Полный текст (643 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(التَّوْضِيح) لَا خِلَافَ فِي تَرْتِيبِهَا وَأَنَّ الْعِتْقَ أَوَّلًا ثُمَّ الصِّيَامَ ثُمَّ الْإِطْعَامَ فَقَوْلُهُ: " فِي ذَاكَ " أَيْ التَّأْجِيلِ وَ " مِنْ بَعْدِ زَجْرِ حَاكِمٍ " وَ " بَعْدَ تَلَوُّمٍ " يَتَعَلَّقَانِ بِمَحْذُوفِ حَالٍ مِنْ قَوْلِهِ ذَاكَ أَيْ يَشْتَرِكُ التَّارِكُ لِلْوَطْءِ مَعَ الْمُولِي فِي التَّأْجِيلِ كَائِنًا أَوْ حَالَةَ كَوْنِهِ أَيْ التَّأْجِيلِ بَعْدَ شَيْئَيْنِ بَعْدَ زَجْرِ حَاكِمٍ وَبَعْدَ تَلَوُّمٍ
كَذَاك أَيْضًا مَا لَهُ ظِهَارُ ... مَنْ لَا عَلَى الْوَطْءِ لَهُ اقْتِدَارُ
قَوْلُهُ: " كَذَاكَ " - الْبَيْتَ - هُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَعَادِمٌ لِلْوَطْءِ لِلنِّسَاءِ " - الْبَيْتَ - يَعْنِي كَمَا أَنَّ الشَّيْخَ وَمَنْ يُشْبِهُهُ مِمَّنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْوَطْءِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ. وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَقِيلَ: يَصِحُّ. وَبِهِ صَدَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَقَالَ: وَيَصِحُّ ظِهَارُ الْعَاجِزِ عَنْ الْوَطْءِ لِمَانِعٍ فِيهِ أَوْ فِيهَا كَالْمَجْبُوبِ وَالرَّتْقَاءِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَصِحُّ اهـ فَكَأَنَّ النَّاظِمَ ذَهَبَ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ يَكُنْ مُظَاهِرٌ أَوْ مُولِي ... عَبْدًا يُؤَجَّلْ نِصْفَ ذَا التَّأْجِيلِ
ثُمَّ الطَّلَاقُ فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ ... بَعْدَ تَقَضِّي الْمُوجِبَاتِ الْأُوَلِ
يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُظَاهِرُ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ التَّكْفِيرِ وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ عَبْدًا أَوْ كَانَ الْمُولِي مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ عَبْدًا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُؤَجَّلُ نِصْفَ هَذَا التَّأْجِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: " وَأَجَلُ الْمُولِي شُهُورٌ أَرْبَعَهْ " وَنِصْفُهُ هُوَ شَهْرَانِ فَإِذَا انْقَضَتْ الشَّهْرَانِ وَلَمْ يَفِئْ طَلُقَتْ عَلَيْهِ لَكِنْ بَعْدَ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ وَالظِّهَارِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ التَّكْفِيرِ وَالْإِيلَاءِ وَالْإِبَايَةِ مِنْ الْفَيْئَةِ وَإِلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " بَعْدَ تَقَضِّي الْمُوجِبَاتِ الْأُوَلِ " فَالْبَيْتُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَيْنِ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي تَأْجِيلِ الْحُرِّ: " وَأَجَلُ الْمُولِي شُهُورٌ أَرْبَعَهْ ".
وَالثَّانِي نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي التَّطْلِيقِ عَلَى الْحُرِّ بَعْدَ الْأَجَلِ: " وَيَقَعُ الطَّلَاقُ حَيْثُ لَا يَفِي " الْبَيْتَ.
وَقَوْلُهُ هُنَا: " فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ " فِي: بِمَعْنَى مَعَ، فَهِيَ لِلْمُصَاحَبَةِ نَحْوَ ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨] أَيْ مَعَهُمْ.
(فَرْعٌ) إنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا ضُرِبَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا فَشَهْرَانِ وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الطَّلَاقِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ بِخِلَافِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسَاءِ.
وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِيمَا أَصْدَرَا ... مَنْ فَاءَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ مَنْ كَفَّرَا
يَعْنِي أَنَّ الْمُولِيَ إذَا طُلِّقَ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ ثُمَّ رَاجَعَ الزَّوْجَةَ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ وَفَاءً أَيْ وَطِئَ فِي الْعِدَّةِ أَيْضًا فَإِنَّ رَجْعَتَهُ تَصِحُّ وَتَتِمُّ. وَبِالتَّمَامِ عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ وَكَذَلِكَ الْمُظَاهِرُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّكْفِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَدَخَلَ الْإِيلَاءُ فَطُلِّقَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَاجَعَ الزَّوْجَةَ فِي الْعِدَّةِ وَكَفَّرَ عَنْ ظِهَارِهِ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ الْمَعْلُومَةَ وَذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ أَيْضًا فَإِنَّ رَجْعَتَهُ تَتِمُّ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ الْمُولِي إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ مِمَّا تُكَفَّرُ قَبْلَ الْحِنْثِ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ مَثَلًا ثُمَّ طَلَّقَ عَلَيْهِ ثُمَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ فِي الْعِدَّةِ وَرَاجَعَ فَإِنَّ رَجْعَتَهُ تَتِمُّ وَسَوَاءٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - رَاجَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا ثُمَّ كَفَّرَ أَوْ كَفَّرَ ثُمَّ رَاجَعَ بِخِلَافِ الْفَيْئَةِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ لَا يَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ إلَّا بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ فَضْلًا عَنْ الْوَطْءِ، لَكِنَّ رَجْعَتَهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْفَيْئَةِ إنْ فَاءَ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ وَإِلَّا فَلَا، فَقَوْلُهُ: مَنْ فَاءَ مِنْ الْعِدَّةِ هُوَ خَاصٌّ بِالْمُولِي إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ،.
وَقَوْلُهُ: أَوْ مَنْ كَفَّرَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلْمُولِي إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ وَلِلْمُظَاهِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ يُوقِعُهُ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ بَائِنٌ إلَّا طَلَاقَيْنِ طَلَاقَ الْمُولِي وَطَلَاقَ الْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ، ثُمَّ الرَّجْعَةُ فِي الْمُولِي مُشْتَرَطَةٌ بِانْحِلَالِ الْيَمِينِ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا طَلُقَتْ عَلَيْهِ لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ لَهَا بِتَرْكِ الْجِمَاعِ بِسَبَبِ الْيَمِينِ فَلَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِدُونِ الِانْحِلَالِ لَبَقِيَ ذَلِكَ الضَّرَرُ عَلَى حَالِهِ. اهـ
وَلِأَجْلِ اشْتِرَاطِ انْحِلَالِ الْيَمِينِ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: " مَنْ فَاءَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ مَنْ كَفَّرَا " وَإِنَّمَا يَكُونُ طَلَاقُ الْمُولِي رَجْعِيًّا إذَا كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ، أَمَّا إنْ كَانَ قَبْلَهُ فَبَائِنٌ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ آخِرَ الْإِيلَاءِ: وَلَا رَجْعَةَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا اهـ.
стр. 212
[فَصْلٌ فِي اللِّعَانِ]
ِ (ابْنُ عَرَفَةَ) اللِّعَانُ حَلِفُ الزَّوْجِ عَلَى زِنَا زَوْجَتِهِ أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا اللَّازِمِ لَهُ وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولُهَا حَدَّهَا بِحُكْمِ قَاضٍ (الرَّصَّاعُ) قَوْلُهُ: " أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا " يَصْدُقُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ وَالْوَلَدِ لِأَنَّ مَنْ نَفَى حَمْلًا فَقَدْ نَفَى الْوَلَدَ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، وَقَوْلُهُ: " اللَّازِمِ لَهُ " أَخْرَجَ بِهِ الْحَمْلَ غَيْرَ اللَّازِمِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا لِعَانَ فِيهِ كَمَا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ مَا إذَا وَضَعَتْهُ وَسَكَتَ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: " وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولُهَا حَدَّهَا " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا حَلَفَ وَنَكَلَتْ وَلَمْ يُوجِبْ النُّكُولُ حَدَّهَا كَمَا إذَا غُصِبَتْ فَأَنْكَرَ وَلَدَهَا وَثَبَتَ الْغَصْبُ فَلَا لِعَانَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اللِّعَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ تَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ صَيَّرَ اللِّعَانَ يَلْزَمُهُ يَمِينَانِ، وَزِيَادَةُ الشَّيْخِ تُخْرِجُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَأَنَّ حَلِفَهُمَا مَعًا مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ نُكُولِهَا يُوجِبُ حَدَّهَا، وَقَوْلُهُ: " بِحُكْمِ قَاضٍ " أَخْرَجَ بِهِ لِعَانَ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ وَيَخْرُجُ بِهِ السُّكُوتُ عَلَى وَضْعِ الْوَلَدِ فَلَا يَرُدُّ عَلَى الشَّيْخِ حَلِفُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ اهـ.
وَمَعْنَى قَوْلِ الرَّصَّاعِ: " وَيَخْرُجُ بِهِ السُّكُوتُ " إلَخْ أَنَّ مَنْ وَضَعَتْ زَوْجَتُهُ وَسَكَتَ وَلَمْ يَنْفِهِ ثُمَّ أَرَادَ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ فَإِنَّهُ لَا يُلَاعِنُ. وَتَخْرُجُ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِّ: " بِحُكْمِ قَاضٍ " لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِاللِّعَانِ بَعْدَ السُّكُوتِ عَلَى الْوَضْعِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِّ: " حَلِفُ الزَّوْجِ وَحَلِفُ الزَّوْجَةِ " يُصَدَّقُ بِمَا إذَا حَلَفَ عَلَى مَا ذَكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً وَحَلَفَتْ هِيَ عَلَى تَكْذِيبِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً أَيْضًا فَأُخْرِجَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " بِحُكْمِ قَاضٍ " لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِاللِّعَانِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا لِلزَّوْجِ أَنْ يَلْتَعِنَا ... لِنَفْيِ حَمْلٍ أَوْ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا
مَعَ ادِّعَائِهِ لِلِاسْتِبْرَاءِ ... وَحَيْضَةٍ بَيِّنَةِ الْإِجْزَاءِ
يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يُلَاعِنُ زَوْجَتَهُ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا لِنَفْيِ حَمْلٍ يَظْهَرُ بِهَا فَيُنْكِرُهُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ رَآهَا تَزْنِي كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَإِنَّمَا يُلَاعِنُ لِنَفْيِ حَمْلٍ ظَهَرَ بِهَا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى اسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ فَأَكْثَرَ يَعْنِي أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَيَكْفِي فِي هَذَا الِاسْتِبْرَاءِ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفُهِمَ مَنْ قَوْلِهِ: " وَإِنَّمَا لِلزَّوْجِ أَنْ يَلْتَعِنَا " أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُلَاعِنُ أَمَتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُلَاعِنِ شُرُوطٌ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَشَرْطُ الْمُلَاعِنِ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا فَيُلَاعِنُ الْحُرُّ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِيهِنَّ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَمَدُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَهُ عِيَاضٌ وَقِيلَ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَمَدُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَحْدَهَا ثُمَّ يَظْهَرُ حَمْلٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمَا مَعًا أَعْنِي الِاسْتِبْرَاءَ وَالرُّؤْيَةَ كَمَا إذَا اسْتَبْرَأَهَا مِنْ وَطْئِهِ ثُمَّ رَآهَا بَعْدَ ذَلِكَ تَزْنِي ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلٌ؟ وَالْمَشْهُورُ اعْتِمَادُهُ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَحْدَهُ كَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ وَأَحْرَى مَعَ الرُّؤْيَةِ وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ وَحْدَهَا فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي نَفْيِ الْحَمْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (التَّوْضِيحَ) وَالْأَظْهُر أَنَّهُ لَا يَعْتَمِد عَلَى أَحَدهمَا بَلْ وَلَا عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْحَامِل تَحِيض يَصِحّ لَهُ النَّفْيُ.
وَالْقَوْلُ بِاعْتِمَادِهِ عَلَى الرُّؤْيَةِ أَضْعَفُ لَأَنْ الْحَيْضَ عَلَامَةٌ ظَنِّيَّةٌ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِخِلَافِ رُؤْيَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحَمْلِ أَلْبَتَّةَ اهـ وَقَالَ قَبْلَهُ يَلِيهِ يُعْتَمَدُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ أَوْ الْحَمْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَاخْتُلِفَ فِي رَابِعٍ وَمَعْنَى اعْتِمَادِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَنْفِيَ الْوَلَدَ بِذَلِكَ، الْأَوَّلُ: إذَا لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ وَضْعٍ يَعْنِي وَقَدْ طَالَ مَا بَيْنَ الْوَضْعَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْوَلَدُ الثَّانِي مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَلَكِنْ بَيْنَ هَذَا الْحَمْلِ وَالْإِصَابَةِ مُدَّةٌ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا وَلَدٌ إمَّا لِقِلَّةِ الزَّمَانِ كَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ
стр. 213
وَنَحْوِهَا وَإِمَّا لِكَثْرَتِهِ كَخَمْسِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ، الثَّالِثُ: إذَا اسْتَبْرَأَهَا مِنْ وَطْئِهِ ثُمَّ رَآهَا بَعْدَ ذَلِكَ تَزْنِي فَيُعْتَمَدُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى ابْنُ شَاسٍ وَغَيْرُهُ عَنْ السُّيُورِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ بِهِمَا قَالَ.
وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ مِثْلَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ أَيْ الِاسْتِبْرَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ بِحَيْضَةٍ هُوَ الْمَشْهُورُ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ وَقِيلَ بِثَلَاثٍ (التَّوْضِيحَ) صَرَّحَ الْبَاجِيُّ وَجَمَاعَةٌ بِمَشْهُورِيَّةِ الْأَوَّلِ، وَالْقَوْلُ بِالثَّلَاثِ لِلْمُغِيرَةِ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَتْ أَمَةً فَحَيْضَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَثَلَاثٌ. ثُمَّ قَالَ: فَائِدَة لَيْسَ عِنْدَنَا حُرَّةٌ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ إلَّا هُنَا وَلَيْسَ لَنَا أَمَةٌ تُسْتَبْرَأُ بِثَلَاثٍ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْمُغِيرَةِ هُنَا وَفِيمَنْ ادَّعَى سَيِّدُهَا وَطْأَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَنَفَاهُ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ اسْتَبْرَأَهَا اهـ.
قَوْلُهُ: " لَيْسَ عِنْدَنَا حُرَّةٌ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ إلَّا هُنَا " قِيلَ إنَّ هَذِهِ غَفْلَةٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ أَوْ زَنَتْ وَلَهَا زَوْجٌ فَلَا تُقْتَلُ وَلَا تُحَدُّ إلَّا بَعْدَ حَيْضَةٍ خَوْفَ كَوْنِهَا حَامِلًا. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ شُيُوخِنَا:
تُسْتَبْرَأُ الْحُرَّةُ مِثْلُ الْأَمَةِ ... لَدَى اللِّعَانِ وَالزِّنَا وَالرِّدَّةِ
قَالَ النَّاظِمُ ﵀:
وَيُسْجَنُ الْقَاذِفُ حَتَّى يَلْتَعِنْ ... وَإِنْ أَبَى فَالْحَدُّ حُكْمٌ يَقْتَرِنْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ فَرَمَاهَا بِزِنًى أَوْ نَفَى حَمْلَهَا فَإِنَّهُ يُلَاعَنُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ اللِّعَانِ سُجِنَ حَتَّى يَلْتَعِنَ، فَإِنْ أَبَى فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ (فَفِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ) قَالَ الْبَاجِيُّ ﵀: يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إذَا نَفَى وَلَدَهُ أَوْ ادَّعَى رُؤْيَةً أَنْ يُسْجَنَ حَتَّى يَلْتَعِنَ. (وَفِي الْمُقَرِّبِ) قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ أَبَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَلْتَعِنَ فَقَالَ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أُقِيمَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَمَا بِحَمْلٍ بِثُبُوتِهِ يَقَعْ ... وَقَدْ أَتَى لِمَالِكٍ حَتَّى تَضَعْ
يَعْنِي أَنَّ اللِّعَانَ إذَا كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ فَإِنَّهُمَا يَتَلَاعَنَانِ إذَا ثَبَتَ الْحَمْلُ إذْ ذَاكَ. وَقِيلَ: يُؤَخَّرُ لِعَانُهُمَا حَتَّى تَضَعَ خَوْفَ أَنْ يَنْفَشَّ الْحَمْلُ بَعْدَ اللِّعَانِ (قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) : وَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ وَهِيَ حَامِلٌ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَهَا حَتَّى تَضَعَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَيَرُدُّهُ الْأَثَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ» (قَالَ الشَّارِحُ) : هَذَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَسْعَدُ بِالْأَثَرِ وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَرْجَحُ فِي النَّظَرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ وَالصُّورَةُ النَّادِرَةُ لَا تُرَاعَى فِي الْأَحْكَامِ. اهـ
(ابْنُ الْحَاجِبِ) وَمَنَعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْحَمْلِ لِجَوَازِ انْفِشَاشِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْعَجْلَانِيَّ وَغَيْرَهُ لَاعَنَ فِي الْحَمْلِ لِظُهُورِهِ كَإِيجَابِ النَّفَقَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ (التَّوْضِيحَ) أَيْ كَمَا يَقْضِي لِلْمُطَلَّقَةِ بِنَفَقَةِ الْحَمْلِ إذَا ظَهَرَ حَمْلُهَا وَكَمَا يَجِبُ الرَّدُّ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَظَهَرَ حَمْلُهَا وَلَا يُؤَخَّرُ فِيهِمَا إلَى الْوَضْعِ، وَمَنَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ اللِّعَانَ قَبْلَ الْوَضْعِ خَشْيَةَ أَنْ يَنْفَشَّ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَالْفَرْقُ عَلَى قَوْلِهِ بَيْنَ اللِّعَانِ وَمَا ذَكَرَهُ أَنَّ اللِّعَانَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أُمُورٌ عِظَامٌ مِنْ فَسْخِ النِّكَاحِ وَالْحُرْمَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ اهـ.
стр. 214
وَيَبْدَأُ الزَّوْجُ بِالِالْتِعَانِ ... لِدَفْعِ أَرْبَعٍ مِنْ الْأَيْمَانِ
إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا عَلَى مَا وَجَبَا ... مُخَمِّسًا بِلَعْنَةٍ إنْ كَذَبَا
وَتَحْلِفُ الزَّوْجَةُ بَعْدُ أَرْبَعَا ... لِتَدْرَأَ الْحَدَّ بِنَفْيِ مَا ادَّعَى
تَخْمِيسُهَا بِغَضَبٍ إنْ صَدَقَا ... ثُمَّ إذَا تَمَّ اللِّعَانُ افْتَرَقَا
وَيَسْقُطُ الْحَدُّ وَيَنْتَفِي الْوَلَدْ ... وَيَحْرُمُ الْعَوْدُ إلَى طُولِ الْأَبَدْ
وَالْفَسْخُ مِنْ بَعْدِ اللِّعَانِ مَاضِي ... دُونَ طَلَاقٍ وَبِحُكْمِ الْقَاضِي
تَعَرَّضَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لِصِفَةِ اللِّعَانِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ بِاللِّعَانِ (قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ) وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ: فَلَوْ بَدَأَتْ الْمَرْأَةُ بِاللِّعَانِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُعَادُ. وَقَالَ أَشْهَبُ يُعَادُ (التَّوْضِيحَ) لَا خِلَافَ أَنَّ الرَّجُلَ يَبْدَأُ بِاللِّعَانِ وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُوَيْمِرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَجَعَلَ فِي الْبَيَانِ مَنْشَأَ الْخِلَافِ هَلْ تَقْدِيمُ الرَّجُلِ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ . اهـ
وَقَوْلُهُ: " لِدَفْعِ حَدٍّ " أَشَارَ بِهِ إلَى بَعْضِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اللِّعَانِ وَهُوَ سُقُوطُ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْ الرَّجُلِ إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً مُسْلِمَةً، وَدَفْعُ الْأَدَبِ عَنْهُ إنْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) اعْلَمْ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى اللِّعَانِ سِتَّةُ أَحْكَامٍ ثَلَاثَةٌ عَلَى لِعَانِهَا فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ وَوُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهَا وَقَطْعُ النَّسَبِ، وَالثَّلَاثَةُ الْأُخَرُ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهَا وَالْفِرَاقُ وَتَأْبِيدُ الْحُرْمَةِ، وَقِيلَ فِي الْأَخِيرَيْنِ إنَّهُمَا مُرَتَّبَانِ عَلَى لِعَانِهِ.
وَقَوْلُهُ: " أَرْبَعٍ مِنْ الْأَيْمَانِ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا عَلَى مَا وَجَبَا " - الْبَيْتَ - هُوَ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ لِعَانِ الزَّوْجِ، فَقَوْلُهُ أَرْبَعٍ مِنْ الْأَيْمَانِ كَأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الِالْتِعَانِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: " أَشْهَدُ بِاَللَّهِ " وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَزِيدُ: الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي. وَقِيلَ: وَيَصِفُ كَالشُّهُودِ، وَقِيلَ: وَيَكْفِي لَزَنَتْ.
وَفِي نَفْيِ الْحَمْلِ: لَزَنَتْ، أَوْ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ اهـ (قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : يَحْلِفُ الزَّوْجُ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ قَائِمًا يَقُولُ: بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَزَنَتْ فُلَانَةُ هَذِهِ - فَيُشِيرُ إلَيْهَا - وَمَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي أَوْ مَا حَمْلُهَا هَذَا مِنِّي. وَإِنْ لَمْ يَنْفِ حَمْلًا قَالَ: زَنَتْ فُلَانَةُ هَذِهِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا.
وَقَالَ قَوْمٌ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ ثُمَّ يُخَمِّس بِاللَّعْنِ ثُمَّ تُخَوَّفُ الْمَرْأَةُ بِاَللَّهِ فَإِنْ تَمَادَتْ عَلَى الْيَمِينِ حَلَفَتْ أَرْبَعَ أَيْمَانٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَمَا زَنَيْتُ وَأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ وَتَخْمِيسٌ بِالْغَضَبِ، تَقُولُ: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ، أَوْ عَلَيْهَا غَضَبُ اللَّهِ إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ. اهـ
وَقَوْلُهُ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِثْبَاتَ كَقَوْلِهِ: لَزَنَتْ، أَوْ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي. وَالنَّفْيُ كَقَوْلِهِ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي.
قَوْلُهُ " وَتَحْلِفُ الزَّوْجَةُ بَعْدُ أَرْبَعًا " هَذَا بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ لِعَانِهَا (ابْن الْحَاجِبِ) وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي - إنْ كَانَ قَالَ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي - أَوْ مَا زَنَيْتُ، أَوْ لَقَدْ كَذَبَ فِي الْجَمِيعِ. وَفِي نَفْيِ الْحَمْلِ: مَا زَنَيْتُ، وَإِنَّهُ لَمِنْهُ.
وَفِي الْخَامِسَةِ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ. وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَاللَّعْنِ وَالْغَضَبِ بَعْدَهَا (التَّوْضِيحَ) يَعْنِي يَتَعَيَّنُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: " أَشْهَدُ " وَلَا يُجْزِئُ " أَحْلِفُ " وَلَا: أُقْسِمُ " عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَتَعَيَّنُ اللَّعْنُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْغَضَبُ فِي حَقِّهَا وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: إنَّ النَّظَرَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُجْزِئَ إذَا أَبْدَلَ اللَّعْنَةَ بِالْغَضَبِ فِي حَقِّهَا وَبِالْعَكْسِ.
ثُمَّ ذَكَرَ وَجْهَ اخْتِصَاصِ خَامِسَةِ الرَّجُلِ بِاللَّعْنَةِ وَخَامِسَةِ
стр. 215
الْمَرْأَةِ بِالْغَضَبِ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ. قَوْلُهُ: " وَتَحْلِفُ الزَّوْجَةُ بَعْدُ " أَيْ بَعْدَ حَلِفِ الزَّوْجِ، وَتَقَدَّمَ كَوْنُ الزَّوْجِ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ بِالْحَلِفِ. وَقَوْلُهُ: " لِتَدْرَأَ الْحَدَّ " أَيْ لِتَدْفَعَ حَدَّ الزِّنَا عَنْهَا إنْ نَكَلَتْ وَلَمْ تَحْلِفْ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى لِعَانِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ، وَقَوْلُهُ: " بِنَفْيِ مَا ادَّعَى " يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَحْلِفُ وَالْبَاءُ لِلْمُجَاوَرَةِ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ تَحْلِفُ الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَدْرَأَ وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: " ثُمَّ إذَا تَمَّ اللِّعَانُ افْتَرَقَا وَيَسْقُطُ الْحَدُّ " - الْبَيْتَ - هَذَا بَيَانٌ لِمَا يَنْبَنِي عَلَى اللِّعَانِ.
وَذَلِكَ: الْفِرَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَسُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ وَعَنْهَا، فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَعَنْهَا حَدُّ الزِّنَا وَقَطْعُ النَّسَبِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ " وَتَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ التَّوْضِيحِ، وَقَوْلُهُ " وَالْفَسْخُ مِنْ بَعْدِ اللِّعَانِ مَاضٍ " - الْبَيْتَ - اشْتَمَلَ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ (إحْدَاهُمَا) أَنَّ فُرْقَةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ (التَّوْضِيحَ) فَرْعٌ: وَالْفُرْقَةُ فِي اللِّعَانِ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، قَالَ فِي الْبَيَانِ: هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ.
(وَفِي الْجَلَّابِ) أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا صَدَاقَ لَهَا، خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ إنَّ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ. وَبَنَاهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى فُرْقَةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ هَلْ هِيَ فَسْخٌ فَلَا شَيْءَ لَهَا أَوْ طَلَاقٌ فَلَهَا؟ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ لَهَا النِّصْفَ وَأَنَّ فُرْقَةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَسْخٌ، وَلَكِنْ لَمَّا كُنَّا لَا نَعْلَمُ صِدْقَ الزَّوْجِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا وَإِسْقَاطَ حَقِّهَا مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ اُتُّهِمَ فِي ذَلِكَ وَأُلْزِمَ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا لَزِمَهُ النِّصْفُ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: هُوَ طَلَاقٌ اهـ.
(قُلْتُ) وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُ التَّوْضِيحِ هَذَا عَلَى فَائِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ لُزُومُ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَإِنْ تَلَاعَنَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ فُرْقَتَهُمَا فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ لِلتُّهْمَةِ. وَقَدْ قُلْتُ فِي ذَلِكَ:
وَإِنْ تَلَاعَنَا وَلَمْ يَبْنِ لَزِمْ ... لِتُهْمَةٍ نِصْفُ صَدَاقٍ قَدْ عُلِمْ
وَأَشَرْت بِقَوْلِي: " نِصْفُ صَدَاقٍ قَدْ عُلِمْ " إلَى أَنَّهُمَا إذَا عَقَدَا النِّكَاحَ عَلَى وَجْهِ التَّفْوِيضِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ الْأَخِيرُ فُرْقَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، هَلْ تَقَعُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ أَوْ حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا الْقَاضِي؟ .
(وَمِنْ التَّبْصِرَةِ) وَاخْتُلِفَ فِي وُقُوعِ الْفِرَاقِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقَعُ الْفِرَاقُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، (وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) قَالَ بَعْضُ الْمُوَثِّقِينَ: لَا يَتِمُّ الْفِرَاقُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا بِحُكْمِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ. وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ ﷺ لِعُوَيْمِرٍ وَزَوْجَتِهِ بَعْدَ الْتِعَانِهِمَا: «قُومَا فَقَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا وَوَجَبَتْ النَّارُ لِأَحَدِكُمَا وَالْوَلَدُ لِلْمَرْأَةِ» (وَفِي التَّوْضِيحِ) وُقُوعُ الْفِرَاقِ بِمُجَرَّدِ الْتِعَانِهِمَا هُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِهِمَا حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا اهـ.
وَيُؤْخَذُ الْقَوْلَانِ مِنْ النَّظْمِ فَيُؤْخَذُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ مِنْ قَوْلِهِ:
ثُمَّ إذَا تَمَّ اللِّعَانُ افْتَرَقَا
وَيُؤْخَذُ الْقَوْلُ بِافْتِقَارِهَا لِحُكْمِ حَاكِمٍ مِنْ قَوْلِهِ: " وَبِحُكْمِ الْقَاضِي " وَهُوَ أَصَرْحُ.
وَمُكْذِبٌ لِنَفْسِهِ بَعْدُ الْتَحَقْ ... وَلَدُهُ وَحُدَّ وَالتَّحْرِيمُ حَقْ
وَرَاجِعٌ قَبْلَ التَّمَامِ مِنْهُمَا ... يُحَدُّ وَالنِّكَاحُ لَنْ يَنْفَصِمَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَاعَنَ زَوْجَتَهُ وَتَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ وَيُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ لِلزَّوْجَةِ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ فَأَمْرٌ مَاضٍ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا وَلَا سَبِيلَ لِمُرَاجَعَتِهَا، فَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ وَتَكْذِيبُ نَفْسِهِ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَنِكَاحُهُمَا بَاقٍ لَمْ يَنْفَسِخْ. (قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : فَإِنْ رَجَعَ الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ فَلَهُ الْحَدُّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ بِذَلِكَ، فَأَمَّا إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ بِكَلِمَةٍ فَمَا فَوْقَهَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نِكَاحُهَا وَيُحَدُّ الرَّاجِعُ مِنْهُمَا. اهـ
فَقَوْلُهُ: " وَرَاجِعٌ قَبْلَ التَّمَامِ " هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: " وَمُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ بَعْدُ " أَيْ بَعْدَ اللِّعَانِ أَيْ بَعْدَ تَمَامِهِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) فَلَوْ أَكْذَبَ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ قَبْلَ تَمَامِ لِعَانِهِمَا حُدَّ وَبَقِيَتْ زَوْجَةً، وَيَتَوَارَثَانِ وَإِنْ رُجِمَتْ اهـ.
стр. 216
وَسَاكِتٌ وَالْحَمْلُ حَمْلٌ بَيِّنُ ... يُحَدُّ مُطْلَقًا وَلَا يَلْتَعِنُ
وَمِثْلُهُ الْوَاطِئُ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ ... وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ وَحَدُّ الْفِرْيَةِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَأَى بِزَوْجَتِهِ حَمْلًا بَيِّنًا وَسَكَتَ ثُمَّ نَفَاهُ وَأَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَ فَإِنَّهُ لَا يُلَاعِنُ وَيُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ، وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي بِحَدِّ الْفِرْيَةِ. وَالْفِرْيَةُ: الْكِذْبَةُ.
وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَسَوَاءٌ سَكَتَ كَثِيرًا وَلَا إشْكَالَ أَوْ قَلِيلًا كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْإِطْلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَسَاكِتٌ " وَكَذَلِكَ الَّذِي رَأَى زَوْجَتَهُ تَزْنِي ثُمَّ وَطِئَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَلْتَعِنَ (قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) : قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إلَى امْرَأَتِهِ حَامِلًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ حُرَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْفِ الْحَمْلَ وَلَا ادَّعَاهُ فَلَمَّا وَضَعَتْ انْتَفَى مِنْهُ؟ قَالَ مَالِكٌ إذَا رَأَى الْحَمْلَ فَسَكَتَ حَتَّى وَضَعَتْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِيَ مِنْهُ، وَإِنْ انْتَفَى مِنْهُ حِينَ تَلِدُهُ جُلِدَ الْحَدَّ إنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً مُسْلِمَةً، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الْكَافِرَةِ وَالْأَمَةِ لِأَنَّ قَاذِفَهَا لَا يُحَدُّ. (قُلْتُ) : فَإِنْ رَأَى الْحَمْلَ فَسَكَتَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ انْتَفَى مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ رَآهُ فَلَمْ يُنْكِرْ أَوْ أَقَرَّ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْكِرُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ. (وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ ادَّعَى رُؤْيَةً وَأَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَ بَعْدَهَا حُدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ اهـ.
وَإِنْ تَضَعْ بَعْدَ اللِّعَانِ لِأَقَلَّ ... مِنْ سِتَّةِ الْأَشْهُرِ فَالْمَهْرُ بَطَلْ
وَلَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ مِنْ تَأْبِيدِ ... إذْ النِّكَاحُ كَانَ كَالْمَفْقُودِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ زَعَمَتْ أَنَّهُ مِنْهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَتَلَاعَنَا ثُمَّ وَلَدَتْ فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ عَقَدَ عَلَيْهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا وَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِالْتِعَانِهَا، أَمَّا سُقُوطُ الصَّدَاقِ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ لِظُهُورِ كَوْنِهَا مُعْتَدَّةً لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْوِلَادَةِ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَنَّهَا يَوْمَ عَقَدَ عَلَيْهَا النِّكَاحَ كَانَتْ حَامِلًا، وَالْفَسْخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا شَيْءَ فِيهِ وَلَوْلَا الْإِتْيَانُ بِالْوَلَدِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَوَجَبَ نِصْفُ الصَّدَاقِ فِي اللِّعَانِ قَبْلَ الْبِنَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا عَدَمُ تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ بِالْتِعَانِهَا فَلِأَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ زَوْجَةٍ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ النِّكَاحَ كَالْعَدَمِ لِكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي.
هَذَا مَقْصُودُ النَّاظِمِ ﵀ بِالْبَيْتَيْنِ وَهَكَذَا هِيَ الْمَسْأَلَةُ فِي ابْنِ سَلْمُونٍ، وَلَفْظُهُ فِي الْمَسْأَلَة بِرُمَّتِهَا: وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَادَّعَتْهُ عَلَيْهِ وَنَفَاهُ هُوَ فَإِنَّهُمَا يَلْتَعِنَانِ وَلَا يَنْتَفِي مِنْهُ إلَّا بِاللِّعَانِ إذَا ادَّعَتْ أَنَّهُ كَانَ يَغْشَاهَا وَكَانَ ذَلِكَ يُمْكِنُ وَجَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ تَزَوَّجَهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا صَدَاقَ لَهَا وَلَا لِعَانَ، فَإِنْ تَضَعْ الْحَمْلَ فَأَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا صَدَاقٌ وَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِالْتِعَانِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ زَوْجَةٍ لَهُ. قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ. اهـ
فَمَسْأَلَةُ النَّاظِمِ هِيَ قَوْلُ ابْنِ سَلْمُونٍ.
" فَإِنْ لَاعَنَ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ الْحَمْلَ " إلَخْ وَكَانَ وَجْهُ لِعَانِهِ قَبْلَ الْوَضْعِ - مَعَ أَنَّهُ قَالَ قَبْلَهُ: " إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا لِعَانَ " - أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِالْحَمْلِ وَسَكَتَ وَلَمْ يُلَاعِنْ لَزِمَهُ الْوَلَدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ " إلَخْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى وَلَدَتْ فَلَا صَدَاقَ وَلَا لِعَانَ، وَالْوَجْهُ الَّذِي بَعْدَهُ عُلِمَ قَبْلَ الْوَضْعِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ السُّكُوتُ فَلَاعَنَ ثُمَّ وَلَدَتْ وَهِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا]
(ابْن عَرَفَةَ) الطَّلَاقُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا مَرَّتَيْنِ لِلْحُرِّ وَمَرَّةً لِذِي رِقٍّ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجٍ. قَوْلُهُ: " حُكْمِيَّةٌ " لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنًى تَقْدِيرِيٌّ، " وَتَرْفَعُ حِلِّيَّةَ " أَخْرَجَ بِهِ الظِّهَارَ وَمَا شَابَهَهَا، وَقَوْلُهُ: " حِلِّيَّةَ " لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تُرْفَعُ وَإِنَّمَا يُرْفَعُ الْمُعَلَّقُ بِهَا، وَقَوْلُهُ: " بِزَوْجَتِهِ أَخْرَجَ بِهِ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ بِغَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ: " مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا ": إلَخْ صِفَةٌ لِلصِّفَةِ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ عَلَى نُسْخَةِ الرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ.
وَيَظْهَرُ أَنَّهُ زَادَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ يُخْرِجُ بِذَلِكَ صُوَرًا كَثِيرَةً تَمْنَعُ أَوْ تَرْفَعُ الْمُتْعَةَ بِالزَّوْجَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَبِالصَّلَاةِ وَبِالدُّخُولِ
стр. 217
فِي الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. اهـ
وَقَوْلُهُ: " مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا " التَّكَرُّرُ هُوَ مَا بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى. وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَصَوَّبَ الْجَوْهَرِيُّ الْفَتْحَ وَاسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ بِالْكَسْرِ. (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) هُوَ رَفْعُ الزَّوْجِ أَوْ الْحَاكِمِ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ لِطَلَاقِهَا،
قَالَ: فَتَخْرُجُ الْمُرَاجَعَةُ. اهـ
أَيْ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّجْعَةَ هِيَ مِنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَالْمُرَاجَعَةَ هِيَ مِنْ الْبَائِنِ وَلِذَلِكَ عَبَّرُوا فِيهَا بِالْمُفَاعَلَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ (الرَّصَّاعُ) قَوْلُهُ: " أَوْ الْحَاكِمُ " أَشَارَ بِهِ إلَى إدْخَالِ مَا إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ وَامْتَنَعَ مِنْ الرَّجْعَةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالرَّجْعَةِ، وَتَصِحُّ رَجْعَتُهُ.
وَيَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ (ابْنُ الْحَاجِبِ) فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْأَدَبِ، وَإِنْ أَبَى ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَلَهُ وَطْؤُهَا بِذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا يَتَوَارَثَانِ بَعْدَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ قَوْلُهُ: " حُرْمَةُ الْمُتْعَةِ " هَذَا هُوَ الْمَرْفُوعُ وَاحْتَرَزَ بِهِ مَنْ رَفْعِ الْحِلِّيَّةِ، أَيْ فَإِنَّهُ نَفْسُ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ: " بِطَلَاقِهَا " مُتَعَلِّقٌ بِالْحُرْمَةِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ رَفْعِ الزَّوْجِ الْحُرْمَةَ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ كَمَا إذَا رَفَعَ حُرْمَةَ الظِّهَارِ أَيْ بِالتَّكْفِيرِ. ثُمَّ قَالَ الرَّصَّاعُ: لَمْ أَقِفْ لِلشَّيْخِ عَلَى حَدِّ الْمُرَاجَعَةِ. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا تَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّ النِّكَاحِ لِأَنَّ النِّكَاحَ إمَّا لِمُرَاجَعَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا فَيُقَالُ فِيهَا نِكَاحٌ مِنْ زَوْجٍ أَبَانَهَا بِغَيْرِ الثَّلَاثِ اهـ.
أَيْ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبِنْهَا فَهِيَ رَجْعَةٌ لَا مُرَاجَعَةٌ، وَأَمَّا إذَا أَبَانَهَا بِالثَّلَاثِ ثُمَّ تَرَاجَعَا بَعْدَ زَوْجٍ فَإِنَّ ذَلِكَ ابْتِدَاءُ نِكَاحٍ لَا شَكَّ فِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 218
مِنْ الطَّلَاقِ الطَّلْقَةُ السُّنِّيَّهْ ... إنْ حَصَلَتْ شُرُوطُهَا الْمَرْعِيَّهْ
وَهْيَ الْوُقُوعُ حَالَ طُهْرٍ وَاحِدَهْ ... مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَارْتِدَافِ زَائِدَهْ
مِنْ ذَاكَ بَائِنٌ وَمِنْهُ الرَّجْعِيّ ... وَمَا عَدَا السُّنِّيَّ فَهْوَ بِدْعِي
مِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعِي ... وَذُو الثَّلَاثِ مُطْلَقًا وَرَجْعِي
يَعْنِي أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى وَجْهَيْنِ سُنِّيٌّ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ، وَبِدْعِيٌّ وَهُوَ مَا اخْتَلَّتْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهَا، ثُمَّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
مِنْ ذَاكَ بَائِنٌ وَمِنْهُ الرَّجْعِيّ
إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ السُّنِّيَّ يَنْقَسِمُ إلَى بَائِنٍ وَرَجْعِيٍّ. (قُلْتُ) : وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ الْبِدْعِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى رَجْعِيٍّ وَبَائِنٍ كَمَا يَأْتِي، فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ فَطَلَاقُ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَوْ حَائِضًا وَمَنْ بَقِيَتْ عَلَى طَلْقَةٍ وَإِنْ حَصَلَتْ بِشُرُوطِ السُّنِّيِّ سُنِّيٌّ بَائِنٌ، وَطَلَاقُ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ سُنِّيٌّ وَرَجْعِيٌّ، وَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ بِدْعِيٌّ رَجْعِيٌّ، وَالطَّلَاقُ الثَّلَاثُ بِدْعِيٌّ بَائِنٌ، وَمَثَّلَ الشَّارِحُ لِلْبِدْعِيِّ الْبَائِنِ بِالطَّلَاقِ الْمُمَلَّكِ قَالَ: وَهُوَ طَلَاقُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ خُلْعٍ وَبِالْخُلْعِ وَبِالثَّلَاثِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ طَلَاقَ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مُطْلَقًا مَعَ شُرُوطِ السُّنِّيِّ وَعَدَمِهَا. قَالَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ، سُنِّيٌّ بَائِنٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُنِّيًّا مَعَ وُجُودِ شُرُوطِ السُّنِّيِّ، وَاَلَّذِي يُمْكِنُ مِنْهَا هُنَا أَيْ مِنْ شُرُوطِ السُّنِّيِّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا اثْنَانِ فَقَطْ: أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً وَأَنْ تَكُونَ فِي طُهْرٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ فَهُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا عَدَمُ ارْتِدَافِ أُخْرَى فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَنَّ الِارْتِدَافَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الرَّجْعِيِّ وَطَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بَائِنٌ. (وَفِي الرَّصَّاعِ) أَنَّ اللَّخْمِيَّ نَقَلَ عَنْ أَشْهَبَ جَوَازَ طَلَاقِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي صَادَفَتْ آخِرَ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ سُنِّيًّا بَائِنًا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ بِفَضْلِهِ) وَقَدْ كُنْتُ قُلْتُ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَالتَّمْثِيلِ لَهُ أَبْيَاتًا وَهِيَ هَذِهِ
مِنْ الطَّلَاقِ سُنَّةٌ وَبِدْعِي ... وَالْكُلُّ إمَّا بَائِنٌ أَوْ رَجْعِي
سُنِّيُّهُ فِي حَالِ طُهْرٍ وَاحِدَهْ ... مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَارْتِدَافِ زَائِدَهْ
فَغَيْرُ مَدْخُولٍ وَمَنْ تَبْقَى عَلَى ... وَاحِدَةٍ إنْ بِالشُّرُوطِ حَصَلَا
فَبَائِنُ السُّنِّيّ وَرَجْعِيُّ السُّنَّةِ ... بَعْدَ الْبِنَاءِ بِشُرُوطٍ مَتَّتْ
مُمَلَّكٌ أَوْ خُلْعٌ أَوْ أَقْصَاهُ ... بِدْعِيٌّ وَبَائِنٌ فَلَا تَنْسَاهُ
رَجْعِي وَبِدْعِي إنْ تَسَلْ هُوَ وَاحِدُ ... بَعْدَ الْبِنَا بِفَقْدِ شَرْطٍ يُوجَدُ
وَضَمِيرُ سُنِّيِّهِ لِلطَّلَاقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، وَقَوْلُنَا: " فَغَيْرُ مَدْخُولٍ " إلَخْ هُوَ ابْتِدَاءُ تَمْثِيلِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ تَبَعًا لِلشَّارِحِ وَتَقْلِيدًا لَهُ، وَقَوْلُنَا: " إنْ بِالشُّرُوطِ حَصَلَا " رَاجِعٌ لِطَلَاقِ مَنْ تَبْقَى عَلَى وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَمَتَّتْ مَعْنَاهُ قَرُبَتْ، وَأَقْصَى الطَّلَاقِ هُوَ الثَّلَاثُ، وَجُمْلَةُ " يُوجَدُ " هِيَ صِفَةٌ أُخْرَى لِوَاحِدٍ، وَ " بِفَقْدِ " يَتَعَلَّقُ بِيُوجَدُ أَيْ إنْ تَسْأَلْ عَنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ الْبِدْعِيِّ فَهُوَ الطَّلَاقُ الْوَاحِدُ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِوَصْفَيْنِ آخَرَيْنِ: كَوْنُهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَكَوْنُهُ يُوجَدُ بِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ السُّنِّيِّ وَلْيُرْجَعْ إلَى حَلِّ أَلْفَاظِ النَّاظِمِ. قَوْلُهُ: " الْمَرْعِيَّةُ " أَيْ الْمَرْعِيَّةُ الْمَحْفُوظَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالسُّنِّيِّ أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْ النِّسْبَةِ إلَى السُّنَّةِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ الَّذِي أَذِنَتْ فِيهِ السُّنَّةُ مُقَابِلَ الْبِدْعِيِّ.
وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ هُوَ مَا وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَالطَّلَاقُ مُبَاحٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: " إنَّهُ مَكْرُوهٌ " لِمَا فِي أَبِي دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَبْغَضَ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» . وَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ، وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ «طَلَّقَ حَفْصَةَ وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا وَطَلَّقَ الْعَالِيَةَ بِنْتَ سُفْيَانَ وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى أُمَّ الْمَسَاكِينِ» ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِطَلَاقِ السُّنَّةِ أَرْبَعَةَ قُيُودٍ (الْأَوَّلُ) : أَنْ يُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ كَانَ مُطَلِّقًا لِلْبِدْعَةِ. (عَبْدُ الْوَهَّابِ) وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ، وَاخْتُلِفَ هَلْ الْمَنْعُ فِي الْحَيْضِ تَعَبُّدٌ أَوْ لِطُولِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا؟ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؟ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ لَا تَعْتَدُّ بِهِ فَتَلْغِي بَقِيَّةَ أَيَّامِ حَيْضِهَا.
(الْقَيْدُ الثَّانِي) أَنْ لَا يُجَامِعَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، فَإِنْ جَامَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَانَ مُطَلِّقًا لِلْبِدْعَةِ وَلَيْسَ مَمْنُوعًا كَطَلَاقِ الْحَيْضِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِكَرَاهَتِهِ (قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ) : لِأَنَّهُ لَبَسَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ فَلَمْ تَدْرِ هَلْ تَعْتَدُّ بِالْوَضْعِ أَوْ بِالْأَقْرَاءِ؟ (الثَّالِثُ) : أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً. (اللَّخْمِيُّ) وَإِيقَاعُ الِاثْنَتَيْنِ مَكْرُوهٌ، وَالثَّلَاثِ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أَيْ مِنْ
стр. 219
الرَّغْبَةِ فِي الْمُرَاجَعَةِ وَالنَّدَمِ عَلَى الْفِرَاقِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى لُزُومِ الثَّلَاثِ فِي حَقِّ مَنْ أَوْقَعَهَا، وَعَنْ بَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ مُوقِعَ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، وَعَنْ بَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَحَكَى التِّلْمِسَانِيُّ أَنَّ عِنْدَنَا قَوْلًا بِأَنَّهُ إذَا أَوْقَعَ الثَّلَاثَ فِي كَلِمَةٍ إنَّمَا تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ (الْقَيْدُ الرَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُعْتَدَّةٍ لِيَحْتَرِزَ مِنْ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً فَإِنْ فَعَلَ فَالْأُولَى لِلسُّنَّةِ وَالْأُخْرَيَانِ لِلْبِدْعَةِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ اهـ بِاخْتِصَارٍ.
فَقَوْلُ النَّاظِمِ: " مِنْ غَيْرِ مَسٍّ " هُوَ إشَارَةٌ لِلْقَيْدِ الثَّانِي الْمُتَقَدِّمِ عَنْ التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ: " وَارْتِدَافِ زَائِدَهُ " هُوَ إشَارَةٌ إلَى الْقَيْدِ الرَّابِعِ فِي التَّوْضِيحِ (وَفِي الرِّسَالَةِ) وَطَلَاقُ السُّنَّةِ مُبَاحٌ وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهِ طَلْقَةً ثُمَّ لَا يُتْبِعَهَا طَلَاقًا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ اهـ. فَقَوْلُهُ: " ثُمَّ لَا يُتْبِعُهَا طَلَاقًا " هُوَ الْقَيْدُ الرَّابِعُ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ مُرَادُ النَّاظِمِ بِقَوْلِهِ: " وَارْتِدَافِ زَائِدَهُ " أَيْ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْدِفَ عَلَى الطَّلْقَةِ الْأُولَى طَلْقَةً زَائِدَةً عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ كَمَا فِي الرِّسَالَةِ. وَقَوْلُهُ: " مِنْ ذَاكَ بَائِنٌ " أَيْ مِنْ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مَا هُوَ بَائِنٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ رَجْعِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، وَقَوْلُهُ: " مَا عَدَا السُّنِّيَّ فَهُوَ بِدْعِيٌّ " أَيْ مَا اخْتَلَّ فِيهِ قَيْدٌ مِنْ قُيُودِ السُّنِّيِّ فَهُوَ بِدْعِيٌّ، وَقَوْلُهُ:
مِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعِيٌّ
أَيْ مِنْ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ يَعْنِي الْبَائِنَ مُمَلَّكٌ وَخُلْعِيٌّ، وَقَوْلُهُ " وَذُو الثَّلَاثِ مُطْلَقًا " عَطْفٌ عَلَى مُمَلَّكٍ، وَأَشَارَ بِالطَّلَاقِ فِي الثَّلَاثِ إلَى كَوْنِهِ لَا يَكُونُ سُنِّيًّا بِوَجْهٍ، قَالَ الشَّارِحُ: يَعْنِي بِخِلَافِ طَلَاقِ مَنْ بَقِيَتْ عَلَى وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَهُوَ سُنِّيٌّ إنْ كَانَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: " وَرَجْعِي " أَيْ وَمِنْ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ مَا هُوَ رَجْعِيٌّ وَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ:
مِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعِي
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ:
مِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعِي
أَيْ وَهُوَ بَائِنٌ.
وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الرَّجْعِيِّ ... قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَمَدِ الْمَرْعِيِّ
وَلَا افْتِقَارَ فِيهِ لِلصَّدَاقِ ... وَالْإِذْنِ وَالْوَلِيِّ بِاتِّفَاقِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا سَوَاءٌ كَانَ سُنِّيًّا أَوْ بِدْعِيًّا فَإِنَّهُ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا. وَالْعِدَّةُ هِيَ مُرَادُهُ بِالْأَمَدِ الْمَرْعِيِّ، فَإِذَا رَاجَعَهَا فَلَا يَفْتَقِرُ لِصَدَاقٍ وَلَا لِإِذْنِ الزَّوْجَةِ وَلَا لِلْوَلِيِّ بِاتِّفَاقٍ (وَقَالَ فِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ) فَالزَّوْجُ يَمْلِكُ رَجْعَةَ زَوْجَتِهِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا وَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِالْقَوْلِ وَتَصِحُّ أَيْضًا بِالْفِعْلِ الْحَالِّ مَحَلَّ الْقَوْلِ وَالدَّالِّ فِي الْعِدَّةِ عَلَى الِارْتِجَاعِ كَالْوَطْءِ وَالْقُبْلَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْقَصْدِ إلَى الِارْتِجَاعِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ إذَا انْفَرَدَتْ النِّيَّةُ فِي ذَلِكَ دُونَ اللَّفْظِ فَقِيلَ لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِذَلِكَ وَقِيلَ تَصِحُّ وَهُوَ الصَّوَابُ اهـ.
وَمَوْقِعُ الرَّجْعِيِّ دُونَ طُهْرِ ... يُمْنَعْ مَعَ رُجُوعِهِ بِالْقَهْرِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَهِيَ حَائِضٌ فَإِنَّهُ فَعَلَ مَمْنُوعًا وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، فَإِذَا ارْتَجَعَ أَمْسَكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، (قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ) وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ أُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَدْخُولٍ فَلَا بَأْسَ بِطَلَاقِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا وَإِذَا أُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا أَمْهَلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ دَمِ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا ثُمَّ ابْتِدَاءً أَوْ حِنْثًا أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ شَيْءٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْ الثَّانِيَةِ فَإِنْ أَبَى ابْتِدَاءً أَوْ حِنْثًا أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ شَيْءٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْ الثَّانِيَةِ فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْأَدَبِ وَإِنْ أَبَى ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ. (التَّوْضِيحَ) لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ لِئَلَّا تَطُولَ الْعِدَّةُ أُمِرَ بِالْمُرَاجَعَةِ لِيُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى سُنَّتِهِ فَلَوْ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ إذَا طَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَكَانَتْ تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى فَيَتِمُّ مَقْصُودُهُ فَأُمِرَ بِالْوَطْءِ لِيَقْطَعَ حُكْمَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا وَطِئَهَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ طَلَاقِهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ لِأَنَّهُ ﷺ نُهِيَ عَنْ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ اهـ.
وَفِي الْمُمَلِّكِ الْخِلَافُ وَالْقَضَا ... بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ فِي الْمُرْتَضَى
стр. 220
(قَالَ الشَّارِحُ) : الطَّلَاقُ الْمُمَلِّكُ هُوَ طَلَاقُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ خُلْعٍ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: هُوَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ. وَبِقَوْلِهِ: " الْقَضَاءُ " وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَحَكَى سَحْنُونٌ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهَا الْبَتَّةُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُرْتَضَى لِجَرَيَانِ الْعَمَلِ بِهِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ وَالْمُبَارَأَةُ إذَا انْعَقَدَتْ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ مِنْ الْمَرْأَةِ فَهِيَ طَلْقَةٌ تَمْلِكُ بِهَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لَا يُرَاجِعُهَا الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشُهُودٍ وَرِضَاهَا فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ اهـ كَلَامُ الشَّارِحِ وَتَقَدَّمَ عَنْ الشَّارِحِ أَنَّ مِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدْعِيِّ الْبَائِنِ الطَّلَاقُ الْمُمَلِّكُ، قَالَ: وَهُوَ طَلَاقُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْخُلْعِ الْبَيْنُونَةَ فَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ
стр. 221
مِنْ غَيْر عِوَضٍ هُوَ الْمُمَلِّكُ.
وَبَائِنٌ كُلُّ طَلَاقٍ أُوقِعَا ... قَبْلَ الْبِنَاءِ كَيْفَمَا قَدْ وَقَعَا
يَعْنِي أَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ وَقَعَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ بَائِنٌ (قَالَ الشَّارِحُ) : كَيْفَمَا وَقَعَ مِنْ كَوْنِهِ سُنِّيًّا أَوْ بِدْعِيًّا (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) : وَالطَّلَاقُ قَبْلَ الْبِنَاءِ كُلُّهُ بَائِنٌ وَقَعَ عَلَى إسْقَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَمِمَّا يُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ هُنَا الطَّلَاقُ الَّذِي يُوقِعُهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ كُلُّهُ بَائِنٌ مِثْلُ هَذَا إلَّا الطَّلَاقَ عَلَى الْمُولِي وَفِي عَدَمِ النَّفَقَةِ. اهـ
ثُمَّ نَقَلَ فَتْوَى بَعْضِ الشُّيُوخِ بِكَوْنِ طَلَاقِ مُثْبِتَةِ الضَّرَرِ رَجْعِيًّا، قَالَ: " وَهُوَ غَلَطٌ " (قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ) : وَقَدْ كُنْتُ قُلْتُ فِي ذَلِكَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِ النَّاظِمِ:
وَبَائِنٌ كُلُّ طَلَاقٍ أُوقِعَا
بَيْتًا هُوَ
كَذَا الَّذِي يُوقِعُهُ الْقَاضِي عَدَا ... طَلَاقِ مُولٍ مُعْسِرٍ رَجْعِيٍّ بَدَا
قَالَ النَّاظِمُ ﵀.
وَبِالثَّلَاثِ لَا تَحِلُّ إلَّا ... مِنْ بَعْدِ زَوْجٍ لِلَّذِي تَخَلَّى
وَهْيَ لِحُرٍّ مُنْتَهَى الطَّلَاقِ ... وَحُكْمُهَا يَنْفُذُ بِالْإِطْلَاقِ
هَبْ أَنَّهَا فِي كِلْمَةٍ قَدْ جُمِعَتْ ... أَوْ طَلْقَةٍ مِنْ بَعْدِ أُخْرَى وَقَعَتْ
وَمُوقِعٌ مَا دُونَهَا مَعْدُودُ ... بَيْنَهُمَا إنْ قُضِيَ التَّجْدِيدُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا مِنْ بَعْدِ زَوْجٍ وَهُوَ مَعْنَى الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي تَخَلَّى عَنْهَا هُوَ الَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلِلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِتَحِلُّ وَإِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدِ زَوْجٍ بِشُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ بَالِغًا وَالزَّوْجَةُ مُطِيقَةٌ لِلْوَطْءِ فَلَا تَحِلُّ بِنِكَاحِ غَيْرِ الْبَالِغِ وَلَا بِوَطْءِ الزَّوْجِ الْبَالِغِ مَنْ لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ، فَإِنَّ وَطْأَهَا كَالْعَدَمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا بَلْ أَنْ تُطِيقَ الْوَطْءَ فَقَطْ.
الثَّانِي: أَنْ يَطَأهَا وَطْئًا مُبَاحًا، فَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَ وَطْءٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ أَوْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَوْ فِي الْحَيْضِ فَلَا تَحِلُّ بِذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَتَقَارَرَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْوَطْءِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) فَلَوْ ادَّعَتْ الْوَطْءَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَثَالِثُهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا قَبْلَهُ: وَيَكْفِي إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ مِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي الْقُبُلِ وَلَوْ كَانَ خَصِيًّا عَلَى الْمَنْصُوصِ. (التَّوْضِيحَ) قَوْلُهُ: " وَيَكْفِي إيلَاجُ الْحَشَفَةِ " أَيْ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِنْزَالِ، وَفَسَّرَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ الْعُسَيْلَةَ الْمُشْتَرَطَةَ بِإِيلَاجِ الْحَشَفَةِ وَقَوْلُهُ فِي الْقُبُلِ ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ إلَّا فِي الْقُبُلِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَيَكْفِي إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَكْفِي (ابْنُ الْقَاسِمِ) وَلَوْ وَطِئَ فَوْقَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ وَدَخَلَ مَاؤُهُ فِي فَرْجِهَا وَأَنْزَلَتْ هِيَ فَلَا يُحْصِنُهَا.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ كَانَ خَصِيًّا " يَعْنِي قَائِمَ الذَّكَرِ مَقْطُوعَ الْخُصْيَتَيْنِ. الرَّابِعُ: الِانْتِشَارُ فِي الْوَطْءِ، أَيْ قِيَامُ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْعُسَيْلَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالشَّاذُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. الْخَامِسُ: عِلْمُ الزَّوْجَةِ خَاصَّةً بِالْوَطْءِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ
стр. 222
وَقَالَ أَشْهَبُ عِلْمُ الزَّوْجِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَوْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ حَلَّتْ. قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (التَّوْضِيحَ) وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بِأَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا تَحِلُّ بِنِكَاحٍ غَيْرِ صَحِيحٍ كَنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَحِلُّ الذِّمِّيَّةُ بِنِكَاحِ الذِّمِّيِّ لِفَسَادِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ لَازِمًا (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا بِنِكَاحٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَنِكَاحِ الْعَبْدِ الْمُتَعَدِّي وَنِكَاحِ ذَاتِ الْعَيْبِ أَوْ الْمَغْرُورَةِ أَوْ ذِي الْعَيْبِ أَوْ الْمَغْرُورِ إلَّا إذَا لَزِمَ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ وَرَضِيَ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ وَوَطِئَ بَعْدَ اللُّزُومِ (التَّوْضِيحَ) قَوْلُهُ: " الْمَغْرُورِ أَوْ الْمَغْرُورَةِ " أَيْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ: " إلَّا إذَا لَزِمَ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ " رَاجِعٌ إلَى الْعَبْدِ، وَقَوْلُهُ: " وَرَضِيَ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ " رَاجِعٌ إلَى صُورَتَيْ الْعَيْبِ وَالْغُرُورِ، وَقَوْلُهُ: " وَوَطِئَ بَعْدَ اللُّزُومِ " يَعْنِي فِي الْخَمْسَةِ. اهـ
(ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا تَحِلُّ بِعَقْدٍ وَلَا بِوَطْءِ مِلْكٍ، قَوْلُهُ: " وَهِيَ لِحُرٍّ " أَيْ الثَّلَاثُ يَعْنِي وَأَمَّا الْعَبْدُ فَطَلْقَتَانِ، وَقَوْلُهُ: " وَحُكْمُهَا " أَيْ حُكْمُ الثَّلَاثِ، وَحُكْمُ الثَّلَاثِ هُوَ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَالْإِطْلَاقُ يُفَسِّرُهُ مَا فِي الْبَيْتِ بَعْدَهُ يَلِيَهُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي كَلِمَةٍ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. أَوْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا إلَى الثَّلَاثِ الْحُكْمُ وَاحِدٌ، إلَّا أَنَّهُ فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِي كَلِمَةٍ فِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ. (ابْنُ نَاجِي) مَذْهَبُنَا لُزُومُ الثَّلَاثِ، وَقِيلَ بِلُزُومِ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ وَانْظُرْ الْفَائِقَ فِي أَحْكَامِ الْوَثَائِقِ لِسَيِّدِي أَحْمَدَ الْوَنْشَرِيسِيِّ فَقَدْ أَطَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ وَذَلِكَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ نَوَازِلِ الطَّلَاقِ وَفُرُوعِهِ. قَوْلُهُ " وَمَوْقِعُ مَا دُونَهَا " - الْبَيْتَ - وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَوْقَعَ مِنْ الطَّلَاقِ مَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ فَإِنَّ مَا أَوْقَعَهُ مَعْدُودٌ عَلَيْهِ وَمَحْسُوبٌ عَلَيْهِ إنْ قَضَى اللَّهُ تَعَالَى بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا فَتَبْقَى عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ، وَإِذَا طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَتَبْقَى عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَةٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَإِنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِ مَا كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ تَزَوُّجِهَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَهْدِمُ إلَّا الثَّلَاثَ، فَلَوْ زَادَ النَّاظِمُ بَعْدَ
وَمُوقِعُ مَا دُونَهَا مَعْدُودٌ
الْبَيْتَ قَوْلَهُ مَثَلًا
وَلَوْ تَزَوَّجَتْ لِغَيْرِهِ وَلَا ... يَهْدِمُ ذَا إلَّا الثَّلَاثَ مُسَجَّلًا
وَمَعْنَى مُسْجَلًا مُطْلَقًا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ نِكَاحَ الْأَجْنَبِيِّ يَهْدِمُ الثَّلَاثَ كَانَتْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ.
[فَصْلٌ الْخُلْع]
فَصْلُ:
وَالْخُلْعُ سَائِغٌ وَالِافْتِدَاءُ ... فَالِافْتِدَاءُ بِاَلَّذِي تَشَاءُ
وَالْخُلْعُ بِاللَّازِمِ فِي الصَّدَاقِ ... أَوْ حَمْلٍ أَوْ عِدَّةٍ أَوْ إنْفَاقِ
وَلَيْسَ لِلْأَبِ إذَا مَاتَ الْوَلَدْ ... شَيْءٌ وَذَا بِهِ الْقَضَاءُ فِي الْمَدَدْ
(الرَّصَّاعُ) لَمْ يُعَرِّفْ الشَّيْخُ الْخُلْعَ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى الْبُضْعِ تَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا وَيَمْلِكُ بِهِ الزَّوْجُ الْعِوَضَ. ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِي رَسْمِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِسَبَبِ عِوَضٍ عَلَى التَّطْلِيقِ.
وَقَوْلُهُ: " وَالْخُلْعُ سَائِغٌ " إلَخْ يَعْنِي أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ وَالِافْتِدَاءُ بِهِ كَذَلِكَ جَائِزٌ، ثُمَّ فَسَّرَ كُلًّا مِنْهُمَا فَفَسَّرَ الِافْتِدَاءَ بِأَنَّهُ افْتِدَاءُ الزَّوْجَةِ بِبَعْضِ مَالِهَا، وَفَسَّرَ الْخُلْعَ بِأَنَّهُ الِافْتِدَاءُ بِاللَّازِمِ فِي الصَّدَاقِ وَبِمُؤْنَةِ حَمْلٍ وَخَرَاجِ عِدَّةٍ وَإِنْفَاقٍ عَلَى وَلَدٍ، وَهَذَا الْفَرْقُ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ لِأَهْلِ كُتُبِ الْأَحْكَامِ. وَمَعْنَى قَوْلِ الْمُوَثِّقِ فِي وَثِيقَةِ الطَّلَاقِ " وَتَحَمَّلَتْ لَهُ بِخَرَاجِ عِدَّتِهَا " يَعْنِي كِرَاءَ مَسْكَنِهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ إنْ كَانَتْ الدَّارُ بِكِرَاءٍ أَوْ الْتَزَمَتْ غُرْمَ الْكِرَاءِ لَهُ إنْ كَانَتْ الدَّارُ لَهُ. قَالَهُ فِي وَثَائِقِ الْقَشْتَالِيِّ فَإِذَا مَاتَ الْوَلَدُ الَّذِي الْتَزَمَتْ الزَّوْجَةُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِأَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ شَيْءٌ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَة، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَلَيْسَ لِلْأَبِ إذَا مَاتَ الْوَلَدْ
الْبَيْتَ (قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) : قُلْتُ لَهُ: فَمَا الْمُبَارَأَةُ؟ وَمَا الْخُلْعُ؟ وَمَا الْفِدْيَةُ؟ قَالَ الْمُبَارَأَةُ أَنْ تَقُولَ
стр. 223
الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ: خُذْ مَا أَعْطَيْتَنِي وَاتْرُكْنِي. وَالْخُلْعُ أَنْ يَخْتَلِعَ بِاَلَّذِي لَهَا كُلِّهِ. وَالْفِدْيَةُ أَنْ تَفْتَدِيَ بِبَعْضٍ وَتُمْسِكَ بَعْضًا. قُلْتُ: أَفَيَحِلُّ لِلزَّوْجِ مَا أَعْطَتْهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ إضْرَارٍ مِنْهُ لَهَا (وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ) مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ يَكْرَهُ أَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِهَا. وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ إضْرَارٍ مِنْ الزَّوْجِ بِهَا وَلَا تَضْيِيقٍ عَلَيْهَا.
(قَالَ الشَّارِحُ ﵀) اخْتَصَرَ الشَّيْخُ ﵀ ذِكْرَ الْمُبَارَأَةِ وَهِيَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَعَ الْخُلْعِ وَالْفِدْيَةِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ.
(وَفِي الْمُقَرِّبِ) قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا سُكْنَى عَلَى الزَّوْجِ؟ فَقَالَ إنْ كَانَ إنَّمَا شَرَطَ عَلَيْهَا كِرَاءَ الْمَنْزِلِ الَّذِي تَعْتَدُّ فِيهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ فِي مَسْكَنِ الْكِرَاءِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ تَسْكُنُ فِي مَسْكَنِ الزَّوْجِ فَاشْتَرَطَ أَنَّ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فِي كِرَاءِ الْمَسْكَنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَنْزِلِ الَّذِي تَعْتَدُّ فِيهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَتَسْكُنُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَالْخُلْعُ مَاضٍ. قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجِ وَنَفَقَةَ الْوَلَدِ عَلَيْهَا إلَى فِطَامِهِ؟ فَقَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: إذَا اخْتَلَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ وَتُنْفِقَ عَلَيْهِ إلَى فِطَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ مَاتَتْ كَانَ الرَّضَاعُ وَالنَّفَقَةُ فِي مَالِهَا، وَفِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قُلْتُ لِمَالِكٍ فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ أَيَكُونُ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا طَلَبَ ذَلِكَ. وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا إنَّمَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ رَضَاعِ ابْنِهِ حَتَّى تَفْطِمَهُ، وَإِنْ ذَهَبَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا شَيْءٌ. اهـ
فَقَوْلُهُ:
فَالِافْتِدَاءُ بِاَلَّذِي تَشَاءُ
أَيْ بِمَا تُرِيدُهُ مِنْ مَالِهَا دُونَ مَا لَمْ تُرِدْهُ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الِافْتِدَاءَ بِبَعْضِ مَالِهَا لَا بِكُلِّهِ، " فَالِافْتِدَاءُ " مُبْتَدَأٌ " وَبِاَلَّذِي " خَبَرُهُ لَا مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَقَوْلُهُ: " وَالْخُلْعُ بِاللَّازِمِ " إلَخْ " الْخُلْعُ " مُبْتَدَأٌ " وَبِاللَّازِمِ " خَبَرُهُ أَيْ بِاَلَّذِي هُوَ لَازِمٌ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ صَدَاقٍ لَمْ تَقْبِضْهُ " أَوْ حَمْلٍ " عَطْفٌ عَلَى الصَّدَاقِ مَدْخُولٌ لَازِمٌ أَيْ بِاللَّازِمِ فِي الْحَمْلِ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَاللَّازِمُ فِي الْعِدَّةِ أَيْ مِنْ كِرَاءِ الْمَسْكَنِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ وَثَائِقِ الْقَشْتَالِيِّ وَبِاللَّازِمِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ. وَقَوْلُهُ: " وَلَيْسَ لِلْأَبِ " أَيْ لَيْسَ لِأَبِ الْوَلَدِ شَيْءٌ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي الْتَزَمَتْ نَفَقَتُهُ فِيهَا لِلْأَبِ.
وَالْخُلْعُ بِالْإِنْفَاقِ مَحْدُودُ الْأَجَلْ ... بَعْدَ الرَّضَاعِ بِجَوَازِهِ الْعَمَلْ
وَجَازَ قَوْلًا وَاحِدًا حَيْثُ الْتُزِمْ ... ذَاكَ وَإِنْ مُخَالِعٌ بِهِ عُدِمْ
يَعْنِي أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى جَوَازِ الْخُلْعِ أَنْ تُنْفِقَ الْمَرْأَةُ عَلَى الْوَلَدِ أَجَلًا مَحْدُودًا بَعْدَ حَوْلَيْ الرَّضَاعِ يَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ سُقُوطُ نَفَقَةِ الزَّائِدِ عَلَى الْحَوْلَيْنِ
(التَّوْضِيحَ) وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَسَحْنُونٌ لَا تَسْقُطُ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الشُّيُوخِ. حَتَّى قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ (الْمُتَيْطِيُّ) قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ وَالْعَمَلُ عَلَى الْقَوْلِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ غَايَتَهُ غَرَرٌ، وَالْغَرَرُ جَائِزٌ هُنَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ: الْأَوَّلُ: رِوَايَةُ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْعَامَيْنِ وَمَا قَارَبَهُمَا لَا أَكْثَرَ، وَالثَّانِي: قَالَ أَصْبَغُ أَكْرَهُهُ ابْتِدَاءً فَإِنْ وَقَعَ أَمْضَيْتُهُ اهـ.
قَوْلُهُ " وَجَازَ قَوْلًا وَاحِدًا " الْبَيْتُ مِنْهُ يُفْهَمُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ، وَأَشَارَ بِهَذَا الْبَيْتِ إلَى قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ مُتَّصِلًا بِهِ. قَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا وَقَعَ الْخُلْعُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ إثْبَاتَ ذَلِكَ - إنْ مَاتَ الْوَلَدُ - وَلَا سُقُوطَهُ. وَأَمَّا شَرْطُ الْأَبِ نَفَقَةَ الِابْنِ مُدَّةً مَعْلُومَةً - عَاشَ الْوَلَدُ أَوْ مَاتَ - فَيَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ أَخَذَ الْأَبُ ذَلِكَ مِنْهَا مُشَاهَرَةً حَتَّى يَتِمَّ الْأَجَلُ وَكَذَلِكَ الْأَبُ اهـ.
(وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) فَإِنْ مَاتَ الِابْنُ فِي الْمُدَّةِ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ رُجُوعٌ فِيمَا بَقِيَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَحَمَّلَتْ عَنْهُ دَفْعَ مُؤْنَتِهِ، وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ وَقَفَ مِنْ مَالِهَا قَدْرَ مُؤْنَةِ الِابْنِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا رَجَعَ مَا بَقِيَ مِمَّا وَقَفَ إلَى وَرَثَةِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا إنْ أَفْلَسَتْ الْمَرْأَةُ رَجَعَ ذَلِكَ الْمَوْقُوفُ إلَى الْغُرَمَاءِ إنْ كَانَ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ دُيُونِهِمْ لِلزَّوْجِ مُحَاصَّةَ الْغُرَمَاءِ بِالنَّفَقَةِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطَ الزَّوْجُ نَفَقَةَ الصَّبِيِّ مُدَّةً مَعْلُومَةً - عَاشَ أَوْ مَاتَ وَذَلِكَ لِلْأَبِ لَازِمٌ عَلَى الْأُمِّ - لَجَازَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ
стр. 224
ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَمُرَادُ النَّاظِمِ بِالْمُخَالَعِ بِهِ: الْوَلَدُ. مَعْنَى " عُدِمَ " مَاتَ، وَفَاعِلُ جَازَ يَعُودُ عَلَى الْخُلْعِ وَذَلِكَ إشَارَةٌ لِنَفَقَةِ الْوَلَدِ.
وَلِلْأَبِ التَّرْكُ مِنْ الصَّدَاقِ ... أَوْ وَضْعُهُ لِلْبِكْرِ فِي الطَّلَاقِ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَيْ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ إذَا زَوَّجَ بِنْتَهُ الْبِكْرَ أَنْ يَضَعَ مِنْ صَدَاقِهَا مَا يَرَاهُ سَدَادًا وَنَظَرًا لِاِبْنَتِهِ، وَلَهُ أَيْضًا أَنْ يَضَعَ جَمِيعَهُ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْأَبِ أَنْ يَضَعَ عَنْ زَوْجِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ الَّتِي فِي حِجْرِهِ وَتَحْتَ وِلَايَةِ نَظَرِهِ مِنْ مُعَجَّلِ مَهْرِهَا وَمُؤَجَّلِهِ مَا يَرَاهُ سَدَادًا وَنَظَرًا لِاِبْنَتِهِ، وَلَهُ أَيْضًا أَنْ يُؤَخِّرَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ جَمِيعَ الْمَهْرِ إلَّا عَلَى الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَصِيِّ وَلَا لِلْوَلِيِّ.
(وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ) قَالَ مَالِكٌ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ الْبِكْرَ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا عَلَى النَّظَرِ وَلَا يَحُطُّ مِنْ الصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ إلَّا عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ يَهَبُهُ لِلزَّوْجِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهَا. (وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ) وَعَفْوُهُ فِي الْبِكْرِ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ مَاضٍ لَا قَبْلَهُ. وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا بِوَجْهِ نَظَرٍ (التَّوْضِيحُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ النِّسَاءُ الْمَالِكَاتُ لِأَمْرِهِنَّ عَنْ النِّصْفِ الَّذِي لَهُنَّ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ الزَّوْجُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَمِّلَ الصَّدَاقَ، وَقَالَ بِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ جَمَاعَةٌ.
وَيَنْفُذُ الطَّلَاقُ بِالتَّصْرِيحِ ... وَبِالْكِنَايَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ
أَشَارَ بِالْبَيْتِ إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَلْزَمُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ وَبِالْكِنَايَةِ، وَاللَّفْظُ أَحَدُ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ، وَالطَّلَاقُ لَهُ أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الزَّوْجُ، وَالْمَحَلُّ وَهُوَ الزَّوْجَةُ، وَالْقَصْدُ، وَاللَّفْظُ. فَالْأَهْلُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ فَلَا يَنْفُذُ طَلَاقُ الْكَافِرِ وَلَا الصَّبِيِّ وَلَا الْمَجْنُونِ، بِخِلَافِ السَّكْرَانِ فَيَمْضِي طَلَاقُهُ، وَالْمَحَلُّ شَرْطُهُ أَنْ يَمْلِكَهُ الزَّوْجُ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَالْمِلْكُ إمَّا تَحْقِيقًا أَوْ تَعْلِيقًا، فَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: " إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَنَكَحَهَا فَدَخَلَتْ الدَّارَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إنْ نَكَحْتُك فَلَوْ قَالَ: " إنْ نَكَحْتُك
стр. 225
فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَالْمَشْهُورُ اعْتِبَارُهُ وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ عَقِبَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَيَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ.
وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالصَّدَاقُ كَامِلًا، وَالْقَصْدُ هُوَ الْقَصْدُ لِلطَّلَاقِ فَلَا أَثَرَ لِسَبْقِ اللِّسَانِ إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا، وَلَا أَثَرَ لِلَّفْظِ يَجْهَلُ مَعْنَاهُ كَمَا إذَا قِيلَ لِأَعْجَمِيٍّ قُلْ زَوْجَتِي طَالِقٌ فَقَالَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ لِعَدَمِ الْقَصْدِ.
وَلَا أَثَرَ لِطَلَاقِ الْإِكْرَاهِ كَنِكَاحِهِ وَعِتْقِهِ وَغَيْرِهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَاللَّفْظُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ وَغَيْرُهُمَا، فَالصَّرِيحُ مَا فِيهِ صِيغَةُ طَلَاقٍ مِثْلُ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنَا طَالِقٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: " لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ " إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَكَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْفَتْوَى إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَتَى بِهَذَا اللَّفْظِ قَاصِدًا إلَى النُّطْقِ بِهِ وَقَالَ: " لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ " إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَيَلْزَمُهُ، وَالْكِنَايَةُ قِسْمَانِ: ظَاهِرٌ وَمُحْتَمَلٌ فَالظَّاهِرُ مَا هُوَ فِي الْعُرْفِ طَلَاقٌ مِثْلُ سَرَّحْتُك، وَفَارَقْتُك، وَأَنْتِ حَرَامٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَخَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك، وَنَحْوُ هَذَا.
وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ وَاخْتُلِفَ فِي اللَّازِمِ فِي ذَلِكَ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا ثَلَاثٌ وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ هِيَ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا وَلَا يَنْوِي، أَوْ الثَّلَاثُ وَيَنْوِي فِيهَا، أَوْ يَنْوِي فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَقَطْ؟ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا طَلْقَةٌ. وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ بَائِنَةٌ وَقِيلَ رَجْعِيَّةٌ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَوَاحِدَةٌ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. اهـ
وَالْكِنَايَةُ الْمُحْتَمَلَةُ مِثْلَ اذْهَبِي، وَانْصَرِفِي، وَاعْزُبِي، وَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَمُعْتَقَةٌ، وَالْحَقِي بِأَهْلِك، وَلَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، أَوْ لَا نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ. فَتُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ. وَفِي عَدَدِهِ إذَا قَالَ: " أَرَدْت الطَّلَاقَ وَقَصَدْت وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ " قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ.
(قَالَ أَصْبَغُ) وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَهُوَ الْبَتَّةُ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا؟ قَالَهُ فِي
стр. 226
التَّوْضِيحِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ فَذَلِكَ مِثْلَ اسْقِينِي الْمَاءَ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِيهَا كُلُّ كَلَامٍ يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ. اهـ
وَجَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَجُلُّهُ بِاللَّفْظِ، وَقَدْ بَحَثَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ الْمُمَثَّلِ بِهَا فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ. وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الْكَافِي أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ مِنْ الطَّلَاقِ وَالسَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَقَالَ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] .
ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ فِي مَنْهَجِهِ السَّالِكِ: وَلَهُ يَعْنِي الطَّلَاقَ لَفْظَانِ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ مَا جَاءَ فِيهِ لَفْظُ الطَّلَاقِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَشِبْهُ ذَلِكَ، وَالْكِنَايَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ: كَخَلِيَّةٍ، وَبَرِيَّةٍ، وَحَرَامٍ، وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَيَنْوِي فِي أَقَلَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَكِنَايَةٌ مُحْتَمَلَةٌ كَقَوْلِهِ: اذْهَبِي وَانْصَرِفِي وَشِبْهُ ذَلِكَ. وَكِنَايَةٌ لَا يَقْتَضِي لَفْظُهَا طَلَاقًا كَقَوْلِهِ: اسْقِينِي مَاءً أَوْ أَلْبِسِينِي ثِيَابَك فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الطَّلَاقَ اهـ.
فَجَعَلَ الْكِنَايَةَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ وَإِنْ قَصَدَ الطَّلَاقَ بِاسْقِينِي الْمَاءَ وَنَحْوِهِ مِنْ الْكِنَايَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ جَعَلَهُ قِسْمًا ثَالِثًا لَيْسَ مِنْ الصَّرِيحِ وَلَا مِنْ الْكِنَايَةِ، (قَالَ الشَّارِحُ) : قَوْلُ النَّاظِمِ " وَبِالْكِنَايَاتِ " بِلَفْظِ الْجَمْعِ يُرِيدُ أَضْرُبَهَا الثَّلَاثَةَ الَّتِي فَصَّلَهَا ابْنُ زَرْقُون إلَيْهَا إذَا أُرِيدَ بِهَا الطَّلَاقُ. اهـ
وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى النَّظَرُ فِي مُقَابِلِ الصَّحِيحِ مَا هُوَ؟ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الرَّصَّاعُ فِي شَرْحِ النِّكَاحِ الَّذِي تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لِلَّذِي طَلَّقَهَا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَالْكِنَايَةِ أَنَّ الْكِنَايَةَ إنَّمَا يَذْكُرُ الشَّيْءَ بِذِكْرِ لَازِمِهِ كَقَوْلِنَا: فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ. وَالتَّعْرِيضُ أَنْ يَذْكُرَ كَلَامًا يُحْتَمَلُ مَقْصُودُهُ وَغَيْرُ مَقْصُودِهِ. وَالْقَرَائِنُ تُفِيدُ الْمَقْصُودَ.
قَالَ ﵀:
وَيَنْفُذُ الْوَاقِعُ مِنْ سَكْرَانِ ... مُخْتَلِطٍ كَالْعِتْقِ وَالْأَيْمَانِ
وَمِنْ مَرِيضٍ وَمَتَى مِنْ الْمَرَضْ ... مَاتَ فَلِلزَّوْجَةِ الْإِرْثُ الْمُفْتَرَضْ
مَا لَمْ يَكُنْ بِخُلْعٍ أَوْ تَخْيِيرِ ... أَوْ مَرَضٍ لَيْسَ مِنْ الْمَحْذُورِ
تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ الزَّوْجَ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَقْلُ، فَإِنْ فَقَدَ الْعَقْلَ بِسُكْرٍ وَكَانَ مُخْتَلِطًا غَيْرَ طَافِحٍ فَإِنَّ طَلَاقَهُ يَنْفُذُ، وَكَذَا عِتْقُهُ، وَأَيْمَانُهُ الَّتِي حَلَفَ بِهَا، جَمِيعُ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ (التَّوْضِيحَ) قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: أَمَّا السَّكْرَانُ بِخَمْرٍ أَوْ نَبِيذٍ فَالْمَشْهُورُ نُفُوذُ طَلَاقِهِ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَقَدْ رُوِيَتْ عِنْدَنَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ، وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ.
وَتَأَوَّلَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ يَعْنِي ابْنَ رُشْدٍ الْخِلَافَ عَلَى الْمُخْتَلَطِ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاخْتِلَاطَ مِنْ نَفْسِهِ فَيُخْطِئُ وَيُصِيبُ، قَالَ: وَأَمَّا السَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا فِيمَا ذَهَبَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ، فَقِيلَ إنَّهَا لَا تَسْقُطُ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ بِإِدْخَالِهِ السُّكْرَ عَلَى نَفْسِهِ كَالْمُتَعَمِّدِ لِتَرْكِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا اهـ.
(ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّ الصَّلَاةَ يَقْضِيهَا السَّكْرَانُ سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا أَمْ لَا، وَأَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ وَتَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي السَّكْرَانِ أَنَّ الْمَشْهُورَ تَلْزَمُهُ الْجِنَايَاتُ وَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ وَالْحُدُودُ وَلَا تَلْزَمُهُ الْإِقْرَارَاتُ وَالْعُقُودُ. (قَالَ فِي الْبَيَانِ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ. اهـ
كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَعَلَى هَذَا التَّحْصِيلِ أَنْشَدَنَا شَيْخُنَا الْعَالِمُ الْمُتَفَنِّنُ أَبُو مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَاشِرٍ ﵀ لِنَفْسِهِ:
لَا يَلْزَمُ السَّكْرَانَ إقْرَارٌ عُقُودْ ... بَلْ مَا جَنَى عِتْقٌ طَلَاقٌ وَحُدُودْ
قَوْلُهُ " وَمِنْ مَرِيضٍ " يَعْنِي أَنَّ الطَّلَاقَ يَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ.
(ابْنُ الْحَاجِبِ) وَطَلَاقُ الْمَرِيضِ وَإِقْرَارُهُ بِهِ كَالصَّحِيحِ فِي أَحْكَامِهِ، وَتَنَصُّفِ صَدَاقِهِ، وَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وَسُقُوطِهَا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا هِيَ خَاصَّةً إنْ كَانَ مَخُوفًا قَضَى بِهِ عُثْمَانُ لِامْرَأَةِ عَبْد الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ: " وَمَتَى مِنْ الْمَرَضِ "
стр. 227
الْبَيْتَ - يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ يَعْنِي مَرَضًا مَخُوفًا فَإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَإِنَّ الزَّوْجَةَ تَرِثُهُ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَلَا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا مِنْهُ إلَّا إذَا صَحَّ صِحَّةً بَيِّنَةً.
(التَّوْضِيحَ) قَوْلُ ابْنُ الْحَاجِبِ: " إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا هِيَ خَاصَّةً " بَيَانٌ لِمَا يُخَالِفُ فِيهِ طَلَاقُ الْمَرِيضِ طَلَاقَ الصَّحِيحِ يَعْنِي أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا لَا يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ مِيرَاثُهَا مِنْهُ بَلْ تَرِثُهُ إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا اُتُّهِمَ عَلَى حِرْمَانِهَا مِنْ الْمِيرَاثِ عُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلَهُ لَا يَرِثُهَا، وَأُخِذَ عَدَمُ إرْثِهِ مِنْهَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " خَاصَّةً " وَتَرِثُهُ سَوَاءٌ كَانَ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَمْ لَا. وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ مَخُوفًا (ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) لَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ لَهَا الْمِيرَاثَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ إرْثِهَا بِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانِ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (وَفِي الْمُقَرِّبِ) قُلْت لَهُ أَرَأَيْت إنْ طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا كَانَ الْمِيرَاثُ وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ. وَإِنْ كَانَ طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيهِ رَجْعَتَهَا فَمَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا انْتَقَلَتْ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الطَّلَاقِ قَبْلَ أَنْ يَهْلَكَ ثُمَّ هَلَكَ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَلَهَا الْمِيرَاثُ، قُلْت وَهَلْ تَرِثُ الْمَرْأَةُ أَزْوَاجًا كُلَّهُمْ يُطَلِّقُونَهَا فِي مَرَضِهِمْ ثُمَّ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَصِحُّوا وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
(قَالَ الشَّارِحُ) ﵀: أَقُولُ: لَمْ يُفَصِّلْ الشَّيْخُ ﵀ كَوْنَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد هُنَا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ طَلَاقَ الْمَرِيضَ نَافِذٌ وَأَنَّ الْمِيرَاثَ لَازِمٌ سَوَاءٌ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا. وَقَدْ ذَكَرَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ فِي مَحَلِّهَا فَاعْتَمِدْ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ هُنَالِكَ اهـ وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُ صَاحِبِ الْمُقَرِّبِ عَلَى فَوَائِدَ، كُلُّهَا جَارِيَةٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ.
قَوْلُهُ
مَا لَمْ يَكُنْ بِخُلْعٍ أَوْ تَخْيِيرِ
- الْبَيْتَ - يَعْنِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِي الْمَرَضِ تَرِثُ زَوْجَهَا إذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا تَسَبُّبٌ فِي الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ بَذَلَتْ لَهُ مَالًا حَتَّى طَلَّقَهَا، وَكَمَا لَوْ خَيَّرَهَا أَوْ مَلَّكَهَا فَاخْتَارَتْ الْفِرَاقَ، أَوْ كَانَ الْمَرَضُ غَيْرَ مَخُوفٍ فَلَا تَرِثهُ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ إرْثِهَا مِنْهُ إنْ كَانَ الْمَرَضُ غَيْرَ مَخُوفٍ ظَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَأَمَّا عَدَمُ إرْثِهَا مِنْهُ فِي مَسْأَلَتَيْ الْخُلْعِ وَالتَّخْيِيرِ فَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمَعْرُوفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا
стр. 228
تَرِثُهُ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : وَإِنْ مَلَكَهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا فِي مَرَضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا إنْ مَاتَتْ، وَتَرِثُهُ هِيَ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ اهـ لِأَنَّ الطَّلَاقَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ (ابْنُ عَرَفَةَ) خُلْعُ الْمَرِيضِ تَامٌّ وَتَرِثُهُ إنْ مَاتَ.
قَالَ أَبُو عِمْرَان وَتَرِثُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي أَعْطَتْهُ. اهـ
وَأَجَابَ الشَّارِحُ بِأَنَّ النَّاظِمَ اعْتَمَدَ فِي اسْتِثْنَاءِ طَلَاقِ الْخُلْعِ تَخْرِيجَ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي اسْتِثْنَاءِ التَّخْيِيرِ رِوَايَةَ زِيَادٍ فِي الْمُمَلَّكَةِ فِي الْمَرَضِ أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ، وَاسْتَظْهَرَ تَخْرِيجَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الْخُلْعِ، قَالَ: لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْ قِبَلِهَا فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ أَنْ لَا تَرِثَ اهـ بِاخْتِصَارٍ: وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْمُخَرَّجَ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي قَضَاءٍ وَلَا فَتْوَى، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ تَفَقُّهًا وَتَفَنُّنًا فَقَطْ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْعَمَلُ عَلَى رِوَايَةِ زِيَادٍ فِي مَسْأَلَةِ التَّخْيِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: " وَيَنْفُذُ الْوَاقِعُ " أَيْ الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ وَقَوْلُهُ: " مُخْتَلَطٍ " هُوَ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ. هَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَشْهُورُ لُزُومُ طَلَاقِهِ، وَمَفْهُومُ " مُخْتَلَطٍ " أَنَّ غَيْرَ الْمُخْتَلَطِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَطَرِيقَةُ ابْنُ بَشِيرٍ عَكْسُ هَذِهِ إنْ كَانَ فِي حَالِ تَمْيِيزِهِ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ مَغْمُورًا فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَعِيَاضٍ (التَّوْضِيحَ) وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي السَّكْرَانِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ، مَيْزٌ أَمْ لَا. وَكَذَلِكَ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمَشْهُورُ لُزُومُ طَلَاقِهِ وَالشَّاذُّ عَدَمُ لُزُومِ طَلَاقِهِ وَلَمْ يُفَصِّلْ اهـ
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ (التَّوْضِيحَ) فَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ. وَقَوْلُهُ: " فَلِلزَّوْجَةِ الْإِرْثُ الْمُفْتَرَضُ " أَيْ الْمُفْتَرَضُ لَهَا شَرْعًا مِنْ رُبْعٍ أَوْ ثُمُنٍ، وَقَوْلُهُ: " مَا لَمْ يَكُنْ " أَيْ الطَّلَاقُ " بِخُلْعٍ " إلَخْ أَيْ فَلَا تَرِثُهُ حِينَئِذٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَالْمَعْرُوفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تَرِثُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ أَنْ كَانَ مِنْ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ الْقَصْدُ فَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ وَالْمُبَرْسَمَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَرِيضَ الْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي مَدَارِكِهِ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ طَلَاقِ الذَّاهِلِ بِقَوْلِ السَّائِلِ:
أَيَا قَاضِيًا فَاقَ الْأَنَامَ بِعِلْمِهِ ... وَأَرْبَى عَلَيْهِمْ بِالنُّهَى وَالْفَضَائِلِ
فَدَيْتُك هَلْ يَجْرِي الطَّلَاقُ لِذَاهِلٍ ... فَرُدَّ فَأَنْتَ الْيَوْمَ قُطْبُ الْمَسَائِلِ
(فَأَجَابَ)
إذَا كَانَ ذَا عَقْلٍ فَطَلَّقَ زَوْجَهُ ... فَقَدْ لَزِمَ التَّطْلِيقُ يَا خَيْرَ سَائِلِ
وَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا وَلَا عَقْلَ عِنْدَهُ ... يَقِينًا فَلَا يَمْضِي طَلَاقٌ لِذَاهِلِ
اهـ مِنْ شَرْحِ الْقَلْشَانِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَ طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَإِنْ اخْتَلَّ فِيهِ الْقَصْدُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَعَمِّدِ لِإِدْخَالِهِ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ اخْتِيَارًا.
وَالْخُلْفُ فِي مُطَلِّقٍ هَزْلًا وَضَحْ ... ثَالِثُهَا إلَّا إنْ الْهَزْلُ اتَّضَحْ
يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ طَلَّقَ عَلَى وَجْهِ الْهَزْلِ وَاللَّعِبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يَلْزَمُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ، ثَالِثُهَا: إنْ اتَّضَحَ الْهَزْلُ وَبَانَ لَمْ يَلْزَمْ وَإِنْ لَمْ يَتَّضِحْ وَلَمْ يَبِنْ فَيَلْزَمُ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَفِي الْهَزْلِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ثَالِثُهَا: إنْ قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَمْ يَلْزَمْ (التَّوْضِيحَ) وَيَلْحَقُ بِالثَّلَاثِ الرَّجْعَةُ، وَالْمَشْهُورُ اللُّزُومُ لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» قَالَ: وَهُوَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ، لَكِنْ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي النِّكَاحِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ عَنْ اللَّخْمِيِّ (ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) وَاَلَّذِي حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إنَّمَا هُمَا قَوْلَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَهُوَ شَرْطُ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ يَعُدُّونَهُ مِنْ تَمَامِ الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى اهـ وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرٌ بَلْ مُتَعَيِّنٌ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 229
وَمَالِكٌ لَيْسَ لَهُ بِمُلْزِمِ ... لِمُكْرَهٍ فِي الْفِعْلِ أَوْ فِي الْقَسَمِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ غَيْرَ طَائِعٍ بَلْ لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ كَذَلِكَ مُكْرَهًا ثُمَّ حَنِثَ فَإِنَّ الْإِمَام مَالِكًا ﵁ لَا يُلْزِمُهُ طَلَاقًا فِي الْوَجْهَيْنِ فَضَمِيرُ " لَهُ " لِلطَّلَاقِ " وَلَهُ " يَتَعَلَّقُ بِمُلْزِمٍ، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ بَلْ وَكَذَلِكَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءَ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا كُلُّهُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْأَقْوَالِ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَفْعَالِ فَقَالَ الشَّيْخُ ابْن غَازِيٍّ وَالْأَفْعَالُ الَّتِي ذَكَرُوا فِي الْبَابِ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) : الْفِعْلُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ كَمَنْ حَلَفَ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَأُكْرِهَ عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ حَلَفَ لِيَفْعَلَنَّ كَذَا وَقْت كَذَا فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ، كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ.
وَفِيهِ طُرُقٌ الْأُولَى: طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ قَالَ: إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَأُكْرِهَ عَلَى فِعْلِهِ مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ فَحُمِلَ حَتَّى أُدْخِلَهَا، أَوْ أُكْرِهَ حَتَّى دَخَلَ بِنَفْسِهِ، أَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّهَا فِي وَقْتِ كَذَا فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ فَهُوَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ غَيْرُ حَانِثٍ. وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ قَالَ فِي حِنْثِهِ ثَالِثُهَا: يَحْنَثُ فِي يَمِينِ الْحِنْثِ لَا الْبِرِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ حَيْثُ قَالَ: وَوَجَبَتْ بِهِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ وَهَذَا فِي الْحَالِفِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ لَا غَيْرُ. (الضَّرْبُ الثَّانِي) الْأَفْعَالُ الْمَمْنُوعَةُ شَرْعًا وَذَلِكَ مِثْلُ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالسُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالزِّنَا بِالْمَرْأَةِ الْمُخْتَارَةِ لِذَلِكَ، وَالْمُكْرَهَةِ عَلَى أَنْ يُزْنَى بِهَا وَلَا زَوْجَ لَهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَخْلُوقِ (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَفْعَالِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي ذَلِكَ إكْرَاهٌ.
وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ إكْرَاهًا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ الْإِكْرَاهَ غَيْرُ نَافِعٍ فِي ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لَا قَتْلَ مُسْلِمٍ، وَقَطْعِهِ، وَأَنْ يَزْنِيَ. وَإِذَا اُعْتُبِرَ الْإِكْرَاهُ فِي الْأَفْعَالِ فَأَحْرَى أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْأَقْوَالِ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لِأَنَّ الْمَفَاسِدَ لَا تَتَحَقَّقُ فِي الْأَقْوَالِ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ مُعَظِّمٌ لِرَبِّهِ فِي قَلْبِهِ، وَالْأَيْمَانُ سَاقِطَةُ الِاعْتِبَارِ بِخِلَافِ شُرْبِ
стр. 230
الْخَمْرِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْمَفَاسِدَ فِيهَا مُتَحَقِّقَةٌ. وَعَبَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْقَوْلَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَعَانِي وَلَا الذَّوَاتِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ اهـ
(وَفِي التَّوْضِيحِ) فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ " وَلَا أَثَرَ لِطَلَاقِ الْإِكْرَاهِ " فُرُوعٌ مُفِيدَةٌ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت فَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَا هُوَ إكْرَاهٌ أَوْ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ (قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَيَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ بِالتَّخْوِيفِ الْوَاضِحِ بِمَا يُؤْلِمُ مِنْ قَتْلٍ، أَوْ ضَرْبٍ، أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَفِي التَّخْوِيفِ بِقَتْلِ أَجْنَبِيٍّ قَوْلَانِ بِخِلَافِ قَتْلِ الْوَلَدِ، وَفِي التَّخْوِيفِ بِالْمَالِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ كَثِيرًا تَحَقَّقَ. اهـ
(وَفِي الْمُقَرِّبِ) قُلْت لَهُ: فَطَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَعِتْقُهُ وَنِكَاحُهُ؟ قَالَ: لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
(وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْيَمِينِ لَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ إذَا كَانَ إكْرَاهُهُ لِشَيْءٍ يَلْحَقُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ تَعْذِيبٍ، أَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ فِيمَا كَانَ لِلَّهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ، أَوْ فِيمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ طَاعَةٌ وَلَا مَعْصِيَةٌ، وَسَوَاءٌ هُدِّدَ فَقِيلَ لَهُ: " إنْ لَمْ تَحْلِفْ فُعِلَ بِك كَذَا وَكَذَا " أَوْ اُسْتُحْلِفَ وَلَمْ يُهَدَّدْ فَحَلَفَ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَحْلِفْ هُوَ مُتَطَوِّعًا بِالْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ اهـ. وَالتَّخْوِيفُ بِمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ، وَسَبِّ النَّبِيِّ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَقَذْفِ الْمُسْلِمِ، أَمَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فَلَا يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ فِيهَا إلَّا بِالْقَتْلِ لَا بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَأَمَّا الْكُفْرُ وَسَبُّهُ وَقَذْفُ الْمُسْلِمِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَتْلِ.
[فَصْلٌ فِي الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ]
ِ
وَكُلُّ مَنْ يَمِينُهُ بِاللَّازِمَهْ ... لَهُ الثَّلَاثُ فِي الْأَصَحِّ لَازِمَهْ
وَقِيلَ بَلْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّهْ ... مَعَ جَهْلِهِ وَفَقْدِهِ لِلنِّيَّهْ
وَقِيلَ بَلْ بَائِنَةٌ وَقِيلَ بَلْ ... جَمِيعُ الْأَيْمَانِ وَمَا بِهِ عَمَلْ
стр. 231
يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ فَقَالَ مَثَلًا: الْأَيْمَانُ تَلْزَمُنِي، أَوْ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي. كَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَوْ قَالَ: الْأَيْمَانُ لَازِمَةٌ لِي، أَوْ جَمِيعُ الْأَيْمَانِ أَوْ الْأَيْمَانُ كُلُّهَا تَلْزَمُنِي، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَلْزَمُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ حَكَى الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ، قَالَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ وَلِاسْتِظْهَارِهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْأَصَحِّ.
الثَّانِي: تَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. الثَّالِثُ: تَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ. (التَّوْضِيحُ) فِي بَابِ الْأَيْمَان، وَإِذَا قُلْنَا بِلُزُومِ طَلْقَةٍ فَهَلْ هِيَ بَائِنَةٌ أَوْ رَجْعِيَّةٌ؟ حَكَى بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَاَلَّذِي كَانَ يُفْتِي بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لُزُومُ الثَّلَاثِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ التُّونِسِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ وَالْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى أَنَّ السُّيُورِيَّ أَفْتَى بِنَقْضِ حُكْمِ حَاكِمٍ أَفْتَى بِوَاحِدَةٍ، وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ قَوْلًا بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِقَوْلِهِ " الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ " الْعُمُومَ فَتَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَقْصِدٌ فِي ذَلِكَ لَزِمَتْهُ وَاحِدَةٌ اهـ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ مِمَّا حَكَى النَّاظِمُ لُزُومُ جَمِيعِ الْأَيْمَان (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَوْ قَالَ الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ أَوْ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ وَلَا نِيَّةَ تُخَصِّصُ فَالْجَمِيعُ اتِّفَاقًا، وَفِي لُزُومِ طَلْقَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ قَوْلَانِ فَيَلْزَمُهُ عِتْقُ
стр. 232
مَنْ يَمْلِكُهُ حِينَ الْحِنْثِ، وَالْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَصَدَقَةُ ثُلُثِ مَالِهِ وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ وَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ وَصِيَامُ سَنَةٍ إنْ كَانَ مُعْتَادَ الْيَمِينِ بِهَا.
(التَّوْضِيحَ) قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ لَيْسَ لِمَالِكٍ وَلَا لِأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ يُؤْثَرُ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ فِيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ، وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ، نُقِلَ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ، وَعَنْ الطُّرْطُوشِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالسُّهَيْلِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَ كَفَّارَاتٍ الطُّرْطُوشِيُّ وَلَا يَدْخُلُ فِي يَمِينِهِ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ، وَيَكُونَ الْعُرْفُ جَارِيًا بِهِ وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَعَلَى هَذَا فَالِاتِّفَاقُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ بَشِيرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ اهـ.
(قَالَ مُقَيِّدُهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْهُ بِمَنِّهِ) : وَقَدْ وَقَفْت عَلَى سُؤَالٍ سُئِلَهُ شَيْخَا شُيُوخِنَا الْإِمَامَانِ الْعَالِمَانِ الشَّهِيرَانِ سَيِّدِي أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى السَّرَّاجُ وَسَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْحُمَيْدِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - مَا تَقُولَانِ فِيمَنْ قَلَّدَ الْأَبْهَرِيَّ فِي الَّذِي يَقُولُ لَا شَيْءَ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ سِوَى الِاسْتِغْفَارِ، أَوْ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سِوَى كَفَّارَةِ يَمِينٍ بِاَللَّهِ فَهَلْ تَقْلِيدُهُمَا مُنْجٍ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ الْحُمَيْدِيُّ) بِأَنْ قَالَ: الَّذِي كَانَ يُفْتِي بِهِ الْإِمَامُ ابْنُ سِرَاجٍ عَدَمُ اللُّزُومِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
стр. 233
قَالَ وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَرْتَضِيهِ تَبَعًا لِذَلِكَ الْإِمَامِ الْعَظِيمِ. (وَأَجَابَ) السَّرَّاجُ فَقَالَ: مَا نَقَلَهُ السَّائِلُ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ صَحِيحٌ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ فَمَنْ قَلَّدَ ذَلِكَ فَهُوَ مُخْلِصٌ، فَإِنَّ مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا لَقِيَ اللَّهَ سَالِمًا، وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ تَعَالَى يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ. اهـ
وَانْظُرْ قَوْلَ النَّاظِمِ فِي الْقَوْلِ الرَّابِعِ أَنَّهُ مَا بِهِ عَمَلٌ مَعَ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَحَكَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ الِاتِّفَاقَ وَإِنْ بُحِثَ مَعَهُ فِي الِاتِّفَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَقَالَ الشَّارِحُ) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فَتْوَى عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي سَعِيدٍ بْنِ لُبٍّ فِيمَنْ حَلَفَ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ عَلَى أَمْرٍ يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَرَجَّحَ كَوْنَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ آخِرَ كَلَامِهِ: أَقُولُ لَمْ تَزَلْ الْفُتْيَا عَلَى عَهْدِ شَيْخِنَا أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ سِرَاجٍ ﵀ صَادِرَةً بِلُزُومِ الْوَاحِدَةِ فِي الزَّوْجَةِ لِلْحَالِفِ بِاللَّازِمَةِ إذَا حَلَفَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي الثَّلَاثِ عَلَى وَفْقِ الْأَشْيَاخِ الثَّلَاثَةِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَشْيَاخِ الْأَنْدَلُسِ، وَرُبَّمَا اسْتَظْهَرُوا بِتَحْلِيفِ الْحَانِثِ عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ الْحُكْمَ فِيهَا، حَتَّى كَادَ ذَلِكَ يُؤْثَرُ فِي ذَلِكَ الْعُرْفِ الْمُسْتَقِرِّ فِيهَا قَدِيمًا اهـ
стр. 234
وَالْبِكْرُ ذَاتُ الْأَبِ لَا تَخْتَلِعُ ... إلَّا بِإِذْنِ حَاجِرٍ وَتُمْنَعُ
وَجَازَ إنْ أَبٌ عَلَيْهَا أَعْمَلَهْ ... كَذَا عَلَى الثَّيِّبِ بَعْدَ الْإِذْنِ لَهْ
يَعْنِي أَنَّ الْبِكْرَ ذَاتَ الْأَبِ لَا يَجُوزُ خُلْعُهَا إلَّا بِإِذْنِ حَاجِرِهَا وَهُوَ أَبُوهَا، وَتُمْنَعُ مِنْ الْخُلْعِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ
стр. 235
صَالَحَ أَبُوهَا عَنْهَا جَازَ ذَلِكَ، هَذَا فِي الْبِكْرِ، وَكَذَا يَجُوزُ صُلْحُهُ عَنْ ابْنَتِهِ الثَّيِّبِ لَكِنْ بِإِذْنِهَا لَهُ، أَمَّا صُلْحُ الْبِكْرِ أَوْ صُلْحُ أَبِيهَا فَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ فَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مَحْجُورَةً لِوَالِدِهَا فَلَا يَجُوزُ خُلْعُهَا إلَّا بِإِذْنِ أَبِيهَا. ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُمْضِيَ الْخُلْعَ عَلَيْهَا دُونَ إذْنِهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ وَالْمُتَيْطِيُّ يَجُوزُ لِلْمَحْجُورَةِ أَنْ تُخَالِعَ بِإِذْنِ أَبِيهَا أَوْ وَصِيِّهَا وَتَقُولُ بَعْدَ إذْنِهِ لِمَا رَآهُ مِنْ الْغِبْطَةِ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَصُلْحُ الْأَبِ عَنْ الْمُجْبَرَةِ بِالصَّدَاقِ كُلِّهِ نَافِذٌ (التَّوْضِيحَ) أَمَّا صُلْحُ الْأَبِ عَنْ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ وَالْبَالِغِ فَجَائِزٌ الْبَاجِيُّ بِلَا خِلَافٍ وَأَلْحَقَ اللَّخْمِيُّ بِهَا الْبِكْرَ الْمَدْخُولَ بِهَا إذَا لَمْ تَطُلْ إقَامَتُهَا وَطَلُقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ لِأَنَّ لَهُ الْجَبْرَ عَلَى النِّكَاحِ، وَالصَّغِيرَةَ الَّتِي ثُيِّبَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَبْرِهَا.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ - يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ عَبَّرَ بِالْمُجْبَرَةِ لِهَذَا. اهـ
(وَأَمَّا) صُلْحُ الْأَبِ عَنْ الثَّيِّبِ بِإِذْنِهَا فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي صُلْحِ الْأَبِ عَنْ ابْنَتِهِ الْبَالِغِ الثَّيِّبِ السَّفِيهَةِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: لِابْنِ الْعَطَّارِ وَابْنِ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُوَثَّقِينَ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَابْنُ لُبَابَةَ جَرَتْ الْفُتْيَا مِنْ الشُّيُوخِ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَرَأَوْهَا بِمَنْزِلَةِ الْبِكْرِ مَا دَامَتْ فِي وِلَايَتِهِ. اللَّخْمِيُّ.
وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ رَاشِدٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ أَصْلُ الْمَذْهَبِ. اهـ
وَفِي الْمُخْتَصَرِ: وَفِي خُلْعِ الْأَبِ عَنْ السَّفِيهَةِ خِلَافٌ يَعْنِي بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَأَمَّا بِإِذْنِهَا فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَهَبَ النَّاظِمُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا كُلُّهُ فِي ذَاتِ الْأَبِ وَعَلَيْهَا تَكَلَّمَ النَّاظِمُ، وَأَمَّا ذَاتُ الْوَصِيِّ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي خُلْعِ الْوَصِيِّ عَنْ يَتِيمَتِهِ دُونَ إذْنِهَا ثَالِثُهَا إنْ لَمْ تَبْلُغُ، وَفِي اخْتِصَارِ الْوَاضِحَةِ قَالَ الْفَضْلُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ مُبَارَأَةُ الْوَصِيِّ عَنْ الْبِكْرِ بِرِضَاهَا.
(قُلْت) فَالْأَرْجَحُ عَقْدُهُ أَيْ: الْخُلْعِ عَلَى الْوَصِيِّ بِرِضَاهَا لَا عَلَيْهَا بِإِذْنِهِ. خِلَافٌ قَصَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَيْهَا بِإِذْنِ الْوَصِيِّ اتِّبَاعًا مِنْهُ لِلَفْظِ الْمُوَثِّقِينَ، وَفِي التَّوْضِيحِ قَوْلٌ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ أَيْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْ الْبِكْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ (الْبَاجِيُّ) وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْوَصِيَّ يُخَالِعُ عَنْ الْيَتِيمَةِ وَهُوَ، لِابْنِ الْقَاسِم أَيْضًا اهـ
(ابْنُ سَلْمُونٍ) وَخُلْعُهَا جَائِزٌ بِإِذْنِ وَصِيِّهَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهَا عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ اهـ.
وَامْتَنَعَ الْخُلْعُ عَنْ الْمَحْجُورِ ... إلَّا بِإِذْنِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
وَالْخُلْعُ جَائِزٌ عَلَى الْأَصَاغِرِ ... مَعَ أَخْذِ شَيْءٍ لِأَبٍ أَوْ حَاجِرِ
يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ مَحْجُورًا يَعْنِي بَالِغًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَبِيهِ وَلَا لِوَصِيِّهِ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا غَيْرَ بَالِغٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ وَلَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي، فَقَوْلُهُ: " عَلَى الْمَحْجُورِ " يَعْنِي الْبَالِغَ بِدَلِيلِ كَلَامِهِ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي عَنْ الصَّغِيرِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ يَجُوزُ خُلْعُهَا عَنْهُ وَقَوْلُهُ: " لِأَبٍ " يَتَعَلَّقُ بِجَائِزٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَاجِرِ الْوَصِيُّ وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ وَوَصِيُّ الْقَاضِي (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ فِي وَلَايَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا دُونَ بُلُوغٍ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَخُلْعُهُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ وَصِيِّهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ وَيَلْزَمُهُ إذَا أَوْقَعَهُ، وَتُذْكَرُ فِي الْعَقْدِ مُوَافَقَةُ الْوَصِيِّ أَوْ الْأَبِ إنْ حَضَرَ عَلَى الْخُلْعِ، وَتُضَمَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَجُوزُ خُلْعُ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ. وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَيَجُوزُ خُلْعُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ يَأْخُذَانِهِ لَهُ دُونَ أَمْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ طَلَاقُ الصَّغِيرِ وَلَا خُلْعُهُ وَلَا طَلَاقُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ إلَّا بِشَيْءٍ يَأْخُذَانِهِ بِلَا خِلَافٍ اهـ وَنَحْوَهُ نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الْمُقَرِّبِ اهـ.
وَمَنْ يُطَلِّقْ زَوْجَةً وَتَخْتَلِعْ ... بِوَلَدٍ مِنْهُ لَهَا وَيَرْتَجِعْ
ثُمَّ يُطَلِّقْهَا فَحُكْمُ الشَّرْعِ ... أَنْ لَا يَعُودَ حُكْمُ ذَاكَ الْخُلْعِ
يَعْنِي إنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ تَحَمَّلَتْ لَهُ بِنَفَقَةِ وَلَدِهَا مِنْهُ إلَى الْحُلُمِ ثُمَّ رَاجَعَهَا مِنْ ذَلِكَ الطَّلَاقِ
стр. 236
فَلَا إشْكَالَ أَنَّ النَّفَقَةَ تَعُودُ عَلَى الْأَبِ، فَإِذَا طَلَّقَهَا ثَانِيَةً فَلَا تَعُودُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تَتَحَمَّلَ بِهَا فِي الْخُلْع الثَّانِي (فَفِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ) فِي مَسَائِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمَرْأَةِ إذَا خُولِعَتْ عَلَى أَنْ تَحَمَّلَتْ بِنَفَقَةِ ابْنِهَا مِنْ الزَّوْجِ إلَى الْحُلُمِ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا سَقَطَ عَنْهَا مَا تَحَمَّلَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ ابْنِهِ وَرَجَعَتْ عَلَى الْأَبِ وَلَا تَعُودُ عَلَى الْمَرْأَةِ إلَّا أَنْ تَتَحَمَّلَ بِهَا ثَانِيَةً اهـ فَتَأَمَّلْ فِي ذَلِكَ. (وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ) وَكَذَلِكَ إنْ ارْتَجَعَهَا فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهَا مَا تَحَمَّلَتْهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَلَا تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ وَلَا تَعُودُ عَلَيْهَا إنْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً إلَّا أَنْ تَتَحَمَّلَهَا اهـ.
وَإِنْ تَمُتْ ذَاتُ اخْتِلَاعٍ وُقِفَا ... مِنْ مَالِهَا مَا فِيهِ لِلدَّيْنِ وَفَا
لِلْأَمَدِ الَّذِي إلَيْهِ اُلْتُزِمَا ... وَهُوَ مُشَارِكٌ بِهِ لِلْغُرَمَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ تَحَمَّلَتْ لَهُ بِنَفَقَةِ وَلَدِهَا مِنْهُ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهَا نَفَقَةُ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَرْأَةِ دَيْنٌ غَيْرُ مَا الْتَزَمَتْهُ مِنْ النَّفَقَةِ فَإِنَّ لِلزَّوْجِ مُحَاصَّةَ غُرَمَائِهَا بِمَا الْتَزَمَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ وَلَدِهِ، (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) قَالَ سَحْنُونٌ تَلْزَمُهَا النَّفَقَةُ وَإِنْ اُشْتُرِطَتْ عَلَيْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَإِنْ مَاتَ الِابْنُ فِي الْمُدَّةِ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ رُجُوعٌ فِيمَا بَقِيَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَحَمَّلَتْ لَهُ رَفْعَ مُؤْنَتِهِ عَنْهُ، وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ وُقِفَ مِنْ مَالِهَا قَدْرُ مُؤْنَةِ الِابْنِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي الْتَزَمَتْهَا، فَإِنْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا رَجَعَ مَا بَقِيَ مِمَّا وُقِفَ مِيرَاثًا إلَى وَرَثَةِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ أَفْلَسَتْ رَجَعَ ذَلِكَ الْمَوْقُوفُ إلَى الْغُرَمَاءِ إنْ كَانَ بَقِيَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ دُيُونِهِمْ إذْ لِلزَّوْجِ مُحَاصَّةُ الْغُرَمَاءِ بِالنَّفَقَةِ. اهـ " وَلِلْأَمَدِ يَتَعَلَّقُ بِ وَفَاءٌ وَنَائِبُ " اُلْتُزِمَا " لِلْإِنْفَاقِ بِدَلِيلِ السِّيَاقِ " وَمَا فِيهِ " نَائِبُ " وُقِفَا "، وَقَوْلُهُ: " وَهُوَ " أَيْ الزَّوْجُ مُشَارِكٌ لِغُرَمَاءِ الْمَرْأَةِ فِي مُتَخَلَّفِهَا فَيُحَاصِصُ هُوَ بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ وَالْغُرَمَاءُ بِدَيْنِهِمْ.
وَمَوْقِعُ الثَّلَاثِ فِي الْخُلْعِ ثَبَتْ ... طَلَاقُهُ وَالْخُلْعُ رُدَّ إنْ أَبَتْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ خَالَعَتْ زَوْجَهَا بِأَلْفٍ مَثَلًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَمْ تَرْضَ ذَلِكَ وَأَبَتْهُ فَإِنَّ الثَّلَاثَ تَلْزَمُهُ وَيَرُدُّ الْأَلْفَ، (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) الْخُلْعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَوْقَعَ ثَلَاثًا عَلَى الْخُلْعِ نَفَذَ الطَّلَاقُ وَسَقَطَ الْخُلْعُ، (ابْنُ عَرَفَةَ) وَرَوَى اللَّخْمِيُّ إنْ أَعْطَتْهُ مَالًا عَلَى تَطْلِيقِهَا وَاحِدَةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَزِمَهُ، وَلَا قَوْلَ لَهَا، وَأَرَى: إنْ كَانَ رَاغِبًا فِي إمْسَاكٍ فَرَغِبَتْ فِي الطَّلَاقِ أَنْ لَا قَوْلَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ رَاغِبًا فِي طَلَاقِهَا فَأَعْطَتْهُ عَلَى أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً. فَتَرْجِعُ بِجَمِيعِ مَا أَعْطَتْهُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أَعْطَتْهُ عَلَى أَنْ لَا يُوقِعَ الِاثْنَتَيْنِ لِتَحِلَّ لَهُ إنْ بَدَا لَهُمَا مِنْ قَبْلِ زَوَاجٍ.
(قُلْتُ) : الْأَظْهَرُ رُجُوعُهَا عَلَيْهِ بِمَا أَعْطَتْهُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ثَلَاثًا يَعِيبُهَا لِامْتِنَاعِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ تَزْوِيجِهَا خَوْفَ جَعْلِهَا إيَّاهُ مُحَلِّلًا فَتُسِيءُ عِشْرَتَهُ لِيُطَلِّقَهَا فَتَحِلَّ لِلْأَوَّلِ. اهـ
(قَالَ الشَّارِحُ ﵀: وَجْهُ الْقَوْلِ بِالرُّجُوعِ مُطْلَقًا ظَاهِرٌ وَإِيَّاهُ اعْتَمَدَ الشَّيْخُ ﵀ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَيَظْهَرُ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ كَوْنُهُ سَاقَهُ نَظَرًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَمِثْلُهُ مَنْصُوصٌ فِي وَثَائِقِ ابْنِ سَلْمُونٍ فَرْعٌ) وَكَذَلِكَ عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَالَعَتْهُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فَطَلَّقَ وَاحِدَةً: لَا كَلَامَ لَهَا لِأَنَّ مَقْصُودَهَا قَدْ حَصَلَ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ. فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً. أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا قَدْ حَصَلَ، قَالَ فِي إيضَاحِ الْمَسَالِكِ: وَالْمَذْهَبُ أَنْ لَا كَلَامَ لَهَا، وَصَحَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ تَخْرِيجَ اللَّخْمِيِّ الْخِلَافَ عَلَى الْقَاعِدَةِ يَعْنِي قَاعِدَةَ اشْتِرَاطِ مَا لَا يُفِيدُ هَلْ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ أَمْ لَا؟ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ شَرْطٌ يُفِيدُ غَلَبَةَ الشَّفَاعَةِ لَهَا فِي مُرَاجَعَتِهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْهَا. اهـ
وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ مَا يُفِيدُ تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ، وَيَرُدُّ الْخُلْعَ كَمَسْأَلَةِ النَّاظِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: أَوْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ بِالْعَكْسِ، فَمَسْأَلَةُ الْعَكْسِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَخَلِيلٍ هِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ، وَالْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِمَا
стр. 237
هِيَ مَسْأَلَةُ هَذَا الْفَرْعِ.
وَمُوقِعُ الطَّلَاقِ دُونَ نِيَّهْ ... بِطَلْقَةٍ يُفَارِقُ الزَّوْجِيَّهْ
وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ أَقْصَاهُ ... وَالْأَوَّلُ الْأَظْهَرُ لَا سِوَاهُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَلَا ثَلَاثًا فَقِيلَ تَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا مُحَقَّقَةٌ، وَقَدْ حَصَلَ بِهَا مُسَمَّى الطَّلَاقِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ احْتِيَاطًا. وَالْأَوَّلُ وَهُوَ لُزُومُ الْوَاحِدَةِ أَظْهَرُ.
(قُلْت) : وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ جَارٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ لِأَقَلَّ وَلِأَكْثَرَ إذَا لَمْ تَصْحَبْهُ نِيَّةٌ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ مَصْدُوقَاتِهِ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهَا؟ وَلِلْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُهَا (وَفِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ) مَنْ قَالَ: " طَلَّقْتُ امْرَأَتِي " وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَقِيلَ إنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ إنَّهَا ثَلَاثٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ. اهـ
(وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ) فَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ.
(وَسُئِلَ) ﵀ فِي رَجُلٍ تَشَاجَرَ مَعَ امْرَأَتِهِ فَقَالَ لَهَا: " أَنْتِ طَالِقٌ " ثُمَّ اتَّبَعَتْهُ بِالسَّبِّ وَقَبِيحِ الْكَلَامِ فَقَالَ لَهَا: " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا " وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَأَجَابَ) إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ. اهـ
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى حَمْلِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ عَلَى الرَّجْعِيِّ فَلِذَلِكَ أَلْزَمَهُ الثَّلَاثَ الَّتِي أَوْقَعَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ طَلَّقَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فِي وَاحِدَةٍ وَلَا فِي ثَلَاثٍ وَقُلْنَا تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ إنَّ تِلْكَ الْوَاحِدَةَ رَجْعِيَّةٌ يُرْتَدَفُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ وَكَذَا يَتَحَصَّلُ مِنْ جَوَابِ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ ابْنِ لُبٍّ فِيمَنْ قَالَ: " نَعَمْ مُطَلِّقٌ أَنَا " ثُمَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ قَالَ: " هِيَ طَالِقٌ وَهِيَ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " مُطَلِّقٌ أَنَا " طَلْقَةً مُمَلِّكَةً فَلَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّحْرِيمِ، فَإِنْ أَرَادَ مُرَاجَعَتَهَا حَلَفَ أَنَّهُ قَصَدَ الطَّلْقَةَ الْمُمَلِّكَةَ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أَوْ لَمْ يُرِدْ رَجْعِيَّةً وَلَا مُمَلِّكَةً وَإِنَّمَا نَوَى الطَّلَاقَ دُونَ صِفَتِهِ فَإِنَّهُ يَرْتَدِفُ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَصَدَ بِالتَّحْرِيمِ تَفْسِيرَ الطَّلَاقِ الَّذِي أَوْقَعَهُ أَوَّلًا فَقَدْ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، وَالتَّحْرِيمُ إذَا لَزِمَ فَهُوَ الثَّلَاثُ.
(قَالَ الشَّارِحُ مَا مَعْنَاهُ) : وَعَلَى لُزُومِ الْوَاحِدَةِ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَهَلْ تَكُونُ رَجْعِيَّةً يَرْتَدِفُ عَلَيْهَا التَّحْرِيمُ كَمَا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَوْ بَائِنًا؟ قَالَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ النَّاسِ بِالرَّجْعِيِّ فَلَا يَرْتَدِفُ التَّحْرِيمُ اهـ.
وَمَا امْرُؤٌ لِزَوْجَةٍ يَلْتَزِمُ ... مِمَّا زَمَانُ عِصْمَةٍ يَسْتَلْزِمُ
فَذَا إذَا دُونَ الثَّلَاثِ طَلَّقَا ... زَالَ وَإِنْ رَاجَعَ عَادَ مُطْلَقَا
مِثْلُ حَضَانَةٍ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى ... أَوْلَادِهَا وَمِثْلُ شَرْطٍ جَعَلَا
يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ إذَا الْتَزَمَ لِزَوْجَتِهِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُلْتَزَمَ زَمَانَ الْعِصْمَةِ كَحَضَانَةِ أَوْلَادِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَكَالْغَيْبَةِ عَنْهَا أَوْ الرَّحِيلِ بِهَا وَالْإِخْدَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُعْتَادَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ، فَإِذَا رَاجَعَهَا رَجَعَ إلَيْهِمَا كَانَ الْتَزَمَهُ، فَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ رَاجَعَهَا بَعْدَ زَوْجٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ:
فَذَا إذَا دُونَ الثَّلَاثِ طَلَّقَا
الْبَيْتَ إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ رَاجَعَهَا لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: " مِثْلُ حَضَانَةٍ وَالْإِنْفَاقِ " الْبَيْتَ هُوَ تَمْثِيلٌ لِقَوْلِهِ:
وَمَا امْرُؤٌ لَزَوْجَةٍ يَلْتَزِمُ
وَلَوْ جَعَلَهُ إثْرَهُ لَكَانَ أَنْسَبَ (فَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) وَسُئِلَ يَعْنِي ابْنَ رُشْدٍ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَطَاعَ لَهَا بِالنَّفَقَةِ عَلَى ابْنٍ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا هَلْ تَعُودُ النَّفَقَةُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: تَعُودُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ الْمُمَلِّكِ شَيْءٌ، فَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ النَّفَقَةَ دُونَ الْكِسْوَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَحَكَى ابْنُ زَرْبٍ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكِسْوَةُ مَعَ النَّفَقَةِ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ انْدِرَاجَ الْكِسْوَةِ فِي النَّفَقَةِ.
(فَرْعٌ) سُئِلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدٍ بْنُ لُبٍّ عَنْ الزَّوْجَةِ إذَا أَسْقَطَتْ عَنْ زَوْجِهَا حُكْمَ الطَّوْعِ بِنَفَقَةِ أَوْلَادِهَا مِنْ غَيْرِهِ هَلْ لَهَا ذَلِكَ وَيَنْتَفِعُ الزَّوْجُ
стр. 238
بِإِسْقَاطِهَا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ لَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُسْقِطَ عَنْ زَوْجِهَا حُكْمَ الطَّوْعِ وَلَا يَنْتَفِعُ الزَّوْجُ بِهِ إنْ فَعَلَتْ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَوْلَادِ تَعَلَّقَ بِالطَّوْعِ فَلَيْسَ لِأُمِّهِمْ إسْقَاطُهُ وَإِنْ كَانَتْ وَصِيًّا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ وَصِيَّ الْمَحْجُورِ لَا يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَالًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ فِي النَّوَازِلِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُسْقِطَ عَنْ زَوْجِهَا مِنْ الشُّرُوطِ إلَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهَا كَتَطْلِيقِ نَفْسِهَا إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَنَّ الدَّاخِلَةَ عَلَيْهَا طَالِقٌ فَهَذَا لَا يَسْقُطُ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. مِنْ
(الْفَائِقِ) لِلْوَنْشَرِيسِيِّ وَانْظُرْ إذَا تَطَوَّعَ بِنَفَقَةِ وَلَدِهَا هَلْ تَنْقَطِعُ بِبُلُوغِهِ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ كَمَا تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ عَنْ الْأَبِ أَوْ لَا تَنْقَطِعُ إلَّا بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ فِرَاقِهِمَا لِقَوْلِ الْمُوَثِّقِ فِي وَثِيقَةِ الِالْتِزَامِ مُدَّةُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ: قَالَ الْحَطَّابُ فِي الِالْتِزَامِ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: وَفِي الطُّرَرِ: رَأَيْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ إنْ كَانَ الطَّوْعُ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ لِمُدَّةِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّبِيبِ مَا دَامَ صَغِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ اهـ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ سَلْمُونٍ وَنَصُّهُ: وَإِنْ كَانَ الطَّوْعُ لِمُدَّةِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّبِيبِ مَا دَامَ صَغِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ اهـ.
(الْحَطَّابُ) وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ مُعِينُ الْحُكَّامِ، قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ: إذَا طَاعَ الزَّوْجُ بِنَفَقَةِ ابْنِ امْرَأَتِهِ أَمَدَ الزَّوْجِيَّةِ جَازَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ لِلْغَرَرِ وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
كَذَا جَرَى الْعَمَلُ فِي التَّمْتِيعِ ... بِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِالرُّجُوعِ
وَشَيْخُنَا أَبُو سَعِيدٍ فَرَّقَا ... بَيْنَهُمَا رَدًّا عَلَى مَنْ سَبَقَا
وَقَالَ قَدْ قَاسَ قِيَاسًا فَاسِدَا ... مَنْ جَعَلَ الْبَابَيْنِ بَابًا وَاحِدَا
لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ قَدْ أَسْقَطَهْ ... فَلَا يَعُودُ دُونَ أَنْ يَشْتَرِطَهْ
وَذَاكَ لَمْ يُسْقِطْهُ مُسْتَوْجِبُهُ ... فَعَادَ عِنْدَمَا بَدَا مُوجِبُهُ
وَالْأَظْهَرُ الْعَوْدُ كَمَنْ تَخْتَلِعُ ... فَكُلُّ مَا تَتْرُكُهُ مُرْتَجَعُ
تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ آخِرَ فَصْلٍ فِي حُكْمِ فَاسِدِ النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ:
وَيَفْسُدُ النِّكَاحُ بِالْإِمْتَاعِ فِي ... عُقْدَتِهِ وَهُوَ عَلَى الطَّوْعِ اُقْتُفِيَ
أَنَّ الْإِمْتَاعَ هُوَ أَنْ تُعْطِيَ الزَّوْجَةُ وَأَبُوهَا لِلزَّوْجِ دَارًا يَسْكُنُهَا أَوْ أَرْضًا يُعَمِّرُهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي نَفْسِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ.
وَإِنْ كَانَ طَوْعًا بَعْدَ الْعَقْدِ فَجَائِزٌ. وَلَمَّا ذَكَرَ النَّاظِمُ فِي الْأَبْيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ حُكْمَ مَا الْتَزَمَهُ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا سَقَطَ عَنْهُ وَإِنْ رَاجَعَهَا رَجَعَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَرَاجَعَهَا بَعْدَ زَوْجٍ فَلَا يَعُودُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا الْتَزَمَهُ ثَانِيَةً فِي هَذِهِ الْمُرَاجَعَةِ ذَكَرَ هُنَا أَنَّ الْإِمْتَاعَ كَذَلِكَ وَأَنَّهَا إنْ أَمْتَعَتْهُ سُكْنَى دَارِهَا مَثَلًا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَا سُكْنَى لَهُ، فَإِنْ رَاجَعَهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ السُّكْنَى، إلَّا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ رَاجَعَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ تَرْجِعْ لَهُ، فَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ وَمَا الْتَزَمَتْهُ هِيَ لَهُ.
وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَأَخْبَرَ فِيهِ أَنَّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءٌ، أَنَّهُ وَإِنْ طَلَّقَ دُونَ الثَّلَاثِ ثُمَّ رَاجَعَهَا لَهُ مَا أَمْتَعَتْهُ بِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّاظِمُ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي سَعِيدٍ ابْنِ لُبٍّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ رَدًّا عَلَى مَنْ سَبَقَ مِمَّنْ سَاوَى بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ مُؤَلِّفُ الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ - أَحَدِ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَنْقُلُ مِنْهَا النَّاظِمُ -.
وَقَالَ: إنَّ مَنْ قَاسَ مَسْأَلَةَ الْإِمْتَاعِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْتِزَامِ الزَّوْجِ فَإِنَّ قِيَاسَهُ فَاسِدٌ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ. وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَشَيْخُنَا أَبُو سَعِيدٍ فَرَّقَا
الْبَيْتَيْنِ فَقَوْلُهُ: " مَنْ جَعَلَ " هُوَ فَاعِلُ " قَاسَ "، وَفَاعِلُ " قَالَ " لِأَبِي سَعِيدٍ " وَرَدًّا " مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ:
لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ قَدْ أَسْقَطَهُ
الْبَيْتَيْنِ، وَأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِمْتَاعِ الْحَقُّ لِلزَّوْجِ، فَإِذَا طَلَّقَ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فَلَا يَعُودُ إلَيْهِ بِالْمُرَاجَعَةِ إلَّا إذَا أُمْتِعَ ثَانِيَةً، وَأَمَّا مَا الْتَزَمَهُ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِبَنِيهَا وَهُمْ لَمْ يُسْقِطُوا مَا وَجَبَ لَهُمْ فَيَعُودُ ذَلِكَ لَهُمْ إذَا
стр. 239
عَادَ سَبَبُهُ وَمُوجِبُهُ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ.
وَقَوْلُهُ: " لِأَنَّهُ " أَيْ الْإِمْتَاعُ " حَقٌّ لَهُ " أَيْ لِلزَّوْجِ.
" وَقَوْلُهُ " وَذَاكَ " أَيْ: مَا الْتَزَمَهُ الزَّوْجُ. ثُمَّ أَخْبَرَ النَّاظِمُ أَنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَهُ مِنْ الرَّأْيَيْنِ عَوْدُ الْإِمْتَاعِ بِالْمُرَاجَعَةِ كَمَا صَدَّرَ بِهِ أَوَّلًا، وَنَظَرُ ذَلِكَ بِالْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَرِيبًا وَهُوَ مَنْ الْتَزَمَ لِزَوْجَتِهِ نَفَقَةَ أَوْلَادِهَا أَوْ شُرُوطًا فَطَلُقَتْ دُونَ الثُّلَاثِ بِخُلْعٍ يَعْنِي أَوْ بِغَيْرِ خُلْعٍ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَإِنَّ كُلَّ مَا الْتَزَمَ لَهَا أَوَّلًا مِمَّا ذَكَرَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَلَمَّا كَانَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ شُرُوطٌ وَتَسْقُطُ عَنْهُ بِالطَّلَاقِ صَارَتْ كَأَنَّهَا أَعْطَتْهُ شَيْئًا لِيُطَلِّقَهَا فَسَمَّاهَا مُخْتَلِفَةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَ اسْتِوَاءَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْفَرْقُ الْمُتَقَدِّمُ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: " كَمَنْ تَخْتَلِع "
فَكُلُّ مَا تَتْرُكُهُ مُرْتَجَع
فَإِنْ كَانَ هَذَا مُرَادَهُ فَفِي قَوْلِهِ: " كَمَنْ تَخْتَلِعُ " إلَخْ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ
كَذَا جَرَى الْعَمَلُ فِي التَّمْتِيعِ
الْبَيْتَ " وَتَتْرُكُهُ " بِمَعْنَى الْمَاضِي أَيْ تَرَكَتْهُ.
" وَمَا سَقَطَ مِنْ حَقِّهَا بِالطَّلَاقِ " أَيْ يَعُودُ بِالْمُرَاجَعَةِ.
وَلَا يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ كُلَّ مَا تَتْرُكُهُ الْمُخْتَلِعَةُ لِلزَّوْجِ مِنْ الْمَالِ مِمَّا أَعْطَتْهُ لَهُ مِنْ يَدِهَا أَوْ سَلَّمَتْ لَهُ فِيهِ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ يَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهَا إذَا رَاجَعَهَا، إذْ قَدْ يَتَرَاجَعَانِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ يَرُدُّ لَهَا بَعْضَهُ وَقَدْ لَا يَرُدُّ لَهَا شَيْئًا وَلَا يُعْطِيهَا إلَّا مَا يَحِلُّ بِهِ النِّكَاحُ فَانْظُرْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِهَذَا حَمَلَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ: " كَمَنْ تَخْتَلِعُ "، وَلَفْظَهُ: وَالْأَظْهَرُ عَوْدَةُ التَّمْتِيعِ كَالْمُخْتَلِعَةِ الَّتِي تَتْرُكُ مَا كَانَ لَهَا فِي مَهْرِهَا مِنْ كَالِئٍ وَسِوَاهُ فَإِذَا عَادَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُفَارِقِهَا عَادَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا تَرَكَتْهُ. اهـ
وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ عَوْدَ مَا أَعْطَتْهُ إنَّمَا هُوَ اتِّفَاقِيٌّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لَا لَازِمٌ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ.
(قَالَ فِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ) وَإِنْ أَعْمَرَتْ زَوْجَةٌ زَوْجَهَا فِي دَارِهَا أَوْ غَيْرِهَا مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَإِنْ رَاجَعَهَا بَقِيَتْ الْعُمْرَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ شَيْءٌ، فَلَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِالثَّلَاثِ إنْ رَاجَعَهَا بَعْدَ زَوْجٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " أَمَدَ الزَّوْجِيَّةِ " يَقْتَضِي أَمَدَ الْعِصْمَةِ وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِيهِ: مَنْ تَطَوَّعَ لِزَوْجِهِ بِنَفَقَةِ ابْنِهَا مِنْ غَيْرِ أَمَدِ الزَّوْجِيَّةِ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا وَأَبَى مِنْ الْإِنْفَاقِ فَإِنَّ الْإِنْفَاقَ لَازِمٌ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ شَيْءٌ.
كَمَا قَالُوا فِي عَوْدَةِ الْيَمِينِ (قَالَ الشَّارِحُ ﵀) : وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ﵀ مِنْ تَفْرِيقِ الْأُسْتَاذِ أَبِي سَعِيدِ ابْنِ لُبٍّ ﵀ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ قَوْلُهُ:
وَرَجْعَةُ الزَّوْجِ تُفِيدُ كُلَّ مَا ... قَدْ كَانَ فِي عِصْمَتِهِ مُلْتَزَمًا
مِنْ شَرْطٍ أَوْ نَفَقَةٍ لَا تَلْزَمُهْ ... وَإِنْ يُمَتِّعْ فَالطَّلَاقُ يَهْدِمُهْ
لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ قَدْ تَرَكَهْ ... وَغَيْرُهُ مِنْ بَعْدِهِ قَدْ مَلَكَهْ
وَذَاكَ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ... فَلَمْ يَكُنْ إسْقَاطُهُ إلَيْهِ
قَاسَ الْجَزِيرِيُّ قِيَاسًا فَاسِدًا ... فَجَعَلَ الْبَابَيْنِ بَابًا وَاحِدًا.
[فَصْلٌ فِي التَّدَاعِي فِي الطَّلَاقِ]
ِ أَيْ فِي النِّزَاعِ عِنْدَ الطَّلَاقِ
وَالزَّوْجُ إنْ طَلَّقَ مِنْ بَعْدِ الْبِنَا ... وَلِادِّعَاءِ الْوَطْءِ رَدَّ مُعْلِنَا
فَالْقَوْلُ قَوْلُ زَوْجَةٍ وَتَسْتَحِقّ ... بَعْدَ الْيَمِينِ مَهْرَهَا الَّذِي يَحِقْ
وَإِنْ يَكُنْ مِنْهَا نُكُولٌ فَالْقَسَمْ ... عَلَيْهِ وَالْوَاجِبُ نِصْفُ مَا الْتَزَمْ
وَيَغْرَمُ الْجَمِيعَ مَهْمَا نَكَلَا ... وَإِنْ يَكُنْ لِلِابْتِنَاءِ قَدْ خَلَا
فَالْقَوْلُ قَوْلُ زَائِرٍ وَقِيلَ بَلْ ... لِزَوْجَةٍ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَخَلَا بِهَا خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ أَيْ جِيءَ بِهَا إلَيْهِ وَمُكِّنَ مِنْهَا وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا (الْجَوْهَرِيُّ) هُدِيَتْ الْمَرْأَةُ إلَى زَوْجِهَا هِدَاءً وَهِيَ مَهْدِيَّةٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَالَ: لَمْ أَمَسَّهَا. وَقَالَتْ: بَلْ مَسَّنِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: " وَالزَّوْجُ إنْ طَلَّقَ " الْبَيْتَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّ إرْخَاءَ السِّتْرِ شَاهِدٌ عُرْفِيٌّ فَتَحْلِفُ مَعَهُ وَتَسْتَحِقُّ، فَإِنْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الزَّوْجُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا
стр. 240
نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ مِنْهَا نُكُولٌ فَالْقَسَمْ
الْبَيْتَ وَذَلِكَ لِأَنَّ نُكُولَهَا كَالشَّاهِدِ لِلزَّوْجِ فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ، فَإِذَا نَكَلَ هُوَ أَيْضًا بَعْدَ نُكُولِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَيَغْرَمُ الْجَمِيعُ مَهْمَا نَكَلَا
وَذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: النُّكُولُ بَعْدَ النُّكُولِ تَصْدِيقٌ لِلنَّاكِلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ هُنَا الزَّوْجَةُ فَلَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْخَلْوَةُ خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْخَلْوَةُ خَلْوَةَ زِيَارَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّائِرِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ زَارَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا أَنَّهُ مَسَّهَا وَلَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ، وَإِنْ زَارَهَا هُوَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا وَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ سَوَاءٌ زَارَتْهُ أَوْ زَارَهَا، وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَقَوْلُهُ:
وَالزَّوْجُ إنْ طَلَّقَ مِنْ بَعْدِ الْبِنَا
أَيْ مِنْ بَعْدِ الْخَلْوَةِ بِهَا إنْ كَانَتْ خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ:) أَيْ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. وَهُوَ مُرَادُ عُلَمَائِنَا بِإِرْخَاءِ الْمَسْتُورِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ إرْخَاءَ سِتْرٍ وَلَا إغْلَاقَ بَابٍ. قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ. اهـ
مَفْهُومُ قَوْلِهِ: " مِنْ بَعْدِ الْبِنَا " أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَسِيسِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَلَمْ تَثْبُتْ خَلْوَةٌ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الزَّوْجِ. نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ الْحَارِثِ " وَلِادِّعَاءِ " يَتَعَلَّقُ بِرَدٍّ وَلَامُهُ زَائِدَةٌ، وَمُعْلِنًا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ رَدَّ الْعَائِدِ عَلَى الزَّوْجِ، وَكَانَ فِي قَوْلِهِ: " وَإِنْ يَكُنْ مِنْهَا نُكُولٌ " تَامَّةٌ وَأَلِفُ " نَكَلَا لِلتَّثْنِيَةِ، أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَقَدْ خَلَا خَبَرُ كَانَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَإِنْ يَكُنْ لِلِابْتِنَاءِ "، وَقَوْلُهُ: " فَالْقَوْلُ قَوْلُ زَائِرٍ " هُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ: " وَإِنْ يَكُنْ " (قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ:) قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَخَلَا بِهَا وَأَرْخَى السِّتْرَ عَلَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَالَ: " لَمْ أَمَسَّهَا "، وَقَالَتْ: " قَدْ مَسَّنِي " فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا إذَا كَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهَا دُخُولَ بِنَاءٍ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ بَيْتِهَا، (قُلْت) : فَإِنْ كَانَ بَنَى بِهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا نَهَارًا فِي رَمَضَانَ أَوْ وَهِيَ صَائِمَةٌ صِيَامَ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا مِنْ يَوْمِهِ أَوْ كَانَتْ مُحْرِمَةً أَوْ حَائِضًا فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ إحْرَامَهَا أَوْ تَغْتَسِلَ مِنْ حَيْضَتِهَا وَأَنْكَرَ الْمَسِيسَ؟ .
فَقَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الزَّوْجُ: " لَمْ أَمَسَّهَا "، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: " بَلْ قَدْ مَسَّنِي " فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ إذَا أُرْخِيَتْ عَلَيْهِمَا السُّتُورُ فَأَنَا أَرَى كُلَّ مَنْ خَلَا بِامْرَأَتِهِ وَادَّعَتْ أَنَّهُ قَدْ مَسَّهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا إذَا كَانَتْ خَلْوَةَ بِنَاءٍ، وَإِنْ كَانَتْ حِينَ خَلَا بِهَا فِي حَالَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا فِيهَا. اهـ
وَقَدْ اخْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَلْطَفِ إشَارَةٍ فَقَالَ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي الْوَطْءِ إذَا خَلَا بِهَا خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ وَإِنْ كَانَتْ مُحْرِمَةً، أَوْ حَائِضًا، أَوْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. ثُمَّ قَالَ: وَفِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ مَشْهُورُهَا قَوْلُ الزَّائِرِ مِنْهُمَا لِلْعُرْفِ بِخِلَافِ خَلْوَةِ الِاهْتِدَاءِ. (التَّوْضِيحَ) الْمَشْهُورُ إنْ زَارَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْعُرْفَ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْشَطُ فِي بَيْتِهِ، وَإِنْ زَارَهَا هُوَ فِي بَيْتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْعُرْفَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَنْشَطُ إلَيْهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ " لِلْعُرْفِ " اهـ (وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ) الْقَوْلُ قَوْلُهَا رَشِيدَةً كَانَتْ أَوْ سَفِيهَةً، كَانَ الْبِنَاءُ فِي دَارِهِ أَوْ فِي دَارِهَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ عَنْ قُرْبٍ مِنْ الْبِنَاءِ أَوْ بُعْدٍ، وَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ لِإِنْكَارِهِ الْوَطْءَ، وَاخْتُلِفَ فِي يَمِينِهَا، وَسَكَتَ عَنْ الْيَمِينِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَكِتَابِ ابْنِ الْجَهْمِ عَلَيْهَا الْيَمِينُ. اهـ.
وَعَلَى وُجُوبِ الْيَمِينِ اعْتَمَدَ النَّاظِمُ لِأَنَّ إرْخَاءَ السُّتُورِ شَاهِدٌ عُرْفِيٌّ كَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ فِي اللُّقَطَةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَادَةَ وَالْعُرْفَ كَشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ مَعَهُ، وَقِيلَ: كَالشَّاهِدِينَ فَلَا يَمِينَ. (وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ أَيْضًا) وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَنْ حُكِمَ بِقَوْلِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ. اهـ
(وَقَالَ ابْنُ الْحَارِثِ) : رُوِيَ عَنْ ابْن وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ الزَّائِرِ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ حَيْثُمَا أَخَذَهُمْ السِّتْرُ وَكَانَتْ الْخَلْوَةُ. اهـ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَبَّهَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ بَلْ
لِزَوْجَةٍ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلْ
وَلَمْ يَنْقُلْ الشَّارِحُ فِقْهًا يُوَافِقُ قَوْلَ النَّاظِمِ
وَإِنْ يَكُنْ مِنْهَا نُكُولٌ فَالْقَسَمْ ... عَلَيْهِ وَالْوَاجِبُ نِصْفُ مَا الْتَزَمْ
وَيَغْرَمُ الْجَمِيعَ مَهْمَا نَكَلَا ...
وَلَكِنَّهُ جَارٍ عَلَى الْفِقْهِ ظَاهِرُ الْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 241
وَمَنْ كَسَا الزَّوْجَةَ ثُمَّ طَلَّقَا ... يَأْخُذُهَا مَعَ قُرْبِ عَهْدٍ مُطْلَقًا
وَالْأَخْذُ إنْ مَرَّتْ لَهَا شُهُورُ ... ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا مَحْظُورُ
وَإِنْ يَكُونَا اخْتَلَفَا فِي الْمَلْبَسِ ... فَالْقَوْلُ قَوْلُ زَوْجَةٍ فِي الْأَنْفَسِ
وَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِثَوْبٍ مُمْتَهَنْ ... وَلُبْسُ ذَاتِ الْحَمْلِ بِالْحَمْلِ اقْتَرَنْ
وَحَيْثُمَا خُلْفُهُمَا فِي الزَّمَنِ ... يُقَالُ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ بَيِّنِي
وَعَجْزُهَا يَمِينَ زَوْجٍ يُوجِبُ ... وَإِنْ أَرَادَ قَلْبَهَا فَتُقْلَبُ
اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ عَلَى مَسَائِلَ:
(الْأُولَى) : مَنْ كَسَا زَوْجَتَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا وَلَا حَمْلَ بِهَا بِحَيْثُ لَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ كُسْوَةٌ، وَأَرَادَ الزَّوْجُ أَخْذَ كُسْوَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ كُسْوَتُهُ لَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَلَهُ أَخْذُ كُسْوَتِهِ كَيْفَمَا وَجَدَهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الطَّلَاقِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا فَلَا يَأْخُذُهَا، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
وَمَنْ كَسَا الزَّوْجَةَ ثُمَّ طَلَّقَا
الْبَيْتَيْنِ وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ كَيْفَمَا وَجَدَهَا خَلِقَةً أَمْ لَا.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا كَسَاهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَادَّعَى أَنَّهَا الْكُسْوَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لِيَسْتَرِدَّهَا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بِالْقُرْبِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَادَّعَتْ هِيَ أَنَّهُ أَهْدَاهَا لَهَا فَهِيَ هِبَةٌ قَدْ حِيزَتْ، فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجَةِ فِي الثَّوْبِ الرَّفِيعِ الْمُنَاسِبِ لِدَعْوَاهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي ثَوْبِ الْمِهْنَةِ الْمُنَاسِبِ لِمَا يُفْرَضُ عَلَيْهِ وَيُلْزَمُ بِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُونَا اخْتَلَفَا فِي الْمَلْبَسِ ... فَالْقَوْلُ قَوْلُ زَوْجَةٍ فِي الْأَنْفَسِ
وَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِثَوْبٍ مُمْتَهَنْ ...
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ حَامِلًا فَإِنَّ لَهَا عَلَيْهِ الْكُسْوَةَ مَا دَامَتْ حَامِلًا، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَلُبْسُ ذَاتِ الْحَمْلِ بِالْحَمْلِ اقْتَرَنْ
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا كَسَاهَا وَطَلَّقَهَا وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهَا الْكُسْوَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ اخْتَلَفَا فِي قُرْبِ الزَّمَانِ وَبُعْدِهِ، فَادَّعَى الزَّوْجُ قُرْبَ زَمَانِ كُسْوَتِهِ لَهَا لِيَسْتَرِدَّهَا مِنْهَا، وَادَّعَتْ هِيَ طُولَ زَمَنِ ذَلِكَ لِتَبْقَى لَهَا، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فَعَلَى الزَّوْجَة الْبَيِّنَةُ بِطُولِ الزَّمَنِ لِأَنَّهَا مُدَّعِيَةٌ، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْهَا حَلَفَ الزَّوْجُ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ قَلْبَ الْيَمِينِ عَلَى الزَّوْجَةِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَحَيْثُمَا خُلْفُهُمَا فِي الزَّمَنِ
الْبَيْتَيْنِ قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ كَسَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ كُسْوَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا لَا تَجِبُ لَهَا بِهِ نَفَقَةٌ وَلَا كُسْوَةٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَخْذَ كُسْوَتِهِ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ مَضَى لِابْتِيَاعِهِ لَهَا أَشْهُرٌ وَكَانَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقَهَا إلَى الْعَشَرَةِ فَهِيَ لِلْمَرْأَةِ وَلَا شَيْءَ فِيهَا لِلرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ لِلرَّجُلِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مُنْذُ شَهْرَيْنِ، وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَزِيَادَةٍ، فَعَلَى الْمَرْأَةِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُدَّةِ الِابْتِيَاعِ لِأَنَّهَا تُرِيدُ اسْتِحْقَاقَ الْكُسْوَةِ، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ كَانَ لَهَا الْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ. (قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ) بَعْدَ نَقْلِهِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ اسْتِحْبَابَ مَالِكٍ إذَا مَاتَ الزَّوْجُ أَوْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْأَشْهُرِ أَنْ لَا يَتْبَعَ الْمَرْأَةَ بِشَيْءٍ مِنْ الْكُسْوَةِ مَا نَصُّهُ: وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكُسْوَةِ الَّتِي يَفْرِضُهَا الْقَاضِي.
وَأَمَّا مَا كَسَاهَا الزَّوْجُ عَلَى وَجْهِ الْهَدِيَّةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهَا خَلَقَتْ أَوْ لَمْ تَخْلُقْ، قَرُبَ عَهْدُهَا أَوْ بَعُدَ، وَهِيَ مُوَرَّثَةٌ عَنْهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ: الزَّوْجُ هَذِهِ الْكُسْوَةُ مِمَّا فُرِضَ عَلَيَّ. وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ: بَلْ هِيَ مِمَّا أَهْدَيْتَهُ إلَيَّ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْكُسْوَةُ مِمَّا لَا يَفْرِضُ مِثْلَهَا الْقَاضِي فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا أَوْ قَوْلَ وَرَثَتِهَا. (وَفِي الْمُقَرِّبِ) قُلْت: فَإِنْ دَفَعَ الزَّوْجُ لَهَا ثَوْبًا فَقَالَتْ: أَهْدَيْتَهُ إلَيَّ. وَقَالَ. بَلْ هُوَ مِمَّا فَرَضَ الْقَاضِي عَلَيَّ. فَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَفْرِضُهَا الْقَاضِي لِمِثْلِهَا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا
اهـ. فَقَوْلُهُ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: " وَإِنْ كَسَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ " إلَخْ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي النَّظْمِ، وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ اخْتَلَفَا وَادَّعَى الزَّوْجُ " وَمَا بَعْدَهُ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي النَّظْمِ. وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوْجُ " وَمَا بَعْدَهُ عَنْ الْمُقَرِّبِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي النَّظْمِ. (وَسُئِلَ) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ عَنْ تَاجِرٍ فِي الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا تُوُفِّيَ فَادَّعَى وَرَثَتُهُ فِي بَعْضِ الثِّيَابِ الَّتِي هِيَ مِنْ شَاكِلَةِ الْمَرْأَةِ وَاحْتَوَى عَلَيْهَا مَنْزِلُهَا أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مُتَخَلَّفِهِ، وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ الزَّوْجَ سَاقَهَا لَهَا وَأَنَّهَا مَتَاعُهَا لَا مِنْ الْمُتَخَلَّفِ، فَقَوْلَ مَنْ يَكُونُ
стр. 242
الْقَوْلُ؟ (فَأَجَابَ) إنَّ دَعْوَى الْمَرْأَةِ فِي الثِّيَابِ أَنَّ زَوْجَهَا سَاقَهَا لَهَا لَا تُسْمَعُ إلَّا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الثِّيَابَ بِأَعْيُنِهَا مِنْ جُمْلَةِ السِّيَاقَةِ وَأَنَّهُ وَهَبَهَا لَهَا عَلَى الْخُصُوصِ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْمَيْتِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تِلْكَ الثِّيَابَ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الْمَرْأَةِ وَلَا مَتَاعِهَا إلَى آخِرِ نَصِّ الْيَمِينِ.
لَا تَدْخُلُ هَذِهِ النَّازِلَةُ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي لِبَاسِهَا تِلْكَ الثِّيَابَ وَامْتِهَانِهَا لَهَا هَلْ تَسْتَحِقُّهَا بِذَلِكَ أَمْ لَا، وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ كُسْوَةَ الْمَرْأَةِ عِنْد فِرَاقِهَا إذَا كَانَتْ مُبْتَذَلَةً، فَإِنْ لَمْ تُبْتَذَلْ كَانَ لَهُ ارْتِجَاعُهَا، فَهَذِهِ الثِّيَابُ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ قَدْ ابْتَذَلَتْهَا فَهِيَ لَهَا، وَإِلَّا صَارَتْ مِيرَاثًا اهـ مِنْ الشَّارِحِ وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ لِإِقْرَارِهَا أَنَّهَا لِلزَّوْجِ وَادَّعَتْ أَنَّهُ أَعْطَاهَا إيَّاهَا فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا وَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ فِي الِاخْتِلَافِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصْلُحُ بِالْمَرْأَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ لِمَنْ هُوَ الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ وَهَذَا قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لِلزَّوْجِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِبَيَانٍ.
[فَصْلٌ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ لِلزَّوْجِيَّةِ]
(فَصْلٌ) مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ لِلزَّوْجِيَّةِ
وَمَنْ يُطَلِّقْ طَلْقَةً رَجْعِيَّهْ ... ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ لِلزَّوْجِيَّةِ
فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجَةِ وَالْيَمِينُ ... عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّةٍ تُبِينُ
ثُمَّ لَهُ ارْتِجَاعُهَا حَيْثُ الْكَذِبْ ... مُسْتَوْضَحٌ مِنْ الزَّمَانِ الْمُقْتَرِبْ
وَمَا ادَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمُطَلَّقَهْ ... بِالسُّقْطِ فَهِيَ أَبَدًا مُصَدَّقَهْ
стр. 243
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ أَرَادَ رَجْعَتَهَا فَزَعَمَتْ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا إذَا كَانَ يُمْكِنُ ذَلِكَ، فَإِنْ قَرُبَ مَا بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ عِدَّةِ الْأَقْرَاءِ فِيهِ وَتَبَيَّنَ كَذِبُهَا فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا، فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّ انْقِضَاءَهَا كَانَ بِسَبَبِ سَقْطٍ أَسْقَطَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَلَوْ بِقُرْبٍ مِنْ الطَّلَاق، وَعَلَى تَصْدِيقِهَا وَلَوْ بِالْقُرْبِ. نَبَّهَ بِقَوْلِهِ " أَبَدًا " وَالْإِشَارَة بِذَلِكَ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَقَوْلُهُ " تُبِينُ " بِضَمِّ التَّاءِ مُضَارِعُ أَبَانَ، وَهُوَ خَبَرٌ عَنْ الْيَمِينِ، أَيْ أَنَّ يَمِينَهَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ تُبِينُ عِصْمَتَهَا وَتُخْرِجُهَا مِنْ الْعِدَّةِ، (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ:) فَإِنْ أَرَادَ ارْتِجَاعَهَا وَقَالَتْ: " قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي " كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا إذَا كَانَ قَدْ مَضَى مِنْ الْعِدَّةِ مَا يُشْبِهُ أَنْ تَحِيضَ فِيهِ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ارْتِجَاعُهَا. (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَفِي مَقَالَاتِ ابْنِ مُغِيثٍ مَعَ يَمِينِهَا. (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ أَيْضًا) وَإِنْ اسْتَبَانَ كَذِبُهَا لِقِصَرِ الْمُدَّةِ رَاجَعَهَا عَلَى مَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ.
(وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : وَإِنْ قَالَتْ: " قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي بِسُقُطٍ " قُبِلَ قَوْلُهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ بِيَوْمٍ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَكْذِيبِ الْجِيرَانِ لَهَا اهـ. وَمَا حَكَاهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ حَلِفِ الْمَرْأَةِ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ مُغِيثٍ عَنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهَا تُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ وَقَالَ: إنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ حَيْثُ قَالَ: وَصُدِّقَتْ فِي انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأَقْرَاءِ وَالْوَضْعِ بِلَا يَمِينٍ مَا أَمْكَن، وَلَعَلَّ الشَّيْخَ اعْتَمَدَ الْقَوْلَ بِيَمِينِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَقِلَّةِ الْأَمَانِ.
وَلَا يُطَلِّقُ الْعَبِيدَ السَّيِّدُ ... إلَّا الصَّغِيرَ مَعَ شَيْءٍ يُرْفَدُ
وَكَيْفَمَا شَاءَ الْكَبِيرُ طَلَّقَا ... وَمُنْتَهَاهُ طَلْقَتَانِ مُطْلَقَا
لَكِنَّ فِي الرَّجْعِيِّ الْأَمْرَ بِيَدِهْ ... دُونَ رِضَا وَلِيِّهَا وَسَيِّدِهْ
يَعْنِي أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الْعَبْدِ لَا بِيَدِ سَيِّدِهِ، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَةَ عَبْدِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا عَقَدَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ شَيْئًا يُرْفَدُ بِهِ أَيْ يُعَانُ بِهِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، فَقَوْلُهُ: " الْعَبِيدَ " مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِض أَيْ عَلَى الْعَبِيدِ ".
وَالسَّيِّدُ " فَاعِلُ " يُطَلِّقُ " " وَالصَّغِيرَ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " الْعَبِيدَ " أَيْ إلَّا الْعَبْدَ الصَّغِيرَ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ بِالْخُلْعِ. وَقَوْلُهُ
وَكَيْفَمَا شَاءَ الْكَبِيرُ طَلَّقَا
الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ الْكَبِيرَ يُطَلِّقُ كَيْفَمَا شَاءَ بِخُلْعٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ، إلَّا أَنَّ مُنْتَهَى طَلَاقِهِ طَلْقَتَانِ سَوَاءٌ أَوْقَعَهُمَا مَعًا فِي حَالَةِ رِقِّهِ أَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فِي رِقِّهِ ثُمَّ عَتَقَ فَلَا تَبْقَى لَهُ إلَّا وَاحِدَةٌ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يُطَلِّقْ حَتَّى عَتَقَ فَهُوَ كَالْحُرِّ بِالْأَصَالَةِ يُطَلِّقُ ثَلَاثًا سَوَاءٌ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً لَيْسَ لَهُ إلَّا طَلْقَتَانِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَ رَقِيقًا كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ، وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ نَبَّهَ بِالْإِطْلَاقِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: " لَكِنَّ فِي الرَّجْعِيِّ " الْبَيْت إلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا طَلَّقَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَإِنَّ أَمْرَ الرَّجْعَةِ بِيَدِهِ إنْ شَاءَ رَاجَعَ أَوْ تَرَكَ، فَإِنْ رَاجَعَ فَلَا يَحْتَاجُ لِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَا لِإِذْنِ وَلِيِّهَا لِأَنَّ الْعِصْمَةَ الَّتِي أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهَا مَا زَالَتْ بِيَدِهِ وَلَيْسَتْ رَجْعَتُهَا ابْتِدَاءَ نِكَاحٍ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى إذْنِ سَيِّدِهِ وَوَلِيِّهَا. (قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ) : وَظَاهِرُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ قُلْت لَهُ: أَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَى عَبْدٍ امْرَأَتَهُ؟ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الْعَبْدِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ فَزَوَّجَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ لَهُ فَيَكُونُ خُلْعًا.
(وَفِي النَّوَادِرِ) وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُبَارِئَ عَنْ عَبْدِهِ وَقَدْ نَكَحَ بِإِذْنِهِ حَتَّى يَرْضَى الْعَبْدُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَيُزَوِّجُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ وَلَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ إلَّا بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ لَهُ كَالْيَتِيمِ الصَّغِيرِ.
(قَالَ ابْنُ الْحَارِثِ) : وَاتَّفَقُوا فِي الْعَبْدِ أَنَّ طَلَاقَهُ طَلْقَتَانِ. وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَطَلَاقُ الْعَبْدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ طَلَاقِ الْحُرِّ
стр. 244
وَذَلِكَ طَلْقَتَانِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ فَإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً فِي حِينِ رِقِّهِ ثُمَّ عَتَقَ بَقِيَتْ لَهُ فِيهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
(وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ) : وَجَمِيعُ طَلَاقِ الْعَبْدِ طَلْقَتَانِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ حَدَّ الْأَرِقَّاءِ نِصْفَ حَدِّ الْأَحْرَارِ، وَالطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ مِنْ مَعَانِي الْحُدُودِ. (وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ) وَكَذَلِكَ يَرْتَجِعُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَلَا إذْنِ سَيِّدِ زَوْجَتِهِ اهـ
وَالْحُكْمُ فِي الْعَبِيدِ كَالْأَحْرَارِ ... فِي غَايَةِ الزَّوْجَاتِ فِي الْمُخْتَارِ
يَعْنِي أَنَّ الْعَبِيدَ كَالْأَحْرَارِ فِي غَايَةِ الزَّوْجَاتِ، كَمَا أَنَّ غَايَتَهَا لِلْحُرِّ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فِيهِ كَذَلِكَ غَايَتُهَا لِلْعَبْدِ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ الْمُخْتَارِ، وَمُقَابِلُهُ لَا يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ إلَّا اثْنَتَيْنِ.
(قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) قُلْت لَهُ الْعَبْدُ كَمْ يَتَزَوَّجُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِيهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا. قُلْت لَهُ: إنْ شَاءَ إمَاءً وَإِنْ شَاءَ حَرَائِرَ؟ قَالَ نَعَمْ ذَلِكَ لَهُ. (وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ) قَالَ مَالِكٌ وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت، وَقَالَ رَبِيعَةُ قَالَهُ عَنْهُ أَشْهَبُ وَإِنْ كَانَ لَهُ حُرَّتَانِ وَمَمْلُوكَتَانِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ أَذِنَ لَهُ أَهْلُهُ. وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ فِي نِكَاحِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ: إنَّا لَنَقُولُ ذَلِكَ وَمَا نَدْرِي مَا هُوَ. ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ: وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ اقْتِصَارَهُ عَلَى اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالزَّائِدُ عَلَى أَرْبَعٍ مُمْتَنِعٌ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: الثَّالِثَةُ لِلْعَبْدِ كَالْخَامِسَةِ لِلْحُرِّ. (التَّوْضِيحَ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ لِحَدِيثِ غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ وَنَحْوِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ فِي إبَاحَةِ الْأَرْبَعِ لِلْعَبْدِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَقَاسَ ابْنُ وَهْبٍ ذَلِكَ عَلَى طَلَاقِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْشَأُ الْخِلَافِ اخْتِلَافَ الْأُصُولِيِّينَ فِي دُخُولِ الْعَبِيدِ تَحْتَ الْخِطَابِ وَعَدَمِ دُخُولِهِمْ اهـ.
وَمِنْ الذَّخِيرَةِ (تَمْهِيدٌ) لِلْعَبْدِ مَعَ الْحُرِّ أَرْبَعُ حَالَاتٍ التَّشْطِيرُ كَالْحُدُودِ، وَالْمُسَاوَاةُ كَالْعِبَادَاتِ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ كَعَدَدِ الزَّوْجَاتِ، وَأَجَلِ الْإِيلَاءِ، وَالْعُنَّةِ، وَالْمَفْقُودِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، فَعَلَى النِّصْفِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَقِيلَ بِالْمُسَاوَاةِ، وَسَقَطَ عَنْهُ وَاجِبٌ عَلَى الْحُرِّ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ اهـ
وَلَعَلَّهُ يَعْنِي بِالْعُنَّةِ الِاعْتِرَاضَ.
وَيَتْبَعُ الْأَوْلَادُ فِي اسْتِرْقَاقِ ... لِلْأُمِّ لَا لِلْأَبِ فِي الْإِطْلَاقِ
وَكُسْوَةٌ لِحُرَّةٍ وَالنَّفَقَهْ ... عَلَيْهِ وَالْخُلْفُ بِغَيْرِ الْمُعْتَقَهْ
وَلَيْسَ لَازِمًا لَهُ أَنْ يُنْفِقَا ... عَلَى بَنِيهِ أَعْبُدًا أَوْ عَتَقَا
يَعْنِي أَنَّ الْأَوْلَادَ يَتْبَعُونَ أُمَّهُمْ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَتْ أُمُّهُمْ حُرَّةً فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ مَمْلُوكَةً فَهُمْ أَرِقَّاءٌ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ إذَا كَانَ أَبُوهُمْ قِنًّا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْإِطْلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا إنْ كَانَ الْإِطْلَاقُ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ: " لِلْأُمِّ " وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ أَقْرَبُ أَنْ يَرْجِعَ لِقَوْلِهِ: " لَا لِلْأَبِ " أَيْ لَا يَتْبَعُونَ أَبَاهُمْ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ إذَا كَانُوا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَأَبُوهُمْ حُرٌّ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا يَتْبَعُونَ أُمَّهُمْ فِي الرِّقِّ فَهِيَ وَإِنْ دَاخَلَتْهَا شَائِبَةُ الْحُرِّيَّةِ بِالْحَمْلِ مَنْ سَيِّدِهَا الْحَرِّ لَكِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ فَلَهُ حُكْمُ الرَّقِيقِ الْخَالِصِ.
فَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً فَأَوْلَادُهُ مَعَهَا تَابِعُونَ لَهَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَإِنْ كَانُوا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَأَبُوهُمْ عَبْدٌ فَهْم أَرِقَّاءٌ، كَمَا إذَا اشْتَرَى أَمَةً وَأَوْلَادَهَا فَأَوْلَادُهَا أَرِقَّاءٌ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ اشْتَرَى الْحُرُّ أَمَةً وَأَوْلَادُهَا مَعَهَا أَحْرَارٌ غَيْرُ تَابِعِينَ لِأُمِّهِمْ. فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَوْلَادَ إنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ مَمْلُوكَةً لِأَبِيهِمْ فَهُمْ تَابِعُونَ لِأَبِيهِمْ.
وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ زَوْجَةً لِأَبِيهِمْ فَهُمْ تَابِعُونَ لِأُمِّهِمْ، وَعَلَى هَذَا الطَّرَفِ الْأَخِيرِ تَكَلَّمَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَالَ ابْن حَارِثٍ فِي أُصُولِ الْفُتْيَا) : قَالَ مُحَمَّدٌ أَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الصَّبِيِّ أَنَّ حُكْمَهُ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ حُكْمُ أَبِيهِ إنْ كَانَ الْفِرَاشُ فِرَاشَ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ فِرَاشَ نِكَاحٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ فِي رِقِّهَا وَحُرِّيَّتِهَا.
وَقَوْلُهُ: " وَكُسْوَةُ الْحُرَّةِ " الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا تَزَوَّجَ حُرَّةً فَإِنَّ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا وَكُسْوَتَهَا كَالْحُرِّ، وَاخْتُلِفَ إنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَمَةً فَقِيلَ ذَلِكَ
стр. 245
عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهَا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: " وَالْخُلْفُ بِغَيْرِ الْمُعْتَقَةِ " وَالْبَاءُ ظَرْفِيَّةٌ (قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَبْدِ لَهُ زَوْجَةٌ حُرَّةٌ: عَلَيْهِ النَّفَقَةُ. قَالَ مَالِكٌ وَيُقَالُ لَهُ أَنْفِقْ أَوْ طَلِّقْ.
(قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ) وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ. (وَفِيهَا أَيْضًا) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَيَخْتَلِفُ إذَا كَانَا عَبْدَيْنِ. فَعَلَى الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَى الْعَبْدِ لِلْحُرَّةِ لَا يَكُونُ لَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً، وَعَلَى الْقَوْلِ إنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلْحُرَّةِ يَخْتَلِفُ إنْ كَانَتْ أَمَةً، وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُعْتَقَةُ إلَى أَجَلٍ كَالْأَمَةِ. (قَالَ الشَّارِحُ ﵀) : يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْحُرَّةِ الْخِلَافَ. وَهُوَ خِلَافُ مَا سَبَقَ لِابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. فَتَأَمَّلْهُ وَقَوْلُهُ:
وَلَيْسَ لَازِمًا لَهُ أَنْ يُنْفِقَا
الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَوْلَادِهِ عَبِيدًا كَانُوا أَوْ أَحْرَارًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: " وَلَيْسَ لَازِمًا لَهُ " إلَخْ " عُتَقَا " بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ التَّاء جَمْعُ عَتِيقٍ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا أَحْرَارًا لِكَوْنِ أُمِّهِمْ حُرَّةً فَتَكُونُ نَفَقَتُهُمْ مِنْ مَالِهِمْ إنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانُوا مَمَالِيكَ لِسَيِّدِ أُمِّهِمْ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ إتْلَافُ مَالِ سَيِّدِهِ، وَعَلَى هَذَا فَصَوَابُ التَّعْبِيرِ لَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَازِمًا لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ أَوْلَادُ الْعَبْدِ مِنْ أَمَتِهِ جَازَ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمَالَ لِسَيِّدِهِ وَأَوْلَادُهُ مَمْلُوكُونَ لَهُ أَيْضًا فَلَمْ يَتَبَرَّعْ بِمَالِ سَيِّدِهِ بَلْ أَنْفَقَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ. (قَالَ فِي النَّوَادِرِ:) قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ فِي أَوْلَادِهِ الْأَحْرَارِ وَلَا الْمَمَالِيكِ نَفَقَةٌ وَلَا إرْضَاعٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا لِسَيِّدِهِ اهـ.
[فَصْلٌ فِي الرَّجْعَةِ]
ِ
وَكَابْتِدَاءِ مَا سِوَى الرَّجْعِيِّ ... فِي الْإِذْنِ وَالصَّدَاقِ وَالْوَلِيِّ
وَلَا رُجُوعَ لِمَرِيضَةٍ وَلَا ... بِالْحَمْلِ سِتَّةَ الشُّهُورِ وَصَلَا
يَعْنِي أَنَّ الرَّجْعَةَ مِنْ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ كَابْتِدَاءِ النِّكَاحِ فِي اشْتِرَاطِ الْإِذْنِ مِنْ الزَّوْجَةِ - إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً - وَالصَّدَاقِ وَالْوَلِيِّ وَالْإِشْهَادِ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَإِذَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لِلْمَرِيضَةِ مَرَضًا مَخُوفًا وَلَا لِحَامِلٍ بَلَغَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ، فَلَوْ أَدْخَلَ الْفَاءَ عَلَى " رُجُوعٍ " لِيُعْلَمَ كَوْنُهُ نَتِيجَةً عَمَّا قَبْلَهُ لَكَانَ أَبْيَنَ. (قَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ) : وَإِذَا رَاجَعَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ الْمُخَالِعَةَ أَوْ الْمُبَارِئَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا وَوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَرِيضَةً أَوْ حَامِلًا مُثْقَلًا قَدْ بَلَغَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ اهـ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " مَا سِوَى الرَّجْعِيِّ " أَنَّ الرَّجْعَةَ مِنْ الرَّجْعِيِّ لَيْسَتْ كَابْتِدَاءِ النِّكَاحِ فَلَا يُشْتَرَطُ
стр. 246
إلَّا كَوْنُ الزَّوْجِ عَاقِلًا، بَالِغًا، وَيَرْتَجِعُ وَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا، أَوْ عَبْدًا، بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مَا زَالَتْ فِي عِصْمَتِهِ.
(ابْنُ الْحَاجِبِ) وَشَرْطُ الْمُرْتَجِعِ أَيْ: مِنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ، وَلَا يَمْنَعُ مَرَضٌ، وَلَا إحْرَامٌ، وَيَرْتَجِعُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. (التَّوْضِيحَ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرْتَجِعَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلنِّكَاحِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، بَالِغًا.
وَقَوْلُهُ وَلَا يَمْنَعُ مَرَضٌ أَيْ: لَا يَمْنَعُ مِنْ الرَّجْعَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُتَزَوِّجَ وَالْمُرْتَجِعَ يَسْتَوِيَانِ فِي الشُّرُوطِ دُونَ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَلَمْ يَمْنَعْ الْمَرَضُ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا تَرِثُ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ارْتِجَاعِهَا إدْخَالُ وَارِثٍ، بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ. وَقَوْلُهُ: وَلَا إحْرَامَ، يُرِيدُ سَوَاءً كَانَتْ هِيَ مُحْرِمَةً أَوْ هُوَ اهـ. وَقَوْلُهُ وَيَرْتَجِعُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي تَوَابِعِهِ وَلِأَنَّ الرَّجِيعَةَ زَوْجَتُهُ اهـ.
وَزَوْجَةُ الْعَبْدِ إذَا مَا عَتَقَتْ ... وَاخْتَارَتْ الْفِرَاقَ مِنْهُ طَلُقَتْ
بِمَا تَشَاؤُهُ وَمَهْمَا عَتَقَا ... فَمَا لَهُ مِنْ ارْتِجَاعٍ مُطْلَقَا
يَعْنِي: إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُتَزَوِّجًا بِأَمَةٍ ثُمَّ أَعْتَقَ الْأَمَةَ سَيِّدُهَا عِتْقًا نَاجِزًا؛ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْإِقَامَةِ مَعَ زَوْجِهَا أَوْ مُفَارَقَتِهِ.
وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى تَخْتَارَ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْبَقَاءَ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الطَّلَاقَ وَقَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، إلَّا أَنْ تَنْوِيَ أَكْثَرَ، فَيَلْزَمُ مَا نَوَتْ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ " مِمَّا تَشَاؤُهُ " فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَطَلُقَتْ ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا، سَوَاءً عَتَقَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ " مُطْلَقَا " (قَالَ فِي التَّهْذِيبِ) وَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ عَبْدٍ؛ حِيلَ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَخْتَارَ، وَلَهَا الْخِيَارُ بِطَلْقَةٍ، وَتَكُونُ بَائِنَةً، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ إنْ عَتَقَ فِي الْعِدَّةِ، إنْ قَالَتْ حِينَ عَتَقَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي. وَلَا نِيَّةَ لَهَا فَهِيَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، إلَّا أَنْ تَنْوِيَ أَكْثَرَ فَيَلْزَمُ مَا نَوَتْ، وَلَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ أَلْبَتَّةَ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَزِمَ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ إنْ طَلُقَتْ اثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ، إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، لِأَنَّهُ جَمِيعُ طَلَاقِ الْعَبْدِ. وَكَذَلِكَ إنْ بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ فِيهَا طَلْقَةٌ، وَأَوَّلُ قَوْلِ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ بِنَفْسِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهَا عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ، وَلَهَا الْخِيَارُ عِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ اهـ
(فَرْعٌ) فَلَوْ عَتَقَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ؛ سَقَطَ خِيَارُهَا. وَكَذَلِكَ إنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ سَقَطَ خِيَارُهَا لِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْهَا وَهِيَ بَائِنَةٌ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ، فَإِنَّهَا زَوْجَةٌ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ قَالَ ﵀.
[فَصْلٌ فِي الْفَسْخِ]
ِ
وَفَسْخُ فَاسِدٍ بِلَا وِفَاقِ ... بِطَلْقَةٍ تُعَدُّ فِي الطَّلَاقِ
وَمَنْ يَمُتْ قَبْلَ وُقُوعِ الْفَسْخِ ... فِي ذَا فَمَا لِإِرْثِهِ مِنْ نَسْخِ
وَفَسْخُ مَا الْفَاسِدُ فِيهِ مُجْمَعُ ... عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ يَقَعُ
وَتَلْزَمُ الْعِدَّةُ بِاتِّفَاقِ ... لِمُبْتَنًى بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ
اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَرْبَعِ مَسَائِلَ.
(الْأُولَى) أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ إذَا أُرِيدَ فَسْخُهُ فَإِنَّمَا يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ، مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِصِحَّتِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ.
(الثَّانِيَةُ) إذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي هَذَا النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ قَبْلَ وُقُوعِ الْفَسْخِ؛ فَإِنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ كَالصَّحِيحِ، مَا لَمْ يَكُنْ الْفَسْخُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فِي الْإِرْثِ؛ فَلَا إرْثَ كَنِكَاحِ الْمَرِيضِ. وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي.
(وَالثَّالِثَةُ) إذَا كَانَ فَسَادُ النِّكَاحِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَهُوَ مَفْهُومُ الْأُولَى، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ.
(الرَّابِعَةُ) إذَا فُسِخَ النِّكَاحُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَتَجِبُ فِيهِ الْعِدَّةُ بِاتِّفَاقٍ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِقَوْلِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَمَّا الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَهُمَا فَسْخُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِطَلَاقٍ وَثُبُوتِ الْإِرْثِ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْحَارِثِ فِي أُصُولِ الْفُتْيَا: كُلُّ نِكَاحٍ كَانَ فِيهِ
стр. 247
اخْتِلَافٌ وَدَخَلَتْ فِي تَحْرِيمِهِ الشُّبْهَةُ فَالْوَلَدُ فِيهِ يَلْحَقُ وَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الْفَسْخِ وَرِثَهُ الْبَاقِي اهـ.
وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي تَمْيِيزِ مَا يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ مِمَّا يُفْسَخُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: قَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: إنَّ كُلَّ نِكَاحٍ كَانَ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلْوَلِيِّ إمْضَاؤُهُ وَفَسْخُهُ فَفَسْخُهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ. وَمَا كَانُوا مَغْلُوبِينَ عَلَى فَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ. فَالْأَوَّلُ كَنِكَاحِ الْأَجْنَبِيِّ يَرُدُّهُ الْوَلِيُّ، فَالْخِيَارُ فِيهِ لِلْوَلِيِّ وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ عَيْبٌ فَالْخِيَارُ لِلزَّوْجِ، أَوْ بِهِ عَيْبٌ فَالْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ، ثُمَّ مَثَّلَ لِلثَّانِي وَهُوَ مَا كَانُوا مَغْلُوبِينَ عَلَى فَسْخِهِ بِوَلَايَةِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَنِكَاحِ الشِّغَارِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَكَالْمُجْمَعِ عَلَى فَسْخِهِ. الْقَوْلُ الثَّانِي قَالَ: رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَرَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا اُخْتُلِفَ فِي إجَازَتِهِ وَفَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ كَوَلَايَةِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَنِكَاحِ الشِّغَارِ وَنِكَاحِ الْمَرِيضِ وَالْمُحْرِمِ وَكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَمَا اُتُّفِقَ عَلَى فَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ كَالْخَامِسَةِ وَأُخْتِ الْمَرْأَةِ أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا. قَالَ: وَمَا فُسِخَ بِطَلَاقٍ يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ أَيْ: تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ كَوْنِهَا تُحَرَّمُ عَلَى آبَائِهِ، وَأَبْنَائِهِ، وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا، وَيَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ إذَا أَوْقَعَهُ الزَّوْجُ قَبْلَ الْفِرَاقِ، وَتَقَعُ بِهِ الْمُوَارَثَةُ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَسْخِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، كَنِكَاحِ الْمَرِيضِ، فَلَا إرْثَ فِيهِ لِأَنَّا لِأَجْلِ الْإِرْثِ فَسَخْنَاهُ. وَأَمَّا مَا يُفْسَخُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَلَا يَقَعُ فِيهِ طَلَاقٌ إذَا أَوْقَعَهُ الزَّوْجُ قَبْلَ الْفِرَاقِ، وَلَا تَقَعُ فِيهِ مُوَارَثَةٌ. اهـ
بِالْمَعْنَى، وَزِيَادَةُ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ لِلْبَيَانِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ هَذَا عَلَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَالْأُولَى: هِيَ قَوْلُهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: إنَّ مَا اُخْتُلِفَ فِي إجَازَةِ فَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ، وَالثَّانِيَةُ هِيَ قَوْلُهُ فِيهِ أَيْضًا: مَا فُسِخَ بِطَلَاقٍ تَقَعُ بِهِ الْمُوَارَثَةُ، وَالثَّالِثَةُ هِيَ قَوْلُهُ فِيهِ أَيْضًا: وَمَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي فَسْخِهِ فَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ. وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الْأَوْلَى، وَإِنَّمَا جَلَبْنَا كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِجُمْلَتِهِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِدِ وَالْمُثُلِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) مَا حَاصِلُهُ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَك مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ مَا يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ فَسْخُهُ وَإِجَازَتُهُ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ بِذَلِكَ. أَيْ: بِطَلَاقٍ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ؛ لِأَنَّ مَا لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ فَسْخُهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ يُفْسَخُ بِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ فَسْخُهُ، فَإِنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ وَنِكَاحَ الْمُحْرِمِ مَثَلًا يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ، لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَلَيْسَ لِلثَّلَاثَةِ فِيهِ خِيَارٌ، فَكُلُّ مَا لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ فَسْخُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ فَسْخُهُ، - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
(وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) وَهِيَ النِّكَاحُ الْفَاسِدُ إذَا فُسِخَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَقَالَ: تَجِبُ فِيهِ الْعِدَّةُ لَا الِاسْتِبْرَاءُ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ. وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَتَلْزَمُ الْعِدَّةُ بِاتِّفَاقٍ ... لِمُبْتَنًى بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ
(قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) قُلْت لَهُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا وَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا، ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَتَصَادَقَا عَلَى تَرْكِ الْمَسِيسِ، أَعْلَيْهَا عِدَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَالْعِدَّةِ مِنْ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَلَا تُصْدَقُ عَلَى الْعِدَّةِ، أَلَّا تَرَى أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لَثَبَتَ نَسَبُهُ، إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ، وَلَا صَدَاقَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدَّعِهِ انْتَهَى. فَقَوْلُهُ لَا تُصْدَقُ عَلَى الْعِدَّةِ أَيْ: لَا تُصْدَقُ فِي عَدَمِ الْمَسِيسِ فَتَسْقُطُ عَنْهَا الْعِدَّةُ، بَلْ الْعِدَّةُ لَازِمَةٌ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا تُؤَاخَذُ بِهِ فِي أَنَّهَا لَا صَدَاقَ لَهَا لِإِقْرَارِهَا أَنَّهَا لَمْ تُمَسَّ، فَلَا تَسْتَحِقُّ صَدَاقًا، وَإِطْلَاقُ الشَّيْخِ ﵀ الْقَوْلَ بِلُزُومِ الْعِدَّةِ لِلْمُبْتَنَى بِهَا يُظْهِرُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُقَرِّبِ، وَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ، وَنَصُّ الْمُقَرِّبِ الْمُتَقَدِّمِ يَشْهَدُ لَهُ.
وَأَمَّا الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَدَمُ لُزُومِ الْعِدَّةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِبْرَاءُ، وَيَظْهَرُ مِنْ الْمُقَرِّبِ أَنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الْعِدَّةُ، لِقَوْلِهِ: وَإِنْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَيْ: بِفَسَادِ النِّكَاحِ كَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، قَبْلَ مَوْتِ زَوْجِهَا وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَسَبِيلُهَا فِيهَا سَبِيلُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي السُّكْنَى، وَالنَّفَقَةِ. وَجَمِيعُ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ اهـ. فَصَحَّ إطْلَاقُ النَّاظِمِ وُجُوبَ الْعِدَّةِ فِي الْفَاسِدِ بِقِسْمَيْهِ، وَعَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَكُونُ إطْلَاقُ الْعِدَّةِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ مَجَازًا، يُرَادُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ، وَفِي الرَّصَّاعِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: الْعِدَّةُ مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِفَسْخِهِ، أَوْ مَوْتِ
стр. 248
الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ مَا نَصُّهُ (فَإِنْ قُلْت) أَطْلَقَ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ لِفَسْخِهِ فَظَاهِرُهُ: أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ إذَا فُسِخَ تَجِبُ فِيهِ الْعِدَّةُ، وَلَوْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ (قُلْتُ) كَذَلِكَ وَقَعَ فِي إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ شَارِحُهُ: هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَمَا فُسِخَ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ فَالْعِدَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْعِدَّةِ فِي الصَّحِيحِ. وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ فَثَلَاثُ حِيَضٍ. وَقِيلَ: حَيْضَةٌ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَثَلَاثٌ، وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَالرَّسْمُ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَفُسِخَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - اهـ. كَلَامُ الرَّصَّاعِ.
[بَابُ النَّفَقَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(ابْنُ عَرَفَةَ) النَّفَقَةُ مَا بِهِ قِوَامُ مُعْتَادِ حَالِ آدَمِيٍّ دُونَ سَرَفٍ (الرَّصَّاعُ) قَوْلُهُ: " مَا بِهِ قِوَامُ مُعْتَادِ حَالِ آدَمِيٍّ " أَخْرَجَ بِهِ مَا بِهِ قِوَامُ مُعْتَادِ غَيْرِ آدَمِيٍّ، وَمَا لَيْسَ مُعْتَادًا فِي حَالِ الْآدَمِيِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَفَقَةٍ شَرْعًا. وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: " دُونَ سَرَفٍ " السَّرَفَ، فَلَيْسَ بِنَفَقَةٍ شَرْعًا إلَخْ، وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالنَّفَقَةِ: النَّفَقَةُ الَّتِي يُحْكَمُ بِهَا. وَفِي دُخُولِ الْكُسْوَةِ فِي النَّفَقَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ مَنْ الْتَزَمَ نَفَقَةَ رَجُلٍ، هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ كُسْوَتُهُ؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَرْبٍ أَوْ لَا تَجِبُ؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سَهْلٍ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمْ (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَقَدْ تُعُرِّفَتْ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ بِالطَّعَامِ دُونَ الْكُسْوَةِ. (قَالَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا حَاصِلُهُ) : إنَّ النَّفَقَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ، ثُمَّ تَخَصَّصَتْ عِنْدَنَا عُرْفًا بِالطَّعَامِ فَقَطْ اهـ. وَقَوْلُهُ: " وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا " الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ مَا يَجِبُ مِنْهَا لِلْمُطَلَّقَاتِ، وَمَا يَلْحَقُ بِهَا مِنْ كُسْوَةٍ وَإِسْكَانٍ، وَحُكْمِ الْمُعْسِرِ بِهَا.
وَيَجِبُ الْإِنْفَاقُ لِلزَّوْجَاتِ ... فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ
وَالْفَقْرُ شَرْطُ الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدْ ... عَدَمُ مَالٍ وَاتِّصَالٌ لِلْأَمَدْ
فَفِي الذُّكُورِ لِلْبُلُوغِ يَتَّصِلْ ... وَفِي الْإِنَاثِ بِالدُّخُولِ يَنْفَصِلْ
وَالْحُكْمُ فِي الْكُسْوَةِ حُكْمُ النَّفَقَهْ ... وَمُؤَنُ الْعَبْدِ تَكُونُ مُطْلَقَهْ
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ أَسْبَابَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَشُرُوطَهَا، وَأَسْبَابُهَا - كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ ثَلَاثَةٌ: النِّكَاحُ، وَالْقَرَابَةُ، وَالْمِلْكُ، فَتَجِبُ فِي النِّكَاحِ بِالدُّخُولِ، أَوْ بِالدُّعَاءِ إلَى الدُّخُولِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا مَرَضَ السِّيَاقِ وَالزَّوْجُ بَالِغٌ وَالزَّوْجَةُ مُطِيقَةٌ لِلْوَطْءِ. كَذَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَجَعَلَ فِي التَّوْضِيحِ السَّلَامَةَ مِنْ الْمَرَضِ، وَالْبُلُوغَ فِي الزَّوْجِ، وَإِطَاقَةَ الْوَطْءِ فِي الزَّوْجَةِ، شُرُوطًا فِي الدُّعَاءِ لِلدُّخُولِ، فَإِذَا دُعِيَ إلَيْهِ وَقَدْ اخْتَلَّ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَلَا تَجِبُ، أَمَّا إنْ دَخَلَ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ بِغَيْرِ شَرْطٍ.
وَجَعَلَهَا اللَّقَانِيِّ شَرْطًا فِي الدُّخُولِ وَفِي الدُّعَاءِ إلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَلَوْ دَخَلَ بِهَا إلَّا إذَا بَلَغَ الزَّوْجُ، وَأَطَاقَتْ الزَّوْجَةُ الْوَطْءَ، وَلَمْ يُعَضِّدْهُ بِنَقْلٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الدُّعَاءِ فَقَطْ، كَمَا فِي التَّوْضِيحِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَتُعْتَبَرُ بِحَالِ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالْبَلَدِ، وَالسِّعْرِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً، كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ
(ابْنُ سَلْمُونٍ) وَعَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ، وَكِسْوَتُهَا طُولَ بَقَائِهَا فِي عِصْمَتِهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ سَيِّدُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً فَنَفَقَتُهَا كَذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، بَوَّأَهَا مَعَهُ السَّيِّدُ بَيْتًا أَمْ لَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ بِحَالٍ وَهِيَ عَلَى السَّيِّدِ، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يُبَوِّئَهَا سَيِّدُهَا مَعَ زَوْجِهَا بَيْتًا فَتَلْزَمُ الزَّوْجَ أَوْ لَا يُبَوِّئُهَا فَتَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ، اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ.
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْقَرَابَةِ: فَعَلَى الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ عَلَى الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا، وَلَا زَمَانَةَ بِهِمْ، وَعَلَى الْإِنَاثِ حَتَّى يُنْكَحْنَ وَيَدْخُلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَعَلَى الْأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ بِشَرْطِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمُنْفِقِ وَالْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ: فَنَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ وَلَا نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ، إذْ لَيْسَ لَهُ إتْلَافُ مَالِ سَيِّدِهِ وَلَا يَطْلُبُهُ
стр. 249
أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ.
وَعَلَى اسْتِمْرَارِ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ إلَى الْأَمَدِ الْمَذْكُورِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: " وَاتِّصَالٌ لِلْأَمَدِ " ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الْأَمَدَ بِقَوْلِهِ:
فَفِي الذُّكُورِ لِلْبُلُوغِ يَتَّصِلْ ... وَفِي الْإِنَاثِ بِالدُّخُولِ يَنْفَصِلْ
(ابْنُ الْحَاجِبِ) . وَتَجِبُ عَلَى الْأَبِ الْحَرِّ نَفَقَةُ وَلَدِهِ الْفَقِيرِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ لَهُ، وَنَفَقَةُ الذَّكَرِ حَتَّى يَحْتَلِمَ، عَاقِلًا غَيْرَ زَمِنٍ بِمَا يَمْنَعُ التَّكَسُّبَ، وَقِيلَ: حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَالْبِنْتُ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَبَقِيَتْ كَافِرَةً، وَلَوْ عَادَتْ بَالِغَةً أَوْ عَادَتْ الزَّمَانَةُ لِلذَّكَرِ لَمْ تَعُدْ، ثُمَّ لَهُمَا أَنْ يَذْهَبَا حَيْثُ شَاءَا إلَّا أَنْ يُخَافَ سَفَهٌ؛ فَيَمْنَعَهُمَا الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ. (التَّوْضِيحُ) وَاحْتُرِزَ بِوَصْفِ الْأَبِ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَبْدًا أَوْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ شَوَائِبِ الْحُرِّيَّةِ، فَلَا نَفَقَةَ لِوَالِدِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَا نَفَقَةَ لِلْوَلَدِ الرَّقِيقِ عَلَى أَبِيهِ، وَشَرَطَ فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَوْ يَكُونُ اكْتَسَبَ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ فَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْبِنْتِ مَا تَسْتَغْنِي بِهِ فَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا، فَإِنْ كَانَتْ الصَّنْعَةُ لَا تَكْفِي أُعْطِيت تَمَامَ الْكِفَايَةِ (اللَّخْمِيُّ) وَإِذَا كَسَدَتْ الصَّنْعَةُ عَادَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ، وَاشْتَرَطَ هُنَا الْفَقْرَ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ مُوَاسَاةٌ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهَا مُعَاوَضَةٌ. وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ " أَيْ: وَلَوْ أَسْلَمَ الْأَبُ بَعْدَ بُلُوغِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَبَقِيَتْ هِيَ كَافِرَةً فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا، وَذَكَرَهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ خُرُوجُهَا لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، وَكَذَلِكَ نَصَّ اللَّخْمِيُّ عَلَى الْوُجُوبِ فِي عَكْسِ هَذِهِ الصُّورَةِ، أَعْنِي: إذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ بُلُوغِهَا وَبَقِيَ هُوَ كَافِرًا، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا عَنْهُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ عَادَتْ بَالِغَةً " إلَخْ يَعْنِي فَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَعَادَتْ إلَى أَبِيهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ بَالِغَةً لَمْ تَعُدْ نَفَقَتُهَا عَلَى الْأَبِ. (مَالِك) فَإِنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَهِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا لَوْ عَادَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ لَوَجَبَ عَلَى الْأَبِ الْإِنْفَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ قَالَ: تَعُودُ نَفَقَتُهَا وَلَا يُسْقِطُهَا بُلُوغُهَا بَلْ حَتَّى تَتَزَوَّجَ زَوْجًا آخَرَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَعُودُ أَصْلًا. وَقِيلَ: تَعُودُ إلَى أَنْ تَبْلُغَ فَتَسْقُطَ.
قَالَ: وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ لِتَرْشِيدِهِ لِاِبْنَتِهِ. وَقَوْلُهُ: " أَوْ عَادَتْ الزَّمَانَةُ لِلذَّكَرِ " يَعْنِي إنْ بَلَغَ الِابْنُ زَمِنًا وَقُلْنَا بِاسْتِمْرَارِ نَفَقَتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ثُمَّ صَحَّ وَحَكَمْنَا بِسُقُوطِ نَفَقَتِهِ ثُمَّ زَمِنَ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا تَعُودُ إلَى الْأَبِ اهـ.
(وَفِي الْمُقَرِّبِ) قُلْت لَهُ: أَرَأَيْت الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَأَبَوَاهُ مُعْسِرَانِ أَيُنْفَقُ عَلَيْهِمَا مِنْ مَالِ هَذَا الِابْنِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ يُنْفَقُ عَلَيْهِمَا مِنْ مَالِ الْوَلَدِ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، مُتَزَوِّجَةً كَانَتْ الْأُمُّ أَوْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ اهـ. وَقَوْلُهُ:
وَالْحُكْمُ فِي الْكُسْوَةِ حُكْمُ النَّفَقَةِ
يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْكُسْوَةِ حُكْمُ النَّفَقَةِ فَحَيْثُ تَجِبُ النَّفَقَةُ تَجِبُ الْكُسْوَةُ وَحَيْثُ لَا فَلَا
стр. 250
أُجْرَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ:
وَمُؤَنُ الْعَبْدِ تَكُونُ مُطْلَقَا
أَيْ: عَلَى سَيِّدِهِ، وَمُؤْنَتُهُ: نَفَقَتُهُ وَكُسْوَتُهُ. وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى السَّبَبِ الثَّالِثِ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ وَهُوَ الْمَلِكُ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَتَجِبُ نَفَقَةُ مِلْكِ الْيَمِينِ وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْهِ (التَّوْضِيحُ) تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) إذَا تَبَيَّنَ ضَرَرُهُ بِعَبْدِهِ فِي تَجْوِيعِهِ وَتَكْلِيفِهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِيعَ عَلَيْهِ اهـ.
(وَفِي الرِّسَالَةِ) وَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبِيدِهِ وَيُكَفِّنَهُمْ إنْ مَاتُوا.
وَمُنْفِقٌ عَلَى صَغِيرٍ مُطْلَقَا ... لَهُ الرُّجُوعُ بِاَلَّذِي قَدْ أَنْفَقَا
عَلَى أَبٍ أَوْ مَالِ الِابْنِ وَأُبِيَا ... إلَّا بِعِلْمِ الْمَالِ أَوْ يُسْرِ الْأَبِ
وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ مُطْلَقًا بِمَا ... يُنْفِقُهُ وَمَا الْيَمِينَ أُلْزِمَا
وَغَيْرُ مُوصٍ يُثْبِتُ الْكَفَالَهْ ... وَمَعْ يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ مَالَهْ
следующие страницы →