Полный текст (643 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا ﵁ نَزَّلَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَنَزَّلَ مَا وَرَدَ مِنْ فَسَادِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ مَعًا عَلَى الشَّرْطِ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ الْمُؤَثِّرِ فِي الثَّمَنِ، وَنَزَّلَ مَا وَرَدَ مِنْ جَوَازِهِمَا عَلَى الشَّرْطِ الْحَلَالِ الَّذِي لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الثَّمَنِ.
وَنَزَّلَ مَا وَرَدَ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ. (ابْنُ رُشْدٍ) رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْوَارِثِ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ قَدِمْتُ مَكَّةَ فَوَجَدْت فِيهَا أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَابْنَ شُبْرُمَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَاشْتَرَطَ شَيْئًا فَقَالَ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا قَالَا «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأُعْتِقَهَا، وَإِنْ اشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» : الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا قَالَ «جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً وَشَرَطَ لِي حِلَابَهَا وَظَهْرَهَا إلَى الْمَدِينَةِ» : الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ. فَعَرَفَ مَالِكٌ ﵀ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا فَاسْتَعْمَلَهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَتَأَوَّلَهَا عَلَى وُجُوهِهَا، وَلَمْ يُمْعِنْ غَيْرُهُ النَّظَرَ، وَلَا أَحْسَنَ تَأْوِيلَ الْأَثَرِ اهـ.
وَإِلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَشَارَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ ﵀ بِقَوْلِهِ
بَيْعُ الشُّرُوطِ الْحَنَفِيُّ حَرَّمَهْ ... وَجَابِرٌ سَوَّغَ لِابْنِ شبرمة
وَفُصِّلَتْ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَمَهْ ... وَمَالِكٌ إلَى الثَّلَاثِ قَسَّمَهْ
وَمُرَادُهُ بِالتَّفْصِيلِ: جَوَازُ الْبَيْعِ.
وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ جَوَازُهُمَا، أَوْ بُطْلَانُهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالْأَمَةِ: بَرِيرَةُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَمَالِكٌ إلَى الثَّلَاثِ قَسَّمَهْ " أَنَّ مَالِكًا قَسَّمَ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ ابْنِ غَازِيٍّ " إلَى الثَّلَاثِ " لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ، الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ: قِسْمٌ يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ مَعًا وَذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّرْطُ حَلَالًا وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الثَّمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِسْمٌ يَبْطُلَانِ مَعًا وَذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّرْطُ حَرَامًا، أَوْ حَلَالًا وَأَثَّرَ فِي الثَّمَنِ.
وَقِسْمٌ يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ وَذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ، فَلَيْسَ مَوْضُوعُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَاحِدًا حَتَّى يَكُونَ خِلَافًا حَقِيقَةً، بَلْ مَوْضُوعُ كُلِّ قَوْلٍ خِلَافُ مَوْضُوعِ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَوْضُوعِ كُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَبْلَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا (فَرْعٌ) إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ حَتَّى يُعْطِيَ الثَّمَنَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ إعْطَاؤُهُ الثَّمَنَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ (قُلْت) : وَلَعَلَّ هَذِهِ فِي الْأُصُولِ فَقَطْ، أَوْ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا إذَا وَضَعَ الْمَبِيعَ عِنْدَ أَمِينٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ
وَشَرْطُ إبْقَاءِ الْمَبِيعِ فِي الثَّمَنْ
رَهْنًا الْبَيْتَيْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ هُنَا إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ كَالرَّهْنِ.
وَهُوَ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا كَانَ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ لِلنَّاظِمِ (فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ لَهُ دَارَانِ بَاعَ إحْدَاهُمَا، وَاشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَرْفَعَ عَلَى الْحَائِطِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الدَّارَيْنِ شَيْئًا مَخَافَةَ أَنْ يُظْلِمَ عَلَيْهِ دَارِهِ وَيَمْنَعَ مِنْ دُخُولِ الشَّمْسِ فِيهَا فَالْتَزَمَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ لَازِمٌ. اهـ.
وَجَمْعُ بَيْعٍ مَعَ شِرْكَةٍ وَمَعْ ... صَرْفٍ وَجُعْلٍ وَنِكَاحٍ امْتَنَعْ
وَمَعْ مُسَاقَاةٍ وَمَعْ قِرَاضِ ... وَأَشْهَبُ الْجَوَازُ عَنْهُ مَاضِ
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَنَسَبَهُ الشَّارِحُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَجْتَمِعَ الْبَيْعُ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ السِّتِّ الَّتِي أَوَّلُهَا الشَّرِكَةُ وَآخِرُهَا الْقِرَاضُ خِلَافًا لِأَشْهَبَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْقَرَافِيِّ مَنْعَ اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السِّتِّ، وَبَقِيَ عَلَى النَّاظِمِ الْقَرْضُ، أَيْ السَّلَفُ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْبَيْعِ وَكَمَا لَا يَجْتَمِعُ الْبَيْعُ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ بِزِيَادَةِ الْقَرْضِ فَكَذَلِكَ
стр. 282
لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِافْتِرَاقِ أَحْكَامِهَا هَكَذَا عِبَارَتُهُمْ، وَأَخْصَرُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ ثَمَانِيَةُ عُقُودٍ لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ قُلْت فِي ذَلِكَ تَبَعًا لِغَيْرِي فِي جُلِّ التَّعْبِيرِ مَا نَصُّهُ
عُقُودٌ مَنَعْنَا اثْنَيْنِ مِنْهَا بِعُقْدَةٍ ... لِكَوْنِ مَعَانِيهَا مَعًا تَتَفَرَّقُ
فَجُعْلٌ وَصَرْفٌ وَالْمُسَاقَاةُ شِرْكَةٌ ... نِكَاحٌ قِرَاضٌ قَرْضُ بَيْعٌ مُحَقَّقُ
وَبَاءُ " بِعُقْدَةِ " ظَرْفِيَّةٌ وَ " قَرْضُ " بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَحُذِفَ الْعَاطِفُ لِلْوَزْنِ " وَمَعًا " بِمَعْنَى جَمِيعًا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ
وَأَشْهَبُ الْجَوَازُ عَنْهُ مَاضِ
أَنَّ أَشْهَبَ يَقُولُ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ السِّتِّ، وَاَلَّذِي فِي ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ يَقُولَ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ وَلَفْظُهُ.
وَالصَّرْفُ وَالْبَيْعُ مُمْتَنِعٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَالتَّصْرِيحُ بِمَنْعِ جَمْعِ الْبَيْعِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ هُوَ مِنْ زِيَادَةِ هَذَا النَّاظِمِ عَلَى مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إلَّا مَنْعَ اجْتِمَاعِ الْإِجَارَةِ وَالْجُعْلِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ حَيْثُ قَالَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ كَمَعَ جُعْلٍ لَا بَيْعٍ، وَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ هُنَا الْإِجَارَةُ وَالْكِرَاءُ؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعُ مَنَافِعَ، فَكَمَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ السِّتِّ، كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهَا.
وَيَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْإِجَارَةِ، أَوْ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْكِرَاءِ، أَوْ الْبَيْعِ مَعَ الْجُعْلِ مَثَلًا، أَمَّا مَنْعُ اجْتِمَاعِ الْإِجَارَةِ مَعَ الْجُعْلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي نَصِّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَنَجَسٌ صَفْقَتُهُ مَحْظُورَهْ ... وَرَخَّصُوا فِي الزِّبْلِ لِلضَّرُورَةِ
تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ بَيْعُ مَا هُوَ نَجَسٌ، كَالزِّبْلِ لَكِنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي بَيْعِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ، نَقَلَ الشَّارِحُ ﵀ عَنْ الْمُقَرِّبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَكْرَهُ بَيْعَ رَجِيعِ بَنِي آدَمَ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي الزِّبْلِ شَيْئًا وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. اهـ.
(وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ) وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا زُبِلَ بِهِ، أَيْ بِرَجِيعِ بَنِي آدَمَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَرِهَهُ وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، قَالَ أَشْهَبُ: أَكْرَهُ بَيْعَ رَجِيعِ بَنِي آدَمَ إلَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ، وَالْمُبْتَاعُ أَعْذَرُ فِي شِرَائِهِ مِنْ بَائِعِهِ (قَالَ الشَّارِحُ) أَقُولُ: مَسَاقُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ يَقْتَضِي كَرَاهَتَهَا فَلِذَلِكَ عَبَّرَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي بَيْعِ الزِّبْلِ، وَتَبِعَهُمْ الشَّيْخُ اهـ.
(قُلْت) وَمِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى نَجَاسَتِهِ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجَاسَةِ كَالْمُجْتَمِعِ مِنْ الْمَرَاحِيضِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الزِّبْلِ فِي التَّرَخُّصِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ أَحْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فِي بَيْعِ مَا ظَهَرَ مِنْ فَضَلَاتِ الْبَهَائِمِ، قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ " قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بَعْرِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَأَخْثَاءِ الْبَقَرِ " وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ خُرْءِ الْحَمَامِ وَالدَّجَاجِ غَيْرِ الْمُخَلَّاةِ، وَفِي الْمُخَلَّاةِ نَظَرٌ، صَحَّ مِنْ الشَّارِحِ. وَ " الْمَحْظُورُ " بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ: الْمَمْنُوعُ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْخِيصِ فِي بَيْعِ الزِّبْلِ مِنْ زِيَادَةِ هَذَا النَّاظِمِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ.
стр. 283
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ]
ِ
الْبَيْعُ فِي الْأُصُولِ جَازَ مُطْلَقَا ... إلَّا بِشَرْطٍ فِي الْبُيُوعِ مُتَّقَى
بِأَضْرُبِ الْأَثْمَانِ وَالْآجَالِ ... مِمَّنْ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ
أَخْبَرَ ﵀ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأُصُولِ، كَالدُّورِ، وَالْحَوَائِطِ، وَالْحَوَانِيتَ، وَالْأَرَاضِي، وَغَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يَصْحَبَ بَيْعَهَا شَرْطٌ يُتَّقَى فِي الْبُيُوعِ لِكَوْنِهِ يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْمُشْتَرِي، أَوْ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ إذْ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَاسْتِثْنَاؤُهُ الشَّرْطَ الْمُتَّقَى فِي الْبَيْعِ يُغْنِي عَنْهُ مَا سَبَقَ وَلَعَلَّهُ خَافَ تَوَهُّمَ جَوَازِهِ بِالِانْدِرَاجِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ " جَازَ مُطْلَقًا " فَاسْتَثْنَاهُ لِذَلِكَ فَإِذَا خَلَا بَيْعُهَا عَنْ الشَّرْطِ الْمَمْنُوعِ فَهُوَ جَائِزٌ بِالْعَيْنِ، وَالْعَرْضِ، وَالطَّعَامِ، وَالرَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَثْمَانِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّمَنُ نَقْدًا وَإِلَى أَجَلٍ، أَيْ مَعْلُومٌ غَيْرُ بَعِيدٍ جِدًّا، وَإِلَى هَذَا التَّعْمِيمِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْإِطْلَاقِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ " مِمَّنْ لَهُ تَصَرُّفٌ " يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْعِ، أَيْ بَيْعُ الْأُصُولِ جَائِزٌ إذَا وَقَعَ وَصَدَرَ مِمَّنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ وَهُوَ الرَّشِيدُ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِاشْتِرَاطِ الرُّشْدِ فِي الْبَائِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ " مِمَّنْ لَهُ تَصَرُّفٌ " بِمَعْنَى اللَّازِمِ، أَيْ يَجُوزُ بَيْعُ الْأُصُولِ لِمَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فَيَكُونُ نَصًّا فِي اشْتِرَاطِ الرُّشْدِ فِي الْمُشْتَرِي أَيْضًا.
وَكُلٌّ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ صَحِيحٌ، إذْ الرُّشْدُ شَرْطٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ إلَّا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ لَا فِي الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّ الِانْعِقَادَ يَجُوزُ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَلَوْ مَحْجُورًا، وَلَا يَلْزَمُ إلَّا مِنْ الرَّشِيدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ الشَّرْطُ لَا يَخْتَصُّ بِبَيْعِ الْأُصُولِ، بَلْ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعَاتِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: الْبَلَدُ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ جَمِيعُ السِّكَكِ جَوَازًا وَاحِدًا لَا فَضْلَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لَيْسَ عَلَى مَنْ ابْتَاعَ فِيهِ شَيْئًا أَنْ يُبَيِّنَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ، وَيُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ سِكَّةٍ أَعْطَاهُ كَمَا أَنَّ الْبَلَدَ إذَا كَانَتْ تَجْرِي فِيهِ سِكَّةٌ وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ، وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ السِّكَّةَ الْجَارِيَةَ، وَأَمَّا الْبَلَدُ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ جَمِيعُ السِّكَكِ، وَلَا تَجُوزُ فِيهِ بِجَوَازِ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ حَتَّى يُبَيِّنَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا. اهـ.
(فَرْعٌ) سُئِلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ عَمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، وَهُوَ أَنْ يَتَسَامَحَ النَّاسُ فِي اقْتِضَاءِ الدَّرَاهِمِ النَّاقِصَةِ عَنْ الْوَازِنَةِ إلَى أَنْ تَصِيرَ الدَّرَاهِمُ كُلُّهَا نَقْصًا وَيَقَعُ التَّشَاحُّ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ فِي زَمَنِ التَّسَامُحِ، وَوُقُوعُ الْقَبْضِ فِي وَقْتٍ آخَرَ يَكُونُ أُولُو الْأَمْرِ قَدْ أَلْزَمُوا النَّاسَ التَّعَامُلَ بِالْوَزْنِ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْعُقُودَ مَحْمَلُهَا عَلَى السِّكَّةِ الْوَازِنَةِ عَلَى أَصْلِهَا، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْعُرْفُ فِي الْعُقُودِ، وَمَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْمُسَامَحَةِ، كَالتَّعَامُلِ النَّاجِزِ عِنْدَ الِاقْتِضَاءِ لَا تَعْمُرُ بِهِ الذِّمَمُ، وَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الْعُقُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ فِي النَّازِلَةِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى تَوَارِيخِ الْعُقُودِ فَمَا انْعَقَدَ مِنْهَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِي وَقْتِ اخْتِلَاطِ الدَّرَاهِمِ فِي التَّعَامُلِ وَجَوَازِ النَّاقِصِ مَعَ الْوَازِنِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْأَغْرَاضِ بِالْوَازِنَةِ دُونَ النَّاقِصَةِ فَالْحُكْمُ فِيهَا بِالْوَازِنَةِ.
وَإِنْ جَرَتْ النَّاقِصَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى التَّجَاوُزِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الطَّوْعِ، فَأَمَّا مَا يُحْكَمُ بِهِ، وَمَا يُبْدِي الْحَالِفُ عَلَى الْقَضَاءِ فَبِالْوَازِنَةِ الَّتِي ضُرِبَتْ عَلَيْهَا سِكَّةُ ذَلِكَ الْبَلَدِ، قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ السِّكَّةَ الْمَوْجُودَةَ الْبَاقِيَةَ عَلَى ضَرْبِهَا هِيَ الْأَصْلُ فِي تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهَا دُونَ مَا دَخَلَهُ الْفَسَادُ مِنْهَا، إذْ التَّسَامُحُ فِي قَبْضِهِ مَعْرُوفٌ يَصْنَعُهُ الْقَابِضُ، وَلَا يَدْخُلُ بِالْحُقُوقِ فِي بَابِ التَّسَامُحِ وَالْمَعْرُوفِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ، وَمَا انْعَقَدَ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ فِي آخِرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَقْتَ أَنْ خَلَتْ وُجُوهُ التَّعَامُلِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْوَازِنَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، فَالْوَاجِبُ فِيهِ الْآنَ الْحُكْمُ بِالدَّرَاهِمِ الْجَارِيَةِ فِي وَقْتِ التَّعَاقُدِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ حِينَئِذٍ مُتَعَلَّقُ الْأَغْرَاضِ وَمَنَاطُ الْأَحْكَامِ فَيَبْقَى الْأَمْرُ بَعْد ذَلِكَ كَمَا كَانَ قَائِمًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ إلَى مَا يَجِدُونَ وَيَعْقِدُونَ عَلَى مَا يَعْتَادُونَ، وَالْعَادَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ كَالشَّرْطِ.
وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ الْمُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّهُ عِنْد وُجُودِ الْوَازِن مُخْتَلَطًا
стр. 284
بِالنَّاقِصِ فَلَمْ يُعَيِّنْ عُرْفُ التَّعَامُلِ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ بِخِلَافِ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي خَصَّ الْوُجُودُ فِيهِ الْوَصْفَ وَعَيَّنَ الْمَقْصُودَ اهـ. بِاخْتِصَارٍ
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ قَبَضَهَا مُقَلَّبَةً، ثُمَّ أَتَى الْبَائِعُ بِدَرَاهِمَ رَدِيئَةٍ يَزْعُمُ أَنَّهَا مِنْ دَرَاهِمِ الْمُبْتَاعِ وَأَنْكَرَهَا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ سَقَطَ هَذَا الْفَصْلُ مِنْ الْعَقْدِ وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَلَهُ رَدُّ الْيَمِينِ، فَإِنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهَا مِنْ دَرَاهِمِ الْمُبْتَاعِ، وَوَجَبَ لَهُ الْبَدَلُ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمَوَّاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْبُيُوعِ، وَعَدَمِ دَفْعِ رَدِيءٍ، أَوْ نَاقِصٍ " مَنْ صَرَفَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ فَغَابَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَدَّ مِنْهَا رَدِيئًا فَأَنْكَرَهُ الصَّرَّافُ فَمَا عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ، وَمَا يَعْلَمُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَبَضَ طَعَامًا عَلَى تَصْدِيقِ الْكَيْلِ، ثُمَّ ادَّعَى نَقْصًا، أَوْ اقْتَضَى دَيْنًا، ثُمَّ أَخَذَ صُرَّةً صَدَّقَ الدَّافِعُ أَنَّ فِيهَا كَذَا، ثُمَّ وَجَدَهَا تَنْقُصُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ.
(فَرْعٌ) يَجُوزُ تَأْخِيرُ الثَّمَنِ إلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ جِدًّا (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ إلَى عِشْرِينَ سَنَةً، قَالَ نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: أَنَفْسَخُهُ؟ قَالَ لَا قَالَ، وَلَوْ كَانَ سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ لَفَسَخْتُهُ، وَقَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ إذَا وَقَعَ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً جَازَ وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ عِنْدِي، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الْبَيْعِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا إشْهَادٌ فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ كَالثَّلَاثِينَ سَنَةً وَالْأَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ الدُّيُونُ إنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ الْأَصْلِ إذَا تَطَاوَلَ زَمَانُهَا هَكَذَا، وَمَنْ هِيَ عَلَيْهِ حَاضِرٌ فَلَا يَقُومُ بِدَيْنِهِ إلَّا بَعْدَ هَذَا مِنْ الزَّمَانِ فَيَقُولُ " قَضَيْتُكَ وَبَادَ شُهُودِي " مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ وَانْظُرْ الْحَطَّابَ فِي آخِرِ بَابِ الشَّهَادَاتِ قَبْلَ قَوْلِهِ " بَابُ إنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ. . . إلَخْ "
وَجَائِزٌ أَنْ يُشْتَرَى الْهَوَاءُ ... لَأَنْ يُقَامَ مَعَهُ الْبِنَاءُ
هُنَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا شِرَاءُ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ مَثَلًا مِنْ هَوَاءٍ فَوْقَ سَقْفِ بَيْتٍ لَأَنْ يُقِيمَ مُشْتَرِيهِ فِي ذَلِكَ الْهَوَاءِ مَا أَحَبَّ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْهَوَاءُ مُقَدَّرًا بِأَذْرُعٍ مَعْلُومَةٍ، وَوَصَفَ الْبِنَاءَ الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ بِصِفَةٍ مَضْبُوطَةٍ. (الثَّانِيَةُ) شِرَاءُ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ مَثَلًا مِنْ هَوَاءٍ فَوْقَ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ إذَا وَصَفَ الْبِنَاءَ الْأَسْفَلَ وَالْأَعْلَى؛ لِأَنَّ مَتَانَةَ الْأَسْفَلِ مِمَّا يَرْغَبُ فِيهِ صَاحِبُ الْأَعْلَى، وَخِفَّةَ الْأَعْلَى مِمَّا يَرْغَبُ فِيهِ صَاحِبُ الْأَسْفَلِ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) يَجُوزُ بَيْعُ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ فَصَاعِدًا مِنْ هَوَاءِ بَيْتٍ إنْ وَصَفَ مَا يَبْنِي فَوْقَ جِدَارِهِ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ فَوْقَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ إذَا شَرَطَ بِنَاءً يَبْنِيهِ وَيَصِفُهُ لِيَبْنِيَ الْمُبْتَاعُ فَوْقَهُ. اهـ. مِنْ الْمَوَّاقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ النَّاظِمِ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ، فَإِنْ شَمِلَهُمَا فَالْأَوْلَى مِنْ زِيَادَةِ هَذَا النَّظْمِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنْ يُقَالَ تُؤْخَذُ مِنْ بَابٍ أَحْرَى مِمَّا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فَلَا زِيَادَةَ.
وَمَا عَلَى الْجُزَافِ وَالتَّكْسِيرِ ... يُبَاعُ مَفْسُوخٌ لَدَى الْجُمْهُورِ
التَّكْسِيرُ: الْكَيْلُ وَالْكَلَامُ فِي الْأُصُولِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ أَرْضٌ بَعْضُهَا بِالْكَيْلِ وَبَعْضُهَا جُزَافًا، كَأَنْ يَشْتَرِيَ أَرْضًا مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْهَا بِكَذَا وَبَاقِيَهَا بِكَذَا، أَوْ اشْتَرَى أَرْضًا عَلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَاشْتَرَى مَعَهَا شَجَرًا، أَوْ كَرْمًا، أَوْ دُورًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فُسِخَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَفُهِمَ مِنْ نِسْبَةِ الْفَسْخِ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ لَا يَفْسَخُهُ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ مِنْ الْأَشْيَاءِ مَا الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا، كَالْحُبُوبِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا وَأَنَّ مِنْهَا مَا الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا، كَالْأَرْضِ، وَالثِّيَابِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَيْلًا، وَالضَّابِطُ لِمَا يَجُوزُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجُزَافِ وَالْمَكِيلِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ
стр. 285
إذَا جَاءَ كُلٌّ مِنْ الْمَبِيعِينَ عَلَى أَصْلِهِ جَازَ كَبَيْعِ جُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِ حَبٍّ لِمَجِيءِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ خَرَجَا مَعًا عَنْ أَصْلِهِمَا، كَجُزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلِ أَرْضٍ، أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ كَجُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِ أَرْضٍ، أَوْ جُزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلِ حَبٍّ امْتَنَعَ لِمَجِيءِ مَكِيلِ الْأَرْضِ فِي الْأُولَى، وَجُزَافِ الْحَبِّ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَإِلَى هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا يَجُوزُ " وَجُزَافُ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ، أَوْ أَرْضٌ، وَجُزَافُ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلٍ لَا مَعَ حَبٍّ ".
(قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ) فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ بَعْدَ تَقْدِيرِ كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَقَدْ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ اشْتَمَلَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: ثَلَاثَةٍ مَمْنُوعَةٍ، وَوَاحِدٍ جَائِزٍ، وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ لِابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ. (تَنْبِيهٌ) مِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْمَوْزُونَ، وَالْمَزْرُوعَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَعْنَى الْكَيْلِ، وَقَدْ تَنَازَلَ لِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ جَمَاعَةَ " لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ قِرْبَةَ لَبَنٍ عَلَى أَنْ يَزِنَ زُبْدَهَا، وَإِنَّمَا يَشْتَرِي ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ. اهـ.
كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ (تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّل) قَالَ الْمَوَّاقُ: وَانْظُرْ مَسْأَلَةً تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى وَهِيَ أَنَّ الْمَرْءَ يَشْتَرِي مِنْ الْعَطَّارِ وَزْنًا مَعْلُومًا مِنْ شَيْءٍ وَيَفْضُلُ لَهُ دِرْهَمٌ فَيَقُولُ لَهُ: أَعْطِنِي بِهِ أَبْزَارًا، وَالْأَبْزَارُ بِالدِّرْهَمِ يَكُونُ جُزَافًا فَهَذَا جَائِزٌ إذَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعُقْدَةِ اهـ.
(الثَّانِي) إنْ جَعَلْنَا مَا مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ " وَمَا عَلَى الْجُزَافِ " وَاقِعَةً عَلَى كُلِّ مَبِيعٍ أَصْلًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ فَيُقَيَّدُ الْمَنْعُ بِمَا إذَا خَرَجَ الْمَبِيعَانِ مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ أَصْلِهِ، أَمَّا إنْ جَاءَ عَلَى أَصْلِهِ فَالْجَوَازُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا وَاقِعَةً عَلَى الْأُصُولِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْأُصُولِ بَعْضَهُ جُزَافًا وَبَعْضَهُ مَكِيلًا مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا لِخُرُوجِ الْمَكِيلِ عَنْ أَصْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَآبِرٌ مِنْ زَرْعٍ أَوْ مِنْ شَجَرِ ... لِبَائِعٍ إلَّا بِشَرْطِ الْمُشْتَرِي
وَلَا يَسُوغُ بِاشْتِرَاطِ بَعْضِهِ ... وَإِنْ جَرَى فَلَا غِنًى عَنْ نَقْضِهِ
وَغَيْرُ مَا أُبِرَ لِلْمُبْتَاعِ ... بِنَفْسِ عَقْدِهِ بِلَا نِزَاعِ
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُهُ لِلْبَائِعِ ... وَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ بِهِ فِي الْوَاقِعِ
وَفِي الثِّمَارِ عَقْدُهَا الْإِبَارُ ... وَالزَّرْعِ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ
كَذَا قَلِيبُ الْأَرْضِ لِلْمُبْتَاعِ ... دُونَ اشْتِرَاطِهِ فِي الِابْتِيَاعِ
стр. 286
الْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» فَمَنْ بَاعَ شَجَرًا فِيهَا ثِمَارٌ، أَوْ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى الثِّمَارِ وَلَا عَلَى الزَّرْعِ فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَأْبُورًا فَهُوَ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ كُلَّهُ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي اشْتِرَاطُ بَعْضِ مَا أُبِرَ وَتَرْكِ مَا سِوَاهُ وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يُنْقَضَ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ نِصْفَ الزَّرْعِ، أَوْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ إذَا كَانَ الْجَمِيعُ لِلْبَائِعٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَسَدَتْ الصَّفْقَةُ، وَفُسِخَ الْبَيْعُ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي اشْتِرَاطِ بَعْضِهِ قَاصِدٌ لِابْتِيَاعِ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ. اهـ.
وَمَا لَمْ يُؤْبَرْ مِنْهَا فَإِنَّهُ لِلْمُبْتَاعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ حَسْبَمَا أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّهَا تَكُونُ لِلْبَائِعِ إذَا أُبِرَتْ» ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ إذَا لَمْ تُؤْبَرْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ وَقَعَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ جَنِينَ الْأَمَةِ الْحَامِلِ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَغَيْرُ مَا أُبِرَ لِلْمُبْتَاعِ
الْبَيْتَيْنِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَالثَّمَرَةُ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ دَاخِلَةٌ فِي مِلْكِ الْمُبْتَاعِ بِوُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى الْأَصْلِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِثْنَاءِ الْبَائِعِ لَهَا قَبْلَ الْإِبَارِ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ.
(قَالَ الشَّارِحُ) وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مُشْتَرًى، وَهُوَ أَشْكَلُهُمَا لَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ كَوْنِهِ مُبْقًى وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ " قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِرَ بَعْضُهَا، وَلَمْ يُؤَبَّرْ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ وَيَجْعَلُ الْقَلِيلَ تَابِعًا لَهُ، إنْ كَانَ أَكْثَرَهَا فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَمْ يُؤْبَرْ أَكْثَرَهَا فَالثَّمَرُ لِلْمُبْتَاعِ.
(قَالَ مَالِكٌ) : كُلُّ ثَمَرَةٍ لَمْ تُؤْبَرْ فَهِيَ كَذَلِكَ، وَحَدُّ الْإِبَارِ فِي الثِّمَارِ: عَقْدُهَا، وَفِي الزَّرْعِ: إدْرَاكُ الْأَبْصَارِ إيَّاهُ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَفِي الثِّمَارِ عَقْدُهَا الْإِبَارُ
الْبَيْتُ (الْمُتَيْطِيُّ) شَرْحُ
الْإِبَارِ هُوَ فِي النَّخْلِ: تَذْكِيرُهُ بَعْدَ تَلْقِيحِهِ، وَفِي سَائِرِ الشَّجَرِ الْعَقْدُ، وَثُبُوتُ مَا يَثْبُتُ مِنْهُ بَعْدَ سُقُوطِ مَا يَسْقُطُ، وَنَبَاتُ الزَّرْعِ هُوَ كَإِبَارِ النَّخْلِ فِي الْحُكْمِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَبِهِ الْقَضَاءُ. (وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُفِيدِهِ) : وَإِبَارُ الزَّرْعِ هُوَ: خُرُوجُهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِبَارِ النَّخْلِ: التَّذْكِيرُ، وَإِبَارِ الْعِنَبِ وَالثَّمَرِ: الْعَقْدُ
قَوْلُهُ
كَذَا قَلِيبُ الْأَرْضِ لِلْمُبْتَاعِ
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الثِّمَارَ غَيْرَ الْمَأْبُورَةِ يَتَنَاوَلُهَا عَقْدُ الْبَيْعِ اسْتَطْرَدَ قَلِيبَ الْأَرْضِ وَذَكَرَ أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَتَنَاوَلُهُ أَيْضًا. (قَالَ الشَّارِحُ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) " وَإِنْ كَانَ فِي الْمَبِيعِ أَرْضٌ مَقْلُوبَةٌ فَالْقَلِيبُ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ " قَالَهُ حُدَيْسٌ وَغَيْرُهُ وَبِهِ الْفَتْوَى صَحَّ مِنْ وَثَائِقِ ابْنِ مُغِيثٍ (قَالَ الشَّارِحُ) أَلَمَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ بِمَا يَتَنَاوَلُهُ مُسَمَّى الشَّيْءِ الْمَبِيعِ، وَمَا يَنْدَرِجُ فِي مُسَمَّاهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُنْدَرِجًا فِي الْمَبِيعِ انْدِرَاجًا حِسِّيًّا، أَوْ مَعْنَوِيًّا بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ انْفِصَالُهُ مِنْهُ، أَوْ يَبْعُدُ كَالزَّرْعِ غَيْرِ الْمَأْبُورِ مَعَ الْأَرْضِ وَقَلِيبِهَا، وَكَالشَّجَرِ مَعًا وَالثِّمَارِ غَيْرِ الْمَأْبُورَةِ مَعَ الشَّجَرِ.
ثُمَّ قَالَ فَهَذَا الْقِسْمُ مِمَّا يَدْخُلُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ الْقَلِيبُ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَالْمَسَائِلُ الَّتِي يُنْظَرُ فِيهَا هَلْ يَتَنَاوَلُهَا عَقْدُ الْبَيْعِ، أَوْ لَا؟ هِيَ مَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُ وَانْفِصَالُهُ عَنْ الْبَيْعِ؛ إمَّا فِي الْحَالِ، كَالسَّلَمِ الْمُسَمَّى، أَوْ فِي الْمَآلِ كَالزَّرْعِ، وَالثِّمَارِ غَيْرِ الْمَأْبُورَيْنِ فَإِنَّهُمَا بَعْدَ الْإِبَارِ يُرِيدُ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَا لَهُ، وَأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا مَعًا، وَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي أَخْذَهُمَا لِنَفْسِهِ لِدُخُولِهِمَا فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ مَا يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ وَمَا لَا.
أَمَّا قَلِيبُ الْأَرْضِ إنْ عَنَوْا بِهِ حَرْثَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهُ حَالًا وَمَآلًا، حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْبَيْعُ فَبَقِيَ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ بَنَى فِي دَارِهِ، أَوْ صَلَّحَ فِيهَا، ثُمَّ بَاعَهَا أَيُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْبَيْعُ عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ يُمْكِنُ قَلْعُهُ وَأَخْذُ أَنْقَاضِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْقَلِيبُ؟ هَذَا مِمَّا أَشْكَلَ عَلَيَّ وَلَمْ أَفْهَمْ عَدَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا عَقْدُ الْبَيْعِ، وَأَنْ لَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِالْقَلِيبِ الْبِئْرَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا بِئْرٌ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا عَقْدُ الْبَيْعِ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي، وَأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَتَنَاوَلُهَا كَتَنَاوُلِ الْأَرْضِ لِلْأَشْجَارِ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَرُبَّمَا رَشَّحَهُ التَّعْبِيرُ بِالْقَلِيبِ دُونَ الْقَلْبِ
стр. 287
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) جَمِيعُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَبْيَاتُ السِّتُّ هُوَ مِنْ زِيَادَةِ هَذَا النَّظْمِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ مَا عَدَا كَوْنِ الثِّمَارِ الْمَأْبُورَةِ لِلْبَائِعِ، وَغَيْرِ الْمَأْبُورَةِ لِلْمُشْتَرِي
وَالْمَاءُ إنْ كَانَ يَزِيدُ وَيَقِلْ ... فَبَيْعُهُ لِجَهْلِهِ لَيْسَ يَحِلْ
(قَالَ الشَّارِحُ) إنْ كَانَ الْمَاءُ يَزِيدُ أَحْيَانًا وَيَنْقُصُ أَحْيَانًا بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُهُ الضَّبْطُ فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ لِلْجَهْلِ بِهِ (فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الشِّرْبُ يَقِلُّ مَاؤُهُ مَرَّةً وَيَكْثُرُ أُخْرَى وَلَا يُوقَفُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ غَرَرٌ، وَلَا يَجُوزُ. قَالَ وَأَخْذُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى إطْلَاقِهِ مِمَّا يُشْكِلُ مَعَهُ بَيْعُ شُرُوبِ مَوَاضِعَ سَمَّاهَا قَالَ؛ لِأَنَّهَا تَقِلُّ فِي السِّنِينَ الْجَدْبَةِ، وَتَكْثُرُ فِي السِّنِينَ الْمَطِرَةِ، وَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا لِارْتِبَاطِهَا بِمَا أَجْرَى اللَّهُ مِنْ الْعَادَةِ فِيهَا، فَالْمُتَعَاقِدَانِ يَعْلَمَانِ ذَلِكَ وَيَدْخُلَانِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْغَرَرِ الْمُغْتَفَرِ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ، وَقَدْ لَا تَكُونُ لَهَا غَلَّةٌ فِي بَعْضِ السِّنِينَ وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْبَيْتِ وَمَا اُسْتُظْهِرَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْلِ عَلَى مَا جَهِلَ الْمُتَعَاقِدَانِ مُعَاقَلَتَهُ وَكَثْرَتَهُ، وَتَكُونُ مِنْ التَّلَوُّنِ بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُهَا الضَّبْطُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمَاءِ لِمَنْ يَمْلِكُهُ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، بَلْ يَسْقِي بِهِ، فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ تَرَكَهُ لِغَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ " وَجَهْلٌ بِمَثْمُونٍ "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَرْطُ إبْقَاءِ الْمَبِيعِ فِي الثَّمَنْ ... رَهْنًا سِوَى الْأُصُولِ بِالْمَنْعِ اقْتَرَنْ
وَقِيلَ بِالْجَوَازِ مَهْمَا اتَّفَقَا ... فِي وَضْعِهِ عِنْدَ أَمِينٍ مُطْلَقَا
يَعْنِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَبْقَى الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ رَهْنًا فِي الثَّمَنِ إلَّا فِي الْأُصُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيهَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَقِيلَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، وَأَمَّا إنْ وَضَعَاهُ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مُطْلَقًا، أَيْ فِي الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ الْبَيْتَيْنِ أَنَّ اشْتِرَاطَ بَقَاءِ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِ بَائِعِهِ رَهْنًا فِي الثَّمَنِ، إنْ كَانَ فِي الْأُصُولِ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا فَقَوْلَانِ: الْمَنْعُ وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ الْأَمِينِ، وَالْجَوَازُ عِنْدَ أَمِينٍ، وَظَاهِرُ النُّقُولِ الْآتِيَةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ مَحَلُّهُ إذَا بَقِيَ الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ بَائِعِهِ، وَأَمَّا إنْ وَضَعَاهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَلَيْسَ إلَّا الْجَوَازُ، فَلَيْسَ إذَنْ إلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ بِالتَّفْصِيلِ: الْجَوَازُ إنْ وُضِعَ بِيَدِ أَمِينٍ، وَالْمَنْعُ إنْ وُضِعَ عِنْدَ الْبَائِعِ (قَالَ ابْنُ حَارِثٍ) فِي أُصُولِ الْفُتْيَا وَإِذَا اشْتَرَيْتَ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ حَبْسَهُ إلَى أَجَلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَى عَلَى أَلَّا يُقْبَضَ إلَّا إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، مِثْلُ الدَّارِ وَالْأَرْضِ يَشْتَرِطُ الْبَائِعُ سُكْنَاهَا إلَى أَجَلٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ.
وَإِنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ جَازَ ذَلِكَ وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ تَبْقَى الدَّابَّةُ بِيَدِهِ رَهْنًا فِي الثَّمَنِ إلَى أَجَلِهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَالْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ مَفْسُوخٌ، وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَيَوَانِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُرُوضِ.
(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ عَلَى أَنْ تُقْبَضَ إلَى أَجَلٍ، فَإِنْ وُضِعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهَا عِنْدَ بَائِعِهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا اهـ. عَنْ نَقْلِ الشَّارِحِ، وَانْظُرْ
стр. 288
مَا ذُكِرَ هُنَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ مِنْ جَوَازِ مِثْلِ هَذَا
وَجَائِزٌ فِي الدَّارِ أَنْ يُسْتَثْنَى ... سُكْنَى بِهَا كَسَنَةٍ أَوْ أَدْنَى
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِبَائِعِ الدَّارِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ سُكْنَاهَا سَنَةً فَمَا دُونَهَا (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قَالَ: مَالِكٌ وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا عَلَى أَنَّ لِلْبَائِعِ سُكْنَاهَا الْأَشْهُرَ وَالسَّنَةَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكُرِهَ مَا تَبَاعَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ الْعَامِ لِمَا يُخَافُ مِنْ تَغَيُّرِهَا فَيَدْخُلُ الْغَرَرُ عَلَى الْمُبْتَاعِ إذْ لَا يَدْرِي حَالَهَا عِنْدَ رُجُوعِهَا إلَيْهِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ اهـ. وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ عَاطِفًا عَلَى الْحَائِزَاتِ وَبَيْعِ دَارٍ لِتُقْبَضَ بَعْدَ عَامٍ، وَفِي الْمَوَّاقِ وَفِي تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ بِسَنَةٍ، أَوْ لَا سِتَّةُ أَقْوَالٍ. (فَرْعٌ) يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ السَّنَةِ فَمَا دُون، وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ، أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مُعَيَّنٌ لَا تَحْمِلُهُ الذِّمَّةُ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعْمِيرُ الذِّمَّتَيْنِ
وَمُشْتَرِي الْأَصْلِ شِرَاؤُهُ الثَّمَرَ ... قَبْلَ الصَّلَاحِ جَائِزٌ فِيمَا اشْتَهَرَ
وَالزَّرْعُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الشَّجَرِ ... وَلَا رُجُوعَ إنْ تُصَبْ لِلْمُشْتَرِي
تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
وَآبِرٌ مِنْ زَرْعٍ أَوْ مِنْ شَجَرِ
لِبَائِعٍ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَشْجَارًا فِيهَا ثِمَارٌ مَأْبُورَةٌ، أَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ قَدْ نَبَتَ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ وَالزَّرْعَ لِلْبَائِعِ، وَذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِمُشْتَرِي الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ أَنْ يَشْتَرِيَ تِلْكَ الثِّمَارَ، وَذَلِكَ الزَّرْعَ وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُمَا، سَوَاءٌ اشْتَرَى الشَّجَرَ أَوْ الثَّمَرَ، أَوْ الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي صَفْقَتَيْنِ الْأَشْجَارَ، ثُمَّ الثِّمَارَ وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ ظَاهِرُ قَصْدِ النَّاظِمِ، وَالْأُولَى أَوْلَى بِالْجَوَازِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ فِي صَفْقَةٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ الزَّرْعَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) ، وَحُكْمُ شِرَاءِ الزَّرْعِ بَعْدَ الْأَرْضِ حُكْمُ شِرَاءِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْأَصْلِ تَدْخُلُ فِيهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ اهـ. مِنْ الشَّارِحِ وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالْجَوَازُ إذَا كَانَ الشِّرَاءُ بِحَدَثَانِ الْعَقْدِ (وَفِي التَّوْضِيحِ) ، وَحَدُّ الْقُرْبِ فِي ذَلِكَ عِشْرُونَ يَوْمًا ا. هـ. وَاقْتَصَرَ النَّاظِمُ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا بَعُدَ الشِّرَاءُ مِنْ الْعَقْدِ أَوْ قَرُبَ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: فِيمَا اشْتَهَرَ أَنَّ ثَمَّ مُقَابِلًا لِلْمَشْهُورِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَلَا رُجُوعَ إنْ تُصَبْ لِلْمُشْتَرِي
لِقَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ فَإِنْ أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ، أَوْ الْمُلْحَقَةِ بِذَلِكَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا قِيَامَ لِلْمُبْتَاعِ بِهَا كَانَتْ الْجَائِحَةُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِهَا، أَوْ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِهَا اهـ. وَتُصَبْ مَعْنَاهُ تُجَاحُ وَلِلْمُشْتَرِي: خَبَرُ لَا وَنَائِبُ تُصَبْ يَعُودُ عَلَى الثَّمَرَةِ، وَفِي مَعْنَاهَا الزَّرْعُ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ
وَبَيْعُ مِلْكٍ غَابَ جَازَ بِالصِّفَهْ ... أَوْ رُؤْيَةٍ تَقَدَّمَتْ أَوْ مَعْرِفَهْ
وَجَازَ شَرْطُ النَّقْدِ فِي الْمَشْهُورِ ... وَمُشْتَرٍ يَضْمَنُ لِلْجُمْهُورِ
стр. 289
الْمُلْكُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا الشَّيْءُ الْمَمْلُوكُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ بِالضَّمِّ إلَّا فِي مَوَاضِعِ الْكَثْرَةِ وَسَعَةِ السُّلْطَانِ، يُقَال: لِفُلَانٍ مُلْكٌ عَظِيمٌ، أَيْ مَمْلُوكٌ كَثِيرٌ قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي الْمُعَرَّبِ، وَيُقْرَأُ فِي الْبَيْتِ بِالْكَسْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلُ كَالدَّارِ وَغَيْرِهَا.
وَغَيْبَةُ الْمَبِيعِ، إمَّا أَنْ تَكُونَ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ حَاضِرٌ بِالْبَلَدِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ، وَهَذَا إمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً، أَوْ قَرِيبَةً، أَوْ مُتَوَسِّطَةً فَغَائِبُ الْمَجْلِسِ حَاضِرُ الْبَلَدِ فِيهِ قَوْلَانِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ: جَوَازُ بَيْعِهِ عَلَى الصِّفَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهَا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَدَمُ جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الْمُعَايَنَةِ إلَى خَبَرٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَقَصَرَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ فَقَالَ: إنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَدْعُو إلَى مُبَادَرَةِ الْعَقْدِ خَوْفَ أَنْ يَبْدُوَ لَلْآخَرِ شَيْءٌ وَالْغَائِبُ الْبَعِيدُ جِدًّا، كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ خُرَاسَانَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْقَرِيبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَاَلَّذِي عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ خِلَافًا لِرِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُتَوَسِّطِ اتِّفَاقًا اهـ. مِنْ شَرْحِ الْقَلْشَانِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ وَمَعْنَى الْبَيْتَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَصْلِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، أَوْ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، أَوْ مَعْرِفَةٍ، وَيَجُوزُ فِيهِ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ النَّاظِمِ غَابَ شَامِلٌ لِلْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَلِلْغَائِبِ بِغَيْرِ الْبَلَدِ غَيْبَةً قَرِيبَةً، أَوْ مُتَوَسِّطَةً، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِالصِّفَهْ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ إذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ الْحَاضِرَةِ، وَيُوصَفُ بِمَا تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّلَمِ الْمَقِيسِ هَذَا عَلَيْهِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصِفَهُ بَائِعُهُ، أَوْ غَيْرُهُ (الْمَوَّاقُ) عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْعَطَّارِ قِيلَ: إنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ بِصِفَةِ الْبَائِعِ غَيْرُ صَحِيحٍ إنَّمَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ بِصِفَةِ الْبَائِعِ رَبْعًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ اهـ.
وَإِنَّمَا يُفْتَقَرُ لِلصِّفَةِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَتِّ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ دُونَ تَقَدُّمِ رُؤْيَةٍ، وَلَا ذِكْرِ صِفَةٍ إذَا كَانَ عَلَى خِيَارِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ إنْ كَانَ عَلَى الْبَتِّ وَاللُّزُومِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْوَصْفِ، أَوْ تَقَدُّمِ مَعْرِفَةٍ، أَوْ رُؤْيَةٍ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَكَلَّمَ النَّاظِمُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِيَارِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ وَصْفٌ وَلَا رُؤْيَةٌ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ اُنْظُرْ الْقَلْشَانِيَّ، وَقَدْ أَصْلَحَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ. . . إلَخْ بِقَوْلِهِ: وَغَائِبٌ عَلَى خِيَارِ رُؤْيَةٍ، وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ وَرُؤْيَةٍ كَعَلَى اللُّزُومِ بِرُؤْيَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا غَالِبًا، أَوْ وَصْفٍ، وَلَوْ مِنْ بَائِعِهِ، وَلَمْ يَبْعُدْ كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ وَلَمْ تُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَلَوْ عَلَى يَوْمٍ، وَعَطْفُ الْمَعْرِفَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ فِي الْبَيْتِ مِنْ عَطْفِ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ.
وَكَأَنَّهُ عَنَى بِالرُّؤْيَةِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ مَثَلًا وَبِالْمَعْرِفَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا جَازَ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ الْغَائِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَالنَّقْدُ
стр. 290
فِي الْغَائِبِ بِغَيْرِ شَرْطٍ جَائِزٌ، فَإِنْ شُرِطَ فِي الْعَقَارِ وَشِبْهِهِ جَازَ، وَإِنْ بَعُدَ خِلَافًا لِأَشْهَبَ (التَّوْضِيحُ) ، وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ أَشَهَبَ مَنْعَ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ مَعَ الْبُعْدِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ إذَا لَمْ يَشْتَرِهَا عَلَى صِفَةِ صَاحِبِهَا، كَذَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا بِيعَ الْعَقَارُ جُزَافًا، وَأَمَّا إذَا بِيعَ مُذَارَعَةً، فَلَا يَصِحُّ النَّقْدُ فِيهِ، وَضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ اهـ. فَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ فِي اشْتِرَاطِ النَّقْدِ هُوَ لِأَشْهَبَ فِي الْبَعِيدِ، وَأَمَّا كَوْنُ ضَمَانِ الْعَقَارِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الَّذِي حَكَاهُ النَّاسُ أَنَّ مَالِكًا إنَّمَا قَالَ: أَوَّلًا الضَّمَانُ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْعَكْسِ أَنَّهُ مِنْ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ هَلْ الْقَوْلَانِ فِي الرِّبَاعِ، أَوْ الرِّبَاعُ مِنْ الْمُشْتَرِي اتِّفَاقًا طَرِيقَانِ اهـ. (وَفِي الْمَوَّاقِ) عَنْ الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّبْعِ وَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْعَقَارِ أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَإِنَّ بَعُدَتْ اهـ.
وَالْأَجْنَبِيُّ جَائِزٌ مِنْهُ الشِّرَا ... مُلْتَزِمَ الْعُهْدَةِ فِيمَا يُشْتَرَى
مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا، أَوْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي بَاعَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْبَائِعُ هُوَ الْمَالِكُ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ، وَلَا إشْكَالَ، أَوْ كَانَ نَائِبًا وَوَكِيلًا عَنْ مَالِكِهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْوَكِيلِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ أَنَّ مُتَوَلِّيَ الْبَيْعِ نَائِبٌ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ.
وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْمَالِكِ وَرَدِّهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا رَضِيتُ أَنْ تَكُونَ عُهْدَتِي عَلَيْك يَا مُتَوَلِّيَ الْبَيْعِ لِمُلَائِكَ وَلَا أَرْضَى أَنْ تَكُونَ عَلَى الْمَنُوبِ عَنْهُ لِعُسْرِهِ وَقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ وَمَحَلُّ هَذَا التَّخْيِيرِ إذَا لَمْ يَرْضَ هَذَا الْوَكِيلُ بِكَوْنِ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ الْتَزَمَ كَوْنَهَا عَلَيْهِ فَلَا حُجَّةَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ، وَهَذَا مَقْصُودُ النَّاظِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ فِي الْبَيْتِ وَكِيلُ الْمَالِكِ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ النَّائِبُ هُوَ عَنْهُ فَهُوَ بَائِعٌ وَسَمَّاهُ أَجْنَبِيًّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَالِكٍ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّيْءَ مِنْ النَّائِبِ عَنْ مَالِكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَعَنْهُ عَبَّرَ بِالْأَجْنَبِيِّ، يَعْنِي وَتَكُونُ عُهْدَةُ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقُ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْنَبِيِّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِكَوْنِهِ وَكِيلًا وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ الْمَالِكُ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ وَلَا إشْكَالَ وَفِي إمْضَائِهِ وَتَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمَالِكِ لَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ.
وَمَحَلُّ هَذَا التَّخْيِيرِ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَكِيلُ الْعُهْدَةَ فَإِنْ الْتَزَمَهَا فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ وَلَا كَلَامَ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا مُرَادُ النَّاظِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " فَالْأَجْنَبِيُّ " فِي الْبَيْتِ مُبْتَدَأٌ " وَجَائِزٌ " خَبَرُهُ وَلَوْ قَالَ لَازِمٌ لَكَانَ أَبَيْنَ " وَالشِّرَا " فَاعِلٌ لِجَائِزٍ وَمِنْهُ يَتَعَلَّقُ بِالشِّرَاءِ وَضَمِيرُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ " وَمُلْتَزِمَ " حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِمِنْ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) آخِرَ الْكَلَامِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِذَا صَرَّحَ الْوَكِيلُ، أَوْ عَلِمَ فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُوَكِّلِ مَا نَصُّهُ. فَرْعٌ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ الْمَبِيعَ لِغَيْرِ الْمُتَوَلِّي فَخَيَّرَهُ مَالِكٌ، فِي الرَّدِّ، أَوْ التَّمَاسُكِ عَلَى أَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَى الْآمِرِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الرَّسُولُ أَنْ يَكْتُبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا حُجَّةَ لِلْمُشْتَرِي (ابْنُ الْمَوَّازِ) ، وَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ اهـ.
وَإِنَّمَا قَيَّدَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْمَسْأَلَةَ بِثُبُوتِ كَوْنِ الْمَبِيعِ لِغَيْرِ الْبَائِعِ؛ لِكَوْنِهِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، يُتَّهَمُ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَالِكَ لِلْمَبِيعِ لَكِنْ حَصَلَ لَهُ نَدَمٌ، فَادَّعَى أَنَّ الشَّيْءَ لِغَيْرِهِ لَعَلَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرْضَى، وَيَفْسَخُ الْبَيْعَ وَوَجَدَ الشَّارِحُ فِي مَعْنَى الْبَيْتِ وَجْهَيْنِ بِسَبَبِ احْتِمَالِ لَفْظِ الشِّرَاءِ لِمَعْنَاهُ الْمُتَبَادِرِ عُرْفًا، وَلِكَوْنِهِ بِمَعْنَى بَاعَ عَلَى حَدِّ ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] ، أَيْ بَاعُوهُ وَالْأَجْنَبِيُّ مُشْتَرٍ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدَهُ لَا بَائِعٌ، كَمَا قَرَّرْنَا، وَالْمَعْنَى عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ فِي الشِّرَاءِ، وَيَلْتَزِمَ لَهُ عُهْدَةَ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّهُ إنْ حَصَلَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ، وَلَمْ يَدْعَمْ ذَلِكَ بِنَقْلٍ فَتَطْلُبَ نَصَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ مِنْ الثِّيَابِ وَسَائِرِ السِّلَعِ]
ِ
بَيْعُ الْعُرُوضِ بِالْعُرُوضِ إنْ قُصِدْ ... تَعَاوُضٌ وَحُكْمُهُ بَعْدُ يَرِدْ
الْعَرْضُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ مَا عَدَا الْعَيْنِ وَالطَّعَامِ مِنْ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَأَخْبَرَ النَّاظِمُ فِي الْبَيْتِ
стр. 291
أَنَّ بَيْعَ الْعُرُوضِ بِالْعُرُوضِ وَيُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ مُعَاوَضَةً، وَفِي حُكْمِهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي الْأَبْيَاتِ بَعْدَ هَذَا تَلِيه، فَبَيْعُ الْعُرُوضِ: مُبْتَدَأٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ، وَبِالْعُرُوضِ: يَتَعَلَّقُ بِبَيْعٍ، وَنَائِبُ " قُصِدَ " يَعُودُ عَلَى بَيْعٍ، وَتَعَاوُضٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ هُوَ تَعَاوُضٌ، وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ إنْ قُصِدَ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ خَبَرُ بَيْعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ بَابِ الْقِسْمَةِ بَعْضُ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ
فَإِنْ يَكُنْ مَبِيعُهَا يَدًا بِيَدْ ... فَإِنَّ ذَاكَ جَائِزٌ كَيْفَ انْعَقَدْ
وَإِنْ يَكُنْ مُؤَجَّلًا وَتَخْتَلِفْ ... أَجْنَاسُهُ فَمَا تَفَاضَلَ أُلِفْ
وَالْجِنْسُ مِنْ ذَاكَ بِجِنْسٍ لِأَمَدْ ... مُمْتَنِعٌ فِيهِ تَفَاضُلٌ فَقَدْ
إلَّا إذَا تَخْتَلِفُ الْمَنَافِعُ ... وَمَا لِبَيْعٍ قَبْلَ قَبْضٍ مَانِعُ
وَبَيْعُ كُلٍّ جَائِزٌ بِالْمَالِ ... عَلَى الْحُلُولِ أَوَّلَ الْآجَالِ
أَشَارَ بِالْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَشَطْرِ الرَّابِعِ أَنَّ بَيْعَ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ.
لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُبَاعَ الْعَرْضَانِ يَدًا بِيَدٍ، أَوْ يَتَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يُبَاعَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ مُتَمَاثِلًا، أَوْ مُتَفَاضِلًا، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ إمَّا أَنْ يُبَاعَ بِجِنْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَمَعْنَى التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ أَنْ يُبَاعَ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ مَثَلًا كَثَوْبَيْنِ بِفَرَسٍ، فَأَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ إلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهَا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا بِيعَ الْعَرْضُ بِالْعَرْضِ يَدًا بِيَدٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ بِيعَ الْجِنْسُ بِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا، أَوْ مُتَفَاضِلًا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، أَوْ بِيعَ الْجِنْسُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا، أَيْ وَاحِدًا بِوَاحِدٍ، أَوْ مُتَفَاضِلًا، أَيْ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ مَثَلًا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ أُخْرَيَانِ، وَإِلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " كَيْفَ انْعَقَدْ " وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَإِنْ يَكُنْ مُؤَجَّلًا " الْبَيْت إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: " يَدًا بِيَدْ "، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا تَأَخَّرَ أَحَدُ الْعَرْضَيْنِ، وَاخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، فَلَا يُمْنَعُ التَّفَاضُلُ.
وَأَحْرَى فِي الْجَوَازِ صُورَةُ التَّمَاثُلِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا مِنْ اخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ إذْ لَا مُوجِبَ لِلْمَنْعِ فِي ذَلِكَ، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: " يَدًا بِيَدْ " وَإِلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: " وَتَخْتَلِفُ أَجْنَاسُهُ " بِقَوْلِهِ:
وَالْجِنْسُ مِنْ ذَاكَ بِجِنْسٍ لِأَمَدْ
الْبَيْتَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَرْضَ إذَا بِيعَ بِعَرْضٍ وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَتَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يُمْنَعُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَقَطْ دُونَ التَّمَاثُلِ فَلَا يُمْنَعُ، وَهَاتَانِ صُورَتَانِ أَيْضًا وَبِهِمَا كَمُلَتْ الثَّمَانِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي التَّفَاضُلِ أَنَّهُ إذَا عُجِّلَ الْأَقَلُّ كَانَ سَلَفًا جَرَّ نَفْعًا؛ لِأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِلْعَرْضِ الْقَلِيلِ مُسَلِّفٌ يَأْخُذُ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ عَجَّلَ الْأَكْثَرَ كَانَ ضَمَانًا بِجُعْلٍ؛ لِأَنَّ مَنْ دَفَعَ كَثِيرًا ثُمَّ يَأْخُذُ أَقَلَّ تَرَكَ بَعْضَ مَا دَفَعَ فِي مُقَابَلَةِ بَقَاءِ ذَلِكَ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيه إلَى أَجَلٍ.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ فِي التَّمَاثُلِ أَنَّهُ سَلَفٌ مَحْضٌ وَلَمْ يَجُرَّ نَفْعًا لِمُسَلِّفِهِ لِكَوْنِهِ أَخَذَ مِثْلَ مَا أَعْطَى قَدْرًا وَجِنْسًا، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَا اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهُ فَقَالَ:
إلَّا إذَا تَخْتَلِفُ الْمَنَافِعُ
أَيْ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ يُصَيِّرُ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ كَالْجِنْسَيْنِ.
وَالْجِنْسَانِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ مُؤَجَّلًا وَتَخْتَلِفْ
أَجْنَاسُهُ الْبَيْتَ وَقَدْ مَثَّلُوا لِمَا اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهُ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي بَابِ السَّلَمِ بِالْحِمَارِ الْفَأْرَةِ أَيْ السَّرِيعِ السَّيْرِ يُدْفَعُ فِي اثْنَيْنِ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَبِالْفَرَسِ الْجَوَادِ أَيْ السَّابِقِ يُدْفَعُ فِي اثْنَيْنِ مِنْ حَوَاشِي الْخَيْلِ، وَكَذَلِكَ كَبِيرٌ فِي صَغِيرٍ وَصَغِيرٌ فِي كَبِيرٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (التَّوْضِيحُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْجِنْسَ فَيَصْدُقُ عَلَى كَبِيرٍ فِي صَغِيرٍ وَعَكْسِهِ، وَعَلَى كَبِيرَيْنِ فِي صَغِيرَيْنِ وَعَكْسِهِ، وَعَلَى كَبِيرٍ فِي صَغِيرَيْنِ وَعَكْسِهِ وَعَلَى صَغِيرٍ فِي كَبِيرَيْنِ وَعَكْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْوَاحِدَ وَيَكُونَ التَّعَدُّدُ مَأْخُوذًا مِنْهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَجَازَ مَعَ الْوَاحِدَةِ أَجَازَ مَعَ التَّعَدُّدِ وَالْأَصَحُّ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ اهـ. وَقَالَ قَبْلَ هَذَا وَضَابِطُ هَذَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنْفَعَةِ يُصَيِّرُ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ جِنْسَيْنِ اهـ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَا لِبَيْعٍ قَبْلَ قَبْضٍ مَانِعُ
إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْعُرُوضِ كُلِّهَا بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا وَلَيْسَتْ كَالطَّعَامِ الَّذِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَبَيْعُ كُلٍّ جَائِزٌ بِالْمَالِ
стр. 292
الْبَيْتَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْعُرُوضِ كُلِّهَا بِالْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَذَلِكَ الَّذِي يَعْنِي بِالْمَالِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعَيْنُ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا، إذْ لَا مَحْذُورَ فِي بَيْعِ الْعَرْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا فِي بَيْعِهِ بِالْعَيْنِ حَالًّا، أَوْ إلَى أَجَلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ يُقَلِّبْ مَا يُفِيتُ شَكْلَهُ ... لَمْ يَضْمَنْ إلَّا حَيْثُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَخَذَ آنِيَةَ فَخَارٍ، أَوْ زُجَاجًا لِيُقَلِّبَهَا وَيَتَأَمَّلَهَا فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا عَمْدٍ فَانْكَسَرَتْ فَإِنَّهُ إنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُهَا فِي التَّقْلِيبِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا ضَمِنَهَا، فَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ يَدِهِ عَلَى آنِيَةٍ أُخْرَى فَانْكَسَرَتْ السُّفْلَى أَيْضًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لَا مَحَالَةَ أَذِنَ لَهُ فِي تَقْلِيبِ الْأُولَى أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، فَقَوْلُهُ: " يُفِيتُ " هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ مُضَارِعُ أَفَاتَ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ التَّقْلِيبِ " وَشَكْلَهُ " مَفْعُولُهُ وَمَعْنَى إفَاتَتِهِ: اسْتِهْلَاكُهُ وَإِعْدَامُهُ، فَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ.
وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ يَأْتِي إلَى الزَّجَّاجِ، أَوْ الْقَلَّالِ، أَوْ الْعَطَّارِ يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ قَارُورَةً، أَوْ قُلَّةً، أَوْ قَدَحًا لِيَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ فَيَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ فَيَنْكَسِرُ وَيَنْكَسِرُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الزُّجَاجِ، أَوْ الْقِلَالِ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا نَاوَلَهُ، وَيَضْمَنُ مَا انْكَسَرَ تَحْتَهُ، قُلْت: فَإِنْ تَنَاوَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَجَعَلَ يُسَاوِمُهُ وَلَمْ يُنَاوِلْهُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ فَيَقَعُ مِنْهُ فَيَنْكَسِرُ؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَخَذَ وَلِمَا انْكَسَرَ أَسْفَلَهُ.
قَالَ الْعُتْبِيُّ رَوَاهَا عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَزَادَ فِيهَا: وَكَذَلِكَ السَّيْفُ يَتَنَاوَلُهُ فَيَهُزُّهُ فَيَنْكَسِرُ، أَوْ الدَّابَّةُ يَرْكَبُهَا لِيَسْتَخْبِرَهَا فَتَمُوتُ تَحْتَهُ، أَوْ الْفَرَسُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ كَانَ ضَامِنًا، وَإِنْ كَانَ ضَامِنًا بِإِذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. رَوَاهَا أَيْضًا أَصْبَغُ وَزَادَ فِيهَا: وَكَذَلِكَ قُلَلُ الْخَلِّ يَرْفَعُهَا لِيَرُوزَهَا لِيَعْرِفَ قَدْرَهَا وَمَلَاهَا فَتَنْكَسِرُ. قَالَ أَصْبَغُ هَذَا عِنْدِي فِي الْقَوَارِيرِ وَالْأَقْدَاحِ مَا لَمْ يُعَنِّفْ وَيَأْخُذْهُ بِغَيْرِ مَأْخَذِهِ مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَ الْقُلَّةَ الْكَبِيرَةَ بِأُذُنِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْعُنْفِ فَيَضْمَنُ بِهِ (قَالَ أَصْبَغُ) وَإِذَا رَآهُ وَعَلِمَ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اهـ.
عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ رَفَعَ الْقَارُورَةَ وَصَاحِبُهَا سَاكِتٌ يُنْظَرُ لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ فَانْكَسَرَتْ فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَلَى الشَّيْءِ إذْنٌ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ، أَوْ لَيْسَ إذْنًا فَيَضْمَنُ (فَرْعٌ) فَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الْقَارُورَةِ حَيْثُ أَذِنَ لَهُ فِي التَّقْلِيبِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ طَرْحَهَا أَوْ فَرَّطَ حَتَّى سَقَطَتْ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، (قَالَ الشَّارِحُ) : وَذَلِكَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ التَّدَاعِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْبَيْعُ جَائِزٌ عَلَى أَنْ يُنْتَقَدْ ... فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ حُدَّ الْأَمَدْ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ عَلَى أَنْ يَنْتَقِدَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْبَيْعُ إذَا جَعَلَا لِذَلِكَ أَجَلًا مَعْلُومًا لِئَلَّا يَصِيرَ الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ. (قَالَ فِي التَّهْذِيبِ:) وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَيْنٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَإِنْ سَمَّيَا الْبَلَدَ وَلَمْ يَضْرِبَا لِذَلِكَ أَجَلًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا جَازَ، سَمَّيَا الْبَلَدَ، أَوْ لَمْ يُسَمِّيَاهُ اهـ. " وَيُنْتَقَدُ " بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُهُ يَعُودُ عَلَى الثَّمَنِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ.
وَبَيْعُ مَا يُجْهَلُ ذَاتًا بِالرِّضَا ... بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ أَوْ الْغَالِي مَضَى
وَمَا يُبَاعُ أَنَّهُ يَاقُوتَهْ ... أَوْ أَنَّهُ زُجَاجَةٌ مَنْحُوتَهْ
وَيَظْهَرُ الْعَكْسُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ... جَازَ بِهِ قِيَامُ مَنْ تَظَلَّمَا
يَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الشَّيْءِ الَّذِي يَجْهَلُ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ذَاتَه وَحَقِيقَتَهُ مَاضٍ لَا يُرَدُّ، سَوَاءٌ بِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، أَوْ بِثَمَنٍ غَالٍ وَلَكِنَّ هَذَا إذَا سَمَّى الْمَبِيعَ بِاسْمِهِ كَقَوْلِهِ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي هَذَا الْحَجَرَ؟ فَبَاعَهُ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ يَاقُوتَةٌ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ، إذْ لَوْ شَاءَ تَثَبَّتَ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْيَاقُوتَ يُسَمَّى حَجَرًا، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ حِينَ اشْتَرَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَنّ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَرَفَعَ فِي ثَمَنِهِ فَأَخْطَأَ ظَنُّهُ فَلَا رَدَّ لَهُ،
стр. 293
وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا إذَا سُمِّيَ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَإِنَّ لِمَنْ تَظَلَّمَ الْقِيَامُ فِي ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي هَذِهِ الزُّجَاجَةَ؟ فَبَاعَهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ يَاقُوتَةٌ فَلِلْبَائِعِ رَدُّ الْبَيْعِ، جَهِلَهُ الْمُبْتَاعُ، أَوْ عَلِمَهُ، كَمَا لَوْ سَمَّى يَاقُوتًا فَأَلْفَى زُجَاجًا فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْبَيْعِ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَا يُبَاعُ أَنَّهُ يَاقُوتَهْ
إلَخْ وَإِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يُرَدَّ بِغَلَطٍ إنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ. فَأَشَارَ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: إنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ. وَإِلَى الثَّانِي بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَإِنَّهُ إنْ سُمِّيَ بِغَيْرِ اسْمِهِ يُرَدُّ الْبَيْعُ (الْمَوَّاقُ) قَالَ مَالِكٌ مَنْ بَاعَ قَمِيصًا، ثُمَّ قَالَ مُشْتَرِيهِ: هُوَ خَزٌّ.
فَقَالَ الْبَائِعُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ خَزٌّ لَوْ عَلِمْتُهُ مَا بِعْتُهُ بِهَذَا الثَّمَنِ: هُوَ لِلْمُشْتَرِي لَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَاءَ تَثَبَّتَ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَكَذَا مَنْ بَاعَ حَجَرًا بِثَمَنٍ يَسِيرٍ ثُمَّ هُوَ يَاقُوتَةٌ تَبْلُغُ مَالًا كَثِيرًا، أَيْ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرَدُّ هَذَا الْبَيْعُ. ابْنُ رُشْدٍ.
هَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا سُمِّيَ الشَّيْءُ بِاسْمٍ يَصْلُحُ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَمَّا إذَا سَمَّى أَحَدُهُمَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعَ: " أَبِيعُكَ هَذِهِ الْيَاقُوتَةَ " فَتُوجَدُ غَيْرَ يَاقُوتَةٍ، أَوْ يَقُولُ: " أَبِيعُكَ هَذِهِ الزُّجَاجَةَ " ثُمَّ يَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّهَا يَاقُوتَةٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ اُنْظُرْهُ آخِرَ بُيُوعِ الْقَبَّابِ اهـ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ الْغَبْنَ فِي الْبَيْعِ إذَا كَانَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الْمَبِيعِ فَهَذَا حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِالْقِيمَةِ فَقَطْ مَعَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي لِلنَّاظِمِ فِي فَصْلِ الْغَبْنِ حَيْثُ قَالَ:
وَمَنْ بِغَبْنٍ فِي مَبِيعٍ قَامَا
الْأَبْيَاتُ الثَّلَاثَةُ (الْمَوَّاقُ) وَدَعْوَى جَهْلِ الْبَيْعِ رَاجِعٌ لِدَعْوَى الْفَسَادِ وَجَعْلُ الْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَى الْغَبْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ]
ِ
الْبَيْعُ لِلطَّعَامِ بِالطَّعَامِ ... دُونَ تَنَاجُزٍ مِنْ الْحَرَامِ
وَالْبَيْعُ لِلصِّنْفِ بِصِنْفِهِ وَرَدْ ... مِثْلًا بِمِثْلٍ مُقْتَضًى يَدًا بِيَدْ
وَالْبَيْعُ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ ... مُمْتَنِعٌ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرْضِ
وَالْجِنْسُ بِالْجِنْسِ تَفَاضُلًا مُنِعْ ... حَيْثُ اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ يَجْتَمِعْ
وَغَيْرُ مُقْتَاتٍ وَلَا مُدَّخَر ... يَجُوزُ مَعَ تَفَاضُلٍ كَالْخُضَرِ
وَفِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِالْإِطْلَاقِ ... جَازَ مَعَ الْإِنْجَازِ بِاتِّفَاقِ
تَعَرَّضَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لِحُكْمِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَبَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّعَامَ عَلَى قِسْمَيْنِ رِبَوِيٌّ وَهُوَ الْمُقْتَاتُ الْمُدَّخَرُ لِلْعَيْشِ غَالِبًا وَنُسِبَ لِلرِّبَا لِدُخُولِهِ فِيهِ أَعْنِي رِبَا الْفَضْلِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ وَرِبَا النَّسَاءِ الَّذِي هُوَ التَّأْخِيرُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُقْتَاتًا أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْبُنْيَةُ أَيْ عِنْدَهُ لَا بِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُدَّخَرًا أَيْ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِطُولِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ إلَّا الطُّولُ الْكَثِيرُ (قَالَ ابْنُ نَاجِي) (وَلَا حَدَّ لِلِادِّخَارِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ) وَحَكَى الشَّاذِلِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ أَنَّ حَدَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ.
وَغَيْرُ رِبَوِيٍّ كَالْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ وَهُوَ مَا اخْتَلَّ فِيهِ الْقَيْدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مُقْتَاتٍ وَلَا مُدَّخَرٍ كَالتُّفَّاحِ، وَالْإِجَّاصِ. أَوْ مُقْتَاتًا غَيْرَ مُدَّخَرٍ كَاللِّفْتِ أَوْ مُدَّخَرًا غَيْرَ مُقْتَاتٍ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالضَّابِطُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الطَّعَامُ إذَا بِيعَ بِطَعَامٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرٌ سَوَاءٌ بِيعَ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ رِبَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ رِبَوِيٍّ أَوْ أَحَدُهُمَا رِبَوِيٌّ دُونَ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ أَصْلًا وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
الْبَيْعُ لِلطَّعَامِ بِالطَّعَامِ ... دُونَ تَنَاجُزٍ مِنْ الْحَرَامِ
وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ كَوْنُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بِيعَ الْجِنْسُ بِجِنْسِهِ وَهُمَا رِبَوِيَّانِ كَالْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ فَيَحْرُمُ الْفَضْلُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَلَا يُبَاعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَالْجِنْسُ بِالْجِنْسِ تَفَاضُلًا مُنِعْ ... حَيْثُ اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ يَجْتَمِعْ
стр. 294
وَإِنْ بِيعَ الْجِنْسُ الرِّبَوِيُّ بِرِبَوِيٍّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَالْقَمْحِ بِالْفُولِ جَازَ التَّفَاضُلُ فَيُبَاعُ وَسْقٌ مِنْ قَمْحٍ بِوَسْقَيْنِ مِنْ فُولٍ مَثَلًا، وَكَذَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إذَا بِيعَ الْجِنْسُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ أَحَدُهُمَا رِبَوِيًّا كَرَطْلِ دَقِيقٍ بِرَطْلَيْنِ مِنْ تُفَّاحٍ مَثَلًا، أَوْ كَانَا مَعًا غَيْرَ رِبَوِيَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَا جِنْسَيْنِ كَتُفَّاحٍ وَإِجَّاصٍ، أَوْ جِنْسًا وَاحِدًا كَتُفَّاحٍ وَتُفَّاحٍ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ مُطْلَقًا رِبَوِيَّيْنِ أَوْ غَيْرَ رِبَوِيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا رِبَوِيٌّ دُونَ الْآخَرِ فَقَدْ نَبَّهَ عَلَى حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ
وَفِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِالْإِطْلَاقِ ... جَازَ مَعَ الْإِنْجَازِ بِاتِّفَاقِ
وَقَوْلُهُ مَعَ الْإِنْجَازِ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ التَّأْخِيرِ مُطْلَقًا
وَأَمَّا مَا اتَّفَقَتْ أَجْنَاسُهُ مِنْ غَيْرِ الرِّبَوِيِّ كَتُفَّاحٍ مَعَ مِثْلِهِ وَالْخُضَرِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَنَبَّهَ عَلَى حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ:
وَغَيْرُ مُقْتَاتٍ وَلَا مُدَّخَرِ ... يَجُوزُ مَعَ تَفَاضُلٍ كَالْخُضَرِ
وَقَدْ اخْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ ضَابِطَ بَيْعِ النَّقْدَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبَيْعِ الطَّعَامَيْنِ بِقَوْلِهِ وَيَحْرُمُ بَيْعُ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ فِيمَا يَتَّحِدُ جِنْسُهُ مِنْ النُّقُودِ، وَمِنْ الْمَطْعُومَاتِ الرِّبَوِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ.
وَيَحْرُمُ النَّسَاءُ خَاصَّةً فِيمَا يَخْتَلِفُ جِنْسُهُ مِنْ النُّقُودِ وَفِي الْمَطْعُومَاتِ كُلِّهَا اهـ فَقَوْلُهُ " كُلِّهَا " يَعْنِي مَا عَدَا الرِّبَوِيَّ بِجِنْسِهِ فَيَحْرُمَانِ فِيهِ مَعًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَمِنْ الْمَطْعُومَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ:
وَالْبَيْعُ لِلصِّنْفِ بِصِنْفِهِ وَرَدْ ... مِثْلٍ بِمِثْلٍ مُقْتَضًى يَدًا بِيَدْ
فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَمَامِ التَّقْسِيمِ دُونَهُ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْفَ كَانَ الطَّعَامَانِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ قَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا تَقَدَّمَ فَلَوْ أَسْقَطَهُ مَا ضَرَّ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنْ حُكْمِ مَا اتَّفَقَتْ أَجْنَاسُهُ أَوْ اخْتَلَفَتْ وَبِيعَ مُتَفَاضِلًا أَوْ بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ أَوْ لِأَجَلٍ مِمَّا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ فَقَطْ.
أَمَّا مَا سَلِمَ مِنْهُمَا مَعًا كَهَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ، وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ
وَالْبَيْعُ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ
الْبَيْتَ فَقَدْ ذَكَرَهُ النَّاظِمُ خِلَالَ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ فَلَوْ قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ لَكَانَ أَوْلَى. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا رِبَوِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ إلَّا إذَا بَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهُ. كَمَنْ سَلَّفَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا فَيَجُوزُ لِرَبِّهِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ الْمُتَسَلِّفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ طَعَامٍ ابْتَعْتَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مَضْمُونًا عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ مِمَّا يُدَّخَرُ أَوْ لَا يُدَّخَرُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبِيعَهُ مِنْ بَائِعِكَ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ إلَّا أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُ أَوْ تَشْتَرِكَ فِيهِ أَوْ تُوَلِّيَهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ عَدَا الْمَاءِ. (قَالَ مَالِكٌ) وَكُلُّ مَا اكْتَرَيْتَ بِهِ أَوْ صَالَحْت عَنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ خَالَعْت بِهِ مِنْ طَعَامٍ بِعَيْنِهِ أَوْ مَضْمُونًا عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ.
(ابْنُ عَرَفَةَ) وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الطَّعَامَ غَيْرَ الرِّبَوِيِّ كَالرِّبَوِيِّ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَبَيْعُ الْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ إلَّا فِي الطَّعَامِ مُطْلَقًا بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُعَاوَضَةً فِيمَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ كَيْلٍ وَشِبْهِهِ بِخِلَافِ الْقَرْضِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَكَذَلِكَ الْجُزَافُ عَلَى الْأَصَحِّ فَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا جَازَ لَهُ إقْرَاضُهُ أَوْ وَفَاؤُهُ عَنْ قَرْضٍ وَمَنْ اقْتَرَضَهُ فَإِنَّ لَهُ بَيْعَهُ اهـ وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمُ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ هَذَا عَلَى مَسَائِلَ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رِبَوِيًّا أَوْ غَيْرَهُ وَهَذَا الَّذِي يَعْنِي ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْإِطْلَاقِ.
الثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ بِمُعَاوَضَةٍ احْتِرَازًا مِنْ الْقَرْضِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ فَيَجُوزُ لِمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا أَنْ يُسَلِّفَهُ لِغَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ هُوَ مِنْ الَّذِي بَاعَهُ لَهُ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ لِمُتَسَلِّفِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ لِئَلَّا يَتَوَالَى بَيْعَانِ لَا قَبْضَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ يَقْضِيَ بِهِ طَعَامًا فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْبَائِعُ أَيْضًا. وَمَنْ تَسَلَّفَ طَعَامًا جَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ مُسَلِّفِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " فَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا جَازَ لَهُ " إلَخْ فَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ فُرُوعٍ وَكَذَا يَجُوزُ لِمَنْ سَلَّفَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ الْمُتَسَلِّفِ وَهَذِهِ الْفُرُوعُ الْأَرْبَعَةُ يَشْمَلُهَا قَوْلُ النَّاظِمِ " مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرْضِ وَشُمُولُهُ لِلْأَخِيرِ مِنْهَا أَظْهَرُ. وَانْظُرْ كَيْفَ أَخْرَجُوا الْقَرْضَ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُعَاوَضَةُ حَاصِلَةٌ فِيهِ.
(قَالَ الشَّارِحُ) وَفِي اقْتِصَارِ الشَّيْخِ عَلَى إخْرَاجِ الْقَرْضِ إيهَامُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْقَرْضِ مِمَّا لَا عِوَضَ لَهُ فِيهِ
стр. 295
لَا يَجُوزُ وَلَوْ قَالَ إلَّا بِمِثْلِ قَرْضِ لَكَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى سِوَاهُ اهـ (تَنْبِيهٌ) وَحَيْثُ جَازَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا عُجِّلَ الثَّمَنُ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الثَّمَنِ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِ طَعَامِ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي كَالْقَرْضِ أَوْ الْبَيْعِ نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَحِكَايَةُ الْقَاضِي، اهـ.
" وَيَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ الْمَرْأَةُ الثَّمَنَ عَمَّا وَجَبَ لَهَا مِنْ الطَّعَامِ فِي نَفَقَتِهَا أَوْ نَفَقَةِ أَوْلَادِهَا مِنْ الْمَوَّاقِ " الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَحَلَّ الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ هُوَ فِي الطَّعَامِ الَّذِي فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الَّذِي بِيعَ عَلَى كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، أَوْ عَدَدٍ دُونَ الْمَبِيعِ جُزَافًا فَيَجُوزُ بَيْعُهُ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَلَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ فِي الْجُزَافِ قَوْلًا بِالْمَنْعِ. اهـ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الطَّعَامِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَنْعِ بَيْنَ بَيْعِهِ لِبَائِعِهِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ. وَأَنَّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَقَايَلَ مَعَ بَائِعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَيْسَتْ الْإِقَالَةُ هُنَا بَيْعًا وَأَنْ يُشَارِكَ فِيهِ غَيْرَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. أَيْ يُوَلَّى بَعْضَهُ وَأَنْ يُوَلِّيَ جَمِيعَ مَا اشْتَرَى مِنْ الطَّعَامِ لِغَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَا عَدَا الْمَاءَ. وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الطَّعَامِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ كِرَاءٍ أَوْ مِنْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ أَوْ خُلْعٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ
وَالْبَيْعُ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ
أَنَّ مَا عَدَا الطَّعَامَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) مَا ابْتَعْتَهُ أَوْ أَسْلَمَكَ فِيهِ عَدَا الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، مِنْ سَائِرِ الْعُرُوضِ عَلَى عَدَدٍ أَوْ كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ فَجَائِزٌ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَبْلَ أَجَلِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِك بِمِثْلِ رَأْسِ مَالِكَ أَوْ أَكْثَرَ نَقْدًا أَوْ بِمَا شِئْتَ مِنْ الْأَثْمَانِ.
وَبَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَا قَدْ جُهِلَا ... مِنْ جِنْسِهِ تَزَابُنٌ لَنْ يُقْبَلَا
يَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الشَّيْءِ الْمَعْلُومِ الْقَدْرِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ بِشَيْءٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يُسَمَّى بَيْعَ مُزَابَنَةٍ وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَيْ غَيْرُ جَائِزٍ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْهُ. (قَالَ الشَّارِحُ) : وَالزَّبِنُ وَالزِّبَانُ هُوَ الْخَطِرُ وَالْخِطَارُ اهـ وَإِذَا كَانَ فِي بَيْعِ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ مُخَاطَرَةٌ وَهُوَ الَّذِي فِي الْبَيْتِ فَأَحْرَى وُجُودُ الْمُخَاطَرَةِ فِي بَيْعِ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ هُوَ بَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا.» (الْمَازِرِيُّ) الْمُزَابَنَةُ عِنْدَنَا بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ أَوْ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِيهِمَا. (ابْنُ عَرَفَةَ) يَبْطُلُ. عَكْسُهُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَسْبَمَا يَأْتِي وَيَكُونُ فِي الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ. اهـ.
فَمِنْ الْمُزَابَنَةِ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا وَبَيْعُ زَرْعٍ قَائِمٍ أَوْ مَحْصُودٍ بِكَيْلٍ مِنْ الْبُرِّ أَوْ زَيْتُونٍ فِي شَجَرَةٍ بِكَيْلٍ مِنْ الزَّيْتُونِ وَكَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالْبُسْرِ وَالْبُسْرِ بِالتَّمْرِ، وَكَذَلِكَ رَطْبُ كُلِّ ثَمَرَةٍ بِيَابِسِهَا. (التَّوْضِيحُ) وَتَفْسِيرُهَا الْوَاقِعُ فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ فِي الرِّبَوِيِّ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ لَا يَخْتَصُّ الرِّبَوِيَّ لِأَنَّ غَيْرَ الرِّبَوِيِّ، وَإِنْ لِمَ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمُزَابَنَةِ فَثَمَّ عُمُومَاتٌ يَدْخُلُ تَحْتَهَا كَالنَّهْيِ عَنْ الْغَرَرِ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) فَإِنْ
стр. 296
عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ جَازَ فِيمَا لَا رِبَا فِيهِ. (التَّوْضِيحُ) لِانْتِفَاءِ الْمُزَابَنَةِ إذْ ذَاكَ إذْ الْمُزَابَنَةُ الْمُدَافَعَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ (نَاقَةٌ زَبُونٌ) إذَا مَنَعَتْ مِنْ حِلَابِهَا وَمِنْهُ الزَّبَانِيَةُ لِدَفْعِهِمْ الْكَفَرَةَ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَنْ مُرَادِهِ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ الْغَالِبُ فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ انْتَفَى هَذَا. وَعُمُومُ قَوْلِهِ جَازَ فِيمَا لَا رِبَا فِيهِ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمَطْعُومَيْنِ وَالْمَطْعُومَيْنِ غَيْرَ الرِّبَوِيَّيْنِ وَهُوَ مُقْتَضَى النَّظَرِ اهـ وَيَدْخُلُ فِي غَيْرِ الْمَطْعُومَيْنِ نَحْوُ حَرِيرٍ، وَكَتَّانٍ بِكَتَّانٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَطْعُومَيْنِ غَيْرِ الرِّبَوِيَّيْنِ الْفَوَاكِهُ، وَالْخُضَرُ يُبَاعُ الْجِنْسُ مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ.
(تَنْبِيهٌ) بَقِيَ عَلَى النَّاظِمِ مِنْ الْمُزَابَنَةِ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَحْرَى فِي الْمَنْعِ بِمَا ذَكَرَ، وَاسْتَثْنَى مَا إذَا كَثُرَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ كَثْرَةً بَيِّنَةً فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَنَحْوِهِمَا. أَمَّا مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ فَيُمْتَنَعُ وَإِنْ تَبَيَّنَ الْفَضْلُ لِأَنَّهُ وَإِنْ ذَهَبَتْ الْمُزَابَنَةُ بِالْكَثْرَةِ فَقَدْ خَلَفَهَا رِبَا الْفَضْلِ وَكَذَا سَلَمُ الشَّيْءِ فِيمَا يُخْرَجُ مِنْهُ كَسَلَمِ سَيْفٍ فِي حَدِيدٍ وَغَزْلٍ فِي كَتَّانٍ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَلَوْ زَادَ بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ فَقَالَ:
كَذَاك مَجْهُولٌ بِمَجْهُولٍ عَدَا ... إنْ كَثُرَ الْفَضْلُ وَلَا مَنْعٌ بَدَا
وَسَلَمُ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ يُخْرَجُ ... مِنْهُ تَزَابُنٌ وَذَاكَ الْمَنْهَجُ
وَبَاءُ بِشَيْءٍ " ظَرْفِيَّةٌ " وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَذَاكَ الْمَنْهَجُ إلَى الْمَنْعِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ فِي الْبَيْتِ " لَنْ يُقْبَلَا " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ النَّقْدَيْنِ وَالْحُلِيِّ وَشِبْهِهِ]
ِ يَعْنِي بِالنَّقْدَيْنِ الْمَسْكُوكَ مِنْهُمَا وَبِالْحُلِيِّ الْمَصُوغَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَضَمِيرُ شِبْهِهِ لِلْحُلِيِّ وَشِبْهُ الْحُلِيِّ هُوَ الْمُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ. اهـ
وَالصَّرْفُ أَخْذُ فِضَّةٍ فِي ذَهَبِ ... أَوْ عَكْسُهُ وَمَا تَفَاضُلٌ أَبِي
وَالْجِنْسُ بِالْجِنْسِ هُوَ الْمُرَاطَلَهْ ... بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْعَدِّ فَالْمُبَادَلَهْ
وَالشَّرْطُ فِي الصَّرْفِ تَنَاجُزٌ فَقَطْ ... وَمَعَهُ الْمِثْلُ بِثَانٍ يُشْتَرَطْ
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ تَعْرِيفَ الصَّرْفِ وَالْمُرَاطَلَةِ وَالْمُبَادَلَةِ وَشُرُوطَهَا فَأَخْبَرَ أَنَّ بَيْعَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ كَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَبِالْعَكْسِ يُسَمَّى صَرْفًا، وَيَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ " وَمَا تَفَاضُلٌ " أَبِي " أَيْ: امْتَنَعَ وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّأْخِيرُ وَلَوْ قَرِيبًا وَيَفْسُدُ بِافْتِرَاقِ الْمُتَصَارِفَيْنِ اخْتِيَارًا وَكَذَا غَلَبَةً عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا إنْ غَابَ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ عَنْ مَجْلِسِ الصَّرْفِ غَيْبَةً قَرِيبَةً كَدَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ لِأَنَّ الْمُنَاجَزَةَ شَرْطٌ فِيهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ
وَالشَّرْطُ فِي الصَّرْفِ تَنَاجُزٌ فَقَطْ
أَيْ: دُونَ التَّمَاثُلِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ وَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ مُتَمَاثِلًا أَوْ مُتَفَاضِلًا لَكِنْ يَدًا بِيَدٍ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ.
وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا بِيعَ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بِجِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِفِضَّةٍ فَإِنْ كَانَ بِالْوَزْنِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مُرَاطَلَةً وَإِنْ كَانَ بِالْعَدَدِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مُبَادَلَةً، وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِهِمَا شَرْطَانِ التَّمَاثُلُ فَلَا يُبَاعُ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا وَلَا فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ مُتَفَاضِلًا بَلْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَجْوَدَ مِنْ الْآخَرِ أَوْ أَكْثَرَ عَدَدًا أَوْ أَحَدُهُمَا مَصُوغٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ أَوْ كَانَا غَيْرَ مَصُوغَيْنِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: التَّنَاجُزُ فَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ أَيْضًا وَعَلَى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَمَعَهُ الْمِثْلُ بِثَانٍ يُشْتَرَطْ
أَيْ: وَيُشْتَرَطُ مَعَ التَّنَاجُزِ الْمِثْلُ أَيْ: التَّمَاثُلُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ بَيْعُ الْجِنْسِ بِجِنْسِهِ (فَضَمِيرُ مَعَهُ) لِلتَّنَاجُزِ وَبَاءُ بِثَانٍ ظَرْفِيَّةٌ وَهُوَ وَصْفٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَهَذَا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّعَامِ مِنْ أَنَّهُ إذَا بِيعَ الطَّعَامُ الرِّبَوِيُّ بِجِنْسِهِ فَيَحْرُمُ فِيهِ الْفَضْلُ وَالنَّسَاءُ مَعًا وَإِذَا بِيعَ جِنْسُهُ رِبَوِيًّا أَوْ غَيْرَهُ فَلَا يَحْرُمُ إلَّا فِي النَّسَاءِ فَقَطْ أَيْ التَّأْخِيرِ. وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ " وَيَحْرُمُ الْفَضْلُ وَالنَّسَاءُ فِيمَا
стр. 297
يَتَّحِدُ جِنْسُهُ مِنْ النُّقُودِ، وَمِنْ الْمَطْعُومَاتِ الرِّبَوِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْمُنَاجَزَةِ وَيَحْرُمُ النَّسَاءُ خَاصَّةً فِيمَا يَخْتَلِفُ جِنْسُهُ مِنْ النُّقُودِ، وَمِنْ الْمَطْعُومَاتِ كُلِّهَا ". انْتَهَى يُرِيدُ وَكَذَلِكَ فِيمَا يَتَّحِدُ جِنْسُهُ مِنْ الرِّبَوِيِّ فَلَا يَحْرُمُ فِيهِ إلَّا النَّسَاءُ خَاصَّةً.
الْمَوَّاقُ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِالْمُرَاطَلَةِ بِالصَّنْجَةِ فِي كِفَّةٍ وَاحِدَةٍ ابْنُ رُشْدٍ هِيَ أَصَحُّ لِتَيَقُّنِ الْمُمَاثَلَةِ إذْ قَدْ يَكُونُ عَيْنٌ أَرْجَحَ مِنْ الْأُخْرَى فِي الْمِيزَانِ. وَفِيهَا: وَجْهُ الْمُرَاطَلَةِ: اعْتِدَالُ الْكِفَّتَيْنِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ رُجْحَانَ شَيْءٍ. رَاطَلَ أَبُو بَكْرٍ أَبَا رَافِعٍ خَلْخَالَيْنِ بِدَرَاهِمَ فَرَجَحَتْ دَرَاهِمُ أَبِي رَافِعٍ فَقَالَ هُوَ لَك حَلَالٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنْ أَحْلَلْتَهُ أَنْتَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِلُّهُ وَمَنَعَ الْقَابِسِيُّ أَنْ يُرَاطِلَ سِكِّيًّا بِحُلِيٍّ قَبْلَ مَعْرِفَةِ وَزْنِ السِّكَّةِ إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّكِّيِّ جُزَافًا. أَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِأَنَّهُ مُتَّفِقُ الْوَزْنِ. وَقِيلَ عَنْ الْقَابِسِيِّ إنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَرَاطَلَا دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَزْنَ دَرَاهِمِهِ أَوْ ذَهَبِهِ. ابْنُ يُونُسَ وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ إذْ لَا غَرَرَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ مِثْلَ دَرَاهِمِهِ وَمِثْلَ وَزْنِ ذَهَبِهِ. (وَفِي الْمُوَطَّأِ) لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ إذَا كَانَ وَزْنُ الذَّهَبَيْنِ سَوَاءً. اهـ.
وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُرَاطَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي كِفَّةٍ ثَمَّ يُجْعَلُ الْعِوَضُ الْآخَرُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى وَالثَّانِي أَنْ يُجْعَلَ الْحَجَرُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ فِي كِفَّةٍ ثَمَّ يُجْعَلُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْتَدِلَ مَعَ الْحَجَرِ ثُمَّ يُفْرَغُ ذَلِكَ الْعِوَضُ وَيُجْعَلُ مَكَانَهُ الْعِوَضُ الْآخَرُ حَتَّى يَعْتَدِلَ مَعَ الْحَجَرِ أَيْضًا، وَالْحَجَرُ لَمْ يَزَلْ فِي كِفَّتِهِ الَّتِي وُضِعَ فِيهَا أَوَّلًا وَفِي هَذَا الْوَجْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّهُ أَصَحُّ وَإِنَّ الْمُرَاطَلَةَ تَجُوزُ وَلَوْ جَهِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَزْنَ دَرَاهِمِهِ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِثْلَ مَا أَعْطَى. هَذَا بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُرَاطَلَةِ.
وَأَمَّا الْمُبَادَلَةُ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُبَادَلَةُ لَقَبٌ فِي الْمَسْكُوكَيْنِ عَدَدًا وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْعَدَدِيِّ دُون الْوَزْنِيِّ.
(التَّوْضِيحُ) يَعْنِي لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إنْ كَانَ التَّعَامُلُ بِهِمَا عَدَدًا فَإِنْ كَانَ التَّعَامُلُ بِالْوَزْنِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِالْوَزْنِ فَتَعُودُ مُرَاطَلَةً. وَإِذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ جَازَتْ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ أَوْزَنَ فَتُمْنَعُ إلَّا فِي الْعَدَدِ الْيَسِيرِ وَذَلِكَ سِتَّةٌ فَمَا دُونَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَكَوْنُ النَّقْصِ يَسِيرًا سُدُسًا فَمَا دُونَ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَيَجُوزُ إبْدَالُ الْقَلِيلِ بِأَوْزَنَ مِنْهُ يَسِيرًا لِلْمَعْرُوفِ وَالتَّعَامُلِ بِالْعَدَدِ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) أَجَازَ أَيْ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُبْدِلَ السِّتَّةَ تَنْقُصُ سُدُسًا بِسِتَّةٍ وَازِنَةٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ الْحَطَّابُ وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الْمُبَادَلَةِ وَأَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بِوَاحِدٍ احْتِرَازًا مِنْ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ وَأَنْ تَكُونَ السِّكَّةُ وَاحِدَةً وَعَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا الْمُكَايَسَةِ وَأَنْ تَكُونَ يَدًا بِيَدٍ اهـ.
وَتَجُوزُ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَيُبْدَلُ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ وَدِرْهَمَانِ بِدِرْهَمَيْنِ وَهَكَذَا وَيُبْدَلُ دِينَارٌ بِدِينَارٍ وَدِينَارَانِ بِدِينَارَيْنِ وَهَكَذَا
(قَالَ الشَّارِحُ) وَهِيَ أَيْ: الْمُبَادَلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا قَلَّ مِنْ الْعَدَدِ كَالدِّينَارِ وَالدِّينَارَيْنِ. (الْحَطَّابُ) وَالْمُعْتَبَرُ الْأَشْخَاصُ فَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ مَنَعَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يَجُوزُ بَدَلُ أَرْبَعَةِ قَرَارِيطَ نَاقِصَةٍ بِأَرْبَعَةِ قَرَارِيطَ وَازِنَةٍ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْأَرْبَعَةَ قَرَارِيطَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْأَشْخَاصُ اهـ
(تَنْبِيهٌ) هَذَا الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي الْمُبَادَلَةِ هُوَ إذَا أُبْدِلَ وَاحِدٌ بِوَاحِدٍ أَوْ اثْنَانِ بِاثْنَيْنِ وَهَكَذَا إلَى سِتَّةٍ بِسِتَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا إذَا أَبْدَلَ شَخْصٌ وَاحِدًا بِمُتَعَدِّدٍ غَيْرِ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْوَزْنِ كَإِبْدَالِ دِينَارٍ بِأَرْبَعَةِ أَرْبَاعِهِ وَهِيَ أَنْقَصُ مِنْ الدِّينَارِ وَزْنًا أَوْ إبْدَالِ رِيَالٍ وَاحِدٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ مَوْزُونَةً مَثَلًا أَوْ أَكْثَرَ وَهِيَ أَنْقَصُ مِنْ الرِّيَالِ وَزْنًا فَنَقَلَ (الْمَوَّاقُ) فِي ذَلِكَ مَا نَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الْمِثْقَالَ وَيَأْخُذُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا مَعْدُودَةً بِغَيْرِ مُرَاطَلَةٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا وُزِنَ مُجْتَمِعًا ثَمَّ فُرِّقَ زَادَ أَوْ نَقَصَ " وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِحْسَانًا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الدِّينَارِ الْوَاحِدَةِ كَمَا أَجَازُوا مُبَادَلَةَ الدِّينَارِ النَّاقِصِ بِالْوَازِنِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَمَّا بَدَلُ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ بِوَزْنٍ مِنْهُ فَجَائِزٌ وَذَلِكَ فِيمَا قَلَّ بِخِلَافِ الْمُرَاطَلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُرَاطَلَةِ تَكَايُسٌ وَفِي الْمُبَادَلَةِ مَعْرُوفٌ.
ابْنُ رُشْدٍ يُجَوِّزُ ذَلِكَ فِيمَا قَلَّ مِثْلُ الدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ إلَى السِّتَّةِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ كَانَ سَحْنُونٌ قَدْ أَصْلَحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ السِّتَّةَ وَرَدَّهَا إلَى ثَلَاثَةٍ اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي
стр. 298
جَوَازِ إبْدَالِ الدِّينَارِ بِنِصْفَيْ دِينَارٍ أَوْ بِأَرْبَعَةِ أَرْبَاعِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْعِوَضَانِ فِي الْوَزْنِ وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الْقَصَّارُ فِي فَتْوَاهُ بِجَوَازِ إبْدَالِ رِيَالٍ كَبِيرٍ بِعِشْرِينَ مَوْزُونَةٍ يَعْنِي أَوْ بِأَكْثَرَ حِينَ صُغِّرَتْ الدَّرَاهِمُ وَذَلِكَ فِي رِيَالٍ وَاحِدٍ لَا فِي أَكْثَرَ وَمَأْخَذُهُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) سُئِلَ التُّونُسِيُّ عَنْ مُرَاطَلَةِ الدَّرَاهِمِ الْقَدِيمَةِ بِالْجَدِيدَةِ الْمُحْدَثَةِ الْآنَ وَالْقَدِيمَةُ أَكْثَرُ فِضَّةً وَهَلْ يُقْتَضَى بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَهُمَا مُخْتَلِفَا الصِّفَةِ وَالنَّفَاقِ وَهَلْ لِمَنْ بَاعَ بِالْقَدِيمَةِ أَنْ يَقْتَضِيَهَا مِنْهَا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) : الْمُرَاطَلَةُ بِهَا جَائِزَةٌ لِأَنَّ مُعْطِي الْجَدِيدَةِ مُتَفَضِّلٌ لَا انْتِفَاعَ لَهُ بِمَا فِي الْقَدِيمَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْفِضَّةِ إذْ لَوْ سُكَّتْ الْقَدِيمَةُ لَخَسِرَ فِيهَا وَيَغْرَمُ عَلَيْهَا لِتَصِيرَ جَدِيدَةً وَقَدْ أَجَازَ أَصْحَابُنَا مُرَاطَلَةَ التِّبْرِ الْجَدِيدِ بِالْمَسْكُوكِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ الْجَوْدَةَ لِلسِّكَّةِ وَلِمَ يُغَرَّمْ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَ بِقَدِيمَةٍ قَبْلَ قَطْعِهَا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا هِيَ، وَمَنْ رَضِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ جَدِيدَةً عَنْ قَدِيمَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ أَعْطَى أَفْضَلَ فِي النَّفَاقِ. اهـ مِنْ أَوَاخِرِ السِّفْرِ الثَّالِثِ مِنْ الْمِعْيَارِ.
وَبَيْعُ مَا حُلِّيَ مِمَّا اُتُّخِذَا ... بِغَيْرِ جِنْسِهِ بِنَقْدٍ نَفَذَا
وَكُلُّ مَا الْفِضَّةُ فِيهِ وَالذَّهَبْ ... فَبِالْعُرُوضِ الْبَيْعُ فِي ذَاكَ وَجَبْ
تَكَلَّمَ فِي الْبَيْتَيْنِ عَلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ الْمُحَلَّى كَالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا حُلِّيَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَكَذَا الثَّوْبُ الْمَنْسُوجُ أَوْ الْمَغْرُوزُ بِخُيُوطٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إذَا كَانَ جَائِزَ الِاتِّخَاذِ كَالسَّيْفِ لِلرَّجُلِ وَالثِّيَابِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ أَيْ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ، فَإِذَا حُلِّيَ بِذَهَبٍ جَازَ بَيْعُهُ بِفِضَّةٍ وَإِذَا حُلِّيَ بِفِضَّةٍ جَازَ بَيْعُهُ بِذَهَبٍ لَكِنْ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ نَقْدًا أَيْ مُعَجَّلًا مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَصَرْفٌ فَيُطْلَبُ فِيهِ الْمُنَاجَزَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَدْفُوعَةَ فِي الْمَحَلِّ بَعْضُهَا فِي مُقَابَلَةِ نَصْلِ السَّيْفِ مَثَلًا أَوْ فِي نَفْسِ الثَّوْبِ أَوْ الْمُصْحَفِ وَهُوَ بَيْعٌ. وَبَعْضُهَا فِي مُقَابَلَةِ الْحِلْيَةِ وَهُوَ صَرْفٌ وَاجْتِمَاعُهُمَا تُطْلَبُ فِيهِ الْمُنَاجَزَةُ كَمَا تُطْلَبُ فِي انْفِرَادِ الصَّرْفِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ مِمَّا اُتُّخِذَا أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ كَالسَّيْفِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ السِّوَارِ لِلرَّجُلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِذَلِكَ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ " بِنَقْدٍ " أَنَّ بَيْعَهُ بِتَأْخِيرٍ مَمْنُوعٌ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْحِلْيَةُ غَيْرَ تَبَعٍ بِأَنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثَّالِثِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ تَبَعًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفُهِمَ مِنْ إطْلَاقِ الْجَوَازِ فِي بَيْعِهِ بِالنَّقْدِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحِلْيَةِ تَابِعَةً أَوْ مَتْبُوعَةً أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ مَنْعِ اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ أَنَّ بَيْعَهُ بِجِنْسِ الْحِلْيَةَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ إذَا كَانَتْ الْحِلْيَةُ غَيْرَ تَابِعَةٍ لِلشَّيْءِ الْمُحَلَّى بِهَا هُنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِ الْحِلْيَةِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ تَابِعَةً فَيَجُوزُ لَكِنْ بِالتَّعْجِيلِ أَيْضًا لَا بِالتَّأْخِيرِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالتَّبَعُ الثُّلُثُ وَقِيلَ دُونَهُ وَقِيلَ النِّصْفُ.
(التَّوْضِيحُ) الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَيُعْتَبَرُ بِالْقِيمَةِ وَقِيلَ بِالْوَزْنِ مَعَ قِيمَةِ الْمُحَلَّى.
(التَّوْضِيحُ) سَبَبُهُمَا هَلْ تُعْتَبَرُ الصِّيَاغَةُ أَمْ لَا؟ وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّا إذَا بَنَيْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ التَّبَعَ الثُّلُثُ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ التَّبَعُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ فَقَطْ؟ فَإِنْ كَانَ وَزْنُ الْحِلْيَةِ عِشْرِينَ وَبِصِيَاغَتِهَا تُسَاوِي ثَلَاثِينَ وَقِيمَةُ النَّصْلِ أَرْبَعِينَ جَازَ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَالْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ هُوَ ظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ وَالْمُوَازِيَةِ وَالثَّانِي ذَكَرَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ قِيَاسًا عَلَى النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، وَالزَّكَاةِ اهـ وَلَوْ زَادَ النَّاظِمُ بَيْتًا بَعْدَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ فَقَالَ
وَبَيْعُهُ بِجِنْسِهِ يَجُوزُ إنْ ... حِلْيَتُهُ ثُلُثًا فَدُونَهُ قَمِنْ
لَأَفَادَ حُكْمَ بَيْعِهِ بِجِنْسِهِ وَقَمِنٌ فِي هَذَا الْبَيْتِ بِمَعْنَى " حَقِيقٌ " رَاجِعٌ لِكَوْنِ الْحِلْيَةِ ثُلُثًا أَيْ: يَجُوزُ إنْ كَانَتْ حِلْيَتُهُ ثُلُثًا حَقِيقَةً وَهُوَ إيمَاءٌ لِاخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ (إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ) .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَثْنَاةٌ أَيْضًا مِنْ بَيْعِ الْجِنْسِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا لِلضَّرُورَةِ هَذَا حُكْمُ الْمُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَأَمَّا الْمُحَلَّى بِهِمَا مَعًا كَالسَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ مَعًا أَوْ الْمُحَلَّى مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَعًا فَلَا يُبَاعُ بِذَهَبٍ وَلَا بِفِضَّةٍ بَلْ بِالْعُرُوضِ وَالْفُلُوسِ إلَّا إذَا كَانَ مَجْمُوعُهُمَا تَبَعًا لِلسِّلْعَةِ سَوَاءٌ كَانَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ أَوْ لَا. إذَا كَانَ نَقْدًا فَإِذَا كَانَا تَبَعًا فَيُبَاعُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقْدَيْنِ. قَالَهُ
стр. 299
ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقَ. قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَإِلَى هَذَا الْقِسْمِ أَعْنِي الْمُحَلَّى بِهِمَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْبَيْتِ الثَّانِي وَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِالنَّقْدِ أَيْضًا كَمَا فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ إنَّمَا هُوَ إذَا بِيعَ الْمُحَلَّى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَمَّا إنْ بِيعَ بِالْعَرْضِ فَيَجُوزُ نَقْدًا وَإِلَى أَجَلٍ وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحِلْيَةِ وَالْمُسَمَّرَةِ الَّتِي فِي نَزْعِهَا ضَرَرٌ أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَعِقْدِ جَوْهَرٍ فِيهِ قِطَعٌ مِنْ الذَّهَبِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَزْعِهِ وَبَيْعِ كُلٍّ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَمَا يُلْحَقُ بِهَا]
(ضَمِيرُ بِهَا) لِلثِّمَارِ وَاَلَّذِي يُلْحَقُ بِالثِّمَارِ الْمَقَاثِئُ وَالْخُضَرُ
بَيْعُ الثِّمَارِ وَالْمَقَاثِئِ وَالْخُضَرْ ... بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِيهِ شَرْطٌ مُعْتَبَرْ
وَحَيْثُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا امْتَنَعْ ... مَا لَمْ يَكُنْ بِالشَّرْطِ لِلْقَطْعِ وَقَعْ
يَعْنِي أَنَّهُ: يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الثِّمَارِ كَالْعِنَبِ: وَالتَّمْرِ وَفِي بَيْعِ الْمَقَاثِئِ كَالْبِطِّيخِ وَالْفَقُّوسِ وَفِي بَيْعِ الْخُضَرِ كَاللِّفْتِ وَالْفُجْلِ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي جَمِيعِهَا ثُمَّ صَرَّحَ بِالْمَفْهُومِ فَقَالَ:
وَحَيْثُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا امْتَنَعَ
أَيْ: بَيْعُهَا إلَّا إذَا بِيعَتْ عَلَى شَرْطِ أَنْ تُقْطَعَ فِي الْحَالِ فَيَجُوزُ لَكِنْ بِشُرُوطٍ تَأْتِي وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرِ هُوَ الزَّهْوُ وَذَلِكَ بِأَنْ تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ وَفِي غَيْرِهِ بِظُهُورِ الْحَلَاوَةِ أَوْ اسْوِدَادِ مَا يَسْوَدُّ كَالزَّيْتُونِ وَالْعِنَبِ الْأَسْوَدِ وَالتَّهَيُّؤُ لِلنُّضْجِ بِحَيْثُ إذَا قُطِعَ لَا يَفْسُدُ وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَهُوَ الزَّهْوُ وَظُهُورُ الْحَلَاوَةِ وَالتَّهَيُّؤُ لِلنُّضْجِ وَفِي ذِي النَّوْرِ بِانْفِتَاحِهِ وَالْبُقُولِ بِاطِّعَامِهَا وَهَلْ فِي الْبِطِّيخِ الِاصْفِرَارُ أَوْ التَّهَيُّؤُ لِلنُّضْجِ؟ قَوْلَانِ
(وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ) قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَزْهَى فِي الْحَائِطِ كُلِّهِ نَخْلَةٌ دَالِيَةٌ بِيعَ جَمِيعُهُ بِذَلِكَ مَا لَمْ تَكُنْ بَاكُورَةً. مَالِكٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الدَّالِيَةِ الْحَبَّاتُ فِي الْعُنْقُودِ أَوْ الْعُنْقُودَيْنِ جَازَ بَيْعُهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَتَابَعَ طِيبُهُ. ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ وَلَا تُبَاعُ الْبُقُولُ حَتَّى تَبْلُغَ إبَّانَهَا الَّتِي تَطِيبُ فِيهِ وَيَكُونُ مَا قُطِعَ مِنْهَا لَيْسَ بِفَسَادٍ. قَالَ وَفِي الْجَزَرِ وَاللِّفْتِ وَالْفُجْلِ وَالثُّومِ وَالْبَصَلِ إذَا اسْتَقَلَّ وَرَقُهُ وَتَمَّ، وَانْتُفِعَ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَا يُقْلَعُ مِنْهُ فَسَادًا جَازَ بَيْعُهُ إذَا نَظَرَ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ.
(تَنْبِيهٌ) يَدْخُلُ فِي الثِّمَارِ الْحُبُوبُ كَالْقَمْحِ وَالْفُولِ وَنَحْوِهِمَا وَبُدُوُّ صَلَاحِهَا هُوَ بِالْيُبْسِ فَإِنْ بِيعَ بَعْدَ الْإِفْرَاكِ وَقَبْلَ الْيُبْسِ مَضَى بِقَبْضِهِ، وَإِنْ عُلِمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ فُسِخَ. وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَيْبَسَ مَضَى الْبَيْعُ وَلَمْ يُفْسَخْ. ابْنُ رُشْدٍ لَمْ يَحْكُمُوا لَهُ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُرَاعَاةً لِمَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ. ابْنُ شِهَابٍ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبِنْ صَلَاحُهَا فَلَا تُبَاعُ إلَّا عَلَى شَرْطِ أَنْ تُقْطَعَ فِي الْحَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَا يَدَّخِرُهَا إلَى الزَّمَانِ الَّذِي تَزِيدُ فِيهِ
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَوَّلُهَا: أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ثَانِيهَا أَنْ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْفَسَادِ. ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَتَمَالَأَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَعْظُمَ الْفَسَادُ. أَمَّا بَيْعُهَا عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ فَبَاطِلٌ وَعَلَى الْإِطْلَاقِ بِحَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَطْعُ وَلَا التَّبْقِيَةُ فَظَاهِرُ. الْمُدَوَّنَةِ يَصِحُّ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يَبْطُلُ. اهـ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُهَا مَعَ الْأَصْلِ أَوْ وَحْدَهَا لِمَنْ اشْتَرَطَ الْأَصْلَ وَبَقِيَتْ الثِّمَارُ الْمَأْبُورَةُ لِلْبَائِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُلْحَقَ بِالْعَقْدِ يُعَدُّ وَاقِعًا فِيهِ وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ، وَقَبِلَهُ مَعَ أَصْلِهِ وَأَلْحَقَ بِهِ أَوْ عَلَى قَطْعِهِ إنْ نَفَعَ وَاضْطُرَّ لَهُ وَلَمْ يُتَمَالَأْ عَلَيْهِ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ
وَخِلْفَةُ الْقَصِيلِ مِلْكُهَا حَرِيّ ... لِبَائِعٍ إلَّا بِشَرْطِ الْمُشْتَرِي
وَلَا يَجُوزُ فِي الثِّمَارِ الْأَجَلُ ... إلَّا بِمَا إثْمَارُهُ مُتَّصِلُ
وَغَائِبٌ فِي الْأَصْلِ لَا يُبَاعُ ... إلَّا إذَا يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ
اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ الثَّلَاثَةُ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ: -
(الْأُولَى) : أَنَّ مَنْ اشْتَرَى قَصِيلًا لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ خِلْفَتُهُ بَلْ تَبْقَى لِلْبَائِعِ إلَّا إذَا اشْتَرَطَهَا الْمُشْتَرِي (قَالَ الشَّارِحُ) وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ الْقَصِيلَ فِي الْخِلْفَةِ
стр. 300
كَالْقُرْطِ وَالْقَضْبِ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ خِلْفَةِ ذَلِكَ. وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْقَضْبِ وَالْقُرْطِ وَالْقَصِيلِ أَنْ يُشْتَرَطَ خِلْفَتُهُ فِي بَلَد السَّقْيِ لَا فِي بَلَدِ الْمَطَرِ إذْ لَيْسَتْ الْخِلْفَةُ فِيهِ بِمَأْمُونَةٍ وَإِذَا لَمْ تُشْتَرَطْ الْخِلْفَةُ فَإِنَّمَا لَهُ الْجَزَّةُ الْأُولَى وَإِذَا اشْتَرَطَهَا فَلَهُ مَا خَلَفَتْ وَإِنْ كَانَتْ خِلْفَةً بَعْدَ خِلْفَةٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَالْبُقُولِ إذَا بَلَغَ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ إذَا قُطِعَ جَازَ بَيْعُهُ حِينَئِذٍ وَبَيْعُ مَا يَطْلُعُ مِنْهُ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ فَرْعٌ أَفْتَى ابْنُ سِرَاجٍ بِجَوَازِ بَيْعِ الْقَصِيلِ بِالطَّعَامِ نَقْدًا وَإِلَى أَجَلٍ اتِّفَاقًا وَبِأَنَّهُ يُبَادِرُ بِجَزِّ الْقَصِيلِ فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى حَبَّبَ فُسِخَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) : - مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا مَالِكٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَى مَا تُطْعِمُ الْمَقَاثِئَ شَهْرًا لِاخْتِلَافِ الْحَمْلِ فِي كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ (وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) وَأَمَّا الْمَوْزُ وَالْقُرْطُ وَالْقَضْبُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ضَرْبِ الْأَجَلِ لِأَنَّ مُدَّةَ بَقَائِهِ مَجْهُولَةٌ وَرُبَّمَا بَقِيَ الْمَوْزُ سِنِينَ مُتَعَدِّدَةً وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُغَيَّبِ فِي الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَالْفُجْلِ وَالْبَصَلِ حَتَّى يَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهَا فَسَادٌ فَذَلِكَ بُدُوُّ صَلَاحِهَا. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ
وَجَائِزٌ فِي ذَاكَ أَنْ يُسْتَثْنَى ... أَكْثَرُ مِنْ نِصْفٍ لَهُ أَوْ أَدْنَى
وَدُونَ ثُلْثٍ إنْ يَكُنْ مَا اُسْتُثْنِيَ ... بِعَدَدٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ بِوَزْنِ
وَإِنْ يَكُنْ لِثَمَرَاتٍ عَيَّنَا ... فَمُطْلَقًا يَسُوغُ مَا تَعَيَّنَا
تَعَرَّضَ فِي الْأَبْيَاتِ لِحُكْمِ بَيْعِ الثِّمَارِ وَاسْتِثْنَاءِ بَعْضِهَا فَالْإِشَارَةُ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ لِلثِّمَارِ وَالْمَقَاثِئِ وَالْخُضَرِ وَمُغَيَّبِ الْأَصْلِ كَالْجَزَرِ فَأَخْبَرَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِبَائِعِ الثِّمَارِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا اسْتِثْنَاءُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالرُّبْعِ وَالثُّلُثِ وَالنِّصْفِ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ الْجُزْءُ الشَّائِعُ مَا ذَكَرَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَهُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا فَإِنْ يَكُنْ مَا اسْتَثْنَاهُ مِقْدَارَ ثُلُثِ تِلْكَ الثَّمَرَةِ فَأَقَلَّ جَازَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا إلَّا، أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ (وَدُونَ ثُلْثٍ) أَنَّ مِقْدَارَ الثُّلُثِ نَفْسِهِ مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَذَانِ وَجْهَانِ اسْتِثْنَاءُ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ. وَاسْتِثْنَاءُ قَدْرٍ مَعْلُومٍ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ اسْتِثْنَاءُ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ أَوْ شَجَرَاتٍ بِعَيْنِهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا كَانَ ذَلِكَ الْمُسْتَثْنَى قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا
(قَالَ الشَّارِحُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَبِيعٍ فَلَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعًا أَوْ مُبْقًى وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلُ لِلْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ " وَثَمَرَةٌ وَاسْتِثْنَاءُ قَدْرِ ثُلُثٍ " ثُمَّ قَالَ " وَجُزْءٌ مُطْلَقًا " وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَجْهَ الثَّالِثَ وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ مَا نَصُّهُ (وَيَجُوزُ لِبَائِعِ الثَّمَرَةِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ الْجُزْءَ الْمُسْتَثْنَى) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ. ثُمَّ قَالَ (وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ كَيْلًا مَعْلُومًا فِيمَا يُكَالُ أَوْ وَزْنًا مَعْلُومًا فِيمَا يُوزَنُ إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى ثُلُثَ الثَّمَرِ فَدُونَ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) اهـ.
ثُمَّ نَقَلَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ مَا نَصُّهُ: وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْوَاضِحَةِ وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَاسْتَثْنَى ثَمَرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا جَازَ ذَلِكَ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ اهـ وَإِلَى هَذَا التَّعْمِيمِ فِي الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْإِطْلَاقِ:
وَفِي عَصِيرِ الْكَرْمِ يُشْرَى بِالذَّهَبْ ... أَوْ فِضَّةٍ أَخْذُ الطَّعَامِ يُجْتَنَبْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ بَاعَ عَصِيرَ كَرْمِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ ثَمَنِهِ قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا وَلَا غَيْرَهُمَا مِنْ سَائِرِ الطَّعَامِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اقْتِضَاءِ الطَّعَامِ مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ نَظَرًا إلَى مَا آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ طَعَامٍ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ وَهَذَا الْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ بِالْعَصِيرِ بَلْ كُلُّ طَعَامٍ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَضِيَ عَنْ ثَمَنِهِ طَعَامًا.
стр. 301
[فَصْلٌ فِي الْجَائِحَةِ فِي الثِّمَارِ]
فَصْلٌ فِي الْجَائِحَةِ فِي ذَلِكَ
وَكُلُّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ الدَّفْعُ لَهْ ... جَائِحَةٌ مِثْلُ الرِّيَاحِ الْمُرْسَلَةِ
وَالْجَيْشُ مَعْدُودٌ مِنْ الْجَوَائِح ... كَفِتْنَةٍ وَكَالْعَدُوِّ الْكَاشِح
تَعَرَّضَ فِي الْبَيْتَيْنِ لِتَعْرِيفِ الْجَائِحَةِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهَا كُلُّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَالرِّيحِ الْعَاصِفَةِ وَالْجَرَادِ الْمُنْتَشِرِ، وَالْجَيْشِ يَمُرُّ بِالنَّخِيلِ، وَالْفِتْنَةِ، وَالْعَدُوِّ، وَالْمَطَرِ وَالْبَرْدِ، وَالطَّيْرِ، وَالنَّارِ، وَنَحْوِهِمَا. وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَارِقٍ لَيْسَ بِجَائِحَةٍ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنْ الْجَرَادِ، وَالرِّيحِ، وَالنَّارِ وَالْغَزْوِ، وَالْبَرْدِ، وَالْمَطَرِ، الْغَالِبِ وَالدُّودِ، وَعَفَنِ، الثَّمَرَةِ، فِي الشَّجَرَةِ وَالسَّمُومِ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِحَةٌ تُوضَعُ مِنْ الْمُبْتَاعِ إنْ أَصَابَتْ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، أَوْ الْجَيْشُ يَمُرُّ بِالنَّخْلِ فَيَأْخُذُ ثَمَرَتَهُ فَذَلِكَ جَائِحَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ سَرَقَهَا سَارِقٌ كَانَتْ الْجَائِحَةَ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَيْسَ السَّارِقُ بِجَائِحَةٍ ابْنُ يُونُسَ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْوَبُ لِأَنَّهُ فِعْلُ مَخْلُوقٍ لَا يُقْدَرُ عَلَى دَفْعِهِ كَالْجَرَادِ. اهـ " وَالْكَاشِحُ: الْمُضْمِرُ لِلْعَدَاوَةِ " وَهُوَ نَعْتٌ لِلْعَدُوِّ
فَإِنْ يَكُنْ مِنْ عَطَشٍ مَا اتَّفَقَا ... فَالْوَضْعُ لِلثَّمَنِ فِيهِ مُطْلَقَا
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِهِ فَفِي الثَّمَرْ ... مَا بَلَغَ الثُّلْثَ فَأَعْلَى الْمُعْتَبَرْ
وَفِي الْبُقُولِ الْوَضْعُ فِي الْكَثِيرِ ... وَفِي الَّذِي قَلَّ عَلَى الْمَشْهُورِ
وَأَلْحَقُوا نَوْعَ الْمَقَاثِئِ بِالثَّمَرْ ... هُنَا وَمَا كَالْيَاسَمِينِ وَالْجَزَرْ
حَاصِلُ الْأَبْيَاتِ أَنَّ الْجَائِحَةَ إنْ كَانَتْ مِنْ الْعَطَشِ فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي ثَمَنُ مَا اُجْتِيحَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ (بِالْإِطْلَاقِ) وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْعَطَشِ يُفَصَّلُ فِي ذَلِكَ فَفِي: - الثِّمَارِ لَا يُوضَعُ إلَّا مَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ، وَيُلْحَقُ بِالثِّمَارِ فِي اعْتِبَارِ الثُّلُثِ أَنْوَاعُ الْمَقَاثِئِ وَمَا كَالْيَاسَمِينِ، وَمُغَيَّبُ الْأَصْلِ كَالْجَزَرِ حَسْبَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّاظِمُ فِي الْبَيْتِ الرَّابِعِ عَلَى بَحْثٍ يَأْتِي مَعًا فِي مُغَيَّبِ الْأَصْلِ. وَأَمَّا الْبُقُولُ فَتُوضَعُ جَائِحَتُهَا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ عَلَى الْمَشْهُودِ.
(قَالَ مَالِكٌ) مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ الْبُقُولِ السَّلْقِ وَالْبَصَلِ وَالْجَزَرِ وَالْفُجْلِ وَالْكُرَّاثِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُوضَعُ قَلِيلُ مَا أُجِيحَ مِنْ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ. (ابْنُ الْمَوَّازِ) وَاللِّفْتُ، وَالْأُصُولُ، الْمُغَيَّبَةُ فِي الْأَرْضِ مِمَّا لَا يُدَّخَرُ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ. (سَحْنُونٌ) ، وَأَمَّا الزَّعْفَرَانُ وَالرَّيْحَانُ، وَالْبَقْلُ، وَالْقُرْطُ، وَالْقَضْبُ فَإِنَّ الْجَوَائِحَ تُوضَعُ فِي قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَلَا تَصِحُّ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ
стр. 302
اهـ مِنْ الْمَوَّاقِ.
(تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ مِنْ إلْحَاقِ مُغَيَّبِ الْأَصْلِ كَالْجَزَرِ بِالثِّمَارِ فَلَا تُوضَعُ جَائِحَتُهُ إلَّا إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة وَنَقَلَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ حَسْبَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ تُوضَعُ جَائِحَتُهُ وَإِنْ قَلَّتْ وَعَلَيْهِ دَرَجَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ وَتُوضَعُ مِنْ الْعَطَشِ وَإِنْ قَلَّتْ كَالْبُقُولِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالرَّيْحَانِ وَالْقُرْطِ وَالْقَضْبِ وَوَرَقِ التُّوتِ وَمُغَيَّبِ الْأَصْلِ كَالْجَزَرِ وَالْجَزَرِ الإسفرانية وَانْظُرْ هَلْ يُحَاوَلُ عَلَى إفَادَةِ الْخِلَافِ فِي مُغَيَّبِ الْأَصْلِ مِنْ النَّظْمِ وَذَلِكَ إنْ أَعْرَبْنَا قَوْلَهُ وَالْجَزَرُ مُبْتَدَأٌ
(وَقَوْلٌ) فِي الْبَيْتِ بَعْدَهُ (وَالْقَصَبُ) عَطْفٌ عَلَيْهِ وَجُمْلَةُ بِهِ قَوْلَانِ خَبَرٌ عَنْ الْجَزَرِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَبَاءُ (بِهِ) ظَرْفِيَّةٌ وَضَمِيرُهَا لِلْمَذْكُورِ مِنْ جَزَرٍ وَقَصَبٍ لِأَنَّ ذِكْرَ الْخِلَافِ أَوْلَى مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ. وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ مَا نَصُّهُ: مَنْ جَعَلَ فِي الْفُجْلِ وَالْجَزَرِ وَاللِّفْتِ وَالْأُصُولِ الْمُغَيَّبَةِ الْجَائِحَةِ فِي الثُّلُثِ فَصَاعِدًا يَجْعَلُ فِيهَا الشُّفْعَةَ. وَمَنْ جَعَلَ الْجَائِحَةَ فِيهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَالْبُقُولِ لَمْ يَجْعَلْ فِيهَا الشُّفْعَةَ وَالْأَحْسَنُ فِيهَا قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ أَنْ لَا شُفْعَةَ فِيهَا وَلَيْسَتْ كَالْبَاذِنْجَانِ وَالْمَقَاثِئِ لِأَنَّ هَذِهِ لَهَا ثَمَرَةٌ تَخْرُجُ عَنْ أُصُولِهَا تُجْتَنَى وَتَبْقَى أَيْ الْأُصُولُ، اهـ قَوْلُهُ وَلَيْسَتْ كَالْبَاذِنْجَانِ وَالْمَقَاثِئِ أَيْ اللَّذَيْنِ لَا تُوضَعُ جَائِحَتُهُمَا إلَّا إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ بَلْ تُوضَعُ مِنْ مُغَيَّبِ الْأَصْلِ وَإِنْ قَلَّتْ لِأَنَّهَا إذَا جُنِيَتْ لَمْ يَبْقَ لَهَا أَصْلٌ.
(تَنْبِيهٌ ثَانٍ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِ النَّاظِمِ
وَإِنْ تَكُنْ مِنْ غَيْرِهِ فَفِي الثَّمَرِ
الْبَيْتَ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ [وَتُوضَعُ جَائِحَةُ الثِّمَارِ كَالْمَوْزِ وَالْمَقَاثِئِ]
(قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازٍ) نَبَّهَ بِالثِّمَارِ عَلَى مَا يُدَّخَرُ كَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَنَبَّهَ بِالْمَوْزِ عَلَى مَا لَا يُدَّخَرُ كَالْخَوْخِ وَالرُّمَّانِ وَنَبَّهَ بِالْمَقَاثِئِ عَلَى مَا يُطْعِمُ بُطُونًا كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ حَسْبَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَنْطَبِقُ قَوْلُهُ وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ عَلَى الْجَمِيعِ اهـ
وَالْقَصَبُ الْحُلْوُ بِهِ قَوْلَانِ ... كَوَرَقِ التُّوتِ هُمَا سِيَّانِ
يَعْنِي أَنَّ: فِي الْقَصَبِ الْحُلْوِ وَوَرَقِ التُّوتِ قَوْلَيْنِ هَلْ يُلْحَقَانِ بِالثِّمَارِ فَلَا تُوضَعُ الْجَائِحَةُ فِيهِمَا إلَّا إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ أَوْ يُلْحَقَانِ بِالْبُقُولِ فَتُوضَعُ جَائِحَتُهُمَا وَإِنْ قَلَّتْ، نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ النَّوَادِرِ أَنَّ الْجَائِحَةَ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ لَا تُوضَعُ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ. وَأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الْجَائِحَةَ تُوضَعُ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ وَإِنْ قَلَّتْ. وَنَقَلَ أَيْضًا عَنْ الْوَاضِحَةِ قَالَ وَجَائِحَةُ وَرَقِ التُّوتِ الَّذِي يُبَاعُ لِيُجْمَعَ أَخْضَرَ لِعَلْفِ دُودِ الْحَرِيرِ كَجَائِحَةِ الْبَلَحِ وَشِبْهِهِ يُوضَعُ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا وَلَيْسَ كَالْبَقْلِ. وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي وَرَقِ التُّوتِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ كَالْبَقْلِ يُوضَعُ مِنْهُ مَا قَلَّ وَمَا كَثُرَ وَذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْجَائِحَةِ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ رَأْسًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَطِيبَ وَيُمْكِنَ قَطْعُهُ وَلَيْسَ هُوَ بِبُطُونٍ وَقِيلَ فِيهِ الْجَائِحَةُ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ هُوَ كَالثِّمَارِ أَوْ كَالْبُقُولِ؟ الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ وَإِنَّمَا شَرَحْنَا الْقَوْلَيْنِ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ بِمَا ذُكِرَ دُونَ الْقَوْلِ بِالْجَائِحَةِ وَعَدَمِهَا لِيُوَافِقَ الْقَوْلَيْنِ فِي وَرَقِ التُّوتِ عَلَى أَنَّهُ كَالْبَقْلِ تُوضَعُ جَائِحَتُهُ وَإِنْ قَلَّتْ لِكَوْنِهِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ
وَكُلُّهَا الْبَائِعُ ضَامِنٌ لَهَا ... إنْ كَانَ مَا أُجِيحَ قَبْلَ الِانْتِهَاءِ
يَعْنِي أَنَّ: الثِّمَارَ كُلَّهَا فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فَيُرْجَعُ عَلَيْهِ بِجَائِحَتِهَا إذَا أُجِيحَتْ قَبْلَ انْتِهَاءِ الطِّيبِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا أُجِيحَ بَعْدَ انْتِهَائِهِ فَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ وَضَمَانُهَا حِينَئِذٍ مِنْ الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الطِّيبِ لِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي حَقًّا عَلَى الْبَائِعِ فِي إبْقَاءِ الثَّمَرَةِ فِي أُصُولِهَا لِصَلَاحِهَا وَكَمَالِ طِيبِهَا فَقَدْ بَقِيَ لَهُ فِيهَا حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَلَهُ عَلَى الْبَائِعِ سَقْيُهَا وَظَاهِرُ النَّظْمِ أَنَّ بِانْتِهَاءِ الطِّيبِ تَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَمْضِ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ قَطْعُهَا. وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ.
" قَالَ الْحَطَّابُ " نَاقِلًا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَحَدُهُمَا أَنَّ
стр. 303
الثَّمَرَةَ تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَيَسْقُطُ عَنْ الْبَائِعِ فِيهَا حُكْمُ الْجَائِحَةِ بِتَنَاهِي طِيبِهَا وَإِنْ لَمْ يَمْضِ مِنْ الْمُدَّةِ بَعْدَ تَنَاهِي طِيبِهَا مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ قَطْعُهَا الثَّانِي مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْبَائِعِ حُكْمُ الْجَائِحَةِ إلَّا بَعْدَ تَنَاهِي طِيبِهَا وَأَنْ يَمْضِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بَعْدَ تَنَاهِي طِيبِهَا مَا لَوْ شَاءَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يَجُذَّهَا فِيهِ جَذَّهَا. الثَّالِثُ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ وَيَرْتَفِعُ عَنْ الْبَائِعِ حُكْمُ الْجَائِحَةِ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بَعْدَ انْتِهَاءِ طِيبِهَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الْعُرْفُ مِنْ التَّرَاخِي فِي ذَلِكَ وَاشْتَرَى عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْبَيِّنَ عِنْدَهُمْ كَالشَّرْطِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ جَيِّدَةٌ مُسْتَقْصَاةٌ مُحَصَّلَةٌ غَايَةَ التَّحْصِيلِ لَمْ أَرَهَا مَجْمُوعَةً وَلَا مُخَلَّصَةً مُحَصَّلَةً لِمُتَقَدِّمٍ وَلَا سَمِعْتُهَا مِنْ مُتَأَخِّرٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ الْهَادِي بِعَوْنِهِ اهـ كَلَامُهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِتَمَامِ مَعْنَاهُ فِي أَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَلْطَفِ إشَارَةٍ.
وَنَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَا أُجِيحَ قَبْلَ كَمَالِ طِيبِهِ: الْجَائِحَةُ اتِّفَاقًا لِحَقِّ الْمُبْتَاعِ فِي بَقَائِهَا حَتَّى تَيْبَسَ وَمَا أُجِيحَ بَعْدَ إمْكَانِ جِذَاذِهِ بَعْدَ طِيبِهِ وَقَبْلَ مُضِيِّ مَا يُؤَخَّرُ إلَيْهِ جَذُّهُ عَادَةً يَجْرِي عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقَبُولِ وَمَا أُجِيحَ بَعْدَهُ مِنْ مُبْتَاعِهِ اتِّفَاقًا فَفِي كَوْنِ الثَّمَرَةِ مِنْ مُبْتَاعِهَا يَتَنَاهَى طِيبُهَا وَإِنْ لَمْ يَمْضِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ جَذُّهَا أَوْ بِمُضِيِّهَا. ثَالِثُهَا: بِمُضِيِّ ذَلِكَ وَمَا يَجْرِي الْعُرْفُ بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ وَهَذَا تَحْصِيلٌ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ اهـ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبُقُولِ أَيْ لِأَنَّهُ قَالَ مَرَّةً فِيهَا الْجَائِحَةُ، وَمَرَّةً لَا جَائِحَةَ فِيهَا. فَالثَّمَرَةُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا كَالْبُقُولِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ضَمَانِ الْمَكِيلِ إذَا تَلِفَ بَعْدَ أَنْ يَمْتَلِئَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَقَبْلَ أَنْ يُفْرِغَهُ فِي وِعَائِهِ.
(تَنْبِيهَانِ: - الْأَوَّلُ) لَمْ يَذْكُرْ النَّاظِمُ كَيْفِيَّةَ الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِالْجَائِحَةِ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِأَنَّ الثِّمَارَ عَلَى قِسْمَيْنِ: -
(الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ مَا بِيعَ مِنْ الثَّمَرِ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَيْبَسَ وَيُدَّخَرَ وَيُحْبَسَ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ حَتَّى يُجَذَّ جَمِيعُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُخْرَصُ أَوْ لَا وَذَلِكَ كَالتَّمْرِ، وَالْعِنَبِ، وَالزَّيْتُونِ، وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا إذَا أُجِيحَ مِنْهُ الْقَدْرُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْجَائِحَةِ وَهُوَ ثُلُثُ الْمَكِيلَةِ فَأَكْثَرُ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي نِسْبَةُ مَا أُجِيحَ مِنْ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَا يُلْتَفَتُ هُنَا إلَى الْقِيمَةِ فَإِنْ أُجِيحَ مَثَلًا ثُلُثُ مَكِيلَةِ الْحَائِطِ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي ثُلُثُ الثَّمَنِ، أَوْ النِّصْفُ وُضِعَ عَنْهُ نِصْفُ الثَّمَنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَإِنْ أُجِيحَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ فِي الْمِقْدَارِ لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا تَقْوِيمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ لِمُبْتَاعِهَا تَعْجِيلَ جَذِّهَا أَوْ تَأْخِيرَهَا حَتَّى تَيْبَسَ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ لَا تَقْوِيمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ قُبَّةَ الْمُجَاحِ وَغَيْرِهِ مُتَسَاوِيَةٌ لَا تَتَفَاوَتُ فَلَا فَائِدَةَ لِلتَّقْوِيمِ بِخِلَافِ مَا يَتَفَاوَتُ طِيبُهُ وَمَا اخْتَلَفَتْ بُطُونُهُ فَإِنَّ الْقِيمَةَ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ. اهـ
(الْقِسْمُ الثَّانِي) قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا بِيعَ مِمَّا يُطْعِمُ بُطُونًا كَالْمَقَاثِئِ وَالْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينِ، وَشِبْهِهِ أَوْ مِنْ الثِّمَارِ، أَوْ مِمَّا لَا يُخْرَصُ وَلَا يُدَّخَرُ مِمَّا يُطْعَمُ فِي كُرَةٍ إلَّا أَنَّ طِيبَهُ يَتَفَاوَتُ، وَلَا يُحْبَسُ، أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ كَالتُّفَّاحِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْخَوْخِ وَالتِّينِ فَإِنْ أُجِيحَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهُ قَدْرَ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ فِي النَّبَاتِ فَأَكْثَرَ أَوَّلَ مَجْنَاهُ أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ حُطَّ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرُ قِيمَتِهِ فِي زَمَنِهِ مِنْ قِيمَةِ بَاقِيهِ كَانَ فِي الْقِيمَةِ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَكْثَرُ. وَإِنْ كَانَ الْمُجَاحُ مِنْ الْجَمِيعِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ لَا فِي الْقِيمَةِ فَلَا يُوضَعُ فِيهِ جَائِحَةٌ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ نَقَصَتْ مِثْلَ أَنْ يَبْتَاعَ مَقْثَأَةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأُجِيحَ بَطْنٌ مِنْهَا ثُمَّ جَنَى بَطْنَيْنِ فَانْقَطَعَتْ فَإِنْ كَانَ الْمُجَاحُ مِمَّا لَمْ يُجَحْ قَدْرَ ثُلُثِ النَّبَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ نَاحِيَةِ النَّبَاتِ وُضِعَ قَدْرُهُ. وَقِيلَ مَا قِيمَةُ الْمُجَاحِ فِي زَمَنِهِ فَقِيلَ ثَلَاثُونَ وَالْبَطْنُ الثَّانِي عِشْرُونَ وَالثَّالِثُ عَشَرَةٌ فِي زَمَانِهَا لِغَلَاءِ أَوَّلِهِ. وَإِنْ قَلَّ وَرَخُصَ آخِرُهُ وَإِنْ كَثُرَ فَيُرْجَعُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُجَاحُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْقِيمَةِ لَرَجَعَ بِمِثْلِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فِي النَّبَاتِ لَمْ يُوضَعْ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الصَّفْقَةِ وَكَذَلِكَ فِيمَا يَتَفَاوَتُ طِيبُهُ مِمَّا لَيْسَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ اهـ مِنْ الْمَوَّاقِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ الْمُجَاحُ فِي وَقْتِهِ وَغَيْرُ الْمُجَاحِ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ يُنْسَبُ قِيمَةُ الْمُجَاحِ مِنْ الْمَجْمُوعِ، فَإِنْ كَانَتْ ثُلُثًا رَجَعَ بِثُلُثِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَتْ رُبُعًا رَجَعَ بِرُبُعِ
стр. 304
الثَّمَنِ، وَإِنْ نِصْفًا رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَهَكَذَا. وَقِيلَ إنَّ الْجَائِحَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِثُلُثِ الْقِيمَةِ فَإِنْ أُجِيحَ قِيمَةُ ثُلُثِ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي نِسْبَةُ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا وَغَيْرِهَا وَإِلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَشَارَ الْإِمَامُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ، [وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَكِيلَةِ لَا ثُلُثُ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيُحَطُّ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرُ قِيمَتِهِ مِنْ بَاقِيهِ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَكْثَرَ]
(وَقَالَ أَشْهَبُ) الْمُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ يُحْبَسُ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ كَالْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، فَبِالْمَكِيلَةِ بِاتِّفَاقٍ. اهـ فَقَوْلُهُ مُطْلَقًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْ: كَانَ مِمَّا يُطْعِمُ بَطْنًا أَوْ بُطُونًا كَالْمَقَاثِئِ، وَالْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينَ وَيُحْتَمَلُ: بَلَغَ ثُلُثَ الْقِيمَةِ أَمْ لَا وَقَوْلُهُ (قَدْرَ قِيمَتِهِ) أَيْ: قِيمَةِ الْمُجَاحِ الَّذِي هُوَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ مَنْسُوبًا مِنْ قِيمَةِ الْمَجْمُوعِ مَا أُجِيحَ وَمَا لَمْ يُجَحْ كَمَا تَقَدَّمَ فَبِتِلْكَ النِّسْبَةِ يُرْجَعُ مِنْ الثَّمَنِ. وَقَوْلُهُ بِاتِّفَاقٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ حَكَى جَمَاعَةٌ هَذَا الِاتِّفَاقَ كَالْمُؤَلِّفِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ صِنْفًا وَاحِدًا وَلَوْ كَانَ أَصْنَافًا كَالْبَرْنِيِّ وَالْجُعْرُورِيِّ وَالصَّيْحَانِيِّ لَجَرَى عَلَى الْخِلَافِ. اهـ. أَيْ: الْمُتَقَدِّمِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ هَلْ الْمُعْتَبَرُ الْمَكِيلَةُ أَوْ الْقِيمَةُ؟
(الثَّانِي) إذَا بَقِيَ بَعْدَ الْجَائِحَةِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي بِمَا يَنْوِيهِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ قَلَّ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ وَأَخْذُ جَمِيعِ ثَمَنِهِ كَمَا إذَا اسْتَحَقَّ جُلَّ الْمَبِيعِ إذْ لَا سَبَبَ لِلْبَائِعِ فِي الْجَائِحَةِ فَفَارَقَ ذَلِكَ حُكْمَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلُ بِقَوْلِهِ (وَلَزِمَ الْمُشْتَرِي بَاقِيهَا وَإِنْ قَلَّ)
(الثَّالِثُ) غُلُوُّ السِّعْرِ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِلرُّجُوعِ بِالْجَائِحَةِ قَالَ الْحَطَّابُ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي وَنَصُّهُ وَلَوْ أُجِيحَ وَغَلَا ثَمَنُ الثَّمَرَةِ حَتَّى زَادَ عَلَى الْمَعْلُومِ مِنْ الْأَثْمَانِ لَوْ لَمْ تَكُنْ جَائِحَةٌ مَا سَقَطَتْ. اهـ، وَمَنْ أَرَادَ تَتَبُّعَ مَسَائِلَ هَذَا الْفَصْلِ فَعَلَيْهِ بِتَأْلِيفِ الْإِمَامِ الْحَطَّابِ فِي مَسَائِلِ الْجَوَائِحِ الْمُسَمَّى بِالْقَوْلِ الْوَاضِحِ فِي مَسَائِلِ الْجَوَائِحِ.
(الرَّابِعُ) : إنَّمَا قَدَّمْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ بَعْضَ الْأَبْيَاتِ عَلَى بَعْضٍ لِمَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ]
ِ
بَيْعُ الرَّقِيقِ أَصْلُهُ السَّلَامَهْ ... وَحَيْثُ لَمْ تُذْكَرْ فَلَا مَلَامَهْ
وَهُوَ مُبِيحٌ لِلْقِيَامِ عِنْدَمَا ... يُوجِبُ عَيْبٌ بِالْمَبِيعِ قُدِّمَا
يَعْنِي أَنَّ: الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ السَّلَامَةُ مِنْ الْعَيْبِ فَإِنْ نُصَّ عَلَيْهَا فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ تَذَكَّرَ فَلَا مَلَامَةَ فِي عَدَمِ ذِكْرِهَا، وَالْبَيْعُ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا، وَإِنْ سَكَتَ عَنْهَا اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فَلِذَلِكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْقِيَامُ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ يَجِدُهُ بِالْمَبِيعِ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَلَا قِيَامَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ حِينَئِذٍ بِعَيْبٍ إلَّا بِمَا ثَبَتَ تَدْلِيسُهُ بِهِ. وَإِلَى إبَاحَةِ قِيَامِ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ مُبِيحٌ) الْبَيْتَ وَالضَّمِيرُ لِبَيْعِ الرَّقِيقِ الَّذِي أَصْلُهُ السَّلَامَةُ يَعْنِي مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَلَا قِيَامَ لَهُ كَمَا ذَكَرَ.
(قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) : بَيْعُ الرَّقِيقِ عَلَى وَجْهَيْنِ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ وَعَلَى الْبَرَاءَةِ وَيُكْتَبُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اشْتَرَى فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ مَمْلُوكَةً رُومِيَّةً اسْمُهَا كَذَا، أَوْ مَمْلُوكَةً سَوْدَاءَ جَانِيَةً أَوْ بَزِيزِيَّةً اسْمُهَا كَذَا، أَوْ مَمْلُوكًا اسْمُهُ كَذَا وَنَعْتُهُ كَذَا، بِثَمَنٍ مَبْلَغُهُ كَذَا يَدْفَعُهُ لِأَجْلِ كَذَا وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ النَّظَرِ، وَالتَّقْلِيبِ، وَالرِّضَا عَلَى الصِّحَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ، أَوْ بَعْدَ الْعِلْمِ أَنَّ بِهَا مِنْ الْعُيُوبِ كَذَا وَكَذَا فَرَضِيَهَا، وَالْتَزَمَهَا، وَعَلَى السَّلَامَةِ مِمَّا عَدَا ذَلِكَ، وَشُهِدَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَبِمَحْضَرِ الْمَمْلُوكَةِ، وَعَلَى عَيْنِهَا وَإِقْرَارِهَا بِالرِّقِّ لِبَائِعِهَا الْمَذْكُورِ إلَى أَنْ عُقِدَ عَلَيْهَا هَذَا الْبَيْعُ وَفِي تَارِيخِ كَذَا. (بَيَانٌ) فَائِدَةُ الِاعْتِرَافِ بِالرِّقِّ أَنَّهُ قَدْ يُثْبِتُ حُرِّيَّةً وَالْبَائِعُ عَدِيمٌ وَالْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ ذُو مَالٍ فَيُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ.
وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ أَنَّهُ لَا قِيَامَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْحُرِّيَّةِ إنْ ادَّعَاهَا وَقَوْلُنَا عَلَى الصِّحَّةِ
стр. 305
وَالسَّلَامَةِ بَيَانٌ حَسَنٌ وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ فَالْبَيْعُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ حَتَّى يَنُصَّ فِيهِ أَنَّهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَحُكْمُ هَذَا الْبَيْعِ أَنَّ مَا أَلْفَى فِي الْمَبِيعِ مِنْ عَيْبٍ أَقْدَمَ مِنْ أَمَدِ الْبَيْعِ رَجَعَ بِهِ. اهـ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَيْعِ الْبَرَاءَةِ حَيْثُ ذَكَرَهُ النَّاظِمُ. (فَرْعٌ) نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الْمُقَرَّبِ مَا نَصُّهُ وَلِمَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ اشْتَرَى بِالْبَرَاءَةِ فَلَا يَبِيعُ بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ حَتَّى يُخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِالْبَرَاءَةِ وَمَنْ اشْتَرَى بِبَيْعِ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ فَلَا يَبِيعُ بِالْبَرَاءَةِ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَكُونُ فِي مِثْلِهِ التَّدْلِيسُ إلَّا رَجُلًا بَاعَ لِدَيْنٍ عَلَيْهِ، أَوْ فِي مِيرَاثٍ، أَوْ بَيْعِ السُّلْطَانِ فَإِنَّ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَبِيعُوا بَيْعَ الْبَرَاءَةِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ ابْتَاعُوا بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَةِ الْإِسْلَامِ. اهـ
وَالْعَيْبُ إمَّا ذُو تَعَلُّقٍ حَصَلْ ... ثُبُوتُهُ فِيمَا يُبَاعُ كَالشَّلَلْ
أَوْ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ لَكِنَّهْ ... مُنْتَقِلٌ عَنْهُ كَمِثْلِ الْجَنَّهْ
أَوْ بَائِنٌ كَالزَّوْجِ وَالْإِبَاقِ ... فَالرَّدُّ فِي الْجَمِيعِ بِالْإِطْلَاقِ
إلَّا بِأَوَّلٍ بِمَا مِنْهُ ظَهَرْ ... لِمَنْ يَكُونُ بِالْعُيُوبِ ذَا بَصَرْ
وَالْخُلْفُ فِي الْخَفِيِّ مِنْهُ وَالْحَلِفْ ... يَلْزَمُ إلَّا مَعَ تَدَيُّنٍ عُرِفْ
يَعْنِي أَنَّ: عُيُوبَ الرَّقِيقِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: - أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ تَعَلُّقَ ثُبُوتٍ لَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ كَالشَّلَلِ وَالْقَطْعِ وَالْكَيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ تَعَلُّقَ انْتِقَالٍ كَالْجُنُونِ، وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ بَائِنًا عَنْهُ كَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَالزَّوْجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَشَطْرِ الثَّالِث وَالشَّلَلُ يُبْسُ الْكَفِّ لِجُرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَمَنْ اشْتَرَى رَقِيقًا فَوَجَدَ فِيهِ عَيْبًا قَدِيمًا مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَلَهُ الرَّدُّ بِهِ كَانَ الْمُشْتَرِي عَارِفًا بِالْعُيُوبِ أَوْ غَيْرَ عَارِفٍ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَهُ الرَّدُّ بِعُيُوبِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لِغَيْرِ الْعَارِفِ ظَاهِرًا كَانَ الْعَيْبُ أَوْ خَفِيًّا. وَأَمَّا الْعَارِفُ فَلَا رَدَّ لَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ ظَاهِرٌ، تَقْدِيمًا لِلْغَالِبِ الَّذِي هُوَ رُؤْيَتُهُ وَالْعِلْمُ بِهِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْجَهْلُ بِهِ وَأَمَّا الْخَفِيُّ فَفِي رُجُوعِ الْعَارِفِ بِهِ قَوْلَانِ: - أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا رَدَّ لَهُ رَوَاهُ (ابْنُ حَبِيبٍ) وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ يَرُدُّ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَا رَآهُ. قَوْلُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ بَصَرِهِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ لِتَدَيُّنِهِ فَلَهُ الرَّدُّ فِي الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ دُونَ يَمِينٍ. وَإِلَى الرَّدِّ بِمَا ذُكِرَ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (فَالرَّدُّ فِي الْجَمِيعِ بِالْإِطْلَاقِ إلَّا بِأَوَّلٍ إلَى آخِرِ الْبَيْتَيْنِ) وَضَمِيرُ مِنْهُ فِي الْبَيْتِ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْعُيُوبِ.
(وَقَوْلُهُ فِي الْخَفِيِّ مِنْهُ إلَخْ) يَعْنِي وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا مِنْ كَوْنِ الْمُشْتَرِي ذَا بَصَرٍ بِالْعُيُوبِ وَحَلِفُهُ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ لَهُ الرَّدَّ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ تَقْسِيمَ الْمُشْتَرِي إلَى كَوْنِهِ عَارِفًا بِالْعُيُوبِ أَوْ لَا إنَّمَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَطْ بِمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَبِيعِ إذْ هُوَ الَّذِي يَفْتَرِقُ فِيهِ الْعَارِفُ مِنْ غَيْرِهِ.
стр. 306
وَأَمَّا الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ فَالْعَارِفُ وَغَيْرُهُ فِيهِمَا سَوَاءٌ. وَإِنَّمَا يُذْكَرُ فِيهِمَا تَتْمِيمًا لِلتَّقْسِيمِ لَا غَيْرُ
(قَالَ الشَّارِحُ) وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ مِنْ الْعُيُوبِ بِالْأَبْدَانِ تَعَلُّقَ انْتِقَالٍ أَوْ كَانَ بَائِنًا عَنْهَا فَلِلْمَبِيعِ الرَّدُّ بِهِ نَخَّاسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
(تَفْرِيعٌ) إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ بِالْعَيْبِ إذَا ثَبَتَ الْعَيْبُ وَكَوْنُهُ قَدِيمًا أَيْ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي، وَلَا رَضِيَ بِهِ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَإِذَا تَنَازَعَا فِي وُجُودِ الْعَيْبِ الْخَفِيِّ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ لَا يُقْبَلُ دَعْوَى الْمُبْتَاعِ إنْ بَاعَ لَهُ عَيْبًا دُونَ أَنْ يُبَيِّنَهُ بِالْمُشَاهَدَةِ إنْ كَانَ مُشَاهَدًا أَوْ بِالْبَيِّنَةِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُشَاهَدٍ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عُدُولٌ قُبِلَ غَيْرُهُمْ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ (الْبَاجِيُّ) وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ وَسَيَأْتِي هَذَا لِلنَّاظِمِ آخَرَ التَّرْجَمَةِ. وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ وَحُدُوثِهِ فَقَالَ (فِي التَّوْضِيحِ) لَا يَخْلُو الْعَيْبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَحْدُثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ مِمَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ عِنْدَ الْبَائِعِ فَالْقَوْلُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَوْلُ مَنْ قَوِيَ سَبَبُهُ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِهِ. أَوْ يَكُونُ مُحْتَمَلًا فَيُثْبِتُهُ الْمُبْتَاعُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْبَيِّنَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ إذْ الْأَصْلُ لُزُومُ الْعَقْدِ. اهـ
فَقَوْلُهُ مِمَّا لَا يَحْدُثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَيْ لِظُهُورِ عَلَامَةِ قِدَمِهِ. وَقَوْلُهُ، أَوْ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عِنْدَ الْبَائِعِ أَيْ لِظُهُورِ عَلَامَةِ حُدُوثِهِ وَقَوْلُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ قَوِيَ سَبَبُهُ هُوَ الْمُشْتَرِي فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَالْبَائِعُ فِي الثَّانِيَةِ. وَإِذَا تَنَازَعَا فِي دُخُولِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَيْبِ فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِالْعَيْبِ أَوْ أَرَاهُ إيَّاهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ الْيَمِينُ فَإِنْ حَلَفَ رُدَّ بِالْعَيْبِ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْبَائِعُ وَبَرِئَ مِنْهُ. (قَالَهُ الْبَاجِيُّ) نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَإِذَا تَنَازَعَا فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَرَضِيَهُ (فَفِي الْمُدَوَّنَةِ) لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُبْتَاعُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ عَلِمَ رِضَاهُ بِمُخْبِرٍ أَخْبَرَهُ. أَوْ يَقُولُ قَدْ بَيَّنْتُهُ لَهُ فَرَضِيَهُ. قَالَ فِيهَا وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ احْلِفْ أَنَّك لَمْ تَرَ الْعَيْبَ عِنْدَ الشِّرَاءِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ حَتَّى يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَرَاهُ إيَّاهُ فَيَحْلِفُ. قَالَهُ فِي (التَّوْضِيحِ) وَكَيْفِيَّةُ دُخُولِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَيْبِ أَنَّ الْعَيْبَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتَفَاوَتَ فِي نَفْسِهِ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ أَوْ لَا، فَالثَّانِي يَبْرَأُ بِتَسْمِيَتِهِ كَقَطْعِ الْيَدِ وَالْعَوَرِ مَثَلًا وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا تَنْقَطِعُ حُجَّةُ الْمُشْتَرِي فِيهِ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: - الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ هُوَ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَا يَنْفَعُهُ لَوْ أَفْرَدَهُ فَقَالَ أَبِيعُكَ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كَذَا حَتَّى يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ بِهِ. ثَانِيهَا: أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ بِمُشَاهَدَةٍ، أَوْ خَبَرٍ يَقُومُ مَقَامَهَا. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يُجْمِلَهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ لَهُ مَا لَيْسَ فِيهِ اعْتَقَدَ الْمُبْتَاعُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَ كَذَلِكَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ عَيْبٍ (قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ) وَلَّى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ أَشَارَ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ وَإِذَا عَلِمَهُ بَيَّنَ أَنَّهُ بِهِ وَوَصَفَهُ أَوْ أَرَاهُ لَهُ وَلَمْ يُجْمِلْهُ.
وَحَيْثُ لَا يَثْبُتُ فِي الْعَيْبِ الْقِدَمْ ... كَانَ عَلَى الْبَائِعِ فِي ذَاكَ الْقَسَمْ
وَهُوَ عَلَى الْعِلْمِ بِمَا يَخْفَى وَفِي ... غَيْرِ الْخَفِيِّ الْحَلْفُ بِالْبَتِّ اُقْتُفِيَ
وَفِي نُكُولِ بَائِعٍ مَنْ اشْتَرَى ... يَحْلِفُ وَالْحَلِفُ عَلَى مَا قَرَّرَا
تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي قِدَمِ الْعَيْبِ وَحُدُوثِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ. وَإِذَا قُلْنَا بِحَلِفِهِ فَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتّ، أَوْ عَلَى الْعِلْمِ فِيهِ تَفْصِيلٌ: - فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يَخْفَى حَلَفَ عَلَى
стр. 307
الْعِلْمِ. وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ. فَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ حَلَفَ الْمُشْتَرِي وَرُدَّ. وَحَلِفُهُ كَمَا ذَكَرَ فِي الْبَائِعِ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ وَعَلَى الْبَتِّ فِي الظَّاهِرِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَهُوَ بِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى مِثْلُهُ وَيَرَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَهُوَ بِهِ وَعَلَى الْمُبْتَاعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ قَدِيمًا عِنْدَ الْبَائِعِ. وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِذَا كَانَ عَيْبٌ يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَيَقْدُمُ حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى الْعِلْمِ فِيمَا يَخْفَى وَعَلَى الْبَتِّ فِيمَا لَا يَخْفَى فَإِنْ نَكَلَ فِي الْوَجْهَيْنِ حَلَفَ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْعِلْمِ. قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يَحْلِفُ الْبَائِعُ فِي الْبَتِّ وَالْعِلْمِ
(قَالَ الشَّارِحُ) اعْتَمَدَ الشَّيْخُ مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ كَوْنِ حَلِفِ الْمُبْتَاعِ كَحَلِفِ الْبَائِعِ فِي الْعُلُوِّ وَالْبَتِّ دُونَ رِوَايَةِ عِيسَى لِأَنَّهُ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ.
(وَفِي الْمُخْتَصَرِ) وَيَمِينُهُ بِعْتُهُ وَفِي ذِي التَّوْفِيَةِ، وَأَقْبَضْتُهُ، وَمَا هُوَ بِهِ بَتًّا فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ
وَلَيْسَ فِي صَغِيرَةٍ مُوَاضَعَهْ ... وَلَا لِوَخَشٍ حَيْثُ لَا مُجَامَعَهْ
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَعْجِيلِ الثَّمَنْ ... وَإِنْ يَكُنْ ذَاكَ بِطَوْعٍ فَحَسَنْ
стр. 308
الْمُوَاضَعَةُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ جَعْلُ الْأَمَةِ مُدَّةَ اسْتِبْرَائِهَا فِي حَوْزٍ مَقْبُولٍ خَبَرُهُ عَنْ حَيْضَتِهَا. اهـ
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) الشَّأْنُ كَوْنُهَا عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ فَإِنْ وُضِعَتْ بِيَدِ رَجُلٍ لَهُ أَهْلٌ يَنْظُرُونَهَا أَجْزَأَ. (ابْنُ رُشْدٍ) الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ لِحِفْظِ النَّسَبِ كَوُجُوبِ الْعِدَّةِ. وَأَمَّا الْمُوَاضَعَةُ فَهِيَ أَيْضًا وَاجِبَةٌ لِدَفْعِ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ وَذَلِكَ فِي الْأَمَةِ الَّتِي يُنْقِصُ الْحَمْلُ مِنْ ثَمَنِهَا كَثِيرًا، أَوْ الَّتِي وَطِئَهَا الْبَائِعُ. اهـ قَدْ اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: - الْأَوَّلُ: مَنْ اشْتَرَى أَمَةً صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ، أَوْ كَبِيرَةً، وَخْشًا وَهِيَ الَّتِي لَا تُرَادُ لِلْوَطْءِ فَلَا مُوَاضَعَةَ فِيهِمَا. إنَّمَا الْمُوَاضَعَةُ فِي الَّتِي تُطِيقُ مَنْ الرَّقِيقِ أَوْ وَخْشَةٍ إذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَمَةَ الْمُوَاضَعَةَ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِيهَا لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا إنْ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ أَوْ سَلَفًا إنْ ظَهَرَ. فَإِنْ شُرِطَ النَّقْدُ فَسَدَ الْبَيْعُ. فَإِنْ وَقَعَ النَّقْدُ تَطَوُّعًا بَعْدَ الْعَقْدِ جَازَ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) لِكُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ نَظَائِرُ أَمَّا الْأُولَى: - فَنَظَائِرُهَا فِي عَدَمِ الْمُوَاضَعَةِ سِتٌّ (قَالَ اللَّخْمِيُّ) لَا مُوَاضَعَةَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِي سِتٍّ: ذَاتِ الزَّوْجِ، وَالْحَامِلِ، وَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ، أَوْ وَفَاةٍ، وَالْمُسْتَبْرَأَةِ مِنْ غَصْبٍ، أَوْ زِنًا. اهـ، وَكَذَا الْمَرْدُودَةِ بِعَيْبٍ، أَوْ فَسَادٍ، أَوْ إقَالَةٍ، وَنَظِيرُ الثَّانِيَةِ فِي مَنْعِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ، وَجَوَازِهِ تَطَوُّعًا بَعْدَ الْعَقْدِ: الْمَبِيعُ بِخِيَارٍ، وَبَيْعُ الْغَائِبِ، وَالرَّقِيقُ الْمَبِيعُ بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَالْأَرْضُ غَيْرُ الْمَأْمُونَةِ، وَالْجَعْلِ، وَالْإِجَارَةِ لِحِرْزِ الزَّرْعِ. وَالْأَجِيرُ يَتَأَخَّرُ عَمَلُهُ شَهْرًا.
(وَفِي الْمُخْتَصَرِ) وَلَا مُوَاضَعَةَ فِي مُتَزَوِّجَةٍ، وَحَامِلٍ، وَمُعْتَدَّةٍ، وَزَانِيَةٍ كَالْمَرْدُودَةِ بِعَيْبٍ، أَوْ فَسَادٍ، أَوْ إقَالَةٍ إنْ لَمْ يَغِبْ الْمُشْتَرِي وَفَسَدَ. إنْ نُقِدَ بِشَرْطٍ لَا تَطَوُّعًا. وَقَالَ فِيمَا يُمْتَنَعُ فِيهِ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ وَبِشَرْطِ نَقْدٍ أَيْ فِي الْمَبِيعِ بِخِيَارٍ كَغَائِبٍ، وَعُهْدَةِ ثَلَاثٍ، وَمُوَاضَعَةٍ، وَأَرْضٍ لَمْ يُؤْمَنْ رَيُّهَا، وَجُعْلٍ، وَإِجَارَةٍ لِحِرْزِ زَرْعٍ، وَأَجِيرٍ تَأَخَّرَ شَهْرًا.
وَالْبَيْعُ مَعَ بَرَاءَةٍ إنْ نُصَّتْ ... عَلَى الْأَصَحِّ بِالرَّقِيقِ اُخْتُصَّتْ
وَالْفَسْخُ إنْ عَيْبٌ بَدَا مِنْ حُكْمِهِ ... مَعَ اعْتِرَافٍ أَوْ ثُبُوتِ عِلْمِهِ
وَيَحْلِفُ الْبَائِعُ مَعَ جَهْلِ الْخَفِي ... بِالْعِلْمِ وَالظَّاهِرُ بِالْبَتِّ حَفِيّ
وَحَيْثُمَا نُكُولُهُ تَبَدَّا ... بِهِ الْمَبِيعُ لَا الْيَمِينُ رُدَّا
وَبَعْضُهُمْ فِيهَا الْجَوَازَ أَطْلَقَا ... وَشَرْطُهَا مُكْثٌ بِمِلْكٍ مُطْلَقَا
بَيْعُ الْبَرَاءَةِ هُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْبَرَاءَةَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا فَلَا يَرْجِعُ لَهُ الْبَائِعُ إلَّا بِمَا عَلِمَ بِهِ. وَكَتَمَهُ (ابْنُ عَرَفَةَ) . الْبَرَاءَةُ تَرْكُ الْقِيَامِ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ. اهـ وَفِيهَا أَقْوَالٌ أَحَدُهَا أَنَّ الْبَرَاءَةَ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الَّذِي حَكَى النَّاظِمُ هُنَا حَيْثُ قَالَ: " وَبَعْضُهُمْ فِيهَا الْجَوَازُ أَطْلَقَا ". الثَّانِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّالِثُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ فِي الْحَيَوَانِ مُطْلَقًا. وَهُوَ فِي (الْمُوَطَّأِ) الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً. وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ. نَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَ النَّاظِمُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَصَحِّ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ هُوَ قَوْلُهُ " وَبَعْضُهُمْ فِيهَا الْجَوَازَ أَطْلَقَا " وَأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالرَّقِيقِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ لَا تَنْفَعُ الْبَرَاءَةُ مِمَّا يَعْلَمُ الْبَائِعُ فِي مِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ السِّلَعِ، وَالْحَيَوَانِ إلَّا فِي الرَّقِيقِ وَحْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الَّذِي آخُذُ بِهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. اهـ وَهَذَا فِي بَيْعِ الْإِنْسَانِ رَقِيقَهُ. وَأَمَّا بَيْعُ الْقَاضِي وَالْوَصِيِّ، وَالْوَارِثِ بِالْبَرَاءَةِ فَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي فَصْلِ مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالرَّقِيقِ حَيْثُ قَالَ " وَكُلُّ مَا الْقَاضِي يَبِيعُ مُطْلَقًا إلَخْ "
(قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) وَحُكْمُ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ أَنَّهُ إذَا اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ فَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ
стр. 309
الْبَيْعِ رَجَعَ بِهِ وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَلَزِمَ الْمُشْتَرِي.
(قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ) [يَحْلِفُ فِي الْعَيْبِ الْخَفِيِّ عَلَى الْعِلْمِ وَفِي الظَّاهِرِ عَلَى الْبَتِّ] اهـ وَإِلَى كَلَامِ ابْنِ سَلْمُونٍ هَذَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ " وَالْفَسْخُ إنْ عَيْبٌ " بَدَا مِنْ حُكْمِهِ الْبَيْتَيْنِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ " وَالْفَسْخُ إنْ عَيْبٌ " بَدَا إلَخْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ الْبَائِعُ بِالْعَيْبِ وَلَا ثَبَتَ عِلْمُهُ بِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ. وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ سَلْمُونٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَلَزِمَ الْمُشْتَرِي، وَحَلِفُهُ إمَّا عَلَى الْعِلْمِ فِي الْعَيْبِ الْخَفِيِّ، أَوْ عَلَى الْبَتِّ فِي الظَّاهِرِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ " وَحَيْثُمَا نُكُولُهُ تَبَدَّا " الْبَيْتَ إلَى قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ وَنَحْوِهِ فِي ابْنِ سَلْمُونٍ أَيْضًا. وَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ عَنْ الْيَمِينِ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَلَا تُنْقَلُ الْيَمِينُ فِي الْمُبْتَاعِ عَنْ الْيَمِينِ رُدَّ عَلَيْهِ الْبَيْعُ. وَلَا تُرَدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِأَنَّهَا لِلتُّهْمَةِ فَلَا تَنْقَلِبُ، وَقَوْلُهُ " وَبَعْضُهُمْ فِيهَا الْجَوَازَ أَطْلَقَا " الضَّمِيرُ لِلْبَرَاءَةِ
وَمَعْنَى (الْإِطْلَاقِ) أَنَّهَا تَصِحُّ فِي كُلِّ مَبِيعٍ لَا تَخْتَصُّ بِالرَّقِيقِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا مُقَابِلُ الْأَصَحِّ. فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ " وَشَرْطُهَا مُكْثُهُ بِمِلْكٍ مُطْلَقًا " أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ سَلْمُونٍ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَرَاءَةِ إلَّا فِيمَا طَالَ مُكْثُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَاخْتَبَرَهُ. وَأَمَّا مَا لَمْ يَطُلْ مُكْثٌ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ يَكْرَهُونَ بَيْعَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ، فَمَرَّةً قَالَ إذَا وَقَعَ مَضَى وَمَرَّةً أَبْطَلَ الْبَرَاءَةَ فِيهِ. اهـ
(وَبَاءَ بِالْعِلْمِ) لِلِاسْتِعْلَاءِ عَلَى حَدِّ ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] أَيْ عَلَى قِنْطَارٍ وَالظَّاهِرُ مُبْتَدَأٌ، وَحَفِيٌّ خَبَرُهُ وَبِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْبَتِّ وَمَعْنَى حَفِيٌّ مُعْتَبَرٌ وَالْخَفِيُّ وَالظَّاهِرُ وَصْفَانِ لِمَحْذُوفٍ أَيْ " الْعَيْبُ الْخَفِيُّ " وَالظَّاهِرُ، وَمَعْنَى مُطْلَقًا آخِرَ الْبَيْتِ الْأَخِيرِ سَوَاءٌ قُلْنَا تَخْتَصُّ بِالرَّقِيقِ أَوْ لَا فَلَا بُدَّ مِنْ طُولِ الْمُكْثِ عِنْدَ الْبَائِعِ إذْ هُوَ مَظِنَّةُ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعُيُوبِ.
وَالْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ فِي الْمَرْكُوبِ ... وَشِبْهِهِ اُسْتُثْنِيَ لِلرُّكُوبِ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ بَاعَ دَابَّةً أَنْ يَسْتَثْنِيَ رُكُوبَهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ بَاعَ دَابَّةً وَاسْتَثْنَى رُكُوبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ سَافَرَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَوْ إلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ جَازَ ذَلِكَ.
وَلَا يَنْبَغِي فِيمَا بَعْدُ. وَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ فِيمَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَمِنْ الْبَائِعِ فِيمَا لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ (اللَّخْمِيُّ) مَنْ بَاعَ رَاحِلَةً وَاسْتَثْنَى رُكُوبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَهِيَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ جَازَ وَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. وَيُمْنَعُ مَا كَثُرَ كَالْجُمُعَةِ مِنْ الْمَوَّاقِ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَبَيْعُهَا وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا الثَّلَاثَ لَا جُمُعَةَ وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ.
وَلَمْ يَجُزْ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ ... شِرَاؤُهُ عَلَى اشْتِرَاطِ حَمْلِهِ
стр. 310
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَمِنْ الْأَنْعَامِ، وَغَيْرِهَا عَلَى شَرْطِ كَوْنِهِ حَامِلًا.
(قَالَ الشَّارِحُ) : فَفِي الْمُقَرَّبِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ اشْتَرَى شَاةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا الْبَيْعِ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ أَخَذَ لِجَنِينِهَا ثَمَنًا حِينَ بَاعَهَا بِشَرْطِ أَنَّهَا حَامِلٌ. قَالَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَاةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ فِي هَذَا الْمَعْنَى إلَّا فِي الْجَارِيَةِ الرَّائِعَةِ الَّتِي يَكُونُ الْحَمْلُ فِيهَا عَيْبًا يَتَبَرَّأُ الْبَائِعُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ أَتَى الشَّيْخُ بِلَفْظِ الْحَيَوَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُمُومِ وَسَاقَ الشَّاةَ فِي الْكِتَابِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَلَمْ يَحْتَجْ النَّاظِمُ إلَى اسْتِثْنَاءِ
стр. 311
جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْحَمْلِ فِي الرَّائِعَةِ لِأَنَّ كَلَامَ النَّاظِمِ فِي اشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي مَا يَصْلُحُ بِهِ، وَيَرْغَبُ فِيهِ، وَيَزِيدُ فِي الثَّمَنِ مِنْ أَجَلِهِ فَيُمْنَعُ لِأَجْلِ الْغَرَرِ، وَاشْتِرَاطُ الْحَمْلِ فِي الرَّائِعَةِ إنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّبَرِّي مِنْ الْعَيْبِ لَا الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ.
(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْحَامِلِ بِشَرْطِ الْحَمْلِ وَإِنْ كَانَ حَمْلًا ظَاهِرًا لِأَنَّهُ غَرَرٌ إذْ قَدْ يَنْفَشُّ الْحَمْلُ بَعْدَ ظُهُورِهِ فَيَكُونُ بِالشَّرْطِ قَدْ أَخَذَ لِلْجَنِينِ ثَمَنًا ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي يَزِيدُهُ الْحَمْلُ، وَأَمَّا فِي الْجَوَارِي الْمُرْتَفِعَاتِ الَّتِي يُنْقِصُهُنَّ الْحَمْلُ فَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَبَرٍّ مِنْ عَيْبِ حَمْلِهَا كَالتَّبَرِّي مِنْ سَائِرِ عُيُوبِهَا.
وَذَاتُ حَمْلٍ قَدْ تَدَانَى وَضْعُهَا ... لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْأَصَحِّ بَيْعُهَا
كَذَا الْمَرِيضُ فِي سِوَى السِّيَاقِ ... يَصِحُّ بَيْعُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ
وَالْعَبْدُ فِي الْإِبَاقِ مَعَ عِلْمِ مَحَلْ ... قَرَارِهِ مِمَّا ابْتِيَاعٌ فِيهِ حَلْ
وَالْبَائِعُ الضَّامِنُ حَتَّى يَقْبِضَا ... وَإِنْ تَقَعْ إقَالَةٌ لَا تُرْتَضَى
لَمَّا تَضَمَّنَ الْبَيْتُ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِيهِ غَرَرٌ كَالْحَمْلِ، وَكَانَ بَعْضُ الْمَبِيعَاتِ يُتَوَهَّمُ فِيهَا الْغَرَرُ رُفِعَ ذَلِكَ الْوَهْمُ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا. وَذَلِكَ الْحَامِلُ الَّتِي قَرُبَ وَضْعُهَا، وَالْمَرِيضُ مَرَضًا مَخُوفًا إنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السِّيَاقِ، وَالْعَبْدُ الْآبِقُ إذَا عُلِمَ مَحَلُّهُ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْعِهَا غَرَرٌ لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ مِنْ النِّفَاسِ، وَالْمَرَضِ، وَعَدَمِ وُجُودِ الْآبِقِ، أَوْ وُجُودُهُ قَدْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ أَمَّا جَوَازُ بَيْعِ الْمَرِيضِ فِي غَيْرِ السِّيَاقِ، وَالْحَامِلِ الْمُقْرِبِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُبَاعُ مَنْ فِي السِّيَاقِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ وَالْحَامِلِ الْمُقْرِبِ عَلَى الْأَصَحِّ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا يُبَاعُ مَنْ فِي السِّيَاقِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ خَاصٌّ بِالرَّقِيقِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. وَأَمَّا مَأْكُولُ اللَّحْمِ فَيُبَاعُ لِيُذَكَّى فَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (ابْنُ عَرَفَةَ) : ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ وَنَصُّ ابْنِ مُحْرِزٍ مَنْعُ بَيْعِ مَنْ فِي السِّيَاقِ وَلَوْ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ لِلْغَرَرِ فِي حُصُولِ الْغَرَضِ مِنْ حَيَاتِهِ أَوْ صَيْرُورَتِهِ لَحْمًا وَفِي حُصُولِ ذَكَاتِهِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ حَرَكَتِهِ بَعْدَ ذَبْحِهِ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَرِيضِ وَالْحَامِلِ " الْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْمَرِيضُ، وَأَنْ تُبَاعَ الْحَامِلُ، فَالْمَرِيضُ، وَالْحَامِلُ مَبِيعًا لَا بَائِعًا لِأَنَّ وُقُوعَ الْبَيْعِ، وَنَحْوَهُ مِنْهُمَا جَائِزٌ مَاضٍ. وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِمَا إلَّا فِي التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَرِيضِ فِي غَيْرِ السِّيَاقِ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ كَالْأَنْعَامِ، أَوْ غَيْرَ مَأْكُولِهِ كَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ بَلَغَ حَدَّ السِّيَاقِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ أَوْ لَا. وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ،
وَعَلَيْهِ فَإِطْلَاقُ النَّاظِمِ مَنْعَ بَيْعِ مَنْ فِي السِّيَاقِ صَحِيحٌ. وَأَمَّا جَوَازُ بَيْعِ الْآبِقِ إذَا عُلِمَ مَحَلُّهُ فَقَالَ الْمُتَيْطِيِّ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ إذَا عَلِمَ الْمُبْتَاعُ مَوْضِعَهُ وَصِفَتَهُ، فَإِنْ وُجِدَ هَذَا الْآبِقُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا قَبَضَهُ وَصَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ وَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ تَغَيَّرَ أَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ، وَيَسْتَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ الثَّمَنَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّمَا يَجُوزُ ابْتِيَاعُ الْآبِقِ إذَا كَانَ فِي وَثَاقٍ. وَقَوْلُهُ:
وَالْبَائِعُ الضَّامِنُ حَتَّى يُقْبِضَا
مِنْ تَمَامِ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْآبِقِ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُتَيْطِيِّ، وَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ تَغَيَّرَ أَوْ تَلِفَ كَانَ أَيْ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ.
(وَفِي الْمُدَوَّنَةِ) بَيْعُ الْآبِقِ وَلَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ مَمْنُوعٌ. وَكَذَا الشَّارِدُ وَمَا نَدَّ أَوْ ضَلَّ. اهـ وَظَاهِرُهَا مَنْعُ بَيْعِ الْآبِقِ مُطْلَقًا. وَقَوْلُهُ
وَإِنْ تَقَع إقَالَةٌ لَا تُرْتَضَى
هُوَ مِنْ تَمَامِ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْآبِقِ يَعْنِي إذَا فَرَّعْنَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْآبِقِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَايَلَ فِيهِ
стр. 312
الْمُتَبَايِعَانِ. وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ آبِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ آبِقٍ.
(قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَا ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْإِقَالَةَ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ غَيْرُ جَائِزَةٍ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. اهـ
(وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ) فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ وَلَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فِيهِ شَيْئًا غَائِبًا لَا يَتَنَجَّزُ قَبْضُهُ وَيَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يُنْتَقَدْ.
وَامْتَنَعَ التَّفْرِيقُ لِلصِّغَارِ ... مِنْ أُمِّهِمْ إلَّا مَعَ الْإِثْغَارِ
ثُمَّ بِالْإِجْبَارِ عَلَى الْجَمْعِ الْقَضَا ... وَالْخُلْفُ إنْ يَكُنْ مِنْ الْأُمِّ رِضَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَمَةً وَوَلَدَهَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِالْبَيْعِ بِأَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا، وَيَحْبِسَ الْآخَرَ أَوْ يَبِيعَ الْأَمَةَ لِرَجُلٍ وَالْوَلَدَ لِرَجُلٍ آخَرَ مَادَامَ الْوَلَدُ صَغِيرًا لَمْ يُثْغِرْ، فَإِنْ أَثْغَرَ جَازَتْ التَّفْرِقَةُ
(وَالْإِثْغَارُ) نَبَاتُ رَوَاضِعِ الصَّبِيِّ بَعْدَ سُقُوطِهَا. وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهَا الْقَضَاءُ، وَقِيلَ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ الْبُلُوغُ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. (قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ) : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ بَلَغَ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَأَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فُسِخَ الْبَيْعُ وَأَنَّهُ إنْ رَضِيَتْ الْأُمُّ بِالتَّفْرِقَةِ فَقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لَهَا وَلِلَّهِ تَعَالَى وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا أَنَّا إذَا قُلْنَا الْحَقُّ لِلْآدَمِيِّ إذَا فُرِّقَا يُجْبَرَانِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ قُلْنَا الْحَقُّ لِلَّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَاسِدٌ كَالْخَمْرِ. هَذَا خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّ دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ.
(ابْنُ نَاجِي) وَالتَّفْرِقَةُ جَائِزَةٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ وَأَنَّ حَدَّ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ آبَائِهِ بِالرَّعْيِ نَقَلَهُ التَّادَلِيُّ. اهـ وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فِي الْإِشْرَافِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْخَبَرِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ طِفْلًا لَمْ يَبْلُغْ سَبْعَ سِنِينَ. (ابْنُ يُونُسَ) وَالْأَصْوَبُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَلَدِ لَوْ رَضِيَتْ الْأُمُّ بِالتَّفْرِقَةِ لَمْ تَجُزْ. وَقَالَهُ مَالِكٌ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُمُّ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً
(قَالَ مَالِكٌ) وَحَدُّ ذَلِكَ الْإِثْغَارِ مَا لَمْ يُعَجَّلْ بِهِ جِوَارِي كُنَّ أَوْ غِلْمَانًا (قَالَ مَالِكٌ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالصَّغِيرِ، وَبَيْنَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ لِأُمِّهِ، وَلِأَبِيهِ وَفِي الْبَيْعِ مَتَى شَاءَ سَيِّدُهُ، وَإِنَّمَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْأُمِّ خَاصَّةً. اهـ مِنْ الْمَوَّاقِ وَنَقَلَ الْحَطَّابُ قَالَ: قَالَ: اللَّخْمِيُّ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ بَعْضِ الْمَدَنِيِّينَ مَنْعَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ قِيَاسًا عَلَى الْأُمِّ وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ أَعْظَمَ مَوْجِدَةً. اهـ
وَالْحَمْلُ عَيْبٌ قِيلَ بِالْإِطْلَاقْ ... وَقِيلَ فِي عِلْيَةِ ذِي اسْتِرْقَاقْ
وَالِافْتِضَاضُ فِي سِوَى الْوَخْشِ الدَّنِيّ ... عَيْبٌ لَهَا مُؤَثِّرٌ فِي الثَّمَنِ
وَالْحَمْلُ لَا يَثْبُتُ فِي أَقَلَّ مِنْ ... ثَلَاثَةٍ مِنْ الشُّهُورِ فَاسْتَبِنْ
وَلَا تَحَرُّكَ لَهُ يَثْبُتُ فِي ... مَا دُونَ عِدَّةِ الْوَفَاةِ فَاعْرَفْ
يَعْنِي أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ عُيُوبِ الرَّقِيقِ الْحَمْلَ فَقِيلَ إنَّهُ عَيْبٌ فِيهِ مُطْلَقًا وَخْشًا كَانَتْ أَوْ عِلْيَةً وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ: إنَّمَا هُوَ. عَيْبٌ فِي الْعِلْيَةِ دُونَ الْوَخْشِ وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ، وَالْعِلْيَةُ بِكَسْرِ الْعَيْن
стр. 313
وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْجَارِيَةُ الْحَسَنَةُ الَّتِي تُرَادُ لِلْفِرَاشِ غَالِبًا وَالْوَخْشُ الْقَبِيحَةُ الَّتِي تُرَادُ لِلْخِدْمَةِ وَمِنْ جُمْلَةِ عُيُوبِ الرَّقِيقِ أَيْضًا الِافْتِضَاضُ لَكِنْ فِي الْعِلْيَةِ فَهُوَ فِيهَا عَيْبٌ مُؤَثِّرٌ فِي نَقْصِ ثَمَنِهَا دُونَ الْوَخْشِ، فَلَيْسَ هُوَ عَيْبًا فِيهَا. أَمَّا كَوْنُ الْحَمْلِ عَيْبًا فِي الرَّقِيقِ فَقَالَ فِي الْمُقَرَّبِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحَمْلُ فِي الرَّقِيقِ عَيْبٌ فِي وَخْشِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي وَخْشٍ الرَّقِيقِ فَقَالَ: إنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ عَيْبًا فِيهِنَّ. فَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ عَيْبٌ.
وَأَمَّا كَوْنُ الِافْتِضَاضِ عَيْبًا فِي الْعِلْيَةِ دُونَ الْوَخْشِ فَفِي الْمُقَرَّبِ أَيْضًا. وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ اشْتَرَى صَبِيَّةً مِثْلُهَا لَا يُوطَأُ فَوَجَدَهَا مُفْتَضَّةً فَقَالَ: إنْ كَانَتْ مِنْ وَخْشِ الرَّقِيقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ عِلْيَةِ الرَّقِيقِ فَذَلِكَ عَيْبٌ يَرُدُّهَا بِهِ. اهـ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الِافْتِضَاضَ فِي الْعِلْيَةِ عَيْبٌ كَانَتْ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، أَوْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ النَّاظِمِ هَذَا الْحَاصِلُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْبَيْتَانِ الْأَوَّلَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَيْتَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَثْبُتُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَلَا يَتَحَرَّكُ فِي أَقَلَّ مِنْ مِقْدَارِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ رَدُّهَا بِعَيْبِ الْحَمْلِ إذَا تَنَازَعَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي كَوْنِهِ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ كَانَ بِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ.
(قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : لَا شَكَّ أَنَّ الْحَمْلَ عَيْبٌ وَيُثْبَتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَلَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا يَتَحَرَّكُ تَحَرُّكًا بَيِّنًا يَصِحُّ الْقَطْعُ عَلَى تَحْرِيكِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ. فَإِذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّ بِهَا حَمْلًا بَيِّنًا لَا تَشُكَّانِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ رُدَّتْ الْأَمَةُ فِيمَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَلَا تُرَدُّ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ حَادِثًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي. وَإِذَا شَهِدْنَ أَنَّ بِهَا حَمْلًا يَتَحَرَّكُ رُدَّتْ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَلَمْ تُرَدَّ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ حَادِثًا، فَإِنْ رُدَّتْ ثُمَّ وُجِدَ ذَلِكَ الْحَمْلُ بَاطِلًا لَمْ تُرَدَّ إلَى الْمُشْتَرِي إذْ لَعَلَّهَا أَسْقَطَتْهُ. اهـ
(مِنْ الْحَطَّابِ) عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْعُيُوبِ وَرَفْعِ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ. وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ (قُلْتُ) : فَلَوْ زَادَ النَّاظِمُ هُنَا فَقَالَ مَثَلًا:
فَإِنْ يَبِنْ حَمْلٌ قُبَيْلَ أَشْهُرِ ... ثَلَاثَةٍ مِنْ دُونِ تَحْرِيكٍ حَرِيّ
رُدَّتْ بِهِ كَذَا إذَا تَحَرَّكَا ... مِنْ قَبْلِ أَرْبَعٍ وَعَشْرٍ فَاسْلُكَا
فَإِنْ بِهِ رُدَّتْ وَبَعْدُ يَنْتَفِي ... لَا رَدَّ لِاحْتِمَالِ سَقْطٍ قَدْ خَفِيَ
لَكَانَ قَدْ صَرَّحَ بِنَتِيجَةِ مَعْرِفَةِ زَمَنٍ يُثْبَتُ فِيهِ الْحَمْلُ، أَوْ يَتَحَرَّكُ اللَّذَيْنِ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ
(فَائِدَةٌ) . قَالَ: الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي فِي آخِرِ النِّكَاحِ مِنْ قَوَاعِدِهِ الْوَلَدُ يَتَحَرَّكُ لِمِثْلِ مَا يَتَخَلَّقُ لَهُ وَيُوضَعُ لِمِثْلِ مَا يَتَحَرَّكُ فِيهِ وَهُوَ يَتَخَلَّقُ فِي الْعَادَةِ تَارَةً لِشَهْرٍ فَيَتَحَرَّكُ لِشَهْرَيْنِ، وَيُوضَعُ لِسِتَّةٍ وَتَارَةً لِشَهْرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ فَيَتَحَرَّكُ لِشَهْرَيْنِ وَثُلُثٍ، وَيُوضَعُ لِسَبْعَةٍ وَتَارَةً لِشَهْرٍ، وَنِصْفٍ فَيَتَحَرَّكُ لِثَلَاثَةٍ، وَيُوضَعُ لِتِسْعَةٍ فَلِذَلِكَ لَا يَعِيشُ ابْنُ ثَمَانِيَةٍ وَلَا يَنْقُصُ الْحَمْلُ عَنْ سِتَّةٍ اهـ وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْغَالِبُ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَحْكَامُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَقَلِّ الْحَمْلِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَهُوَ مِمَّا قُدِّمَ فِيهِ النَّادِرُ عَلَى الْغَالِبِ وَلَهُ نَظَائِرُ.
وَيُثْبِتُ الْعُيُوبَ أَهْلُ الْمَعْرِفَهْ ... بِهَا وَلَا يُنْظَرُ فِيهِمْ لِصِفَهْ
يَعْنِي أَنَّ الْعُيُوبَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا إنَّمَا تَثْبُتُ بِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِهَا، وَالْبَصَرِ بِحَقَائِقِهَا فَإِذَا كَانُوا عَارِفِينَ بِهَا فَلَا يُنْظَرُ فِيهِمْ لِصِفَةٍ غَيْرِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنَّهَا فِيهِمْ شَرْطُ وُجُوبٍ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهَا فِيهِمْ شَرْطُ كَمَالٍ إنْ، وُجِدَتْ فَبِهَا وَنِعْمَتُ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ حَتَّى الْإِسْلَامُ.
(قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) وَيَشْهَدُ بِالْعُيُوبِ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ، وَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ
стр. 314
إذَا لَمْ يُوجَدْ سِوَاهُمْ وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَافٍ وَالِاثْنَانِ أَوْلَى وَطَرِيقُ ذَلِكَ الْعِلْمُ، لَا الشَّهَادَةُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَعْمُولِ بِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ:
وَوَاحِدٌ يُجْزِئُ فِي بَابِ الْخَبَرْ ... وَاثْنَانِ أَوْلَى عِنْدَ كُلِّ ذِي نَظَرْ
وَيَأْتِي لَهُ فِي فَصْلِ الْعُيُوبِ ... ثُمَّ الْعُيُوبُ كُلُّهَا لَا تُعْتَبَرْ
إلَّا بِقَوْلِ مَنْ لَهُ بِهَا بَصَرْ
[فَصْلٌ كِلَابَ الْمَاشِيَةِ يَجُوزُ بَيْعُهَا]
فَصْلٌ وَاتَّفَقُوا أَنَّ كِلَابَ الْمَاشِيَةِ يَجُوزُ بَيْعُهَا كَكَلْبِ الْبَادِيَةِ وَعِنْدَهُمْ قَوْلَانِ فِي ابْتِيَاعِ كِلَابِ الِاصْطِيَادِ وَالسِّبَاعِ. يَعْنِي اتَّفَقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْكِلَابِ الْمُتَّخَذَةِ لِحِفْظِ الْمَوَاشِي مِمَّا يَعْدُو عَلَيْهَا مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، وَبَيْعُ الْكِلَابِ الْمُتَّخَذَةِ فِي الْبَادِيَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِ كِلَابِ الصَّيْدِ وَفِي بَيْعِ السِّبَاعِ كَالْفُهُودِ وَنَحْوِهَا فَفِي النَّوَادِرِ: وَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاءِ كِلَابِ الصَّيْدِ وَلَا يُعْجِبُنِي بَيْعُهَا وَقَالَ سَحْنُونٌ: نَعَمْ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِثَمَنِهَا وَهِيَ مِثْلُ كِلَابِ الْحَرْثِ، وَالْمَاشِيَةِ، وَالصَّيْدِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) . وَفِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَالسِّبَاعِ قَوْلَانِ:
(التَّوْضِيحُ) أَيْ وَفِي مَنْعِ بَيْعِ الْكَلْبِ وَجَوَازِهِ قَوْلَانِ: وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ. وَالْجَوَازُ لِابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ وَشَهَّرَهُ بَعْضُهُمْ، وَعَنْ مَالِكٍ ثَالِثٌ بِالْكَرَاهَةِ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ رَابِعٌ بِجَوَازِ اشْتِرَاطِهِ، وَمَنْعِ بَيْعِهِ حَكَاهُ ابْنُ زَرْقُونَ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي مُبَاحِ الِاتِّخَاذِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِ بَيْعِهِ، وَأَنَّ ثَمَنَهُ لَا يَحِلُّ. نَقَلَ ذَلِكَ فِي الْبَيَانِ وَقَوْلُهُ: وَالسِّبَاعُ قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَيْ: وَفِي الْكَلْبِ الَّذِي يَحْرُسُ الْمَاشِيَةَ مِنْ السِّبَاعِ وَفِي مَعْنَاهُ كَلْبُ الزَّرْعِ فَإِنَّ اتِّخَاذَ الْكَلْبِ جَائِزٌ. وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَكَر الْمَازِرِيُّ خِلَافًا فِي الْكَلْبِ الَّذِي يُتَّخَذُ لِحِرَاسَةِ الدُّورِ وَالْقَيَاسِرِ وَالْفَنَادِقِ. وَلِلْمَنْعِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَأَجَازَ فِيهِ شَيْخُنَا ﵀ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِالسِّبَاعِ الَّتِي فِي مَعْنَى الْكَلْبِ كَالْفَهْدِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ. اهـ
(قَالَ الشَّارِحُ) : وَقَعَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ لَفْظُ الِاتِّفَاقِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ نَقْدٍ. اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ ثُمَّ قَالَ: لَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ هُوَ الَّذِي نَظَمَ الشَّيْخُ ﵀ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي:
стр. 315
وَبَيْعُ مَا كَالشَّاةِ بِاسْتِثْنَاءِ ... ثُلُثِهِ فِيهِ الْجَوَازُ جَائِي
أَوْ قَدْرِ رِطْلَيْنِ مَعًا مِنْ شَاةِ ... وَيُجْبَرُ الْآبِي عَلَى الذَّكَاةِ
وَلَيْسَ يُعْطِي فِيهِ لِلتَّصْحِيحِ ... مِنْ غَيْرِهِ لَحْمًا عَلَى الصَّحِيحِ
وَالْخُلْفُ فِي الْجِلْدِ وَفِي الرَّأْسِ صَدَرْ ... مَشْهُورُهَا الْجَوَازُ فِي حَالِ السَّفَرْ
وَفِي الضَّمَانِ إنْ تَفَانَى أَوْ سُلِبْ ... ثَالِثُهَا فِي الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ يَجِبْ
اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ عَلَى مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: بَيْعُ الشَّاةِ، وَاسْتِثْنَاءُ بَعْضِهَا وَلَا يَعْنِي خُصُوصَ الشَّاةِ، بَلْ وَالْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ وَنَحْوَهَا؛ وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى الشَّاةِ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
(أَحَدُهَا) . أَنْ يَسْتَثْنِيَ جُزْءًا شَائِعًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ كَالرُّبُعِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثَيْنِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ. وَذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ،
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) - أَنْ يَسْتَثْنِيَ أَرْطَالًا مِنْ لَحْمِهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا؛ لَكِنْ فِيمَا قَلَّ كَالرِّطْلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) . وَيَجُوزُ بَيْعُ الشَّاةِ، وَاسْتِثْنَاءُ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ فَأَدْنَى وَإِلَيْهِ رَجَعَ بَعْدَ مَنْعِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِتَّةٌ أَشْهَبُ وَقَدْرِ الثُّلُثِ. اهـ وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
أَوْ قَدْرِ رِطْلَيْنِ مَعًا مِنْ شَاةِ
وَهُوَ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ ثُلُثِهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْوَجْهِ فَرْعَانِ
(الْفَرْعُ الْأَوَّلُ) إذَا أَرَادَ الْبَائِعُ الذَّبْحَ؛ لِيَتَوَصَّلَ لِمَا اُسْتُثْنِيَ وَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي؛ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ: هُوَ الْمَعْرُوفُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لِلْبَائِعِ لَحْمًا، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالذَّبْحِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ اهـ وَإِلَى هَذَا الْفَرْعِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
وَيُجْبَرُ الْآبِي عَلَى الذَّكَاةِ
إلَّا أَنَّ لَفْظَهُ يَشْمَلُ امْتِنَاعَ الْبَائِعِ مِنْ الذَّبْحِ، إذْ قَدْ يَبْدُو لَهُ وَلَا يُرِيدُ الذَّبْحَ فَظَاهِرُ النَّاظِمِ أَنَّهُ يُجْبَرُ أَيْضًا
(الْفَرْعُ الثَّانِي) - إذَا اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ لَحْمًا مِنْ غَيْرِهَا، عِوَضًا عَنْ الْأَرْطَالِ الْمُسْتَثْنَاةِ وَالْمَشْهُورُ مَنْعُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْأَصَحُّ مَنْعُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَشْهَبَ، لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ. وَالْجَوَازُ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَقْتَضِيهِ اهـ. وَإِلَى هَذَا الْفَرْعِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
وَلَيْسَ يُعْطَى فِيهِ لِلتَّصْحِيحِ
إلَخْ أَيْ: لِتَصِحَّ الشَّاةُ وَتَدُومَ حَيَّاتُهَا وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ فِي الْبَيْتِ، الْجَوَازُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَفَاعِلُ يُعْطِي ضَمِيرُ الْمُشْتَرِي، وَضَمِيرُ فِيهِ لِلْمُسْتَثْنِي الَّذِي هُوَ الْأَرْطَالُ، وَضَمِيرُ غَيْرِهِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلَحْمًا مَفْعُولُ يُعْطِي
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) : - مِنْ أَوْجُهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ بَاعَ شَاةً وَاسْتَثْنَى الْجِلْدَ وَالرَّأْسَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، حَكَاهُ فَضْلٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَعِيسَى، وَالْمَنْعُ فِيهِمَا حَكَاهُ الْأَبْهَرِيُّ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَالثَّالِثُ الْمَشْهُورُ يَجُوزُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، وَدَلِيلُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرَيْنِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَرَّا بِرَاعِي غَنَمٍ اشْتَرَيَا مِنْهُ شَاةً، وَشَرَطَا لَهُ سَلَبَهَا» وَلَا يُقَاسُ الْحَضَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ فِي السَّفَرِ؛ لِكَوْنِهِ لَا قِيمَةَ لَهُ هُنَاكَ، فَخَفَّ الْغَرَرُ اهـ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ هَذَا، وَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْجَمِيعَ اهـ.
وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالْخِلَافِ فِيهِ، أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: " وَالْخُلْفُ فِي الْجِلْدِ الْبَيْتَ " وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " الْجَوَازُ فِي حَالِ السَّفَرِ " أَنَّهُ يُمْنَعُ اسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمَنْعِ حَقِيقَةً وَلِلْكَرَاهَةِ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ ثُمَّ ذَكَرَ النَّاظِمُ فَرْعًا يَتَعَلَّقُ بِالْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ وَهُمَا: اسْتِثْنَاءُ الْأَرْطَالِ، أَوْ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ، وَهُوَ إذَا مَاتَتْ الشَّاةُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا ذَلِكَ أَوْ سُرِقَتْ
стр. 316
أَوْ غُصِبَتْ وَإِلَى الْمَوْتِ وَالسَّرِقَةِ، أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " إنْ تَفَانَى أَوْ سُلِبَ " هَلْ يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الْمُسْتَثْنَى أَوْ لَا يَضْمَنُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: " فَلَوْ مَاتَ مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مُعَيَّنٌ " فَثَالِثُهَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي الْجِلْدَ وَالرَّأْسَ دُونَ اللَّحْمِ مَا نَصُّهُ: مُرَادُهُ بِالْمُعَيَّنِ خِلَافُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْطَالِ وَالْجِلْدِ وَالرَّأْسِ، فَقِيلَ يَضْمَنُ فِي الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ، أَوْ لَا يَضْمَنُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ، أَوْ يَضْمَنُ فِي مَسْأَلَةِ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَبْرِهِ دُونَ مَسْأَلَةِ الْأَرْطَالِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَالثَّالِثُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَنَسَبَ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ الْقَوْلَيْنِ فِي ضَمَانِ الْجِلْدِ لِابْنِ الْقَاسِمِ. وَحَمَلَ ابْنُ دَحُونٍ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ. وَأَمَّا إنْ تَوَانَى بِالذَّبْحِ فَيَضْمَنُ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالضَّمَانِ وَعَلَى هَذَا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الذَّبْحِ، إنَّمَا هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَرْطَالِ، أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ، أَوْ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَذَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ كَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمَنْقُولِ آنِفًا، أَنَّ الْخِلَافَ فِي الضَّمَانِ مُفَرَّعٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَرْطَالِ وَالْجِلْدِ وَالرَّأْسِ، وَأَمَّا عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ شَرِيكٌ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ وَالْمُقَاصَّةِ فِيهِ]
ِ جَمَعَ النَّاظِمُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ الدَّيْنِ وَاقْتِضَائِهِ، وَالْمُقَاصَّةِ فِيهِ لِلْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ بَيْعَ الدَّيْنِ عَلَى مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الْمَدِينِ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْعًا (وَذَلِكَ حَيْثُ يُقْضَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ) أَوْ اقْتِضَائِهِ وَذَلِكَ حَيْثُ يَقْضِي مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ مَقْصُودَ النَّاظِمِ، الْكَلَامُ عَلَى مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَعَلَى نَسْخِهِ زِيَادَةٌ بِالدَّيْنِ، يَكُونُ إنَّمَا تَرْجَمَ لِلْمَمْنُوعِ فَقَطْ، وَهُوَ بَيْعُهُ بِالدَّيْنِ
بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْعُ الدَّيْنِ ... مُسَوَّغٌ مِنْ عَرْضٍ أَوْ مِنْ عَيْنِ
وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ حُضُورِ مَنْ ... أَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَتَعْجِيلِ الثَّمَنْ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهِ مِنْ عَرَضٍ، أَوْ عَيْنٍ.
وَيَعْنِي بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهِ لِذَلِكَ الدَّيْنِ، بِحَيْثُ يَنْظُرُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ عَرَضٍ وَيُعْتَبَرُ فِي بَيْعِهِ وَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ وَمَا يَمْتَنِعُ بِشُرُوطِ صِحَّتِهِ، وَكَمَالِهِ فَقَوْلُهُ: بَيْعُ الدَّيْنِ مُسَوَّغٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِمُسَوَّغٌ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ، صِلَتُهَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَحُذِفَ الْعَائِدُ؛ لِكَوْنِهِ مَجْرُورًا بِمَا جُرَّ بِهِ الْمَوْصُولُ. وَقَوْلُهُ: " مِنْ عَرْضٍ أَوْ مِنْ عَيْنِ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي مَا، أَيْ وَاَلَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ الدَّيْنُ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْعَرَضُ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلدَّيْنِ، أَيْ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا؛ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا مِنْ جِنْسِهِ فَهُوَ اقْتِضَاءٌ لَا بَيْعٌ، إلَّا إذَا أُرِيدَ بِالْبَيْعِ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَجَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ عَرَضًا، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَرَضًا جَازَ أَنْ
стр. 317
يُعْطِيَهُ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَأَمَّا مِنْ جِنْسِهِ فَاقْتِضَاءٌ أَيْضًا
(قَالَ الشَّارِحُ) وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهِ مِنْ أَنْ يَبِيعَ الدَّيْنَ بِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ حَاضِرًا، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا - حُضُورُ الْمَدِينِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَإِقْرَارُهُ بِبَقَاءِ الْحَقِّ قِبَلَهُ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ وَالْمَدِينُ غَائِبٌ أَوْ مُنْكِرٌ وَثَانِيهِمَا - تَعْجِيلُ الثَّمَنِ الْمَدْفُوعِ فِيهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَمِنْ هُنَالِكَ لَا يَجُوزُ دَنَانِيرُ فِي دَرَاهِمَ، وَلَا دَرَاهِمُ فِي دَنَانِيرَ، عَلَى تَأْخِيرِ الْمَدْفُوعِ لَحْظَةً؛ لِأَنَّهُ صَرْفُ مُسْتَأْخَرٍ ثُمَّ قَالَ: وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ، مِنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ، فَلَهُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ غَرِيمِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ، أَوْ بَعْدَهُ بِثَمَنٍ يَتَعَجَّلُهُ فَإِنْ كَانَ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ بَاعَهُ بِعَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ عَرَضًا بَاعَهُ بِعَيْنٍ أَوْ بِعَرَضٍ يُخَالِفُهُ نَقْدًا قَالَ سَحْنُونٌ: بِمَحْضَرِ الْغَرِيمِ وَإِقْرَارِهِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي فِي الْمُفِيدِ لِلْمَدِينِ نَفْسِهِ جَائِزٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ. وَإِنْ صَالَحْتَهُ عَلَى عَشَرَةِ أَرْطَالٍ، مِنْ لَحْمِ شَاةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ لَمْ يَجُزْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ اسْتَهْلَكَ لَك بَعِيرًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى بَعِيرٍ مِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ، لِفَسْخِكَ مَا وَجَبَ لَك مِنْ الْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ لَوْ صَالَحْتَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ كَالْقِيمَةِ فَأَدْنَى، وَكَانَ مَا اُسْتُهْلِكَ مِمَّا يُبَاعُ بِالدَّنَانِيرِ بِالْبَلَدِ جَازَ، وَيَجُورُ عَلَى دَرَاهِمَ نَقْدًا، أَوْ عَلَى عَرَضٍ نَقْدًا بَعْدَ مَعْرِفَتِكُمَا بِقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ بِالدَّرَاهِمِ؛ جَازَ الصُّلْحُ عَلَى دَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ مِثْلِ الْقِيمَةِ فَأَدْنَى، وَلَا يَجُوزُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضٍ إلَّا نَقْدًا بَعْدَ مَعْرِفَتِكُمَا بِقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَإِنْ شَرَطْتُمَا تَأْخِيرَ ذَلِكَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ تَعَجَّلْتَهُ بَعْدَ الشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ؛ لِوُقُوعِهِ فَاسِدًا وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ لَك غَنَمًا أَوْ مَتَاعًا، فَالصُّلْحُ فِيهِ عَلَى عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ يَجْرِي عَلَى وَصْفِنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ذَبَحَ لِرَجُلٍ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ فَصِيلًا " فَإِنْ كَانَ لَحْمُ الشَّاةِ لَمْ يَفُتْ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَالِحَهُ بِشَاةٍ إذْ لَهُ أَخْذُهَا مَذْبُوحَةً فَصَارَ لَحْمًا بِحَيَوَانٍ وَإِنْ فَاتَ اللَّحْمُ فَجَائِزٌ نَقْدًا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِقِيمَةِ الشَّاةِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ لَهُ صُبْرَةَ قَمْحٍ لَا يَعْرِفَانِ كَيْلَهَا؛ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْقِيمَةِ مَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا، وَأَمَّا عَلَى مَكِيلَةٍ مِنْ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ؛ فَلَا يَصِحُّ عَلَى التَّحَرِّي " (أَيْ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ صَفٌّ وَاحِدٌ، وَالشَّكُّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ) قَالَ: " وَأَمَّا عَلَى كَيْلٍ لَا يُشَكُّ أَنَّهُ أَدْنَى مِنْ كَيْلِ الصُّبْرَةِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بَعْضَ حَقِّهِ، فَلَا تُبَالِي أَخَذَ قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا، يُرِيدُ هَهُنَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقِيمَةَ " اهـ عَلَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ
قَالَ: " وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي مُصَالَحَةُ الْفَرَّانِ وَالرَّحَوِيِّ، فِيمَا تَبَدَّلَ عِنْدَهُمَا " وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ ﵀ يَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَقَلُّ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ خُبْزَهُ أَوْ دَقِيقَهُ قَدْ أُكِلَ، لِئَلَّا يَكُونَ مُبَادَلَةً بِتَأْخِيرٍ وَكَانَ يَقُولُ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ قَرِينَةُ الْحَالِ، أَنَّ طَعَامَهُ قَدْ أُكِلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا فِي الْأُضْحِيَّةِ اهـ (ابْنُ الْحَاجِبِ) يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى ذَهَبٍ مِنْ وَرِقٍ وَبِالْعَكْسِ إذَا كَانَا حَالَّيْنِ وَعَجَّلَ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَك عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا جَازَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى خَمْسِينَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّك حَطَطْتَهُ وَأَخَّرْتَهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا تَأْخِيرٌ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ وَصَرْفُ مُسْتَأْخَرٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: " وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا " لِأَنَّ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ مُحِقًّا؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ خَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ أَخَذَ عَنْهَا عَرَضًا أَوْ ذَهَبًا إلَى أَجَلٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَرَاهِمَ فِي عُرُوضٍ أَوْ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُبْطِلًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ اهُوَ هَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ: بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْعُ الدَّيْنِ. الْبَيْتَ إنَّمَا أَطَلْتُ هُنَا بَعْضَ التَّطْوِيلِ لِأَنَّ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ بَعْضَ صُعُوبَةٍ، وَتَكْثِيرُ الْأَمْثِلَةِ، مِمَّا يَتَمَرَّنُ بِهِ الطَّالِبُ، وَهَذَا النَّقْلُ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الصُّلْحِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يُصَالَحُ عَنْ الدَّيْنِ بِمَا يُبَاعُ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا مَعْرِفَةُ مَا يُبَاعُ بِهِ الدَّيْنُ مِمَّا لَا يُبَاعُ بِهِ. وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ مَسْأَلَةِ اسْتِهْلَاكِ صُبْرَةِ الْقَمْحِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَرِيبًا: أَنَّ مَنْعَ بَيْعِ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ (سَوَاءٌ تَبَيَّنَ الْفَضْلُ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ أَوْ لَا) إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ وَحُضُورِ الْعِوَضَيْنِ، وَأَمَّا بَعْدَ
стр. 318
تَقَرُّرِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي الذِّمَّةِ وَقَصْدِ الصُّلْحِ عَنْهُ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَقَلُّ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ هِبَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ حُضُورٍ مِنْ الْبَيْتِ إلَى بَعْضِ شُرُوطِ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ. وَذَكَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةً: حُضُورُ الْمَدِينِ، وَإِقْرَارُهُ، وَتَعْجِيلُ الثَّمَنِ. وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا نَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ الْغَرْنَاطِيِّ ثَلَاثَةٌ أُخَرُ: أَنْ لَا يَكُونَ الدَّيْنُ طَعَامًا بِعَرَضٍ، وَأَنْ يُبَاعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمُبْتَاعُ عَدُوًّا لِلْغَرِيمِ
(الْبُرْزُلِيُّ) . وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عُرُوضًا فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُبْقِيَ مِثْلَ أَجَلِ السَّلَمِ مِنْ أَجَلِهِ أَوْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ؟ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: مُقَيَّدٌ هَذَا الشَّرْحِ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ، وَقَدْ كُنْتُ نَظَمْتُ شُرُوطَ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ، عَلَى مَا ذَكَرَ الْغَرْنَاطِيُّ فَقُلْتُ:
شُرُوطُ بَيْعِ الدَّيْنِ سِتَّةٌ تُرَى ... حُضُورُ مِدْيَانٍ وَإِقْرَارٌ يُرَى
وَبَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسٍ وَنَقَدْ ... ثَمَنُهُ وَلَا عَدَاوَةَ يُرَدْ
وَلَيْسَ ذَا الدَّيْنُ طَعَامًا وَاخْتُلِفْ ... فِي أَجَلِ السَّلَمِ إنْ عَرْضًا وُصِفْ
أَيْ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ عَرَضًا مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ زِدْتَ عَلَى شُرُوطِ بَيْعِ الدَّيْنِ مَسْأَلَتَيْنِ فَقُلْتُ فِيهِمَا:
وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ الْحُلُولُ ... إلَّا بِصَرْفٍ شَرْطُهُ مَقُولُ
فِي كَوْنِ ذَا الْمَدِينِ أَوْلَى بِاَلَّذِي ... بِيعَ بِهِ أَوْ لَا خِلَافَ فَاحْتَذِي
(فَائِدَةٌ) مِنْ صُوَرِ بَيْعِ الدَّيْنِ - الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ - الْمَسْأَلَة الْمُلَقَّبَةِ - عِنْدَ الْعَامَّةِ - بِقَلْبِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ الْإِنْسَانِ رَهْنٌ فِي دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى دَيْنِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ فَيَبِيعُ ذَلِكَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ، كَمَا إذَا كَانَ دَيْنُهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ؛ فَيَبِيعُهُ بِسِلْعَةٍ نَقْدًا، مَعَ اعْتِبَارِ بَقِيَّةِ شُرُوطِ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَيَحِلُّ الْمُشْتَرِي لِلدَّيْنِ الْمَذْكُورِ مَحَلَّ بَائِعِهِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ لَا فِي الْجَوَازِ وَالْمَنْفَعَةِ وَإِنْ جُعِلَتْ لَهُ، وَالْبَيْعُ لِلرَّهْنِ بِالتَّفْوِيضِ الَّذِي جُعِلَ لِلْمُرْتَهِنِ الْبَائِعِ لِلدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُكْتَبُ فِي ذَلِكَ فِي ظَهْرِ وَثِيقَةِ الدَّيْنِ أَوْ طَرَفِهَا: اشْتَرَى فُلَانٌ جَمِيعَ الدَّيْنِ أَعْلَاهُ، أَوْ بِمُحَوَّلِهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَقَبَضَ الْبَائِعُ الْمَذْكُورُ جَمِيعَ الثَّمَنِ مُعَايَنَةً، أَوْ بِاعْتِرَافِهِ بَعْدَ التَّقْلِيبِ وَالرِّضَا كَمَا يَجِبُ، وَأَبْرَأَ الْمُشْتَرِي مِنْ جَمِيعِهِ. فَبَرِئَ، وَأَحَلَّهُ مَحَلَّهُ فِي الرَّهْنِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالْجَوَازِ لَهُ وَالتَّفْوِيضِ، وَتَمَلَّكَ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورُ مُشْتَرَاهُ تَمَلُّكًا تَامًّا، عَلَى السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ وَالْمَرْجِعُ بِالدَّرْكِ عُرْفًا قَدْرُهُ إلَى آخِرِ الْوَثِيقَةِ
وَهَذَا مَعَ التَّنْصِيصِ عَلَى دُخُولِ الرَّهْنِ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي وَقْتِنَا، إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِشِرَاءِ الدَّيْنِ غَالِبًا، وَلِلرَّاهِنِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ رَهْنَهُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي الْمَدِينِ، أَوْ يَجْعَلَهُ بِيَدِ رَجُلٍ غَيْرِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ لَمْ تُشْتَرَطْ مَنْفَعَتُهُ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ اشْتَرَطَ الْمَنْفَعَةَ، وَبَاعَ الدَّيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ مَعًا - كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ كَثِيرًا - فَلَا خِيَارَ لِلرَّاهِنِ، إلَّا إذَا لَحِقَهُ ضَرَرٌ؛ فَيُزَالُ الضَّرَرُ، وَيُكْرِي ذَلِكَ لِغَيْرِ مُشْتَرِي الدَّيْنِ، وَالْكِرَاءُ لِمُشْتَرِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لِمُشْتَرِطِهَا وَإِنْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِهِ لَمْ يَدْخُلْ، وَيَبْقَى الرَّهْنُ بِيَدِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ، وَأَمَّا إنْ بِيعَ الدَّيْنُ وَسَكَتَ عَنْ الرَّهْنِ، فَلَا يَشْمَلُهُ الْبَيْعُ لِأَنَّ الدَّيْنَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ، وَالتَّوَثُّقُ بِالرَّهْنِ حَقٌّ لَهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنْفَكٌّ عَنْ الْآخَرِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَالِ الْإِنْسَانِ عَلَى مِلْكِهِ؛ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْهُ بِرِضَاهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي بَيْعِ الدَّيْنِ هَلْ وَقْعَ عَلَى دُخُولِ الرَّهْنِ أَوْ لَا؟ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَيَبْدَأُ الْبَائِعُ. كَمَا فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا هَلْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ أَوْ لَا؟
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْحَمِيلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ دُخُولَهُ فَيُشْتَرَطُ حُضُورُهُ، وَإِقْرَارُهُ بِالْحِمَالَةِ، لِئَلَّا يَصِيرَ مِنْ شِرَاءِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ. اُنْظُرْ الْحَطَّابَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْبُيُوعِ: وَحَاضِرٌ إلَّا أَنْ يُقِرَّ وَمَعَ كَوْنِ الدَّيْنِ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، وَبِرَهْنٍ يُسَاوِي الدَّيْنَ وَأَكْثَرَ، وَهُوَ مَحُوزٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْمَدِينِ، وَإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ
стр. 319
عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ. وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ شِرَاءَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ فِي نَوَازِلِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ عَنْ مَالِكٍ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ (فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ) أَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ يُجِيزُ شِرَاءَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ الْقَرِيبِ الْغَيْبَةِ، إذَا كَانَ عَلَى الدَّيْنِ بَيِّنَةٌ نَقَلَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ، أَوَّلَ الْكُرَّاسِ السَّابِعِ مِنْ تَرْجَمَةِ الْمُعَاوَضَاتِ وَالْبُيُوعِ، فِي سُؤَالِ نَازِلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ.
وَفِي السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ وَجَوَابِهِ طُولٌ حَذَفْتُهُ اخْتِصَارًا. قَالَ الْقَبَّابُ الْمَذْكُورُ أَوَّلَ الْجَوَابِ: " أَمَّا مَنْ يُجِيزُ بَيْعَ الدَّيْنِ عَلَى غَائِبٍ بِغَيْرِ رَهْنٍ، فَلَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مَعَ الرَّهْنِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ " لَكِنَّهَا كُلَّهَا أَقْوَالٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ، وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِ الْأَحْكَامِ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ ﵀ وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا فِي الرِّهَانِ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الْمَدِينِ، وَلَعَلَّهُ ارْتِكَابًا لِمُقَابِلِ الْمَشْهُورِ؛ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ مَعَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ وَحِيَازَةِ الرَّهْنِ (فَرْعٌ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّضْيِيقُ عَلَى الْمَدِينِ وَتَعْنِيَتِهِ، وَأَمَّا إنْ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ؛ فَيُمْنَعُ وَيُرَدُّ إنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَهَلْ يَكْفِي فِي مَنْعِ ذَلِكَ وَفَسْخِهِ قَصْدُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ الْإِضْرَارَ، أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِقَصْدِ الْمُشْتَرِي الضَّرَرَ؟ وَإِلَّا لَمْ يُفْسَخْ بَلْ يُبَاعُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَرْتَفِعُ الضَّرَرُ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَظْهَرُ. قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي مَسْأَلَةِ الضَّمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي شُرُوطِ بَيْعِ الدَّيْنِ.
(فَرْعٌ) إذَا بِيعَ الدَّيْنُ فَاخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَحَقَّ بِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ: " وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ " وَعَنْ مَالِكٍ: أَرَاهُ حَسَنًا وَمَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ يَقْضِي بِهِ اهـ. وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي الْبَيْتِ الرَّابِعِ مِنْ شُرُوطِ بَيْعِ الدَّيْنِ
وَفِي طَعَامٍ إنْ يَكُنْ مِنْ قَرْضِ ... يَجُوزُ الِابْتِيَاعُ قَبْلَ الْقَبْضِ
هَذَا مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الدَّيْنِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ، تَرَتَّبَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ سَلَفِ إحْسَانٍ تَوْسِعَةٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى تَقَدَّمَ دُخُولُهُ فِي قَوْلِهِ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ
وَالْبَيْعُ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ ... مُمْتَنِعٌ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرْضٍ
وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، وَفِي الرِّسَالَةِ " وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ طَعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى "
(وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) جَائِزٌ لِمَنْ أَقْرَضَ طَعَامًا أَوْ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ، أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ اهـ. وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الثَّمَنِ مُعَجَّلًا، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ النَّاظِمُ هُنَا، اتِّكَالًا مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " قَبْلَ هَذَا يَلِي هُوَ تَعْجِيلَ الثَّمَنِ "، وَهَذَا يَعْنِي تَعْجِيلَ الثَّمَنِ شَرْطٌ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ مُطْلَقًا، طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ
وَالِاقْتِضَاءُ لِلدُّيُونِ مُخْتَلِفْ ... وَالْحُكْمُ قَبْلَ أَجَلٍ لَا يَخْتَلِفْ
وَالْمِثْلُ مَطْلُوبٌ وَذُو اعْتِبَارِ ... فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ
وَالْعَيْنُ فِيهِ مَعَ بُلُوغٍ أَجَلَا ... صَرْفٌ وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عَجِلَا
وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ مِنْ سَلَفِ ... خُذْ فِيهِ مِنْ مُعَجِّلٍ مَا تَصْطَفِي
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ سَلَمٍ بَعْدَ الْأَمَدْ ... فَالْوَصْفُ فِيهِ السَّمْحُ جَائِزٌ فُقِدْ
الِاقْتِضَاءُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ فِي الْعُرْفِ: قَبْضُ مَا فِي ذِمَّةِ غَيْرِ الْقَابِضِ فَقَوْلُهُ: " غَيْرُ الْقَابِضِ " أَخْرَجَ بِهِ الْمُقَاصَّةَ؛ لِأَنَّهَا قَبْضٌ وَقَوْلُهُ: " مَا فِي ذِمَّةِ الْقَابِضِ " وَقَوْلُهُ: " مَا فِي ذِمَّةِ. . . إلَخْ " يَعْنِي أَنَّ الِاقْتِضَاءَ هُوَ: أَنْ يَقْبِضَ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدِينِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَى الْمَدِينِ ذَهَبٌ، فَيُعْطِيكَ
стр. 320
ذَهَبًا، أَوْ وَرِقٌ فَيُعْطِيكَ وَرِقًا، أَوْ كَتَّانٌ، فَيُعْطِيكَ كَتَّانًا أَوْ حَرِيرٌ فَيُعْطِيكَ حَرِيرًا، وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ.
أَمَّا إنْ أَعْطَاكَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً أَوْ بِالْعَكْسِ فَهُوَ صَرْفٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: " صَرْفُ مَا فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ " بِشَرْطِ الْحُلُولِ. وَإِنْ أَعْطَاكَ عَنْ الذَّهَبِ حَرِيرًا مَثَلًا، أَوْ عَنْ الْحَرِيرِ ذَهَبًا، أَوْ عَنْ الصُّوفِ كَتَّانًا، فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ لَا مِنْ اقْتِضَائِهِ، وَاقْتِضَاءُ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعُهُ مِنْ الْمَدِينِ، يُتَصَوَّرُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ: رَبُّ الدَّيْنِ وَالْمَدِينِ وَأَمَّا بَيْعُهُ لِغَيْرِ الْمِدْيَانِ فَيُتَصَوَّرُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ: رَبُّ الدَّيْنِ وَالْمَدِينِ وَالْمُشْتَرِي لِلدَّيْنِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ الِاقْتِضَاءَ عَلَى مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ، كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ مَا هُوَ اقْتِضَاءٌ حَقِيقَةً، وَمَا هُوَ بَيْعٌ حَقِيقَةً، وَمَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لِإِرَادَةِ الْبَيْعِ أَوْ الِاقْتِضَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَسَّمَ الِاقْتِضَاءَ إلَى مَا قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِلَى مَا بَعْدَهُ، فَأَشَارَ إلَى مَا قَبْلَ الْأَجَلِ بِقَوْلِهِ:
... وَالْحُكْمُ قَبْلَ أَجَلٍ لَا يَخْتَلِفْ
وَالْمِثْلُ مَطْلُوبٌ وَذُو اعْتِبَارِ ...
أَيْ: مُعْتَبَرٌ
فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ
وَهَذَا اقْتِضَاءٌ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ أَعْطَى مِثْلَ مَا عَلَيْهِ جِنْسًا وَصِفَةً وَمِقْدَارًا، ثُمَّ قَسَّمَ الِاقْتِضَاءَ بَعْدَ الْأَجَلِ إلَى كَوْنِهِ - أَيْ الدَّيْنِ - عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَأَعْطَاهُ عَيْنًا مُخَالِفًا لِجِنْسِ الدَّيْنِ فَهُوَ صَرْفٌ، وَإِنْ أَعْطَاهُ عَنْ الْعَيْنِ عَرَضًا ثَوْبًا مَثَلًا فَهُوَ بَيْعٌ لِلدَّيْنِ بِذَلِكَ الثَّوْبِ، فَقَالَ
وَالْعَيْنُ فِيهِ مَعَ بُلُوغٍ أَجَلَا ... صَرْفٌ وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عَجِلَا
فَقَوْلُهُ وَالْعَيْنُ فِيهِ الضَّمِيرُ لِلْعَيْنِ، أَيْ دَفْعُ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ صَرْفٌ، فَالْعَيْنُ الْأَوَّلُ - هُوَ الْمَدْفُوعُ عَنْ الدَّيْنِ - وَالثَّانِي - الَّذِي كَنَّى عَنْهُ بِالضَّمِيرِ - هُوَ الدَّيْنُ الْمُتَرَتِّبُ فِي الذِّمَّةِ وَمُقَابِلُهُ هُوَ قَوْلُهُ: " وَغَيْرُ عَيْنٍ إلَخْ " وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ بَيْعٌ، وَإِنْ غَلَبَ إطْلَاقُ الْبَيْعِ عَلَى مَا أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ عَيْنٍ بَلْ عَرَضًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ سَلَفٍ، أَوْ مِنْ بَيْعٍ، وَعَنْ الْبَيْعِ عَبَّرَ بِالسَّلَمِ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ بَيْعٌ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ سَلَفٍ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ مَا شَاءَ مُعَجَّلًا، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ فَهُوَ اقْتِضَاءٌ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَهُوَ بَيْعٌ، فَهَذَا مِمَّا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَيْعُ وَالِاقْتِضَاءُ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ مِنْ سَلَفِ ... خُذْ فِيهِ مِنْ مُعَجِّلٍ مَا تَصْطَفِي
وَإِنْ كَانَ مِنْ سَلَمٍ " - أَيْ بَيْعٍ - فَقَالَ فِيهِ
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ سَلَمٍ بَعْدَ الْأَمْرِ ... فَالْوَصْفُ فِيهِ السَّمْحُ جَائِزٌ فَقَدْ
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ السَّمْحُ فِي الصِّفَةِ بِحَيْثُ يَأْخُذُ أَدْنَى صِفَةٍ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ الِاقْتِضَاءِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْوَصْفَ إنَّمَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ إذَا كَانَ الْقَضَاءُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّاظِمُ اشْتِرَاطَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اعْتِنَاءً بِهِ الْأَوَّلُ - قَوْلُهُ: " مَعَ بُلُوغٍ أَجَلًا " الثَّانِيَةُ - قَوْلُهُ: " وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ " - أَيْ بَعْدَ الْأَجَلِ - الثَّالِثَةُ - قَوْلُهُ " بَعْدَ الْأَمَدِ ". هَذَا حَاصِلُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الْخَمْسَةِ، لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ اقْتِضَاءُ دَيْنٍ أَوْ بَيْعٍ، وَأَمَّا شَرْحُهَا فَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ -
عَلَى أَنَّ النَّاظِمَ قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ وَصَرْفِهِ قَوْلِهِ:
بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْعُ الدَّيْنِ ... مُسَوَّغٌ مِنْ عَرْضٍ أَوْ مِنْ عَيْنِ
كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَحَلِّهِ، إلَّا أَنَّ فِيهِ إجْمَالًا وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَةٌ، وَمَا هُنَا تَفْسِيرٌ لَهُ، وَأَفَادَ هُنَا زِيَادَةً عَلَى مَا شَمِلَ قَوْلُهُ:
بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْعُ الدَّيْنِ
الْبَيْتُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صَرْفِ الدَّيْنِ حُلُولُ الْأَجَلِ، لِقَوْلِهِ هُنَا مَعَ بُلُوغٍ أَجَلًا " وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حُلُولُ الْأَجَلِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ مِنْ أَنْوَاعِ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ الْعَيْنِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِعَرَضٍ مُعَجَّلٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَرَضِ الْمُؤَجَّلِ بِعَرَضٍ أَوْ عَيْنٍ حَالٍّ، وَأَفَادَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَدِينِ وَإِقْرَارُهُ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ تَعْجِيلِ مَا يُبَاعُ بِهِ الدَّيْنُ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: " وَتَعْجِيلُ الثَّمَنِ " وَهُنَا فِي قَوْلِهِ: " وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عَجَّلَا "، وَفِي قَوْلِهِ: " خُذْ مِنْ مُعَجَّلٍ " وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ مَعَ أَلْفَاظِ النَّاظِمِ ﵀ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ الْعَقْلِيَّةَ الْمُتَصَوَّرَةَ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ الِاقْتِضَاءَ الْحَقِيقِيَّ - الَّذِي هُوَ الْأَخْذُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ - أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً بَيَانُهَا: أَنَّ الدَّيْنَ إمَّا عَيْنٌ أَوْ عَرَضٌ، وَيَنْدَرِجُ فِي الْعَرَضِ، الطَّعَامَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَرَضِ مَا يُقَابِلُ الْعَيْنَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فِي كُلٍّ مِنْهَا، إمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا وَلَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ
следующие страницы →