← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

التَّكَبُّرِ وَالتَّعَاظُمِ) ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ. (وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَذَى أَحَدٍ لَمْ يَجُزْ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ) ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ رَمْيُ مَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ فَرْوٍ (وَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ) بَلْ يَضَعَهُ وَضْعًا. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ رَمْيِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ بِالْأَرْضِ فِي آخِرِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. (وَيُسَنُّ كَنْسُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ (وَتَجْمِيرُهُ فِي الْجُمَعِ) وَمِثْلُهَا الْأَعْيَادُ. (وَيُسْتَحَبُّ شَعْلُ الْقَنَادِيلِ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ) بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فَقَطْ؛ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ الرَّسُولِ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، وَكَانَتْ الْبِلَادُ إذْ ذَاكَ خَرَابًا قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَكَثْرَةُ إيقَادِهَا زِيَادَةً عَلَى الْحَاجَةِ يُمْنَعُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ بِلَا مَصْلَحَةٍ قَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ: (الْمَوْقُوفُ عَلَى الِاسْتِصْبَاحِ فِي الْمَسَاجِدِ يُسْتَعْمَلُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمُعْتَادِ) كَ (لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ وَلَا كَلَيْلَةِ الْخَتْمِ) فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ. (وَلَا اللَّيْلَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالرَّغَائِبِ) أَوَّلَ جُمُعَةٍ فِي رَجَبٍ (فَإِنْ زَادَ) عَلَى الْمُعْتَادِ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي وَشَبَهِهَا ضَمِنَ؛ (لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِدْعَةٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ لِخُلُوِّهِ عَنْ نَفْعِ الدُّنْيَا وَنَفْعِ الْآخِرَةِ وَيُؤَدِّي عَادَةً إلَى كَثْرَةِ اللَّغَطِ وَاللَّهْوِ وَشَغْلِ قُلُوبِ الْمُصَلِّينَ وَيُوهِمُ كَوْنَهَا قُرْبَةً وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ انْتَهَى) بَلْ فِي كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ بَعْضِ الْمَجُوسِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ إيقَادُ الْمَآذِن لَكِنَّهُ فِي رَمَضَانَ صَارَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ عَلَامَةً عَلَى بَقَاءِ اللَّيْلِ. (وَيَنْبَغِي إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْمَسْجِدِ مِمَّا يُصَانُ عَنْهُ أَنْ لَا يُلْقِيَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ خَلَاءَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ فَإِذَا أَلْقَى فِيهِ وَكَكُنَاسَةٍ وَنَحْوِهَا أُلْقِيَتْ فِيهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَاقِعٌ فِي هَذَا (بِخِلَافِ حَصْبَاءَ وَنَحْوِهَا) مِنْ أَجْزَاءِ تُرَابِ الْمَسْجِدِ وَطِينِهِ وَطِيبِهِ (لَوْ أَخَذَهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ رَمَى بِهِ فِيهِ) لِأَنَّ اسْتِبْقَاءَ ذَلِكَ فِيهِ مَطْلُوبٌ. (وَيُمْنَعُ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ) صِيَانَةً لِحُرْمَتِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: الْبِئْرِ وَالْفَرَسِ وَحَلْقَةِ الْقَوْمِ» فَأَمَّا الْبِئْرُ فَهُوَ مُنْتَهَى حَرِيمِهَا، وَأَمَّا طُولُ الْفَرَسِ فَهُوَ مَا دَارَ عَلَيْهِ بِرَسَنِهِ إذَا كَانَ مَرْبُوطًا، وَأَمَّا حَلْقَةُ الْقَوْمِ فَهُوَ اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ " وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْنَادُهُ جَيِّدٌ

стр. 877

وَهُوَ مُرْسَلٌ. قَالَ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ (وَيُسَنُّ أَنْ يَشْتَغِلَ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ) ؛ لِأَنَّهَا لِذَلِكَ بُنِيَتْ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) ؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَجَالِسِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسْنِدَ ظَهْرَهُ إلَيْهَا) وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ مَدُّ الرِّجْلِ إلَيْهَا. (وَلَا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ وَلَا حَالَ تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ (زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: عَلَى خِلَافِ صِفَةِ مَا شَبَّكَهَا النَّبِيُّ ﷺ ) وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ التَّشْبِيكِ حِينَ ذَكَرَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. (وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (وَ) يُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ (فِي الْمَنْزِلِ) وَكَذَلِكَ الرُّبُطُ وَالْمَدَارِسُ. (وَيُضْمَنُ الْمَسْجِدُ بِالْإِتْلَافِ إجْمَاعًا وَيُضْمَنُ بِالْغَصْبِ) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ اتَّخَذَهُ مَسْكَنًا أَوْ مَخْزَنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْمَنُ أُجْرَتَهُ كَمَا نَقُولُ فِي الْحُرِّ إذَا اسْتَعْمَلَهُ كُرْهًا. (قَالَ الشَّيْخُ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَ) أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ) وَعَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ عَلَى سَابَاطٍ أَوْ قَنْطَرَةِ جِسْرٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حُكْمُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الطَّرِيقِ أَنْ تُهْدَمَ وَعَنْهُ: يَجُوزُ الْبِنَاءُ بِلَا إذْنِهِ وَحَيْثُ جَازَ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَتَصِحُّ فِيمَا بُنِيَ عَلَى دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ إلَى جَانِبِ مَسْجِدٍ إلَّا لِحَاجَةٍ كَضِيقِ الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِ) كَخَوْفِ فِتْنَةٍ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ الْمُضَارَّةُ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَيَحْرُمُ بِنَاءُ مَسْجِدٍ يُرَادُ بِهِ الضَّرَرُ لِمَسْجِدٍ بِقُرْبِهِ. (وَيُكْرَهُ تَطْيِينُهُ) (بِنَجَسٍ وَ) يُكْرَهُ (بِنَاؤُهُ بِنَجَسٍ) مِنْ لَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَذَا تَطْبِيقُهُ بِطَوَابِقَ نَجِسَةٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَقِيَاسُهُ: تَجْصِيصُهُ بِجِصٍّ نَجِسٍ قُلْتُ: وَالتَّحْرِيمُ فِي الْكُلِّ أَظْهَرُ. (وَ) إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْقَرْيَةِ أَحَدٌ بَلْ مَاتُوا أَوْ أَسْلَمُوا جَازَ أَنْ (تُتَّخَذَ الْبِيعَةُ مَسْجِدًا) وَمِثْلُهَا الْكَنِيسَةُ وَالدُّيُورَةُ وَصَوَامِعُ الرُّهْبَانِ (لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ بِبَرِّ الشَّامِ فَإِنَّهُ فُتِحَ عَنْوَةً قَالَهُ الشَّيْخُ وَثَبَتَ فِي الْخَبَرِ ضَرْبُ الْخِبَاءِ وَاحْتِجَازُ الْحَصِيرِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ. (وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ مُدَاوَمَةُ مَوْضِعٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَسْجِدِ (لَا يُصَلِّي إلَّا فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّحْجِيرَ، (فَإِنْ دَاوَمَ) عَلَى الصَّلَاةِ بِمَوْضِعٍ (فَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَإِذَا قَامَ مِنْهُ فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ) لِحَدِيثِ: «مَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَهُوَ لَهُ» . (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ مِنْهُ إنْسَانًا) وَلَوْ

стр. 878

وَلَدَهُ أَوْ عَبْدَهُ (وَيَجْلِسُ مَكَانَهُ أَوْ يُجْلِسُ غَيْرَهُ مَكَانَهُ) لِمَا سَبَقَ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ التَّنْقِيحِ: وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ أَيْ: صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَقَامَ غَيْرَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ (إلَّا الصَّبِيَّ فَيُؤَخَّرُ عَنْ الْمَكَانِ الْفَاضِلِ وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَ) تَقَدَّمَ أَيْضًا (آخِرَ الْجُمُعَةِ) مُوَضَّحًا. (وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعُذْرٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ تَرْكَ إعْرَاضٍ وَهُوَ السَّابِقُ إلَيْهِ، (وَإِنْ كَانَ) قَامَ مِنْهُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَ حَقُّهُ بِقِيَامِهِ) مِنْهُ (لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُخَلِّفَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا وَنَحْوَهُ) فِي مَكَانِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ رَفْعُهُ. (وَيَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا) قُلْتُ: إلَّا لِإِقْرَاءِ قُرْآنٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِهِ إنْ قُلْنَا: يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ (أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ) بِالْمَسْجِدِ تَحْصِيلًا لِثَوَابِ الِاعْتِكَافِ (لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ صَائِمًا) ؛ إذْ الْحَسَنَاتُ تَتَضَاعَفُ بِالْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ. (وَإِنْ جَعَلَ سُفْلَ بَيْتِهِ) مَسْجِدًا صَحَّ وَانْتَفَعَ بِعُلُوِّهِ (أَوْ) (جَعَلَ عُلُوَّهُ مَسْجِدًا صَحَّ وَانْتَفَعَ بِالْآخَرِ) فِيمَا شَاءَ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ جَعَلَ سُفْلَ بَيْتِهِ مَسْجِدًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَطْحِهِ وَإِنْ جَعَلَ عُلُوَّهُ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِسُفْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّ السَّطْحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى سُفْلٍ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُهْدَمَ الْمَسْجِدُ وَيُجَدَّدَ بِنَاؤُهُ لِمَصْلَحَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ تَارَةً فِي مَسْجِدٍ لَهُ حَائِطٌ قَصِيرٌ غَيْرُ حَصِينٍ وَلَهُ مَنَارَةٌ لَا بَأْسَ أَنْ تُهْدَمَ وَتُجْعَلَ فِي الْحَائِطِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْكِلَابُ وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ. (قَالَ الْقَاضِي حَرِيمُ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ إنْ كَانَ الِارْتِفَاقُ بِهَا مُضِرًّا بِأَهْلِ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ: مُنِعُوا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الِارْتِفَاقِ بِهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ (وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّينَ بِهَا أَحَقُّ) مِنْ غَيْرِهِمْ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا (ضَرَرٌ جَازَ الِارْتِفَاقُ بِحَرِيمِهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ السُّلْطَانِ) وَلَا نَائِبِهِ لِلْحَرَجِ. (وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ الْمَسْجِدِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَتَقَدَّمَ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ) مُوَضَّحًا. (قَالَ الشَّيْخُ مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ السِّوَاكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ) وَتَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَيَجُوزُ السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَإِذَا سَرَّحَ شَعْرَهُ فِيهِ وَجَمَعَهُ أَيْ: السَّاقِطَ مِنْ شَعْرِهِ (فَلَمْ يَتْرُكْهُ) بِالْمَسْجِدِ (فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ أَوْ نَجَاسَتِهِ) لِإِخْلَاءِ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، (وَأَمَّا إذَا تَرَكَ شَعْرَهُ فِيهِ

стр. 879

فَهَذَا يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا) ، بَلْ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ يَحْرُمُ وَكَالدَّمِ، (فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ عَنْ الْقَذَاةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعَيْنِ) قُلْتُ: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ إذَا دَفَنَهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا كَرَاهَةَ وَكَذَا تَقْلِيمُ أَظْفَارِهِ. [كِتَابِ الْحَجِّ] بَابٌ كِتَابِ الْحَجِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ وَعَكْسُهُ: شَهْرُ الْحِجَّةِ وَأُخِّرَ الْحَجُّ عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ وَلِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ثُمَّ الزَّكَاةُ لِكَوْنِهَا قَرِينَةً لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَلِشُمُولِهَا الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ الصَّوْمُ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ سَنَةٍ لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدَّمَ رِوَايَةَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّغْلِيظَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَنَحْوُ: «فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ بِالْبَدَلِ بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَتُرْجِمَ فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنَاسِكِ، وَهِيَ جَمْعُ مَنْسَكٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا فَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْعِبَادَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّسِيكَةِ وَهِيَ الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَصَارَ اسْمًا لِلْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَابِدِ: نَاسِكٌ وَقَدْ غَلَبَ إطْلَاقُهَا عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ لِكَثْرَةِ أَنْوَاعِهَا وَلِمَا تَتَضَمَّنُهُ كَثْرَةَ الذَّبَائِحِ الْمُتَقَرَّبِ بِهَا (وَهُوَ) أَيْ: الْحَجُّ لُغَةً الْقَصْدُ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ، (وَشَرْعًا قَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ (وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) وَمَبَانِيهِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَتَقَدَّمَ. (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ) عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ الرِّعَايَةِ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ لِلْوَالِدِ وَالْأُمِّ مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْ حَجِّ النَّفْلِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ لَهُمَا مَنْعَهُ مِنْ الْجِهَادِ مَعَ كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَالتَّطَوُّعَاتُ أَوْلَى اهـ يَعْنِي عَلَى كَلَامِ الرِّعَايَةِ: لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقَعَ الْحَجُّ نَفْلًا إلَّا مِنْ صَغِيرٍ أَوْ رَقِيقٍ بَلْ إمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَقَدْ تَبِعَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمُنْتَهَى. (وَفُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ عِنْدَ

стр. 880

الْأَكْثَرِينَ) مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ وَقِيلَ: سِتٍّ وَقِيلَ: خَمْسٍ وَالْأَصْلُ فِي فَرِيضَتِهِ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] (وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ ) بَعْدَ هِجْرَتِهِ (إلَى الْمَدِينَةِ) سِوَى حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ (قَالَ الْقَاضِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا) . وَقَالَ لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى مَكَّةَ بَعْدَهَا (وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ) مِنْ الْهِجْرَةِ (وَكَانَ) ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (قَارِنًا نَصًّا) . قَالَ أَحْمَدُ لَا أَشُكَّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ اهـ وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِمَا رَوَى أَنَسٌ «سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ: «سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «قُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ «وَاعْتَمَرَ ﷺ أَرْبَعًا بَعْدَ الْهِجْرَةِ» قَالَ أَنَسٌ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حَجَّةً وَاحِدَةً وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ: عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ حِينَ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ حَجَّ قَبْلَ ذَلِكَ حَجَّةً وَمَا هُوَ ثَبْتٌ عِنْدِي وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي. (وَالْعُمْرَةُ) لُغَةً الزِّيَارَةُ يُقَالُ: اعْتَمَرَهُ إذَا زَارَهُ، وَشَرْعًا (زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ (وَتَجِبُ) الْعُمْرَةُ (عَلَى الْمَكِّيِّ كَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَكِّيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 881

فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى إحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْحَجِّ، وَأَمَّا بَعْضُ الْأَحَادِيثِ الْمَسْكُوتِ فِيهَا عَنْهَا فَلِأَنَّ اسْمَ الْحَجِّ يَتَنَاوَلُهَا، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ «إنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، (وَنَصُّهُ: لَا) تَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَنَصُّ مَا فِي الْمُغْنِي: أَنَّ رُكْنَ الْعُمْرَةِ وَمُعْظَمَهَا: الطَّوَافُ قَالَ أَحْمَدُ: " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ " وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ نَفَى عَنْهُمْ دَمَ التَّمَتُّعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ اهـ. وَفِي الشَّرْحِ: وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِمْ مَعَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ مِنْهُمْ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْحَجِّ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ عَمَّا تَقَدَّمَ: بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَطُفْ، وَمَنْ طَافَ يَجِبُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ عَنْهَا كَالْآفَاقِيِّ. (وَيَجِبَانِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلُّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ (عَلَى الْفَوْرِ) ﷺ أَنَصَّ عَلَيْهِ ﷺ فَيَأْثَمُ إنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْفَوْرِ وَيُؤَيِّدُهُ: خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِط يَرْفَعُهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ وَلَا سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوَحَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»

стр. 882

رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهُ إلَى غَيْرِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ كَبَقِيَّةِ الْمَبَانِي بَلْ أَوْلَى، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِهَا، أَوْ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَحُجَّ فَيَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْإِدْرَاكِ قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ الْحَنَفِيُّ أَوْ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ أَوْ حَاجَةِ خَوْفٍ فِي حَقِّهِ مَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ وَمَنَعَ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ خَوْفًا عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَهُ الْحَجَّ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً حَوْلَ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. [شَرَائِط وُجُوب الْحَجّ وَالْعُمْرَة] (بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ) . أَحَدُهَا: (الْإِسْلَامُ وَ) الثَّانِي (الْعَقْلُ) وَهُمَا شَرْطَانِ لِلْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ (فَلَا يَجِبُ) حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ (عَلَى كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ وَهُوَ مُنَافٍ لَهُ (وَيُعَاقَبُ) الْكَافِرُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْحَجِّ وَكَذَا الْعُمْرَةُ (وَعَلَى سَائِرِ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ) كَالتَّوْحِيدِ إجْمَاعًا (وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا) ، وَلَا يَجِبُ (الْحَجُّ) عَلَيْهِ (وَمِثْلُهُ الْعُمْرَةُ بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَقَطْ) بِأَنْ اسْتَطَاعَ زَمَنَ الرِّدَّةِ دُونَ زَمَنِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ زَمَنَ الرِّدَّةِ (وَلَا تَبْطُلُ اسْتِطَاعَتُهُ) فِي إسْلَامِهِ (بِرِدَّتِهِ) بَلْ يَثْبُتُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ إذَا عَادَ لِلْإِسْلَامِ. (وَإِنْ حَجَّ) وَاعْتَمَرَ (ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ) وَلَا عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يَجِبَانِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً. وَقَدْ أَتَى بِهِمَا وَرِدَّتُهُ بَعْدَهُمَا لَا تُبْطِلُهُمَا إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ كَسَائِرِ عِبَادَاتِهِ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَا يَصِحُّ) الْحَجُّ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْكَافِرِ وَلَوْ مُرْتَدًّا وَكَذَا الْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ. (وَيَبْطُلُ إحْرَامُهُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ بِرِدَّتِهِ فِيهِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَكَالصَّوْمِ، (وَلَا يَجِبُ) الْحَجُّ (عَلَى الْمَجْنُونِ) كَالْعُمْرَةِ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» . (وَلَا يَصِحُّ) الْحَجُّ (مِنْهُ) أَيْ الْمَجْنُونِ وَلَا الْعُمْرَةُ (إنْ عَقَدَهُ بِنَفْسِهِ) أَوْ عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ (كَالصَّوْمِ) . وَإِنَّمَا صَحَّ مِنْ الصَّغِيرِ دُونَ التَّمْيِيزِ إذَا عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ لِلنَّصِّ (وَلَا تَبْطُلُ اسْتِطَاعَتُهُ بِجُنُونِهِ) فَيَحُجُّ عَنْهُ، (وَلَا) يَبْطُلُ (إحْرَامُهُ بِهِ) أَيْ: بِالْجُنُونِ (كَالصَّوْمِ) لَا يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ (وَلَا يَبْطُلُ الْإِحْرَامُ بِالْإِغْمَاءِ وَالْمَوْتِ وَالسُّكْرِ) كَالنَّوْمِ. (وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ (الْبُلُوغُ وَ) الرَّابِعُ (الْحُرِّيَّةُ) أَيْ: كَمَالُهَا، وَهُمَا شَرْطَانِ

стр. 883

لِلْوُجُوبِ وَالْإِجْزَاءِ فَقَطْ (فَلَا يَجِبُ) الْحَجُّ وَلَا الْعُمْرَةُ (عَلَى الصَّغِيرِ) لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (وَلَا عَلَى قِنٍّ) ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ فَلَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ السَّيِّدِ كَالْجِهَادِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الشَّهَادَةُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَكَذَا مُكَاتَبٌ وَمُدَبَّرٌ وَأُمُّ وَلَدٍ وَمُعْتَقٌ بَعْضُهُ) وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، (وَيَصِحُّ) الْحَجُّ (مِنْهُمْ) كَالْعُمْرَةِ أَيْ: مِنْ الصَّغِيرِ وَالْقِنِّ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ صَبِيًّا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فَصَحَّا مِنْهُ كَالْحُرِّ، (وَلَا يُجْزِئُ) حَجُّهُمْ (عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إلَّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ وَهُوَ ثِقَةٌ؛ وَلِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِهِ فَلَمْ يُجْزِئْهُمْ إذَا صَارُوا مِنْ أَهْلِهِ كَالصَّبِيِّ يُصَلِّي ثُمَّ يَبْلُغُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا شُذُوذًا، بَلْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ) الْكَافِرُ (أَوْ يُفِيقَ) الْمَجْنُونُ ثُمَّ يُحْرِمُ قَبْلَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ، أَوْ بَعْدَهُ إنْ عَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ أَتَمَّ حَجَّهُ (أَوْ يَبْلُغُ) الصَّغِيرُ (أَوْ يُعْتَقُ) الْقِنُّ أَوْ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْمُدَبَّرُ أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ (فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِهِ) أَيْ: الْوُقُوفِ (إنْ عَادَ فَوَقَفَ) فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِالنُّسُكِ حَالَ الْكَمَالِ فَأَجْزَأَهُمَا كَمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ وَإِنْ عَتَقَ بِجَمْعٍ أَيْ: مُزْدَلِفَةَ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْقِنَّ إذَا عَتَقَ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِهِ (الْعَوْدُ) إلَى عَرَفَةَ فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ (إنْ أَمْكَنَهُ) الْعَوْدُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) تُجْزِئُ عُمْرَتُهُمْ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُفِيقَ أَوْ يَبْلُغَ أَوْ يُعْتَقَ (فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا) أَيْ الشُّرُوعِ فِيهِ (فَيُجْزِئُهُمْ) لِمَا تَقَدَّمَ. (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ فِي إحْرَامِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ: إنَّمَا يُعْتَدُّ بِإِحْرَامٍ وَوُقُوفٍ مَوْجُودَيْنِ إذَنْ) أَيْ: حِينَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ، (وَمَا قَبْلَهُ) مِنْ الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ (تَطَوُّعٌ لَمْ يَنْقَلِبْ فَرْضًا) وَلَا اعْتِدَادَ بِهِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى. (وَقَالَ الْمَجْدُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْخِلَافِ وَالِانْتِصَارِ (يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ مَوْقُوفًا)

стр. 884

فَإِذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ (بِالْبُلُوغِ أَوْ الْعِتْقِ) تَبَيَّنَ فَرْضِيَّتُهُ (كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ) ، وَلَوْ سَعَى قِنٌّ أَوْ صَغِيرٌ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ وَحَصَلَ الْعِتْقُ وَالْبُلُوغُ وَقُلْنَا: السَّعْيُ رُكْنٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَمْ يُجْزِئْهُ (الْحَجُّ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) لِوُقُوعِ الرُّكْنِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْوُجُوبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ بَلَغَ، فَعَلَى هَذَا لَا يُجْزِئُهُ، (وَلَوْ أَعَادَ السَّعْيَ) بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ؛ (لِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ مُجَاوَزَةُ عَدَدٍ وَلَا تَكْرَارِهِ وَخَالَفَ الْوُقُوفَ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا بَلَغَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَهُ وَأَعَادَهُ فِي وَقْتِهِ يُجْزِئُهُ، (إذْ هُوَ مَشْرُوعٌ) أَيْ اسْتِدَامَتُهُ مَشْرُوعَةٌ (وَلَا قَدْرَ لَهُ مَحْدُودٌ وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ إذَا أَعَادَ السَّعْيَ) لِحُصُولِ الرُّكْنِ الْأَعْظَمِ وَهُوَ الْوُقُوفُ وَتَبَعِيَّةُ غَيْرِهِ لَهُ. وَلَا تُجْزِئُ الْعُمْرَةُ مَنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فِي طَوَافِهَا، وَإِنْ أَعَادَهُ وِفَاقًا. (وَيُحْرِمُ الْمُمَيِّزُ بِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ فَصَحَّ إحْرَامُهُ كَالْبَالِغِ؛ وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ أَحَدُ نَوْعَيْ الْعُقُودِ فَكَانَ مِنْهُ مَا يَعْقِدُهُ الْمُمَيِّزُ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَالْبَيْعِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: وَلِيِّ الْمُمَيِّزِ (تَحْلِيلُهُ) إذَا أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ كَالْبَالِغِ. (وَلَا يَصِحُّ) إحْرَامُهُ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى لُزُومِ مَا لَمْ يَلْزَمْ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَلَا يُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ الْمُمَيِّزِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّلِيلِ (وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ) أَيْ: يَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَأَحْرَمْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فَيَعْقِدُ لَهُ وَلِيُّهُ الْإِحْرَامَ (وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ مُحْرِمًا أَوْ) كَانَ الْوَلِيُّ (لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ) كَمَا يَعْقِدُ لَهُ النِّكَاحَ وَلَوْ كَانَ مَعَ الْوَلِيِّ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْوَلِيُّ (مَنْ يَلِي مَالَهُ) مِنْ أَبٍ وَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ (وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ مِنْ الْأَقَارِبِ) كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمْ لَهُ وَلَا شِرَاؤُهُمْ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يَصِحُّ مِنْ الْأُمِّ أَيْضًا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَتَقَدَّمَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يَقْبِضُ لَهُ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ مَنْ يَلِيه فَيَنْبَغِي هُنَا كَذَلِكَ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ (وَمَعْنَى إحْرَامِهِ) أَيْ: الْوَلِيُّ (عَنْهُ) أَيْ: عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ (عَقْدُهُ الْإِحْرَامَ لَهُ فَيَصِيرُ الصَّغِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا) كَمَا يَعْقِدُ لَهُ النِّكَاحَ فَيَصِيرُ الصَّغِيرُ زَوْجًا (دُونَ الْوَلِيِّ) ؛ وَلِهَذَا صَحَّ مِنْ وَلِيِّهِ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ. (وَكُلُّ مَا أَمْكَنَهُ) أَيْ: الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ دُونَهُ (فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ كَالْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ (وَالْمَبِيتِ) بِمُزْدَلِفَةَ وَلَيَالِي مِنًى (لَزِمَهُ) فِعْلُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُفْعَلَ عَنْهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، (سَوَاءٌ حَضَرَهُ الْوَلِيُّ فِيهِمَا) أَيْ: الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ (أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْوَلِيِّ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ، (وَمَا عَجَزَ عَنْهُ) الصَّغِيرُ (فَعَلَهُ عَنْهُ

стр. 885

الْوَلِيُّ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «لَبَّيْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الرَّمْي وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ " رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ، (لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الصَّغِيرِ (إلَّا مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ كَمَا فِي النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مُحْرِمًا) بِفَرْضِهِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى، وَإِنْ رَمَى عَنْ الصَّغِيرِ أَوَّلًا (وَقَعَ) الرَّمْيُ (عَنْ نَفْسِهِ) كَمَنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ (الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ) الْوَلِيُّ (حَلَالًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) أَيْ: بِرَمْيِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ لِنَفْسِهِ رَمْيٌ فَلَا يَصِحُّ عَنْ غَيْرِهِ. (وَإِنْ أَمْكَنَ الصَّبِيَّ أَنْ يُنَاوِلَ النَّائِبَ الْحَصَى نَاوَلَهُ) إيَّاهُ وَإِلَّا (اُسْتُحِبَّ أَنْ تُوضَعَ الْحَصَاةُ فِي كَفِّهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُ فَتُرْمَى عَنْهُ، فَإِنْ وَضَعَهَا النَّائِبُ فِي يَدِهِ وَرَمَى بِهَا عَنْهُ فَجَعَلَ يَدَهُ كَالْآلَةِ فَحَسَنٌ) لِيُوجَدَ مِنْهُ نَوْعُ عَمَلٍ. (وَإِنْ أَمْكَنَهُ) أَيْ: الصَّغِيرُ (أَنْ يَطُوفَ) مَاشِيًا (فَعَلَهُ) كَالْكَبِيرِ (وَإِلَّا طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ (أَوْ رَاكِبًا) كَالْمَرِيضِ. (وَيَصِحُّ طَوَافُ الْحَلَالِ بِهِ) أَيْ: بِالصَّغِيرِ (وَ) طَوَافُ (الْمُحْرِمِ) بِهِ (طَافَ) الْمُحْرِمُ (عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا) أَيْ: أَوْ لَمْ يَطُفْ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الرَّمْيِ، وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ (لِوُجُودِ الطَّوَافِ مِنْ الصَّبِيِّ كَمَحْمُولِ مَرِيضٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْحَامِلِ إلَّا النِّيَّةُ كَحَالَةِ الْإِحْرَامِ) بِخِلَافِ الرَّمْيِ (الرَّمْيُ وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْ الطَّائِفِ بِهِ) . قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ إذَا كَانَ دُونَ التَّمْيِيزِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ مِنْهُ كَالْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الرَّمْيِ (وَيَأْتِي فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا (كَوْنُهُ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يُعْقَدَ لَهُ الْإِحْرَامُ) بِأَنْ يَكُونَ وَلِيًّا لَهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ، فَلَمَّا تَعَذَّرَتْ مِنْ الصَّغِيرِ اُعْتُبِرَتْ مِمَّنْ لَهُ النِّيَابَةُ عَنْهُ بِالشَّرْعِ بِخِلَافِ الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ (فَإِنْ نَوَى) الطَّائِفُ بِالصَّغِيرِ (الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الصَّبِيِّ وَقَعَ) الطَّوَافُ (عَنْ الصَّبِيِّ كَالْكَبِيرِ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ) ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ فِعْلٌ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَنْ اثْنَيْنِ. (وَنَفَقَةُ الْحَجِّ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَكَفَّارَتُهُ: فِي مَالِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ وَلِيُّهُ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِهِ تَمْرِينًا عَلَى الطَّاعَةِ) ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ وَكَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّمَرُّنِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ لَا يَجِبُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ نَفَقَةَ الْحَضَرِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا. ، (وَأَمَّا سَفَرُ الصَّبِيِّ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْوَلِيِّ (لِتِجَارَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ إلَى مَكَّةَ لِيَسْتَوْطِنَهَا أَوْ لِيُقِيمَ بِهَا لِعِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ) أَيْ: الْوَلِيِّ (السَّفَرُ بِهِ) أَيْ: الصَّبِيِّ (فِي وَقْتِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَمَعَ

стр. 886

الْإِحْرَامِ وَعَدَمِهِ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْوَلِيِّ) بَلْ هِيَ عَلَى الصَّبِيِّ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ (وَعَمْدُهُ) أَيْ: الصَّبِيُّ (وَهُوَ وَمَجْنُونٌ: خَطَأٌ) لِعَدَمِ صِحَّةِ قَصْدِهِمَا (فَلَا يَجِبُ بِفِعْلِهِمَا شَيْءٌ إلَّا فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ) كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الظُّفْرِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْوَطْءِ بِخِلَافِ الطِّيبِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. (وَإِنْ فَعَلَ بِهِمَا الْوَلِيُّ فِعْلًا لِمَصْلَحَةٍ كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ الْمُحْرِمِ (لِبَرْدٍ) أَوْ حَرٍّ (أَوْ تَطْيِيبِهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) لِأَذًى، (فَكَفَّارَتُهُ عَلَى الْوَلِيِّ أَيْضًا) لَعَلَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَلِيُّ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِهِ تَمْرِينًا عَلَى الطَّاعَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَافَرَ بِهِ لِتِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَهُوَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ الصَّبِيُّ نَفْسُهُ. هَذَا مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى عَنْ الْمَجْدِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَيْهِ فَأَمَّا إنْ فَعَلَهُ الْوَلِيُّ لَا لِعُذْرٍ فَكَفَّارَتُهُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ كَمَنْ حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، (وَإِنْ وَجَبَ فِي كَفَّارَةِ صَوْمٍ صَامَ الْوَلِيُّ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ: حَيْثُ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْوَلِيِّ بِسَبَبِ الصَّبِيِّ وَدَخَلَهَا الصَّوْمُ صَامَ عَنْهُ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً انْتَهَى أَيْ فَصَوْمُ الْوَلِيِّ عَنْ نَفْسِهِ لَا بِالنِّيَابَةِ عَنْ الصَّبِيِّ إذْ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَوَجَبَ فِيهَا صَوْمٌ لَمْ يَصُمْ الْوَلِيُّ عَنْهُ، بَلْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِنْ مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَيْضًا فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى. (وَوَطْءِ الصَّبِيِّ كَوَطْءِ الْبَالِغِ نَاسِيًا يُمْضِي فِي فَاسِدِهِ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ نَصًّا) ، وَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ لِإِحْرَامٍ لَازِمٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَنِيَّةُ الصَّبِيِّ تَمْنَعُ التَّكْلِيفَ بِفِعْلِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ لِضَعْفِهِ عَنْهَا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ وُجُودُ الِاحْتِلَامِ أَوْ الْوَطْءِ مِنْ الْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ الْإِفَاقَةِ لِفَقْدِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْغُسْلِ فِي الْحَالِ، (وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا تَحَلَّلَ الصَّبِيُّ مِنْ إحْرَامِهِ لِفَوَاتِ) وَقْتِ الْوُقُوفِ فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ إذَا بَلَغَ. وَفِي الْهَدْيِ: التَّفْصِيلُ السَّابِقُ (أَوْ) تَحَلُّلُ الصَّبِيِّ (لِإِحْصَارٍ) ، وَقُلْنَا: يَجِبُ الْقَضَاءُ فَيَقْضِيهِ إذَا بَلَغَ وَالْفِدْيَةُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَيَأْتِي أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ، (لَكِنْ إذَا أَرَادَ) الصَّبِيُّ (الْقَضَاءَ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَزِمَهُ أَنْ يُقَدِّمَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَقْضِيَّةِ) كَالْمَنْذُورَةِ (فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ) بِأَنْ قَدَّمَ الْمَقْضِيَّةَ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. (فَهُوَ كَ) الْحُرِّ (الْبَالِغِ يُحْرِمُ قَبْلَ الْفَرْضِ بِغَيْرِهِ) فَيُصْرَفُ فِعْله إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يَقْضِي بَعْدَ ذَلِكَ (وَمَتَى بَلَغَ) الصَّبِيُّ (فِي الْحَجَّةِ

стр. 887

الْفَاسِدَةِ) الَّتِي وَطِئَ فِيهَا (فِي حَالٍ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً) بِأَنْ بَلَغَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ وَعَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ (فَإِنَّهَا) أَيْ: الْحَالَ وَالْقِصَّةَ. وَفِي نُسْخَةٍ فَإِنَّهُ أَيْ: الشَّأْنَ (يَمْضِي فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ الَّتِي بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا (ثُمَّ يَقْضِيهَا) فَوْرًا، (وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ) الْحَجُّ الْقَضَاءَ (عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْقَضَاءُ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْعَبْدِ) إذَا عَتَقَ فِي الْحَالِ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً؛؛ لِأَنَّ قَضَاءَهَا كَهِيَ فَيُجْزِئُ كَإِجْزَائِهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً. (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِتَفْوِيتِ حَقِّهِ بِالْإِحْرَامِ (بِالْإِحْرَامِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجٍ) لِتَفْوِيتِ حَقِّهِ وَقَيَّدَهُ بِالنَّفْلِ مِنْهَا دُونَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَجٌّ بِحَالٍ بِخِلَافِهَا قَالَهُ ابْنُ النَّجَّارِ: وَمُرَادُهُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّذْرُ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ بِالنَّذْرِ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَصَحَّ نَذْرُهُ كَالْحُرِّ، وَيَأْتِي (فَإِنْ فَعَلَا) أَيْ: أَحْرَمَ الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ (انْعَقَدَ) إحْرَامُهُمَا؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَصَحَّتْ بِغَيْرِ إذْنٍ كَالصَّوْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَتَخَرَّجُ بُطْلَانُ إحْرَامِهِ لِغَصْبِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ قَدْ حَجَّ فِي بَدَنٍ غَصْبٍ فَهُوَ آكَدُ مِنْ الْحَجِّ بِمَالٍ غَصْبٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ آبِقٍ. (وَلَهُمَا) أَيْ: السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ (تَحْلِيلُهُمَا) أَيْ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا لَازِمٌ فَمَلَكَا إخْرَاجَهُمَا مِنْ الْإِحْرَامِ كَالِاعْتِكَافِ (وَيَكُونَانِ) كَالْمَحْصَرِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُ، (فَلَوْ لَمْ تَقْبَلْ الْمَرْأَةُ تَحْلِيلَهُ أَثِمَتْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا) وَكَذَا أَمَتُهُ الْمُبَاحَةُ لَهُ لَوْلَا الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَيَأْثَمُ مَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ وَهِيَ أَعَمُّ، (فَإِنْ كَانَ) إحْرَامُهُمَا (بِإِذْنِ) السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ وَكَنِكَاحٍ وَرَهْنٍ (أَوْ أَحْرَمَا) أَيْ: الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ (بِنَذْرٍ أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ) الزَّوْجُ (فِيهِ لِلْمَرْأَةِ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا) لِوُجُوبِهِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ (وَلِلسَّيِّدِ وَالزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِي الْإِذْنِ) فِي الْإِحْرَامِ لِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ (قَبْلَ الْإِحْرَامِ) مِنْ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ كَالْوَاهِبِ يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا بَعْدَهُ، (ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْعَبْدُ بِرُجُوعِ سَيِّدِهِ عَنْ إذْنِهِ) لَهُ فِي الْإِحْرَامِ، (فَكَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ) السَّيِّدُ ابْتِدَاءً لِبُطْلَانِ الْإِذْنِ بِرُجُوعِهِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِرُجُوعِهِ فِي الْإِذْنِ (فَالْخِلَافُ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ) بِعَزْلِ مُوَكِّلِهِ لَهُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ؛ فَيَكُونُ

стр. 888

الْحُكْمُ هُنَا كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ قُلْتُ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ فِي النَّفْلِ. (وَيَلْزَمُ الْعَبْدَ حُكْمُ جِنَايَتِهِ) أَيْ: إتْيَانِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ (كَحُرٍّ مُعْسِرٍ) لَا مَالَ لَهُ، (فَإِنْ مَاتَ) الْعَبْدُ (وَلَمْ يَصُمْ) مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ) ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُرَادُ: يُسَنُّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ. (وَإِنْ أَفْسَدَ) قِنٌّ (حَجَّهُ بِالْوَطْءِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ) كَالْحُرِّ (وَ) لَزِمَهُ (الْقَضَاءُ) أَيْ: قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ. (وَيَصِحُّ) الْقَضَاءُ (فِي رِقِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِيهِ فَصَحَّ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، (وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْقَضَاءِ إنْ كَانَ شُرُوعُهُ) أَيْ: الْقِنِّ (فِيمَا أَفْسَدَهُ بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِيهِ إذْنٌ فِي مُوجِبِهِ، وَمِنْ مُوجِبِهِ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ كَالنَّذْرِ. (وَإِنْ عَتَقَ) الْقِنُّ (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ الْقَضَاءِ (لَزِمَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ) ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ (فَإِنْ خَالَفَ) فَبَدَأَ بِالْقَضَاءِ (فَحُكْمُهُ كَالْحُرِّ يَبْدَأُ بِنَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) فَيَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يَقْضِي فِي الْقَابِلِ، (فَإِنْ عَتَقَ) الْقِنُّ (فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ فِي حَالِ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً) بِأَنْ عَتَقَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ وَعَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ (فَإِنَّهُ يَمْضِي فِيهَا) أَيْ: فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ كَالْحُرِّ (ثُمَّ يَقْضِيهَا) فَوْرًا (وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ) الْحَجُّ (عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْقَضَاءِ) ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَهُ حُكْمُ الْأَدَاءِ. (وَإِنْ تَحَلَّلَ) الْقِنُّ (لِحَصْرِ) عَدُوٍّ مَنَعَهُ الْحَرَمَ (أَوْ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ) لِعَدَمِ إذْنِهِ لَهُ (لَمْ يَتَحَلَّلْ قَبْلَ الصَّوْمِ) كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ إذَا أُحْصِرَ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: السَّيِّدِ (مَنْعُهُ) أَيْ الْقِنِّ (مِنْهُ) أَيْ: الصَّوْمِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَهُوَ كَرَمَضَانَ. (وَإِذَا فَسَدَ حَجُّهُ) أَيْ: الْقِنُّ بِأَنْ وَطِئَ فِيهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ (صَامَ) بَدَلَ الْبَدَنَةِ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ، (وَكَذَا إنْ تَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ) فَإِنَّهُ يَصُومُ بَدَلَ الْهَدْيِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ. وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَالْمُبَعَّضِ حُكْمُ الْقِنِّ فِيمَا ذَكَرَهُ، (وَلَوْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَهُوَ) أَيْ: الْقِنُّ (مُحْرِمٌ فَمُشْتَرِيهِ كَبَائِعِهِ فِي تَحْلِيلِهِ) إذَا كَانَ إحْرَامُهُ بِغَيْرِ إذْنَ بَائِعِهِ. (وَ) فِي عَدَمِهِ (أَيْ: عَدَمِ تَحْلِيلِهِ إذَا كَانَ بِإِذْنِ بَائِعِهِ) وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي إحْرَامٍ يَمْلِكُ الْبَائِعُ تَحْلِيلَهُ مِنْهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي إحْرَامٍ لَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ تَحْلِيلَهُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ، (وَلَهُ) أَيْ: لِلْمُشْتَرِي (فَسْخُ الْبَيْعِ إنْ لَمْ يَعْلَمَ)

стр. 889

بِإِحْرَامِ الْقِنِّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَنَافِعِهِ عَلَيْهِ مُدَّةَ الْحَجِّ (إلَّا أَنْ يَمْلِكَ بَائِعُهُ تَحْلِيلَهُ) فَيُحَلِّلُهُ الْمُشْتَرِي (إنْ شَاءَ) أَوْ يُبْقِيهِ وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي إحْرَامٍ يَمْلِكُ تَحْلِيلَهُ مِنْهُ كَانَ إبْقَاؤُهُ فِيهِ كَإِذْنِهِ لَهُ فِيهِ ابْتِدَاءً. (وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ فَرْضٍ إذَا كَمَّلَتْ الشُّرُوطُ) ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَشْبَهَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ أَوَّلَ الْوَقْتِ، (وَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ كَقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ) ، وَمَا زَادَ فَمِنْ مَالِهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُكَمِّلْ شُرُوطَ الْحَجِّ الْمَرْأَةُ (فَلَهُ) أَيْ: لِلزَّوْجِ (مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهِ وَ) مِنْ (الْإِحْرَامِ بِهِ) لِتَفْوِيتِهَا حَقَّهُ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَ (لَا) يَمْلِكُ (تَحْلِيلَهَا) مِنْهُ (إنْ أَحْرَمَتْ بِهِ) لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ بِشُرُوعِهَا فِيهِ. (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الزَّوْجُ (مَنْعُهَا) مِنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ إذَا كَمَّلَتْ شُرُوطَهَا (وَلَا تَحْلِيلُهَا مِنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ) إذَا أَحْرَمَتْ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تُكَمِّلْ شُرُوطَهَا لِوُجُوبِهَا بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ. (وَحَيْثُ قُلْنَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، (وَإِنْ كَانَ) زَوْجُهَا (غَائِبًا كَتَبَتْ إلَيْهِ) تَسْتَأْذِنُهُ (فَإِنْ أَذِنَ) فَلَا كَلَامَ، (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ (حَجَّتْ بِمَحْرَمٍ) لِتُؤَدِّيَ مَا فُرِضَ عَلَيْهَا إذْ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهَا بِعَدَمِ إذْنِهِ. وَلَا يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ إلَّا بِمَحْرَمٍ أَذِنَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ كَمَا يَأْتِي (يَأْتِي وَلَا تَخْرُجُ إلَى الْحَجِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ) لِوُجُوبِ إتْمَامِ الْعِدَّةِ فِي الْمَسْكَنِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، وَلَا يَفُوتُ الْحَجُّ بِالتَّأْخِيرِ (دُونَ الْمَبْتُوتَةِ) أَيْ الْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ بَائِنًا فَلَا تُمْنَعُ مِنْ الْحَجِّ، (وَيَأْتِي فِي الْعَدَدِ) مُوَضَّحًا، وَالرَّجْعِيَّةُ حُكْمُهَا كَالزَّوْجَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ فَحَلَفَ) زَوْجُهَا (بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا لَا تَحُجُّ الْعَامَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُبَاحٌ فَلَيْسَ لَهَا تَرْكُ الْفَرِيضَةِ لِأَجْلِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى كَمَا لَوْ مَنَعَهَا عَدُوٌّ مِنْ الْحَجِّ إلَّا أَنْ تَدْفَعَ لَهُ مَالَهَا، وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ. فَقَالَ: قَالَ عَطَاءٌ " الطَّلَاقُ هَلَاكٌ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ. (وَلَيْسَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ وَلَدِهِمَا مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ وَالنَّذْرِ وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ طَاعَتُهُمَا فِيهِ) أَيٍّ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ التَّحْلِيلِ، وَكَذَا كُلُّ مَا وَجَبَ كَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمَعِ وَالسَّفَرِ لِلْعِلْمِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْأَبَوَيْنِ فِيهَا كَالصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ: وَظَاهِرُ هَذَا التَّعْلِيلِ: أَنَّ التَّطَوُّعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ الْوَالِدَيْنِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْجِهَادِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَالْمَعْرُوفُ اخْتِصَاصُ الْجِهَادِ بِهَذَا

стр. 890

الْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ لِمُسْتَحَبٍّ إلَّا بِإِذْنِهِمَا كَسَفَرِ الْجِهَادِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ فِي الْحَضَرِ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُهُمَا وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَعْتَبِرُهُ. وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَلَهُمَا) أَيْ: الْأَبَوَيْنِ (مَنْعُهُ مِنْ) الْحَجِّ (التَّطَوُّعِ وَمِنْ كُلِّ سَفَرٍ مُسْتَحَبٍّ كَالْجِهَادِ) أَيْ: كَمَا أَنَّ لَهُمَا مَنْعَهُ مِنْ الْجِهَادِ مَعَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛؛ لِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ وَعَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، (وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُمَا تَحْلِيلُهُ) مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ لِوُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ (فِيهِ وَيَلْزَمُهُ طَاعَتِهِمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَوْ كَانَا فَاسِقَيْنِ) لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِبِرِّهِمَا وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا وَمِنْ ذَلِكَ طَاعَتُهُمَا. (وَتَحْرُمُ طَاعَتُهُمَا فِيهَا) أَيْ: الْمَعْصِيَةِ لِحَدِيثِ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» وَلَوْ أَمَرَهُ وَالِدُهُ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِيُصَلِّيَ بِهِ إمَامًا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ (أَخَّرَهَا) وُجُوبًا لِوُجُوبِ طَاعَتِهِ وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْوَالِدِ (مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ) وَنَحْوِهَا مِنْ التَّطَوُّعَاتِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى سَفَرٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْآدَابِ. (وَلِوَلِيِّ سَفِيهٍ مُبَذِّرٍ تَحْلِيلُهُ) مِنْ إحْرَامِهِ (إنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ وَزَادَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَةِ الْإِقَامَةِ وَلَمْ يَكْتَسِبْهَا) فِي سَفَرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَيُحَلَّلُ بِالصَّوْمِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَزِدْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَةِ الْإِقَامَةِ أَوْ زَادَتْ وَاكْتَسَبَهَا فِي سَفَرِهِ (فَلَا) يَمْنَعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ إذَنْ. (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: وَلِيُّ السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ (مَنْعُهُ مِنْ حَجِّ فَرْضٍ وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْهُ) كَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَصَوْمِهِ، (وَيَدْفَعُ نَفَقَتَهُ إلَى ثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ) فَيَقُومُ مَقَامَ الْوَلِيِّ فِي التَّصَرُّفِ لَهُ. (وَلَا يُحَلَّلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مَدِينٌ) أَيْ: لَا يُحَلِّلُ الْغَرِيمُ مَدِينَهُ إذَا أَحْرَمَ لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ بِالشُّرُوعِ، (وَيَأْتِي فِي) كِتَابِ (الْحَجِّ) وَالْعُمْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ كَالْحَجِّ. [فَصْلٌ فِي الِاسْتِطَاعَةِ] فَصْلٌ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ دُونَ إجْزَائِهَا (الِاسْتِطَاعَةُ) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَ (مَنْ) " بَدَلٌ مِنْ النَّاسِ " فَتَقْدِيرُهُ: وَلِلَّهِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَلِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ شَرْعًا وَعَقْلًا (وَهِيَ) أَيْ: الِاسْتِطَاعَةُ (أَنْ

стр. 891

يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لِذَهَابِهِ وَعَوْدِهِ أَوْ) يَمْلِكَ (مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) أَيْ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ: مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَكَذَا رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَعَائِشَةُ ﵃ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَهَا كَالْجِهَادِ (فَيُعْتَبَرُ الزَّادُ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ وَبُعْدَهَا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لَمْ يُعْتَبَرْ قَالَ فِي الْفُنُونِ: الْحَجُّ بَدَنِيٌّ مَحْضٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ الْمَالَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَحْصُلُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ، وَهُوَ الْمُصَحِّحُ لِلْمَشْرُوطِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَكِّيَّ يَلْزَمُهُ وَلَا مَالَ لَهُ (فَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ: الزَّادَ (فِي الْمَنَازِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ) مِنْ بَلَدِهِ عَمَلًا بِالْعَادَةِ (إنْ وَجَدَهُ) أَيْ: الزَّادَ (يُبَاعُ بِثَمَنٍ مِثْلِهِ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) كَمَا الْوُضُوءُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ بِالْمَنَازِلِ أَوْ وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ (لَزِمَهُ حَمْلُهُ) مَعَهُ مِنْ بَلَدِهِ (وَالزَّادُ: مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَكِسْوَةٍ) . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِمِثْلِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ اهـ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ فَقَالَ: وَوَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِالزَّادِ: أَنْ لَا يَحْصُلَ مَعَهُ ضَرَرٌ لِرَدَاءَتِهِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الزَّادِ وَالنَّفَقَةِ عِنْدَ إمْكَانِهِ لِيُؤْثِرَ مُحْتَاجًا وَرَفِيقًا وَأَنْ تَطِيبَ نَفْسُهُ بِمَا يُنْفِقُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي أَجْرِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُشَارِكَ غَيْرَهُ فِي الزَّادِ وَأَمْثَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى النِّزَاعِ أَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ رَفِيقِهِ، وَقَدْ لَا يَرْضَى بِهِ (وَاجْتِمَاعُ الرِّفَاقِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامِ أَحَدِهِمْ عَلَى الْمُنَاوَبَةِ أَلْيَقُ بِالْوَرَعِ مِنْ الْمُشَارَكَةِ) فِي الزَّادِ، (وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا الْقُدْرَةُ عَلَى وِعَاءِ الزَّادِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ (وَتُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ فَقَطْ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَهُوَ) أَيْ: بُعْدُ الْمَسَافَةِ (مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) أَيْ: مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ، وَ (لَا) تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ (فِيمَا دُونَهَا) أَيْ: دُونَ الْمَسَافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ (مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ الْمَسَافَةِ (وَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ) لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ فِيهَا

стр. 892

غَالِبًا؛ وَلِأَنَّ مَشَقَّتَهَا يَسِيرَةٌ وَلَا يُخْشَى فِيهَا عَطَبٌ عَلَى تَقْدِيرِ الِانْقِطَاعِ بِهَا بِخِلَافِ الْبَعِيدِ؛ وَلِهَذَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمَكَانَ الْبَعِيدَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] ، (إلَّا مَعَ عَجْزٍ لِكِبَرٍ وَنَحْوِهِ) كَمَرَضٍ فَتُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ حَتَّى فِيمَا دُونَ الْمَسَافَةِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا إذَنْ، (وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَبْوُ) أَيْ السَّيْرُ إلَى الْحَجِّ حَبْوًا (وَإِنْ أَمْكَنَهُ) لِمَزِيدِ مَشَقَّةٍ. (وَ) يَعْتَبِرُ (مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ آلَتِهَا) أَيْ: الرَّاحِلَةِ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ إذْ لَا بُدَّ لِلرَّاحِلَةِ مِنْ آلَةٍ فَتُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِمَا (بِكِرَاءٍ أَوْ شِرَاءٍ) حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ (صَالِحًا لِمِثْلِهِ عَادَةً لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ) فِي ذَلِكَ، (فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَكْفِيه الرَّحْلُ وَالْقَتَبُ وَلَا يَخْشَى السُّقُوطَ) بِرُكُوبِهِ كَذَلِكَ (اكْتَفَى بِذَلِكَ) أَيْ: بِالرَّحْلِ وَالْقَتَبِ عَنْ الْمَحْمِلِ، (فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِذَلِكَ أَوْ يَخْشَى السُّقُوطَ عَنْهَا) أَيْ: عَنْ الرَّاحِلَةِ إنْ اكْتَفَى بِالرَّحْلِ وَالْقَتَبِ (اُعْتُبِرَ وُجُودُ مَحْمِلٍ) صَالِحٍ لَهُ. (وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَا يُخْشَى سُقُوطُهُ عَنْهُ وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ) عَلَيْهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] حَرَجٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَرْكُوبُ جَيِّدًا (لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ) ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِهِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ اُعْتُبِرَ مَنْ يَخْدُمُهُ (قَالَهُ الْمُوَفَّقُ) ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَوْ أَمْكَنَهُ لَزِمَهُ عَمَلًا بِظَاهِرِ النَّصِّ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا دَابَّتُهُ إنْ كَانَتْ مِلْكَهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خِدْمَتِهَا وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهَا اُعْتُبِرَ مَنْ يَخْدُمُهَا؛ (لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهِ) فَاعْتُبِرَتْ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ، (فَإِنْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ) وَحَجَّ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ خَلْقًا مِنْ الصَّحَابَةِ حَجُّوا وَلَا شَيْءَ لَهُمْ وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلْوُصُولِ فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ أَجْزَأَهُ كَالْمَرِيضِ. (وَ) مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وَ (أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِغَيْرِهِ مِثْلُ مَنْ يَكْتَسِبُ بِصِنَاعَةٍ) فِي سَفَرِهِ (كَالْخَرَّازِ أَوْ مُقَارَنَةِ مَنْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ أَوْ يَكْتَرِي لِزَادِهِ) وَلَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْمَشْيِ. (وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحَجُّ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ: مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَيُكْرَهُ الْحَجُّ (لِمَنْ حِرْفَتُهُ الْمَسْأَلَةُ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ) . قُلْتُ فَإِنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَحَسُنَ

стр. 893

ذَلِكَ مِنْهُ وَلَمْ يَسْأَلْ النَّاسَ فَلَا كَرَاهَةَ، (وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَآلَتِهِمَا أَوْ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبٍ) ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَسْكَنِ وَنَحْوِهِ. (وَمَسْكَنٍ لِلسُّكْنَى) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يُقَدَّمُ بِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ فَهَهُنَا أَوْلَى (أَوْ) مَسْكَنٌ (يَحْتَاجُ إلَى أُجْرَتِهِ لِنَفَقَتِهِ أَوْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ) لِتَأَكُّدِ حَقِّهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، أَوْ أَيْ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ (بِضَاعَةٍ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ) لَوْ صَرَفَ فِيهِ شَيْئًا مِنْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ (وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ خَادِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُفْلِسَ يُقَدَّمُ بِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ. (وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا (عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ حَالًّا كَانَ) الدَّيْنُ (أَوْ مُؤَجَّلًا لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيِّ) ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى بَرَاءَتِهَا. (وَ) يَعْتَبِرُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَمَّا (لَا بُدَّ لَهُ) مِنْهُ كَمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْحَجِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، (لَكِنْ إنْ فَضَلَ مِنْهُ عَنْ حَاجَتِهِ) وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ مَا يَكْفِيهِ (بِأَنْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَاسِعًا أَوْ الْخَادِمُ نَفِيسًا فَوْقَ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ مِنْهُ) ، وَيَفْضُلُ مَا يَحُجُّ بِهِ لَزِمَهُ (ذَلِكَ) ، وَكَذَا إنْ اسْتَغْنَى بِإِحْدَى نُسْخَتَيْ كِتَابٍ بَاعَ الْأُخْرَى (وَيُقَدِّمُ النِّكَاحَ مَعَ عَدَمِ الْوُسْعِ) لِلنِّكَاحِ وَالْحَجِّ (مَنْ خَافَ الْعَنَتَ نَصًّا) وَقَوْلُهُ (وَمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ) أَيْ: وَيُقَدِّمُ النِّكَاحَ مَعَ عَدَمِ الْوُسْعِ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، بَلْ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْعَنَتَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَذِهِ الْحَاجَةِ قَوْلًا وَاحِدًا اهـ. لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَسْنُونٍ (وَيُعْتَبَرُ) فِي الِاسْتِطَاعَةِ (أَنْ يَكُونَ لَهُ إذَا رَجَعَ) مِنْ حَجِّهِ (وَمَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ) لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ كَالْمُفْلِسِ (وَلَمْ يُعْتَبَرْ مَا بَعْدَ رُجُوعِهِ عَلَيْهَا) يَعْنِي وَلَمْ يُعْتَبَرْ عَلَى رِوَايَةِ مَا يَكْفِيهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ فَيُعْتَبَرُ إذَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالرَّوْضَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ وَمِثْلَهُ أَوْلَى (مِنْ أُجُورِ عَقَارٍ أَوْ رِبْحِ بِضَاعَةٍ أَوْ) مِنْ (صِنَاعَةٍ وَنَحْوِهَا) كَثِمَارِ وَعَطَاءٍ مِنْ دِيوَانٍ، (وَلَا يَصِيرُ الْعَاجِزُ) عَنْ ذَلِكَ (مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ لَهُ مَالًا أَوْ مَرْكُوبًا وَلَوْ) كَانَ الْبَاذِلُ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ كَبَذْلِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ. (فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ) الْخَمْسَةُ " (وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ نَصًّا) لِحَدِيثِ

стр. 894

ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ» يَعْنِي الْفَرِيضَةَ وَحَدِيثُ الْفَضْلِ «مَنْ أَرَادَ الْحَجّ فَلْيَتَعَجَّلْ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَلَيْسَ التَّعْلِيقُ عَلَى الْإِرَادَةِ هُنَا لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ، بَلْ كَقَوْلِهِ: «مَنْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» «وَمَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ فَلْيَتَوَضَّأْ» وقَوْله تَعَالَى ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] وَلِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرْضُ الْعُمْرِ فَأَشْبَهَا الْإِيمَانُ، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ جُمْلَةٌ مِمَّا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ. " تَتِمَّةٌ " قَالَ ابْنُ بُخْتَانٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَغْزُو قَبْلَ الْحَجِّ قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنَّهُ بَعْدَ الْحَجِّ أَجْوَدُ، وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ يُرِيدُ الْغَزْوَ وَلَمْ يَحُجَّ فَنَزَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَثَبَّطُوهُ عَنْ الْغَزْوِ وَقَالُوا: إنَّك لَمْ تَحُجَّ تُرِيدُ أَنْ تَغْزُوَ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ: اللَّهِ يَغْزُو وَلَا عَلَيْهِ فَإِنْ أَعَانَهُ اللَّهُ حَجَّ وَلَا نَرَى بِالْغَزْوِ قَبْلَ الْحَجِّ بَأْسًا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا مَعَ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ، لَكِنَّ تَأْخِيرَهُ لِمَصْلَحَةِ الْجِهَادِ كَتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفَوْرِ لِانْتِظَارِ قَوْمٍ أَصْلَحَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ لِضَرَرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَتَأْخِيرِ الْفَوَائِتِ لِلِانْتِقَالِ عَنْ مَكَانِ الشَّيْطَانِ وَهَذَا أَجْوَدُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي تَأْخِيرِ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَّ إنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمًا، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي جَوَازَ الْغَزْوِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَالٌ لِلْحَجِّ: فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ أَعَانَهُ اللَّهُ حَجَّ مَعَ أَنَّ عِنْدَهُ تَقْدِيمَ الْحَجِّ أَوْلَى، كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ فِي الْجِهَادِ. فَإِنْ (عَجَزَ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (لِكِبَرٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) كَالسُّلِّ (أَوْ ثِقَلٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ يَرْكَبُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ أَوْ كَانَ نِضْوَ الْخِلْقَةِ وَهُوَ الْمَهْزُولُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، وَيُسَمَّى) الْعَاجِزُ عَنْ السَّعْيِ لِزَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ (الْمَعْضُوبَ) مِنْ الْعَضْبِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: وَهُوَ الْقَطْعُ كَأَنَّهُ قُطِعَ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَالتَّصَرُّفِ وَيُقَالُ: بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كَأَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى عَصَبِهِ فَانْقَطَعَتْ أَعْضَاؤُهُ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ (أَوْ أَيِسَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ مَحْرَمٍ لَزِمَهُ) أَيْ: مَنْ ذُكِرَ (إنْ وَجَدَ نَائِبًا حُرًّا أَنْ يُقِيمَ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَيْسَرَ مِنْهُ) ، إنْ كَانَ غَيْرَ بَلَدِهِ (مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ) عَلَى الْفَوْرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ؟ عَنْهُ قَالَ: حُجِّي عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 895

وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ فِيهِ كَالصَّوْمِ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ حَالَ الْعَجْزِ أَوْ قَبْلَهُ (وَلَوْ) كَانَ النَّائِبُ (امْرَأَةً عَنْ رَجُلٍ وَلَا كَرَاهَةَ) فِي نِيَابَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَكَعَكْسِهِ (وَقَدْ أَجْزَأَ) حَجُّ النَّائِبِ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْمَعْضُوبِ. (وَإِنْ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِهِ) أَيْ: النَّائِبِ (أَوْ بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ وَكَالْمُتَمَتِّعِ إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، (وَإِنْ عُوفِيَ) الْمَعْضُوبُ (قَبْلَ إحْرَامِ النَّائِبِ لَمْ يُجْزِئْهُ) أَيْ: الْمَعْضُوبَ حَجُّ النَّائِبِ عَنْهُ اتِّفَاقًا لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ (كَمَا لَوْ اسْتَنَابَ مَنْ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ) أَيْ: مَرَضِهِ وَنَحْوِهِ كَالْمَحْبُوسِ. (وَلَوْ كَانَ) الْمَعْضُوبُ (قَادِرًا عَلَى نَفَقَةِ رَاجِلٍ) دُونَ رَاكِبٍ (لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ) أَيْ اسْتِنَابَةُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ حَيْثُ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَعْضُوبُ (قَادِرًا) عَلَى نَفَقَةِ رَاكِبٍ (وَلَمْ يَجِدْ) الْمَعْضُوبُ (نَائِبًا فِي الْحَجِّ) عَنْهُ (اُبْتُنِيَ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى إمْكَانِ الْمَسِيرِ عَلَى مَا يَأْتِي) فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ شَرْطٌ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَجِدَ نَائِبًا، وَإِنْ قُلْنَا: شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا وُجِدَ النَّائِبُ بَعْدُ لَمْ تَلْزَمْهُ الِاسْتِنَابَةُ إلَّا أَنْ يَكُونُ مُسْتَطِيعًا إذْ ذَاكَ. (وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (لَزِمَهُ) السَّعْيُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَكَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ (إذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ) أَيْ مَسِيرِ أَهْلِ بَلَدِهِ إلَى الْحَجِّ عَلَى الْعَادَةِ فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسِيرَ سَيْرًا مُجَاوِزًا لِلْعَادَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ (وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا) ؛؛ لِأَنَّ فِي اللُّزُومِ بِدُونِهِ ضَرَرًا وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا، (وَلَوْ غَيَّرَ الطَّرِيقَ الْمُعْتَادَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ سُلُوكُهُ بِحَسَبِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بَرًّا كَانَ) الطَّرِيقُ (أَوَبَحْرًا الْغَالِبُ فِيهِ) أَيْ: الْبَحْرِ (السَّلَامَةُ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيهِ مَقَالٌ. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكُهُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى أَشْبَهَ الْبِرَّ، (وَإِنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا فِي الْبَحْرِ، (وَإِنْ سَلِمَ فِيهِ قَوْمٌ وَهَلَكَ قَوْمٌ وَلَا غَالِبَ) مِنْهُمَا بَلْ اسْتَوَيَا (لَمْ يَلْزَمْهُ) سُلُوكُهُ قَالَ الشَّيْخُ: أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَهِيدًا. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ) سُلُوكُهُ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ خَفَارَةٌ) بِتَثْلِيثِ الْخَاءِ: جَعْلُ الْخَفِيرِ يُقَالُ خَفَرْت الرَّجُلَ حَمَيْته وَأَجَرْته مِنْ مُطَالِبِيهِ فَأَنَا خَفِيرٌ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ، (فَإِنْ كَانَتْ) الْخَفَارَةُ (يَسِيرَةً لَزِمَهُ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ) ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَسِيرٌ فَاحْتُمِلَ

стр. 896

(وَزَادَ) أَيْ: الْمَجْدُ: (إذَا أَمِنَ) بَاذِلُ الْخَفَارَةِ (الْغَدْرَ مِنْ الْمَبْذُولِ لَهُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: (وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ) بَلْ يَتَعَيَّنُ. (قَالَ حَفِيدُهُ) أَيْ حَفِيدُ الْمَجْدِ وَهُوَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (الْخَفَارَةُ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنْ الْمُخْفَرِ وَلَا تَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا) أَيْ: عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا كَمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْ الرَّعَايَا. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ مَعَ الْخَفَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ) أَيْ: الطَّرِيقِ (الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ) بِأَنْ يَجِدَهُ فِي الْمَنَاهِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا (فَلَا يَلْزَمُهُ حَمْلُ ذَلِكَ لِكُلِّ سَفْرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ بَلْ يَتَعَذَّرُ بِخِلَافِ ذَاتِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ حَمْلُهُ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ مِنْ مَنْهَلٍ إلَى مَنْهَلٍ وَالْكَلَأَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ (فَسَعَةُ الْوَقْتِ هِيَ وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ بِأَنْ تَكْمُلَ الشَّرَائِطُ فِيهِ، وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ) بِحَيْثُ (يَتَمَكَّنْ مِنْ الْمَسِيرِ لِأَدَائِهِ) أَيْ: الْحَجِّ أَيْ: بِحَيْثُ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفُوتُهُ الرُّفْقَةُ. (وَأَمْنُ الطَّرِيقِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ (مَانِعٌ مِنْ خَوْفٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ) أَيْ: وُجُوبِ الْحَجِّ (كَقَائِدِ الْأَعْمَى وَدَلِيلِ الْبَصِيرِ الَّذِي يَجْهَلُ الطَّرِيقَ) ، فَمَنْ عَدِمَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِتَعَذُّرِ فِعْلِ الْحَجِّ مَعَهُ كَعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْأَعْمَى وَالْجَاهِلَ بِالطَّرِيقِ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) أَيْ الْقَائِدِ وَالدَّلِيلِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتِمُّ بِهِ الْوَاجِبُ، (وَلَوْ تَبَرَّعَ) الْقَائِدُ وَالدَّلِيلُ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الْأَعْمَى وَالْجَاهِلَ (لِلْمِنَّةِ وَعَنْهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ سَعَةَ الْوَقْتِ وَأَمْنَ الطَّرِيقِ وَقَائِدَ الْأَعْمَى وَدَلِيلَ الْجَاهِلِ (مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ فَسَّرَ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؛ وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْعِبَادَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ الْأَدَاءُ فِيهِ، وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ فَعَلَى هَذَا (يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ) أَيْ: الْحَجِّ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَأُمِنَتْ الطَّرِيقُ وَوُجِدَ الْقَائِدُ وَالدَّلِيلُ (كَمَا نَقُولُ فِي طَرَيَانِ الْحَيْضِ) بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْحَائِضَ تَأْثَمُ إنْ لَمْ تَعْزِمْ عَلَى الْقَضَاءِ إذَا زَالَ، (فَالْعَزْمُ فِي الْعِبَادَاتِ مَعَ الْعَجْزِ) عَنْهَا (يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ) حَالَ الْعَجْزِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (فَإِنْ مَاتَ) مَنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ (قَبْلَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ) أَيْ: سَعَةِ الْوَقْتِ وَأَمْنِ الطَّرِيقِ

стр. 897

(أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ) عَلَى الْقَوْلِ (الثَّانِي) لِمَوْتِهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (دُونَ) الْقَوْلِ (الْأَوَّلِ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ. (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ) لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ (فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ فَرَّطَ) فِي الْحَجِّ بِأَنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ (أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) كَالتَّأْخِيرِ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ لِحَبْسٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ نَحْوِهِ (أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةً وَعُمْرَةً وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّيِّ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ أَكُنْت قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ فَوَجَبَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ إيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ. (وَيَكُونُ) الِاحْتِجَاجُ عَنْهُ (مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ) لَا مِنْ حَيْثُ مَوْتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ، (وَيَجُوزُ) أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ (مِنْ أَقْرَبِ وَطَنَيْهِ) لِتَخَيُّرِ الْمَنُوبِ عَنْهُ لَوْ كَانَ حَيًّا. (وَ) يَجُوزُ (مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) ؛؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَ (لَا) يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ مِمَّا (فَوْقَهَا) أَيْ: فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُجْزِئُهُ) حَجُّ مَنْ اُسْتُنِيبَ عَنْهُ مِمَّا فَوْقَ الْمَسَافَةِ لِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ. (وَيَسْقُطُ) الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ (بِحَجِّ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ وَلَوْ بِلَا إذْنِ) وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ بِخِلَافِ مَنْ حَجَّ عَنْ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ كَدَفْعِ زَكَاةٍ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَإِنْ مَاتَ هُوَ) أَيْ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَاسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ (أَوْ) مَاتَ (نَائِبُهُ فِي الطَّرِيقِ حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ) هُوَ أَوْ نَائِبُهُ (فِيمَا بَقِيَ مَسَافَةً وَقَوْلًا وَفِعْلًا) لِفِعْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بَعْضَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ السَّعْيُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ وَطَنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنُوبَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ ثُمَّ يَعُودَ إلَى الْحَجِّ. (وَإِنْ صُدَّ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَوْ نَائِبُهُ، (فُعِلَ) عَنْهُ (مَا بَقِيَ) مَسَافَةً وَقَوْلًا وَفِعْلًا لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ وَصَّى بِحَجِّ نَفْلٍ وَأَطْلَقَ) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَحَلَّ الِاسْتِنَابَةِ (جَازَ) أَنْ يُحَجُّ عَنْهُ (مِنْ الْمِيقَاتِ) أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِ الْمُوصِي نَصَّ عَلَيْهِ (مَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ قَرِينَةٌ) بِأَنْ يُوصِيَ أَنْ يُحَجَّ بِقَدْرٍ يَكْفِي لِلنَّفَقَةِ مِنْ بَلَدِهِ فَيَتَعَيَّنُ مِنْهَا كَالْوَاجِبِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِالْحَجِّ مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ حَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ نَصَّ عَلَيْهِ. (فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ الْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ بِأَنْ لَمْ يُخَلِّفْ مَالًا يَفِي بِهِ (أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالدَّيْنِ.

стр. 898

[فَصْلٌ مَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ] فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ. شَابَّةً كَانَتْ أَوْ عَجُوزًا مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَدُونَهَا: وُجُودُ مَحْرَمٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهَا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَلَهُ أَيْضًا " ثَلَاثًا "، وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالزِّيَارَةِ وَالتِّجَارَةِ، (وَكَذَا يُعْتَبَرُ) الْمَحْرَمُ (لِكُلِّ سَفَرٍ يُحْتَاجُ فِيهِ مَحْرَمٌ) أَيْ: لِكُلِّ مَا يُعَدُّ سَفَرًا عُرْفًا، وَ (لَا) يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ إذَا خَرَجَتْ (فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْف) عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ (وَهُوَ) أَيْ الْمَحْرَمُ (مُعْتَبَرٌ لِمَنْ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ) ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ بِخِلَافِ مَنْ دُونَهَا. (قَالَ الشَّيْخُ: وَأَمَّا الْإِمَاءُ فَيُسَافِرْنَ مَعَهَا) تَبَعًا لَهَا (وَلَا يَفْتَقِرْنَ إلَى مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ انْتَهَى وَيَتَوَجَّهُ فِي عُتَقَائِهَا مِنْ الْإِمَاءِ مِثْلُهُ عَلَى مَا قَالَ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مِنْ أَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَيَمْلِكْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِتْقِ. (قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْكُلِّ) أَيْ: الْأَحْرَارِ وَإِمَائِهِنَّ وَعُتَقَائِهِنَّ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (وَعَدَمِهِ) أَيْ الْمَحْرَمِ لِلْمَذْكُورَاتِ (كَعَدَمِ الْمَحْرَمِ لِلْحُرَّةِ) الْأَصْلِ فَلَا يُبَاحُ لَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِهِ مُطْلَقًا " تَنْبِيهٌ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخُنْثَى كَالرَّجُلِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ، (وَالْمَحْرَمُ) هُنَا (زَوْجُهَا) سُمِّيَ مَحْرَمًا مَعَ كَوْنِهَا تَحِلُّ لَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا مِنْ إبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِهَا بِسَفَرِهِ مَعَهَا (أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ) كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) كَزَوْجِ أُمِّهَا وَابْنِ زَوْجِهَا وَأَبِيهِ وَأَخِيهَا مِنْ رَضَاعٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ

стр. 899

ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِحُرْمَتِهَا، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ سَبَبٍ مُبَاحٍ نِسَاءُ النَّبِيِّ؛ ﷺ فَإِنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَسْنَا مَحَارِمُ لَهُنَّ إلَّا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ أَوْ مُصَاهَرَةٌ كَذَلِكَ، وَحُكْمُهُنَّ وَإِنْ كَانَ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِنَّ، لَكِنْ قُصِدَ بَيَانُ خُصُوصِيَّتِهِنَّ وَفَضِيلَتِهِنَّ. (وَخَرَجَ بِهِ) أَيْ: بِقَوْلِهِ: مُبَاحٌ (أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا وَبِنْتُهَا) أَيْ بِنْتُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَلَيْسَ الْوَاطِئُ لَهُنَّ مَحْرَمًا لِعَدَمِ إبَاحَةِ السَّبَبِ، (وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ لِحُرْمَتِهَا: الْمُلَاعَنَةُ فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَلَاعِنِ (عُقُوبَةً وَتَغْلِيظًا لِحُرْمَتِهَا) فَلَا يَكُونُ الْمَلَاعِنُ مَحْرَمًا لَهَا (إذَا كَانَ ذَكَرًا) . فَأُمُّ الْمَرْأَةِ وَبِنْتُهَا: لَيْسَتْ مَحْرَمًا لَهَا (بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا) فَمَنْ دُونَ بُلُوغٍ وَالْمَجْنُونُ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مَحْرَمًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ، وَالْكَافِرُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ وَكَالْمَجُوسِيِّ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا وَلَا تُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ فَلِهَذَا قَالَ: (وَلَوْ عَبْدًا) وَهُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ وَلَدِ زَوْجِهَا أَوْ أَبُوهُ وَنَحْوِهِ (وَنَفَقَتُهُ) أَيْ: الْمَحْرَمِ إذَا سَافَرَ مَعَهَا (عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا (وَلَوْ كَانَ مَحْرَمُهَا زَوْجَهَا) فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا زَادَ فَعَلَيْهَا (فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَمْلِكَ زَادًا أَوْ رَاحِلَةً لَهُمَا) أَيْ: لَهَا وَلِمَحْرَمِهَا صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِمَا. (وَلَوْ بَذَلَتْ النَّفَقَةَ) لِمَحْرَمِهَا (لَمْ يَلْزَمْهُ السَّفَرُ مَعَهَا) لِلْمَشَقَّةِ كَحَجَّةٍ عَنْ مَرِيضَةٍ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّوْجُ بِأَنْ يُسَافِرَ مَعَ زَوْجَتِهِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ أَوْ أَمْرُ تَخْيِيرٍ، وَعُلِمَ ﷺ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا (وَكَانَتْ) مَنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ السَّفَرِ مَعَهَا (كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (وَلَيْسَ الْعَبْدُ مَحْرَمًا لِسَيِّدَتِهِ) نَصًّا (مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَالِكَةً لَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا. (وَلَوْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (فَلَوْ حَجَّتْ) الْمَرْأَةُ (بِغَيْرِ مَحْرَمٍ حَرُمَ) عَلَيْهَا ذَلِكَ (وَأَجْزَأَ) هَا الْحَجُّ وِفَاقًا، كَمَنْ حَجَّ وَقَدْ تَرَكَ حَقًّا يَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ. (وَيَصِحُّ) الْحَجُّ (مِنْ مَغْصُوبٍ وَ) مِنْ (أَجِيرِ خِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا وَمِنْ تَاجِرٍ) وَقَاصِدٍ رُؤْيَةَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ أَوْ النُّزْهَةَ وَنَحْوِهِ (وَيَأْتِي وَلَا إثْمَ) عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .

стр. 900

(وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ) فِي الْعَمَلِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ قَبْلَ خُرُوجِهَا) لِلسَّفَرِ (لَمْ تَخْرُجْ) بِلَا مَحْرَمٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ السَّفَرِ بِلَا مَحْرَمٍ. (وَ) إنْ مَاتَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهَا (فَإِنْ كَانَ) مَاتَ (قَرِيبًا رَجَعَتْ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرَةِ، (وَإِنْ كَانَ) مَاتَ (بَعِيدًا مَضَتْ) فِي سَفَرِهَا لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالرُّجُوعِ شَيْئًا لِكَوْنِهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. (وَلَوْ مَعَ إمْكَانِ إقَامَتِهَا بِبَلَدٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الرُّجُوعِ (وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ زَوَالَ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ، (لَكِنْ إنْ كَانَ حَجُّهَا تَطَوُّعًا وَأَمْكَنَهَا الْإِقَامَةُ بِبَلَدٍ فَهُوَ أَوْلَى) مِنْ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. (وَإِنْ كَانَ الْمَحْرَمُ الْمَيِّتُ زَوْجُهَا فَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي الْعِدَدِ) مُفَصَّلًا. (وَمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ) عَلَيْهِ حَجَّةُ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا، (وَلَا نَذْرُهُ وَلَا نَافِلَتُهُ) أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِنَذْرٍ وَلَا نَافِلَةٍ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ. (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَافِلَةٍ إذَنْ (انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «هَذِهِ عَنْك وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» ، وَقَوْلُهُ: " أَوَّلًا حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ " أَيْ: اسْتَدِمْهُ كَقَوْلِك لِلْمُؤْمِنِ: آمِنٌ؛ وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ مُلْغَاةٌ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُ: ﷺ «اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَجَابَ الْقَاضِي عَنْهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ التَّلْبِيَةَ لِقَوْلِهِ: " هَذِهِ عَنْك " وَلَمْ يَجُزْ فَسْخُ حَجٍّ إلَى حَجٍّ، وَرَدَّ النَّائِبُ (مَا أَخَذَ) مِنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ عَنْهُ لِعَدَمِ إجْزَاءِ حَجِّهِ عَنْهُ وَوُقُوعِهِ عَنْ نَفْسِهِ. (وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِي ذَلِكَ) فَمَنْ عَلَيْهِ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ أَوْ قَضَاءٌ أَوْ نَذْرٌ لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا نَذْرِهِ وَلَا نَافِلَتِهِ. (وَمَنْ أَتَى بِوَاجِبِ أَحَدِهِمَا) بِأَنْ يَأْتِيَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتِهِ (فَلَهُ فِعْلُ نَذْرِهِ وَنَفْلِهِ) أَيْ: مَا أَتَى بِوَاجِبِهِ قَبْلَ الْآخَرِ، فَمَنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَهُ أَنْ يَحُجَّ نَذْرًا وَنَفْلًا قَبْلَ أَنْ يَعْتَمِرَ، وَمَنْ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ نَذْرًا

стр. 901

وَنَفْلًا قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ (وَحُكْمُ النَّائِبِ كَالْمَنُوبِ عَنْهُ) فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ (فَلَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ عَمَّنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَقَعَ) إحْرَامُهُ عَنْهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ قَضَاءٍ أَوْ حَجَّةُ نَذْرٍ وَأَحْرَمَ بِنَفْلٍ. (وَلَوْ اسْتَنَابَ عَنْهُ) الْمَعْضُوبُ (أَوْ) اسْتَنَابَ وَارِثٌ (عَنْ مَيِّتٍ وَاحِدٍ فِي فَرْضِهِ وَآخَرُ فِي نَذْرِهِ فِي سَنَةٍ) وَاحِدَةٍ جَازَ، وَزَعَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّأْخِيرِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، (وَيُحْرِمُ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْأُخْرَى، وَأَيُّهُمَا أَحْرَمَ أَوَّلًا فَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ) أَحْرَمَ (الْآخَرُ عَنْ نَذْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ) أَيْ: يَنْوِ الثَّانِي أَنَّهَا عَنْ النَّذْرِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِي الْحَجِّ لِانْعِقَادِهِ مُبْهَمًا ثُمَّ يُعَيِّنُ. (وَيَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ الرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ وَ) أَنْ تَنُوبَ (الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) بِلَا كَرَاهَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَأَنْ يَنُوبَ فِي الْحَجِّ مَنْ أَسْقَطَهُ عَنْ نَفْسِهِ) بِأَنْ حَجَّ (مَعَ بَقَاءِ الْعُمْرَةِ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنْ يَنُوبَ فِي الْعُمْرَةِ مَنْ أَسْقَطَهَا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَجِّ فِي ذِمَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ. (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ فِي نُسُكٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَسْقَطَهُ عَنْ نَفْسِهِ) كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ كَذَلِكَ. (وَيَصِحُّ الِاسْتِنَابَةُ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَفِي بَعْضِهِ لِقَادِرٍ) عَلَى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ كَالصَّدَقَةِ؛ وَلِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا تَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا كَالْمَعْضُوبِ. (وَمَنْ أَوْقَعَ) نُسُكًا (فَرْضًا أَوْ نَفْلًا عَنْ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ أَوْ) أَوْقَعَ نُسُكًا (لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ كَأَمْرِهِ بِحَجٍّ فَيَعْتَمِرُ، وَعَكْسُهُ) بِأَنْ يُؤْمَرَ بِالِاعْتِمَارِ فَيَحُجُّ (لَمْ يَجُزْ) عَنْ الْحَيِّ (كَزَكَاةٍ) أَيْ: كَإِخْرَاجِ زَكَاةِ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ، (وَيَرُدُّ) الْمَأْمُورُ الْمُخَالِفُ فِيمَا تَقَدَّمَ (مَا أَخَذَهُ) مِنْ الْآمِرِ؛ لِعَدَمِ فِعْلِهِ مَا أَخَذَ الْعِوَضَ لِأَجْلِهِ. (وَيَقَعُ) الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا إذْنَ لَهُ) وَلَا لِوَارِثِهِ (كَالصَّدَقَةِ) عَنْهُ؛ وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَشْبِيهِهِ ﷺ لَهُ بِالدَّيْنِ. (وَيَتَعَيَّنُ النَّائِبُ بِتَعْيِينِ وَصِيٍّ جُعِلَ إلَيْهِ التَّعْيِينُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوصِي، (فَإِنْ أَبَى) الْوَصِيُّ التَّعْيِينَ عَيَّنَ غَيْرَهُ كَوَارِثٍ أَوْ حَاكِمٍ، وَكَذَا لَوْ أَبَى مُوصًى إلَيْهِ بِحَجٍّ عَيَّنَ غَيْرَهُ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِإِبَائِهِ، (وَيَكْفِي النَّائِبُ أَنْ يَنْوِيَ النُّسُكَ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ) لَهُ، (وَلَا تُعْتَبَرُ تَسْمِيَتُهُ لَفْظًا نَصًّا وَإِنْ جَهِلَ) النَّائِبُ (اسْمَهُ أَوْ نَسِيَهُ لَبَّى عَمَّنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ) لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِذَلِكَ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ أَوْ عَاجِزَيْنِ، زَادَ بَعْضُهُمْ إنْ لَمْ يَحُجَّا وَيُقَدِّمُ أُمَّهُ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ، وَيُقَدِّمُ وَاجِبَ أَبِيهِ عَلَى فِعْلِهَا) لِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ نَصَّ عَلَيْهِمَا وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَرْفُوعًا «إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدِيهِ

стр. 902

يُقْبَلُ عَنْهُ وَعَنْهُمَا وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ، وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ: ضَعِيفَانِ. ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» ضَعِيفٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ". تَتِمَّةٌ " النَّائِبُ أَمِينٌ فِيمَا أُعْطِيَهُ لِيَحُجَّ مِنْهُ فَيَرْكَبُ وَيُنْفِقُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَضْمَنُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ وَتُحْسَبُ لَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ، وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ بِمَكَّةَ مَا لَمْ يَتَّخِذْهَا دَارًا فَإِنْ اتَّخَذَهَا دَارًا وَلَوْ سَاعَةً فَلَا نَفَقَةَ لِرُجُوعِهِ، وَلَهُ أَيْضًا نَفَقَةُ خَادِمِهِ إنْ لَمْ يَخْدُمْ نَفْسَهُ مِثْلُهُ بِمَا اسْتَدَانَهُ لِعُذْرٍ وَبِمَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ بِنِيَّةِ رُجُوعِهِ وَمَا لَزِمَهُ بِمُخَالَفَتِهِ فَمِنْهُ، وَلَوْ مَاتَ أَوْ أَحُصِرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ لَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ لِمَا أَنْفَقَ نَصًّا. وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ وَإِنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَمْ يَقَعْ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ وَكَذَا إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِتَفْرِيطِهِ، وَإِلَّا اُحْتُسِبَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ، وَإِنْ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ فَعَادَ فَلَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا تَفْرِيطَ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَافَ الْمَرَضَ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَهِّمٌ وَدَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ إنْ أَذِنَ فِيهِمَا وَإِلَّا فَعَلَى النَّائِبِ كَجِنَايَتِهِ، وَإِذَا أَمَرَهُ بِحَجٍّ فَتَمَتَّعَ أَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ ثُمَّ حَجَّ فَإِنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ جَازَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَصًّا، وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ وَيَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ فِيمَا بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَقَعُ فِعْلُهُ عَنْ الْأَمْرِ، وَيَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ، وَإِنْ أُمِرَ بِالْإِفْرَادِ فَقَرَنَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَيَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ الْعُمْرَةِ إنْ أَمَرَهُ بِهَا وَلَمْ يَفْعَلْ. وَإِنْ أَمَرَهُ بِالتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ وَقَعَ عَنْ الْأَمْرِ وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ وَإِنْ أَفْرَدَ: وَقَعَ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ أَيْضًا، وَيَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ وَإِنْ أَمَرَهُ بِالْقِرَانِ فَأَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ صَحَّ وَوَقَعَا عَنْ الْآمِرِ، وَيَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إحْرَامِ النُّسُكِ الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ بِالنُّسُكَيْنِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ رَدَّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ وَوَقَعَ الْمَفْعُولُ عَنْ الْآمِرِ لِلنَّائِبِ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِهِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ مُلَخَّصًا.

стр. 903

[فَصْلٌ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُبَادِرْ] فَصْلٌ وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُبَادِرْ. فَعَلَى كُلِّ خَيْرٍ مَانِعٌ، (وَلْيَجْتَهِدْ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) بِرَدِّهَا لِأَرْبَابِهَا، وَكَذَلِكَ الْوَدَائِعُ وَالْعَوَارِيّ وَالدُّيُونُ، وَيَسْتَحِلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ ظُلَامَةٌ، وَيَسْتَمْهِلُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، (وَيَجْتَهِدُ فِي رَفِيقٍ صَالِحٍ) يَكُونُ لَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى نَصَبِهِ وَأَدَاءِ نُسُكِهِ، يَهْدِيهِ إذَا ضَلَّ وَيُذَكِّرُهُ إذَا نَسِيَ، (وَإِنْ تَيَسَّرَ أَنْ يَكُونَ) الرَّفِيقُ (عَالِمًا فَلْيَسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: رِكَابِهِ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي بُلُوغِهِ رُشْدَهُ، (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَدْعُو بَعْدَهُمَا بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ) قَبْلَ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِخَارَةِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. (وَيَسْتَخِيرُ: هَلْ يَحُجُّ الْعَامَ أَوْ غَيْرَهُ إنْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا أَوْ لَا يَحُجُّ؟) ، وَأَمَّا الْفَرْضُ فَوَاجِبٌ فَوْرًا (وَيُصَلِّي فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا دِينِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَوَلَدِي وَدِيعَةً عِنْدَك، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْل وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ) قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ وَغَيْرُهُ. (وَقَالَ الشَّيْخُ: يَدْعُو قَبْل السَّلَامِ أَفْضَلُ) مِنْهُ بَعْدَ السَّلَامِ (وَيَخْرُجُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ وَغَيْرُهُ: أَوْ) يَوْمَ (اثْنَيْنِ، وَيُبَكِّرُ) فِي خُرُوجِهِ (وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا) مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ: " أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ "، (أَوْ دَخَلَ بَلَدًا مَا وَرَدَ) وَمِنْهُ " اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبَّ الْأَرْضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ أَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا "، وَيَقُول أَيْضًا إذَا رَكِبَ، وَنَحْوُهُ مَا وَرَدَ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَذَكَرْت مِنْهُ جُمْلَةً فِي كِتَابِي: نَصِيحَةُ النَّاسِكِ بِبَيَانِ أَحْكَامِ الْمَنَاسِكِ. [بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجّ] بَابُ الْمَوَاقِيتِ (وَهِيَ) جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ لُغَةً الْحَدُّ، وَشَرْعًا (مَوَاضِعُ وَأَزْمِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ) وَقَدْ بَدَأَ بِالْمَوَاضِعِ فَقَالَ: (وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ

стр. 904

بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ (وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِلَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ) أَوْ سَبْعَةٌ، وَتُعْرَفُ الْآنَ بِأَبْيَارِ عَلِيٍّ. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَ (أَهْلِ مِصْرَ وَ) أَهْلِ الْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. (وَهِيَ قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ) جَامِعَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ اسْمُهَا: مَهْيَعَةَ فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا فَسُمِّيَتْ الْجُحْفَةَ وَهِيَ (خَرِبَةٌ بِقُرْبِ رَابِغٍ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ النَّاسُ الْآنَ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى مَكَّةَ، وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ رَابِغٍ فَقَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ مُحَاذَاةِ الْجُحْفَةِ بِيَسِيرٍ) ، وَتَلِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فِي الْبُعْدِ (بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ وَقِيلَ: أَكْثَرُ) وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْبَحْرِ وَثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ (وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ (بَيْنَ كُلٍّ مِنْهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ) ، فَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينِ الْكَعْبَةِ مِنْ بِلَادِ الْغَوْرِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ يَمَنِيٌّ عَلَى الْقِيَاسِ وَيَمَانٍ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، يَلَمْلَمُ وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ، لُغَتَانِ، وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ. (وَ) (مِيقَاتِ أَهْلِ نَجْدٍ الْيَمَنُ وَ) أَهْلُ (نَجْدٍ الْحِجَازُ) ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: وَهُوَ مَا بَيْنَ جَرْشِ الْمَاءِ إلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكُلُّهَا مِنْ عَمَلِ الْيَمَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ خَطِيبِ الدَّهْشَةِ: وَأَوَّلُهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ وَآخِرُهُ سَوَادُ الْعِرَاقِ، (وَ) أَهْلِ (الطَّائِفِ: قَرْنٌ) وَهُوَ جَبَلٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَيُقَالُ لَهُ: قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ: ذَاتُ عِرْقٍ وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ عَلَامَاتِهَا الْمَقَابِرُ الْقَدِيمَةُ وَعِرْقٌ هُوَ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ عَلَى الْعَقِيقِ. وَفِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: ذَاتُ عِرْقٍ مَنْزِلٌ مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ وَقِيلَ: الْعِرْقُ: الْأَرْضُ السَّبِخَةُ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ، (وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ كُلُّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ،. وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: " لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَحَدَّ لَهُمْ

стр. 905

ذَاتَ عِرْقٍ " فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ خَفِيَ النَّصُّ فَوَافَقَهُ بِرَأْيِهِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلصَّوَابِ وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ وَهُوَ وَادٍ قَبْلَ ذَاتِ عِرْقٍ بِمَرْحَلَةٍ أَوْ مَرْحَلَتَيْنِ يَلِي الشَّرْقَ» تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ شِيعِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ (وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ وَهُوَ الطَّرَفُ الْأَبْعَدُ عَنْ مَكَّةَ) احْتِيَاطًا. (وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ مِنْ الطَّرَفِ الْأَقْرَبِ مِنْ مَكَّةَ جَازَ) لِإِحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ (فَهِيَ) أَيْ: الْمَوَاقِيتُ السَّابِقَةُ (لِأَهْلِهَا الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ) وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً. (فَإِنْ مَرَّ الشَّامِيُّ أَوْ الْمَدَنِيُّ أَوْ غَيْرُهُمَا) كَالْمِصْرِيِّ (عَلَى غَيْرِ مِيقَاتِ بَلَدِهِ) كَالشَّامِيِّ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ (فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِيقَاتَهُ وَمِنْ مَنْزِلِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ أَيْ: بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ) كَأَهْلِ خُلَيْصٍ وَعُسْفَانَ (فَمِيقَاتُهُ: مِنْ مَوْضِعِهِ) لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ (فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْرَبِهِمَا إلَى مَكَّةَ وَالْأَوْلَى) أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَرَفَيْ الْمِيقَاتِ (وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بِهَا) أَيْ: بِمَكَّةَ (مِنْ غَيْرِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا فِي مَكَّةَ أَوْ فِي الْحَرَمِ) كَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ. (إذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ فَمِنْ الْحِلِّ) ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلَّهَا فِي الْحَرَمِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ وَمِنْ أَيِّ الْحِلِّ أَحْرَمَ جَازَ (وَمِنْ التَّنْعِيمِ أَفْضَلُ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ. (وَهُوَ) أَيْ: التَّنْعِيمُ (أَدْنَاهُ) أَيْ: أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ وَقَالَ أَحْمَدُ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ وَفِي التَّلْخِيصِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: الْجِعْرَانَةُ " لِاعْتِمَارِهِ ﷺ مِنْهَا " (وَيَأْتِي آخِرَ صِفَةِ الْحَجِّ) عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ الْعُمْرَةِ (فَإِنْ أَحْرَمُوا) أَيْ أَهْلُ مَكَّةَ وَحَرَمِهَا (وَحَرَمِهَا مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ انْعَقَدَ) إحْرَامُهُمْ بِالْعُمْرَةِ لِأَهْلِيَّتِهِمْ لَهُ وَمُخَالِفَةُ الْمِيقَاتِ لَا تَمْنَعُ الِانْعِقَادَ كَمَنْ أَحْرَمَ بَعْدَ الْمِيقَاتِ (وَفِيهِ دَمٌ) لِمُخَالِفَةِ الْمِيقَاتِ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ. (ثُمَّ إنْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ إتْمَامِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ (وَلَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ) أَجْزَأَتْهُ عُمْرَتُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَحَلِّ الْمَشْرُوعِ لَهُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ النُّسُكِ (وَكَذَا) تُجْزِيهِ الْعُمْرَةُ (إنْ لَمْ يَخْرُجُ)

стр. 906

إلَى الْحِلِّ لِمَا سَبَقَ (قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي قَالَ الشَّيْخُ وَالزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ إذْ فَوَاتُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ لَيْسَ شَرْطًا. (فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَمِ (قَارِنًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) لِأَجْلِ إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ تَغْلِيبًا لِلْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ لِانْدِرَاجِهَا فِيهِ وَسُقُوطِ أَفْعَالِهَا (وَإِنْ أَرَادُوا) أَيْ: الَّذِينَ بِمَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ (الْحَجَّ) فَإِنَّهُمْ (يُحْرِمُونَ مِنْ مَكَّةَ مَكِّيًّا كَانَ) الْحَاجُّ (أَوْ غَيْرَهُ إذَا كَانَ فِيهَا) أَيْ: مَكَّةَ (مِنْ حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا) لِقَوْلِ جَابِرٍ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا حَلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ مِنْ الْأَبْطَحِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَنَصُّهُ) فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ. وَفِي الْإِيضَاحِ وَالْمُبْهِجِ: (مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ) وَيُسَمَّى الْحَطِيمُ. (وَيَجُوزُ) إحْرَامُهُ (مِنْ سَائِرِ الْحَرَمِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يَجُوزُ إحْرَامُهُ (مِنْ الْحِلِّ كَالْعُمْرَةِ) وَكَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ وَمَنَعَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وُجُوبَ إحْرَامِهِ مِنْ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهِ (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ السَّابِقَةِ كَعِيدَانِ فَإِنَّهَا فِي طُرُقِ الْعَرَبِ (أَوْ عَرَجَ عَنْ الْمِيقَاتِ) بِأَنْ مَشَى فِي طَرِيقٍ لَا تَمُرُّ عَلَيْهِ. (فَإِذَا حَاذَى أَقْرُبَ الْمَوَاقِيتِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى طَرِيقِهِ (أَحْرَمَ) لِقَوْلِ عُمَرَ " اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ قَدِيدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّقْدِيرِ فَإِذَا اشْتَبَهَ دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْقِبْلَةِ. (وَيُسْتَحَبُّ الِاحْتِيَاطُ مَعَ جَهْلِ الْمُحَاذَاةِ) إذْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ جَائِزٌ وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ حَرَامٌ (فَإِنْ تَسَاوَيَا) أَيْ: الْمِيقَاتَانِ (فِي الْقُرْب إلَيْهِ) أَيْ: إلَى طَرِيقِهِ (فَ) إنَّهُ يُحْرِمُ (مِنْ) حَذْوِ أَبْعَدِهِمَا عَنْ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِهِ (وَمَنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ بِقَدْرِ مَرْحَلَتَيْنِ) فَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدُ أَنَّهُ قَدْ جَاوَزَ مَا يُحَاذِي الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَمَنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ بِقَدْرِ مَرْحَلَتَيْنِ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْمُحَاذَاةِ وَمَعْنَاهُ فِي الْفُرُوعِ. [فَصْل لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ] فَصْل وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَوْ دُخُولَ (الْحَرَمِ أَوْ) أَرَادَ (نُسُكًا: تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ) لِأَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ تَجَاوَزُوهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ

стр. 907

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ» فِيهِ ضَعْفٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ وَلِعَدَمِ تَكَرُّرِ حَاجَتِهِ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْحَرَمَ وَلَا نُسُكًا لَمْ يَلْزَمْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ وَأَصْحَابَهُ أَتَوْا بَدْرًا مَرَّتَيْنِ وَكَانُوا يُسَافِرُونَ لِلْجِهَادِ فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ (إنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا) بِخِلَافِ الرَّقِيقِ وَالْكَافِرِ وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ. (فَلَوْ تَجَاوَزَهُ) أَيْ: الْمِيقَاتَ (رَقِيقٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، ثُمَّ لَزِمَهُمْ) الْإِحْرَامُ (إنْ عَتَقَ) الرَّقِيقُ (وَأَسْلَمَ) الْكَافِرُ (وَكُلِّفَ) غَيْرُ الْمُكَلَّفِ (أَحْرَمُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. (وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ) إذَا أَحْرَمُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُجَاوِزُوا مِيقَاتَهُمْ بِلَا إحْرَامٍ (إلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ) «لِدُخُولِهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْإِحْرَامُ يَوْمَئِذٍ (أَوْ خَوْفٍ) أَيْ: وَإِلَّا مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ لِخَوْفٍ إلْحَاقًا لَهُ بِالْقِتَالِ الْمُبَاحِ (أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ كَحَطَّابٍ وَفَيْجٍ) بِالْجِيمِ وَهُوَ رَسُولُ السُّلْطَانِ. (وَنَاقِلِ الْمِيرَةِ وَلِصَيْدٍ وَاحْتِشَاشٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَدْخُلُ إنْسَانٌ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا إلَّا الْحَمَّالِينَ وَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابَ مَنَافِعِهَا " احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ إلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ) إذْ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ لَأَدَّى إلَى الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَكَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ قَيِّمِهِ لِلْمَشَقَّةِ. (ثُمَّ إنْ بَدَا لَهُ) أَيْ: لِمَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِمَّنْ تَتَكَرَّرُ حَاجَتُهُ وَالْمَكِّيُّ الْمُتَرَدِّدُ إلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ (النُّسُكُ أَوْ) بَدَا (لِمَنْ لَمْ يُرِدْ الْحَرَمَ) أَوْ النُّسُكَ (أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ) لِأَنَّهُ صَارَ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلِأَنَّ مِنْ مَنْزِلِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ لَوْ خَرَجَ إلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. (وَمَنْ تَجَاوَزَ) الْمِيقَاتَ (بِلَا إحْرَامٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْإِحْرَامِ) الَّذِي فَاتَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَأْتِي حُكْمُ رُجُوعهِ إلَيْهِ (وَحَيْثُ لَزِمَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ لِدُخُولِ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَامِ (لَا لِنُسُكٍ: طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَحَلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ. (وَأُبِيحَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ دُخُولُ مَكَّةَ مُحِلِّينَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَهِيَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ رَوَاهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لَا قَطْعَ شَجَرٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَامَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ فَتْحِ

стр. 908

مَكَّةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا كَحُرْمَتِهَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ» . (وَمَنْ جَاوَزَهُ) أَيْ: الْمِيقَاتَ (يُرِيدُ النُّسُكَ) بِلَا إحْرَامٍ (أَوْ كَانَ النُّسُكُ فَرْضَهُ) بِأَنْ لَمْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرْ. (وَلَوْ) كَانَ (جَاهِلًا) بِالْمِيقَاتِ أَوْ الْحُكْمِ (أَوْ نَاسِيًا لِذَلِكَ أَوْ مُكْرَهًا لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ) إلَى الْمِيقَاتِ (فَيُحْرِمَ مِنْهُ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ فَلَزِمَهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْحَجِّ أَوْ يَخَفْ) فَوَاتَ (غَيْرِهِ) كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ (فَإِنْ رَجَعَ) إلَى الْمِيقَاتِ (فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ ابْتِدَاءً. (وَإِنْ أَحْرَمَ دُونَهُ) أَيْ: الْمِيقَاتِ (مِنْ مَوْضِعِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ» وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ (وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إلَى الْمِيقَاتِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ بِرُجُوعِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِتَرْكِهِ إحْرَامَهُ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ. (وَإِنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ هَذَا) الَّذِي تَجَاوَزَ فِيهِ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ (لَمْ يَسْقُطْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ كَدَمِ مَحْظُورٍ وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَنَقَلَ مُهَنَّا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ) الْمَكَانِيِّ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ " أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَغَضِبَ وَقَالَ يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ وَقَالَ " إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ لَهُ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ " وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ «يَسْتَمْتِعُ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي إحْرَامِهِ» . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيَّتهمَا قَالَ رَوَاهُ

стр. 909

أَبُو دَاوُد فَقَالَ الْقَاضِي مَعْنَى أَهَلَّ أَيْ: قَصَدَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَيَكُونُ إحْرَامُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ. (وَ) يُكْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ (بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ السُّنَّةِ: «أَنْ لَا يُحْرَمَ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ أَوْ الزَّمَانِيِّ (فَهُوَ مُحْرِمٌ) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الصِّحَّةَ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ فِعْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّهُ لَا يَصِحُّ وَيَدُلُّ لِصِحَّةِ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ: قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فَكَذَا لِلْحَجِّ وقَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ: مُعْظَمُهُ فِي أَشْهُرٍ كَقَوْلِهِ ﷺ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» أَوْ أَرَادَ حَجَّ التَّمَتُّعِ وَإِنْ أَضْمَرَ الْإِحْرَامَ أَضْمَرْنَا الْفَضِيلَةَ وَالْخَصْمُ يُضْمِرُ الْجَوَازَ وَالْمُضْمَرُ لَا يَعُمُّ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. (وَلَا يَنْعَقِدُ) أَيْ: يَنْقَلِبُ (إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ) قَبْلَ مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ وَالزَّمَانِيِّ (عُمْرَةً) خِلَافًا لِمَا اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ حَامِدٍ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَسِنْدِيٌّ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إلَّا أَنْ يَفْسَخَهُ بِعُمْرَةٍ فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا يَأْتِي. (وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ) الزَّمَانِيِّ (جَمِيعُ الْعَامِ) لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ لَهَا بِوَقْتٍ دُونَ آخَرَ (وَلَا يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَ) لَا يَوْمَ (عَرَفَةَ وَ) لَا (أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) كَالطَّوَافِ الْمُجَرَّدِ؛ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ (وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ (فَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ لِأَنَّ الْعَشْرَ بِإِطْلَاقِهِ لِلْأَيَّامِ كَالْعِدَّةِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُمَا الْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لِسَبْقِ اللَّيَالِي فَتَقُولُ: سِرْنَا عَشْرًا وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَقَطْ وَالْجَمْعُ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَعَلَى اثْنَيْنِ، وَبَعْضٍ آخَرَ كَعِدَّةِ ذَاتِ الْقُرُوءِ.

стр. 910

[بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا] ". (هُوَ) أَيْ: الْإِحْرَامُ لُغَةً: نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي التَّحْرِيمِ يُقَالُ: أَشْتَى إذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ وَأَرْبَعَ إذَا دَخَلَ فِي الرَّبِيعِ وَشَرْعًا (نِيَّةُ النُّسُكِ) أَيْ: الدُّخُولُ فِيهِ لَا نِيَّته لِيَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ (سُمِّيَ) الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ (إحْرَامًا لِأَنَّ الْمُحْرِمَ بِإِحْرَامِهِ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَشْيَاءَ كَانَتْ مُبَاحَةً لَهُ) مِنْ النِّكَاحِ وَالطِّيبِ وَأَشْيَاءَ مِنْ اللِّبَاسِ وَنَحْوِهَا وَمِنْهُ فِي الصَّلَاةِ " تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ". (وَيُسَنُّ لِمُرِيدِهِ) أَيْ: الْإِحْرَامِ (أَنْ يَغْتَسِلَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ حَائِضًا وَنُفَسَاءَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ «وَأَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِإِهْلَالِ الْحَجِّ وَهِيَ حَائِضٌ» (فَإِنْ رَجَتَا) أَيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ (الطُّهْرَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِيقَاتِ اُسْتُحِبَّ) لَهُمَا (تَأْخِيرُ) الْغُسْلِ (حَتَّى تَطْهُرَا) لِيَكُونَ أَكْمَلَ لَهُمَا. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَرْجُو الطُّهْرَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِيقَاتِ (اغْتَسَلَتَا) قَبْلَ الطُّهْرِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّ مُجَاوَزَةَ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ غَيْرُ جَائِزَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَيَتَيَمَّمُ عَادِمُ الْمَاءِ) لِإِحْرَامِهِ وَكَذَا الْعَاجِزُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ كَسَائِرِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْغُسْلِ. (وَلَا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَعْدَ غُسْلِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ) كَحَدَثِهِ بَعْدَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَ صَلَاتِهَا. (وَ) يُسَنُّ لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ (أَنْ يَتَنَظَّفَ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ حَلْقِ الْعَانَةِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ) لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ ثُمَّ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ سُنَّ فِيهِ ذَلِكَ كَالْجُمُعَةِ وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ. (وَ) يُسَنُّ لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ (أَنْ يَتَطَيَّبَ وَلَوْ امْرَأَةً فِي بَدَنِهِ سَوَاءٌ كَانَ) الطِّيبُ (مِمَّا تَبْقَى عَيْنُهُ كَالْمِسْكِ أَوْ أَثَرُهُ كَالْعُودِ وَالْبَخُورِ وَمَاءِ الْوَرْدِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كُنْتُ أُطَيِّبَ الرَّسُولَ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَتْ «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيُسْتَحَبُّ لَهَا) أَيْ: لِلْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ الْإِحْرَامَ (خِضَابٌ بِحِنَّاءٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُدَلِّكَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي حِنَّاءٍ» وَلِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ أَشْبَهَ الطِّيبَ. (وَيُكْرَهُ تَطْيِيبُهُ)

стр. 911

أَيْ: مُرِيدِ الْإِحْرَامِ (ثَوْبَهُ) وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ (فَ) عَلَى الْأَوَّلِ (إنْ طَيَّبَهُ) أَيْ: طَيَّبَ مُرِيدُ الْإِحْرَامِ ثَوْبَهُ (فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ) أَيْ: اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ (مَا لَمْ يَنْزِعْهُ فَإِنْ نَزَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ وَالطِّيبُ فِيهِ) لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الطِّيبَ وَلُبْسَ الْمُطَيَّبِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: لَبِسَهُ بَعْدَ نَزْعِهِ. (وَأَثَرُ الطِّيبِ بَاقٍ) لَمْ يَغْسِلْهُ حَتَّى يُذْهِبَ فَدًى لِاسْتِعْمَالِهِ الطِّيبَ (وَإِنْ نَقَلَهُ) أَيْ: الطِّيبَ (مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ إلَى مَوْضِعٍ) آخَرَ (أَوْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ فَعَلِقَ) الطِّيبُ (بِهَا أَوْ نَحَّاهُ) أَيْ: الطِّيبَ (عَنْ مَوْضِعِهِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ) بَعْدَ إحْرَامِهِ (فَدَى) لِأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ لِلطِّيبِ (فَإِنْ ذَابَ) الطِّيبُ (بِالشَّمْسِ أَوْ بِالْعَرَقِ فَسَالَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ) مِنْ بَدَنِ الْمُحْرِمِ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَاهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيُسَنُّ) لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ (أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ) لِحَدِيثِ «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (نَظِيفَيْنِ) لِأَنَّا أَحْبَبْنَا لَهُ التَّنْظِيفَ فِي بَدَنِهِ فَكَذَلِكَ فِي ثِيَابِهِ (إزَارًا وَرِدَاءً جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ فَالرِّدَاءُ عَلَى كَتِفِهِ وَالْإِزَارُ عَلَى وَسْطِهِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لِيُحْرِمَ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ ذَلِكَ. وَفِي تَبْصِرَةِ الْحَلْوَانِيِّ إخْرَاجُ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ الرِّدَاءِ أَوْلَى (وَيَجُوزُ) إحْرَامُهُ (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) وَفِي التَّبْصِرَةِ: بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ. (وَيَتَجَرَّدُ) مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (عَنْ الْمَخِيطِ) لِأَنَّهُ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى اللُّبْسِ لَكِنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ (وَيَلْبَسُ نَعْلَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ وَهُمَا التَّاسُومَةُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ السَّرْمُوزَةِ وَالْجُمْجُمِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (إنْ كَانَ) الْمُحْرِمُ (رَجُلًا وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ فِي الْإِحْرَامِ) إلَّا الْقُفَّازَيْنِ وَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ (وَالْمَخِيطُ: كُلُّ مَا يُخَاطُ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْبُرْنُسِ) وَالْقَبَاءِ وَكَذَا الدِّرْعُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ لِبَدٍ وَنَحْوِهِ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَاطَةٌ (وَلَوْ لَبِسَ إزَارًا مُوصَلًا أَوْ اتَّشَحَ بِثَوْبٍ مَخِيطٍ أَوْ ائْتَزَرَ بِهِ جَازَ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لُبْسًا لِلْمَخِيطِ الْمَصْنُوعِ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ لِمِثْلِهِ. (ثُمَّ يُحْرِمُ عَقِبَ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ أَوْ) صَلَاةِ (نَفْلٍ) رَكْعَتَيْنِ (نَدْبًا) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ «أَهَلَّ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَهُوَ) أَيْ:

стр. 912

إحْرَامُهُ عَقِبَ الصَّلَاةِ (أَوْلَى) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ خَرَجَ حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ عَقِبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا سَوَاءً. (وَإِنْ شَاءَ) أَحْرَمَ (إذَا رَكِبَ وَإِنْ شَاءَ) أَحْرَمَ (إذَا سَارَ) قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ لِوُرُودِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْهُ ﷺ لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمًا أَهَلَّ فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ فَقَالُوا أَحْرَمَ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا إلَّا ذَلِكَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى عَلَا عَلَى الْبَيْدَاءِ فَأَهَلَّ فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أُنَاسٌ فَقَالُوا أَهَلَّ حِينَ عَلَا الْبَيْدَاءَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ. (وَلَا يَرْكَعُهُ) أَيْ: النَّفَلَ (وَقْت نَهْي) لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْي (وَلَا مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) أَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِمَا لِقُرُوحٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ. (وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ إلَّا بِالنِّيَّةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ وَعِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَافْتُقِرَ إلَيْهَا كَصَلَاةٍ (فَهِيَ) أَيْ: النِّيَّةُ (شَرْطٌ فِيهِ) أَيْ: الْإِحْرَامِ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لَكِنْ سَبَقَ لَك أَنَّ الْإِحْرَامَ: هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ فَكَيْفَ يُقَالُ: لَا تَنْعَقِدُ النِّيَّةُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّسَلْسُلِ؟ وَأَمَّا التَّجَرُّدِ فَلَيْسَ رُكْنًا وَلَا شَرْطًا فِي النُّسُكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ التَّجَرُّدُ هَيْئَةً تُجَامِعُ نِيَّةَ النُّسُكِ رُبَّمَا أُطْلِقَ عَلَيْهَا فَاحْتِيجَ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْهَيْئَةَ لَيْسَتْ كَافِيَةً بِنَفْسِهَا بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ النِّيَّةِ وَإِنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى غَيْرِهَا مِنْ تَلْبِيَةٍ أَوْ سَوْقِ هَدْيٍ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ. (وَيُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِمَا أَحْرَمَ) بِهِ (فَيَقْصِدُ بِنِيَّتِهِ نُسُكًا مُعَيَّنًا) لِفِعْلِهِ ﷺ وَفِعْلِ مَنْ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلِأَنَّ أَحْكَامَ ذَلِكَ تَخْتَلِفُ فَاسْتُحِبَّ تَعْيِينُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ (وَنِيَّةُ النُّسُكِ كَافِيَةٌ فَلَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إلَى تَلْبِيَةٍ وَلَا سَوْقِ هَدْيٍ) لِعُمُومِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ". (وَإِنْ لَبَّى أَوْ سَاقَ هَدْيًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ) لِلْخَبَرِ (وَلَوْ نَطَقَ بِغَيْرِ مَا نَوَاهُ نَحْوَ أَنْ يَنْوِيَ الْعُمْرَةَ فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ إلَى الْحَجِّ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ إلَى الْعُمْرَةِ (انْعَقَدَ) إحْرَامُهُ (بِمَا نَوَاهُ دُونَ مَا لَفَظَهُ) لِأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي

стр. 913

الْوُضُوءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعٌ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ. (وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (حَالَ جِمَاعِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِهِ (وَيَبْطُلُ) أَيْ: يَفْسُدُ (إحْرَامُهُ بِهِ) أَيْ: بِالْجِمَاعِ فَيَمْضِي فِي فَاسِدِهِ وَيَقْضِيهِ كَمَا يَأْتِي. (وَيَخْرُجُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْإِحْرَامِ (بِرَدَّةٍ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وَ (لَا) يَخْرُجُ مِنْهُ (بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ وَسُكْرٍ وَمَوْتٍ) لِخَبَرِ الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتهُ (وَلَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مَعَ وُجُودِ أَحَدِهَا) أَيْ: الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ أَوْ السُّكْرِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلنِّيَّةِ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) مُوَضَّحًا. (فَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ نَوَى بِقَلْبِهِ قَائِلًا بِلِسَانِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ هَذَا فِي الصَّلَاةِ لِقِصَرِ مُدَّتِهَا وَيُسْرِهَا عَادَةً. (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي أَوْ فَلِي أَنْ أُحِلَّ وَهَذَا الِاشْتِرَاطُ سُنَّةٌ) فِي قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ (وَيُفِيدُ) هَذَا الِاشْتِرَاطُ (إذَا عَاقَهُ عَدُوٌّ أَوْ مَرَضٌ أَوْ ذَهَابُ نَفَقَةٍ أَوْ خَطَأُ طَرِيقٍ وَنَحْوِهِ: أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَتْ لَهُ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَجِدُنِي وَجِعَةً فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ إسْنَادُهَا جَيِّدٌ «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ لِعُرْوَةِ " قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ ". (وَ) يُفِيدُ هَذَا الِاشْتِرَاطُ أَيْضًا (أَنَّهُ مَتَى حَلَّ بِذَلِكَ) أَيْ: سَبَبِ عُذْرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ فَيَلْزَمُهُ نَحْرُهُ (وَيَأْتِي آخِرَ بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ فَإِنْ اشْتَرَطَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الِاشْتِرَاطِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ إنْ تَيَسَّرَ لِي وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ جَازَ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ. (وَإِنْ قَالَ) فِي إحْرَامِهِ (مَتَى شِئْتُ أَحْلَلْتُهُ أَوْ) إنْ (أَفْسَدْتُ لَمْ أَقْضِهِ لَمْ يَصِحَّ) اشْتِرَاطُهُ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ نَوَى الِاشْتِرَاطَ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ لَمْ يُفِدْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِضُبَاعَةَ) بِضَمِّ الضَّادِ بِنْتِ الزُّبَيْرِ (قُولِي: مَحِلِّي) أَيْ: مَكَان إحْلَالِي (مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتنِي) وَالْقَوْلُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّسَانِ.

стр. 914

[فَصْل مُرِيدُ الْإِحْرَامِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ] فَصْل وَهُوَ أَيْ: مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ إجْمَاعًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ قَالَتْ: وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا التَّمَتُّعُ وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَرِهَ التَّمَتُّعَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمُعَاوِيَةُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَبَعْضُهُمْ الْقِرَانَ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهُ (وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ) فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَجَمْعٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا " وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ لِسَوْقِهِ الْهَدْيَ وَتَأَسَّفَ وَلَا يَنْقُلهُمْ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يَتَأَسَّفُ إلَّا عَلَيْهِ لَا يُقَالُ: أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ لَيْسَ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ وَإِنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَتَأَسَّفْ لِاعْتِقَادِهِ جَوَازَهَا فِيهِ وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ؛ وَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلِإِتْيَانِهِ بِأَفْعَالِهِمَا كَامِلَةً عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ وَهُوَ الدَّمُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ يَكُونُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً وَعُمْرَةً وَدَمًا (ثُمَّ الْإِفْرَاد) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ» . وَقَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَجَابِرٌ " هُوَ أَفْضَلُ الْأَنْسَاكِ " لِمَا ذَكَرْنَا وَلِإِتْيَانِهِ بِالْحَجِّ تَامًّا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى آخَرَ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ الْخَبَرِ: أَنَّهُ أَفْرَدَ عَمَلَ الْحَجِّ عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فِيمَا بَعْدُ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ جَابِرٍ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ فَقَطْ وَأَجَابَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ

стр. 915

أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَأَسَّفَ عَلَى التَّمَتُّعِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى (ثُمَّ الْقِرَانُ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ «حَجَّ قَارِنًا» وَالْجَوَابُ عَنْهُ. (وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ) أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَجَزَمَ آخَرُونَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِهِ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) نَصَّ عَلَيْهِ وَرُوِيَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا (وَيَفْرُغُ مِنْهَا) أَيْ: يَتَحَلَّلُ قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ لَكَانَ قَارِنًا وَاجْتِمَاعُ النُّسُكَيْنِ أَيْ: التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ مُمْتَنِعٌ، لِتَبَايُنِهِمَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنُّسُكَيْنِ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْقِرَانِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْمُبْدِعِ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ. (ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا) نَقَلَهُ حَرْبٌ وَأَبُو دَاوُد لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَيُشْتَرَطُ كَمَا يَأْتِي: أَنْ يَحُجَّ فِي عَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَمَتِّعًا إذَا لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِحْرَامِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا: تَبِعَ فِيهِ الْمُقْنِعَ وَالْفَائِقَ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: عَدَمُ التَّقْيِيدِ وَنَسَبهُ فِي الْفُرُوعِ إلَى الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَطَعَ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ فِي الْمُنْتَهَى. (وَ) صِفَةُ (الْإِفْرَادِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَجِّ (اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَيْهِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهِ قَبْلُ. (وَ) صِفَةُ (الْقِرَانِ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا) لِفِعْلِهِ ﷺ (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ «أَهْلَلْنَا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلْنَا عَلَيْهَا الْحَجَّ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ وَقَالَ " هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَ عَائِشَةَ بِذَلِكَ " فَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَصِحَّ إدْخَالُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي التَّحْلِيلِ مِنْ الْعُمْرَةِ كَمَا لَوْ سَعَى (إلَّا لِمَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَيَصِحُّ) الْإِدْخَالُ (وَلَوْ بَعْدَ السَّعْيِ) بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ
следующие страницы →