← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

- ﷺ أَوَّلُ مَنْ غُطِّيَ نَعْشُهَا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ (وَيُسَنُّ أَنْ يَحْمِلَهُ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُ يُسَنُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ فَلْيَطَّوَّعْ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ " إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. (وَكَرِهَهُ) أَيْ: التَّرْبِيعَ فِي حَمْلِهِ (الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ مَعَ الِازْدِحَامِ) عَلَى الْجِنَازَةِ (وَهُوَ) أَيْ: التَّرْبِيعُ (أَفْضَلُ مِنْ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَصِفَتُهُ) أَيْ: التَّرْبِيعُ (أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ النَّعْشِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ) فِي حَالِ السِّيَرِ. وَهِيَ الَّتِي يَمِينُ الْمَيِّتِ (عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى) قَائِمَةِ السَّرِيرِ الْيُسْرَى (الْمُؤَخَّرَةِ) فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى أَيْضًا، ثُمَّ يَدَعَهَا لِغَيْرِهِ (ثُمَّ يَضَعَ قَائِمَتَهُ) أَيْ: النَّعْشِ (الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةِ) وَهِيَ الَّتِي تَلِي يَسَارَ الْمَيِّتِ (عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى) ثُمَّ يَدَعَهَا لِغَيْرِهِ، وَ (يَنْتَقِلَ إلَى) قَائِمَةِ السَّرِيرِ الْيُمْنَى (الْمُؤَخَّرَةِ) فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى فَتَكُونُ الْبُدَاءَةُ مَنْ الْجَانِبَيْنِ بِالرَّأْسِ، وَالْخِتَامِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِالرِّجْلَيْنِ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُوَافَقَةِ لِكَيْفِيَّةِ غُسْلِهِ، حَيْثُ يُبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ إلَى رِجْلِهِ، ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ " كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ " (وَإِنْ حُمِلَ) الْمَيِّتُ (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ) وَهُمَا الْقَائِمَتَانِ (كُلُّ عَمُودٍ عَلَى عَاتِقٍ؛ كَانَ حَسَنًا وَلَمْ يُكْرَهْ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ لِأَنَّهُ ﷺ حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ " وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ حُمِلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَمِنْ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. وَفِي الْمَذْهَبِ مِنْ نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ لَا يَصْلُحُ إلَّا التَّرْبِيعُ انْتَهَى لِأَنَّ الْمُؤَخَّرَ إنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ لَمْ يُرَ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ فَلَا يُهْتَدَى إلَى الْمَشْيِ فَعَلَى هَذَا يَحْمِلُ السَّرِيرَ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ مِنْ مُقَدَّمِهِ، يَضَعُ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَرَأْسِهِ بَيْنَهُمَا وَالْخَشَبَةَ الْمُعْتَرِضَةَ عَلَى كَاهِلِهِ وَاثْنَانِ مِنْ مُؤَخَّرِهِ: أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ يَضَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَمُودًا عَلَى عَاتِقِهِ. (وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِ طِفْلٍ عَلَى يَدَيْهِ وَ) لَا بَأْسَ (بِحَمْلِ الْمَيِّتِ بِأَعْمِدَةٍ لِلْحَاجَةِ) كَجِنَازَةِ ابْنِ عُمَرَ. (وَ) لَا بَأْسَ بِحَمْلِ الْمَيِّتِ (عَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُعْدِ) قَبْرِهِ (وَنَحْوِهِ) كَسِمَنٍ مُفْرِطٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ، أَوْ هَيْئَةٍ يُخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ.

стр. 632

(وَلَا بَأْسَ بِالدَّفْنِ لَيْلًا) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ دُفِنَ لَيْلًا وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا: قَالَهُ أَحْمَدُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ، فَأَخَذَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالدَّفْنُ بِالنَّهَارِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَسْهَلَ عَلَى مُتَّبِعِي الْجِنَازَةِ، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا، وَأَمْكَنُ لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ وَلَحْدِهِ. (وَيُكْرَهُ) الدَّفْنُ (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ) عِنْدَ (غُرُوبِهَا، وَ) عِنْدَ (قِيَامِهَا) لِقَوْلِ عُتْبَةَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَانَا عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِنَّ، وَأَنْ نُقْبِرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَى " تَتَضَيَّفُ " تَجْنَحُ وَتَمِيلُ لِلْغُرُوبِ مِنْ قَوْلِكَ تَضَيَّفْتُ فُلَانًا إذَا مِلْتَ إلَيْهِ. (وَيُسَنُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا) أَيْ: بِالْجِنَازَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَكُونُ (دُونَ الْخَبَبِ) نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي الْمَذْهَبِ: وَفَوْقَ السَّعْيِ وَفِي الْكَافِي: لَا يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ فَيَمْخُضَهَا وَيُؤْذِي مُتَّبِعَهَا وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ وَلَكِنْ يُرَاعِي الْحَاجَةَ نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «مَرَّ عَلَيْهِ جِنَازَةٌ تُمْخَضُ مَخْضًا، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أُسْرِعَ وَالْخَبَبُ ضَرْبٌ مِنْ الْعَدْوِ، وَهُوَ خَطْوٌ فَسِيحٌ، دُونَ الْعَنَقِ - بِفَتْحَتَيْنِ ضَرْبٌ مِنْ السَّيْرِ فَسِيحٌ سَرِيعٌ (مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْإِسْرَاعِ، فَيَمْشِي بِحَيْثُ لَا يَضُرُّهَا. (وَاتِّبَاعُهَا) أَيْ: الْجِنَازَةُ (سُنَّةٌ) وَفِي آخِرِ الرِّعَايَةِ: اتِّبَاعُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَالَ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» (وَهُوَ) أَيْ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ (حَقٌّ لِلْمَيِّتِ وَأَهْلِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَوْ قُدِّرَ لَوْ انْفَرَدَ، أَيْ: الْمَيِّتُ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْحَقَّ، لِمُزَاحِمٍ أَوْ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، تَبِعَهُ لِأَجْلِ أَهْلِهِ إحْسَانًا إلَيْهِمْ لِتَأْلِيفٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. (وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّ مِنْ الْجَبْرِ أَنْ يَتْبَعَهَا لِقَضَاءِ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْصَرِفَ الثَّانِي: أَنْ يَتْبَعَهَا إلَى الْقَبْر ثُمَّ يَقِفَ، حَتَّى تُدْفَنَ الثَّالِثُ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الدَّفْنِ،

стр. 633

فَيَسْتَغْفِرَ لَهُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ وَيَدْعُو لَهُ بِالرَّحْمَةِ. (وَيُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ) اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ، لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» أَيْ: لَمْ يُحَتَّمْ عَلَيْنَا تَرْكُ اتِّبَاعِهَا بَلْ نُهِينَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ (وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْمُشَاةِ أَمَامَهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ. (وَلَا يُكْرَهُ) كَوْنُ الْمُشَاةِ (خَلْفَهَا) أَيْ: الْجِنَازَةِ، بَلْ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنَّهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ. (وَ) لَا يُكْرَهُ أَنْ يَمْشُوا (حَيْثُ شَاءُوا) عَنْ يَمِينِهَا أَوْ يَسَارِهَا، بِحَيْثُ يُعَدُّونَ تَابِعِينَ لَهَا. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ (الرُّكْبَانُ، وَلَوْ فِي سَفِينَةٍ خَلْفَهَا) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ سَيْرَهُ أَمَامَهَا يُؤْذِي مُتَّبِعَهَا (فَلَوْ رَكِبَ وَكَانَ أَمَامَهَا) أَيْ: الْجِنَازَةِ (كُرِهَ) قَالَهُ الْمَجْدُ. قَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَيُكْرَهُ رَكُوبُ) مُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى نَاسًا رِكَابًا، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ مَلَائِكَةُ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (إلَّا لِحَاجَةٍ) كَمَرَضٍ. (وَ) إلَّا (لِعَوْدٍ) فَلَا يُكْرَهُ، لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبِعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ (وَالْقُرْبُ مِنْهَا أَفْضَلُ) مِنْ الْبُعْدِ عَنْهَا (فَإِنْ بَعُدَ) عَنْ الْجِنَازَةِ فَلَا بَأْسَ (أَوْ تَقَدَّمَ) الْجِنَازَةَ (إلَى الْقَبْرِ، فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ أَيْ: لَا كَرَاهَةَ فِيهِ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ) الْجِنَازَةَ (إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَ) يُكْرَهُ (أَنْ تُتْبَعَ) الْجِنَازَةُ (بِنَارٍ) لِلْخَبَرِ قِيلَ: سَبَبُ الْكَرَاهَةِ: كَوْنُهُ شِعَارُ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيِّ: تَفَاؤُلًا بِالنَّارِ (إلَّا لِحَاجَةِ ضَوْءٍ) فَلَا يُكْرَهُ إذَنْ لِلْحَاجَةِ. (وَأَنْ تُتْبَعَ بِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ وَمِثْلُهُ التَّبْخِيرُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ) يُكْرَهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. (وَيُكْرَهُ جُلُوسُ مَنْ تَبِعَهَا) أَيْ: الْجِنَازَةَ (حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ لِلدَّفْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَبِعْتُمْ الْجَنَائِزَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ «حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ» (إلَّا لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا) أَيْ: عَنْ الْجِنَازَةِ فَلَا يُكْرَهُ جُلُوسُهُ قَبْلَ " وَضْعِهَا بِالْأَرْضِ، لِمَا فِي انْتِظَارِهِ قَائِمًا مِنْ الْمَشَقَّةِ. (وَإِنْ جَاءَتْ) الْجِنَازَةُ (وَهُوَ

стр. 634

جَالِسٌ أَوْ مَرَّتْ بِهِ) وَهُوَ جَالِسٌ (كُرِهَ قِيَامُهُ لَهَا) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ «رَأَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَقُمْنَا تَبَعًا لَهُ يَعْنِي فِي الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: «مُرَّ بِجِنَازَةٍ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ الْحَسَنُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَا قَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَامَ ثُمَّ قَعَدَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ - هُوَ وَلِيُّهَا - لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى تُدْفَنَ) نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ. (وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ بِقِيَامِهِ عَلَى الْقَبْرِ حَتَّى تُدْفَنَ جَبْرًا وَإِكْرَامًا) وَوَقَفَ عَلِيٌّ عَلَى قَبْرٍ فَقِيلَ لَهُ: " أَلَا تَجْلِسُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَلِيلٌ عَلَى أَخِينَا قِيَامُنَا عَلَى قَبْرِهِ " ذَكَرَهُ أَحْمَدُ مُحْتَجًّا بِهِ. (وَيُكْرَه الصَّوْتُ وَالضَّجَّةُ عِنْدَ رَفْعِهَا) لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ (وَكَذَا) رَفْعُ الصَّوْتِ (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ الْجِنَازَةِ (وَلَوْ بِقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ) «لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ تُتْبَعَ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ أَوْ نَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (بَلْ يُسَنُّ) الْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ (سِرًّا) وَإِلَّا الصَّمْتُ. (وَيُسَنُّ) لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ (أَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا مُتَفَكِّرًا فِي مَآلِهِ) أَيْ: أَمْرُهُ الَّذِي يَئُولُ إلَيْهِ وَيَرْجِعُ (مُتَّعِظًا بِالْمَوْتِ وَبِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ مُعَاذٍ " مَا تَبِعْتُ جِنَازَةً فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهَا " (وَيُكْرَهُ) لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ (التَّبَسُّمُ، وَالضَّحِكُ أَشَدُّ) مِنْهُ (وَالتَّحَدُّثُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا كَذَا مَسَحَهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِشَيْءٍ عَلَيْهَا تَبَرُّكًا) وَقِيلَ: بِمَنْعِهِ كَالْقَبْرِ وَأَوْلَى. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هُوَ بِدْعَةٌ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ وَهُوَ قَبِيحٌ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ قَالَ: وَلِهَذَا مَنَعَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ مَسِّ الْقَبْرِ، فَكَيْفَ بِالْجَسَدِ؟ وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْحَيَاةِ، ثُمَّ حَالَ الْحَيَاةِ يُكْرَهُ أَنْ يُمَسَّ بَدَنُ الْإِنْسَانِ لِلِاحْتِرَامِ وَغَيْرِهِ سِوَى الْمُصَافَحَةِ وَرَوَى ابْنُ الْخَلَّالِ فِي أَخْلَاقِ أَحْمَدَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ الطَّيَالِسِيَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى أَحْمَدَ، ثُمَّ مَسَحَهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ فَغَضِبَ شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ يَدَهُ، وَيَقُول عَمَّنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ وَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا. (وَقَوْلُ الْقَائِلِ مَعَ الْجِنَازَةِ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ وَنَحْوُهُ بِدْعَةٌ) عِنْدَ أَحْمَدَ وَكَرِهَهُ (وَحَرَّمَهُ أَبُو حَفْصٍ) نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: مَا يُعْجِبُنِي وَرَوَى سَعِيدٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَا لِقَائِلِ ذَلِكَ: " لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ". (وَيَحْرُمُ أَنْ يَتْبَعَهَا مَعَ مُنْكَرٍ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ إزَالَتِهِ، نَحْوُ طَبْلٍ وَنِيَاحَةٍ وَلَطْمِ نِسْوَةٍ، وَتَصْفِيقٍ، وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ) لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِمَاعٍ مَحْظُورٍ، وَرُؤْيَتُهُ مَعَ

стр. 635

قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَعَنْهُ يَتْبَعُهَا وَيُنْكِرُهُ بِحَسَبِهِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (فَإِنْ قَدِرَ) عَلَى إزَالَتِهِ (تَبِعَ) الْجِنَازَةَ. (وَأَزَالَهُ) أَيْ: الْمُنْكَرَ (لُزُومًا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيُعَايَى بِهَا (فَلَوْ ظَنَّ إنْ اتَّبَعَهَا أَزَالَ الْمُنْكَرَ؛ لَزِمَهُ) اتِّبَاعُهَا إجْرَاءً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْعِلْمِ. (وَضَرْبُ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ مُنْكَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ اتِّفَاقًا قَالَهُ الشَّيْخُ) وَمَنْ دُعِيَ لِغُسْلِ مَيِّتٍ فَسَمِعَ طَبْلًا أَوْ نَوْحًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، نَقَل الْمَرْوَزِيُّ فِي طَبْلٍ: لَا وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ وَأَبُو دَاوُد فِي نَوْحٍ: يُغَسِّلُهُ وَيَنْهَاهُمْ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ الطَّبْلِ وَالنَّوْحِ بِذَهَابِهِ؛ ذَهَبَ وَغَسَّلَهُ، وَإِلَّا فَلَا. [فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ] وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ قَابِيلَ إلَى دَفْنِ أَخِيهِ هَابِيلَ وَأَبَانَ ذَلِكَ بِبَعْثِ غُرَابٍ ﴿يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] أَيْ: جَامِعَةً لِلْأَحْيَاءِ فِي ظَهْرِهَا بِالْمَسَاكِنِ، وَالْأَمْوَاتِ فِي بَطْنِهَا بِالْقُبُورِ، وَالْكَفْتُ الْجَمْعُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " مَعْنَاهُ أَكْرَمَهُ بِدَفْنِهِ " (وَيُسَنُّ أَنْ يُدْخَلَ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أَيْ: رِجْلَيْ الْقَبْرِ (إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) «لِأَنَّهُ ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَدْخَلَ الْحَارِثَ قَبْرَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ وَقَالَ هَذَا مِنْ السُّنَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ تَوَجُّهٍ، بَلْ دُخُولٍ فَدُخُولُ الرَّأْسِ أَوْلَى كَعَادَةِ الْحَيِّ، لِكَوْنِهِ مَجْمَعُ الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إدْخَالُهُ الْقَبْرَ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ أَسْهَلَ أُدْخِلَ (مِنْ حَيْثُ يَسْهُلُ) دَفْعًا لِلضُّرِّ وَالْمَشَقَّةِ (ثُمَّ) إنْ سَهُلَ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَهُمَا (سَوَاءٌ) مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. (وَلَا تَوْقِيتَ فِي عَدَدِ مَنْ يُدْخِلُهُ) الْقَبْرَ (مِنْ شَفْعٍ أَوْ وَتْرٍ، بَلْ) يَكُونُ ذَلِكَ (بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) كَسَائِرِ أُمُورِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسَجَّى قَبْرُ رَجُلٍ)

стр. 636

لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَقَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ فَجَذَبَهُ وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ " وَلِأَنَّ كَشْفَهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (إلَّا لِعُذْرِ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَلَا يُكْرَهُ إذَنْ (وَيُسَنُّ) أَنْ يُسَجَّى (لِامْرَأَةٍ) لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ وَبِنَاءُ أَمْرِهَا عَلَى السَّتْرِ وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا. (وَمَنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ إلَى الْبَرِّ) لِبُعْدِهِمْ عَنْ السَّاحِلِ مَثَلًا (ثُقِّلَ بِشَيْءٍ، بَعْدَ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) لِيَسْتَقِرَّ فِي قَرَارِ الْبَحْرِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ سَلًّا كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ وَإِنْ مَاتَ فِي بِئْرٍ أُخْرِجَ) . وُجُوبًا لِيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنَ وَإِنْ أَمْكَنَ مُعَالَجَةُ الْبِئْرِ بِالْأَكْسِيَةِ الْمَبْلُولَةِ تُدَارُ فِيهَا، حَتَّى تَجْتَذِبَ الْبُخَارَ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَنْ يُطْلِعُهُ، أَوْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ بِكَلَالِيبَ وَنَحْوِهَا مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ وَجَبَ ذَلِكَ لِتَأْدِيَةِ فَرْضِ غُسْلِهِ وَيَمْتَحِنُ زَوَالَ الْبُخَارِ إذَا شَكَّ فِيهِ بِسِرَاجٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ انْطَفَأَ فَهُوَ بَاقٍ وَإِلَّا فَقَدْ زَالَ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ النَّارَ لَا تَبْقَى إلَّا فِيمَا يَعِيشُ فِيهِ الْحَيَوَانُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) إخْرَاجُهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا مُتَقَطِّعًا وَنَحْوَهُ (طُمَّتْ) الْبِئْرُ (عَلَيْهِ) لَتَصِيرَ قَبْرًا لَهُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى إخْرَاجِهِ مُتَقَطِّعًا وَهَذَا حَيْثُ لَا حَاجَةَ إلَى الْبِئْرِ (وَمَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا يُخْرَجُ مُطْلَقًا) أَيْ: وَلَوْ مُتَقَطِّعًا لِأَنَّ مُثْلَةَ الْمَيِّتِ أَخَفُّ ضَرَرًا مِمَّا يَحْصُلُ بِطَمِّ الْبِئْرِ وَتَعْطِيلِهَا. (وَأَوْلَى النَّاسِ بِتَكْفِينِ) مَيِّتٍ مُطْلَقًا (وَدَفْنِ) رَجُلٍ (أَوْلَاهُمْ بِغُسْلِ) الْمَيِّتِ وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْنَ الْمَيِّتِ غَاسِلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " لَحَدَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانُوا هُمْ الَّذِينَ تَوَلَّوْا غُسْلَهُ وَلِأَنَّ الْمُقَدَّمَ بِغُسْلِهِ أَقْرَبُ إلَى سَتْرِ أَحْوَالِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ. (وَالْأَوْلَى: لِلْأَحَقِّ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي سَتْرِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ (ثُمَّ بِنَائِبِهِ) لِقِيَامِهِ، مُقَامَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (ثُمَّ) الْأَوْلَى (مِنْ بَعْدِهِمْ) أَيْ: بَعْدَ الْمَذْكُورِينَ فِي تَغْسِيلِ الرَّجُلِ الْأَوْلَى (بِدَفْنِ رَجُلٍ: الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ) فَيُقَدَّمُونَ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ النِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ يَضْعُفْنَ عَنْ إدْخَالِهِ الْقَبْرَ وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ يَحْضُرُهَا جُمُوعُ الرِّجَالِ غَالِبًا. وَفِي نُزُولِ النِّسَاءِ الْقَبْرَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ تَعْرِيضٌ لَهُنَّ بِالْهَتْكِ وَالْكَشْفِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ (ثُمَّ) الْأَوْلَى (مَحَارِمُهُ مِنْ النِّسَاءِ ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ) لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْنِهِ، وَعَدَمِ غَيْرِهِنَّ. (وَ) الْأَوْلَى (بِدَفْنِ امْرَأَةٍ: مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ) الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ لِأَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ لَمَّا تُوُفِّيَتْ قَالَ لِأَهْلِهَا " أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا "

стр. 637

وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِوِلَايَتِهَا حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (ثُمَّ) إنْ عَدِمُوا فَالْأَوْلَى (زَوْجُهَا) لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَحْرَمِهَا مِنْ النَّسَبِ مِنْ الْأَجَانِبِ (ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ مَاتَتْ ابْنَتُهُ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا " وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ وَمَعْلُومٌ: أَنَّ مَحَارِمَهَا كُنَّ هُنَاكَ كَأُخْتِهَا فَاطِمَةَ وَلِأَنَّ تَوَلِّي النِّسَاءِ لِذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفُعِلَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَصْرِ خُلَفَائِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ (ثُمَّ مَحَارِمُهَا النِّسَاءُ) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى مِنْهُنَّ كَالرِّجَالِ. (وَيُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ) بِدَفْنِ امْرَأَةٍ (خَصِيٌّ، ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ أَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِجِمَاعٍ: أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ) عَهْدُهُ بِهِ قُلْتُ: وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ، احْتِيَاطًا (وَلَا يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ) الْأَجَانِبِ (دَفْنُ امْرَأَةٍ؛ وَثَمَّ مَحْرَمٌ) لَهَا نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِحَمْلِهَا مِنْ الْمُغْتَسَلِ إلَى النَّعْشِ وَيُسَلِّمُهَا إلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ، وَيَحُلُّ عُقَدَ الْكَفَنِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ. (وَاللَّحْدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ مَثَلًا وَالضَّمُّ لُغَةً (أَفْضَلُ) مِنْ الشَّقِّ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ " أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا فُعِلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ " (وَهُوَ) أَيْ: اللَّحْدُ فِي الْأَصْلِ: الْمَيْلُ وَالْمُرَادُ هُنَا (أَنْ يَحْفِرَ فِي أَرْضِ الْقَبْرِ) أَيْ: فِي أَسْفَلِ حَائِطِ الْقَبْرِ (مَا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ) وَلَا يُعَمِّقَ تَعْمِيقًا يَنْزِلُ فِيهِ جَسَدُ الْمَيِّتِ كَثِيرًا، بَلْ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْجَسَدُ غَيْرَ مُلَاصِقٍ لِلَّبِنِ (وَيُكْرَهُ الشَّقُّ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ لِقَوْلِهِ: ﷺ «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ. (وَهُوَ أَنْ يَبْنِيَ جَانِبَا الْقَبْرِ بِلَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ) وَيُسَمُّونَهُ بِبِلَادِ مِصْرَ مَنَامَةً (أَوْ يَشُقَّ) أَيْ: يَحْفِرَ (وَسَطَهُ) أَيْ: الْقَبْرِ (فَيَصِيرُ) وَسَطُهُ (كَالْحَوْضِ، ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ) أَيْ: فِي شِبْهِ الْحَوْضِ. (وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ بِبَلَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَأَحْجَارٍ كَبِيرَةٍ (فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رِخْوَةً لَا يَثْبُتُ فِيهَا اللَّحْدُ، شَقَّ فِيهَا لِلْحَاجَةِ) . وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا اللَّحْدَ مِنْ الْجَنَادِلِ وَاللَّبِنِ وَالْحِجَارَةِ جَعَلْ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الشَّقِّ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُسَنُّ تَعْمِيقُهُ) أَيْ: الْقَبْرِ بِلَا حَدٍّ (وَتَوْسِيعُهُ بِلَا حَدٍّ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: «احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ تَعْمِيقَ الْقَبْرِ أَنْفَى لِظُهُورِ الرَّائِحَةِ الَّتِي تَسْتَضِرُّ بِهَا الْأَحْيَاءُ، وَأَبْعَدُ لِقُدْرَةِ الْوَحْشِ عَلَى نَبْشِهِ وَآكَدُ لِسَتْرِ الْمَيِّتِ وَالتَّوْسِيعُ: الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِحَفَّارٍ «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ

стр. 638

الرَّأْسِ، وَمِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ» وَالتَّعْمِيقُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ. (وَقَالَ الْأَكْثَرُ: قَامَةُ وَسَطٍ وَبَسْطَةٌ، وَهِيَ بَسْطُ يَدِهِ قَائِمَةً وَيَكْفِي مَا) أَيْ: التَّعْمِيقَ (يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسِّبَاعَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ، فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى مَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَنْصِبَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي اللَّحْدِ (اللَّبِنَ نَصْبًا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ (وَهُوَ) أَيْ: اللَّبِنُ (أَفْضَلُ مِنْ الْقَصَبِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْقَصَبِ وَاللَّبِنُ وَاحِدَتُهُ لَبِنَةٌ مَا ضُرِبَ مِنْ الطِّينِ مُرَبَّعًا لِلْبِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُشْوَى بِالنَّارِ فَإِذَا شُوِيَ بِهَا سُمِّيَ آجُرًّا. (وَيَجُوزُ) تَغْطِيَةُ اللَّحْدِ (بِبَلَاطٍ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللَّبِنِ فِيمَا سَبَقَ (وَيَسُدُّ مَا بَيْنَ اللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْفُرَجِ (بِطِينٍ لِئَلَّا يَنْهَارَ عَلَيْهِ التُّرَابُ) وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْحَيِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. (وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ) أَيْ: الْمَيِّتُ (فِي تَابُوتٍ وَلَوْ امْرَأَةً) لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ، وَلَا يَسْتَحِبُّونَ الدَّفْنَ فِي تَابُوتٍ لِأَنَّهُ خَشَبٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ. وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلَاتِهِ وَلِهَذَا زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشٍ (وَيُكْرَهُ إدْخَالُهُ) أَيْ: الْقَبْرِ (خَشَبًا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَ) يُكْرَهُ إدْخَالُهُ (مَا مَسَّتْهُ نَارٌ) تَفَاؤُلًا، وَحَدِيدٌ، وَلَوْ أَنَّ الْأَرْضَ رِخْوَةٌ أَوْ نَدِيَّةٌ (وَيُسْتَحَبُّ قَوْلُ مَنْ يُدْخِلُهُ) الْقَبْرَ (عِنْدَ وَضْعِهِ) فِيهِ (بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي لَفْظٍ «كَانَ إذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ (وَإِنْ أَتَى عِنْدَ وَضْعِهِ وَلَحْدِهِ بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ يَلِيقُ) بِالْحَالِ (فَلَا بَأْسَ) بِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: حَضَرْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وَضَعَهَا فِي اللَّحْدِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَجِرْهَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهَا، وَصَعِّدْ رُوحَهَا، وَلَقِّهَا مِنْكَ رِضْوَانًا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ » رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي قَبْرٍ، فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لِبِلَالٍ: مَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ: أَسْلَمَهُ إلَيْكَ الْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْعَشِيرَةُ وَالذَّنْبُ الْعَظِيمُ، وَأَنْتَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَاغْفِرْ لَهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ. (وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لَهُ) أَيْ: لِلْمَيِّتِ (عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ وَاقِفًا) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 639

إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَقِفُ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ مَا يُسَوِّي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ نَزَلَ بِكَ صَاحِبُنَا وَخَلَّفَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَالْأَخْبَارُ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] مَعْنَاهُ: بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ، بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ النَّجَّارُ قَالَ " كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَقُمْنَا نَاحِيَةً فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهِ وَانْقَضَى الدَّفْنُ، جَاءَ إلَى الْقَبْرِ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَجَلَسَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْقَبْرِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] وَقَرَأَ إلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ وَإِنَّا نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ مَا كَذَّبَ بِكَ وَلَقَدْ كَانَ يُؤْمِنُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ فَاقْبَلْ شَهَادَتَنَا لَهُ وَدَعَا لَهُ وَانْصَرَفَ ". (وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ، فَيَقُومُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ بَعْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ نَسَبَهُ إلَى حَوَّاءَ ثُمَّ يَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَلْيَقُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ ثُمَّ لْيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ ثُمَّ لْيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَانِيَةً فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ لِيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَالِثًا فَإِنَّهُ يَقُول: أَرْشِدْنَا

стр. 640

يَرْحَمْكَ اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ فَيَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَقُولَانِ: مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَهُ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ قَالَ: فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ» قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِي وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَوْ لِغَيْرِهِ فِيهِ «وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» وَفِيهِ «وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا» وَقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ يَقْفُ الرَّجُلُ، وَيَقُولُ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ اُذْكُرْ مَا فَارَقْتَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا نَقَلَ هَذَا إلَّا أَهْلَ الشَّامِ، حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ جَاءَ إنْسَانٌ فَقَالَ ذَاكَ وَكَانَ أَبُو الْمُغِيرَةِ يَرْوِي فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ. (قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ انْصَرَفُوا قَبْلَهُ لَمْ يَعُودُوا) لِأَنَّ الْخَبَرَ " يُلَقِّنُونَهُ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ لِيَتَذَكَّرَ حُجَّتَهُ. (وَهَلْ يُلَقَّنُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ؟) وَجْهَانِ وَهَذَا الْخِلَافُ (مَبْنِيٌّ عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ) النَّفْيُ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ وَغَيْرِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ الْأَصْحَابِ (الْمُرَجَّحُ النُّزُولُ) فَيَكُونُ الْمُرَجَّحُ تَلْقِينُهُ (وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ) وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «صَلَّى عَلَى طِفْلٍ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ قِه عَذَابَ الْقَبْرِ وَفِتْنَةَ الْقَبْرِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ التَّعْذِيبِ فَقَدْ يَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرَى الْوَقْفَ فِيهِمْ اهـ وَكَذَلِكَ أَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ فِيهِ عُقُوبَةَ الطِّفْلِ قَطْعًا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِلَا ذَنْبٍ عَمِلَهُ بَلْ الْمُرَادُ الْأَلَمُ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ بِسَبَبٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُقُوبَةً عَلَى عَمَلِهِ وَقَالَ الْآخَرُونَ: أَيْ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ. السُّؤَالُ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ يَعْقِلُ الرَّسُولَ وَالْمُرْسَلَ فَيَسْأَلُ هَلْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَطَاعَهُ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ لَهُ بِوَجْهٍ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ وَلَوْ رُدَّ إلَيْهِ عَقْلُهُ فِي الْقَبْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْعَلَمِ بِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا السُّؤَالِ. (قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يُسْأَلُ الْأَطْفَالُ عَنْ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ،

стр. 641

حِينَ الذُّرِّيَّةِ) يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ سُؤَالُ تَكْرِيمٍ، وَسُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنْ ثَبَتَ - فَهُوَ سُؤَالُ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ كَمَا أَنَّ التَّكَالِيفَ فِي دَارِ الدُّنْيَا لِبَعْضٍ تَكْرِيمٌ وَلِبَعْضٍ امْتِحَانٌ وَنَكَالٌ (وَالْكِبَارُ يُسْأَلُونَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ فِي الدُّنْيَا) وَعَنْ (إقْرَارِهِمْ الْأَوَّلِ) حِينَ الذُّرِّيَّةِ. (وَيُسَنُّ وَضْعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ النَّائِمِ وَهُوَ يُشْبِهُهُ (وَوَضْعُ لَبِنَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ) تَحْتَ رَأْسِهِ (كَمَا يَضَعُ الْحَيُّ تَحْتَ رَأْسِهِ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَيُوضَعُ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَحَجَرٌ فَإِنْ عُدِمَ فَقَلِيلٌ مِنْ تُرَابٍ، لَا آجُرَّةَ لِأَنَّهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَيُفْضِي بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ إلَى الْأَرْضِ بِأَنْ يُزَالَ الْكَفَنُ عَنْهُ وَيُلْصَقَ بِالْأَرْضِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ وَلِقَوْلِ عُمَرَ " إذَا أَنَا مِتَّ فَافْضُوَا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ ". (وَتُكْرَهْ مِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ تُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَغَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ (وَالْمَنْصُوصُ: وَ) تُكْرَهُ (مِضْرَبَةٌ وَقَطِيفَةٌ تَحْتَهُ) قَالَ أَحْمَدُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْأَرْضِ مِضْرَبَةٌ، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ، ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ " لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا " وَالْقَطِيفَةُ الَّتِي وُضِعَتْ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا وَضَعَهَا شُقْرَانُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ اتِّفَاقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَنَصُّهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (لَا بَأْسَ بِهَا) أَيْ: الْمِضْرَبَةِ أَوْ الْقَطِيفَةِ (مِنْ عِلَّةٍ وَيُسْنَدُ) الْمَيِّتُ (خَلْفَهُ) بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَنْقَلِبَ (وَ) يُسْنَدُ (أَمَامَهُ بِتُرَابٍ لِئَلَّا يَسْقُطَ) فَيَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُدْنَى مِنْ الْحَائِطِ لِئَلَّا يَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ. (وَيَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ) أَيْ: أَنْ يُدْفَنَ مُسْتَقْبِلَ (الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ: «قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» وَلِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقَةُ الْمُسْلِمِينَ، بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَكَذَا دُفِنَ (وَيُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ) الدَّفْنَ (أَنْ يَحْثُوَ التُّرَابَ فِيهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ (بِالْيَدِ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَة «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 642

صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ؛ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَأَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَلِأَنَّ مُوَارَاتَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَبِالْحَثْيِ يَصِيرُ مِمَّنْ شَارَكَ فِيهَا وَفِي ذَلِكَ أَقْوَى عِبْرَةٍ وَتَذْكَارٍ، فَاسْتُحِبَّ لِذَلِكَ. [فَصْلٌ رَفْعُ الْقَبْرِ عَنْ الْأَرْضِ] (فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْقَبْرِ) عَنْ الْأَرْضِ (قَدْرَ شِبْرٍ) . لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَيُتَوَقَّى، وَيُتَرَحَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ قَبْرَهُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ» . وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ لِعَائِشَةَ يَا أُمَّاهُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةً وَلَا لَاطِئَةً مَبْطُوحَةً بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيُكْرَهُ) رَفْعُ الْقَبْرِ (فَوْقَهُ) أَيْ: فَوْقَ شِبْرٍ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَالْمُشْرِفُ مَا رُفِعَ كَثِيرًا، بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ " لَا مُشْرِفَةً وَلَا لَاطِئَةً " (وَتَسْنِيمُهُ) أَيْ: الْقَبْرِ (أَفْضَلُ مِنْ تَسْطِيحِهِ) لِقَوْلِ سُفْيَانَ التَّمَّارِ " رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ أَشْبَهُ بِأَبْنِيَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا (إلَّا بِدَارِ حَرْبٍ، إذَا تَعَذَّرَ نَقْلُهُ) أَيْ: الْمَيِّتُ (فَالْأَوْلَى تَسْوِيَتُهُ) أَيْ: الْقَبْرُ (بِالْأَرْضِ وَإِخْفَاؤُهُ) أَوْلَى مِنْ إظْهَارِهِ، وَتَسْنِيمِهِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْبَشَ، فَيُمَثَّلَ بِهِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (الْمَاءُ، وَيُوضَعَ عَلَيْهِ حَصًى صِغَارٌ مُحَلَّلٌ بِهِ، لِيَحْفَظَ تُرَابَهُ) لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ مَاءً وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَثْبَتُ لَهُ، وَأَبْعَدُ لِدُرُوسِهِ، وَأَمْنَعُ لِتُرَابِهِ مِنْ أَنْ تُذْهِبَهُ الرِّيَاحُ، وَالْحَصْبَاءُ صِغَارُ الْحَصَا (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ) أَيْ: الْقَبْرِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي وَصْفِ قَبْرِهِ ﷺ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ مَبْطُوحَةً بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ. (وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِ (تَعْلِيمِهِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا) كَلَوْحٍ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمَطْلَبِ

стр. 643

قَالَ «لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ، فَدُفِنَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ نَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ ﷺ فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَحَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، أَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ. (وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (سَوَاءٌ لَاصَقَ الْبِنَاءَ الْأَرْضَ أَوْ لَا وَلَوْ فِي مُلْكِهِ مِنْ قُبَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ «وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ» وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي) كِتَابِهِ (إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ) مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ (يَجِبُ هَدْمُ الْقِبَابِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ لِأَنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ انْتَهَى وَهُوَ) أَيْ: الْبِنَاءُ (فِي) الْمَقْبَرَةِ (الْمُسَبَّلَةِ أَشَدُّ كَرَاهَةً) لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَاسْتِعْمَالٌ لِلْمُسَبَّلَةِ فِيمَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ (وَعَنْهُ: مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ) وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ: رَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا يُبْنَى وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: هُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ الْأَشْهَرَ لَا يُمْنَعَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ فِي هَذَا: مَا سَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمَّنْ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ قَالَ: لَا يُدْفَنُ فِيهَا وَالْمُرَادُ: لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ كَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ حَفْرُ قَبْرٍ فِي مُسَبَّلَةٍ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَهَهُنَا أَوْلَى. (قَالَ الشَّيْخُ) مَنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ فِيهَا فَ (هُوَ غَاصِبٌ) وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ فِي مِلْكِهِ إسْرَافٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ وَكُلٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (قَالَ أَبُو حَفْصٍ تُحَرَّمُ الْحُجْرَةُ بَلْ تُهْدَمُ، وَهُوَ) أَيْ: الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ الْبِنَاءِ فِي الْمُسَبَّلَةِ (الصَّوَابُ) لِمَا يَأْتِي فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ. (وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْفُسْطَاطَ وَالْخَيْمَةَ عَلَى الْقَبْرِ) لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ " أَوْصَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَنْ لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ " وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ " وَلِأَنَّ الْخِيَامَ بُيُوتُ أَهْلِ الْبَرِّ فَكُرِهَتْ، كَمَا كُرِهَتْ بُيُوتُ أَهْلِ الْمُدُنِ (وَتَغْشِيَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ) أَيْ: سَتْرُهَا بِغَاشِيَةٍ (لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي الدِّينِ) قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فِي كِسْوَةِ الْقَبْرِ بِالثِّيَابِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ، إذَا فُعِلَ بِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ . (وَتُكْرَهْ الزِّيَادَةُ عَلَى تُرَابِ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 644

أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ " لَا يُجْعَلُ عَلَى الْقَبْرِ مِنْ التُّرَابِ أَكْثَرُ مِمَّا يُخْرَجُ مِنْهُ حِينَ حُفِرَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَفْضُلَ مِنْ التُّرَابِ عَنْ مُسَاوَاةِ الْأَرْضِ لِمَكَانِ الْمَيِّتِ مِنْ الْقَبْرِ مَا يَكْفِي لِسُنَّةِ التَّسْنِيمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الزِّيَادَةِ (إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ إلَيْهِ) أَيْ: الزَّائِدِ، فَلَا كَرَاهَةَ. (وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَبْرِ (وَتَجْصِيصُهُ وَتَزْوِيقُهُ، وَتَخْلِيقُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَالطَّوَافُ بِهِ وَتَبْخِيرُهُ وَكِتَابَةُ الرِّقَاعِ إلَيْهِ، وَدَسِّهَا فِي الْأَنْقَابِ وَالِاسْتِشْفَاءُ بِالتُّرْبَةِ مِنْ الْأَسْقَامِ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ. (وَ) تُكْرَهُ (الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. (وَ) يُكْرَهُ (الْجُلُوسُ) عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يُكْرَهُ (الْوَطْءُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْقَبْرِ لِقَوْلِ الْخَطَّابِي: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " نَهَى أَنْ تُوطَأَ الْقُبُورُ (قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا لِحَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ. (وَ) يُكْرَهُ (الِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «رَأَى رَجُلًا قَدْ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ» (وَيَحْرُمُ التَّخَلِّي عَلَيْهَا) أَيْ: الْقُبُورِ (وَبَيْنَهَا) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: ﷺ «لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ وَلَا أُبَالِي أَوَسَطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسَطَ السُّوقِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَالدَّفْنُ فِي صَحْرَاء أَفْضَلُ) مِنْ الدَّفْنِ بِالْعُمْرَانِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَأَشْبَهَ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَلَمْ تَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبِرُونَ فِي الصَّحْرَاءِ (سِوَى النَّبِيِّ ﷺ ) فَإِنَّهُ قُبِرَ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ " لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ «تُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ» مَعَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ رَأَوْا تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ صِيَانَةً عَنْ كَثْرَةِ الطَّرْقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ ﷺ (وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ) أَبُو بَكْر وَعُمَرُ ﵄ (الدَّفْنَ مَعَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْخَرْقَ يَتَّسِعُ، وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلَّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ) ذَلِكَ (ذَكَرَهُ الْمَجْدُ

стр. 645

وَغَيْرُهُ وَيَحْرُمُ إسْرَاجُهَا) أَيْ: الْقُبُورِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ وَلَوْ أُبِيحَ لَمْ يَلْعَنْ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ فَعَلَهُ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيعًا لِلْمَالِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَمُغَالَاةً فِي تَعْظِيمِ الْأَمْوَاتِ يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ. (وَ) يَحْرُمُ (اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ عَلَيْهَا) أَيْ: الْقُبُورِ (وَبَيْنَهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَتَتَعَيَّنُ إزَالَتُهَا) أَيْ: الْمَسَاجِدِ، إذَا وُضِعَتْ عَلَى الْقُبُورِ، أَوْ بَيْنَهَا (وَفِي كِتَابِ الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ لِابْنِ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةِ (لَوْ وُضِعَ الْمَسْجِدُ وَالْقَبْرُ مَعًا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ. (وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِيهَا) أَيْ: فِي الْمَقْبَرَةِ، لِمَا رَوَى بَشِيرُ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ «بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي النَّبِيَّ ﷺ إذَا رَجُلٌ يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ، عَلَيْهِ نَعْلَانِ فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ النَّبِيَّ ﷺ خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُهُ جَيِّد وَلِأَنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ أَقْرُبُ إلَى الْخُشُوعِ وَزِيُّ أَهْلِ التَّوَاضُعِ، وَاحْتِرَامُ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ (حَتَّى التَّمَشُّكُ - بِضَمِّ التَّاءِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ) الْمُعْجَمَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ: التَّمَشُّكُ (نَوْعٌ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ النِّعَالِ، فَيَتَنَاوَلُهُ مَا سَبَقَ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِبَغْدَادَ (لَا) يُكْرَهُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ (بِخُفٍّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَعْلٍ وَلَا فِي مَعْنَاهُ وَيَشُقُّ نَزْعُهُ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَأَمَّا وَطْءُ الْقَبْرِ نَفْسِهِ فَمَكْرُوهٌ مُطْلَقًا لِمَا سَبَقَ. وَفِي عِبَارَةِ الْمُنْتَهَى إبْهَامٌ (وَيُسَنُّ خَلْعُ النَّعْلِ إذَا دَخَلَهَا) أَيْ: الْمَقْبَرَةَ، لِمَا سَبَقَ (إلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُتَأَذَّى بِهِ، كَحَرَارَةِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ عُذْرٌ (وَمَنْ سَبَقَ) إلَى مَقْبَرَةٍ (مُسَبَّلَةٍ قُدِّمَ) عِنْدَ التَّزَاحُمِ وَضِيقِ الْمَحَلِّ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي رِحَابِ الْمَسَاجِدِ، وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ (وَيُقْرَعُ إنْ جَاءَا مَعًا) فَيُقَدَّمُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِتَمْيِيزِ مَا أُبْهِمَ. (وَلَا بَأْسَ بِتَحْوِيلِ الْمَيِّتِ وَنَقْلِهِ إلَى مَكَان آخَرَ بَعِيدًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ، وَمُجَاوِرَةِ صَالِحٍ

стр. 646

مَعَ أَمْنِ التَّغَيُّرِ) لِمَا فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ يَقُولُ: " إنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ مَاتَا بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ " مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هَا هُنَا، وَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ هَاهُنَا، وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ (إلَّا الشَّهِيدَ) إذَا دُفِنَ بِمَصْرَعِهِ فَلَا يُنْقَلُ مِنْهُ وَدَفْنُهُ بِهِ سُنَّةٌ (حَتَّى وَلَوْ نُقِلَ) مِنْ مَصْرَعِهِ (رُدَّ إلَيْهِ) قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا الْقَتْلَى فَعَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ» (وَيَجُوزُ نَبْشُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَتَحْسِينِ كَفَنِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. (وَ) يَجُوزُ نَقْلُهُ لِ (بُقْعَةٍ خَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ كَ) نَبْشِهِ لِ (إفْرَادِهِ عَمَّنْ دُفِنَ مَعَهُ) لِقَوْلِ جَابِرٍ دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ ". وَفِي رِوَايَةٍ " كَانَ أَبِي أَوَّلَ قَتِيلٍ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - فَدُفِنَ - مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الْآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذُنِهِ " رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ أَوَّلَ الْغُسْلِ. (وَيُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ) الْمَوْتَى فِي الْمَقْبَرَةِ الْوَاحِدَةِ وَيُقَارَبُ بَيْنَ قُبُورِهِمْ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِزِيَارَتِهِمْ، وَأَبْعَدُ لِانْدِرَاسِ قُبُورِهِمْ وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﷺ لَمَّا دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَعَلَّمَ قَبْرَهُ «أَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا الدَّفْنُ (فِي الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ مُوسَى ﷺ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حَجَرٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» وَقَالَ عُمَرُ: " اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (وَ) يُسْتَحَبُّ أَيْضًا الدَّفْنُ فِي (مَا كَثُرَ فِيهِ الصَّالِحُونَ) لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ وَلِذَلِكَ الْتَمَسَ عُمَرُ الدَّفْنَ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ وَسَأَلَ عَائِشَةَ، حَتَّى أَذِنَتْ لَهُ. (وَيَحْرُمُ قَطْعُ

стр. 647

شَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِ الْمَيِّتِ وَإِتْلَافُ ذَاتِهِ، وَإِحْرَاقُهُ) لِحَدِيثِ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» وَلِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ. (وَلَوْ أَوْصَى بِهِ) أَيْ: بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَطْعِ وَالْإِتْلَافِ وَالْإِحْرَاقِ فَلَا نَتَّبِعُ وَصِيَّتَهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا ضَمَانَ فِيهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ إذَا قُطِعَ طَرَفُهُ أَوْ أُتْلِفَ أَوْ أُحْرِقَ (وَلِوَلِيِّهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ (أَنْ يُحَامِيَ عَنْهُ) أَيْ: يَدْفَعَ عَنْهُ مَنْ أَرَادَ قَطْعَ طَرَفِهِ وَنَحْوِهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، كَدَفْعِ الصَّائِلِ. (وَإِنْ آلَ ذَلِكَ إلَى إتْلَافِ الْمُطَالِبِ، فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الدَّافِعِ، كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ (وَمَنْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ فَدُفِنَ قَبْلَهُ، لَزِمَ نَبْشُهُ) تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ (وَ) لَزِمَ (تَغْسِيلُهُ) وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ. (وَيَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ ﷺ " كَانَ يَدْفِنُ كُلَّ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ) كَكَثْرَةِ الْمَوْتَى وَقِلَّةِ مَنْ يَدْفِنُهُمْ، وَخَوْفِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَإِذَا دُفِنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَ (إنْ شَاءَ سَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ حَفَرَ قَبْرًا طَوِيلًا، وَجَعَلَ رَأْسَ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْمَوْتَى (عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ أَوْ) عِنْدَ (وَسَطِهِ، كَالدَّرَجِ وَيَجْعَلُ رَأْسَ الْمَفْضُولِ عِنْدَ رِجْلَيْ الْفَاضِلِ وَيُسَنُّ حَجْزُهُ بَيْنَهُمَا بِتُرَابٍ) لِيَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ، كَأَنَّهُ فِي قَبْرٍ مُنْفَرِدٍ (وَالتَّقْدِيمُ إلَى الْقِبْلَةِ كَالتَّقْدِيمِ إلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَيُسَنُّ) . أَنْ يُقَدَّمَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْقَبْرِ، لِحَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ كَثْرَةُ الْجِرَاحَاتِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: احْفِرُوا وَوَسِّعُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) عِنْدَ بَيَانِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (وَلَا يُنْبَشُ قَبْرُ مَيِّتٍ بَاقٍ، لِمَيِّتٍ آخَرَ) أَيْ: يَحْرُمُ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ. (وَمَتَى عُلِمَ) أَنَّ الْمَيِّتَ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا (وَمُرَادُهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (ظُنَّ أَنَّهُ بَلِيَ، وَصَارَ رَمِيمًا؛ جَازَ نَبْشُهُ، وَدُفِنَ غَيْرُهُ فِيهِ) أَيْ: الْقَبْرِ مَكَانَهُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْهَوَاءِ، وَهُوَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ أَسْرَعُ مِنْهُ فِي الْبَارِدَةِ. (وَإِنْ شُكَّ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي أَنَّهُ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا (رُجِعَ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) أَيْ: الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ (فَإِنْ حَفَرَ فَوَجَدَ فِيهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (عِظَامًا دَفَنَهَا) أَيْ: الْعِظَامَ، أَيْ: أَبْقَاهَا مَكَانَهَا، وَأَعَادَ التُّرَابَ كَمَا كَانَ وَلَمْ يَجُزْ دَفْنُ مَيِّتٍ

стр. 648

آخَرَ عَلَيْهِ نَصًّا (وَحَفَرَ فِي مَكَان آخَرَ) خَالٍ مِنْ الْأَمْوَاتِ. (وَإِذَا صَارَ) الْمَيِّتُ (رَمِيمًا، جَازَتْ الزِّرَاعَةُ وَالْحِرَاثَةُ) أَيْ: مَوْضِعَ الدَّفْنِ (وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَالْبِنَاءِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَصِرْ (فَلَا) يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: (وَالْمُرَادُ) أَيْ: بِقَوْلِ أَبِي الْمَعَالِي: تَجُوزُ الزِّرَاعَةُ وَالْحَرْثُ وَنَحْوُهُمَا إذَا صَارَ رَمِيمًا (إذَا لَمْ يُخَالَفْ شَرْطُ وَاقِفٍ، لِتَعْيِينِهِ الْجِهَةِ) بِأَنْ عَيَّنَ الْأَرْضَ لِلدَّفْنِ فَلَا يَجُوزُ حَرْثُهَا وَلَا غَرْسُهَا وَتَحْرُمُ عِمَارَةُ الْقَبْرِ إذَا دَثَرَ الَّذِي غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بَلَاءُ صَاحِبِهِ وَتَسْوِيَةُ التُّرَابِ عَلَيْهِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ لِئَلَّا يَتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْجَدِيدِ فَيَمْتَنِعُ النَّاسُ مِنْ الدَّفْنِ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ الْحَفْرِ فِيهَا قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَيَجُوزُ نَبْشُ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِيُتَّخَذَ مَكَانُهَا مَسْجِدًا) لِأَنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ قُبُورًا لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ بِنَبْشِهَا وَجَعْلِهَا مَسْجِدًا (أَوْ) أَيْ: وَيَجُوزُ نَبْشُ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ (لِمَالٍ فِيهَا، كَقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ» وَآيَةُ ذَلِكَ: «أَنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ، إنْ رَأَيْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ» وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَنْ أَوْصَى بِبِنَاءِ دَارِهِ مَسْجِدًا فَخَرَجَتْ مَقْبَرَةٌ، فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمْ يُخْرَجُوا وَإِلَّا أُخْرِجَتْ عِظَامُهُمْ تَنْبِيهٌ أَبُو رِغَالٍ: يُرْجَمُ قَبْرُهُ وَكَانَ دَلِيلًا لِلْحَبَشَةِ، حَيْثُ تَوَجَّهُوا إلَى مَكَّةَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ. (وَلَوْ وَصَّى بِدَفْنِهِ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ) أَيْ: دَفْنُهُ بِمِلْكِهِ (يَضُرُّ الْوَرَثَةَ) لِمَنْعِهِمْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهِ مَوْضِعَ قَبْرِهِ، وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ) فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلِهَذَا حَمَلَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: الْأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخْرَجْ مِنْ ثُلُثِهِ وَمَا قَالَهُ مُتَّجَهٌ وَبَعَّدَهُ بَعْضُهُمْ. وَفِي الْوَسِيلَةِ: فَإِنْ أَذِنُوا كُرِهَ دَفْنُهُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ انْتَهَى وَمُرَادُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ بِالْأَوَّلِ: مَا إذَا أَوْصَى بِدَفْنِهِ فِي مِلْكِهِ قُلْتُ: الْأَوْلَى حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مِلْكٍ فِي الْعُمْرَانِ، كَمَا يَدُلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْوَسِيلَةِ وَالتَّعْلِيلِ السَّابِقِ وَحُمِلَ الثَّانِي عَلَى شِرَائِهِ مَوْضِعَ قَبْرِهِ فِي مَقْبَرَةٍ غَيْرِ مُسَبَّلَةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ فِعْلِ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ، فَإِنَّهُمَا فِي الْبَقِيعِ. (وَيَصِحُّ بِيَعُ مَا دُفِنَ فِيهِ مِنْ مِلْكِهِ) لِبَقَاءِ مَالِيَّتِهِ (مَا لَمْ يُجْعَلْ) مَا دُفِنَ فِيهِ مَقْبَرَةً، بِأَنْ وُقِفَ لِلدَّفْنِ فِيهِ (أَوْ يَصِرْ مَقْبَرَةً) بِأَنْ تَكْثُرَ فِيهِ الْمَوْتَى وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى مَعَ شَرْحِهِ: مَا لَمْ يُجْعَلْ،

стр. 649

أَيْ: يَصِيرْ مَقْبَرَةً نَصَّ عَلَيْهِ وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ بَيْعَ مَوْضِعِ الْقَبْرِ، مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ قَالَ فِي الْفُنُونِ: لِأَنَّهَا مَا لَمْ تَسْتَحِلْ تُرَابًا هِيَ مُحْتَرَمَةٌ قَالَ: وَإِنْ نُقِلَتْ الْعِظَامُ وَجَبَ الرَّدُّ لِتَعْيِينِهِ لَهَا. (وَيَحْرُمُ حُفْرَةٌ فِي) مَقْبَرَةٍ (مُسَبَّلَةٍ قَبْلَ الْحَاجَةِ) إلَيْهِ أَيْ: الدَّفْنِ، كَمَنْ يَتَّخِذُ قَبْرًا لِيَدْفِنَ فِيهِ مَنْ سَيَمُوتُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَإِنْ ثَبَتَ قَوْلٌ بِجَوَازِ بِنَاءِ بَيْتٍ وَنَحْوِهِ، فَهَاهُنَا كَذَلِكَ وَأَوْلَى وَيَتَوَجَّهُ هُنَا مَا سَبَقَ فِي الْمُصَلَّى الْمَفْرُوشِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَ) يَحْرُمُ (دَفْنُهُ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ لِتَعْيِينِ الْوَاقِفِ الْجِهَةَ لِغَيْرِ ذَلِكَ (وَيُنْبَشُ) مَنْ دُفِنَ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، وَيُخْرَجُ نَصًّا تَدَارُكًا لِلْعَمَلِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ. (وَ) يَحْرُمُ دَفْنٌ (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) بِلَا إذْنِ رَبِّهِ، لِلْعُدْوَانِ (وَلِلْمَالِكِ إلْزَامُ دَافِنِهِ بِنَقْلِهِ) لِيُفْرِغَ لَهُ مِلْكَهُ عَمَّا شَغَلَهُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. (وَالْأَوْلَى) لِلْمَالِكِ (تَرْكُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ، حَتَّى يَبْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ وَكَرِهَهُ أَبُو الْمَعَالِي لِذَلِكَ (وَيَحْرُمُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ الْمَيِّتِ حُلِيٌّ أَوْ ثِيَابُ غَيْرُ كَفَنِهِ كَإِحْرَاقِ ثِيَابِهِ وَتَكْسِيرِ أَوَانِيهِ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ. (وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَالَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا، أَوْ رَمَاهُ رَبُّهُ فِيهِ نُبِشَ) الْقَبْرُ (وَأُخِذَ) ذَلِكَ مِنْهُ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: خَاتَمِي فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ جَازَ أَنْ يُنْبَشَ انْتَهَى وَلِتَعَلُّقِ حَقِّ رَبِّهِ بِعَيْنِهِ، مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ فِي أَخْذِهِ. (وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ غُصِبَ) وَطَلَبَهُ رَبُّهُ لَمْ يُنْبَشْ وَغُرْمُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ، لِإِمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ مَعَ عَدَمِ هَتْكِ حُرْمَتِهِ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَتَبْقَى مَالِيَّتُهُ، كَخَاتَمٍ، طَلَبَهُ رَبُّهُ لَمْ يُنْبَشْ وَغُرْمُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ) صَوْنًا لِحُرْمَتِهِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ (كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبِقَ؛ تَجِبُ قِيمَتُهُ) عَلَى الْغَاصِبِ (لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ) أَيْ: حَيْلُولَتِهِ بَيْنَ الْمَالِ وَرَبِّهِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ الْغُرْمُ) أَيْ: غُرْمُ الْكَفَنِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمَالِ الَّذِي بَلَعَهُ الْمَيِّتُ (لِعَدَمِ تَرِكَةٍ وَنَحْوِهِ نُبِشَ) الْقَبْرُ (وَأُخِذَ الْكَفَنُ) الْغَصْبُ فَدُفِعَ لِرَبِّهِ. (فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأُولَى وَشُقَّ جَوْفُهُ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الثَّانِيَةِ، وَأُخِذَ الْمَالُ) فَدُفِعَ لِرَبِّهِ (إنْ لَمْ يُبْذَلْ لَهُ قِيمَتُهُ) أَيْ: إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُهُ بِبَذْلِ قِيمَةِ الْكَفَنِ أَوْ الْمَالِ لِرَبِّهِ وَإِلَّا فَلَا يُنْبَشُ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ بَلَعَهُ) أَيْ: مَالَ الْغَيْرِ (بِإِذْنِ رَبِّهِ أُخِذَ إذَا بَلِيَ) الْمَيِّتُ، لِأَنَّ مَالِكَهُ هُوَ الْمُسَلَّطُ لَهُ عَلَى مَالِهِ بِالْإِذْنِ لَهُ. (وَلَا يُعْرَضُ لَهُ) أَيْ: لِلْمَيِّتِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَبْلَى لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُضَمِّنْهُ) أَيْ: الْمَال الَّذِي

стр. 650

بَلَعَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فَلَا طَلَبَ لِرَبِّهِ عَلَى تَرِكَتِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَيْهِ. (وَإِنْ بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ، لَمْ يُنْبَشْ قَبْلَ أَنْ يَبْلَى) لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهْلَاكٌ لِمَالِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) فَيُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرَجُ وَيُوفِي دَيْنَهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ (وَلَوْ مَاتَ وَلَهُ أَنْفٌ ذَهَبٍ لَمْ يُقْلَعْ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُثْلَةِ (لَكِنْ إنْ كَانَ بَائِعُهُ لَمْ يَأْخُذْ ثَمَنَهُ أَخَذَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَمَعَ عَدَمِ التَّرِكَةِ يَأْخُذُهُ) رَبُّهُ (إذَا بَلِيَ) الْمَيِّتُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ بِمَنْ يُرْجَى حَيَاتُهُ حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا) مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لِإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مَوْهُومَةٍ، لِأَنَّ الْغَالِبَ وَالظَّاهِرَ: أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَزَادَ " فِي الْإِثْمِ ". (وَتَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ) أَوْ غَيْرُهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ فَيُدْخِلْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِي فَرْجِهَا (فَيُخْرِجْنَهُ) مِنْ بَطْنِهَا وَاَلَّذِي تُرْجَى حَيَاتُهُ: هُوَ الَّذِي تَمَّ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً قَوِيَّةً وَانْتَفَخَتْ الْمَخَارِجُ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نِسَاءٌ لَمْ يَسْطُ الرِّجَالُ، عَلَيْهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِنَّ إخْرَاجُهُ (تُرِكَ حَتَّى يَمُوتَ) وَلَا يُشَقَّ بَطْنُهَا، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا تُدْفَنُ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ حَمْلِهَا لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ دَفْنِهِ مَعَهَا (وَلَا يُوضَعُ عَلَيْهِ مَا يُمَوِّتُهُ) لِعُمُومِ النَّوَاهِي عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ (وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ) أَيْ: الْحَمْلِ (حَيًّا شُقَّ) بَطْنُهَا (حَتَّى يُخْرَجَ) بَاقِي الْحَمْلِ لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَوْهُومَةً (فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أُخْرِجَ وَغُسِّلَ) كَغَيْرِهِ. (وَإِنْ تَعَذَّرَ خُرُوجُهُ) أَيْ: خُرُوجُ بَاقِي الْحَمْلِ (تُرِكَ) بِحَالِهِ (وَغُسِّلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ) لِأَنَّ لَهُ حُكْمُ السَّقْطِ (وَأَجْزَأَ) غُسْلُهُ (وَمَا بَقِيَ) مِنْ الْحَمْلِ فِي جَوْفِهَا (فَفِي حُكْمِ الْبَاطِنِ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّيَمُّمِ مِنْ أَجْلِهِ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَمْلِ (وَصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ خَرَجَ بَعْضُهُ (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ أُمِّهِ، بِأَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا، حَيْثُ تَمَّ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ. (وَإِنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ) أَوْ كَافِرَةٌ غَيْرُهَا (حَامِلٌ بِمُسْلِمٍ دَفَنَهَا مُسْلِمٌ وَحْدَهَا) أَيْ: فِي مَكَان غَيْرِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ مَقَابِرِ الْكُفَّارِ نَصَّ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ (إنْ أَمْكَنَ) دَفْنُهَا وَحْدَهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْنُهَا وَحْدَهَا فَإِنَّهَا تُدْفَنُ (مَعَ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ دَفْنِ الْمُسْلِم الَّذِي هُوَ الْجَنِينُ مَعَ الْكُفَّارِ وَكَمَا لَوْ اشْتَبَهَ

стр. 651

مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. (وَجُعِلَ ظَهْرُهَا) أَيْ: الْكَافِرَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ) وَتُدْفَنُ (عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ) لِيَكُونَ الْجَنِينُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِأَنَّ ظَهْرَهُ لِوَجْهِ أُمِّهِ (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ: جَنِينِ نَحْوِ الذِّمِّيَّةِ (لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْلُودٍ وَلَا سَقْطٍ) وَكَالْمَأْكُولِ بِبَطْنِ الْآكِلِ (وَيُصَلَّى عَلَى مُسْلِمَةٍ حَامِلٍ) وَعَلَى (حَمْلِهَا بَعْد مُضِيِّ زَمَنِ تَصْوِيرِهِ) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيَنْوِيهِمَا بِالصَّلَاةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ تَصْوِيرِهِ صَلَّى (عَلَيْهَا دُونَهُ) وَإِنَّمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَعَهَا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِ تَصْوِيرِهِ تَبَعًا لَهَا بِخِلَافِ الْكَافِرَةِ (وَيَلْزَمُ تَمْيِيزُ قُبُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ) عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، كَحَالِ الْحَيَاةِ وَأَوْلَى (وَيَأْتِي) فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ. (وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ وَ) لَا (فِي الْمَقْبَرَةِ بَلْ تُسْتَحَبُّ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا يس خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِهِمْ حَسَنَاتٌ» وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا وَلِهَذَا رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ الْكَرَاهَةِ قَالَهُ أَبُو بَكْر لَكِنْ قَالَ السَّامِرِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ بِفَاتِحَةُ الْبَقَرَةِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَتِهَا. (وَكُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ وَجُعِلَ ثَوَابُهَا أَوْ بَعْضُهَا كَالنِّصْفِ وَنَحْوِهِ) كَالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ (لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ جَازَ) ذَلِكَ (وَنَفْعُهُ، ذَلِكَ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ، حَتَّى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ (مِنْ) بَيَانٌ لِكُلِّ قُرْبَةٍ (تَطَوَّعْ وَوَاجِبٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَحَجٍّ وَنَحْوِهِ) كَصَوْمِ نَذْرٍ (أَوْ لَا) تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ (كَصَلَاةٍ وَكَدُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَصَدَقَةٍ) وَعِتْقٍ (وَأُضْحِيَّةٍ وَأَدَاءِ دَيْنٍ وَصَوْمٍ وَكَذَا قِرَاءَةٌ وَغَيْرُهَا) . قَالَ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ، لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَيَقْرَءُونَ وَيَهْدُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لِفَاعِلِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]

стр. 652

وَ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَبِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» الْخَبَرُ وَجَوَابُهُ عَنْ الْآيَةِ الْأُولَى: بِأَنَّ ذَلِكَ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى قَالَ عِكْرِمَةُ: هَذَا فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً بِخِلَافِ شَرْعِنَا؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، أَوْ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] أَوْ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْكَافِرِ أَيْ: لَيْسَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ إلَّا جَزَاءُ سَعْيِهِ، يُوَفَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَالَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ نَصِيبٍ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهَا لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى عَدْلًا، وَلَهُ مَا سَعَى غَيْرُهُ فَضْلًا أَوْ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] وَعَنْ الثَّانِيَةِ: بِأَنَّهَا تَدُلَّ بِالْمَفْهُومِ وَمَنْطُوقُ السُّنَّةِ بِخِلَافِهِ وَعَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ لَا عَمَلِهِ. وَلَا يَضُرُّ جَهْلُ الْفَاعِلِ بِالثَّوَابِ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ لَا كَصَلَاةٍ: هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي: إذَا صَلَّى فَرْضًا وَأَهْدَى ثَوَابَهُ صَحَّتْ الْهَدِيَّةُ وَأَجْزَأَ مَا عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ بُعْدٌ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا جَعَلَهَا لِغَيْرِ مُسْلِمٍ لَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ لِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ قَالَهُ فِي الْبِدْعِ، فَعَلَى هَذَا، لَا يُفْتَقَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ حَالَ الْقِرَاءَةِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ) فِي حُصُولِ الثَّوَابِ لِلْمَجْعُولِ لَهُ (إذَا نَوَاهُ حَالَ الْفِعْلِ) أَيْ: الْقِرَاءَةِ أَوْ الِاسْتِغْفَارِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) نَوَاهُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْفِعْلِ دُونَ مَا نَوَاهُ بَعْدَهُ نَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَرَدَّهُ (وَيُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ كَذَا لِفُلَانٍ) وَذَكَر الْقَاضِي أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا فَاجْعَلْهُ أَوْ مَا تَشَاءُ مِنْهُ لِفُلَانٍ، وَ (قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْأَلَ الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَجْعَلُهُ لَهُ) أَيْ: لِلْمُهْدَى لَهُ (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَثِبْنِي بِرَحْمَتِكَ عَلَى ذَلِكَ وَاجْعَلْ ثَوَابَهُ لِفُلَانٍ) وَلِلْمُهْدِي

стр. 653

ثَوَابُ الْإِهْدَاءِ وَذَكَرَ الْقَاضِي: وَلِلْمُهْدِي ثَوَابُ الْإِهْدَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُثَابُ كُلٌّ مِنْ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى لَهُ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُصْنَعَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ: ﷺ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرَ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ قَالَ الزُّبَيْرُ " فَعَمَدَتْ سَلْمَى مَوْلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ إلَى شَعِيرٍ فَطَحَنَتْهُ وَأَدَمَتْهُ بِزَيْتٍ جُعِلَ عَلَيْهِ، وَبَعَثَتْ بِهِ إلَيْهِمْ " وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ " فَمَا زَالَتْ السُّنَّةُ فِينَا حَتَّى تَرَكَهَا مَنْ تَرَكَهَا " وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَأَتَاهُمْ نَعْيُهُ، وَيَنْوِي فِعْلَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ (لَا لِمَنْ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ، فَيُكْرَهُ) لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْكَرَ شَدِيدًا، وَلِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ جَرِيرٍ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ قَالَ: " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ ". (وَيُكْرَهُ فِعْلُهُمْ) أَيْ: فِعْلُ أَهْلِ الْمَيِّتِ (ذَلِكَ) أَيْ: الطَّعَامِ (لِلنَّاسِ) الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُمْ، لِمَا تَقَدَّمَ (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَالشَّارِحِ (إلَّا مِنْ حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَى فِعْلِهِمْ الطَّعَامَ لِلنَّاسِ (كَأَنْ يَجِيئَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ) عَادَةً (إلَّا أَنْ يُطْعِمُوهُ) فَيَصْنَعُونَ مَا يُطْعِمُونَهُ لَهُ. (وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ طَعَامِهِمْ، قَالَهُ فِي النَّظْمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ التَّرِكَةِ وَفِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ) أَوْ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ (حَرُمَ فِعْلُهُ، وَ) حَرُمَ (الْأَكْلُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، أَوْ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَيُكْرَهُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَالْأَكْلُ مِنْهُ) لِخَبَرِ أَنَسٍ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ " وَكَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ بَقَرَةً أَوْ شَاةً وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: كَانُوا إذَا مَاتَ لَهُمْ الْمَيِّتُ نَحَرُوا جَزُورًا فَنَهَى ﷺ عَنْ ذَلِكَ: وَفَسَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِغَيْرِ هَذَا. (قَالَ الشَّيْخُ) يَحْرُمُ الذَّبْحُ (وَالتَّضْحِيَةُ) عِنْدَ الْقَبْرِ (وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ نَاذِرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوفِيَ بِهِ) كَمَا يَأْتِي فِي نَذْرِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ (فَلَوْ شَرَطَهُ وَاقِفٌ لَكَانَ شَرْطًا فَاسِدًا وَأُنْكِرَ) أَيْ: أُدْخِلَ فِي الْمُنْكَرِ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَالْأَكْلِ مِنْهُ (أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْقَبْرِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، لِيَأْخُذَهُ النَّاسُ، وَإِخْرَاجُ الصَّدَقَةِ مَعَ الْجِنَازَةِ) كَالَّتِي يُسَمُّونَهَا بِمِصْرَ كَفَّارَةً (بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ) إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ: أَوْ غَائِبٌ، وَإِلَّا فَحَرَامٌ (وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ) أَيْ: الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ (الصَّدَقَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ) فَإِنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ وَفِيهِ رِيَاءٌ.

стр. 654

[فَصْل يُسَنُّ لِذُكُورٍ زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ] (فَصْل يُسَنُّ لِذُكُورٍ زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: ﷺ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» رَوَاهُ مُسْلِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة «زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ وَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (بِلَا سَفَرٍ) لِحَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» . (وَتُبَاحُ) الزِّيَارَةُ (لِقَبْرِ كَافِرٍ) وَالْوُقُوفُ عِنْدَ قَبْرِهِ، كَزِيَارَتِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ: لِزِيَارَتِهِ قَبْرِ أُمِّهِ وَكَانَ بَعْد الْفَتْحِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي آخِرِ التَّاسِعَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ: الْقِيَامُ لِلدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ. (وَلَا يُسَلِّمُ) مَنْ زَارَ قَبْرَ كَافِرٍ (عَلَيْهِ) كَالْحَيِّ (بَلْ يَقُولُ) الزَّائِرُ لِكَافِرٍ (لَهُ: أَبْشِرْ بِالنَّارِ) فِي اسْتِعْمَالِ الْبِشَارَةِ تَهَكُّمٌ بِهِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] (وَلَا يُمْنَعُ كَافِرٌ مِنْ زِيَارَةِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ) حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، لِعَدَمِ الْمَحْظُورِ. (وَتُكْرَهُ) زِيَارَةُ الْقُبُورِ (لِلنِّسَاءِ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: " نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ عُلِمَ - أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ؛ حُرِّمَتْ) زِيَارَتُهُنَّ الْقُبُورَ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّرَاتِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (غَيْرَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْر وَعُمَرَ ﵄ (فَيُسَنُّ) زِيَارَتُهَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ فِي طَلَبِ زِيَارَتِهِ ﷺ . (وَإِنْ اجْتَازَتْ امْرَأَةٌ بِقَبْرٍ فِي طَرِيقهَا) وَلَمْ تَكُنْ خَرَجَتْ لَهُ (فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَدَعَتْ لَهُ؛ فَحَسَنٌ) لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ لِذَلِكَ. (وَيَقِفُ الزَّائِرُ أَمَامَ الْقَبْرِ) أَيْ: قُدَّامَهُ (وَيَقْرُبُ مِنْهُ) كَعَادَةِ الْحَيِّ (وَلَا بَأْسَ بِلَمْسِهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (بِالْيَدِ) (وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِهِ، وَالصَّلَاةُ عِنْده) ،

стр. 655

(أَوْ قَصَدَهُ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهُ، مُعْتَقِدًا أَنَّ الدُّعَاءَ هُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِهِ، أَوْ النَّذْر لَهُ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ؛) (وَقَالَ الشَّيْخُ: فَلَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ مِمَّا أُحْدِثَ مِنْ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ شُعَبِ الشِّرْكِ) . قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَسَّحُ بِالْقَبْرِ وَلَا يُقَبِّلُهُ، بَلْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ إلَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ قُلْت: بَلْ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ . (وَيُسَنُّ إذَا زَارَهَا) أَيْ: قُبُورَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ مَرَّ بِهَا أَنْ يَقُولَ مُعَرِّفًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ فَمِنْهَا: حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» قَالَ فِي الشَّرْحِ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ» وَرَوَى مُسْلِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمَقَابِرِ، أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» . وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الدَّارِ: يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ وَإِطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى سَاكِنِ الْمَكَانِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» الِاسْتِثْنَاءُ لِلتَّبَرُّكِ قَالَهُ الْعُلَمَاءُ. وَفِي الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى اللُّحُوقِ لَا إلَى الْمَوْتِ. وَفِي الشَّافِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْبِقَاعِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ: أَوْ يَقُولُ نَحْو ذَلِكَ: مِمَّا وَرَدَ وَمِنْهُ " اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ، وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَهِيَ بِكَ مُؤْمِنَةٌ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ رُوحًا مِنْكَ وَسَلَامًا مِنِّي "

стр. 656

ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ تَعْرِيفِهِ) أَيْ: السَّلَامُ (وَتَنْكِيرِهِ فِي سَلَامِهِ عَلَى الْحَيِّ) لِأَنَّ النُّصُوصَ صَحَّتْ بِالْأَمْرَيْنِ وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ سَلَامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ وَسَلَامُ الْوَدَاعِ مُعَرَّفٌ. (وَابْتِدَاؤُهُ) أَيْ: السَّلَامِ (سُنَّةٌ، وَمِنْ جَمَاعَةٍ سُنَّةُ كِفَايَةٍ وَالْأَفْضَلُ: السَّلَامُ مِنْ جَمِيعِهِمْ) لِحَدِيثِ «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَغَيْرِهِ (فَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى الَّذِينَ سَلَّمُوا عَلَيْهِ (جَمِيعًا؛ جَازَ) ذَلِكَ (وَسَقَطَ الْفَرْضُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ) لِحُصُولِ الرَّدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ. (وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِابْتِدَاءِ السَّلَامِ سُنَّةٌ، لِيَسْمَعهُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ سَمَاعًا مُحَقَّقًا) لِحَدِيثِ «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى أَيْقَاظٍ) (عِنْدَهُمْ نِيَامٌ، أَوْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ: هَلْ هُمْ أَيْقَاظٌ أَوْ نِيَامٌ؟ خَفَضَ صَوْتَهُ، بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْأَيْقَاظَ وَلَا يُوقِظُ النِّيَامَ) جَمْعًا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ. (وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ ثُمَّ لَقِيَهُ عَلَى قُرْبٍ سُنَّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) ، لِعُمُومِ حَدِيثِ «أَفْشُوا السَّلَامَ» (وَيُسَنُّ أَنْ نَبْدَأَ بِالسَّلَامِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ) لِلْخَبَرِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّلَامِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَمَعْنَاهُ: اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ، أَيْ: أَنْتَ فِي حِفْظِهِ؛ كَمَا يُقَال: اللَّهُ يَصْحَبُكَ، اللَّهُ مَعَكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السَّلَامُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، أَيْ: السَّلَامَةُ مُلَازِمَةٌ لَكَ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. (وَلَا يَتْرُكُ السَّلَامَ إذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ) السَّلَامَ، لِعُمُومِ «أَفْشُوا السَّلَامَ» . (وَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ عُلَمَاءُ سَلَّمَ عَلَى الْكُلِّ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْعُلَمَاءِ سَلَامًا ثَانِيًا) تَمْيِيزًا لِمَرْتَبَتِهِمْ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِيهِمْ عَالِمٌ وَاحِدٌ. (وَرَدُّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى) الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ (الْمُنْفَرِد) أَيْ: الَّذِي انْفَرَدَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، بِأَنْ خَصَّهُ الْمُسَلِّمُ بِالسَّلَامِ وَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَفَرْضُ (كِفَايَةٍ عَلَى الْجَمَاعَةِ) الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ فَيَسْقُطُ بِرَدِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (فَوْرًا) أَيْ: يَجِبُ الرَّدُّ فَوْرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ جَوَابًا لِلسَّلَامِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ رَدًّا. (وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ) أَيْ: بِرَدِّ السَّلَامِ (وَاجِبٌ قَدْرَ الْإِبْلَاغِ) أَيْ: إبْلَاغِ الْمُسَلِّمِ (وَتُزَادُ الْوَاوُ فِي رَدِّ السَّلَامِ وُجُوبًا) قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ وَعَزَاهُ لِلشَّيْخِ وَجِيهِ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَقِيلَ: لَا تَجِبُ وَقَدَّمَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَشْهُرُ وَأَصَحُّ. " تَتِمَّةٌ لَوْ قَالَ سَلَامٌ لَمْ يُجِبْهُ قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ تَامٍّ ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قُلْت:

стр. 657

وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَالَ؛ وَإِنْ قَالَ: وَعَلَيْك، أَوْ عَلَيْكُمْ فَقَطْ وَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ؛ فَظَاهِرُ كَلَامِ النَّاظِمِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَنَّهُ يُجْزِئُ وَكَذَا الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَالَ: كَمَا رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ فَإِنَّ الْمُضْمَرَ كَالْمُظْهَرِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عَقِيل: لَا يُجْزِئُ وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ. وَيُكْرَه الِانْحِنَاءُ فِي السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ: يَحْرُمُ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) أَيْ: غَيْرِ زَوْجَةٍ لَهُ وَلَا مَحْرَمٍ (إلَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزًا) أَيْ: غَيْرَ حَسْنَاءَ، كَمَا يُعْلَم مِمَّا تَقَدَّمَ فِي حُضُورِهَا الْجَمَاعَةَ (أَوْ) إلَّا أَنْ تَكُونَ (بَرْزَةً) أَيْ: فَلَا يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ لَا تُشْتَهَى، لِأَمْنِ الْفِتْنَةِ. (وَيُكْرَه) السَّلَامُ (فِي الْحَمَّامِ) وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّرْحِ فِيهِ. (وَ) يُكْرَهُ السَّلَامُ (عَلَى مَنْ يَأْكُلُ أَوْ يُقَاتِلُ) لِاشْتِغَالِهِ (وَفِيمَنْ يَأْكُلُ نَظَرٌ) قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى أَيْ: فِي كَرَاهَةِ السَّلَامِ عَلَيْهِ نَظَرٌ قَالَ: وَظَاهِرُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ عَلَى صَغِيرِهِمَا وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ: خِلَافُهُ، أَيْ: تَعْلِيلِهِمْ بِاشْتِغَالِهِمَا. (وَ) يُكْرَهُ السَّلَامُ (عَلَى تَالٍ) لِلْقُرْآنِ وَعَلَى (ذَاكِرٍ) لِلَّهِ تَعَالَى وَعَلَى (مُلَبٍّ وَمُحَدِّثٍ) أَيْ: مُلْقٍ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ (وَخَطِيبٍ وَوَاعِظِ وَعَلَى مَنْ يَسْتَمِعُ لَهُمْ) أَيْ: لِلْمَذْكُورِينَ مِنْ التَّالِي وَمَنْ بَعْدَهُ وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى (مُكَرِّرِ فِقْهٍ وَمُدَرِّسٍ) فِي أَيِّ عِلْمٍ كَانَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ مَشْرُوعًا أَوْ مُبَاحًا (وَعَلَى مَنْ يَبْحَثُونَ فِي الْعِلْمِ وَعَلَى مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ) وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُصَلِّي وَأَنَّ الْمَذْهَبَ: لَا يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ (وَعَلَى مَنْ هُوَ عَلَى حَاجَتِهِ) وَيُكْرَهُ أَيْضًا رَدُّهُ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا يُكْرَهُ ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ (أَوْ مُتَمَتِّعٍ بِأَهْلِهِ، أَوْ مُشْتَغِلٍ بِالْقَضَاءِ وَنَحْوِهِمْ) أَيْ نَحْوِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ كُلِّ مَنْ لَهُ شُغْلٍ عَنْ رَدِّ السَّلَامِ. (وَمَنْ سَلَّمَ فِي حَالَةٍ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا السَّلَامُ) كَالْأَحْوَالِ السَّابِقَةِ (لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابًا) لِسَلَامِهِ. (وَيُكْرَه أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ طَائِفَةٍ لَقِيَهُمْ) أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَنَحْوِهِ (بِالسَّلَامِ) لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ فِي إفْشَاءِ السَّلَامِ، وَكَسْرًا لِقَلْبِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ وَيُكْرَهُ (أَنْ يَقُولَ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) لِمُخَالَفَتِهِ الصِّيغَةِ الْوَارِدَةِ. " تَتِمَّةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ: وَيُكْرَه أَنْ يَقُولَ: عَلَيْك سَلَامُ اللَّهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَرِهَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةَ الْمَوْتَى عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَحِيَّةِ الْأَمْوَاتِ، يُقَدِّمُونَ اسْمَ

стр. 658

الْمَيِّتِ فِي الدُّعَاءِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَفَعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَلِّمَ عَلَى قَوْمٍ يَتَوَقَّعُ جَوَابًا وَالْمَيِّتُ لَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ فَجَعَلُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ كَالْجَوَابِ. (وَالْهَجْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ) وَهُوَ هَجْرُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (يَزُولُ بِالسَّلَامِ) لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّحَابُبِ لِلْخَيْرِ، فَيَقْطَعُ الْهَجْرَ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا «السَّلَامُ يَقْطَعُ الْهِجْرَانَ» . (وَيُسَنُّ السَّلَامُ عِنْدَ الِانْصِرَافِ) عَنْ الْقَوْمِ وَيُسَنُّ السَّلَامُ (وَإِذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ) لِلْخَبَرِ. (فَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا خَالِيًا، أَوْ دَخَلَ مَسْجِدًا خَالِيًا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) لِلْخَبَرِ. (وَإِذَا وَلَجَ) أَيْ: دَخَلَ بَيْتَهُ فَلْيُقَدِّمْ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، (وَلِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلِجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا، وَبِاسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِهِ) لِخَبَرِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ فِي الْآدَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ: السَّلَامُ (عَلَى الصِّبْيَانِ، تَأْدِيبًا لَهُمْ) هَذَا مَعْنَى كَلَام ابْنِ عَقِيل وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِيهَا، وَالشَّيْخُ عَبْد الْقَادِر أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إجْمَاعًا وَالصِّبْيَانُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا لُغَةٌ قَالَهُ فِي الْآدَابِ. (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ، لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ) أَيْ: رَدُّ الصَّبِيِّ السَّلَامَ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» . (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ وَبَالِغٍ رَدَّهُ الْبَالِغُ وَلَمْ يَكْفِ رَدُّ الصَّبِيّ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَحْصُلُ بِهِ) هَذَا مَعْنَى كَلَام أَبِي الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْآدَابِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُهُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِأَذَانِهِ وَصَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ. (وَإِنْ سَلَّمَ صَبِيٌّ عَلَى بَالِغٍ، وَجَبَ الرَّدُّ) عَلَى الْبَالِغِ (فِي وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ. (وَيُجْزِئُ فِي السَّلَامِ) قَوْلُ الْمُسَلِّمِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ) كَانَ السَّلَامُ (عَلَى مُنْفَرِدٍ) أَيْ: شَخْصٍ وَاحِدٍ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إمَّا هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ أَوْ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك أَجْزَأَ (وَ) يُجْزِئُ (فِي الرَّدِّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَتُسَنَّ مُصَافَحَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَ) مُصَافَحَةُ (الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ) لِحَدِيثِ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْت لِأَنَسٍ: أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ نَعَمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ: ﷺ «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» وَرُوِيَ «تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُمَا وَكَانَ أَحَقُّهُمَا بِالْأَجْرِ أَبَشَّهُمَا بِصَاحِبِهِ» . (وَلَا بَأْسَ بِمُصَافَحَةِ الْمُرْدَانِ لِمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَصَدَ تَعْلِيمَهُمْ حُسْنَ الْخُلُقِ) ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَالرِّعَايَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ. (وَلَا تَجُوزُ مُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ) لِأَنَّهَا شَرٌّ مِنْ

стр. 659

النَّظَرِ، أَمَّا الْعَجُوزُ فَلِلرَّجُلِ مُصَافَحَتهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَالرِّعَايَةِ وَأَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: تُكْرَهُ مُصَافَحَةُ النِّسَاءِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مِهْرَانَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يُصَافِحُ الْمَرْأَةَ قَالَ: لَا، وَشَدَّدَ فِيهِ جِدًّا قُلْت: فَيُصَافِحهَا بِثَوْبِهِ قَالَ: لَا قَالَ رَجُلٌ: فَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ قَالَ: لَا قُلْت: ابْنَتُهُ قَالَ: إذَا كَانَتْ ابْنَتُهُ فَلَا بَأْسَ وَالتَّحْرِيمُ مُطْلَقًا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَيَتَوَجَّهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ، فَأَمَّا الْوَالِدُ فَيَجُوزُ قَالَهُ فِي الْآدَابِ. (وَإِنْ سَلَّمْت شَابَّةٌ عَلَى رَجُلٍ رَدَّهُ عَلَيْهَا) كَذَا فِي الرِّعَايَةِ، وَلَعَلَّ فِي النُّسْخَةِ غِلْظًا وَيُتَوَجَّهُ: لَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَهُ فِي الْآدَابِ. (وَإِنْ سَلَّمَ) الرَّجُلُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الشَّابَّةِ (لَمْ تَرُدَّهُ) أَيْ: السَّلَامَ عَلَيْهِ، دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْمَحْرَمِ. (وَإِرْسَالُ السَّلَامِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَإِرْسَالُهَا) السَّلَامُ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْأَجْنَبِيِّ (لَا بَأْسَ بِهِ، لِلْمَصْلَحَةِ، وَعَدَمِ الْمَحْذُورِ) أَيْ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَعَ عَدَمِ الْمَحْذُورِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى ضِدِّهِمْ) فَيُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي لِقَوْلِهِ: ﷺ «لِيُسَلِّمْ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ سَلَّمَ الْكَبِيرُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَثِيرُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْقَاعِدُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الرَّاكِبِ (حَصَلَتْ السُّنَّةُ) لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْأَمْر بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَالْأَوَّلُ أَكْمَلُ فِي السُّنَّةِ، لِامْتِيَازِهِ بِخُصُوصِ الْأَمْرِ السَّابِقِ (هَذَا) الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ: (إذَا تَلَاقَوْا فِي طَرِيقٍ) وَنَحْوِهَا (أَمَّا إذَا وَرَدُوا عَلَى قَاعِدٍ أَوْ قُعُودٍ فَإِنَّ الْوَارِدَ يَبْدَأُ مُطْلَقًا) صَغِيرًا كَانَ أَوْ رَاكِبًا، أَوْ قَلِيلًا أَوْ ضِدَّهُمْ. (وَإِنْ سَلَّمَ) عَلَى (مَنْ وَرَاءَ جِدَارٍ) وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ عِنْدَ الْبَلَاغِ. أَوْ سَلَّمَ (الْغَائِبُ عَنْ الْبَلَدِ بِرِسَالَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ عِنْد الْبَلَاغِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الرَّسُولِ، فَيَقُولُ: وَعَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ» وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: إنَّ فُلَانًا يُقْرِئُكَ السَّلَامَ فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَعَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ. (وَإِنْ بَعَثَ) إنْسَانٌ (مَعَهُ السَّلَامُ) لِيُبَلِّغهُ لِمَنْ عَيَّنَهُ لَهُ (وَجَبَ) عَلَى الرَّسُولِ (تَبْلِيغُهُ إنْ تَحَمَّلَهُ) لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَإِلَّا فَلَا. (وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَلَاقِيَيْنِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ

стр. 660

أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (فَإِنْ الْتَقَيَا وَبَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مَعًا) بِالسَّلَامِ (فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِجَابَةُ) لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِرَدِّ السَّلَامِ فَإِنْ قَالَهُ أَحَدُهُمَا بَعْد الْآخَرِ فَقَالَ الشَّاشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: كَانَ جَوَابًا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ قَالَ وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ ابْتِدَاءً لَا جَوَابًا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَوَابَ لِأَنَّ هَذِهِ صِيغَةُ جَوَابٍ فَلَا تَسْتَحِقُّ جَوَابًا. (وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى أَصَمًّ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ) وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ قَالَهُ فِي الْآدَابِ (كَرَدِّهِ سَلَامِهِ) أَيْ: سَلَامِ الْأَصَمِّ فَيَجْمَعُ الرَّادُّ عَلَيْهِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ (وَسَلَامُ الْأَخْرَسِ) بِالْإِشَارَةِ (وَجَوَابُهُ) أَيْ: الْأَخْرَس (بِالْإِشَارَةِ) لِقِيَامِهَا مَقَامَ نُطْقِهِ وَقَالَ الْمَرُّوذِيَّ: إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ كَانَ رُبَّمَا أَذِنَ لِلنَّاسِ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فَيَرُدَّ بِيَدِهِ (وَآخِرُ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا: وَبَرَكَاتُهُ) أَيْ: اسْتِحْبَابًا وَتَقَدَّمَ مَا يُجْزِئُ مِنْهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ الِابْتِدَاءَ عَلَى الرَّدِّ وَعَكْسِهِ) أَيْ: أَنْ يَزِيدَ الرَّدَّ عَلَى الِابْتِدَاءِ. (وَسَلَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ كَسَلَامِ الرِّجَالِ عَلَى الرِّجَالِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ. (وَلَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِ مَنْ يُصَافِحُهُ حَتَّى يَنْزِعَهَا) أَيْ: يَدَهُ مِنْ يَدِهِ لِمَا فِي نَزْعِ يَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ (إلَّا لِحَاجَةٍ كَحَيَائِهِ مِنْهُ) (وَنَحْوِهِ) كَمَضَرَّةٍ بِالتَّأْخِيرِ. (وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَانَقَةِ) وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: يُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقَادِمِ وَمُعَانَقَتِهِ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ قَالَ: وَإِكْرَامُ الْعُلَمَاءِ وَأَشْرَافِ الْقَوْمِ بِالْقِيَامِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَطْمَعَ فِي قِيَامِ النَّاسِ لَهُ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ إلَّا لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْوَالِدَيْنِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَالْكَرَمِ وَالنَّسَبِ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ وَكَذَا ذَكَر الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَقَاسَهُ عَلَى الْمُهَادَاةِ لَهُمْ قَالَ: وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ وَاَلَّذِي يُقَامُ إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَسْتَكْبِرُ نَفْسُهُ إلَيْهِ وَلَا تُطَالِبُهُ وَالنَّهْيُ قَدْ وَقَعَ عَلَى السُّرُورِ بِذَلِكَ الْحَالِ فَإِذَا لَمْ يُسَرَّ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ وَقَامُوا إلَيْهِ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ ذَكَره فِي الْآدَابِ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِتَقْبِيلِ الرَّأْسِ وَالْيَدِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَنَحْوِهِمْ)

стр. 661

لَحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ قَدِمَ زَيْدُ بْنِ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَالرَّسُولُ ﷺ فِي بَيْتِي، فَآتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي حَدِيثِ «ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةٍ قَالَ فِيهَا فَدَنَوْنَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَبَّلْنَا يَدَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ «قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ اذْهَبْ بِنَا إلَى هَذَا النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيَا الرَّسُولَ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ - فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَالَا نَشْهَدُ أَنَّك نَبِيٌّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فَيُبَاحُ تَقْبِيلُ الْيَدِ وَالرَّأْسِ تَدَيُّنًا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا، مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ إبَاحَتِهِ لِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّهْيُ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ. (وَيُكْرَهُ تَقْبِيلُ فَمِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ) الْمُبَاحَةِ لَهُ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ كَرَامَةً. (وَإِذَا تَثَاءَبَ كَظَمَ) نَدْبًا أَيْ: أَمْسَكَ فَمَهُ لِئَلَّا يَنْفَتِحَ (مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ غَلَبَهُ) التَّثَاؤُبُ (غَطَّى فَمَهُ بِكُمِّهِ أَوْ غَيْرِهِ) كَيَدِهِ لِقَوْلِهِ: ﷺ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» . وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مَعَ التَّثَاؤُبِ» (وَإِذَا عَطَسَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ (خَمَرَ) أَيْ: غَطَّى (وَجْهَهُ) لِئَلَّا يَتَأَذَّى غَيْرُهُ بِبُصَاقِهِ (وَغَضَّ) أَيْ: خَفَضَ (صَوْتَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ «إذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِثَوْبِهِ وَيَدِهِ، ثُمَّ غَضَّ بِهَا صَوْتُهُ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ (وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا وَحَمِدَ اللَّهَ) قَالَ ابْن هُبَيْرَةَ: إذَا عَطَسَ الْإِنْسَانُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى صِحَّةِ بَدَنِهِ، وَجَوْدَةِ هَضْمِهِ، وَاسْتِقَامَةِ قُوَّتِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَلِذَلِكَ أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» . لِأَنَّ الْعُطَاسَ يَدُلُّ عَلَى خِفَّةِ بَدَنٍ وَنَشَاطٍ، وَالتَّثَاؤُبُ غَالِبًا لِثِقَلِ الْبَدَنِ وَامْتِلَائِهِ، وَاسْتِرْخَائِهِ فَيَمِيلُ إلَى الْكَسَلِ فَأَضَافَهُ إلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يُرْضِيهِ، أَوْ مِنْ تَسَبُّبِهِ لِدُعَائِهِ إلَى الشَّهَوَاتِ وَيَكُونُ حَمْدُهُ (جَهْرًا بِحَيْثُ يُسْمِعُ جَلِيسَهُ) حَمْدَهُ (لِيُشَمِّتَهُ) بِالشِّينِ وَالسِّينِ (وَتَشْمِيتُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) كَرَدِّ السَّلَامِ (فَيَقُولُ لَهُ) سَامِعُهُ (يَرْحَمُك اللَّهُ أَوْ يَرْحَمْكُمْ اللَّهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْعَاطِسُ) وُجُوبًا (فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِب وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: هَذَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ " وَيُدْخِلَكُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَكُمْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى أَوْ يَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُشَمَّتَ مَنْ لَمْ

стр. 662

يَحْمَدْ اللَّهَ) لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمَدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ فَإِذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمُ. (وَإِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ) أَيْ: لَمْ يُسَنَّ تَذْكِيرُهُ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ: أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَلَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ، فَانْتَظَرَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ فَيُشَمِّتهُ فَلَمْ يَحْمَد اللَّهَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ تَقُولُ إذَا عَطَسْتَ قَالَ أَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، (لَكِنْ يُعَلَّمَ الصَّغِيرُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَكَذَا حَدِيثُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَمَّنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْجَهْلِ بِذَلِكَ. (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَشْمِيتُ الذِّمِّيِّ) نَصَّ عَلَيْهِ وَهَلْ يُكْرَهُ أَوْ يُبَاحُ أَوْ يُحَرَّمُ؟ أَقْوَالٌ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ (فَإِنْ قِيلَ لَهُ) أَيْ: لِلذِّمِّيِّ (يَهْدِيكُمْ اللَّهُ جَازَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِيهِ. (وَيُقَالُ لِلصَّبِيِّ إذَا عَطَسَ: بُورِكَ فِيكَ، وَجَبَرَك اللَّهُ) قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَرُوِيَ «أَنَّهُ عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَارَكَ اللَّهُ فِيك يَا غُلَامُ» رَوَاهُ الْحَافِظُ السَّلَفِيُّ فِي انْتِخَابِهِ (وَتُشَمِّتُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَ) يُشَمِّتُ (الرَّجُلُ الرَّجُلَ) . (وَ) يُشَمِّتُ الرَّجُلُ (الْمَرْأَةَ الْعَجُوزَ الْبَرْزَةَ) لِأَمْنِ الْفِتْنَةِ (وَلَا يُشَمِّتُ الشَّابَّةَ وَلَا تُشَمِّتْهُ) كَمَا فِي رَدِّ السَّلَامِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْأَجْنَبِيَّةُ (فَإِنْ عَطَسَ ثَانِيًا) وَحَمِدَ (شَمَّتْهُ، وَ) إنْ عَطَسَ (ثَالِثًا) وَحَمِدَ (شَمَّتْهُ) قَالَ صَالِحُ لِأَبِيهِ: يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ فِي مَجْلِسٍ ثَلَاثًا قَالَ: أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي ثَلَاثٍ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، مَرْفُوعًا «يُشَمَّتُ مُعَاطِسٌ ثَلَاثًا فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ» . (وَ) إنْ عَطَسَ (رَابِعًا دَعَا لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَلَا يُشَمَّتُ) لِلرَّابِعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ شَمَّتَهُ قَبْلهَا) ثَلَاثًا، فَالِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ التَّشْمِيتِ وَبِعَدَدِ الْعَطَسَاتِ فَلَوْ عَطَسَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ مُتَوَالِيَاتٍ شَمَّتَهُ بِعَدَدِهَا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ تَشْمِيتٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ: قَوْلًا وَاحِدًا. (وَلَا يُجِيبُ الْمُتَجَشِّئَ بِشَيْءٍ فَإِنْ حَمَدَ اللَّهَ قَالَ) لَهُ سَامِعُهُ (هَنِيئًا مَرِيئًا، أَوْ هَنَّأَكَ اللَّهُ وَأَمْرَاكَ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَابْنُ تَمِيمٍ، وَكَذَا ابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ: وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ سُنَّةٌ بَلْ هُوَ عَادَةٌ مَوْضُوعَةٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مَهَنَّا: إذَا تَجَشَّأَ الرَّجُلُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ وَجْهَهُ إلَى فَوْقٍ، لِكَيْ لَا يَخْرُجَ مِنْ فِيهِ رَائِحَةٌ يُؤْذِي بِهَا النَّاسَ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ «رَجُلًا تَجَشَّأَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا أَطْوَلَهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . (وَيَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى كُلِّ مَنْ يُرِيدَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِب وَأَجَانِب) قَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالسَّامِرِيُّ وَابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]

стр. 663

قَالَ: لَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَدْخُلَ بَيْتَ غَيْرِكَ إلَّا بِالِاسْتِئْذَانِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ يُسَنُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَلَا وَجْهَ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ فَيَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ اهـ وَرَوَى سَعِيد عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى وَالِدَيْهِ فَلْيَسْتَأْذِنْ " وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْله (فَإِنْ أُذِنَ لَهُ) فِي الدُّخُولِ دَخَلَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ (رَجَعَ) وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْذَانُهُ ثَلَاثًا، إلَّا أَنْ يُجَابَ قَبْلَهَا (وَلَا يَزِيدُ) فِي اسْتِئْذَانِ (عَلَى ثَلَاثِ) مَرَّاتٍ لِقَوْلِهِ: « ﷺ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَك وَإِلَّا فَارْجِعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَظُنَّ عَدَمَ سَمَاعِهِمْ) لِلِاسْتِئْذَانِ، فَيَزِيد بِقَدْرِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ: وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ «وَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ اُخْرُجْ إلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ فَقَالَ لَهُ قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ حَمْدَانَ وَقِيلَ يَقُولُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَقَطْ اهـ وَيَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسِ لِلْأَخْبَارِ وَلَعَنَ ﷺ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ قَالَ فِي الْآدَابِ: يُتَوَجَّهُ: تَحْرِيمُ ذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِلْحَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْل تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ بِالْمَيِّتِ] (فَصْلُ وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ بِالْمَيِّتِ) (قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ حَتَّى الصَّغِيرِ، وَحَتَّى الصَّدِيقِ) لِلْمَيِّتِ (وَنَحْوِهِ) كَجَارِ الْمَيِّت، لِعُمُومِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ كَمِثْلِ أَجْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَيُبْدَأُ بِخِيَارِهِمْ وَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ مِنْهُمْ، لِيَسْتَنَّ بِهِ غَيْرُهُ، وَبِالضَّعِيفِ مِنْهُمْ

стр. 664

عَنْ تَحَمُّلِ الْمُصِيبَةِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا. (وَ) حَتَّى (مَنْ شَقَّ ثَوْبَهُ) فَيُعَزَّى كَغَيْرِهِ وَلَا يُتْرَكُ حَقًّا لِبَاطِلٍ (لِزَوَالِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الشَّقُّ) وَالْبَاقِي أَثَرُهُ (وَإِنْ نَهَاهُ) عَنْ الْعَوْدِ لِمِثْلِ ذَلِكَ (فَحَسَنٌ وَيُكْرَهُ) لِمَنْ شَقَّ ثَوْبَهُ (اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ) لِأَنَّهُ أَثَرُ مَعْصِيَتِهِ. وَتَكُونُ التَّعْزِيَةُ (إلَى ثَلَاثِ) لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا (وَكَرِهَهَا) أَيْ: التَّعْزِيَةَ (جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ ابْنُ شِهَابٍ وَالْآمِدِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ الثَّلَاثِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَقَالَ: لَمْ أَجِد فِي آخِرِهَا كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهِيَتهَا بَعْدَهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَتِهِ إذَا حَضَرَ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ وَزَادَ: مَا لَمْ تُنْسَ الْمُصِيبَةُ وَقَوْلُهُ: (لَأَذِنَ الشَّارِعُ فِي الْإِحْدَادِ فِيهَا) أَيْ: فِي الثَّلَاثِ، بِقَوْلِهِ: ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» تَعْلِيلٌ لِلتَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثِ (وَيُكْرَهُ تَكْرَارهَا) أَيْ: التَّعْزِيَةِ (فَلَا يُعَزِّي عِنْد الْقَبْرِ مَنْ عَزَّى قَبْلَ ذَلِكَ) قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ التَّعْزِيَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ، إلَّا لِمَنْ لَمْ يُعَزِّ، فَيُعَزِّي إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ أَوْ قَبْلَهُ. (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) أَيْ: لِلتَّعْزِيَةِ بِأَنْ يَجْلِسَ الْمُصَابُ فِي مَكَان لِيُعَزُّوهُ أَوْ يَجْلِسَ الْمُعَزِّي عِنْدَ الْمُصَابِ لِلتَّعْزِيَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْحُزْنِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَمَا يُعْجِبنِي أَنْ تَقْعُدَ أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ يُعَزَّوْنَ، أَخْشَى أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلْمَوْتِ أَوْ قَالَ لِلْمَيِّتِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: مَا أُحِبُّ الْجُلُوسَ مَعَ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالِاخْتِلَافَ إلَيْهِمْ بَعْدَ الدَّفْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهَذَا تَعْظِيمٌ لِلْمَوْتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا الْمَكْرُوهُ الْبَيْتُوتَةُ عِنْد أَهْلِ الْمَيِّتِ وَأَنْ يَجْلِسَ إلَيْهِمْ مَنْ عَزَّى مَرَّةً، أَوْ يَسْتَدِيمَ الْمُعَزِّي الْجُلُوسَ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى قَدْرِ التَّعْزِيَةِ. (وَ) يُكْرَهُ (الْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ) أَيْ: عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ بَعْد خُرُوجِ الرُّوحِ، لِتَهْيِيجِهِ الْحُزْنَ. (وَتُكْرَهُ) تَعْزِيَةُ الرَّجُلِ (لِشَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) أَيْ: غَيْرِ مَحْرَمٍ لَهُ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ: الْحَسْنَاءُ عَجُوزًا كَانَتْ أَوْ شَابَّةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ لِيَتْبَعَ جِنَازَتَهُ، أَوْ) لِ (يَخْرُجَ وَلَيُّهُ فَيُعَزِّيَهُ) وَسَوَاء كَانَ جُلُوسُهُ خَارِجًا عَنْ دَارِ الْمَيِّتِ بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْجُلُوسُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ عَلَى حَصِيرٍ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بِسَاطٍ مِنْهُ كُرِهَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو طَالِبٍ: جَوَازَهُ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِهَا فِي عِبَادَةٍ أَشْبَهُ مَا لَوْ قَعَدُوا عَلَيْهَا دَاخِلَهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهَا وُقِفَتْ لَيُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُنْتَفَعُ بِهَا فِيهِ خَاصَّةً. (وَمَعْنَى التَّعْزِيَةِ التَّسْلِيَةُ وَالْحَثُّ)

стр. 665

أَيْ: حَثُّ الْمُصَابِ (عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا (وَالْمُصَابِ) أَيْ: الدُّعَاءِ لِلْمُصَابِ. (وَلَا تَعْيِينَ فِيمَا يَقُولُهُ) الْمُعَزِّي قَالَ الْمُوَفَّقُ لَا أَعْلَمُ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْئًا مَحْدُودًا، إلَّا أَنَّهُ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَزَّى رَجُلًا، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَآجَرَك» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَيَخْتَلِفُ) مَا يَقُولُهُ الْمُعَزِّي (بِاخْتِلَافِ الْمُعَزِّينَ فَإِنْ شَاءَ) الْمُعَزِّي. (قَالَ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) أَيْ: رَزَقَكَ الصَّبْرَ الْحَسَنَ (وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ، وَفِي تَعْزِيَتِهِ) أَيْ: الْمُسْلِمِ (بِكَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ) وَيُمْسِكُ عَنْ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ لَهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (وَتَحْرُمُ تَعْزِيَةُ الْكَافِرِ) سَوَاءً كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمًا لِلْكَافِرِ كَبُدَاءَتِهِ بِالسَّلَامِ. (وَيَقُولُ الْمُعَزَّى) بِفَتْحِ الزَّاي مَشْدُودَةً (اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَك، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ) بِهَذَا الْقَوْلِ رَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَكَفَى بِهِ قُدْوَة. (وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُهُ) أَيْ: الْمُعَزَّى (بِيَدِ مَنْ عَزَاهُ) قَالَ أَحْمَدُ: إنْ شِئْتَ أَخَذْتَ بِيَدِ الرَّجُلِ فِي التَّعْزِيَةِ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابُ عَلَيْهِ عَلَامَةً يُعْرَفُ بِهَا، لِيُعَزَّى) لِتَتَيَسَّرَ التَّعْزِيَةُ الْمَسْنُونَةُ بِذَلِكَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. (وَيُسَنُّ) لِلْمُصَابِ (أَنْ) يَسْتَرْجِعَ فَ (يَقُولُ إنَّا لِلَّهِ) أَيْ: نَحْنُ عَبِيدُهُ يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ (وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) أَيْ: نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِنَا (اللَّهُمَّ أَجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أَجُرْنِي مَقْصُورٌ وَقِيلَ مَمْدُودٌ وَأَخْلِفْ: بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ يُقَال لِمَنْ ذَهَبَ مِنْهُ مَا يَتَوَقَّعُ مِثْلَهُ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك مِثْلَهُ وَمَنْ ذَهَبَ مِنْهُ مَا لَا يَتَوَقَّع مِثْلَهُ خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْك أَيْ: كَانَ اللَّهُ لَك خَلِيفَةً مِنْهُ عَلَيْك. (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) قَالَهُ الْآجُرِّيُّ وَجَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ فَعَلَهَا ابْنُ عَبَّاس، وَقَرَأَ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وَلَمْ يَذْكُرْهَا جَمَاعَةٌ وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد عَنْ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى» قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَحَزَبَهُ الْأَمْرُ: نَابَهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، أَوْ ضَغَطَهُ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «إذَا حَضَرْتُمْ الْمَرِيضَ أَوْ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قَالَ قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ وَاعْقُبْنِي عُقْبَةً حَسَنَةً» . (وَ) يُسَنُّ لِلْمُصَابِ

стр. 666

أَنْ (يَصْبِرَ) وَالصَّبْرُ: الْحَبْسُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] وَقَالَ: ﷺ «وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَوْتِ الْوَلَدِ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» يُشِير إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] . وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ مِنْ جَزَاءٍ إذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ: إلَّا الْجَنَّةُ» قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْمَصَائِبِ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْمُصِيبَةِ نَفْسِهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى كَسْبِهِ وَالصَّبْرُ مِنْ كَسْبِهِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَوْقَ الصَّبْرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ رِضَا اللَّهِ (وَيَجِبُ مِنْهُ) أَيْ: الصَّبْرِ (مَا يَمْنَعْهُ مِنْ مُحَرَّمٍ) إذْ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَلَا يَلْزَمُ الرِّضَى بِمَرَضٍ وَفَقْرٍ وَعَاهَةٍ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ، بَلْ يُسَنُّ وَيُحْرَمُ الرِّضَا بِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعًا وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى إحْدَاثِ الرَّبِّ لِذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا رَضِيَ لِلَّهِ بِمَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ فَيَرْضَاهُ وَيُحِبُّهُ مَفْعُولًا مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى وَيَبْغَضُهُ وَيَكْرَهُهُ فِعْلًا لِلْمُذْنِبِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِيمَا خَلَقَهُ مِنْ الْأَجْسَامِ الْخَبِيثَةِ قَالَ: فَمَنْ فَهِمَ هَذَا الْمَوْضِعَ انْكَشَفَ لَهُ حَقِيقَةُ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَارَتْ فِيهِ الْعُقُولُ. (وَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ: الْمُصَابِ (تَغْيِيرُ حَالِهِ) أَيْ: هَيْئَتِهِ (مِنْ خَلْعِ رِدَائِهِ وَنَعْلِهِ، وَغَلْقِ حَانُوتِهِ، وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ وَنَحْوِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الْجَزَعِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] اعْلَمْ أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَا قُضِيَ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ قَلَّ حُزْنُهُ وَفَرْحُهُ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَمَشَّ مَعَ الْقَدَرِ لَمْ يَتَهَنَّ بِعَيْشٍ. (وَلَا يُكْرَهُ الْبُكَاءُ) قَالَ، الْجَوْهَرِيُّ: الْبُكَاءُ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ فَإِذَا مَدَدْتَ أَرَدْتَ الصَّوْتَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْبُكَاءِ وَإِذَا قَصَرْتَ، أَرَدْتَ الدُّمُوعَ وَخُرُوجَهَا (عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ) لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ، فَمِنْهَا: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ

стр. 667

«أَنَّهُ ﷺ لَمَّا فَاضَتْ عَيْنَاهُ، لَمَّا رُفِعَ إلَيْهِ ابْنُ بِنْتِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ أَيْ: لَهَا صَوْتٌ وَحَشْرَجَةٌ كَصَوْتِ مَا أُلْقِيَ فِي قِرْبَةٍ بَالِيَةٍ قَالَ لَهُ سَعْدُ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالصَّبْرُ عَنْهُ أَجْمَلُ؟ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي التُّحْفَةِ الْعِرَاقِيَّةِ: الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِ الرَّحْمَةِ حَسَنٌ مُسْتَحَبٌّ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرِّضَا بِخِلَافِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ حَظِّهِ مِنْهُ وَقَالَ فِي الْفُرْقَانِ: الصَّبْرُ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، ثُمَّ ذَكَر فِي الرِّضَا قَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى الْمُصِيبَةِ، لِمَا يَرَى مِنْ إنْعَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. (وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ وَهُوَ الْبُكَاءُ، مَعَ تَعْدِيدِ مَحَاسِنَ الْمَيِّتِ) بِلَفْظِ النِّدَاءِ، مَعَ زِيَادَةِ الْأَلْفِ وَالْهَاءِ فِي آخِرِهِ كَقَوْلِهِ: وَا سَيِّدَاهْ وَا جَبَلَاهْ وَا انْقِطَاعَ ظَهْرَاهْ. (وَلَا) تَجُوزُ (النِّيَاحَةُ وَهِيَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِذَلِكَ بِرَنَّةٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ «أَخَذَ عَلَيْنَا ﷺ فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ» فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ لَعَنَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ ". (وَلَا) يَجُوزُ (شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُودِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الصُّرَاخِ وَخَمْشِ الْوَجْهِ) وَتَسْوِيدِهِ (وَنَتْفِ الشَّعْرِ وَنَشْرِهِ وَحَلْقِهِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» وَفِيهِمَا أَنَّهُ ﷺ بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ " فَالصَّالِقَةُ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَيُقَالُ: السَّالِقَةُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْحَالِقَةُ الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَالشَّاقَّةُ الَّتِي تَشُقُّ ثِيَابَهَا وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الْجَزَعِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَالسُّخْطِ مِنْ فِعْلِهِ. وَفِي شَقِّ الْجُيُوبِ إفْسَادٌ لِلْمَالِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (وَفِي الْفُصُولُ: يَحْرُمُ النَّحِيبُ وَالتَّعْدَادُ) أَيْ: تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ وَالْمَزَايَا (وَإِظْهَارُ الْجَزَعِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ مِنْ الظَّالِمِ وَهُوَ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ لِأَنَّهُمْ مِلْكُهُ. (وَيُبَاحُ يَسِيرُ النَّدْبَةِ الصِّدْقِ، إذَا لَمْ يَخْرُجُ مَخْرَجَ النَّوْحِ وَلَا قَصْدَ نَظْمِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: يَا أَبَتَاهُ يَا وَلَدَاهُ وَنَحْو ذَلِكَ) هَذَا تَتِمَّةُ كَلَامِ الْفُصُولِ وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ: تَحْرِيمُهُ (وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ بِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِالنِّيَاحَةِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ) فَحَمَلَهُ ابْنُ حَامِد عَلَى مَنْ أَوْصَى بِهِ لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ الْوَصِيَّةُ بِفِعْلِهِ فَخَرَجَ

стр. 668

عَلَى عَادَتِهِمْ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِم وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ سِيَاقَ الْخَبَرِ يُخَالِفُهُ، وَحَمَلَهُ الْأَثْرَمُ عَلَى مَنْ وَصَى بِهِ حِينَ يَمُوت وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَتَأَذَّى بِذَلِكَ إنْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يُوصُونَ وَلَمْ يُعْتَبَر كَوْنُ النِّيَاحَةِ عَادَةَ أَهْلِهِ. وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَنَّ مَنْ هُوَ عَادَةُ أَهْلِهِ وَلَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ عُذِّبَ لِأَنَّهُ مَتَى ظَنَّ وُقُوعُهُ وَلَمْ يُوصِ فَقَدْ رَضِيَ وَلَمْ يَنْهَ مَعَ قُدْرَتِهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ: يَتَأَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَوَجَّهُ مَعَهُ لَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِذَنْبِ الْحَيِّ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَهَذَا كَقَوْلِهِ ﷺ : «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» فَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ حَمْلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَوَافَقَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَتْ " وَاَللَّهُ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَقَالَتْ لَمَّا بَلَغَهَا رِوَايَةُ عُمَرَ وَابْنِهِ فِي ذَلِكَ: إنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَ عَنْهُ غَيْرَ كَاذِبَيْنِ وَلَا مُتَّهَمِينَ وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ وَقَالَتْ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (وَمَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ مِنْ وَعْظٍ أَوْ إنْشَادِ شِعْرٍ فَمِنْ النِّيَاحَةِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَمَعْنَاهُ لِابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ فَإِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُهُ عَقِيلٌ قَرَأَ قَارِئٌ ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] فَبَكَى ابْنُ عَقِيلٍ وَبَكَى النَّاسُ فَقَالَ لِلْقَارِئِ يَا هَذَا إنْ كَانَ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ فَهُوَ نِيَاحَةٌ بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَنْزِل لِلنَّوْحِ بَلْ لِتَسْكِينِ الْأَحْزَانِ. " فَائِدَةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَاشِيَةِ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الرُّوحَ هِيَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ الْمُسْتَعِدَّةُ لِلْبَيَانِ وَفَهْمِ الْخِطَابِ وَلَا تَفْنَى بِفَنَاءِ الْجَسَدِ، وَإِنَّهُ جَوْهَرٌ لَا عَرَضٌ اهـ وَتَجْتَمِعُ أَرْوَاحُ الْمَوْتَى فَيَنْزِلُ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى لَا الْعَكْس قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ قَالَ: وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتهَا: أَنَّ الْعَذَابَ أَوْ النَّعِيمَ يَحْصُلُ لِرُوحِ الْمَيِّتِ وَبَدَنِهِ وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً وَأَيْضًا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانًا فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ أَوْ الْعَذَابُ وَلِأَهْلِ السُّنَّةِ قَوْلٌ آخَر: أَنَّ النَّعِيمَ وَالْعَذَابَ يَكُونُ لِلْبَدَنِ دُونَ الرُّوحِ اهـ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ وَاقِعٌ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْبَدَنِ تَعَلُّقًا بِالرُّوحِ، فَتُعَذَّبُ، فِي الْقَبْرِ،.

стр. 669

وَيَسْمَعُ الْمَيِّتُ الْكَلَامَ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْمَقَابِرِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَاسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ بِمَعْرِفَةِ الْمَيِّتِ بِأَحْوَالِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَجَاءَتْ الْآثَارُ بِأَنَّهُ يَرَى أَيْضًا وَبِأَنَّهُ يَدْرِي بِمَا فُعِلَ عِنْدَهُ وَيُسَرُّ بِمَا كَانَ حَسَنًا وَيَتَأَلَّمُ بِمَا كَانَ قَبِيحًا وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا أُجْزَى بِهِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَوَاحَةَ وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِ وَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ عِنْدَ عَائِشَةَ كَانَتْ تَسْتَتِرُ مِنْهُ، وَتَقُولُ " إنَّمَا كَانَ أَبِي وَزَوْجِي فَأَمَّا عُمَرُ فَأَجْنَبِيٌّ " وَيَعْرِفُ الْمَيِّتُ زَائِرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَهُ أَحْمَدُ. وَفِي الْغُنْيَةِ يَعْرِفهُ كُلَّ وَقْتٍ وَهَذَا الْوَقْتُ آكَدُ وَيَنْتَفِعُ بِالْخَيْرِ وَيَتَأَذَّى بِالْمُنْكَرِ عِنْدَهُ وَسُنَّ، فِعْلٌ لِزَائِرِهِ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ، وَلَوْ بِجَعْلِ جَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ فِي الْقَبْرِ لِلْخَبَرِ وَأَوْصَى بِهِ بُرَيْدَةَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي مَعْنَاهُ غَرْسُ غَيْرِهَا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الذِّكْرُ وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ إذَا رَجَا التَّخْفِيفَ بِتَسْبِيحِهَا فَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى وَتَقَدَّمَ بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. [كِتَابُ الزَّكَاةِ] (كِتَابُ الزَّكَاةِ) وَاشْتِقَاقُهَا لُغَةً مِنْ زَكَا يَزْكُو، إذَا نَمَا، أَوْ تَطَهَّرَ يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إذَا نَمَا

стр. 670

وَزَادَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] أَيْ: طَهَّرَهَا عَنْ الْأَدْنَاسِ وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَدْحِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وَعَلَى الصَّلَاحِ يُقَال رَجُلٌ زَكِيٌّ، أَيْ: زَائِدُ الْخَيْرِ مِنْ قَوْمٍ أَزْكِيَاءٍ وَزَكَّى الْقَاضِي الشُّهُودَ: إذَا بَيَّنَ زِيَادَتَهُمْ فِي الْخَيْرِ وَسَمَّى الْمَالَ الْمُخْرَجَ زَكَاةً لِأَنَّهُ يَزِيد فِي الْمُخْرَجِ مِنْهُ وَيَقِيهِ الْآفَاتِ وَأَصْلُ التَّسْمِيَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مُؤَدِّيهَا مِنْ الْإِثْمِ، وَتُنَمِّي أَجْرَهُ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إنَّمَا تُنَمِّي الْفُقَرَاءَ (وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ، الْإِسْلَامِ) وَمَبَانِيهِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ - فَذَكَر مِنْهَا - وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ " (وَفُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ) ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ طَلَبُهَا وَبَعْثُ السُّعَاةِ لِقَبْضِهَا فَهَذَا بِالْمَدِينَةِ وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: إنَّ الظَّوَاهِرَ فِي إسْقَاطِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ مُعَارَضَةٌ بِظَوَاهِرَ تَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَالٍ كَقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] وَاحْتَجَّ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ فِعْلُهَا وَيُعَاقَبُ بِهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الزَّكَاةَ فِيهَا بِالتَّوْحِيدِ اهـ وَقَالَ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ: إنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عِبَادَة: " أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الزَّكَوَاتِ ". وَفِي تَارِيخِ ابْنِ جَرِير الطَّبَرِيِّ: أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ: فُرِضَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَبُيِّنَتْ بَعْدَهَا (وَهِيَ) أَيْ: الزَّكَاةُ شَرْعًا (حَقٌّ وَاجِبٌ) يَأْتِي تَقْدِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْمُزَكَّيَاتِ (فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي كَلَامِهِ (لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) وَهُمْ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ الْمُشَارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ (فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ تَمَامُ الْحَوْلِ فِي الْمَاشِيَةِ وَالْأَثْمَانِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ،
следующие страницы →