← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أَيْ: مُرِيدِ الْإِحْرَامِ (ثَوْبَهُ) وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ (فَ) عَلَى الْأَوَّلِ (إنْ طَيَّبَهُ) أَيْ: طَيَّبَ مُرِيدُ الْإِحْرَامِ ثَوْبَهُ (فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ) أَيْ: اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ (مَا لَمْ يَنْزِعْهُ فَإِنْ نَزَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ وَالطِّيبُ فِيهِ) لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الطِّيبَ وَلُبْسَ الْمُطَيَّبِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: لَبِسَهُ بَعْدَ نَزْعِهِ. (وَأَثَرُ الطِّيبِ بَاقٍ) لَمْ يَغْسِلْهُ حَتَّى يُذْهِبَ فَدًى لِاسْتِعْمَالِهِ الطِّيبَ (وَإِنْ نَقَلَهُ) أَيْ: الطِّيبَ (مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ إلَى مَوْضِعٍ) آخَرَ (أَوْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ فَعَلِقَ) الطِّيبُ (بِهَا أَوْ نَحَّاهُ) أَيْ: الطِّيبَ (عَنْ مَوْضِعِهِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ) بَعْدَ إحْرَامِهِ (فَدَى) لِأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ لِلطِّيبِ (فَإِنْ ذَابَ) الطِّيبُ (بِالشَّمْسِ أَوْ بِالْعَرَقِ فَسَالَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ) مِنْ بَدَنِ الْمُحْرِمِ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَاهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيُسَنُّ) لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ (أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ) لِحَدِيثِ «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (نَظِيفَيْنِ) لِأَنَّا أَحْبَبْنَا لَهُ التَّنْظِيفَ فِي بَدَنِهِ فَكَذَلِكَ فِي ثِيَابِهِ (إزَارًا وَرِدَاءً جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ فَالرِّدَاءُ عَلَى كَتِفِهِ وَالْإِزَارُ عَلَى وَسْطِهِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لِيُحْرِمَ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ ذَلِكَ. وَفِي تَبْصِرَةِ الْحَلْوَانِيِّ إخْرَاجُ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ الرِّدَاءِ أَوْلَى (وَيَجُوزُ) إحْرَامُهُ (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) وَفِي التَّبْصِرَةِ: بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ. (وَيَتَجَرَّدُ) مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (عَنْ الْمَخِيطِ) لِأَنَّهُ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى اللُّبْسِ لَكِنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ (وَيَلْبَسُ نَعْلَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ وَهُمَا التَّاسُومَةُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ السَّرْمُوزَةِ وَالْجُمْجُمِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (إنْ كَانَ) الْمُحْرِمُ (رَجُلًا وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ فِي الْإِحْرَامِ) إلَّا الْقُفَّازَيْنِ وَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ (وَالْمَخِيطُ: كُلُّ مَا يُخَاطُ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْبُرْنُسِ) وَالْقَبَاءِ وَكَذَا الدِّرْعُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ لِبَدٍ وَنَحْوِهِ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَاطَةٌ (وَلَوْ لَبِسَ إزَارًا مُوصَلًا أَوْ اتَّشَحَ بِثَوْبٍ مَخِيطٍ أَوْ ائْتَزَرَ بِهِ جَازَ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لُبْسًا لِلْمَخِيطِ الْمَصْنُوعِ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ لِمِثْلِهِ. (ثُمَّ يُحْرِمُ عَقِبَ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ أَوْ) صَلَاةِ (نَفْلٍ) رَكْعَتَيْنِ (نَدْبًا) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ «أَهَلَّ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَهُوَ) أَيْ:

стр. 912

إحْرَامُهُ عَقِبَ الصَّلَاةِ (أَوْلَى) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ خَرَجَ حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ عَقِبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا سَوَاءً. (وَإِنْ شَاءَ) أَحْرَمَ (إذَا رَكِبَ وَإِنْ شَاءَ) أَحْرَمَ (إذَا سَارَ) قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ لِوُرُودِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْهُ ﷺ لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمًا أَهَلَّ فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ فَقَالُوا أَحْرَمَ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا إلَّا ذَلِكَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى عَلَا عَلَى الْبَيْدَاءِ فَأَهَلَّ فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أُنَاسٌ فَقَالُوا أَهَلَّ حِينَ عَلَا الْبَيْدَاءَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ. (وَلَا يَرْكَعُهُ) أَيْ: النَّفَلَ (وَقْت نَهْي) لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْي (وَلَا مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) أَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِمَا لِقُرُوحٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ. (وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ إلَّا بِالنِّيَّةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ وَعِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَافْتُقِرَ إلَيْهَا كَصَلَاةٍ (فَهِيَ) أَيْ: النِّيَّةُ (شَرْطٌ فِيهِ) أَيْ: الْإِحْرَامِ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لَكِنْ سَبَقَ لَك أَنَّ الْإِحْرَامَ: هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ فَكَيْفَ يُقَالُ: لَا تَنْعَقِدُ النِّيَّةُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّسَلْسُلِ؟ وَأَمَّا التَّجَرُّدِ فَلَيْسَ رُكْنًا وَلَا شَرْطًا فِي النُّسُكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ التَّجَرُّدُ هَيْئَةً تُجَامِعُ نِيَّةَ النُّسُكِ رُبَّمَا أُطْلِقَ عَلَيْهَا فَاحْتِيجَ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْهَيْئَةَ لَيْسَتْ كَافِيَةً بِنَفْسِهَا بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ النِّيَّةِ وَإِنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى غَيْرِهَا مِنْ تَلْبِيَةٍ أَوْ سَوْقِ هَدْيٍ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ. (وَيُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِمَا أَحْرَمَ) بِهِ (فَيَقْصِدُ بِنِيَّتِهِ نُسُكًا مُعَيَّنًا) لِفِعْلِهِ ﷺ وَفِعْلِ مَنْ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلِأَنَّ أَحْكَامَ ذَلِكَ تَخْتَلِفُ فَاسْتُحِبَّ تَعْيِينُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ (وَنِيَّةُ النُّسُكِ كَافِيَةٌ فَلَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إلَى تَلْبِيَةٍ وَلَا سَوْقِ هَدْيٍ) لِعُمُومِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ". (وَإِنْ لَبَّى أَوْ سَاقَ هَدْيًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ) لِلْخَبَرِ (وَلَوْ نَطَقَ بِغَيْرِ مَا نَوَاهُ نَحْوَ أَنْ يَنْوِيَ الْعُمْرَةَ فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ إلَى الْحَجِّ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ إلَى الْعُمْرَةِ (انْعَقَدَ) إحْرَامُهُ (بِمَا نَوَاهُ دُونَ مَا لَفَظَهُ) لِأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي

стр. 913

الْوُضُوءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعٌ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ. (وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (حَالَ جِمَاعِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِهِ (وَيَبْطُلُ) أَيْ: يَفْسُدُ (إحْرَامُهُ بِهِ) أَيْ: بِالْجِمَاعِ فَيَمْضِي فِي فَاسِدِهِ وَيَقْضِيهِ كَمَا يَأْتِي. (وَيَخْرُجُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْإِحْرَامِ (بِرَدَّةٍ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وَ (لَا) يَخْرُجُ مِنْهُ (بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ وَسُكْرٍ وَمَوْتٍ) لِخَبَرِ الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتهُ (وَلَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مَعَ وُجُودِ أَحَدِهَا) أَيْ: الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ أَوْ السُّكْرِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلنِّيَّةِ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) مُوَضَّحًا. (فَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ نَوَى بِقَلْبِهِ قَائِلًا بِلِسَانِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ هَذَا فِي الصَّلَاةِ لِقِصَرِ مُدَّتِهَا وَيُسْرِهَا عَادَةً. (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي أَوْ فَلِي أَنْ أُحِلَّ وَهَذَا الِاشْتِرَاطُ سُنَّةٌ) فِي قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ (وَيُفِيدُ) هَذَا الِاشْتِرَاطُ (إذَا عَاقَهُ عَدُوٌّ أَوْ مَرَضٌ أَوْ ذَهَابُ نَفَقَةٍ أَوْ خَطَأُ طَرِيقٍ وَنَحْوِهِ: أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَتْ لَهُ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَجِدُنِي وَجِعَةً فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ إسْنَادُهَا جَيِّدٌ «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ لِعُرْوَةِ " قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ ". (وَ) يُفِيدُ هَذَا الِاشْتِرَاطُ أَيْضًا (أَنَّهُ مَتَى حَلَّ بِذَلِكَ) أَيْ: سَبَبِ عُذْرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ فَيَلْزَمُهُ نَحْرُهُ (وَيَأْتِي آخِرَ بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ فَإِنْ اشْتَرَطَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الِاشْتِرَاطِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ إنْ تَيَسَّرَ لِي وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ جَازَ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ. (وَإِنْ قَالَ) فِي إحْرَامِهِ (مَتَى شِئْتُ أَحْلَلْتُهُ أَوْ) إنْ (أَفْسَدْتُ لَمْ أَقْضِهِ لَمْ يَصِحَّ) اشْتِرَاطُهُ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ نَوَى الِاشْتِرَاطَ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ لَمْ يُفِدْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِضُبَاعَةَ) بِضَمِّ الضَّادِ بِنْتِ الزُّبَيْرِ (قُولِي: مَحِلِّي) أَيْ: مَكَان إحْلَالِي (مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتنِي) وَالْقَوْلُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّسَانِ.

стр. 914

[فَصْل مُرِيدُ الْإِحْرَامِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ] فَصْل وَهُوَ أَيْ: مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ إجْمَاعًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ قَالَتْ: وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا التَّمَتُّعُ وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَرِهَ التَّمَتُّعَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمُعَاوِيَةُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَبَعْضُهُمْ الْقِرَانَ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهُ (وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ) فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَجَمْعٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا " وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ لِسَوْقِهِ الْهَدْيَ وَتَأَسَّفَ وَلَا يَنْقُلهُمْ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يَتَأَسَّفُ إلَّا عَلَيْهِ لَا يُقَالُ: أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ لَيْسَ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ وَإِنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَتَأَسَّفْ لِاعْتِقَادِهِ جَوَازَهَا فِيهِ وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ؛ وَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلِإِتْيَانِهِ بِأَفْعَالِهِمَا كَامِلَةً عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ وَهُوَ الدَّمُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ يَكُونُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً وَعُمْرَةً وَدَمًا (ثُمَّ الْإِفْرَاد) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ» . وَقَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَجَابِرٌ " هُوَ أَفْضَلُ الْأَنْسَاكِ " لِمَا ذَكَرْنَا وَلِإِتْيَانِهِ بِالْحَجِّ تَامًّا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى آخَرَ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ الْخَبَرِ: أَنَّهُ أَفْرَدَ عَمَلَ الْحَجِّ عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فِيمَا بَعْدُ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ جَابِرٍ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ فَقَطْ وَأَجَابَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ

стр. 915

أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَأَسَّفَ عَلَى التَّمَتُّعِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى (ثُمَّ الْقِرَانُ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ «حَجَّ قَارِنًا» وَالْجَوَابُ عَنْهُ. (وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ) أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَجَزَمَ آخَرُونَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِهِ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) نَصَّ عَلَيْهِ وَرُوِيَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا (وَيَفْرُغُ مِنْهَا) أَيْ: يَتَحَلَّلُ قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ لَكَانَ قَارِنًا وَاجْتِمَاعُ النُّسُكَيْنِ أَيْ: التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ مُمْتَنِعٌ، لِتَبَايُنِهِمَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنُّسُكَيْنِ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْقِرَانِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْمُبْدِعِ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ. (ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا) نَقَلَهُ حَرْبٌ وَأَبُو دَاوُد لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَيُشْتَرَطُ كَمَا يَأْتِي: أَنْ يَحُجَّ فِي عَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَمَتِّعًا إذَا لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِحْرَامِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا: تَبِعَ فِيهِ الْمُقْنِعَ وَالْفَائِقَ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: عَدَمُ التَّقْيِيدِ وَنَسَبهُ فِي الْفُرُوعِ إلَى الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَطَعَ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ فِي الْمُنْتَهَى. (وَ) صِفَةُ (الْإِفْرَادِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَجِّ (اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَيْهِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهِ قَبْلُ. (وَ) صِفَةُ (الْقِرَانِ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا) لِفِعْلِهِ ﷺ (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ «أَهْلَلْنَا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلْنَا عَلَيْهَا الْحَجَّ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ وَقَالَ " هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَ عَائِشَةَ بِذَلِكَ " فَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَصِحَّ إدْخَالُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي التَّحْلِيلِ مِنْ الْعُمْرَةِ كَمَا لَوْ سَعَى (إلَّا لِمَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَيَصِحُّ) الْإِدْخَالُ (وَلَوْ بَعْدَ السَّعْيِ) بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ

стр. 916

لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (وَيَصِيرُ قَارِنًا) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى هُنَا وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَصِيرُ قَارِنًا إذَنْ. (وَلَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ الْإِحْرَامُ بِهِ) أَيْ: الْحَجِّ (فِي أَشْهُرِهِ) لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ قَبْلهَا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ وَلَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ فَائِدَةً بِخِلَافِ مَا سَبَقَ (وَلَمْ يَصِرْ قَارِنًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْإِحْرَامِ الثَّانِي شَيْءٌ. (وَعَمَلُ الْقَارِنِ كَالْمُفْرِدِ فِي الْإِجْزَاءِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. (وَيَسْقُطُ تَرْتِيبُ الْعُمْرَةِ وَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ لِلْحَجِّ كَمَا يَتَأَخَّرُ الْحِلَاقُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَوَطْؤُهُ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَا يُفْسِدُ عُمْرَتَهُ أَيْ: إذَا وَطِئَ وَطْئًا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ مِثْلَ أَنْ وَطِئَ بَعْد التَّحَلُّلِ) وَكَانَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ دَخَلَهَا وَلَمْ يَطُفْ لِقُدُومِهِ (الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ لَمْ تَفْسُدْ عُمْرَتُهُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهُوَ دَمُ (نُسُكٍ لَا) دَمَ (جُبْرَانٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ عَلَى غَيْرِهِ (بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ (أَحَدهَا أَنْ لَا يَكُونَ) الْمُتَمَتِّعُ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (وَهُمْ) أَيْ: حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (أَهْلُ مَكَّةَ وَ) أَهْلُ (الْحَرَمِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُ أَيْ: مِنْ الْحَرَمِ) لَا مِنْ نَفْسِ مَكَّةَ دُون مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّ حَاضَرَ الشَّيْءِ مَنْ حَلَّ فِيهِ أَوْ قَرُبَ مِنْهُ وَجَاوَرَهُ بِدَلِيلِ رُخَصِ السَّفَرِ (فَمَنْ لَهُ مَنْزِلَانِ مُتَأَهِّلٌ بِهِمَا، أَحَدُهُمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) مِنْ الْحَرَمِ (وَالْآخَرُ فَوْقَهَا أَوْ مِثْلَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ) التَّمَتُّعِ. (وَلَوْ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْ) الْمَنْزِلِ (الْبَعِيدِ أَوْ كَانَ أَكْثَرُ إقَامَتِهِ) فِي الْبَعِيدِ (أَوْ) كَانَ أَكْثَرُ (إقَامَةِ مَالِهِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْبَعِيدِ (؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ. (وَإِنْ اسْتَوْطَنَ مَكَّةَ أُفُقِيٌّ) بِضَمَّتَيْنِ نِسْبَةٌ إلَى الْأُفُقِ وَهُوَ النَّاحِيَةُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ السَّمَاءِ وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَبِفَتْحَتَيْنِ تَخْفِيفًا (فَحَاضِرٌ) لَا دَمَ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ (فَإِنْ دَخَلَهَا) أَيْ: مَكَّةَ (مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا الْإِقَامَةَ بِهَا بَعْدَ فَرَاغِ نُسُكِهِ أَوْ نَوَاهَا) أَيْ: الْإِقَامَةَ (بَعْد فَرَاغِهِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ النُّسُكِ (أَوْ اسْتَوْطَنَ مَكِّيُّ

стр. 917

بَلَدًا بَعِيدًا ثُمَّ عَادَ) إلَى مَكَّةَ (مُقِيمًا مُتَمَتِّعًا لَزِمَهُ دَمُ) التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الشُّرُوعِ فِي النُّسُكِ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (الثَّانِي أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّهْرِ الَّذِي أَحْرَمَ) بِهَا (فِيهِ لَا) بِالشَّهْرِ (الَّذِي حَلَّ) مِنْهَا (فِيهِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي) شَهْرِ (رَمَضَانَ ثُمَّ حَلَّ) مِنْهَا بِأَنْ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ. أَوْ قَصَّرَ (فِي شَوَّالٍ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ نُسُكٌ يُعْتَبَرُ لِلْعُمْرَةِ أَوْ مِنْ أَعْمَالِهَا فَاعْتُبِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ (وَإِنْ أَحْرَمَ الْآفَاقِيُّ) قَالَ ابْنُ خَطِيبٍ الدَّهْشَةُ: لَا يُقَالُ: آفَاقِيٌّ أَيْ: لَا يُنْسَبُ إلَى الْجَمْعِ بَلْ إلَى الْوَاحِدِ (بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) كَرَمَضَانَ مَثَلًا (ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَاعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ) فَهُوَ (مُتَمَتِّعٌ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ وَحَجَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَهَذَا قَوْلُ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحُ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا الْآتِي بَيَانُهُ فِي الشَّرْطِ السَّادِسِ (الثَّالِثُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) لِمَا سَبَقَ (الرَّابِعُ أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: سَافَرَ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ (فَأَحْرَمَ) بِالْحَجِّ (فَلَا دَمَ) عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ. لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " إذَا اعْتَمَرَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ فَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ مَا دُونَهُ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ فَلَمْ يُتْرِفهُ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ (الْخَامِسُ: أَنْ يُحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْهَا صَارَ قَارِنًا) وَلَزِمَهُ دَمُ قِرَانٍ كَمَا يَأْتِي لِتَرَفُّهِهِ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ (السَّادِسُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ) أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِهِ (أَوْ مِنْ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ مَكَّةَ) فَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمُ تَمَتُّعٍ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ إنْ تَجَاوَزَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ (وَنَصّه وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ) فَيَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّا نُسَمِّي الْمَكِّيَّ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ لَمْ يُسَافِرْ) وَهَذَا غَيْرُ نَاهِضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَسْمِيَتِهِ مُتَمَتِّعًا وُجُوبُ الدَّمِ وَيَأْتِي أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَا تُعْتَبَرُ فِي كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا (السَّابِعُ: أَنْ يَنْوِيَ التَّمَتُّعَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ أَوْ أَثْنَائِهَا) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَتَبِعَهُ الْأَكْثَرُونَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَحُصُولِ التَّرَفُّهِ وَجَزَمَ الْمُوَفَّقُ بِخِلَافِهِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ فَلَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ وَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ

стр. 918

اثْنَيْنِ) بِأَنْ حَجَّ عَنْ أَحَدِهِمَا وَاعْتَمَرَ عَنْ الْآخَرِ (كَانَ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَهُوَ عَلَى النَّائِبِ إنْ لَمْ يَأْذَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ مُخَالَفَتِهِ وَإِنْ أَذِنَا فَعَلَيْهِمَا وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا وَحْدُهُ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي عَلَى النَّائِبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ فِيمَا إذَا اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ فِي النُّسُكَيْنِ فَقَرَنَ بَيْنَهُمَا لَهُمَا أَوْ اسْتَنَابَهُ وَاحِدٌ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَقَرَنَ لَهُ وَلِنَفْسِهِ (وَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الشُّرُوطُ) جَمِيعُهَا (فِي كَوْنِهِ) يُسَمَّى (مُتَمَتِّعًا) خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَبِعَهُ (فَإِنَّ الْمُتْعَةَ تَصِحُّ مِنْ الْمَكِّيِّ لِغَيْرِهِ) مَعَ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى الْمَكِّيِّ. (وَيَلْزَمُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ بِطُلُوعِ فَجْرِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أَيْ: فَلْيَهْدِ وَحَمْلُهُ عَلَى أَفْعَالِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى إحْرَامِهِ كَقَوْلِهِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَيَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَقْتُ ذَبْحِهِ فَكَانَ وَقْتَ وُجُوبِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِابْنِ الْخَطَّابِ وَفِي كَوْنِهِ وَقْتَ ذَبْحِهِ نَظَرٌ وَمُرَادُهُ: أَنَّهُ أَوَّلُ الْأَيَّامِ الَّتِي يُذْبَحُ فِيهَا وَإِنْ تَأَخَّرَ زَمَنُ ذَبْحِهِ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ الْهَدْيَ مِنْ جِنْسٍ يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ فَكَانَ وَقْتُ وُجُوبِهِ بَعْدَ وَقْتِ الْوُقُوفِ كَطَوَافٍ وَرَمْيٍ وَحَلْقٍ وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي تَأَخُّرِ وَقْتِهَا عَنْ وَقْتِ الْوُقُوفِ فِي الْجُمْلَةِ (وَيَأْتِي وَقْتُ ذَبْحِهِ) فِي بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيَّ. (وَيَلْزَمُ الْقَارِنَ أَيْضًا: دَمُ نُسُكٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ كَالْمُتَمَتِّعِ (وَلَا يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ بِفَسَادٍ لِنُسُكِهِمَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ كَالطَّوَافِ وَغَيْرِهِ (وَلَا) يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ أَيْضًا (بِفَوَاتِهِ) أَيْ: الْحَجِّ كَمَا لَوْ فَسَدَ (وَإِذَا قَضَى الْقَارِنُ لَزِمَهُ دَمَانِ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ وَدَمٌ لِقِرَانِهِ الثَّانِي) . (وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُفْرِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِنُسُكٍ أَفْضَلَ (وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ) بِهِ (أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ كَالْأَدَاءِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَمْنُوعٌ (فَإِذَا فَرَغَ) مَنْ قَضَى مُفْرِدًا مِنْ الْحَجِّ (أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ) الْمِيقَاتِ (الْأَبْعَدِ) أَيْ: أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقِرَانِ وَفِي الْآخَرِ بِالْحَجِّ (كَمَنْ فَسَدَ حَجُّهُ) ثُمَّ قَضَاهُ يُحْرِمُ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ (لَزِمَهُ دَمٌ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا. (وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُتَمَتِّعًا فَإِذَا تَحَلَّلَ مِنْ

стр. 919

الْعُمْرَةِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ أَبْعَدِ الْمَوْضِعَيْنِ: الْمِيقَاتِ الْأَصْلِيِّ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ الْإِحْرَامَ الْأَوَّلَ) الَّذِي أَفْسَدَهُ قُلْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ إذَنْ لِفَوَاتِ الشَّرْط الرَّابِعِ. (وَيُسَنُّ لِمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا فَسْخَ نِيَّتُهُمَا بِالْحَجِّ وَيَنْوِيَانِ) بِإِحْرَامِهِمَا ذَلِكَ (عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَإِذَا فَرَغَا مِنْهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ (وَحَلَّا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ مَا لَمْ يَكُونَا سَاقَا هَدْيًا) ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَقَرَنُوا أَنْ يُحِلُّوا كُلُّهُمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْك حَسَنٌ جَمِيلٌ إلَّا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ: وَمَا هِيَ قَالَ تَقُولُ: بِفَسْخِ الْحَجِّ قَالَ كُنْتُ أَرَى لَك عَقْلًا عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا جِيَادًا صِحَاحًا كُلَّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟ وَقَدْ رَوَى فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَأَحَادِيثُهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. وَرَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ وَفِي الِانْتِصَارِ وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ: لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ ﷺ «لَمَّا قَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ ثُمَّ قَالَ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا» وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسْخَ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ لَا إبْطَالُهُ مِنْ أَصْلِهِ وَلَوْ سَلِمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسْأَلَتِنَا قَالَهُ الْقَاضِي فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ فِعْلَ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ قِيلَ مَنَعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ لَا بُدَّ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ لِيَسْتَفِيدَ فَضِيلَةَ التَّمَتُّعِ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُؤَخِّرُهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهِ فَكَيْفَ وَقَدْ أَحْرَمَ بِهِ. وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي وَقَدَّمَ الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّهُ بِالْفَسْخِ حَصَلَ عَلَى صِفَةٍ يَصِحُّ مِنْهُ التَّمَتُّعُ؛ وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِيرُ حَجًّا وَالْحَجُّ يَصِيرُ عُمْرَةً كَمَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنْ كَانَ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ سَاقَا الْهَدْيَ لَمْ يُفْسَخَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ «إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» (أَوْ) يَكُونَا (وَقَفَا بِعَرَفَةَ) فَلَا يُفْسَخَانِ فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَتَى بِمُعْظَمِ الْحَجِّ وَأَمِنَ مِنْ فَوْتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (فَلَوْ فَسَخَا فِي الْحَالَتَيْنِ) أَيْ: فِيمَا إذَا سَاقَا هَدْيًا أَوْ وَقَفَا بِعَرَفَةَ (فَلَغْوٌ) لِمَا سَبَقَ وَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى نُسُكِهِمَا الَّذِي أَحْرَمَا بِهِ. (وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحِلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ (فَيُحْرِمَ

стр. 920

بِحَجٍّ إذَا طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ بِالْحَلْقِ فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» ؛ وَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ كَالْقِرَانِ (وَالْمُعْتَمِرُ غَيْرُ الْمُتَمَتِّعِ يَحِلُّ بِكُلِّ حَالٍ) إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا وَلَوْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ بَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ» فَكَانَ يَحِلُّ (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ) هَدْيٌ (نَحَرَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَيْثُ نَحَرَهُ مِنْ الْحَرَمِ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ مَنْحَرٌ لَهُ. (وَالْمَرْأَةُ إذَا دَخَلَتْ) مَكَّةَ (مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَتَطُوفَ بِالْبَيْتِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ (فَإِنْ خَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ أَوْ خَافَهُ) أَيْ: فَوَاتَ الْحَجِّ. (وَغَيْرِهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَصَارَ قَارِنًا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْحَائِضِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَهِلِّي بِالْحَجِّ» ؛ وَلِأَنَّ إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ فَمَعَهَا أَوْلَى لِكَوْنِهَا مَمْنُوعَةً مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ (وَلَمْ يَقْضِ طَوَافَ الْقُدُومِ) لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (وَيَجِبُ دَمُ قِرَانٍ) كَدَمِ مُتْعَةٍ (وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْعُمْرَةُ) أَيْ: تَنْدَرِجُ أَفْعَالُهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ كَسَائِرِ الْقَارِنِينَ وَتُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَأْتِي. [فَصْلٌ مَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا بِأَنْ نَوَى الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ وَلَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا] فَصْلٌ وَمَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا بِأَنْ نَوَى نَفْسَ الْإِحْرَامِ أَيْ: الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ (وَلَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا صَحَّ) إحْرَامُهُ نَصَّ عَلَيْهِ كَإِحْرَامِهِ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ فُلَانٌ وَحَيْثُ صَحَّ مَعَ الْإِبْهَامِ صَحَّ مَعَ الْإِطْلَاقِ (وَلَهُ صَرْفُهُ) أَيْ: الْإِحْرَامَ (إلَى مَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ نَصَّ عَلَيْهِ (بِالنِّيَّةِ) لَا بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ أَيُّهَا شَاءَ فَكَانَ لَهُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إلَى ذَلِكَ. (وَلَا يُجْزِئُهُ الْعَمَلُ) مِنْ طَوَافٍ وَغَيْرِهِ (قَبْلَ النِّيَّةِ) أَيْ: بِالتَّعْيِينِ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَإِنْ طَافَ قَبْلَهُ لَمْ تُجْزِهِ لِوُجُودِهِ لَا فِي حَجٍّ وَلَا فِي عُمْرَةٍ (وَالْأَوْلَى صَرْفُهُ إلَى الْعُمْرَةِ) ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ (وَإِنْ أَحْرَمَ مُبْهِمًا كَإِحْرَامِهِ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ أَوْ) أَحْرَمَ (بِمَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ وَعَلِمَ) مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ (انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ)

стр. 921

لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَ أَهْلَلْتَ؟ فَقَالَ: بِمَا أَهَّلَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا» وَعَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَحْرَمَ مُطْلَقًا كَانَ لَهُ) أَيْ: الثَّانِي (صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ) كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ صَرْفُهُ لِمَا صَرَفَهُ إلَيْهِ الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ لَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ. (وَلَوْ جَهِلَ إحْرَامَ الْأَوَّلِ فَكَمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ عَلَى مَا يَأْتِي) بَيَانُهُ قَرِيبًا (وَإِنْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ الْأَوَّلُ فَكَمَنْ لَمْ يُحْرِمْ فَيَكُونُ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ) كَمَا لَوْ أَحْرَمَ ابْتِدَاءً مُطْلَقًا (فَإِنْ صَرَفَهُ قَبْلَ طَوَافِهِ أَوْ وَقَعَ طَوَافُهُ) بَعْدَ ذَلِكَ (عَمَّا صَرَفَهُ إلَيْهِ وَإِنْ طَافَ قَبْلَ صَرْفِهِ) إلَى نُسُكٍ مُعَيَّنٍ (لَمْ يُعْتَدَّ بِطَوَافِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ. (وَلَوْ كَانَ إحْرَامُ الْأَوَّلِ فَاسِدًا) بِأَنْ وَطِئَ فِيهِ (فَيَتَوَجَّهُ كَنَذْرِهِ عِبَادَةً فَاسِدَةً) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ فَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ وَيَأْتِي بِحَجَّةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي فِي النَّذْرِ. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِأَحَدِهِمَا وَلَغَتْ الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ فَيَصِحُّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُفْرَدَةٍ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا مَعًا كَبَقِيَّةِ أَفْعَالِهِمَا وَكَنَذْرِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْدَاهُمَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هُوَ كَنِيَّةِ صَوْمِ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَلَوْ فَسَدَتْ هَذِهِ الْمُنْعَقِدَةُ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَضَاؤُهَا. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ) وَنَسِيَهُ (أَوْ نَذَرَهُ وَنَسِيَهُ وَكَانَ) نِسْيَانُهُ (قَبْلَ الطَّوَافِ جَعَلَهُ عُمْرَةً اسْتِحْبَابًا) ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ وَلَهُ صَرْفُ الْحَجِّ وَالْقِرَانِ إلَيْهَا مَعَ الْعِلْمِ فَمَعَ الْإِبْهَامِ أَوْلَى (وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ الْعُمْرَةِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا. (وَإِنْ جَعَلَهُ قِرَانًا أَوْ إفْرَادًا صَحَّ حَجًّا فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْعُمْرَةِ فِيمَا إذَا صَرَفَهُ إلَى قِرَانٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا مُفْرَدًا لَا يَصِحُّ إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ فَصِحَّةُ الْعُمْرَةِ مَشْكُوكٌ فِيهَا فَلَا تَسْقُطُ بِالشَّكِّ (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ قَارِنٌ وَلَا وُجُوبَ مَعَ الشَّكِّ ". (وَإِنْ جَعَلَهُ) أَيْ: الْمَنْسِيَّ (عُمْرَةً فَكَفَسْخِ حَجٍّ إلَى عُمْرَةٍ) فَيَصِحُّ وَ (يَلْزَمُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَيُجْزِئُهُ) النُّسُكُ (عَنْهُمَا) لِصِحَّتِهِمَا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. (وَإِنْ كَانَ شَكُّهُ بَعْدَ الطَّوَافِ صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ وَلَا يَجْعَلُهُ حَجًّا وَلَا قِرَانًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ فَيَسْعَى وَيَحْلِقُ ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِهِ وَيُتِمَّهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ) لِتَأْدِيَتِهِ

стр. 922

إيَّاهُ. (وَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا أَوْ قِرَانًا فَقَدْ حَلَقَ فِيهِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ) أَيْ: الْحَلْقِ (وَفِيهِ) أَيْ: الْحَلْقِ قَبْلَ أَوَانِهِ (دَمُ) جُبْرَانٍ وَ (إنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَقَدْ تَحَلَّلَ ثُمَّ حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ) بِشُرُوطِهِ (وَإِنْ جَعَلَ حَجًّا أَوْ قِرَانًا لَمْ يَصِحَّ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً وَلَا يَصِحُّ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا بَعْدَ الطَّوَافِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ. (وَيَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ الْحَجِّ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَجًّا (وَلَمْ يُجْزِئْهُ) مَا فَعَلَهُ (عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلشَّكِّ وَلَا دَمَ الْقَضَاءِ) عَلَيْهِ (لِلشَّكِّ فِي سَبَبِهِمَا) الْمُوجِبِ لَهُمَا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ وَيَصِحُّ: أَحْرَمْتُ يَوْمًا أَوْ بِنِصْفِ نُسُكٍ وَنَحْوِهِ لَا: إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ فَأَنَا مُحْرِمٌ. (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ اثْنَيْنِ) اسْتَنَابَاهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَنْهُمَا وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِوُقُوعِهِ عَنْهُ مِنْ الْآخَرِ (أَوْ) أَحْرَمَ (عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ) وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ دُونِهِمَا لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) أَحْرَمَ (عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا سَبَقَ وَلَمْ يَنْوِهِمَا فَمَعَ نِيَّتِهِ أَوْلَى. (وَيَضْمَنُ) مَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُمَا فَيَرُدَّ لَهُمَا بَدَلَهُ (وَيُؤَدَّبُ مَنْ أَخَذَ مِنْ اثْنَيْنِ حَجَّتَيْنِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ) لِفِعْلِهِ مُحَرَّمًا نَصَّ عَلَيْهِ. (وَإِنْ اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ فِي عَامٍ فِي نُسُكٍ فَأَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَنْسَهُ صَحَّ وَلَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ لِلْآخَرِ بَعْدَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَلَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَرَمَى لَا إنْ عَلَّقَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَبِيتِ لَيَالِي مِنًى، وَرَمْيُ الْجِمَارِ أَيَّامُهَا بَاقِيَةٌ فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُ الْإِحْرَامِ عَلَى الْإِحْرَامِ. (فَإِنْ نَسِيَ عَمَّنْ أَحْرَمَ) عَنْهُمَا (وَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ فَإِنْ فَرَّطَ) النَّائِبُ (أَعَادَ الْحَجَّ عَنْهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّتِهِ (وَإِنْ فَرَّطَ الْمُوصَى إلَيْهِ بِذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يُسَمِّهِ لِلنَّائِبِ (غَرِمَ) الْمُوصَى إلَيْهِ (ذَلِكَ) أَيْ: نَفَقَةَ الْحَجِّ عَنْهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِتَفْرِيطٍ مِنْ النَّائِبِ وَلَا الْمُوصَى إلَيْهِ بِأَنْ سَمَّاهُ الْمُوصَى إلَيْهِ لِلنَّائِبِ وَعَيَّنَهُ ابْتِدَاءً وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي نِسْيَانِهِ لَكِنَّهُ نَسِيَهُ. (وَ) النَّفَقَةُ لِلْحَجِّ عَنْهُمَا (مِنْ تَرِكَةِ الْمُوصِيَيْنِ) الْمُسْتَنَابِ عَنْهُمَا لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ (إنْ كَانَ النَّائِبُ غَيْرَ مُسْتَأْجَرٍ لِذَلِكَ) أَيْ: لِلْحَجِّ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مُسْتَأْجَرًا لَهُ إنْ قُلْنَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِلْحَجِّ (لَزِمَاهُ) أَيْ: لَزِمَ النَّائِبَ الْأَجِيرَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُمَا لِيُوَفِّيَ بِمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ.

стр. 923

[فَصْلٌ التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ] فَصْلٌ (وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ) لِفِعْلِهِ ﷺ وَأَمْرِهِ بِهَا وَهِيَ ذِكْرٌ فِيهِ فَلَمْ تَجِبْ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ (وَيُسَنُّ ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ: التَّلْبِيَةِ (عَقِبَ إحْرَامِهِ) عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: إذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُخْتَصَرِ (وَ) يُسَنُّ (ذِكْرُ نُسُكِهِ فِيهَا وَ) . يُسَنُّ (ذِكْرُ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ لِلْقَارِنِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» . وَقَالَ جَابِرٌ «قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ» . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ «بَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَمَعْنَى أَهَلَّ " رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إذَا صَاحَ. (وَ) يُسَنُّ (الْإِكْثَارُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ التَّلْبِيَةِ لِخَبَرِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَابْنُ مَاجَهْ (وَ) . يُسَنُّ (رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا) لِقَوْلِ أَنَسٍ " سَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهَا صُرَاخًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَلَكِنْ لَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي رَفْعِهِ زِيَادَةً عَنْ الطَّاقَةِ) خَشْيَةَ ضَرَرٍ يُصِيبُهُ. (وَلَا يُسْتَحَبُّ إظْهَارُهَا) أَيْ: التَّلْبِيَةِ (فِي مَسَاجِدِ الْحِلِّ وَأَمْصَارِهِ) قَالَ أَحْمَدُ إذَا أَحْرَمَ فِي مِصْرِهِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ حَتَّى يَبْرُزَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْمَدِينَةِ " إنَّ هَذَا لَمَجْنُونٌ إنَّمَا التَّلْبِيَةُ إذَا بَرَزْتَ " وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ بِأَنَّ إخْفَاءَ التَّطَوُّعِ أَوْلَى خَوْفَ الرِّيَاءِ عَلَى مَنْ لَا يُشَارِكُهُ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الْبَرَارِيِّ وَعَرَفَاتٍ وَالْحَرَمِ وَمَكَّةَ. (وَلَا) يُسْتَحَبُّ إظْهَارُهَا (فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ) خَوْفَ اشْتِغَالِ الطَّائِفِينَ وَالسَّاعِينَ عَنْ أَذْكَارِهِمْ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا فِيهِمَا سِرًّا؛ لِأَنَّهُ زَمَنُ التَّلْبِيَةِ. (وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا حَوْلَ الْبَيْتِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَائِفًا (لِئَلَّا يُشْغَلَ الطَّائِفِينَ عَنْ طَوَافِهِمْ وَأَذْكَارِهِمْ) الْمَشْرُوعَةِ لَهُمْ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَبِّيَ عَنْ أَخْرَسَ وَمَرِيضٍ وَصَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ) تَكْمِيلًا لِنُسُكِهِمْ وَكَالْأَفْعَالِ الَّتِي يَعْجَزُونَ عَنْهَا. (وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ بَعْدَهَا) أَيْ: التَّلْبِيَةِ

стр. 924

(فَيَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَيَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ» (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ. (وَ) يُسَنُّ عَقِبَهَا (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُشْرَعُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ كَالصَّلَاةِ أَوْ فَشُرِعَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِهِ كَالْأَذَانِ (وَلَا يَرْفَعُ بِذَلِكَ) أَيْ: بِالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَقِبَ التَّلْبِيَةِ (صَوْتَهُ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَصِفَةُ التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ) قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ إذَا لَزِمَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ وَكَرَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّثْنِيَةِ وَإِنَّمَا هُوَ التَّكْثِيرُ كَحَنَانَيْكَ وَالْحَنَانُ الرَّحْمَةُ وَقِيلَ مَعْنَى: التَّلْبِيَةِ إجَابَةُ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ حِين نَادَى بِالْحَجِّ وَقِيلَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَسْرُ هَمْزَةِ " إنَّ " أَوْلَى عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ وَحُكِيَ الْفَتْحُ عَنْ آخَرِينَ قَالَ ثَعْلَبٌ مَنْ كَسَرَ فَقَدْ عَمَّ يَعْنِي فَقَدْ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَنْ فَتَحَ فَقَدْ خَصَّ أَيْ: لَبَّيْكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ (وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) . ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَزِمَ تَلْبِيَتَهُ فَكَرَّرَهَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا (وَلَا يُكْرَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُلَبِّي تَلْبِيَةَ الرَّسُولِ وَيَزِيدُ مَعَ هَذَا " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ عُمَرُ " لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إلَيْكَ لَبَّيْكَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَرُوِيَ أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَزِيدُ " لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا " (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ) قَالَهُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعَبِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ لَهُ الْأَثْرَمُ: مَا شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ يُلَبُّونَ دُبُرَ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ قُلْت: أَلَيْسَ يُجْزِئُهُ مَرَّةٌ؟ قَالَ: بَلَى؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: تَكْرَارُهَا ثَلَاثًا فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ حَسَنٌ) فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ. (وَلَا تُشْرَعُ) التَّلْبِيَةُ (بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِقَادِرٍ) عَلَى التَّلْبِيَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ تُشْرَعْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْأَذَانِ وَالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلَاةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْعَرَبِيَّةِ لَبَّى (بِلُغَتِهِ) كَالتَّكْبِيرِ

стр. 925

فِي الصَّلَاةِ. (وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهَا إذَا عَلَا نَشْزًا أَوْ هَبَطَ وَادِيًا وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ وَلَوْ فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ) وَعِنْدَ (إقْبَالِ اللَّيْلِ) وَإِقْبَالِ (النَّهَارِ وَبِالْأَسْحَارِ وَإِذَا الْتَقْتَ الرِّفَاقُ وَإِذَا سَمِعَ مُلَبِّيًا أَوْ أَتَى مَحْظُورًا نَاسِيًا إذَا ذَكَرَهُ أَوْ رَكِبَ دَابَّتَهُ أَوْ أَنْزَلَ عَنْهُمَا أَوْ رَأَى الْبَيْتَ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي فِي حَجَّتِهِ إذَا لَقِيَ رَاكِبًا أَوْ عَلَا أَكَمَةً أَوْ هَبَطَ وَادِيًا وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ» . وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا وَإِذَا عَلَا نَشْزًا وَإِذَا لَقِيَ الرُّكْبَانَ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ " وَأَمَّا فِيمَا إذَا فَعَلَ مَحْظُورًا نَاسِيًا ثُمَّ ذَكَرَهُ فَلِتَدَارُكِ الْحَجِّ وَاسْتِشْعَارِ إقَامَتِهِ عَلَيْهِ وَرُجُوعِهِ إلَيْهِ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: تُسْتَحَبُّ عِنْدَ تَنَقُّلِ الْأَحْوَالِ بِهِ. (وَيُسْتَحَبُّ) التَّلْبِيَةُ (فِي مَكَّةَ وَالْبَيْتِ) الْحَرَامِ (وَسَائِرِ مَسَاجِدَ الْحَرَمِ كَمَسْجِدِ مِنًى وَفِي عَرَفَاتٍ أَيْضًا) وَسَائِرِ (بِقَاعِ الْحَرَمِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ؛ وَلِأَنَّهَا مَوَاضِعُ النُّسُكِ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلَبِّيَ الْحَلَالُ) ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ مُسْتَحَبٌّ لِلْمُحْرِمِ فَلَمْ تُكْرَهْ لِغَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ. (وَتُلَبِّي الْمَرْأَةُ) اسْتِحْبَابًا لِدُخُولِهَا فِي الْعُمُومَاتِ (وَيُعْتَبَرُ بِأَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا) التَّلْبِيَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ مُتَلَفِّظَةً بِذَلِكَ إلَّا كَذَلِكَ. (وَيُكْرَهُ جَهْرُهَا بِهَا أَكْثَرَ مِنْ سَمَاعِ رَفِيقَتِهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ صَوْتَهَا اهـ وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ بِهَا لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا التَّلْبِيَةَ وِفَاقًا قُلْتُ وَخُنْثَى مُشْكِلٌ كَأُنْثَى (وَيَأْتِي) مَحِلُّ (قَطْعِهَا آخِرَ بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ) مُفَصَّلًا. [بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَام] [إزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَن] بَابُ مَحْظُورَاتُ الْإِحْرَامِ أَيْ: الْمَمْنُوعُ فِعْلُهُنَّ فِي الْإِحْرَامِ شَرْعًا (وَهِيَ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِعْلُهُ) بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ (وَهِيَ تِسْعَةٌ أَحَدُهَا: إزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ) وَلَوْ مِنْ أَنْفِهِ (بِحَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] نَصَّ عَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ وَعَدَى إلَى سَائِرِ شَعْرِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ إذْ حَلْقُهُ يُؤْذِنُ بِالرَّفَاهِيَةِ

стр. 926

وَهُوَ يُنَافِي الْإِحْرَامَ لِكَوْنِ أَنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ وَقِيسَ عَلَى الْحَلْقِ: النَّتْفُ وَالْقَلْعُ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا عُبِّرَ بِهِ فِي النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ (فَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ عُذْرُ (مَرَضٍ أَوْ قَمْلٍ أَوْ قُرُوحٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ لِكَثْرَتِهِ مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِإِبْقَاءِ الشَّعْرِ أَزَالَهُ) أَيْ: الشَّعْرَ. (وَفَدَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ قَالَ «كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأْسِي فَحُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى الْجَهْدَ يَبْلُغُ بِكَ مَا أَرَى أَتَجِدُ شَاةً قُلْتُ بَلَى فَنَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ هُوَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ طَعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ: نِصْفُ صَاعٍ، طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (كَأَكْلِ صَيْدٍ لِضَرُورَةٍ) إلَى أَكْلِهِ فَيَأْكُلُهُ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ (الثَّانِي تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الرَّفَاهِيَةُ فَأَشْبَهَ إزَالَةَ الشَّعْرِ (إلَّا مِنْ عُذْرٍ) فَيُبَاحُ عِنْدَ الْعُذْرِ كَالْحَلْقِ. (فَمَنْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ فَصَاعِدًا وَلَوْ مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) يَعْنِي: شَاةً أَوْ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ كَمَا يَأْتِي فِي الْفِدْيَةِ أَمَّا فِي الْحَلْقِ: فَلِمَا تَقَدَّمَ وَخُصَّتْ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا جَمْعٌ وَاعْتُبِرَتْ فِي مَوَاضِعَ بِخِلَافِ رُبُعِ الرَّأْسِ وَأُلْحِقَتْ حَالَةُ عَدَمِ الْعُذْرِ بِحَالَةِ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّهَا أَوْلَى بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَأَمَّا التَّقْلِيمُ: فَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فِي حُصُولِ الرَّفَاهِيَةِ (فِيمَا دُونَ ذَلِكَ) أَيْ: الثَّلَاثِ مِنْ الشَّعَرَاتِ أَوْ الْأَظْفَارِ (فِي كُلِّ وَاحِدٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ) فَفِي شَعْرَةٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَفِي شَعْرَتَيْنِ طَعَامَا مِسْكِينَيْنِ وَفِي تَقْلِيمِ ظُفْرٍ وَاحِدٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَفِي ظُفْرَيْنِ طَعَامَا مِسْكِينَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا وَجَبَ شَرْعًا فِدْيَةً (وَفِي قَصِّ بَعْضِ الظُّفْرِ مَا فِي جَمِيعِهِ وَكَذَا قَطْعُ بَعْضِ الشَّعْرِ) فِيهِ مَا فِي جَمِيعِهَا فَفِي بَعْضِ الشَّعْرَةِ أَوْ بَعْضِ الظُّفْرِ: طَعَامُ مِسْكِينٍ وَفِي شَعْرَتَيْنِ وَبَعْضِ أُخْرَى وَظُفْرَيْنِ وَبَعْضِ آخَرَ فِدْيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمِسَاحَةٍ وَهُوَ يَجِبُ فِيهِمَا سَوَاءٌ طَالَا أَوْ قَصُرَا كَالْمُوضِحَةِ يَجِبُ مَعَ كِبَرِهَا وَصِغَرِهَا. (وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِإِذْنِهِ) فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ دُونَ الْحَالِقِ (أَوْ) حَلَقَ رَأْسَهُ بِلَا إذْنِهِ لَكِنَّهُ (سَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ) أَيْ: الْحَالِقُ (وَلَوْ كَانَ الْحَالِقُ مُحْرِمًا فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ بِحَلْقِ الرَّأْسِ مَعَ

стр. 927

عِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ يَحْلِقُهُ؛ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ كَوَدِيعَةٍ فَإِذَا سَكَتَ وَلَمْ يَنْهَ الْحَالِقَ فَقَدْ فَرَّطَ فِيهِ فَيَضْمَنْهُ (كَمَا لَوْ أُكْرِهَ) الْمُحْرِمُ (عَلَى حَلْقِهِ) أَيْ: الشَّعْرِ فَحَلَقَهُ (بِيَدِهِ) فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ وَهُوَ يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ بَاشَرَهُ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا. (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ) وَلَوْ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ وَاحِدٌ فَلَا يُوجِبُ فِدْيَتَيْنِ (وَإِنْ كَانَ) الْمُحْرِمُ الْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ (مُكْرَهًا) وَحُلِقَتْ رَأْسُهُ (بِيَدِ غَيْرِهِ أَوْ) كَانَ (نَائِمًا) وَحُلِقَتْ رَأْسُهُ (فَ) الْفِدْيَةُ (عَلَى الْحَالِقِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ مِنْ إزَالَتِهِ كَحَلْقِ مُحْرِمٍ رَأْسَ نَفْسِهِ. (وَمَنْ طَيَّبَ غَيْرَهُ) وَالْغَيْرُ مُحْرِمٌ (فَكَحَالِقٍ) فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ أَوْ سَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا فَعَلَى الْفَاعِلِ وَيَأْتِي: أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ تَطَيَّبَ مُكْرَهًا. (وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ حَلَالًا) يَعْنِي أَزَالَ شَعْرَهُ (أَوْ قَلَمَ) الْمُحْرِمُ (أَظْفَارَهُ) أَيْ: الْحَلَالِ (فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) أَيْ: هَدْرٌ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ أَوْ ظُفْرٌ مُبَاحُ الْإِتْلَافِ فَلَمْ يَجِبْ بِإِتْلَافِهِ جَزَاءٌ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. (وَحُكْمُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ فِي إزَالَةِ الشَّعْرِ وَ) فِي (الطِّيبِ وَ) فِي (اللُّبْسِ: وَاحِدٌ) ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا مَوْضِعُهُ (فَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ) فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَمَا لَوْ لَبِسَ قَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ (أَوْ تَطَيَّبَ) فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ (أَوْ لَبِسَ فِيهِمَا ف) عَلَيْهِ (فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إتْلَافٌ فَهُوَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ فَهُنَا أَوْلَى. (وَإِنْ حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَتَيْنِ وَمِنْ بَدَنِهِ شَعْرَةً أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ حَلَقَ مِنْ بَدَنه شَعْرَتَيْنِ وَمِنْ رَأْسِهِ وَاحِدَةً (فَعَلَيْهِ دَمٌ) أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. (وَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنَيْهِ شَعْرٌ فَقَلَعَهُ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (أَوْ نَزَلَ شَعْرُ حَاجِبَيْهِ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فَأَزَالَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ آذَاهُ فَكَانَ لَهُ إزَالَتُهُ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ كَقَتْلِ الصَّيْدِ الصَّائِلِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَقَ شَعْرَهُ لِقَمْلٍ، أَوْ صُدَاعٍ أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ الْأَذَى مِنْ غَيْرِ الشَّعْرِ (وَكَذَا إنْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ بَقَاؤُهُ وَكَذَا إنْ وَقَعَ بِظُفْرِهِ مَرَضٌ فَأَزَالَهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ قَطَعَ إصْبَعًا بِظُفْرِهَا) فَهَدَر؛ لِأَنَّهُ زَالَ تَبَعًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ مُدَاوَاةُ مَرَضِهِ إلَّا بِقَصِّهِ قَصَّهُ وَفَدَى (أَوْ قَلَعَ جِلْدًا عَلَيْهِ شَعْرٌ) فَهَدَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ اُفْتُصِدَ فَزَالَ شَعْرٌ) فَهَدَرٌ وَلَوْ قَطَعَ أَشْفَارَ عَيْنٍ لَمْ يَضْمَنْ الْهُدْبَ. (وَإِنْ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ أَوْ مَشَّطَهَا أَوْ) خَلَّلَ (رَأْسَهُ) أَوْ مَشَّطَهَا (فَسَقَطَ شَعْرٌ مَيِّتٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَصًّا) قَالَ أَحْمَدُ إنْ خَلَّلَهَا فَسَقَطَ إنْ كَانَتْ شَعْرًا مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ) أَيْ: الشَّعْرَ (بَانَ بِالْمُشْطِ أَوْ التَّخْلِيلِ فَدَى)

стр. 928

لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ مَا سَبَقَ (وَتُسْتَحَبُّ الْفِدْيَةُ مَعَ الشَّكِّ) فِي كَوْنِهِ بَانَ بِمُشْطٍ أَوْ كَانَ مَيِّتًا احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. (وَلَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (حَكُّ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِرِفْقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا) فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (غَسْلُهُ) أَيْ: غَسْلُ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ وَابْنُهُ وَأَرْخَصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَجَابِرٌ (فِي حَمَّامٍ وَغَيْرِهِ بِلَا تَسْرِيحٍ) ؛ لِأَنَّ تَسْرِيحَهُ تَعْرِيضٌ لِقَطْعِهِ. (وَ) لِلْمُحْرِمِ (غَسْلُهُ بِسِدْرٍ وَخِطْمِيٍّ وَنَحْوِهَا) كَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ لِقَوْلِهِ: ﷺ «فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» مَعَ بَقَاءِ الْإِحْرَامِ وَقِيسَ عَلَى السِّدْرِ مَا يُشْبِهُهُ. (وَإِنْ وَقَعَ فِي أَظْفَارِهِ مَرَضٌ فَأَزَالَهَا لِذَلِكَ الْمَرَضِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ فَلَا تُضْمَنُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَأَزَالَ أَكْثَرَ مِمَّا انْكَسَرَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) أَيْ: فِدْيَةُ مَا زَادَ عَلَى الْمُنْكَسِرِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى إزَالَتِهِ بِخِلَافِ الْمُنْكَسِرِ. [فَصْلٌ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ فِي الْإِحْرَام] فَصْلٌ (الثَّالِثُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ) إجْمَاعًا «لِنَهْيِهِ ﷺ الْمُحْرِمَ عَنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ» وَقَوْله فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مَرْفُوعًا (وَالْأُذُنَانِ مِنْهُ) لِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» (وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي) بَابِ (الْوُضُوءِ) وَمِنْهُ أَيْضًا: النَّزْعَتَانِ وَالصُّدْغُ وَالتَّحْذِيفُ وَالْبَيَاضُ فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ (فَمَا كَانَ مِنْهُ) أَيْ: الرَّأْسِ (حُرِّمَ عَلَى ذَكَرٍ تَغْطِيَتُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ غَطَّاهُ) أَيْ: الرَّأْسَ (أَوْ) غَطَّى (بَعْضَهُ حَتَّى أُذُنَيْهِ بِلَاصِقٍ مُعْتَادٍ أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ بِلَاصِقٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ (كَعِمَامَةٍ وَخِرْقَةٍ وَقِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ لَا دَوَاءَ فِيهِ وَكَعِصَابَةٍ لِصُدَاعٍ وَنَحْوِهِ) كَرَمَدٍ (وَلَوْ يَسِيرٌ أَوْ طِينٍ طَلَاهُ بِهِ أَوْ بِحِنَّاءِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ بِنَوْرَةٍ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلٌ مُحَرَّمًا فِي الْإِحْرَامِ يُقْصَدُ بِهِ التَّرَفُّهُ أَشْبَهَ حَلْقَ الرَّأْسِ. (وَإِنْ اسْتَظَلَّ فِي مَحْمَلٍ) ضَبَطَهُ الْجَوْهَرِيُّ كَالْمَجْلِسِ وَعَكَسَ ابْنُ مَالِكٍ (وَنَحْوِهِ مِنْ هَوْدَجٍ وَعِمَارِيَّةٍ وَمَحَارَةٍ حَرُمَ وَفَدَى) ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ " رَأَى عَلَى رَجُلٍ مُحْرِمٍ عُودًا يَسْتُرهُ مِنْ الشَّمْسِ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَاحْتَجَّ

стр. 929

بِهِ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِسِتْرِهِ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّرَفُّهَ لِتَغْطِيَتِهِ أَوْ يُقَالُ؛ لِأَنَّهُ سَتَرَ رَأْسَهُ بِمَا يُسْتَدَامُ وَيَلْزَمُهُ (كَذَا لَوْ اسْتَظَلَّ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ رَاكِبًا وَنَازِلًا) كَالْمَحْمَلِ (وَلَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ وَعَدَمِهِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ وَمَا لَا فِدْيَةَ فِيهِ) لَكِنْ يَأْتِي إذَا فَعَلَهُ نَاسِيًا. (وَيَجُوزُ تَلْبِيدُ رَأْسِهِ بِعَسَلٍ وَصَمْغٍ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ غُبَارٌ أَوْ دَبِيبٌ أَوْ يُصِيبَهُ شُعْثٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَحْظُورًا وَلَوْ كَانَ فِي رَأْسِهِ طِيبٌ مِمَّا فَعَلَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. (وَكَذَا إنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَدَامُ (أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَمْسَكَهُ إنْسَانٌ أَوْ رَفَعَهُ عَلَى عُودٍ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ بِلَالًا وَأُسَامَةَ وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَجَابَ أَحْمَدُ وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُرَادُ لِلِاسْتِدَامَةِ بِخِلَافِ الِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمَلِ (أَوْ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ وَلَوْ طَرَحَ عَلَيْهَا شَيْئًا يَسْتَظِلُّ بِهِ أَوْ) اسْتَظَلَّ ب (سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ السِّتْرَ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةٍ فَنَزَلَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ التَّرَفُّهَ فِي الْبَدَنِ عَادَةً بَلْ جَمْعَ الرَّحْلِ وَحِفْظَهُ وَفِيهِ شَيْءٌ. (وَكَذَا لَوْ غَطَّى) الْمُحْرِمُ الذَّكَرُ (وَجْهَهُ) فَيَجُوزُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ سُنَّةُ التَّقْصِيرِ مِنْ الرَّجُلِ فَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حُرْمَةُ التَّخْمِيرِ كَبَاقِي بَدَنِهِ. [فَصْلٌ لُبْسِ الذَّكَرِ الْمَخِيطَ] فَصْلٌ (الرَّابِعُ لُبْسِ الذَّكَرِ الْمَخِيطَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فِي بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ) مِمَّا عُمِلَ عَلَى قَدْرِهِ أَيْ: قَدْرِ الْمَلْبُوسِ فِيهِ مِنْ بَدَنٍ أَوْ بَعْضِهِ (مِنْ قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَسَرَاوِيلَ وَبُرْنُسٍ وَنَحْوِهَا وَلَوْ دِرْعًا مَنْسُوجًا أَوْ لِبَدًا مَعْقُودًا وَنَحْوَهُ) مِمَّا يُعْمَلُ عَلَى قَدْرِ شَيْءٍ مِنْ الْبَدَنِ (كَالْخُفَّيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا لِلرِّجْلَيْنِ، وَكَالْقُفَّازَيْنِ) تَثْنِيَةُ قُفَّازٍ كَتُفَّاحٍ: شَيْءٌ يُعْمَلُ (لِلْيَدَيْنِ) كَمَا يُعْمَلُ لِلْبُزَاةِ. (وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ) الْمَخِيطُ (غَيْرَ مُعْتَادٍ،

стр. 930

كَجَوْرَبٍ فِي كَفٍّ وَخُفٍّ فِي رَأْسٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ انْتَهَى) لِلْعُمُومَاتِ (وَرَانَ) شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ (كَخُفٍّ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ وَلَا الْخُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَتَنْصِيصُهُ عَلَى الْقَمِيصِ يُلْحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجُبَّةِ وَالدُّرَّاعَةِ، وَالْعِمَامَةِ يُلْحَقُ بِهَا كُلُّ سَاتِرٍ مُلَاصِقٍ أَوْ سَاتِرٍ مُعْتَادٍ وَالسَّرَاوِيلُ يُلْحَقُ بِهَا التُّبَّانُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّبْسِ وَكَثِيرِهِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ سَرَاوِيلَ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَمِعْتُ الرَّسُولَ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ يَقُولُ: السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَا يَجِدُ الْإِزَارَ وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ الْأَثْبَاتُ وَلَيْسَ فِيهِ بِعَرَفَاتٍ. وَقَالَ مُسْلِمٌ انْفَرَدَ بِهَا شُعْبَةُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: السَّرَاوِيلُ (لَوْ شَقَّ إزَارَهُ وَشَدَّ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ (وَمَتَى وَجَدَ إزَارًا خَلَعَهُ) أَيْ: السَّرَاوِيلَ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ. (وَإِنْ ائْتَزَرَ) الْمُحْرِمُ (بِقَمِيصٍ فَلَا بَأْسَ) بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لُبْسًا لِلْمَخِيطِ الْمَصْنُوعِ لِمِثْلِهِ. (وَإِنْ عَدِمَ نَعْلَيْنِ أَوْ) وَجَدَهُمَا وَ (لَمْ يُمْكِن لُبْسهمَا) لِضِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَبِسَ خُفَّيْنِ وَنَحْوَهُمَا مِنْ رَانٍ وَغَيْرِهِ) كَسُرْمُوذَةٍ وَزُرْبُولٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ (بِلَا فِدْيَةٍ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ (وَيَحْرُمُ قَطْعُهُمَا) أَيْ: الْخُفَّيْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ وَلَيْسَ فِيهِ " يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَطْعَ الْخُفَّيْنِ وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ "؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غَيْرِهِ أَشْبَهَ لُبْسَ السَّرَاوِيلِ مِنْ غَيْرِ فَتْقٍ وَلِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءَ لِابْنِ عَبَّاسٍ " لَمْ يَقُلْ: لِيَقْطَعْهُمَا قَالَ لَا: رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عُمَرَ " الْخُفَّانِ نَعْلَانِ لِمَنْ لَا نَعْلَ لَهُ " (وَعَنْهُ يَقْطَعْهُمَا) أَيْ: الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَجَوَّزَهُ جَمْعٌ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَالْأَوْلَى قَطْعُهُمَا عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ) أَيْ: حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَأَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ قَالَ

стр. 931

الشَّارِحُ: وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّ زِيَادَةَ الْقَطْعِ لَمْ يَذْكُرْهَا جَمَاعَةٌ وَرُوِيَ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَلَوْ سَلِمَ صِحَّةُ رَفْعِهَا فَهِيَ بِالْمَدِينَةِ وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَلَامُهُ فِي الْمَدِينَةِ فِي مَوْضِعِ الْبَيَانِ وَقْتَ الْحَاجَةِ لَا يُقَالُ: اكْتَفَى بِمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: فَلِمَ ذَكَرَ لُبْسَهُمَا وَالْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِهِ لُبْسُهُمَا بِلَا قَطْعٍ. وَيُجَابُ عَنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ: بِأَنَّ الْمُقَيَّدَ يَقْضِي عَلَى الْمُطْلَقِ: أَنَّ مَحِلَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ وَعَنْ قَوْلِهِ: أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ زِيَادَةُ لَفْظٍ بِأَنَّ خَبَر ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِيهِمَا زِيَادَةُ حُكْمِ جَوَازِ اللُّبْسِ بِلَا قَطْعٍ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَمْ يُشْرَعْ بِالْمَدِينَةِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا أَيْ: قَوْلِهِ بِعَدَمِ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ وَفِيهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ أَيَّدَهُمْ اللَّهُ بِمَعُونَتِهِ فِي جَمْعِهِمْ بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَإِنْ لَبِسَ مَقْطُوعًا) مِنْ خُفٍّ وَغَيْرِهِ (دُونَ الْكَعْبَيْنِ مَعَ وُجُودِ نَعْلٍ) حُرِّمَ كَلُبْسِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ كَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَخِيطًا (وَفَدَى) لِلُبْسِهِ كَذَلِكَ. (وَيُبَاحُ) لِلْمُحْرِمِ (النَّعْلُ) لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ وَهِيَ الْحِذَاءُ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَتُطْلَقُ عَلَى التَّاسُومَةِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَلَوْ كَانَتْ) النَّعْلُ (بِعَقِبٍ وَقِيدٍ وَهُوَ السَّيْرُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الزِّمَامِ) لِلْعُمُومَاتِ. (وَلَا يَعْقِدُ) الْمُحْرِمُ (عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مِنْطَقَةٍ وَلَا رِدَاءٍ وَلَا غَيْرِهِمَا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ شَيْئًا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى هُوَ وَمَالِكٌ أَنَّهُ يُكْرَهُ لُبْسُ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ أَشْبَهَ اللِّبَاسَ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِذَلِكَ) أَيْ: الْمِنْطَقَةِ وَالرِّدَاءِ وَنَحْوِهِمَا (زِرًّا وَعُرْوَةً وَلَا يُخْلِهِ بِشَوْكَةٍ أَوْ إبْرَةٍ أَوْ خَيْطٍ وَلَا يَغْرِزُ أَطْرَافَهُ فِي إزَارِهِ فَإِنْ فَعَلَ) مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (أَثِمَ وَفَدَى؛ لِأَنَّهُ كَمَخِيطٍ) . (وَيَجُوزُ لَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (شَدُّ وَسَطِهِ بِمِنْدِيلٍ وَحَبْلٍ وَنَحْوِهِمَا إذَا لَمْ يَعْقِدْهُ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي مُحْرِمٍ حَزَمَ عِمَامَتَهُ عَلَى وَسَطِهِ: لَا يَعْقِدُهَا وَيُدْخِلُ بَعْضَهُمَا فِي بَعْضٍ) لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَر (إلَّا إزَارَهُ) فَلَهُ عَقْدُهُ (لِحَاجَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَ) إلَّا (هِمْيَانَهُ وَمِنْطَقَتَهُ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا نَفَقَتُهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ) الْهِمْيَانُ أَوْ الْمِنْطَقَةُ (إلَّا بِالْعَقْدِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " أَوْثِقْ عَلَيْك نَفَقَتَكَ " وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ مَعْنَاهُ بَلْ رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى عَقْدِهِ فَجَازَ كَعَقْدِ الْإِزَارِ فَإِنْ ثَبَتَ بِغَيْرِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ لَمْ يَجُزْ عَقْدُهُ

стр. 932

لِعَدَمِ الْحَاجَةِ وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَةٌ. (وَإِنْ لَبِسَ الْمِنْطَقَةَ لِوَجَعِ ظَهْرٍ أَوْ حَاجَةٍ) غَيْرَهُ (أَوْ لَا) لِحَاجَةٍ (فَدَى) كَمَا لَوْ لَبِسَ مَخِيطًا لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ. (وَلَهُ أَنْ يَلْتَحِفَ بِقَمِيصٍ) أَيْ: يَتَغَطَّى بِهِ (وَيَرْتَدِيَ بِهِ وَبِرِدَاءٍ مُوصَلٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ بِلُبْسِ الْمَخِيطِ الْمَصْنُوعِ لِمِثْلِهِ (وَلَا يَعْقِدُهُ) أَيْ: الرِّدَاءَ وَتَقَدَّمَ (وَيَفْدِي بِطَرْحِ قَبَاءٍ وَنَحْوِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ) مُطْلَقًا نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْأَقْبِيَةِ لِلْمُحْرِمِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ مَخِيطٌ وَهُوَ عَادَةُ لُبْسِهِ كَمَخِيطٍ. (وَمَنْ بِهِ شَيْءٌ) مِنْ قُرُوحٍ أَوْ غَيْرِهَا (لَا يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) لَبِسَ وَفَدَى نَصَّ عَلَيْهِ. (أَوْ خَافَ) الْمُحْرِمُ (مِنْ بَرْدٍ لَبِسَ وَفَدَى) كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ صَيْدٍ. (وَلَا تَحْرُمُ دَلَالَةٌ عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ) وَلِبَاسٍ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ تَحْصِيلُهُمَا بَلْ اسْتِعْمَالُهُمَا بِخِلَافِ الصَّيْدِ (وَيَأْتِي قَرِيبًا) . (وَيَتَقَلَّدُ) الْمُحْرِمُ (بِسَيْفٍ لِلْحَاجَةِ) لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ «لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ: الْقُرَابُ بِمَا فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْمَنُونَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ (وَلَا يَجُوزُ) أَنْ يَتَقَلَّدَ بِالسَّيْفِ (لِغَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ حَاجَةٍ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " لَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ السِّلَاحُ فِي الْحَرَمِ قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي إبَاحَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى اللُّبْس كَمَا لَوْ حَمَلَ قِرْبَةً فِي عُنُقِهِ. (وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ السِّلَاحِ بِمَكَّةَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ» وَإِنَّمَا مَنَعَ أَحْمَدُ مِنْ تَقَلُّدِ السَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللُّبْسِ (وَلَهُ حَمْلُ جِرَابٍ وَقِرْبَةِ الْمَاءِ فِي عُنُقِهِ وَلَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ (وَلَا يُدْخِلُهُ) أَيْ: حَبْلَهَا (فِي صَدْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ. (وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ) وَلَمْ يُغَطِّ وَجْهَهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ امْرَأَةً (أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ لِلْمَخِيطِ فَلَا فِدْيَةَ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رَجُلًا. (وَإِنْ غَطَّى وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ) فَدَى؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ غَطَّى وَجْهَهُ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ غَطَّى رَأْسَهُ فَوَجَبَتْ بِكُلِّ حَالٍ (أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ وَلَبِسَ الْمَخِيطَ فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُنْثَى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِتَغْطِيَةِ وَجْهِهِ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَلِلُبْسِهِ الْمَخِيطَ.

стр. 933

[فَصْلٌ فِي الطِّيبُ لِلْمُحْرِمِ] فَصْلٌ الْخَامِسُ الطِّيبُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ بِغَسْلِ الطِّيبِ» «وَقَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ لَا تُحَنِّطُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَلِمُسْلِمٍ " لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ " (فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (بَعْدَ إحْرَامِهِ تَطْيِيبُ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ) أَيْ: شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ ثَوْبِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ وَلِأَنَّهُ يُعَدُّ مُتَطَيِّبًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَلَوْ) كَانَ التَّطَيُّبُ لَهُ (مِنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ) وَكَذَا لَوْ سَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَبَقَ حُكْمُ مَا لَوْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ ثُمَّ اسْتَدَامَهُ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ (لُبْسُ مَا صُبِغَ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ» وَهُوَ نَبْتٌ أَصْفَرُ يَكُونُ بِالْيَمَنِ تُتَّخَذُ مِنْهُ الْحُمْرَةُ لِلْوَجْهِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَرْسُ نَبَاتٌ كَالسِّمْسِمِ لَيْسَ إلَّا بِالْيَمَنِ يُزْرَعُ فَيَبْقَى عِشْرِينَ سَنَةً نَافِعٌ لِلْكَلَفِ طِلَاءً وَلِلْبَهَقِ شُرْبًا. (أَوْ) أَيْ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسُ (مَا غُمِسَ فِي مَاءِ وَرْدٍ أَوْ بُخِّرَ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ) كَعَنْبَرٍ؛ لِأَنَّهُ مُطَيَّبٌ. (وَ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا (الْجُلُوسُ وَالنَّوْمُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَا صُبِغَ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ أَوْ غُمِسَ فِي مَاءِ وَرْدٍ أَوْ بُخِّرَ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ فَرَشَ فَوْقَ الطِّيبِ ثَوْبًا صَفِيقًا يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ غَيْرَ ثِيَابِ بَدَنِهِ فَلَا فِدْيَةَ بِالنَّوْمِ عَلَيْهِ) وَلَا بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لَهُ بِخِلَافِ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَلَوْ ضَيِّقَةً. (وَيَحْرُمُ) عَلَى الْمُحْرِمِ (الِاكْتِحَالُ) بِمُطَيَّبٍ (وَالِاسْتِعَاطُ وَالِاحْتِقَانُ بِمُطَيَّبٍ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلطِّيبِ أَشْبَهَ شَمَّهُ (وَ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ (شَمُّ الْأَدْهَانِ الْمُطَيَّبَةِ كَدُهْنِ وَرْدٍ وَ) دُهْنِ (بَنَفْسَجٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالنُّونِ وَالسِّينِ مُعَرَّبٌ. (وَ) دُهْنِ (خَيْرِيٍّ) وَهُوَ الْمَنْثُورُ وَيَأْتِي (وَ) دُهْنِ (زَنْبَقٍ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ يُقَالُ: هُوَ الْيَاسَمِينُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَالْمَعْرُوفُ: أَنَّهُ غَيْرُهُ لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي طَبْعِهِ (وَ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ (الِادِّهَانُ بِهَا) أَيْ: الْأَدْهَانِ الْمُطَيَّبَةِ؛ لِأَنَّهَا تُقْصَدُ رَائِحَتُهَا وَتُتَّخَذُ لِلطِّيبِ أَشْبَهَتْ مَاءَ الْوَرْدِ. (وَ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ (شَمُّ مِسْكٍ وَكَافُورٍ وَعَنْبَرٍ وَغَالِيَةٍ وَمَاءِ وَرْدٍ وَزَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ وَتَبَخُّرٌ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ) كَعَنْبَرٍ؛ لِأَنَّهَا هَكَذَا تُسْتَعْمَلُ. (وَ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ (أَكْلُ وَشُرْبُ مَا فِيهِ طِيبٌ يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ وَلَوْ مَطْبُوخًا أَوْ

стр. 934

مَسَّتْهُ النَّارُ حَتَّى وَلَوْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ وَبَقِيَ طَعْمُهُ) ؛ لِأَنَّ الطَّعْمَ مُسْتَلْزِمُ الرَّائِحَةَ وَلِبَقَاءِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ (فَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ فَقَطْ) دُونَ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ (فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) لِذَهَابِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ. (وَإِنْ مَسَّ مِنْ الطِّيبِ مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ كَمِسْكٍ غَيْرِ مَسْحُوقٍ وَقِطَعِ كَافُورٍ وَ) قِطَعِ (عَنْبَرٍ وَنَحْوِهِ) كَقِطَعِ عُودٍ (فَلَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لِلطِّيبِ (فَإِنْ شَمَّهُ) أَيْ: الْمِسْكَ وَقِطَعَ الْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوَهُ (فَدَى) كَمَا سَبَقَ (وَإِنْ عَلِقَ الطِّيبُ بِيَدِهِ كَالْمَسْحُوقِ) مِنْ مِسْكٍ وَكَافُورٍ وَعَنْبَرٍ (وَ) كَا (لِغَالِيَةِ وَمَاءِ الْوَرْدِ فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلطِّيبِ. (وَلَهُ شَمُّ الْعُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَطَيَّبُ بِهِ إلَّا بِالتَّبْخِيرِ وَ) لَهُ شَمُّ (الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا مِنْ الْأُتْرُنْجِ وَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا نَبَاتُ الصَّحْرَاءِ كَشَيْحٍ وَخُزَامَى وَقَيْصُومٍ وَإِذْخِرٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُتَّخَذُ طِيبًا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ وَلَا يُسَمَّى مُتَطَيِّبًا عَادَةً. (وَ) كَذَا (مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ لِغَيْرِ قَصْدِ الطِّيبِ كَحِنَّاءٍ وَعُصْفُرٍ وَقَرَنْفُلٍ وَدَارَ صِينِيِّ وَنَحْوِهِ) كَالزَّرْنَبِ (أَوْ يُنْبِتُهُ لِطِيبٍ وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَرَيْحَانٍ فَارِسِيِّ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْ: الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ وَهُوَ الْحَبَقُ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَكَّةَ وَغَيْرِهَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: نَبَاتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ فَارِسِيَّتُهُ: الفوتنج يُشْبِهُ الثُّمَامَ وَحَبَقَ الْمَاءِ وَحَبَقِ التِّمْسَاحِ الفوتنج النَّهْرِيُّ (وَخَصَّهُ) أَيْ: الرَّيْحَانَ الْفَارِسِيَّ (بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بالصميران وَهُوَ صِنْفٌ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ. (قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ العنبج الْمَعْرُوفُ بِالشَّامِ بِالرَّيْحَانِ الْجَمَّامِ لِاسْتِدَارَتِهِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ انْتَهَى وَمَاءُ رَيْحَانٍ وَنَحْوِهِ) كَمَاءِ الْفَوَاكِهِ وَالْعُصْفُرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ (كَهُوَ) فَيَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَالرَّيْحَانُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْآسُ) أَيْ: الْمَرْسِينُ. (وَلَا فِدْيَةَ فِي شَمِّهِ) قَطْعًا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ (وَكَذَا نَرْجِسُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَنَمَّامٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: نَبْتٌ طَيِّبٌ مُدِرٌّ، يُخْرِجُ الْجَنِينَ الْمَيِّتَ وَالدُّودَ (وَبَرَمٌ وَهُوَ ثَمَرُ الْعِضَاهِ كَأُمِّ غَيْلَانَ وَنَحْوِهَا وَمَرْزَنْجُوشُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: بِالْفَتْحِ الْمَرْدَقُوشُ مُعَرَّبٌ، مَرْزَنْكُوشَ وَعَرَبِيَّتُهُ السَّمْسَقُ نَافِعٌ لِعُسْرِ الْبَوْلِ وَالْمَغَصِ وَلَسْعَةِ الْعَقْرَبِ (وَيَفْدِي) الْمُحْرِمُ (بِشَمِّ مَا يُنْبِتُهُ) الْآدَمِيُّ (لِطِيبٍ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَوَرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ وَخِيرِيٍّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرَهُ. (وَهُوَ الْمَنْثُورُ وَلَيْنُوفَرُ وَيَاسَمِينُ وَنَحْوُهُ) كَالْبَانِ وَالزَّنْبَقِ لِقَوْلِ جَابِرٍ " لَا يَشُمُّهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ قَالَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ كَمَاءِ الْوَرْدِ. (وَلَا فِدْيَةَ بِادِّهَانِهِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ كَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ وَسَمْنٍ)

стр. 935

حَتَّى فِي رَأْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ (وَ) لِلْمُحْرِمِ الِادِّهَانُ ب (دُهْنِ الْبَانِ وَالسَّاذَجِ) أَيْ: الْخَالِي عَنْ الطِّيبِ (وَنَحْوِهَا فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ عَطَّارٍ أَوْ) جَلَسَ (فِي مَوْضِعٍ لِيَشُمَّ الطِّيبَ فَشَمَّهُ مِثْلَ مَنْ قَصَدَ الْكَعْبَةَ حَالَ تَجْمِيرِهَا أَوْ حَمَلَ عُقْدَةً فِيهَا مِسْكٌ لِيَجِدَ رِيحَهَا فَدَى) إنْ شَمَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَمَّهُ قَاصِدًا أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ (فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَمَّهُ كَالْجَالِسِ عِنْدَ عَطَّارٍ لِحَاجَةٍ وَكَدَاخِلِ السُّوقِ) لَا لِشَمِّ الطِّيبِ (أَوْ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ لِيَتَبَرَّكَ بِهَا) . (وَمَنْ يَشْتَرِي طِيبًا لَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ وَلَا يَمَسُّهُ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ (وَلِمُشْتَرِيهِ حَمْلُهُ وَتَقْلِيبُهُ إذَا لَمْ يَمَسَّهُ وَلَوْ ظَهَرَ رِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الطِّيبَ) وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ (وَقَلِيلُ الطِّيبِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ) لِلْعُمُومَاتِ. (وَإِذَا تَطَيَّبَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا لَزِمَهُ إزَالَتُهُ بِمَا أَمْكَنَ مِنْ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِزَالَةُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَائِعًا يُزِيلُ بِهِ الطِّيبَ (ف) إنَّهُ يُزِيلُهُ (بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْجَامِدَاتِ كَحَكِّهِ بِخِرْقَةٍ وَتُرَابٍ وَوَرَقِ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ) كَحَجَرٍ وَخَشَبٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إزَالَتُهُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ وَقَدْ فَعَلَ. (وَلَهُ غَسْلُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمُلَاقَاةِ الطِّيبِ بِيَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَدَارُكٌ (وَالْأَفْضَلُ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى غَسْلِهِ بِحَلَالٍ) لِئَلَّا يُبَاشِرُهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ غَسْلُهُ عَلَى غَسْلِ نَجَاسَةٍ وَحَدَثٍ لَكِنْ إنْ قَدِرَ عَلَى قَطْعِ رَائِحَتِهِ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَعَلَ وَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إزَالَةِ الطِّيبِ قَطْعُ رَائِحَتِهِ. [فَصْلٌ قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ الْمَأْكُولِ وَذَبْحُهُ لِلْمُحْرِمِ] فَصْلٌ (السَّادِسُ قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ الْمَأْكُولِ وَذَبْحُهُ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (وَاصْطِيَاده) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] (وَأَذَاهُ) وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ أَوْ يَجْرَحْهُ فِي الِاصْطِيَادِ أَوْ الْأَذَى (وَهُوَ) أَيْ: صَيْدُ الْبَرِّ (مَا كَانَ وَحْشِيًّا أَصْلًا لَا وَصْفًا) . (فَلَوْ تَأَهَّلَ وَحْشِيٌّ) كَحَمَامٍ وَبَطٍّ (ضَمِنَهُ) اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ.

стр. 936

وَ (لَا) ضَمَانَ (إنْ تَوَحَّشَ أَهْلِيٌّ) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ لِلْأَكْلِ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً: لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْإِنْسِيَّةُ. (وَيَحْرُمُ) قَتْلُ، وَاصْطِيَادُ مُتَوَلِّدٍ مِنْ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ كَمَا غَلَّبُوا تَحْرِيمَ أَكْلِهِ (وَيَفْدِي مُتَوَلِّدًا مِنْ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ) إذَا قَتَلَهُ لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ (كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُ وَاصْطِيَادُهُ لِمَا تَقَدَّمَ وَيَفْدِي تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ. (وَ) كَذَا الْمُتَوَلِّدُ (بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ) فَيَحْرُمُ قَتْلُهُ وَاصْطِيَادُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَأْتِي حُكْمُ غَيْرِ الْوَحْشِيِّ) وَحُكْمُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ (كَحَمَامٍ وَبَطٍّ وَحْشِيَّانِ وَإِنْ تَأَهَّلَا) اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِمَا (وَبَقَرٍ وَجَوَامِيسَ أَهْلِيَّةٍ وَإِنْ تَوَحَّشَتْ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا الْإِنْسِيَّةُ وَتَقَدَّمَ. (فَمَنْ أَتْلَفَ صَيْدًا) أَوْ بَعْضَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ (أَوْ تَلِفَ) الصَّيْدُ (فِي يَدِهِ أَوْ) تَلِفَ (بَعْضُهُ فِي يَدِهِ بِمُبَاشَرَةٍ) لِإِتْلَافِهِ (أَوْ سَبَبٍ وَلَوْ) كَانَ (بِجِنَايَةِ دَابَّةٍ) هُوَ (مُتَصَرِّفٌ فِيهَا) بِأَنْ كَانَ رَاكِبًا أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ انْفَلَتَتْ مِنْهُ فَأَتْلَفَتْهُ (فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ إنْ كَانَ) الِائْتِلَافُ (بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا) وَ (لَا) يَضْمَنُهُ إنْ كَانَ بِ (رِجْلِهَا) نَفْحًا لَا وَطْئًا كَمَا يَعْلَمُ مِنْ الْغَصْب. (وَيَأْتِي آخِرَ جَزَاءِ الصَّيْدِ) أَمَّا كَوْنُهُ يَضْمَنُهُ بِالْجَزَاءِ إذَا أَتْلَفَهُ فَبِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَأَمَّا ضَمَانُهُ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ؛ فَلِأَنَّهُ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ إذْ الْوَاجِبُ إمَّا إرْسَالُهُ أَوْ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ وَأَمَّا ضَمَانُ جَزَائِهِ بِالْإِتْلَافِ؛ فَلِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ فَضُمِنَتْ أَبْعَاضُهُ كَالْآدَمِيِّ وَالْمَالِ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (وَالْإِشَارَةُ وَالْإِعَانَةُ وَلَوْ بِإِعَارَةِ سِلَاحٍ لِيَقْتُلَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ (أَوْ لِيَذْبَحَهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ) أَيْ: الصَّائِدُ (مَا يَقْتُلُهُ بِهِ أَوْ لَا أَوْ يُنَاوِلُهُ سِلَاحَهُ أَوْ سَوْطَهُ أَوْ لِيَدْفَعَ إلَيْهِ فَرَسًا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الصَّيْدِ إلَّا بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْحَرَامِ فَكَانَ حَرَامًا كَسَائِرِ الْوَسَائِلِ وَلِحَدِيثِ «أَبِي قَتَادَةَ لَمَّا صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَلْ أَشَارَ إلَيْهِ إنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا لَا وَفِيهِ أَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا فَلَمْ يَدُلُّونِي وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ أَوْ الرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي فَقَالُوا لَا وَاَللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إنَّا مُحْرِمُونَ فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَعَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي

стр. 937

فَقَالَ بَعْضُهُمْ كُلُوا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَأْكُلُوا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كُلُوهُ وَهُوَ حَلَالٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ (وَيَضْمَنُهُ بِذَلِكَ) أَيْ: يَضْمَنُ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَالْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ كَمَا يَضْمَنُ الْمُودَعُ بِالدَّلَالَةِ لَكِنْ لَوْ دَلَّهُ فَكَذَّبَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَالٍّ وَلَا مُشِيرٍ بَعْدَ أَنْ رَآهُ مَنْ يُرِيدُ صَيْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي تَلَفِهِ (وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مِنْ الْمُحْرِمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ ضَحِكٌ أَوْ اسْتِشْرَافُ) نَفْسٍ (فَفَطِنَ لَهُ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْمُحْرِمِ: فَلَا تَحْرِيمَ وَلَا ضَمَانَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ (وَكَذَا لَوْ أَعَارَهُ آلَةً لِغَيْرِ الصَّيْدِ فَاسْتَعْمَلَهَا فِيهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ) فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ. (وَلَا تَحْرُمُ دَلَالَةٌ عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ) لِعَدَمِ ضَمَانِهِمَا بِالسَّبَبِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالدَّالِّ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالدَّالِّ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ مِنْهُ وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ إذَا كَانَ مَنْ دَلَّهُ الْمُحْرِمُ حَلَالًا. (وَلَا) تَحْرُمُ (دَلَالَةُ حَلَالٍ مُحْرِمٍ عَلَى صَيْدٍ) بِغَيْرِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْحَلَالِ حَلَالٌ فَدَلَالَتُهُ أَوْلَى (وَيَضْمَنُهُ الْمُحْرِمُ) إذَا قَتَلَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الصَّيْدُ (فِي الْحَرَمِ فَيَشْتَرِكَانِ) أَيْ: الْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ (فِي الْجَزَاءِ كَالْمُحْرِمَيْنِ) لِتَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ (فَإِنْ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ أَوْ) اشْتَرَكَ فِيهِ (سَبُعٌ وَمُحْرِمٌ فِي الْحِلِّ) مُتَعَلِّقٌ بِاشْتَرَكَ (فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ جَمِيعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ فَغَلَبَ الْإِيجَابُ كَمَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْضَهُ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: مُقْتَضَى الْفِقْهِ عِنْدِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْجَزَاءِ وَقَاسَهُ عَلَى مُشَارَكَةِ مَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي إتْلَافِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ الْإِذْنُ هُنَاكَ مُنْتَفٍ وَهَهُنَا مَوْجُودٌ نَعَمْ إنْ قَصَدَ الْمُحِلُّ إعَانَةَ الْمُحْرِمِ وَمُسَاعَدَتَهُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ تَوَجَّهَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ. كَمَا إذَا بَاعَ مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ بَعْدَ النِّدَاءِ قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي التَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ (ثُمَّ إنْ كَانَ جُرْحُ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ (قَبْلَ صَاحِبِهِ وَالسَّابِقُ) بِالْجُرْحِ (الْحَلَالُ أَوْ السَّبُعُ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا) اعْتِبَارًا بِحَالِ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الضَّمَانِ. (وَإِنْ

стр. 938

سَبَقَهُ الْمُحْرِمُ) فَجَرَحَهُ (وَقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْحَلَالُ أَوْ السَّبُعُ (فَعَلَى الْمُحْرِمِ أَرْشُ جُرْحِهِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سِوَى الْجُرْحِ (وَإِنْ كَانَ جُرْحُهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ جَرَحَاهُ) أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْأُخَرِ (وَمَاتَ مِنْهُمَا فَالْجَزَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُحْرِمِ) تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ كَمَا سَبَقَ. وَإِنْ جَرَحَهُ مُحْرِمٌ ثُمَّ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ جُرْحِهِ وَعَلَى الثَّانِي تَتِمَّةُ الْجَزَاءِ (وَإِذَا دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ ثُمَّ دَلَّ الْآخَرُ مُحْرِمًا آخَرَ) ثُمَّ (كَذَلِكَ إلَى عَشْرَةٍ فَقَتَلَهُ الْعَاشِرُ فَالْجَزَاءُ عَلَى جَمِيعِهِمْ) لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْإِثْمِ وَالتَّسَبُّبِ. (وَإِنْ قَتَلَهُ الْأَوَّلُ فَلَا شَيْءَ) عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَيْرَ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَتَسَبَّبْ فِي الْقَتْلِ (وَلَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَكَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ مُحْرِمًا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الصَّيْدِ فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ. (وَإِنْ) نَصَبَ حَلَالٌ (شَبَكَةً وَنَحْوَهَا) كَفَخٍّ (ثُمَّ أَحْرَمَ) لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً (أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ ك) إنْ حَفَرَهَا فِي (دَارِهِ وَنَحْوِهَا) مِنْ مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ (أَوْ) حَفَرَ الْبِئْرِ (لِلْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ) لِعَدَمِ تَحْرِيمِهِ (مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً) عَلَى الِاصْطِيَادِ فَإِنْ كَانَ حِيلَةً ضَمِنَ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى عَاقَبَ الْيَهُودَ عَلَى نَصْبِ الشَّبَكِ يَوْمَ الْجُمَعِ وَأَخَذَ مَا سَقَطَ فِيهَا يَوْمَ الْأَحَد وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلِنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَفْرُ الْبِئْرِ بِحَقٍّ كَحَفْرِهَا بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ وَنَحْوِهِ (ضَمِنَ) مَا تَلِفَ بِهَا مِنْ الصَّيْدِ (كَالْآدَمِيِّ إذَا تَلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَوْ بَاعَ فَخًّا أَوْ شَبَكَةً مَنْصُوبَتَيْنِ فَوَقَعَ فِيهِمَا صَيْدٌ فِي الْحَرَمِ أَوْ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ضَمَانُهُ ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. (وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُ صَيْدٍ صَادَهُ) هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمُحْرِمِينَ (أَوْ ذَبَحَهُ أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ حَلَالًا أَوْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ؟ قَالُوا: لَا قَالَ كُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَكَذَا) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ (أَكْلُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ «أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَحْمُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ» فِيهِ: الْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ

стр. 939

لَهُ سَمَاعٌ مِنْ جَابِرٍ. وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ «أَتَى بِلَحْمِ صَيْدٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا فَقَالُوا أَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنَّمَا صِيدَ لِأَجْلِي» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (الْجَزَاءُ إنْ أَكَلَهُ) أَيْ: مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ مُنِعَ مِنْهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِهِ الْجَزَاءُ كَقَتْلِ الصَّيْدِ بِخِلَافِ قَتْلِ الْمُحْرِمِ صَيْدًا ثُمَّ يَأْكُلُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِقَتْلِهِ لَا لِأَكْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ كَإِتْلَافِهِ بِغَيْرِ أَكْلِهِ وَكَصَيْدِ الْحَرَمِ إذَا قَتَلَهُ حَلَالٌ وَأَكَلَهُ؛ وَلِأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَهِيَ لَا تُضْمَنُ وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ بِأَكْلِهِ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ. (وَإِنْ أَكَلَ) الْمُحْرِمُ (بَعْضَهُ) أَيْ بَعْضَ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ (ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ اللَّحْمِ) مِنْ النَّعَمِ (كَضَمَانِ أَصْلِهِ) لَوْ أَكَلَهُ كُلَّهُ (بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ) وَالْفَرْعُ يَتْبَعُ الْأَصْلَ. (وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ) أَيْ: فِي ضَمَانِ الْبَعْضِ بِمِثْلِهِ مِنْ اللَّحْمِ (لِجَوَازِ عُدُولِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (إلَى عَدْلِهِ) أَيْ: الْبَعْضِ (مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَوْمٍ) فَلَا يُفْضِي إلَى التَّشْقِيصِ (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (أَكْلُ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَا صِيدَ أَوْ ذُبِحَ لَهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ وَنَحْوُهُ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ. (فَلَوْ ذَبَحَ مُحِلٌّ صَيْدًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ حَرُمَ عَلَى الْمَذْبُوحِ لَهُ) لِمَا سَبَقَ (لَا) يَحْرُمُ (عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ) لِمَا مَرَّ (وَمَا حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ لِدَلَالَةٍ أَوْ إعَانَةٍ أَوْ صَيْدٍ لَهُ) أَوْ ذَبْحٍ لَهُ (لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الدَّالِّ أَوْ الْمُعِينِ أَوْ الَّذِي صِيدَ أَوْ ذُبِحَ لَهُ (كَحَلَالٍ) أَيْ: كَمَا لَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ. (وَإِنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا ثُمَّ أَكَلَهُ ضَمِنَهُ لِقَتْلِهِ لَا لِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ يَحْرُمُ أَكْلُهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ) وَالْمَيْتَةُ غَيْرُ مُتَمَوَّلَةٍ فَلَا تُضْمَنُ. (وَكَذَا إنْ حُرِّمَ) صَيْدٌ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُحْرِمِ (بِالدَّلَالَةِ أَوْ الْإِعَانَةِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِشَارَةِ) إلَيْهِ (فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنُ) مَا أَكَلَهُ (لِلْأَكْلِ) بَلْ لِلسَّبَبِ مِنْ الدَّلَالَةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالسَّبَبِ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ ضَمَانُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَبَيْضُ الصَّيْدِ وَلَبَنُهُ مِثْلُهُ فِيمَا سَبَقَ) ؛ لِأَنَّهُ كَجُزْئِهِ (وَيَحْرُمُ تَنْفِيرُ الصَّيْدِ) ؛ لِأَنَّهُ إيذَاءٌ وَكَصَيْدِ الْحَرَمِ (فَإِنْ نَفَّرَهُ فَتَلِفَ أَوْ نَقَصَ فِي حَالِ نُفُورِهِ ضُمِنَ) التَّالِفُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ وَمَا نَقَصَ بِأَرْشِهِ لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ. (وَإِنْ أَتْلَفَ) الْمُحْرِمُ (بَيْضَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ (وَلَوْ) كَانَ إتْلَافُهُ (بِنَقْلِهِ) مِنْ مَكَانِهِ (فَجَعَلَهُ تَحْتَ صَيْدٍ آخَرَ) أَوْ لَا (أَوْ تَرَكَ مَعَ بَيْضِهِ بَيْضًا آخَرَ) فَنَفَرَ (أَوْ) جَعَلَ مَعَ بَيْضِهِ (شَيْئًا فَنَفَرَ) الصَّيْدُ (عَنْ بَيْضِهِ حَتَّى فَسَدَ) الْبَيْضُ (ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَكَانَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ "؛ وَلِأَنَّ الْبَيْضَ لَا مِثْلَ لَهُ فَتَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ كَصِغَارِ الطَّيْرِ وَإِطْلَاقِ الثَّمَنِ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 940

مَرْفُوعًا «فِي بَيْضِ النَّعَامِ ثَمَنُهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.: يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إذْ غَالِبُ الْأَشْيَاءِ يَعْدِلُ ثَمَنُهَا قِيمَتَهَا (وَكَلَبَنِهِ) فَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَ (لَا) يَضْمَنُ الْبَيْضَ (الْمَذَر، وَ) لَا (مَا فِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ (سِوَى بَيْضِ النَّعَامِ فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً فَيَضْمَنُهُ) بِقِيمَتِهِ وَإِنْ كَانَ مَذَرًا أَوْ فِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ. (وَإِنْ بَاضَ عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ مَتَاعِهِ) صَيْدٌ (فَنَقَلَهُ) أَيْ: الْبَيْضَ (بِرِفْقٍ فَفَسَدَ) الْبَيْضُ بِنَقْلِهِ (فَكَجَرَادٍ تُفْرَشُ فِي طَرِيقِهِ) فَيَضْمَنُهُ عَلَى مَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَنْفَعَتِهِ (وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَةً فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ فَعَاشَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) . وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنَهُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ إلَى أَنْ يَنْهَضَ وَيَطِيرَ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ كَمَا لَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا أَعْرَجَ ثُمَّ تَرَكَهُ. (وَإِنْ مَاتَ) بَعْدَ خُرُوجِهِ (فَفِيهِ مَا فِي صِغَارِ أَوْلَادِ الْمُتْلَفِ بَيْضُهُ فَفِي فَرْخِ الْحَمَامِ صَغِيرِ أَوْلَادِ الْغَنَمِ وَفِي فَرْخِ النَّعَامَةِ: حُوَارٌ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: صَغِيرُ أَوْلَادِ الْإِبِلِ (وَفِيمَا عَدَاهُمَا قِيمَتُهُ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ الطُّيُورِ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ. (وَلَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ أَكْلُ بَيْضِ الصَّيْدِ إذَا كَسَرَهُ هُوَ) أَيْ: الْآكِلُ (أَوْ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ) ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الصَّيْدِ أَشْبَهَ سَائِرِ أَجْزَائِهِ وَكَذَا شُرْبُ لَبَنِهِ (وَيَحِلُّ) بَيْضُ الصَّيْدِ الَّذِي كَسَرَهُ مُحْرِمٌ وَلَبَنُهُ الَّذِي حَلَبَهُ مُحْرِمٌ (لِلْحَلَالِ) ؛ لِأَنَّ حِلَّهُ عَلَى الْمَحَلِّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَسْرِ أَوْ الْحَلْبِ وَلَا يُعْتَبَرُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَهْلِيَّةُ الْفَاعِلِ فَلَوْ كَسَرَهُ أَوْ حَلَبَهُ مَجُوسِيٌّ أَوْ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ حَلَّ. (وَإِنْ كَسَرَهُ) أَيْ: بَيْضَ الصَّيْد وَكَذَا لَوْ حَلَبَ لَبَنَهُ (حَلَالٌ فَكَلَحْمِ صَيْدٍ إنْ كَانَ أَخَذَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ لَمْ يُبَحْ) لِلْمُحْرِمِ (أَكْلُهُ) كَالصَّيْدِ الَّذِي ذُبِحَ لِأَجْلِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَلَالُ أَخَذَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ (أُبِيحَ) لِلْمُحْرِمِ كَصَيْدٍ ذَبَحَهُ حَلَالٌ لَا لِقَصْدِ الْمُحْرِمِ. (وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَمْلُوكًا) وَأَتْلَفَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ أَوْ بَيْضُهُ أَوْ لَبَنُهُ (ضَمِنَهُ جَزَاءً) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (وَقِيمَتَهُ) لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ. (وَلَا يَمْلِكُ) الْمُحْرِمُ (الصَّيْدَ ابْتِدَاءً بِشِرَاءٍ وَلَوْ بِوَكِيلِهِ وَلَا بِاتِّهَابٍ وَلَا بِاصْطِيَادٍ) لِخَبَرِ الصَّعْبِ السَّابِقِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ (فَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ مُحْرِمٌ (بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ) أَيْ: الشِّرَاءِ وَالِاتِّهَابِ وَالِاصْطِيَادِ (ثُمَّ تَلِفَ) الصَّيْدُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ الْآخِذِ لَهُ (جَزَاؤُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَةِ (وَإِنْ كَانَ) الصَّيْدُ (مَبِيعًا) وَتَلِفَ بِيَدِ الْمُحْرِمِ الْمُشْتَرَى (فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ لِمَالِكِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَيَضْمَنُهُ كَصَحِيحِهِ. (وَ) عَلَيْهِ (الْجَزَاءُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ لِعُمُومِ ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] .

стр. 941

(وَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ مُحْرِمٌ (رَهْنًا) لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ (فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ فَقَطْ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ لِمَا سَبَقَ وَلَا يَضْمَنُهُ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ صَحِيحَ الرَّهْنِ لَا ضَمَانَ فِيهِ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ. (وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ) الصَّيْدُ الَّذِي أَخَذَهُ الْمُحْرِمُ بِشِرَاءٍ أَوْ اتِّهَابٍ أَوْ ارْتِهَانٍ (فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ) لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَعُدْوَانِ يَدِهِ (فَإِنْ أَرْسَلَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ الْمُحْرِمُ الْقَابِضُ لَهُ (فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِمَالِكِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ (وَلَا جَزَاءَ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ الْمُشْتَرِي لِلصَّيْدِ (رَدُّ) الصَّيْدِ (الْمَبِيعِ أَيْضًا) لِمَالِكِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ. (وَلَا يَسْتَرِدُّ) الْمُحْرِمُ (الصَّيْدَ الَّذِي بَاعَهُ وَهُوَ حَلَالٌ بِخِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ (وَلَا عَيْبَ فِي ثَمَنِهِ) الْمُعَيَّنِ. (وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ) كَالِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ وَالتَّقَايُلِ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ تَمَلُّكٍ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ (وَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ: الصَّيْدَ (الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْبَائِعِ الْمُحْرِمِ (بِعَيْبٍ) فِي الصَّيْدِ (أَوْ خِيَارٍ فَلَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (ذَلِكَ) لِقِيَامِ سَبَبِ الرَّدِّ (ثُمَّ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُحْرِمِ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِتَمَلُّكِهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ فَيَمْلِكُهُ إذَا حَلَّ كَالْعَصِيرِ يَتَخَمَّرُ ثُمَّ يَتَخَلَّلُ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُحْرِمَ (إرْسَالُهُ) أَيْ: الصَّيْدِ لِئَلَّا تَثْبُتَ يَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ عَلَيْهِ. (وَيَمْلِكُ) الْمُحْرِمُ (الصَّيْدَ بِإِرْثٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ وَلَا فِعْلَ مِنْهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَيَمْلِكُ بِهِ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ وَمِثْلُهُ لَوْ أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ صَيْدًا وَهُوَ حَلَالٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَادَ نِصْفُهُ إلَيْهِ قَهْرًا كَمَا يَأْتِي فِي الصَّدَاقِ وَمِثْلُهُ لَوْ ارْتَدَّ وَنَحْوُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَعُودُ إلَيْهِ كُلَّهُ. (وَإِنْ أَمْسَكَ) الْمُحْرِمُ (صَيْدًا حَتَّى تَحَلَّلَ) مِنْ إحْرَامِهِ (لَزِمَهُ إرْسَالُهُ) لِعُدْوَانِ يَدِهِ عَلَيْهِ (فَإِنْ تَلِفَ) الصَّيْدُ قَبْلَ إرْسَالِهِ (أَوْ ذَبَحَهُ) بَعْد تَحَلُّلِهِ (أَوْ أَمْسَكَ) مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ (صَيْدَ حَرَمٍ وَخَرَجَ بِهِ إلَى الْحِلِّ) ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ (أَوْ ذَبَحَ مَحِلَّ صَيْدِ حَرَمِ) مَكَّةَ (ضَمِنَهُ) لِمَا يَأْتِي. (وَكَانَ) الصَّيْدُ (مَيْتَةً) فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ فَلَمْ يُبَحْ بِذَبْحِهِ كَحَالَةِ الْإِحْرَامِ. (وَإِنْ أَحْرَمَ) وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ (أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ) الْمَكِّيَّ أَوْ الْمَدَنِيَّ (بِصَيْدٍ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ فَيَرُدُّهُ مَنْ أَخَذَهُ) لِاسْتِدَامَةِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (وَيَضْمَنُهُ مَنْ قَتَلَهُ) كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُحْتَرَمَةِ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: مَنْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ الْمَكِّيَّ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ (إرْسَالُهُ فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ فِي عَدَمِ ذَلِكَ إمْسَاكًا لِلصَّيْدِ فَلَمْ يَجُزْ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِدَلِيلِ الْيَمِينِ. (وَ) يَلْزَمُهُ (إزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ مِثْلَ مَا إذَا كَانَ فِي قَبْضَتِهِ أَوْ رَحْلِهِ أَوْ خَيْمَتِهِ أَوْ قَفَصِهِ أَوْ) كَانَ (مَرْبُوطًا بِحَبْلٍ مَعَهُ وَنَحْوِهِ)

стр. 942

لِمَا سَبَقَ (دُونَ يَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ) فَلَا يَلْزَمُهُ إزَالَتُهَا (مِثْلَ أَنْ يَكُونَ) الصَّيْدُ (فِي بَيْتِهِ أَوْ بَلَدِهِ أَوْ يَدِ نَائِبِهِ) الْحَلَالِ (فِي غَيْرِ مَكَانِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِي الصَّيْدِ فِعْلًا فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ. وَعَكْسُ هَذَا: إذَا كَانَ فِي يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْإِمْسَاكِ (وَلَا يَضْمَنُهُ) إذَا تَلِفَ بِيَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ إزَالَتُهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبٌ فِي تَلَفِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ) أَيْ: الصَّيْدِ الَّذِي بِيَدِهِ الْحُكْمِيَّةُ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ (وَمَنْ غَصَبَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ (لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَى مَالِكهِ لِاسْتِمْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (فَلَوْ) تَلِفَ الصَّيْدُ (فِي يَدِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (الْمُشَاهَدَةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ إرْسَالِهِ) بِأَنْ نَفَّرَهُ لِيَذْهَبَ فَلَمْ يَذْهَبْ (لَمْ يَضْمَنْهُ) لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ تَعَدٍّ وَتَقْصِيرٍ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ إرْسَالِهِ فَلَمْ يُرْسِلْهُ (ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَمَالِ الْآدَمِيِّ. (وَإِنْ أَرْسَلَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ (إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (الْمُشَاهَدَةِ قَهْرًا لَمْ يَضْمَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِعْلُهُ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ خَاصَّةً كَالْمَغْصُوبِ؛ وَلِأَنَّ الْيَدَ قَدْ زَالَ حُكْمُهَا وَحُرْمَتُهَا فَلَوْ أَمْسَكَهُ حَتَّى تَحَلَّلَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ وَاعْتَبَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ كَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ قَبْلَ إرَاقَتِهِ. وَفِي الْكَافِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ: يُرْسِلُهُ بَعْدَ حَلِّهِ كَمَا لَوْ صَادَهُ (وَمَنْ أَمْسَكَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَأَدْخَلَهُ الْحَرَمَ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ صَيْدًا حُرِّمَ بِحُلُولِهِ فِيهِ (أَوْ) أَمْسَكَهُ (فِي الْحَرَمِ فَأَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ) اعْتِبَارًا بِحَالِ السَّبَبِ (فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ) كَصَيْدِ الْحِلِّ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ إذَا أَمْسَكَهُ حَتَّى تَحَلَّلَ. (وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائِلًا عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ خَشْيَةَ تَلَفِهَا أَوْ) خَشْيَةَ (مَضَرَّةٍ كَجُرْحِهِ أَوْ إتْلَافِ مَالِهِ أَوْ بَعْضِ حَيَوَانَاتِهِ) لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَآدَمِيٍّ مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ أَذِنَ فِي قَتْلِ الْفَوَاسِقِ لِدَفْعِ أَذًى مُتَوَهَّمٍ فَالْمُحَقَّقُ أَوْلَى (أَوْ تَلِفَ) الصَّيْدُ (ب) سَبَبِ (تَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ وَنَحْوِهَا لِيُطْلِقَهُ أَوْ أَخَذَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ مُحْرِمٌ (لِيُخَلِّصَ مِنْ رِجْلِهِ خَيْطًا أَوْ نَحْوَهُ فَتَلِفَ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ أُبِيحَ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَمُدَاوَاةِ الْوَلِيِّ مُوَلِّيهِ. (وَلَوْ أَخَذَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ مُحْرِمٌ (لِيُدَاوِيه فَ) هُوَ (وَدِيعَةٌ) عِنْدَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (أَخْذُ مَا لَا يَضُرُّهُ) أَيْ: الصَّيْدَ (كَيْدٍ) وَنَحْوِهَا (مُتَآكِلَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْحَيَوَانِ فَإِنْ مَاتَ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْهُ (وَإِنْ أَزْمَنَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ (فَ) عَلَيْهِ (جَزَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّهُ كَتَالِفٍ وَكَجُرْحٍ يَتَيَقَّنُ بِهِ مَوْتَهُ. (وَلَا تَأْثِيرَ لِحَرَمٍ وَلَا إحْرَامٍ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ أُنْسِيٍّ) إجْمَاعًا (كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالْخَيْلِ وَالدَّجَاجِ) بِتَثْلِيثِ الدَّالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ الصَّيْدُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِذِبْحِ الْهَدَايَا فِي إحْرَامِهِ» . وَقَالَ «أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ» قَالَ

стр. 943

فِي الشَّرْحِ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَالثَّجُّ: إسَالَةُ الدِّمَاءِ وَالذَّبْحُ وَالنَّحْرُ. (وَلَا) تَأْثِيرَ لِحُرُمٍ وَلَا إحْرَامٍ (فِي مُحَرَّمِ الْأَكْلِ غَيْرِ الْمُتَوَلِّدِ) بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ وَتَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (كَالْفَوَاسِقِ وَهِيَ الْحِدَأَةُ) بِالْهَمْزِ بِوَزْنِ عِنَبَةُ وَالْجَمْعُ حِدَاءٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ وَحِدْآنِ أَيْضًا مِثْلُ غِزْلَانِ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَغُرَابُ الْبَيْنِ وَالْفَأْرَةُ وَالْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحَرَمِ الْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ جُنَاحٌ فِي قَتْلِهِنَّ وَذَكَرَ مِثْلَهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ " الْحَيَّةُ بَدَلُ الْعَقْرَبِ. وَمَا يُبَاحُ أَكْلُهُ مِنْ الْغِرْبَانِ لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّيْدِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ قَتْلُهَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْمُرَادُ فِي الْجُمْلَةِ وَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ: أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ يَجِبُ قَتْلُهُ. (وَ) الْقِسْمُ الثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا (قَتْلُ كُلِّ مَا كَانَ طَبْعُهُ الْأَذَى وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَذًى) قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ (كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ) مِمَّا فِيهِ أَذًى لِلنَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ (وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْعُقَابِ وَالْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ) كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ (وَالزُّنْبُورِ وَالْبَقِّ وَالْبَعُوضِ وَالْبَرَاغِيثِ) وَالطُّبُوعِ قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. (وَ) الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا لَا يُؤْذِي بِطَبْعِهِ (كَالرَّخَمِ وَالْبُومِ وَالدِّيدَانِ) فَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَرَمِ وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِيهِ (وَلَا جَزَاءَ فِي ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ الْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِصَيْدٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَجُوزُ قَتْلُهُ وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ يَحْرُمُ انْتَهَى وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ وَفِيهِ مَا عَلِمْتَ قَالَ فِي الْآدَابِ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ النَّمْلِ إلَّا مِنْ أَذِيَّةٍ شَدِيدَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُنَّ وَقَتْلُ الْقَمْلِ بِغَيْرِ النَّارِ، وَيُكْرَه قَتْلهُمَا بِالنَّارِ وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ قَتْلُ مَا لَا يَضُرُّ مِنْ نَمْلٍ وَنَحْوِهِ وَهُدْهُدٍ وَصُرَدٍ وَيَجُوزُ تَدْخِينُ الزَّنَابِيرِ وَتَشْمِيسُ الْقَزِّ وَلَا يُقْتَلُ بِنَارٍ نَمْلٍ وَلَا قَمْلٍ وَلَا بُرْغُوثٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا يُقْتَلُ ضُفْدَعٌ بِحَالٍ قَالَ: وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ. وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ إحْرَاقُ كُلِّ ذِي رَوْحٍ بِالنَّارِ وَإِنَّهُ يَجُوزُ إحْرَاقُ مَا يُؤْذِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ إذَا

стр. 944

لَمْ يَزُلْ ضَرَرُهُ دُونَ مَشَقَّةٍ غَالِبَةٍ إلَّا بِالنَّارِ وَقَالَ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّا تَرَجَّحَ عِنْدَ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ صَاحِبِ الشَّرْحِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقْرِدَ بَعِيرَهُ وَهُوَ نَزْعُ الْقُرَادِ عَنْهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَسَائِرِ الْمُؤْذِي. (وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لَا عَلَى الْحَلَالِ وَلَوْ فِي الْحَرَمِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ الرَّفَاهِيَةِ فَأُبِيحَ فِي الْحَرَمِ كَغَيْرِهِ (قَتْلُ قَمْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُتْرِفُهُ بِإِزَالَتِهِ كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ. (وَ) قَتْلُ (صِئْبَانهِ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْضُهُ (مِنْ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ) وَبَاطِنِ ثَوْبِهِ وَيَجُوزُ مِنْ ظَاهِرِهِ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُوَفَّقِ وَصَاحِبِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا لِلْعُمُومِ. (وَلَوْ) كَانَ قَتْلُهُ لِلْقَمْلِ وَصِئْبَانِهِ (بِزِئْبَقٍ وَنَحْوِهِ) فَيَحْرُمُ فِي الْإِحْرَامِ فَقَطْ (وَكَذَا رَمْيُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ (وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) أَيْ: الْقَمْلِ وَصِئْبَانِهِ إذَا قَتَلَهُ أَوْ رَمَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ وَلَا قِيمَةَ لَهُ: أَشْبَهَ الْبَعُوضَ وَالْبَرَاغِيثَ. (وَلَا يَحْرُمُ) بِالْإِحْرَامِ (صَيْدُ الْبَحْرِ وَالْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَلَوْ كَانَ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ كَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ وَنَحْوِهِمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] (إلَّا فِي الْحَرَمِ وَلَوْ لِلْحَلَالِ) كَصَيْدٍ مِنْ آبَارِ الْحَرَمِ وَبِرَكِ مَائِهِ؛ لِأَنَّهُ حَرَمِيٌّ أَشْبَهَ صَيْدَ الْحَرَمِ؛ وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ لِلْمَكَانِ فَلَا فَرْقَ. (وَطَيْرُ الْمَاءِ) بَرِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ يُفْرِخُ وَيَبِيضُ فِيهِ فَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ (وَالْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فَيُضْمَنُ) ؛ لِأَنَّهُ طَيْرٌ بَرِّيٌّ أَشْبَهَ الْعَصَافِيرَ (بِقِيمَتِهِ) فِي مَكَانِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ غَيْرَ مِثْلِيٍّ وَعَنْهُ يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ عَنْ جَرَادَةٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (فَإِنْ انْفَرَشَ) الْجَرَادُ (فِي طَرِيقِهِ فَقَتَلَهُ بِمَشْيِهِ أَوْ أَتْلَفَ بَيْضَ طَيْرٍ لِحَاجَةٍ كَالْمَشْيِ عَلَيْهِ) فَعَلَيْهِ (جَزَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَنْفَعَتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَ مِنْ شَجَرٍ عَلَى عَيْنِ إنْسَانٍ فَدَفَعَهَا فَانْكَسَرَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى الْغَرَقِ فَأَلْفَى مَتَاعَ غَيْرِهِ فَخَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْلِكَهُ فَدَفَعَهُ فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ لَمْ يَضْمَنْهُ. (وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَكَانَ مُضْطَرًّا فَلَهُ أَكْلُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (وَلِمَنْ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ) أَيْ: ضَرُورَةِ الذَّبْحِ (لِحَاجَةِ الْأَكْلِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَهُوَ) أَيْ: مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ (مَيْتَةٌ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْمُذَكِّي لِلذَّكَاةِ (فِي حَقِّ غَيْرِهِ) أَيْ: الْمُضْطَرِّ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِذَا ذَبَحَهُ كَانَ مَيْتَةً ذَكَرَهُ الْقَاضِي

стр. 945

وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ كُلُّ مَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ قَتَلَهُ فَإِنَّمَا هُوَ قَتَلَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ حِلُّهُ لِحِلِّ فِعْلِهِ انْتَهَى وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَالْمُنْتَهَى يَقْتَضِي أَنَّهُ مَيْتَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُضْطَرِّ وَمُذَكَّى فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ فَيَكُونُ نَجِسًا طَاهِرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا وَفِيهِ نَظَرٌ (وَيُقَدِّمُ) الْمُحْرِمُ الْمُضْطَرُّ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الصَّيْدِ (الْمَيْتَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهَا) (وَيَأْتِي فِي) كِتَابِ (الْأَطْعِمَةِ وَإِنْ احْتَاجَ) الْمُحْرِمُ (إلَى فِعْلِ مَحْظُورٍ فَلَهُ فِعْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ) ؛ لِأَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ لَمَّا احْتَاجَ إلَى الْحَلْقِ أَبَاحَهُ الشَّارِعُ لَهُ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ أَكْلَ الصَّيْدِ إتْلَافٌ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ اضْطَرَّهُ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ. [فَصْلٌ عَقْدُ النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ] فَصْلٌ (السَّابِعُ عَقْدُ النِّكَاحِ فَلَا يَتَزَوَّجُ) الْمُحْرِمُ (وَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَهُ بِوِلَايَةٍ وَلَا وَكَالَةٍ وَلَا يَقْبَلُ لَهُ) أَيْ: لِلْمُحْرِمِ (النِّكَاحُ وَكِيلُهُ الْحَلَالُ وَلَا تَزَوُّجُ الْمُحْرِمَةِ وَالنِّكَاحُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بَاطِلٌ تَعَمَّدَهُ أَوْ لَا) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَرَفَعَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَجَازَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِرِوَايَتِهِ «أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ " وَهُمَا مُحْرِمَانِ "؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُ بِهِ الِاسْتِمْتَاعَ فَلَمْ يُحَرِّمْهُ الْإِحْرَامُ كَشِرَاءِ الْإِمَاءِ. وَجَوَابُهُ مَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» قَالَ وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَبِي دَاوُد «وَتَزَوَّجَنِي وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ» وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا وَبَنَى بِهَا حَلَالًا وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهِمَ وَقَالَ أَيْضًا: أَوْهَمَ رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ أَيْ: ذَهَبَ وَهْمُهُ إلَى ذَلِكَ وَلِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد هَذَا الْمَعْنَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ خَطَأٌ وَكَذَا نَقَلَ

стр. 946

أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَطَأٌ. ثُمَّ قِصَّةُ مَيْمُونَةَ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا سَبَقَ فَيَتَعَارَضُ ذَلِكَ وَمَا سَبَقَ لَا مُعَارِضَ لَهُ ثُمَّ رِوَايَةُ الْحِلِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ وَفِيهَا صَاحِبُ الْقِصَّةِ وَالسَّفِيرُ فِيهَا وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا وَيُوَافِقُهَا مَا سَبَقَ وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ صِغَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَنْ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ أَظْهَرَ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ فِعْلَهُ خَاصٌّ بِهِ ﷺ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ خَصَائِصِهِ فَلِهَذَا قَالَ تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ كَالْمُنْتَهَى (إلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ) فَلَا يَكُونُ مَحْظُورًا بِخِلَافِ أُمَّتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَرَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ " أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّ عُمَرُ نِكَاحَهُ " وَعَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ مَعْنَاهُ رَوَاهُمَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ؛ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَدَوَاعِيَهُ فَمَنَعَ عَقْدَ النِّكَاحِ كَالْعِدَّةِ. (وَالِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْعَقْدِ) أَيْ: عَقْدِ النِّكَاحِ لَا بِحَالَةِ الْوَكَالَةِ (فَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (فَعَقَدَهُ بَعْدَ حِلِّهِ) مِنْ إحْرَامِهِ (صَحَّ) عَقْدُهُ لِوُقُوعِهِ حَالَ حِلِّ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ. (وَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ حَلَالًا فَعَقَدَهُ) الْوَكِيلُ (بَعْد أَنْ أَحْرَمَ) هُوَ أَوْ مُوَكِّلُهُ فِيهِ (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ وَكَّلَهُ) أَيْ: الْحَلَالُ (ثُمَّ أَحْرَمَ) الْمُوَكِّلُ (لَمْ يَنْعَزِلْ وَكِيلُهُ) بِإِحْرَامِهِ (فَإِذَا أَحَلَّ) الْمُوَكِّلُ (كَانَ لِوَكِيلِهِ عَقْدُهُ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ. (وَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ حَلَالًا) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (فَعَقَدَهُ وَأَحْرَمَ الْمُوَكِّلُ فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ: وَقَعَ فِي الْإِحْرَامِ وَقَالَ الزَّوْجُ) وَقَعَ (قَبْلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْعَقْدِ وَهِيَ الظَّاهِرُ. (وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ قَالَتْ الزَّوْجَةُ: وَقَعَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَقَالَ الزَّوْجُ: فِي الْإِحْرَامِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ (وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا فِي إسْقَاطِهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. (وَيَصِحُّ) النِّكَاحُ (مَعَ جَهْلِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (وُقُوعَهُ) أَيْ: وُقُوعِ النِّكَاحِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ فِيهِ؟ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعُقُودِ الصِّحَّةُ وَإِنْ قَالَ تَزَوَّجْتُكِ وَقَدْ حَلَلْتُ وَقَالَتْ: بَلْ كُنْتُ مُحْرِمَةً صَدَقَ وَتُصْدَقُ هِيَ فِي نَظِيرَتِهَا فِي الْعِدَّةِ. (وَإِنْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ) لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَلَا الْخَاصَّةِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَلَا) أَنْ (يُزَوِّجَ أَقَارِبَهُ) بِالْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ (وَلَا) أَنْ يُزَوِّجَ (غَيْرَهُمْ) مِمَّنْ لَا وَلِيَّ لَهُ (بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ) كَالْخَاصَّةِ. (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُزَوِّجَ خُلَفَاؤُهُ) مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِوِلَايَةِ الْحُكْمِ مَا لَا يَجُوزُ بِوِلَايَةِ النَّسَبِ بِدَلِيلِ تَزْوِيجِ الْكَافِرَةِ وَأَمَّا وُكَلَاؤُهُ فِي تَزْوِيجِ نَحْو بِنْتِهِ فَلَا لِمَا سَبَقَ. (وَإِنْ أَحْرَمَ نَائِبُهُ فَكَهُوَ) أَيْ: فَكَإِحْرَامِ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ

стр. 947

وَلَا أَنْ يُزَوِّجَ أَقَارِبَهُ وَلَا غَيْرَهُمْ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَيُزَوِّجُ نُوَّابُهُ. (وَتُكْرَهُ خِطْبَةُ مُحْرِمٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ امْرَأَةً (عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَخِطْبَةِ مَحِلٌّ مُحْرِمَةً كَخُطْبَةِ عَقْدِهِ) بِضَمِّ الْخَاءِ أَيْ: عَقْدِ النِّكَاحِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ " وَلَا يَخْطُبُ ". (وَ) يُكْرَهُ (حُضُورُهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (وَشَهَادَتُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي النِّكَاحِ نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَخْطُبُ قَالَ مَعْنَاهُ لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ وَمَا رُوِيَ فِيهِ " وَلَا يُشْهَدُ " فَلَا يَصِحُّ. (وَتُبَاحُ الرَّجْعَةُ لِلْمُحْرِمِ وَتَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهَا إمْسَاكٌ؛ وَلِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ قَبْلَ الرَّجْعَةِ فَلَا إحْلَالَ (كَشِرَاءِ أَمَةٍ لِوَطْءٍ وَغَيْرِهِ) لِوُرُودِ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ خَاصَّةً بِخِلَافِ شِرَاءِ الْأَمَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْمَجُوسِيَّةِ وَلَا الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ وَنَحْوِهَا وَصَحَّ شِرَاؤُهَا. (وَيَصِحُّ اخْتِيَارُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِبَعْضِهِنَّ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ) ؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ وَاسْتِدَامَةٌ لَا ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ كَالرَّجْعَةِ وَأَوْلَى (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ: جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صُوَرِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَسَدَ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَلَمْ تَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ (كَشِرَاءِ الصَّيْدِ) وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. [فَصْلٌ الْجِمَاعُ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ] فَصْلٌ (الثَّامِنُ الْجِمَاعُ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " هُوَ الْجِمَاعُ " بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يَعْنِي: الْجِمَاعَ (قُبُلًا كَانَ) الْفَرْجُ (أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالْغُسْلِ (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: جَامَعَ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ (قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (فَسَدَ نُسُكُهُمَا) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ النُّسُكُ إلَّا بِهِ. وَفِي الْمُوَطَّأِ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالُوا يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ وَلَمْ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ (وَلَوْ) كَانَ الْمُجَامِعُ (سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، نَصًّا أَوَنَائِمَةً) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ مَنْ

стр. 948

تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ قَضَوْا بِفَسَادِ النُّسُكِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا. (وَيَجِبُ بِهِ) أَيْ: بِالْجِمَاعِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِي الْحَجِّ (بَدَنَةٌ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِ نَاقَةً. " (وَلَا يَفْسُدُ) الْإِحْرَامُ (بِ) شَيْءٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ (غَيْرِ الْجِمَاعِ) لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِ وَالْإِجْمَاعِ. (وَعَلَيْهِمَا) أَيْ: الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ (الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَحُكْمُهُ) أَيْ: الْإِحْرَامِ الَّذِي أَفْسَدَهُ بِالْجِمَاعِ حُكْمُ الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ (فَيَفْعَلُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَهُ مِنْ الْوُقُوفِ وَغَيْرِهِ وَيَجْتَنِبُ مَا يُجْتَنَبُ قَبْلَهُ) أَيْ: الْفَسَادِ (مِنْ الْوَطْءِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إذَا فَعَلَ مَحْظُورًا بَعْدَهُ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ إلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَسَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ؟ فَأَشَارَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى ذَلِكَ وَاسْأَلْهُ قَالَ شُعَيْبٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ الرَّجُلُ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: بَطَلَ حَجُّكَ فَقَالَ الرَّجُل أَفَأَقْعُدُ؟ قَالَ لَا بَلْ تَخْرُج مَعَ النَّاسِ وَتَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ فَرَجَعَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَاسْأَلْهُ قَالَ شُعَيْبٌ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: مِثْلَ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَرَجَعَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ مَا تَقُولُ أَنْتَ قَالَ أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَا " وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَزَادَ وَحُلَّ إذَا حَلَّوْا فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ وَأَهْدِيَا فَإِنْ لَمْ تَجِدَا فَصُومَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْتُمَا وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ حَدِيثُهُ حَسَنٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ رَأَيْتُ عَلِيًّا وَأَحْمَدَ وَالْحُمَيْدِيَّ وَإِسْحَاقَ يَحْتَجُّونَ بِهِ قِيلَ لَهُ: فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ مَاذَا يَقُولُ قَالَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَنَحْوُ هَذَا. (وَ) عَلَيْهِمَا (الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ نَذْرًا أَوْ نَفْلًا) ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالدُّخُولِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَسْتَفْصِلُوا (إنْ كَانَا) أَيْ: الْوَاطِئُ وَالْمَوْطُوءَةُ (مُكَلَّفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا عُذْرَ لَهُمَا فِي التَّأْخِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُكَلَّفَيْنِ حَالَ الْإِفْسَادِ قَضَيَاهُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ التَّكْلِيفِ (بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) وَتَقَدَّمَ (عَلَى الْفَوْرِ) حَيْثُ لَا عُذْرَ فِي التَّأْخِيرِ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا لَوْ بَلَغَ فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ. (وَيَصِحُّ قَضَاءُ عَبْدٍ فِي رِقِّهِ) وَكَذَا قَضَاءُ أَمَةٍ فِي رِقِّهَا لِتَكْلِيفِهَا (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ إفْسَادِ حَجِّهِ) أَيْ: الْقِنِّ (وَ) حُكْمُ إفْسَادِ (حَجِّ الصَّبِيِّ) فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ. وَيَكُونُ إحْرَامُ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ فِي

стр. 949

الْقَضَاءِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلَا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ قِصَاصٌ بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ إذَا قَضَى لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامَ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُحْصَرَ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهُ وَذَكَرَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي الْحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أَحْرَمَا قَبْلَ الْمِيقَاتِ (لَزِمَهُمَا) الْإِحْرَامُ (مِنْ الْمِيقَاتِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَجَاوُزُهُ بِلَا إحْرَامٍ (وَإِنْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ قَضَى الْوَاجِبَ لَا الْقَضَاءَ) كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَزْدَادُ بِفَوَاتِهِ وَإِنَّمَا يَبْقَى مَا كَانَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إنْ طَاوَعَتْ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " أَهْدِيَا هَدْيًا " أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِمَا. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِ نَاقَةً "؛ وَلِأَنَّهَا بِمُطَاوَعَتِهَا أَفْسَدَتْ نُسُكَهَا فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا كَالرَّجُلِ (وَإِنْ أُكْرِهَتْ) الْمَرْأَةُ (فَ) النَّفَقَةُ (عَلَى الزَّوْجِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُفْسِدُ لِنُسُكِهَا فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا كَنَفَقَةِ نُسُكِهِ (وَتُسْتَحَبُّ تَفْرِقَتُهُمَا فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ «رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَةً وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا: أَتِمَّا حَجَّكُمَا ثُمَّ ارْجِعَا وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى مِنْ قَابِلٍ حَتَّى إذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتَهَا فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا وَلَا يُوَاكِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا وَأَهْدِيَا» وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ (إلَى أَنْ يُحِلَّا) مِنْ إحْرَامِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ خَوْفُ الْمَحْظُورِ وَيَحْصُلُ التَّفْرِيقُ (بِأَنْ لَا يَرْكَبَ مَعَهَا عَلَى بَعِيرٍ وَلَا يَجْلِسَ مَعَهَا فِي خِبَاءٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بَلْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهَا فَيُرَاعِي أَحْوَالَهَا؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمُهَا) وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ غَيْرُهُ. وَ (الْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ) كَالْحَجِّ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَ (يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ) كَالْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَ (لَا) يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ (وَقَبْلَ حَلْقٍ) كَالْوَطْءِ فِي الْحَجِّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ. (وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ (وَيَجِبُ الْقَضَاءُ) فَوْرًا كَالْحَجِّ (وَالدَّمُ وَهُوَ شَاةٌ) لِنَقْصِ الْعُمْرَةِ عَنْ الْحَجِّ. (لَكِنْ إنْ كَانَ) الْمُفْسِدُ لِعُمْرَتِهِ (مَكِّيًّا أَوْ حَصَلَ بِهَا) أَيْ: بِمَكَّةَ (مُجَاوِرًا أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنْ الْحِلِّ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِهَا) أَيْ: بِالْعُمْرَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا (مِنْهُ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ) ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ هُوَ مِيقَاتُهَا. (وَإِنْ أَفْسَدَ الْمُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ وَمَضَى فِي فَاسِدِهَا وَأَتَمَّهَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ) مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا؛ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ قِصَاصٌ (فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ

стр. 950

دَمٌ فَإِنْ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ خَرَجَ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ عُمْرَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ. (وَإِنْ أَفْسَدَ الْمُفْرِدُ حَجَّتَهُ وَأَتَمَّهَا فَلَهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ) ؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتُهَا. (وَإِنْ أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ فَعَلَيْهِ فِدَاءٌ وَاحِدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَمَلَ الْقَارِنِ كَعَمَلِ الْمُفْرِدِ. (وَإِنْ جَامَعَ) الْمُحْرِمُ (بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ) التَّحَلُّلِ (الثَّانِي) بِأَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ مَثَلًا ثُمَّ جَامَعَ قَبْلَ الطَّوَافِ (لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا) أَوْ مُتَمَتِّعًا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ " يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَا يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ (لَكِنْ فَسَدَ إحْرَامُهُ) بِالْوَطْءِ (فَيَمْضِي إلَى الْحِلِّ) التَّنْعِيمِ أَوْ غَيْرِهِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ (فَيُحْرِمَ مِنْهُ لِيَطُوفَ لِلزِّيَارَةِ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ وَيَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى وَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَلَيْسَ هَذَا عُمْرَةً حَقِيقِيَّةً) وَالْإِحْرَامُ إنَّمَا وَجَبَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْحَجِّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ فَقَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ يَعْتَمِرُ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالُهَا وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقَةً فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ وَعَلَى هَذَا نُصُوصُ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّهُ إحْرَامٌ مُسْتَأْنَفٌ فَكَانَ فِيهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ كَالْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ تَجْرِي مَجْرَى الْحَجِّ بِدَلِيلِ الْقِرَانِ بَيْنَهُمَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيَلْزَمُهُ شَاةٌ) لِعَدَمِ إفْسَادِهِ لِلْحَجِّ كَوَطْءٍ دُونَ فَرْجٍ بِلَا إنْزَالٍ وَلِخِفَّةِ الْجِنَايَةِ فِيهِ. (وَالْقَارِنُ كَالْمُفْرِدِ) ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ لَا لِلْعُمْرَةِ بِدَلِيلِ تَأْخِيرِ الْحَلْقِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ (فَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ) أَيْ: وَحَلَقَ (وَلَمْ يَرْمِ) جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (ثُمَّ وَطِئَ فَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: لَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ أَرْكَانِ الْحَجِّ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ) لِوُجُودِهِ الْوَطْءَ قَبْلَ مَا يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ (وَهُوَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مُحْرِمٌ لِبَقَاءِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمُنَافِي وُجُودَ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ) فَيَفْسُدُ إحْرَامُهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَالْمُرَادُ فَسَادُ مَا بَقِيَ مِنْهُ لَا مَا مَضَى إذْ لَوْ فَسَدَ كُلُّهُ لَوَقَعَ الْوُقُوفُ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ.
следующие страницы →