← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قَدْرَ مَا عَجَّلَهُ أَجْزَأَ؛ إذْ الْمُعَجَّلُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ) فِي مِلْكِهِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا وَلِهَذَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ. (وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا) لِحَوْلَيْنِ: أَجْزَأَهُ؛ لِبَقَاءِ النِّصَابِ. (أَوْ) عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (شَاةً مِنْهَا، وَأُخْرَى مِنْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ عَنْ الْحَوْلَيْنِ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَجَّلَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ. (وَ) إنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (شَاتَيْنِ مِنْهَا) لِحَوْلَيْنِ (لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ) لِمَا يَأْتِي. (وَكَذَا لَوْ عَجَّلَ) عَنْ الْأَرْبَعِينَ شَاةً (شَاةً) مِنْهَا (عَنْ الْحَوْلِ الثَّانِي وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ مِنْهُ) أَيْ مَنْ النِّصَابِ (لِلْحَوْلِ الثَّانِي زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَيَنْقُصُ) النِّصَابُ (بِهِ) بِخِلَافِ مَا عَجَّلَهُ عَنْ الْأُولَى لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ (وَإِنْ مَلَكَ شَاةً اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ مِنْ الْكَمَالِ) أَيْ كَمَالِ النِّصَابِ وَكَذَا لَوْ قُلْنَا: يَرْتَجِعُ مَا عَجَّلَهُ وَارْتَجَعَهُ؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ. (وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ) مِنْ الْغَنَمِ شَاتَيْنِ (فَنَتَجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةً لَزِمَتْهُ ثَالِثَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَتَيْنِ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودَتَيْنِ فَكَأَنَّ الْحَوْلَ تَمَّ عَلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ وَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ. (وَإِنْ عَجَّلَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ) شَاةً (وَاحِدَةً ثُمَّ نَتَجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ أُخْرَى لَزِمَهُ إخْرَاجُ) شَاةٍ (ثَانِيَةٍ) لِمَا مَرَّ. (وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، وَعَنْ نَتَاجِهَا: بِنْتَ مَخَاضٍ فَنَتَجَتْ مِثْلَهَا) خَمْسَ عَشْرَةَ (لَمْ تُجْزِئْهُ) الْمُعَجَّلَةُ لِشَيْءٍ أَمَّا النَّتَاجُ فَلِعَدَمِ صِحَّةِ تَعْجِيلِ زَكَاتِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَأَمَّا الْأَصْلُ فَلَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ فِيهِ إذْ ذَاكَ مِنْ جِنْسِهِ (وَيَلْزَمُهُ بِنْتُ مَخَاضٍ) إذَا تَمَّ الْحَوْلُ. (وَلَوْ عَجَّلَ مُسِنَّةً عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ وَنَتَاجِهَا فَنَتَجَتْ عَشْرًا أَجْزَأَتْ) الْمُعَجَّلَةُ (عَنْ الثَّلَاثِينَ فَقَطْ) لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْجِيلِ عَنْ النَّتَاجِ (وَيُخْرِجُ لِلْعَشْرِ) النَّتَاجِ (رُبْعَ مُسِنَّةٍ) زَكَاتَهَا. (وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً، ثُمَّ أَبْدَلَهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ (بِمِثْلِهَا أَوْ نَتَجَتْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ، أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْبَدَلِ وَالسِّخَالِ) لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّهَاتِ عَنْ الْكُلِّ، فَعَنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى. (وَلَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ مِائَةِ شَاةٍ أَوْ) عَجَّلَ (تَبِيعًا عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، ثُمَّ نَتَجَتْ الْأُمَّهَاتُ مِثْلَهَا، ثُمَّ مَاتَتْ) الْأُمَّهَاتُ (أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ النَّتَاجِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. (وَلَوْ نَتَجَ نِصْفُ الشَّاةِ مِثْلَهَا) كَأَنْ نَتَجَتْ عِشْرُونَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ (ثُمَّ مَاتَتْ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الشِّيَاهِ وَعَنْ النَّتَاجِ (وَلَوْ نَتَجَ نِصْفُ الْبَقَرِ مِثْلَهَا) كَثَلَاثِينَ بَقَرَةً نَتَجَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْهَا ثَلَاثِينَ (ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ) عَنْ الْبَاقِي، وَعَنْ النَّتَاجِ؛ لِإِجْزَائِهِ مَعَ عَدَمِ الْمَوْتِ، فَأَوْلَى مَعَهُ. (وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْهِ) بِعَيْنِهِ (وَتَلِفَ لَمْ يَصْرِفْهُ إلَى الْآخَرِ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ

стр. 772

امْرِئٍ مَا نَوَى» (كَمَا لَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَتَلِفَتْ) الْإِبِلُ (وَلَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً لَمْ يُجْزِئْهُ) مَا عَجَّلَهُ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الشِّيَاهِ؛ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ إيَّاهَا. (وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَعَجَّلَ خَمْسِينَ) دِرْهَمًا (وَقَالَ: إنْ رَبِحْتُ أَلْفًا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ) أَيْ الْخَمْسُونَ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْأَلْفِ وَرِبْحُهَا الْأَلْفُ الْأُخْرَى (وَإِلَّا كَانَتْ لِلْحَوْلِ الثَّانِي جَازَ) إنْ جَازَ تَعْجِيلُ زَكَاةِ الرِّبْحِ قَبْلَهُ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ عَجَّلَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (فَدَفَعَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَمَاتَ قَابِضُهَا أَوْ ارْتَدَّ، أَوْ اسْتَغْنَى مِنْهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، أَجْزَأَتْ عَنْهُ) كَمَا لَوْ عَدِمَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْقَبْضِ؛ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ التَّعْجِيلُ. (وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى غَنِيٍّ أَوْ كَافِرٍ يَعْلَمُ غِنَاهُ) رَاجِعٌ إلَى غَنِيٍّ (أَوْ) يَعْلَمُ (كُفْرَهُ) أَيْ الْكَافِرِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى غَالِبًا بِخِلَافِ الْغَنِيِّ (فَافْتَقَرَ) الْغَنِيُّ (عِنْدَ الْوُجُوبِ أَوْ أَسْلَمَ) الْكَافِرُ عِنْدَ الْوُجُوبِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ أَوْ يُسْلِمْ. (وَإِنْ عَجَّلَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ النِّصَابُ أَوْ مَاتَ الْمَالِكُ أَوْ ارْتَدَّ) الْمَالِكُ (قَبْلَ الْحَوْلِ) فَقَدْ بَانَ الْمُخْرَجُ غَيْرَ زَكَاةٍ لِانْقِطَاعِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ الِاحْتِسَابَ بِهَا عَنْ زَكَاةِ حَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ وَ (لَمْ يَرْجِعْ) الْمُعَجَّلُ (عَلَى الْمِسْكِينِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّافِعُ) لَهُ (رَبَّ الْمَالِ أَوْ السَّاعِي) وَسَوَاءٌ (أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهَا دُفِعَتْ إلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ اسْتِرْجَاعَهَا لِوُقُوعِهِ نَفْلًا، بِدَلِيلِ مِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا (فَإِنْ كَانَتْ) الزَّكَاةُ الْمُعَجَّلَةُ (بِيَدِ السَّاعِي وَقْتَ التَّلَفِ) أَيْ تَلَفِ النِّصَابِ (رَجَعَ) بِهَا رَبُّهَا لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إنْ كَانَتْ بِيَدِ الْفَقِيرِ، وَلَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُعَجِّلُ أَوْ ارْتَدَّ مُطْلَقًا، قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلَا رُجُوعَ إلَّا فِيمَا بِيَدِ سَاعٍ عِنْدَ تَلَفٍ. (وَلَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ زَكَاةِ مَعْدِنٍ بِحَالٍ وَلَا) تَعْجِيلُ (مَا يَجِبُ فِي رِكَازٍ؛) لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ لَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا. (وَلِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ اسْتِسْلَافُ زَكَاةٍ بِرِضَى رَبِّ الْمَالِ) لِقِصَّةِ الْعَبَّاسِ (لَا إجْبَارُهُ عَلَى ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ (فَإِنْ اسْتَسْلَفَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (فَتَلِفَتْ بِيَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْفُقَرَاءِ) فَتَفُوتُ عَلَيْهِمْ (سَوَاءٌ سَأَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِسْلَافَ (الْفُقَرَاءُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (قَبْضُهَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ) فَقَدْ فَعَلَ مَا يَجُوزُ، فَلَمْ يَضْمَنْ (وَإِنْ تَلْفِتْ) الزَّكَاةُ (فِي يَدِ الْوَكِيلِ) أَيْ وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ (قَبْلَ أَدَائِهَا، فَمِنْ ضَمَانِ رَبِّ الْمَالِ) لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَلِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيْدِ مُوَكِّلِهِ. (وَيُشْتَرَطُ لِمِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا)

стр. 773

أَيْ الزَّكَاةِ (وَإِجْزَائِهَا عَنْ رَبِّهَا قَبْضُهُ لَهَا، فَلَا يُجْزِئُ غَدَاءُ الْفُقَرَاءِ وَلَا عَشَاؤُهُمْ) مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِيتَاءٍ. (وَلَا يَقْضِي مِنْهَا دَيْنَ مَيِّتٍ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ) حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا (لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ) أَيْ رَبُّ الْمَالِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّكَاةِ. (وَلَا يَكْفِي إبْرَاءُ الْمَدِينِ مِنْ دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرَجُ عَنْهُ دَيْنًا أَوْ عَيْنَا، وَلَا تَكْفِي الْحَوَالَةُ بِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إيتَاءً لَهَا، وَكَذَا الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ لَهُ يُحِيلُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ. (وَإِنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ) أَيْ عَزَلَهَا (فَتَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْفَقِيرُ لَزِمَهُ) أَيْ رَبَّ الْمَالِ (بَدَلُهَا) كَمَا قَبْلَ الْعَزْلِ؛ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَوْدُ فِيهَا إلَى بَدَلِهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْمُسْتَحِقُّ كَمَالٍ مَعْزُولٍ لِوَفَاءِ رَبِّ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْأَمَانَةِ. (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْفَقِيرِ) وَبَاقِي أَهْلِ الزَّكَاةِ فِيهَا (قَبْلَ قَبْضِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِهِ. (وَلَوْ قَالَ الْفَقِيرُ لِرَبِّ الْمَالِ: اشْتَرِ لِي بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (ثَوْبًا) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ حَوَائِجِهِ (وَلَمْ يَقْبِضْهَا) الْفَقِيرُ (مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ. (وَلَوْ اشْتَرَاهُ) أَيْ رَبُّ الْمَالِ الثَّوْبَ (كَانَ) الثَّوْبُ (لِلْمَالِكِ) دُونَ الْفَقِيرِ (وَإِنْ تَلِفَ) الثَّوْبُ (كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ) أَيْ الْمَالِكِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَوْ وَكَّلَ الْفَقِيرُ رَبَّ الْمَالِ فِي الْقَبْضِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَوْبًا أَوْ نَحْوَهُ. (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ قِيمَةِ زَكَاةِ الْمَالِ وَ) لَا قِيمَةِ (الْفِطْرَةِ طَائِعًا) كَانَ الْمُخْرِجُ (أَوْ مُكْرَهًا، وَلَوْ لِلْحَاجَةِ) صَحَّ ذَلِكَ (مِنْ تَعَذُّرِ الْفَرْضِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ) كَأَنْ تَكُونَ أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ، وَتَقَدَّمَ بِدَلِيلِهِ، لَكِنْ مَا هُنَا فِيهِ زِيَادَةٌ، وَتَقَدَّمَ، أَنَّ أَخْذَ السَّاعِي لِلْقِيمَةِ يُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الدَّافِعُ. (وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ السُّعَاةُ عِنْدَ قُرْبِ) زَمَنِ (الْوُجُوبِ لِقَبْضِ زَكَاةِ الْمَالِ الظَّاهِرِ) وَهُوَ السَّائِمَةُ وَالزَّرْعُ وَالثِّمَارُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ " كَانُوا يَفْعَلُونَهُ " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُزَكِّي وَلَا يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ، فَفِي إهْمَالِ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلزَّكَاةِ. (وَيَجْعَلُ حَوْلَ الْمَاشِيَةِ الْمُحَرَّمَ) لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ، وَمَيْلُهُ إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ. (وَإِنْ أَخَّرَ السَّاعِي قِسْمَةَ زَكَاةٍ عِنْدَهُ بِلَا عُذْرٍ، كَاجْتِمَاعِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ) اجْتِمَاعِ (الزَّكَاةِ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ ذَلِكَ (وَيَضْمَنُ) مَا تَلِفَ (لِتَفْرِيطِهِ) بِالتَّأْخِيرِ (كَوَكِيلٍ فِي إخْرَاجِهَا يُؤَخِّرُهُ) بِلَا عُذْرٍ. (وَإِنْ وَجَدَ السَّاعِي مَالًا) زَكَوِيًّا (لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ وَلَمْ يُعَجِّلْهَا رَبُّهُ، وَكَّلَ) السَّاعِي (ثِقَةً فِي قَبْضِهَا عِنْدَ وُجُوبِهَا، وَصَرْفِهَا فِي مَصْرِفِهَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ بِلَا تَأْخِيرٍ. (وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ) أَيْ جَعْلِ السَّاعِي صَرْفَ

стр. 774

الزَّكَاةِ مَصْرِفَهَا عِنْدَ الْحَوْلِ (إلَى رَبِّ الْمَالِ، إنْ كَانَ ثِقَةً) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) السَّاعِي (ثِقَةً أَخْرَجَهَا رَبُّهَا) لِلْفُقَرَاءِ (إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا) لِوُجُوبِ الْإِخْرَاجِ عَلَى الْفَوْرِ إذَنْ (وَإِلَّا) بِأَنْ خَافَ ضَرَرًا، كَرُجُوعِ سَاعٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ (أَخَّرَهَا إلَى الْعَامِ الثَّانِي) لِحَدِيثِ «، لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . (وَإِذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَرَّقَهَا فِي مَكَانِهِ وَمَا قَارَبَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حَمَلَهُ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ مُعَاذٍ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ (فَلَا) حَمْلَ مَعَهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُدَّ الْمَاشِيَةَ عَلَى أَهْلِهَا عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ لِلْخَبَرِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِعَدَدِهِ قُبِلَ مِنْهُ، وَلَا يُحَلِّفُهُ كَمَا سَبَقَ. (وَلَهُ) أَيْ السَّاعِي (بَيْعُ الزَّكَاةِ مِنْ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا لِحَاجَةٍ كَخَوْفِ تَلَفٍ وَمُؤْنَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَيَأْتِي. (وَ) لَهُ (صَرْفُهُ فِي الْأَحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ حَاجَتِهِمْ، حَتَّى فِي أُجْرَةِ مَسْكَنٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ فِي حَاجَتِهِمْ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِمْ. (وَإِنْ بَاعَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) فَقَالَ الْقَاضِي: (لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْإِذْنِ) أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ (وَيَضْمَنُ قِيمَةَ مَا تَعَذَّرَ) رَدُّهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ، فَسَأَلَ عَنْهَا الْمُصَدَّقَ فَقَالَ: إنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِإِبِلٍ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ» وَمَعْنَى الرَّجْعَةِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا غَيْرَهَا. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا أَخَذَ السَّاعِي زَكَاتَهُ كَتَبَ لَهُ بِهَا بَرَاءَةً؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا جَاءَ سَاعٍ آخَرُ فَيُطَالِبُهُ، فَيُخْرِجُ تِلْكَ الْبَرَاءَةَ، فَتَكُونُ حُجَّةً لَهُ) قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنْهُ، أَيْ وَإِلَّا فَيُقْبَلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ،. [بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ) مِنْ بَيَانِ شُرُوطِهِمْ وَقَدْرِ مَا يُعْطَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (وَهُمْ) أَيْ أَهْلُ الزَّكَاةِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ الشَّرْعُ مَحَلًّا لِدَفْعِهَا إلَيْهِمْ (ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ، لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِهِمْ) كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَسَدِّ الْبُثُوقِ، وَتَكْفِينِ الْمَوْتَى،

стр. 775

وَوَقْفِ الْمَصَاحِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَكَلِمَةُ " إنَّمَا " تُفِيد الْحَصْرَ، أَيْ تُثْبِتُ الْمَذْكُورِينَ وَتَنْفِي مَا عَدَاهُمْ، وَكَذَلِكَ تَعْرِيفُ الصَّدَقَاتِ بِأَلْ، فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُهَا، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ شَيْءٍ إلَى غَيْرِ الثَّمَانِيَةِ لَكَانَ لَهُمْ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا. وَرُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا هِيَ لِمَنْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى (وَسُئِلَ الشَّيْخُ عَمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ كُتُبًا لِلْعِلْمِ يَشْتَغِلُ فِيهَا؟ فَقَالَ: يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ الَّتِي لَا بُدَّ لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنْهَا) قُلْتُ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأَصْنَافِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْتَاجُهُ طَالِبُ الْعِلْمِ، فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ، وَيَأْتِي: إذَا تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ لِلْعِلْمِ أَعْطَى (أَحَدَهُمْ) أَيْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (الْفُقَرَاءَ) بَدَأَ بِهِمْ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ، وَلِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ. (وَهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمَسَاكِينِ) لِبُدَاءَةِ اللَّهِ بِهِمْ، وَإِنَّمَا يُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا، وَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْكَنَةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ الْفَقْرِ فَقَالَ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ شِدَّةَ الْحَاجَةِ وَيَسْتَعِيذَ مِنْ حَالَةٍ أَصْلَحَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ الْفَقِيرَ مُشْتَقٌّ مِنْ فِقَرِ الظَّهْرِ فَقِيلَ: فَقِيرٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَفْقُورٍ وَهُوَ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِهِ، فَانْقَطَعَ صُلْبُهُ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] وَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ، لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْ الْفَقِيرِ بِالْمِسْكَيْنِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ هَذَا النَّعْتَ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ (وَالْفَقِيرُ: مَنْ لَا يَجِدُ شَيْئًا

стр. 776

أَلْبَتَّةَ) أَيْ قَطْعًا (أَوْ يَجِدُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الْكِفَايَةِ دُونَ نِصْفِهَا: مِنْ كَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِمَّا لَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ) كَدِرْهَمَيْنِ مِنْ عَشَرَةٍ وَمَثَّلَهُ الْخِرَقِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الشَّرْحِ بِالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى لِأَنَّهُمَا فِي الْغَالِبِ كَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] الْآيَةَ. (الثَّانِي: الْمَسَاكِينُ وَالْمِسْكِينُ: مَنْ يَجِدُ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ أَوْ نِصْفَهَا) مِنْ كَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِفْعِيلٌ: مِنْ السُّكُونِ وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَتْهُ الْحَاجَةُ (وَمَنْ مَلَكَ نَقْدًا وَلَوْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَأَكْثَرَ، أَوْ قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ غَيْرِهِ) كَالْعُرُوضِ (وَلَوْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ، لَا يُقَوَّمُ) ذَلِكَ (بِكِفَايَتِهِ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ فَيَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ سَنَةً) مِنْ الزَّكَاةِ (فَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ أَكْثَرُ) مِنْ ذَلِكَ (لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ رِبْحُهَا) أَيْ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ (قَدْرُ كِفَايَتِهِ) جَازَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ (أَوْ) كَانَ (لَهُ مَوَاشٍ تَبْلُغُ نِصَابًا أَوْ) لَهُ (زَرْعٌ يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، لَا يَقُومُ) ذَلِكَ (بِجَمِيعِ كِفَايَتِهِ، جَازَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ) وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَهَا عَلَيْهِ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ (إذَا كَانَ لَهُ ضَيْعَةٌ أَوْ عَقَارٌ يَسْتَغِلُّهَا عَشَرَةَ آلَافٍ، أَوْ أَكْثَرَ، لَا تَكْفِيهِ، يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِأَحْمَدَ (يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ الْقَائِمُ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَحْصُدُهُ، أَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاة؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ مُؤْنَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ بِعَيْنِهِ فِي الْمُؤْنَةِ وَكَذَا مَنْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُهَا لِلْحِفْظِ وَالْمُطَالَعَةِ، أَوْ لَهَا حُلِيٌّ لِلُبْسِ، أَوْ كِرَاءٌ تَحْتَاجُ إلَيْهِ) . فَلَا يَمْنَعُهَا ذَلِكَ الْأَخْذَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَالْغِنَى فِي بَابِ الزَّكَاةِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوجِبُهَا، وَنَوْعٌ يَمْنَعُهَا، وَالْغِنَى هُنَا مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا حَلَّتْ لَهُ وَلَوْ مَلَكَ نِصَابًا فَأَكْثَرَ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ «فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالسَّدَادُ: الْكِفَايَةُ وَذَكَرَ أَحْمَدُ قَوْلَ عُمَرَ " أَعْطُوهُمْ وَإِنْ رَاحَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا " وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا، أَوْ كُدُوشًا فِي وَجْهِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا غِنَاهُ قَالَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنْ الذَّهَبِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِضَعْفِ الْخَبَرِ. وَحَمَلَهُ

стр. 777

الْمَجْدُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ فِي وَقْتٍ كَانَتْ الْكِفَايَةُ الْغَالِبَةُ فِيهِ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّقْدِيرُ عَنْهُ بِأَرْبَعِينَ، وَبِخَمْسِ أَوَاقٍ، وَهِيَ مِائَتَا دِرْهَمٍ. (وَإِنْ تَفَرَّغَ قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ لِلْعِلْمِ) الشَّرْعِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ (وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَ الْعِلْمِ وَالتَّكَسُّبِ (أُعْطِيَ) مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ. وَ (لَا) يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ (إنْ تَفَرَّغَ) قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ (لِلْعِبَادَةِ) لِقُصُورِ نَفْعِهَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْعِلْمِ. (وَإِطْعَامِ الْجَائِعِ وَنَحْوِهِ) كَسَقْيِ الْعَطْشَانِ، وَإِكْسَاءِ الْعَارِي، وَفَكُّ الْأَسِيرِ (وَاجِبٌ) عَلَى الْكِفَايَةِ إجْمَاعًا (مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ) وِفَاقًا وَعَنْ ابْن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إلَّا لِيَطِيبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ» وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْجُمْهُورُ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ فِي الْآيَةِ: الزَّكَاةُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ، وَمَا جَاءَ غَيْرُ ذَلِكَ: حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ انْتَهَى، قُلْتُ: وَالْمُرَادُ الرَّاتِبُ، وَأَمَّا مَا يَعْرِضُ لِجَائِعٍ وَعَارٍ، وَأَسِيرٍ وَنَحْوِهِ فَيَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَا تَعَارُضَ. (وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنْ زَكَاةٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ، وَكَفَّارَةٍ، وَنَذْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (أُبِيحَ لَهُ سُؤَالُهُ) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» وَلِأَنَّهُ يَطْلُبُ حَقَّهُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ لَهُ الْأَخُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَيَرَى عِنْدَهُ مِنْ الشَّيْءِ يُعْجِبُهُ، فَيَقُولُ: هَبْ هَذَا لِي، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يَجْرِي بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّ الْمَسْئُولَ يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَهُ أَخُوهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ الْمَسْأَلَةَ كُلَّهَا وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْأَبِ أَيْسَرُ، وَذَلِكَ «أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ وَسَأَلَتْهُ خَادِمًا» وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِكَذَا، فَهَبْ لِي مِنْهُ كَذَا، فَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ لَا تُعْجِبُنِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثٍ» وَسَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، رُبَّمَا اشْتَرَيْتُ الشَّيْءَ، فَأَقُولُ: أَرْجِحْ لِي؟ فَقَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ: لَا تُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ يُكْرَهُ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَه؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ السَّائِلَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ بِدُونِهَا، فَتَصِيرُ ثَمَنًا، لَا هِبَةً. (وَيَحْرُمُ السُّؤَالُ) أَيْ سُؤَالُ الزَّكَاةِ أَوْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَوْ الْكَفَّارَةِ وَنَحْوِهَا (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) أَيْ يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُمَا إذَنْ وَوَسَائِلُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ (وَلَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِهِ

стр. 778

- ﷺ وَقَالَ فِي الْعَطْشَانِ: لَا يُسْتَسْقَى، يَكُونُ أَحْمَقَ (وَ) لَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ (الِاسْتِعَارَةِ وَالِاسْتِقْرَاضِ) نَصَّ عَلَيْهِمَا، قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ حِلَّ الْمَسْأَلَةِ، وَمَتَى تَحِلُّ وَمَا قَالَهُ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ فِي أَنَّ تَعَلُّمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدِينِهِ: فَرْضٌ (وَلَا) بَأْسَ (بِسُؤَالِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَشِسْعِ النَّعْلِ) أَيْ سَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ. (وَإِنْ أُعْطِيَ مَالًا) طَيِّبًا (مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ) مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ أَوْ هِبَةٍ (وَجَبَ أَخْذُهُ) نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْأَثْرَمُ وَالْمَرُّوذِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُنْتَهَى هُنَا وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ: وَهُوَ مَعْنَى مَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُمَا فِي الْهِبَةِ: أَنَّهُ يُسَنُّ الْقَبُولُ، وَيُكْرَهُ الرَّدُّ، وَقَدْ رَدَّ أَحْمَدُ وَقَالَ: دَعْنَا نَكُونُ أَعِزَّاءَ. (وَإِنْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ، بِأَنْ قَالَ: سَيَبْعَثُ لِي فُلَانٌ، أَوْ لَعَلَّهُ يَبْعَثُ لِي، فَلَا بَأْسَ بِالرَّدِّ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَزَادَ أَبُو دَاوُد وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ الرَّدَّ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: رَدَّهَا، وَسَأَلَهُ جَعْفَرُ: يَحْرُمُ أَخْذُهُ؟ قَالَ: لَا. (وَإِنْ سَأَلَ غَيْرَهُ) لِمُحْتَاجٍ غَيْرَهُ (فِي صَدَقَةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ غَزْوٍ أَوْ حَاجَةٍ، فَلَا بَأْسَ) لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْكُرْبَةِ عَنْ الْمُسْلِمِ. (وَالتَّعْرِيضُ: أَعْجَبُ إلَى أَحْمَدَ) مِنْ السُّؤَالِ قَالَ: لَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي، فَكَيْفَ لِغَيْرِي؟ يُعَرِّضُ أَحَبُّ إلَيَّ. (وَلَوْ سَأَلَهُ مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا) وَأَطْلَقَ، فَدَفَعَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا هَلْ هُوَ قَرْضٌ أَوْ صَدَقَةٌ؟ (قُبِلَ قَوْلُ الدَّافِعِ فِي كَوْنِهِ قَرْضًا) لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ (كَسُؤَالِهِ مِقْدَارًا، كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ) ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ قَرِينَةُ الْقَرْضِ. (وَإِنْ قَالَ) السَّائِلُ: (أَعْطِنِي شَيْئًا، إنِّي فَقِيرٌ، قُبِلَ قَوْلُ الْفَقِيرِ فِي كَوْنِهِ صَدَقَةً) عَمَلًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنَّهُ فَقِيرٌ (وَإِنْ أُعْطِيَ مَالًا لِيُفَرِّقَهُ جَازَ) لَهُ (أَخْذُهُ) لِذَلِكَ. (وَ) جَازَ لَهُ (عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ الْأَخْذِ (وَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ) مِنْ أَخْذٍ وَعَدَمِهِ وَحَسَّنَ أَحْمَدُ عَدَمَ الْأَخْذِ فِي رِوَايَةٍ وَكَانَ لَا يَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا. (الثَّالِثُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا) لِلنَّصِّ (كَجَابٍ) لِلزَّكَاةِ (وَكَاتِبٍ) عَلَى الْجَابِي (وَقَاسِمٍ) لِلزَّكَاةِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهَا (وَحَاشِرٍ) أَيْ جَامِعِ (الْمَوَاشِي، وَعَدَّادِهَا، وَكَيَّالٍ، وَوَزَّانٍ، وَسَاعٍ) يَبْعَثُهُ الْإِمَامُ لِأَخْذِهَا (وَرَاعٍ وَجَمَّالٍ، وَحَاسِبٍ وَحَافِظٍ، وَمَنْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا) أَيْ فِي الزَّكَاةِ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْعَامِلِ (غَيْرَ قَاضٍ وَوَالٍ، وَيَأْتِي) لِاسْتِغْنَائِهِمَا بِمَالِهِمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ. (وَأُجْرَةُ كَيْلِهَا وَوَزْنِهَا فِي أَخْذِهَا) أَيْ حَالَ تَسْلِيمِهَا (وَمُؤْنَةُ دَفْعِهَا عَلَى الْمَالِكِ) . لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ مُؤْنَتُهُ، وَأَمَّا مُؤْنَةُ ذَلِكَ حَالَ الدَّفْعِ إلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ

стр. 779

فَمِنْ سَهْمِ الْعُمَّالِ (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ) أَيْ الْعَامِلِ (مُسْلِمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ؛ وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَلِاشْتِرَاطِ الْأَمَانَةِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ (أَمِينًا) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ بِهَا الْعَدَالَةُ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ (مُكَلَّفًا) لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُوَلًّى عَلَيْهِ (كَافِيًا) فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْوِلَايَةِ، فَاشْتُرِطَ فِيهَا ذَلِكَ كَغَيْرِهَا (مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) ؛ لِأَنَّ «الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَالْمُطَّلِبَ بْنَ رَبِيعَةَ سَأَلَا النَّبِيَّ ﷺ الْعِمَالَةَ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَهُوَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ إلَّا أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِ أُجْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. (وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ) أَيْ الْعَامِلِ عَلَى الزَّكَاةِ (بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ، إنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ) أَيْ الَّذِينَ يُفَوَّضُ إلَيْهِمْ عُمُومُ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ. (وَإِنْ كَانَ) الْعَامِلُ (مُنَفِّذًا وَقَدْ عَيَّنَ لَهُ الْإِمَامُ مَا يَأْخُذُهُ، جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا) بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ. (قَالَهُ الْقَاضِي) فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَبْعَثُ الْعُمَّالَ وَيُكْتَبُ لَهُمْ مَا يَأْخُذُونَ " وَكَذَلِكَ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَّالِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ، أَشْبَهَ الْحُرَّ. (وَلَا) يُشْتَرَطُ (فَقْرُهُ) إجْمَاعًا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا الْغَنِيَّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا تُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّتُهُ وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِالْوِلَايَةِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: (وَاشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِ أَوْلَى) مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ. (وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ) مِنْ الزَّكَاةِ فَهُوَ (أُجْرَتُهُ) وَلِذَلِكَ جَازَ مَعَ غِنَاهُ. (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاعِي وَالْحَمَّالُ) لِلزَّكَاةِ (وَنَحْوِهِمَا) كَالسَّائِقِ (كَافِرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ مُنِعَ الزَّكَاةَ) كَذَوِي الْقُرْبَى، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ (لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ لِعَمَلِهِ، لَا لِعِمَالَتِهِ) بِخِلَافِ الْجَابِي لَهَا وَنَحْوِهِ. (وَإِنْ وَكَّلَ) مُسْلِمٌ (غَيْرَهُ فِي تَفْرِقَةِ زَكَاتِهِ، لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ، وَيَأْتِي) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَامِلٍ، بَلْ وَكِيلٌ.

стр. 780

(وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ) أَيْ الزَّكَاةُ (بِيَدِهِ) أَيْ الْعَامِلِ (بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَأُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛) لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْهَا. (وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ) الزَّكَاةُ (فَ) إنَّهُ يُعْطَى أُجْرَتَهُ (مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ) أَجْرُهُ (أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةٌ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ إعْطَاءَهُ) أَيْ الْعَامِلِ (أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) وَيُوَفِّرُ الزَّكَاةَ عَلَى بَاقِي الْأَصْنَافِ فَعَلَ (أَوْ) رَأَى الْإِمَامُ أَنْ (يَجْعَلَ لَهُ رِزْقًا فِيهِ) أَيْ فِي بَيْتِ الْمَالِ نَظِيرَ عِمَالَتِهِ. (وَلَا يُعْطِيه مِنْهَا شَيْئًا، فَعَلَ) الْإِمَامُ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، مَعَ عَدَمِ الْمَفْسَدَةِ. (وَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْعَامِلِ، إنْ شَاءَ أَرْسَلَهُ) لِقَبْضِ الزَّكَاةِ (مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا تَسْمِيَةِ شَيْءٍ، وَإِنْ شَاءَ عَقَدَ لَهُ إجَارَةً) بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، إمَّا عَلَى مَعْلُومٍ، أَوْ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (ثُمَّ إنْ شَاءَ) الْإِمَامُ (جَعَلَ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (أَخْذَ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقَهَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ ﵁، حِينَ بَعْثَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلْيَمَنِ (أَوْ) جَعَلَ لَهُ (أَخْذَهَا فَقَطْ) وَيُفَرِّقُهَا الْإِمَامُ، وَهَذَا وَاضِحٌ، إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ وَمَا دُونَ الْمَسَافَةِ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ يَحْرُمُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ، حَتَّى مِنْ السَّاعِي (فَإِنْ أَذِنَ) الْإِمَامُ (لَهُ) أَيْ الْعَامِلِ (فِي تَفْرِيقِهَا أَوْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّفْرِيقِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ (فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ تَفْرِيقُهَا فِي مُسْتَحِقِّيهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد " أَنَّ زِيَادًا وَلَّى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ الصَّدَقَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: أَوَلَكَ مَالٌ؟ بَعَثْتَنِي، أَخَذْنَاهَا كَمَا كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ لَهُ: لَا تُفَرِّقْهَا (فَلَا) يُفَرِّقُهَا، لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ. (وَإِذَا تَأَخَّرَ الْعَامِلُ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ تَشَاغُلًا بِأَخْذِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى أَوْ عُذْرٍ غَيْرَهُ، انْتَظَرَهُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يُخْرِجُوا) زَكَاتَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا مِنْ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ، قَالَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ إذَا خَشَوْا ضَرَرًا بِالْإِخْرَاجِ وَإِلَّا فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، حَيْثُ لَا عُذْرَ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَأَخُّرُهُ لِعُذْرٍ (أَخْرَجُوا) أَيْ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ زَكَاتَهُمْ (بِأَنْفُسِهِمْ) لِتَعَذُّرِ الدَّفْعِ إلَيْهِ (بِاجْتِهَادٍ) إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهِ (أَوْ تَقْلِيدِ) مُجْتَهِدٍ، إنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ (ثُمَّ إذَا حَضَرَ الْعَامِلُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا) زَكَاتَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ (وَكَانَ اجْتِهَادُهُ مُؤَدِّيًا إلَى إيجَابِ مَا يُسْقِطُ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ) إلَى (الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ رَبُّ الْمَالِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ وَقْتُ مَجِيئِهِ) أَيْ الْعَامِلِ (بَاقِيًا) عَادَةً (فَاجْتِهَادُ الْعَامِلِ أَمْضَى)

стр. 781

مِنْ اجْتِهَادِ رَبِّ الْمَالِ، لِئَلَّا تَكُونَ مُبَادَرَتُهُ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ بَعْضِ الزَّكَاةِ. (وَإِنْ كَانَ) وَقْتُ مَجِيءِ الْعَامِلِ عَادَةً (فَائِتًا، فَاجْتِهَادُ رَبِّ الْمَالِ أَنْفَذُ) فَلَا يَنْقُضُهُ الْعَامِلُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ بِلَا تُهْمَةٍ. (وَإِنْ أَسْقَطَ الْعَامِلُ) عَنْ رَبِّ الْمَالِ بَعْضَ الزَّكَاةِ (أَوْ أَخَذَ) الْعَامِلُ (دُونَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَالِكُ) وَاجِبًا عَلَيْهِ (لَزِمَهُ) أَيْ رَبَّ الْمَالِ (الْإِخْرَاجُ) أَيْ إخْرَاجُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبِ (فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ) تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِوُجُوبِ مَا عَلَيْهِ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ. (وَإِنْ ادَّعَى الْمَالِكُ دَفْعَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى الْعَامِلِ وَأَنْكَرَ) الْعَامِلُ قَبْضَهَا مِنْهُ (صُدِّقَ الْمَالِكُ فِي الدَّفْعِ) إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ بِلَا يَمِينٍ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَحَلَفَ الْعَامِلُ) أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَبَرِئَ) الْعَامِلُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَا يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِهَا. (وَإِنْ ادَّعَى الْعَامِلُ دَفْعَهَا إلَى الْفَقِيرِ) وَنَحْوِهِ (فَأَنْكَرَ) الْفَقِيرُ وَنَحْوُهُ (صُدِّقَ الْعَامِلُ فِي الدَّفْعِ) إلَى الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَ) صُدِّقَ (الْفَقِيرُ فِي عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَظَاهِرُهُ بِلَا يَمِينٍ. (وَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ) أَيْ الْعَامِلِ (بِقَبْضِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ مِنْ رَبِّهَا (وَلَوْ عُزِلَ) الْعَامِلُ، كَحَاكِمٍ أُقِرَّ بِحُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ. (وَإِنْ عَمِلَ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ عَلَى زَكَاةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ؛ (لِأَنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيُقَدَّمُ الْعَامِلُ بِأُجْرَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، بِخِلَافِهِمْ وَلِهَذَا إذَا عَجَزَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ أُجْرَتِهِ تُمِّمَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ يُعْطَى الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ وَهُمْ أَشَدُّهُمْ حَاجَةً. (وَإِنْ أُعْطَى) الْعَامِلُ مِنْ الزَّكَاةِ (فَلَهُ الْأَخْذُ، وَإِنْ تَطَوَّعَ بِعَمَلِهِ، لِقِصَّةِ عُمَرَ) ﵁ وَهِيَ أَنَّهُ ﷺ أُمِرَ لَهُ بِعِمَالَةٍ فَقَالَ: إنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، فَقَالَ: إذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَامِلِ (فِي وَضْعِهَا غَيْرَ مَوْضِعِهَا) الْمَشْرُوعِ وَضْعُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْفَعُونَ عَنْهُمْ بِهَا ضَرَرًا لِبَرَاءَتِهِمْ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ مُطْلَقًا، وَ (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ (فِي أَخْذِهَا مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَكِنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ بِلَا يَمِينٍ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ شَهِدَ بِهِ) أَيْ بِأَخْذِ الْعَامِلِ الزَّكَاةَ (بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ (لِبَعْضٍ قَبْلَ التَّنَاكُرِ وَالتَّخَاصُمِ) بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَامِلِ قُبِلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَغَرِمَ الْعَامِلُ) لِلْفُقَرَاءِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ بَعْدَ التَّنَاكُرِ، وَالتَّخَاصُمِ (فَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِلْعَدَاوَةِ. (وَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ السُّهْمَانِ) بِضَمِّ السِّينِ أَيْ جَمْعُ سَهْمٍ كَالسِّهَامِ وَهُمْ أَهْلُ الزَّكَاةِ الْقَابِضُونَ لَهَا (لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (أَوْ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُمْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهَا مِنْ

стр. 782

جَلْبِ النَّفْعِ. (وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ الْعَامِلِ (قَبُولُ هَدِيَّةٍ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ) لِحَدِيثِ «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» . (وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا (أَخْذُ رِشْوَةٍ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ وَهِيَ مَا بَعْدَ طَلَبٍ، وَالْهَدِيَّةُ قَبْلَهُ (وَيَأْتِي عِنْدَ هَدِيَّةِ الْقَاضِي فِي بَابِ أَدَبِ الْقَاضِي) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا. (وَمَا خَانَ) الْعَامِلُ (فِيهِ أَخَذَهُ الْإِمَامُ) لِيَرُدَّهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَ (لَا) يَأْخُذُهُ (أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ) لِأَنَّهُ زَكَاةٌ، لَكِنْ إنْ أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا ظُلْمًا بِلَا تَأْوِيلٍ فَلَهُمْ أَخْذُهُ. (قَالَ الشَّيْخُ: وَيَلْزَمُهُ رَفْعُ حِسَابِ مَا تَوَلَّاهُ إذَا طُلِبَ مِنْهُ) وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ لَا يَلْزَمُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ. (الرَّابِعُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) لِلنَّصِّ (وَحُكْمُهُمْ بَاقٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَيُعْطَوْنَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيُحْمَلُ تَرْكُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إعْطَاءَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى إعْطَائِهِمْ فِي خِلَافَتِهِمْ، لَا لِسُقُوطِ سَهْمِهِمْ، فَإِنَّ الْآيَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَأَعْطَى أَبُو بَكْرٍ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ، وَمَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النُّفُوسِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ لَا يَخْفَى فَسَادُهُ. (وَهُمْ رُؤَسَاءُ قَوْمِهِمْ) وَكَذَا فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِلتَّأْلِيفِ، وَإِنْ خَشِيَ شَرَّهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى ظَالِمٍ؛ لِعَدَمِ تُنَاوِل اسْمِ الْمُؤَلَّفِ لَهُ (مِنْ كَافِرٍ يُرْجَى إسْلَامُهُ، أَوْ كَفُّ شَرِّهِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ «بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبِيَّةٍ فَقَسَّمَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ: إنِّي إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ وَإِنَّمَا الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْيَمَنِ الصَّدَقَةُ. (وَ) مِنْ (مُسْلِمٍ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إيمَانِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] قَالَ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ، فَإِذَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ قَالُوا: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَابُوهُ " أَوْ (يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ إسْلَامُ نَظِيرِهِ) لِأَنَّ

стр. 783

أَبَا بَكْرٍ أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ مَعَ حُسْنِ نِيَّاتِهِمَا وَإِسْلَامِهِمَا رَجَاءَ إسْلَامِ نُظَرَائِهِمَا. (أَوْ) يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ (نُصْحُهُ فِي الْجِهَادِ أَوْ) فِي (الدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ يَكُونُوا فِي طَرَفِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ دَفَعُوا الْكُفَّارَ عَمَّنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا فَلَا (أَوْ كَفُّ شَرِّهِ كَالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ، أَوْ قُوَّةً عَلَى جِبَايَةِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا) بِأَنْ يَكُونُوا إذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ جَبَوْهَا مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا (إلَّا أَنْ يُخَوَّفَ وَيُهَدَّدَ، كَقَوْمٍ فِي طَرَفِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، إذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ جَبَوْهَا مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا إلَّا بِالتَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ضَعْفِ إسْلَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ. وَ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ (إنَّهُ مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ (وَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤَلَّفِ الْمُسْلِمِ مَا يَأْخُذُهُ إنْ أُعْطِيَ لِيُكَفَّ شَرُّهُ، كَالْهَدِيَّةِ لِلْعَامِلِ) وَالرِّشْوَةِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُعْطِيَ لِيُكَفَّ شَرُّهُ، كَأَنْ أُعْطِيَ لِيُقَوَّى إيمَانُهُ أَوْ إسْلَامِ نَظِيرِهِ، أَوْ نُصْحِهِ فِي الْجِهَادِ أَوْ الدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِ (حَلَّ) لَهُ مَا أَخَذَهُ، كَبَاقِي أَهْلِ الزَّكَاةِ. (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ) لِلنَّصِّ (وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ وَفَاءَ مَا يُؤَدُّونَ، وَلَوْ مَعَ الْقُوَّةِ وَالْكَسْبِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ، أَيْ الْمُكَاتَبُونَ مِنْ الرِّقَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " أَعْتَقْتُ رِقَابِي " فَإِنَّهُ يَشْمَلُهُ، وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] الْآيَةَ إشْعَارٌ بِهِ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَالَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَيُصْرَفُ إلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا إنْ لَمْ يَجِدْ وَفَاءً، كَالْغَرِيمِ. (وَلَا يَدْفَعُ) مِنْ الزَّكَاةِ (إلَى مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى مَجِيءِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْمُكَاتَبِ، إذْ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ، وَلَا يُصْرَف إلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فَالْإِعْطَاءُ لَهُ إعْطَاءٌ لِسَيِّدِهِ، لَا فِي الرِّقَابِ (وَلِلْمُكَاتَبِ الْأَخْذُ قَبْلَ حُلُولِ نَجْمٍ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى فَسْخِهَا عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ. (وَلَوْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ (بِيَدِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (أَجْزَأَتْ) رَبَّهَا، لِوُجُودِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَلَمْ يَغْرَمْهَا سَوَاءٌ عَتَقَ أَمْ لَا) كَالْغَارِمِ وَابْنِ السَّبِيلِ، (وَلَوْ دُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى. (وَيَأْتِي قَرِيبًا، وَلَوْ عَتَقَ) الْمُكَاتَبُ (تَبَرُّعًا مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَمَا مَعَهُ مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُكَاتَبِ (فِي قَوْلٍ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: مَعَ فَقْرِهِ، وَقِيلَ:

стр. 784

بَلْ لِلْمُعْطَى، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، قَالَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ لِلْمُكَاتَبَيْنِ، قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَرُدَّ مَا فَضَلَ إذَا عَتَقَ بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ وَقَالَ: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْمُقْنِعِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَإِدْرَاك الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ اهـ وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَمَا فَضَلَ مَعَ غَارِمٍ وَمُكَاتَبٍ - إلَى آخِرِهِ (وَلَوْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ (أَوْ مَاتَ وَبِيَدِهِ وَفَاءٌ أَوْ اشْتَرَى بِالزَّكَاةِ شَيْئًا ثُمَّ عَجَزَ وَالْعِوَضُ بِيَدِهِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ) كَسَائِرِ مَالِهِ (وَيَجُوزُ الدَّفْعُ) أَيْ دَفْعُ الْإِمَامِ أَوْ الْمَالِكِ الزَّكَاةَ (إلَى سَيِّدِهِ) أَيْ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ الْمُكَاتَبِ، كَوَفَاءِ دَيْنِ الْمَدِينِ بِهَا. (وَهُوَ) أَيْ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ (الْأَوْلَى) مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَى الْمُكَاتَبِ، لِمَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ رَقَّ) الْمُكَاتَبُ (لِعَجْزِهِ) عَنْ الْوَفَاءِ (أُخِذَتْ مِنْ سَيِّدِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ دُفِعَتْ لِلْمُكَاتَبِ، ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَ بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَكُّ رَقَبَةِ الْأَسِيرِ، فَهُوَ كَفَكِّ رَقَبَةِ الْعَبْدِ مِنْ الرِّقِّ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إعْزَازًا لِلدِّينِ، فَهُوَ كَصَرْفِهِ إلَى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَى الْأَسِيرِ، كَفَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الْأَسْرِ، أَشْبَهَ مَا يَدْفَعُهُ إلَى الْغَارِمِ، لِفَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ. (قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَمِثْلُهُ لَوْ دَفَعَ إلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَرَّمَهُ سُلْطَانٌ مَالًا، لِيَدْفَعَ جَوْرَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (رَقَبَةً يَعْتِقُهَا) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْقِنِّ، بَلْ ظَاهِرٌ فِيهِ، فَإِنَّ الرَّقَبَةَ تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إذَا أُطْلِقَتْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَ (لَا) يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الزَّكَاةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، كَرَحِمٍ مَحْرَمٍ كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ زَكَاتِهِ عَاد إلَى رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَبِيهِ (وَلَا إعْتَاقِ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ مَالُهُ عُبَيْدًا لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إيتَاءً لِلزَّكَاةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إخْرَاجِ الْعُرُوضِ أَوْ الْقِيمَةِ الْقِيمَةِ (وَمَنْ أَعْتَقَ مِنْ الزَّكَاةِ) رَقِيقًا (فَمَا رَجَعَ مِنْ وَلَائِهِ) إذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَارِثٍ يَسْتَغْرِقُ (رُدَّ فِي عِتْقِ مِثْلِهِ فِي رِوَايَةٍ) صَحَّحَهَا فِي الْإِنْصَافِ، وَقِيلَ: وَفِي الصَّدَقَاتِ أَيْضًا، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ اهـ قُلْتُ: يَأْتِي فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ رَبَّ الْمَالِ، فَالْوَلَاءُ لَهُ؛ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ

стр. 785

أَعْتَقَ» (وَمَا أَعْتَقَهُ السَّاعِي مِنْ الزَّكَاةِ) أَوْ الْإِمَامُ مِنْهَا (فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ. (وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ) إذَا عَتَقَ بِأَدَائِهِ مَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ الزَّكَاةِ (فَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ) لِلْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ عَتَقَ بِسَبَبِ كِتَابَتِهِ (وَلَا يُعْطَى الْمُكَاتَبُ لِجِهَةِ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ) مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَالْعَبْدُ لَا يُعْطَى لِفَقْرِهِ. (السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ) لِلنَّصِّ (وَهُمْ الْمَدِينُونَ) كَذَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ (الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَات الْبَيْنِ، وَلَوْ) كَانَ الْإِصْلَاحُ (بَيْنَ أَهْلِ ذِمَّةٍ، وَهُوَ) أَيْ مَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (مَنْ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ إتْلَافِ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ أَوْ نَهْبٍ دِيَةً أَوْ مَالًا، لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ، وَيَتَوَقَّفُ صُلْحُهُمْ عَلَى مَنْ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ) فَيَتَحَمَّلُهُ إنْسَانٌ ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْقَبَائِلِ، فَيَسْأَلُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَةِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ الصَّدَقَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] أَيْ وَصْلِكُمْ، وَالْبَيْنُ: الْوَصْلُ، وَالْمَعْنَى: كُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الْهِلَالِيِّ قَالَ: «تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَسَأَلْتُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا قَبِيصَةُ إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَيَسْأَلُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْتَزِمُ فِي مِثْل ذَلِكَ الْمَالَ الْعَظِيمَ الْخَطِيرَ، وَقَدْ أَتَى مَعْرُوفًا عَظِيمًا، وَابْتَغَى صَلَاحًا عَامًّا، فَكَانَ مِنْ الْمَعْرُوفِ حَمْلُهُ عَنْهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَتَوْفِيرُ مَالِهِ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُجْحِفَ بِمَالِ الْمُصْلِحِينَ، أَوْ يُوهِنَ عَزَائِمَهُمْ عَنْ تَسْكِينِ الْفِتَنِ وَكَفِّ الْمَفَاسِدِ (فَيَدْفَعُ إلَيْهِ مَا يُؤَدِّي حَمَالَتَهُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ الْمَالَ الَّذِي تَحَمَّلَهُ لِذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ قَبِيصَةَ (أَوْ) كَانَ (شَرِيفًا) أَيْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ أَخْذِهَا لِفَقْرِهِ صِيَانَةٌ لَهُ عَنْ أَكْلِهَا لِكَوْنِهَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، وَإِذَا أَخَذَهَا لِلْغُرْمِ صَرَفَهَا إلَى الْغُرَمَاءِ، فَلَا يَنَالُهُ دَنَاءَةُ وَسَخِهَا.

стр. 786

(وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّى ذَلِكَ) أَيْ مَا تَحَمَّلَهُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ) بَدَلَهُ مِنْ الزَّكَاةِ؛ (لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ الْغُرْمُ) فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَدِينًا. (وَإِنْ اسْتَدَانَ) الْحَمَالَةَ (وَأَدَّاهَا جَازَ لَهُ الْأَخْذُ) مِنْ الزَّكَاةِ؛ (لِأَنَّ الْغُرْمَ بَاقٍ) لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مَدِينًا، بِسَبَبِ الْحَمَالَةِ (وَمَنْ تَحَمَّلَ بِهِ بِضَمَانٍ أَوْ كَفَالَةٍ عَنْ غَيْرِهِ مَالًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ غَرِمَ لِنَفْسِهِ) . وَظَاهِرُ الْمُنْتَهَى أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْغَارِمِ عَنْ غَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَ الْأَصِيلُ وَالْحَمِيلُ) أَيْ الضَّامِنُ أَوْ الْكَفِيلُ (مُعْسِرَيْنِ جَازَ الدَّفْعُ) أَيْ دَفْعُ قَدْرِ الدَّيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ (إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَدِينٌ. (وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ، أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا) مُوسِرًا (لَمْ يَجُزْ) الدَّفْعُ إلَيْهِمَا، وَلَا إلَى أَحَدِهِمَا (وَيَجُوزُ الْأَخْذُ) مِنْ الزَّكَاةِ (لِقَضَاءِ دَيْنِ اللَّهِ) تَعَالَى مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ. (وَيَأْتِي) الضَّرْبُ (الثَّانِي) مِنْ ضَرْبَيْ الْغَارِمِ (مَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ) كَمَنْ اسْتَدَانَ فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، وَخَرَجَ بِالْمُبَاحِ مَا اسْتَدَانَهُ وَصَرَفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا (حَتَّى فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ الْكُفَّارِ، فَيَأْخُذُ) الْغَارِمُ لِنَفْسِهِ (إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَيَأْخُذُهُ) أَيْ الْغَارِمُ لِنَفْسِهِ (وَمَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَلَوْ قَبْلَ حُلُولِ دَيْنِهِمَا) لِظَاهِرِ خَبَرِ قَبِيصَةَ السَّابِقِ وَقِيسَ عَلَيْهِ الْغَارِمُ لِنَفْسِهِ. (وَإِذَا دُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْغَارِمِ (مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ (صَرْفُهُ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى (وَإِنْ دُفِعَ إلَى الْغَارِمِ) مِنْ الزَّكَاةِ (لِفَقْرِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ) لِمِلْكِهِ إيَّاهُ مِلْكًا تَامًّا، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ (ف) قَاعِدَةُ (الْمَذْهَبِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ (أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِسَبَبٍ يَسْتَقِرُّ الْأَخْذُ بِهِ، وَهُوَ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ، وَالْعِمَالَةُ وَالتَّالِفُ، صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ كَسَائِرِ مَالِهِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إلَيْهِمْ الزَّكَاةَ فَاللَّامُ الْمِلْكِ. (وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ) الْأَخْذُ بِذَلِكَ السَّبَبِ (صَرَفَهُ) أَيْ الْمَأْخُوذَ (فِيمَا أَخَذَهُ لَهُ خَاصَّةً، لِعَدَمِ ثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) وَإِنَّمَا يَمْلُكُهُ مُرَاعًى، فَإِنْ صَرَفَهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّ الْأَخْذَ بِهَا، وَإِلَّا اُسْتُرْجِعَ مِنْهُ، كَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ وَالْغَازِي وَابْنُ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إلَيْهِمْ الزَّكَاةَ بِفِي، وَهِيَ لِلظَّرْفِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ يَأْخُذُونَ لِمَعْنًى يَحْصُلُ بِأَخْذِهِمْ، وَهُوَ إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَتَأْلِيفُ الْمُؤَلَّفَةِ، وَأَدَاءُ أُجْرَةِ الْعَامِلِينَ، وَغَيْرُهُمْ يَأْخُذ لِمَعْنًى لَمْ يَحْصُلْ بِأَخْذِهِ لِلزَّكَاةِ، فَافْتَرَقَا. (وَلِهَذَا يُسْتَرَدُّ) الْمَأْخُوذُ زَكَاةً (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ وَالْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ (إذَا بَرِئَ) الْمُكَاتَبُ أَوْ الْغَارِمُ (أَوْ لَمْ يَغْرَمْ) الْآخِذُ لِلْغُرْمِ، أَوْ فَضَلَ مَعَهُ، أَوْ مَعَ ابْنِ السَّبِيلِ شَيْءٌ (وَإِنْ وَكَّلَ

стр. 787

الْغَارِمُ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ) أَيْ رَبَّ الْمَالِ (قَبْلَ قَبْضِهَا مِنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ) أَوْ (فِي دَفْعِهَا إلَى الْغَرِيمِ عَنْ دَيْنِهِ، جَازَ) ذَلِكَ، وَبَرِئَ مِنْ الزَّكَاةِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ. وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لَوْ وَكَّلَ رَبَّ الْمَالِ فِي وَفَائِهِ دَيْنَ كِتَابَتِهِ (وَإِنْ دَفَعَ الْمَالِكُ) زَكَاةً (إلَى الْغَرِيمِ) عَنْ دَيْنِ الْغَارِمِ (بِلَا إذْنِ الْفَقِيرِ) الْغَارِمِ (صَحَّ) وَبَرِئَ لِأَنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ فِي قَضَاءِ دَيْنِ الْمَدِينِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فَقَضَى بِهَا دَيْنَهُ (كَمَا أَنَّ لِلْإِمَامِ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْ الْحَيِّ مِنْ الزَّكَاةِ بِلَا وَكَالَةٍ) لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إيفَائِهِ وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ. (السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِلنَّصِّ (وَهُمْ الْغُزَاةُ) ؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْغَزْوُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] وَقَوْلِهِ ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٧] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ وَبَقَاءِ حُكْمِهِمْ إذَا كَانُوا مُتَطَوِّعَةً وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ) أَيْ لَا شَيْءَ لَهُمْ مُقَدَّرٌ (فِي الدِّيوَانِ) لِأَنَّ مَنْ لَهُ رِزْقٌ رَاتِبٌ يَكْفِيهِ فَهُوَ مُسْتَغْنٍ بِهِ (فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ كِفَايَةُ غَزْوِهِمْ وَعَوْدِهِمْ وَلَوْ مَعَ غِنَاهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ (وَمَتَى ادَّعَى أَنَّهُ يُرِيدُ الْغَزْوَ قُبِلَ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّ إرَادَتَهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ. (وَيُدْفَعُ إلَيْهِ دَفْعًا مُرَاعًى) فَإِنْ صَرَفَهُ فِي الْغَزْوِ، وَإِلَّا رَدَّهُ (فَيُعْطَى) الْغَازِي (ثَمَنَ السِّلَاحِ وَ) ثَمَنَ (الْفَرَسِ إنْ كَانَ فَارِسًا وَحُمُولَتَهُ) أَيْ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ بَعِيرٍ وَنَحْوِهِ (و) ثَمَنَ (دِرْعِهِ وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) مِنْ آلَاتٍ، وَنَفَقَةِ ذَهَابٍ وَإِقَامَةٍ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَرُجُوعٍ إلَى بَلَدِهِ (وَيُتَمَّمُ لِمَنْ أَخَذَ) مِنْ الْغُزَاةِ (مِنْ الدِّيوَانِ دُونَ كِفَايَتِهِ مِنْ الزَّكَاةِ) فَيُعْطَى مِنْهَا تَمَامَ كِفَايَتِهِ (وَلَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْغَازِي) مِنْ سِلَاحٍ وَخَيْلٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ يَصْرِفَهُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْغَازِي؛ (لِأَنَّهُ قِيمَةٌ) أَيْ إخْرَاجُ قِيمَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ. (وَلَا) يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ (شِرَاؤُهُ فَرَسًا مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (يَصِيرُ حَبِيسًا) أَيْ يَحْبِسُهُ عَلَى الْغُزَاةِ (وَلَا) شِرَاؤُهُ (دَارًا وَلَا ضَيْعَةً لِلرِّبَاطِ أَوْ يَقِفُهَا عَلَى الْغُزَاةِ، وَلَا غَزْوُهُ عَلَى فَرَسٍ أَخْرَجَهُ مِنْ زَكَاتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ. (فَإِنْ اشْتَرَى الْإِمَامُ بِزَكَاةِ رَجُلٍ فَرَسًا فَلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (دَفْعُهَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى رَبِّ الْمَالِ (يَغْزُو عَلَيْهَا) وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى بِزَكَاتِهِ سِلَاحًا أَوْ دِرْعًا وَنَحْوِهِ، لِحُصُولِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَأَخْذُهُ لَهَا بَعْدُ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ (كَمَالِهِ) أَيْ لِلْإِمَامِ (أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ زَكَاتَهُ لِفَقْرِهِ أَوْ غُرْمِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ، كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ. (وَلَا يَحُجُّ أَحَدٌ

стр. 788

بِزَكَاةِ مَالِهِ، وَلَا يَغْزُو) بِزَكَاةِ مَالِهِ (وَلَا يُحَجُّ بِهَا عَنْهُ وَلَا يُغْزَى) بِهَا عَنْهُ لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْغَزْوِ وَفِيهِ شَيْءٌ (وَالْحَجُّ مِنْ السَّبِيلِ نَصًّا) . رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ - نَاقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَتْ امْرَأَتُهُ الْحَجَّ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ارْكَبِيهَا فَإِنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ» (فَيَأْخُذُ إنْ كَانَ فَقِيرًا) مِنْ الزَّكَاةِ (مَا يُؤَدِّي بِهِ فَرْضَ حَجٍّ أَوْ) فَرْضَ (عُمْرَةٍ أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ) أَيْ فِي فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ؛ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَهُ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي جَوَازَهُ فِي النَّفْلِ كَالْفَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْفَقِيرُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ. (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ) لِلنَّصِّ وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ وَسُمِّيَ الْمُسَافِرُ ابْنًا لَهُ؛ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ، كَمَا يُقَالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ إذَا كَانَ يُكْثِرُ الْخُرُوجَ فِيهِ، وَكَمَا يُقَالُ لِطَيْرِ الْمَاءِ ابْنُ الْمَاءِ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ. (وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ) أَيْ بِسَفَرِهِ (فِي سَفَرِ طَاعَةٍ) كَالسَّفَرِ لِلْحَجِّ وَالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَآلَاتِهِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ (أَوْ) سَفَرٍ (مُبَاحٍ) كَطَلَبِ رِزْقٍ (دُونَ الْمُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَصِيرُ ابْنَ سَبِيلٍ فِي ثَانِي الْحَالِ (وَلَيْسَ مَعَهُ) أَيْ الْمُنْقَطِعِ بِغَيْرِ بَلَدِهِ (مَا يُوَصِّلُهُ إلَى بَلَدِهِ أَوْ) يُوَصِّلُهُ إلَى (مُنْتَهَى قَصْدِهِ) بِأَنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْبَلَدِ الَّذِي قَصَدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُوَصِّلُهُ. (وَعَوْدِهِ إلَى بَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ (وَلَوْ مَعَ غِنَاهُ بِبَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَالِهِ وَعَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ سَقَطَ مَتَاعُهُ فِي الْبَحْرِ أَوْ ضَاعَ (فَيُعْطَى) ابْنُ السَّبِيلِ (لِذَلِكَ) لِلنَّصِّ (وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ) ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلْمَجْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْقَرْضِ (فَإِنْ كَانَ) ابْنُ السَّبِيلِ، (فَقِيرًا فِي بَلَدِهِ أُعْطِيَ لِفَقْرِهِ) مَا يَكْفِيهِ سَنَةً (وَ) أُعْطِيَ (لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ مَا يُوَصِّلُهُ) إلَى بَلَدِهِ، وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَ فِي غَيْرِهِ سَبَبَانِ وَيَأْتِي. (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ ادَّعَى) ابْنُ السَّبِيلِ (الْحَاجَةَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ) قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ (أَوْ ادَّعَى إرَادَةَ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ. (وَإِنْ عُرِفَ لَهُ) أَيْ لِابْنِ السَّبِيلِ مَالٌ (فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْحَاجَةِ) ؛ لِأَنَّهَا خِلَافُ الظَّاهِرِ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِحَاجَتِهِ. (وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا سَنَةً؛) لِأَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ يَتَكَرَّرُ كُلَّ حَوْلٍ

стр. 789

فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ مَا يَكْفِيهِ إلَى مِثْلِهِ (وَ) يُعْطَى (الْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَلَوْ جَاوَزَتْ الثَّمَنَ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِسَبَبِ الْعِمَالَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِهِ. (وَيُعْطَى مُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إنَّمَا تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ. (وَلَوْ دَيْنًا لِلَّهِ) تَعَالَى كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ (وَلَيْسَ لَهُمَا) أَيْ الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ (صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ كَغَازٍ) وَابْنِ سَبِيلٍ (وَتَقَدَّمَ) مُوَضَّحًا قَرِيبًا. (وَ) يُعْطَى (الْمُؤَلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. (وَ) يُعْطَى (الْغَازِي مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِغَزْوِهِ، وَإِنْ كَثُرَ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ (وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (عَنْ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَاجَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِهَا وَلَا يُنْقَصُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ انْدِفَاعِ حَاجَتِهِ إذَنْ. (وَمَنْ كَانَ) (مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ذَا عِيَالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَائِلَتِهِ مَقْصُودُهُ دَفْعُ حَاجَتِهِ فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلْمُنْفَرِدِ. (وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ (مَعَ الْغِنَى) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا ذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْمِرَّةُ: الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، وَالسَّوِيُّ: الْمُسْتَوِي الْخَلْقِ التَّامُّ الْأَعْضَاءِ (إلَّا أَرْبَعَةً الْعَامِلَ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَالْمُؤَلَّفَ) ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهُمْ لِمَعْنًى يَعُمُّ نَفْعُهُ كَالْغَازِي (وَالْغَازِيَ وَالْغَارِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، مَا لَمْ يَكُنْ دَفَعَهَا) أَيْ الْحَمَالَةَ (مِنْ مَالِهِ، وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «وَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا بَقِيَّةَ الْأَصْنَافِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِمْ الْفَقْرَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ، مَعَ الْغِنَى. (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ غَارِمٍ وَمُكَاتَبٍ، حَتَّى وَلَوْ سَقَطَ مَا عَلَيْهِمَا بِبَرَاءَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَ) فَضَلَ مَعَ (غَازٍ وَابْنِ سَبِيلٍ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ لَزِمَهُمْ رَدُّهُ كَمَا لَوْ أَخَذَ شَيْئًا لِفَكِّ رَقَبَتِهِ، وَفَضَلَ مِنْهُ) شَيْءٌ لَزِمَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ مِلْكًا مُرَاعًى وَلِأَنَّ السَّبَبَ زَالَ فَيَجِبُ رَدُّ الْفَاضِلِ بِزَوَالِ الْحَاجَةِ (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْحَاجَةُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِمْ (وَالْبَاقُونَ) وَهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ (يَأْخُذُونَ أَخَذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ قَرِيبًا. (وَلَوْ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ

стр. 790

عُرِفَ بِغِنًى أَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، أَوْ غَارِمٌ لِنَفْسِهِ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ (بِخِلَافِ غَازٍ) فَإِذَا ادَّعَى إرَادَةَ الْغَزْوِ أُعْطِيَ مُرَاعًى وَكَذَا لَوْ ادَّعَى ابْنُ السَّبِيلِ إرَادَةَ الْعَوْدِ وَتَقَدَّمَ. (وَيَكْفِي اشْتِهَارُ الْغُرْمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيْ اسْتِفَاضَةٌ، فَتَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ بِهِ (فَإِنْ خَفِيَ) الْغُرْمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَالْبَيِّنَةُ فِيمَنْ عُرِفَ بِغِنًى ثَلَاثَةُ رِجَالٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَإِنْ صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ) قُبِلَ وَأُعْطِيَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ إذَا أَقَرَّ بِانْتِقَالِ حَقِّهِ عَنْهُ قُبِلَ (أَوْ) صَدَّقَ (الْغَارِمَ غَرِيمُهُ قُبِلَ وَأُعْطِيَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُقْبَلُ لِجَوَازِ تَوَاطُئِهِمَا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ. (وَإِنْ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى قُبِلَ) قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ السَّابِقَةِ، وَالظَّاهِرُ صِدْقُهُ (وَإِنْ كَانَ جَلْدًا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ، أَيْ شَدِيدًا قَوِيًّا (وَعُرِفَ لَهُ كَسْبٌ) يَكْفِيهِ (لَمْ يَجُزْ إعْطَاؤُهُ وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِكَسْبِهِ (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ) لَهُ مَالٌ (وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَلِّفْ عَلَى ذَلِكَ (إذَا لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَهُ) فَإِنْ عَلِمَهُ لَمْ يُعْطِهِ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِأَخْذِهَا (بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ وُجُوبًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ (أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَأَلَاهُ، وَلَمْ يُحَلِّفْهُمَا. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ «أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَصَعَّدَ فِينَا النَّظَرَ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَإِنْ رَآهُ مُتَجَمِّلًا قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا) إنَّهُ فَقِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْغِنَى، قَالَ تَعَالَى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] . (لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ) وَإِنْ رَآهُ ظَاهِرَ الْمَسْأَلَةِ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ (وَالْقُدْرَةُ عَلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ بِالْبُضْعِ لَيْسَ بِغَنِيٍّ مُعْتَبَرٍ فَلَا تُمْنَعُ الْمَرْأَةُ)

стр. 791

الْفَقِيرَةُ (مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ يُرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا، وَتَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَهْرِ بِالنِّكَاحِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُقْصَدُ لِلْمَالِ، بَلْ لِلسَّكَنِ وَالْإِيوَاءِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهَا رَغْبَةٌ فِيهِ. (وَلَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ) كَرَجُلٍ سَأَلَ الْخُلْعَ أَوْ الطَّلَاقَ عَلَى عِوَضٍ، أَوْ الصُّلْحَ عَنْ دَمِ عَمْدٍ عَلَى مَالٍ (وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَتْ) لَا تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ لِوَفَاءِ دَيْنِهَا (أَوْ كَانَ لَهَا أَقَارِبُ مُحْتَاجُونَ إلَى النَّفَقَةِ) فَلَا تُجْبَرُ عَلَى التَّزَوُّجِ لِذَلِكَ. (وَتَقَدَّمَ: إذَا تَفَرَّغَ الْقَادِرُ) عَلَى التَّكَسُّبِ (لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالتَّكَسُّبِ (أَنَّهُ يُعْطَى) لَا إنْ تَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ لِقُصُورِ نَفْعِهَا (فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا) لِيَأْخُذَ لَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ (قُلِّدَ) فِي ذَلِكَ (وَأُعْطِيَ) كِفَايَتَهُمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ، وَتَشُقُّ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ لَا سِيَّمَا عَلَى الْغَرِيبِ، وَكَمَا يُقَلَّدُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ. (وَمَنْ غَرِمَ) فِي مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ خَمْرٍ (أَوْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ) كَقَطْعِ طَرِيقٍ (لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ (وَكَذَا لَوْ سَافَرَ فِي مَكْرُوهٍ، أَوْ) سَافَرَ (نُزْهَةً) فَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى هَذَا السَّفَرِ. (وَلَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى افْتَقَرَ دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ) أَوْ الْمَسَاكِينِ، لِصِدْقِ اسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ عَلَيْهِ حِينَ الْأَخْذِ. (وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ كُلِّهَا لِكُلِّ صِنْفٍ ثُمْنُهَا إنْ وَجَدَ) جَمِيعَ الْأَصْنَافِ (حَيْثُ وَجَبَ الْإِخْرَاجُ) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَتَحْصِيلًا لِلْإِجْزَاءِ يَقِينًا (وَلَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ، كَمَا لَوْ فَرَّقَهَا السَّاعِي وَلَا) يَجِبُ (التَّعْدَادُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) أَيْ لَا يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ (كَالْعَامِلِ) عَلَى الزَّكَاةِ لَا يَجِبُ تَعَدُّدُهُ (فَلَوْ اقْتَصَرَ) رَبُّ الْمَالِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ (عَلَى صِنْفٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (أَوْ) اقْتَصَرَ عَلَى (وَاحِدٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] الْآيَةَ وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلْيَمَنِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِقَبِيصَةَ: «أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» وَأَمَرَ بَنِي زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ وَلَوْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى وَاحِدٍ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَالْآيَةُ إنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَنْ تُصْرَفُ إلَيْهِ لَا لِتَعْمِيمِهِمْ وَكَالْوَصِيَّةِ لِجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ. (وَإِنْ فَرَّقَهَا رَبُّهَا أَوْ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى

стр. 792

الْقُطْرِ) أَيْ النَّاحِيَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا (نِيَابَةً شَامِلَةً لِقَبْضِ الزَّكَوَاتِ وَغَيْرِهَا، سَقَطَ سَهْمُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْخُذَانِ كِفَايَتَهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْإِمَامَةِ وَالنِّيَابَةِ) فَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ الزَّكَاةِ لِاسْتِغْنَائِهِمَا بِأَرْزَاقِهِمَا (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ. (وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا لِوَكِيلِهِ فِي تَفْرِقَتِهَا أَخْذُ نَصِيبِ الْعَامِلِ لِكَوْنِهِ فَعَلَ وَظِيفَةَ الْعَامِلِ) عَلَى الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَأْخُذُ فِي مُقَابَلَتِهِ عِوَضًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى عَامِلًا. (وَمَنْ فِيهِ سَبَبَانِ كَغَارِمٍ فَقِيرٍ أَخَذَ بِهِمَا) كَالْمِيرَاثِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ وَغَيْرِهِ) قُلْتُ: مَفْهُومُهُ إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ أَحْكَامُهُمَا، كَفَقِيرٍ مُؤَلَّفٍ، جَازَ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ لِعَدَمِ اخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا. (وَإِنْ أُعْطَى بِهِمَا) أَيْ بِالسَّبَبَيْنِ (وَعَيَّنَ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرًا) فَعَلَى مَا عَيَّنَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرًا (كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. (وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ) مَا ذُكِرَ مِنْ تَعْيِينِهِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَدْرًا أَوْ قَسْمِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهِ (لَوْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ) كَمَا لَوْ أُبْرِئَ الْغَارِمُ فِي الْمِثَالِ فَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ لِلْغُرْمِ دُونَ الْفَقْرِ. (وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ) لِقَوْلِهِ ﷺ «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (وَيُفَرِّقُهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (فِيهِمْ) أَيْ فِي أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ (عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ) لِأَنَّهَا مُرَاعَاةٌ (وَلَوْ أَحْضَرَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْعَامِلِ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِيَدْفَعَ إلَيْهِمْ زَكَاتَهُ دَفَعَهَا) الْعَامِلُ لَهُمْ (قَبْلَ خَلْطِهَا بِغَيْرِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) إنْ جَاءَ بِأَهْلِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ خَلْطِهَا بِغَيْرِهَا فَ (هُمْ كَغَيْرِهِمْ، وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا) ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا هُمْ بِهِ أَخَصُّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي. (وَيُجْزِئُ السَّيِّدَ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى مُكَاتَبِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي جَرَيَانِ الرِّبَا بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الدَّفْعَ تَمْلِيكٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ فَإِذَا رَدَّهَا إلَى سَيِّدِهِ بِحُكْمِ الْوَفَاءِ جَازَ كَوَفَاءِ الْغَرِيمِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ حِيلَةً. (وَ) يَجُوزُ أَيْضًا دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى غَرِيمِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ (لِيَقْضِيَ) بِهَا (دَيْنَهُ سَوَاءٌ دَفَعَهَا إلَيْهِ ابْتِدَاءً) قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ (أَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ثُمَّ دَفَعَهَا إلَيْهِ لِيَقْضِيَ دَيْنَ الْمُقْرِضِ مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً نَصًّا) قَالَ أَحْمَدُ إنْ كَانَ حِيلَةً فَلَا يُعْجِبُنِي وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ لَمْ يَصْلُحْ، وَلَا يَجُوزُ. (وَقَالَ أَيْضًا: إنْ أَرَادَ إحْيَاءَ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: مَعْنَى الْحِيلَةِ، أَنْ يُعْطِيَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَمْلِيكًا صَحِيحًا فَإِذَا شَرَطَ

стр. 793

الرُّجُوعَ لَمْ يُوجَدْ) . وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إنَّهُ حَصَلَ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ إذَا قَصَدَ بِالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِهِ وَاسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى نَفْعِهِ (وَإِنْ رَدَّ الْغَرِيمُ مِنْ نَفْسِهِ مَا قَبَضَهُ وَفَاءً عَنْ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا مُوَاطَأَةٍ جَازَ) لِرَبِّ الْمَالِ (أَخْذُهُ) مِنْ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ، كَالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ. (وَيُقَدِّمُ الْأَقْرَبَ) فَالْأَقْرَبَ (وَالْأَحْوَجَ) فِيهِمْ فَالْأَحْوَجَ، مُرَاعَاةً لِلصِّلَةِ وَالْحَاجَةِ (وَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ أَحْوَجَ، فَلَا يُعْطَى الْقَرِيبُ وَيُمْنَعُ الْبَعِيدُ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ (بَلْ يُعْطَى الْجَمِيعُ) ؛ لِوُجُودِ الْحَاجَةِ فِيهِمْ. (وَلَا يُحَابِي) رَبُّ الْمَالِ (بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (قَرِيبَهُ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا مَذِمَّةً وَلَا يَسْتَخْدِمُ بِسَبَبِهَا قَرِيبًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَا يَقِي مَالَهُ بِهَا، كَقَوْمٍ عَوَّدَهُمْ بِرًّا مِنْ مَالِهِ، فَيُعْطِيهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ لِدَفْعِ مَا عَوَّدَهُمْ) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا إنْ كَانَ الْمُعْطَى غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلزَّكَاةِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا يَصْرِفُهَا إلَى نَفْعِهِ. (وَالْجَارُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ مِنْهُمْ الْأَقْرَبَ بَابًا فَالْأَقْرَبَ بَابًا (وَالْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجَارِ، لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ (وَيُقَدَّمُ الْعَالِمُ وَالدَّيِّنُ عَلَى ضِدِّهِمَا وَكَذَا ذُو الْعَائِلَةِ) يُقَدَّمُ عَلَى ضِدِّهِ لِلْحَاجَةِ. وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِتِجَارَةٍ قِيمَتُهُ نِصَابٌ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ إخْرَاجِ مَا فِيهِ، فَلَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ، مَا لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ. [فَصْلٌ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى كَافِرٍ] (فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى كَافِرٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا وَحَدِيثُ مُعَاذٍ نَصٌّ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَلَمْ تَجِبْ لِلْكَافِرِ كَالنَّفَقَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَلَّفًا) فَيُعْطَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى تَأْلِيفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ) كَانَتْ (زَكَاةَ فِطْرٍ) فَلَا تُدْفَعُ إلَى كَافِرٍ كَزَكَاةِ الْمَالِ وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مَيْمُونٍ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ: أَنَّهُمْ يُعْطُونَ مِنْهَا الرُّهْبَانَ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى عَبْدٍ كَامِلِ الرِّقِّ، وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ فَقِيرًا) لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى سَيِّدِهِ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِغِنَاهُ وَمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ فَكَأَنَّهُ دُفِعَ إلَيْهِ. (وَأَمَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَيَأْخُذُ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ بِنِسْبَتِهِ مِنْ كِفَايَتِهِ) فَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ يَأْخُذُ تَمَامَ نِصْفِ كِفَايَتِهِ وَهَكَذَا (مَا لَمْ يَكُنْ) الْعَبْدُ (عَامِلًا) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ يَسْتَحِقُّهَا

стр. 794

سَيِّدُهُ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى فَقِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ) تَصِلُ نَفَقَتُهُ إلَيْهَا لِاسْتِغْنَائِهَا بِذَلِكَ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُهَا (إلَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ فِي حَالٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ فِيهِ) عَلَيْهِ (أَوْ لَا تَجِبُ) نَفَقَتُهُمْ فِيهِ (وَرِثُوا أَوْ لَمْ يَرِثُوا، حَتَّى ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْهُمْ) كَأَبِي الْأُمِّ وَوَلَدِ الْبِنْتِ، قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْطِي الْوَالِدَيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا الْوَلَدُ وَلَا وَلَدُ الْوَلَدِ وَلَا الْجَدُّ وَلَا الْجَدَّةُ وَلَا وَلَدُ الْبِنْتِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» يَعْنِي الْحَسَنَ، فَجَعَلَهُ ابْنَهُ لِأَنَّهُ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ اتِّصَالُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ بَيْنَهُمَا عَادَةً فَيَكُونُ صَارِفًا لِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ. (وَلَوْ) كَانَ أَحَدُ عَمُودَيْ نَسَبِهِ أَخَذَ (فِي غُرْمٍ لِنَفْسِهِ) بِأَنْ تَدَايَنَ دَيْنًا ثُمَّ أَخَذَ وَفَاءَهُ مِنْ زَكَاةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، وَإِنْ عَلَا أَوْ نَزَلَ (أَوْ فِي كِتَابِهِ أَوْ كَانَ) أَحَدُ عَمُودَيْ نَسَبِهِ (ابْنَ سَبِيلٍ) لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يَأْخُذُونَ مَعَ الْفَقْرِ فَأَشْبَهَ الْأَخْذَ لِلْفَقْرِ (مَا لَمْ يَكُونُوا عُمَّالًا) عَلَى الزَّكَاةِ فَلَهُمْ الْأَخْذُ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أُجْرَةَ عَمَلِهِمْ، مَا لَوْ اُسْتُعْمِلُوا عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ (أَوْ) يَكُونُوا (مُؤَلَّفَةً) فَيُعْطَوْنَ لِلتَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ أَشْبَهُوا الْأَجَانِبَ (أَوْ) يَكُونُوا (غُزَاةً) لِأَنَّ الْغُزَاةَ لَهُمْ الْأَخْذُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَأَشْبَهُوا الْعَامِلِينَ (أَوْ) يَكُونُوا (غَارِمِينَ) لِإِصْلَاحِ (ذَاتِ الْبَيْنِ) لِجَوَازِ أَخْذِهِمْ مَعَ غِنَاهُمْ، وَلِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ. (وَلَا) يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ دَفْعُ زَكَاتِهَا (إلَى الزَّوْجِ) لِأَنَّهَا تَعُودُ إلَيْهَا بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ دَفْعُ زَكَاتِهَا إلَى زَوْجِهَا؟ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالشَّيْخُ وَغَيْرُهُمْ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ أَمْ لَا؟ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ. (وَلَا) يَجُوزُ لِلزَّوْجِ دَفْعُ زَكَاتِهِ (إلَى الزَّوْجَةِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُعْطِي زَوْجَتَهُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهَا كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا. (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) الزَّوْجَةُ (فِي مُؤْنَتِهِ كَنَاشِزٍ) وَغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تَؤَوَّلُ إلَى الْعَوْدِ فِي مُؤْنَتِهِ (وَكَذَا عَبْدُهُ الْمَغْصُوبُ) فَلَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَمَا فِي غَيْرِ حَالِ الْغَصْبِ. (وَلَا لِبَنِي هَاشِمٍ كَالنَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ) أَيْ بَنُو هَاشِمٍ (مَنْ كَانَ مِنْ سُلَالَةِ هَاشِمٍ فَدَخَلَ فِيهِمْ آلُ عَبَّاسِ) بْنِ عَبْدِ

стр. 795

الْمُطَّلِبِ (وَآلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ) بَنِي أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. (وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَآلُ أَبِي لَهَبِ) بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ وَإِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْحَسَنُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا وَقَالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَوَاءٌ أُعْطُوا مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ أَوْ لَمْ يُعْطَوْا لِعُمُومِ النُّصُوصِ؛ وَلِأَنَّ مَنْعَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ لِشَرَفِهِمْ، وَشَرَفُهُمْ بَاقٍ فَيَبْقَى الْمَنْعُ (مَا لَمْ يَكُونُوا) أَيْ بَنُو هَاشِمٍ (غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً أَوْ غَارِمِينَ لِذَاتِ الْبَيْنِ) فَلَهُمْ الْأَخْذُ لِذَلِكَ، لِجَوَازِ الْأَخْذِ لِذَلِكَ مَعَ الْغِنَى وَعَدَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الْقَاضِي يَعْقُوبُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (جَوَازُ أَخْذِهِمْ إنْ مُنِعُوا الْخُمْسَ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةِ الْهَاشِمِيِّينَ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ. (وَيَجُوزُ) دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى وَلَدِ هَاشِمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَقَالَهُ الْقَاضِي اعْتِبَارًا بِالْأَبِ) وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَجُوزُ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ (لِمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ) وَهُمْ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، لِمَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا فَقَالَ: لَا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ فَانْطَلَقَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَيَجُوزُ) دَفْعُ الزَّكَاةِ (لِمَوَالِي مَوَالِيهِمْ) لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا مِنْ مَوَالِيهِمْ (وَلَهُمْ) أَيْ لِبَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ (الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ كَمَا سَبَقَ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ (إلَّا النَّبِيَّ ﷺ ) فَإِنَّ الصَّدَقَةَ

стр. 796

كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ مُطْلَقًا فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ، وَعَلَامَاتِهَا، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهِ فَرُوِيَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَوَصَفَهُ لَهُ قَالَ: إنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ وَأَكَلَ مَعَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَمَّا مُنِعُوا فَرْضَ الصَّدَقَةِ لِشَرَفِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَبَ أَنْ يُنَزَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نَفْلِهَا وَفَرْضِهَا لِشَرَفِهِ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ تَمْيِيزًا لَهُ بِذَلِكَ كَمَا خُصَّ مَعَ خُمْسِ الْخُمْسِ بِالصَّفِيِّ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَبِالْإِسْهَامِ لَهُ مَعَ غَيْبَتِهِ مِنْ الْمَغَانِمِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَرِضَ، وَلَا أَنْ يُهْدَى لَهُ أَوْ يُنْظَرَ بِدَيْنِهِ، أَوْ يُوضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَشْرَبَ مِنْ سِقَايَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمَارَّةِ، أَوْ يَأْوِيَ إلَى مَكَان جُعِلَ لِلْمَارَّةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ الَّتِي لَا غَضَاضَةَ فِيهَا، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهَا فِي حَقِّ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (وَ) لَبَنِي هَاشِمٍ غَيْرَهُ ﷺ الْأَخْذُ مِنْ (وَصَايَا الْفُقَرَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَمِنْ نَذْرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ الزَّكَاةِ وَالطُّهْرَةِ وَالْوُجُوبُ عَنْ الْآدَمِيِّ أَشْبَهَ الْهِبَةَ وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْ (كَفَّارَةٍ) لِوُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ. (وَلَا يَحْرُمُ) أَخْذُ الزَّكَاةِ (عَلَى أَزْوَاجِهِ ﷺ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ) وَلِلْأَصْحَابِ (كَمَوَالِيهِنَّ) لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَعَدَمُ الْمُخَصِّصِ. وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ " أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ بِسُفْرَةٍ مِنْ الصَّدَقَةِ فَرَدَّتْهَا وَقَالَتْ: إنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ " رَوَاهُ الْخَلَّالُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُذْكَرْ مَا يُخَالِفُهُ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ، وَأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَرَدَّهُ الْمَجْدُ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ) أَوْ مَوَالِيهِ (مِمَّنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ لَهُ تَعْصِيبُ نَسَبٍ،

стр. 797

أَوْ وَلَاءٍ كَأَخٍ وَابْنِ عَمٍّ) وَعَتِيقٍ، لِغِنَائِهِ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ نَفْعَهَا يَعُودُ إلَى الدَّافِعِ؛ لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْهُ كَعَبْدِهِ (مَا لَمْ يَكُونُوا عُمَّالًا، أَوْ غُزَاةً، أَوْ مُؤَلَّفَةً أَوْ مُكَاتَبِينَ أَوْ أَبْنَاءَ سَبِيلٍ، أَوْ غَارِمِينَ لِذَاتِ الْبَيْنِ) قَالَ الْمَجْدُ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ يُعْطَى لِغَيْرِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ نَحْوَ كَوْنِهِ غَارِمًا، أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ ابْنَ سَبِيلٍ بِخِلَافِ عَمُودَيْ النَّسَبِ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ انْتَهَى، وَأَمَّا إذَا كَانُوا عُمَّالًا أَوْ غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً فَتَقَدَّمَ أَنَّ عَمُودَيْ النَّسَبِ يُعْطَوْنَ لِذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ أَوْلَى (فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ وَالْآخَرُ لَا يَرِثُهُ، كَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ) فَإِنَّ الْمُعْتِقَ يَرِثُ الْعَتِيقَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ. (وَ) ك (أَخَوَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ وَنَحْوُهُ) كَابْنِ ابْنٍ فَذٍّ، وَالِابْنُ يَرِثُ الْآخَرَ دُونَ عَكْسِهِ، وَكَعَمَّةٍ مَعَ ابْنِ أُخْتِهَا (فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، فَلَا يَدْفَعُ زَكَاتَهُ إلَى الْآخَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَغَيْرُ الْوَارِثِ يَجُوزُ) لَهُ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ إلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ مُسْتَغْنِيَيْنِ بِنَفَقَةٍ لَازِمَةٍ) لِغِنَاهُمَا بِمَا يَجِبُ لَهُمَا عَلَى وَارِثِهِمَا، كَالزَّوْجَةِ (فَإِنْ تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ) عَلَى الزَّوْجَةِ الْفَقِيرَةِ أَوْ الْفَقِيرِ أَوْ الْمِسْكِينِ (مِنْ زَوْجٍ أَوْ قَرِيبٍ بِغَيْبَةٍ أَوْ امْتِنَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَنْ غُصِبَ مَالُهُ أَوْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ عَقَارِهِ جَازَ) لَهُمْ (الْأَخْذُ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ. (وَيَجُوزُ) دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ) وَمَوَالِيهمْ لِعُمُومِ آيَةِ الصَّدَقَاتِ، خَرَجَ مِنْهُ بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ فَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ وَلِأَنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي دَرَجَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَهُمْ لَا تَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمْ فَكَذَا هُمْ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُمْ أَشْرَفُ وَأَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمُشَارَكَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَهُمْ فِي خُمْسِ الْخُمْسِ مَا اسْتَحَقُّوهُ بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ، بَلْ بِالنُّصْرَةِ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ» بِدَلِيلِ مَنْعِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمْ فِي الْقَرَابَةِ، وَالنُّصْرَةُ لَا تَقْتَضِي حِرْمَانَ الزَّكَاةِ. (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (الدَّفْعُ) مِنْهَا (إلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ كَعَمَّتِهِ وَبِنْتِ أَخِيهِ غَيْرَ عَمُودَيْ نَسَبِهِ) فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ، وَيَجُوزُ إعْطَاءُ ذَوِي الرَّحِمِ غَيْرَهُمْ. (وَلَوْ وَرِثُوا) الْمُزَكِّيَ (لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ) لِكَوْنِهِمْ لَا يَرِثُونَ بِهَا مَعَ عَصَبَةٍ وَلَا ذِي فَرْضٍ غَيْرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (وَإِنْ تَبَرَّعَ) الْمُزَكِّي (بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ) لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (أَوْ) بِنَفَقَةِ (يَتِيمٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْأَجَانِبِ (ضَمَّهُ إلَى عِيَالِهِ، جَازَ دَفْعُهَا إلَيْهِ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى. (وَكُلُّ

стр. 798

مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِمَا سَبَقَ) كَكَوْنِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ غَنِيًّا أَوْ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِ الْمُزَكِّي وَنَحْوِهِ (فَلَهُ قَبُولُهَا هَدِيَّةً مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ، لِعَامِلٍ أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى أُمِّ عَطِيَّةَ وَقَالَ: «إنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقِيسَ الْبَاقِي عَلَى ذَلِكَ. (وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي) جَوَازِ (أَخْذِ الزَّكَاةِ) عِنْدَ وُجُودِ الْمُقْتَضَى (وَ) فِي (عَدَمِهِ) مَعَ الْمَانِعِ (سَوَاءٌ) لِلْعُمُومَاتِ مَعَ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ. (وَالصَّغِيرُ) مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ كَالْكَبِيرِ) مِنْهُمْ لِلْعُمُومِ (فَيُصْرَفُ ذَلِكَ) أَيْ مَا يُعْطَاهُ مِنْ الزَّكَاةِ (فِي أُجْرَةِ رَضَاعِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) مِنْ مَصَالِحِهِ (وَيَقْبَلُ) لَهُ وَلِيُّهُ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ وَالنَّذْرَ وَالْهِبَةَ وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. (وَيَقْبِضُ لَهُ) أَيْ لِلصَّغِيرِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّكَاةِ (وَلَوْ مُمَيِّزًا مِنْ هِبَةٍ وَكَفَّارَةٍ) وَنَذْرٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ (مَنْ يَلِي مَالَهُ وَهُوَ وَلِيُّهُ) فِي مَالِهِ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ (أَوْ وَكِيلُ وَلِيِّهِ الْأَمِينُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ وَلِيِّهِ. (وَفِي الْمُغْنِي: يَصِحُّ قَبْضُ الْمُمَيِّز انْتَهَى، وَعِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ يَقْبِضُ لَهُ) أَيْ لِلصَّغِيرِ (مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا نَصًّا) نَقَلَ هَارُونُ الْحَمَّالُ فِي الصِّغَارِ: يُعْطَى أَوْلِيَاؤُهُمْ، فَقُلْتُ: لَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌّ قَالَ: يُعْطَى مَنْ يُعْنَى بِأَمْرِهِمْ وَنَقَلَ مُهَنَّا فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ: يَقْبِضُ لَهُ وَلِيُّهُ قُلْت: لَيْسَ لَهُ وَلِيٌّ قَالَ: الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ عَنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوَلَايَةِ. (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَّا لِمَنْ يَعْلَمُ) أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا (أَوْ يَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِهَا؛) لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَاحْتَاجَ إلَى الْعِلْمِ بِهِ لِتَحْصُلَ الْبَرَاءَةُ، وَالظَّنُّ يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ لِتَعَذُّرِ أَوْ عُسْرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ (فَلَوْ لَمْ يَظُنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا فَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ بَانَ مِنْ أَهْلِهَا لَمْ يُجْزِئْهُ) الدَّفْعُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ هَجَمَ وَصَلَّى فَبَانَ فِي الْوَقْتِ (فَإِنْ دَفَعَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا لِكُفْرٍ أَوْ شَرَفٍ) أَيْ لِكَوْنِهِ هَاشِمِيًّا أَوْ مَوْلًى لَهُ (أَوْ كَوْنِهِ عَبْدًا) غَيْرَ مُكَاتَبٍ وَلَا عَامِلٍ (أَوْ) لِكَوْنِهِ (قَرِيبًا) مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِ الْمُزَكِّي أَوْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لِكَوْنِهِ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ (ثُمَّ عَلِمَ) ذَلِكَ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ وَلَا يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا فَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (وَيَسْتَرِدُّهَا رَبُّهَا بِزِيَادَتِهَا مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ

стр. 799

أَوْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ. (وَإِنْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ (فِي يَدِ الْقَابِضِ) لَهَا مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا سَبَقَ (ضَمِنَهَا لِعَدَمِ مِلْكِهِ) لَهَا (بِهَذَا الْقَبْضِ وَهُوَ قَبْضٌ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبْضُهُ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ (وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ) لِلزَّكَاةِ إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا (الْإِمَام أَوْ السَّاعِي ضَمِنَ) لِتَفْرِيطِهِ (إلَّا إذَا بَانَ) الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ (غَنِيًّا) فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا نَائِبِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى غَالِبًا بِخِلَافِ الْكُفْرِ وَنَحْوِهِ. (وَالْكَفَّارَةُ كَالزَّكَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ) فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَّا لِمَنْ يَعْلَمُهُ أَوْ يَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا لَمْ تُجْزِئْهُ إلَّا لِغَنِيٍّ إذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا. (وَلَوْ دَفَعَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ إلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) غِنَاهُ (لَمْ يَرْجِعْ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّوَابُ وَلَمْ يَفُتْ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ إذَا دَفَعَهَا لِكَافِرٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إبْرَاءُ الذِّمَّةِ بِالزَّكَاةِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ (فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا أَجْزَأَتْ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ الْجَلْدَيْنِ وَقَالَ: «وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» وَلَوْ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ انْتِفَاءِ الْغَنِيِّ لَمَا اكْتَفَى بِقَوْلِهَا؛ وَلِأَنَّ الْغِنَى يَخْفَى وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَنْ غَنِيٍّ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ تُقُبِّلَتْ فَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَدِيثَ» . [فَصْلٌ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ] (فَصْلٌ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ كُلَّ وَقْتٍ) إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا وَرَغَّبَ فِيهَا وَحَثَّ عَلَيْهَا فَقَالَ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وَقَالَ ﷺ «مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إلَيْهِ إلَّا طَيِّبٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ

стр. 800

الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (وَ) صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ (سِرًّا أَفْضَلُ) مِنْهَا جَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَ (بِطِيبِ نَفْسٍ) أَفْضَلُ مِنْهَا بِدُونِهِ وَ (فِي الصِّحَّةِ) أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ» (وَفِي رَمَضَانَ) أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ فِي الصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانَ إعَانَةً عَلَى أَدَاءِ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ (و) فِي (أَوْقَاتِ الْحَاجَةِ) أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] . (وَكُلِّ زَمَانٍ أَوْ مَكَان فَاضِلٍ كَالْعَشْرِ وَالْحَرَمَيْنِ) حَرَمِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَكَذَا الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ بِالْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ. (وَهِيَ) أَيْ الصَّدَقَةُ (عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ (لَا سِيَّمَا مَعَ الْعَدَاوَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «تَصِلُ مَنْ عَادَاكَ» (فَهِيَ عَلَيْهِ) أَيْ الْقَرِيبِ أَفْضَلُ (ثُمَّ عَلَى جَارٍ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وَلِحَدِيثِ «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخُصَّ بِالصَّدَقَةِ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] . (وَيُسْتَحَبُّ) صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ (بِالْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ وَ) عَنْ (كِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ دَائِمًا بِ) سَبَبِ (مَتْجَرٍ أَوْ غَلَّةِ مِلْكٍ) مِنْ ضَيْعَةٍ أَوْ عَقَارٍ (أَوْ وَقْفٍ أَوْ ضَيْعَةٍ) أَوْ عَطَاءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. (وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، أَوْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَرِيمِهِ

стр. 801

أَوْ كَفَالَتِهِ) أَيْ كَفَالَةٍ فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ (أَثِمَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَكَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ، فَقَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد فَإِنْ وَافَقَهُ عِيَالُهُ عَلَى الْإِيثَارِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . (وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ وَهُوَ وَحْدَهُ) أَيْ لَا عِيَالَ لَهُ (وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ) أَيْ الثِّقَةِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ وَالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ (وَالصَّبْرَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَلَهُ ذَلِكَ، أَيْ يُسْتَحَبُّ) لَهُ ذَلِكَ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) مِنْ نَفْسِهِ (ذَلِكَ) أَيْ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ، (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ (وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ) لِتَبْذِيرِهِ رَوَى جَابِرٌ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ «جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ، أَوْ لَعَقَرَتْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي رِوَايَةٍ «خُذْ مَالَكَ عَفَاءً لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ» (وَإِنْ كَانَ لَهُ عَائِلَةٌ، وَلَهُمْ كِفَايَةٌ أَوْ يَكْفِيهِمْ بِمَكْسَبِهِ جَازَ لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ) أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَهِيَ أَنَّهُ «جَاءَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ: اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكَانَ تَاجِرًا ذَا مَكْسَبٍ» فَإِنَّهُ قَالَ حِين وُلِّيَ: " قَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ مَكْسَبِي لَمْ يَكُنْ يَعْجَزُ عَنْ مُؤْنَةِ عِيَالِي " وَهَذَا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِفَايَةٌ وَلَمْ يَكْفِهِمْ بِمَكْسَبِهِ (فَلَا)

стр. 802

يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . (وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ أَوْ لَا عَادَةَ لَهُ بِهِ) أَيْ بِالضِّيقِ (أَنْ يَنْقُصَ عَنْ نَفْسِهِ الْكِفَايَةَ التَّامَّةَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقْتِيرَ وَالتَّضْيِيقَ مَعَ الْقُدْرَةِ شُحٌّ وَبُخْلٌ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَتَعَوَّذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ، وَفِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى. (وَالْفَقِيرُ لَا يَقْتَرِضُ وَيَتَصَدَّقُ) لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي فَقِيرٍ لِقَرِيبِهِ وَلِيمَةٌ يَسْتَقْرِضُ، وَيُهْدِي لَهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ظَنَّ وَفَاءً. (وَوَفَاءُ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الصَّدَقَةِ) لِوُجُوبِهِ. (وَتَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْغَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا) مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ مُنِعَ الزَّكَاةَ (وَلَهُمْ أَخْذُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وَلَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كَافِرًا وَكَسَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا حُلَّةً كَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَسَاهُ إيَّاهَا «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ صِلِي أُمَّكِ» ، وَكَانَتْ قَدِمَتْ عَلَيْهَا مُشْرِكَةً. (وَيُسْتَحَبُّ التَّعَفُّفُ فَلَا يَأْخُذُ الْغَنِيُّ صَدَقَةً وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا) لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى مَدَحَ الْمُتَعَفِّفِينَ عَنْ السُّؤَالِ مَعَ وُجُودِ حَاجَتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] (فَإِنْ أَخَذَهَا) الْغَنِيُّ (مُظْهِرًا لِلْفَاقَةِ حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالتَّغْرِيرِ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَحْرُمُ الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِذَلِكَ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ فِيهِ وَفِي بُطْلَانِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا الْإِحْبَاطَ بِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ. (وَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا يَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ وَكَّلَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الصَّدَقَةِ بِهِ (ثُمَّ بَدَا لَهُ) أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بِهِ (اُسْتُحِبَّ أَنْ يُمْضِيَهُ) وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ إلَّا بِقَبْضِهَا، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ إذَا

стр. 803

أَخْرَجَ طَعَامًا لِسَائِلٍ فَلَمْ يَجِدْهُ عَزَلَهُ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ. (وَيَتَصَدَّقُ بِالْجَيِّدِ، وَلَا يَقْصِدُ الْخَبِيثَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . (وَأَفْضَلُهَا) أَيْ الصَّدَقَةِ (جَهْدُ الْمُقِلِّ) لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِي السِّرِّ» وَلَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» إذْ الْمُرَادُ جَهْدُ الْمُقِلِّ بَعْدَ حَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَا يَلْزَمُهُ فَهِيَ جَهْدُهُ، وَعَنْ ظَهْرِ غِنًى مِنْهُ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ عَنْ ظَهْرِ غِنًى لَيْسَتْ جَهْدَ مُقِلٍّ. " تَتِمَّةٌ " لَا يُسَنُّ إبْدَالُ مَا أَعْطَى سَائِلًا فَسَخِطَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَنْ سَأَلَ فَأُعْطِي فَقَبَضَهُ فَسَخِطَهُ لَمْ يُعْطَ لِغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ضَعِيفٌ، فَإِنْ صَحَّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَهُ عُقُوبَةً وَيُحْتَمَلُ أَنَّ سُخْطَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ تَمَلُّكَهُ فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ عَلَى أَصْلِنَا كَبِيَعِ التَّلْجِئَةِ، وَيَتَوَجَّهُ فِي الْأَظْهَرِ: أَنَّ أَخْذَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْلَى مِنْ الزَّكَاةِ وَأَنَّ أَخْذَهَا سِرًّا أَوْلَى،. [كِتَابُ الصِّيَامِ] (كِتَابُ الصِّيَامِ) مَصْدَرُ صَامَ كَالصَّوْمِ (وَهُوَ) لُغَةً الْإِمْسَاكُ، وَمِنْهُ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يُقَالُ لِلْفَرَسِ: صَائِمٌ إذَا أَمْسَكَ عَنْ الْعَلَفِ، مَعَ الْقِيَامِ، أَوْ عَنْ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُقَالُ: صَامَتْ الرِّيحُ، إذَا أَمْسَكَتْ عَنْ الْهُبُوبِ و (شَرْعًا إمْسَاكٌ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ) هِيَ مُفْسِدَاتُهُ الْآتِيَةُ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ (بِنِيَّةٍ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ) ، وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، (مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ غَيْرَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ. (صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ) مِنْ كُلِّ عَامٍ (أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَفُرُوضِهِ) الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» الْحَدِيثَ (فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ) إجْمَاعًا (فَصَامَ النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 804

تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ) إجْمَاعًا. (وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ: شَهْرُ رَمَضَانَ) كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (وَلَا يُكْرَهُ قَوْلُ رَمَضَانَ بِإِسْقَاطِ شَهْرٍ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا مَعَ قَرِينَةِ الشَّهْرِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: يُكْرَهُ. وَفِي الْمُنْتَخَبِ: لَا يَجُوزُ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى» وَقَدْ ضُعِّفَ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ مَوْضُوعٌ وَسُمِّيَ رَمَضَانَ لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ وَرَمْضِهِ، وَالرَّمْضَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ، وَقِيلَ: لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنْ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ وَافَقَ شِدَّةَ الْحَرِّ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُحَرِّقُ الذُّنُوبَ وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، وَجَمْعُهُ: رَمَضَانَاتٌ وَأَرْمِضَةٌ، وَرَمَاضِينُ وَأَرْمُضٌ وَرَمَاضٌ وَرَمَاضِيّ وَأَرَامِيضُ. (وَيُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَنْ يَتَرَاءُوا هِلَالَ رَمَضَانَ وَيَجِبُ صَوْمُهُ) أَيْ شَهْرِ رَمَضَانَ (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَوْلِهِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ إذَنْ (فَإِنْ لَمْ يُرَ) الْهِلَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (مَعَ الصَّحْوِ كَمَّلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامُوا) بِغَيْرِ خِلَافٍ وَصَلُّوا التَّرَاوِيحَ كَمَا لَوْ رَأَوْهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَيُسْتَحَبُّ تَرَائِي الْهِلَالِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَحِذَارًا مِنْ الِاخْتِلَافِ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَفَّظُ فِي شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ كَبَّرَ ثَلَاثًا وَقَالَ " اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ " وَيَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: هِلَالَ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، وَيَقُولُ: " آمَنْتُ بِاَلَّذِي خَلَقَكَ " ثُمَّ يَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا " قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» . (وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ) أَيْ مَطْلِعِ الْهِلَالِ

стр. 805

(غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ أَوْ غَيْرُهُمَا) كَالدُّخَانِ، وَالْقَتَرُ وَالْقَتَرَةُ مُحَرَّكَتَيْنِ: الْغَبَرَةُ (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ إكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ) يَوْمًا (نَصًّا، وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعِهِ) كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، (وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَأَصْحَابُهُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْهُ، وَقَالَ: لَا أَصْلَ لِلْوُجُوبِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَلَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَرَدَّ صَاحِبُ الْفُرُوعِ جَمِيعَ مَا احْتَجَّ بِهِ الْأَصْحَابُ لِلْوُجُوبِ وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامًا صَرِيحًا بِالْوُجُوبِ وَلَا أَمَرَ بِهِ فَلَا يَتَوَجَّهُ إضَافَتُهُ إلَيْهِ انْتَهَى. لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعَا: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّهْرِ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ (وَالْمَذْهَبُ: يَجِبُ صَوْمُهُ) أَيْ صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ وَنَحْوُهُمَا (بِنِيَّةِ رَمَضَانَ حُكْمًا ظَنِّيًّا بِوُجُوبِهِ احْتِيَاطًا لَا يَقِينًا) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا وَنُصُوصُ أَحْمَدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ التَّابِعِينَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى " فَاقْدُرُوا لَهُ " أَيْ: ضَيِّقُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أَيْ: ضُيِّقَ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ شَعْبَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اُقْدُرُوا زَمَانًا يَطْلُعُ فِي مِثْلِهِ الْهِلَالُ، وَهَذَا الزَّمَانُ يَصِحُّ وُجُودُهُ فِيهِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: فَاعْلَمُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَنَّهُ تَحْتَ الْغَيْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أَيْ: عَلِمْنَاهَا. مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: الشَّهْرُ أَصْلُهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ فَإِنْ رَآهُ فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ

стр. 806

وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا "، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ: " لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ "؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاطُ لَهُ، وَيَجِبُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ» وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى؛ لِإِمَامَتِهِ وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ذِكْرُ شَعْبَانَ فِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي إيَاسٍ، وَلَيْسَ هُوَ بِيَوْمِ شَكٍّ كَمَا يَأْتِي (وَيُجْزِئُهُ) صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ حِينَئِذٍ (إنْ بَانَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ بِأَنْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِمَكَانٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ صِيَامَهُ وَقَعَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ وَمَعَ الشَّكِّ فِيهَا لَا يَجْزِمُ بِهَا فَقَالَ: لَا يُمْنَعُ التَّرَدُّدُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ كَالْأَسِيرِ وَصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ. (وَيُصَلِّي التَّرَاوِيحَ لَيْلَتَهُ) إذَنْ (احْتِيَاطًا لِلسُّنَّةِ) قَالَ أَحْمَدُ: الْقِيَامُ قَبْلَ الصِّيَامِ (وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعُهُ) أَيْ: الصَّوْمِ (مِنْ وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ وَنَحْوِهِ) كَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ، وَنَحْوِهِ لِتَبَعِيَّتِهَا لِلصَّوْمِ (مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ) بِأَنْ لَمْ يُزْمِعْ الصَّحْوُ هِلَالَ شَوَّالٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي غُمَّ فِيهَا هِلَالُ رَمَضَانَ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ الْآجَالِ وَوُقُوعِ الْمُعَلَّقَاتِ) مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ. (وَغَيْرِهَا) كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ خُولِفَ لِلنَّصِّ، وَاحْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ عَامَّةً. " تَتِمَّةٌ " قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْبُعْدُ مَانِعٌ كَالْغَيْمِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ حَنْبَلِيٍّ يَصُومُ مَعَ الْغَيْمِ أَنْ يَصُومَ مَعَ الْبُعْدِ لِاحْتِمَالِهِ انْتَهَى قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الْمُرَادُ بِالْبُعْدِ الْبُعْدُ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ كَالْمَطْمُورِ وَالْمَسْجُونِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطْلِعِ شَيْءٌ يَحُولُ، كَالْجَبَلِ وَنَحْوِهِ ". (وَإِنْ نَوَاهُ احْتِيَاطًا) أَيْ: صَوْمَ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ) مِنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ، أَوْ إكْمَالِ شَعْبَانَ، أَوْ حَيْلُولَةِ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ وَنَحْوِهِ (كَ) أَنْ صَامَهُ لِ (حِسَابٍ وَنُجُوم) وَلَوْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُمَا (أَوْ مَعَ صَحْوٍ، فَبَانَ مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) صَوْمُهُ، لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ لِمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ شَرْعًا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ. (وَكَذَا لَوْ صَامَ) يَوْمَ الثَّلَاثِينَ (تَطَوُّعًا فَوَافَقَ الشَّهْرَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ، وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ نَهَارًا فَهُوَ

стр. 807

لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ) كَانَتْ رُؤْيَتُهُ (أَوْ بَعْدَهُ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ آخِرَهُ، فَلَا يَجِبُ بِهِ صَوْمٌ) إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ. (وَلَا يُبَاحُ بِهِ فِطْرٌ) إنْ كَانَ فِي آخِرِهِ لِمَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ قَالَ: " جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ ﵁: إنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا أَوْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا مُمْكِنَةٌ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِي الْجَوِّ وَيَقِلُّ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أَوْ يَكُونُ قَوِيَّ النَّظَرِ " تَنْبِيهٌ " قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَالْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ أَيْ: مِنْ أَنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلَةِ دَفْعُ مَا قِيلَ إنَّ رُؤْيَتَهُ تَكُونُ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ انْتَهَى أَيْ: فَلَا أَثَرَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ نَهَارًا، وَإِنَّمَا يُعْتَدُّ بِالرُّؤْيَةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ أَصْحَابِنَا لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَلِمَا يَأْتِي فِيمَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، حَيْثُ قَالُوا: فَرُئِيَ وَقَدْ غَرَبَتْ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا. (وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ بِمَكَانٍ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمْ الصَّوْمُ، وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يَرَهُ حُكْمُ مَنْ رَآهُ) . لِقَوْلِهِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَهُوَ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ كَافَّةً؛ وَلِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَكَذَا الصَّوْمُ، وَلَوْ فُرِضَ الْخِطَابُ فِي الْخَبَرِ لِلَّذِينَ رَأَوْهُ، فَالْفَرْضُ حَاصِلٌ؛ لِأَنَّ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ وَفَوَائِدِهَا: مَا إذَا رَآهُ جَمَاعَةٌ بِبَلَدٍ، ثُمَّ سَافَرُوا إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ فَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ بِهِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ مَعَ غَيْمٍ أَوْ صَحْوٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ الْفِطْرُ وَلَا لِأَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ عِنْدَ الْمُخَالِفِ وَمِنْ صُوَرِهَا: مَا إذَا رَآهُ جَمَاعَةٌ بِبَلَدٍ ثُمَّ سَارَتْ بِهِمْ رِيحٌ فِي سَفِينَةٍ فَوَصَلُوا إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ الصَّوْمُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُمْ الْفِطْرُ فِي آخِرِهِ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ مُصَادِمٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» ، وَأَمَّا خَبَرُ كُرَيْبٍ قَالَ: " قَدِمْتُ الشَّامَ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَلَا نَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بِقَوْلِ كُرَيْبٍ وَحْدَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي

стр. 808

وُجُوبِ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ: الْهِلَالُ يَجْرِي مَجْرَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ، كَذَا الْهِلَالُ بِأَنَّ الشَّمْسَ تَتَكَرَّرُ مُرَاعَاتُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ فَتَلْحَقُ بِهِ الْمَشَقَّةُ، فَيُؤَدِّي إلَى قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَالْهِلَالُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَلَيْسَ كَبِيرُ مَشَقَّةٍ فِي قَضَاءِ يَوْمٍ، وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْعُمُومِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. (وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْمَطَالِعُ نَصًّا) ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: الزَّوَالُ فِي الدُّنْيَا وَاحِدٌ. (وَيُقْبَلُ فِيهِ) أَيْ: فِي هِلَالِ رَمَضَانَ (قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ «وَلِقَبُولِهِ ﷺ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ وَهُوَ أَحْوَطُ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ؛ وَلِاخْتِلَافِ حَالِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عُمِلَ بِهَا وُجُوبًا،. وَ (لَا) يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ (مَسْتُورٍ وَلَا مُمَيِّزٍ) لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ (فِي الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ) مُتَعَلِّق بِ يُقْبَلُ وَالْمِصْرِ وَخَارِجِهِ (وَلَوْ كَانَ) الرَّائِي (فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ) وَلَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ غَيْرُهُ لِمَا سَبَقَ (وَهُوَ خَبَرٌ) لَا شَهَادَةٌ (فَيُصَامُ بِقَوْلِهِ) : رَأَيْتُ الْهِلَالَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُهُ. (وَيُقْبَلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ) كَسَائِرِ الْأَخْبَارِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ) لِوُجُوبِ الصَّوْمِ (لَفْظ الشَّهَادَةِ وَلَا يَخْتَصُّ بِحَاكِمٍ فَيَلْزَمُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ عَدْلٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ قَوْلَهُ، وَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَرَ الْحَاكِمُ الصِّيَامَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ رَدَّهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِهِ وَجَهْلِهِ عَدَالَتَهُ أَمَّا لَوْ رَدَّهُ لِفِسْقِهِ الْمَعْلُومِ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ يُخْبِرُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ لَهُ إذَنْ حُكْمٌ بِفِسْقِهِ، فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ. (وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ) إذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ بِوَاحِدٍ (مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ) وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ، (وَحُلُولِ الْآجَالِ) لِلدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ إلَيْهِ (وَغَيْرِهَا) كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَنَحْوِهَا (تَبَعًا) لِلصَّوْمِ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ) كَشَوَّالٍ وَغَيْرِهِ (إلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ) بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا وَلَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ أَشْبَهَ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا تُرِك ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْفِطْرُ بِخَبَرِ وَاحِدٍ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ أَمَارَاتٍ تَشْهَدُ بِصِدْقِهِ؛ لِتَمْيِيزِ وَقْتِ الْغُرُوبِ بِنَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ أَمَارَاتٌ

стр. 809

تُورِثُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهَا أَخْبَارُ الثِّقَةِ قَوَّى الظَّنَّ، وَرُبَّمَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِخِلَافِ هِلَالِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا وَقْتُ الْفِطْرِ مُلَازِمٌ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِذَا ثَبَتَ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَخْبَارِ الثِّقَةِ أُثْبِتَ دُخُولُ وَقْتِ الْإِفْطَارِ تَبَعًا لَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ. (وَإِذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ أَفْطَرُوا) فِي الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الْفِطْرُ ابْتِدَاءً، فَتَبَعًا لِثُبُوتِ الصَّوْمِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ إثْبَاتُ إخْبَارٍ بِهِ عَنْ يَقِينٍ وَمُشَاهَدَةٍ، فَكَيْفَ يُقَابِلُهَا الْإِخْبَارُ بِنَفْيٍ وَعَدَمٍ وَلَا يَقِينَ مَعَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ يُحْتَمَلُ حُصُولُهَا بِمَكَانٍ آخَرَ، وَلِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَ (لَا) يُفْطِرُوا (إنْ صَامُوا) الثَّلَاثِينَ يَوْمًا (بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى وَاحِدٍ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ. (وَإِنْ صَامُوا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ قَضَوْا يَوْمًا فَقَطْ نَصًّا) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ الْغَلَطُ بِيَوْمَيْنِ (وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ غَيْمٍ وَنَحْوِهِ) كَقَتَرٍ وَدُخَانٍ (لَمْ يُفْطِرُوا) وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ لِلْأَصْلِ وَهُوَ بَقَاءُ رَمَضَانَ أَوْلَى. (فَلَوْ غُمَّ هِلَالُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَجَبَ أَنْ يُقَدَّرَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ نَاقِصَيْنِ) احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ (وَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يَرَوْا الْهِلَالَ) لِشَوَّالٍ (أَوْ يَصُومُوا اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا (وَكَذَا الزِّيَادَةُ) أَيْ: زِيَادَةُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ (إنْ غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، وَأَكْمَلْنَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَكَانَا نَاقِصَيْنِ) فَقَدْ صِيمَ يَوْمَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْمَفْرُوضِ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَعَلَى هَذَا فَقِسْ إذَا غُمَّ هِلَالُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ انْتَهَى أَيْ: فَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يَرَوْا الْهِلَالَ، أَوْ يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا. (قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ) أَيْ كَامِلَةً (وَقَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ) . عَنْ الْعُلَمَاءِ (لَا يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَأَكْثَرُ أَيْ: أَرْبَعَةٌ فَقَطْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا لَا يَجْتَمِعُ نُقْصَانُهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَالِبًا وَقِيلَ: لَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْعَمَلِ فِيهِمَا

стр. 810

بِنَقْصِ عَدَدِهِمَا وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ تَأْوِيلَ مَنْ أَوَّلَ السَّنَةَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِيهَا، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ قَدْ رَأَيْنَاهُمَا يَنْقُصَانِ ". (وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنْ رُئِيَ الْهِلَالُ صَبِيحَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَالشَّهْرُ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يُرَ فَهُوَ نَاقِصٌ هَذَا بِنَاءً عَلَى الِاسْتِسْرَارِ) أَيْ: تَوَارِي الْهِلَالِ (لَا يَكُونُ إلَّا لَيْلَتَيْنِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ) لِوُجُودِ خِلَافِهِ. (بَلْ قَدْ يَسْتَسِرُّ) الْهِلَالُ (لَيْلَةً تَارَةً، وَثَلَاثَ لَيَالٍ) تَارَةً (أُخْرَى) . (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لَفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّهْرِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِمَا مُعَلَّقِينَ بِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَكَعِلْمِ فَاسِقٍ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ وَأَحْكَامُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ. (وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ) ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يُبَاحُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. (وَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ، لَمْ يُفْطِرْ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعَهُ قَالَ: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحُّونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَلِاحْتِمَالِ خَطَئِهِ وَتُهْمَتِهِ، فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ، وَكَمَا لَا يُعَرِّفُ وَلَا يُضَحِّي وَحْدَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَالنِّزَاعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْهِلَالَ: هَلْ هُوَ اسْمٌ لِمَا يَطْلُعُ فِي السَّمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يَظْهَرْ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هِلَالًا إلَّا بِالظُّهُورِ وَالِاشْتِهَارِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ الْفِطْرُ سِرًّا، وَهُوَ حَسَنٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَهُ يَوْمَ عِيدٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْيَقِينُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ إذْ يَجُوزُ أَنَّهُ خُيِّلَ إلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ فِي رُؤْيَتِهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَمُوَافَقَةً لِلْجَمَاعَةِ. (وَالْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَتِهِ) أَيْ: هِلَالِ شَوَّالٍ (بِمَفَازَةٍ لَيْسَ بِقُرْبَةِ بَلَدٍ، يَبْنِي عَلَى يَقِينِ رُؤْيَتِهِ) فَيُفْطِرُ؛ (لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ) عَلَى الْهِدَايَةِ. (وَيُنْكَرُ عَلَى مَنْ أَكَلَ فِي) نَهَارِ (رَمَضَانَ ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ، قَالَهُ الْقَاضِي) لِئَلَّا يُتَّهَمَ. (وَقِيلَ لِابْنِ عَقِيلٍ يَجِبُ مَنْعُ مُسَافِرٍ وَمَرِيضٍ وَحَائِضٍ مِنْ الْفِطْرِ ظَاهِرًا لِئَلَّا يُتَّهَم؟ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ أَعْذَارٌ خَفِيَّةٌ مُنِعَ مِنْ إظْهَارِهِ كَمَرِيضٍ لَا أَمَارَةَ لَهُ، وَمُسَافِرٍ لَا عَلَامَةَ عَلَيْهِ) لِلتُّهْمَةِ بِخِلَافِ الْأَعْذَارِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا كَالتَّقْيِيدِ
следующие страницы →