← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا "، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ: " لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ "؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاطُ لَهُ، وَيَجِبُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ» وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى؛ لِإِمَامَتِهِ وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ذِكْرُ شَعْبَانَ فِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي إيَاسٍ، وَلَيْسَ هُوَ بِيَوْمِ شَكٍّ كَمَا يَأْتِي (وَيُجْزِئُهُ) صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ حِينَئِذٍ (إنْ بَانَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ بِأَنْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِمَكَانٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ صِيَامَهُ وَقَعَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ وَمَعَ الشَّكِّ فِيهَا لَا يَجْزِمُ بِهَا فَقَالَ: لَا يُمْنَعُ التَّرَدُّدُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ كَالْأَسِيرِ وَصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ. (وَيُصَلِّي التَّرَاوِيحَ لَيْلَتَهُ) إذَنْ (احْتِيَاطًا لِلسُّنَّةِ) قَالَ أَحْمَدُ: الْقِيَامُ قَبْلَ الصِّيَامِ (وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعُهُ) أَيْ: الصَّوْمِ (مِنْ وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ وَنَحْوِهِ) كَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ، وَنَحْوِهِ لِتَبَعِيَّتِهَا لِلصَّوْمِ (مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ) بِأَنْ لَمْ يُزْمِعْ الصَّحْوُ هِلَالَ شَوَّالٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي غُمَّ فِيهَا هِلَالُ رَمَضَانَ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ الْآجَالِ وَوُقُوعِ الْمُعَلَّقَاتِ) مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ. (وَغَيْرِهَا) كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ خُولِفَ لِلنَّصِّ، وَاحْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ عَامَّةً. " تَتِمَّةٌ " قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْبُعْدُ مَانِعٌ كَالْغَيْمِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ حَنْبَلِيٍّ يَصُومُ مَعَ الْغَيْمِ أَنْ يَصُومَ مَعَ الْبُعْدِ لِاحْتِمَالِهِ انْتَهَى قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الْمُرَادُ بِالْبُعْدِ الْبُعْدُ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ كَالْمَطْمُورِ وَالْمَسْجُونِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطْلِعِ شَيْءٌ يَحُولُ، كَالْجَبَلِ وَنَحْوِهِ ". (وَإِنْ نَوَاهُ احْتِيَاطًا) أَيْ: صَوْمَ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ) مِنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ، أَوْ إكْمَالِ شَعْبَانَ، أَوْ حَيْلُولَةِ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ وَنَحْوِهِ (كَ) أَنْ صَامَهُ لِ (حِسَابٍ وَنُجُوم) وَلَوْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُمَا (أَوْ مَعَ صَحْوٍ، فَبَانَ مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) صَوْمُهُ، لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ لِمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ شَرْعًا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ. (وَكَذَا لَوْ صَامَ) يَوْمَ الثَّلَاثِينَ (تَطَوُّعًا فَوَافَقَ الشَّهْرَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ، وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ نَهَارًا فَهُوَ

стр. 807

لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ) كَانَتْ رُؤْيَتُهُ (أَوْ بَعْدَهُ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ آخِرَهُ، فَلَا يَجِبُ بِهِ صَوْمٌ) إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ. (وَلَا يُبَاحُ بِهِ فِطْرٌ) إنْ كَانَ فِي آخِرِهِ لِمَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ قَالَ: " جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ ﵁: إنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا أَوْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا مُمْكِنَةٌ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِي الْجَوِّ وَيَقِلُّ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أَوْ يَكُونُ قَوِيَّ النَّظَرِ " تَنْبِيهٌ " قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَالْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ أَيْ: مِنْ أَنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلَةِ دَفْعُ مَا قِيلَ إنَّ رُؤْيَتَهُ تَكُونُ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ انْتَهَى أَيْ: فَلَا أَثَرَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ نَهَارًا، وَإِنَّمَا يُعْتَدُّ بِالرُّؤْيَةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ أَصْحَابِنَا لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَلِمَا يَأْتِي فِيمَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، حَيْثُ قَالُوا: فَرُئِيَ وَقَدْ غَرَبَتْ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا. (وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ بِمَكَانٍ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمْ الصَّوْمُ، وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يَرَهُ حُكْمُ مَنْ رَآهُ) . لِقَوْلِهِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَهُوَ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ كَافَّةً؛ وَلِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَكَذَا الصَّوْمُ، وَلَوْ فُرِضَ الْخِطَابُ فِي الْخَبَرِ لِلَّذِينَ رَأَوْهُ، فَالْفَرْضُ حَاصِلٌ؛ لِأَنَّ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ وَفَوَائِدِهَا: مَا إذَا رَآهُ جَمَاعَةٌ بِبَلَدٍ، ثُمَّ سَافَرُوا إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ فَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ بِهِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ مَعَ غَيْمٍ أَوْ صَحْوٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ الْفِطْرُ وَلَا لِأَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ عِنْدَ الْمُخَالِفِ وَمِنْ صُوَرِهَا: مَا إذَا رَآهُ جَمَاعَةٌ بِبَلَدٍ ثُمَّ سَارَتْ بِهِمْ رِيحٌ فِي سَفِينَةٍ فَوَصَلُوا إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ الصَّوْمُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُمْ الْفِطْرُ فِي آخِرِهِ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ مُصَادِمٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» ، وَأَمَّا خَبَرُ كُرَيْبٍ قَالَ: " قَدِمْتُ الشَّامَ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَلَا نَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بِقَوْلِ كُرَيْبٍ وَحْدَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي

стр. 808

وُجُوبِ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ: الْهِلَالُ يَجْرِي مَجْرَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ، كَذَا الْهِلَالُ بِأَنَّ الشَّمْسَ تَتَكَرَّرُ مُرَاعَاتُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ فَتَلْحَقُ بِهِ الْمَشَقَّةُ، فَيُؤَدِّي إلَى قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَالْهِلَالُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَلَيْسَ كَبِيرُ مَشَقَّةٍ فِي قَضَاءِ يَوْمٍ، وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْعُمُومِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. (وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْمَطَالِعُ نَصًّا) ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: الزَّوَالُ فِي الدُّنْيَا وَاحِدٌ. (وَيُقْبَلُ فِيهِ) أَيْ: فِي هِلَالِ رَمَضَانَ (قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ «وَلِقَبُولِهِ ﷺ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ وَهُوَ أَحْوَطُ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ؛ وَلِاخْتِلَافِ حَالِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عُمِلَ بِهَا وُجُوبًا،. وَ (لَا) يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ (مَسْتُورٍ وَلَا مُمَيِّزٍ) لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ (فِي الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ) مُتَعَلِّق بِ يُقْبَلُ وَالْمِصْرِ وَخَارِجِهِ (وَلَوْ كَانَ) الرَّائِي (فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ) وَلَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ غَيْرُهُ لِمَا سَبَقَ (وَهُوَ خَبَرٌ) لَا شَهَادَةٌ (فَيُصَامُ بِقَوْلِهِ) : رَأَيْتُ الْهِلَالَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُهُ. (وَيُقْبَلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ) كَسَائِرِ الْأَخْبَارِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ) لِوُجُوبِ الصَّوْمِ (لَفْظ الشَّهَادَةِ وَلَا يَخْتَصُّ بِحَاكِمٍ فَيَلْزَمُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ عَدْلٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ قَوْلَهُ، وَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَرَ الْحَاكِمُ الصِّيَامَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ رَدَّهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِهِ وَجَهْلِهِ عَدَالَتَهُ أَمَّا لَوْ رَدَّهُ لِفِسْقِهِ الْمَعْلُومِ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ يُخْبِرُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ لَهُ إذَنْ حُكْمٌ بِفِسْقِهِ، فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ. (وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ) إذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ بِوَاحِدٍ (مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ) وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ، (وَحُلُولِ الْآجَالِ) لِلدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ إلَيْهِ (وَغَيْرِهَا) كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَنَحْوِهَا (تَبَعًا) لِلصَّوْمِ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ) كَشَوَّالٍ وَغَيْرِهِ (إلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ) بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا وَلَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ أَشْبَهَ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا تُرِك ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْفِطْرُ بِخَبَرِ وَاحِدٍ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ أَمَارَاتٍ تَشْهَدُ بِصِدْقِهِ؛ لِتَمْيِيزِ وَقْتِ الْغُرُوبِ بِنَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ أَمَارَاتٌ

стр. 809

تُورِثُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهَا أَخْبَارُ الثِّقَةِ قَوَّى الظَّنَّ، وَرُبَّمَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِخِلَافِ هِلَالِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا وَقْتُ الْفِطْرِ مُلَازِمٌ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِذَا ثَبَتَ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَخْبَارِ الثِّقَةِ أُثْبِتَ دُخُولُ وَقْتِ الْإِفْطَارِ تَبَعًا لَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ. (وَإِذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ أَفْطَرُوا) فِي الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الْفِطْرُ ابْتِدَاءً، فَتَبَعًا لِثُبُوتِ الصَّوْمِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ إثْبَاتُ إخْبَارٍ بِهِ عَنْ يَقِينٍ وَمُشَاهَدَةٍ، فَكَيْفَ يُقَابِلُهَا الْإِخْبَارُ بِنَفْيٍ وَعَدَمٍ وَلَا يَقِينَ مَعَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ يُحْتَمَلُ حُصُولُهَا بِمَكَانٍ آخَرَ، وَلِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَ (لَا) يُفْطِرُوا (إنْ صَامُوا) الثَّلَاثِينَ يَوْمًا (بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى وَاحِدٍ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ. (وَإِنْ صَامُوا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ قَضَوْا يَوْمًا فَقَطْ نَصًّا) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ الْغَلَطُ بِيَوْمَيْنِ (وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ غَيْمٍ وَنَحْوِهِ) كَقَتَرٍ وَدُخَانٍ (لَمْ يُفْطِرُوا) وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ لِلْأَصْلِ وَهُوَ بَقَاءُ رَمَضَانَ أَوْلَى. (فَلَوْ غُمَّ هِلَالُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَجَبَ أَنْ يُقَدَّرَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ نَاقِصَيْنِ) احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ (وَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يَرَوْا الْهِلَالَ) لِشَوَّالٍ (أَوْ يَصُومُوا اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا (وَكَذَا الزِّيَادَةُ) أَيْ: زِيَادَةُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ (إنْ غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، وَأَكْمَلْنَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَكَانَا نَاقِصَيْنِ) فَقَدْ صِيمَ يَوْمَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْمَفْرُوضِ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَعَلَى هَذَا فَقِسْ إذَا غُمَّ هِلَالُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ انْتَهَى أَيْ: فَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يَرَوْا الْهِلَالَ، أَوْ يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا. (قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ) أَيْ كَامِلَةً (وَقَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ) . عَنْ الْعُلَمَاءِ (لَا يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَأَكْثَرُ أَيْ: أَرْبَعَةٌ فَقَطْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا لَا يَجْتَمِعُ نُقْصَانُهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَالِبًا وَقِيلَ: لَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْعَمَلِ فِيهِمَا

стр. 810

بِنَقْصِ عَدَدِهِمَا وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ تَأْوِيلَ مَنْ أَوَّلَ السَّنَةَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِيهَا، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ قَدْ رَأَيْنَاهُمَا يَنْقُصَانِ ". (وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنْ رُئِيَ الْهِلَالُ صَبِيحَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَالشَّهْرُ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يُرَ فَهُوَ نَاقِصٌ هَذَا بِنَاءً عَلَى الِاسْتِسْرَارِ) أَيْ: تَوَارِي الْهِلَالِ (لَا يَكُونُ إلَّا لَيْلَتَيْنِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ) لِوُجُودِ خِلَافِهِ. (بَلْ قَدْ يَسْتَسِرُّ) الْهِلَالُ (لَيْلَةً تَارَةً، وَثَلَاثَ لَيَالٍ) تَارَةً (أُخْرَى) . (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لَفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّهْرِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِمَا مُعَلَّقِينَ بِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَكَعِلْمِ فَاسِقٍ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ وَأَحْكَامُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ. (وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ) ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يُبَاحُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. (وَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ، لَمْ يُفْطِرْ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعَهُ قَالَ: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحُّونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَلِاحْتِمَالِ خَطَئِهِ وَتُهْمَتِهِ، فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ، وَكَمَا لَا يُعَرِّفُ وَلَا يُضَحِّي وَحْدَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَالنِّزَاعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْهِلَالَ: هَلْ هُوَ اسْمٌ لِمَا يَطْلُعُ فِي السَّمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يَظْهَرْ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هِلَالًا إلَّا بِالظُّهُورِ وَالِاشْتِهَارِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ الْفِطْرُ سِرًّا، وَهُوَ حَسَنٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَهُ يَوْمَ عِيدٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْيَقِينُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ إذْ يَجُوزُ أَنَّهُ خُيِّلَ إلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ فِي رُؤْيَتِهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَمُوَافَقَةً لِلْجَمَاعَةِ. (وَالْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَتِهِ) أَيْ: هِلَالِ شَوَّالٍ (بِمَفَازَةٍ لَيْسَ بِقُرْبَةِ بَلَدٍ، يَبْنِي عَلَى يَقِينِ رُؤْيَتِهِ) فَيُفْطِرُ؛ (لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ) عَلَى الْهِدَايَةِ. (وَيُنْكَرُ عَلَى مَنْ أَكَلَ فِي) نَهَارِ (رَمَضَانَ ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ، قَالَهُ الْقَاضِي) لِئَلَّا يُتَّهَمَ. (وَقِيلَ لِابْنِ عَقِيلٍ يَجِبُ مَنْعُ مُسَافِرٍ وَمَرِيضٍ وَحَائِضٍ مِنْ الْفِطْرِ ظَاهِرًا لِئَلَّا يُتَّهَم؟ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ أَعْذَارٌ خَفِيَّةٌ مُنِعَ مِنْ إظْهَارِهِ كَمَرِيضٍ لَا أَمَارَةَ لَهُ، وَمُسَافِرٍ لَا عَلَامَةَ عَلَيْهِ) لِلتُّهْمَةِ بِخِلَافِ الْأَعْذَارِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا كَالتَّقْيِيدِ

стр. 811

لِكَلَامِ الْقَاضِي. (وَإِنْ رَآهُ) أَيْ: هِلَالَ شَوَّالٍ (عَدْلَانِ وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَ لِمَنْ سَمِعَ شَهَادَتَهُمَا الْفِطْرُ إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا وَ) جَازَ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُفْطِرَ بِقَوْلِهِمَا إذَا عَرَفَ عَدَالَةَ الْآخَرِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْح، لِقَوْلِهِ ﷺ : «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَقَدَّمَ فِي الْمُبْدِعِ عَدَمَ الْجَوَازِ وَأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. (وَإِنْ شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ) بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ (فَرَدَّ) الْحَاكِمُ (شَهَادَتَهُمَا، لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا فَلِمَنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ هَاهُنَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْهُ) بِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا (إنَّمَا هُوَ تَوَقَّفَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ) بِحَالِهِمَا (فَهُوَ كَالْوُقُوفِ عَنْ الْحُكْمِ انْتِظَارًا لِلْبَيِّنَةِ وَلِهَذَا لَوْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ) مِمَّنْ زَكَّاهُمَا (حُكِمَ بِهَا) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى، وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَأَمَّا إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِفِسْقِهِمَا فَلَيْسَ لَهُمَا وَلَا لِغَيْرِهِمَا الْفِطْرُ بِشَهَادَتِهِمَا. (وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا عَدَالَةَ الْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ) لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ (إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ) فَيَزُولُ اللَّبْسُ، وَكَذَا لَوْ جَهِلَ غَيْرُهُمَا عَدَالَتَهُمَا أَوْ عَدَالَةَ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ الْحَاكِمُ. (وَإِذَا اشْتَبَهَتْ الْأَشْهُرُ عَلَى أَسِيرٍ أَوْ مَطْمُورٍ أَوْ مَنْ بِمَفَازَةٍ وَنَحْوِهِمْ) كَمَنْ بِدَارِ حَرْبٍ (تَحَرَّى) أَيْ اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ (وُجُوبًا) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَزِمَهُ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. (وَصَامَ) الَّذِي ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ رَمَضَانُ (فَإِنْ وَافَقَ) ذَلِكَ (الشَّهْرَ) أَيْ: شَهْرَ رَمَضَانَ (أَجْزَأَهُ وَكَذَا) إنْ وَافَقَ (مَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ رَمَضَانَ كَذِي الْقِعْدَةِ أَوْ مُحَرَّمٍ وَنَحْوِهِ كَالصَّلَاةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ (رَمَضَانَ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، فَإِنْ كَانَ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِاعْتِبَارِ نِيَّةِ التَّعْيِينِ، (وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّهْرَ الَّذِي صَامَهُ) يَظُنُّهُ رَمَضَانَ (نَاقِصٌ، وَرَمَضَانَ) الَّذِي فَاتَهُ (تَمَامٌ لَزِمَهُ قَضَاءُ النَّقْصِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ الْمَتْرُوكِ بِخِلَافِ مَنْ نَذَرَ شَهْرًا وَأَطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي حُكْمِ الْقَضَاءِ وَيَقْضِي يَوْمَ عِيدٍ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ) يَعْنِي لَوْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ بِاجْتِهَادِهِ أَنَّهُ رَمَضَانُ لَزِمَهُ قَضَاءُ يَوْمِ الْعِيدِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهَا. (وَإِنْ وَافَقَ) صَوْمُهُ شَهْرًا (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ رَمَضَانَ كَشَعْبَانَ (لَمْ يُجْزِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَلَمْ يُجْزِهِ كَالصَّلَاةِ فَلَوْ وَافَقَ بَعْضُهُ رَمَضَانَ فَمَا وَافَقَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ، (وَإِنْ تَحَرَّى وَشَكَّ: هَلْ وَقَعَ) الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ رَمَضَانَ (أَوْ بَعْدَهُ؟ أَجْزَاهُ) لِتَأْدِيَةِ

стр. 812

فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ. (وَلَوْ صَامَ شَعْبَانَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةٍ ثُمَّ عَلِمَ) أَنَّ صَوْمَهُ كَانَ بِشَعْبَانَ فِي الثَّلَاثِ سِنِينَ (صَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ) بِنِيَّةِ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ الرَّمَضَانَاتِ (شَهْرٌ عَلَى إثْرِ شَهْرٍ) أَيْ: شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ يُرَتِّبُهَا بِالنِّيَّةِ (كَالصَّلَاةِ إذَا فَاتَتْهُ) نَقَلَهُ مُهَنَّا أَيْ فَإِنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ وَاجِبٌ، فَكَذَا بَيْنَ الرَّمَضَانَاتِ إذَا فَاتَتْ. (وَإِنْ صَامَ) مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ (بِلَا اجْتِهَادٍ، فَكَمَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ) لَا يُجْزِئُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاجْتِهَادِ. (وَإِنْ ظَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ فَصَامَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَصَابَ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي دُخُولِهِ) أَيْ: دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ. [فَصْلٌ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ قَادِرٍ عَلَيْهِ] (فَصْلٌ وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ) أَيْ صَوْمُ رَمَضَانَ (إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ قَادِرٍ عَلَيْهِ) أَيْ: الصَّوْمِ؛ لِمَا يَأْتِي (فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْإِسْلَامُ كَالصَّلَاةِ (وَالرِّدَّةُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ، فَلَوْ ارْتَدَّ فِي يَوْمٍ) وَهُوَ صَائِمٌ فِيهِ بَطَلَ صَوْمُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] (ثُمَّ) إنْ (أَسْلَمَ فِيهِ، أَوْ) أَسْلَمَ (بَعْدَهُ، أَوْ ارْتَدَّ فِي لَيْلَتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) أَيْ: قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إنْ كَانَ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْهُ مُسْلِمًا كَالصَّلَاةِ يُدْرِكُ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا. (وَلَا يَجِبُ) الصَّوْمُ (عَلَى مَجْنُونٍ) لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ) لِعَدَمِ إمْكَانِ النِّيَّةِ مِنْهُ. (وَلَا) يَجِبُ (عَلَى صَغِيرٍ) وَلَوْ مُرَاهِقًا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (وَيَصِحُّ) الصَّوْمُ (مِنْ مُمَيِّزٍ) كَصَلَاتِهِ (وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ) أَيْ الْمُمَيِّزِ (أَمْرُهُ بِهِ إذَا أَطَاقَهُ وَضَرْبُهُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ) أَيْ: الصَّوْمِ (إذَا تَرَكَهُ لِيَعْتَادَهُ) كَالصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الصَّوْمَ أَشَقُّ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّاقَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلَاةَ مَنْ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ. (وَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ) أَيْ: رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ (فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (قَامَتْ) (لَزِمَهُمْ)

стр. 813

أَيْ: أَهْلَ وُجُوبِ الصَّوْمِ (الْإِمْسَاكُ وَلَوْ بَعْدَ فِطْرِهِمْ) لِتَعَذُّرِ إمْسَاكِ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وَكَذَا لَوْ تَعَمَّدُوا الْأَكْلَ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْهُ (وَ) لَزِمَهُمْ (الْقَضَاءُ) لِثُبُوتِهِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِصَوْمٍ صَحِيحٍ فَلَزِمَهُمْ قَضَاؤُهُ لِلنَّصِّ. (وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ بَلَغَ صَغِيرٌ) مُفْطِرًا (فَكَذَلِكَ) أَيْ: مَنْ صَارَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لَزِمَهُ إمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَضَاؤُهُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ بِالرُّؤْيَةِ؛ وَلِإِدْرَاكِهِ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِ كَالصَّلَاةِ. (وَ) كَذَا (كُلُّ مَنْ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ يَجِبُ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ (كَالْفِطْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ) . (وَمَنْ أَفْطَرَ يَظُنَّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ أَوْ) يَظُنُّ (الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ أَوْ النَّاسِي النِّيَّةَ أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ أَوْ تَعَمَّدَتْ) مُكَلَّفَةٌ (الْفِطْرَ ثُمَّ حَاضَتْ) أَوْ نُفِسَتْ (أَوْ تَعَمَّدَهُ) أَيْ: الْفِطْرَ (مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ) فَكُلُّهُمْ يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ لِمَا سَبَقَ، (أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ) أَوْ أَقَامَ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ (أَوْ بَرِئَ مَرِيضٌ مُفْطِرِينَ فَعَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ وَالْإِمْسَاكُ) لِمَا سَبَقَ. (وَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ رَمَضَانَ (بِسِنٍّ) أَيْ: تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (أَوْ احْتِلَامٍ) أَيْ: إنْزَالِ مَنِيٍّ بِسَبَبِ حُلُمٍ (صَائِمًا أَتَمَّ صَوْمَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إنْ) كَانَ (نَوَى مِنْ اللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوَاهُ مِنْ اللَّيْلِ فَأَجْزَأَهُ كَالْبَالِغِ، وَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ نَفْلًا وَبَاقِيهِ فَرْضًا (كَنَذْرِ إتْمَامِ) نَفْلٍ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. (وَلَا يَلْزَمُ مَنْ أَفْطَرَ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ غَيْرَ رَمَضَانَ الْإِمْسَاكُ) لِعَدَمِ حُرْمَةِ الْوَقْتِ. (وَإِنْ عَلِمَ مُسَافِرٌ أَنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا لَزِمَهُ الصَّوْمُ نَصًّا) نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو دَاوُد كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَعَلِمَ قُدُومَهُ فِي غَدٍ فَيَنْوِيهِ مِنْ اللَّيْلِ (بِخِلَافِ صَبِيٍّ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ غَدًا) فَلَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ (لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ) قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ. (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ) وَهُوَ الْهَرِمُ وَالْهَرِمَةُ (أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَفْطَرَ) أَيْ: لَهُ ذَلِكَ إجْمَاعًا (لِعَدَمِ وُجُوبِهِ) أَيْ الصَّوْمِ (عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . (وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ) مُدًّا مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]

стр. 814

لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْكَبِيرِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ (غَيْرُهُ) رَمَضَانَ وَلَا قَضَاؤُهُ وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَجَبَتْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَلَمْ تَدْخُلْهَا النِّيَابَةُ كَالصَّلَاةِ. (وَإِنْ سَافَرَ) الْكَبِيرُ الْعَاجِزُ عَنْ الصَّوْمِ (أَوْ مَرِضَ فَلَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ؛ (لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ مُعْتَادٍ وَلَا قَضَاءَ) لِعَجْزِهِ عَنْهُ وَيُعَايَى بِهَا. (وَإِنْ) أَطْعَمَ ثُمَّ (قَدِرَ عَلَى الْقَضَاءِ فَكَمَعْضُوبٍ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْعَاجِزُ عَنْ الْحَجِّ وَيَأْتِي (أَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ عُوفِيَ) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عُوفِيَ قَبْلَ الْإِطْعَامِ تَعَيَّنَ الْقَضَاءُ كَالْمَعْضُوبِ إذَا عُوفِيَ قَبْلَ إحْرَامِ نَائِبِهِ. (وَلَا يَسْقُطُ الْإِطْعَامُ) عَنْ الْعَاجِزِ عَنْ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ (بِالْعَجْزِ) عَنْهُ كَفِدْيَةِ الْحَجِّ فَمَتَى قَدِرَ عَلَيْهِ أَطْعَمَ (وَيَأْتِي قَرِيبًا) . (وَالْمَرِيضُ) غَيْرُ الْمَيْئُوسِ مِنْ بُرْئِهِ (إذَا خَافَ) بِصَوْمِهِ (ضَرَرًا بِزِيَادَةِ مَرَضِهِ أَوْ طُولِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ (وَلَوْ بِقَوْلِ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ أَوْ كَانَ صَحِيحًا فَمَرِضَ فِي يَوْمِهِ أَوْ خَافَ مَرَضًا لِأَجْلِ عَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ سُنَّ فِطْرُهُ وَكُرِهَ صَوْمُهُ وَإِتْمَامُهُ) أَيْ: الصَّوْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أَيْ فَلْيُفْطِرْ وَلْيَقْضِ عَدَدَ مَا أَفْطَرَهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ قَبُولَ الرُّخْصَةِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالْأَخَفِّ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَا خُيِّرْتُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَرْتُ أَيْسَرَهُمَا» قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَلَوْ خَافَ تَلَفًا بِصَوْمِهِ كُرِهَ وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي الْإِجْزَاءِ (فَإِنْ صَامَ) الْمَرِيضُ مَعَ مَا سَبَقَ (أَجْزَأَهُ) صَوْمُهُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ كَمَا لَوْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ. (وَلَا يُفْطِرُ مَرِيضٌ لَا يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ كَمَنْ بِهِ جَرَبٌ أَوْ وَجَعُ ضِرْسٍ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ دُمَّلٍ وَنَحْوِهِ) قِيلَ لِأَحْمَدَ مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ قِيلَ: مِثْلَ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى. (وَقَالَ) أَبُو بَكْرٍ (الْآجُرِّيُّ مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ فَإِنْ خَافَ) بِالصَّوْمِ (تَلَفًا أَفْطَرَ وَقَضَى) إنْ ضَرَّهُ تَرْكُ الصَّنْعَةِ، (فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ) بِالْفِطْرِ وَيَتْرُكُهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْتِفْ التَّضَرُّرُ بِتَرْكِهَا (فَلَا) إثْمَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ لِلْعُذْرِ. (وَمَنْ قَاتَلَ عَدُوًّا أَوْ أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِبَلَدِهِ وَالصَّوْمُ يُضْعِفُهُ) عَنْ الْقِتَالِ

стр. 815

(سَاغَ لَهُ الْفِطْرُ بِدُونِ سَفَرٍ نَصًّا) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَمَنْ بِهِ شَبَقٌ يَخَافُ أَنْ يَنْشَقَّ ذَكَرُهُ) أَوْ أُنْثَيَاهُ أَوْ مَثَانَتُهُ (جَامَعَ وَقَضَى وَلَا يُكَفِّرُ نَصًّا) نَقَلَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيُّ قَالَ أَحْمَدُ: يُجَامِعُ وَلَا يُكَفِّرُ وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الرَّجُلُ هَذَا وَلَمْ يُجَامِعْ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْشَقَّ فَرْجُهُ. (وَإِنْ انْدَفَعَتْ شَهْوَتُهُ بِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْجِمَاعِ (كَالِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهِ أَوْ يَدِ زَوْجَتِهِ أَوْ) يَدِ (جَارِيَتِهِ وَنَحْوِهِ) كَالْمُفَاخَذَةِ (لَمْ يَجُزْ) لَهُ الْوَطْءُ كَالصَّائِلِ يَنْدَفِعُ بِالْأَسْهَلِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ. (وَكَذَا إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ لَا يُفْسِدَ صَوْمَ زَوْجَتِهِ) أَوْ أَمَتِهِ (الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ بِأَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْكِتَابِيَّتَيْنِ أَوْ) يَطَأَ (زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الصَّغِيرَتَيْنِ) أَوْ الْمَجْنُونَتَيْنِ (أَوْ) انْدَفَعْت شَهْوَتَهُ بِالْوَطْءِ (دُونَ الْفَرْجِ) فَلَا يُبَاحُ لَهُ إفْسَادُ صَوْمِهَا لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ قِيَاسَ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَهُ وَطْءُ مَنْ لَزِمَهَا الْإِمْسَاكُ كَمَنْ طَهُرَتْ وَنَحْوِهَا فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ دُونَ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ خُصُوصًا فِيمَا فِيهِ خِلَافٌ فِي وُجُوبِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ عَدَمُ إفْسَادِ صَوْمِ الزَّوْجَةِ أَوْ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ (جَازَ) لَهُ إفْسَادُ صَوْمِهَا (لِلضَّرُورَةِ) كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. (وَمَعَ الضَّرُورَةِ إلَى وَطْءِ حَائِضٍ وَصَائِمَةٍ بَالِغٍ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُمَا (فَوَطْءُ الصَّائِمَةِ أَوْلَى) مِنْ وَطْءِ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ وَطْءِ الْحَائِضِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) الزَّوْجَةُ أَوْ الْأَمَةُ الصَّائِمَةُ (بَالِغًا وَجَبَ اجْتِنَابُ الْحَائِضِ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِلَا مَحْذُورٍ، فَيَطَأُ الصَّغِيرَةَ وَكَذَا الْمَجْنُونَةَ. (وَإِنْ تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ) أَيْ: ذِي الشَّبَقِ (لِدَوَامِ شَبَقِهِ فَكَكَبِيرٍ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا قَضَاءَ إلَّا مَعَ عُذْرٍ مُعْتَادٍ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَلَا إطْعَامَ وَلَا قَضَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَبِيرِ، وَلَعَلَّ حُكْمَ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا كَذَلِكَ. (وَحُكْمُ الْمَرِيضِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالْجِمَاعِ) فِي مَرَضِهِ (حُكْمُ مَنْ خَافَ تَشَقُّقَ فَرْجِهِ) فِي جَوَازِ الْوَطْءِ مَعَ الْكَفَّارَةِ وَإِفْسَادِ صَوْمِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَعَدَمِهِ. (وَالْمُسَافِرُ سَفَرَ قَصْرٍ يُسَنُّ لَهُ الْفِطْرُ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ) الْعَامِرَةِ (كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَصْرِ) مُوَضِّحًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . (وَيُكْرَهُ صَوْمُهُ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَشَقَّةً) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَزَادَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» . وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا «أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ وَبَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا صَامُوا قَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»

стр. 816

قَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ لِمَنْ قَوِيَ وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ (وَيُجْزِئُهُ) أَيْ: يُجْزِئُ الْمُسَافِرَ الصَّوْمُ بِرَمَضَانَ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُعْجِبُنِي، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» وَعُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَأْمُرَانِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ: وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ (لَكِنْ لَوْ سَافَرَ لِيُفْطِرَ حَرُمَا) أَيْ السَّفَرُ وَالْفِطْرُ (عَلَيْهِ) حَيْثُ لَا عِلَّةَ لِسَفَرِهِ إلَّا الْفِطْرُ أَمَّا حُرْمَةُ الْفِطْرِ فَلِعَدَمِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لَهُ وَأَمَّا حُرْمَةُ السَّفَرِ فَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْفِطْرِ الْمُحَرَّمِ. (وَلَا يَجُوزُ لِمَرِيضٍ وَمُسَافِرٍ أُبِيحَ لَهُمَا الْفِطْرُ أَنْ يَصُومَا فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ) مِنْ قَضَاءٍ وَنَذْرٍ وَغَيْرِهِمَا (كَمُقِيمٍ صَحِيحٍ) ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهِ، لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِالْأَصْلِ، كَالْجُمُعَةِ وَكَالْمُقِيمِ الصَّحِيحِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَبِلَ صَوْمًا مِنْ الْمَعْذُورِ لَقَبِلَهُ مِنْ غَيْرِهِ، كَسَائِرِ الزَّمَانِ الْمُتَضَيِّقِ لِلْعِبَادَةِ (فَيَلْغُو صَوْمُهُ) إذَا صَامَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ لَهُ. (وَلَوْ قَلَبَ صَوْمَ رَمَضَانَ إلَى نَفْلٍ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ النَّفَلُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَبَطَلَ فَرْضُهُ) لِقَطْعِ نِيَّتِهِ. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرٍ فَلَهُ الْفِطْرُ بِمَا شَاءَ مِنْ جِمَاعٍ وَغَيْرِهِ) كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ؛ (لِأَنَّ مَنْ) أُبِيحَ (لَهُ الْأَكْلُ) أُبِيحَ (لَهُ الْجِمَاعُ) كَمَنْ لَمْ يَنْوِ. (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ (لِحُصُولِ الْفِطْرِ بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الْفِعْلِ) أَيْ: الْجِمَاعِ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَهُ. (وَكَذَا مَرِيضٌ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ) إذَا نَوَى الصَّوْمَ، لَهُ الْفِطْرُ بِمَا شَاءَ مِنْ جِمَاعٍ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ) سَفَرًا يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (طَوْعًا أَوْ كُرْهًا فَلَهُ الْفِطْرُ بَعْدَ خُرُوجِهِ) وَمُفَارَقَتِهِ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ مِنْهَا: مَا رَوَى عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ قَالَ: " رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ فَقَالَ: اقْتَرِبْ قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَأَكَلَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ السَّفَرَ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْمَرَضِ الطَّارِئِ، وَلَوْ بِفِعْلِهِ، وَالصَّلَاةُ لَا يَشُقُّ إتْمَامُهَا وَهِيَ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى وَجَبَ إتْمَامُهَا لَمْ تُقْصَرْ بِحَالٍ و (لَا) يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ خُرُوجِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ (وَالْأَفْضَلُ لَهُ) أَيْ لِمَنْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ نَوَى صَوْمَهُ (الصَّوْمُ) أَيْ: إتْمَامُ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ لَمْ يُبِحْ لَهُ الْفِطْرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ. (وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا الضَّرَرَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا) أُبِيحَ لَهُمَا الْفِطْرُ كَالْمَرِيضِ (أَوْ)

стр. 817

خَافَتَا الضَّرَرَ عَلَى (وَلَدَيْهِمَا أُبِيحَ لَهُمَا الْفِطْرُ) ؛ لِأَنَّ خَوْفَهُمَا خَوْفٌ عَلَى آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ خَوْفَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا. (وَكُرِهَ صَوْمُهُمَا) كَالْمَرِيضِ، (وَيُجْزِئُ) صَوْمُهُمَا (إنْ فَعَلَتَا) أَيْ: صَامَتَا كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، (وَإِنْ أَفْطَرَتَا قَضَتَا) مَا أَفْطَرَتَاهُ كَالْمَرِيضِ (وَلَا إطْعَامَ) عَلَى أَحَدٍ (إنْ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا كَمَرِيضٍ) يَضُرُّهُ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يَقْضِي مِنْ غَيْرِ إطْعَامٍ. (بَلْ إنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا) فَقَطْ (أَطْعَمَتَا مَعَ الْقَضَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّكْمِلَةِ لَهُ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ فَوَجَبَ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ. (وَهُوَ) أَيْ: الْإِطْعَامُ (عَلَى مَنْ يُمَوِّنُ الْوَلَدَ) ؛ لِأَنَّ الْإِرْفَاقَ لِلْوَلَدِ وَيَجِبُ الْإِطْعَامُ (عَلَى الْفَوْرِ) ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْأَمْرِ، وَكَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ. وَذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِهِ مَعَ الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّكْمِلَةِ لَهُ وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا (وَإِنْ قَبِلَ وَلَدُ الْمُرْضِعَةِ ثَدْيَ غَيْرِهَا وَقَدِرَتْ تَسْتَأْجِرُ لَهُ أَوْ لَهَا) مِنْ الْمَالِ (مَا يُسْتَأْجَرُ مِنْهُ فَعَلَتْ) أَيْ: اسْتَأْجَرَتْ لَهُ (وَلَمْ تُفْطِرْ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَلَهُ صَرْفُ الْإِطْعَامِ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً) لِظَاهِرِ الْآيَةِ. (وَحُكْمُ الظِّئْرِ) أَيْ: الْمُرْضِعَةُ لِوَلَدِ غَيْرِهَا (كَمُرْضِعٍ) لِوَلَدِهَا (فِيمَا تَقَدَّمَ) مِنْ الْفِطْرِ وَعَدَمِهِ، وَالْفِدْيَةِ وَعَدَمِهَا، (فَإِنْ لَمْ تُفْطِرْ) الظِّئْرُ (فَتَغَيَّرَ لَبَنُهَا) بِالصَّوْمِ (أَوْ نَقَصَ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ) بَيْنَ فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَإِمْضَائِهَا، (وَإنْ قَصَدَتْ) الظِّئْرُ (الْإِضْرَارَ) بِالرَّضِيعِ بِصَوْمِهَا (أَثِمَتْ وَكَانَ لِلْحَاكِمِ إلْزَامُهَا بِالْفِطْرِ بِطَلَبِ الْمُسْتَأْجِرِ) ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ تَأَذَّى الصَّبِيُّ بِنَقْصِهِ أَوْ تَغْيِيرِهِ لَزِمَهَا الْفِطْرُ، فَإِنْ أَبَتْ فَلِأَهْلِهِ الْفَسْخُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إلْزَامُهَا بِمَا يَلْزَمُهَا، وَإِنْ لَمْ تَقْصِدْ الضَّرَرَ، بِلَا طَلَبٍ قُبِلَ الْفَسْخُ وَهَذَا مُتَّجَهٌ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى. (وَلَا يَسْقُطُ الْإِطْعَامُ بِالْعَجْزِ) كَالدَّيْنِ. (وَكَذَا) الْإِطْعَامُ (عَنْ الْكَبِيرِ، و) الْمَرِيضِ (الْمَيْئُوسِ) مِنْهُ وَتَقَدَّمَ. (وَلَا) يَسْقُطُ (إطْعَامُ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ) حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ (و) لَا إطْعَامَ (غَيْرِهِ) مِمَّا وَجَبَ بِنَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ بِالْعَجْزِ (غَيْرَ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ) فِي

стр. 818

الْحَيْضِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِهِ وَغَيْرَ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (وَيَأْتِي) فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. (وَلَوْ وَجَدَ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فِي هَلَكَةٍ كَغَرِيقٍ لَزِمَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ إنْقَاذُهُ) مِنْ الْهَلَكَةِ (وَإِنْ دَخَلَ الْمَاءُ) فِي (حَلْقِهِ لَمْ يُفْطِرْ) كَمَنْ طَارَ إلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ بِلَا قَصْدٍ. (وَإِنْ حَصَلَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُنْقِذِ (بِسَبَبِ إنْقَاذِهِ ضَعْفٌ فِي نَفْسِهِ، فَأَفْطَرَ فَلَا فِدْيَةَ) عَلَى الْمُنْقِذِ، وَلَا عَلَى الْمُنْقَذِ (كَالْمَرِيضِ) ، وَإِنْ احْتَاجَ فِي إنْقَاذِهِ إلَى الْفِطْرِ وَجَبَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ لَيْلًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ مَعَ النِّيَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ الْإِمْسَاكُ الْمُضَافُ إلَيْهِ النِّيَّةُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «إنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» فَلَمْ تُعْتَبَرْ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ، (وَإِنْ أَفَاقَ) الْمَجْنُونُ أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ (جُزْءًا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي بَيَّتَ النِّيَّةَ لَهُ (صَحَّ) صَوْمُهُ لِقَصْدِ الْإِمْسَاكِ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ كَمَا لَوْ نَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ جُزْءُ الْإِدْرَاكِ وَلَا يُفْسِدُ الْإِغْمَاءُ بَعْضَ الْيَوْمِ الصَّوْمَ، وَكَذَا الْجُنُونُ وَقِيلَ: يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَالْحَيْضِ وَأَوْلَى لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ كَالْإِغْمَاءِ وَيُفَارِقُ الْحَيْضَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَيُحَرِّمُ فِعْلَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ، (وَمَنْ جُنَّ فِي صَوْمِ قَضَاءٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَنَذْرٍ (قَضَاهُ) إذَا أَفَاقَ (بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ) كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، (وَإِنْ نَامَ) مَنْ نَوَى الصَّوْمَ (جَمِيعَ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ وَلَا يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بِالْكُلِّيَّةِ. (وَلَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ قَضَاءُ زَمَنِ جُنُونِهِ) ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ (وَيَلْزَمُ) الْقَضَاءُ (الْمُغْمَى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَهُوَ مُغَطٍّ عَلَى الْعَقْلِ غَيْرُ رَافِعٍ لِلتَّكْلِيفِ، وَلَا تَطُولُ مُدَّتُهُ وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَيَدْخُلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. [فَصْلٌ لَا يَصِحُّ صَوْمٌ إلَّا بِنِيَّةٍ] (فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ صَوْمٌ) إلَّا بِنِيَّةٍ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إجْمَاعًا كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلَا صَوْمٌ. (وَاجِبٌ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَجْمَعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ

стр. 819

عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ، وَوَافَقَهُ عَلَى رَفْعِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يُثْبِتْ أَحْمَدُ رَفْعَهُ وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَفِي لَفْظٍ لِلزُّهْرِيِّ «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» لَا يُقَالُ: فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ قَدْ وَرَدَ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ وَقَدْ كَانَ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ نَهَارًا كَمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا ثُمَّ نَذَرَهُ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً ذَكَرُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ اللَّيْلِ نَوَى أَجْزَأَهُ؛ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ. (لِكُلِّ يَوْمٍ) مِنْ رَمَضَانَ (نِيَّةٌ مُفْرَدَةٌ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ: أَيَّامَ رَمَضَانَ (عِبَادَاتٌ) فَكُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، (وَ) الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ: أَنَّهُ (لَا يَفْسُدُ) صَوْمُ (يَوْمٍ بِفَسَادِ) صَوْمِ يَوْمٍ (آخَرَ كَالْقَضَاءِ) أَيْ: قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَعَنْهُ يُجْزِئُ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِكُلِّهِ. (وَلَوْ نَوَتْ حَائِضٌ) أَوْ نُفَسَاءُ (صَوْمَ غَدٍ وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تَطْهُرُ لَيْلًا صَحَّ) لِمَشَقَّةِ الْمُقَارَنَةِ. (وَلَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ) مِنْ الْغُرُوبِ (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ. (أَوْ نَوَى نَهَارًا صَوْمَ الْغَدِ لَمْ يَصِحَّ) صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ كَمَا لَوْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ صَوْمَ بَعْدَ غَدٍ. (وَلَوْ نَوَى) الصَّوْمَ (مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ أَتَى بَعْدَ النِّيَّةِ فِيهِ) أَيْ: اللَّيْلِ (بِمَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ) كَالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ (لَمْ تَبْطُلْ) النِّيَّةُ، نَصَّ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ خِلَافًا لِابْنِ حَامِدٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ الْأَكْلَ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ فَلَوْ بَطَلَتْ فِيهِ فَاتَ مَحِلُّهَا. (وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ نَوَى) ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ. (وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ نِيَّةٌ) قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَمَعْنَاهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ حِينَ يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ؛ وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَشَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَعَشَاءِ لَيَالِي رَمَضَانَ. (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةَ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ) غَدًا (مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ قَضَائِهِ أَوْ) مِنْ (نَذْرِهِ أَوْ كَفَّارَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ؛ وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ. (وَلَا يَجِبُ مَعَهُ) أَيْ: التَّعْيِينِ (نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ: الْفَرْضِيَّةِ (فِي فَرْضِهِ وَلَا الْوُجُوبُ فِي وَاجِبِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ، (فَلَوْ نَوَى إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ) أَيْ: الصَّوْمُ (عَنْهُ وَإِلَّا فَعَنْ وَاجِبٍ غَيْرِهِ وَعَيَّنَهُ بِنِيَّتِهِ) كَأَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ (لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ لِأَحَدِهِمَا، (وَإِنْ قَالَ:) إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي (وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ أَوْ فَأَنَا مُفْطِرٌ لَمْ يَصِحَّ) صَوْمُهُ إنْ ظَهَرَ مِنْهُ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ، (وَإِنْ

стр. 820

قَالَهُ) أَيْ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَفَرْضِي وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَحَّ) صَوْمُهُ إنْ بَانَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَمْ يَثْبُتْ زَوَالُهُ وَلَا يَقْدَحُ تَرَدُّدُهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ صَوْمَهُ مَعَ الْجَزْمِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَهُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ مَعَهُ يُبْنَى عَلَيْهِ، بَلْ الْأَصْلُ بَقَاءُ شَعْبَانَ. (وَمَنْ قَالَ: أَنَا صَائِمٌ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ قَصَدَ بِالْمَشِيئَةِ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ فِي الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ، فَسَدَتْ نِيَّتُهُ) لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهَا. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالْمَشِيئَةِ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ فِي الصَّوْمِ وَعَدَمِهِ بَلْ نَوَى التَّبَرُّكَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا (لَمْ تَفْسُدْ) نِيَّتُهُ؛ (إذْ قَصْدُهُ أَنَّ فِعْلَهُ لِلصَّوْمِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ كَمَا لَا يَفْسُدُ الْإِيمَانُ بِقَوْلِهِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ فِي الْحَالِ) قَالَ الْقَاضِي: (وَكَذَا) نَقُولُ فِي (سَائِرِ الْعِبَادَاتِ) لَا تَفْسُدُ بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي نِيَّتِهَا اهـ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ لِابْنِ حَمْدَانَ يَحْرُمُ قَوْلُهُ: أَنَا مُسْلِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَإِنْ لَمْ يُرَدِّدْ نِيَّتَهُ بَلْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ) مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ غَيْمٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ بِمُسْتَنَدٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ كَحِسَابٍ وَنَحْوِهِ) كَتَنْجِيمٍ وَلَوْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُ (لَمْ يُجْزِئْهُ) صَوْمُهُ (وَإِنْ بَانَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ يَتْبَعُ الْعِلْمَ وَمَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُودِهِ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ. (وَلَا أَثَرَ لِشَكٍّ مَعَ غَيْمٍ وَقَتَرٍ) وَنَحْوِهِمَا فَإِذَا نَوَى صَوْمَ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ لِذَلِكَ أَجْزَأَهُ إنْ بَانَ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ نَوَى خَارِجَ رَمَضَانَ قَضَاءً وَنَفْلًا أَوْ نَوَى الْإِفْطَارَ مِنْ الْقَضَاءِ ثُمَّ نَوَى نَفْلًا أَوْ قَلَبَ نِيَّةَ الْقَضَاءِ إلَى النَّفْلِ بَطَلَ الْقَضَاءُ) لِتَرَدُّدِهِ فِي نِيَّتِهِ أَوْ قَطْعِهَا (وَلَمْ يَصِحَّ النَّفَلُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْلِ مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ) . وَفِي الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: يَصِحُّ نَفْلًا وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِهِ عَنْهُ. (وَإِنْ نَوَى) خَارِجَ رَمَضَانَ (قَضَاءً وَكَفَّارَةَ ظِهَارٍ وَنَحْوِهِ) كَكَفَّارَةِ قَتْلٍ (لَمْ يَصِحَّا) أَيْ: لَا الصَّوْمُ الْوَاجِبُ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ لَهُ، وَلَا النَّفَلُ (لِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ نَفْلِ مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ. (وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَطَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ بِنِيَّةِ الْإِفْطَارِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا ابْتِدَاءً (فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ) الصَّوْمَ (لَا كَمَنْ أَكَلَ) وَنَحْوِهِ، (فَلَوْ كَانَ) نَوَى الْإِفْطَارَ (فِي نَفْلٍ ثُمَّ عَاد نَوَاهُ) نَفْلًا (صَحَّ) نَصَّ عَلَيْهِ (، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، فَقَطَعَ نِيَّتَهُ ثُمَّ نَوَى نَفْلًا) بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى طَرِيقَتِهِ. (وَلَوْ قَلَبَ نِيَّةَ نَذْرٍ) أَوْ كَفَّارَةٍ (إلَى النَّفْلِ) فَكَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضِ صَلَاةٍ إلَى نَفْلِهَا فَيَصِحُّ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. (وَلَوْ تَرَدَّدَ فِي الْفِطْرِ أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى أَوْ إنْ وَجَدْتُ

стр. 821

طَعَامًا أَكَلْتُ وَإِلَّا أَتْمَمْتُ وَنَحْوه بَطَل) صَوْمه لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّة (كَصَلَاةِ) أَيْ: كَمَا تَبْطُل الصَّلَاة بِتَرَدُّدِهِ فِي فَسْخ نِيَّتهَا إذْ اسْتِصْحَاب حُكْم النِّيَّة شَرْط فِي صِحَّة الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْوُضُوء وَنَحْوهَا. (وَيَصِحّ صَوْم نَفْل بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار قَبْلَ الزَّوَال وَبَعْدَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي إذَنْ صَائِمٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَاشُورَاءَ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خُفِّفَ نَفْلُهَا عَنْ فَرْضِهَا، فَكَذَا الصَّوْمُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِهِ لِكَوْنِهِ يَعِنُّ لَهُ فَعُفِيَ عَنْهُ وَيَدُلُّ لِصِحَّتِهِ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوَالِ: أَنَّهُ قَوْلُ مُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُهُ صَرِيحًا؛ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ وُجِدَتْ فِي جُزْءِ النَّهَارِ فَأَشْبَهَ وُجُودَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ بِلَحْظَةٍ، وَبِهِ يَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ قَدْ خَلَا عَنْ النِّيَّةِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ يَزِيدُ عَلَى مَا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ بِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ، وَأَيْضًا جَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَكَذَا النَّهَارُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ مَا يُفَطِّرُهُ قَبْلَ النِّيَّةِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، لَكِنْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو زَيْدٍ الشَّافِعِيُّ. (وَيُحْكَمُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ فَلَا يَقَعُ عِبَادَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ» (فَيَصِحُّ تَطَوُّعُ حَائِضٍ) أَوْ نُفَسَاءَ (طَهُرَتْ) فِي يَوْمٍ بِصَوْمِ بَقِيَّتِهِ (و) تَطَوُّعُ (كَافِرٍ أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يَأْكُلَا) أَيْ الْحَائِضُ وَالْكَافِرُ، وَلَوْ قَالَ كَالْمُنْتَهَى: لَمْ يَأْتِيَا فِيهِ بِمُفْسِدٍ لَكَانَ أَشْمَلَ (بِصَوْمِ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَطَوُّعٍ. وَفِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ يُحْتَمَل أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا صَوْمٌ. [بَابُ مَا يُفْسِدُ الصِّيَامَ] َ وَهُوَ كُلُّ مَا يُنَافِيهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا (وَ) مَا (يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ) كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (مِنْ أَكْلٍ وَلَوْ تُرَابًا أَوْ مَا لَا يُغَذِّي) بِالْغَيْنِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ (وَلَا يَنْمَاعُ فِي الْجَوْفِ، كَالْحَصَى أَوْ شَرِبَ) فَسَدَ صَوْمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَأَبَاحَهُمَا إلَى غَايَةٍ وَهِيَ تَبَيُّنُ

стр. 822

الْفَجْرِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُمَا إلَى اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. (أَوْ اسْتَعَطَ) فِي أَنْفِهِ (بِدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَوَصَلَ إلَى حَلْقِهِ أَوْ دِمَاغِهِ) . وَفِي الْكَافِي: أَوْ خَيَاشِيمِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ «لِنَهْيِهِ ﷺ الصَّائِمَ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ» ؛ وَلِأَنَّ الدِّمَاغَ جَوْفٌ وَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يُغَذِّيهِ فَيُفْطِرُ كَجَوْفِ الْبَدَنِ. (أَوْ احْتَقَنَ) فِي دُبُرِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَالْمُعْتَادِ فِي الْوَاصِلِ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَوْلَى مِنْ الِاسْتِعَاطِ (أَوْ دَاوَى الْجَائِفَةَ أَوْ جُرْحًا بِمَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ إلَى جَوْفِهِ شَيْئًا بِاخْتِيَارِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ (أَوْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ أَوْ صَبِرٍ أَوْ قُطُورٍ أَوْ ذَرُورٍ أَوْ إثْمِدٍ وَلَوْ غَيْرُ مُطَيَّبٍ يَتَحَقَّقُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى حَلْقِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَالَ: لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوقٌ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ؛ وَلِأَنَّ الْعَيْنَ مَنْفَذٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَكَالْوَاصِلِ مِنْ الْأَنْفِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُصُولُهُ إلَى حَلْقِهِ (فَلَا) فِطْرَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ (أَوْ اسْتَقَاءَ) أَيْ: اسْتَدْعَى الْقَيْءَ (فَقَاءَ طَعَامًا أَوْ مِرَارًا أَوْ بَلْغَمًا أَوْ دَمًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ قَلَّ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ (أَوْ أَدْخَلَ إلَى جَوْفِهِ أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ كَدِمَاغِهِ وَحَلْقِهِ وَبَاطِنِ فَرْجِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (الِاسْتِطَابَةِ إذَا أَدْخَلَتْ أُصْبُعَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ) أَيْ: نَحْوُ الدِّمَاغِ وَالْحَلْقِ وَبَاطِنِ فَرْجِهَا كَالدُّبُرِ (مِمَّا يُنْفِذُ إلَى مَعِدَتِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَلَوْ خَيْطًا ابْتَلَعَهُ كُلَّهُ أَوْ) ابْتَلَعَ (بَعْضَهُ أَوْ رَأْسَ سِكِّينٍ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ) فَغَابَ فِي جَوْفِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْوَاصِلِ. وَجَزَمَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ: بِأَنَّهُ يَكْفِي الظَّنُّ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُفْطِرُ بِمُدَاوَاةِ جَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ وَلَا بِحُقْنَةٍ (أَوْ دَاوَى الْمَأْمُومَةَ) فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ (أَوْ قَطَرَ فِي أُذُنِهِ مِمَّا يَصِلُ إلَى دِمَاغِهِ) ؛ لِأَنَّ الدِّمَاغَ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ فَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يُغَذِّيهِ فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ كَالْآخَرِ (أَوْ اسْتَمْنَى) أَيْ:

стр. 823

اسْتَدْعَى الْمَنِيَّ (فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى) ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ بِالْقُبْلَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْإِنْزَالِ فَلَأَنْ يَفْسُدَ بِهِ بِطَرِيقِ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَقَدْ أَتَى مُحَرَّمًا وَلَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَإِنْ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا كَالْبَوْلِ (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ أَوْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي فَعَلْتُ أَمْرًا عَظِيمًا قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ قُلْتُ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ فَمَهْ» فَشَبَّهَ الْقُبْلَةَ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْفِطْرِ فَإِنَّ الْقُبْلَةَ إذَا كَانَ مَعَهَا نُزُولٌ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ: أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً وَذَرِيعَةً إلَى الْجِمَاعِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فِطْرَ بِدُونِ الْإِنْزَالِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرُوِيَ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا وَمَعْنَاهُ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرِهَا وَقِيلَ: بِالتَّسْكِينِ الْعُضْوُ وَبِالتَّحْرِيكِ الْحَاجَةُ (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَمْنَى) ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِفِعْلٍ يَلْتَذُّ بِهِ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِاللَّمْسِ (وَلَا) يُفْطِرُ (إنْ أَمْذَى) بِتَكْرَارِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ. وَالْقِيَاسُ عَلَى إنْزَالِ الْمَنِيِّ لَا يَصِحُّ لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ فِي الْأَحْكَامِ (أَوْ لَمْ يُكَرِّرْ النَّظَرَ فَأَمْنَى) أَيْ: لَا فِطْرَ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْ النَّظْرَةِ الْأُولَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَلَمْ يُنْزِلْ فَلَا فِطْرَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ (أَوْ حَجَمَ أَوْ احْتَجَمَ) فِي الْقَفَا أَوْ السَّاقِ نَصَّ عَلَيْهِ. (وَظَهَرَ دَمٌ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ وَعَائِشَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَهُوَ لِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى رُتْبَةِ الْمُسْتَفِيضِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: ثَبَتَتْ الْأَخْبَارُ عَنْهُ ﷺ بِذَلِكَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِيهِ غَيْرُ حَدِيثِ ثَابِتٍ وَأَصَحُّهَا: حَدِيثُ رَافِعٍ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ثَوْبَانَ وَشَدَّادٍ وَصَحَّحَهُمَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ ذَهَبَتْ كُتُبُهُ فِي فِتْنَةٍ فَكَانَ يُحَدِّثُ

стр. 824

مِنْ كُتُبِ غُلَامِهِ أَبِي حَكِيمٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ رَاوِيهِ كَانَ يُعِدُّ الْحَجَّامَ وَالْمَحَاجِمَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فَإِذَا غَابَتْ احْتَجَمَ كَذَلِكَ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَجَدَهُ» وَأَحَادِيثُنَا أَكْثَرُ وَاعْتَضَدَتْ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَهِيَ قَوْلٌ وَحَدِيثُهُمْ فِعْلٌ، وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ لِعَدَمِ عُمُومِ الْفِعْلِ وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ وَنَسْخُ حَدِيثِهِمْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ فَنَسْخُهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ نَسْخِ حَدِيثِنَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَمٌ فَلَا فِطْرَ. وَ (لَا) فِطْرَ (إنْ جَرَحَ) الصَّائِمُ (نَفْسَهُ أَوْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَصِلْ إلَى جَوْفِهِ) شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الْجَرْحِ (وَلَوْ) كَانَ الْجَرْحُ (بَدَلَ الْحِجَامَةِ) . (وَلَا) فِطْرَ (بِفَصْدٍ وَشَرْطٍ وَلَا بِإِخْرَاجِ دَمِهِ بِرُعَافٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ (أَيْ: ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِمَا. (فِعْلُ) الصَّائِمِ (عَامِدًا) أَيْ: قَاصِدًا لِلْفِعْلِ (ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ مُخْتَارًا) لِفِعْلِهِ (فَسَدَ صَوْمُهُ وَلَوْ جَهِلَ التَّحْرِيمَ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، (فَلَا يُفْطِرُ غَيْرُ قَاصِدٍ الْفِعْلَ كَمَنْ طَارَ إلَى حَلْقِهِ غُبَارٌ وَنَحْوُهُ) كَذُبَابٍ (أَوْ أُلْقِيَ فِي مَاءٍ فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْقَاصِدِ غَافِلٌ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. (وَلَا) يُفْطِرُ (نَاسٍ) لِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَرْضًا كَانَ الصَّوْمُ أَوْ نَفْلًا) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ. (وَلَا) يُفْطِرُ (مُكْرَهٌ سَوَاءٌ أُكْرِهَ عَلَى الْفِعْلِ) أَيْ: الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ (حَتَّى فَعَلَ) مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ (أَوْ فُعِلَ بِهِ بِأَنْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا كَمَا لَوْ أُوجِرَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةً) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ". (وَيُفْطِرُ) الصَّائِمُ (بِرِدَّةٍ) مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَكَذَلِكَ كُلُّ عِبَادَةٍ حَصَلَتْ الرِّدَّةُ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّهَا تُفْسِدُهَا (وَ) يُفْطِرُ بِ (مَوْتٍ فَيُطْعَمُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ) مِسْكِينٌ لِفَسَادِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لِتَعَذُّرِ قَضَائِهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي حُكْمِ الْقَضَاءِ. (وَإِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارُ طَرِيقٍ أَوْ) غُبَارُ (دَقِيقٍ أَوْ دُخَانٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ)

стр. 825

لَمْ يُفْطِرْ لِعَدَمِ الْقَصْدِ كَالنَّائِمِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ ابْتَلَعَ الدُّخَانَ قَصْدًا فَسَدَ صَوْمُهُ. (أَوْ قَطَرَ فِي إحْلِيلِهِ) دُهْنًا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يُفْطِرْ (وَلَوْ وَصَلَ مَثَانَتَهُ) لِعَدَمِ الْمَنْفَذِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْبَوْلُ رَشْحًا كَمُدَاوَاةِ جُرْحٍ عَمِيقٍ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَوْفِ، وَالْمَثَانَةُ: الْعُضْوُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْبَوْلُ وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَمْسِكُ بَوْلَهُ قِيلَ: مَثِنَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الثَّاءِ فَهُوَ أَمْثَنُ، وَالْمَرْأَةُ مَثْنَى وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ رَجُلٌ مَثِنٌ وَمَمْثُونٌ. (أَوْ فَكَّرَ فَأَمْنَى أَوْ مَذَى) لَمْ يُفْطِرْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «عُفِيَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَقِيَاسُهُ عَلَى تَكْرَارِ النَّظَرِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ (كَمَا لَوْ حَصَلَ) الْإِنْزَالُ (بِفِكْرٍ غَالِبٍ) أَيْ: غَيْرِ اخْتِيَارِيٍّ بِأَنْ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِيهِ (أَوْ احْتَلَمَ أَوْ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ كَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوْ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ أَوْ) لِ (سَقْطَةٍ) مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ (أَوْ خُرُوجًا مِنْهُ لِهَيَجَانِ شَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ) بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ أَمْنَى نَهَارًا مِنْ وَطْءِ لَيْلٍ) لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهِ فِي النَّهَارِ (أَوْ) أَمْنَى (لَيْلًا مِنْ مُبَاشَرَتِهِ نَهَارًا) فَلَا فِطْرَ بِذَلِكَ كُلِّهِ. (أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: غَلَبَهُ وَسَبَقَهُ لَمْ يُفْطِرْ لِلْخَبَرِ (وَلَوْ عَادَ) شَيْءٌ مِنْ قَيْئِهِ (إلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ (لَا إنْ عَادَ) الْقَيْءُ إلَى جَوْفِهِ (بِاخْتِيَارِهِ) وَلَوْ لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ ثُمَّ أَعَادَهُ عَمْدًا، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ كَبَلْعِهِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ الْفَمِ. (أَوْ أَصْبَحَ) الصَّائِمُ (وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ) أَيْ: رَمَاهُ لَمْ يُفْطِرْ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ صَائِمٌ غَالِبًا (أَوْ شَقَّ) عَلَيْهِ (لَفْظُهُ) أَيْ: رَمْيُ الطَّعَامِ الَّذِي أَصْبَحَ بِفَمِهِ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِ عَنْ رِيقِهِ (فَبَلَعَهُ مَعَ رِيقِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ أَوْ جَرَى رِيقُهُ بِبَقِيَّةِ طَعَامٍ تَعَذَّرَ رَمْيُهُ) لَمْ يُفْطِرْ بِذَلِكَ لِمَا سَبَقَ. (أَوْ بَلَعَ) الصَّائِمُ (رِيقَهُ عَادَةً) لَمْ يُفْطِرْ، (لَا إنْ أَمْكَنَ لَفْظُهُ بَقِيَّةَ الطَّعَامِ بِأَنْ تَمَيَّزَ عَنْ رِيقِهِ فَبَلَعَهُ عَمْدًا وَلَوْ) كَانَ (دُونَ حِمَّصَةٍ) فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي لَفْظِهِ، وَالتَّحَرُّزُ مِنْهُ مُمْكِنٌ. (أَوْ اغْتَسَلَ) لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْجِمَاعَ وَغَيْرَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا احْتَجَّ بِهِ رَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ. (أَوْ تَمَضْمَضَ أَوْ اسْتَنْشَقَ) فِي الْوُضُوءِ (فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ بِلَا قَصْدٍ أَوْ بَلَعَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ لَمْ يُفْطِرْ) ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ أَشْبَهَ الذُّبَابَ (وَكَذَا إنْ

стр. 826

زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْفِعْلَيْنِ وَهُمَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ (أَوْ بَالَغَ فِيهِ) أَيْ: فِي أَحَدِهِمَا بِأَنْ بَالَغَ فِي الْمَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (وَإِنْ فَعَلَهُمَا) أَيْ: الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ (لِغَيْرِ طَهَارَةٍ) أَيْ: وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ (فَإِنْ كَانَ لِنَجَاسَةٍ وَنَحْوِهَا فَكَالْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَ عَبَثًا أَوْ لِحَرٍّ أَوْ عَطَشٍ كُرِهَ) نَصَّ عَلَيْهِ، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الصَّائِمِ يَعْطَشُ فَيَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَمُجُّ الْمَاءَ قَالَ: يَرُشُّ عَلَى صَدْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ (وَحُكْمُهُ) فِي الْفِطْرِ (حُكْمُ الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ) فَلَا يُفْطِرُ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَكَذَا إنْ غَاصَ فِي الْمَاءِ فِي غُسْلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ أَوْ إسْرَافٍ أَوْ كَانَ عَابِثًا) فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُفْطِرُ بِمَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ بِلَا قَصْدٍ. (وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي) نَهَارِ (رَمَضَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَجَبَ إعْلَامُهُ عَلَى مَنْ رَآهُ) كَإِعْلَامِ نَائِمٍ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. (وَلَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الِاغْتِسَالُ) نَهَارًا لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ (وَلَوْ) كَانَ الِاغْتِسَالُ (لِلتَّبَرُّدِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الضَّجَرِ مِنْ الْعِبَادَةِ كَالْجُلُوسِ فِي الظِّلِّ الْبَارِدِ قَالَهُ الْمَجْدُ. (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ لَيْلًا مِنْ جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنَحْوِهِمَا) كَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهَا وَكَافِرٍ أَسْلَمَ (أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَاحْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ (فَلَوْ أَخَّرَهُ) أَيْ: الْغُسْلَ (وَاغْتَسَلَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي (صَحَّ صَوْمُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ «لَا صَوْمَ لَهُ» وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ بَعْدَ النَّوْمِ فَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْجِمَاعَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ لِلْجُنُبِ إذَا أَصْبَحَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَنْ يَصُومَ. (وَكَذَا إنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: الْغُسْلَ (يَوْمًا) فَأَكْثَرَ (لَكِنْ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ) أَيْ: تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا (وَإِنْ كَفَرَ بِالتَّرْكِ) أَيْ: تَرْكِ الصَّلَاةِ (بَطَلَ صَوْمُهُ) بِالرِّدَّةِ (بِأَنْ يُدْعَى إلَيْهَا) أَيْ: يَدْعُوهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ إلَى صَلَاةٍ (وَهُوَ صَائِمٌ فَيَأْبَى) حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا، (أَوْ) كَفَرَ (بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ) أَيْ: تَرْكِ الصَّلَاةِ (مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ عَلَى قَوْلِ الْآجُرِّيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ فَيَبْطُلُ صَوْمُهُ لِلرِّدَّةِ. (وَإِنْ بَصَقَ نُخَامَةً بِلَا قَصْدٍ مِنْ مَخْرَجِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَمْ يُفْطِرْ) بِذَلِكَ، وَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا بَلَعَهَا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. (وَمَنْ أَكَلَ، وَنَحْوُهُ) بِأَنْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ (شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ وَدَامَ شَكُّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ فَيَكُونُ زَمَانُ الشَّكِّ مِنْهُ. (وَإِنْ أَكَلَ يَظُنُّ طُلُوعَهُ) أَيْ الْفَجْرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ لَهُ الْأَكْلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا

стр. 827

يَمْنَعُ نِيَّةَ الصَّوْمِ وَقَصْدَ غَيْرِ الْيَقِينِ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: اعْتِقَادُهُ طُلُوعَهُ؛ وَلِهَذَا فَرَضَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِيمَنْ اعْتَقَدَهُ نَهَارًا فَبَانَ لَيْلًا؛ لِأَنَّ الظَّانَّ شَاكٌّ؛ وَلِهَذَا خَصُّوا الْمَنْعَ بِالْيَقِينِ وَاعْتَبَرُوهُ بِالشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ طَاهِرٍ وَلَا أَثَرَ لِلظَّنِّ فِيهِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الظَّنَّ وَالِاعْتِقَادَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يَأْكُلُ مَعَ الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ مَا لَمْ يَظُنَّ أَوْ يَعْتَقِدْ النَّهَارَ (فَبَانَ لَيْلًا، وَلَمْ يُجَدِّدْ نِيَّةَ صَوْمِهِ الْوَاجِبِ قَضَى) ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ بِأَكْلِهِ يَعْتَقِدُ نَهَارًا وَالصَّوْمُ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. (وَإِنْ أَكَلَ وَنَحْوَهُ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ وَدَامَ شَكُّهُ) قَضَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ (وَلَا) يَقْضِي إنْ أَكَلَ وَنَحْوُهُ (ظَانًّا) غُرُوبَ الشَّمْسِ (وَدَامَ شَكُّهُ) ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْحَالُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ. (وَلَوْ شَكَّ) فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ (وَدَامَ) شَكُّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَقِينٌ أَزَالَ ذَلِكَ الظَّنَّ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ شَكَّ فِي الْإِصَابَةِ بَعْدَ صَلَاتِهِ (أَوْ أَكَلَ يَظُنُّ بَقَاءَ النَّهَارِ قَضَى) مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ إلَى اللَّيْلِ وَلَمْ يُتِمَّهُ، (وَإِنْ بَانَ) أَنَّ أَكْلَهُ وَنَحْوَهُ كَانَ (لَيْلًا لَمْ يَقْضِ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَمَّ صَوْمَهُ. (وَإِنْ أَكَلَ) ، وَنَحْوُهُ (يَظُنُّ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا فِي أَوَّلِهِ) بِأَنْ أَكَلَ يَظُنُّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ طَلَعَ، (أَوْ أَخَّرَهُ) بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ وَلَمْ تَغِبْ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ وَلَمْ يُتِمَّهُ وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِهِ ﷺ فِي يَوْمِ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ قِيلَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ جَهِلَ وَقْتَ الصَّوْمِ فَلَمْ يُعْذَرْ كَالْجَهْلِ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ. " تَتِمَّةٌ " لَوْ أَكَلَ وَنَحْوُهُ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ فَأَكَلَ وَنَحْوُهُ عَمْدًا قَضَى قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَيُشْبِهُ ذَلِكَ لَوْ اعْتَقَدَ الْبَيْنُونَةَ فِي الْخُلْعِ لِأَجْلِ عَدَمِ عَوْدِ الصِّفَةِ ثُمَّ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ فِيمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي الصَّوْم] فَصْلٌ فِيمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ (وَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرِ شَبَقٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ بِهِ مَرَضٌ يَنْتَفِعُ بِالْوَطْءِ

стр. 828

فِيهِ (بِذَكَرٍ أَصْلِيٍّ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ قُبُلًا كَانَ) الْفَرْجُ (أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) كَبَهِيمَةٍ أَوْ سَمَكَةٍ أَوْ طَيْرَةٍ (حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ أَنْزَلَ أَمْ لَا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُخْطِئًا مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا نَصًّا، سَوَاءٌ أُكْرِهَ حَتَّى فَعَلَهُ) أَيْ الْجِمَاعَ (أَوْ فُعِلَ بِهِ مِنْ نَائِمٍ وَغَيْرِهِ) أَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ: مَالَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: هَا أَنَا قَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْقَضَاءِ؛ «فَلِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُجَامِعِ: وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَمَّا كَوْنُ السَّاهِي كَالْعَامِدِ، وَالْمُكْرَهِ كَالْمُخْتَارِ وَالنَّائِمِ كَالْمُسْتَيْقِظِ فَلِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ الْأَعْرَابِيَّ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لَاسْتَفْصَلَهُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ وَالسُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا وَقَعْتَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَكَفِّرْ؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَغَيْرُهُ كَالْحَجِّ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنْزِلَ أَوْ لَا فَلِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْإِنْزَالِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ كَالدُّبُرِ. (وَلَوْ أَوْلَجَ بِفَرْجٍ أَصْلِيٍّ) فِي فَرْجٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ كَفَرْجِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (أَوْ) أَوْلَجَ بِفَرْجٍ (غَيْرِ أَصْلِيٍّ فِي) فَرْجٍ (غَيْرِ أَصْلِيٍّ) كَمَا لَوْ جَامَعَ خُنْثَى مُشْكِلٌ خُنْثَى مُشْكِلًا (فَلَا كَفَّارَةَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ، (وَلَمْ يَفْسُدْ صَوْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ) كَالْغُسْلِ، فَإِنْ أَنْزَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ. (وَإِنْ أَوْلَجَ بِغَيْرِ أَصْلِيٍّ فِي أَصْلِيٍّ فَسَدَ صَوْمُهَا فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْخُنْثَى (؛ لِأَنَّ دَاخِلَ فَرْجِهَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فَيَفْسُدُ) صَوْمُهَا (بِإِدْخَالِ غَيْرِ) الْفَرْجِ (الْأَصْلِيِّ كَأُصْبُعِهَا وَأُصْبُعِ غَيْرِهَا وَأَوْلَى) أَيْ: إفْسَادُ صَوْمِهَا بِإِدْخَالِ الْفَرْجِ غَيْرِ الْأَصْلِيِّ أَوْلَى مِنْ إفْسَادِهِ بِإِدْخَالِ أُصْبُعٍ فِي فَرْجِهَا، (وَكَلَامُهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (هُنَا يُخَالِفُهُ) حَيْثُ قَالُوا: لَا

стр. 829

يَفْسُدُ صَوْمٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ (إلَّا أَنْ نَقُولَ: دَاخِلُ الْفَرْجِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، كَالْفَمِ وَإِذَا ظَهَرَ دَمُ حَيْضِهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ فَسَدَ صَوْمُهَا وَلَوْ كَانَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ وَلَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ كَالدُّبُرِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَهُوَ كَفَمِهَا وَعُمْقِ سُرَّتِهَا وَطَيِّ عُكَنِهَا، وَإِنَّمَا فَسَدَ صَوْمُهَا بِإِيلَاجِ ذَكَرِ الرَّجُلِ فِيهِ، لِكَوْنِهِ جِمَاعًا لَا لِكَوْنِهِ وُصُولًا إلَى بَاطِنٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَوْلَجَ أُصْبُعَهُ فِي قُبُلِهَا فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهَا، وَالْجِمَاعُ يُفْسِدُ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الْإِنْزَالِ فَأُقِيمَ مَقَامَ الْإِنْزَالِ كَمَا أُقِيمَ مَقَامَهُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ؛ وَلِهَذَا يَفْسُدُ بِهِ صَوْمُ الرَّجُلِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَلَمْ يَصِلْ إلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ. (وَالنَّزْعُ جِمَاعٌ فَلَوْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ) الثَّانِي (وَهُوَ مُجَامِعٌ فَنَزَعَ فِي الْحَالِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ) الثَّانِي (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَذُّ بِالنَّزْعِ كَمَا يَلْتَذُّ بِالْإِيلَاجِ (كَمَا لَوْ اسْتَدَامَ) الْجِمَاعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، بِخِلَافِ مُجَامِعٍ حَلَفَ لَا يُجَامِعُ فَنَزَعَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِتَعَلُّقِ الْيَمِين بِالْمُسْتَقْبَلِ أَوَّلَ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ. (وَلَوْ جَامَعَ يَعْتَقِدُهُ لَيْلًا فَبَانَ نَهَارًا وَجَبَ) عَلَيْهِ (الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى قِيَاسِهِ: لَوْ جَامَعَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ. (وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ كَنَوْمٍ أَوْ إكْرَاهٍ وَنِسْيَانٍ وَجَهْلٍ) ؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ (وَيَفْسُدُ صَوْمُهَا بِذَلِكَ) أَيْ: بِوَطْئِهَا مَعْذُورَةً فَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ قَالَ فِي الشَّرْحِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالْأَكْلِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُكْرَهَةِ. (وَتَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ) إذَا جُومِعَتْ (مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ) ؛ لِأَنَّهَا هَتَكَتْ حُرْمَةَ صَوْمِ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ فَلَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُلِ، وَأَمَّا كَوْنُ الشَّارِعِ لَمْ يَأْمُرْهَا بِهَا فَلِأَنَّ فِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيّ «: هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ» فَدَلَّ أَنَّهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً. (وَلَوْ طَاوَعَتْهُ أَمَتُهُ) عَلَى الْجِمَاعِ (كَفَّرَتْ بِالصَّوْمِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهَا وَمِثْلُهَا أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ. (وَلَوْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ) أَوْ أَمَتَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (دَفَعَتْهُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، وَلَوْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى ذَهَابِ نَفْسِهِ كَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ذَكَرَهُ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (ابْنُ عَقِيلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ) . (وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ) صَائِمَةٌ (ذَكَرَ نَائِمٍ أَوْ) ذَكَرَ (صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ بَطَلَ صَوْمُهَا) لِلْجِمَاعِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إنْ كَانَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. (وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقُبْلَةٍ وَلَمْسٍ وَنَحْوِهِمَا) كَمُفَاخَذَةٍ (إذَا أَنْزَلَ)

стр. 830

لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ رَأَى الْهِلَالَ فِي لَيْلَتِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِفِسْقِهِ أَوْ غَيْرِهِ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ فَلَزِمَتْهُ كَمَا لَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ عَامِدًا فَأَنْزَلَ وَلَوْ مَذْيًا) فَسَدَ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ بِاللَّمْسِ مَعَ الْإِنْزَالِ فَفِيمَا ذُكِرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِمَاعٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ كَاللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ. (أَوْ أَنْزَلَ مَجْبُوبٌ أَوْ امْرَأَتَانِ بِمُسَاحَقَةٍ فَسَدَ الصَّوْمُ) لِمَا سَبَقَ، (وَلَا كَفَّارَةَ) صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، فِيمَا إذَا تَسَاحَقَتَا، وَنَقَلَهُ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ الْأَصْحَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْبُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ، وَجَعَلَ فِي الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ: إنْزَالَ الْمَجْبُوبِ وَالْمَرْأَتَيْنِ بِالْمُسَاحَقَةِ كَالْجِمَاعِ. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٌ وَلَمْ يُكَفِّرْ) لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ (فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَتَانِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ وَكَالْحَجَّتَيْنِ، (كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ لِلْيَوْمِ الثَّانِي كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا (وَكَيَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَيْنِ) . وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّكْفِيرِ (فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فَلَوْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ لِلْوَطْءِ الْأَوَّلِ ثُمَّ بِهِ لِلثَّانِي، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الرَّقَبَةُ الْأُولَى لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا وَأَجْزَأَتْهُ الثَّانِيَةُ عَنْهُمَا وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ الثَّانِيَةُ وَحْدَهَا لَزِمَهُ بَدَلُهَا، وَلَوْ اُسْتُحِقَّتَا جَمِيعًا أَجْزَأَتْهُ رَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّدَاخُلِ وُجُودُ السَّبَبِ الثَّانِي قَبْلَ أَدَاءِ مُوجِبِ الْأَوَّلِ وَنِيَّةُ التَّعْيِينِ لَا تُعْتَبَرُ، فَيُكَفِّرُ وَتَصِيرُ كَنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، قِيَاسُ مَذْهَبِنَا. (وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَالْمَيْمُونِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ وَقَدْ تَكَرَّرَ فَتَتَكَرَّرُ هِيَ كَالْحَجِّ بِخِلَافِ الْوَطْءِ لَيْلًا فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، لَا يُقَالُ: الْوَطْءُ الْأَوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصَّوْمِ وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ مُلْغًى بِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ يُجَامِعُ فَاسْتَدَامَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَعَ عَدَمِ الْهَتْكِ. (وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ يُكَفِّرُ لِوَطْئِهِ) كَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ أَوْ أَكَلَ عَامِدًا ثُمَّ جَامَعَ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الزَّمَنِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِيمِ لِلْوَطْءِ وَلَا صَوْمَ هُنَاكَ فَكَذَا هُنَا. (وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ جُنَّ أَوْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ أَوْ حَاضَتْ) الْمَرْأَةُ (أَوْ نَفِسَتْ بَعْدَ وَطْئِهَا لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ الْعُذْرُ لَا يُقَالُ: تَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عِنْدَ

стр. 831

الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الصَّادِقَ لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ لَمْ يَجُزْ الْفِطْرُ. (وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بَطَلَ صَوْمُهُ) ؛ لِعَدَمِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ النِّيَّةِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ غَيْرَ الْحَجِّ، (فَإِنْ كَانَ) الصَّوْمُ (نَذْرًا وَجَبَ الْإِطْعَامُ مِنْ تَرِكَتِهِ) لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَيُطْعِمُ مِسْكِينًا، وَكَذَا بَاقِي الْأَيَّامِ إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، (وَإِنْ كَانَ صَوْمُ كَفَّارَةِ تَخْيِيرٍ) كَفِدْيَةٍ إذَنْ (وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ) لِتَعَذُّرِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ مِنْهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَمَا يَأْتِي وَيَأْتِي حُكْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ (ثُمَّ جَامَعَ فَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهِ فَلَمْ تَجِبْ كَالتَّطَوُّعِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ. (وَلَا تَجِبُ) الْكَفَّارَةُ (بِغَيْرِ الْجِمَاعِ كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا فِي صِيَامِ رَمَضَانَ أَدَاءً) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ وَغَيْرُ الْجِمَاعِ لَا يُسَاوِيهِ (وَيَخْتَصُّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِرَمَضَانَ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَاوِيهِ فَلَا تَجِبُ) الْكَفَّارَةُ (فِي قَضَائِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِزَمَانٍ بِخِلَافِ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِزَمَانٍ مُحْتَرَمٍ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ. (وَالْكَفَّارَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ عِتْقُ رَقَبَةٍ) إنْ وَجَدَهَا بِشَرْطِهِ وَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي الظِّهَارِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الرَّقَبَةَ وَلَا ثَمَنَهَا (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَلَوْ قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ) عَنْ الصَّوْمِ إلَى الْعِتْقِ، نَصَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُعْتِقَ فَيُجْزِئُهُ وَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ الْأَوْلَى قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى، وَ (لَا) يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ (إنْ قَدَرَ) عَلَى الْعِتْقِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ الْمُوَاقِعَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ حِينَ أَخْبَرَهُ وَلَمْ يَسْأَلهُ عَمَّا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ حَالَ الْمُوَاقَعَةِ وَهِيَ حَالُ الْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْبَدَلِ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ حَالَ الْوُجُوبِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا يَأْتِي فِي الظِّهَارِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصَّوْمَ (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرِّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّرْتِيبِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِانْتِقَالِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ (وَلَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ هُنَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَلَا فِي لَيَالِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالتَّلْخِيصِ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَا يُطْعِمُهُ لِلْمَسَاكِينِ حَالَ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ (سَقَطَتْ عَنْهُ كَصَدَقَةِ فِطْرٍ) وَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ الْأَعْرَابِيَّ بِهَا أَخِيرًا وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ (بِخِلَافِ كَفَّارَةِ حَجٍّ وَظِهَارٍ

стр. 832

وَيَمِينٍ وَنَحْوِهَا) كَكَفَّارَةِ قَتْلٍ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ خُولِفَ فِي رَمَضَانَ لِلنَّصِّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالُوا: لِلنَّصِّ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ وَلِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِسَبَبِ الصَّوْمِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَيْسَ الصَّوْمُ سَبَبًا، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ إلَّا بِالصَّوْمِ وَالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا وَتَسْقُطُ الْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا بِتَكْفِيرِ غَيْرِهِ عَنْهُ بِإِذْنِهِ. (وَإِنْ كَفَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ فَلَهُ أَكْلُهَا) إنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا، (وَكَذَا لَوْ مَلَّكَهُ) غَيْرُهُ (مَا يُكَفِّرُ بِهِ) جَازَ لَهُ أَكْلُهُ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَوْ مَلَّكَهُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَقُلْنَا: لَهُ أَخْذُهُ هُنَاكَ فَلَهُ هُنَا أَكْلُهُ، وَإِلَّا أَخْرَجَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ اهـ. وَفِي الْمُبْدِعِ أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ لِلْأَعْرَابِيِّ لِحَاجَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَفَّارَةً اهـ قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهِ عَلَى سُقُوطِهَا بِالْعَجْزِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَجْزٌ بَلْ حَصَلَ الْإِخْرَاجُ وَالْإِجْزَاءُ. [بَابُ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّوْمِ] ِ (وَمَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّوْمِ وَحُكْمِ الْقَضَاءِ) أَيْ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالنُّذُورِ، (لَا بَأْسَ بِابْتِلَاعِ الصَّائِمِ رِيقَهُ عَلَى جَارِي الْعَادَةِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ. (وَيُكْرَهُ) لِلصَّائِمِ (أَنْ يَجْمَعَهُ) أَيْ: رِيقَهُ (وَيَبْتَلِعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْفِطْرِ بِهِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ: أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا (فَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: جَمَعَ رِيقَهُ وَبَلَعَهُ (قَصْدًا لَمْ يُفْطِرْ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ مَعْدِنِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجْمَعْهُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ وَابْتَلَعَهُ قَصْدًا لَا يُفْطِرُ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَهُ، (إنْ لَمْ يُخْرِجْهُ) أَيْ: رِيقَهُ (إلَى بَيْنِ شَفَتَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَخْرَجَهُ إلَى بَيْنَ شَفَتَيْهِ (أَوْ انْفَصَلَ) رِيقُهُ (عَنْ فَمِهِ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ) أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَ مَعْدِنَهُ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، (أَوْ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ مِنْ خَارِجٍ. (وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ فِيهِ حَصَاةً أَوْ خَيْطًا أَوْ نَحْوَهُ وَعَلَيْهِ) شَيْءٌ (مِنْ رِيقِهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَصَاةِ وَالدِّرْهَمِ وَالْخَيْطِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ) مِنْ رِيقِهِ (كَثِيرٌ فَبَلَعَهُ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ مِنْ خَارِجٍ لَا يُشَقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَ (لَا) يُفْطِرُ (إنْ قَلَّ) مَا عَلَى الْحَصَاةِ أَوْ الْخَيْطِ أَوْ الدِّرْهَمِ أَوْ نَحْوِهِ؛ (لِعَدَمِ تَحَقُّقِ انْفِصَالِهِ) ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ

стр. 833

الصَّوْمِ. (وَلَا إنْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ) وَعَلَيْهِ رِيقُهُ (وَبَلَعَ مَا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا) ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ الَّذِي عَلَى لِسَانِهِ لَمْ يُفَارِقْ مَحَلَّهُ بِخِلَافِ مَا عَلَى غَيْرِ اللِّسَانِ. (وَتُكْرَهُ لَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (وَتَقَدَّمَ) فِي الْوُضُوءِ. (وَإِنْ تَنَجَّسَ فَمُهُ وَلَوْ بِخُرُوجِ قَيْءٍ وَنَحْوِهِ) كَقَلْسٍ (فَبَلَعَهُ أَفْطَرَ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَلَّ) لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فَيَقْتَضِي حُصُولَ الْفِطْرِ بِكُلِّ مَا يَصِلُ مِنْهُ، لَكِنْ عُفِيَ عَنْ الرِّيقِ لِلْمَشَقَّةِ، (وَإِنْ بَصَقَ وَبَقِيَ فَمُهُ نَجِسًا فَبَلَعَ رِيقَهُ فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ بَلَعَ شَيْئًا نَجِسًا أَفْطَرَ) لِمَا سَبَقَ، (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ بَلَعَ نَجَسًا (فَلَا) فِطْرَ؛ إذْ لَا فِطْرَ بِبَلْعِ رِيقِهِ الَّذِي لَمْ تُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ. (وَيَحْرُمُ) عَلَى الصَّائِمِ (بَلْعُ نُخَامَةٍ) إذَا حَصَلَتْ فِي فِيهِ لِلْفِطْرِ بِهَا، (وَيُفْطِرُ) الصَّائِمُ (بِهَا) إذَا بَلَعَهَا (سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جَوْفِهِ أَوْ صَدْرِهِ أَوْ دِمَاغِهِ بَعْدَ أَنْ تَصِلَ إلَى فَمِهِ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ كَالْقَيْءِ. (وَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ: الصَّائِمُ (ذَوْقُ الطَّعَامِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِلَ إلَى حَلْقِهِ فَيُفَطِّرُهُ قَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَأَطْلَقُوا وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ وَاخْتَارَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَى ذَوْقِ الطَّعَامِ (وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ) أَيْ: الْمَذُوقِ (فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: فَعَلَى الْكَرَاهَةِ: مَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ لِإِطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَا فِطْرَ إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِلْحَاجَةِ. (وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّيقَ وَيَجْلُو الْفَمَ وَيُورِثُ الْعَطَشَ (فَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ أَجْنَبِيٌّ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. (وَيَحْرُمُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ) مِنْ عِلْكٍ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَاصِدًا لِإِيصَالِ شَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ إلَى جَوْفِهِ مَعَ الصَّوْمِ وَهُوَ حَرَامٌ، (وَلَوْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقَهُ) إقَامَةً لِلْمَظِنَّةِ مُقَامَ الْمَئِنَّةِ. وَفِي الْمُقْنِعِ وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ إلَّا أَنْ لَا يَبْتَلِعَ رِيقَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ إيصَالُ ذَلِكَ إلَى جَوْفِهِ وَلَمْ يُوجَدْ. (وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ مِمَّنْ تُحَرَّكُ شَهْوَتُهُ) فَقَطْ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ: وَ " نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا شَابًّا، وَرَخَّصَ لِشَيْخٍ " حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ

стр. 834

أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَكَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسً بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (وَإِنْ ظَنَّ الْإِنْزَالَ) مَعَ الْقُبْلَةِ لِفَرْطِ شَهْوَتِهِ (حَرُمَ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ (وَلَا تُكْرَهُ) الْقُبْلَةُ (مِمَّنْ لَا تُحَرَّكُ شَهْوَتُهُ) لِمَا سَبَقَ (وَكَذَا دَوَاعِي الْوَطْءِ كُلُّهَا) مِنْ اللَّمْسِ وَتَكْرَارِ النَّظَرِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْقُبْلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ) أَيْ: الصَّائِمُ (بَقِيَّةَ طَعَامٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ) خَشْيَةَ أَنْ يَجْرِيَ رِيقُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَى جَوْفِهِ. (وَ) يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ (شَمُّ مَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْذِبَهُ نَفَسُهُ إلَى حَلْقِهِ كَسَحِيقِ مِسْكٍ وَكَافُورٍ وَدُهْنٍ وَنَحْوِهَا) كَبَخُورِ عُودٍ وَعَنْبَرٍ. (وَيَجِبُ اجْتِنَابُ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ وَشَتْمٍ) أَيْ: سَبٍّ (وَفُحْشٍ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هُوَ كُلُّ مَا اشْتَدَّ قُبْحُهُ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي (وَنَحْوُهُ كُلَّ وَقْتٍ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَوُجُوبِ اجْتِنَابِ ذَلِكَ (فِي رَمَضَانَ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ آكِدٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَمَعْنَاهُ: الزَّجْرُ وَالتَّحْذِيرُ؛ وَلِأَنَّ الْحَسَنَاتِ تَتَضَاعَفُ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ الْفَاضِلَيْنِ، وَكَذَا السَّيِّئَاتُ عَلَى مَا يَأْتِي. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ وَلَا يُمَارِي) أَيْ: يُجَادِلَ (وَيَصُونُ صَوْمَهُ وَلَا يَغْتَبْ أَحَدًا) أَيْ: يَذْكُرُهُ بِمَا يَكْرَهُ بِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ الْغِيبَةُ فِي بَهْتٍ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالْغِيبَةُ مُحَرَّمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَتُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بِهَا كَالتَّظَلُّمِ وَالِاسْتِفْتَاءِ وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَالتَّعْرِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَلَا يَعْمَلُ عَمَلًا يَجْرَحُ بِهِ صَوْمَهُ) وَكَانَ السَّلَفُ إذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسَاجِدِ وَقَالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنَا وَلَا نَغْتَابُ أَحَدًا (فَيَجِبُ كَفُّ لِسَانِهِ عَمَّا يَحْرُمُ) كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهِمَا، (وَيُسَنُّ) كَفُّهُ (عَمَّا يُكْرَهُ) قُلْت: وَعَنْ الْمُبَاحِ أَيْضًا لِحَدِيثِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (وَلَا يُفْطِرُ بِغِيبَةٍ وَنَحْوِهَا) . قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ كَانَتْ الْغِيبَةُ تُفْطِرُ مَا كَانَ لَنَا صَوْمٌ وَذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ إجْمَاعًا، ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا يُفْطِرُ بِغِيبَةٍ وَنَمِيمَة وَنَحْوِهِمَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ احْتِمَالٌ يُفْطِرُ بِكُلِّ مُحَرَّمٍ، وَقَالَ أَنَسٌ: " إذَا اغْتَابَ الصَّائِمُ أَفْطَرَ " وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: " كَانُوا يَقُولُونَ: الْكَذِبُ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ " وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَنْ شَاتَمَ فَسَدَ صَوْمُهُ لِظَاهِرِ النَّهْيِ "، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً يُفْطِرُ بِسَمَاعِ الْغِيبَةِ وَقَالَ الْمَجْدُ: النَّهْيُ عَنْهُ لِيَسْلَمَ مِنْ نَقْصِ الْأَجْرِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ: أَنَّهُ قَدْ يَكْثُرُ فَيَزِيدُ عَلَى أَجْرِ الصَّوْمِ وَقَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَتَسَاوَيَانِ. وَأَسْقَطَ

стр. 835

أَبُو الْفَرَجِ ثَوَابَهُ بِالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا وَمُرَادُهُ مَا سَبَقَ وَإِلَّا فَضَعِيفٌ، (وَإِنْ شُتِمَ سُنَّ قَوْلُهُ جَهْرًا فِي رَمَضَانَ) لِأَمْنِهِ مِنْ الرِّيَاءِ وَفِيهِ زَجْرُ مَنْ شَاتَمَهُ؛ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْوَقْتِ (إنِّي صَائِمٌ وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ رَمَضَانَ (يَقُولُهُ سِرًّا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ) خَوْفَ الرِّيَاءِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: يَقُولُهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجْهَرُ بِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمُطْلَقَ بِاللِّسَانِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى لِظَاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» . [فَصْلٌ يُسَنَّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ] ِ إذَا تَحَقَّقَ الْغُرُوبُ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يُزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَهُ الْفِطْرُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ) أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ؛ لِأَنَّهُمْ أَفْطَرُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ؛ وَلِأَنَّ مَا عَلَيْهِ أَمَارَةٌ يَدْخُلهُ الِاجْتِهَادُ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ كَالْقِبْلَةِ (كَالْقِبْلَةِ وَفِطْرُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَفْضَلِ) لِفِعْلِهِ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَنَسٍ. (وَ) يُسَنَّ (تَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يُخْشَ طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي) ؛ لِلْأَخْبَارِ مِنْهَا: مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرَ خَمْسِينَ آيَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّحَفُّظِ مِنْ الْخَطَإِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. (وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْجِمَاعِ مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِهِ) أَيْ: الْفَجْرِ الثَّانِي؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُتَقَوَّى بِهِ وَلَوْ أَسْقَطَ " تَأْخِيرٌ " لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَظْهَرَ. (وَلَا) يُكْرَهُ (الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ) مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي. (قَالَ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد (إذَا شَكَّ فِي) طُلُوعِ (الْفَجْرِ يَأْكُلُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ. (قَالَ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ قَالَ لِعَالِمَيْنِ: اُرْقُبَا الْفَجْرَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: طَلَعَ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ يَطْلُعْ أَكَلَ حَتَّى يَتَّفِقَا) عَلَى أَنَّهُ طَلَعَ وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا تَعَارَضَ فَتَسَاقَطَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ طُلُوعِهِ. (وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ السُّحُورِ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَإِنْ قَلَّ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «وَلَوْ أَنْ

стр. 836

يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، (وَ) يَحْصُلُ (تَمَامُ الْفَضِيلَةِ بِالْأَكْلِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَرْفَعُهُ: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَكْلَةُ السُّحُورِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «نِعْمَ سُحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ» . (وَيُسَنُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى رُطَبٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الرُّطَبَ (فَعَلَى التَّمْرِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) التَّمْرُ (فَعَلَى الْمَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ فِطْرِهِ فَإِنَّ لَهُ دَعْوَةً لَا تُرَدُّ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةٌ لَا تُرَدُّ» . (وَ) يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا فَتَقَبَّلْ مِنَّا إنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَوَجَبَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا. (وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ الْأَعْلَى أَفْطَرَ الصَّائِمُ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَطْعَمْ) أَيْ: يَأْكُلْ أَوْ يَشْرَبْ (فَلَا يُثَابُ عَلَى الْوِصَالِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ شَرْعًا. «وَمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ مَرْفُوعًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَظَاهِرُهُ) أَيْ كَلَامِهِمْ (أَيُّ شَيْءٍ كَانَ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانِ الْفَارِسِيِّ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَوَابًا عَظِيمًا إنْ أَشْبَعَهُ (وَقَالَ الشَّيْخُ: الْمُرَادُ) بِتَفْطِيرِهِ (إشْبَاعُهُ) . (وَيُسْتَحَبُّ فِي رَمَضَانَ الْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالصَّدَقَةِ) لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ بِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَكَانَ مَالِكٌ يَتْرُكُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيُقْبِلُ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقْرَأ سِتِّينَ خَتْمَةً وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةِ فِيمَا سِوَاهُ. (وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعِ فَوْرًا فِي قَضَائِهِ) أَيْ: رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ وَأَنْجَى لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَفْطَرَ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ أَوْ لَا، (وَلَا يَجِبَانِ) أَيْ: التَّتَابُعُ وَالْفَوْرُ

стр. 837

فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «قَضَاءُ رَمَضَانَ إنْ شَاءَ فَرَّقَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ سُفْيَانِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا طَعَنَ فِيهِ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ (إلَّا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إلَّا مَا يَتَّسِعُ لِلْقَضَاءِ فَقَطْ) فَيَتَعَيَّنُ التَّتَابُعُ لِضِيقِ الْوَقْتِ، كَأَدَاءِ رَمَضَانَ فِي حَقِّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، (وَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامُ عِبَادَةٍ فَلَمْ يُكْرَهْ الْقَضَاءُ فِيهَا كَعَشْرِ الْمُحَرَّمِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ الْقَضَاءَ فِيهَا. (وَيَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى الْقَضَاءِ) إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ فَوْرًا (فِي) الْقَضَاءِ (الْمُوَسَّعِ، وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ مُتَرَاخِيَةٍ) يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا الْمُتَّسَعُ. [فَصْلُ فَاتَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلِّهِ لِعُذْرٍ] (فَصْلُ مَنْ فَاتَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلِّهِ تَامًّا كَانَ) رَمَضَانُ (أَوْ نَاقِصًا لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ كَالْأَسِيرِ وَالْمَطْمُورِ وَغَيْرِهِمَا قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ) ، سَوَاءٌ (ابْتَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ مِنْ أَثْنَائِهِ كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ) الْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا فَاتَهُ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . (وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمَ شِتَاءٍ عَنْ يَوْمِ صَيْفٍ وَعَكْسَهُ) بِأَنْ يَقْضِي يَوْمَ صَيْفٍ عَنْ يَوْمِ شِتَاءٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ قَضَاءِ رَمَضَانَ (صَوْمُ نَذْرٍ لَا يَخَافُ فَوْتَهُ) لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ (بَدَأَ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ) وُجُوبًا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ النَّذْرِ لِضِيقِ وَقْتِهِ قَدَّمَهُ، قُلْتُ: إلَّا أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَثَلًا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَنَذَرَ أَنْ يَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَعْبَانَ وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعَشَرَةِ فَيَصُومُهَا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهَا. (وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَائِهِ) أَيْ رَمَضَانَ (مَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ وَهُوَ) أَيْ وَقْتُ الْقَضَاءِ (إلَى أَنْ يَهُلَّ رَمَضَانُ آخَرُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إلَّا فِي شَعْبَانَ لِمَكَانِ النَّبِيِّ ﷺ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ (فَلَا

стр. 838

يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ: قَضَاءُ رَمَضَانَ (إلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ. (وَيَحْرُمُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ (وَلَا يَصِحُّ) تَطَوُّعُهُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ نَصَّ عَلَيْهِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَلْ يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ صَامَهُ يَعْنِي بَعْدَ الْفَرْضِ، وَرَوَى حَنْبَلٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ» وَكَالْحَجِّ وَالْحَدِيثِ يَرْوِيه ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِي سِيَاقِهِ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: " وَمَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ آخَرَ شَيْءٌ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ) أَيْ: وَقْتُ الْقَضَاءِ وَعَنْهُ: بَلَى إنَّ اتَّسَعَ الْوَقْتُ. (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: قَضَاءَ رَمَضَانَ (إلَى رَمَضَانَ آخَرَ أَوْ) أَخَّرَهُ إلَى (رَمَضَانَاتٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ) رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا إذَا أَخَّرَهُ لِرَمَضَانَ آخَرَ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، (وَيَجُوزُ إطْعَامُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَالْأَفْضَلُ) إطْعَامُهُ (قَبْلَهُ) قَالَ الْمَجْدُ: الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا تَقْدِيمُهُ مُسَارَعَةً إلَى الْخَيْرِ وَتَخَلُّصًا مِنْ آفَاتِ التَّأْخِيرِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَتَكَرَّرْ الْفِدْيَةُ بِتَعَدُّدِ الرَّمَضَانَاتِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يُزَادُ بِهَا الْوَاجِبُ كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ. (وَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ آخَرُ أَوْ أَكْثَرُ (لِعُذْرٍ) نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ (فَلَا كَفَّارَةَ) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا إذَنْ، (وَلَا قَضَاءَ إنْ مَاتَ) مَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ لِعُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ فَسَقَطَ بِمَوْتِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ، (وَمَنْ دَامَ عُذْرُهُ بَيْنَ الرَّمَضَانَيْنِ ثُمَّ زَالَ) عُذْرُهُ (صَامَ الرَّمَضَانَ الَّذِي أَدْرَكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسَعُ غَيْرَهُ (ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ) قَبْلُ. (وَلَا إطْعَامَ) عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ (كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ زَوَالِهِ) أَيْ: الْعُذْرِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَأَمَّا الْحَيُّ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ لِإِمْكَانِهِ. (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: الْقَضَاءُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ فَمَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ آخَرَ) أَوْ بَعْدَهُ (أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَالصَّحِيحُ: وَقْفُهُ عَلَيْهِ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ الْقَضَاءِ فَقَالَتْ: " لَا بَلْ يُطْعِمُ " رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (وَلَا يُصَامُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا يُقْضَى عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ

стр. 839

فِي الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ. (وَالْإِطْعَامِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَا) كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَلَا يُجْزِئُ صَوْمٌ عَنْ كَفَّارَةٍ عَنْ مَيِّتٍ وَلَوْ أَوْصَى بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالشَّرْعِ أَشْبَهَ قَضَاءَ رَمَضَانَ، (لَكِنْ لَوْ مَاتَ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى صَوْمِ الْكَفَّارَةِ (وَقُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ) كَمَا يَأْتِي تَوْضِيحُهُ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ (أُطْعِمَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِينَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ) فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ رَمَضَانَ. (وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ) أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ (مِنْ كَفَّارَةِ) ظِهَارٍ أَوْ غَيْرِهِ (أُطْعِمَ عَنْهُ أَيْضًا) لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ لِمَا سَبَقَ، (وَكَذَا صَوْمُ مُتْعَةِ) الْحَجِّ إذَا مَاتَ قَبْلَهُ. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مَنْذُورٌ فِي الذِّمَّةِ) كَأَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ عَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ ثُمَّ مَاتَ (وَلَمْ يَصُمْ مِنْهُ شَيْئًا مَعَ إمْكَانِهِ فَفُعِلَ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ) ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» ؛ وَلِأَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُ فِي الْعِبَادَةِ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا وَهُوَ أَخَفُّ حُكْمًا مِنْ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لِإِيجَابِهِ مِنْ نَفْسِهِ، (فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ) الْمَيِّتُ (تَرِكَةً لَمْ يَلْزَمْ الْوَلِيَّ شَيْءٌ، لَكِنْ يُسَنُّ لَهُ فِعْلُهُ عَنْهُ لِتَفَرُّغِ ذِمَّتِهِ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ. (وَإِنْ خَلَّفَ) الْمَيِّتَ (تَرِكَةً وَجَبَ) الْفِعْلُ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ (فَيَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ بِنَفْسِهِ اسْتِحْبَابًا) ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِبَرَاءَةِ الْمَيِّتِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) الْوَلِيُّ بِنَفْسِهِ (وَجَبَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ تَرِكَتِهِ إلَى مَنْ يَصُومُ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ طَعَامَ مِسْكِينٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِدْيَةُ الصَّوْمِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيُجْزِئُ فِعْلُ غَيْرِهِ) أَيْ: الْوَلِيِّ (عَنْهُ بِإِذْنِهِ وَبِدُونِهِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَوْمِ النَّذْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ النُّذُورِ. (وَإِنْ مَاتَ وَقَدْ أَمْكَنَهُ صَوْمُ بَعْضِ مَا نَذَرَهُ قُضِيَ عَنْهُ مَا أَمْكَنَهُ صَوْمُهُ فَقَطْ) كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ وَمَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَيُصَامُ عَنْهُ مَا مَضَى مِنْهُ دُونَ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِ الْمِقْدَارِ الَّذِي أَدْرَكَهُ حَيًّا، فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ الصَّوْم فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ قَضَاءِ رَمَضَانَ مَعَ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ. (وَيُجْزِئُ صَوْمُ جَمَاعَةٍ عَنْهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَنْ عِدَّتِهِمْ مِنْ الْأَيَّامِ) أَيْ: لَوْ كَانَ عَلَى مَيِّتٍ صَوْمُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَصَامَ عَنْهُ عَشَرَةُ رِجَالٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ مَعَ نِجَازِ إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ يَصُومُ وَاحِدٌ وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى صَوْمٍ شَرْطُهُ التَّتَابُعُ، وَتَعْلِيلُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ كَالْحُجَّةِ الْمَنْذُورَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. (وَإِنْ نَذَرَ

стр. 840

صَوْمَ شَهْرٍ) بِعَيْنِهِ (كَالْمُحَرَّمِ) فَمَاتَ قَبْلَ دُخُولِهِ لَمْ يُصَمْ (عَنْهُ) وَلَمْ يُقْضَ عَنْهُ، (وَكَذَا لَوْ جُنَّ قَبْلَهُ) وَدَامَ بِهِ الْجُنُونُ حَتَّى انْقَضَى الشَّهْرُ الْمُعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ صَوْمُهُ فِي ذِمَّتِهِ. (قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ بِالنَّذْرِ (سَقَطَ بَاقِيهِ) لِمَا سَبَقَ، (فَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ) أَيْ النَّذْرَ الْمُعَيَّنَ (لِمَرَضٍ حَتَّى انْقَضَى ثُمَّ مَاتَ فِي مَرَضِهِ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فُعِلَ عَنْهُ) وُجُوبًا إنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، وَاسْتِحْبَابًا إنْ لَمْ يُخَلِّفْ شَيْئًا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرَضَ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الصَّوْمِ فِي الذِّمَّةِ، فَالْمُرَادُ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ مُضِيُّ زَمَنٍ يَتَّسِعُ لَهُ (وَلَا كَفَّارَةَ مَعَ الصَّوْمِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مَنْذُورًا (أَوْ الْإِطْعَامَ) إنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ صَوْمُ مُتْعَةٍ وَنَحْوُهُ. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ مَنْذُورٌ فُعِلَ عَنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، (وَلَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنُهُ) أَيْ: النَّاذِرِ (مِنْ الْحَجِّ فِي حَيَاتِهِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُهُ حَالَ الْحَيَاةِ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ كَنَذْرِ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، (وَكَذَا الْعُمْرَةُ الْمَنْذُورَةُ) حُكْمُهَا حُكْمُ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي الْمَعْنَى. (وَيَجُوزُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ) لِشَبَهِهِ بِالدَّيْنِ فِي إبْرَاءِ الذِّمَّةِ (وَلَهُ) أَيْ: الْحَاجُّ عَنْ الْمَيِّتِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ (الرُّجُوعُ عَلَى التَّرِكَةِ بِمَا أَنْفَقَ) بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ بِوَاجِبٍ. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ فُعِلَ عَنْهُ) ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَة لِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ اقْضِهِ عَنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَكَالصَّوْمِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ حَتَّى مَاتَ) كَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَمَاتَ قَبْلَ دُخُولِهِ (فَكَالصَّوْمِ) ، وَكَذَا إنْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ) وَمَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ (فُعِلَتْ عَنْهُ) كَالصَّوْمِ وَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِهَا (وَلَا كَفَّارَةَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْفِعْلِ النَّاذِرِ (وَطَوَافٌ مَنْذُورٌ كَصَلَاةٍ) مَنْذُورَةٍ فِيمَا سَبَقَ (وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَرْضِ فَلَا تُفْعَلُ عَنْهُ) ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إجْمَاعًا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَنْهُ فَائِتَةً (كَقَضَاءِ رَمَضَانَ) فَإِنَّهُ لَا يُصَامُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.

стр. 841

[بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ وَذِكْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] َ (أَفْضَلُهُ) صَوْمُ التَّطَوُّعِ (صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ) ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُد وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ قُلْت: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيُسَنُّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامَ) اللَّيَالِي (الْبِيضِ وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ) لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَالِثَ عَشَرِهِ وَرَابِعَ عَشَرِهِ وَخَامِسَ عَشَرِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (وَهُوَ) أَيْ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (كَصَوْمِ الدَّهْرِ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ) بِصِيَامِهَا (أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ بِتَضْعِيفِ الْأَجْرِ) ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا (مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمَفْسَدَةِ) الَّتِي فِي صِيَامِ الدَّهْرِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَسُمِّيَتْ بِيضًا لِابْيِضَاضِهَا لَيْلًا بِالْقَمَرِ وَنَهَارًا بِالشَّمْسِ) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي كَلَامِهِ بَيَانِيَّةٌ، وَأَنَّ الْبِيضَ وَصْفٌ لِلْأَيَّامِ وَكَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ يُخَالِفُهُ قَالَ: وَسُمِّيَتْ لَيَالِيهَا بِالْبِيضِ لِبَيَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ زَادَ فِي الشَّرْحِ: وَالتَّقْدِيرُ لَيَالِي الْأَيَّامِ الْبِيضِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَابَ فِيهَا عَلَى آدَمَ وَبَيَّضَ صَحِيفَتَهُ. (وَيُسَنُّ صَوْمُ) يَوْمِ (الِاثْنَيْنِ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. (وَ) يَوْمِ (الْخَمِيسِ) لِقَوْلِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ «وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» . (وَ) يُسَنُّ صَوْمُ (سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً فَمَنْ صَامَهَا بَعْدَ أَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ) فَرْضًا كَمَا فِي اللَّطَائِفِ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» رَوَاهُ أَبُو وَالنَّسَائِيَّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْهُ ﷺ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقَدُّمِ لِرَمَضَانَ؛؛ لِأَنَّ يَوْمَ

стр. 842

الْعِيدِ فَاصِلٌ وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ فَذَلِكَ سَنَةٌ» يَعْنِي أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، الشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ فَذَلِكَ سَنَةٌ كَامِلَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ: التَّشْبِيهُ بِهِ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ كَمَا يَأْتِي فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَلَا يُقَالُ: الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهَا؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ صِيَامَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ فِي صَوْمِهَا دُونَ صَوْمِهِ (وَلَا تَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ بِصِيَامِهَا) أَيْ: السِّتَّةِ أَيَّامٍ (فِي غَيْرِ شَوَّالٍ) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهَا إلَّا لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَالَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّ فَضِيلَتَهَا تَحْصُلُ لِمَنْ صَامَهَا وَقَضَى رَمَضَانَ وَقَدْ أَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَ) يُسَنُّ (صَوْمُ التِّسْعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَآكَدُهُ: التَّاسِعُ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إجْمَاعًا ثُمَّ الثَّامِنُ وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) وَيَأْتِي فِي الْحَجِّ وَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ. (وَ) يُسَنُّ (صَوْمُ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ) ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ جَوْفُ اللَّيْلِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَأَضَافَهُ إلَيْهِ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا كَنَاقَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُكْثِرْ النَّبِيُّ ﷺ الصَّوْمَ فِيهِ إمَّا لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إلَّا أَخِيرًا، وَالْمُرَادُ أَفْضَلُ شَهْرٍ تَطَّوَّعَ فِيهِ كَامِلًا بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ التَّطَوُّعِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ أَيَّامِهِ كَعَرَفَةَ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. فَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُهُ الْمُحَرَّمُ كَمَا أَنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ (وَأَفْضَلُهُ) أَيْ الْمُحَرَّمُ (يَوْمُ عَاشُورَاءَ) بِالْمَدِّ فِي الْأَشْهَرِ وَهُوَ اسْمٌ إسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَغَيْرِهِ (وَهُوَ) الْيَوْمُ (الْعَاشِرُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا وَصَحَّحَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ التَّاسِعُ (ثُمَّ تَاسُوعَاءُ) بِالْمَدِّ عَلَى الْأَفْصَحِ (وَهُوَ) الْيَوْمُ (التَّاسِعُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ (مَثَلًا وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ صَوْمِ تَاسُوعَاءَ وَعَاشُورَاءَ. لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ

стр. 843

عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَ) قَالَ (إنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِيَتَيَقَّنَّ صَوْمَهَا، (وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْعَاشِرِ بِالصَّوْمِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَهُمَا) أَيْ: تَاسُوعَاءُ وَعَاشُورَاءُ (آكَدُهُ) أَيْ: آكَدُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ (ثُمَّ) بَقِيَّةُ (الْعَشْرِ، وَلَمْ يَجِبْ صَوْمُ) يَوْمِ (عَاشُورَاءَ) فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ قَالَ: لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَكَلَ فِيهِ بِالْقَضَاءِ. وَلِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ لَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَعَنْهُ وَجَبَ) صَوْمُهُ (ثُمَّ نُسِخَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَمَالَ إلَيْهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ) وَقَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ ﷺ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا اُفْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ " صَحِيحٌ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ مَحْمُولٌ عَلَى إرَادَةِ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ مَكْتُوبًا عَلَيْكُمْ الْآنَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ) مَاضِيَةٍ لِلْخَبَرِ. (وَمَا رُوِيَ فِي فَضْلِ الِاكْتِحَالِ وَالِاخْتِضَابِ وَالِاغْتِسَالِ وَالْمُصَافَحَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ) أَيْ: يَوْمِ عَاشُورَاءَ (فَكَذِبٌ) . وَكَذَا مَا يُرْوَى فِي مَسْحِ رَأْسِ الْيَتِيمِ وَأَكْلِ الْحُبُوبِ أَوْ الذَّبْحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمِثْلُ ذَلِكَ: بِدْعَةٌ لَا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ، وَيَنْبَغِي فِيهِ التَّوَسُّعَةُ عَلَى الْعِيَالِ سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَحْمَدَ عَنْهُ فَقَالَ: نَعَمْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ: مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ " قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ جَرَّبْنَاهُ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إلَّا خَيْرًا. (وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» وَقَالَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَعَلَّ مُضَاعَفَةَ التَّكْفِيرِ عَلَى عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ أُعْطِيَهُ. (قَالَ) النَّوَوِيُّ (فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ كَفَّارَةُ الصَّغَائِرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ صَغَائِرُ (رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ كَبَائِرُ

стр. 844

(رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٌ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا. (وَلَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهُ) أَيْ: يَوْمِ عَرَفَةَ (لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ مِنْ الْحَاجِّ بَلْ فِطْرُهُ أَفْضَلُ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ " أَنَّهَا «أَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ "؛ وَلِأَنَّهُ يُضَعِّفُ عَنْ الدُّعَاءِ فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ وَزُوَّارُهُ وَعَنْ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ (إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ عَدِمَا الْهَدْيَ) فَيَصُومَانِهِ مَعَ الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ (وَيَأْتِي) فِي الْحَجِّ. (وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِهِ» وَفِيهِ دَاوُد بْنُ عَطَاءٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُعَظِّمُهُ " (وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِفِطْرِهِ فِيهِ وَلَوْ يَوْمًا أَوْ بِصَوْمِهِ شَهْرًا آخَرَ مِنْ السَّنَةِ قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ لَمْ يَلِهِ) أَيْ: يَلِي الشَّهْرَ الْآخَرَ رَجَبٌ. (وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ شَهْرٍ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» وَالْمُرَادُ أَحْيَانًا وَلَمْ يُدَاوِمْ كَامِلًا عَلَى غَيْرِ رَمَضَانَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَاسْتَحَبَّهُ فِي الْإِرْشَادِ (وَكُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي فَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ أَوْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَكَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ) بِالْحَدِيثِ. (وَيُكْرَهُ تَعَمُّدُ إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا الْحَدِيثُ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صَوْمِهِ وَالتَّرْغِيبُ

стр. 845

فِيهِ عَلَى صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا تَعَارُضَ. (وَ) يُكْرَهُ تَعَمُّدُ (إفْرَادِ يَوْمِ السَّبْتِ) بِصَوْمٍ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أُخْتِهِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ، وَيَوْمُ السَّبْتِ آخِرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِانْقِطَاعِ الْأَيَّامِ عِنْدَهُ (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ) يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَوْ السَّبْتِ (عَادَةً) كَأَنْ وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَكَانَ عَادَتَهُ صَوْمُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ. (وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ تَطَوُّعًا) لِقَوْلِ عَمَّارٍ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا (وَيَصِحُّ) صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ (أَوْ) أَيْ: وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ (بِنِيَّةِ الرَّمَضَانِيَّةِ احْتِيَاطًا) وَلَا يُجْزِئُ إنْ ظَهَرَ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَهُوَ) أَيْ: يَوْمُ الشَّكِّ (يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ) فِي مَطْلِعِ الْهِلَالِ (عِلَّةٌ) مِنْ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ وَنَحْوِهِمَا، (وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِفِسْقٍ وَنَحْوِهِ (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ) يَوْمَ الشَّكِّ (عَادَةٌ) كَمَنْ عَادَتُهُ يَصُومُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ فَوَافَقَ يَوْمَ الشَّكِّ أَحَدُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ، أَوْ عَادَتُهُ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ آخَرَ فَوَافَقَ صَوْمُهُ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ (أَوْ يَصِلُهُ) أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ (بِصِيَامٍ قَبْلَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَوْ يَصُومُهُ) أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ (عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ) أَوْ كَفَّارَةٍ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ وَاجِبٌ إذَنْ. (وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ نَيْرُوزِ) بِصَوْمٍ (وَ) يَوْمِ (مِهْرَجَانٍ وَهُمَا عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ) قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّيْرُوزُ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ الرَّبِيعِ وَالْمِهْرَجَانُ: الْيَوْمُ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ الْخَرِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ فِي تَعْظِيمِهَا وَاخْتَارَ الْمَجْدُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُعَظِّمُونَهُمَا بِالصَّوْمِ كَالْأَحَدِ. (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ: يُكْرَهُ إفْرَادُ (كُلِّ عِيدٍ لَهُمْ) أَيْ: لِلْكُفَّارِ (أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِتَعْظِيمٍ) ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً) كَأَنْ يَكُونَ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ اثْنَيْنِ وَعَادَتُهُ صَوْمُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ. (وَيُكْرَهُ تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِ) صَوْمِ (يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، (وَلَا يُكْرَهُ) تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِصَوْمِ (أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ
следующие страницы →