَّةُ وُقُوفُ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ) رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً لِفِعْلِهِ ﷺ «كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَامَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُ» وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جَابِرًا وَجَبَّارًا وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ «فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمَا، حَتَّى أَقَامَهُمَا خَلْفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَلَا يَنْقُلُهُمَا إلَّا إلَى الْأَكْمَلِ وَمَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدَ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَفِيهِ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَا يُحْتَجَّ بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ فَأَجَابَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ ضَيِّقًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (إلَّا إمَامَ الْعُرَاةِ وَ) إلَّا (إمَامَةَ النِّسَاءِ، فَوَسَطًا وُجُوبًا فِي الْأُولَى) أَيْ إمَامِ الْعُرَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ.
(وَاسْتِحْبَابًا فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ إمَامَةِ النِّسَاءِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّسَتُّرَ وَهَذَا أَسْتَرُ لَهَا.
(فَإِنْ وَقَفُوا) أَيْ الْمَأْمُومُونَ (قُدَّامَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَلَوْ بِ) قَدْرِ تَكْبِيرَةِ (إحْرَامٍ) ثُمَّ تَأَخَّرُوا (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْأَفْعَالِ مُبْطِلَةٌ لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إلَى الِالْتِفَاتِ
стр. 479
خَلْفَهُ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ، (غَيْرَ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ فِي نَفْلٍ إذَا تَقَابَلَا) بِأَنْ وَجَّهَ الْإِمَامُ إلَى وَجْهِ الْمَأْمُومِ (أَوْ) تَدَابَرَا بِأَنْ (جَعَلَ) الْمَأْمُومُ (ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالنَّفْلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَصِحُّ دَاخِلَهَا.
(وَلَا) تَصِحُّ (إنْ جَعَلَ) الْمَأْمُومَ (ظَهْرَهُ إلَى وَجْهِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (لِتَقَدُّمِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى إمَامِهِ.
(وَ) إلَّا (فِيمَا إذَا اسْتَدَارَ الصَّفُّ حَوْلَهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ (فَلَا بَأْسَ بِتَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْإِمَامِ) يَعْنِي فِي غَيْرِ جِهَةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ جِهَةِ الْإِمَامِ فَلَا تَصِحُّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِيهَا.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَقْرَبَ فِي جِهَتِهِ مِنْ الْإِمَامِ فِي جِهَتِهِ جَازَ فَإِنْ كَانَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَتْ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ.
(وَ) إلَّا (فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ إذَا أَمْكَنَ الْمُتَابَعَةُ) فَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ نَصَّ عَلَيْهِ لِدُعَاءِ الْحَاجَّةِ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ الْمُتَابَعَةُ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ.
(وَإِنْ وَقَفُوا) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (عَنْ يَمِينِهِ أَوْ) وَقَفُوا (عَنْ جَانِبَيْهِ صَحَّ) لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ أَيْ الْإِمَامِ «لِإِدَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا إلَى يَمِينِهِ لَمَّا وَقَفَا عَنْ يَسَارِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا خَوْفًا مِنْ التَّقَدُّمِ، وَمُرَاعَاةً لِلْمَرْتَبَةِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَإِنْ بَانَ عَدَمُ صِحَّةِ مُصَافَّتِهِ لَمْ تَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ: وَالْمُرَادُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ أَحَدٌ فَيَجِيءُ الْوَجْهُ تَصِحُّ مُنْفَرِدًا، أَوْ كَصَلَاتِهِمْ قُدَّامَهُ، فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ انْتَهَيَا قُلْت ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى صِحَّةُ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ فَإِنْ تَقَدَّمَهُ مَأْمُومٌ لَمْ تَصِحَّ لَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي رَجُلٍ أَمَّ رَجُلًا قَامَ عَنْ يَسَارِهِ يُعِيدُ وَإِنَّمَا صَلَّى الْإِمَامُ وَحْدَهُ فَظَاهِرُهُ تَصِحُّ مُنْفَرِدًا دُونَ الْمَأْمُومِ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الْغَايَةِ بِالْإِمَامَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
(فَإِنْ وَقَفَ) الْمَأْمُومُ الرَّجُلُ أَوْ الْخُنْثَى (خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ) وَقَفَ الْمَأْمُومُ مُطْلَقًا (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ (وَصَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إدَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا وَعَنْهُ تَصِحُّ اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ وَالْمُوَفَّقُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ وَفِي الشَّرْحِ: هِيَ الْقِيَاسُ كَمَا لَوْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ وَكَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ رَدَّ جَابِرًا وَابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، بِدَلِيلِ رَدِّ جَابِرٍ وَجَبَّارٍ إلَى وَرَائِهِ، مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمَا عَنْ جَانِبَيْهِ.
(وَإِذَا وَقَفَ) الْمَأْمُومُ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَحْرَمَ أَوَّلًا، سُنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُدِيرَهُ مِنْ وَرَائِهِ إلَى يَمِينِهِ وَلَمْ تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُهُ) لِمَا سَبَقَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ.
(وَإِنْ كَبَّرَ) مَأْمُومٌ
стр. 480
(وَحْدَهُ خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (ثُمَّ تَقَدَّمَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ جَاءَ) مَأْمُومٌ (آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ، أَوْ تَقَدَّمَ إلَى الصَّفِّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ كَانَا) أَيْ الْمَأْمُومَانِ (اثْنَيْنِ فَكَبَّرَ أَحَدُهُمَا) لِلْإِحْرَامِ (وَتَوَسْوَسَ الْآخَرُ ثُمَّ كَبَّرَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ) وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ فَأَحَسَّ بِآخَرَ فَتَأَخَّرَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ الثَّانِي ثُمَّ أَحْرَمَ أَوْ أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ فَجَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَدْرَ رَكْعَةٍ وَلَا أَكْثَرَهَا.
(فَإِنْ وَقَفَ) مَأْمُومٌ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (وَ) وَقَفَ (آخَرُ عَنْ يَسَارِهِ أَخَّرَهُمَا خَلْفَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رَدِّهِ ﷺ جَابِرًا وَجَبَّارًا وَرَاءَهُ (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ تَأْخِيرُهُمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمَا (أَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَأْخِيرُهُمَا تَقَدَّمَ الْإِمَامُ) بَيْنَهُمَا لِيَصِيرَا وَرَاءَهُ وَصَلَّى بَيْنَهُمَا (فَإِنْ تَأَخَّرَ الْأَيْمَنُ قَبْلَ إحْرَامِ الدَّاخِل لِيُصَلِّيَ خَلْفَهُ جَازَ) ذَلِكَ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَالرِّعَايَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَ (كَتَفَاوُتِ إحْرَامِ اثْنَيْنِ خَلْفَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ (ثُمَّ إنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ أَحَدِهِمَا) لِسَبْقِهِ الْحَدَثَ وَنَحْوِهِ (تَقَدَّمَ الْآخَرُ إلَى الصَّفِّ) إنْ كَانَ (أَوْ) تَقَدَّمَ (إلَى يَمِينِ الْإِمَامِ) إنْ لَمْ يَكُنْ صَفَّ (أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ) لِئَلَّا يَصِيرَ فَذًّا.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ تَقَدُّمُهُ إلَى الصَّفِّ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَلَا إلَى يَمِينِ الْإِمَامِ، وَلَا جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ (نَوَى الْمُفَارَقَةَ) لِلْعُذْرِ (وَإِنْ أَدْرَكَهُمَا) أَيْ أَدْرَكَ مَأْمُومٌ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ (جَالِسَيْنِ أَحْرَمَ ثُمَّ جَلَسَ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَلَا تَأَخَّرَ إذَنْ لِلْمَشَقَّةِ) .
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الزَّمْنَى لَا يَتَقَدَّمُونَ وَلَا يَتَأَخَّرُونَ لِلْعِلَّةِ.
(وَالِاعْتِبَارُ فِي التَّقَدُّمِ وَالْمُسَاوَاةِ بِمُؤَخَّرِ قَدَمٍ، وَهُوَ الْعَقِبُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَقَدُّمٌ بِمُؤَخَّرِ الْقَدَمِ (لَمْ يَضُرَّ، كَطُولِ الْمَأْمُومِ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ بِرَأْسِهِ فِي السُّجُودِ فَلَوْ اسْتَوَيَا) أَيْ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (فِي الْعَقِبِ، وَتَقَدَّمَتْ أَصَابِعُ الْمَأْمُومِ لَمْ يَضُرَّ) أَيْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ عَقِبِهِ عَلَى عَقِبِ إمَامِهِ.
(وَإِنْ تَقَدَّمَ عَقِبُ الْمَأْمُومِ عَقِبَ الْإِمَامِ مَعَ تَأَخُّرِ أَصَابِعِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ عَنْ أَصَابِعِ الْإِمَامِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، لِتَقَدُّمِهِ عَلَى إمَامِهِ اعْتِبَارًا بِالْعَقِبِ وَلَوْ قَدَّمَ رِجْلَهُ وَهِيَ مُرْتَفِعَةٌ عَنْ الْأَرْضِ لَمْ يَضُرَّ لِعَدَمِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا.
(وَكَذَا لَوْ تَأَخَّرَ عَقِبَ الْمَأْمُومِ) فَإِنَّهُ الْمُعْتَبَرُ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ أَصَابِعُهُ، لَكِنْ لَا يَضُرَّ تَأَخُّرُ عَقِبِهِ إلَّا إذَا بَانَ عَدَمُ مُصَافَّتِهِ لِإِمَامِهِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُبْدِعِ: أَنَّهُ يُنْدَبُ تَأَخُّرُهُ قَلِيلًا، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُصَافًّا لَهُ (فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا لَا اعْتِبَارَ بِمَحَلِّ الْقُعُودِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اسْتِقْرَارِهِ.
(وَهُوَ الْأَلْيَةُ، حَتَّى لَوْ مَدَّ) الْمَأْمُومُ (رِجْلَيْهِ وَقَدَّمَهُمَا عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَضُرَّ) لِعَدَمِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا
стр. 481
قُلْتُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِمًا وَالْآخَرُ قَاعِدًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ فَلَا يُقَدِّمُ الْقَائِمُ عَقِبَهُ عَلَى مُؤَخَّرِ أَلْيَةِ الْجَالِسِ.
(وَإِنْ أَمَّ) رَجُلٌ (خُنْثَى وَقَفَ) الْخُنْثَى (عَنْ يَمِينِهِ) احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَالْخُنْثَى عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ وَلَا يَقِفَانِ خَلْفَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ آخَرُ وَقَفَ الثَّلَاثَةُ خَلْفَهُ صَفًّا.
(وَإِنْ أَمَّ رَجُلٌ) امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ أَوْ رِجَالٌ أَوْ لَا (أَوْ) أَمَّ (خُنْثَى امْرَأَةً وَقَفَ خَلْفَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» (فَإِنْ وَقَفَتْ) الْمَرْأَةُ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ يَمِينِ الرَّجُلِ أَوْ الْخُنْثَى الْإِمَامِ، فَكَرَجُلٍ، فَتَصِحُّ (أَوْ) وَقَفَتْ (عَنْ يَسَارِهِ، فَكَرَجُلٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا بِيَسَارِهِ وَإِلَّا صَحَّتْ.
وَفِي التَّعْلِيقِ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ رَجُلًا وَهُوَ عُرْيَانٌ فَإِنَّمَا تَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ.
(وَيُكْرَهُ لَهَا الْوُقُوفُ فِي صَفِّ الرِّجَالِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ بِتَأْخِيرِهِنَّ (فَإِنْ فَعَلَتْ) أَيْ وَقَفَتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ (لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا وَلَا) صَلَاةُ (مَنْ خَلْفَهَا) فَصَفٌّ تَامٌّ مِنْ نِسَاءٍ لَا يَمْنَعُ اقْتِدَاءَ مَنْ خَلْفَهُنَّ مِنْ الرِّجَالِ (وَلَا) صَلَاةُ مَنْ (أَمَامَهَا وَلَا صَلَاتُهَا) كَمَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَالْأَمْرُ بِتَأْخِيرِهَا لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ مَعَ عَدَمِهِ.
(وَإِنْ أَمَّ) رَجُلٌ (رَجُلًا وَصَبِيًّا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) لِكَمَالِ الرَّجُلِ (وَالصَّبِيُّ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ) أَمَّ (رَجُلًا وَامْرَأَةً وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» .
(وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الصَّفِّ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ خَلْفَهُ وَكَذَا إنْ بَعُدَ الصَّفُّ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ (نَصًّا وَقُرْبُهُ) أَيْ الصَّفِّ (مِنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَفْضَلُ) مِنْ بُعْدِهِ وَكَذَا قُرْبُ الصُّفُوفِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ.
(وَكَذَا تَوَسُّطُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِلصَّفِّ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «وَسِّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَإِنْ انْقَطَعَ) الصَّفُّ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ إنْ كَانَ) الِانْقِطَاعُ بَعْدَ مُقَامِ الثَّلَاثَةِ رِجَالٌ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ) أَيْ صَلَاةُ الْمُنْقَطِعِينَ عَنْ الصَّفِّ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي الصَّلَاةِ (أَنْوَاعٌ) مِنْ رِجَالٍ وَصِبْيَانٍ وَنِسَاءٍ وَخَنَاثَى (سُنَّ تَقْدِيمُ رِجَالٍ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ قَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَقَامَ الصَّفَّ فَصَفَّ الرِّجَالَ وَصَفَّ، الْغِلْمَانَ خَلْفَهُمْ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ فِيهِ وَالنِّسَاءَ خَلْفَ الْغِلْمَانِ.
وَيُقَدَّمُ مِنْ
стр. 482
الرِّجَالِ (أَحْرَارٌ) عَلَى أَرِقَّاءَ لِمَزِيَّتِهِمْ بِالْحُرِّيَّةِ (ثُمَّ عَبِيدٌ) بَالِغُونَ (الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ) مِنْهُمَا لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (ثُمَّ صِبْيَانٌ كَذَلِكَ) أَيْ أَحْرَارٌ، ثُمَّ عَبِيدٌ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ خَنَاثَى) هَكَذَا فِي الْمُقْنِعُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا وَهَذَا إنْ قُلْنَا: يَصِحُّ وُقُوفُ الْخَنَاثَى صَفًّا.
وَفِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ وَقَفَ الْخَنَاثَى صَفًّا لَمْ يَصِحَّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ مَعَ الْمَرْأَةِ فَذٌّ (ثُمَّ نِسَاءٌ) أَحْرَارٌ بَالِغَاتٌ، ثُمَّ إمَاءٌ بَالِغَاتٌ، ثُمَّ أَحْرَارٌ غَيْرُ بَالِغَاتٍ ثُمَّ إمَاءٌ غَيْرُ بَالِغَاتٍ، الْفُضْلَى فَالْفُضْلَى.
(وَيُقَدَّمُ مِنْ الْجَنَائِزِ إلَى الْأَمَامِ) عِنْدَ اجْتِمَاعِ مَوْتَى فِي الْمُصَلَّى (وَ) يُقَدَّمُ (إلَى الْقِبْلَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ حَيْثُ جَازَ) دَفْنُ مَيِّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (رَجُلٌ حُرٌّ ثُمَّ عَبْدٌ بَالِغٌ، ثُمَّ صَبِيٌّ كَذَلِكَ) أَيْ حُرٌّ، ثُمَّ عَبْدٌ (ثُمَّ خُنْثَى) حُرٌّ ثُمَّ عَبْدٌ بَالِغٌ، ثُمَّ الصَّبِيُّ فِيهِمَا (ثُمَّ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ) بَالِغَةٌ (ثُمَّ أَمَةٌ) بَالِغَةٌ، ثُمَّ صَبِيَّةٌ حُرَّةٌ ثُمَّ صَبِيَّةٌ أَمَةٌ.
(وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ) فِي الْجَنَائِزِ وَتَقَدَّمَ مَعَ تَعَدُّدِ النَّوْعِ الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ كَمَا فِي الْمُصَافَّةِ (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا امْرَأَةٌ) وَهُوَ رَجُلٌ فَفَذٌّ (أَوْ) لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا (كَافِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ خُنْثَى أَوْ مُحْدِثٌ أَوْ نَجِسٌ يَعْلَمُ مُصَافَّةَ ذَلِكَ) أَيْ إنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ نَجِسٌ وَكَذَا لَوْ عَلِمَ الْمُصَافُّ حَدَثَ أَوْ نَجَسَ نَفْسِهِ (فَفَذٌّ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْوُقُوفِ مَعَهُ وَلِأَنَّ وُجُودَ الْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُحْدِثِ وَالنَّجِسِ كَعَدَمِهِ وَكَذَا إذَا وَقَفَ مَعَهُ سَائِرُ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ.
قَالَهُ فِي الشَّرْحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ صَحَّتْ مُصَافَّتُهُ (وَكَذَا) مَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا (صَبِيٌّ فِي فَرْضٍ) وَهُوَ رَجُلٌ فَفَذٌّ لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا فَلَيْسَ بِفَذٍّ «لِقَوْلِ أَنَسٍ فَقَامَ ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (كَذَا) (امْرَأَةٌ مَعَ نِسَاءٍ) إذَا لَمْ يَقِفْ مَعَهَا إلَّا كَافِرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ مَنْ تَعْلَمُ حَدَثَهَا أَوْ نَجَاسَتَهَا فَفَذٌّ أَوْ وَقَفَ مَعَهَا فِي فَرْضٍ غَيْرُ بَالِغَةٍ فَفَذٌّ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْدِثُ حَدَثَ نَفْسِهِ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى انْقَضَتْ (وَلَا عَامَّةُ مَصَافِّهِ) كَذَلِكَ (فَلَيْسَ بِفَذٍّ) وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ وَلَا عَلِمَهُ مُصَافُّهُ حَتَّى انْقَضَتْ فَلَيْسَ بِفَذٍّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامًا لَهُ، إذَنْ لَمْ يَعُدْ فَأَوْلَى إذَا كَانَ مُصَافًّا.
(وَمَنْ وَقَفَ مَعَهُ مُتَنَفِّلٌ أَوْ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ كَالْأُمِّيِّ) يَقِفُ مَعَ الْقَارِئِ (وَالْأَخْرَسِ) يَقْفُ مَعَ النَّاطِقِ (وَالْعَاجِزِ) عَنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ يَقِفُ مَعَ الْقَادِرِ عَلَيْهِ (وَنَاقِصِ الطَّهَارَةِ) الْعَاجِزِ عَنْ إكْمَالِهَا يَقْفُ مَعَ تَامِّ الطَّهَارَةِ (وَالْفَاسِقِ) يَقِفُ مَعَ الْعَدْلِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ
стр. 483
(فَصَلَاتُهُمَا صَحِيحَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْإِمَامَةِ.
(وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ وَهِيَ الْخَلَلُ فِي الصَّفِّ دَخَلَ فِيهِ (أَوْ وَجَدَهُ) أَيْ الصَّفَّ (غَيْرَ مَرْصُوصٍ دَخَلَ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصَّفَّ» .
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ فَإِنْ كَانَتْ: أَيْ الْفُرْجَةُ، بِحِذَائِهِ كُرِهَ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهَا عَرْضًا (فَإِنْ مَشَى إلَى الْفُرْجَةِ عَرْضًا بَيْن يَدَيْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الْحَدِيثَ وَلَعَلَّ عَدَمَ التَّحْرِيمِ هُنَا إمَّا؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ أَوْ لِلْحَاجَةِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَوْضِعًا فِي الصَّفِّ يَقِفُ فِيهِ (وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ إنْ أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْقِفُ الْوَاحِدِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الْوُقُوفُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ (فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ بِكَلَامٍ أَوْ بِنَحْنَحَةٍ أَوْ إشَارَةٍ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اجْتِنَابِ الْفَذِّيَّةِ (وَيَتْبَعُهُ) مَنْ يُنَبِّهُهُ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ.
(وَيُكْرَهُ) تَنْبِيهُهُ (بِجَذْبِهِ نَصًّا) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَلَوْ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ ابْنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، حَالَ الْعِبَادَةِ: كَالْأَجْنَبِيِّ (فَإِنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَةً وَلَوْ امْرَأَةً خَلْفَ امْرَأَةٍ) لَمْ تَصِحَّ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ شَيْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَثْبَتَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَوْقِفَ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ قُدَّامَ الْإِمَامِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِدِ وَضِدِّهِمَا (أَوْ) وَقَفَ (عَنْ يَسَارِهِ، وَلَوْ) كَانَ الْمَأْمُومُ (جَمَاعَةً مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ لَمْ تَصِحَّ) إذَا صَلَّى رَكْعَةً كَذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ مَوْقِفِهِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
(وَلَوْ كَانَ خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (صَفٌّ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ (فَإِنْ كَبَّرَ) فَذًّا (ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ طَمَعًا فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ.
(وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ) مَأْمُومٌ (آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ) مِنْ الرُّكُوعِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ.
(وَكَذَا إنْ رَفَعَ الْإِمَامُ) مِنْ الرُّكُوعِ فَذًّا (وَلَمْ يَسْجُدْ) حَتَّى دَخَلَ الصَّفَّ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرُّكُوعَ.
(وَلَا) تَصِحُّ صَلَاتُهُ (إنْ سَجَدَ) إمَامُهُ
стр. 484
قَبْل دُخُولِهِ فِي الصَّفِّ، وَمَجِيءِ آخَرَ يَقْفُ مَعَهُ، لِانْفِرَادِهِ فِي مُعْظَمِ الرَّكْعَةِ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ رَكَعَ وَرَفَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ لَا يَخَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْمَعْذُورِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.
(وَلَوْ زُحِمَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ، وَبَقِيَ فَذًّا فَإِنَّهُ يَنْوِي مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ) لِلْعُذْرِ.
(وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ (وَإِنْ أَقَامَ عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ، وَيُتِمُّهَا مَعَهُ) جُمُعَةً (فَذًّا، صَحَّتْ جُمُعَتُهُ) فِي وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى فَاغْتُفِرَ فِيهَا ذَلِكَ وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ عَدَمَ الصِّحَّةِ، ذَكَرَهُ فِي الْجُمُعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ]
(فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ) (إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى الْإِمَامَ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ، وَكَانَا فِي الْمَسْجِدِ صَحَّتْ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (وَلَوْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِيهِ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ خَارِجِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ فَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ الِاتِّصَالُ فِيهِ.
(وَكَذَا إنْ لَمْ يَرَ) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ (إنْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ) ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْجَمَاعَةِ وَيُمْكِنُهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ أَشْبَهَ الْمُشَاهَدَةَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ التَّكْبِيرَ وَلَمْ يَرَهُ وَلَا بَعْضُ مَنْ وَرَاءَهُ (فَلَا) تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِإِمَامِهِ.
(وَإِنْ كَانَا) أَيْ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (خَارِجَيْنِ عَنْهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ (أَوْ) كَانَ (الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ) خَارِجًا عَنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِهِ الْإِمَامُ وَلَوْ كَانَ بِمَسْجِدٍ آخَرَ (وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ صَحَّتْ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (إنْ رَأَى) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ مَنْ وَرَاءَهُ وَلَوْ كَانَتْ جُمُعَةً فِي دَارٍ أَوْ دُكَّانٍ لِانْتِفَاءِ الْمُفْسِدِ وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ وَهُوَ الرُّقْيَةُ وَإِمْكَانُ الِاقْتِدَاءِ.
(وَلَوْ) كَانَتْ الرُّقْيَةُ (مِمَّا لَا يُمْكِنْ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهُ كَشُبَّاكٍ وَنَحْوِهِ) كَطَاقٍ صَغِيرَةٍ، فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (وَإِنْ لَمْ يَرَ) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ مَنْ وَرَاءَهُ.
(وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ وَهُمَا خَارِجَا الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ خَارِجَهُ (لَمْ يَصِحَّ) اقْتِدَاؤُهُ بِهِ (وَلَوْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ) لِقَوْلِ
стр. 485
عَائِشَةَ لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْغَالِبِ قُلْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إمْكَانُ الرُّؤْيَةِ لَوْلَا الْمَانِعُ، إنْ كَانَ بِالْمَأْمُومِ عَمًى أَوْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ وَكَانَ بِحَيْثُ يُرَى لَوْلَا ذَلِكَ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ حَيْثُ أَمْكَنَتْهُ الْمُتَابَعَةُ، وَلَوْ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَسْجِدٍ غَيْرِ الَّذِي بِهِ الْآخَرُ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَأْمُومِ إذَنْ إنْ لَمْ يَرَ الْإِمَامَ أَوْ بَعْضَ مَنْ وَرَاءَهُ.
(وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ) كَحَالِ الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَالِ قِيَامِهِ.
(وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا) لِعَدَمِ الْفَارِقِ (وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ) لِعَدَمِ الْفَارِقِ فِيمَا إذَا كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ كَانَا فِي الْمَسْجِدِ (إذَا حَصَلَتْ الرُّؤْيَةُ الْمُعْتَبَرَةُ وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ) أَيْ الْمُتَابَعَةُ.
(وَلَوْ جَاوَزَ) مَا بَيْنَهُمَا (ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ) لَمْ تَصِحَّ (أَوْ) كَانَ بَيْنَهُمَا (طَرِيقٌ وَلَمْ تَتَّصِلْ فِيهِ الصُّفُوفُ عُرْفًا إنْ صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَالْجِنَازَةِ لِضَرُورَةٍ، لَمْ تَصِحَّ فَإِنْ اتَّصَلَتْ إذَنْ صَحَّتْ (أَوْ اتَّصَلَتْ) الصُّفُوفُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ (وَقُلْنَا لَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (أَوْ انْقَطَعَتْ) الصُّفُوفُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ مِمَّا تَصِحُّ فِي الطَّرِيقِ أَوْ لَا، وَبَعْضُهُ دَاخِلٌ فِيمَا تَقَدَّمَ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ، وَالنَّهْرُ الْمَذْكُورُ فِي مَعْنَاهَا وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ لِعَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ وَالْإِجْمَاعِ.
(وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ: مَنْ بِسَفِينَةٍ وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى غَيْرِ مَقْرُونَةٍ بِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَرِيقٌ وَلَيْسَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً (فِي غَيْرِ شِدَّةِ خَوْفٍ) فَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ لِلْحَاجَةِ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِهِمْ» وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ بَلَى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِ ثِقَاتٍ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ
стр. 486
يَقْصِدَ تَعْلِيمَهُمْ أَمْ لَا وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ (كَثِيرًا وَهُوَ ذِرَاعٌ فَأَكْثَرُ) مِنْ ذِرَاعٍ.
(وَلَا بَأْسَ بِ) عُلُوٍّ (يَسِيرٍ كَدَرَجَةِ مِنْبَرٍ وَنَحْوِهَا) مِمَّا دُونَ ذِرَاعٍ جَمْعًا بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ ثُمَّ عَاد حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ قَالَ «إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ فَيَكُونُ ارْتِفَاعًا يَسِيرًا.
(وَلَا بَأْسَ بِعُلُوِّ مَأْمُومٍ وَلَوْ) كَانَ عُلُوُّهُ (كَثِيرًا نَصًّا) وَلَا يُعِيدُ الْجُمُعَةَ مَنْ يُصَلِّيهَا فَوْقَ سَطْحِ الْمَسْجِدِ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَرَوَاهُ سَعْدٌ عَنْ أَنَسٍ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ أَشْبَهَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ.
(وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ نَصًّا) وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ الْجَاهِلُ لَكِنْ.
قَالَ الْحَسَنُ الطَّاقُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْدَثَهُ النَّاسُ وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْرَهُ كُلَّ مُحْدَثٍ.
(وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَيْ الْمِحْرَابِ (إذَا كَانَ يَمْنَعُ الْمَأْمُومَ مُشَاهَدَتَهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِجَابٌ (إلَّا مِنْ حَاجَةٍ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ) وَكَثْرَةِ الْجَمْعِ فَلَا يُكْرَهُ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَلَا) يُكْرَهُ (سُجُودُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمِحْرَابِ، إذَا كَانَ وَاقِفًا خَارِجَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ مُشَاهَدَتِهِ.
(وَيَقِفُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا نَصًّا) لِتَمَيُّزِ جَانِبِ الْيَمِينِ.
(وَيُكْرَهُ تَطَوُّعُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَهَا) نَصَّ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «لَا يُصَلِّيَنَّ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ وَلِأَنَّ فِي تَحَوُّلِهِ مِنْ مَكَانِهِ إعْلَامًا لِمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى فَلَا يَنْتَظِرُهُ وَيَطْلُبُ جَمَاعَةً أُخْرَى (بِلَا حَاجَةٍ) كَضِيقِ الْمَسْجِدِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ.
(وَتَرْكُ مَأْمُومٍ لَهُ) أَيْ لِلتَّطَوُّعِ مَوْضِعَ الْمَكْتُوبَةِ (أَوْلَى) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُسَنُّ الْفِعْلُ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَّتِهِ بِكَلَامٍ أَوْ قِيَامٍ، بَلْ النَّفَلُ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ.
(وَيُكْرَهُ إطَالَةُ الْقُعُودِ لِلْإِمَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِضِيقِ الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ ﷺ إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ رُبَّمَا سَهَا فَظُنَّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ أَوْ ظَنَّ غَيْرُهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ عَلَى حَالِهِمَا (إنْ لَمْ يَكُنْ) هُنَاكَ (نِسَاءٌ وَلَا حَاجَةٌ) تَدْعُو إلَى إطَالَةِ
стр. 487
الْجُلُوسِ مُسْتَقْبِلًا كَمَا إذَا لَمْ يَجِدْ مُنْصَرَفًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِانْحِرَافُ (فَإِنْ أَطَالَ) الْإِمَامُ الْجُلُوسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (انْصَرَفَ مَأْمُومٌ إذَنْ) لِمُخَالَفَةِ الْإِمَامِ السُّنَّةَ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطِلْ الْإِمَامُ الْجُلُوسَ (اُسْتُحِبَّ لَهُ) أَيْ لِلْمَأْمُومِ (أَنْ لَا يَنْصَرِفَ قَبْلَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَلَا تَسْبِقُونِي بِالِانْصِرَافِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْكُرُ سَهْوًا فَيَسْجُدُ لَهُ وَإِنْ انْحَرَفَ فَلَا بَأْسَ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ قِيَامُهُنَّ عَقِبَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَثُبُوتُ الرِّجَالِ قَلِيلًا) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَنَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكْهُنَّ الرِّجَالُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَلِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (صِفَةِ الصَّلَاةِ) .
(وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ غَيْرِ الْإِمَامِ مَكَانًا بِالْمَسْجِدِ، لَا يُصَلِّي فَرْضَهُ إلَّا فِيهِ) «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ إيطَانِ الْمَكَانِ كَإِيطَانِ الْبَعِيرِ» وَفِي إسْنَادِهِ تَمِيمُ بْنُ مَحْمُودٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي إسْنَادِ حَدِيثِهِ نَظَرٌ.
لَا بَأْسَ (بِهِ) أَيْ اتِّخَاذِ مَكَان لَا يُصَلِّي إلَّا فِيهِ (فِي النَّفْلِ) لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ لَا يُوَطِّنُ الْأَمَاكِنَ وَيَكْرَهُ إيطَانَهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ فَاضِلَةً، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ مِنْ تَحَرِّي نَقْرَةَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ «سَلَمَةَ كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ وَقَالَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: وَلَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ، كَإِسْمَاعِ حَدِيثٍ وَتَدْرِيسٍ، وَإِفْتَاءٍ وَنَحْوِهِ وَيَتَوَجَّهُ لَا وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ اتِّفَاقًا.
(وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِينَ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ عُرْفًا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ لِينٌ وَقَالَ أَنَسٌ كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّفَّ قَالَ بَعْضُهُمْ فَتَكُونُ سَارِيَةٌ عَرْضُهَا مَقَامَ ثَلَاثَةِ (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ لَمْ يُكْرَهْ (وَلَا يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ) أَنْ يَقِفَ بَيْنَ السَّوَارِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ صَفٌّ يُقْطَعُ.
(وَلَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ امْرَأَةً وَاحِدَةً، أَوْ) أَمَّتْ (أَكْثَرَ) مِنْ امْرَأَةٍ كَاثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ (لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَلْفَهَا مُفْرَدَةً) كَالرَّجُلِ خَلْفَ الرَّجُلِ وَكَذَا لَوْ وَقَفَتْ عَنْ يَسَارِهَا (وَتَقَدَّمَ) .
стр. 488
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ (وَمِنْ الْأَدَبِ وَضْعُ الْإِمَامِ نَعْلَهُ عَنْ يَسَارِهِ) فِي حَالِ صَلَاتِهِ إكْرَامًا لِجِهَةِ يَمِينِهِ.
(وَ) وَضْعُ (مَأْمُومٍ) نَعْلَهُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ قُدَّامَهُ (لِئَلَّا يُؤْذِيَ غَيْرَهُ) وَتَقَدَّمَ: يُسْتَحَبُّ تَفَقُّدُهُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْأَوْلَى تَنَاوُلُهُ بِيَسَارِهِ.
[فَصْلٌ فِي الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ]
ِ) (وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مَرِيضٌ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «لَمَّا مَرِضَ تَخَلَّفَ عَنْ الْمَسْجِدِ وَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ (خَائِفُ حُدُوثِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْن عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الْعُذْرَ بِالْخَوْفِ وَالْمَرَضِ» (أَوْ) خَائِفُ (زِيَادَتِهِ) أَيْ الْمَرَضِ (أَوْ تَبَاطُئِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَرِيضٌ (فَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ) الْمَرِيضُ (بِإِتْيَانِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِهِ) أَيْ بِأَنْ يُرْكِبَهُ أَوْ يَحْمِلَهُ، أَوْ يَقُودَ أَعْمَى (لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ) لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا (دُونَ الْجَمَاعَةِ) نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ فِي الْجُمُعَةِ: يَكْتَرِي وَيَرْكَبُ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ضَعْفٍ عَقِبَ الْمَرَضِ فَأَمَّا مَعَ الْمَرَضِ فَلَا يَلْزَمُهُ لِبَقَاءِ الْعُذْرِ وَمَحَلِّ سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ عَنْ الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ) فَإِنْ كَانَ فِيهِ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ.
(وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (مَنْ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِهِمَا كَالْمَحْبُوسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
(وَ) يُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (مَنْ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ) الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ (أَوْ) يُدَافِعُ (أَحَدَهُمَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ إكْمَالِ الصَّلَاةِ وَخُشُوعِهَا (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَهُ الشِّبَعُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَلَا تَعْجَلَنَّ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ» (أَوْ خَائِفٌ مِنْ ضِيَاعِ مَالِهِ، كَغَلَّةٍ فِي بَيَادِرِهَا، وَدَوَابّ وَأَنْعَامٍ لَا حَافِظَ لَهَا غَيْرُهُ وَنَحْوِهِ أَوْ) خَائِفٍ مِنْ (تَلَفِهِ كَخُبْزٍ فِي تَنُّورٍ وَطَبِيخٍ عَلَى نَارٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ) خَائِفِ (فَوَاتِهِ كَالضَّائِعِ يَدُلُّ بِهِ) أَيْ عَلَيْهِ (فِي مَكَان، كَمَنْ ضَاعَ لَهُ كِيسٌ أَوْ أَبِقَ لَهُ عَبْدٌ وَهُوَ يَرْجُو وُجُودَهُ، أَوْ قَدِمَ بِهِ مِنْ سَفَرٍ إنْ لَمْ يَقِفْ لِأَخْذِهِ ضَاعَ لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ (الْأَفْضَلُ تَرْكُ مَا يَرْجُو وُجُودَهُ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ)
стр. 489
لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَرُبَّمَا لَا يَنْفَعُهُ حَذَرُهُ (أَوْ) خَائِفٍ مِنْ (ضَرَرٍ فِيهِ) أَيْ مَالِهِ (أَوْ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، أَوْ أَطْلَقَ الْمَاءَ عَلَى زَرْعِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ، يَخَافُ إنْ تَرَكَهُ فَسَدَ أَوْ كَانَ مُسْتَحْفَظًا عَلَى شَيْءٍ يَخَافُ عَلَيْهِ) الضَّيَاعَ (إنْ ذَهَبَ وَتَرَكَهُ، كَنَاطُورِ بُسْتَانٍ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ اللَّاحِقَةَ بِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ بَلِّ الثِّيَابِ بِالْمَطَرِ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ خَوْفُ فَوْتِ الْمَالِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ سَبَبَهُ، بَلْ حَصَلَ اتِّفَاقًا
تَنْبِيهٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النَّاطِرُ وَالنَّاطُورُ: حَافِظُ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ أَعْجَمِيٌّ، الْجَمْعُ نُطَّارٌ وَنُطَرَاءُ وَنَوَاطِيرُ وَنَطَرَةٌ وَالْفِعْلُ النَّطْرُ وَالنِّطَارَةُ بِالْكَسْرِ (أَوْ كَانَ عُرْيَانًا وَلَمْ يَجِدْ سُتْرَةً، أَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ، وَنَحْوَهُ فِي غَيْرِ جَمَاعَةِ عُرَاةٍ) لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْخَجَلِ فَإِنْ كَانُوا عُرَاةً كُلُّهُمْ صَلَّوْا جَمَاعَةً وُجُوبًا وَتَقَدَّمَ (أَوْ خَائِفِ مَوْتِ رَفِيقِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَلَا يَحْضُرُهُ، أَوْ لِتَمْرِيضِهِمَا) يُقَالُ: مَرَّضْتُهُ تَمْرِيضًا، قُمْتُ بِمُدَاوَاتِهِ، قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ (إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ يَتَجَمَّرُ لِلْجُمُعَةِ، فَآتَاهُ بِالْعَقِيقِ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا (أَوْ خَائِفٍ عَلَى حَرِيمِهِ أَوْ نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ سُلْطَانٍ ظَالِمٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ) وَلَا شَيْءَ مَعَهُ يُعْطِيهِ (أَوْ حَبْسِهِ بِحَقٍّ لَا وَفَاءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْمُعْسِرِ ظُلْمٌ وَكَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَخَشِىَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ فَلَا عُذْرَ لِلنَّصِّ (أَوْ) خَافَ (فَوَات رُفْقَةٍ مُسَافِرٌ سَفَرًا مُبَاحًا مُنْشِئًا) لِلسَّفَرِ (أَوْ مُسْتَدِيمًا) لَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا (أَوْ غَلَبَهُ نُعَاسٌ يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (فِي الْوَقْتِ أَوْ) يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَهَا (مَعَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّ رَجُلًا صَلَّى مَعَ مُعَاذٍ ثُمَّ انْفَرَدَ، فَصَلَّى وَحْدَهُ عِنْدَ تَطْوِيلِ مُعَاذٍ وَخَوْفِ النُّعَاسِ وَالْمَشَقَّةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَخْبَرَهُ. ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ.
وَفِي الْمُذْهَبِ وَالْوَجِيزِ: يُعْذَرُ فِيهِمَا أَيْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ بِخَوْفِهِ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِانْتِظَارِهِمَا (وَالصَّبْرُ وَالتَّجَلُّدُ عَلَى دَفْعِ النُّعَاسِ وَيُصَلِّي مَعَهُمْ) جَمَاعَةً (أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ نَيْلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ (أَوْ تَطْوِيلُ إمَامٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي انْفَرَدَ عَنْ مُعَاذٍ لِتَطْوِيلِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (أَوْ مَنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ إنْ رَجَا الْعَفْوَ) عَنْهُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى مَالٍ حَتَّى يُصَالِحَ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْقَوَدِ (حَدُّ قَذْفٍ) ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَهَذَا تَوْجِيهٌ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَكَذَا لَوْ كَانَ
стр. 490
لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ قَذْفٍ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عُذْرًا وَقَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.
(وَمَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ) تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ (فَلَا يُعْذَرُ بِهِ) فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا يَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ (أَوْ مُتَأَذٍّ بِمَطَرٍ أَوْ وَحَلٍ) بِتَحْرِيكِ الْحَاءِ وَالتَّسْكِينُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ (أَوْ ثَلْجٍ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ رِيحٍ بَارِدَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي مُنَادِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَقُلْ فِي السَّفَرِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ زَادَ مُسْلِمٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَدْ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ إنَّ الْجُمُعَةَ عَزِيمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْت أَنْ أُخْرِجَكُمْ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ» وَالثَّلْجِ وَالْجَلِيدِ، وَالْبَرْدُ كَذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالرِّيحُ الْبَارِدَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْمَطَرِ.
(وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الرِّيحُ شَدِيدَةً) خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُقْنِعِ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي، أَنَّ كُلَّ مَا أَذْهَبَ الْخُشُوعَ كَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ: عُذْرٌ وَلِهَذَا جَعَلَهُ الْأَصْحَابُ كَالْبَرْدِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ (وَالزَّلْزَلَةُ عُذْرٌ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي) ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ خَوْفٍ.
(قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ وَمَنْ لَهُ عَرُوسٌ تَجَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَهُوَ عُذْرٌ (وَالْمُنْكَرُ فِي طَرِيقِهِ) إلَى الْمَسْجِدِ (لَيْسَ عُذْرًا نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ الْجُمُعَةُ أَوْ الْجَمَاعَةُ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ لَا قَضَاءُ حَقٍّ لِغَيْرِهِ وَكَذَا الْمُنْكَرُ فِي الْمَسْجِدِ كَدُعَاءِ الْبُغَاةِ لَيْسَ عُذْرًا أَوْ يُنْكِرُهُ بِحَبْسِهِ.
(وَلَا الْعَمَى) فَلَيْسَ عُذْرًا (مَعَ قُدْرَتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (فَإِنْ عَجَزَ) الْأَعْمَى عَنْ قَائِدٍ (فَتَبَرَّعَ قَائِدٌ) بِقَوْدِهِ (لَزِمَهُ) حُضُورُ الْجُمُعَةِ، لَا الْجَمَاعَةِ، كَمَا ظَهَرَ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَأَشَرْت إلَيْهِ آنِفًا.
(وَلَا الْجَهْلُ بِالطَّرِيقِ) أَيْ لَيْسَ عُذْرًا (إنْ وَجَدَ مَنْ يَهْدِيهِ) أَيْ يَدُلُّهُ عَلَى الْمَسْجِدِ. تَتِمَّةٌ: قَالَ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: وَيَلْزَمُهُ، أَيْ الْأَعْمَى إنْ وَجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَائِدِ، كَمَدِّ الْحَبْلِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
(وَيُكْرَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ) لِمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ (وَلَوْ خَلَا الْمَسْجِدُ مِنْ آدَمِيٍّ، لَتَأَذَّى الْمَلَائِكَةُ) بِرِيحِهِ وَلِحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» .
(وَالْمُرَادُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ، حَتَّى وَلَوْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِ صَلَاةٍ) ذُكِرَ مَعْنَاهُ فِي الْمُبْدِعِ وَالْحَاصِلُ، كَمَا فِي الْمُنْتَهَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ حُضُورُ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَةٍ مُطْلَقًا (لِمَنْ أَكَلَ
стр. 491
ثُومًا أَوْ بَصَلًا) نِيئَيْنِ (أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ) كَكُرَّاثٍ (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهُ (وَكَذَا جَزَّارٌ لَهُ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ، وَمَنْ لَهُ صُنَانٌ) قُلْتُ وَزِيَاتٌ وَنَحْوُهُ، مِنْ كُلِّ ذِي رَائِحَةٍ مُنْتِنَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْأَذَى.
(وَكَذَا مَنْ بِهِ بَرَصٌ جُذَامٌ يُتَأَذَّى بِهِ) قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الثُّومِ وَنَحْوِهِ، بِجَامِعِ الْأَذَى وَيَأْتِي فِي التَّعْزِيرِ مَنْعُ الْجَذْمَى مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصِحَّاءِ فَائِدَةٌ يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ مَضْغُ السَّذَابِ أَوْ السَّعْدِ قَالَهُ الْأَطِبَّاءُ.
[بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ]
ِ وَهُمْ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْخَائِفُ وَنَحْوُهُمْ، وَالْأَعْذَارُ: جَمْعُ عُذْرٍ كَأَقْفَالٍ جَمْعُ قُفْلٍ (يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ مَرِيضٌ قَائِمًا إجْمَاعًا فِي فَرْضٍ، وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا كَصِفَةِ رُكُوعٍ كَصَحِيحٍ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ زَادَ النَّسَائِيُّ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا وَحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(وَلَوْ) كَانَ فِي قِيَامِهِ (مُعْتَمِدًا عَلَى شَيْءٍ) مِنْ نَحْوِ حَائِطٍ (أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى حَائِطٍ) وَنَحْوِهَا (وَلَوْ) كَانَ اعْتِمَادُهُ أَوْ اسْتِنَادُهُ إلَى شَيْءٍ (بِأُجْرَةِ) مِثْلِهِ أَوْ زَائِدَةٍ يَسِيرًا (إنْ قَدَرَ عَلَيْهَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأُجْرَةِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا يَسْتَطِيعُ (سِوَى مَا تَقَدَّمَ) فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، عِنْدَ عَدِّ الْقِيَامِ مِنْ الْأَرْكَانِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الْمَرِيضُ الْقِيَامَ (أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ) الْقِيَامُ (مَشَقَّةً شَدِيدَةً، لِضَرَرٍ مِنْ زِيَادَةِ مَرَضٍ أَوْ تَأَخُّرِ بُرْءٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ الْقِيَامُ يُوهِنُهُ (حَيْثُ جَازَ تَرْكُ الْقِيَامِ فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (قَاعِدًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ (مُتَرَبِّعًا نَدْبًا) كَمُتَنَفِّلٍ.
(وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ) كَالْمُتَنَفِّلِ (وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمُتَنَفِّلٍ) وَأَسْقَطَهُ الْقَاضِي بِضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وَإِنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الصَّلَاةَ وَالْقِيَامَ حَتَّى ازْدَادَ مَرَضُهُ أَثِمَ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الْقُعُودَ (أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ) الْقُعُودُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِيَامِ.
(وَلَوْ) كَانَ عَجْزُهُ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (بِتَعَدِّيهِ بِضَرْبِ سَاقِهِ وَنَحْوِهِ) كَفَخِذِهِ (كَتَعَدِّيهَا) أَيْ الْحَامِلِ (بِضَرْبِ بَطْنِهَا حَتَّى نَفِسَتْ كَمَا سَبَقَ) فِي آخِرِ بَابِ الْحَيْضِ (فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (عَلَى جَنْبٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ.
(وَ) الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنْبِ (الْأَيْمَنِ أَفْضَلُ) مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ مَرْفُوعًا «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ
стр. 492
أَوْمَأَ وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنْ صَلَّى عَلَى الْأَيْسَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ جَوَازُهُ لِظَاهِرِ خَبَرِ عِمْرَانَ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَهُوَ حَاصِلٌ وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَيْمَنِ.
(وَيَصِحُّ) أَنْ يُصَلِّي (عَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى الصَّلَاةِ (عَلَى جَنْبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِقْبَالٍ وَلِهَذَا يُوَجَّهُ الْمَيِّتُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِلِاخْتِلَافِ، فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ إذَنْ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ (تَعَيَّنَ الظَّهْرُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ.
(وَيَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِرَأْسِهِ مَا أَمْكَنَهُ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) وُجُوبًا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَ وَلِيَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ لِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ) أَيْ عَيْنِهِ (وَنَوَى بِقَلْبِهِ) لِمَا رَوَى زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ» وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَلْزَمُهُ وَصَوَّبَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ (كَأَسِيرٍ عَاجِزٍ) عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْإِيمَاءِ بِهِمَا بِرَأْسِهِ (لِخَوْفِهِ) مِنْ عَدُوِّهِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ إذَنْ (وَيَأْتِي حُكْمُ الْأَسِيرِ) فِي آخِرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ (فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (بِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرًا الْقَوْلَ) إنْ عَجَزَ عَنْهُ بِلَفْظِهِ (وَ) مُسْتَحْضِرًا (الْفِعْلَ) بِقَلْبِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَقَوْلِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ) عَنْ الْمُكَلَّفِ (مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا) لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ مَعَ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ، أَوْ بِدُونِهِ، وَلِعُمُومِ أَدِلَّةِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ» إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
(قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْأَحْدَبُ يُجَدِّدُ لِلرُّكُوعِ) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ الرَّفْعُ مِنْهُ وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ (نِيَّةً، لِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَمَرِيضٍ لَا يُطِيقُ الْحَرَكَةَ، يُجَدِّدُ لِكُلِّ فِعْلٍ وَرُكْنٍ قَصْدًا) لِتَتَمَيَّزَ الْأَفْعَالُ وَالْأَرْكَانُ (كَفُلْكٍ فِي) اللُّغَةِ (الْعَرَبِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَصْلُحُ (لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ) وَيَتَمَيَّزُ
стр. 493
أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ (بِالنِّيَّةِ) فَإِذَا أُرِيدَ الْوَاحِدُ نَوَى الْمُتَكَلِّمَ ذَلِكَ، وَإِذَا أُرِيدَ الْجَمْعَ نَوَاهُ كَذَلِكَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَمْيِيزُهَا بِالْفِعْلِ فَإِنَّهَا تَمَيُّزٌ بِالنِّيَّةِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ وَحْدَهُ رَكَعَ وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْنِيَ ظَهْرَهُ حَتَّى رَقَبَتِهِ وَإِنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ فَصَارَ كَالرَّاكِعِ زَادَ فِي الِانْحِنَاءِ قَلِيلًا إذَا رَكَعَ وَيُقَرِّبُ وَجْهَهُ إلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ، حَسَبَ الْإِمْكَانِ.
(وَإِنْ سَجَدَ) الْعَاجِزُ عَنْ السُّجُودِ (مَا أَمْكَنَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْحِطَاطُ أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ) مِنْ مِخَدَّةٍ وَنَحْوِهَا (رَفَعَهُ) عَنْ الْأَرْضِ (كُرِهَ) لِلْخِلَافِ فِي مَنْعِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الرَّافِعُ لَهُ غَيْرَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ.
(وَأَجْزَأَ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ الِانْحِطَاطِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوَمَأَ.
(وَلَا بَأْسَ بِسُجُودِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا) مَوْضُوعَةٍ بِالْأَرْضِ لَمْ تُرْفَعْ عَنْهَا وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ أُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ وَنَهَى عَنْهُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ (وَلَا يَلْزَمهُ) السُّجُودُ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا وَيُومِئُ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ.
وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْمَرِيضِ الْمُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَنْ أَجْرِ الصَّحِيحِ الْمُصَلِّي قَائِمًا، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْمُتَخَلِّفِ عَنْ الْجِهَادِ لِعُذْرٍ: لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ، لِأَكْلِهِ، مَعَ قَوْلِهِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ قَائِمًا لِعَجْزِهِ ثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا لَا يَنْقُصُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ الْعِبَادَةَ عَلَى قُصُورٍ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَحَدِيثُ «ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ» يُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرِ لَيْسَ كَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ وَلَيْسَ مَنْ حَجَّ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْحَجِّ.
(فَإِنْ قَدَرَ) الْمَرِيضُ (عَلَى الْقِيَامِ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ انْتَقَلَ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] (أَوْ) قَدَرَ عَلَى (الْقُعُودِ وَنَحْوِهِ مِمَّا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ كُلِّ رُكْنٍ أَوْ وَاجِبٍ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، انْتَقَلَ إلَيْهِ وَأَتَمَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ الْعَجْزُ وَقَدْ زَالَ، وَمَا صَلَّاهُ قَبْلُ كَانَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا فِيهِ وَمَا بَقِيَ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ فِيهِ (لَكِنْ إنْ كَانَ) مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ (لَمْ يَقْرَأْ) الْفَاتِحَةَ (قَامَ فَقْرًا) بَعْدَ قِيَامِهِ (وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ) قَاعِدًا حَالَ الْعُذْرِ (قَامَ وَرَكَعَ بِلَا قِرَاءَةٍ) لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ صِحَّةٌ.
(وَيَبْنِي) الْمَرِيضُ (عَلَى إيمَاءٍ) أَيْ عَلَى مَا صَلَّاهُ بِالْإِيمَاءِ، إذَا قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، لِوُقُوعِهِ صَحِيحًا، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ.
(وَيَبْنِي عَاجِزٌ فِيهَا) أَيْ لَوْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ أَتَمَّهَا عَلَى مَا يَسْتَطِيعُهُ، وَيُبْنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا فَعَجَزَ عَنْهُ لِوُجُودِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ
стр. 494
(وَلَوْ طَرَأَ عَجْزٌ) عَلَى الْقَائِمِ (فَأَتَمَّ الْفَاتِحَةَ فِي انْحِطَاطِهِ أَجْزَأَ) هـ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الْقُعُودَ وَالِانْحِطَاطَ أَعْلَى مِنْهُ.
(وَلَا) تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ (مَنْ بَرِئَ فَأَتَمَّهَا فِي ارْتِفَاعِهِ) أَيْ نُهُوضِهِ كَصَحِيحٍ قَرَأَهَا فِي نُهُوضِهِ.
(وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا وَبِالسُّجُودِ قَاعِدًا) ؛ لِأَنَّ الرَّاكِعَ كَالْقَائِمِ فِي نَصْبِ رِجْلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُومِئَ بِهِ فِي قِيَامِهِ، وَالسَّاجِدُ كَالْجَالِسِ فِي جَمْعٍ فَوَجَبَ أَنْ يُومِئَ جَالِسًا، وَلْيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِيمَاءَيْنِ وَمَنْ قَدَرَ أَنْ يَحْنِيَ رَقَبَتَهُ دُونَ ظَهْرِهِ حَنَاهَا وَإِذَا سَجَدَ قَرَّبَ وَجْهَهُ مِنْ الْأَرْضِ مَا أَمْكَنَهُ.
(وَلَوْ قَدَرَ الْقِيَامَ مُنْفَرِدًا، وَفِي جَمَاعَةٍ) لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بَلْ يَقْدِرُ أَنْ يُصَلِّيَ (جَالِسًا لَزِمَهُ الْقِيَامُ قَدَّمَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قُلْت وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ (وَهَذَا قَادِرٌ) عَلَيْهِ (وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا) حَتَّى مَعَ الْقُدْرَةِ وَتَسْقُطُ لِلْعُذْرِ.
(وَقَدَّمَ فِي التَّنْقِيحِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ) بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا مُنْفَرِدًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا فِي جَمَاعَةٍ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّهُ يَفْعَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاجِبًا وَيَتْرُكُ وَاجِبًا.
(وَلَوْ قَالَ إنْ أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ قَدَرْتُ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا وَإِنْ صُمْتُ صَلَّيْت قَاعِدًا أَوْ قَالَ إنْ صَلَّيْت قَائِمًا لَحِقَنِي سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ امْتَنَعْتُ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ صَلَّيْت قَاعِدًا امْتَنَعَ السَّلَسُ) وَأَمْكَنَتْ الْقِرَاءَةُ (فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي يُصَلِّي قَاعِدًا فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الْقُعُودُ وَيَسْقُطُ فِي النَّفْلِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ أَوْ الْقِرَاءَةِ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ.
(وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى صُدْغَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) السُّجُودُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَا مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ وَيُومِئُ مَا يُمْكِنُهُ.
(وَإِذَا قَالَ طَبِيبٌ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفِطْنَتِهِ وَحِذْقِهِ (مُسْلِمٌ ثِقَةٌ) أَيْ عَدْلٌ ضَابِطٌ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ،؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ، فَاشْتُرِطَ لَهُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ (حَاذِقٌ فَطِنٌ لِمَرِيضٍ: إنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ فَلَهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (ذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةُ مُسْتَلْقِيًا (وَلَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى جَالِسًا حِينَ جُحِشَ شِقُّهُ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ، بَلْ فَعَلَهُ إمَّا لِلْمَشَقَّةِ أَوْ وُجُودِ الضَّرَرِ أَشْبَهَ الْمَرَضَ وَتَرْكُهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْعَافِيَةِ وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا وَاكْتُفِيَ بِالْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ أَشْبَهَ الرِّوَايَةَ وَمَنْ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ فَمُرَادُهُ الْجِنْسُ، إذْ لَمْ يَقُلْ بِاشْتِرَاطِ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
(وَيَكْفِي مِنْ الطَّبِيبِ غَلَبَةُ الظَّنِّ) لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ (وَنَصَّ) أَحْمَدُ (أَنَّهُ يُفْطِرُ بِقَوْلِ) طَبِيبٍ (وَاحِدٍ) أَيْ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ (إنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ الْعِلَّةَ) وَقَاسَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ.
стр. 495
(وَتَصِحُّ صَلَاةُ فَرْضٍ عَلَى رَاحِلَةٍ وَاقِفَةٍ أَوْ سَائِرَةٍ خَشْيَةَ تَأَذٍّ بِوَحْلٍ وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَثَلْجٍ وَبَرَدٍ لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْتَهَى إلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، يُومِئُ إيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفَعَلَهُ أَنَسٌ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، لِعُذْرٍ مِمَّا سَبَقَ (الِاسْتِقْبَالُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
(وَ) عَلَيْهِ (مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) مِنْ رُكُوعٍ غَيْرِهِ فِي الصَّلَاةِ (وَ) عَلَيْهِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (فِي شِدَّةِ خَوْفٍ كَمَا يَأْتِي) فِي صَلَاة الْخَوْفِ (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ) عَنْ رَاحِلَتِهِ (وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِ فِي النُّزُولِ (لَزِمَهُ) النُّزُولُ وَلَزِمَهُ (الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ) كَغَيْرِ حَالَةِ الْمَطَرِ.
(وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، إذَا كَانَ يُلَوِّثُ الثِّيَابَ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ «أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي مَسْجِدِهِ فِي الْمَدِينَةِ.
(وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةُ الْفَرْضِ (عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (لِمَرَضٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ ضَرَرُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ (لَكِنْ إنْ خَافَ هُوَ) أَيْ الْمَرِيضُ (أَوْ) خَافَ (غَيْرُهُ) أَيْ الْمَرِيضُ (بِنُزُولِهِ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَتِهِ، أَوْ عَجْزًا عَنْ رُكُوبِهِ) إنْ نَزَلَ (صَلَّى عَلَيْهَا) دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (كَخَائِفٍ بِنُزُولِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ) كَسَبْعٍ.
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ تَصِحُّ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ الِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ، أَوْ حُصُولِ ضَرَرٍ بِالْمَشْيِ، أَوْ تَبَرُّزِ الْحُفْرَةِ.
(وَمَنْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ) أَيْ بِجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ (مِنْ كُلِّ رُكْنٍ وَنَحْوِهِ) وَهُوَ الشُّرُوطُ وَالْوَاجِبَاتُ (لِلصَّلَاةِ وَصَلَّى عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ) صَلَّى (فِي سَفِينَةٍ وَنَحْوِهَا) كَمِحَفَّةٍ (وَلَوْ جَمَاعَةً مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَاقِفَةً) كَانَتْ (أَوْ سَائِرَةً صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِإِتْيَانِهِ بِمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا.
(وَلَا تَصِحَّ) صَلَاةُ الْفَرْضِ (فِيهَا) أَيْ فِي السَّفِينَةِ (مِنْ قَاعِدٍ مَعَ الْقُدْرَةِ) أَيْ قُدْرَتِهِ (عَلَى الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِسَفِينَةٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ، وَأَنْ يَدُورَ إلَى الْقِبْلَةَ كُلَّمَا انْحَرَفَتْ السَّفِينَةُ، وَتُقَامُ الْجَمَاعَةُ فِي السَّفِينَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ، كَمَعَ الْقُدْرَةِ.
(وَكَذَا) أَيْ كَالسَّفِينَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ (عَجَلَةٌ
следующие страницы →