Полный текст (3 210 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
رِيحُهُ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ لِأَثَرٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا مِمَّا يَنُمُّ عَلَيْهَا) بِإِظْهَارِ جَمَالِهَا (مَنْ ضَرْبِهَا بِرِجْلِهَا لِيُعْلَمَ مَا تُخْفِي مِنْ زِينَتِهَا) قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْفَسَادِ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ الزِّينَةِ (وَمِنْ نَعْلِ صَرَّارَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ الزِّينَةِ (وَفِي بَيْتِهَا تَتَطَيَّبُ بِمَا شَاءَتْ) مِمَّا يَخْفَى أَوْ يَظْهَرُ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَيُكْرَهُ حَلْقُ رَأْسِهَا وَقَصُّهُ مَنْ غَيْرِ عُذْرٍ) لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَقُرُوحٍ لَمْ يُكْرَهُ (وَيَحْرُمُ) حَلْقُهَا رَأْسَهَا (لِمُصِيبَةٍ) كَلَطْمِ خَدٍّ وَشَقِّ ثَوْبٍ.
(وَيُسَنُّ تَخْمِيرُ الْإِنَاءِ وَلَوْ) بِ (أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ عُودًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَوْكِ سِقَاكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إنَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِ عُودًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْآدَابِ: ظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ مَا يُخَمَّرُ بِهِ، لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا أَنْ يَعْرِضَ عَلَى إنَائِهِ عُودًا» وَحِكْمَةُ وَضْعِ الْعُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَيَعْتَادَ تَخْمِيرَهُ وَلَا يَنْسَاهُ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِرَدِّ دَبِيبٍ بِحِبَالِهِ أَوْ بِمُرُورِهِ عَلَيْهِ (وَإِيكَاءُ السِّقَاءِ) أَيْ رَبْطُ فَمِهِ (إذَا أَمْسَى) لِلْخَبَرِ (وَإِغْلَاقُ الْبَابِ وَإِطْفَاءُ الْمِصْبَاحِ) عِنْدَ الرُّقَادِ إذَا خِيفَ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فَأَمَّا إنْ جَعَلَ الْمِصْبَاحَ فِي شَيْءٍ مُعَلَّقٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ الْفَوَاسِقُ وَالْهَوَامُّ التَّسَلُّقُ فِيهِ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا قَالَهُ فِي الْآدَابِ.
(وَ) إطْفَاءُ (الْجَمْرِ عِنْدَ الرُّقَادِ مَعَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ فِيهِنَّ) أَيْ فِي التَّخْمِيرِ وَالْإِيكَاءِ وَالْإِغْلَاقِ وَالْإِطْفَاءِ لِلْخَبَرِ.
(وَ) يُسَنُّ (نَظَرُهُ فِي وَصِيَّتِهِ وَنَفْضُ فِرَاشِهِ) عِنْدَ إرَادَتِهِ النَّوْمَ لِلْخَبَرِ (وَوَضْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَجْعَلُ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) لِلْخَبَرِ (وَيَتُوبُ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ عَلَى الْفَوْرِ، لَكِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَحْوَجُ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] الْآيَةَ (وَيَقُولُ مَا وَرَدَ) وَمِنْهُ «بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الم السَّجْدَةُ، وَتَبَارَكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ.
وَرَوَى الْإِمَامُ
стр. 72
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْخَلَّالُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (وَيُقِلُّ الْخُرُوجَ إذَا هَدَأَتْ الرِّجْلُ) لِأَنَّ لِلَّهِ دَوَابَّ يَنْشُرُهَا إذَنْ مَنْ جِنٍّ وَهَوَامٍّ كَمَا فِي الْخَبَرِ.
(يُكْرَهُ النَّوْمُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ عَلَيْهِ تَحْجِيرٌ) لِنَهْيِهِ ﵇ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَخَشْيَةَ أَنْ يَتَدَحْرَجَ فَيَسْقُطُ عَنْهُ.
(وَ) يُكْرَهُ (نَوْمُهُ عَلَى بَطْنِهِ وَعَلَى قَفَاهُ، إنْ خَافَ انْكِشَافَ عَوْرَتِهِ) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى النَّوْمُ عَلَى الْقَفَا رَدِيءٌ، يَضُرُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ بِالْبَصَرِ وَبِالْمَنِيِّ وَإِنْ اسْتَلْقَى لِلرَّاحَةِ بِلَا نَوْمٍ لَمْ يَضُرَّ وَأَرْدَأُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ مُنْبَطِحًا عَلَى وَجْهِهِ.
(وَ) يُكْرَهُ نَوْمُهُ (بَعْدَ الْعَصْرِ) لِحَدِيثِ «مَنْ نَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَاخْتَلَّ عَقْلُهُ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ عَائِشَةَ (وَ) نَوْمُهُ بَعْدَ (الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ قَسْمِ الْأَرْزَاقِ، كَمَا فِي الْخَبَرِ.
(وَ) نَوْمُهُ (تَحْتَ السَّمَاءِ مُتَجَرِّدًا) مِنْ ثِيَابِهِ وَالْمُرَادُ مَعَ سِتْرِ الْعَوْرَةِ (وَ) نَوْمُهُ (بَيْنَ قَوْمٍ مُسْتَيْقِظِينَ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُرُوءَةِ.
(وَ) يُكْرَهُ (نَوْمُهُ وَحْدَهُ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ الْوَحْدَةِ وَأَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ» .
(وَ) يُكْرَهُ (سَفَرُهُ وَحْدَهُ) لِخَبَرٍ «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ» (وَنَوْمُهُ وَجُلُوسُهُ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ) لِنَهْيِهِ عَنْهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي الْخَبَرِ: أَنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ.
(وَ) يُكْرَهُ (رَكُوبُ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ) لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ (قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي طِبِّهِ النَّوْمُ فِي الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ يُحَرِّكُ الدَّاءَ الدَّفِينَ وَالنَّوْمُ فِي الْقَمَرِ يَحِلُّ الْأَلْوَانَ إلَى الصُّفْرَةِ وَيُثْقِلُ الرَّأْسَ) اهـ.
(وَتُسْتَحَبُّ الْقَائِلَةُ) أَيْ الِاسْتِرَاحَةُ وَسَطَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] مَعَ أَنَّهُ لَا نَوْمَ فِي الْجَنَّةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (النَّوْمُ نِصْفَ النَّهَارِ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ أَبِي يَنَامُ نِصْفَ النَّهَارِ شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا، لَا يَدَعُهَا وَيَأْخُذُنِي بِهَا.
وَفِي الْآدَابِ: الْقَائِلَةُ النَّوْمُ فِي الظَّهِيرَةِ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا هُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
(وَلَا يُكْرَهُ) لِذَكَرٍ (حَلْقُ رَأْسِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ نُسُكٍ وَحَاجَةٍ كَقَصِّهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً وَحَرَّمَ بَعْضُهُمْ حَلْقَهُ عَلَى مُرِيدٍ لِشَيْخِهِ لِأَنَّهُ ذُلٌّ وَخُضُوعٌ لِغَيْرِ اللَّهِ.
(وَيُكْرَهُ الْقَزْعُ وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ) شَعْرِ (الرَّأْسِ) (وَتَرْكُ بَعْضِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَقَالَ احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَيَدْخُلُ فِي الْقَزْعِ حَلْقُ مَوَاضِعَ مِنْ جَوَانِبِ رَأْسِهِ وَتَرْكُ الْبَاقِي، مَأْخُوذٌ مِنْ قَزْعِ السَّحَابِ، وَهُوَ تَقَطُّعُهُ، وَأَنْ يَحْلِقَ وَسَطَهُ وَيَتْرُكَ جَوَانِبَهُ كَمَا تَفْعَلُهُ شَمَامِسَةُ النَّصَارَى وَحَلْقُ جَوَانِبِهِ وَتَرْكُ وَسَطِهِ
стр. 73
كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ السَّفَلَةِ، وَأَنْ يَحْلِقَ مُقَدَّمَهُ وَيَتْرُكُ مُؤَخِّرَهُ.
(وَ) يُكْرَهُ (حَلْقُ الْقَفَا) بِالْقَصْرِ (مُنْفَرِدًا عَنْ الرَّأْسِ، إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ لِحِجَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) قَالَ الْمَرْوَزِيُّ، سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا: فَقَالَ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْلِقَ قَفَاهُ فِي الْحِجَامَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْقَفَا (مُؤَخِّرُ الْعُنُقِ) وَعُلِمَ مَنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ حَلْقُهُ مَعَ الرَّأْسِ، أَوْ مُنْفَرِدًا لِحَاجَةٍ إلَيْهِ.
(وَيَجِبُ خِتَانُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) لِقَوْلِهِ ﷺ لِرَجُلٍ أَسْلَمَ «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي الْحَدِيثِ «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وَلِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ وَاجِبًا كَسَائِرِ شِعَارِهِمْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَلَاةَ.
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ، وَلِأَنَّ هُنَاكَ فُضْلَةً فَوَجَبَ إزَالَتُهَا كَالرَّجُلِ، وَقْتَ وُجُوبِهِ (عِنْدَ بُلُوغٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّكْلِيفِ (مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ) فَيَسْقُطُ وُجُوبُهُ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: فَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ الْمُسْقِطَ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مُسْقِطٌ لِلْخِتَانِ وَحَيْثُ تَقَرَّرَ وُجُوبُ الْخِتَانِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (فَخَتْنُ ذَكَرِ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَفَرْجِهِ) احْتِيَاطًا (وَلِلرَّجُلِ إجْبَارُ زَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ عَلَيْهِ) كَالصَّلَاةِ (وَ) الْخِتَانُ (زَمَنَ صِغَرٍ أَفْضَلُ إلَى التَّمْيِيزِ) لِأَنَّهُ أَسْرَعُ بَرْءًا لِيَنْشَأَ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَخِتَانُ الذَّكَرِ (بِأَخْذِ جِلْدَةِ حَشَفَةِ ذَكَرٍ) وَيُقَالُ لَهَا الْقُلْفَةُ وَالْغُرْلَةُ (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى) أَخْذِ (أَكْثَرِهَا جَازَ) نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ (وَ) خَفْضُ الْجَارِيَةِ (أَخْذُ جِلْدَةِ أُنْثَى فَوْقَ مَحِلِّ الْإِيلَاجِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ) .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ (لَا تُؤْخَذَ كُلُّهَا مِنْ امْرَأَةٍ نَصًّا) لِلْخَبَرِ وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُ شَهْوَتَهَا (يُكْرَهُ) خِتَانُ (يَوْمَ سَابِعٍ) لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ (وَ) يُكْرَهُ الْخِتَانُ (مِنْ) حِينِ (الْوِلَادَةِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى يُومِ السَّابِعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهَةَ الْأَكْثَرِ.
(وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ) أَيْ بِالْخِتَانِ (وَلِيُّ الْأَمْرِ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ الْمَوْتُ مِنْ الْخِتَانِ فَتَلِفَ) بِسَبَبِهِ ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (أَوْ أَمَرَهُ) وَلِيُّ الْأَمْرِ (بِهِ وَزَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يُتْلِفُهُ أَوْ ظُنَّ تَلَفُهُ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ.
وَفِي الْفُصُولِ: إنْ فَعَلَهُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ فِي مَرَضٍ
стр. 74
يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ الْمَوْتُ مِنْ الْخِتَانِ فَحُكْمُهُ كَالْحَدِّ فِي ذَلِكَ، يَضْمَنُ وَهُوَ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، فِيهِ الرِّوَايَتَانِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتِنَ نَفْسَهُ إنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَهُ) لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ خَتَنَ نَفْسَهُ.
(وَإِنْ تَرَكَ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ فَسَقَ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) لِإِصْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ.
(وَمَنْ وُلِدَ وَلَا قُلْفَةَ لَهُ سَقَطَ وُجُوبُهُ) وَيُكْرَهُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى مَحِلِّ الْخِتَانِ إذَنْ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَتُنَزِّهُ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ.
(وَلَا تُقْطَعُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ نَصًّا) نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ.
(وَيُكْرَهُ ثَقْبُ أُذُنِ صَبِيٍّ لَا جَارِيَةَ نَصًّا) لِحَاجَتِهَا لِلتَّزَيُّنِ، بِخِلَافِهِ.
(وَيُحَرَّمُ نَمْصٌ) وَهُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ (وَوَشْرٌ) أَيْ بَرْدُ الْأَسْنَانِ لِتُحَدَّدَ وَتُفَلَّجَ وَتُحَسَّنَ (وَوَشْمٌ) وَهُوَ غَرْزُ الْجِلْدِ بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حَشْوُهُ كُحْلًا (وَوَصْلُ شَعْرٍ بِشَعْرٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ» .
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة» أَيْ الْفَاعِلَةَ وَالْمَفْعُولَ بِهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهَا.
وَاللَّعْنَةُ عَلَى الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ،؛ لِأَنَّ فَاعِلَ الْمُبَاحِ لَا تَجُوزُ لَعْنَتُهُ (وَلَوْ) كَانَ وَصْلُ الْمَرْأَةِ شَعْرهَا (بِشَعْرِ بَهِيمَةٍ أَوْ إذْنِ زَوْجٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ) مِنْ الْمَرْأَةِ الْمَوْصُولِ شَعْرهَا بِشَعْرٍ (إنْ كَانَ نَجِسًا) لِحَمْلِهَا النَّجَاسَةَ، مَعَ قُدْرَتِهَا عَلَى اجْتِنَابِهَا وَتَصِحُّ إنْ كَانَ طَاهِرًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ.
لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الْعِبَادَةِ، كَالصَّلَاةِ فِي عِمَامَةٍ حَرِيرٍ (وَلَا بَأْسَ بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِشَدِّ الشَّعْرِ) لِلْحَاجَةِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ أَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعْرٍ.
وَقَالَ «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذَا نِسَاؤُهُمْ» فَخَصَّ الَّتِي تَصِلُهُ بِالشَّعْرِ فَيُمْكِنُ جَعْلُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلَّفْظِ الْعَامِّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِل الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا الشَّعْرَ وَالْقَرَامِلَ وَلَا الصُّوفَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا» .
قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ، وَاسْتِعْمَالِ الشَّعْرِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ، لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ، وَحُصُولُ الْمَصْلَحَةِ مِنْ تَحْسِينِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ وَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ النَّهْي عَلَى الْكَرَاهَةِ (وَأَبَاحَ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ النَّمْصَ وَحْدَهُ، وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّدْلِيسِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ (شِعَارُ
стр. 75
الْفَاجِرَاتِ) .
وَفِي الْغُنْيَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ بِطَلَبِ زَوْجٍ (وَيَحْرُمُ نَظَرُ شَعْرِ أَجْنَبِيَّةٍ) كَسَائِرِ بَدَنِهَا (لَا) الشَّعْرِ (الْبَائِنِ) الْمُنْفَصِلِ مِنْهَا (وَلَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (حَلْقُ الْوَجْهِ وَحَفُّهُ نَصًّا) وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ نَتْفُ شَعْرِ وَجْهِهَا قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَ) لَهَا (تَحْسِينُهُ وَتَحْمِيرُهُ وَنَحْوُهُ) مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَزْيِينٌ لَهُ.
(وَيُكْرَهُ حَفُّهُ) أَيْ الْوَجْهِ (لِرَجُلٍ) نُصَّ عَلَيْهِ (وَكَذَا التَّحْذِيفُ وَهُوَ إرْسَالُ الشَّعْرِ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالنَّزْعَةِ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا كَرِهَهُ رَوَاهُ الْخَلَّالُ (لَا لَهَا) أَيْ لَا يُكْرَهُ التَّحْذِيفُ لَهَا لِأَنَّهُ مِنْ زِينَتِهَا.
(وَيُكْرَهُ النَّقْشُ وَالتَّكْتِيبُ وَالتَّطْرِيفُ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَهُوَ الْقُمُوعُ) رَوَاهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ عَمْرٍو بِمَعْنَاهُ، عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا (بَلْ تَغْمِسُ يَدِهَا فِي الْخِضَابِ غَمْسًا نَصًّا) قَالَ فِي الْإِفْصَاحِ كَرِهَ الْعُلَمَاءُ أَنْ تُسَوِّدَ شَيْئًا بَلْ تُخَضِّبُ بِأَحْمَرَ، وَكَرِهُوا النَّقْشَ قَالَ أَحْمَدُ لِتَغْمِسَ يَدِهَا غَمْسًا.
(وَيُكْرَهُ كَسْبُ الْمَاشِطَةِ) كَكَسْبِ الْحَمَّامِيِّ.
(وَيَحْرُمُ التَّدْلِيسُ) لِحَدِيثِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
(وَ) يَحْرُمُ (التَّشَبُّهُ) مِنْ النِّسَاءِ (بِالْمُرْدَانِ) كَعَكْسِهِ وَيَأْتِي دَلِيلُهُ فِي سِتْرِ الْعَوْرَةِ.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الْحِجَامَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَ) يَوْمَ (الْأَرْبِعَاءِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ يَعْنِي مَرَضًا فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» مِنْ مَرَاسِيلِ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى (وَتَوَقَّفَ) أَحْمَدُ (فِي) الْحِجَامَةِ يَوْمَ (الْجُمُعَةِ) قَالَ الْقَاضِي كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِأَخْبَارٍ ضَعِيفَةٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِلَا حَاجَةٍ قَالَ حَنْبَلٌ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَحْتَجِمُ أَيَّ وَقْتٍ هَاجَ بِهِ الدَّمُ، وَأَيَّ سَاعَةٍ كَانَتْ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ (وَالْفَصْدُ فِي مَعْنَاهَا) أَيْ الْحِجَامَةِ (وَهِيَ أَنْفَعُ مِنْهُ فِي بَلَدٍ حَارٍ) كَالْحِجَازِ (وَمَا فِي مَعْنَى الْحِجَامَةِ كَالتَّشْرِيطِ وَالْفَصْدِ بِالْعَكْسِ) أَيْ أَنْفَعُ مِنْهَا بِبَلَدٍ بَارِدٍ كَالشَّامِ.
[بَابُ الْوُضُوءِ]
ُ) مِنْ الْوَضَاءَةِ، وَهِيَ النَّظَافَةُ، وَهُوَ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَقِيلَ بِالضَّمِّ فِيهِمَا، وَهُوَ أَضْعَفُهَا (وَهُوَ شَرْعًا اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ) وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرَّأْسُ وَالرِّجْلَانِ (عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) فِي الشَّرْعِ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً مَعَ بَاقِي الْفُرُوضِ
стр. 76
وَالشُّرُوطِ وَمَا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَسُمِّيَ وُضُوءًا لِتَنْظِيفِهِ الْمُتَوَضِّئِ وَتَحْسِينِهِ وَالْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ غَيْرِهَا أَنَّهَا أَسْرَعُ مَا يَتَحَرَّكُ مِنْ الْبَدَنِ لِلْمُخَالَفَةِ فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا ظَاهِرًا، تَنْبِيهًا عَلَى طَهَارَتِهَا الْبَاطِنَةِ وَرَتَّبَ غَسْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فِي الْمُخَالَفَةِ فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَفِيهِ الْفَمُ وَالْأَنْفُ، فَابْتُدِئَ بِالْمَضْمَضَةِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ وَأَشَدُّهَا حَرَكَةً إذْ غَيْرُهُ رُبَّمَا سَلِمَ وَهُوَ كَثِيرُ الْعَطَبِ قَلِيلُ السَّلَامَةِ غَالِبًا ثُمَّ بِالْأَنْفِ لِيَتُوبَ عَمَّا يُشَمُّ بِهِ بِالْوَجْهِ لِيَتُوبَ عَمَّا نَظَرَ ثُمَّ بِالْيَدَيْنِ لِتَتُوبَ عَنْ الْبَطْشِ، ثُمَّ خَصَّ الرَّأْسَ بِالْمَسْحِ لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ لِمَا تَقَعُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ، ثُمَّ بِالْأُذُنِ لِأَجْلِ السَّمَاعِ، ثُمَّ بِالرِّجْلِ لِأَجْلِ الْمَشْيِ، ثُمَّ أَرْشَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
(وَفُرُوضُهُ) أَيْ الْوُضُوءُ جَمْعُ فَرْضٍ وَهُوَ لُغَةً الْحَزُّ وَالْقَطْعِ وَشَرْعًا مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ وَعُوقِبَ تَارِكُهُ (سِتَّةٌ غَسْلُ الْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
وَ (غَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ) لِبَقِيَّةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ عَلَى النَّصْبِ وَأَمَّا الْجَرُّ فَقِيلَ بِالْجِوَازِ وَالْوَاوُ تَأْبَاهُ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْمَسْحُ عِنْدَ الْعَرَبِ غَسْلٌ وَمَسْحٌ، فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ، وَصِحَاحُ الْأَحَادِيثِ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ فِي وُجُوبِ غَسْلِهَا، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ الْأَرْجُلُ فِي مَظِنَّةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَذْمُومٌ عَطَفَهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِتُمْسَحَ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارِ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ قِيلَ إلَى الْكَعْبَيْنِ دَفْعًا لِظَنِّ ظَانٍّ أَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرْعِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَأَنْ تُقْطَعَا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَمْسَحَ الْقَدَمَيْنِ وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ وَإِمَّا لَابِسُهُ فَغَسْلُهُمَا لَيْسَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا فِي حَقِّهِ.
(وَالتَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَدْخَلَ الْمَمْسُوحَ بَيْنَ الْمَغْسُولَاتِ، وَلَا يُعْلَمُ لِهَذَا فَائِدَةٌ غَيْرُ التَّرْتِيبِ: وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْوَاجِبِ وَالنَّبِيُّ ﷺ رَتَّبَ الْوُضُوءَ، وَقَالَ «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ فَكَانَ التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرًا فِيهِ كَالصَّلَاةِ يَجِبُ فِيهَا الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ وَلَوْ كَانَ التَّنْكِيسُ جَائِزًا لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ فَإِنْ تَوَضَّأَ مَنْكُوسًا لَمْ يَصِحَّ وَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ مَا أُبَالِي إذَا تَمَّمْتُ وُضُوئِي
стр. 77
بِأَيْ أَعْضَائِي بَدَأْتُ قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا عَنَى بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحِدٌ.
وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ إنَّ أَحَدَنَا يَسْتَعْجِلُ فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ فَقَالَ لَا حَتَّى يَكُونُ كَمَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْكَ قَبْلَ يَدَيْكَ فِي الْوُضُوءِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ.
(وَالْمُوَالَاةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ وَالثَّانِي جَوَابٌ وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ الْقِيَامُ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ جَوَابُهُ وَهُوَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَزَادَ وَالصَّلَاةَ، وَهَذَا صَحِيحٌ وَفِيهِ بَقِيَّةٌ وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ لَأَجْزَأَهُ غَسْلُ اللُّمْعَةِ فَقَطْ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ إلَّا مُتَوَالِيًا وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطُ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْمَغْسُولَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ.
(وَسَبَبُ وُجُوبِهِ) أَيْ الْوُضُوءِ (الْحَدَثُ) فَيَجِبُ بِالْحَدَثِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الِانْتِصَارِ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيُّ لَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ قَبْلَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ بَلْ تُسْتَحَبُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَنْ وَوُجُوبِ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي غُسْلٍ قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ لَفْظِيٌّ اهـ وَحَدِيثُ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» (وَيَحِلُّ) الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ (جَمِيعَ الْبَدَنِ كَجَنَابَةٍ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَاءِ وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا يَحِلُّ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِعُضْوٍ غَسَلَهُ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى يُتِمَّ وُضُوءَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ وَجْهُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ فُرِضَتْ قَبْلَ التَّيَمُّمِ) ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ ﵇ اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ الصَّلَاةُ وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ قَالَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَمْ يُفْرَضْ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ بِمَكَّةَ صَلَاةً إلَّا بِوُضُوءٍ قَالَ وَهَذَا مِمَّا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ وَلَا يَدْفَعُهُ إلَّا مُعَانِدٌ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ جِبْرِيلَ آتَاهُ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ لِأَجْلِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ رَشِيدُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ قَالَ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ الْحَلَبِيُّ اعْلَمْ أَنَّ الْوُضُوءَ أَوَّلُ مَا فُرِضَ مَعَ الصَّلَاةِ اهـ.
وَكَذَلِكَ فِي الْمُبْدِعِ وَكَانَ فَرْضُهُ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَآيَةُ الْمَائِدَةِ مُقَرِّرَةٌ
стр. 78
لَا مُؤَسِّسَةٌ.
(وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ) وُضُوءًا كَانَتْ أَوْ غُسْلًا (وَلِتَيَمُّمٍ) وَلَوْ مَسْنُونًا أَوْ عَنْ نَجَاسَةِ بِبَدَنٍ (وَ) لِ (غُسْلٍ وَتَجْدِيدِ وُضُوءٍ مُسْتَحَبِّينَ وَلِغَسْلِ يَدَيْ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ وَيَأْتِي وَلِغُسْلِ مَيِّتٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ النِّيَّةُ مَأْمُورٌ بِهِ وَلِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَيْ لَا عَمَلٌ جَائِزٌ وَلَا فَاضِلٌ وَلِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى الثَّوَابِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لِلتَّمْيِيزِ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَمِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ لِأَنَّ مَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ الشَّارِعِ فَهُوَ عِبَادَةٌ كَصَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفَخْرِ إسْمَاعِيلَ وَأَبِي الْبَقَاءِ وَغَيْرِهِمَا الْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ قِيلَ لِأَبِي الْبَقَاءِ الْإِسْلَامُ وَالنِّيَّةُ عِبَادَتَانِ وَلَا يَفْتَقِرَانِ إلَى نِيَّةٍ فَقَالَ الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ لِصُدُورِهِ مِنْ الْكَافِرِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا سَلَّمْنَا لَكِنْ الضَّرُورَةُ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إلَّا مِنْ كَافِرٍ وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلِقَطْعِ التَّسَلْسُلِ وَنِيَّةُ الصَّلَاةِ تَضَمَّنَتْ السِّتْرَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ لِوُجُودِهِمَا فِيهَا حَقِيقَةً وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِالِاسْتِدَامَةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ.
(إلَّا طَهَارَةٌ) أَيْ غُسْلُ (ذِمِّيَّةٍ) أَيْ كِتَابِيَّةٍ وَلَوْ حَرْبِيَّةٍ (لِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَجَنَابَةٍ) فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ لِلْعُذْرِ (وَ) إلَّا غُسْلُ (مُسْلِمَةٍ) انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا (مُمْتَنِعَةٍ) مِنْ الْغُسْلِ (فَتُغْسَلُ قَهْرًا) لِحَقِّ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ (وَلَا نِيَّة) مُعْتَبَرَة هُنَا (لِلْعُذْرِ) كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ زَكَاةٍ (وَلَا تُصَلِّي بِهِ) ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقِيَاسُ ذَلِكَ مَنْعُهَا مَنْ الطَّوَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْتَرَطُ لَهُ الْغُسْلُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ وَطْؤُهَا لِحَقِّ زَوْجِهَا فِيهِ فَلَا تَسْتَبِيحُ بِهِ الْعِبَادَةَ الْمُشْتَرَطَ لَهَا الْغُسْلُ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَنْوِيَ عَنْهَا لِعَدَمِ تَعَذُّرِهَا مِنْهَا بِخِلَافِ الْمَيِّتَةِ وَإِلَّا غُسْلُ (مَجْنُونَةٍ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً) حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَلَا تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْهَا لِتَعَذُّرِهَا.
(وَ) لَكِنْ (يَنْوِيهِ عَنْهَا) مَنْ يُغَسِّلُهَا كَالْمَيِّتَةِ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي لَا نِيَّةَ كَالْكَافِرَةِ لِعَدَمِ تَعَذُّرِهَا مَآلًا بِخِلَافِ الْمَيِّتِ وَلِأَنَّهَا تُعِيدُهُ إذَا أَفَاقَتْ وَأَسْلَمَتْ اهـ قُلْت وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تُعِيدُهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِقِيَامِ نِيَّةِ الْغَاسِلِ مَقَامَ نِيَّتِهَا (وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ إجْمَاعًا.
(وَيُشْتَرَطُ لِوُضُوءٍ أَيْضًا عَقْلٌ وَتَمْيِيزٌ) لِتَتَأَتَّى، النِّيَّةُ (وَإِسْلَامٌ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَإِزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ) عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْبَشَرَةِ (وَانْقِطَاعُ نَاقِضٍ) سَوَاءٌ كَانَ خَارِجًا أَوْ غَيْرَهُ (وَاسْتِنْجَاءٌ أَوْ اسْتِجْمَارٌ قَبْلَهُ وَتَقَدَّمَ) بِدَلِيلِهِ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ (وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ غَيْرُ الْمَاءِ الطَّهُورِ.
(وَإِبَاحَتُهُ) أَيْ الْمَاءِ لِحَدِيثِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَلَا يَصِحُّ بِمَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ وَتَقَدَّمَ (وَدُخُولُ الْوَقْتِ عَلَى مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ
стр. 79
لِفَرْضِهِ) أَيْ فَرْضِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ لِفَائِتَةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ نَافِلَةٍ صَحَّ مَتَى أَرَادَهُ فَهَذِهِ عَشْرَةُ شُرُوطٍ لِلْوُضُوءِ يُشَارِكُهُ الْغُسْلُ مِنْهَا فِي ثَمَانِيَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ اسْتِطْرَادًا بِقَوْلِهِ.
(وَيُشْتَرَطُ لِغُسْلٍ نِيَّةٌ) كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَهُ (وَإِسْلَامٌ سِوَى مَا تَقَدَّمَ وَعَقْلٌ) سِوَى مَا تَقَدَّمَ (وَتَمْيِيزٌ وَفَرَاغٌ مُوجِبُ غُسْلٍ وَإِزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ) عَنْ الْبَدَنِ (وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ وَإِبَاحَتُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ سُبِّلَ مَاءٌ لِلشُّرْبِ لَمْ يَجُزْ التَّطْهِيرُ مِنْهُ) فِي حَدَثٍ وَلَا نَجَسِ بِبَدَنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مِنْهُ (وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ) ،.
(وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةٌ لِطَهَارَةِ الْخَبَثِ) بِبَدَنٍ كَانَتْ أَوْ بِثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ لِأَنَّهَا مَنْ قَبِيلِ الْمَتْرُوكِ (وَمَحَلُّهَا) أَيْ النِّيَّةِ (الْقَلْبُ) لِأَنَّهَا مِنْ عَمَلِهِ (فَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانِهِ بِخِلَافِ قَصْدِهِ) كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ الْوُضُوءَ، فَقَالَ: نَوَيْتُ الصَّوْمَ، وَلَوْ تَلَفَّظَ بِغَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُعْتَبَرْ (وَلَا) يَضُرُّ (إبْطَالُهَا) أَيْ النِّيَّةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ صَحِيحًا وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُفْسِدُهُ مِمَّا عُدَّ مُفْسِدًا (وَلَا) يَضُرُّ (إبْطَالُ الطَّهَارَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ) مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا) يَضُرُّ (شَكُّهُ فِيهَا) أَيْ فِي النِّيَّةِ بَعْدَ فَرَاغِ الطَّهَارَةِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (أَوْ) شَكُّهُ (فِي الطَّهَارَةِ) أَيْ فِي غَسْلِ عُضْوٍ أَوْ مَسْحِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّهَارَةِ (نَصًّا) كَشَكِّهِ فِي وُجُودِ الْحَدَثِ مَعَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ (وَإِنْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا (وَكَذَا إنْ شَكَّ فِي غَسْلِ عُضْوٍ) فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ (أَوْ) شَكَّ فِي (مَسْحِ رَأْسِهِ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا شَكَّ فِيهِ ثُمَّ بِمَا بَعْدَهُ،؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي رُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ وَهْمًا، كَوَسْوَاسٍ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَمَتَى عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ لِيَتَوَضَّأَ أَوْ أَرَادَ فِعْلَ الْوُضُوءِ مُقَارِنًا لَهُ أَوْ سَابِقًا عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ (فَإِنْ أَبْطَلَهَا) أَيْ النِّيَّةَ (فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ بَطَلَ مَا مَضَى مِنْهَا) أَيْ مِنْ الطَّهَارَةِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنْ أَرَادَ الْإِتْمَامَ اسْتَأْنَفَ.
(وَلَوْ فَرَّقَهَا) أَيْ النِّيَّةَ (عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ) بِأَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عِنْدَ غَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ (صَحَّ) وُضُوءُهُ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
(وَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى صَلَاتَهُ) الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ (ثُمَّ أَحْدَثَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى) صَلَاةً (أُخْرَى، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا) أَيْ فَرْضًا أَوْ شَرْطًا، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ (فِي أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَتْرُوكَ مِنْهُ هُوَ الْوُضُوءُ الثَّانِي (وَ) لَزِمَهُ إعَادَةُ (الصَّلَاتَيْنِ) احْتِيَاطًا لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ، وَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ الثَّانِي تَجْدِيدًا لَمْ يَلْزَمْ إلَّا
стр. 80
إعَادَةُ الصَّلَاةِ الْأُولَى لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْأُولَى إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّجْدِيدِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَقَدْ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ بِالتَّجْدِيدِ.
(وَإِنْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ يَنْوِي ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ) أَوْ كَانَ مُتَذَكِّرًا ابْتِدَاءً لَكِنْ لَمْ يَنْوِ سِوَى رَفْعِ الْأَصْغَرِ (فَنَوَى ارْتِفَاعَ الْحَدَثَيْنِ) وَالْمَاءُ فِي فِيهِ (ارْتَفَعَا) لِأَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ مَا دَامَ فِي مَحِلِّ التَّطْهِيرِ حَتَّى يَنْفَصِلَ (وَلَوْ لَبِثَ الْمَاءُ فِي فِيهِ حَتَّى تَغَيَّرَ مَنْ رِيقِهِ لَمْ يَمْنَعْ) رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ فِي مَحِلِّ التَّطْهِيرِ، فَلَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ.
(وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ وَ) غَسَلَ (بَعْضَهَا بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ ثُمَّ أَعَادَ) فِعْلَ (مَا نَوَى بِهِ التَّبَرُّدَ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ لِوُجُودِ الْغُسْلِ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْمُوَالَاةِ فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بِحَيْثُ تَفُوتُ الْمُوَالَاةُ بَطَلَ لِفَوَاتِهَا.
(وَالتَّلَفُّظُ بِهَا) أَيْ بِالنِّيَّةِ (وَبِمَا نَوَاهُ) مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ (هُنَا) أَيْ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ.
(وَفِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ: بِدْعَةٌ) قَالَهُ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ، وَقَالَ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ.
وَفِي الْهَدْيِ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ: نَوَيْت ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مَنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ.
(وَاسْتَحَبَّهُ) أَيْ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ (سِرًّا مَعَ الْقَلْبِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ) لِيُوَافِقَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا سِرًّا وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالتَّلْخِيصُ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ رَزِينٍ قَالَ الزَّرْكَشِيّ هُوَ أَوْلَى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ وَكَذَا قَالَ الشِّهَابُ الْفَتُوحِيُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَجَمَعٍ مُحَقِّقِينَ خِلَافُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ الصَّوَابُ (إلَّا فِي إحْرَامٍ، وَيَأْتِي) فِي مَحَلِّهِ.
(وَفِي الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ) وَتَبَعَهُمَا فِي الْمُنْتَهَى (يُسَنُّ النُّطْقُ بِهَا سِرًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (فَجَعَلَاهُ سُنَّةً وَهُوَ سَهْوٌ) عِنْدَ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَسْنُونِ وَالْمُسْتَحَبِّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ وَعَلَى فَرْضِ أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ الصَّحِيحَ فَلَا يَنْبَغِي نِسْبَتُهُمَا إلَى السَّهْوِ لِجَلَالَتِهِمَا وَتَحْقِيقِهِمَا لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
(وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهَا) أَيْ بِالنِّيَّةِ (وَتَكْرَارُهَا) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهَا وَتَكْرِيرُهَا، بَلْ مَنْ اعْتَادَهُ يَنْبَغِي تَأْدِيبُهُ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ، وَقَالَ الْجَاهِرُ بِهَا مُسْتَحِقٌّ لِلتَّعْزِيرِ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ لَا سِيَّمَا إذَا آذَى بِهِ أَوْ كَرَّرَهُ، وَقَالَ الْجَهْرُ بِلَفْظِ النِّيَّةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ
стр. 81
أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دِينًا خَرَجَ مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجِبُ نَهْيُهُ وَيُعْزَلُ عَنْ الْإِمَامَةِ إنْ لَمْ يَنْتَهِ فَإِنَّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَمَرَ بِعَزْلِ إمَامٍ لِأَجْلِ بُصَاقِهِ فِي الْقِبْلَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي.
(وَهِيَ) أَيْ النِّيَّةُ (قَصْدُ رَفْعِ الْحَدَثِ، أَوْ) قَصْدُ (الطَّهَارَةِ لِمَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهَا) بِأَنْ يَقْصِدَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ أَوْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ (حَتَّى وَلَوْ نَوَى مَعَ) رَفْعِ (الْحَدَثِ) إزَالَةَ (النَّجَاسَةِ أَوْ التَّبَرُّدَ أَوْ التَّنْظِيفَ أَوْ التَّعْلِيمَ) فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّيَّةِ، كَمَنْ نَوَى مَعَ الصَّوْمِ هَضْمَ الطَّعَامِ، أَوْ مَعَ الْحَجِّ رُؤْيَةَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَنَحْوَهُ، لَكِنَّهُ يُنْقِصُ الثَّوَابَ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ النِّيَّةِ (لَكِنْ يَنْوِي مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ) كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ نَحْوُهُ (الِاسْتِبَاحَةَ) دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ لِمُنَافَاةِ وُجُودِ نِيَّةِ رَفْعِهِ، وَسَوَاءٌ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ طُرُوءِ حَدَثٍ آخَرَ (وَيُرْتَفَعُ حَدَثُهُ) عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ.
قَالَ الْمَجْدُ: هَذِهِ الطَّهَارَةُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الَّذِي أَوْجَبَهَا وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ طَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
(وَلَا يَحْتَاجُ) مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ (إلَى تَعْيِينِ نِيَّةِ الْفَرْضِ) ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ.
(فَإِنْ نَوَى) الْمُتَوَضِّئُ بِوُضُوئِهِ (مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ كَ) إنْ نَوَى الْوُضُوءَ لِ (قِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَأَذَانٍ وَنَوْمٍ وَرَفْعِ شَكٍّ) فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ (وَغَضَبٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ مِنْ النَّارِ وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ كَمَا فِي الْخَبَرِ (وَكَلَامٍ مُحَرَّمٍ كَغِيبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَفِعْلِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ نَصًّا) كَوُقُوفٍ وَرَمْيِ جِمَارٍ (غَيْرَ طَوَافٍ) فَإِنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ لَهُ كَالصَّلَاةِ (وَكَجُلُوسٍ بِمَسْجِدٍ) .
وَفِي الْمُغْنِي (وَأَكْلٍ وَفِي النِّهَايَةِ وَزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَقِيلَ وَدُخُولِ مَسْجِدٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقِيلَ: وَحَدِيثٍ وَتَدْرِيسِ عِلْمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَة أَيْضًا (وَ) يَأْتِي (فِي الْغُسْلِ تَتِمَّتُهُ، أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ إنْ سُنَّ) وَيَأْتِي بَيَانُهُ (نَاسِيًا حَدَثَهُ) ارْتَفَعَ لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ فِعْلُ هَذَا وَهُوَ غَيْرُ مُحْدِثٍ وَقَدْ نَوَى ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَقَالَ لَوْ قَصَدَ أَنْ لَا يَزَالَ عَلَى طَهَارَةٍ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ، لِأَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ وَقَوْلُهُ نَاسِيًا حَدَثَهُ، أَيْ حَالَ نِيَّتِهِ لِلتَّجْدِيدِ وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ.
وَإِنْ اُحْتُمِلَ
стр. 82
عَوْدُهُ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ قَالَهُ الشِّهَابُ الْفَتُوحِيُّ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ لِتَلَاعُبِهِ (أَوْ) نَوَى اسْتِبَاحَةَ (صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا لَا يَسْتَبِيحُ غَيْرَهَا ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ (وَلَغَا تَخْصِيصَهُ) لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ رَفْعِ الْحَدَثِ اسْتِبَاحَةُ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ (وَيُسَنُّ التَّجْدِيدُ إنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا (فَلَا) يُسَنُّ التَّجْدِيدُ فَلَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُصَلِّ وَأَحْدَثَ فَنَسِيَ حَدَثَهُ وَنَوَى التَّجْدِيدَ وَتَوَضَّأَ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ طَهَارَةً شَرْعِيَّةً (وَيُسَنُّ) التَّجْدِيدُ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) أَرَادَهَا وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ نَفْلًا.
وَ (لَا) يُسَنُّ (تَجْدِيدُ) (تَيَمُّمٍ وَغُسْلٍ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (أَجْزَأَ عَنْ) الْغُسْلِ (الْوَاجِبِ) لِجَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، إنْ كَانَ نَاسِيًا لِلْحَدَثِ الَّذِي أَوْجَبَهُ ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمَا فِيمَا سَبَقَ أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ نَاسِيًا حَدَثَهُ، خُصُوصًا وَقَدْ جَعَلُوا تِلْكَ أَصْلًا لِهَذِهِ فَقَاسُوهَا عَلَيْهَا (وَكَذَا عَكْسُهُ) .
فَإِنْ نَوَى غُسْلًا وَاجِبًا أَجْزَأَ عَنْ الْمَسْنُونِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ الْوَاجِبَ وَالْمَسْنُونَ (حَصَلَا) أَيْ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُهُمَا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا لَيْسَ فِيهِمَا إلَّا ثَوَابُ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلَيْسَ مَعْنَى الْإِجْزَاءِ هُنَا سُقُوطَ الطَّلَبِ: بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْوَاجِبِ غُسْلًا ثُمَّ لِلْمَسْنُونِ غُسْلًا آخَرَ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ.
(وَإِنْ نَوَى طَهَارَةً مُطْلَقَةً) بِأَنْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ لَا لِرَفْعِ حَدَثٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ لَهُ.
(أَوْ) نَوَى (وُضُوءًا مُطْلَقًا) لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ تَارَةً يَكُونُ عَادَةً وَتَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً فَلَا بُدَّ مَنْ تَمْيِيزِهِ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
(أَوْ) نَوَى (الْغُسْلَ وَحْدَهُ) أَيْ نَوَى الْغُسْلَ وَأَطْلَقَ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لَا الْأَصْغَرُ وَلَا الْأَكْبَرُ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَوَى الْغُسْلَ وَحْدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ عِبَادَةٍ فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ انْتَهَى.
وَكَذَا إنْ نَوَى الْغُسْلَ لِلْجَنَابَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ إلَّا إنْ نَوَاهُ وَيَأْتِي فِي الْغُسْلِ.
(أَوْ) نَوَى الْغُسْلَ (لِمُرُورِهِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَرْتَفِعْ) حَدَثُهُ؛ لِأَنَّ الْمُرُورَ فِيهِ لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ لُبْسَ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى إنْ نَوَى الْجُنُبُ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ لِمُرُورِهِ فِي الْمَسْجِدِ
стр. 83
لَمْ يُرْفَعْ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ.
(وَإِنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَلَوْ) كَانَتْ (مُتَفَرِّقَةً) فِي أَوْقَاتٍ (تُوجِبُ وُضُوءًا) كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ وَالنَّوْمِ (أَوْ) تُوجِبُ (غُسْلًا) كَالْجِمَاعِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ (فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا ارْتَفَعَ هُوَ) أَيْ الَّذِي نَوَى رَفْعَهُ.
(وَ) ارْتَفَعَ (سَائِرُهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ تَتَدَاخَلُ فَإِذَا نَوَى بَعْضَهَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ ارْتَفَعَ جَمِيعُهَا كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ (وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا) أَيْ الْأَحْدَاثِ (وَنَوَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) لِأَنَّهُ قَدْ تَطَهَّرَ بِنِيَّةِ بَقَاءِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ سِوَى مَا نَوَاهُ وَإِلَّا لَزِمَ حُصُولُ مَا لَمْ يَنْوِهِ (وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثُ نَوْمٍ فَغَلِطَ وَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ بَوْلٍ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) لِتَدَاخُلِ الْأَحْدَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهَا) أَيْ بِالنِّيَّةِ (عِنْدَ أَوَّلِ وَاجِبٍ) فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ وَاجِبَاتِهَا فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا كُلُّهَا بَعْدَ النِّيَّةِ فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
(وَهُوَ) أَيْ أَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ (التَّسْمِيَةُ) لِحَدِيثِ «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ؛ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَهَا فِي الْأَثْنَاءِ إنَّمَا ذَكَرَهَا عَلَى الْبَعْضِ لَا عَلَى الْكُلِّ.
(وَيُسْتَحَبُّ) الْإِتْيَانُ بِالنِّيَّةِ (عِنْدَ مَسْنُونَاتِهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ (إنْ وُجِدَ) ذَلِكَ الْمَسْنُونُ (قَبْلَ وَاجِبٍ كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِغَيْرِ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) إنْ وُجِدَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ مَفْرُوضَ الطَّهَارَةِ وَمَسْنُونَهَا فَيُثَابُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (فَإِنْ غَسَلَهُمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَكَمَنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَتُسْتَحَبُّ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا بَعْدَ النِّيَّةِ.
(وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ (بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَصَلَاةٍ) وَزَكَاةٍ (وَلَا يُبْطِلُهَا) أَيْ النِّيَّةَ (عَمَلٌ يَسِيرٌ) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ وَاحْتَاجَ إلَى اسْتِئْنَافِهَا (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لَهَا فِي جَمِيعِ الطَّهَارَةِ لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ وَالذِّكْرِ بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي مُثَلَّثَتِهِ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ وَذَالُهُ مَكْسُورَةٌ وَبِالْقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيَانِ وَذَالُهُ مَضْمُومَةٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ هُمَا لُغَتَانِ (وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا) فَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ خَاطِره لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ: كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ بِالْغُسْلِ نَحْوَ تَنْظِيفٍ أَوْ تَبَرُّدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ
стр. 84
[فَصْلٌ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا]
فَصْلٌ (صِفَةُ الْوُضُوءِ) الْكَامِلِ (أَنْ يَنْوِيَ) الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ إلَّا لِدَلِيلٍ (ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا) فَلَوْ قَالَ بِسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ الْقُدُّوسِ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لَهُ لِمَا يَأْتِي (وَهِيَ) أَيْ التَّسْمِيَةُ (وَاجِبَةٌ فِي وُضُوءٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «قَالَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَيُّ حَدِيثٍ أَصَحُّ فِي التَّسْمِيَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَمَحَلُّهَا اللِّسَانُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ وَوَقْتُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْوَاجِبَاتِ وُجُوبًا، وَأَوَّلِ الْمَسْنُونَاتِ اسْتِحْبَابًا كَالنِّيَّةِ (وَ) هِيَ وَاجِبَةٌ أَيْضًا فِي (غُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ) قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ (وَتَسْقُطُ) فِي الثَّلَاثَةِ (سَهْوًا) نَصًّا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ سَهْوًا كَالصَّلَاةِ قُلْت مُقْتَضَى قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ سُقُوطُهَا جَهْلًا، خِلَافًا لِمَا بَحْثُهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى الذَّكَاةِ وَالظَّاهِرُ إجْزَاؤُهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا كَالذَّكَاةِ إذْ لَا فَرْقُ (وَإِنْ ذَكَرَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ أَثْنَاءِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ (سَمَّى وَبَنَى) لِأَنَّهُ لَمَّا عُفِيَ عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَفِي بَعْضِهَا أَوْلَى قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالشَّارِحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَالْمُسْتَوْعِبُ وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى وَرَوْضَةُ الْفِقْهِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ.
وَحَكَاهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ الشِّيرَازِيِّ وَابْنِ عَبْدُوسٍ انْتَهَى وَشَارِحُ الْمُحَرَّرِ وَالشَّيْخُ يُوسُفَ الْمِرْدَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ: نِهَايَةِ الْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ، وَالْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُبْهِجِ وَغَيْرُهُمْ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ: وَحَكَاهُ عَنْ الْفُرُوعِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى قَالَ لَكِنْ إنْ ذَكَرَهَا فِي بَعْضِهِ ابْتِدَاءً قَالَ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى جَمِيعِهِ.
فَوَجَبَ كَمَا لَوْ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِهِ (فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (عَمْدًا) لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ؛
стр. 85
لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) تَرَكَهَا عَمْدًا (حَتَّى غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ) الْمَفْرُوضَةِ أَوْ حَتَّى مَسَحَهَا بِالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ وَلَمْ (يَسْتَأْنِفْ) مَا فَعَلَهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ (لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى طَهَارَتِهِ، بَلْ عَلَى بَعْضِهَا (وَالْأَخْرَسُ يُشِيرُ بِهَا) وَكَذَا الْمُعْتَقَلُ لِسَانُهُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَتَكْفِي إشَارَةُ أَخْرَس وَنَحْوِهِ بِهَا وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْإِشَارَةِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ آكَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْقٌ، نَحْوُ أَنْ يُقَالَ: الْإِشَارَةُ إلَى التَّبَرُّكِ مُمْكِنَةٌ كَرَفْعِ رَأْسِهِ إلَى السَّمَاءِ بِخِلَافِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى السَّمَاءِ.
(ثُمَّ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَلَوْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُمَا) ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرُوا أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَلِأَنَّهُمَا آلَةُ نَقْلِ الْمَاءِ إلَى الْأَعْضَاءِ فَفِي غَسْلِهِمَا احْتِيَاطٌ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ (وَهُوَ سُنَّةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ (لِغَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ) أَيْ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا أَوْ كَانَ نَائِمًا بِالنَّهَارِ أَوْ بِاللَّيْلِ نَوْمًا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَالْيَسِيرِ مِنْ جَالِسٍ وَقَائِمٍ (فَإِنْ كَانَ) قَائِمًا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ كَالْيَسِيرِ (فَ) غَسْلُهُمَا ثَلَاثًا (وَاجِبٌ تَعَبُّدًا) كَغُسْلِ الْمَيِّتِ لِحَدِيثِ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ» وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الطَّهَارَةِ وَلِكَوْنِ غَسْلِهِمَا وَاجِبًا تَعَبُّدًا وَجَبَ وَلَوْ بَاتَتَا مَكْتُوفَتَيْنِ أَوْ فِي جِرَابٍ وَنَحْوِهِ (وَيَسْقُطُ) غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ (سَهْوًا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إذَا نَسِيَ غَسْلَهُمَا سَقَطَ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ وَإِنْ وَجَبَتْ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُ وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الْأَثْنَاءِ.
بَلْ وَلَا يَغْسِلُهُمَا بَعْدُ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا مِنْهُ تَنْبِيهٌ نَقَلَ أَبُو تَمِيمٍ عَنْ النُّكَتِ أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَكَذَا حَكَاهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْ هَؤُلَاءِ مَا يُخَالِفُهُ وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ قَالَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْبُهُوتِيُّ.
وَيَسْقُطُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا بِشُرُوعِهِ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَرْجِعُ لِغَسْلِهِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا مَنْصُورٌ (وَتُعْتَبَرُ لَهُ) أَيْ لِغَسْلِ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ (نِيَّةٌ وَتَسْمِيَةٌ)
стр. 86
كَالْوُضُوءِ وَتَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ سَهْوًا كَالْوُضُوءِ (وَلَا يُجْزِئُ عَنْ نِيَّةِ غَسْلِهِمَا نِيَّةُ الْوُضُوءِ) وَلَا نِيَّةُ الْغُسْلِ (لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ لَا مِنْ الْوُضُوءِ وَ) الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ أَنَّهُ (يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوُضُوءِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ) وَلَوْ كَانَتْ مِنْهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي هَذَا الْغَسْلِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ فِيمَا سَبَقَ: وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
(وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَسِيرٌ فِي مَطْمُورَةٍ أَوْ) اسْتَيْقَظَ (أَعْمَى) أَوْ (نَحْوُهُ) كَأَرْمَد (مِنْ نَوْمٍ لَا يَدْرِي أَنْوَمُ لَيْلٍ) هُوَ (أَوْ) نَوْمُ (نَهَارٍ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُمَا) لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْمُوجِبِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَغَسْلُهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا) غَيْرُ مَعْقُولٍ لَنَا (فَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ وَفَسَدَ الْمَاءُ) .
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ كَانَ وُضُوءُهُ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ أَدْخَلَ كَفَّيْهِ فِيهِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَصِيرُ غَيْرَ مُطَهِّرٍ وَإِنْ كَانَ وُضُوءُهُ مِنْ مَاءٍ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ أَوْ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ، بِأَنْ صَبَّ عَلَى وَجْهِهِ بِإِنَاءٍ، أَوْ صَمَدَ لِأُنْبُوبٍ، فَجَرَى عَلَى وَجْهِهِ فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ وَكَذَا فِي الشَّرْحِ: لَوْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ بِغَمْسِ أَعْضَائِهِ فِيهِ، وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ لَهُ.
(وَتُسَنَّ بُدَاءَتُهُ قَبْلَ غَسْلِ وَجْهِهِ بِمَضْمَضَةٍ بِيَمِينِهِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَدَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَرَفَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا إلَى فِيهِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَنْثَرَ بِيَسَارِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْوُضُوءِ ثُمَّ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ لَنَا كَمَا تَوَضَّأْتُ لَكُمْ» رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَ) يُسَنُّ (تَسَوُّكُهُ) عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا.
(ثُمَّ بِاسْتِنْشَاقٍ بِيَمِينِهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، إنْ شَاءَ مِنْ غَرْفَةٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ «هَذَا وُضُوءُ نَبِيِّكُمْ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ (وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَيْضًا أَنَّهُ يَفْصِلُ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتِّ) غَرْفَاتٍ، لِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَوُضُوءُهُ كَانَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَزِمَ كَوْنُهَا مِنْ سِتٍّ.
(وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) اسْتِحْبَابًا وَحَدِيثُ طَلْحَةَ
стр. 87
الْمَذْكُورُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ (وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ) لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ، أَشْبَهَا سَائِرَهُ (وَكَذَا) يَجِبُ (التَّرْتِيبُ) بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ كَمَا سَبَقَ وَ (لَا) يَجِبُ التَّرْتِيبُ (بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَجْهِ) لِأَنَّهُمَا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَجْهِ فَمُعْتَبَرَةٌ (وَيُسَنُّ اسْتِنْثَارُهُ بِيَسَارِهِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّثْرَةِ، وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ أَوْ هُوَ (وَ) تُسَنُّ.
(مُبَالَغَةٌ فِيهِمَا لِغَيْرِ صَائِمٍ) لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْوُضُوءِ «قَالَ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَتُكْرَهُ) الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (لَهُ) أَيْ الصَّائِمِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ (وَ) تُسَنُّ (مُبَالَغَةٌ فِي سَائِرِ) أَيْ بَاقِي (الْأَعْضَاءِ) لِلصَّائِمِ وَغَيْرِهِ (ف) الْمُبَالَغَةُ (فِي مَضْمَضَةٍ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْفَمِ، وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي الِاسْتِنْشَاقِ: جَذْبُهُ) أَيْ الْمَاءِ (بِنَفَسٍ إلَى أَقْصَى الْأَنْفِ وَالْوَاجِبُ) فِي الْمَضْمَضَةِ (أَدْنَى إدَارَة) لِلْمَاءِ فِي فَمِهِ.
(وَ) الْوَاجِبُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ (جَذْبُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ) وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَقْصَاهُ (فَلَا يَكْفِي) فِي الْمَضْمَضَةِ (وَضْعُ الْمَاءِ فِي فِيهِ بِدُونِ إدَارَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَضْمَضَةً وَكَذَا لَا يَكْفِي فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَضْعُهُ فِي أَنْفِهِ بِدُونِ جَذْبٍ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِنْشَاقًا (ثُمَّ) بَعْدَ إدَارَةِ الْمَاءِ فِي فِيهِ (لَهُ بَلْعُهُ وَلَفْظُهُ) أَيْ طَرْحُهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ قَدْ حَصَلَ (وَلَا يَجْعَلُ الْمَضْمَضَةَ أَوَّلًا) أَيْ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ إدَارَةٍ فِي فَمِهِ (وُجُورًا، وَلَا) يَجْعَلُ (الِاسْتِنْشَاقَ) ابْتِدَاءً (سَعُوطًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى مَضْمَضَةً وَلَا اسْتِنْشَاقًا (وَالْمُبَالَغَةُ فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (دَلْكُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الْمَاءُ) أَيْ لَا يَطْمَئِنُّ عَلَيْهَا (وَعَرْكُهَا بِهِ) أَيْ الْمَاءِ
стр. 88
[فَصْلٌ يَغْسِلُ وَجْهَهُ]
فَصْلٌ (ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ) لِلنَّصِّ، فَيَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا أَوْ يَغْتَرِفُ بِيَمِينِهِ وَيَضُمُّ إلَيْهَا الْأُخْرَى وَيَغْسِلُ بِهِمَا (ثَلَاثًا) لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ اسْتَفَاضَتْ بِهِ، خُصُوصًا حَدِيثُ عُثْمَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَحَدُّ الْوَجْهِ (مَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا) فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَقْرَعِ، الَّذِي يَنْبُتُ شَعْرُهُ فِي بَعْضِ جَبْهَتِهِ، وَلَا بِالْأَجْلَحِ الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ (مَعَ مَا انْحَدَرَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا (وَالذَّقَنِ) وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، بِفَتْحِ الذَّالِ وَالْقَافِ (طُولًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الطُّولِ (وَ) حَدُّ الْوَجْهِ (مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ عَرْضًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَالْأُذُنَانِ لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ (فَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ الْوَجْهِ (عِذَارٌ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ) أَيْ الْمُرْتَفِعُ (الْمَسَامِتِ) أَيْ الْمُحَاذِي (صِمَاخَ الْأُذُنِ) بِكَسْرِ الصَّادِ، وَهُوَ خَرْقُهَا، وَكَذَا الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ مِنْ الْوَجْهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ.
لِأَنَّهُ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِهِ هَذَا (وَعَارِضٌ هُوَ مَا تَحْتَ الْعِذَارِ إلَى الذَّقَنِ وَلَا يَدْخُلُ) فِي الْوَجْهِ صُدْغُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْهُ قَلِيلًا) وَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ غَسَلَ مَعَ الْوَجْهِ (وَلَا) يَدْخُلُ أَيْضًا فِي الْوَجْهِ (تَحْذِيفٌ، وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَارِجُ إلَى طَرَفَيْ الْجَبِينِ فِي جَانِبَيْ الْوَجْهِ بَيْنَ النَّزْعَةِ وَمُنْتَهَى الْعِذَارِ، وَلَا النَّزْعَتَانِ وَهُمَا مَا انْحَسَرَ الشَّعْرُ عَنْهُ مِنْ فَوْقِ الرَّأْسِ، وَهُمَا جَانِبَا مُقَدَّمِهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْفَوْدُ: مُعْظَمُ شَعْرِ الرَّأْسِ مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ وَنَاحِيَةِ الرَّأْسِ (بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ، فَيُمْسَحُ مَعَهُ) أَمَّا الصُّدْغُ فَلِمَا تَقَدَّمْ.
أَمَّا التَّحْذِيفُ: فَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ، أَشْبَهَ الصُّدْغَ وَأَمَّا النَّزْعَتَانِ: فَلِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِمَا الْمُوَاجَهَةُ، وَلِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
стр. 89
فَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، كَمَا فِي «سَجَدَ وَجْهِي لَلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» مَعَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ، بَلْ مُجَاوِرَتَانِ لَهُ وَكَذَا النَّزْعَتَانِ (وَلَا يَجِبُ) غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنٍ (بَلْ وَلَا يُسَنُّ غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنٍ لِحَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ (وَلَوْ أَمِنَ الضَّرَرَ، بَلْ يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ مُضِرٌّ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ فِي عَيْنَيْهِ (وَلَا يَجِبُ) غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ (مِنْ) نَجَاسَةٍ فِيهَا أَيْ فِي الْعَيْنِ، لِمَا تَقَدَّمَ فَيُعْفَى عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ.
(وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ الْوَجْهِ) لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ (فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى) فَلَا يَسْقُطُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ» مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» .
وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «إذَا تَوَضَّأْتَ فَتَمَضْمَضْ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَقْصِي، ذَكَرَ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا تَدُلَّ عَلَى وُجُوبِهِمَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَيْهِمَا، وَيُفْطِرُ بِعَوْدِ الْقَيْءِ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِمَا وَيَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ النَّجَاسَةِ (وَيُسَمَّيَانِ) أَيْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ (فَرَضِينَ) لِأَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ مُتَرَادِفَانِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ هُمَا وَاجِبَانِ لَا فَرْضَانِ (وَلَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ) بِكَسْرِ اللَّامِ (وَمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ مِنْهَا) مِنْ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ (طُولًا وَعَرْضًا) لِأَنَّ اللِّحْيَةَ تُشَارِكُ الْوَجْهَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ وَخَرَجَ مَا نَزَلَ مَنْ الرَّأْسِ عَنْهُ لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّسِ (وَيُسَنُّ تَخْلِيلُ السَّاتِرِ لِلْبَشْرَةِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ اللِّحْيَةِ (بِأَخْذِ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ يَضَعُهُ مِنْ تَحْتِهَا بِأَصَابِعِهِ مُشْتَبِكَةً فِيهَا) أَيْ اللِّحْيَةِ (أَوْ) يَضَعُهُ.
(مِنْ جَانِبَيْهَا وَيُعْرِكُهَا) لِحَدِيثِ «عُثْمَانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْت» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ (وَكَذَا عَنْفَقَةٌ وَشَارِبٌ وَحَاجِبَانِ وَلِحْيَةُ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى) إذَا كَانَ كَثِيفًا (وَيُجْزِئُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ) كَلِحْيَةِ الذَّكَرِ (وَيُسَنُّ غُسْلُ بَاطِنِهِ) أَيْ بَاطِنِ ذَلِكَ الشَّعْرِ غَيْرِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ كَالشَّافِعِي.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ) لِأَسَارِيرِهِ وَدَوَاخِلِهِ وَخَوَارِجِهِ وَشُعُورِهِ
стр. 90
قَالَهُ أَحْمَدُ وَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ ثُمَّ يَصُبُّهُ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَقَالَ هَذَا مَسْحٌ وَلَيْسَ بِغَسْلٍ (وَالْخَفِيفُ) مِنْ شُعُورِ الْوَجْهِ كُلِّهَا وَهُوَ الَّذِي يَصِفُ الْبَشَرَةَ (يَجِبُ غَسْلُهُ وَ) غَسْلُ (مَا تَحْتَهُ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَسْتُرُهُ شَعْرُهُ يُشْبِهُ مَا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ وَيَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ تَبَعًا لِلْمَحَلِّ فَإِنْ كَانَ فِي شَعْرِهِ كَثِيفٌ وَخَفِيفٌ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ عِنْدَ غَسْلِهَا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ السَّابِقِ (وَإِنْ شَاءَ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ نَصًّا) .
[فَصْلٌ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ]
فَصْلٌ ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ لِلنَّصِّ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ (حَتَّى أَظْفَارَهُ) وَإِنْ طَالَتْ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِيَدِهِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَتَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْيَدِ (وَلَا يَضُرُّ وَسَخٌ يَسِيرٌ تَحْتَهَا، وَلَوْ مَنَعَ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ) لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ عَادَةً فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ مَعَهُ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ بِهِ) أَيْ بِالْوَسَخِ الْيَسِيرِ تَحْتَ الْأَظْفَارِ (كُلَّ يَسِيرٍ مَنَعَ) وُصُولَ الْمَاءِ (حَيْثُ كَانَ) أَيْ وُجِدَ (مِنْ الْبَدَنِ، كَدَمٍ وَعَجِينٍ وَنَحْوِهِمَا، وَاخْتَارَهُ) قِيَاسًا عَلَى مَا تَحْتَ الظُّفْرِ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ تَحْتَ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ الشُّقُوقُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ (وَيَجِبُ غَسْلُ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَ) غَسْلُ (يَدٍ) زَائِدَةٍ (أَصْلُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ) لِأَنَّهَا بِمَحَلِّ الْفَرْضِ أَشْبَهَتْ الثُّؤْلُولَ. (أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ غَسْلُ يَدٍ زَائِدَةٍ أَصْلُهَا فِي (غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَلَمْ تَتَمَيَّزْ) الزَّائِدَةُ مِنْهُمَا، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَجَهِلَهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزَّائِدَةُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ، بَلْ كَانَتْ مُدَلَّاةً مِنْ الْعَضُدِ وَتَمَيَّزَتْ (فَلَا) يَجِبُ غَسْلُهَا، طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً.
لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مُسَمَّى الْيَدِ (وَيَجِبُ إدْخَالُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مَرْفِقَيْهِ» وَهَذَا بَيَانٌ لِلْغَسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وإلَى تَكُونُ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] فَبَيَّنَ
стр. 91
- ﷺ أَنَّهَا كَذَلِكَ أَوْ يُقَالُ: الْيَدُ حَقِيقَةً إلَى الْمَنْكِبِ، وَإِلَى أَخْرَجَتْ مَا عَدَا الْمَرْفِقَ (فَإِنْ خُلِقَتَا) أَيْ الْيَدَانِ (بِلَا مَرْفِقَيْنِ غَسَلَ إلَى قَدْرهِمَا) أَيْ الْمَرْفِقَيْنِ (مِنْ غَالِبِ النَّاسِ) إلْحَاقًا لِلنَّادِرِ بِالْغَالِبِ.
(فَإِنْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ كُشِطَتْ (جِلْدَةٌ مِنْ الْعَضُدِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهَا كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَإِنْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ ارْتَفَعَتْ بَعْدَ كَشْطِهَا (مِنْ الذِّرَاعِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ الْعَضُدِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا وَإِنْ طَالَتْ) لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَإِنْ تَقَلَّصَتْ مِنْ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ وَالْتَحَمَ رَأْسُهَا بِ) الْمَحَلِّ (الْآخَرِ غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِهَا وَالْمُتَجَافِي مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُحَاذِي لِمَحِلِّ الْفَرْضِ (مِنْ بَاطِنِهَا وَ) غَسَلَ (مَا تَحْتَهُ، لِأَنَّهَا كَالنَّابِتَةِ فِي الْمَحِلَّيْنِ) دُونَ مَا لَمْ يُحَاذِ مَحِلَّ الْفَرْضِ.
[فَصْلٌ يَمْسَحُ جَمِيعَ ظَاهِرِ رَأْسِهِ]
فَصْلٌ (ثُمَّ يَمْسَحُ جَمِيعَ ظَاهِرِ رَأْسِهِ) مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ إلَى قَفَاهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمِسْحِ الرَّأْسِ وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فِيهِ فَكَذَا هُنَا إذْ لَا فَرْقَ، وَلِأَنَّهُ مَسَحَ جَمِيعَهُ، وَفِعْلُهُ وَقَعَ بَيَانًا لِلْآيَةِ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، أَيْ إلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَلْصِقُوا الْمَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ، أَيْ الْمَسْحَ بِالْمَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ثَمَّ شَيْءٌ يُلْصَقُ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ.
وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْبَاءَ إذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ فِي مَجْرُورِهَا لُغَةً فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَلِإِنْكَارِ الْأَئِمَّةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلْت ابْنَ دُرَيْدٍ وَابْنَ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاءِ: تُبَعِّضُ؟ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ فِي اللُّغَةِ وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُبَعِّضُ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ.
وَقَوْلُهُ ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ
فَمِنْ بَابِ التَّضْمِينِ كَأَنَّهُ قِيلَ يُرْوَى وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِمَامَةِ، كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ وَالرَّأْسُ (مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ) أَيْ مَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ (إلَى مَا يُسَمَّى
стр. 92
قَفَا) وَيَكُونُ مَسْحُ رَأْسٍ (بِمَاءٍ جَدِيدٍ غَيْرِ مَا فَضَلَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ مُغَايِرٌ لِلْيَدَيْنِ (وَكَيْفَمَا مَسَحَهُ) أَيْ الرَّأْسَ (أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَلَوْ) مَسَحَهُ (بِأُصْبُعٍ وَخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) كَحَجَرٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِهِ كُلِّهِ (وَعَفَا بَعْضُهُمْ) وَهُوَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَالْمُتَرْجِمُ (عَنْ تَرْكِ يَسِيرٍ مِنْهُ لِلْمَشَقَّةِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجْزِيهَا مَسْحُ مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا إنْ مَسَحَتْ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا أَجْزَأَهَا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَالْمَسْنُونُ فِي مَسْحِهِ) أَيْ الرَّأْسِ (أَنْ يَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، فَيَضَعُ طَرَفَ إحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى، وَيَضَعُ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إلَى مُقَدَّمِهِ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فِي وَصْفِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ خَافَ أَنْ يَنْتَشِرَ شَعْرُهُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَعَنْهُ لَا يَرُدُّهُمَا إنْ انْتَشَرَ شَعْرُهُ انْتَهَى وَجَزَمَ بِالثَّانِيَةِ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً (بِمَاءٍ وَاحِدٍ) فَلَا يَأْخُذُ لِلرَّدِّ مَاءً آخَرَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ مَبْلُولَةً عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ) لَمْ يُجْزِئْهُ (أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ (خِرْقَةً مَبْلُولَةً) وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ (أَوْ بَلَّهَا) أَيْ الْخِرْقَةَ (وَهِيَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ (وَلَمْ يَمْسَحْ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَسْحِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَيُجْزِئُهُ غَسْلُهُ) أَيْ الرَّأْسِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ (بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ إنْ أَمَرَّ يَدَهُ) لِوُجُوبِ الْمَسْحِ، فَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا وَيَنْغَمِسْ فِي مَاءٍ نَاوِيًا الطَّهَارَتَيْنِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْغُسْلِ.
(وَكَذَا إنْ أَصَابَهُ) أَيْ الرَّأْسَ (مَاءٌ وَأَمَرَّ يَدَهُ) عَلَيْهِ، لِوُجُودِ الْمَسْحِ، فَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ (وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا نَزَلَ عَنْ الرَّأْسِ مِنْ الشَّعْرِ) لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّسِ (وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُهُ عَنْ الرَّأْسِ، سَوَاءٌ رَدَّهُ فَعَقَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ نَزَلَ الشَّعْرُ عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِ، أَجْزَأَهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَحْتَ النَّازِلِ مَحْلُوقًا) كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِهِ فَوْقَ بَعْضِهِ.
(وَإِنْ خَضَّبَهُ) أَيْ رَأْسَهُ (بِمَا يَسْتُرهُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرْقَةٍ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ الْوُضُوءِ إزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ (وَلَوْ
стр. 93
مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ) لَمْ يُؤَثِّرْ (أَوْ غَسَلَ عُضْوًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ جُزْءًا أَوْ جِلْدَةً لَمْ يُؤَثِّرْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَمَّا تَحْتَهُ) بِخِلَافِ الْجَبِيرَةِ وَالْخُفِّ وَلَكِنْ رَأَيْت عَنْ ابْنِ رَجَبٍ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، أَوْ قَصَّ شَارِبَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَنْ يَمَسَّهُ بِالْمَاءِ وَلَمْ يُوجِبْهُ وَحُكِيَ وُجُوبُهُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَمَنْ أَوْجَبَهُ أَلْحَقَهُ بِخَلْعِ الْخُفِّ بَعْدَ مَسْحِهِ.
(وَإِنْ تَطَهَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ حَلْقِ رَأْسِهِ أَوْ قَطْعِ جُزْءٍ أَوْ جِلْدَةٍ مِنْ عُضْوٍ (غَسَلَ) أَوْ مَسَحَ (مَا ظَهَرَ) لِأَنَّ الْحُكْمَ صَارَ لَهُ دُونَ الذَّاهِبِ (وَإِنْ حَصَلَ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ شَقٌّ أَوْ ثُقْبٌ لَزِمَ غَسْلُهُ) فِي الطَّهَارَتَيْنِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَيَنْبَغِي التَّيَقُّظُ لِثُقْبِ الْأُذُنِ فِي الْغُسْلِ وَأَمَّا فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَجِبُ مَسْحُهُ، كَالْمُسْتَتِرِ بِالشَّعْرِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ (وَالْوَاجِبُ مَسْحُ ظَاهِرِ شَعْرِ الرَّأْسِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الشَّعْرِ فَمَسَحَ الْبَشَرَةَ فَقَطْ) أَيْ دُونَ ظَاهِرِ الشَّعْرِ (لَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ بَاطِنِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ) وَلَمْ يَغْسِلْ ظَاهِرَهَا.
(وَإِنْ فَقَدَ شَعْرَهُ مَسَحَ بَشَرَتَهُ) لِأَنَّهَا ظَاهِرُ رَأْسِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ فَقَدَ بَعْضَهُ) أَيْ بَعْضَ شَعْرِ الرَّأْسِ (مَسَحَهُمَا) أَيْ مَسَحَ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّعْرِ وَبَشْرَةِ مَا فَقَدَ مِنْ شَعْرِهِ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا لَوْ نَزَلَ شَعْرُ مَا لَمْ يَحْلِقْ عَلَى مَا حَلَقَ وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِ.
(وَيَجِبُ مَسْحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ (وَيُسَنُّ) مَسْحُهُمَا (بِمَاءٍ جَدِيدٍ بَعْدَ) مَسْحِ (رَأْسِهِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي لَرَأْسِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
(وَالْبَيَاضُ فَوْقَهُمَا) أَيْ فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ (دُونَ الشَّعْرِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرَّأْسِ (أَيْضًا) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (فَيَجِبُ مَسْحُهُ مَعَ الرَّأْسِ) وَكَيْفَ مَسَحَ الْأُذُنَيْنِ أَجْزَأَ، كَالرَّأْسِ (وَالْمَسْنُونُ فِي مَسْحِهِمَا أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِمَا وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا) لِمَا فِي النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: بَاطِنَهُمَا بِالسِّبَابَتَيْنِ وَظَاهِرَهَا بِإِبْهَامَيْهِ» (وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْ) الْأُذُنَيْنِ (بِالْغَضَارِيفِ) لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ فَالْأُذُنُ أَوْلَى وَالْغُضْرُوفُ دَاخِلٌ فَوْقَ الْأُذُنِ أَيْ أَعْلَاهَا وَمُسْتَدَارُ سَمْعِهَا.
(وَلَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ عُنُقٍ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ فِي الْغُنْيَةِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ وَأَبُو الْبَقَاءِ وَابْنُ الصَّيْرَفِيِّ وَابْنُ رَزِينٍ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
(وَلَا) يُسْتَحَبُّ (تَكْرَارُ مَسْحِ رَأْسٍ وَأُذُنٍ) قَالَ
стр. 94
التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ الرَّأْسَ وَاحِدَةً وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالُوا فِيهَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا، كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: أَحَادِيثُهُمْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ صَرِيحٌ لَا يُقَالُ: إنَّهُ ﷺ مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً، لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَثَلَاثًا لِيُبَيِّنَ الْفَضِيلَةَ، كَمَا فَعَلَ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي هَذَا طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طُهُورُهُ عَلَى الدَّوَامِ.
[فَصْلٌ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ]
فَصْلٌ (ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ (إلَى الْكَعْبَيْنِ) أَيْ: كُلُّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَلَوْ أَرَادَ كِعَابَ جَمِيعِ الْأَرْجُلِ لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَقَوْلِهِ: رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ وَنَحْوِهِ (وَهُمَا) أَيْ: الْكَعْبَانِ (الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيْ رِجْلِهِ) قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ كَانَ أَحَدُنَا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلَوْ كَانَ مِشْطُ الْقَدَمِ لَمْ يَسْتَقِمْ (وَيَجِبُ إدْخَالُهُمَا فِي الْغَسْلِ) لِمَا سَبَقَ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ (أَصْلًا) بِأَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ دُونِ الْمِرْفَقِ، أَوْ رِجْلُهُ مِنْ دُونِ الْكَعْبِ (أَوْ تَبَعًا كَرَأْسِ عَضُدِ) يَدٍ قُطِعَتْ عَنْ مَفْصِلِ الْمِرْفَقِ.
(وَ) رَأْسِ (سَاقٍ) قُطِعَتْ مِنْ مَفْصِلِ كَعْبٍ (وَكَذَا يَتَيَمَّمُ) إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ، وَجَبَ مَسْحُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَصْلًا أَوْ تَبَعًا (فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ) مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ بِأَنْ قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ أَوْ الرِّجْلُ مِنْ فَوْقِ الْكَعْبِ (سَقَطَ) ذَلِكَ الْفَرْضُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ مَحَلَّ الْقَطْعِ بِالْمَاءِ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ
стр. 95
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ لَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ مَحَلِّ الْقَطْعِ بِالتُّرَابِ (وَإِذَا وَجَدَ الْأَقْطَعُ وَنَحْوُهُ) كَالْأَشَلِّ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يُوَضِّئَ نَفْسَهُ (مَنْ يُوَضِّئُهُ) أَوْ يُغَسِّلُهُ (بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَقَدَرَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (لَزِمَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّحِيحِ.
(وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) كَالصَّحِيحِ يَقْدِرُ عَلَى التَّيَمُّمِ دُونَ الْوُضُوءِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا مَنْ يُيَمِّمُهُ، بِأَنْ عَجَزَ عَنْ الْأُجْرَةِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ (صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَكَذَا إنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ يَسِيرَةً عَلَى مَا يَأْتِي فِي التَّيَمُّمِ (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) كَفَاقِدٍ لِطَهُورَيْنِ (وَاسْتِنْجَاء مِثْلِهِ) أَيْ: مِثْل الْوُضُوءِ، فَكَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا وَيَتَيَمَّمُ (وَيُسَنُّ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ فِي حَالِ الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ (بِخِنْصَرِهِ) لِخَبَرِ الْمُسْتَوْرِدِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْ بَاطِنِ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (فَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ يُمْنَى) إلَى إبْهَامِهَا (وَيُسْرَى بِالْعَكْسِ) يَبْدَأُ مِنْ إبْهَامِهَا إلَى خِنْصَرِهَا (لِلتَّيَامُنِ) أَيْ: لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ أَوْ بَعْضُهَا مُلْتَصِقَةً سَقَطَ (وَ) يُسَنُّ (الْغَسْلُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ (وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى) الْغَسْلَةِ (الْوَاحِدَةِ، وَ) الْغَسْلَتَانِ (الثِّنْتَانِ أَفْضَلُ) مِنْ الْوَاحِدَةِ.
(وَالثَّلَاثُ أَفْضَلُ) مِنْ الثِّنْتَيْنِ، وَمِنْ الْوَاحِدَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ ﷺ «دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ - أَوْ قَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْهُ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً، ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ الْأَجْرِ وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ قَبْلِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا - فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتَكَلَّمَ مُسْلِمٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ نَقَصَ وَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى نُقْصَانِ الْعُضْوِ وَاسْتَحْسَنَهُ الذَّهَبِيُّ.
(وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ) بِأَنْ غَسَلَ عُضْوًا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَآخَرَ ثَلَاثًا (لَمْ يُكْرَهُ) كَمَا لَوْ غَسَلَ الْكُلَّ مُتَسَاوِيًا
стр. 96
(وَيَعْمَلُ فِي عَدَدِهَا) أَيْ: الْغَسَلَاتِ (إذَا شَكَّ) فِيهِ (بِالْأَقَلِّ) كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ (وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الثَّلَاثِ لِحَدِيثِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمِ.
(وَ) يُكْرَهُ (الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ) وَلَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ لِمَا يَأْتِي فِي الْغُسْلِ (وَيُسَنُّ مُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ) بِالْغُسْلِ، لِمَا رَوَى نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَهُ، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ سَمِعْت خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» .
(وَلَا يُسَنُّ الْكَلَامُ عَلَى الْوُضُوءِ، بَلْ يُكْرَهُ) قَالَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ (وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهِيَةِ تَرْكُ الْأَوْلَى) وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرَهُ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِيمَا يُكْرَهُ.
وَيُسَنُّ (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْأَذْكَارُ الَّتِي تَقُولُهَا الْعَامَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ لَا أَصْلَ لَهَا) .
وَفِي نَسْخٍ لَهُ: أَيْ: لِلْإِتْيَانِ بِهَا (عَنْهُ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَفِيهِ حَدِيثٌ كُذِبَ عَلَيْهِ ﷺ انْتَهَى) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَ فِي الْمُحَرَّرِ إذْ لَا أَصْلَ لَهُ وَكَذَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْ: لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ فِي الْأَذْكَارِ وَالتَّنْقِيحِ لَهُ، وَالرَّافِعِيُّ قَالَ وَرَدَ فِيهِ الْأَثَرُ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ.
قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: وَفَاتَهُمَا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ فِي تَارِيخِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً، لِلْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ انْتَهَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يَقُولُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ مَا وَرَدَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِضَعْفِهِ جِدًّا، مَعَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَوْ شُرِعَ لَتَكَرَّرَ مِنْهُ وَلَنُقِلَ عَنْهُ انْتَهَى وَقَوْلُهُ: مَا وَرَدَ أَشَارَ بِهِ إلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي التَّارِيخِ «إذَا غَسَلَ وَجْهَهُ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ الْوُجُوهِ وَذِرَاعَيْهِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَرَأْسَهُ: اللَّهُمَّ غَشِّنَا بِرَحْمَتِك وَجَنِّبْنَا عَذَابَك، وَرِجْلَيْهِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ» نَقَلَهُ عَنْهُ السُّيُوطِيّ
стр. 97
فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ.
(قَالَ أَبُو الْفَرَجِ) أَطْلَقَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ الشِّيرَازِيُّ أَوْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ؟ .
(يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَرَدُّهُ) أَيْ: وَيُكْرَهُ رَدُّ الْمُتَوَضِّئِ السَّلَامَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَا يُكْرَهُ رَدُّ مُتَخَلٍّ، وَهُوَ سَهْوٌ.
(وَفِي الْفُرُوعِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يُكْرَهُ السَّلَامُ وَلَا الرَّدُّ) وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى طُهْرٍ أَكْمَلُ لِفِعْلِهِ ﷺ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ قُلْت أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ.
[فَصْلٌ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ]
فَصْلٌ (وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ فَرْضَانِ) فِي الْوُضُوءِ، لِمَا تَقَدَّمَ (لَا مَعَ غُسْلٍ) أَيْ: بِأَنْ نَوَى بِغُسْلِهِ رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ فَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ صَارَ لِلْأَكْبَرِ، لِإِدْرَاجِ الْأَصْغَرِ فِيهِ، كَانْدِرَاجِ الْعُمْرَةِ فِي حَجِّ الْقَارِنِ (وَلَا يَسْقُطَانِ) أَيْ: التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ (سَهْوًا وَلَا جَهْلًا، كَبَقِيَّةِ الْفُرُوضِ، فَيَجِبُ التَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ (عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي كِتَابِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ، فَبَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا غَسَلَهُ) مِنْ الْأَعْضَاءِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْوَجْهِ، لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ (وَإِنْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ وَخَتَمَ بِوَجْهِهِ، لَمْ يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ تَوَضَّأَ مَنْكُوسًا) يَخْتِمُ بِوَجْهِهِ.
وَيَبْدَأُ بِرِجْلَيْهِ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا يَحْصُلُ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ) فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى غَسْلُ الْوَجْهِ، وَمِنْ الثَّانِيَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَمِنْ الثَّالِثَةِ مَسْحُ الرَّأْسِ وَمِنْ الرَّابِعَةِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَعَلِمْت مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ التَّغَلُّبِ (وَإِنْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ، وَكَذَا لَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ التَّرْتِيبُ لَا عَدَمُ التَّنْكِيسِ وَلَمْ يُوجَدْ التَّرْتِيبُ.
(وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ لَمْ يَرْتَفِعْ) حَدَثُهُ (وَلَوْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرًا يَسَعُ التَّرْتِيبَ) أَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَارِي أَرْبَعُ جِرْيَاتٍ، قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَمْ يُفَرِّقْ
стр. 98
أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا، أَيْ: بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ (حَتَّى يَخْرُجَ مُرَتَّبًا نَصًّا، فَيُخْرِجُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ) ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ مِنْ غَيْرِ إمْرَارِ يَدٍ غَيْرُ كَافٍ، وَتَقَدَّمَ (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ الْمَاءِ) قُلْت خُرُوجُهُ مِنْهُ بَعْدُ لَيْسَ قَيْدًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ رِجْلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتَا فِي الْمَاءِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالْمُوَالَاةُ) مَصْدَرُ وَالَى الشَّيْءَ يُوَالِيهِ إذَا تَابَعَهُ وَالْمُرَادُ هُنَا: (أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشُفَ) الْعُضْوُ (الَّذِي قَبْلَهُ يَلِيهِ) .
بِأَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَجِفَّ الْوَجْهُ، وَلَا مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى تَجِفَّ الْيَدَانِ وَلَا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى تَجِفَّ الرَّأْسُ لَوْ كَانَتْ مَغْسُولَةً، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى جَفَّ الْوَجْهُ دُونَ الْيَدَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَيُتِمَّهُ صَحِيحًا (فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ (أَوْ قَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ الْمُعْتَدِلِ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ الْمُعْتَدِلِ، مِنْ زَمَنٍ حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ.
(وَلَا يَضُرُّ جَفَافٌ لِاشْتِغَالِهِ بِسُنَّةٍ) مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ (كَتَخْلِيلِ) لِحْيَةٍ أَوْ أَصَابِعَ (وَ) كَاشْتِغَالِهِ ب (إسْبَاغٍ) أَيْ: إبْلَاغِ الْمَاءِ مَوَاضِعَ الطَّهَارَةِ (وَ) كَاشْتِغَالِهِ ب (إزَالَةِ شَكٍّ وَوَسْوَسَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الطَّهَارَةِ (وَيَضُرُّ) أَيْ: يُفَوِّتُ الْمُوَالَاةَ إنْ جَفَّ الْعُضْوُ ل (إسْرَافٍ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ وَنَحْوِهِ) كَحَلِّ جَبِيرَةٍ (لِغَيْرِ طَهَارَةٍ) بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَضُرُّ إنْ كَانَتْ إزَالَةُ الْوَسَخِ وَنَحْوُهُ (لَهَا) أَيْ: لِلطَّهَارَةِ، بِأَنْ كَانَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلُ (وَتَضُرُّ الْإِطَالَةُ فِي إزَالَةِ نَجَاسَةٍ) بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا بِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَسَخِ (وَ) تَضُرُّ الْإِطَالَةُ فِي (تَحْصِيلِ مَاءٍ) وَلَوْ لِلطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا.
[فَصْلٌ سُنَنُ الْوُضُوءِ]
فَصْلٌ (وَجُمْلَةُ سُنَنِ الْوُضُوءِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالسِّوَاكُ) عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ (وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثَلَاثًا لِغَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ، وَيَجِبُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى (وَالْبُدَاءَةُ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْمَضْمَضَةِ، ثُمَّ الِاسْتِنْشَاقِ) وَكَوْنُهُمَا بِيَمِينِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بِدَلِيلِهِ وَعَدَمُ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا (وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (لِغَيْرِ صَائِمٍ) وَتُكْرَه لَهُ، وَتَقَدَّمَ (وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِصَائِمٍ وَغَيْرِهِ وَالِاسْتِنْثَارُ) وَكَوْنُهُ بِيَسَارِهِ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُكْرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنْتَثِرَ وَيُنَقِّيَ أَنْفَهُ وَوَسَخَهُ وَدَرَنَهُ وَيَخْلَعَ نَعْلَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ بِيَسَارِهِ، مُطْلَقًا،
стр. 99
وَتَنَاوُلُ الشَّيْءِ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ بِالْيَمِينِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ لِلْخَبَرِ وَلَا يُكْرَهُ بِيَسَارِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَقَالَ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاوِلَ إنْسَانًا تَوْقِيعًا أَوْ كِتَابًا فَلْيَقْصِدْ يَمِينَهُ.
(وَ) مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ (تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ) وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ (وَتَخْلِيلُ الشُّعُورِ) أَيْ: شُعُورِ اللِّحْيَةِ (الْكَثِيفَةِ فِي الْوَجْهِ، وَالتَّيَامُنُ حَتَّى بَيْنَ الْكَفَّيْنِ لِلْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وَبَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ.
وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: يَمْسَحُهُمَا مَعًا، وَمَسْحُهُمَا) أَيْ: الْأُذُنَيْنِ (بَعْدَ الرَّأْسِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَمُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ، وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) .
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الْأُولَى فَرِيضَةٌ وَالثَّانِيَةُ فَضِيلَةٌ وَالثَّالِثَةُ سُنَّةٌ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ:.
وَإِذَا قِيلَ لَكَ: أَيُّ مَوْضِعٍ تُقَدَّمُ فِيهِ الْفَضِيلَةُ عَلَى السُّنَّةِ فَقُلْ: هُنَا (وَتُقَدَّمُ النِّيَّةُ عَلَى مَسْنُونَاتِهِ) إذَا وُجِدَتْ قَبْلَ الْوَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (إلَى آخِرِهِ) أَيْ: آخِرِ الْوُضُوءِ (وَغَسْلُ بَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ) فِي الْوَجْهِ، غَيْرِ اللِّحْيَةِ فَيُخَلِّلُهَا فَقَطْ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ (وَأَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَقَوْلُ مَا وَرَدَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَيَأْتِي) آخِرَ الْبَابِ.
(وَأَنْ يَتَوَلَّى وُضُوءَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَكِلُ طُهُورَهُ إلَى أَحَدٍ وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقَ بِهَا إلَى أَحَدٍ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَتُبَاحُ مُعَاوَنَةُ الْمُتَطَهِّرِ) مُتَوَضِّئًا كَانَ أَوْ مُغْتَسِلًا (كَتَقْرِيبِ مَاءِ الْغُسْلِ، أَوْ) مَاءِ (الْوُضُوءِ إلَيْهِ أَوْ صَبَّهُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ «أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَضُوئِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «صَبَبْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي الْوُضُوءِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) يُبَاحُ لِلْمُتَطَهِّرِ (تَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ) لِمَا رَوَى سَلْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَبَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ (وَتَرْكُهُمَا) أَيْ: تَرْكُ الْمُعِينِ وَالتَّنْشِيفِ (أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهِمَا، أَمَّا تَرْكُ الْمُعِينِ فَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ، وَأَمَّا تَرْكُ التَّنْشِيفِ فَلِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ، قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ وَأَيْضًا هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ الْمِنْدِيلَ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ وَلِأَنَّهُ إزَالَةٌ
стр. 100
لِلْمَاءِ عَنْ بَدَنِهِ، أَشْبَهَ نَفْضَ يَدَيْهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْمَعِينِ عَنْ يَسَارِهِ) لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ عِنْدَ الصَّبِّ (كَإِنَاءِ وُضُوئِهِ الضَّيِّقِ الرَّأْسِ) لِيَصُبَّ بِيَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ (وَإِنْ كَانَ) إنَاءُ وُضُوئِهِ (وَاسِعًا يَغْتَرِفُ مِنْهُ بِالْيَدِ، فَعَنْ يَمِينِهِ) لِيَغْتَرِفَ مِنْهُ بِهَا.
(وَلَوْ وَضَّأَهُ) أَوْ غَسَلَ لَهُ بَدَنَهُ مِنْ نَحْوِ جَنَابَةٍ (أَوْ يَمَّمَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ) أَوْ غَيْرُهُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: بِإِذْنِ الْمَفْعُولِ بِهِ قُلْتُ وَكَذَا تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنْ نَاوَلَهُ أَعْضَاءَهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ (بِأَنْ غَسَلَ لَهُ الْأَعْضَاءَ، أَوْ يَمَّمَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كُرِهَ، وَصَحَّ) وُضُوءُهُ وَغُسْلُهُ وَتَيَمُّمُهُ لِوُجُودِ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ (وَيَنْوِيهِ الْمُتَوَضِّئُ) وَالْمُغْتَسِلُ (وَالْمُتَيَمِّمُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ نَوَاهُ الْفَاعِلُ.
(فَإِنْ أُكْرِهَ مَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ) لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ انْتَهَى قُلْت وَالثَّانِي أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَعُودُ لِخَارِجٍ؛ لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطَّهَارَةِ (أَوْ) أُكْرِهَ مَنْ (يُوَضِّئُهُ عَلَى وُضُوئِهِ لَمْ يَصِحَّ) وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ مَنْ يُغَسِّلُهُ أَوْ يُيَمِّمُهُ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى لَا إنْ أُكْرِهَ فَاعِلٌ (وَإِنْ أُكْرِهَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ) أُكْرِهَ إنْسَانٌ (عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْوُضُوءِ (مِنْ الْعِبَادَاتِ) كَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ (وَفَعَلَهَا) الْمُكْرَهُ (لِدَاعِي الشَّرْعِ) بِأَنْ نَوَى بِهَا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ تَعَالَى (لَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ صَحَّتْ) لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ فَعَلَهَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ (فَلَا) تَصِحُّ لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
(وَيُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ عَنْ بَدَنِهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَيُكْرَهُ نَفْضُ يَدِهِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ اهـ.
وَقَالَ فِي غَايَةِ الْمَطْلَبِ هَلْ يُبَاحُ نَفْضُ يَدِهِ أَوْ يُكْرَهُ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ لَا يُكْرَهُ اهـ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ يُكْرَهَانِ، أَيْ: الْمُعَاوَنَةُ وَالتَّنْشِيفُ، كَنَفْضِ يَدِهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ الْمَعْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُحْتُرِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمَا لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
(وَ) تُكْرَهُ (إرَاقَةُ مَاءِ الْوُضُوءِ وَ) مَاءِ (الْغُسْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي مَكَان يُدَاسُ فِيهِ كَالطَّرِيقِ تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ (وَيُبَاحُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُؤْذِ بِهِ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِ الْمَسْجِدَ) ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ مِنْهُ طَاهِرٌ (وَيَحْرُمُ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ وَالرِّيحُ) وَالْبَوْلُ، وَلَوْ بِقَارُورَةٍ؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ
стр. 101
كَقَرَارِهِ (وَتُكْرَهُ إرَاقَةُ مَاءٍ غَمَسَ فِيهِ يَدَهُ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ خُصُوصًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ غَسْلَهُمَا مُعَلَّلٌ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَلَا يُغَسَّلُ فِيهِ مَيِّتٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَنْجِيسِهِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِهِ وَصَوْنُ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَاتِ وَاجِبٌ (وَقَالَ يَجُوزُ عَمَلُ مَكَان فِيهِ لِلْوُضُوءِ لِلْمَصْلَحَةِ بِلَا مَحْذُورٍ) كَقُرْبِ جِدَارٍ أَوْ بِحَيْثُ يُؤْذِي الْمُصَلِّينَ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ إذَنْ.
وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِرْكَةٌ يُغْلَقُ عَلَيْهَا بَابُ الْمَسْجِدِ لَكِنْ يُمْشَى حَوْلَهَا دُونَ أَنْ يُصَلَّى حَوْلَهَا، هَلْ يَحْرُمُ الْبَوْلُ عِنْدَهَا وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ بِغَيْرِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْحَجَرِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ الْجَوَابُ: هَذَا يُشْبِهُ الْبَوْلَ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْقَارُورَةِ قَالَ وَالْأَشْبَهُ أَنَّ هَذَا إذَا فُعِلَ لِلْحَاجَةِ فَقَرِيبٌ، وَأَمَّا اتِّخَاذُ ذَلِكَ مَبَالًا أَوْ مُسْتَنْجًى فَلَا.
(وَلَا يُكْرَهُ طُهْرُهُ مِنْ إنَاءٍ نُحَاسٍ وَنَحْوِهِ) كَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ أَنَّهُ ﵇ تَوَضَّأَ مِنْ تَوْرِ نُحَاسٍ (وَلَا) يُكْرَهُ طُهْرُهُ (مِنْ إنَاءٍ بَعْضُهُ نَجِسٌ) بِحَيْثُ يَأْمَنُ التَّلْوِيثَ (وَلَا) يُكْرَهُ طُهْرُهُ مِنْ (مَاءٍ بَاتَ مَكْشُوفًا وَمِنْ مُغَطًّى أَوْلَى) قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَمِنْ مُغَطًّى أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِنُزُولِ الْوَبَاءِ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ يَخْتَصُّ الشُّرْبُ أَوْ يَعُمُّ؟ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ وَلَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ» .
(وَيُسَنُّ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْوُضُوءِ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ وَقَوْلُ «أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكِ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» ) لِحَدِيثِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ قَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَهْلَغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فِيهِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ «فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلَى السَّمَاءِ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ» لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَفَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ
стр. 102
إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
قَالَ السَّامِرِيُّ: وَيَقْرَأ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثًا وَالْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا بِالِاسْتِغْفَارِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ: أَنَّ الْعِبَادَ مُقَصِّرُونَ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي وَعَنْ أَدَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَهُ، فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ أَنَّ قَدْرَ الْحَقِّ أَعْلَى وَأَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ يَسْتَحِي مِنْ عَمَلِهِ وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهِ كَمَا يَسْتَغْفِرُ غَيْرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَغَفَلَاتِهِ، قَالَ وَالِاسْتِغْفَارُ يَرِدُ مُجَرَّدًا وَمَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ وَرَدَ مُجَرَّدًا دَخَلَ فِيهِ طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الْمَاضِي بِالدُّعَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَوِقَايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَهَذَا الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِصْرَارَ وَالْعُقُوبَةَ وَإِنْ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ اخْتَصَّ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي بَلْ كَانَ سُؤَالًا مُجَرَّدًا فَهُوَ دُعَاءٌ مَحْضٌ وَإِنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقْلَاعِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ (وَكَذَا) يَقُولُ ذَلِكَ (بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْغُسْلِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ.
" خَاتِمَةٌ ": اُخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهَا، مُسْتَدِلِّينَ بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَا وَإِنَّمَا الْمَخْصُوصُ بِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ فَقَطْ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِضَعْفِهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْأَنْبِيَاءِ دُونَ أُمَمِهِمْ، لَا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ، فَفِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ لَمَّا رَمَوْهُ بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ مَنْ أَبُوك قَالَ هَذَا الرَّاعِي وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا مَرَّ عَلَى الْجَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَةُ أَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى الْجَبَّارِ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَدَعَتْ اللَّهَ .
стр. 103
[بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ]
(بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ) أَعْقَبَهُ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ أَوْ مَسْحِ مَا تَحْتَهُ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ: مَسْحُ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ غَيْرَ الْجَبِيرَةِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (رُخْصَةٌ) وَهِيَ لُغَةً السُّهُولَةُ، وَشَرْعًا مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَعَنْهُ عَزِيمَةٌ وَهِيَ لُغَةً الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ، وَشَرْعًا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَالرُّخْصَةُ وَالْعَزِيمَةُ وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ فَوَائِدِهِمَا الْمَسْحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَتَعْيِينَ الْمَسْحِ عَلَى لَابِسِهِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ.
(وَ) الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ (أَفْضَلُ مِنْ الْغَسْلِ) ؛ لِأَنَّهُ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا طَلَبُوا الْأَفْضَلَ وَفِيهِ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ» (وَيَرْفَعُ) مَسْحُ الْحَائِلِ (الْحَدَثَ) عَمَّا تَحْتَهُ (نَصًّا) وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِالْمَسْحِ فَضْلٌ لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ لِوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِالْغَسْلِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ) الْخُفَّ وَنَحْوَهُ (لِيَمْسَحَ) عَلَيْهِ كَمَا كَانَ ﷺ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ، إذَا كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَيَمْسَحُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَ لَابِسًا لِلْخُفِّ، فَالْأَفْضَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِحَالِ قَدَمِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَ (كَالسَّفَرِ، لِيَتَرَخَّصَ) فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَأْتِي لَوْ سَافَرَ لِيَنْظُرَ جُرْمًا (وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ) أَيْ: الْخُفِّ.
(مَعَ مُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَكَذَلِكَ اللُّبْسُ الَّذِي يُرَادُ لِلصَّلَاةِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُكْرَهَ.
وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَهُمَا عِنْدَ غَلَبَةِ النُّعَاسِ وَالصَّلَاةُ إنَّمَا كُرِهَتْ لِلْحَاقِنِ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِخُشُوعِ الصَّلَاةِ، وَيَمْنَعُ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْعَجَلَةِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى خُفٍّ) فِي رِجْلَيْهِ لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ رَوَى الْمَسْحَ سَبْعُونَ نَفْسًا، فِعْلًا مِنْهُ ﵇.
وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ -
стр. 104
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمِنْ أُمَّهَاتِهَا حَدِيثُ جَرِيرٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» .
قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِيهَا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ نَاسِخًا لِلْمَسْحِ، كَمَا صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَقَدْ اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَأَرْجُلِكُمْ بِالْجَرِّ، وَحَمْلِ قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَلَى الْغُسْلِ، لِئَلَّا تَخْلُوَ إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَنْ فَائِدَةٍ.
(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى (جُرْمُوقٍ) وَهُوَ (خُفٌّ قَصِيرٌ) لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ بِلَالٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «امْسَحُوا عَلَى النَّصِيفِ وَالْمُوقِ» ، أَيْ: الْجُرْمُوقِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مِثَالُ الْخُفِّ، يُلْبَسُ فَوْقَهُ لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ كَذَا كُلُّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ.
(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى (جَوْرَبٍ صَفِيقٍ مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ) قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هُوَ غِشَاءٌ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَعَلَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ عَلَى هَيْئَةِ الْخُفِّ مِنْ غَيْرِ الْجِلْدِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يُرْوَى إبَاحَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْبَرَاءِ وَبِلَالٍ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نُعِلَا أَوْ لَمْ يُنْعَلَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْجَوْرَبُ (غَيْرَ مُجَلَّدٍ أَوْ) مُنْعَلٍ (أَوْ كَانَ) الْجَوْرَبُ (مِنْ خِرَقٍ) وَأَمْكَنَتْ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يُنْعَلَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِمَا فَهُمَا كَالرُّقْعَتَيْنِ وَلَنَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا غَيْرَ مَنْعُولَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَا كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَنَعْلِهِ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْجَوَارِبُ فِي مَعْنَى الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ الْخُفَّ وَتَكَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ قَالَ أَبُو دَاوُد كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ، عَنْ الْمُغِيرَةِ الْخُفَّيْنِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهَذَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا، لِجَوَازِ رِوَايَةِ اللَّفْظَيْنِ، فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (حَتَّى لِزَمِنٍ) لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ لِعَاهَةٍ لِلْعُمُومِ.
(وَمَنْ لَهُ
стр. 105
رِجْلٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبْقَ مِنْ فَرْضِ) الرِّجْلِ (الْأُخْرَى شَيْءٌ) فَلَبِسَ مَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي الْبَاقِيَةِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِفَرْضِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ الْأُخْرَى أَوْ بَعْضِهَا، وَأَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ، وَغَسَلَ الْأُخْرَى أَوْ بَعْضَهَا، وَأَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَغَسَلَ الْأُخْرَى أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ غَسْلُ مَا فِي الْخُفِّ تَبَعًا لِلَّتِي غَسَلَهَا لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
(وَ) حَتَّى (لِمُسْتَحَاضَةٍ وَنَحْوِهَا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْعُذْرِ أَحَقُّ بِالتَّرَخُّصِ مِنْ غَيْرِهِ وَطَهَارَتُهَا كَامِلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا، بَلْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ (إلَّا لِمُحْرِمٍ لَبِسَهُمَا) أَيْ: الْخُفَّيْنِ (وَلَوْ لِحَاجَةٍ) كَعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، فَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ الْعِمَامَةَ لِحَاجَةِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ أَظْهَرُ.
قَالَ الْمُنَقِّحُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، لِإِطْلَاقِهِمْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا أَحَدًا وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ إلَّا فِي الْفُرُوعِ وَعِنْدَهُ تَحْقِيقٌ انْتَهَى قُلْتُ قَدْ يُقَالُ: قَوْلُ الْأَصْحَابِ فِي اشْتِرَاطِ الْمَسْحِ إبَاحَةَ الْخُفِّ مُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْلَهُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ لَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ لِلْحَاجَةِ، فَهُوَ كَخُفٍّ مِنْ حَرِيرٍ لِضَرُورَةٍ.
(وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى عَمَائِمِ ذُكُورٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أُمَيَّةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عُمَرَ مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ.
(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (جَبَائِرَ، جَمْعُ جَبِيرَةٍ وَهِيَ أَخْشَابٌ أَوْ نَحْوُهَا تُرْبَطُ عَلَى الْكَسْرِ أَوْ نَحْوِهِ) كَالْجُرْحِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْهُ ﷺ فِي صَاحِبِ الشَّجَّةِ «إنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْضُدَ أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا (عَلَى خُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ) ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ
стр. 106
يَشُقُّ نَزْعُهُ أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ.
وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْوِقَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا فَهِيَ كَطَاقِيَّةِ الرَّجُلِ وَ (لَا) عَلَى (الْقَلَانِسِ) جَمْعُ قَلَنْسُوَةٍ أَوْ قَلَنْسِيَةٍ (وَهِيَ مُبَطَّنَاتٌ تُتَّخَذُ لِلنَّوْمِ وَ) لَا عَلَى (الدَّنِيَّاتِ) وَهِيَ (قَلَانِسُ كِبَارٌ أَيْضًا كَانَتْ الْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا) قَدِيمًا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هِيَ عَلَى هَيْئَةِ مَا تَتَّخِذُهُ الصُّوفِيَّةُ الْآنَ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا: أَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْكَلْوَتَةِ.
(وَمِنْ شَرْطِهِ) أَيْ: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ (أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ) لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَالطُّهْرُ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ: وَأَيْضًا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
(وَلَوْ مَسَحَ فِيهَا) أَيْ: الطَّهَارَةِ (عَلَى خُفٍّ) بِأَنْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا (أَوْ) مَسَحَ فِي الطَّهَارَةِ عَلَى (عِمَامَةٍ أَوْ جَبِيرَةٍ) أَيْ: لَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ لَبِسَ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهَا ثُمَّ لَبِسَ خُفًّا جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ تَرْفَعُ الْحَدَثَ أَشْبَهَ مَا لَوْ غَسَلَ الْكُلَّ.
(أَوْ غَسَلَ صَحِيحًا وَتَيَمَّمَ لِجُرْحٍ) ثُمَّ لَبِسَ حَائِلًا، جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَهُ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (فَلَا يَمْسَحُ عَلَى خُفٍّ) وَلَا جُرْمُوقٍ وَلَا جَوْرَبٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ وَلَا جَبِيرَةٍ (لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ تَيَمَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا (وَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ) قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى (خَلَعَ) الْخُفَّ (ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى) لِتَكْمُلَ الطَّهَارَةُ.
(وَلَوْ لَبِسَ الْأُولَى طَاهِرَةً) قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى (ثُمَّ غَسَلَ) الرِّجْلَ (الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا) خُفَّهَا (لَمْ يَمْسَحْ) ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ لِلْخُفَّيْنِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ (فَإِنْ خَلَعَ الْأُولَى ثُمَّ لَبِسَهَا) مَعَ بَقَاءِ طَهَارَتِهِ (جَازَ) لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ (وَإِنْ تَطَهَّرَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ لُبْسِهِ) الْخُفَّ أَوْ نَحْوَهُ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ عَلَى طَهَارَةٍ (أَوْ) تَطَهَّرَ ثُمَّ أَحْدَثَ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ لُبْسِهِ الْخُفَّ أَوْ نَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ عَلَى طَهَارَةٍ (قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الْقَدَمُ إلَى مَوْضِعِهَا) لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْ فِي مَقَرِّهَا وَهُوَ مُحْدِثٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ اللُّبْسَ وَهُوَ مُحْدِثٌ.
(أَوْ
стр. 107
لَبِسَهُ) أَيْ: الْخُفَّ وَنَحْوَهُ (مُحْدِثًا ثُمَّ غَسَلَهُمَا) أَيْ: الرِّجْلَيْنِ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ (أَوْ) لَبِسَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ (قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ ثُمَّ غَسَلَهُمَا) أَيْ: الرِّجْلَيْنِ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ (أَوْ نَوَى جُنُبٌ وَنَحْوُهُ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا (رَفْعَ حَدَثِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا، وَأَدْخَلَهُمَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ لَمْ يَجُزْ) لَهُ (الْمَسْحُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ.
(وَإِنْ) غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَ (مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ لَبِسَ الْعِمَامَةَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَلَعَ) الْعِمَامَةَ (ثُمَّ) لَبِسَهَا لِيُوجَدَ شَرْطُ الْمَسْحِ كَالْخُفِّ (وَلَوْ شَدَّ الْجَبِيرَةَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) بِالْمَاءِ (نَزَعَ) الْجَبِيرَةَ إذَا تَطَهَّرَ لِيَغْسِلَ مَا تَحْتَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الطَّهَارَةِ عَلَى شَدِّهَا شَرْطٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفِ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ.
وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ أَشْبَهَ الْخُفَّ وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ، قَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيهِ وَالْمُوَفَّقُ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ لِلْأَخْبَارِ وَلِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ يَقَعُ فَجْأَةً أَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَعْلَمُ الْمَاسِحُ وُقُوعَهُ فِيهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ خَافَ) مِنْ نَزْعِهَا تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا تَيَمَّمَ لِغَسْلِ مَا تَحْتَهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُخَافُ الضَّرَرُ، بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ فِيهِ فَجَازَ (التَّيَمُّمُ) لَهُ، كَجُرْحٍ غَيْرِ مَشْدُودٍ (فَلَوْ عَمَّتْ) الْجَبِيرَةُ (مَحَلَّ الْفَرْضِ) فِي التَّيَمُّمِ، بِأَنْ عَمَّتْ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ.
(كَفَى مَسْحُهَا بِالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ (وَيَمْسَحُ مُقِيمٌ، وَلَوْ عَاصِيًا بِإِقَامَةٍ، كَمَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِسَفَرٍ فَأَبَى) أَنْ يُسَافِرَ: يَوْمًا وَلَيْلَةً.
(وَ) يَمْسَحُ (عَاصٍ بِسَفَرِهِ) بَعِيدًا كَانَ أَوْ قَرِيبًا (يَوْمًا وَلَيْلَةً) وَكَذَا مُسَافِرٌ دُونَ الْمَسَافَةِ،؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ.
(وَ) يَمْسَحُ (مُسَافِرٌ سَفَرَ قَصْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ) لِمَا رَوَى شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: هُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ وَيَخْلَعُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَإِنْ خَافَ أَوْ تَضَرَّرَ رَفِيقُهُ بِانْتِظَارِهِ تَيَمَّمَ فَلَوْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ نَصَّ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَابِسُ الْخُفَّيْنِ (وَلَوْ مُسْتَحَاضَةٌ وَنَحْوُهَا) كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ نَحْوُهُ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ (مِنْ وَقْتِ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ إلَى مِثْلِهِ) مِنْ الثَّانِي أَوْ الرَّابِع لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ
стр. 108
اللَّهِ ﷺ إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَوْ سَفَرًا: أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَنَوْمٍ وَبَوْلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ: أَنَّهَا تُنْزَعُ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ الْغَائِطِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَاعْتُبِرَ لَهَا أَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا كَالصَّلَاةِ.
(فَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ) بِأَنْ مَضَى مِنْ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ إنْ كَانَ مُسَافِرًا (وَلَمْ يَمْسَحْ فِيهَا) عَلَى الْخُفِّ أَوْ نَحْوِهِ (خَلَعَ) لِفَرَاغِ مُدَّتِهِ، وَمَا لَمْ يُحْدِثْ فَلَا تُحْتَسَبُ الْمُدَّةُ، فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ لُبْسِهِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ ثُمَّ أَحْدَثَ اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ وَهَذَا التَّوْقِيتُ السَّابِقُ مُفَصَّلًا فِي غَيْرِ الْجَبِيرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ (وَ) يَمْسَحُ عَلَى (جَبِيرَةٍ إلَى حَلِّهَا) ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو إلَى مَسْحِهَا إلَى حَلِّهَا فَقَدَّرَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وَبُرْؤُهَا كَحَلِّهَا بَلْ أَوْلَى.
(وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ بَقِيَّةَ مَسْحِ مُقِيمٍ، إنْ كَانَتْ) أَيْ: وُجِدَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ مَضَى بَعْدَ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَأَكْثَرُ ثُمَّ أَقَامَ (خَلَعَ) الْخُفَّ وَنَحْوَهُ لِانْقِطَاعِ السَّفَرِ فَلَوْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةٍ فِي سَفِينَةٍ فَدَخَلَتْ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَبْطَلَتْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي الْأَشْهَرِ انْتَهَى وَكَذَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ.
(وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ سَافَرَ) أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، تَغْلِيبًا لِلْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ (أَوْ شَكَّ هَلْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ رُخْصَةٌ فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِهَا رُدَّ إلَى الْأَصْلِ وَسَوَاءٌ شَكَّ هَلْ أَوَّلُ مَسْحِهِ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ، أَوْ عَلِمَ أَوَّلَ الْمُدَّةِ، أَوْ شَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا.
(وَإِنْ شَكَّ) الْمَاسِحُ (فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ) مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، مَا دَامَ الشَّكُّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ جُوِّزَتْ بِشَرْطٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَقَاءُ شَرْطِهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ (فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ) أَيْ: مَسَحَ مَعَ الشَّكِّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ (فَبَانَ بَقَاؤُهَا صَحَّ وُضُوءُهُ) وَلَا يُصَلِّي بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ بَقَاؤُهَا فَإِنْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ أَعَادَ.
(وَمَنْ أَحْدَثَ) فِي الْحَضَرِ (ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ مُسَافِرًا (وَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ) وَهُوَ الْقَدَمُ كُلُّهُ، وَإِلَّا فَحُكْمُ مَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ، وَمَا ظَهَرَ الْغَسْلُ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَ) مِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَيْضًا: أَنْ (يَثْبُتَ بِنَفْسِهِ) إذْ الرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي الْخُفِّ الْمُعْتَادِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَسْقُطُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (أَوْ) أَنْ
стр. 109
يَثْبُتَ (بِنَعْلَيْنِ ف) لَوْ ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِالنَّعْلَيْنِ فَإِنَّهُ (يَصِحُّ) الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْمُدَّةِ (إلَى خَلْعِهِمَا) وَيَجِبُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَسُيُورِ النَّعْلَيْنِ قَدْرَ الْوَاجِبِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ فِي الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ: مَسَحَهُمَا، وَقِيلَ: يُجْزِي مَسْحُ الْجَوْرَبِ وَحْدَهُ.
وَقِيلَ: أَوْ النَّعْلِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَى أَحَدِهِمَا قَدْرَ الْوَاجِبِ قُلْتُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ يَثْبُتُ (بِشَدِّهِ) فَقَطْ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ ثَبَتَ) الْخُفُّ وَنَحْوُهُ (بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِبُدُوِّ بَعْضِهِ لَوْلَا شَدُّهُ أَوْ شَرْجُهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عُرًى (كَالزُّرْبُولِ الَّذِي لَهُ سَاقٌ) (فَيَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ فَيَسْتَتِرُ بِذَلِكَ مَحَلُّ الْفَرْضِ) (وَنَحْوِهِ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ غَيْرَ ذِي الشَّرْجِ.
(وَمِنْ شَرْطِهِ) أَيْ: الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (أَيْضًا إبَاحَتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْمَعْصِيَةِ (فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى) خُفٍّ (مَغْصُوبٍ، وَ) لَا (حَرِيرٍ وَلَوْ فِي ضَرُورَةٍ، كَمَنْ هُوَ فِي بَلَدِ ثَلْجٍ، وَخَافَ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ) بِخَلْعِ الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْحَرِيرِ فَلَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ،؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْأَصْلِ وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ نَادِرَةٌ.
(فَإِنْ صَلَّى) وَقَدْ مَسَحَ عَلَيْهِ إذَنْ (أَعَادَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ) لِبُطْلَانِهِمَا (وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى) خُفٍّ وَنَحْوِهِ (حَرِيرٍ لِأُنْثَى فَقَطْ) دُونَ خُنْثَى وَذَكَرٍ لِإِبَاحَتِهِ لَهَا دُونَهُمَا وَلَوْ صَغِيرَيْنِ (وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا) فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (إمْكَانُ الْمَشْيِ فِيهِ) أَيْ: الْمَمْسُوحِ مِنْ خُفٍّ وَنَحْوِهِ عُرْفًا.
(وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْجُلُودُ وَاللُّبُودُ وَالْخَشَبُ وَالزُّجَاجُ وَالْحَدِيدُ وَنَحْوُهَا) ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ أَشْبَهَ الْجُلُودَ (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (طَهَارَةُ عَيْنِهِ) لِأَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى نَجِسٍ وَلَوْ فِي ضَرُورَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَرِيرِ (فَيَتَيَمَّمُ مَعَهَا) أَيْ: الضَّرُورَةِ (لِلرِّجْلَيْنِ) أَيْ: لَا بُدَّ عَنْ غَسْلِهِمَا.
وَكَذَا لَوْ كَانَ النَّجِسُ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً وَتَضَرَّرَ بِنَزْعِهَا يَتَيَمَّمُ لِمَا تَحْتَهَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَيَتَيَمَّمُ مَعَهَا لِمَسْتُورٍ (وَلَا يَمْسَحُ) عَلَى النَّجِسِ (وَيُعِيدُ) مَا صَلَّى بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ (وَلَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ طَاهِرِ الْعَيْنِ لَكِنْ بِبَاطِنِهِ أَوْ قَدَمِهِ نَجَاسَةً لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهَا إلَّا بِنَزْعِهِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَيَسْتَبِيحُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَيَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ) بِهِ (النَّجَاسَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ) كَالطَّوَافِ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَفَرَّقَ الْمَجْدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَحَلِّ
стр. 110
هُنَاكَ لَمَّا أَوْجَبَتْ الطَّهَارَتَيْنِ جَعَلَتْ إحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى وَهَذَا مَعْدُومٌ هُنَا (وَيُشْتَرَطُ) فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ أَيْضًا (أَنْ لَا يَصِفَ الْقَدَمَ لِصَفَائِهِ كَالزُّجَاجِ الرَّقِيقِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ.
وَكَذَا مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ لِخِفَّتِهِ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (خَرْقٌ أَوْ غَيْرُهُ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، وَلَوْ مِنْ مَوْضِعِ الْخَرْزِ، لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ سَتْرِهِ مَحَلَّ الْفَرْضِ (فَإِنْ انْضَمَّ الْخَرْقُ وَنَحْوُهُ بِلُبْسِهِ جَازَ الْمَسْحُ) لِحُصُولِ الشَّرْطِ وَهُوَ سَتْرُ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ.
(وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ وَكَانَا) أَيْ: الْخُفَّانِ (صَحِيحَيْنِ مَسَحَ أَيَّهُمَا شَاءَ) ف (إنْ شَاءَ) مَسَحَ (الْفَوْقَانِيَّ) ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ (وَإِنْ شَاءَ) مَسَحَ (التَّحْتَانِيَّ، بِأَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ فَيَمْسَحَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى التَّحْتَانِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَمَا يَجُوزُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ فِي الْخُفِّ، مَعَ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ لَبِسَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فِي أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ) فَوْقَ خُفِّهَا (دُونَ) الرِّجْلِ (الْأُخْرَى) فَلَمْ يَلْبَسْ فِيهَا جَوْرَبًا، بَلْ الْخُفَّ فَقَطْ (جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْجَوْرَبِ الَّذِي لَبِسَهُ فَوْقَ الْخُفِّ وَعَلَى الْخُفِّ (الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِالْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْخُفَّيْنِ اللَّذَيْنِ لَبِسَ أَحَدَهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ (صَحِيحًا) وَالْآخَرُ مُفَتَّقًا (جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ) ؛ لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ وَكَذَا إنْ لَبِسَ عَلَى صَحِيحٍ مُخَرَّقًا نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَلَا يَجُوزُ) الْمَسْحُ (عَلَى) الْخُفِّ (التَّحْتَانِيِّ) إذَا كَانَ أَحَدُ الْخُفَّيْنِ صَحِيحًا وَالْآخَرُ مُفَتَّقًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) التَّحْتَانِيُّ (هُوَ الصَّحِيحُ) فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ بِنَفْسِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْفَوْقَانِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ إذَنْ عَلَى التَّحْتَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ بِنَفْسِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَكُلٌّ مِنْ الْخُفِّ الْفَوْقَانِيِّ وَالتَّحْتَانِيِّ بَدَلٌ مُسْتَقِلٌّ مِنْ الْغَسْلِ عَلَى الصَّحِيحِ.
(وَإِنْ كَانَا) أَيْ: الْخُفَّانِ (مُخَرَّقَيْنِ) وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ (وَسَتَرَا) مَحَلَّ الْفَرْضِ (لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ) عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَالِحٍ لِلْمَسْحِ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا لَوْ لَبِسَ مُخَرَّقًا فَوْقَ لِفَافَةٍ (وَإِنْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ) كَمَا لَوْ انْفَرَدَ.
(وَإِنْ) تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفًّا ثُمَّ (أَحْدَثَ ثُمَّ لَبِسَ) الْخُفَّ (الْآخَرَ) لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ بَلْ عَلَى الْأَسْفَلِ (أَوْ مَسَحَ) الْخُفَّ (الْأَوَّلَ) بَعْدَ حَدَثِهِ (ثُمَّ لَبِسَ) الْخُفَّ (الثَّانِيَ) وَلَوْ عَلَى طَهَارَةٍ (لَمْ
следующие страницы →