Полный текст (643 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أَوْ غُصِبَتْ وَإِلَى الْمَوْتِ وَالسَّرِقَةِ، أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " إنْ تَفَانَى أَوْ سُلِبَ " هَلْ يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الْمُسْتَثْنَى أَوْ لَا يَضْمَنُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: " فَلَوْ مَاتَ مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مُعَيَّنٌ " فَثَالِثُهَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي الْجِلْدَ وَالرَّأْسَ دُونَ اللَّحْمِ مَا نَصُّهُ: مُرَادُهُ بِالْمُعَيَّنِ خِلَافُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْطَالِ وَالْجِلْدِ وَالرَّأْسِ، فَقِيلَ يَضْمَنُ فِي الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ، أَوْ لَا يَضْمَنُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ، أَوْ يَضْمَنُ فِي مَسْأَلَةِ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَبْرِهِ دُونَ مَسْأَلَةِ الْأَرْطَالِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَالثَّالِثُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَنَسَبَ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ الْقَوْلَيْنِ فِي ضَمَانِ الْجِلْدِ لِابْنِ الْقَاسِمِ. وَحَمَلَ ابْنُ دَحُونٍ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ. وَأَمَّا إنْ تَوَانَى بِالذَّبْحِ فَيَضْمَنُ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالضَّمَانِ وَعَلَى هَذَا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الذَّبْحِ، إنَّمَا هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَرْطَالِ، أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ، أَوْ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَذَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ كَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمَنْقُولِ آنِفًا، أَنَّ الْخِلَافَ فِي الضَّمَانِ مُفَرَّعٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَرْطَالِ وَالْجِلْدِ وَالرَّأْسِ، وَأَمَّا عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ شَرِيكٌ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ وَالْمُقَاصَّةِ فِيهِ]
ِ جَمَعَ النَّاظِمُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ الدَّيْنِ وَاقْتِضَائِهِ، وَالْمُقَاصَّةِ فِيهِ لِلْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ بَيْعَ الدَّيْنِ عَلَى مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الْمَدِينِ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْعًا (وَذَلِكَ حَيْثُ يُقْضَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ) أَوْ اقْتِضَائِهِ وَذَلِكَ حَيْثُ يَقْضِي مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ مَقْصُودَ النَّاظِمِ، الْكَلَامُ عَلَى مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَعَلَى نَسْخِهِ زِيَادَةٌ بِالدَّيْنِ، يَكُونُ إنَّمَا تَرْجَمَ لِلْمَمْنُوعِ فَقَطْ، وَهُوَ بَيْعُهُ بِالدَّيْنِ
بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْعُ الدَّيْنِ ... مُسَوَّغٌ مِنْ عَرْضٍ أَوْ مِنْ عَيْنِ
وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ حُضُورِ مَنْ ... أَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَتَعْجِيلِ الثَّمَنْ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهِ مِنْ عَرَضٍ، أَوْ عَيْنٍ.
وَيَعْنِي بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهِ لِذَلِكَ الدَّيْنِ، بِحَيْثُ يَنْظُرُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ عَرَضٍ وَيُعْتَبَرُ فِي بَيْعِهِ وَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ وَمَا يَمْتَنِعُ بِشُرُوطِ صِحَّتِهِ، وَكَمَالِهِ فَقَوْلُهُ: بَيْعُ الدَّيْنِ مُسَوَّغٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِمُسَوَّغٌ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ، صِلَتُهَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَحُذِفَ الْعَائِدُ؛ لِكَوْنِهِ مَجْرُورًا بِمَا جُرَّ بِهِ الْمَوْصُولُ. وَقَوْلُهُ: " مِنْ عَرْضٍ أَوْ مِنْ عَيْنِ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي مَا، أَيْ وَاَلَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ الدَّيْنُ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْعَرَضُ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلدَّيْنِ، أَيْ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا؛ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا مِنْ جِنْسِهِ فَهُوَ اقْتِضَاءٌ لَا بَيْعٌ، إلَّا إذَا أُرِيدَ بِالْبَيْعِ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَجَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ عَرَضًا، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَرَضًا جَازَ أَنْ
стр. 317
يُعْطِيَهُ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَأَمَّا مِنْ جِنْسِهِ فَاقْتِضَاءٌ أَيْضًا
(قَالَ الشَّارِحُ) وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهِ مِنْ أَنْ يَبِيعَ الدَّيْنَ بِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ حَاضِرًا، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا - حُضُورُ الْمَدِينِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَإِقْرَارُهُ بِبَقَاءِ الْحَقِّ قِبَلَهُ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ وَالْمَدِينُ غَائِبٌ أَوْ مُنْكِرٌ وَثَانِيهِمَا - تَعْجِيلُ الثَّمَنِ الْمَدْفُوعِ فِيهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَمِنْ هُنَالِكَ لَا يَجُوزُ دَنَانِيرُ فِي دَرَاهِمَ، وَلَا دَرَاهِمُ فِي دَنَانِيرَ، عَلَى تَأْخِيرِ الْمَدْفُوعِ لَحْظَةً؛ لِأَنَّهُ صَرْفُ مُسْتَأْخَرٍ ثُمَّ قَالَ: وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ، مِنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ، فَلَهُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ غَرِيمِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ، أَوْ بَعْدَهُ بِثَمَنٍ يَتَعَجَّلُهُ فَإِنْ كَانَ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ بَاعَهُ بِعَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ عَرَضًا بَاعَهُ بِعَيْنٍ أَوْ بِعَرَضٍ يُخَالِفُهُ نَقْدًا قَالَ سَحْنُونٌ: بِمَحْضَرِ الْغَرِيمِ وَإِقْرَارِهِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي فِي الْمُفِيدِ لِلْمَدِينِ نَفْسِهِ جَائِزٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ. وَإِنْ صَالَحْتَهُ عَلَى عَشَرَةِ أَرْطَالٍ، مِنْ لَحْمِ شَاةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ لَمْ يَجُزْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ اسْتَهْلَكَ لَك بَعِيرًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى بَعِيرٍ مِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ، لِفَسْخِكَ مَا وَجَبَ لَك مِنْ الْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ لَوْ صَالَحْتَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ كَالْقِيمَةِ فَأَدْنَى، وَكَانَ مَا اُسْتُهْلِكَ مِمَّا يُبَاعُ بِالدَّنَانِيرِ بِالْبَلَدِ جَازَ، وَيَجُورُ عَلَى دَرَاهِمَ نَقْدًا، أَوْ عَلَى عَرَضٍ نَقْدًا بَعْدَ مَعْرِفَتِكُمَا بِقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ بِالدَّرَاهِمِ؛ جَازَ الصُّلْحُ عَلَى دَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ مِثْلِ الْقِيمَةِ فَأَدْنَى، وَلَا يَجُوزُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضٍ إلَّا نَقْدًا بَعْدَ مَعْرِفَتِكُمَا بِقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَإِنْ شَرَطْتُمَا تَأْخِيرَ ذَلِكَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ تَعَجَّلْتَهُ بَعْدَ الشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ؛ لِوُقُوعِهِ فَاسِدًا وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ لَك غَنَمًا أَوْ مَتَاعًا، فَالصُّلْحُ فِيهِ عَلَى عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ يَجْرِي عَلَى وَصْفِنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ذَبَحَ لِرَجُلٍ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ فَصِيلًا " فَإِنْ كَانَ لَحْمُ الشَّاةِ لَمْ يَفُتْ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَالِحَهُ بِشَاةٍ إذْ لَهُ أَخْذُهَا مَذْبُوحَةً فَصَارَ لَحْمًا بِحَيَوَانٍ وَإِنْ فَاتَ اللَّحْمُ فَجَائِزٌ نَقْدًا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِقِيمَةِ الشَّاةِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ لَهُ صُبْرَةَ قَمْحٍ لَا يَعْرِفَانِ كَيْلَهَا؛ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْقِيمَةِ مَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا، وَأَمَّا عَلَى مَكِيلَةٍ مِنْ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ؛ فَلَا يَصِحُّ عَلَى التَّحَرِّي " (أَيْ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ صَفٌّ وَاحِدٌ، وَالشَّكُّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ) قَالَ: " وَأَمَّا عَلَى كَيْلٍ لَا يُشَكُّ أَنَّهُ أَدْنَى مِنْ كَيْلِ الصُّبْرَةِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بَعْضَ حَقِّهِ، فَلَا تُبَالِي أَخَذَ قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا، يُرِيدُ هَهُنَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقِيمَةَ " اهـ عَلَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ
قَالَ: " وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي مُصَالَحَةُ الْفَرَّانِ وَالرَّحَوِيِّ، فِيمَا تَبَدَّلَ عِنْدَهُمَا " وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ ﵀ يَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَقَلُّ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ خُبْزَهُ أَوْ دَقِيقَهُ قَدْ أُكِلَ، لِئَلَّا يَكُونَ مُبَادَلَةً بِتَأْخِيرٍ وَكَانَ يَقُولُ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ قَرِينَةُ الْحَالِ، أَنَّ طَعَامَهُ قَدْ أُكِلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا فِي الْأُضْحِيَّةِ اهـ (ابْنُ الْحَاجِبِ) يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى ذَهَبٍ مِنْ وَرِقٍ وَبِالْعَكْسِ إذَا كَانَا حَالَّيْنِ وَعَجَّلَ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَك عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا جَازَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى خَمْسِينَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّك حَطَطْتَهُ وَأَخَّرْتَهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا تَأْخِيرٌ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ وَصَرْفُ مُسْتَأْخَرٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: " وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا " لِأَنَّ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ مُحِقًّا؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ خَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ أَخَذَ عَنْهَا عَرَضًا أَوْ ذَهَبًا إلَى أَجَلٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَرَاهِمَ فِي عُرُوضٍ أَوْ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُبْطِلًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ اهُوَ هَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ: بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْعُ الدَّيْنِ. الْبَيْتَ إنَّمَا أَطَلْتُ هُنَا بَعْضَ التَّطْوِيلِ لِأَنَّ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ بَعْضَ صُعُوبَةٍ، وَتَكْثِيرُ الْأَمْثِلَةِ، مِمَّا يَتَمَرَّنُ بِهِ الطَّالِبُ، وَهَذَا النَّقْلُ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الصُّلْحِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يُصَالَحُ عَنْ الدَّيْنِ بِمَا يُبَاعُ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا مَعْرِفَةُ مَا يُبَاعُ بِهِ الدَّيْنُ مِمَّا لَا يُبَاعُ بِهِ. وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ مَسْأَلَةِ اسْتِهْلَاكِ صُبْرَةِ الْقَمْحِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَرِيبًا: أَنَّ مَنْعَ بَيْعِ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ (سَوَاءٌ تَبَيَّنَ الْفَضْلُ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ أَوْ لَا) إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ وَحُضُورِ الْعِوَضَيْنِ، وَأَمَّا بَعْدَ
стр. 318
تَقَرُّرِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي الذِّمَّةِ وَقَصْدِ الصُّلْحِ عَنْهُ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَقَلُّ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ هِبَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ حُضُورٍ مِنْ الْبَيْتِ إلَى بَعْضِ شُرُوطِ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ. وَذَكَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةً: حُضُورُ الْمَدِينِ، وَإِقْرَارُهُ، وَتَعْجِيلُ الثَّمَنِ. وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا نَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ الْغَرْنَاطِيِّ ثَلَاثَةٌ أُخَرُ: أَنْ لَا يَكُونَ الدَّيْنُ طَعَامًا بِعَرَضٍ، وَأَنْ يُبَاعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمُبْتَاعُ عَدُوًّا لِلْغَرِيمِ
(الْبُرْزُلِيُّ) . وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عُرُوضًا فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُبْقِيَ مِثْلَ أَجَلِ السَّلَمِ مِنْ أَجَلِهِ أَوْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ؟ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: مُقَيَّدٌ هَذَا الشَّرْحِ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ، وَقَدْ كُنْتُ نَظَمْتُ شُرُوطَ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ، عَلَى مَا ذَكَرَ الْغَرْنَاطِيُّ فَقُلْتُ:
شُرُوطُ بَيْعِ الدَّيْنِ سِتَّةٌ تُرَى ... حُضُورُ مِدْيَانٍ وَإِقْرَارٌ يُرَى
وَبَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسٍ وَنَقَدْ ... ثَمَنُهُ وَلَا عَدَاوَةَ يُرَدْ
وَلَيْسَ ذَا الدَّيْنُ طَعَامًا وَاخْتُلِفْ ... فِي أَجَلِ السَّلَمِ إنْ عَرْضًا وُصِفْ
أَيْ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ عَرَضًا مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ زِدْتَ عَلَى شُرُوطِ بَيْعِ الدَّيْنِ مَسْأَلَتَيْنِ فَقُلْتُ فِيهِمَا:
وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ الْحُلُولُ ... إلَّا بِصَرْفٍ شَرْطُهُ مَقُولُ
فِي كَوْنِ ذَا الْمَدِينِ أَوْلَى بِاَلَّذِي ... بِيعَ بِهِ أَوْ لَا خِلَافَ فَاحْتَذِي
(فَائِدَةٌ) مِنْ صُوَرِ بَيْعِ الدَّيْنِ - الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ - الْمَسْأَلَة الْمُلَقَّبَةِ - عِنْدَ الْعَامَّةِ - بِقَلْبِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ الْإِنْسَانِ رَهْنٌ فِي دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى دَيْنِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ فَيَبِيعُ ذَلِكَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ، كَمَا إذَا كَانَ دَيْنُهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ؛ فَيَبِيعُهُ بِسِلْعَةٍ نَقْدًا، مَعَ اعْتِبَارِ بَقِيَّةِ شُرُوطِ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَيَحِلُّ الْمُشْتَرِي لِلدَّيْنِ الْمَذْكُورِ مَحَلَّ بَائِعِهِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ لَا فِي الْجَوَازِ وَالْمَنْفَعَةِ وَإِنْ جُعِلَتْ لَهُ، وَالْبَيْعُ لِلرَّهْنِ بِالتَّفْوِيضِ الَّذِي جُعِلَ لِلْمُرْتَهِنِ الْبَائِعِ لِلدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُكْتَبُ فِي ذَلِكَ فِي ظَهْرِ وَثِيقَةِ الدَّيْنِ أَوْ طَرَفِهَا: اشْتَرَى فُلَانٌ جَمِيعَ الدَّيْنِ أَعْلَاهُ، أَوْ بِمُحَوَّلِهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَقَبَضَ الْبَائِعُ الْمَذْكُورُ جَمِيعَ الثَّمَنِ مُعَايَنَةً، أَوْ بِاعْتِرَافِهِ بَعْدَ التَّقْلِيبِ وَالرِّضَا كَمَا يَجِبُ، وَأَبْرَأَ الْمُشْتَرِي مِنْ جَمِيعِهِ. فَبَرِئَ، وَأَحَلَّهُ مَحَلَّهُ فِي الرَّهْنِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالْجَوَازِ لَهُ وَالتَّفْوِيضِ، وَتَمَلَّكَ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورُ مُشْتَرَاهُ تَمَلُّكًا تَامًّا، عَلَى السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ وَالْمَرْجِعُ بِالدَّرْكِ عُرْفًا قَدْرُهُ إلَى آخِرِ الْوَثِيقَةِ
وَهَذَا مَعَ التَّنْصِيصِ عَلَى دُخُولِ الرَّهْنِ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي وَقْتِنَا، إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِشِرَاءِ الدَّيْنِ غَالِبًا، وَلِلرَّاهِنِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ رَهْنَهُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي الْمَدِينِ، أَوْ يَجْعَلَهُ بِيَدِ رَجُلٍ غَيْرِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ لَمْ تُشْتَرَطْ مَنْفَعَتُهُ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ اشْتَرَطَ الْمَنْفَعَةَ، وَبَاعَ الدَّيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ مَعًا - كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ كَثِيرًا - فَلَا خِيَارَ لِلرَّاهِنِ، إلَّا إذَا لَحِقَهُ ضَرَرٌ؛ فَيُزَالُ الضَّرَرُ، وَيُكْرِي ذَلِكَ لِغَيْرِ مُشْتَرِي الدَّيْنِ، وَالْكِرَاءُ لِمُشْتَرِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لِمُشْتَرِطِهَا وَإِنْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِهِ لَمْ يَدْخُلْ، وَيَبْقَى الرَّهْنُ بِيَدِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ، وَأَمَّا إنْ بِيعَ الدَّيْنُ وَسَكَتَ عَنْ الرَّهْنِ، فَلَا يَشْمَلُهُ الْبَيْعُ لِأَنَّ الدَّيْنَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ، وَالتَّوَثُّقُ بِالرَّهْنِ حَقٌّ لَهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنْفَكٌّ عَنْ الْآخَرِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَالِ الْإِنْسَانِ عَلَى مِلْكِهِ؛ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْهُ بِرِضَاهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي بَيْعِ الدَّيْنِ هَلْ وَقْعَ عَلَى دُخُولِ الرَّهْنِ أَوْ لَا؟ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَيَبْدَأُ الْبَائِعُ. كَمَا فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا هَلْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ أَوْ لَا؟
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْحَمِيلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ دُخُولَهُ فَيُشْتَرَطُ حُضُورُهُ، وَإِقْرَارُهُ بِالْحِمَالَةِ، لِئَلَّا يَصِيرَ مِنْ شِرَاءِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ. اُنْظُرْ الْحَطَّابَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْبُيُوعِ: وَحَاضِرٌ إلَّا أَنْ يُقِرَّ وَمَعَ كَوْنِ الدَّيْنِ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، وَبِرَهْنٍ يُسَاوِي الدَّيْنَ وَأَكْثَرَ، وَهُوَ مَحُوزٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْمَدِينِ، وَإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ
стр. 319
عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ. وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ شِرَاءَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ فِي نَوَازِلِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ عَنْ مَالِكٍ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ (فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ) أَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ يُجِيزُ شِرَاءَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ الْقَرِيبِ الْغَيْبَةِ، إذَا كَانَ عَلَى الدَّيْنِ بَيِّنَةٌ نَقَلَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ، أَوَّلَ الْكُرَّاسِ السَّابِعِ مِنْ تَرْجَمَةِ الْمُعَاوَضَاتِ وَالْبُيُوعِ، فِي سُؤَالِ نَازِلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ.
وَفِي السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ وَجَوَابِهِ طُولٌ حَذَفْتُهُ اخْتِصَارًا. قَالَ الْقَبَّابُ الْمَذْكُورُ أَوَّلَ الْجَوَابِ: " أَمَّا مَنْ يُجِيزُ بَيْعَ الدَّيْنِ عَلَى غَائِبٍ بِغَيْرِ رَهْنٍ، فَلَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مَعَ الرَّهْنِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ " لَكِنَّهَا كُلَّهَا أَقْوَالٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ، وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِ الْأَحْكَامِ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ ﵀ وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا فِي الرِّهَانِ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الْمَدِينِ، وَلَعَلَّهُ ارْتِكَابًا لِمُقَابِلِ الْمَشْهُورِ؛ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ مَعَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ وَحِيَازَةِ الرَّهْنِ (فَرْعٌ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّضْيِيقُ عَلَى الْمَدِينِ وَتَعْنِيَتِهِ، وَأَمَّا إنْ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ؛ فَيُمْنَعُ وَيُرَدُّ إنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَهَلْ يَكْفِي فِي مَنْعِ ذَلِكَ وَفَسْخِهِ قَصْدُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ الْإِضْرَارَ، أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِقَصْدِ الْمُشْتَرِي الضَّرَرَ؟ وَإِلَّا لَمْ يُفْسَخْ بَلْ يُبَاعُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَرْتَفِعُ الضَّرَرُ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَظْهَرُ. قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي مَسْأَلَةِ الضَّمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي شُرُوطِ بَيْعِ الدَّيْنِ.
(فَرْعٌ) إذَا بِيعَ الدَّيْنُ فَاخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَحَقَّ بِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ: " وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ " وَعَنْ مَالِكٍ: أَرَاهُ حَسَنًا وَمَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ يَقْضِي بِهِ اهـ. وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي الْبَيْتِ الرَّابِعِ مِنْ شُرُوطِ بَيْعِ الدَّيْنِ
وَفِي طَعَامٍ إنْ يَكُنْ مِنْ قَرْضِ ... يَجُوزُ الِابْتِيَاعُ قَبْلَ الْقَبْضِ
هَذَا مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الدَّيْنِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ، تَرَتَّبَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ سَلَفِ إحْسَانٍ تَوْسِعَةٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى تَقَدَّمَ دُخُولُهُ فِي قَوْلِهِ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ
وَالْبَيْعُ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ ... مُمْتَنِعٌ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرْضٍ
وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، وَفِي الرِّسَالَةِ " وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ طَعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى "
(وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) جَائِزٌ لِمَنْ أَقْرَضَ طَعَامًا أَوْ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ، أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ اهـ. وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الثَّمَنِ مُعَجَّلًا، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ النَّاظِمُ هُنَا، اتِّكَالًا مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " قَبْلَ هَذَا يَلِي هُوَ تَعْجِيلَ الثَّمَنِ "، وَهَذَا يَعْنِي تَعْجِيلَ الثَّمَنِ شَرْطٌ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ مُطْلَقًا، طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ
وَالِاقْتِضَاءُ لِلدُّيُونِ مُخْتَلِفْ ... وَالْحُكْمُ قَبْلَ أَجَلٍ لَا يَخْتَلِفْ
وَالْمِثْلُ مَطْلُوبٌ وَذُو اعْتِبَارِ ... فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ
وَالْعَيْنُ فِيهِ مَعَ بُلُوغٍ أَجَلَا ... صَرْفٌ وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عَجِلَا
وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ مِنْ سَلَفِ ... خُذْ فِيهِ مِنْ مُعَجِّلٍ مَا تَصْطَفِي
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ سَلَمٍ بَعْدَ الْأَمَدْ ... فَالْوَصْفُ فِيهِ السَّمْحُ جَائِزٌ فُقِدْ
الِاقْتِضَاءُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ فِي الْعُرْفِ: قَبْضُ مَا فِي ذِمَّةِ غَيْرِ الْقَابِضِ فَقَوْلُهُ: " غَيْرُ الْقَابِضِ " أَخْرَجَ بِهِ الْمُقَاصَّةَ؛ لِأَنَّهَا قَبْضٌ وَقَوْلُهُ: " مَا فِي ذِمَّةِ الْقَابِضِ " وَقَوْلُهُ: " مَا فِي ذِمَّةِ. . . إلَخْ " يَعْنِي أَنَّ الِاقْتِضَاءَ هُوَ: أَنْ يَقْبِضَ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدِينِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَى الْمَدِينِ ذَهَبٌ، فَيُعْطِيكَ
стр. 320
ذَهَبًا، أَوْ وَرِقٌ فَيُعْطِيكَ وَرِقًا، أَوْ كَتَّانٌ، فَيُعْطِيكَ كَتَّانًا أَوْ حَرِيرٌ فَيُعْطِيكَ حَرِيرًا، وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ.
أَمَّا إنْ أَعْطَاكَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً أَوْ بِالْعَكْسِ فَهُوَ صَرْفٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: " صَرْفُ مَا فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ " بِشَرْطِ الْحُلُولِ. وَإِنْ أَعْطَاكَ عَنْ الذَّهَبِ حَرِيرًا مَثَلًا، أَوْ عَنْ الْحَرِيرِ ذَهَبًا، أَوْ عَنْ الصُّوفِ كَتَّانًا، فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ لَا مِنْ اقْتِضَائِهِ، وَاقْتِضَاءُ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعُهُ مِنْ الْمَدِينِ، يُتَصَوَّرُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ: رَبُّ الدَّيْنِ وَالْمَدِينِ وَأَمَّا بَيْعُهُ لِغَيْرِ الْمِدْيَانِ فَيُتَصَوَّرُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ: رَبُّ الدَّيْنِ وَالْمَدِينِ وَالْمُشْتَرِي لِلدَّيْنِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ الِاقْتِضَاءَ عَلَى مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ، كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ مَا هُوَ اقْتِضَاءٌ حَقِيقَةً، وَمَا هُوَ بَيْعٌ حَقِيقَةً، وَمَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لِإِرَادَةِ الْبَيْعِ أَوْ الِاقْتِضَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَسَّمَ الِاقْتِضَاءَ إلَى مَا قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِلَى مَا بَعْدَهُ، فَأَشَارَ إلَى مَا قَبْلَ الْأَجَلِ بِقَوْلِهِ:
... وَالْحُكْمُ قَبْلَ أَجَلٍ لَا يَخْتَلِفْ
وَالْمِثْلُ مَطْلُوبٌ وَذُو اعْتِبَارِ ...
أَيْ: مُعْتَبَرٌ
فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ
وَهَذَا اقْتِضَاءٌ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ أَعْطَى مِثْلَ مَا عَلَيْهِ جِنْسًا وَصِفَةً وَمِقْدَارًا، ثُمَّ قَسَّمَ الِاقْتِضَاءَ بَعْدَ الْأَجَلِ إلَى كَوْنِهِ - أَيْ الدَّيْنِ - عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَأَعْطَاهُ عَيْنًا مُخَالِفًا لِجِنْسِ الدَّيْنِ فَهُوَ صَرْفٌ، وَإِنْ أَعْطَاهُ عَنْ الْعَيْنِ عَرَضًا ثَوْبًا مَثَلًا فَهُوَ بَيْعٌ لِلدَّيْنِ بِذَلِكَ الثَّوْبِ، فَقَالَ
وَالْعَيْنُ فِيهِ مَعَ بُلُوغٍ أَجَلَا ... صَرْفٌ وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عَجِلَا
فَقَوْلُهُ وَالْعَيْنُ فِيهِ الضَّمِيرُ لِلْعَيْنِ، أَيْ دَفْعُ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ صَرْفٌ، فَالْعَيْنُ الْأَوَّلُ - هُوَ الْمَدْفُوعُ عَنْ الدَّيْنِ - وَالثَّانِي - الَّذِي كَنَّى عَنْهُ بِالضَّمِيرِ - هُوَ الدَّيْنُ الْمُتَرَتِّبُ فِي الذِّمَّةِ وَمُقَابِلُهُ هُوَ قَوْلُهُ: " وَغَيْرُ عَيْنٍ إلَخْ " وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ بَيْعٌ، وَإِنْ غَلَبَ إطْلَاقُ الْبَيْعِ عَلَى مَا أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ عَيْنٍ بَلْ عَرَضًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ سَلَفٍ، أَوْ مِنْ بَيْعٍ، وَعَنْ الْبَيْعِ عَبَّرَ بِالسَّلَمِ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ بَيْعٌ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ سَلَفٍ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ مَا شَاءَ مُعَجَّلًا، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ فَهُوَ اقْتِضَاءٌ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَهُوَ بَيْعٌ، فَهَذَا مِمَّا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَيْعُ وَالِاقْتِضَاءُ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ مِنْ سَلَفِ ... خُذْ فِيهِ مِنْ مُعَجِّلٍ مَا تَصْطَفِي
وَإِنْ كَانَ مِنْ سَلَمٍ " - أَيْ بَيْعٍ - فَقَالَ فِيهِ
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ سَلَمٍ بَعْدَ الْأَمْرِ ... فَالْوَصْفُ فِيهِ السَّمْحُ جَائِزٌ فَقَدْ
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ السَّمْحُ فِي الصِّفَةِ بِحَيْثُ يَأْخُذُ أَدْنَى صِفَةٍ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ الِاقْتِضَاءِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْوَصْفَ إنَّمَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ إذَا كَانَ الْقَضَاءُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّاظِمُ اشْتِرَاطَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اعْتِنَاءً بِهِ الْأَوَّلُ - قَوْلُهُ: " مَعَ بُلُوغٍ أَجَلًا " الثَّانِيَةُ - قَوْلُهُ: " وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ " - أَيْ بَعْدَ الْأَجَلِ - الثَّالِثَةُ - قَوْلُهُ " بَعْدَ الْأَمَدِ ". هَذَا حَاصِلُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الْخَمْسَةِ، لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ اقْتِضَاءُ دَيْنٍ أَوْ بَيْعٍ، وَأَمَّا شَرْحُهَا فَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ -
عَلَى أَنَّ النَّاظِمَ قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ وَصَرْفِهِ قَوْلِهِ:
بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْعُ الدَّيْنِ ... مُسَوَّغٌ مِنْ عَرْضٍ أَوْ مِنْ عَيْنِ
كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَحَلِّهِ، إلَّا أَنَّ فِيهِ إجْمَالًا وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَةٌ، وَمَا هُنَا تَفْسِيرٌ لَهُ، وَأَفَادَ هُنَا زِيَادَةً عَلَى مَا شَمِلَ قَوْلُهُ:
بِمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْعُ الدَّيْنِ
الْبَيْتُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صَرْفِ الدَّيْنِ حُلُولُ الْأَجَلِ، لِقَوْلِهِ هُنَا مَعَ بُلُوغٍ أَجَلًا " وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حُلُولُ الْأَجَلِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ مِنْ أَنْوَاعِ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ الْعَيْنِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِعَرَضٍ مُعَجَّلٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَرَضِ الْمُؤَجَّلِ بِعَرَضٍ أَوْ عَيْنٍ حَالٍّ، وَأَفَادَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَدِينِ وَإِقْرَارُهُ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ تَعْجِيلِ مَا يُبَاعُ بِهِ الدَّيْنُ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: " وَتَعْجِيلُ الثَّمَنِ " وَهُنَا فِي قَوْلِهِ: " وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عَجَّلَا "، وَفِي قَوْلِهِ: " خُذْ مِنْ مُعَجَّلٍ " وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ مَعَ أَلْفَاظِ النَّاظِمِ ﵀ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ الْعَقْلِيَّةَ الْمُتَصَوَّرَةَ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ الِاقْتِضَاءَ الْحَقِيقِيَّ - الَّذِي هُوَ الْأَخْذُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ - أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً بَيَانُهَا: أَنَّ الدَّيْنَ إمَّا عَيْنٌ أَوْ عَرَضٌ، وَيَنْدَرِجُ فِي الْعَرَضِ، الطَّعَامَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَرَضِ مَا يُقَابِلُ الْعَيْنَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فِي كُلٍّ مِنْهَا، إمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا وَلَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ
стр. 321
وَالْحَالُّ يَشْمَلُ الْحَالَّ ابْتِدَاءً، وَمَا حَلَّ أَجَلُهُ وَقْتَ الِاقْتِضَاءِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ ثُمَّ الْقَضَاءُ، فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّمَانِيَةِ إمَّا بِمِثْلِ الدَّيْنِ جِنْسًا وَصِفَةً وَمِقْدَارًا، وَإِمَّا بِأَقَلَّ قَدْرًا أَوْ صِفَةً، وَإِمَّا بِأَكْثَرَ قَدْرًا أَوْ صِفَةً، مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَيْضًا فِيهِمَا، فَإِذَا ضُرِبَتْ أَحْوَالُ الْقَضَاءِ الثَّلَاثَةُ فِي الْأَوْجُهِ الثَّمَانِيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، بَلَغَتْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ صُورَةً، هَذَا بَيَانُ عَدَدِ صُوَرِ الِاقْتِضَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، فِيمَا بَيْنَ جَائِزٍ وَمَمْنُوعٍ.
وَأَمَّا بَيَانُ الْجَائِزِ مِنْ غَيْرِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الِاقْتِضَاءُ بِمِثْلِ الدَّيْنِ؛ فَالصُّوَرُ ثَمَانٍ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الدَّيْنَ إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ غَيْرَ حَالٍّ، وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ، وَتَدْخُلُ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: " وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ "، ثُمَّ قَالَ " وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ كَذَلِكَ ". فَيَدْخُلُ فِي قَضَاءِ الْقَرْضِ أَرْبَعُ صُوَرٍ، كَوْنُ الدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، إمَّا حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ، وَيَدْخُلُ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ أَرْبَعُ صُوَرٍ كَذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ بِالْمِثْلِ (كَمَا هُوَ الْفَرْضُ) فَلَا فَرْقَ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا، وَإِنْ وَقَعَ الِاقْتِضَاءُ بِأَقَلَّ صِفَةً أَوْ قَدْرًا، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا؛ جَازَتْ أَرْبَعُ صُوَرٍ، وَهِيَ كَوْنُ الدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، إمَّا مِنْ بَيْعٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ، وَذَلِكَ حُسْنُ اقْتِضَاءٍ وَتَدْخُلُ هَذِهِ الْأَرْبَعُ فِي قَوْلِ (الشَّيْخِ خَلِيلٍ) وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ صِفَةً أَوْ قَدْرًا، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ حَالٍّ، مُنِعَتْ هَذِهِ الْأَرْبَعُ الْمَذْكُورَةُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَعْ، وَتَعَجَّلَ الْمُؤَدِّي إلَى سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ مُسَلَّفٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَقَدْ سُلِّفَ حَيْثُ عُجِّلَ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَانْتَفَعَ بِدَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ، أَوْ أَرْدَأَ عَنْ أَفْضَلَ، وَتَخْرُجُ هَذِهِ الصُّوَرُ الْأَرْبَعُ الْمَمْنُوعَةُ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: "
وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً أَوْ قَدْرًا إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحِلَّ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ وَقَعَ الِاقْتِضَاءُ بِأَكْثَرَ قَدْرًا أَوْ أَفْضَلَ صِفَةً؛ فَالصُّوَرُ ثَمَانٍ أَيْضًا فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا مِنْ بَيْعٍ جَازَ الْقَضَاءُ بِأَكْثَرَ قَدْرًا أَوْ أَفْضَلَ صِفَةً، حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: " وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ ". كَذَلِكَ وَجَازَ بِأَكْثَرَ وَإِنْ كَانَ عَرَضًا مِنْ بَيْعٍ أَيْضًا، جَازَ الْقَضَاءُ بِأَكْثَرَ وَأَفْضَلَ صِفَةً إنْ حَلَّ الْأَجَلُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ حُلُولِهِ قَالَ فِي آخِرِ بَابِ السَّلَمِ: " وَجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ قَبُولُ صِفَتِهِ فَقَطْ ". إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ بَعْدَ زَمَانِهِ، أَيْ بَعْدَ حُلُولِهِ يَجُوزُ بِأَكْثَرَ وَبِأَفْضَلَ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ - عَيْنٌ مِنْ بَيْعٍ حَلَّ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، عَرَضٌ مِنْ بَيْعٍ حَلَّ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ قَرْضٍ؛ لَمْ يَجُزْ بِأَكْثَرَ قَدْرًا عَرَضًا كَانَ الدَّيْنُ أَوْ عَيْنًا، حَلَّ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، وَهَذِهِ أَرْبَعٌ أَيْضًا، وَإِلَيْهَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: " لَا أَزِيدُ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا " وَيَجُوزُ بِأَفْضَلَ صِفَةً وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ: " وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ أَفْضَلُ صِفَةً ".
وَالنَّاظِمُ قَسَّمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى الِاقْتِضَاءِ، قَبْلَ الْأَجَلُ، وَإِلَى الِاقْتِضَاءِ بَعْدَ الْأَجَلِ، ثُمَّ نَوَّعَ مَا بَعْدَ الْأَجَلِ إلَى كَوْنِ الدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا، ثُمَّ نَوَّعَ الْعَرَضَ إلَى كَوْنِهِ مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ، وَتَقْسِيمُهُ هَذَا يَرْجِعُ إلَى التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ. أَوَّلًا، لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُقْتَضَى قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا، وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ تَرَتَّبَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ إمَّا أَنْ يَقَعَ الِاقْتِضَاءُ بِمِثْلِ الدَّيْنِ صِفَةً مِقْدَارًا، أَوْ بِأَكْثَرَ قَدْرًا أَوْ أَفْضَلَ صِفَةً، أَوْ بِأَقَلَّ قَدْرًا وَصِفَةً، فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً قَبْلَ الْأَجَلِ وَيُتَصَوَّرُ مِثْلُهَا بَعْدَ الْأَجَلِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الِاقْتِضَاءِ الْحَقِيقِيِّ، الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَالنَّاظِمُ تَكَلَّمَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ - كَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ شَرْحِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ - وَصَرَّحَ بِجَوَازِ صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صُوَرِ الِاقْتِضَاءِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَبِجَوَازِ أَرْبَعِ صُوَرٍ مِنْ صُوَرِ الِاقْتِضَاءِ بَعْدَ الْأَجَلِ، كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ وَيَأْتِي بَيَانُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ النَّظْمِ:
وَإِذْ فَرَغْنَا مِنْ الْكَلَامِ عَلَى اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ فِي الْجُمْلَةِ؛ فَلْنَرْجِعْ الْآنَ إلَى أَلْفَاظِ النَّظْمِ فَقَوْلُهُ:
وَالِاقْتِضَاءُ لِلدُّيُونِ مُخْتَلِفْ
الْبَيْتَيْنِ يَعْنِي أَنَّ اقْتِضَاءَ الدُّيُونِ مُخْتَلِفٌ حُكْمُهُ، فَمِنْهُ جَائِزٌ، وَمِنْهُ مَمْنُوعٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مُخْتَلِفٌ وَصْفُهُ، فَمِنْهُ بِمِثْلِ الدَّيْنِ، وَمِنْهُ بِأَقَلَّ، وَمِنْهُ بِأَكْثَرَ وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، أَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ هُوَ الْحُكْمُ حَيْثُ قَالَ:
وَالْحُكْمُ قَبْلَ أَجَلٍ لَا يَخْتَلِفْ
وَهُوَ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: " مُخْتَلِفْ " فَالْمُخْتَلِفُ إذًا هُوَ الْحُكْمُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ إنْ كَانَ مُمَاثِلًا لِلْمُقْتَضَى عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهُوَ، جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ قَدْرًا أَوْ صِفَةً أَوْ بِأَفْضَلَ صِفَةً أَوْ قَدْرًا، فَفِيهِ مَا هُوَ جَائِزٌ
стр. 322
وَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَأْتِي قَوْلُهُ:
... وَالْحُكْمُ قَبْلَ أَجَلٍ لَا يَخْتَلِفْ
وَالْمِثْلُ مَطْلُوبٌ وَذُو اعْتِبَارِ ... فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ
يَعْنِي أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي يُرَادُ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَلَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ، فَإِنَّ حُكْمَ اقْتِضَائِهِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْجَوَازِ. وَالْمَنْعِ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ مُطْلَقًا لَكِنْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَهِيَ حَيْثُ يُمَاثِلُ هَذَا الدَّيْنَ الْمَقْضِيَّ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ، وَإِذَا مَاثَلَهُ فِيمَا ذَكَرَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ كَانَ عَيْنًا، أَوْ عَرَضًا حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، ثَمَانِ صُوَرٍ كُلُّهَا جَائِزَةٌ، دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ:
وَالْحُكْمُ قَبْلَ أَجَلٍ لَا يَخْتَلِفْ ... وَالْمِثْلُ مَطْلُوبٌ وَذُو اعْتِبَارِ
إلَخْ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا قَيَّدَهُ بِقَبْلَ الْأَجَلِ لِيُقَابِلَ بِهِ مَا بَعْدَ الْأَجَلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ:
وَالْعَيْنُ فِيهِ مَعَ بُلُوغٍ أَجَلَا
وَفِي قَوْلِهِ: " وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ " أَيْ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَفِي قَوْلِهِ: " بَعْدَ الْأَمَدِ ". وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ:
وَالْمِثْلُ مَطْلُوبٌ وَذُو اعْتِبَارِ
.. إلَخْ أَنَّهُ إذَا قَضَى قَبْلَ الْأَجَلِ بِغَيْرِ الْمِثْلِ، بَلْ بِأَقَلَّ صِفَةً أَوْ قَدْرًا، أَوْ بِأَكْثَرَ صِفَةً أَوْ قَدْرًا، لَا يَكُونُ جَائِزًا مُطْلَقًا، بَلْ مِنْهُ جَائِزٌ وَمِنْهُ مَمْنُوعٌ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّقْسِيمِ.
قَوْلُهُ:
وَالْعَيْنُ فِيهِ مَعَ بُلُوغٍ أَجَلَا ... صَرْفٌ وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عُجِّلَا
هَذَا شُرُوعٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ الِاقْتِضَاءُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّقْسِيمِ أَنَّهُ يَتَنَوَّعُ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ الِاقْتِضَاءِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنَّ النَّاظِمَ تَكَلَّمَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ، وَأَنَّهُ نَوَّعَ الِاقْتِضَاءَ بَعْدَ الْأَجَلِ، إلَى كَوْنِ الدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا، وَنَوَّعَ الْعَرَضَ إلَى كَوْنِهِ مِنْ سَلَفٍ، أَوْ بَيْعٍ، فَأَخْبَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا كَانَ عَيْنًا ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً، وَحَلَّ أَجَلُهُ ثُمَّ قَضَى عَنْهُ عَيْنًا مُخَالِفًا لِجِنْسِ الدَّيْنِ، بِحَيْثُ قَضَى ذَهَبًا عَنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا عَنْ ذَهَبٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ صَرْفٌ وَهُوَ جَائِزٌ فِي فَرْضِنَا مِنْ كَوْنِ الِاقْتِضَاءِ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ، لِأَنَّ صَرْفَ مَا فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ بِشَرْطِ الْحُلُولِ، فَقَوْلُهُ: " صَرْفٌ " هُوَ عَلَى حَذْفِ الصِّفَةِ، أَيْ جَائِزٌ.
وَدَلِيلُ حَذْفِهَا قَوْلُهُ: " مَعَ بُلُوغٍ أَجَلَا " وَلِأَنَّ الِاسْمَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِلِ مِنْ مُسَمَّاهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ مَعَ بُلُوغٍ أَجَلَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحِلَّ مَمْنُوعٌ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَرْفٌ بِتَأْخِيرٍ فَقَوْلُهُ: " وَالْعَيْنُ فِيهِ " الضَّمِيرُ لِلْعَيْنِ أَيْ وَقَضَاءُ الْعَيْنِ عَنْ الْعَيْنِ، فَفِي بِمَعْنَى عَنْ، وَالْعَيْنُ الْأَوَّلُ - هُوَ الْمَدْفُوعُ قَضَاءً، وَالثَّانِي الْمُكَنَّى عَنْهُ بِالضَّمِيرِ مِنْ الْمُتَرَتَّبِ فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ
وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ مِنْ سَلَفِ
.. إلَخْ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ فِيمَا هُوَ مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ، إنَّمَا هُوَ فِي الْمُتَرَتِّبِ فِي الذِّمَّةِ قَطْعًا، وَفُهِمَ مِنْ إطْلَاقِهِ فِي الْعَيْنِ الْمُتَرَتِّبِ فِي الذِّمَّةِ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي كَوْنِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: " وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عَجَّلَا ". يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى عَنْ الدَّيْنِ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ، مِمَّا يَشَاؤُهُ الْمُتَعَامِلَانِ، بِشَرْطِ تَعْجِيلِ ذَلِكَ الْمَقْضِيِّ؛ لِئَلَّا يَكُونَ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، فَيَجُوزُ أَنْ تَقْضِيَ عَنْ الْعَيْنِ ثَوْبًا، وَعَنْ الثَّوْبِ الْحَرِيرِ ثَوْبَ كَتَّانٍ مَثَلًا وَنَحْوُ ذَلِكَ، بِشَرْطِ أَنْ يُعَجَّلَ ذَلِكَ الْمَقْضِيُّ أَيْضًا.
وَقَدْ اشْتَمَلَ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ، الَّتِي ذَكَرَ فِي الِاقْتِضَاءِ بَعْدَ الْأَجَلِ الْأُولَى مِنْ صَرْفِ الدَّيْنِ وَالثَّانِيَةُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، عَلَى أَنَّ صَرْفَ الدَّيْنِ هُوَ بَيْعٌ لَهُ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ:
وَغَيْرُ عَيْنٍ بَعْدَهُ مِنْ سَلَفِ ... خُذْ فِيهِ مِنْ مُعَجَّلٍ مَا تَصْطَفِي
تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ، أَنَّ الْقَضَاءَ وَقَعَ بِغَيْرِ الْجِنْسِ، فَيَكُونُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الْجِنْسِ؛ فَيَكُونُ اقْتِضَاءً حَقِيقِيًّا، وَعَلَى الثَّانِي فَالْمُرَادُ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَيْنٍ، بَلْ كَانَ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا، وَكَانَ هَذَا الدَّيْنُ تَرَتَّبَ مِنْ سَلَفِ إحْسَانٍ وَتَوْسِعَةٍ، لَا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ بِمَا شَاءَهُ الْمُسَلِّفُ وَالْمُتَسَلِّفُ مَعًا، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ النَّاظِمُ إنَّمَا خَاطَبَ الْمُسَلِّفَ فَقَطْ بِقَوْلِهِ: " خُذْ " فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرًا أَوْ صِفَةً، لَكِنْ إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، لِمَا فِيهِ مِنْ (ضَعْ) وَتَعَجَّلْ، وَيَجُوزُ بِأَفْضَلَ صِفَةً حَلَّ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، وَلَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ قَدْرًا حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ.
فَقَوْلُهُ: " مَا تَصْطَفِي " يَعْنِي - كَمَا ذَكَرْنَا - إمَّا مِنْ مِثْلِ دَيْنِك وَلَا إشْكَالَ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ صِفَةً أَوْ قَدْرًا إنْ حَلَّ الْأَجَلُ، أَوْ أَفْضَلَ صِفَةً حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَا، وَالْمَأْخُوذُ مُعَجَّلٌ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لِقَوْلِهِ: " مِنْ مُعَجَّلٍ " وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ فَمَعْنَاهُ خُذْ مَا شِئْت مِمَّا يُخَالِفُ دَيْنَكَ فِي الْجِنْسِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ؛ فَلَا عَلَيْكَ فِي الْمِقْدَارِ وَالْأَجَلِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -، وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ يَكُنْ مِنْ سَلَمٍ " هُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِي الْبَيْتِ قَبْلَهُ: " مِنْ سَلَفٍ " وَيَعْنِي أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي أُرِيدَ قَضَاؤُهُ إذَا كَانَ تَرَتَّبَ مِنْ بَيْعٍ
стр. 323
وَعَنْهُ عَبَّرَ بِالسَّلَمِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ - بِالْكَسْرِ - مُشْتَرٍ، وَالْمُسْلَمَ إلَيْهِ بَائِعٌ، وَالسَّلَمُ بَيْعٌ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الثَّمَنِ وَتَأْخِيرِ الْمَثْمُونِ وَهُوَ السَّلَمُ، وَبَيْنَ تَقْدِيمِ الْمَثْمُونِ وَتَأْخِيرِ الثَّمَنِ وَهُوَ الْبَيْعُ الْمَعْرُوفُ، إذَا تَأَخَّرَ ثَمَنُهُ فَأَحَدُ الْعِوَضَيْنِ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ.
أَمَّا الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، أَوْ الْمَثْمُونُ فِي السَّلَمِ، فَهُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ، فَقَوْلُهُ
وَإِنْ يَكُنْ مِنْ سَلَمٍ بَعْدَ الْأَمَدْ
الْبَيْتَ يَعْنِي فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ - كَمَا ذَكَرَ - وَهُوَ عَرَضٌ، فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ؛ جَازَ بِأَقَلَّ قَدْرًا أَوْ صِفَةً؛ لِأَنَّهُ حُسْنُ اقْتِضَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ: ضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِأَكْثَرَ قَدْرًا أَوْ أَفْضَلَ صِفَةً، إنْ حَلَّ الْأَجَلُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، لِمَا فِيهِ مِنْ: حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ، وَقَوْلُ النَّاظِمِ:
فَالْوَصْفُ فِيهِ السَّمْحُ جَائِزٌ فَقَدْ
شَرَحَهُ الشَّارِحُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَفْظُهُ " وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ سَلَمٍ "، وَقَدْ حَلَّ الْأَجَلُ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَسَامَحَ فِيهِ الطَّالِبُ لِلْغَرِيمِ فِي الْوَصْفِ خَاصَّةً، كَأَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّتِهِ قَمْحٌ مِنْ الْجِنْسِ الطَّيِّبِ، أَوْ حَرِيرٌ كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ مِنْ الْوَسَطِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ خَشْيَةِ ضَعْ وَتَعَجَّلْ اهـ.
وَلَمْ أَرَهُ نَقَلَ هُنَا مَا يُوَافِقُ مَا شَرَحَ بِهِ، بَلْ نَقَلَ مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ جَازَ السَّمْحُ فِي الْقَدْرِ وَفِي الصِّفَةِ، لَا فِي الْوَصْفِ فَقَطْ، كَمَا شَرَحَ بِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ وَلَفْظُهُ عَنْ النَّوَادِرِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا حَلَّ لَهُ الدَّيْنُ وَلَيْسَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ؛ جَازَ أَخْذُك أَرْفَعَ أَوْ أَدْنَى، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ صِنْفِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ " اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ النَّاظِمِ عَلَى أَنَّ السَّمْحَ وَقَعَ هُوَ الْمَطْلُوبُ، فَأَعْطَى أَفْضَلَ مِمَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّمْحَ حِينَئِذٍ جَائِزٌ أَيْضًا فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ مَعًا كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِ النَّاظِمِ:
فَالْوَصْفُ فِيهِ السَّمْحُ جَائِزٌ فَقَدْ
لِأَنَّ " قَدْ " اسْمٌ بِمَعْنَى حَسْب رَاجِعٌ لِلْوَصْفِ، فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ بِمَا يَجُوزُ السَّمْحُ فِي الْوَصْفِ فَقَطْ، سَوَاءٌ جَعَلْنَا السَّمْحَ مِنْ قِبَلِ الطَّالِبِ، أَوْ الْمَطْلُوبِ، مَعَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، جَازَ السَّمْحُ بِالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ مِنْ قِبَلِ الطَّالِبِ، إذَا أَخَذَ أَقَلَّ قَدْرًا أَوْ أَدْنَى صِفَةً، وَمِنْ قِبَلِ الْمَطْلُوبِ أُعْطِيَ أَكْثَرَ قَدْرًا أَوْ أَفْضَلَ صِفَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: " وَمَنْ لَهُ دَنَانِيرُ دَيْنًا فَلَا يَأْخُذُ قَبْلَ الْأَجَلِ بَعْضَهَا، وَيَأْخُذُ بِبَاقِيهَا عَرَضًا فَيَصِيرُ بَيْعًا وَسَلَفًا، وَعَرَضًا وَذَهَبًا بِذَهَبٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَرَضِ دُونَ مَا أَخَذَهُ بِهِ دَخَلَهُ - مَعَ ذَلِكَ - ضَعْ وَتَعَجَّلْ
(فَرْعٌ) مِنْ الْمَجْمُوعَةِ أَيْضًا قَالَ أَشْهَبُ " وَإِذَا كَانَ لَك عَرَضٌ مِنْ بَيْعٍ إلَى أَجَلٍ " فَعَجَّلَهُ لَك، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَجْوَدَ وَلَا أَرْدَأَ فَجَائِزٌ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يُعَجِّلْهُ حَتَّى أَعْطَيْتَهُ شَيْئًا أَوْ أَعْطَاك شَيْئًا، وَلَوْ نَفْعًا بِخَطْرَةٍ أَوْ كَلِمَةٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْكَ وَضِيعَةٌ عَلَى تَعْجِيلِ حَقٍّ، وَمِنْهُ طَرْحُ ضَمَانٍ بِزِيَادَةٍ اهـ. عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ فِي هَذَا الْفَرْعِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ: " وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يُعَجِّلْهُ إلَخْ " وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ.
стр. 324
وَيُقْتَضَى الدَّيْنُ مِنْ الدَّيْنِ وَفِي ... عَيْنٍ وَعَرَضٍ وَطَعَامٍ قَدْ يَفِي
فَمَا يَكُونَانِ بِهِ عَيْنًا إلَى ... مُمَاثِلٍ وَذِي اخْتِلَافٍ فُصِّلَا
فَمَا اخْتِلَافٌ وَحُلُولٌ عَمَّهْ ... يَجُوزُ فِيهِ صَرْفُ مَا فِي الذِّمَّهْ
وَفِي تَأَخُّرِ الَّذِي يُمَاثِلُ ... مَا كَانَ أَشْهَبُ بِمَنْعٍ قَائِلُ
وَفِي اللَّذَيْنِ فِي الْحُلُولِ اتَّفَقَا ... عَلَى جَوَازِ الِانْتِصَافِ اتَّفَقَا
تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَمَا بَعْدَهَا إلَى تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ بَيْتًا عَلَى الْمُقَاصَّةِ، وَصُورَتُهَا: أَنْ يَكُونَ لَك دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ وَلَهُ عَلَيْكَ دَيْنٌ مِثْلُهُ، فَتَتْرُكَ مَا لَكَ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَهُ عَلَيْكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَتْرُكُ مَا لَهُ عَلَيْكَ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَكَ عَلَيْهِ. قَالَ (ابْنُ عَرَفَةَ) : الْمُقَاصَّةُ مُتَارَكَةُ مَطْلُوبٍ بِمُمَاثِلِ صِنْفِ مَا عَلَيْهِ لِمَا لَهُ عَلَى طَالِبِهِ فِيمَا ذُكِرَ عَلَيْهِمَا مَالِيًّا فَقَوْلُهُ: مُتَارَكَةٌ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ تَرَكَ الطَّلَبَ؛ لِوُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ وَقَوْلُهُ: " بِمُمَاثِلِ " مُتَعَلِّقٌ بِمَطْلُوبٍ، " وَلِمَا لَهُ " مُتَعَلِّقٌ " بِمُمَاثِلِ "، " وَعَلَى طَالِبِهِ " يَتَعَلَّقُ بِالصِّلَةِ، وَقَوْلُهُ: بِمُمَاثِلِ صِنْفِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ بِصِنْفِ مَا عَلَيْهِ الْمُمَاثِلِ لِمَا لَهُ هُوَ، أَيْ الْمَطْلُوبُ عَلَى طَالِبِهِ، وَأَخْرَجَ بِهِ الْمُخْتَلِفَيْنِ جِنْسًا أَوْ نَوْعًا، فَإِنَّ الْمُقَاصَّةَ لَا تَصِحُّ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " فِيمَا ذُكِرَ عَلَيْهِمَا " يَتَعَلَّقُ " بِمُتَارَكَةُ " أَخْرَجَ بِهِ الْمُتَارَكَةَ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: " مَالِيًّا " أَخْرَجَ بِهِ مُتَارَكَةَ رَجُلٍ رَجُلًا طَلَبَ حَدَّ صَاحِبِهِ، وَقَدْ قَذَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.
وَقَدْ صَوَّرَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ الْمُسَمَّاةِ " بِتَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ وَتَحْلِيلِ التَّعْقِيدِ " فِي الْمُقَاصَّةِ مِائَةً وَثَمَانِيًا مِنْ الصُّوَرِ، وَبَيَانُهَا: أَنَّ الدَّيْنَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَا عَيْنَيْنِ، أَوْ طَعَامَيْنِ، أَوْ عَرَضَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ.
فَهَذِهِ تِسْعُ صُوَرٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا أَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، أَوْ يَخْتَلِفَا فِي الْجِنْسِ أَوْ فِي الْقَدْرِ فَقَطْ، أَوْ فِي الصِّفَةِ فَقَطْ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِيهِمَا، فَإِذَا ضُرِبَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ فِي التِّسْعَةِ قَبْلَهَا؛ بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ السِّتِّ وَالثَّلَاثِينَ إمَّا أَنْ يَكُونَا - أَيْ الدَّيْنَانِ - حَالَّيْنِ، أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَالٌّ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، إذَا ضُرِبَتْ فِي السِّتِّ وَالثَّلَاثِينَ؛ بَلَغَتْ مِائَةً وَثَمَانِيَةً مِنْ الصُّوَرِ، قَالَ - مُقَيِّدٌ: هَذَا الشَّرْحُ - سَمَحَ اللَّهُ لَهُ وَقَدْ كُنْتُ جَمَعْتُ هَذَا التَّقْسِيمَ الَّذِي فِي الْمُقَاصَّةِ فِي أَبْيَاتٍ وَهِيَ هَذِهِ
دَيْنُ الْمُقَاصَّةِ لِعَيْنٍ يَنْقَسِمْ ... وَبِطَعَامٍ وَبِعَرْضٍ قَدْ عُلِمْ
وَكُلُّهَا مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ وَرَدْ ... أَوْ مِنْ كِلَيْهِمَا فَذِي تِسْعٌ تُعَدْ
فِي كُلِّهَا يَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ فِي ... جِنْسٍ وَقَدْرِ صِفَةٍ فَلْتَقْتَفِي
أَوْ كُلُّهَا مُخْتَلِفٌ فَهِيَ إذَنْ ... أَرْبَعُ حَالَاتٍ بِتِسْعٍ فَاضْرِبَنْ
يَخْرُجُ سِتٌّ مَعَ ثَلَاثِينَ نَعَمْ ... تُضْرَبُ فِي أَحْوَالِ آجَالٍ تُؤَمْ
حَلَّا مَعًا أَوْ وَاحِدٌ أَوْ لَا مَعَا ... جُمْلَتُهَا حَقٌّ كَمَا قَبْلُ اسْمَعَا
تَكْمِيلُ تَقْيِيدِ ابْنِ غَازِيٍّ اخْتَصَرَا ... أَحْكَامَهَا فِي جَدْوَلٍ فَلْيُنْظَرَا
قَوْلُهُ: وَفِي
عَيْنٍ وَعَرْضٍ وَطَعَامٍ قَدْ يَفِي
إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الدَّيْنَيْنِ فِي الْمُقَاصَّةِ، إمَّا عَيْنَانِ، أَوْ عَرَضَانِ، أَوْ طَعَامَانِ، فَإِنْ كَانَا عَيْنَيْنِ - وَعَلَيْهِمَا تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الْخَمْسَةِ - فَإِمَّا مُتَمَاثِلَانِ ذَهَبٌ وَذَهَبٌ، أَوْ فِضَّةٌ وَفِضَّةٌ، أَوْ مُخْتَلِفَانِ جِنْسًا كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، أَوْ صِفَةً كَدَنَانِيرَ مُحَمَّدِيَّةٍ وَيَزِيدِيَّةٍ، فَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ جِنْسًا أَوْ صِفَةً وَهُمَا حَالَّانِ؛ جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ وَذَلِكَ فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ جِنْسًا مِنْ صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
فَمَا يَكُونُ بِهِ عَيْنًا إلَى ... مُمَاثِلٍ وَذِي اخْتِلَافٍ فُصِّلَا
فَمَا اخْتِلَافٌ وَحُلُولٌ عَمَّهْ ... يَجُوزُ فِيهِ صَرْفُ مَا فِي الذِّمَّهْ
стр. 325
فَلَفْظَةُ " مَا " مِنْ قَوْلِهِ فَمَا يَكُونَانِ مَوْصُولَةٌ، صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ فَالْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ الدَّيْنَانِ فِيهِ عَيْنًا، وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ لِلدَّيْنَيْنِ، وَبَاءُ بِهِ ظَرْفِيَّةٌ، وَضَمِيرُهَا يَعُودُ عَلَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ مَا وَإِلَى مُمَاثِلٍ يَتَعَلَّقُ " بِفُصِّلَ "، وَجُمْلَةُ فُصِّلَا خَبَرُ مَا وَنَائِبُهَا لِلْعَائِدِ عَلَى مَا هُوَ الرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الْخَبَرِ بِالْمُبْتَدَأِ، أَوْ ذِي عُطِفَ عَلَى مُمَاثِلٍ، " وَمَا " أَوَّلَ الْبَيْتِ الثَّانِي مَوْصُولَةٌ أَيْضًا كَالْأَوَّلِ، " وَاخْتِلَافٌ " فَاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ، " عَمَّهْ "، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَحُلُولٌ عَمَّهْ " أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعُمَّهُمَا الْحُلُولُ، بِأَنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَالًّا، وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا، فَإِنَّ الْمُقَاصَّةَ لَا تَجُوزُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا مِنْ كَوْنِ الدَّيْنَيْنِ مَعًا عَيْنًا، كَذَهَبٍ وَذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ وَفِضَّةٍ، فَإِنْ لَمْ يَحِلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَحِلَّ الْآخَرُ، فَالْمَشْهُورُ جَوَازُ الْمُقَاصَّةِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَفِي تَأَخُّرِ الَّذِي يُمَاثِلُ ... مَا كَانَ أَشْهَبُ بِمَنْعٍ قَائِلُ
وَمَفْهُومُ نِسْبَةِ الْمَنْعِ لِأَشْهَبَ، أَنَّ غَيْرَهُ وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالْجَوَازِ، وَلَفْظَةُ " مَا " مِنْ قَوْلِهِ مَا كَانَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، أَيْ إذَا لَمْ يَحِلَّا مَعًا فَالْمَنْعُ لِأَشْهَبَ كَيْفَ كَانَ التَّأْخِيرُ، أَيْ اتَّفَقَ الْأَجَلَانِ أَوْ اخْتَلَفَا، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَفِي تَأَخُّرٍ أَنَّهُ حَيْثُ لَا تَأَخُّرَ، وَذَلِكَ إذَا حَلَّا مَعًا، فَإِنَّ الْمُقَاصَّةَ جَائِزَةٌ عِنْدَ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَفِي اللَّذَيْنِ فِي الْحُلُولِ اتَّفَقَا ... عَلَى جَوَازِ الِانْتِصَافِ اُتُّفِقَا
وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ
وَفِي تَأَخُّرِ الَّذِي يُمَاثِلُ
وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُ النَّاظِمِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الْأَرْبَعَةِ - بِالنَّظَرِ إلَى ظَاهِرِهِ - عَلَى أَرْبَعِ صُوَرٍ مِنْ دَيْنِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْعَيْنَيْنِ إمَّا مُخْتَلِفَانِ، كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، أَوْ مُتَّفِقَانِ كَذَهَبٍ وَذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ وَفِضَّةٍ، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا حَالَّانِ، أَوْ غَيْرُ حَالَّيْنِ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ، وَقَدْ أَشَارَ بِهَا إلَى قَوْلِ ابْنِ سَلْمُونٍ: فَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ عَيْنًا، فَإِنْ كَانَ مَالُ أَحَدِهِمَا دَنَانِيرَ وَمَالُ الْآخَرِ دَرَاهِمَ، فَلَا تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ مَعًا؛ لِيَكُونَ صَرْفَ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَا مُؤَخَّرَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَا تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ بِاتِّفَاقٍ اهـ. وَإِلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ثُمَّ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَإِنْ كَانَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، فَإِنْ كَانَا حَالَّيْنِ جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَا مُؤَخَّرَيْنِ إلَى أَجَلَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهَا أَشْهَبُ اهـ.
وَإِلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
وَفِي تَأَخُّرِ الَّذِي يُمَاثِلُ
الْبَيْتَيْنِ، هَذَا بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَالْمَقْصُودُ الْكَلَامُ عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ دَيْنِ الْعَيْنِ، فَيَكُونُ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى صُوَرِ النَّقْدِ السِّتِّ وَالثَّلَاثِينَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنْهَا، وَتِسْعٌ فِي الْمُتَّفِقَيْنِ؛ لِأَنَّ دَيْنَيْ الْعَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْقَدْرِ، كَدِينَارٍ فِي ذِمَّةِ وَاحِدٍ، وَدِينَارَيْنِ اثْنَيْنِ فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ، أَوْ يَخْتَلِفَا فِي الصِّفَةِ، كَدَرَاهِمَ مُحَمَّدِيَّةٍ وَأُخْرَى يَزِيدِيَّةٍ، أَوْ يَخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ كَدِينَارٍ وَدَرَاهِم فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ، فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَوْجُهٍ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَالٌّ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ.
فَهَذِهِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَجْهًا، فَالْمُخْتَلِفَانِ فِي الْقَدْرِ كَدِينَارٍ فِي مُقَابَلَةِ دِينَارَيْنِ، الْمُقَاصَّةُ فِيهَا مَمْنُوعَةٌ، كَانَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرَ مِنْ قَرْضٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ إمَّا حَالَّانِ أَوْ مُؤَجَّلَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَالٌّ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ، الْمَجْمُوعُ تِسْعُ صُوَرٍ كُلُّهَا مَمْنُوعَةٌ، وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَانِ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِي الْجِنْسِ فَإِنْ حَلَّا جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّا أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، لَمْ تَجُزْ وَفِي ذَلِكَ ثَمَانِ عَشْرَةَ صُورَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ، ثَلَاثٌ فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ صِفَةً، وَثَلَاثٌ فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ جِنْسًا، وَفِي كُلٍّ مِنْ السِّتِّ إمَّا حَالَّانِ أَوْ مُؤَجَّلَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَالٌّ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ، فَهَذِهِ ثَمَانِ عَشَرَةَ صُورَةً مُضَافَةً إلَى التِّسْعِ قَبْلَهَا، الْمَجْمُوعُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً.
وَأَمَّا الدَّيْنَانِ الْمُتَّفِقَانِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، فَإِمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَالٌّ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ، فَهَذِهِ تِسْعُ صُوَرٍ
стр. 326
كُلُّهَا جَائِزَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، خِلَافًا لِأَشْهَبَ، فِيمَا لَمْ يَحِلَّا مَعًا فَقَوْلُ النَّاظِمِ:
فَمَا اخْتِلَافٌ وَحُلُولٌ عَمَّهْ
يَعْنِي بِالِاخْتِلَافِ، إمَّا فِي الصِّفَةِ كَمُحَمَّدِيَّةٍ وَيَزِيدِيَّةٍ، أَوْ فِي الْجِنْسِ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَعَلَى الثَّانِي يَصْدُقُ قَوْلُهُ: " صَرْفُ مَا فِي الذِّمَّةِ "، وَلَوْ عَبَّرَ بِمَا يَشْمَلُ الصَّرْفَ وَالِاخْتِلَافَ فِي الصِّفَةِ لَكَانَ أَوْلَى، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي ذَلِكَ ثَمَانِ عَشْرَةَ صُورَةً، الْجَائِزَةُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ الدَّيْنَانِ فِيهِ حَالَّيْنِ مَعًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: " وَحُلُولٌ عَمَّهْ ".
وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَانِ فِي الْقَدْرِ، فَالْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا مَمْنُوعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ تِسْعٌ كَمَا تَقَدَّمَ - أَيْضًا - وَوَجْهُ مَنْعِهَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الْعَيْنِ، وَلَا تَدْخُلُ هَذِهِ التِّسْعُ فِي قَوْلِهِ:
فَمَا اخْتِلَافٌ وَحُلُولٌ عَمَّهْ
لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الْجِنْسِ أَوْ الصِّفَةِ، فَهُوَ الَّذِي يُفَصَّلُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا فِي الْقَدْرِ فَمَمْنُوعٌ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْمُتَّفِقَانِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، وَهِيَ تِسْعٌ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَالْحُكْمُ فِيهَا الْجَوَازُ اتِّفَاقًا فِي الْحَالَيْنِ، لِقَوْلِهِ
وَفِي اللَّذَيْنِ فِي الْحُلُولِ اتَّفَقَا ... عَلَى جَوَازِ الِاتِّصَافِ اُتُّفِقَا
وَالْجَوَازُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمُؤَجَّلَيْنِ مَعًا أَوْ أَحَدِهِمَا، وَالْمَنْعُ لِأَشْهَبَ وَهُوَ قَوْلُهُ
وَفِي تَأَخُّرِ الَّذِي يُمَاثِلُ ... مَا كَانَ أَشْهَبُ بِمَنْعٍ قَائِلُ
وَقَدْ اجْتَمَعَ مِنْ الصُّوَرِ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ، وَتِسْعٌ فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ جِنْسًا، وَتِسْعٌ فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ صِفَةً، وَتِسْعٌ فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ قَدْرًا، وَتِسْعٌ فِي الْمُتَّفِقَيْنِ جِنْسًا. وَصِفَةً وَقَدْرًا
وَذَاكَ فِي الْعَرَضَيْنِ لَا الْمِثْلَيْنِ حَلْ ... بِحَيْثُ حَلَّا أَوْ تَوَافَقَ الْأَجَلْ
تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَيْتِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الدَّيْنَانِ عَرَضًا، وَفِي ذَلِكَ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْعَرَضَيْنِ إمَّا أَنْ يَتَرَتَّبَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، أَوْ يَخْتَلِفَا فِي الْجِنْسِ أَوْ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِي الْقَدْرِ، فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشَرَ صُورَةً، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَالٌّ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ؛ يَجْتَمِعُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً، فَأَخْبَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَنَّ الْعَرَضَيْنِ إذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: " لَا الْمِثْلَيْنِ " كَمَا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا قِبَلَ الْآخَرِ ثَوْبٌ، وَلِلْآخَرِ عَلَى صَاحِبِهِ فَرَسٌ؛ فَإِنَّ الْمُقَاصَّةَ جَائِزَةٌ، لَكِنْ إذَا حَلَّ الدَّيْنَانِ مَعًا أَوْ لَمْ يَحِلَّا وَأَجَلُهُمَا مُتَّفِقٌ، كَأَنْ يَكُونَ أَجَلُهُمَا مَعًا شَهْرًا مَثَلًا، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الشَّهْرِ ابْتِدَاءً أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لِشَهْرَيْنِ، وَمَضَى لَهُ شَهْرٌ ثُمَّ أَوْقَعَا الْمُعَامَلَةَ الثَّانِيَةَ لِشَهْرٍ، فَتَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ الْآنَ؛ لِاتِّفَاقِ بَاقِي الْأَجَلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ سَلْمُونٍ: وَإِنْ كَانَ مَا لِأَحَدِهِمَا قِبَلَ الْآخَرِ عَرَضًا، خِلَافَ عَرَضِ صَاحِبِهِ غَيْرَ طَعَامٍ، فَالْمُقَاصَّةُ جَائِزَةٌ، إنْ كَانَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَخَّرَيْنِ إلَى أَجَلٍ مُتَّفِقٍ، وَإِنْ كَانَا لِأَجَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ فِي الْعَيْنِ وَالْعَرَضِ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ اهـ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ حَلَّا أَوْ تَوَافَقَ الْأَجَلُ، أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَحِلَّا، وَلَكِنَّ أَجَلَهُمَا مُخْتَلِفٌ، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا لِشَهْرٍ وَالْآخَرُ لِشَهْرَيْنِ، فَإِنَّ الْمُقَاصَّةَ لَا تَجُوزُ الْآنَ، وَانْظُرْ الْحُكْمَ إذَا حَلَّ أَحَدُهُمَا هَلْ تَجُورُ الْمُقَاصَّةُ الْآنَ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا قَبْلَ حُلُولِ الْقَرِيبِ مِنْهُمَا فَلَا تَجُوزُ؛ لِكَوْنِهِمَا لِأَجَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَيَدْخُلُ فِي الْعَرَضَيْنِ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إمَّا فِي الْجِنْسِ، أَوْ فِي الصِّفَةِ، أَوْ فِي الْقَدْرِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا مِنْ بَيْعٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ.
فَهَذِهِ تِسْعُ صُوَرٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا حَالَّانِ أَوْ مُؤَجَّلَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَالٌّ وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ، فَهَذِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً، الْجَائِزُ مِنْهَا مَا كَانَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ لِأَجَلٍ مُتَّفَقٍ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " لَا الْمِثْلَيْنِ " أَنَّ الْعَرَضَيْنِ إذَا كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ يَعْنِي فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ فَإِنَّ الْمُقَاصَّةَ جَائِزَةٌ مُطْلَقًا لَا يُقَيِّدُ حُلُولُهُمَا، أَوْ تَوَافُقُ أَجَلِهِمَا، بَلْ تَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ وَسَوَاءٌ حَلَّا مَعًا أَوْ لَمْ يَحِلَّا، أَوْ حَلَّ وَاحِدٌ فَقَطْ، فَالصُّوَرُ التِّسْعُ كُلُّهَا جَائِزَةٌ قَالَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي فَصْلِ الْمُقَاصَّةِ وَتَجُوزُ فِي الْعَرَضَيْنِ مُطْلَقًا إنْ اتَّفَقَا جِنْسًا وَصِفَةً فَقَوْلُهُ وَذَاكَ أَيْ " الْمُقَاصَّةُ " الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي الْبَيْتِ قَبْلَهُ " بِالِانْتِصَافِ "؛ وَلِذَلِكَ أَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ مُذَكَّرًا وَحَلَّ أَيْ جَازَ خَبَرٌ عَنْ
стр. 327
اسْمِ الْإِشَارَةِ.
(ابْنُ سَلْمُونٍ) وَإِنْ كَانَ مَا لِأَحَدِهِمَا قِبَلَ الْآخَرِ عَرَضًا، خِلَافَ عَرَضِ صَاحِبِهِ غَيْرَ طَعَامٍ، فَالْمُقَاصَّةُ جَائِزَةٌ، إنْ كَانَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَخَّرَيْنِ إلَى أَجَلٍ مُتَّفِقٍ، وَإِنْ كَانَا لِأَجَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْ بَيْعٍ فِي الْعَيْنِ، وَالْعَرَضِ، الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ
وَفِي تَوَافُقِ الطَّعَامَيْنِ اقْتَفِي ... حَيْثُ يَكُونَانِ مَعًا مِنْ سَلَفِ
وَفِي اخْتِلَافٍ لَا يَجُوزُ إلَّا ... إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ حَلَّا
تَكَلَّمَ فِي الْبَيْتَيْنِ وَالْأَرْبَعَةِ بَعْدَهُمَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الدَّيْنَانِ طَعَامًا، وَتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ صُورَةً، وَتَعَرَّضَ فِي الْبَيْتَيْنِ لِمَا إذَا كَانَ الطَّعَامَانِ مِنْ سَلَفٍ، وَيُتَصَوَّرُ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً؛ لِأَنَّهُمَا إمَّا مُتَّفِقَانِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، أَوْ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ أَوْ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِي الْقَدْرِ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ، مَضْرُوبَةٍ فِي أَحْوَالِ الْأَجَلِ الثَّلَاثِ بِاثْنَيْ عَشَرَ، وَحَاصِلُ الْبَيْتَيْنِ أَنَّ الطَّعَامَيْنِ مِنْ سَلَفٍ إنْ كَانَا مُتَّفِقَيْنِ فَالْمُقَاصَّةُ جَائِزَةٌ، حَلَّا أَوْ لَمْ يَحِلَّا، أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ لَا تَجُوزُ؛ إلَّا إذَا حَلَّا مَعًا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ لِقَوْلِ ابْنِ سَلْمُونٍ: وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ طَعَامًا مِنْ قَرْضٍ وَكَانَا مُتَّفِقَيْنِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ حِنْطَةٌ سَمْرَاءُ، وَلِلْآخَرِ مِثْلُهَا فَالْمُقَاصَّةُ جَائِزَةٌ حَالَّيْنِ كَانَا أَوْ مُؤَخَّرَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا سَمْرَاءُ، وَلِلْآخَرِ مَحْمُولَةٌ لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ اهـ. أَنْ يَكُونَا مَعًا حَالَّيْنِ فَيَكُونُ بَدَلًا وَإِلَّا فَلَا اهـ.
وَنَحْوُهُ فِي الشَّارِحِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي الْبَيْتِ الْمُرَادِ بِهِ فِي الصِّفَةِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الِاتِّفَاقَ وَبِالِاتِّفَاقِ فِي الْجِنْسِ، وَكَذَا فِي الْقَدْرِ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ إذَا أُطْلِقَ فِي الْمَحَلِّ يُرَادُ بِهِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَإِذَا فُسِّرَ الِاتِّفَاقُ بِالِاتِّفَاقِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، فَيُفَسَّرُ مُقَابِلُهُ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ، بِالِاخْتِلَافِ فِي الْجِنْسِ أَوْ فِي الصِّفَةِ أَوْ الْقَدْرِ فَتَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ، فِي أَوْجُهِ الِاخْتِلَافِ، وَالثَّلَاثَةِ إنْ حَلَّا مَعًا وَيُزَادُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُلُولِ فِيهِمَا مَعًا فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَدْرِ، أَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ إنْ كَانَتْ فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ لَا فِي أَكْثَرَ لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ فِي الْقَرْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (ابْنُ سَلْمُونٍ) وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ طَعَامًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْآخَرُ مِنْ بَيْعٍ.
فَإِنْ كَانَا مِنْ قَرْضٍ وَكَانَا مُتَّفِقَيْنِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ حِنْطَةٌ سَمْرَاءُ، وَلِلْآخَرِ مِثْلُهَا فَالْمُقَاصَّةُ جَائِزَةٌ، حَالَّيْنِ كَانَا أَوْ مُؤَخَّرَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا سَمْرَاءُ وَلِلْآخَرِ مَحْمُولَةٌ لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَا مَعًا حَالَّيْنِ؛ فَيَكُونُ بَدَلًا، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَا مِنْ بَيْعٍ، فَإِنْ اخْتَلَفَا أَوْ اخْتَلَفَتْ رُءُوسُ أَمْوَالِهِمَا، أَوْ كَانَا مُؤَخَّرَيْنِ لِأَجَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجَلَانِ مُتَّفِقَيْنِ، فَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُقَاصَّةَ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ
وَإِنْ يَكُونَا مِنْ مَبِيعٍ وَوَقَعْ ... فِيهِ بِالْإِطْلَاقِ اخْتِلَافٌ امْتَنَعْ
وَفِي اتِّفَاقِ أَجَلَيْ مَا اتَّفَقَا ... هُوَ لَدَى أَشْهَبَ غَيْرُ مُتَّقَى
تَعَرَّضَ فِي الْبَيْتَيْنِ لِمَا إذَا تَرَتَّبَ الطَّعَامَانِ مِنْ بَيْعٍ، وَفِي ذَلِكَ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً، كَالدَّيْنِ مِنْ سَلَفٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَالصُّورَةُ كُلُّهَا مَمْنُوعَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَأَشَارَ النَّاظِمُ لِمَنْعِ الْمُقَاصَّةِ فِي الطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي جِنْسٍ أَوْ صِفَةٍ، أَوْ قَدْرٍ حَلَّا أَوْ لَمْ يَحِلَّا، أَوْ حَلَّ أَحَدهمَا، بِقَوْلِهِ: " وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مَبِيعٍ " الْبَيْتَ، وَعَلَى أَوْجُهِ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ وَأَوْجُهِ الْآجَالِ، أَشَارَ بِالْإِطْلَاقِ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ، وَأَشَارَ لِحُكْمِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ، وَهِيَ إذَا اتَّفَقَ الطَّعَامَانِ جِنْسًا وَصِفَةً وَقَدْرًا، وَلَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُمَا وَلَكِنَّ أَجَلَهُمَا مُتَّفِقٌ، وَهُوَ الْجَوَاز لِأَشْهَبَ؛ لِأَنَّهُ قَالَهُ بِقَوْلِهِ:
وَفِي اتِّفَاقِ أَجَلَيْ مَا اتَّفَقَا ... هُوَ لَدَى أَشْهَبَ غَيْرُ مُتَّقَى
وَمَفْهُومُهُ الْمَنْعُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَا يَجُوزُ عِنْدَ أَشْهَبَ إذَا حَلَّا مَعًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحِلَّا وَلَمْ يَتَّفِقْ أَجَلُهُمَا فَالْمَنْعُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ سَلْمُونٍ وَإِنْ كَانَا - أَيْ الطَّعَامَانِ - مِنْ بَيْعٍ، فَإِنْ اخْتَلَفَا أَوْ اخْتَلَفَتْ رُءُوسُ أَمْوَالِهِمَا، أَوْ كَانَا مُؤَخَّرَيْنِ لِأَجَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجَلَانِ مُتَّفِقَيْنِ، فَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُقَاصَّةَ، وَأَجَازَهَا أَشْهَبُ اهـ
стр. 328
وَشَرْطُ مَا مِنْ سَلَفٍ وَبَيْعِ ... حُلُولُ كُلٍّ وَاتِّفَاقُ النَّوْعِ
وَالْخُلْفُ مَعَ تَأَخُّرٍ مَا كَانَا ... ثَالِثُهَا مِنْ سَلَمٍ قَدْ حَانَا
تَعَرَّضَ فِي الْبَيْتَيْنِ لِمَا إذَا تَرَتَّبَ أَحَدُ الطَّعَامَيْنِ مِنْ بَيْعٍ، وَالْآخَرُ مِنْ سَلَفٍ، وَفِي ذَلِكَ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً أَيْضًا، لِأَنَّ الطَّعَامَيْنِ إمَّا مُتَّفِقَانِ جِنْسًا وَصِفَةً وَقَدْرًا، وَإِمَّا مُخْتَلِفَانِ صِفَةً أَوْ جِنْسًا أَوْ مِقْدَارًا، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ إمَّا مَعَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِيهِمَا أَوْ مَعَ عَدَمِهِ فِيهِمَا، أَوْ مَعَ حُلُولِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَأَخْبَرَ النَّاظِمُ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ الْمُقَاصَّةِ فِيمَا كَانَا مِنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ حُلُولُ أَجَلِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاتِّفَاقُهُمَا فِي النَّوْعِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا اخْتَلَّ فِيهِ الشَّرْطَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ تَجُزْ فِيهِ الْمُقَاصَّةُ، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطُ اتِّفَاقِ النَّوْعِ لَمْ تَجُزْ، قَالَ الشَّارِحُ: " وَذَلِكَ صَحِيحٌ "
(قُلْتُ) : وَلِذَلِكَ اُكْتُفِيَ عَنْهُ بِالْمَفْهُومِ. وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطُ الْحُلُولِ فِيهِمَا بِأَنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا فَقَطْ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ - الْمَنْعُ لِابْنِ الْقَاسِمِ تَأَخَّرَ أَجَلَاهُمَا، أَوْ تَأَخَّرَ أَجَلُ الْقَرْضِ أَوْ أَجَلُ السَّلَمِ - الثَّانِي لِأَشْهَبَ الْجَوَازُ مُطْلَقًا - وَالثَّالِثُ - الْجَوَازُ إنْ حَلَّ السَّلَمُ، وَالْمَنْعُ إنْ لَمْ يَحِلَّا مَعًا أَوْ حَلَّ أَجَلُ الْقَرْضِ دُونَ أَجَلِ السَّلَمِ، وَعَلَى التَّعْمِيمِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ بَيْنَ أَنْ يَتَأَجَّلَا مَعًا. أَوْ أَحَدُهُمَا، نَبَّهَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: " مَا كَانَ "، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّأْخِيرُ فِي وَاحِدٍ أَوْ فِي اثْنَيْنِ، ثَالِثُهَا - تَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ إنْ حَلَّ أَجَلُ السَّلَمِ
(قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ طَعَامًا، وَكَانَا مِنْ بَيْعٍ وَقَرْضٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفَا وَكَانَا حَالَّيْنِ جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا لَمْ تَجُزْ بِوَجْهٍ، وَإِنْ كَانَا مُؤَخَّرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْمَنْعُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْجَوَازُ لِأَشْهَبَ وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ إنْ كَانَ السَّلَمُ حَالًّا جَازَتْ وَإِلَّا فَلَا
[فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِ]
ِ
وَامْنَعْ حَوَالَةً بِشَيْءٍ لَمْ يَحِلْ ... وَبِاَلَّذِي حَلَّ بِإِطْلَاقٍ أُحِلْ
وَبِالرِّضَا وَالْعِلْمِ مِنْ مُحَالِ ... عَلَيْهِ فِي الْمَشْهُورِ لَا تُبَالِ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ إلَّا ... فِيمَا يُجَانِسُ لِدَيْنٍ حَلَّا
وَلَا تُحِلْ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي ... ثَانِيهِمَا إلَّا إنْ الْقَبْضُ اُقْتُفِيَ
وَفِي طَعَامٍ مَا إحَالَةٌ تَفِي ... إلَّا إذَا كَانَا مَعًا مِنْ سَلَفِ
وَفِي اجْتِمَاعِ سَلَمٍ وَقَرْضِ ... يُشْتَرَطُ الْحُلُولُ فِي ذِي الْقَبْضِ
(ابْنُ الْحَاجِبِ) الْحَوَالَةُ نَقْلُ الدَّيْنِ إلَى ذِمَّةٍ تَبْرَأُ بِهِ الْأُولَى، وَفِي التَّلْقِينِ الْحَوَالَةُ: تَحْوِيلُ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ تَبْرَأُ بِهِ الْأُولَى. (التَّوْضِيحُ) قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ تَحَوَّلَ مِنْ طَلَبِهِ لِغَرِيمِهِ إلَى غَرِيمِ غَرِيمِهِ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ أَكْثَرِ شُيُوخِهِ، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَمَّا أَشْبَهَتْ بَيْعَ الدَّيْنِ اهـ
، وَلَهَا شُرُوطٌ
(أَوَّلُهَا) أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ حَالًّا، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحِلَّ لَمْ تَجُزْ الْإِحَالَةُ وَإِذَا كَانَ حَالًّا جَازَتْ الْإِحَالَةُ، سَوَاءٌ حَلَّ الدَّيْنُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَحِلَّ؛ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَبِاَلَّذِي حَلَّ بِإِطْلَاقٍ أُحِلَّ
وَمُرَادُهُ بِإِطْلَاقٍ حَلَّ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ لَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لِأَنَّهُ إذَا انْحَلَّ عَلَى مَا لَمْ يَحِلَّ؛ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْمَعْرُوفِ اهـ. أَيْ وَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ، كَمَا يَأْتِي فِي الشَّرْطِ الرَّابِعِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَوْلِهِمَا مَعًا إلَّا إنْ كَانَا مِنْ قَرْضٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُحَالُ بِهِ غَيْرَ حَالٍّ لَمْ تَجُزْ الْإِحَالَةُ، وَعَلَيْهِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَامْنَعْ حَوَالَةً بِشَيْءٍ لَمْ يَحِلْ
(الثَّانِي) رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ فَقَطْ، دُونَ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ نَبَّهَ النَّاظِمُ عَلَى الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ: " وَبِالرِّضَا وَالْعِلْمِ " الْبَيْتَ، إذْ يُفْهَمُ مِنْ حُكْمِهِ بِعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِرِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَعِلْمِهِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ رِضَا
стр. 329
غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ ذِمَّةٍ أُخْرَى، وَأَمَّا رِضَا الْمُحَالِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِ الْحَوَالَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَلَا؛ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ قَوْلًا بِاشْتِرَاطِ رِضَاهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَعَلَى الْمَشْهُورِ، فَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ السَّلَامَةُ مِنْ الْعَدَاوَةِ قَالَهُ مَالِكٌ اهـ.
(الثَّالِثُ) - أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ مِثْلَ الدَّيْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَا مُتَجَانِسَيْنِ كَذَهَبٍ وَذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ وَفِضَّةٍ، وَلَا تَجُوزُ الْإِحَالَةُ بِذَهَبٍ عَلَى فِضَّةٍ، وَلَا الْعَكْسُ وَمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْعَدَدِ وَالصِّفَةِ اهـ. أَيْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحِيلَ بِدِينَارٍ عَلَى دِينَارَيْنِ، وَلَا بِالْعَكْسِ، لِأَنَّهُ ذَهَبٌ يَذْهَبُ مُتَفَاضِلًا، وَأَمَّا الْإِحَالَةُ بِدِينَارٍ عَلَى مَنْ لَكَ عَلَيْهِ دِينَارَانِ، عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُحَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ دِينَارًا أَوْ يَتْرُكَ الدِّينَارَ الْآخَرَ فَهَذَا جَائِزٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْتَالَ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ فِضَّةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ، فَأُحِيلَ عَلَى يَزِيدِيَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَإِلَى هَذَا الشَّرْطِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ إلَّا
الْبَيْتَ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ الْإِحَالَةَ بِذَهَبٍ عَنْ فِضَّةٍ، وَبِالْعَكْسِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِشَرْطِ الْقَبْضِ فِي الْحَالِّ، وَلَا يَجُوزُ بِتَأْخِيرٍ بِقَوْلِهِ:
وَلَا تُحِلْ " بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي
ثَانِيهِمَا " الْبَيْتَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا وَالْآخَرُ فِضَّةً، فَلَا يُحِيلُهُ بِهِ وَإِنْ حَلَّا، إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ مَكَانَهُ قَبْلَ افْتِرَاقِ الثَّلَاثَةِ، وَقَبْلَ طُولِ الْمَجْلِسِ اهـ.
(الرَّابِعُ) . يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الدَّيْنَانِ طَعَامًا مِنْ سَلَمٍ، فَلَا تَجُوزُ الْإِحَالَةُ حِينَئِذٍ سَوَاءٌ حَلَّا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَا مِنْ سَلَفٍ جَازَتْ الْإِحَالَةُ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَفِي طَعَامٍ مَا إحَالَةٌ تَفِي
فَمَا " نَافِيَةٌ "، " وَتَفِي " مُضَارِعُ وَفَى، أَيْ: لَا تَصِحُّ وَلَا تَتِمُّ الْإِحَالَةُ إلَّا إذَا كَانَا مَعًا مِنْ سَلَفٍ فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إذَا كَانَا مَعًا مِنْ غَيْرِ سَلَفٍ وَهُوَ الْبَيْعُ أَيْ السَّلَمُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ سَلَفٍ جَازَتْ إنْ حَلَّا مَعًا وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَفِي اجْتِمَاعِ سَلَمٍ وَقَرْضِ
الْبَيْتُ مُرَادُهُ بِذِي الْقَبْضِ الدَّيْنُ الْمَقْبُوضُ حِسًّا وَهُوَ مَا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَكَذَا يُشْتَرَطُ حُلُولُ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ وَلَا إشْكَالَ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ اشْتِرَاطَ الْحُلُولِ فِي الْمُحَالِ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَتِهِ وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حُلُولُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُشْتَرَطٌ فِي الْإِحَالَةِ فِي الطَّعَامَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ سَلَفٍ احْتَاجَ إلَى التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسَعْهُ السُّكُوتُ عَنْهُ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَفِي اجْتِمَاعِ سَلَمٍ وَقَرْضِ
الْبَيْتَ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) عَنْ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّنْبِيهَاتِ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الدَّيْنَانِ طَعَامًا وَمِنْ سَلَمٍ سَوَاءٌ حَلَّا أَمْ لَا لِئَلَّا يَدْخُلَهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّعَامَانِ مُتَّفِقَيْنِ أَمْ لَا اسْتَوَتْ رُءُوسُ الْأَمْوَالِ أَمْ لَا وَأَجَازَ أَشْهَبُ إذَا اتَّفَقَتْ رُءُوسُ الْأَمْوَالِ وَاتَّفَقَ الطَّعَامَانِ تَشْبِيهًا بِالتَّوْلِيَةِ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامَانِ مِنْ قَرْضٍ جَازَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ جَازَتْ الْحَوَالَةُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِشَرْطِ حُلُولِ الطَّعَامَيْنِ مَعًا وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا ابْنَ الْقَاسِمِ جَوَازَ الْحَوَالَةِ بِشَرْطِ حُلُولِ الْمُحَالِ بِهِ خَاصَّةً اهـ وَفِي التَّهْذِيبِ وَمَنْ لَهُ عَلَيْكَ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ فَأَحَلْتَهُ عَلَى طَعَامٍ لَك مِنْ قَرْضٍ أَوْ كَانَ الَّذِي لَهُ عَلَيْكَ مِنْ قَرْضٍ فَأَحَلْتَهُ عَلَى طَعَامٍ لَك مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ قَدْ حَلَّ أَوْ دَفَعْتَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ يَبْتَاعُ بِهَا طَعَامًا يَقْبِضُهُ مِنْ حَقِّهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ اهـ
مِنْ الشَّارِحِ (الْخَامِسُ) يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ
стр. 330
ابْنُ الْحَاجِبِ) فِي تَعْدَادِ شُرُوطِ الْحَوَالَةِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْمُحِيلِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَوَالَةِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ عَلَى دَيْنٍ لِأَنَّهَا نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ (الْبَاجِيُّ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهِيَ حَمَالَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا اهـ وَلَمْ يُصَرِّحْ النَّاظِمُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَرْوِحُ مِنْ اشْتِرَاطِ حُلُولِ الدَّيْنِ بِهِ دُونَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّيْنَ حَاصِلٌ لَا مَحَالَةَ إذْ الْكَلَامُ عَلَى حُلُولِهِ وَعَدَمِ حُلُولِهِ فَرْعُ وُجُودِهِ وَكَذَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الْحَوَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(تَفْرِيعٌ) فَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ رَجَعَ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحَالُ أَنَّ الْمُحِيلَ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَاشْتَرَطَ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحَالِ الْبَرَاءَةَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَحَصَّلَ ابْنُ زَرْقُونٍ فِيهَا خَمْسَةَ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) لِلْحَوَالَةِ شُرُوطُ صِحَّةٍ فَلَا يَجُوزُ وَلَا تَصِحُّ بِدُونِهَا وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ وَشُرُوطُ لُزُومٍ وَهُوَ أَنْ لَا يَغُرَّهُ بِفَلَسٍ عَلِمَهُ وَحْدَهُ مِنْ غَرِيمِهِ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) وَلَوْ غَرَّكَ مِنْ عَدَمٍ يَعْلَمُهُ بِغَرِيمِهِ أَوْ بِفَلَسٍ فَلَكَ طَلَبُ الْمُحِيلِ وَلَوْ لَمْ يَغُرّكَ أَوْ كُنْتُمَا عَالِمَيْنِ بِفَلَسِهِ كَانَتْ حَوَالَةً لَازِمَةً لَك (الثَّانِي) فَائِدَةُ الْحَوَالَةِ وَحُكْمُهَا قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ وَأَمَّا حُكْمُهَا فَهُوَ بَرَاءَةُ الْمُحِيلِ مِنْ دَيْنِ الْمُحَالِ وَتَحَوُّلِ الْحَقِّ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَبَرَاءَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ طَلَبِ الْمُحِيلِ
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ وَالثُّنْيَا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ وَالثُّنْيَا
بَيْعُ الْخِيَارِ جَائِزُ الْوُقُوعِ ... لِأَجَلٍ يَلِيقُ بِالْمَبِيعِ
كَالشَّهْرِ فِي الْأَصْلِ، وَبِالْأَيَّامِ ... فِي غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ وَالطَّعَامِ
وَهُوَ بِالِاشْتِرَاطِ عِنْدَ الْعَقْدِ ... وَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ النَّقْدِ
(ابْنُ عَرَفَةَ) بَيْعُ الْخِيَارِ بَيْعٌ وُقِفَ بَتُّهُ أَوَّلًا عَلَى إمْضَاءٍ يُتَوَقَّعُ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ وُقِفَ بَتُّهُ بَيْعُ الْبَتِّ، وَالْبَيْعُ الَّذِي فِيهِ خِيَارٌ غَيْرُ مَدْخُولٍ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً وَهُوَ الْخِيَارُ الْحُكْمِيُّ أَيْ الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ حُكْمٌ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى الْبَتِّ فَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ، فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الرَّدِّ وَالتَّمَاسُكِ، لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى الْبَتِّ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ بَتُّهُ أَوَّلًا عَلَى إمْضَاءٍ يُتَوَقَّعُ، فَيُقَالُ فِيهِ: بَيْعٌ آلَ إلَى خِيَارٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنِّي عَلَى خِيَارٍ وَبَيْعُ الثُّنْيَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَمَّمَ ابْنُ رُشْدٍ لَفْظَ بَيْعِ الثُّنْيَا فِي بِيَاعَاتِ الشُّرُوطِ الْمُنَافِيَةِ لِلْبَيْعِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: بَيْعُ الشُّرُوطِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بَيْعُ الثُّنْيَا كَالْبَيْعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ (ابْنُ عَرَفَةَ) وَخَصَّهُ الْأَكْثَرُ بِمَعْنَى قَوْلِهَا فِي بُيُوعِ الْآجَالِ فَمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ مِنِّي رَدَّ الثَّمَنَ فَالسِّلْعَةُ لَهُ قَالَ فِيهَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا اهـ وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي خَصَّهُ بِهِ الْأَكْثَرُ هُوَ الْمَعْرُوفُ الْيَوْمَ بِبَيْعِ الثُّنْيَا،
وَهُوَ الَّذِي قَصَدَ النَّاظِمُ بِدَلِيلِ مَا يَذْكُرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ
بَيْعُ الْخِيَارِ جَائِزُ الْوُقُوعِ
الْبَيْتَيْنِ أَخْبَرَ أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى الْخِيَارِ جَائِزٌ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) وَبَيْعُ الْخِيَارِ جَائِزٌ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الشَّيْءَ وَأَنَا عَلَيْكَ فِيهِ بِالْخِيَارِ إلَى وَقْفِ كَذَا
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) مُوجَبُ الْخِيَارِ. إمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ أَوْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ التَّرَوِّي، وَالثَّانِي هُوَ النَّقِيصَةُ، وَخِيَارُ التَّرَوِّي مُسْتَثْنَى مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ لِلتَّرَدُّدِ فِي الْعَقْدِ لَكِنْ أَجَازَهُ الشَّرْعُ لِيَدْخُلَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵁ لَوْلَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا جَازَ الْخِيَارُ أَصْلًا لَا فِي الثَّلَاثَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا اهـ وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِجَوَازِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَرْبِ أَجَلٍ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَحَدُّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السِّلَعِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَفِيهَا فِي الدَّارِ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ الشَّهْرَانِ وَفِيهَا فِي الرَّقِيقِ الْجُمُعَةُ وَنَحْوُهَا وَقِيلَ شَهْرٌ لِكِتْمَانِهِ عُيُوبَهُ وَفِيهَا يَرْكَبُ الدَّابَّةَ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَرِيدَيْنِ هَذَا فِي الرُّكُوبِ وَإِلَّا فَتَجُوزُ الثَّلَاثَةُ، وَفِي الثَّوْبِ الثَّلَاثَةُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِبَاسُهُ بِخِلَافِ اسْتِخْدَامِ الرَّقِيقِ (التَّوْضِيحُ)
وَفِي قَوْلِهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَضْرِبُ مِنْ الْأَجَلِ أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ
стр. 331
تَقْلِيلًا لِلْغَرَرِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ شَرَطَ لِبَاسَ الثَّوْبِ فَقَالُوا يُفْسِدُ الْعَقْدَ فَإِذَا فُسِخَ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ لِأَجْلِ اللُّبْسِ ابْنُ يُونُسَ بِلَا خِلَافٍ وَقِيلَ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ فِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي لَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ اهـ وَآخِرُهُ بِالْمَعْنَى وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْكِرَاءِ مُخَرَّجٌ لَا مَنْصُوصٌ
(فِي الْمُدَوَّنَةِ) وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ الرُّطَبِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ النَّاسُ يُشَاوِرُونَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهُمْ، وَيَحْتَاجُونَ فِيهِ إلَى رَأْيِهِمْ فَلَهُمْ مِنْ الْخِيَارِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ حَاجَةِ النَّاسِ بِمَا لَا يَقَعُ فِيهِ تَغْيِيرٌ وَلَا فَسَادٌ، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ
لِأَجَلٍ يَلِيقُ بِالْمَبِيعِ
كَالشَّهْرِ فِي الْأَصْلِ إلَخْ قَوْلُهُ
وَهُوَ بِالِاشْتِرَاطِ عِنْدَ الْعَقْدِ
يَعْنِي أَنَّ خِيَارَ التَّرَوِّي إنَّمَا يَصِحُّ بِالشَّرْطِ لَا بِالْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» بَلْ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَشْرُوطًا مَدْخُولًا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ ابْنِ عَرَفَةَ لِبَيْعِ الْخِيَارِ.
قَوْلُهُ:
وَلَا يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ النَّقْدِ
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ اشْتِرَاطُ نَقْدِ الثَّمَنِ قَبْلَ مُضِيِّ أَجَلِ الْخِيَارِ فَإِنْ تَطَوَّعَ الْمُشْتَرِي بِدَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) وَالنَّقْدُ فِيمَا بَعُدَ مِنْ أَجَلِ الْخِيَارِ أَوْ قَرُبَ لَا يَحِلُّ بِشَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْعُ الْخِيَارِ بِغَيْرِ شَرْطِ النَّقْدِ فَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالنَّقْدُ بِغَيْرِ شَرْطٍ جَائِزٌ وَفِي فَسَادِ الْبَيْعِ بِاشْتِرَاطِهِ قَوْلَانِ التَّوْضِيحُ وَالْمَعْرُوفُ الْفَسَادُ مَعَ الِاشْتِرَاطِ
(فَرْعٌ) لَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ السِّلَعِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مُدَّةُ الْخِيَارِ مَجْهُولَةً فَإِنْ عَقَدَا عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِمَا إلَى قُدُومِ زَيْدٍ لَا أَمَارَةَ عِنْدَهُمْ عَلَى قُدُومِهِ أَوْ إلَى أَنْ يُولَدَ لِفُلَانٍ وَلَا حَمْلَ عِنْدَهُ أَوْ إلَى أَنْ يَنْفُقَ سُوقُ السِّلْعَةِ وَلَا أَوَانَ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ عُرْفًا أَنَّهَا تَنْفُقُ فِيهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الْجَهْلِ بِالْمُدَّةِ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ لَكِنْ إنْ وَقَعَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مُدَّةً وَلَا مَجْهُولَةً فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَيُحْمَلُ عَلَى خِيَارِ مِثْلِ السِّلْعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ زَادَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى مَا هُوَ أَمَدُ خِيَارِهَا فَسَدَ الْبَيْعُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
(فَرْعٌ) إذَا بِيعَ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ عَلَى خِيَارٍ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَمْ يَجُزْ عَلَى شَرْطِ غَيْبَةِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارَةً سَلَفًا اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ
وَالْبَيْعُ بِالثُّنْيَا لِفَسْخٍ دَاعِ ... وَالْخَرْجُ بِالضَّمَانِ لِلْمُبْتَاعِ
وَلَا كِرَاءَ فِيهِ هَبْهُ لِأَجَلْ ... أَوْ لَا وَذَا الَّذِي بِهِ جَرَى الْعَمَلْ
وَالشَّرْحُ لِلثُّنْيَا رُجُوعُ مِلْكِ مَنْ ... بَاعَ إلَيْهِ عِنْدَ إحْضَارِ الثَّمَنْ
تَقَدَّمَ أَوَّلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى تَعْرِيفِ بَيْعِ الثُّنْيَا مَا هُوَ؛ وَأَنَّهُ الْبَيْعُ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ
стр. 332
مَتَى أَتَى بِالثَّمَنِ؛ يُرِيدُ أَوْ إلَى مُدَّةِ كَذَا فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ، وَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا فِي كَلَامِهِ مِنْ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ عَلَى التَّصَوُّرِ، فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ فُسِخَ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِذَا فُسِخَ لَمْ يَرُدَّ الْمُشْتَرِي الْغَلَّةَ، لِأَنَّ الضَّمَانَ كَانَ مِنْهُ فَالْغَلَّةُ لَهُ بِخَبَرِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَانَ لِأَجَلٍ أَوْ لِغَيْرِ أَجَلٍ لَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) أَمَّا الثُّنْيَا فَلَا تُجَوِّزُ انْعِقَادَ الْبِيَعِ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُك هَذَا الْمِلْكَ أَوْ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِثَمَنِ كَذَا عَلَى أَنِّي إنْ أَتَيْتُك بِالثَّمَنِ إلَى مُدَّةِ كَذَا وَقَالَ مَتَى أَتَيْتُك بِهِ وَلَمْ يَحُدَّ مُدَّةً فَالْمَبِيعُ مَرْدُودٌ إلَى مَصْرُوفٍ عَلَيَّ فَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فُسِخَ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفُتْ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فَيُلْزَمْ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْقَبْضِ. وَفَوْتُ الْأُصُولِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْهَدْمِ، وَالْبِنَاءِ، وَالْغَرْسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ يُفِيتُهَا، حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ سَوَاءٌ، وَلِلْمُبْتَاعِ مَا اُغْتُلَّ فِي الْمِلْكِ قَبْلَ الْفَسْخِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأُصُولِ حِينَ بِيعَ ثَمَرٌ مَأْبُورٌ وَاشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ مَعَ الْأُصُولِ إنْ كَانَ حَاضِرًا إمَّا
стр. 333
مَكِيلَتُهُ إنْ عَلِمَهَا وَوَجَدَهُ يَابِسًا أَوْ الْقِيمَةُ إنْ جَهِلَ الْكَيْلَ أَوْ وَجَدَهُ رَطْبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ اهـ وَحَكَى ابْنُ سَلْمُونٍ فِي بَيْعِ الثُّنْيَا قَوْلَيْنِ هَلْ هُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ؛ فَلَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْغَلَّةَ أَوْ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا؛ وَعَلَيْهِ فَيَرُدُّ الْغَلَّةَ وَتَكُونُ لِلْبَائِعِ. قَالَ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا كِرَاءَ فِيهِ كَانَ إلَى أَجَلٍ أَوْ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ عِنْدَهُمْ، وَبِهِ الْعَمَلُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ إنْ وَقَعَ إلَى أَجَلٍ كَانَ فِيهِ الْكِرَاءُ لِأَنَّهُ كَالرَّهْنِ، وَإِنْ وَقَعَ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَلَا كِرَاءَ فِيهِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا حَدَثَ عِنْدَهُ أَمَّا إنْ اشْتَرَى الْأُصُولَ وَفِيهَا ثِمَارٌ مَأْبُورَةٌ، وَاشْتَرَطَهَا الْمُبْتَاعُ ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ لِأَنَّهُ دَفَعَ لَهَا حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، وَلَيْسَتْ بِخَرَاجٍ يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ بِالضَّمَانِ فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ ثَمَنُهُ بِجُمْلَتِهِ فَمِنْ حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ يَعُودَ لَهُ أَصْلُهُ بِثَمَرَتِهِ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى النَّاظِمِ بِعَدَمِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ
(الثَّانِي) قَالَ الْحَطَّابُ وَهَذَا كُلُّهُ أَيْ كَوْنُ الْمُشْتَرِي لَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ إنَّمَا هُوَ إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَاسْتَغَلَّهُ إمَّا بِكِرَاءٍ أَوْ سُكْنَى وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي عَصْرِنَا هَذَا، وَهُوَ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى وَذَلِكَ، أَنَّ الشَّيْخَ يَبِيعُ الدَّارَ مَثَلًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَهِيَ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَوْ خَمْسَةً، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَتَى جَاءَهُ بِالثَّمَنِ رَدَّهَا إلَيْهِ، ثُمَّ يُؤَجِّرُهَا الْمُشْتَرِي لِبَائِعِهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي، وَقَبْلَ أَنْ يُخْلِيهَا الْبَائِعُ مِنْ أَمْتِعَةٍ بَلْ يَسْتَمِرُّ الْبَائِعُ عَلَى سُكْنَاهَا إنْ كَانَتْ مَحَلَّ سُكْنَاهُ، أَوْ عَلَى وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا، أَوْ إجَارَتِهَا، وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْمُشْتَرِي الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ هَذَا صَرِيحُ الرِّبَا، وَلَا عِبْرَةَ بِالْعَقْدِ الَّذِي عَقَدَاهُ فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا حُكِمَ بِالْغَلَّةِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِانْتِقَالِ الضَّمَانِ إلَيْهِ، وَهُنَا لَمْ يَنْتَقِلْ الضَّمَانُ لِبَقَاءِ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِ بَائِعِهِ، فَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْغَلَّةِ، بَلْ لَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَتَسَلَّمَهُ بَعْدَ أَنْ أَخْلَاهُ الْبَائِعُ ثُمَّ آجَرَهُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْيَدِ، وَعَادَ إلَيْهَا لِغُلُوٍّ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ وَآلَ الْحَالُ إلَى صَرِيحِ الرِّبَا وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ
(الْحَطَّابُ) وَسَمِعْتُ وَالِدِي ﵀ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ مَنْ عَاصَرَهُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لِلْمُشْتَرِي بِالْغَلَّةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا كَانَ جَاهِلًا بِفَسَادِ حَالِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، وَتَعَمَّدَ فَلَا غَلَّةَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ مَنْصُوصًا وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ اهـ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ عِنْدَنَا وَأَكْثَرُ، وَتَجَدُّدُ الدَّارِ فِي مِثْلِ الْقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا خَمْسَ أَوَاقٍ فِي الشَّهْرِ مَثَلًا وَيَكْتَرِيهَا بَائِعُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِعَشْرِ أَوَاقٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِيَتَوَصَّلَ الْبَائِعُ لِفَائِدَةِ مَالِهِ الَّذِي دَفَعَ لِبَائِعِهَا، وَلَا يَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ كِرَاؤُهَا بِمَا تُسَاوِيهِ وَمِنْ مَفَاسِدِ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَقْتَضِي الْأَجَلُ، وَلَا يَجِدُ مَا يَدْفَعُ لِلْمُشْتَرِي، فَيَمْضِي الْبَيْعُ بِمَا سَمَّوْهُ بَيْعًا وَهُوَ ثُلُثُ قِيمَتِهَا، أَوْ أَقَلُّ فَيَجْتَمِعُ عَلَى بَائِعِهَا كَثْرَةُ مَا أَعْطَى فِي الْكِرَاءِ وَقِلَّةُ الثَّمَنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الضَّرُورَاتِ وَالْحَاجَةِ، وَلَا تَجِدُ فِيمَنْ يُعَامِلُهُمْ فِي الْغَالِبِ رَأْفَةً وَلَا رَحْمَةً بَلْ قُلُوبُهُمْ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، وَكَأَنَّهُ تَقَدَّمَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ قَدِيمَةٌ. هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِيمَا رَأَيْنَا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
(الثَّالِثُ) إذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي بَيْعِ الثُّنْيَا الْجَائِزِ
(قَالَ التَّوْضِيحُ) لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بَيْعِ الْخِيَارِ، وَأَنَّهُ يُورَثُ أَقَامَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ الْخِيَارَ يُورَثُ أَنَّ الثُّنْيَا تُورَثُ أَيْ الْجَائِزَةُ إذَا مَاتَ الْمُتَطَوِّعُ لَهُ بِهَا وَهُوَ الْبَائِعُ وَاخْتَلَفُوا إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي الَّذِي تَطَوَّعَ بِهَا هَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ وَرَثَتَهُ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إبْرَاهِيمَ أَوْ لَا يَلْزَمُ وَرَثَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَضْلِ رَاشِدٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْحَطَّابُ وَمَا قَالَهُ أَبُو الْفَضْلِ رَاشِدٍ وَرَجَّحَهُ أَبُو الْحَسَنِ هُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ الثُّنْيَا إذَا كَانَتْ عَلَى التَّطَوُّعِ فَهِيَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ اهـ وَهَذَا فِي الصَّحِيحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا الْفَاسِدَةُ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ كَلَامُ الْحَطَّابِ
(قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ بِفَضْلِهِ) وَقَدْ قُلْت فِي نَظْمِنَا الْمُسَمَّى بِبُسْتَانِ فِكَرِ الْمُهَجِ فِي تَذْيِيلِ الْمَنْهَجِ فِي بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِبَيْعِ الثُّنْيَا مَا نَصُّهُ
стр. 334
إنْ مَاتَ بَائِعٌ بِثُنْيَا انْتَقَلَتْ ... لِوَارِثٍ وَالْعَكْسُ قَالُوا بَطَلَتْ
إذْ بَائِعٌ فِيهِ كَمَوْهُوبٍ لَهُ ... وَمُشْتَرٍ كَوَاهِبٍ عِ أَصْلَهُ
وَذَاكَ فِي الطَّوْعِ بِهَا أَمَّا إذَا ... كَانَتْ بِشَرْطِ الْفَسَادِ أَنْبِذَا
ثَمَّتْ هَلْ بَيْعُ فَسَادٍ أَوْ سَلَفْ ... يَجُرُّ نَفْعًا فِي الْخَرَاجِ يُخْتَلَفْ
وَذَاكَ بَعْدَ الْقَبْضِ أَمَّا قَبْلَهُ ... بِالِاتِّفَاقِ رَدَّ مَا اسْتَغَلَّهُ
قَالَ النَّاظِمُ ﵀
وَجَازَ إنْ وَقَعَ بَعْدَ الْعَقْدِ ... طَوْعًا بِحَدٍّ وَبِغَيْرِ حَدِّ
وَحَيْثُمَا شَرْطٌ عَلَى الطَّوْعِ جُعِلْ ... فَالْأَحْسَنُ الْكَتْبُ بِعَقْدٍ مُسْتَقِلْ
وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعٍ لِلطَّوْعِ ... لَا مُدَّعِي الشَّرْطِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ
يَعْنِي أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى خِيَارٍ تَارَةً يَكُونُ مَدْخُولًا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً بِحَيْثُ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى خِيَارٍ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَتَارَةً يَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْبَتِّ ثُمَّ يَجْعَلُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ الْخِيَارَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي نَبَّهَ النَّاظِمُ هُنَا بِقَوْلِهِ وَجَازَ إنْ وَقَعَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَفَاعِلُ جَازَ لِلْخِيَارِ الْمَذْكُورِ قَبْلُ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذَا مِنْ بَيْعِ الْخِيَارِ مُدْخَلَةٌ بَيْنَ أَحْكَامِ بَيْعِ الثُّنْيَا فَلَوْ قَدَّمَهَا عَلَى بَيْعِ الثُّنْيَا لَكَانَ أَنْسَبَ لَا مِنْ بَيْعِ الثُّنْيَا وَتَقَدَّمَ أَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ضَرْبِ أَجَلٍ لَأَمَدِ الْخِيَارِ فَإِنْ جَعَلَاهُ فِيهَا وَنَعِمَتْ وَإِنْ لَمْ لَا يَجْعَلَا لَهُ أَجَلًا ضُرِبَ لَهُ مِنْ الْأَجَلِ مَا يَلِيقُ بِذَلِكَ الْمَبِيعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ بِحَدٍّ وَبِغَيْرِ حَدٍّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ نَزَلَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ جَعَلَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ الْخِيَارَ بَعْد تَمَامِ الْبَيْعِ، فَذَلِكَ يَلْزَمُهُمَا إذَا كَانَ يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْخِيَارُ، وَهُوَ بَيْعٌ مُؤْتَنَفٌ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ فَمَا أَصَابَ السِّلْعَةَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ صَارَ بَائِعًا اهـ وَإِلَى هَذَا الْفَرْعِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ وَصَحَّ بَعْدَ بَتٍّ.
وَالظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيَّنُ أَنَّ مُرَادَ النَّاظِمِ ﵀ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الثُّنْيَا إذَا وَقَعَتْ طَوْعًا بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَانْبِرَامِهِ فَهِيَ جَائِزَةٌ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ هُنَا تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ قَبْلُ. وَالْبَيْعُ بِالثُّنْيَا لِفَسْخِ دَاعٍ فَذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ الْبَيْعَ الْمَصْحُوبَ بِالثُّنْيَا يُفْسَخُ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ عَدَمَ جَوَازِهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِالثُّنْيَا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ قَبْلَ الْبَيْتِ وَبَعْدَهُ، وَفَاعِلُ جَازَ عَلَى هَذَا الْبَيْعِ بِالثُّنْيَا الْمُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ، وَيَكُونُ النَّاظِمُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ، وَجَازَ إنْ وَقَعَ الْبَيْتَ لِقَوْلِ ابْنِ سَلْمُونٍ وَغَيْرِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ، فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ صَحِيحًا وَطَاعَ بِالثُّنْيَا بَعْدَ ذَلِكَ جَازَ ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ هَذَا الطَّوْعُ إلَى أَجَلٍ وَإِلَى غَيْرِ أَجَلٍ انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ الْآنَ مِنْهُ عَلَى أَنَّ النَّاظِمَ كَثِيرًا مَا يَتْبَعُ ابْنَ سَلْمُونٍ فَهُوَ مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى فَهْمِ هَذَا النَّظْمِ
(قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ بِفَضْلِهِ) اُنْظُرْ هَلْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ - يَصِحُّ الْخِيَارُ بَعْدَ الْبَتِّ - يَحْتَمِلُ بَيْعَ الْخِيَارِ، وَيَحْتَمِلُ بَيْعَ الثُّنْيَا؛ وَأَنَّهُ يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى جَعْلِ الْخِيَارِ فِي الْحَالِ، وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الْخِيَارِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِي جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ فَهُوَ مُنْعَقِدٌ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي مُنْحَلٌّ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الرَّصَّاعُ فِي شَرْحِ حَدِّ بَيْعِ الْخِيَارِ وَعَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَرْبِ أَجَلٍ يَلِيقُ بِالْمَبِيعِ كَمَا تَقَدَّمَ يَجْرِي عَلَى أَحْكَامِ بَيْعِ الْخِيَارِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ بَيْعٌ مُؤْتَنَفٌ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا قَبِلَ مَا جَعَلَ لَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْخِيَارِ، فَقَدْ صَارَ مُشْتَرِيًا عَلَى خِيَارٍ لَهُ، وَإِنْ دَلَّتْ قَرَائِنُ الْحَالِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَنِ التَّبَايُعِ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ، أَوْ لِأَجَلٍ بَعِيدٍ لَا يُضْرَبُ مِثْلُهُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ، فَهُوَ بَيْعُ ثُنْيَا طَوْعًا بَعْدَ الْعَقْدِ فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ بَيْعِ الثُّنْيَا أَمَّا إنْ وَقَعَ تَصْرِيحٌ بِإِحْدَى الْوِجْهَتَيْنِ فَلَا إشْكَالَ وَعَلَى هَذَا فَبَيْعُ الْخِيَارِ أَعَمُّ مِنْ بَيْعِ الثُّنْيَا فَكُلُّ ثُنْيَا خِيَارٌ وَلَيْسَ كُلُّ خِيَارٍ ثُنْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ
وَحَيْثُمَا شَرْطٌ عَلَى الطَّوْعِ جُعِلْ
الْبَيْتَ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ وَذَكَرَ هَذَا الطَّوْعَ فِي آخِرِ
стр. 335
عَقْدِ الِابْتِيَاعِ قَبْلَ تَقْيِيدِ الْإِشْهَادِ، وَبَعْدَ وَصْفِ الْبَيْعِ أَنَّهُ انْعَقَدَ دُونَ شَرْطٍ وَلَا ثُنْيَا وَلَا خِيَارٍ لَمْ يُخِلَّ بِالْعَقْدِ وَكَانَ جَائِزًا كَالتَّبَرِّي مِنْ الْوَصْفِ سَوَاءٌ. وَعَقْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ وَثِيقَةِ الِابْتِيَاعِ أَحْسَنُ وَأَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ لِيُبْعِدُوا الظِّنَّةَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَفِي ظَاهِرِ قَوْلِ النَّاظِمِ شَرْطٌ عَلَى الطَّوْعِ شِبْهُ تَنَافٍ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ لَيْسَ بِطَوْعٍ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْإِقَالَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ طَوْعًا مِنْ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ حَالَ الْعَقْدِ فَيَجُوزُ كَتْبُهُ فِي رَسْمِ التَّبَايُعِ وَالْأَحْسَنُ كَتْبُهُ فِي عَقْدٍ وَحَدَهُ مُسْتَقِلٍّ. وَلَوْ قَالَ (وَحَيْثُمَا الثُّنْيَا عَلَى الطَّوْعِ جُعِلْ لَكَانَ أَوْلَى) .
قَوْلُهُ:
وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعٍ لِلطَّوْعِ
الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي بَيْعِ الثُّنْيَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا، وَذَلِكَ كَانَ طَوْعًا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ كَانَ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الطَّوْعِ، لِأَنَّهُ ادَّعَى الصِّحَّةَ وَهِيَ الْأَصْلُ لَا لِمُدَّعِي الشَّرْطِ لِأَنَّهُ ادَّعَى الْفَسَادَ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ النَّاظِمُ مِنْ كَوْنِ الْقَوْلِ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ هُوَ الَّذِي فِي وَثَائِق ابْنِ الْعَطَّارِ وَهَلْ بِيَمِينٍ أَوْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ لَهُ بِالطَّوْعِ قَوْلَانِ وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمَا، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَصْلِ الصَّفْقَةِ حَلَفَ وَفُسِخَ الْبَيْعُ لِمَا قَدْ جَرَى مِنْ عُرْفِ النَّاسِ قَالَ وَبِذَلِكَ كَانَتْ الْفُتْيَا عِنْدَنَا وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِمِثْلِ هَذَا فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِلَّا فَلَا. نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَالْمُتَيْطِيُّ.
وَقَدْ بَحَثَ الشَّارِحُ فِي كَوْنِ الْقَوْلِ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ الْفَسَادُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَغْلِبُ فِيهَا الْفَسَادُ، وَكَادَتْ أَنْ لَا تَقَعَ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْفَاسِدِ، فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ فِيهَا عَنْ كَوْنِ الْقَوْلِ لِمُدَّعِي الْفَسَادِ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُشَاوِرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الدُّخُولِ عَلَى الْفَسَادِ: كَوْنُ الْبَيْعِ يَقَعُ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَتَحَقَّقُهُ الْمُتَبَايِعَانِ، وَلَوْلَا الدُّخُولُ عَلَى ذَلِكَ، وَاعْتِقَادُ الْبَائِعِ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي كَالرَّهْنِ، مَا رَضِيَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، وَلَا بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ
(تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ الثُّنْيَا طَوْعًا أَوْ شَرْطًا إنَّمَا هُوَ إذَا سَقَطَ مِنْ الْوَثِيقَةِ كَوْنُ الْبَيْعِ لَا شَرْطَ فِيهِ وَلَا ثُنْيَا، وَلَا خِيَارَ أَمَّا إنْ كَانَ فِيهَا ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّ
(قُلْت) يَنْبَغِي أَنْ يُفْصَلَ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُرِئَ الْعَقْدُ عَلَى مَنْ ادَّعَى الْفَسَادَ فُهِمَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُوَثِّقِ، لَا شَرْطَ فِيهِ وَلَا ثُنْيَا. وَعُرِفَ مَعْنَاهُ، فَلَا إشْكَالَ فِي كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يُقْرَأْ عَلَيْهِ أَوْ قُرِئَ وَلَمْ يَتَنَازَلْ مَعَهُ لِفَهْمِ مَا ذُكِرَ وَلَا لِعَدَمِ فَهْمِهِ، فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ، لِأَنَّ جُلَّ الْمُوَثِّقِينَ يَكْتُبُونَ الْوَثِيقَةَ عَلَى الْمِسْطَرَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِفَهْمِ بَعْضِ فُصُولِهَا، هَذَا فِي الْكَاتِبِ. فَمَا بَالُك بِالْعَامِّيِّ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْعَامَّةَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَى الثُّنْيَا الَّتِي تَفِي الْمُوَثِّقَ، وَإِنَّمَا يُسَمُّونَ ذَلِكَ: الْبَيْعَ وَالْإِقَالَةَ. فَكَيْفَ يُؤَاخَذُ بِمَا لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ. وَهَذَا أَيْضًا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُدَّعِي قَدْ أَشْهَدَ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ وَاسْتِرْعَاءَاتِهِ. فَلَا يُلْتَفَتُ حِينَئِذٍ إلَى دَعْوَاهُ. وَلَوْ أَثْبَتَهَا بِبَيِّنَةٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَجَابَ الْإِمَامُ السَّنُوسِيُّ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ آخِرَ السِّفْرِ الثَّالِثِ فِي صُلْحٍ اُدُّعِيَ فَسَادُهُ وَقَدْ كَانَ أَشْهَدَ بَعْضَ الْمُصَالِحِينَ بِإِسْقَاطِ دَعْوَى الْفَسَادِ.
(تَفْرِيعٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الثُّنْيَا عَلَى وَجْهَيْنِ: مُطْلَقَةٌ وَمُقَيَّدَةٌ فَإِنْ كَانَ الطَّوْعُ إلَى أَجَلٍ لَزِمَ الْمُبْتَاعَ مَتَى جَاءَهُ الثَّمَنُ فِي خِلَالِ الْأَجَلِ، أَوْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ، أَوْ بَعْدَهُ، عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْ الْمَبِيعِ وَيُعِيدَهُ إلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ تَفْوِيتُهُ فِي خِلَالِ الْأَجَلِ، فَإِنْ فَعَلَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ نُقِضَ إنْ أَرَادَهُ الْبَائِعُ، وَرُدَّ إلَيْهِ. وَإِنْ أَفَاتَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَلَمْ يَأْتِ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ إلَّا عَلَى بُعْدٍ مِنْ انْقِضَائِهِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَضْرِبَا فِي ذَلِكَ أَجَلًا فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ مَتَى جَاءَهُ بِالثَّمَنِ فِي قُرْبِ الزَّمَنِ أَوْ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَفُتْهُ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ أَفَاتَهُ الْمُبْتَاعُ فَلَا سَبِيلَ لِلْبَائِعِ إلَيْهِ. فَإِنْ قَامَ عَلَيْهِ حِينَ إرَادَةِ التَّفْوِيتِ، فَلَهُ مَنْعُهُ بِالسُّلْطَانِ إذَا كَانَ مَالُهُ حَاضِرًا. فَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ مَنْعِ السُّلْطَانِ رُدَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ فَوَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ بِتَوْقِيفِهِ نُقِدَ تَفْوِيتُهُ. نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَنَحْوَهُ فِي ابْنِ سَلْمُونٍ
стр. 336
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَمَا يُمَثِّلُهُ]
ُ تُكُلِّمَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَهُوَ الَّذِي يَبِيعُ مَالَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ وَكِيلًا لَهُ، وَعَلَى مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ التَّبَرُّعِ بِمَالِ الْغَيْرِ بِهِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَمِنْ اسْتِفَادَةِ الزَّوْجِ مَالَ زَوْجَتِهِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ، وَمِنْ حُضُورِ رَبِّ الدَّيْنِ لِقَسْمِ تَرِكَةِ مَدِينِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَهِيَ مِنْ التَّرَاجِمِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْهَا الشَّيْخُ خَلِيلٍ وَإِنْ قَالَ فِي الْبُيُوعِ: وَمَلَكَ غَيْرُهُ عَلَى رِضَاهُ، فَفِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا ذَكَرَ النَّاظِمُ مَا لَا يَخْفَى.
وَحَاضِرٌ بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهْ ... بِمَجْلِسٍ فِيهِ السُّكُوتُ حَالُهْ
يَلْزَمُ ذَا الْبَيْعُ وَإِنْ أَقَرَّ مَنْ ... بَاعَ لَهُ بِالْمِلْكِ أُعْطِيَ الثَّمَنْ
وَإِنْ يَكُنْ وَقْتُ الْمَبِيعِ بَائِعُهْ ... لِنَفْسِهِ ادَّعَاهُ وَهُوَ سَامِعُهْ
فَمَا لَهُ إنْ قَامَ أَيَّ حِينِ ... فِي ثَمَنٍ حَقٌّ وَلَا مَثْمُونِ
مَنْ بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرَ الْمَجْلِسِ عَقْدَ الْبَيْعِ. وَعَلَيْهِ تُكُلِّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ، أَوْ غَائِبًا عَنْهُ ثُمَّ بَلَغَهُ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْأَبْيَاتِ بَعْدَ هَذِهِ. وَفِي كُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يُقِرَّ الْبَائِعُ بِالْمِلْكِيَّةِ لِرَبِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَوْ يَدَّعِيَهُ لِنَفْسِهِ. فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، فَلَا قِيَامَ لَهُ قَامَ بِقُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ مُدَّةً. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ كَمَا يَأْتِي لِلْمُؤَلِّفِ وَأَشَارَ بِالْأَبْيَاتِ لِقَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ فِي الْمُفِيدِ عَنْ الْمُسْتَخْرَجَةِ فِي الرَّجُلِ يُبَاعُ عَلَيْهِ مَالُهُ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا يُغَيِّرُ، وَلَا يُنْكِرُ، ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّجُوعَ فِيهِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَلَهُ أَخْذ الثَّمَنِ. قَالَ: وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: إذَا بَاعَهُ وَهُوَ يَنْسِبهُ إلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ وَهُوَ يَنْسِبُهُ إلَى نَفْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: إنَّمَا أَبِيعُ مَالِي، وَشَرِيكُهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ سَاكِتٌ لَا يُغَيِّرُ وَلَا يُنْكِرُ، ثُمَّ قَالَ يَطْلُبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَسُكُوتُهُ رِضًا مِنْهُ بِدَعْوَى الْبَائِعِ فِيهِ، وَإِقْرَارٌ مِنْهُ لَهُ بِالْمِلْكِ، أَوْ يَكُونُ أَرَادَ بِهِ الْمَكْرَ، وَالْخَدِيعَةَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀.
فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَائِعُ مَعَ الرَّعِيَّةِ لَا سُلْطَانَ لَهُ وَلَا مَقْدِرَةَ لَهُ عَلَى الْغَصْبِ اهـ وَهُوَ عَيْنُ مَا نَظَمَهُ الشَّيْخُ ﵀، مَعَ زِيَادَةِ تَقْيِيدِ سُكُوتِ هَذَا الَّذِي بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ بِعَدَمِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَإِلَّا فَلَا حُكْمَ لِسُكُوتِهِ وَلَهُ الْقِيَامُ فِي مَالِهِ. وَلَمَّا رَآهُ النَّاظِمُ ظَاهِرًا لَمْ يَحْتَجَّ لَهُ لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ هُنَا وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ بَعْدُ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْ حَيْثُ قَالَ: وَسَاكِنًا لِغَيْرِ عُذْرٍ مَانِعٍ وَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ. وَانْظُرْ قَوْلَهُ: وَشَرِيكُهُ، الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَصَاحِبُ الْمَالِ سَاكِتٌ إلَخْ وَكَانَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِ الْبَائِعِ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَبِيعِ وَهَذَا هُوَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ
стр. 337
الْمَعْرُوفُ أَوْ لَهُ فِيهِ حَظٌّ. ثُمَّ بَاعَ نَصِيبَهُ وَنَصِيبَ شَرِيكِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ إذَا هَجَمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ الشُّرَكَاءِ وَبَاعَ نَصِيبَهُ، وَنَصِيبَ غَيْرِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ تَشَاحٌّ وَلَا مُخَاصَمَةٌ وَلَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ جَبْرِ الشَّرِيكِ عَلَى الْبَيْعِ.
وَأَمَّا بَعْدَ التَّشَاحِّ فِي الِانْتِقَالِ بِالْمُشْتَرَكِ عَلَى الْإِشَاعَةِ، وَوُجُودِ أَسْبَابِ الْبَيْعِ عَلَى الشَّرِيكِ، فَإِنَّ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُتَأَخِّرِينَ، بَيْعَ الْجَمِيعِ ثُمَّ يُخَيَّرُ بَقِيَّةُ الشُّرَكَاءِ فِي ضَمِّ صَفْقَةِ الْبَيْعِ فَيُعْطُونَ لِلْبَائِعِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعُوا وَيَقْبِضُوا الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ. وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِنَا بِبَيْعِ الصَّفْقَةِ، الْمَنْصُوصُ لِلْقُدَمَاءِ أَنَّهُمَا إذَا تَشَاحَّا وَدَعَا أَحَدَهُمَا لِلْبَيْعِ فَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ مَنْ أَبَاهُ فَيَبِيعَانِ مَعًا، لَا أَنَّ لِأَحَدِهِمَا الْإِقْدَامَ عَلَى بَيْعِ الْجَمِيعِ. وَلِبَيْعِ الصَّفْقَةِ شُرُوطٌ، وَتُعْرَضُ فِيهِ فُرُوعٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ آخِرَ شَرْحِ لَامِيَةِ الْفَقِيهِ سَيِّدِي عَلِيٍّ الزَّقَّاقِ الْمُسَمَّى " بِفَتْحِ الْعَلِيمِ الْخَلَّاقِ فِي شَرْحِ لَامِيَةِ الْفَقِيهِ الزَّقَّاقِ " وَآخِرَ تَرْجَمَةِ الْبُيُوعِ مِنْ تَذْيِيلِ الْمَنْهَجِ الْمُنْتَخَبِ فِي قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ لِلْفَقِيهِ الْمَذْكُورِ
وَغَائِبٍ يَبْلُغُهُ مَا عَمِلَهْ ... وَقَامَ بَعْدَ مُدَّةٍ لَا شَيْءَ لَهْ
وَغَيْرُ مَنْ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ حَضَرْ ... وَبِالْمَبِيعِ بَائِعٌ لَهُ أَقَرْ
وَقَامَ بِالْفَوْرِ فَذَا التَّخْيِيرُ فِي ... إمْضَائِهِ الْبَيْعَ أَوْ الْفَسْخَ اُقْتُفِيَ
وَإِنْ يَقُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ مَضَى زَمَنْ ... فَالْبَيْعُ مَاضٍ وَلَهُ أَخْذُ الثَّمَنْ
إنْ كَانَ عَالِمًا بِفِعْلِ الْبَائِعِ ... وَسَاكِتًا لِغَيْرِ عُذْرٍ مَانِعِ
لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ وَهُوَ حَاضِر، ذَكَرَ هُنَا حُكْمَ مَنْ بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ وَهُوَ لَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَ الْبَيْعِ، ثُمَّ بَلَغَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ إنْ ادَّعَى الْبَائِعُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ رَبَّ الْمَالِ، وَلَمْ يَقُمْ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي ثَمَنٍ، وَلَا مَثْمُونٍ فَضْلًا عَنْ رَدِّ الْبَيْعِ وَفَسْخِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَبِيعُ مَالَ غَيْرِهِ فَإِنْ قَامَ رَبُّهُ بِالْفَوْرِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَفَسْخِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ مَضَى زَمَانٌ فَلَهُ أَخْذُ ثَمَنِ شَيْئِهِ، وَالْبَيْعُ مَاضٍ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى فَسْخِهِ. فَقَوْلُهُ: مَا عَمِلَهُ أَيْ الْبَائِعُ مِنْ الْبَيْع يَعْنِي وَادَّعَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي:
وَبِالْمَبِيعِ بَائِعٌ لَهُ أَقَرَّ
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ:
وَقَامَ بَعْدَ مُدَّةٍ لَا شَيْءَ لَهْ
أَنَّهُ إنْ قَامَ بِالْفَوْرِ فَلَا يَكُونُ لَا شَيْءَ لَهُ بَلْ لَهُ فِي النَّظَرِ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَأَخْذِ الثَّمَنِ، وَفِي رَدِّهِ وَفَسْخِهِ. وَقَوْلُهُ:
وَغَيْرُ مَنْ فِي عَقْدِهِ الْبَيْعِ حَضَرْ
مُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ:
وَغَائِبٌ يَبْلُغهُ مَا عَمَلَهْ
إذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا فِيمَنْ لَمْ يَحْضُرْ.
وَقَوْلُهُ:
وَإِنْ يَقُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ مَضَى زَمَنْ
هُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَقَامَ بِالْفَوْرِ. وَقَوْلُهُ:
إنْ كَانَ عَالِمًا بِفِعْلِ الْبَائِعِ
هُوَ شَرْطٌ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ الْقِيَامُ، وَإِنْ مَضَى زَمَانٌ. وَقَوْلُهُ:
وَسَاكِتًا لِغَيْرِ عُذْرٍ مَانِعٍ
لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ، وَهُوَ كَوْنُ سُكُوتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ. فَإِنْ كَانَ لِخَوْفٍ فَلَا حُكْمَ لِسُكُوتِهِ، وَلَهُ الْقِيَامُ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَرُبَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْحَاضِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَشَارَ بِالْأَبْيَاتِ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُفِيدِ وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ وَهُوَ غَائِبٌ وَهُوَ يَدَّعِيهِ أَيْضًا لِنَفْسِهِ، فَبَلَغَ صَاحِبَ الْمَالِ ذَلِكَ، فَلَا يُغَيِّرُ وَلَا يُنْكِرُ وَلَا يُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ عُدُولًا ثُمَّ قَامَ يَطْلُبهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَا إلَى ثَمَنِهِ اهـ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. وَأَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُفِيدِ أَيْضًا: وَإِنْ قَالَ: أَبِيعُكَ دَارَ فُلَانٍ وَفُلَانٌ غَائِبٌ فَتَمَّ الْبَيْعُ فِيهَا. ثُمَّ عَلِمَ الْغَائِبُ بِذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ، أَوْ قَدِمَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ مَالَهُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ الْبَيْعَ: إذَا عَلِمَ وَسَكَتَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ مَا قَارَبَ فَإِنَّ لَهُ الْقِيَامَ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا لَمْ تَكْثُرْ الْأَيَّامُ فَيَلْزَمُهُ، اهـ وَعَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ اعْتَمَدَ النَّاظِمُ وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى مَا نُقِلَ فِي الْمُفِيدِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ زَرْبٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَيْعِ عَلَيْهِ مَالُهُ، وَهُوَ غَائِبٌ ثُمَّ عَلِمَ بِالْبَيْعِ وَسَكَتَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فِيهِ، فَقَالَ: الْقِيَامُ لَهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَنْ بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ وَهُوَ حَاضِرٌ لِلْبَيْعِ فَسَكَتَ وَلَمْ يُغَيِّرْ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ غَيْرُ الثَّمَنِ
стр. 338
وَالْبَيْعُ لَازِمٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَيْضًا قَالَ: قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إذَا بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ وَلَمْ يَحْضُرْ الْبَيْعَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ أَخْذِ الثَّمَنِ، وَلَا يَضُرُّهُ سُكُوتُهُ، لِأَنَّهُ يَقُولُ أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَخِيرَ اللَّهَ فِيهِ، وَأُشَاوِرَ نَفْسِي وَغَيْرِي. وَإِذَا بِيعَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِهِ، وَسَكَتَ فَلَا خِيَارَ لَهُ كَمَا لِلَّذِي لَمْ يَحْضُرْ الْبَيْعَ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الثَّمَنِ، لِأَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا مِنْهُ بِالثَّمَنِ اهـ
(قَالَ الشَّارِحُ) : وَفِي جَعْلِ ابْنِ زَرْبٍ الْخِيَارَ لِلْغَائِبِ بَعْدَ عِلْمِهِ إلَى السَّنَةِ وَالسَّنَتَيْنِ إشْكَالٌ، فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى وَإِشْكَالُهُ ظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ اللُّزُومُ إلَّا إنْ سَكَتَ لِعُذْرٍ
وَحَاضِرٌ لِوَاهِبٍ مِنْ مَالِهِ ... وَلَمْ يُغَيِّرْ مَا رَأَى مِنْ حَالِهِ
الْحُكْمُ مَنْعُهُ الْقِيَامَ بِانْقِضَاءِ ... مَجْلِسِهِ إذْ صَمْتُهُ عَيْنُ الرِّضَا
وَالْعِتْقُ مُطْلَقًا عَلَى السَّوَاءِ ... مَعَ هِبَةٍ وَالْوَطْءُ لِلْإِمَاءِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ وُهِبَ مَالُهُ أَوْ تُصَدِّقَ بِهِ وَسَكَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ فَلَا قِيَامَ لَهُ وَلَزِمَهُ ذَلِكَ. وَيُعَدُّ سُكُوتُهُ رِضًا مِنْهُ بِذَلِكَ، وَقِيَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَدَامَةٌ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أُعْتِقَ رَقِيقُهُ وَهُوَ حَاضِرٌ. كَيْفَ كَانَ الْعِتْقُ نَاجِزًا أَوْ لِأَجَلٍ وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْإِطْلَاقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَكَتَ فَذَلِكَ وَالْهِبَةُ سَوَاءٌ أَيْ فِي اللُّزُومِ وَعَدَمِ سَمَاعِ قِيَامِهِ وَكَذَلِكَ وَطْءُ إمَائِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ
(قَالَ فِي الْمُفِيدِ) قَالَ مُطَرِّفٌ مِنْ أُحْدِثَ فِي مَالِهِ بَيْعٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْأَحْدَاثِ، فَإِنْ تَرَكَ حَتَّى طَالَ ذَلِكَ فَلَا حَقَّ لَهُ وَلَا حُجَّةَ لَا فِيمَا بِيعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا فِي ثَمَنِهِ وَلَا فِيمَا وُهِبَ، وَلَا فِيمَا أَصْدَقَهُ النِّسَاءَ. انْتَهَى
(قَالَ الشَّارِحُ ﵀) : مَا اسْتَظْهَرْتُ بِهِ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَعَمُّ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ بِالْعِتْقِ وَمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْإِرْفَاقِ إلَّا أَنَّ فِي وَطْءِ الْإِمَاءِ إشْكَالًا فَلْيُتَأَمَّلْ، وَإِشْكَالُهُ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى بَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ وَهِبَتِهِ، لَيْسَ كَالْإِقْدَامِ عَلَى وَطْءِ مِلْكِ الْغَيْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَعَ ادِّعَاءِ الْوَاطِئِ أَنَّ سَيِّدَهَا وَهَبَهَا لَهُ، أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ فَإِذَا وَطِئَهَا وَسَيِّدُهَا حَاضِرٌ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ الْكَلَامِ، فَذَلِكَ حَوْزٌ يَمْنَعُ قِيَامَ سَيِّدِهَا كَمَنْ حَازَ دَارًا عَلَى حَاضِرٍ عَشْرَ سِنِينَ إلَخْ فَإِنَّ الْحَوْزَ لَا يَنْفَعُ إلَّا مَعَ ادِّعَاءِ الْمِلْكِيَّةِ، وَفِي تَقْسِيمِ الْحَوْزِ ذَكَرُوا وَطْءَ الْإِمَاءِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَقْوَى أَوْجُهِ الْحَوْزِ كَمَا يَأْتِي لِلنَّاظِمِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَوْزِ، وَلَعَلَّ النَّاظِمَ سَرَقَهُ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ هُنَا.
وَالزَّوْجَةُ اسْتَفَادَ زَوْجٌ مَالَهَا ... وَسَكَتَتْ عَنْ طَلَبٍ لِمَالِهَا
لَهَا الْقِيَامُ بَعْدُ فِي الْمَنْصُوصِ ... وَالْخُلْفُ فِي السُّكْنَى عَلَى الْخُصُوصِ
كَذَاكَ مَا اسْتَغَلَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ ... مُتِّعَ إنْ مَاتَ كَمِثْلِ مَا سَكَنْ
فِيهِ خِلَافٌ وَاَلَّذِي بِهِ الْعَمَلْ ... فِي الْمَوْتِ أَخْذُهَا كِرَاءَ مَا اسْتَغَلَّ
يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ إذَا اسْتَفَادَ مَالَ زَوْجَتِهِ فَاسْتَغَلَّ حَائِطَهَا، أَوْ حَرَثَ أَرْضَهَا، أَوْ سَكَنَ دَارَهَا، أَوْ أَكْرَاهَا لِغَيْرِهِ وَقَبَضَ الْكِرَاءَ وَلَمْ يَكُنْ مُمَتَّعًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ قَبَضَ لَهَا دَيْنًا أَوْ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ مِنْ أَمْتِعَتِهَا نَائِبًا عَنْهَا، وَسَكَتَتْ عَنْ طَلَبِ مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَطْلُبُ مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، فَالْمَنْصُوصُ فِي الْمَذْهَبِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ لَهَا الْقِيَامَ فِي حَقِّهَا عَلَى الزَّوْجِ فِي حَيَاتِهِ، هَذَا فِي مُطْلَقِ الِاسْتِفَادَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي السُّكْنَى بِالْخُصُوصِ، هَلْ تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِكِرَاءِ مَا سَكَنَ، أَوْ لَا تَرْجِعُ. وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِيمَا اسْتَغَلَّهُ مِنْ جِنَانِهَا، وَمَاتَ الزَّوْجُ، فَفِيهِ الْخِلَافُ كَالْخِلَافِ فِي السُّكْنَى، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، أَنَّهُ إنْ
стр. 339
مَاتَ الزَّوْجُ أَخَذَتْ كِرَاءَ مَا اسْتَغَلَّ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ كِرَاءَ مَا سَكَنَ، وَمَفْهُومٌ فِي الْمَوْتِ أَنَّهَا تَرْجِعُ فِي حَيَاتِهِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ
لَهَا الْقِيَامُ بَعْدُ فِي الْمَنْصُوصِ
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ النَّاظِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ أَنْ مُتِّعَ؛ أَنَّ مَا أَمْتَعَتْهُ بِهِ بَعْدَ عَقْدِ نِكَاحِهَا فَلَا رُجُوعَ لَهَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ
(قَالَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) قَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ زَرَعَ مَالَهَا وَهِيَ رَشِيدَةٌ، وَانْتَفَعَ بِهِ، وَهِيَ تَحْتَهُ فَتُطَالِبُهُ بِالْكِرَاءِ، كَانَ ذَلِكَ لَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَكْرَى مَالَهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ تَنْظُرُ فِيهِ ثُمَّ طَلَبَتْهُ بِالْكِرَاءِ، كَانَ ذَلِكَ لَهَا، وَرَجَعَتْ بِهِ عَلَيْهِ إنْ أَحَبَّتْ، لِأَنَّ مَالَ أَحَدٍ لَا يَطِيبُ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ وَالْمَرْأَةُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
(وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) قَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ أَحْمَدَ: إذَا سَكَنَ الزَّوْجُ دَارَ زَوْجَتِهِ وَهِيَ مَعَهُ، وَطَلَبَتْهُ بِالْكِرَاءِ، وَكَانَتْ مَالِكَةً لِنَفْسِهَا قِيلَ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ، وَقِيلَ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى، وَلَهَا الْكِرَاءُ مِنْ يَوْمِ تَطْلُبُهُ، وَلِلزَّوْجِ إخْرَاجُهَا مِنْهَا إلَى دَارِ غَيْرِهَا إنْ أَحَبَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا شَرْطُ السُّكْنَى فِي دَارٍ بِعَقْدِ يَمِينٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْهَا وَلَهَا أَخْذُ الْكِرَاءِ لَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ شَرْطُ السُّكْنَى، وَإِنْ كَانَتْ فِي وِلَايَةٍ فَلَهَا الْكِرَاءُ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ سَكَنَ اهـ فَقَوْلُهُ بِعَقْدِ يَمِينٍ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِطَلَاقٍ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَالصَّوَابُ وُجُوبُ الْكِرَاءِ إذْ هُوَ لَهَا لَمْ يَسْقُطْ بِكِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مَعَ هَذَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَحَدٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَكَلَ مَالَهَا وَهِيَ تَنْظُرُ لَا تُغَيِّرُ، أَوْ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ، أَنَّ لَهَا أَخْذَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ يَمِينِهَا أَنَّهَا لَمْ تُنْفِقْ عَلَيْهِ، وَلَا تَرَكَتْهُ يَأْكُلُ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ إلَّا لِتَرْجِعَ عَلَيْهِ بِحَقِّهَا، فَمَنْ أَسْقَطَ الْكِرَاءَ فَعَلَيْهِ دَلِيلُ الْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ.
(وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَسْوَدَ فَجَاءَ رَجُلٌ يُخَاصِمُ خَتَنَهُ، وَكَانَتْ الِابْنَةُ فِي وِلَايَةِ الْأَبِ، وَكَانَ الزَّوْجُ سَاكِنًا مَعَهَا دَارَهَا، فَطَلَبَ الْأَبُ مِنْ الزَّوْجِ أَنْ يُرَحِّلَ الِابْنَةَ مِنْ دَارِهَا، وَأَنْ يُكْرِيَهَا لَهَا، فَتَنْتَفِعَ بِكِرَائِهَا. فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَسْوَدَ لِلزَّوْجِ: أَلَكَ دَارٌ؟ فَقَالَ: لَا وَصَدَّقَهُ أَبُو الْجَارِيَةِ فَقَالَ الْقَاضِي لِأَبِ الْجَارِيَةِ: وَلَا كَرَامَةَ لَك أَنْ تُخْرِجَ ابْنَتَكَ مِنْ دَارِهَا إلَى دَارٍ أُخْرَى مَعَ زَوْجِهَا، فَتَمْشِيَ بِفِرَاشِهَا عَلَى عُنُقِهَا مِنْ دَارِهَا فَتَهْتِكَ سِتْرَهَا لَيْسَ هَذَا مِنْ حُسْنِ النَّظَرِ لَهَا. فَكَانَ ابْنُ لُبَابَةَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ سُلَيْمَانَ. وَخِلَافُ ابْنِ الْعَطَّارِ وَابْنِ الْفَخَّارِ فِيهَا شَهِيرٌ اهـ وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَإِنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ بَيْتٍ وَإِنْ بِكِرَاءٍ فَلَا كِرَاءَ إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ.
وَحَاضِرٌ لِقَسْمِ مَتْرُوكٍ لَهُ ... عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ أَهْمَلَهُ
لَا يُمْنَعُ الْقِيَامَ بَعْدُ إنْ بَقِيَ ... لِلْقَسْمِ قَدْرُ دَيْنِهِ الْمُحَقَّقِ
وَيَقْتَضِي مِنْ ذَاكَ حَقًّا مَلَكَهْ ... بَعْدَ الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا تَرَكَهْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ، فَمَاتَ الْمَدِينُ، وَحَضَرَ رَبُّ الدَّيْنِ لِقَسْمِ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ
стр. 340
قَدْرُ دَيْنِهِ فَأَكْثَرَ لَمْ يُقْسَمْ، فَلِرَبِّهِ الْقِيَامُ بِدَيْنِهِ، وَيَقْضِي لَهُ بِهِ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّ سُكُوتَهُ وَقْتَ قَسْمِ مَا قُسِمَ لَمْ يَكُنْ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ، وَلَا تَرْكًا يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ يَمِينٍ أُخْرَى وَهِيَ يَمِينُ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا تَرَكَهُ وَلَا أَحَالَ عَلَيْهِ لِوُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ أَوْ صَغِيرٍ وَنَحْوِهِمْ، ثُمَّ يَقْتَضِي دَيْنَهُ مِمَّا لَمْ يُقْسَمْ مِنْ التَّرِكَةِ. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْقَسْمَ وَقَسَمَ جَمِيعَ التَّرِكَةِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَلَا قِيَامَ لَهُ يَعْنِي إلَّا أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ لِأَمْرٍ كَمَا يَأْتِي قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: قِيلَ لِعِيسَى: فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ فَاقْتَسَمَ وَرَثَتُهُ مَالَهُ وَرَجُلٌ حَاضِرٌ يَنْظُرُ إلَى قِسْمَتِهِمْ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حَقٍّ قَالَ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ وَهُوَ يَدَّعِي حَقَّهُ عِنْدَمَا يَحْدُثُ فِيهِ هَذَا الْإِحْدَاثُ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ مُدَّعِيًا بِحَقِّهِ أَوْ يَكُونُ غَائِبًا أَوْ يَكُونُ لَهُمْ سُلْطَانٌ يَمْتَنِعُونَ بِهِ، وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يُعْذَرُ بِهِ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ أَبَدًا، وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُ إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ بَعْضِ مَا وَصَفْنَا انْتَهَى عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ وَنُقِلَ. وَالْمَسْأَلَةُ آخِرَ مَجَالِسِ الْمِكْنَاسِيِّ.
وَقَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا سَكَتُّ لِأَنَّ الرَّسْمَ كَانَ غَائِبًا عَنِّي، وَخِفْتُ إذَا طَلَبْتُ دَيْنِي عَجَّزَنِي الْقَاضِي، أَوْ قَالَ لَمْ أَجِدْ مَا أَقُومُ بِهِ حَتَّى الْآنَ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " قَدْرِ دَيْنِهِ " أَنَّهُ إنْ بَقِيَ مَا لَا يَفِي إلَّا بِبَعْضِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ الْبَعْضَ، وَيُسْقِطُ الْبَاقِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْمَضْغُوطِ وَمَا أَشْبَهَهُ]
ُ
وَمَنْ يَبِعْ فِي غَيْرِ حَقٍّ شَرْعِي ... بِالْقَهْرِ مَالًا تَحْتَ ضَغْطٍ مَرْعِي
فَالْبَيْعُ إنْ وَقَعَ مَرْدُودٌ وَمَنْ ... بَاعَ يَجُوزُ الْمُشْتَرَى دُونَ ثَمَنْ
الْمَضْغُوطُ هُوَ الْمُكْرَهُ الْمُضَيَّقُ عَلَيْهِ (قَالَ فِي الْقَامُوسِ) الضُّغْطَةُ بِالضَّمِّ: الضِّيقُ، وَالشِّدَّةُ وَالْإِكْرَاهُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ، وَضُيِّقَ عَلَيْهِ، وَأُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَصْلًا كَانَ أَوْ عَرَضًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ النَّاظِمُ بِالْمَالِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: مَالًا هُوَ مَفْعُولُ يَبِعْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ لِغَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ وَضَغْطُهُ مُرَاعَى شَرْعًا لِكَوْنِهِ مَخُوفًا مُضِرًّا كَالْقَتْلِ، وَالضَّرْبِ، وَالسَّجْنِ، وَالصَّفْعِ لِذِي مُرُوءَةٍ بِمَحْضَرِ النَّاسِ، وَقَتْلِ الْوَلَدِ، وَأَخْذِ الْمَالِ لَا سِيَّمَا إنْ كَثُرَ. قَالَ الشَّارِحُ: وَالْإِهَانَةُ الْمُلْزِمَةُ لِمَنْ لَا تَلِيقُ بِهِ إكْرَاهٌ. فَكَيْفَ بِالضَّرْبِ وَالْإِيلَامِ؟
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ: وَالسَّجْنُ بِمُجَرَّدِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إكْرَاهٌ، فَكَيْفَ بِمَا وَصَفْتُ مِنْ الْإِخَافَةِ وَالثِّقَافِ فِي الْحَدِيدِ. فَإِنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ، مَرْدُودٌ شَرْعًا. وَالْبَائِعُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يَأْخُذُ شَيْأَهُ أَيْنَ وَجَدَهُ بِلَا ثَمَنٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ. عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ يَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِنَّمَا كَانَ بَيْعُهُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ لُزُومِ الْبَيْعِ كَوْنَ عَاقِدِهِ مُكَلَّفًا. وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ عَلَى الصَّحِيحِ فَبَيْعُهُ غَيْرُ لَازِمٍ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ إنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ فِي حَقٍّ شَرْعِيٍّ، كَجَبْرِ الْقَاضِي الْمُفْلِسَ عَلَى الْبَيْعِ لِقَضَاءِ غُرَمَائِهِ، وَجَبْرِ الْمَدِينِ غَيْرِ الْمُفْلِسِ لِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَبَيْعُهُ مَاضٍ وَلَا يُرَدُّ إلَيْهِ شَيْؤُهُ، وَلَوْ بَاعَهُ تَحْتَ الضَّغْطِ، وَالْإِكْرَاهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ اضْطَرَّتْهُ الْحَاجَةُ وَالْفَاقَةُ لِبَيْعِ شَيْئِهِ فَلَا بَأْسَ بِالشِّرَاءِ مِنْهُ. وَبَيْعُهُ مَاضٍ لَا يُرَدُّ. وَمَفْهُومُ وَصْفِ الضَّغْطِ بِكَوْنِهِ مَرْعِيًّا أَنَّ الضَّغْطَ غَيْرَ الْمَرْعِيِّ شَرْعًا لَا عِبْرَةَ بِهِ وَهُوَ كَالْعَدَمِ، وَذَلِكَ كَالْحَيَاءِ وَالْخَوْفِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ. أَوْ عَلَى مَالٍ تَافِهٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَمَا ذَكَرَ النَّاظِمُ مِنْ فَسْخِ الْبَيْعِ وَرَدِّ الْمَبِيعِ لِرَبِّهِ هُوَ عَامٌّ سَوَاءٌ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى إعْطَاءِ مَالٍ ظُلْمًا فَبَاعَ لِذَلِكَ. وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ لَفْظِهِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ وَهُوَ التَّكْلِيفُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَا تَقَدَّمَ
(قَالَ الْحَطَّابُ) وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ بِإِجْمَاعٍ، وَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ مَالٍ، فَبَاعَ لِذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ. وَقَالَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَيْعُهُ لَازِمٌ غَيْرُ مَفْسُوخٍ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ
(التَّوْضِيحُ) وَالْمَذْهَبُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى مَالٍ فَيَبِيعُ
стр. 341
لِذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ الْحَطَّابِ وَمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ مِنْ كَوْنِ الْبَائِعِ يَأْخُذُ مَا بَاعَ بِلَا ثَمَنٍ قَالَ الْحَطَّابُ إنَّمَا هُوَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ مَالٍ ظُلْمًا، فَبَاعَ مَتَاعَهُ لِذَلِكَ، فَيُرَدُّ إلَيْهِ مَتَاعُهُ بِلَا ثَمَنٍ؛ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ الْمَضْغُوطَ صَرَفَ الثَّمَنَ فِي مَصَالِحِهِ، وَأَمَّا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ فَقَطْ. فَلَهُ إجَازَةُ الْبَيْعِ، وَلَهُ رَدُّهُ. فَإِنْ رَدَّ الْبَيْعَ. رَدَّ الثَّمَنَ الَّذِي أَخَذَهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ. قَالَهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ مِنْ النَّوَادِرِ. وَقَالَ فِي الْبَيَانِ: سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَائِعَ مَضْغُوطٌ أَيْ عَلَى إعْطَاءِ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَسَوَاءٌ وَصَلَ الثَّمَنُ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَى الْمَضْغُوطِ فَدَفَعَهُ الْمَضْغُوطُ إلَى الظَّالِمِ، أَوْ جَهِلَ هَلْ دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ أَدْخَلَهُ فِي مَنَافِعِهِ؟ أَوْ كَانَ الظَّالِمُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى قَبْضَهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ، فَلِلْمَضْغُوطِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَضْغُوطِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمَضْغُوطِ عَلَى الظَّالِمِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَائِعَ أَدْخَلَ الثَّمَنَ فِي مَنَافِعِهِ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَى الظَّالِمِ فَلَا يَكُونُ لَهُ إلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي. قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَحَكَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَضْغُوطُ هُوَ الْبَائِعُ الْقَابِضُ لِلثَّمَنِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى مَا بَاعَ إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الثَّمَنِ وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَيْعُهُ لَازِمٌ لَهُ غَيْرُ مَفْسُوخٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَجْرٌ يُؤْجَرُ بِهِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَذَابِ انْتَهَى مِنْ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَطَّابِ
(تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ فِي نَقْلِ الْحَطَّابِ عَنْ الْبَيَانِ مِنْ الْمُكْرَهِ عَلَى إعْطَاءِ مَالٍ ظُلْمًا، يَأْخُذُ شَيْأَهُ بِلَا ثَمَنٍ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِالضَّغْطِ أَمْ لَا وَنَقَلَ الشَّارِحُ مِثْلَهُ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ آخِرًا مِنْ كَوْنِهِ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ إذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالضَّغْطِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَالِمِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا بِثَمَنٍ وَلَفْظُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَضْغُوطِ بِضَغْطَتِهِ فِي كَوْنِهِ يَأْخُذُ مِلْكَهُ مِنْهُ دُونَ ثَمَنٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالضَّغْطَةِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا بِالثَّمَنِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ بِهِ، اهـ وَنَحْوُهُ نَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ سَحْنُونٍ قَالَ: مَنْ أُكْرِهَ عَلَى إعْطَاءِ مَالٍ ظُلْمًا فَبَيْعُهُ لِذَلِكَ بَيْعُ مُكْرَهٍ، وَلِرَبِّ الْمَبِيعِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِضَغْطِهِ، وَإِلَّا فَبِالثَّمَنِ رَوَى مُطَرِّفٌ: يَتْبَعُ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ الظَّالِمَ دَفَعَهُ هُوَ لَهُ، أَوْ الْبَائِعُ.
وَلَوْ قَبَضَهُ وَكِيلُ الظَّالِمِ تَبِعَ أَيَّهُمَا شَاءَ فَقَالَ مُطَرِّفٌ: فَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ مَا فَعَلْتُهُ إلَّا خَوْفًا مِنْ الظَّالِمِ لَمْ يُعْذَرْ، لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: إذَا وَقَعَ مَغْرَمٌ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ، وَأَسْلَمَ لَهُمْ الدَّرَاهِمَ عَلَى الزَّيْتُونِ وَغَيْرِهِ، وَثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ مَضْغُوطُونَ، فَمَنْ أَسْلَمَ إلَيْهِمْ فَلَا دَرَاهِمَ لَهُ وَلَا زَيْتُونَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ أَخَذَهَا السُّلْطَانُ بِأَعْيَانِهَا اهـ (الْمَوَّاقُ) اُنْظُرْ ظَاهِرَهُ.
وَلَوْ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ أَرْبَابُ الزَّيْتُونِ خِلَافَ مَا لِسَحْنُونٍ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ، وَاَلَّذِي صَدَرَ بِهِ الْحُكْمُ فِي زَمَانِنَا أَنَّ الْمَضْغُوطَ إذَا تَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ، لَا يَأْخُذُ شَيْأَهُ حَتَّى يَرُدَّ الثَّمَنَ وَهَذَا هُوَ الْبَيِّنُ
(فُرُوعٌ. الْأَوَّلُ) مَا قَاطَعَ بِهِ الْمَضْغُوطُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَالِ وَأَشْهَدَ بِالْبَعْضِ الضَّامِنِينَ مِنْ التَّوْكِيلِ عَلَى بَيْعِ أَمْلَاكِهِ فِيمَا ضَمِنُوا عَنْهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ، وَلَا جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْهَدَ بِهِ بَعْدَ تَسْرِيحِهِ مِنْ ارْتِجَاعِ أَمْلَاكِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَتَصْيِيرِهَا إلَى الضَّامِنِينَ فِيمَا ضَمِنُوا عَنْهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ ثَابِتٌ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِكْرَاهِ الْمُتَقَدِّمِ. نَقَلَهُ الشَّارِحُ
(الثَّانِي) قَالَ الشَّارِحُ: وَحُكْمُ الضَّغْطِ مُنْسَحِبٌ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ تَرَاخَى الْبَيْعُ عَنْ وَقْتِهِ بِالشَّهْرَيْنِ وَنَحْوِهِمَا. اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَبَيْعُ قَرِيبِ الْمَضْغُوطِ لِفِكَاكِهِ مِنْ عَذَابٍ كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَقَرِيبِهِ لَازِمٌ اهـ يُرِيدُ مَتَاعَ نَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ، قَائِلًا: لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُضْغَطُوا، وَلَوْ لَمْ يَبِيعُوا مَتَاعَهُمْ، لَمْ يُطْلَبُوا اهـ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَبِ، وَأَمَّا الْأَبُ إذَا عُذِّبَ وَلَدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ إنَّهُ مِنْ الْإِكْرَاهِ.
(الرَّابِعُ) شَهَادَةُ الْعُدُولِ عَلَى بَيْعِ الْمُكْرَهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِيهَا نَظَرٌ إلَّا أَنْ يَخَافُوا عَلَيْهِ فَهَذَا وَجْهٌ لَكِنَّ حَقَّهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا، وَإِنْ لَمْ يَخَافُوا عَلَيْهِ، فَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَشْهَدُوا مِثْلَ هَذَا؛
стр. 342
لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْعَزْلَ فَلَا يَشْهَدُوا. مِنْ الْحَطَّابِ
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالُوا: سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ عَيْنٌ فَتَرَكَهَا وَبَاعَ خَشْيَةَ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ
(السَّادِسُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا عَنْ مُطَرِّفٍ وَمَنْ كَانَ عَالِمًا بِحَالِ الْمَضْغُوطِ فَاشْتَرَى شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ كَالْغَاصِبِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَيَشْتَرِي مِنْ السُّوقِ فَلَا يَضْمَنُ الدُّورَ وَالْحَيَوَانَ، وَيَضْمَنُ مَا انْتَفَعَ بِهِ بِأَكْلٍ وَلُبْسٍ. وَالْغَلَّةُ لَهُ. وَأَمَّا الْعَالِمُ فَلَا غَلَّةَ لَهُ، وَهُوَ لَهَا ضَامِنٌ.
(السَّابِعُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا: وَكُلُّ مَا أَحْدَثَ الْمُبْتَاعُ فِيهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمَضْغُوطَ، وَلَهُ أَخْذُ رَقِيقِهِ مِنْ الْمُبْتَاعِ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِحَالِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ
(الثَّامِنُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا: وَلَوْ أَعْطَى الْمَضْغُوطُ حَمِيلًا فَتَغَيَّبَ فَأَخَذَ الْمَالَ مِنْ الْحَمِيلِ لَمْ يَرْجِعْ الْحَمِيلُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلَوْ أَخَذَ مَا ضُغِطَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ سَلَفًا فَقَالَ أَصْبَغُ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَسْلَفَهُ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ مَعْرُوفٌ. قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَعَلَى أَصْلِهِ فَيَرْجِعُ الْحَمِيلُ لِأَنَّ الْحَمَالَةَ مَعْرُوفٌ اهـ.
وَالْخُلْفُ فِي الْبَيْعِ لِشَيْءٍ مُغْتَصَبْ ... ثَالِثُهَا جَوَازُهُ مِمَّنْ غَصَبْ
يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ لِرَبِّ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ أَنْ يَبِيعَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ بَائِعُهُ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهِ لِمُشْتَرِيهِ، وَهَذَا عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ بِالتَّفْصِيلِ، يَجُوزُ بَيْعُهُ لِغَاصِبِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ. هَذَا هُوَ ظَاهِرُ النَّظْمِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْحَاجِبِيَّةِ أَنَّ صَدْرَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْجَوَازُ دَلِيلُ الْأَوَّلِ وَعَجُزُهُ، وَهُوَ الْمَنْعُ دَلِيلُ الثَّانِي. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الْخِلَافِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ جَعَلَ بَيْعَ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ غَاصِبِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مُقِرًّا بِالْغَصْبِ فَهُوَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ دَفْعِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ مُقِرًّا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا، وَهُوَ مِمَّنْ تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ، وَعَلَيْهِ بِالْغَصْبِ بَيِّنَةٌ فَقَوْلَانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاءِ مَا فِيهِ خُصُومَةُ.
ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ غَرَرٌ قَالَ: وَأَمَّا بَيْعُهُ مِنْ غَاصِبِهِ فَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الشَّهَادَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ، أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى رَدِّهِ فَيَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ، الثَّانِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ عَازِمٍ عَلَى رَدِّهِ. وَإِنْ طَلَبَهُ رَبُّهُ. فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ، وَالثَّالِثُ أَنْ يُشْكِلَ أَمْرُهُ. وَفِيهِ قَوْلَانِ. قَالَ: وَإِلَى هَذِهِ تَرْجِعُ الرِّوَايَاتُ ا. هـ وَبِالْفَسَادِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَبِذَلِكَ حَكَمَ الْقَاضِي ابْنُ بَشِيرٍ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ]
ِ
أَبٌ عَلَى بَنِيهِ فِي وِثَاقِ ... حَجْرٌ لَهُ يَبِيعُ بِالْإِطْلَاقِ
وَفِعْلُهُ عَلَى السَّدَادِ يُحْمَلْ ... وَحَيْثُ لَا رَدَّ ابْنُهُ مَا يَفْعَلْ
стр. 343
يَعْنِي أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَبِيعَ مَالَ وَلَدِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ بَالِغًا جَدَّدَ عَلَيْهِ الْحَجْرَ لِإِطْلَاقِهِ فِي الْمَحْجُورِ أَصْلًا، كَأَنْ كَانَ الْمَبِيعَ أَوْ غَيْرَهُ. كَانَ الْبَيْعُ لِمُوجِبٍ مِنْ الْمُوجِبَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ بَعْدُ فِي بَيْعِ الْوَصِيِّ، أَوْ لِغَيْرِ مُوجِبٍ وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْإِطْلَاقِ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ وَبَيْعُ مَنْ وُصِيَّ لِلْمَحْجُورِ إلَّا لِمُقْتَضٍ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لِلْبَيْعِ مُوجِبًا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّدَادِ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْأَبُ مِنْ الْحَنَانَةِ وَالشَّفَقَةِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ وَظَهَرَ أَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ سَدَادٍ رُدَّ فِعْلُهُ، وَمِمَّا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ السَّدَادِ حَتَّى يُثْبِتَ كَوْنَهُ سَدَادًا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُشْتَرِي مَالَ ابْنِهِ، أَوْ يَشْتَرِي لِوَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَبِيعَ لِأَجْنَبِيٍّ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ بِالثَّمَنِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ
(قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) : وَبَيْعُ الْأَبِ عَلَى صِغَارِ بَنِيهِ، وَأَبْكَارِ بَنَاتِهِ جَائِزٌ، وَفِعْلُهُ أَبَدًا مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُشْتَرِي مِنْ مَالِ ابْنِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ النَّظَرِ حَتَّى يَثْبُتَ النَّظَرُ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ عَلَى مَنْ أَرَادَ إثْبَاتَ الْبَيْعِ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ بِالنَّظَرِ، وَإِذَا بَاعَ عَلَى ابْنِهِ لِغَيْرِهِ فَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ غَيْرَ نَظَرٍ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَزَادَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ بَاعَ مِنْ وَلَدِهِ فَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ لِلِابْنِ ذَا رُشْدٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ وَالثَّمَانِيَةِ: فَإِنْ بَاعَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ. فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ أَصْبَغُ يُمْضِي بَيْعَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ بَاعَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فُسِخَ. اهـ
(فَرْعٌ) فِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ إذَا صَدَقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ جَازَ، وَلَا كَلَامَ لِلِابْنِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ عِنْدَهَا بِعَيْنِهِ
(فَرْعٌ) وَفِي الْمُفِيدِ أَيْضًا قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ: وَمَا بِعْتَ أَوْ وَهَبْتَ مِنْ مَالِ وَلَدِك وَلَمْ يَعْلَمْ أَلَهُ فَعَلْتَهُ أَمْ لَكَ؟ فَذَلِكَ مَاضٍ، لِأَنَّك قَدْ تَلِي بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّك إنَّمَا فَعَلْتَهُ لِنَفْسِك فَيُرَدُّ انْتَهَى مِنْ الشَّارِحِ
وَبَيْعُ مِنْ وُصِّيَ لِلْمَحْجُورِ ... إلَّا لِمُقْتَضٍ مِنْ الْمَحْظُورِ
يَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الْوَصِيِّ مَالَ مَحْجُورِهِ مِنْ الْمَحْظُورِ الْمَمْنُوعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُقْتَضٍ أَيْ لِمُوجِبٍ
стр. 344
فَيَجُوزُ بَيْعُهُ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُوجِبَاتِ الْبَيْعِ اتِّكَالًا عَلَى شُهْرَتِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَإِلَيْهَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ أَيْ مَأْكَلٍ أَوْ مَلْبَسٍ أَوْ غِبْطَةٍ أَيْ كَثْرَةٍ فِي الثَّمَنِ أَوْ لِكَوْنِهِ مُوَظَّفًا فَيُبْدِلُهُ بِمَا لَا وَظِيفَ عَلَيْهِ أَوْ كَوْنِهِ حِصَّةً فَيُبْدِلُهُ لَهُ بِكَامِلٍ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِقِلَّةِ غَلَّتِهِ فَيُبْدِلُهُ بِمَا كَثُرَتْ غَلَّتُهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ بَيْنَ ذِمِّيِّينَ، أَوْ جِيرَانِ سُوءٍ أَوْ لِإِرَادَةِ شَرِيكِهِ بَيْعًا، وَلَا مَالَ لَهُ يَضُمُّ بِهِ صَفْقَةَ الْبَيْعِ، أَوْ لِخَشْيَةِ انْتِقَالِ الْعِمَارَةِ أَوْ لِخَوْفِ الْخَرَابِ وَلَا مَالَ لَهُ أَوْ لَهُ، وَالْبَيْعُ أَوْلَى.
وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ إنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي بَيْعِ عَقَارِ الْيَتِيمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٍ وَغَيْرُهُمَا، لَا فِي كُلِّ مَبِيعٍ كَمَا قَدْ يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِ النَّاظِمِ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ افْتِقَارِ بَيْعِ الْوَصِيِّ عَقَارَ الْمَحْجُورِ لِذِكْرِ السَّبَبِ، هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ. الْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ كَالْأَبِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْوَصِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ السَّدَادِ حَتَّى يَثْبُتَ السَّدَادُ، أَوْ فِعْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّدَادِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: إنْ كَانَ الْوَصِيُّ ثِقَةً مَأْمُونًا عَارِفًا حَسَنَ النَّظَرِ، حُمِلَ عَلَى السَّدَادِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ امْرَأَةً حُمِلَ غَيْرُهُ وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي التَّقْيِيدِ: إلَى أَنَّ الْعَمَلَ جَرَى بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ فِي الرُّبُعِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَبِهِ رَأَيْتُ الْعَمَلَ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنْ شَيْخِنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ قُضَاةُ بَلَدِهِ وَنَحْوُهُ فِي الطُّرَرِ فَيَمْضِي فِعْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْيَتِيمُ غَنِيًّا.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : فَإِنْ بَيَّنَ السَّبَبَ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ، وَيَضْمَنُ الْعَقْدَ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَضْمَنُوهُ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي الْجَوَازِ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِذِكْرِ السَّبَبِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى إثْبَاتِهِ وَقَدْ نَصَّ فِي الطُّرَرِ عَلَى أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ أَيْ السَّبَبُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ. وَعَلَى مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ: مِنْ أَنَّ فِعْلَهُ فِي الرِّبَاعِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ النَّظَرِ حَتَّى يَثْبُتَ. لَا يَتِمُّ الْبَيْعُ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ بِمَعْرِفَةِ السَّدَادِ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ لِسَبَبٍ مِنْ حَاجَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ.
(تَنْبِيهٌ) لَيْسَ مِنْ السَّدَادِ الْبَيْعُ لِيَصِيرَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ فِيمَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لَمْ تَدْعُ لَهُ ضَرُورَةٌ فَقَدْ أَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي مَسْأَلَةِ وَصِيٍّ بَاعَ دَارَ يَتِيمٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَّا لِبِنَاءِ صِهْرِيجٍ فِي دَارٍ أُخْرَى، وَتَزْوِيقٍ وَزَلِيجٍ، يُنْقَضُ هَذَا الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ هَذَا سُوءُ نَظَرٍ. وَإِنْ كَانَ فِي تَعَقُّبِ فِعْلِ الْوَصِيِّ قَوْلَانِ. قَالَ: وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ كِبَارِ الْفَاسِيِّينَ مِنْ فُقَهَائِهِمْ اشْتَرَى جَنَانًا فَبَنَى فِيهِ مَنَارَةً وَصِهْرِيجًا فَوَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، فَطَلَبَ قِيمَةَ بِنَائِهِ، وَهُوَ غَلَطٌ إذْ مِثْلُ هَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْجَنَانِ نَقَلَهُ الشَّارِحُ.
(فَرْعٌ) إذَا قَيَّمَ فِيمَا بَاعَهُ الْوَصِيُّ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ الْمُشْتَرِي شِرَاءً صَحِيحًا، وَأَنَّ الْوَصِيَّ بَاعَ لِغِبْطٍ أَوْ حَاجَةٍ، وَيَتِمُّ لَهُ الشِّرَاءُ. وَفِي الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ يَمْضِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشُّيُوخِ قَدِيمًا وَبِهِ الْعَمَلُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَبْنٌ فِي الثَّمَنِ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ.
وَجَازَ بَيْعُ حَاضِنٍ بِشَرْطِ أَنْ ... أُهْمِلَ مَحْضُونٌ، وَلَا يَعْلُو الثَّمَنْ
عِشْرِينَ دِينَارًا مِنْ الشَّرْعِيِّ ... فِضِّيَّةً وَذَا عَلَى الْمَرْضِيِّ
стр. 345
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاضِنِ أَنْ يَبِيعَ مَالَ مَحْضُونِهِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَحْضُونُ يَتِيمًا مُهْمَلًا، أَيْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَصِيٌّ مِنْ أَبٍ وَلَا مُقَدَّمٌ مِنْ قَاضٍ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ قَلِيلًا كَعِشْرِينَ دِينَارًا شَرْعِيَّةً فَأَقَلَّ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَحْضُونِ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ فَالْبَيْعُ لَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ،، أَوْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ: وَأَمَّا الْكَافِلُ فَفِي بَيْعِهِ عَلَى مَكْفُولِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْقَسْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَالْجَوَازُ فِي بَلَدٍ لَا سُلْطَانَ فِيهِ، وَالْمَنْعُ فِي بَلَدٍ فِيهِ سُلْطَانٌ، وَالْجَوَازُ فِي الْيَسِيرَةِ، قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ. وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْيَسِيرِ، فَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ: ثَلَاثُونَ دِينَارًا، وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: عِشْرُونَ دِينَارًا وَنَحْوُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: عَشْرَةٌ وَنَحْوُهَا. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ انْتَهَى بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ
(وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ وَالْبِكْرِ الَّتِي لَمْ تَعْنِسْ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ، وَاحْتَاجَ مَنْ كَانَ مِنْهُمَا إلَى بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ عَقَارِهِ، وَلَهُ حَاضِنٌ قَرِيبٌ أَوْ أَجْنَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِ الْيَسِيرَ التَّافِهَ مِنْ عَقَارِهِ، مِثْلُ الَّذِي يَكُونُ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ إلَى عِشْرِينَ وَيَنْفُذُ ذَلِكَ، وَلَا قِيَامَ فِيهِ لِلْيَتِيمِ بَعْدَ رُشْدِهِ إذَا أَصَابَ الْحَاضِنُ وَجْهَ الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ بَعِيدًا عَنْهُ. وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَاضِن وَبِمَا قَدَّمْنَاهُ جَرَى الْعَمَلُ. (قَالَ الشَّارِحُ) وَأَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ بِالْمَرْضِيِّ إلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ. اهـ أَيْ
مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الْحَاضِنِ، قَالَ: وَحَالُ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّ مَالِكًا أَجَازَ لَهَا أَنْ تُوصِيَ بِابْنِهَا وَبِمَا يَصِيرُ لَهُ مِنْ تَرِكَتِهَا إلَى مَنْ يَنْظُرُ لَهُ إذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ سِتِّينَ دِينَارًا فَأَقَلَّ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَإِذَا قُيِّمَ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِيمَا بَاعَهُ الْكَافِلُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ حَضَانَةَ الْبَائِعِ، وَحَاجَةَ الْمَحْضُونِ، وَالسَّدَادَ فِي الثَّمَنِ، وَأَنَّهُ أَنْفَقَ الثَّمَنَ عَلَيْهِ، وَأَدْخَلَهُ فِي مَصَالِحِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ أَوْلَى مَا بِيعَ عَلَيْهِ مِنْ عَقَارِهِ، وَيَضْمَنُ ذَلِكَ عَقْدَ الْبَيْعِ آخِرًا.
(فَرْعٌ) نَقَلَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ آخِرَ السِّفْرِ الثَّالِثِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ فِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ لَهُ: أَنَّ الْقَرِيبَ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْوَصِيِّ؛ فَيَمْضِي بَيْعُهُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَلَا يُرَدُّ. أَوْ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فَلَا يَمْضِي
стр. 346
بَيْعُهُ بَلْ يُرَدُّ، وَعَلَى رَدِّهِ فَلَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْغَلَّةَ لِلشُّبْهَةِ بِمُرَاعَاةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كَالْوَصِيِّ
وَمَا اشْتَرَى الْمَرِيضُ أَوْ مَا بَاعَا ... إنْ هُوَ مَاتَ يَأْبَى الِامْتِنَاعَ
فَإِنْ يَكُنْ حَابَى بِهِ فَالْأَجْنَبِي ... مِنْ ثُلْثِهِ يَأْخُذُ مَا بِهِ حُبِيَ
وَمَا بِهِ الْوَارِثُ حَابَى مُنِعَا ... وَإِنْ يُجِزْهُ الْوَارِثُونَ اُتُّبِعَا
مَا ذُكِرَ هُنَا وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ هُوَ مِنْ زِيَادَاتِ هَذَا النَّظْمِ عَلَى مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إلَّا بَيْعَ الْحَاكِمِ وَالْوَارِثِ وَالْمَجْنُونِ وَمَنْ مَعَهُ وَالْأَعْمَى. وَالْمُحَابَاةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ حَابَى إذَا أَعْطَى. وَيُطْلِقُهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْبَيْعِ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ بِكَثِيرٍ قَصْدًا لِنَفْعِ الْمُشْتَرِي، وَعَلَى الشِّرَاءِ بِأَكْثَرَ كَذَلِكَ قَصْدًا لِنَفْعِ الْبَائِعِ، فَمَا نَقَصَ عَنْ الْقِيمَةِ فِي الْبَيْعِ أَوْ زَادَ عَلَيْهَا فِي الشِّرَاءِ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ مِنْ الْمَرِيضِ لِلْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدِ نَفْعِ مَنْ ذُكِرَ بَلْ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ فَهُوَ الْغَبْنُ الْآتِي لِلنَّاظِمِ، أَمَّا التَّوْلِيجُ فَهُوَ الْهِبَةُ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ لِإِسْقَاطِ كُلْفَةِ الْحَوْزِ فِي الْبَيْعِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ فِي الْهِبَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ إنْ كَانَ بَعْضُهَا يُطْلَقُ عَلَى بَعْضٍ لِتَقَارُبِ مَعَانِيهَا. وَيَعْنِي النَّاظِمُ ﵀ أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضًا مَخُوفًا إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فِي حَالَ مَرَضِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَاضٍ نَافِذٌ وَلَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي التَّبَرُّعَاتِ لَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ.
وَإِلَى نُفُوذِ بَيْعِهِ وَإِمْضَائِهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: يَأْبَى الِامْتِنَاعُ أَيْ لَا يَقْبَلُ الِامْتِنَاعَ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْهُ فَهُوَ مَاضٍ، وَذَلِكَ الْمُرَادُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةٌ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ كَانَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا مَحْضَ هِبَةٍ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِهِ إنْ مَاتَ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ رُدَّ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ كَانَ لِوَارِثٍ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهُ جَازَ، وَإِنْ رَدُّوهُ رُدَّ
(قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : وَبَيْعُ الْمَرِيضِ وَابْتِيَاعُهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يُحَابِ، فَإِنْ حَابَى وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُحَابَاةُ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ فَمُحَابَاةٌ فِي ثُلُثِهِ، إنْ حَمَلَهَا الثُّلُثُ أَوْ مَا حَمَلَ مِنْهَا، وَيَرْجِعُ مَا لَمْ يَحْمِلْ مِنْهَا مِيرَاثًا، وَإِنْ كَانَتْ لِمَنْ يَرِثُهُ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الْمُحَابَاةِ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ اهـ. مِنْ الشَّارِحِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَيُوقَفُ كُلُّ تَبَرُّعٍ، فَإِنْ مَاتَ فَمِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ صَحَّ كَالْإِنْشَاءِ
(التَّوْضِيحُ) كُلُّ تَبَرُّعٍ أَيْ عِتْقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَظَاهِرُهُ كَانَ لَهُ مَالٌ مَأْمُونٌ أَمْ لَا وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ فِي الْمَأْمُونِ أَنَّهُ يَنْفُذُ مَا بَتَلَ مِنْ عِتْقٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فِي الْمَرَضِ. قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ: وَلَيْسَ الْمَالُ الْمَأْمُونُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَالنَّخْلِ وَالْعَقَارِ فَإِنْ مَاتَ أَيْ بَعْدُ، فَتَبَرُّعُهُ خَارِجٌ مِنْ الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَكَالْإِنْشَاءِ فِي الصِّحَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنْشَأَ ذَلِكَ التَّبَرُّعَ فِي الصِّحَّةِ فَيَلْزَمُهُ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ أَوْ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَجْنَبِيٍّ، فَهَلْ إجَازَتُهُمْ تَقْرِيرٌ لِمَا فَعَلَ الْمُوصِي؛ فَلَا تَفْتَقِرُ لِحَوْزٍ، أَوْ ذَلِكَ إنْشَاءُ عَطِيَّةٍ مِنْ الْوَارِثِ فَتَفْتَقِرُ لِلْحَوْزِ فَإِنْ مَاتَ الْوَارِثُ قَبْلَ حَوْزِهَا بَطَلَتْ قَوْلَانِ.
стр. 347
وَكُلُّ مَا الْقَاضِي يَبِيعُ مُطْلَقَا ... بَيْعُ الْبَرَاءَةِ بِهِ تَحَقَّقَا
وَالْخُلْفُ فِيمَا بَاعَهُ الْوَصِيُّ ... أَوْ وَارِثٌ وَمَنْعُهُ مَرْضِيُّ
إلَّا بِمَا الْبَيْعُ بِهِ يَكُونُ ... بِرَسْمِ أَنْ تُقْضَى بِهِ الدُّيُونُ
يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا يَبِيعُهُ الْقَاضِي مِنْ رَقِيقٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مُفْلِسٍ، أَوْ صَغِيرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ أَيْ لَا قِيَامَ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ إنْ وَجَدَهُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا بَاعَهُ الْوَصِيُّ وَالْوَارِثُ هَلْ هُوَ بَيْعُ بَرَاءَةٍ فَلَا يُرَدُّ بِعَيْبٍ أَوْ لَا فَلِلْمُشْتَرِي الْقِيَامُ بِالْعَيْبِ، وَمَنْعُ كَوْنِ بَيْعِهَا بَيْعَ بَرَاءَةٍ هُوَ الْقَوْلُ الْمُرْضِي. قَالَ الشَّارِحُ: يَعْنِي بِهِ الْقَوْلَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ انْتَهَى. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ بَيْعِ الْوَصِيِّ وَالْوَارِثِ بَيْعَ بَرَاءَةٍ أَوْ لَا إنَّمَا هُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِقَضَاءِ دَيْنٍ نَحْوَهُ كَتَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ أَمَّا مَا كَانَ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ هَذَا ظَاهِرُ النَّظْمِ وَفِي الشَّارِحِ أَنَّ فِيهِ الْخِلَافَ كَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ
كَذَلِكَ الْبَيْعُ الَّذِي يَكُونُ
.. إلَخْ
(قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) وَأَمَّا مَا بَاعَهُ السُّلْطَانُ عَلَى مُفْلِسٍ، أَوْ فِي مَغْنَمٍ، أَوْ لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ وَرَثَةٍ أَوْ عَلَى صَغِيرٍ فَهُوَ بَيْعُ بَرَاءَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطُ، وَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ رَدٌّ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ وَلَا فِي ذَلِكَ عُهْدَةُ ثَلَاثٍ وَلَا سَنَةٍ. وَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ: (الْعُيُوبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ) : وَثَبَتَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ قَالَ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْبَرَاءَةِ. ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْمَشْهُورِ الْمَعْمُولِ بِهِ، فَهَلْ يَكُونُ بَيْعُ السُّلْطَانِ بَيْعَ بَرَاءَةٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَوْ فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ رَوَاهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَ الشَّيْخُ. وَفِي الْمُفِيدِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَيْعِ الْمِيرَاثِ فَقَالَ مَرَّةً: هُوَ بَيْعُ بَرَاءَةٍ. وَقَالَ مَرَّةً: لَا يَكُونُ بَيْعَ بَرَاءَةٍ.
(وَفِي الْجَوَاهِرِ) قَالَ الْإِمَامُ: وَأَمَّا بَيْعُ الْوَرَثَةِ لِقَضَاءِ دُيُونٍ، وَتَنْفِيذِ وَصَايَا، فَإِنَّ فِيهِ الْخِلَافَ الْمَشْهُورَ قَالَ: فَاقْتَصَرَ مَرَّةً عَلَى ثُبُوتِ الْبَرَاءَةِ فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ خَاصَّةً، وَأَضَافَ إلَى ذَلِكَ مَرَّةً بَيْعَ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَاعُوهُ لِقَضَاءِ دَيْنٍ، أَوْ إنْفَاذِ وَصِيَّةٍ. (قَالَ ابْنُ شَاسٍ) : وَإِنَّمَا حُمِلَ بَيْعُ الْوَرَثَةِ لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ لِإِنْقَاذِ وَصِيَّةٍ عَلَى بَيْعِ الْبَرَاءَةِ لِكَوْنِ الدُّيُونِ كَالْوَصَايَا يَجِبُ إنْفَاذُهَا، وَمِنْ حَقِّ أَهْلِهَا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُمْ حُقُوقُهُمْ إذَا طَلَبُوهَا وَالسُّلْطَانُ وَالْوَصِيُّ،
стр. 348
وَالْوَرَثَةُ غَيْرُ عَالِمِينَ بِأَحْوَالِ الْمَبِيعِ وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِاسْتِعْجَالِ الْبَيْعِ فَحُمِلَ بَيْعُهُمْ عَلَى الْبَرَاءَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ بَيْعِ الْإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٍ فِي ابْتِدَاءِ مَوَانِعِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ: وَمُنِعَ مِنْهُ بَيْعُ حَاكِمٍ وَوَارِثٍ رَقِيقًا فَقَطْ فَقَوْلُهُ رَقِيقًا فَقَطْ يُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ لِبَيْعِ الْحَاكِمِ وَالْوَارِثِ مَعًا، وَإِنَّ بَيْعَهُمَا إنَّمَا يَكُونُ بَيْعَ بَرَاءَةٍ فِي الرَّقِيقِ فَقَطْ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ لِبَيْعِ الْوَارِثِ فَقَطْ فَهُوَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالرَّقِيقِ وَأَمَّا بَيْعُ السُّلْطَانِ فَبَيْعُ بَرَاءَةٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا يَكُونُ بَيْعُهُمَا بَيْعَ بَرَاءَةٍ إذَا لَمْ يُدَلِّسَا، وَالْمُرَادُ بِبَيْعِ الْحَاكِمِ مَا بَاعَهُ بِوَصْفِ الْحُكْمِ، لَا مَا بَاعَهُ بِوَصْفِ الْمِلْكِ
(قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) وَعَلَى اعْتِبَارِ الْمِيرَاثِ فَفِي كَوْنِهِ مَا بِيعَ لِقَضَاءِ دَيْنٍ فَقَطْ، أَوْ وَلِمَا بِيعَ لِقَسْمِ الْوَرَثَةِ قَوْلَانِ لِلْبَاجِيِّ وَعِيَاضٍ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
(ابْنُ هَارُونَ فِي اخْتِصَارِ الْمُتَيْطِيَّةِ) مَا بَاعَهُ الْوَرَثَةُ لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ وَصَايَا لَا يَكُونُ بَيْعَ بَرَاءَةٍ، إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ الْوَرَثَةُ بِأَنَّهُ بَيْعُ مِيرَاثٍ أَوْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الْمُبْتَاعُ فَيَكُونُ بَيْعَ بَرَاءَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُبْتَاعُ بِأَنَّهُ بَيْعُ مِيرَاثٍ أَوْ سُلْطَانٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الرَّدِّ أَوْ التَّمَاسُكِ بِلَا عُهْدَةٍ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ بَيْعُ سُلْطَانٍ أَوْ مِيرَاثٍ، وَجَهِلَ أَنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ أَنْ تَكُونَ لَهُ الْعُهْدَةُ، وَلَا يَكُونُ بَيْعُ السُّلْطَانِ بَيْعَ بَرَاءَةٍ حَتَّى يُسْأَلَ الَّذِي يُبَاعُ عَلَيْهِ هَلْ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا أَمْ لَا؟ اهـ وَفِيهِ تَحْرِيرٌ وَبِكَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: وَوَارِثٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ صَارَ لَهُ رَقِيقٌ مِنْ إرْثٍ فَبَاعَهُ بَلْ مَا بِيعَ لِيُقْسَمَ أَوْ بِيعَ لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ وَصَايَا عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَوْلُهُ وَوَارِثٍ الْمُتَيْطِيُّ وَكَذَا الْوَصِيُّ إذَا بَاعَ لِمَنْ يَلِي عَلَيْهِ لِنَفَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَلَا تِبَاعَةَ عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ إنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ أَنْفَقَهُ عَلَى الْأَيْتَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَبَيْعُ الْقَاضِي كَبَيْعِ الْوَصِيِّ. اهـ وَهُوَ عِنْدَهُ عَامٌّ فِي الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى مِنْ طُرَرِ شَيْخِنَا ﵀. وَإِنَّمَا أَثْبَتُّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طُولٌ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِدِ.
(تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ لِلنَّاظِمِ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ فِي قَوْلِهِ:
وَالْبَيْعُ مِنْ بَرَاءَةٍ إنْ نُصَّتْ ... عَلَى الْأَصَحِّ بِالرَّقِيقِ اخْتَصَّتْ
هُوَ فِي غَيْرِ بَيْعِ الْقَاضِي وَالْوَارِثِ وَنَحْوِهِ كَالْوَصِيِّ، بَلْ فِي بَيْعِ الْإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ وَنَحْوِهِ كَالْوَكِيلِ إنْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ مُوَكِّلُهُ بِدَلِيلِ مَا ذُكِرَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَمِنْ أَصَمَّ أَبْكَمَ الْعُقُودُ ... جَائِزَةٌ وَيَشْهَدُ الشُّهُودُ
بِمُقْتَضَى إشَارَةٍ قَدْ أَفْهَمَتْ ... مَقْصُودَهُ وَبِرِضَاهُ أَعْلَمَتْ
وَإِنْ يَكُنْ مَعَ ذَاكَ أَعْمَى امْتَنَعَا ... لِفَقْدِهِ الْإِفْهَامَ وَالْفَهْمَ مَعَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ أَصَمَّ أَبْكَمَ فَإِنَّ مَا يَعْقِدُهُ مِنْ بَيْعٍ، وَابْتِيَاعٍ، وَنِكَاحٍ، وَمُعَاوَضَةٍ، وَتَبَرُّعٍ، جَائِزٌ لَازِمٌ لَهُ وَيَعْتَمِدُ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْإِشَارَةِ الَّتِي تُفْهِمُ مَقْصُودَهُ قَطْعًا وَتُعْلِمُ بِرِضَاهُ حَتْمًا، فَإِنْ إنْضَاف إلَى الصَّمَمِ وَالْبَكَمِ آفَةُ الْعَمَى امْتَنَعَ كُلُّ عَقْدٍ فِي حَقِّهِ لِفَقْدِهِ الْآلَةَ الَّتِي تُوَصِّلُ الْإِفْهَامَ عَنْهُ لِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ، وَالْفَهْمَ لَهُ
(قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَيَلْزَمُ الْأَصَمَّ الْأَبْكَمَ بَيْعُهُ وَابْتِيَاعُهُ وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا إذَا قَطَعَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ مَعْرِفَته ذَلِكَ وَرِضَاهُ بِإِشَارَتِهِ إلَيْهِمْ، وَإِشَارَتِهِمْ إلَيْهِ، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَصَمَّ أَبْكَمَ أَعْمَى لَمْ تَجُزْ مُبَايَعَتُهُ، وَلَا مُنَاكَحَتُهُ وَلَا مُعَامَلَتُهُ، انْتَهَى. مِنْ الشَّارِحِ أَيْ وَيَكُونُ النَّظَرُ فِي مَالِهِ وَغَيْرِهِ لِلْقَاضِي كَالصَّبِيِّ الْمُهْمَلِ وَغَيْرِهِ
كَذَاكَ لِلْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ ... يُمْنَعُ وَالسَّكْرَانِ لِلْجُمْهُورِ
يَعْنِي كَمَا يَمْتَنِعُ الْعَقْدُ مِمَّنْ اجْتَمَعَ فِيهِ الصَّمَمُ وَالْعَمَى وَالْبَكَمُ، كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهُمْ الْمَجْنُونُ وَالصَّغِيرُ وَالسَّكْرَانُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبُيُوعِ مِنْ شَرْطِ عَاقِدِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، فَالْمَجْنُونُ وَالصَّغِيرُ وَالسَّكْرَانُ هُمْ كَمَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ الصَّمَمُ وَالْبَكَمُ وَالْعَمَى فِي عَدَمِ جَوَازِ مُعَامَلَتِهِمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
стр. 349
لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الْفَهْمُ وَالْإِفْهَامُ، فَهُمْ لِفَقْدِ الْعَقْلِ أَوْ عَدَمِ كَمَالِهِ كَمَنْ لَا فَهْمَ لَهُ وَلَا إفْهَامَ فَاسْتَوَوْا مَعَهُمْ فِي الْحُكْمِ لِقَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» فَذَكَرَ فِيهِمْ الْمَجْنُونَ حَتَّى يُفِيقَ، وَالصَّغِيرَ حَتَّى يَحْتَلِمَ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : وَاشْتِرَاطُ الصِّحَّةِ، وَجَوَازُ الْأَمْرِ فِي الْعُقُودِ كُلِّهَا أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ فَاقِدَ الْعَقْلِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَجَوَازُ الْأَمْرِ، وَالصَّغِيرُ غَيْرُ جَائِزِ الْأَمْرِ، وَالسَّكْرَانُ إذَا فَقَدَ عَقْلَهُ بِالْجُمْلَةِ لَاحِقٌ بِالْمَجْنُونِ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، فَفِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ بَعْدَ تَقْسِيمِهِ الْبُيُوعَ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، وَذَكَرَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ مَا نَصُّهُ: وَالثَّانِي: بَيْعُ مَنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَضْغُوطِ وَأَشْبَاهِهِمْ، وَفِي الْمُفِيدِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ السَّكْرَانِ وَلَا ابْتِيَاعُهُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْقِلُ حِينَ بَيْعِهِ أَوْ ابْتِيَاعِهِ ثُمَّ لَا يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ اهـ.
وَفِي التَّوْضِيحِ فِي تَرْجَمَةِ الْأَهْلِ أَحَدُ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ فِي السَّكْرَانِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ الْأُولَى لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ الْمُخْتَلَطُ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاخْتِلَاطَ مِنْ نَفْسِهِ فَيُخْطِئُ وَيُصِيبُ. قَالَ: وَأَمَّا السَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ الثَّانِيَةُ: عَكْسُهَا لِابْنِ بَشِيرٍ إنْ كَانَ فِي حَالِ تَمْيِيزِهِ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ مَغْمُورًا فَالْمَشْهُورُ اللُّزُومُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذِهِ عَكْسُ طَرِيقَةِ ابْنِ رُشْدٍ الثَّالِثَةُ: لِلَّخْمِيِّ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي السَّكْرَانِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ مَيْزٌ أَمْ لَا. وَكَذَلِكَ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمَشْهُورُ لُزُومُ طَلَاقِهِ، وَالشَّاذُّ عَدَمُ لُزُومِهِ وَلَمْ يُفَصِّلْ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَتَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي السَّكْرَانِ أَنَّ الْمَشْهُورَ تَلْزَمُهُ الْجِنَايَاتُ، وَالْعِتْقُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْحُدُودُ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْإِقْرَارَاتُ وَالْعُقُودُ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ اهـ وَقَدْ جَمَعَ شَيْخُنَا ابْنُ عَاشِرٍ ﵀ هَذَا التَّحْصِيلَ فِي بَيْتٍ وَهُوَ
لَا يَلْزَمُ السَّكْرَانَ إقْرَارٌ عُقُودْ ... بَلْ مَا جَنَى عِتْقٌ طَلَاقٌ وَحُدُودْ
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلَ الْبُيُوعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ السَّكْرَانِ أَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّا لَوْ فَتْحَنَا هَذَا الْبَابَ مَعَ شِدَّةِ حِرْصِ النَّاسِ عَلَى أَخْذِ مَا بِيَدِهِ، وَكَثْرَةِ وُقُوعِ الْبَيْعِ لَأَدَّى إلَى أَنْ لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ. بِخِلَافِ طَلَاقِهِ وَقَتْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ فِيهِ الْحَقُّ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَعْتَبِرْهُ لَتَسَاكُرِ النَّاسِ لِيُتْلِفُوا أَمْوَالَ النَّاسِ وَأَرْوَاحَهُمْ انْتَهَى
وَذُو الْعَمَى يَسُوغُ الِابْتِيَاعُ لَهُ ... وَبَيْعُهُ وَكُلُّ عَقْدٍ أَعْمَلَهُ
وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ وُلِدْ ... أَعْمَى وَمَنْ عَمَاهُ مِنْ بَعْدُ وُجِدْ
يَعْنِي أَنَّ الْأَعْمَى يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ لَهُ فَيَكُون مُشْتَرِيًا، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ فَيَكُونُ بَائِعًا وَكَذَا يَجُوزُ كُلُّ عَقْدٍ أَوْقَعَهُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ، وَالتَّبَرُّعَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ وُلِدَ أَعْمَى فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَا ابْتِيَاعُهُ، وَبَيْنَ مَنْ طَرَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِبْصَارِ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ
(ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْأَعْمَى يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِالصِّفَةِ، وَقِيلَ إلَّا الْأَصْلِيَّ
(التَّوْضِيحُ) وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ لَهُ إبْصَارٌ صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ، فَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرَ الْأَبْهَرِيُّ هَكَذَا نَقَلَ اللَّخْمِيُّ
(ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) وَفِي مَعْنَى مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ إبْصَارُ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ إبْصَارٌ فِي سِنِّ الصِّغَرِ، ثُمَّ لَا يَتَخَيَّلُ الْأَلْوَانَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِلَافُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي لَا تُدْرَكُ إلَّا بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، وَأَمَّا مَا يُدْرَكُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا مَانِعَ اهـ فِي الْمُفِيدِ. وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ فِي السَّلَمِ وَغَيْرِهِ إذَا وُصِفَ لَهُ الشَّيْءُ صِفَةً مَعْلُومَةً، أَوْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَرَاهُ مِمَّنْ يَرْضَى ذَلِكَ مِنْهُ. وَفِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ فِيمَنْ وُلِدَ أَعْمَى لَا تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ فِي بَيْعٍ وَلَا ابْتِيَاعٍ لِجَهْلِهِ بِالْمَبِيعِ، وَأَجَازَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الذَّوْقِ وَاللَّمْسِ دُونَ مَا يَرْجِعُ إلَى اللَّوْنِ وَالشَّكْلِ وَهُوَ أَحْسَنُ
стр. 350
[فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ]
ِ
وَحَيْثُمَا اخْتَلَفَ بَائِعٌ وَمَنْ ... مِنْهُ اشْتَرَى إنْ كَانَ فِي قَدْرِ الثَّمَنْ
وَلَمْ يَفُتْ مَا بِيعَ فَالْفَسْخُ إذَا ... مَا حَلَفَا أَوْ نَكَلَا قَدْ أُنْفِذَا
وَالْبَدْءُ بِالْبَائِعِ ثُمَّ الْمُشْتَرِي ... فِي الْأَخْذِ وَالْيَمِينِ ذُو تَخَيُّرِ
ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْدَ الرِّضَا ... وَقِيلَ إنْ تَحَالَفَا الْفَسْخُ مَضَى
وَقِيلَ لَا يُحْتَاجُ فِي الْفَسْخِ إلَى ... حُكْمٍ وَسَحْنُونٌ لَهُ قَدْ نَقَلَا
ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ حُكْمُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، إمَّا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ فِي الْأَجَلِ، أَوْ فِي انْقِضَائِهِ، أَوْ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، أَوْ الْمَثْمُونِ، أَوْ فِي الْبَتِّ وَالْخِيَارِ، أَوْ فِي الصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ، أَوْ فِي بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ لَهُ عَقْدُ الْبَيْعِ. أَشَارَ بِالْأَبْيَاتِ إلَى أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ مَعَ قِيَامِ الْمَبِيعِ، وَعَدَمِ فَوَاتِهِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيُفْسَخُ بَيْعُهُمَا. وَكَذَلِكَ يُفْسَخُ إنْ نَكَلَا مَعًا عَنْ الْيَمِينِ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَأَشَارَ لِكَيْفِيَّةِ تَحَالُفِهِمَا بِقَوْلِهِ: وَالْبَدْءُ بِالْبَائِعِ، وَالْبَيْتُ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ بِعَشَرَةٍ مَثَلًا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ بِثَمَانِيَةٍ، فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي إنْ شِئْتَ فَخُذْهُ بِالْعَشَرَةِ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِهَا فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا حَلَفَ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى بِثَمَانِيَةٍ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَا يُفْسَخُ إنْ نَكَلَا مَعًا عَنْ الْيَمِينِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِتَمَامِ تَحَالُفِهِمَا؟ أَوْ حَتَّى يَحْكُمَ الْقَاضِي بِالْفَسْخِ؟ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ إذَا رَجَعَ أَحَدُهُمَا لِقَوْلِ صَاحِبِهِ بَعْدَ التَّحَالُفِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ فَعَلَى تَوَقُّفِ الْفَسْخِ عَلَى الْحُكْمِ، مَنْ رَجَعَ لَزِمَ الْبَيْعُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْدَ الرِّضَا
أَيْ بَعْدَ التَّحَالُفِ عَلَى عَدَمِ تَوَقُّفِ الْفَسْخِ عَلَى الْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا لِوُقُوعِ الْفَسْخِ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَقِيلَ إنْ تَحَالَفَا، الْفَسْخُ مَضَى
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَحْتَاجُ، الْبَيْتَ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى تَعْلِيلٌ لِلْقَوْلِ الثَّانِي وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: وَجْهُ مُضِيِّ الْفَسْخِ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ، كَوْنُ الْفَسْخِ لَا يَفْتَقِرُ لِحُكْمِ حَاكِمٍ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ: إذْ قِيلَ لَا يَحْتَاجُ إلَخْ، لَكَانَ، أَبَيْنَ وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ مَبْنَاهُمَا احْتِيَاجُ فَسْخِهِ إلَى الْبَيْتِ أَيْ مَبْنَى الْقَوْلَيْنِ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ لِمَنْ رَجَعَ، وَعَدَمِ لُزُومِهِ احْتِيَاجُ الْفَسْخِ إلَى الْحُكْمِ أَيْ وَعَدَمُ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ سَحْنُونٌ وَتَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ
وَالْفَسْخُ مِنْ بَعْدِ اللِّعَانِ مَاضِي ... دُونَ طَلَاقٍ وَبِحُكْمِ الْقَاضِي
وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي فَصْلِ تَدَاعِي الزَّوْجَيْنِ:
وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى النِّكَاحِ ... فَفِي الْأَصَحِّ الرَّفْعُ لِلْجُنَاحِ
أَيْ تَرَاضَيَا عَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ حَلْفِهِمَا بِنَاءً عَلَى افْتِقَارِ الْفَسْخِ لِلْحُكْمِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ افْتِقَارِهِ لَهُ
(قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) : وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، يَحْلِفُ الْبَائِعُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، أَوْ يَحْلِفُ عَلَى مَا قَالَ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُبْتَاعُ أَخْذَهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْفَسْخِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ فَذَلِكَ لَهُ. (قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ) : وَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ قَبْلَ الْفَسْخِ أَنْ يُلْزِمَهَا الْمُبْتَاعَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ لَهُ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: بِتَمَامِ التَّحَالُفِ يَقَعُ الْفَسْخُ كَاللِّعَانِ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ أَوَّلًا عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُبْتَاعُ، وَاسْتَحَقَّ سِلْعَتَهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ أَيْضًا انْفَسَخَتْ الصَّفْقَةُ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ
وَقَوْلُ الْمُتَيْطِيِّ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا يُرِيدُ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ قَبْضِهَا وَالْغَيْبَةِ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَفُتْ عَلَى إحْدَى رِوَايَتَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَ
стр. 351
النَّاظِمُ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَبْضِهَا، وَعَدَمِ قَبْضِهَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ حَسْبَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمُتَيْطِيَّةِ أَيْضًا، وَعَنْ الْمُقَرِّبِ وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إذَا حَلَفَا فَمَذْهَبُ سَحْنُونٍ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى إنْشَاءِ الْفَسْخِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ إذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَسْخِ أَنْ يُمْضِيَ الْعَقْدَ بِمَا قَالَ الْآخَرُ
وَإِنْ يَفُتْ فَالْقَوْلُ لِلَّذِي اشْتَرَى ... وَذَا الَّذِي بِهِ الْقَضَاءُ قَدْ جَرَى
هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي مِنْ الْأَبْيَاتِ قَبْلَ هَذَا، وَلَمْ يَفُتْ مَا بِيعَ، يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بَعْدَ فَوْتِ الْمَبِيعِ بِحَوَالَةِ سُوقٍ فَأَكْثَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، يَعْنِي مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي بِهِ الْقَضَاءُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَيَعْنِي أَيْضًا، إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَتَى مِمَّا يُشْبِهُ، وَيَأْخُذُ مَا قَالَ فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَ مَا قَالَ الْمُبْتَاعُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ جَاءَا مَعًا بِمَا لَا يُشْبِهُ فَعَلَى الْمُبْتَاعِ الْقِيمَةُ، وَيُصَدَّقُ فِي الصِّفَةِ وَإِنْ قَالَ عَبْدٌ أَعْجَمِيٌّ مُقْعَدٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ ثُمَّ نَقَلَ رِوَايَةً أُخْرَى قَالَ: وَبِالْأُولَى الْقَضَاءُ. وَلَوْ قَالَ النَّاظِمُ بَدَلَ الشَّرْطِ الْأَخِيرِ: إنَّ قَوْلَهُ أَشْبَهَ وَالْخُلْفُ جَرَى لَكَانَ أَفْيَدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَصُدِّقَ مَنْ ادَّعَى الْأَشْبَهَ وَحَلَفَ إنْ فَاتَ فَقَوْلُهُ: مَنْ ادَّعَى الْأَشْبَهَ أَيْ مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ مَعَ يَمِينِهِ عِنْد فَوْتِ الْمَبِيعِ
وَإِنْ يَكُنْ فِي جِنْسِهِ الْخُلْفُ بَدَا ... تَفَاسَخَا بَعْدَ الْيَمِينِ أَبَدَا
وَمَا يَفُوتُ وَاقْتَضَى الرُّجُوعَ ... بِقِيمَةٍ فَذَاكَ يَوْمَ بِيعَا
تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ، أَوْ فَوَاتِهَا، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ مَعَ الْقِيَامِ أَوْ الْفَوَاتِ أَيْضًا يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ كَادِّعَاءِ أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ بِدَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ بِطَعَامٍ مَثَلًا، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا أَوْ فَائِتًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ " أَبَدَا " فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا رَجَعَ لِبَائِعِهِ وَلَا إشْكَالَ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَرْجِعُ فِيهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ، وَإِلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْبَيْعِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ يَوْمَ بِيعَا وَنَحْوُ هَذَا فِي الْمُتَيْطِيَّةِ. نَقَلَهُ الشَّارِحُ. قَالَ: وَقَدْ اقْتَضَى هَذَا الْكَلَامُ بِفَوْتِهِ أَنَّهُ إنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا عَمَّا حَلَفَ عَلَى ضِدِّهِ الْآخَرُ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْحَالِفِ مِنْهُمَا.
وَحَيْثُمَا الْمَبِيعُ بَاقٍ وَاخْتُلِفْ ... فِي أَجَلٍ تَفَاسَخَا بَعْدَ الْحَلِفْ
وَقِيلَ ذَا إنْ ادَّعَى الْمُبْتَاعُ مَا ... يَبْعُدُ وَالْعُرْفُ بِهِ قَدْ عُدِمَا
وَإِنْ يَفُتْ فَالْقَوْلُ عِنْدَ مَالِكْ ... لِبَائِعٍ نَهْجُ الْيَمِينِ سَالِكْ
وَقِيلَ لِلْمُبْتَاعِ وَالْقَوْلَانِ ... لِحَافِظِ الْمَذْهَبِ مَنْقُولَانِ
وَفِي انْقِضَاءِ أَجَلٍ بِذَا قُضِيَ ... حَتَّى يَقُولَ إنَّهُ لَمْ يَنْقَضِ
стр. 352
هَذَا الْكَلَامُ فِي الِاخْتِلَاف فِي الْأَجَلِ، أَيْ هَلْ وَقَعَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ مُعَجَّلٍ؛ وَهُوَ أَيْضًا إمَّا مَعَ قِيَامِ الْمَبِيعِ أَوْ مَعَ فَوَاتِهِ، وَفِي الِاخْتِلَافِ فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَعَدَمِ انْقِضَائِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الدُّخُولِ عَلَى الْأَجَلِ، وَهُوَ أَيْضًا إمَّا مَعَ قِيَامِ الْمَبِيعِ أَوْ مَعَ فَوَاتِهِ. يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي كَوْنِ الْبَيْعِ وَقَعَ لِأَجَلٍ أَوْ عَلَى الْحُلُولِ، فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ مُطْلَقًا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِمَا إذَا ادَّعَى الْمُبْتَاعُ أَجَلًا بَعِيدًا وَلَا عُرْفَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ فَهَهُنَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَإِنْ كَانَ فِي مِثْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ أَجَلٌ مَعْرُوفٌ جَارٍ بَيْنَ النَّاسِ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ نَبَّهَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. فَقَوْلُهُ لَهُ: وَقِيلَ ذَا أَيْ التَّحَالُفُ وَالتَّفَاسُخُ، وَمَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ صِفَتُهَا جُمْلَةُ يَبْعُدُ وَاقِعَةٌ عَلَى الْأَجَلِ، وَجُمْلَةُ وَالْعُرْفُ بِهِ قَدْ عُدِمَا حَالِيَةٌ، وَبِهِ يَتَعَلَّقُ بَعْدَمَا، وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ مَا، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْمَبِيعِ كَالطَّحْنِ فِي الْقَمْحِ، وَحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فِي الْعُرُوضِ، وَالْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرِ، فِي الرَّقِيقِ، وَالْإِيلَادِ فِي الْإِمَاءِ، وَالْبَيْعِ، وَالْوَقْفِ فِي الْعَقَارِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدّ فَوْتًا فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَقَوْلَانِ أَيْضًا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ لِلْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ، وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الَّذِي عَنَى النَّاظِمُ بِحَافِظِ الْمَذْهَب وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ. فَقَوْلُهُ وَإِنْ يُفْتِ هُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَحَيْثُمَا الْمَبِيعُ بَاقٍ، وَنَهَجَ أَيْ طَرِيقَ مَفْعُولُ سَالِكٍ وَسَالِكٌ صِفَةُ بَائِعٍ، وَقَوْلُهُ وَقِيلَ لِلْمُبْتَاعِ هُوَ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ لِبَائِعٍ
(قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) وَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ بِالنَّقْدِ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ إلَى أَجَلٍ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ مَا يَدَّعِيه الْمُبْتَاعُ أَجَلًا قَرِيبًا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِلَّا صُدِّقَ الْبَائِعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلسِّلْعَةِ أَمَدٌ مَعْرُوفٌ تُبَاعُ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِيهِ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَقَالَ أَيْضًا ابْنُ الْقَاسِمِ: مَرَّةً أُخْرَى يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ وَيَبْدَأُ الْبَائِعُ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ. وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَبِهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ اهـ وَأَشَارَ بِالْبَيْتِ الْخَامِسِ إلَى حُكْمِ الِاخْتِلَافِ فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَأَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَنْقَضِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي تَعُودُ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ بِذَا لِتَقَدُّمِهِ فِي الْبَيْتِ قَبْلَهُ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَعَ فَوَاتِ الْمَبِيعِ، وَرُبَّمَا يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ إتْيَانِهِ بِذَلِكَ إثْرَ قَوْلِهِ: وَإِنْ يَفُتْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِمَنْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَأَمَّا مَعَ قِيَامِ الْمَبِيعِ وَعَدَمِ فَوَاتِهِ فَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ
(قَالَ الشَّارِحُ) : يُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ أَوَّلًا
وَحَيْثُمَا الْمَبِيعُ بَاقٍ وَاخْتُلِفَ
الْبَيْتَ
(قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ) قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك إلَى شَهْرٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ مِنْك إلَى شَهْرَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لَمْ تَفُتْ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ.
стр. 353
وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُشْتَرٍ بَعْدَ الْحَلِفْ ... فِي الْقَبْضِ فِيمَا بَيْعُهُ نَقْدًا عُرِفْ
وَهُوَ كَذَا لِبَائِعٍ فِيمَا عَدَا ... مُسْتَصْحَبِ النَّقْدِ وَلَوْ بَعْدَ مَدَى
كَالدُّورِ وَالرَّقِيقِ وَالرِّبَاعِ ... مَا لَمْ يُجَاوِزْ حَدَّ الِابْتِيَاعِ
وَالْقَبْضُ لِلسِّلْعَةِ فِيهِ اُخْتُلِفَا ... كَقَبْضٍ حُكْمُهُ قَدْ سَلَفًا
تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ الْمَثْمُونِ فَذَكَرَ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: دَفَعْتُ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ يُعْطِ شَيْئًا، فَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ الْجَارِي فِي ذَلِكَ الْمَبِيعِ فَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ يُبَاعُ نَقْدًا كَالدَّقِيقِ، وَالزَّيْتِ، وَاللَّحْمِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَالْخُضَرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ مَعَ يَمِينِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، أَوْ قَبْلَهُ. وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّهُ يُبَاعُ بِغَيْرِ النَّقْدِ فِي الْحَالِ كَالْبَزِّ، وَالرَّقِيقِ، وَالرِّبَاعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ سَوَاءٌ قَامَ فِي الْحِينِ أَوْ بَعْدَ زَمَانِ وُقُوعِ الْبَيْعِ فِيهِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ فِي ذَلِكَ حَدَّ الِابْتِيَاعِ، أَيْ مَا لَمْ يَقُمْ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً إذَا لَمْ تَجْرِ عَادَةُ النَّاسِ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ هَذِهِ الْمُدَّةَ.
وَحَدُّ تَأْخِيرِ الثَّمَنِ عَلَى مَا قَالَ النَّاظِمُ هُوَ فِي الدُّورِ، وَالْأَرْضِينَ، وَالرِّبَاعِ، وَغَيْرِهَا إلَى عِشْرِينَ سَنَةً فَمَا دُونَهَا وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَمْ أَقْبِضْهُ، وَقَالَ الْبَائِعُ: بَلْ قَبَضْتَهُ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالِاخْتِلَافِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَسْلِيمِهِ عِنْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَرَاخِي قَبْضِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الثَّمَنِ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ النَّاظِمِ. فَقَوْلُهُ: فِي الْقَبْضِ أَيْ قَبْضِ الثَّمَنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
وَالْقَبْضُ لِلسِّلْعَةِ فِيهِ اُخْتُلِفَا
وَنَقْدًا مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ أَيْ بِالنَّقْدِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ كَذَا لِبَائِعٍ أَيْ الْقَوْلُ كَذَا مَعَ الْيَمِينِ لِبَائِعٍ، وَالْمَدَى الزَّمَانُ، وَلَوْ إغْيَاءً فِي كَوْنِ الْقَوْلِ لِلْبَائِعِ وَكَالدُّورِ وَمَا بَعْدَهُ تَمْثِيلٌ لِمَا عَادَتُهُ أَنْ يُبَاعَ بِتَأْخِيرٍ وَجَارٍ خَبَرُ الْقَبْضُ، وَالْقَبْضُ الَّذِي سَلَفَ أَيْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ هُوَ قَبْضُ الثَّمَنِ.
(قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ) قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَانْقَلَبَ بِهَا وَزَعَمَ أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ وَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيَّ شَيْئًا فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ مِثْلَ الْحِنْطَةِ، وَالزَّيْتِ، وَاللَّحْمِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَالْخُضَرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَبَايَعُ عَلَى وَجْهِ الِانْتِقَادِ فَهُوَ يُشْبِهُ الصَّرْفَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا إنْ لَمْ يَفْتَرِقَا إذَا قَبَضَ مَا اشْتَرَى، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَسَوَاءٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَانَ مَا اشْتَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ مَا اشْتَرَى مِثْلَ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، وَالْبَزِّ، وَالدَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ، وَالْعُرُوضِ، كُلِّهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ. قَالَ مُحَمَّدٌ وَذَكَر ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ يَجْعَلُ الْقَوْلَ فِي هَذَا قَوْلَ الْبَائِعِ أَبَدًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتَّى يَجُوزَ الْوَقْتُ الَّذِي لَا يَجُوزُ إلَيْهِ التَّبَايُعُ اهـ.
وَكَلَامُ الْمُنْتَخَبِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا يُبَاعُ بِالنَّقْدِ بَيْنَ أَنْ يَفْتَرِقَ الْمُتَبَايِعَانِ أَمْ لَا، الْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْوَجْهَيْنِ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا، وَانْقَلَبَ بِهَا ثُمَّ قَالَ، قَالَ مُحَمَّدٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَفْتَرِقَا، فَإِطْلَاقُ النَّاظِمِ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُنْتَخَبِ الْيَمِينَ عَلَى الْبَائِعِ حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي غَيْرِ مَا يُبَاعُ بِالنَّقْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَبَضَ الْمُبْتَاعُ السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ وَبَانَ بِهَا، قَالَ إنَّ الْبَائِعَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّ لُزُومَ الْيَمِينِ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ وَهُوَ كَذَا، وَفِي الْمُنْتَخَبِ أَيْضًا وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَبْضِ السِّلْعَةِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ أَقْبِضْهَا، وَقَالَ الْبَائِعُ قَدْ قَبَضْتَهَا فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ لَهُ بِالثَّمَرِ فَقَدْ قَبَضَ السِّلْعَةَ، كَذَا رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَيَحْلِفُ الْبَائِعُ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَدَاثَةِ الْبَيْعِ وَالْإِشْهَادِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَفْعَالِ النَّاسِ فَأَمَّا إنْ سَكَتَ حَتَّى إذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ لَمْ أَقْبِضْ السِّلْعَةَ فَلَا قَوْلَ لَهُ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْبَائِعِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ اهـ وَهَذَا النَّقْلُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِإِحَالَةِ النَّاظِمِ الِاخْتِلَافَ فِي قَبْضِ السِّلْعَةِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّفْصِيلَ بَيْنَ مَا الْعَادَةُ قَبْضُهُ عِنْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جُلِّ كَلَامِ النَّاظِمِ، وَاَلَّذِي فِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ السِّلْعَةِ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَبَقَاءُ السِّلْعَةِ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عُرْفٌ لِأَحَدِهِمَا، إمَّا لِلْمُشْتَرِي بِدَفْعِ الثَّمَنِ كَمَنْ اشْتَرَى لَحْمًا، أَوْ بَقْلًا وَبَانَ بِهِ فَإِنَّ
стр. 354
الْعُرْفَ يَشْهَدُ لِلْمُشْتَرِي بِدَفْعِ الثَّمَنِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْكَثِيرِ فَإِنْ لَمْ يَبْنِ بِهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ بِالْحَضْرَةِ فَإِنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ بَعْدَ أَخْذِهِ لِلسِّلْعَةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْبَائِعِ وَإِنْ ادَّعَى دَفْعَهُ قَبْلَ أَخْذِهِ لِلسِّلْعَةِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
قِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ: وَقِيلَ قَوْلُ الْبَائِعِ، ثَالِثُهَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا الْعَادَةُ فِيهِ أَنْ يَدْفَعَ ثَمَنَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَشْهَدَ الْعُرْفُ لِلْبَائِعِ بِكَوْنِ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الْمَبِيعَ كَأَنْ يَشْهَدَ الْمُشْتَرِي بِتَقَرُّرِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنَّهُ مُقْتَضٍ لِقَبْضِ الْمَثْمُونِ فَإِنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَنَّهُ قَبَضَهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ قَامَ الْمُشْتَرِي بِالْقُرْبِ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعٍ لِأَصْلِ ... أَوْ صِحَّةٍ فِي كُلِّ فِعْلٍ فِعْلِ
مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَاكَ عُرْفٌ جَارِ ... عَلَى خِلَافِ ذَاكَ ذُو اسْتِقْرَارِ
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْخَصْمَانِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْأَصْلَ وَادَّعَى الْآخَرُ خِلَافَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُدَّعِي فِيهِ عُرْفٌ جَارٍ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِي مُقْتَضَى ذَلِكَ الْعُرْفِ الْجَارِي عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الصِّحَّةَ وَالْآخَرُ الْفَسَادَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ عُرْفٌ جَارٍ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْفَسَادِ فَإِنَّهُ يُرْجِعُ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِي مُقْتَضَى ذَلِكَ الْعُرْفِ الْجَارِي عَلَى خِلَافِ الصِّحَّةِ
(قَالَ الشَّارِحُ) وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ بَابِ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ الْمَبْحُوثِ فِيهِمَا عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. اهـ فَمِثَالُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَصْلِ وَخِلَافِهِ اخْتِلَافُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الْبَتِّ وَالْخِيَارِ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْبَتِّ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْبُيُوعِ إلَّا إنْ جَرَى الْعُرْفُ فِي مَوْضِعٍ إنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ لَا تُبَاعُ إلَّا عَلَى خِيَارٍ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِيهِ لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَكَذَا إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَدَمَ الشَّرْطِ فِي بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ وَادَّعَى الْآخَرُ الشَّرْطَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي عَدَمِ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَكَذَا إنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَمَرَهُ وَكِيلُهُ بِشِرَاءِ حِنْطَةٍ فَاشْتَرَى تَمْرًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْآمِرَ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالْوَكَالَةِ عَلَى الشِّرَاءِ فَلَمَّا اسْتَهْلَكَ الثَّمَنَ ادَّعَى مَا يُوجِبُ تَضْمِينَهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْآمِرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَكَمَنِ ادَّعَى سِلْعَةً بِيَدِ رَجُلٍ وَقَالَ اسْتَوْدَعْتُكَهَا وَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ وَهَبْتَنِيهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ السِّلْعَةِ. وَمِثَالُ الِاخْتِلَافِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ ادِّعَاءُ أَحَدِهِمَا مُسَاقَاةً جَائِزَةً وَالْآخَرِ مُسَاقَاةً لَا تَجُوزُ، أَوْ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْ لِلسَّلَمِ أَجَلًا، وَقَالَ الْآخَرُ ضَرَبْنَا أَجَلَ شَهْرَيْنِ مَثَلًا، أَوْ ادَّعَى السَّلَمَ إلَيْهِ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِ السَّلَمِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ فِي ذَاكَ كُلِّهِ، وَيَكُنْ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي تَامَّةٌ وَفِي ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِيَكُنْ عَلَى قَوْلٍ، وَعُرْفٌ فَاعِلُ يَكُنْ وَجَارٍ وَذُو اسْتِقْرَارٍ صِفَتَانِ
стр. 355
لِعُرْفٍ وَعَلَى خِلَافٍ مُتَعَلِّقٌ بِجَارٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَتَابِعِ الْمَبِيعِ كَالسَّرْجِ اخْتُلِفْ ... فِيهِ بِرَدِّ بَيْعِهِ بَعْدَ الْحَلِفْ
وَذَاكَ إنْ لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعْ ... وَيَبْدَأُ الْيَمِينَ مَنْ يَبِيعْ
وَذَا الَّذِي قَالَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ ... وَإِنْ يَفُتْ فَلِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ
(قَالَ الشَّارِحُ) تَابِعُ الْمَبِيعِ كَسَرْجِ الدَّابَّةِ وَإِكَافِهَا وَلِجَامِهَا مِمَّا هُوَ ظَاهِرُ التَّبَعِيَّةِ لَهَا وَلِذَلِكَ كُلِّهِ أَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ بِكَافِ التَّشْبِيهِ إذَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّهُمَا عَقَدَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى عَدَمِهِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا سَبَقَ وَيُرَدُّ بَعْدَ الْأَيْمَانِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ الَّذِي تَبِعَهُ هَذَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَمْ يَفُتْ وَيَبْدَأُ الْبَائِعُ بِالْيَمِينِ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَدْ فَاتَ فَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِنْ ادَّعَى عِنْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ أَنَّهُ ابْتَاعَ الدَّابَّةَ بِسَرْجِهَا وَلِجَامِهَا أَوْ بِبُرْدَتِهَا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْبَائِعُ تَحَالَفَا، وَتَفَاسَخَا فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا لَمْ تَفُتْ الدَّابَّةُ اهـ.
وَبَيْعُ مَنْ رُشِّدَ كَالدَّارِ ادَّعَى ... بِأَنَّهُ فِي سَفَهٍ قَدْ وَقَعَا
لِلْمُشْتَرِي الْقَوْلُ بِهِ مَعَ قَسَمِ ... وَعَكْسُ هَذَا لِابْنِ سَحْنُونٍ نُمِيَ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مَحْجُورًا ثُمَّ تَرَشَّدَ وَصَدَرَ مِنْهُ بَيْعُ دَارٍ أَوْ غَيْرِهَا فَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَقَعَ مِنْهُ فِي حَالِ السَّفَهِ قَبْلَ التَّرْشِيدِ لِيَكُونَ لَهُ النَّظَرُ فِي إمْضَائِهِ وَرَدِّهِ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى مِنْهُ بَعْدَ التَّرْشِيدِ وَخُرُوجِهِ مِنْ الْوِلَايَةِ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ
(قَالَ الشَّارِحُ) : يُرِيدُ الشَّيْخُ ﵀ إذَا لَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلشِّرَاءِ تَارِيخٌ بِعَيْنِهِ مِنْ تَارِيخِ التَّرْشِيدِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ إنَّهُ وَقَعَ فِي حَالِ السَّفَهِ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ السَّفَهَ سَابِقٌ لِلْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي يُسَلِّمُهُ لَهُ فَحُمِلَ الْحَالُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ وَأَنَّ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُدَّعِي لِوُقُوعِ الْبَيْعِ فِي حَالِ الرُّشْدِ فَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ قَالَ مَالِكٌ مَا بَاعَ السَّفِيهُ مِنْ السِّلَعِ وَأَخَذَ الثَّمَنَ فَأَتْلَفَهُ إنَّ الثَّمَنَ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَيَرُدُّ السِّلْعَةَ إنْ وُجِدَتْ أَوْ قِيمَتَهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ ادَّعَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ بَاعَهُ أَنَّهُ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْبَيْعُ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ أَنْ جَازَ لَك الْبَيْعُ إنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ بَاعَ وَهُوَ سَفِيهٌ لِأَنَّهُ يُرِيدُ فَسْخَ بَيْعٍ قَدْ تَمَّ بَيْنَهُمَا وَلِابْنِ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِهِ قَوْلٌ، إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ السَّفِيهِ اهـ وَالشَّاهِدُ قَوْلُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ إلَخْ وَبَيْعٌ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ مَنْ وَكُمِّلَ بِالْمَفْعُولِ وَهُوَ الْكَافُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الدَّارِ لِأَنَّهُ اسْمٌ بِمَعْنَى مِثْلَ، وَجُمْلَةُ ادَّعَى حَالٌ مِنْ نَائِبِ رُشِّدَ.
وَمَنْ يَكُنْ بِمَالِ غَيْرِهِ اشْتَرَى ... وَالْمُشْتَرِي لَهُ لِلْأَمْرِ أَنْكَرَا
وَحَلَفَ الْآمِرُ فَالْمَأْمُورُ ... مِنْهُ ارْتِجَاعُ مَالِهِ مَأْثُورُ
وَمَالَهُ شَيْءٌ عَلَى مَنْ بَاعَا ... مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ صَدَّقَ الْمُبْتَاعَا
وَقِيلَ بَلْ يَكُونُ ذَا تَخَيُّرٍ ... فِي أَخْذِهِ مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ
وَالْبَيْعُ فِي الْقَوْلَيْنِ لَنْ يُنْتَقَضَا ... وَالْمُشْتَرِي لَهُ الْمَبِيعُ مُقْتَضَى
يَعْنِي أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِمَالِ غَيْرِهِ وَادَّعَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ كَوْنَهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَرَبُّ الْمَال مُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالشِّرَاءِ فَإِذَا حَلَفَ أَخَذَ مَالَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ رُجُوعٌ عَلَى الْبَائِعِ بِالْمَالِ فِي قَوْلِ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِع صَدَّقَ الْمُبْتَاعَ فِي قَوْلِهِ إنَّ رَبَّ الْمَالِ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ فَحِينَئِذٍ يَرْتَجِعُهُ مِنْهُ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَقِيلَ رَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهِ مِمَّنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَا كَلَامَ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمَبِيعَ يَكُونُ لَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْبَائِعِ رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ فَلَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ، وَالْمَبِيعُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ وَقَوْلُهُ وَحَلَفَ الْآمِرُ الْمُرَادُ بِهِ رَبُّ الْمَالِ وَسَمَّاهُ آمِرًا بِنَاءً عَلَى دَعْوَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ أَمَرَهُ
следующие страницы →