← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21643

شرح ميارة = الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام

ميارة

Полный текст (643 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الْآجَالِ فِي مَسَائِلَ يَنْقَاسُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَا يُمَاثِلُهَا فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ تَحْدِيدِهَا وَبَيْنَ كَوْنِهَا مَوْكُولَةً لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ تَبْقَى النَّفْسُ مُتَشَوِّفَةً لِتَحْدِيدِهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ لِمَا قَرَّرْنَا أَنَّ ذَلِكَ لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَقَدْ يَرَى قَاضِي الْوَقْتِ خِلَافَ مَا حَكَمَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِالنَّازِلَةِ الْمَحْكُومِ فِيهَا. (قَوْلُهُ وَبِثَلَاثَةٍ. . . إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْعَمَلَ جَرَى عِنْدَ الْقُضَاةِ بِالتَّأْجِيلِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي مَسَائِلَ وَذَلِكَ كَمَنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ فِي شِقْصٍ وَطَلَبَ التَّأْجِيلَ لِإِحْضَارِ الثَّمَنِ، وَأَمَّا إنْ طَلَبَ التَّأْخِيرَ لِيَنْظُرَ هَلْ يَشْفَعُ أَمْ لَا فَلَا يُؤَخَّرُ، وَكَمَنْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى مَالِيَّةٌ فَادَّعَى النِّسْيَانَ لِطُولِ الزَّمَنِ فَيُؤَجَّلُ لِيَتَذَكَّرَ فَيُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ، وَكَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَادَّعَى أَنَّ عِنْدَهُ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ بِهِ تِلْكَ الْيَمِينِ. (قَوْلُهُ أَمْرُهَا مُسْتَبْشَعُ) صِفَةُ الْيَمِينِ، وَلَعَلَّ وَصْفَهَا بِذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِتَرْجِيحِ الصُّلْحِ عَلَى الْيَمِينِ فِي دَعْوَى يُتَحَقَّقُ بُطْلَانُهَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ وَكَذَلِكَ مَنْ طَلَبَ التَّأْخِيرَ لِإِثْبَاتِ دَيْنٍ لِمِدْيَانِهِ كَأَنْ يَكُونُ لَكَ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ فَادَّعَى الْعَدَمَ، فَزَعَمْتَ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَى غَيْرِهِ وَأَرَدْت التَّأْجِيلَ لِإِثْبَاتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ التَّأْجِيلَ؛ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى مُنْكِرِهِ. (فَلَامُ) لِمِدْيَانٍ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى عَلَى وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَحَقَّ رُبْعًا بِشُرُوطِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْإِعْذَارُ لِلْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ، وَطَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ إخْلَاءَ ذَلِكَ الرُّبْعِ فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ حَائِزُهُ لِإِخْلَائِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ فُرُوعٍ وَنَصَّ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهَا فِي الْمُقَرِّبِ وَعَلَى الثَّالِثِ مِنْهَا الْمُتَيْطِيُّ وَعَلَى الرَّابِعِ الْجَزِيرِيُّ نَقَلَ ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ. وَفِي سِوَى أَصْلٍ لَهُ ثَمَانِيَهْ ... وَنِصْفُهَا لِسِتَّةٍ مُوَالِيَهْ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ لِذَاكَ تُتْبَعُ ... تَلَوُّمًا وَأَصْلُهُ تَمَتَّعُوا يَعْنِي أَنَّ التَّأْجِيلَ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ إحْدَى وَعِشْرُونَ يَوْمًا ثَمَانِيَةٌ ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ تَلَوُّمًا، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى الْأُصُولَ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَأْتِي عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ تُسْتَثْنَى الْمَسَائِلُ الْخَمْسُ الْمَذْكُورَةُ قَبْلُ وَمَا أَشْبَهَهَا إذْ لَيْسَ التَّأْجِيلُ بِثَلَاثٍ مَحْصُورًا فِيهَا كَمَا أَشْعَرَ بِذَلِكَ إدْخَالُ الْكَافِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تُسْتَثْنَ؛ لِتَنَاقُضِ الْكَلَامِ لِدُخُولِهَا فِي قَوْلِهِ: وَفِي سِوَى أَصْلٍ، وَاسْتِعْمَالُ النَّاظِمِ فِي الْبَيْتَيْنِ تَفْرِيقُ الْآجَالِ وَسَيَأْتِي

стр. 37

لَهُ الْكَلَامُ فِيهَا فِي آخِرِ الْفَصْلِ وَالتَّلَوُّمُ الْأَجَلُ الْأَخِيرُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] الْآيَةَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ آخِرُ الْبَيْتِ الثَّانِي (قَالَ فِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ) الْآجَالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ مَا عَدَا الْأُصُولَ لِلْمُثْبِتِ لِدَعْوَاهُ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ تَلَوُّمًا. (وَقَالَ فَتْحُونٌ) وَالْآجَالُ فِي الدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ دَوْنَهَا فِي الْعَقَارِ وَالْأُصُولِ. وَفِي أُصُولِ الْإِرْثِ إنَّ الْمُعْتَبَرْ ... مِنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ خَمْسَةَ عَشَرْ ثُمَّ يَلِي أَرْبَعَةٌ تُسْتَقْدَمُ ... بِضْعُهَا ثُمَّ يَلِي التَّلَوُّمُ يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْآجَالِ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ فِي إثْبَاتِ الْأُصُولِ مِنْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي الْإِرْثِ مِنْ غَيْرِ الْأُصُولِ شَهْرٌ كَامِلٌ إلَّا أَنَّهُ مُفَرَّقٌ أَيْضًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ ثَمَانِيَةً ثُمَّ أَرْبَعَةً ثُمَّ ثَلَاثَةً تَلَوُّمًا، وَالْمُرَادُ بِالتَّأْجِيلِ هُنَا فِي الْأُصُولِ هُوَ لِإِثْبَاتِهَا، وَفِي قَوْلِهِ قَبْلُ وَفِي إخْلَاءِ مَا كَالرَّبْعِ التَّأْجِيلُ لِلْإِخْلَاءِ لَا لِلْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَشَرْطُهُ ثُبُوتُ. . . إلَخْ. وَهَذَا أَيْضًا مَعَ قُرْبِ الْبَيِّنَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بَعْدُ وَفِي أُصُولِ إرْثٍ أَوْ سِوَاهُ إلَى أَنْ قَالَ لَكِنْ مَعَ ادِّعَاءِ بُعْدِ الْبَيِّنَهْ (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) وَاَلَّذِي مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْحُكَّامِ فِي التَّأْجِيلِ فِي الْأُصُولِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا يُضْرَبُ لَهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ عَشْرَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ يُتَلَوَّمُ لَهُ بِعَشَرَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ ثُمَّ ثَمَانِيَةٍ ثُمَّ ثَمَانِيَةٍ ثُمَّ يُتَلَوَّمُ لَهُ بِسِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا ثُمَّ ثَمَانِيَةٍ ثُمَّ أَرْبَعَةٍ ثُمَّ يُتَلَوَّمُ لَهُ بِتَمَامِ الثَّلَاثِينَ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي فِي الْبَيْتَيْنِ. (قَالَ الشَّارِحُ) وَزَادَ الشَّيْخُ ﵀ مَعَ الْأُصُولِ الْإِرْثَ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ (وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ) أَوْ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا قَاطِعًا مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَدْخُلُ فِيهِ التَّلَوُّمُ وَالْآجَالُ كُلُّ ذَلِكَ مَضَى مِنْ فِعْلِ الْقُضَاةِ، وَهَذَا مَعَ حُضُورِ الْبَيِّنَةِ فِي الْبَلَدِ وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ فَيُؤَجَّلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ اهـ. . وَفِي أُصُولِ إرْثٍ أَوْ سِوَاهُ ... ثَلَاثَةُ الْأَشْهُرِ مُنْتَهَاهُ لَكِنْ مَعَ ادِّعَاءِ بُعْدِ الْبَيِّنَةِ ... وَمِثْلُهُ حَائِزُ مِلْكٍ سَكَنَهْ مَعَ حُجَّةٍ قَوِيَّةٍ لَهُ مَتَى ... أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ مَنْ أَثْبَتَا يَعْنِي أَنَّ مُنْتَهَى الْآجَالِ فِي الْأُصُولِ كَانَتْ مِنْ إرْثٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مَعَ بُعْدِ الْبَيِّنَةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ بِيَدِهِ مِلْكٌ حَائِزٌ لَهُ فَادَّعَاهُ مُدَّعٍ وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ فَطَلَبَ الْحَائِزُ لِلْمِلْكِ التَّأْجِيلَ؛ لِيَأْتِيَ بِحُجَّةٍ ذَكَرهَا إنْ ثَبَتَتْ لَهُ كَانَ أَوْلَى بِالْمَنْزِلِ مِنْ مُدَّعِيهِ فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ أَيْضًا. (وَفُهِمَ) مِنْ قَوْلِهِ مُنْتَهَاهُ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُؤَجِّلَهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَآهُ. (وَفُهِمَ) مِنْ قَوْلِهِ (بُعْدِ الْبَيِّنَةِ) أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّأْجِيلِ فِي الْأُصُولِ بِشَهْرٍ إنَّمَا هُوَ مَعَ قُرْبِهَا. (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ) بَعْدَ ذِكْرِ جُمْلَةٍ مِنْ الْآجَالِ مَا نَصُّهُ: (وَفِي الْأُصُولِ الشَّهْرَانِ وَالثَّلَاثَةُ) لَا سِيَّمَا إذَا ادَّعَى مَغِيبَ الْبَيِّنَةِ. (وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ) وَالْآجَالُ فِي الْأُصُولِ أَوْ فِي الْعَقَارِ أَبْعَدُ مِنْهَا فِي الدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ وَيَخْتَلِفُ فِي الْآجَالِ فِي الْأُصُولِ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمَضْرُوبِ لَهُمْ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى مِلْكِهِ مَنْزِلًا بِيَدِ رَجُلٍ فَيَسْأَلُ مَنْ بِيَدِهِ الْمَنْزِلُ فَيَذْكُرُ حُجَّةً لَوْ قَامَتْ لَهُ بِهَا بَيِّنَةٌ كَانَ أَوْلَى بِالْمَنْزِلِ مِنْ مُدَّعِيهِ وَسَأَلَ ضَرْبَ الْآجَالِ، لِإِتْيَانِهِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ فَأُجِّلَ الْأَجَلَ الْوَاسِعَ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَيَمْضِي الْأَجَلُ، وَلَمْ يُحْضِرْ شَيْئًا وَيَذْكُرُ غَيْبَةَ شُهُودِهِ وَتَفَرُّقَهُمْ أَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ آخَرُ أَوْ يَقْضِي عَلَيْهِ؟ قَالَ أَمَّا الرَّجُلُ الْمَأْمُونُ الَّذِي لَا يُتَّهَمُ عَلَى الْمُدَّعِي بِبَاطِلٍ، وَلَا يَتَقَوَّلُهُ فَيَزِيدُهُ فِي الْآجَالِ وَأَمَّا الْمُلِدُّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِضْرَارَ بِخَصْمِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَمْرًا يَتَقَارَبُ شَأْنُهُ لَمْ يُخْتَبَرْ كَذِبُهُ فِي مِثْلِهِ وَبَيْعُ مِلْكٍ لِقَضَاءِ دَيْنِ ... قَدْ أَجَّلُوا فِيهِ إلَى شَهْرَيْنِ وَحَلُّ عَقْدِ شَهْرٍ التَّأْجِيلُ ... فِيهِ وَذَا عِنْدَهُمْ الْمَقْبُولُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَهُ أَصْلٌ دَارٌ أَوْ غَيْرُهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَيْسَ لَهُ قَضَاءٌ لِدَيْنِهِ إلَّا مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ لِبَيْعِ أَصْلِهِ؛ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ بَيْعُهُ فِي أَقَلَّ مِنْ

стр. 38

ذَلِكَ؛ لِافْتِقَارِهِ إلَى التَّسْوِيفِ وَمَعْرِفَةِ مَنْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي شِرَائِهِ بِتَعْرِيضِهِ لِلْبَيْعِ وَالشَّهْرَانِ فِي ذَلِكَ مَظِنَّةُ بُلُوغِ الْإِخْبَارِ عَنْ بَيْعِهِ لِمَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهُ، وَكَذَا أَجَّلُوا فِي حَلِّ الْعُقُودِ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ، وَحَلُّ الْعُقُودِ يَكُونُ بِأَشْيَاءَ: إمَّا بِظُهُورِ تَنَاقُضٍ عَلَى السَّوَاءِ فِي الِاسْتِرْعَاءِ أَوْ بِظُهُورِ تَنَاقُضٍ فِي الْمَشْهَدِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ فِي الْأَصْلِ كَاخْتِلَافِ قَوْلٍ وَاضْطِرَابِ مَقَالٍ أَوْ بِمُضَادَّةِ قَوْلِهِ لِنَصِّ مَا شُهِدَ لَهُ بِهِ وَإِمَّا بِتَجْرِيحِ شُهُودِهِمَا وَإِمَّا بِثُبُوتِ اسْتِرْعَاءٍ أَوْ إقْرَارٍ عَلَى صِفَةٍ بِعَدَاوَةٍ بَيْنَ الشُّهُودِ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ، وَإِمَّا بِثُبُوتِ اسْتِرْعَاءٍ مَعْرُوفِ السَّبَبِ فِيمَا انْعَقَدَ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِ مَعْرُوفِ السَّبَبِ فِيمَا انْعَقَدَ بِالتَّبَرُّعِ وَإِمَّا بِظُهُورِ اسْتِحَالَةٍ فِي مُتُونِ الرَّسْمِ كَذَا قَالَ الشَّارِحُ فِي أَوَّلِ بَابِ الشَّهَادَةِ. (قَالَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ) مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ النَّاضِّ فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ فِي بَيْعِ رَبْعِهِ الشَّهْرَ أَوْ أَكْثَرَ إلَى الشَّهْرَيْنِ فَهَذَا مَا عِنْدَنَا قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ الْوَلِيدِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ وَفِي الْإِعْذَارِ فِي الْبَيِّنَاتِ وَحَلِّ الْعُقُودِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا انْتَهَى. وَتُجْمَعُ الْآجَالُ وَالتَّفْصِيلُ ... فِي وَقْتِنَا هَذَا هُوَ الْمَعْمُولُ يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُجَمِّعَ الْآجَالَ وَيُعَيِّنَ لَهَا أَجَلًا مَعْلُومًا، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْصِلَهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَفِي سِوَى أَصْلٍ لَهُ ثَمَانِيَهْ . . . إلَخْ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ سِعَةٌ وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى تَفْصِيلِهَا، وَوَجْهُهُ رَجَاءُ تَمَامِ الْقَضِيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْأَجَلِ فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى الْأَجَلِ الثَّانِي وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ فَتُّوحٍ بِتَفْرِيقِ الْآجَالِ جَرَى الْعَمَلُ وَعَلَيْهِ بُنِيَتْ السِّجِلَّاتُ. [فَصْلٌ فِي الْإِعْذَارِ] ِ الْإِعْذَارُ مَصْدَرُ أَعْذَرَ إعْذَارًا إذَا بَالَغَ فِي طَلَبِ الْعُذْرِ وَقَبْلَ حُكْمٍ يَثْبُتُ الْإِعْذَارُ ... بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَذَا الْمُخْتَارُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ فَإِنْ قَالَ لَا حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً أَجَّلَهُ إلَيْهَا وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بَعِيدَةً حَكَمَ عَلَيْهِ وَكَتَبَ فِي كِتَابٍ وَمَتَى أَحْضَرَهَا فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ وَإِنْ عَجَزَ وَلَمْ يَدَّعِ شَيْئًا حُكِمَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] . وَيَثْبُتُ ذَلِكَ الْإِعْذَارُ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ الْعَمَلُ فَقَوْلُهُ وَذَا الْمُخْتَارُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ الْإِشَارَةُ إلَى كَوْنِ الْإِعْذَارِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ بَعْدَهُ وَهُمَا قَوْلَانِ كَمَا يَأْتِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إلَى قَوْلِهِ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَيَكُونُ مُقَابِلُهُ أَنَّهُ يَكْفِي الْإِعْذَارُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ. (قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يُنَفِّذَ حُكْمَهُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يُعْذِرَ إلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ وَإِنْ أَعْذَرَ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ، وَاسْتَدَلَّ قَائِلُ هَذَا بِقَوْلِهِ ﷺ «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَتُؤْخَذُ صِحَّةُ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَنُدِبَ مُتَعَدِّدٌ فِيهِ حَيْثُ جَعَلَ التَّعَدُّدَ مُسْتَحَبًّا لَا وَاجِبًا، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ اقْتَصَرَ الشَّارِحُ (ابْنُ عَرَفَةَ) الْإِعْذَارُ سُؤَالُ الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ مُوجِبُ حُكْمٍ هَلْ لَهُ مَا يُسْقِطُهُ؟ قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ وَغَيْرُهُ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي تَنْفِيذُ حُكْمٍ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يُعْذِرَ إلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥] الْآيَةَ (وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْإِعْذَارِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَقِيلَ يُعْذِرُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَبِهِ الْعَمَلُ، وَقِيلَ: يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْذِرُ إلَيْهِ وَعَلَى تَقْدِيمِ الْإِعْذَارِ قَبْلَ الْحُكْمِ ذَهَبَ النَّاظِمُ. (فَرْعٌ) . إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ إعْذَارٍ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ حُجَّةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَكَذَا إنْ أَعْذَرَ إلَيْهِ وَلَمْ يُعْجِزْهُ، نَقَلَهُ الْيَرْنَاسَنِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَدْ اسْتَطْرَدَ

стр. 39

الشَّارِحُ هُنَا ذِكْرَ الْخِلَافِ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِمَا فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَأَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجْتَزِي بِمُجَرَّدِ فَهْمِهِ أَوْ لَا مِنْ تَحْقِيقِ مَا يَسْمَعُ مِنْهُمَا دُونَ احْتِمَالٍ؟ وَكَذَا نَقَلَ الْخِلَافَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْفَهْمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي إعْمَالِ الشَّهَادَةِ بِمَا يَظْهَرُ مَنْ قَصْدِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِ ثَالِثَهَا، وَيُثْبِتُ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ بِذَلِكَ اهـ. أَيْ يُبَيِّنُ أَنَّ شَهَادَتَهُ بِالْفَهْمِ لَا بِالتَّصْرِيحِ، ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إلَى الشَّهَادَةِ بِالْفَهْمِ لَا سِيَّمَا الشَّهَادَةَ الاسترعائية، وَالْحُكْمُ لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى إنْفَاذِ الْحُكْمِ دُونَ تَحْقِيقِ الْفَهْمِ عَلَى الْخَصْمَيْنِ قَالَ وَالشَّهَادَةُ الْأَصْلِيَّةُ مِثْلُهُ، وَانْظُرْ الْبَابَ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونَ وَشَاهِدُ الْإِعْذَارِ غَيْرُ مُعْمَلِ ... فِي شَأْنِهِ الْإِعْذَارُ لِلتَّسَلْسُلِ وَلَا الَّذِي وَجَّهَهُ الْقَاضِي إلَى ... مَا كَانَ كَالتَّحْلِيفِ مِنْهُ بَدَلَا وَلَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْ شَهِدْ ... وَلَا اللَّفِيفُ فِي الْقَسَامَةِ اُعْتُمِدْ وَلَا الْكَثِيرُ فِيهِمْ الْعُدُولُ ... وَالْخُلْفُ فِي جَمِيعِهَا مَنْقُولُ عَدَّدَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ مِنْ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا يُعْذَرُ فِيهِمْ أَيْ لَا يُجَرَّحُونَ خَمْسَةٌ. (الْأَوَّلُ) الشَّاهِدُ عَلَى الْمَحْكُومِ بِالْإِعْذَارِ أَيْ بِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ فَإِذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ثُمَّ أَتَى بِحُجَّةٍ تُقْبَلُ لَوْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ، وَأَنْكَرَ الْإِعْذَارَ فَاسْتَظْهَرَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدِ الْإِعْذَارِ فَأَرَادَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْإِعْذَارَ فِي الشَّاهِدِ بِتَجْرِيحِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْإِعْذَارِ فَإِذَا أُمْكِنَ مِنْ تَجْرِيحِ شَاهِدِ الْإِعْذَارِ وَجَرَّحَهُ بَطَلَ وَصَارَ كَالْعَدَمِ وَتَعَذَّرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِعْذَارِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ تَجْرِيحَ شَاهِدِهِ فَيَتَعَذَّرُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَبَدًا وَهَذَا مُرَادُهُ بِالتَّسَلْسُلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْإِعْذَارُ الْأَوَّلُ فِي الْبَيْتِ هُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَطْعُ الْحُجَّةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِتَجْرِيحِ الشُّهُودِ أَوْ حُجَّةِ غَيْرِهِ فَيُقَالُ لِمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ: شَهِدَ عَلَيْك فُلَانٌ وَفُلَانٌ بَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَجْرِيحِهِمَا أَوْ مُعَارَضَةِ شَهَادَتِهِمَا بِمَا يُبْطِلُهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَالْإِعْذَارُ الثَّانِي الْمُرَادُ بِهِ التَّجْرِيحُ لَا غَيْرُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِعْذَارَ هُوَ مِنْ حَقِّ الْقَاضِي فَإِذَا كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ حَاضِرًا بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي وَقْتَ الْإِعْذَارِ لَمْ يُجَرِّحْ شَاهِدَهُ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِمَا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لَا يُجَرَّحُ كَمَا يَقُولُهُ النَّاظِمُ: وَلَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْ شَهِدْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لِكَوْنِهِ مَرِيضًا أَوْ امْرَأَةً لَا تَخْرُجُ فَوَجَّهَ إلَيْهِ الْقَاضِي مَنْ يُعْذِرُ إلَيْهِ فَلَا يُعْذِرُ أَيْضًا فِي الشَّاهِدِ الْمُوَجَّهِ لِذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ أَيْضًا وَلَا الَّذِي وَجَّهَهُ الْقَاضِي إلَى ... مَا كَانَ كَالتَّحْلِيفِ مِنْهُ بَدَلَا فَمَسْأَلَةُ النَّاظِمِ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَشَاهِدُ الْإِعْذَارِ) الْبَيْتِ آيِلَةٌ إلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَقَدْ عَادَتْ الْمَسَائِلُ الْخَمْسُ أَرْبَعًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا بِالْخُصُوصِ؛ لِإِرَادَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. (وَغَيْرُ مُعْمَلٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَعْمَلَ وَفِي شَأْنِهِ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَالْإِعْذَارُ نَائِبُ فَاعِلِ مُعْمَلٍ. (الثَّانِي) مِنْ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا يُعْذَرُ فِيهِمْ مَنْ وَجَّهَهُ الْقَاضِي نِيَابَةً عَنْهُ لِتَحْلِيفٍ أَوْ حِيَازَةٍ وَنَحْوِهَا. (الثَّالِثُ) الشَّاهِدُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي. (قَالَ فِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ) قَالَ الْبَاجِيُّ إنَّمَا يُعْذَرُ فِي الَّذِينَ حَضَرُوا الْحِيَازَةَ إذَا لَمْ يُوَجِّهْهُمْ الْقَاضِي لِحُضُورِ الْحِيَازَةِ وَإِنَّمَا تَوَجَّهُوا بِرَغْبَةِ الطَّالِبِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا أَرْسَلَهُمْ الْقَاضِي فَلَا يُبَاحُ الْمَدْفَعُ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَقَامُ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٌ ﷺ «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَجَعَلَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ وَلِمَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ قَالَ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَلَى الْخَصْمِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلِابْنِ رُشْدٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ دُونَ إعْذَارٍ قَالَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ. (الرَّابِعُ) إذَا شَهِدَ اللَّفِيفُ وَهُمْ جَمَاعَةٌ غَيْرُ عُدُولٍ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ عَلَى أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ لَوْثٌ تَجِبُ مَعَهُ الْقَسَامَةُ أَوْ لَيْسَ بِلَوْثٍ؟ وَالْمَشْهُورُ لَيْسَ بِلَوْثٍ وَعَلَى كَوْنِهِ لَوْثًا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَا اللَّفِيفُ فِي الْقَسَامَةِ اُعْتُمِدَ فَلَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ عَدَمُ الْعَدَالَةِ وَلَا يُجَرَّحُونَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُمْ وَعَدَّهَا

стр. 40

لَوْثًا إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ فَكَيْفَ يُجَرِّحُ مَنْ دُخِلَ عَلَى عَدَمِ عَدَالَتِهِ وَتَجْرِيحِهِ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِلنَّاظِمِ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ فِي أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ الْمُوجِبِ لِلْقَسَامَةِ حَيْثُ قَالَ: أَوْ بِكَثِيرٍ مِنْ لَفِيفِ الشُّهَدَا إلَخْ (الْخَامِسُ) شَهَادَةُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ مِنْهُمْ عُدُولٌ أَوْ غَيْرُهُمْ فَلَا يُجَرَّحُونَ أَيْضًا وَلَا يُعْذَرُ فِيهِمْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ أَبِي الْخَيْرِ الزِّنْدِيقِ الْمُلَقَّبِ لِزَنْدَقَتِهِ بِأَبِي الشَّرِّ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الزَّنْدَقَةِ الْوَاضِحَةِ عَدَدٌ كَثِيرٌ ثَبَتَتْ عَدَالَةُ نَحْوِ عِشْرِينَ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُ مِنْ ضِعْفِهِمْ اسْتِظْهَارًا فَأَفْتَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَصَاحِبُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ بِقَتْلِهِ دُونَ إعْذَارٍ، وَأَشَارَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فَأَخَذَ النَّاظِرُ فِي أَمْرِهِ بِالْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِعْذَارِ اهـ. مِنْ الشَّارِحِ. (وَفِي التَّوْضِيحِ) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُعْذَرُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: أَمَّا لَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِمَحْضَرِ الْقَاضِي فَهَلْ يُعْذَرُ إلَيْهِ فِيهِمْ أَوْ لَا يُعْذَرُ لِكَوْنِهِ سَمِعَ إقْرَارَهُ مَعَهُمْ؟ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: لِابْنِ الْفَخَّارِ وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ وَبِهِ مَضَى الْعَمَلُ. (قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ) يُعْذَرُ فِي كُلِّ الشُّهُودِ إلَّا خَمْسَةً: أَوَّلُهَا: هَذَا. ثَانِيهَا: مَنْ وَجَّهَهُ الْحَاكِمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، ثَالِثُهَا: الْمُزَكِّي فِي السِّرِّ رَابِعُهَا: الْمُبْرَزُ فِي الْعَدَالَةِ وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ بِالْعَدَاوَةِ لَا غَيْرُ، خَامِسُهَا: مَنْ قُبِلَ شَهَادَتُهُ بِالتَّوَسُّمِ (خَلِيلٌ) وَتَزْدَادُ سَادِسَةٌ نُقِلَتْ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَمَ عَلَى وَزِيرٍ فِي قَضِيَّةٍ وَهُوَ غَائِبٌ فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ أَخْبِرْنِي بِمَنْ شَهِدَ عَلَيَّ فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ مِثْلُك لَا يُخْبَرُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ يَعْنِي، وَإِنْ كَانَ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُخْبَرُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِالشَّهَادَةِ فَلَعَلَّ لَهُ حُجَّةً وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ اهـ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ مِنْ هَذِهِ السِّتِّ إلَّا الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، فَمَجْمُوعُهَا إذًا تِسْعُ مَسَائِلَ خَمْسَةٌ فِي النَّظْمِ وَأَرْبَعَةٌ فِي التَّوْضِيحِ، وَهِيَ الثَّالِثَةُ وَمَا بَعْدَهَا وَانْظُرْ تَزْكِيَةَ السِّرِّ فِي قَوْلِهِ: وَشَاهِدٌ تَعْدِيلُهُ بِاثْنَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ - وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِالتَّوَسُّمِ - هِيَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدَ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ الَّتِي حَلُّوا أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَجَازُوا شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلَا سُخْطَةٍ إلَّا عَلَى التَّوَسُّمِ لَهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ خَاصَّةً، وَالتَّوَسُّمُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَسْمِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ. (وَعَنْهُ ﷺ ) «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» اُنْظُرْ الْبَابَ السَّادِسَ وَالثَّلَاثِينَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ التَّوَسُّمِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَسَتَأْتِي هَذِهِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ وَمَنْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ قَدْ ظَهَرْ ... زُكِّيَ إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرْ [فَصْلٌ فِي خِطَابِ الْقُضَاةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ] ِ الْخِطَابُ هُوَ أَنْ يَكْتُبَ قَاضِي بَلَدٍ إلَى قَاضِي بَلَدٍ آخَرَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حَقِّ الْإِنْسَانِ مِنْ بَلَدِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ عَلَى آخَرَ فِي بَلَدِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَيُنَفِّذُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ ذَلِكَ فِي بَلَدِهِ، فَيَقَعُ الْحُكْمُ هُنَالِكَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: (قُبِلَ وَالْحُكْمُ فِي الْمَشْهُورِ) الْبَيْتَ. ثُمَّ الْخِطَابُ لِلرُّسُومِ إنْ طُلِبْ ... حَتْمٌ عَلَى الْقَاضِي وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ

стр. 41

يَعْنِي أَنَّ خِطَابَ الْقَاضِي لِلرُّسُومِ إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ صَاحِبُهَا، فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَالرُّسُومُ جَمْعُ رَسْمٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الصُّكُوكُ وَكَانَ اللَّامُ فِي. (لِلرُّسُومِ) بِمَعْنَى فِي عَلَى حَدِّ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أَيْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ ثُمَّ خِطَابُ الْقَاضِي لِقَاضٍ آخَرَ فِي الرُّسُومِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِلرُّسُومِ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الرُّسُومِ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَكُونُ بِالرَّسْمِ وَيَكُونُ بِمُشَافَهَةِ الْقَاضِي لِلْقَاضِي كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَابَهَةٍ إنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ وَبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا. . . إلَخْ) وَكِلَاهُمَا وَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ الشَّارِحُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ إنْ حَكَمَ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَبِكُلِّ حُجَّةٍ لَهُ مِنْ تَعْدِيلٍ وَتَجْرِيحٍ وَمُوجِبِ حُكْمِهِ؛ لِيَكُونَ لَهُ حُجَّةً عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إنْ نَازَعَهُ وَيَكْتُبُ بِمَا حَكَمَ بِهِ لِحَاضِرٍ عَلَى غَائِبٍ أَبْهَمَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ أَوْ عَيَّنَهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. (مَنْ ثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ قَاضٍ فَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِذَلِكَ كِتَابًا إلَى أَيِّ الْآفَاقِ كَانَ لَا يُسَمِّي قَاضِيًا بِعَيْنِهِ وَلَا بَلَدًا بِعَيْنِهَا) (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) هُوَ كَمَا قَالَ اتِّفَاقًا (قَالَ الشَّارِحُ) وَمَا يُلْحَقُ بِذَلِكَ النَّظَرِ فِي الْخِطَابِ وَفِي مَحَلِّهِ مِنْ الرَّسْمِ الْمُخَاطَبِ بِهِ وَفِي كَيْفِيَّتِهِ (قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ) وَشَأْنُ قُضَاةِ وَقْتِنَا كَتْبُ الْخِطَابِ أَسْفَلَ وَثِيقَةِ ذِكْرِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَهْرِ الصَّحِيفَةِ أَوْ أَحَدِ عَرْضَيْهَا إنْ عَجَزَ أَسْفَلَهَا، وَرُبَّمَا كَانَ فِي وَرَقَةٍ مُلْصَقَةٍ بِالْوَثِيقَةِ إنْ تَعَذَّرَ الْمَوْضِعُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاسْتَخَفَّ قُضَاةُ زَمَانِنَا تَرْكَ ذَلِكَ فِي مُخَاطَبَاتِ الْوَثَائِقِ وَأُرَاهُمْ لِاكْتِفَائِهِمْ بِالِاسْتِفْتَاحِ الْوَاقِعِ فِي صَدْرِ الْعَقْدِ، وَإِعَادَةُ ذَلِكَ أَوْلَى لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ فَصْلٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَكْتُبَ أَعْلَمَ بِصِحَّةِ الرَّسْمِ الْمُقَيَّدِ فَوْقَ هَذَا عَلَى مَا يَجِبُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْأَجَلَّ أَبَا فُلَانِ بْنَ فُلَانٍ أَدَامَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَتَسْدِيدَهُ، وَلِيُّهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ. وَذِكْرُهُ تَارِيخَ الْمُخَاطَبَةِ أَحْسَنُ وَأَحْوَطُ لِاحْتِمَالِ عَزْلِ الْقَاضِي الْكَاتِبَ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْعِلْمُ بِعَزْلِهِ فَيَدْخُلُهُ الْخِلَافُ فِي إعْمَالِ خِطَابِهِ وَعَدَمِ إعْمَالِهِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي خَاطَبَ بِقَبُولِهَا وَثُبُوتِ الْحَقِّ بِهَا رُبَّمَا انْتَقَلَتْ حَالُهُمْ إلَى جُرْحَةٍ حَدَثَتْ، فَإِذَا تَأَخَّرَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ ثُمَّ أَعْذَرَ لِمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَلَمْ يَكُنْ تَارِيخٌ أَمْكَنَهُ إبْطَالُهُ بِإِثْبَاتِ جُرْحَةِ الْبَيِّنَةِ الْآنَ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ التَّارِيخِ لِسَلَامَةِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ مِنْ الْجُرْحَةِ الْحَادِثَةِ وَإِنَّمَا قَدَّمُوا فِي التَّخَاطُبِ مَفْعُولَ أَعْلَمَ وَهُوَ اسْمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ عَلَى الْفَاعِلِ الْكَاتِبِ تَعْظِيمًا لَهُ وَاهْتِمَامًا بِهِ اهـ. بِبَعْضٍ اخْتِصَارٍ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى. (وَقَدْ نَقَلَ) الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ كَلَامَ ابْنِ الْمُنَاصِفِ الْمَنْقُولَ آنِفًا فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ وَإِذَا كَتَبَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ فَمَاتَ الَّذِي كَتَبَ الْكِتَابَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَوَصَلَ الْكِتَابُ إلَى مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ فَالْكِتَابُ جَائِزٌ يُنَفِّذُهُ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا كُتِبَ لِغَيْرِهِ اهـ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ فُرُوعٍ رَأَيْت إثْبَاتَهَا هُنَا لِغَرَابَتِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْقَاصِرِ مِثْلِي. (أَحَدُهَا) بِمَ يَثْبُتُ خَطُّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ قَالَ فِيهِ مَا حَاصِلُهُ: إنَّهُ اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِنَا عَلَى

стр. 42

قَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ وَالْحُقُوقِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّهِ دُونَ إشْهَادِهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَاتَمٍ مَعْرُوفٍ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّهِ دُونَ إشْهَادِهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَاتَمٍ، ثُمَّ وَجْهُ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ. (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ إنْ ثَبَتَ خَطُّ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ عَارِفَةٍ بِالْخُطُوطِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ إلَيْهِ - فَجَائِزٌ عِنْدِي بِمَعْرِفَةِ قَبُولِهِ خَطَّهُ وَقَبُولِ سَحْنُونٍ كُتُبَ أُمَنَائِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ لِأَنَّ وُرُودَ كِتَابِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ عِنْدَهُ بِذَلِكَ، فَقَبُولُهُ الْكِتَابَ بِمَا عَرَفَهُ مِنْ خَطِّهِ كَقَبُولِهِ بِبَيِّنَةٍ بِمَا عَرَفَ مِنْ عَدَالَتِهَا. (الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ كِتَابُ قَاضٍ إلَيْهِ فِي حَقٍّ يَتَأَخَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْكِتَابِ عِنْدَهُ الَّذِي قَبِلَهُ بِمَعْرِفَةِ خَطِّهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَمَاتَ أَوْ عُزِلَ وَقَدْ مَاتَ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ أَوْ عُزِلَ وَخَلَفَ مَكَانَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ قَاضٍ آخَرُ أَلْجَأَ صَاحِبَ الْحَقِّ؛ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْكِتَابِ عِنْدَهُ بِشُهُودٍ عَلَى الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَهُ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ أَنَّهُ كِتَابُهُ إذْ لَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ إنْ كَانَ الَّذِي كَتَبَهُ مَاتَ أَوْ عُزِلَ لِمَا نُبَيِّنُهُ، وَهُوَ أَنَّ ثُبُوتَ كِتَابِهِ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ كَمُشَافَهَتِهِ بِسَمَاعِ نُطْقِهِ ذَلِكَ وَسَمَاعِ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي وِلَايَتِهِ وَأَمَّا بَعْدَ عَزْلِهِ فَلَا اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ إنْ شِئْت. (الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَتَجُوزُ مُخَاطَبَةُ قُضَاةِ الْإِمَامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَلَوْ وَلَّى بَعْضُ قُضَاةِ الْإِمَامِ قُضَاةً فِي عَمَلِهِ لِبُعْدِ الْمَحَلِّ عَنْهُ صَحَّ مُخَاطَبَتُهُ إيَّاهُمْ وَمُخَاطَبَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إنْ أَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ قَصَرَهُمْ عَلَى مُخَاطَبَتِهِ لَمْ تَجُزْ مُخَاطَبَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؛ لِأَنَّهُمْ وُكَلَاؤُهُ فَلَا يَتَعَدَّوْا مَا حَدَّهُ لَهُمْ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاطِبَهُمْ قَاضِي إقْلِيمٍ غَيْرِ الَّذِي وَلَّاهُمْ وَلَا يُخَاطِبُوهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الَّذِي وَلَّاهُمْ، وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُ الْقَاضِي قُضَاتَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ جَازَتْ مُخَاطَبَتُهُمْ مُطْلَقًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ. (الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَشَأْنُ قُضَاةِ وَقْتِنَا كَتْبُ الْخِطَابِ فِي أَسْفَلَ وَوَثِيقَةِ ذِكْرِ الْحَقِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْ الشَّارِحِ أَوَّلَ شَرْحِ هَذَا الْبَيْتِ فَرَاجِعْهُ. (السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَدَمُ تَسْمِيَةِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَغَالِبُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُ إنْ كَانَ الَّذِي كَتَبَ الْإِعْلَامَ هُوَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِتُونُسَ فَإِنَّهُ لَا يَكْتُبُ فِي آخِرِ خِطَابِهِ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْكَاتِبُ غَيْرَهُ كَتَبَ فِي إعْلَامِهِ لَفْظَ السَّلَامِ. . . إلَخْ، وَذَكَرَ لِي بَعْضُ مَنْ يُوثَقُ بِهِ أَنَّهُ وَرَدَ خِطَابٌ مِنْ قَاضِي بِجَايَةَ إلَى تُونُسَ وَالْقَاضِي بِهَا يَوْمئِذٍ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظُ السَّلَامِ فَتَوَقَّفَ فِي قَبُولِهِ (قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ) وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ فِعْلَ الْإِعْلَامَ حَالًا وَكَتَبَ أُعْلِمُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَرَفْعِ آخِرِ الْفِعْلِ، ثُمَّ يَقُولُونَ بَعْدَ ذِكْرِ اسْمِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَكَتَبَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ أَسْفَلَ الْعَقْدِ الْمُقَيَّدِ فَوْقَ هَذَا أَوْ صَحَّ بِالرَّسْمِ أَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. (السَّابِعُ) إنْ اشْتَمَلَتْ الصَّحِيفَةُ عَلَى عُقُودٍ كَثِيرَةٍ صَحَّ جَمِيعُهَا عِنْدَهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ أَعْلَمْت الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْقَاضِيَ أَبَا فُلَانٍ بِصِحَّةِ الرُّسُومِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْأَرْبَعَةِ الْمُقَيَّدَةِ أَوْ الرَّسْمَيْنِ الْمُقَيَّدَيْنِ فَوْقَ كِتَابِي هَذَا أَوْ بِمَقْلُوبِهِ، وَإِنْ صَحَّ بَعْضُهَا دُونَ جَمِيعِهَا نَصَّ عَلَى مَا صَحَّ مِنْهُ إمَّا بِأَنْ يَقُولَ الْمُقَيَّدُ أَوَّلَ هَذَا الصَّفْحِ الْمُوَالِي لِكِتَابِي هَذَا أَوْ يُعَيِّنُهُ تَعْيِينًا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ فَيَذْكُرُ الْحَقَّ بِعَيْنِهِ. (الثَّامِنُ) إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ الْمُخَاطَبِ عَلَيْهِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَكَانَ فِيهِ شُهُودٌ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا خَاطَبَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ صَحَّ فِي الرَّسْمِ، وَلَا اسْتَقَلَّ وَلَا ثَبَتَ بَلْ يَقُولُ أُعْلِمُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ أَبَا فُلَانٍ بِقَبُولِ شَهَادَةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْمُسَمَّى عَقِبَ ذِكْرِ الْحَقِّ الْمُقَيَّدِ فَوْقَ هَذَا فِيمَا شَهِدَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يَجِبُ وَشِبْهُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فَيَحْلِفُ صَاحِبُهَا مَعَ الشَّاهِدِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَأَمَّا الْوَكَالَاتُ وَالْحُدُودُ وَمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَلَيْسَ لِلْمُخَاطَبَةِ فِيهِ عَلَى الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَجْهٌ إلَّا إنْ رُجِيَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ

стр. 43

شَاهِدٌ آخَرُ فَإِنْ أَحَلَفَهُ الْقَاضِي الْكَاتِبُ وَثَبَتَتْ يَمِينُهُ عِنْدَهُ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ كَمَا يَجِبُ قَالَ: أُعْلِمُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْقَاضِي أَبَا فُلَانٍ بِصِحَّةِ الرَّسْمِ الْمُقَيَّدِ فَوْقَ هَذَا بِشَهَادَةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ فُلَانٍ عَلَى صِحَّةِ مَا شُهِدَ لَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَثُبُوتِهِ عِنْدِي كَمَا يَجِبُ بَعْدَ سُؤَالِهِ الْإِذْنَ مِنِّي فِي الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ، وَرَأَيْت إبَاحَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَكَتَبَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. (التَّاسِعُ) إنْ كَانَ الْخِطَابُ بِقَبُولِهِ خِطَابًا وَصَلَ إلَيْهِ كَتَبَ: أُعْلِمُ الشَّيْخَ أَبَا فُلَانٍ بِقَبُولِهِ الْخِطَابَ الثَّابِتَ عِنْدِي الْمُرْتَسِمَ فَوْقَ هَذَا أَوْ يَمْنَتَهُ أَوْ يَسْرَتَهُ أَوْ مَقْلُوبَهُ. (الْعَاشِرُ) إذَا لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي تَحْتَ الْعَقْدِ خِطَابًا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْإِعْلَامِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ عِنْدَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى أَنْ كَتَبَ صَحَّ الرَّسْمُ عِنْدِي أَوْ اسْتَقَلَّ وَكَتَبَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَذَلِكَ لَغْوٌ غَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُهُ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ اهـ. وَإِلَى كَوْنِ ثَبَتَ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِخِطَابٍ أَشَارَ ابْنُ عَاصِمٍ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ يُغْنِي كَتْبُ قَاضٍ كَاكْتَفَى الْبَيْتَيْنِ (الْحَادِيَ عَشَرَ) مِمَّا تَسَامَحَ فِيهِ أَهْلُ فَاسَ وَعَمَلُهَا وَلَا يُعْلَمُ لَهُ أَصْلُ شَهَادَةِ عُدُولِهِمْ عَلَى تَسْجِيلِ قَاضِيهِمْ فَإِذَا وَضَعَ الْقَاضِي خَطَّهُ كَتَبَ الشَّاهِدُ شَهِدَ عَلَى إشْهَادِ مَنْ ذُكِرَ بِمَا فِيهِ عَنْهُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى خَطِّهِ وَكَيْفَ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ بَيْنَ مَقْعَدِهِ وَدُكَّانِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ إلَّا قَدْرَ خُطْوَةٍ أَوْ أَقَلَّ؟ وَمِمَّا يَتَسَامَحُونَ فِيهِ أَيْضًا رُسُومُ إثْبَاتِ الْأُصُولِ إذَا ثَبَتَ الرَّسْمُ عِنْدَ الْقَاضِي وَوَقَّعَ عَلَيْهِ اكْتَفَى فَتُحَازُ عَنْهُمْ، كَتَبَ الْمُوَثِّقُ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَضَرَ عَنْ إذْنِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ إلَى أَنْ قَالَ: فَحَاصِلُهُ أَنَّ شَاهِدَيْ الْحِيَازَةِ وَهُمَا الشَّاهِدَانِ عَلَى الْقَاضِي بِأَنَّهُ قَدَّمَهُمَا لِلْحِيَازَةِ وَأَذِنَ لَهُمَا فِيهَا فَكَيْفَ تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا وَقَدْ كَانَ الْعَدْلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ دِشَارٍ يُحَدِّثُ أَنَّ عَادَتَهُمْ كَانَتْ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْحِيَازَةِ تَكُونُ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَشْهَدَانِ عَلَى الْقَاضِي بِصِحَّةِ الرَّسْمِ وَبِتَوْجِيهِ الْآخَرَيْنِ لِلْحِيَازَةِ وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْحَائِزَيْنِ بِالْحِيَازَةِ، وَلَا إشْكَالَ فِي هَذَا. قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى ثَمَانِيَةِ عُدُولٍ: اثْنَانِ يَشْهَدَانِ بِالْمِلْكِيَّةِ وَاسْتِمْرَارِهَا وَاثْنَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْقَاضِي بِتَقْدِيمِ اثْنَيْنِ لِلْحِيَازَةِ وَاثْنَانِ يَحُوزَانِ أَعْنِي اللَّذَيْنِ قَدَّمَهُمَا الْقَاضِي لِلْحِيَازَةِ يَقُولَانِ هَذَا الَّذِي حُزْنَاهُ وَتَطَوَّفْنَا بِهِ هُوَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ عِنْدَ قَاضِي كَذَا بِأَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ مَثَلًا، وَاثْنَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْحَائِزَيْنِ بِالْحِيَازَةِ وَيَكْتَفِي بِأَرْبَعَةٍ: اثْنَانِ يَشْهَدَانِ بِالْمِلْكِيَّةِ وَاسْتِمْرَارِهَا وَاثْنَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْقَاضِي بِتَقْدِيمِ شُهُودِ الْمِلْكِ لِلْحَوْزِ وَبِأَنَّهُمَا حَازَا، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ الْحَائِزَانِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدَّمَهُمَا لِلْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِأَنْفُسِهِمَا وَلَا أَنَّهُمَا حَازَا لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمَا. وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّدَاخُلُ بَيْنَ شَهِيدَيْ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فَيَكُونُ شَهِيدَيْ الْمِلْكِ هُمَا الْحَائِزَيْنِ وَبَيْنَ شَهِيدَيْ تَقْدِيمِ الْقَاضِي لِلْحِيَازَةِ وَشَهِيدَيْ الْحَوْزِ، فَيَكُونُ شَهِيدَيْ التَّقْدِيمِ عَلَى الْجَوَازِ هُمَا شَاهِدَيْ الْحَوْزِ. (الثَّانِي عَشَرَ) قَالَ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ أَيْضًا وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ إنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَتَبَ إلَيْهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَضَاءِ فِي فَهْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَدِينِهِ وَوَرَعِهِ غَيْرُ مَخْدُوعٍ قَبِلَ كِتَابَهُ. (قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ) عَنْهُ عَنْ أَشْهَبَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَقْبَلْهُ. (وَقَالَ سَحْنُونٌ) يُكَاتِبُ غَيْرَ الْعَدْلِ بِإِنْفَاذِ الْأَمْرِ وَلَا يَقْبَلُ كِتَابَهُ. (قَالَ أَشْهَبُ) لَا يَقْبَلُ كِتَابَ غَيْرِ الْعَدْلِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ لَا يَشُكُّ فِي صِحَّتِهِ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ إنْ جَاءَهُ بِكِتَابِ قَاضٍ لَا يَعْرِفُ عَدَالَتَهُ وَلَا سُخْطَتَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْجَامِعَةِ كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْقَيْرَوَانِ وَالْأَنْدَلُسِ فَلْيُنَفِّذْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَمَحْمَلُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَمَّا قُضَاةُ الْكُورِ الصِّغَارِ فَلَا يُنَفِّذُهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ. (الثَّالِثَ عَشَرَ) فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى سُئِلَ عَنْ الْقَاضِي يَكْتُبُ إلَى قَاضٍ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَنْسَابِ وَالْمَوَارِيثِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَيَكْتُبُ: أَتَانِي فُلَانٌ بِشُهُودٍ عُدِّلُوا عِنْدِي وَقَبِلْت شَهَادَتَهُمْ وَلَا يُسَمِّيهِمْ فِي كِتَابِهِ أَيَجُوزُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَهَذَا قَضَاءُ الْقُضَاةِ أَرَأَيْت إنْ سَمَّاهُمْ لَهُ أَيَعْرِفُهُمْ أَمْ تَنْبَغِي عَدَالَةٌ أُخْرَى وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ أَمْ يَسْتَأْنِفُ فِيهِمْ حُكْمًا غَيْرَ مَا حَكَمَ بِهِ وَفَرَغَ مِنْهُ؟ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ. (قَالَ الْعُتْبِيُّ) قَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ الْبَيِّنَةَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ لِيَجِدَ سَبِيلًا إلَى دَفْعِ شَهَادَتِهِمْ عَنْهُ وَهُوَ عِنْدِي بَيِّنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ

стр. 44

الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوْ مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ أَنْ يَصِلَ نَظَرَهُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ، فَإِنْ كَتَبَ بِثُبُوتِ شَهَادَتِهِمْ فَقَطْ لَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ شَهَادَتِهِمْ وَنَظَرَ فِي تَعْدِيلِهِمْ، وَإِنْ كَتَبَ بِتَعْدِيلِهِمْ أَوْ بِقَبُولِهِ إيَّاهُمْ أَعْذَرَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِيهِمْ وَإِنْ كَتَبَ أَنَّهُ أَعْذَرَ إلَيْهِ فَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ أَمْضَى الْحُكْمَ عَلَيْهِ ا. هـ. مُخْتَصَرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ فِي الْأَقْضِيَةِ. (الْخَامِسَ عَشَرَ) لَيْسَ قَوْلُ الْقَاضِي: ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا حُكْمًا مِنْهُ بِمُقْتَضَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعَمُّ مِنْهُ ا. هـ. بِاخْتِصَارٍ. (قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ) - سَمَحَ اللَّهُ لَهُ بِفَضْلِهِ - وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الثُّبُوتَ أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ قَوْلُهُمْ: ثَبَتَ عِنْدَنَا مَوْتُ الْخَلِيفَةِ وَخِصْبُ أَرْضِ كَذَا وَثَبَتَ عِنْدَنَا ظُلْمُ فُلَانٍ وَعَدَاوَتُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عَلِمُوهُ بِالْخَبَرِ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ مِنْ أَفْوَاهِ الْعُدُولِ مِمَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يَنْتَصِبَ إلَيْهِ الْحُكَّامُ وَيَطْلُبَ فِيهِ الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامُ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَعْنَى بِالثُّبُوتِ لُغَةً حُصُولُ الْأَمْرِ وَتَحَقُّقُهُ اُنْظُرْ كَلَامَهُ إنْ شِئْت. وَإِلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِ قَوْلِ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا حُكْمًا أَوْ لَيْسَ بِحُكْمٍ أَشَارَ الْإِمَامُ سَيِّدِي عَلِيٌّ الزَّقَّاقُ بِقَوْلِهِ فِي الْمَنْهَجِ الْمُنْتَخَبِ فِي قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ: وَالْحُكْمُ وَالثُّبُوتُ شَيْءٌ اتَّحَدْ ... وَقِيلَ غَيْرَانِ عَلَى ذَا يُعْتَمَدْ اُنْظُرْ شَرْحَ الشَّيْخِ الْمَنْجُورِ. (قَالَ الشَّيْخُ ﵀) وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى قَبُولِ مَا ... خَاطَبَهُ الْقَاضِي بِمِثْلٍ أَعْلَمَ وَلَيْسَ يُغْنِي كَتْبُ قَاضٍ كَاكْتَفَى ... عَنْ الْخِطَابِ وَالْمَزِيدُ قَدْ كَفَى وَإِنَّمَا الْخِطَابُ مِثْلُ أَعْلِمَا ... إذْ مُعْلِمًا بِهِ اقْتَضَى وَمُعْلَمَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَالْفَصْلُ بَيْنَهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ مُضَمَّنَ مَعْنَاهَا وَحَاصِلَهُ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْعَمَلَ جَرَى فِي زَمَنِ النَّاظِمِ عَلَى قَبُولِ خِطَابِ الْقُضَاةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِقَوْلِهِ أَعْلَمَ بِاسْتِقْلَالِهِ أَوْ ثُبُوتِهِ فُلَانٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَلَا يَكْفِي فِي الْخِطَابِ أَنْ يَقُولَ اكْتَفَى أَوْ ثَبَتَ أَوْ اسْتَقَلَّ وَنَحْوَهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِي ذَلِكَ عَنْ زِيَادَةِ الشُّهُودِ فَقَطْ. وَأَمَّا الْخِطَابُ فَلَا يَكْفِي فِيهِ إلَّا مِثْلُ أَعْلَمَ. . . . إلَخْ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْخِطَابُ مِثْلُ أَعْلَمَا هُوَ تَكْرَارٌ مَعَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ بِزِيَادَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، وَهُوَ إنَّمَا وَبَيَانُ تَوْجِيهِ كَوْنِ اكْتَفَى وَنَحْوِهِ لَا يَكْفِي فِي الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ إذْ مُعْلِمًا بِهِ اقْتَضَى وَمُعْلَمًا وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: شَخْصٌ مُعْلِمٌ بِكَسْرِ اللَّامِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَهُوَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ وَالثَّانِي شَخْصٌ مُعْلَمٌ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، وَيَصِحُّ الْعَكْسُ وَهُوَ فَتْحُ اللَّامِ فِي الْأَوَّلِ وَكَسْرُهَا فِي الثَّانِي وَبِالضَّرُورَةِ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَمْرٍ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ أَعْلَمَ بِهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ، فَضَمِيرُ بِهِ فِي الْبَيْتِ الثَّالِثِ لِلْأَمْرِ الْمَعْلُومِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمُعْلِمُ. وَالْمُعْلَمُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَالْمَجْرُورُ يَتَنَازَعُ فِيهِ مُعْلَمٌ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَاقْتَضَى بِمَعْنَى طَلَبَ وَأَفْهَمَ فَقَوْلُهُمْ فِي الْخِطَابِ أَعْلَمَ بِاسْتِقْلَالِهِ أَوْ بِثُبُوتِهِ فُلَانٌ أَعْلَمَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَالْمِيمِ فِعْلٌ مَاضٍ، وَفَاعِلُهُ هُوَ الِاسْمُ الْمُكَنَّى عَنْهُ بِفُلَانٍ الَّذِي هُوَ الْمُعْلِمُ لِغَيْرِهِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ حُذِفَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا لِلْعُمُومِ عَلَى حَدِّ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أَيْ: جَمِيعَ عِبَادِهِ، وَتَقْدِيرُهُ هُنَا مَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ يَعْنِي مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ فَيَشْمَلُ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَتَوَلَّى بَعْدَهُ لِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ. وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ بِثُبُوتِهِ أَوْ اسْتِقْلَالِهِ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِأَعْلَمَ وَضَمِيرُ ثُبُوتِهِ لِلرَّسْمِ أَيْ أَعْلَمَ كَاتِبَهُ الْوَاقِفَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الرَّسْم يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ؛ لِاسْتِجْمَاعِهِ شُرُوطِ الْحُكْمِ بِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ وَعَدَم تَوَقُّفِهِ عَلَى غَيْرِهِ. (قَالَ الشَّارِحُ) قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا الْخِطَابُ) الْبَيْتُ يَعْنِي أَنَّ الْخِطَابَ الْمُعْمَلَ بِهِ عِنْدَ الْقُضَاةِ هُوَ أَعْلَمَ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُعْلِمِ وَتَعْيِينِ الْمُعْلَمِ أَوْ اقْتِضَائِهِ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِمَا يُمَاثِلُ هَذَا اللَّفْظَ لَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحُ إذْ لَيْسَ لَفْظَةُ أَعْلَمَ بِخُصُوصِهَا بِوَاجِبَةٍ الْوُجُوبَ الَّذِي لَوْ تُعُدِّيَ لَبَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَتْ لِوُقُوعِ

стр. 45

اخْتِيَارِ الْقُضَاةِ عَلَيْهَا لِاسْتِيفَائِهَا الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ فِي الْوَضْعِ، وَلَوْ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ مَثَلًا بِسِوَاهَا لَمَا كَانَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا تَقَرَّرَ الِاصْطِلَاحُ بِالْإِعْلَامِ لَزِمَ فَلَوْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي خِطَابًا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْإِعْلَامِ بِصِحَّةِ الْحَقِّ عِنْدَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى أَنْ كَتَبَ صَحَّ الرَّسْمُ عِنْدِي أَوْ ثَبَتَ أَوْ اسْتَقَلَّ وَكَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَذَلِكَ لَغْوٌ غَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُهُ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ اهـ. كَلَامُ الشَّارِحِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ لَا يَكْتُبَ الْقَاضِي اسْمَهُ الْمُكَنَّى عَنْهُ بِلَفْظِ الْخِطَابِ بِفُلَانٍ بِالْكِتَابَةِ الْمَعْهُودَةِ الَّتِي يَقْرَؤُهَا كُلُّ وَاحِدٍ بَلْ يَكْتُبُ بِتَخْلِيطٍ وَتَعْمِيَةٍ وَيُسَمِّي الْعَلَامَةَ، وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يُزَوِّرَ وَيُخَاطِبُ غَيْرُ الْقَاضِي عَلَى لِسَانِهِ، وَكَذَلِكَ الِاصْطِلَاحُ فِي وَضْعِ الشَّاهِدِ اسْمَهُ فِي الْعَقْدِ لِئَلَّا يَكْتُبَ اسْمَهُ غَيْرُهُ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ مَا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ، وَمِمَّا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ وَيَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى عَلَامَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يُنَوِّعُهَا فَيَقَعُ الِالْتِبَاسُ فِي شَهَادَتِهِ وَلَمَّا ذَكَرَ النَّاظِمُ أَنَّ الْخِطَابَ يَكُونُ بِأَعْلَمَ وَبِمِثْلِهِ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ خَافَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ لَفْظَ اكْتَفَى وَنَحْوَهُ وَاسْتَقَلَّ وَصَحَّ وَثَبَتَ تَكْفِي فِي الْخِطَابِ بِهَا أَيْضًا، فَرَفَعَ هَذَا الْوَهْمَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ يُغْنِي كَتْبُ قَاضٍ كَاكْتَفَى) الْبَيْتَ. فَالْكَافُ الدَّاخِلَةُ عَلَى اكْتَفَى أَيْضًا اسْمٌ بِمَعْنَى مِثْلِ مَفْعُولُ كَتْبُ وَكَتْبُ فَاعِلُ يُغْنِي وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ قَاضٍ وَكَمَّلَ بِالْمَفْعُولِ وَهُوَ الْكَافُ أَيْ بِمِثْلِ اكْتَفَى وَصَحَّ وَنَحْوُهُمَا، وَلَيْسَ هُنَا حَرْفٌ بِمَعْنَى لَا النَّافِيَةِ وَعَنْ الْخِطَابِ يَتَعَلَّقُ بِيُغْنِي أَيْ: لَا يُغْنِي عَنْ الْخِطَابِ وَلَا يَكْفِي عَنْهُ الْمُخَاطَبَةُ بِمِثْلِ اكْتَفَى وَنَحْوِهَا، وَلَمَّا نَفَى الِاكْتِفَاءَ بِهِ فِي الْخِطَابِ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى مَا يُفِيدُهُ وَمَا يُفْهَمُ مِنْهُ، فَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: وَالْمَزِيدَ قَدْ كَفَى أَيْ إنَّمَا يَكْفِي اكْتَفَى وَثَبَتَ وَنَحْوُهُمَا عَنْ زِيَادَةِ الشُّهُودِ فَقَطْ، وَلَا يَكْفِي عَنْ الْخِطَابِ. (قَالَ الشَّارِحُ) مَا جَرَى بِهِ عُرْفُ بَلَدِنَا الْأَنْدَلُسِيَّةِ مِنْ كَتْبِهِمْ اكْتَفَى فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ لَا يَطْلُبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشُهُودٍ زِيَادَةً عَلَى مَا حَصَلَ فِي الْعَقْدِ، وَأَنَّ اللَّفْظ لَا يُغْنِي عَنْ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يَكْفِي الْمَشْهُودُ لَهُ عَنْ زِيَادَةِ الشُّهُودِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسْمَ قَدْ اسْتَقَلَّ عِنْدَ الْقَاضِي اهـ فَقَوْلُهُ: وَالْمَزِيدَ مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ أَيْ كَفَى لَفْظُ اكْتَفَى وَمَا أَشْبَهَهُ عَنْ زِيَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى مَا حَصَلَ فِي الْعَقْدِ لَا عَنْ الْخِطَابِ فَلَا يَكْفِي عَنْهُ فَالْمَزِيدُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْ الزِّيَادَةُ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ اكْتَفَى وَشِبْهَهُ لَا يَكْفِي عَنْ الْخِطَابِ بَيْنَ مَا يَكُونُ بِهِ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا لَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا الْخِطَابُ مِثْلُ أَعْلِمَا الْبَيْتَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَإِطْلَاقُ النَّاظِمِ فِي إعْمَالِ الْخِطَابِ بِمَا ذَكَرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ (قَالَ الشَّارِحُ) وَتَقْيِيدُ الْعَمَلَ بِالْيَوْمِ يُؤْذِنُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ حَيْثُ حَدَثَ الضَّرْبُ عَلَى الْخُطُوطِ بِاسْتِصْحَابِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْعَمَلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْكِتَابِ الْمَخْتُومِ، وَكَانَ الْعَمَلُ الْآنَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْخِطَابِ دُونَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْكِتَابِ الْمَخْتُومِ وَذَلِكَ؛ لِضَرُورَةِ فَقْدِ الْعُدُولِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ مِنْ نُدُورِ أَحْكَامِ الضَّرْبِ عَلَى الْخَطِّ فَاسْتُحْسِنَ الرُّجُوعُ إلَى الْعَمَلِ الْقَدِيمِ. (قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) قُلْت لَهُ: فَالْقَاضِي إذَا كَتَبَ إلَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ وَعُدِّلُوا وَكَانُوا قَدْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَيَقْبَلُ الْقَاضِي الَّذِي جَاءَهُ الْكِتَابُ الْبَيِّنَةَ الَّتِي فِي الْكِتَابِ، وَيَقْضِي بِهَا قَالَ نَعَمْ اهـ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ فَائِدَتَانِ الْأُولَى فِي قَوْلِ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي ثَلَاثُ نُكَتٍ: أُولَاهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ وَثَانِيهَا: هُوَ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ صَنَّفَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَثَالِثُهَا: هَلْ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْبَيِّنَةَ أَمْ لَا؟ . (قَالَ الْمَازِرِيُّ) : مِنْ الْحِكْمَة وَالْمَصْلَحَة مَنْعُ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ خَوْفَ كَوْنِهِ غَيْرَ عَدْلٍ فَيَقُولُ عَلِمْت فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْبَيِّنَةَ وَقَدْ رَكَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَ: لَا يُقْبَلُ حَتَّى يُسَمِّيَ الْبَيِّنَةَ وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ ثُمَّ قَالَ الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنَاصِفِ إنْ ثَبَتَ وَاكْتَفَى وَصَحَّ وَاسْتَقَلَّ كَالْمُتَرَادِفَةِ وَذَكَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَخُصُّ اسْتَقَلَّ بِالْعُدُولِ وَاكْتَفَى بِإِثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ وَثَبَتَ بِمَا عَدَاهُمَا. (وَعَنْ الْعُقْبَانِيِّ)

стр. 46

اسْتَقَلَّ لِلْمُبَرَّزِينَ وَثَبَتَ لِمَنْ يُقَارِبُهُمْ، وَاكْتَفَى لِمَنْ دُونَ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فِي شَرْحِ الْيَرْتَاسِيِّ عَنْ الْعُقْبَانِيِّ أَيْضًا وَنَصُّهُ: جَرَى الْعَمَلُ فِي زَمَانِنَا هَذَا فِي تِلِمْسَانَ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ مُدُنِ الْمَغْرِبِ بِتَصْرِيحِ الْخِطَابِ بِالْإِعْلَامِ بِالِاسْتِقْلَالِ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ الرُّسُومِ بِشَهَادَةِ الْمُبَرَّزِينَ مِنْ الْعُدُولِ وَبِالثُّبُوتِ فِيمَا ثَبَتَ دُونَهُمْ وَبِالِاكْتِفَاءِ بِالْأَدْنَى فَهِيَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ، وَأَمَّا بِالْجَزَائِرِ وَمَا وَالَاهَا فَالْخِطَابُ عِنْدَهُمْ بِالثُّبُوتِ وَالِاكْتِفَاءِ فَقَطْ ا. هـ. (تَنْبِيهٌ) هَذَا مَا يَكْتُبُهُ الْقَاضِي الَّذِي يُخَاطِبُ قَاضِيًا آخَرَ وَأَمَّا الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْخِطَابِ بِاسْمِهِ وَقَّعَ تَحْتَهُ أُعْلِمْتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لَا تَعْيِينَ فِيهِ أَوْ عُيِّنَ فَمَاتَ أَوْ عُزِلَ وَقَّعَ مَنْ خَلْفَهُ قَبِلْت، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَا غَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ يَمُتْ مُخَاطِبٌ أَوْ عُزِلَا ... رُدَّ خِطَابُهُ سِوَى مَا سَجَّلَا وَاعْتَمَدَ الْقَبُولَ بَعْضُ مَنْ قَضَى ... وَمُعْلَمٌ يَخْلُفُهُ وَالِي الْقَضَا وَالْحَكَمُ الْعَدْلُ عَلَى قَضَائِهِ ... خِطَابُهُ لَا بُدَّ مِنْ إمْضَائِهِ تَعَرَّضَ فِي الْأَبْيَاتِ لِمَا إذَا خَاطَبَ قَاضٍ قَاضِيًا آخَرَ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ عُزِلَ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْقَاضِي الْمُخَاطِبُ بِالْكَسْرِ أَوْ عُزِلَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَمَدُ خِطَابُهُ وَيُعْمَلُ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّ خِطَابَهُ وَلَمْ يَعْتَمِدْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَإِلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رُدَّ خِطَابُهُ ثُمَّ قَالَ وَاعْتَمَدَ الْقَبُولَ بَعْضُ مَنْ قَضَى أَيْ بَعْضُ الْقُضَاةِ. وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا لَمْ يُسَجِّلْ الْحُكْمَ، وَأَمَّا إنْ سَجَّلَهُ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ عَدْلَيْنِ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ وَأَنْفَذَهُ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا سَوَاءٌ بَقِيَ عَلَى قَضَائِهِ أَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (سِوَى مَا سَجَّلَا) (فَإِنْ قُلْت) كَلَامُنَا فِي خِطَابِ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِقَاضِي بَلَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ وَالتَّنْفِيذُ فِي بَلَدِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُسَجِّلُ الْمُخَاطِبُ الْحُكْمَ وَيُنَفِّذُهُ، وَإِنَّمَا يُنَفِّذُهُ الْقَاضِي الْمَنْهِيُّ إلَيْهِ الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ؟ . (قُلْت) يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَكَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَعَ طَالِبِهِ فِي بَلَدِ الطَّالِبِ، فَيُنَفِّذُ قَاضِيهَا الْحُكْمَ عَلَيْهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: قَبِلَ وَحَيْثُ يُلْفِيه بِمَا فِي الذِّمَّةِ يَطْلُبُهُ، ثُمَّ يَكْتُبُ لِقَاضِي بَلَدِ الْمَطْلُوبِ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَأَمْضَاهُ لِيَكُنْ الطَّالِبُ مِنْ مَالِ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فِي بَلَدِ الْحُكْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ أَوْ عُزِلَ فَإِنَّ مَنْ وُلِّيَ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ يَخْلُفُهُ وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ فِي إنْفَاذِ مَا طَلَبَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا مُسَمًّى فِي الْخِطَابِ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمُعْلَمٌ يَخْلُفُهُ وَالِي الْقَضَا فَمُعْلَمٌ بِفَتْحِ اللَّامِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَعْلَمَ ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَإِنْ يَمُتْ مُخَاطِبٌ أَوْ عُزِلَا فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُخَاطِبَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ إذَا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَوْتٌ وَلَا عُزِلَ - فَإِنَّ خِطَابَهُ مَاضٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) فَإِنْ مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَوَصَلَ الْكِتَابُ إلَى مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ أَنْفَذَهُ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا كَتَبَ إلَى غَيْرِهِ وَفِي آخِرِ كِتَابِ الرَّجْمِ مِنْهَا وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَوْ عُزِلَ اهـ. أَيْ فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ يُنَفِّذُهُ فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هِيَ قَوْلُهُ وَمُعْلِمٌ يَخْلُفُهُ وَالِي الْقَضَا وَاَلَّتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الرَّجْمِ هِيَ قَوْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ مَوْتِ الْقَاضِي الْكَاتِبُ: وَاعْتَمَدَ الْقَبُولَ بَعْضُ مَنْ قَضَى (قَالَ الشَّارِحُ) وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا إنْ مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ وَفِي دِيوَانِهِ شَهَادَاتُ الْبَيِّنَاتِ وَعَدَالَتُهَا: لَمْ يَنْظُرْ فِيهَا مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ وَلَمْ يُجِزْهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَإِنْ قَالَ الْمَعْزُولُ: قَدْ شَهِدْت بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدِي لَمْ يُقْبَلْ. قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ شَاهِدًا بِذَلِكَ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رُدَّ خِطَابُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ سِوَى مَا سَجَّلَا إلَى مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ الْعَمَلُ قَالَ إشْهَادُ الْحَاكِمِ بِحُكْمِهِ يُوجِبُ حَقًّا لِلْمَحْكُومِ لَهُ وَلَوْ مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ الْمَحْكُومُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ قَبْلَ حَوْزِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِمَا حَكَمَ لَهُ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا اهـ. وَلَفْظُ مُخَاطِبٍ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَاعِلُ سَجَّلَا يَعُودُ عَلَى الْمُخَاطِبِ، وَالْقَبُولَ مَفْعُولُ اعْتَمَدَ وَبَعْضُ فَاعِلُهُ وَمُعْلَمٌ بِفَتْحِ اللَّامِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَالْحَكَمُ بِفَتْحَتَيْنِ وَاحْتَرَزَ بِالْعَدْلِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ خِطَابَهُ لَا يُقْبَلُ. (قَالَ فِي النَّوَادِرِ) عَنْ

стр. 47

الْمَجْمُوعَةِ إنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَتَبَ إلَيْهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَضَاءِ فِي فَهْمِهِ وَدِينِهِ وَوَرَعِهِ غَيْرُ مَخْدُوعٍ قَبِلَ كِتَابَتَهُ (قَالَ) ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَشْهَبَ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ الْعَدْلُ إنَّ ابْنِي ثَبَتَ لَهُ عِنْدِي بَيِّنَةُ كَذَا لَمْ يَقْبَلْهُ، وَكَانَ كَالشَّاهِدِ لَهُ فَإِنْ أَجَازَهُ لَمْ يَفْسَخْهُ مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ وَفِي الْأَدَاءِ عِنْدَ قَاضٍ حَلَّ فِي ... غَيْرِ مَحَلِّ حُكْمِهِ الْخُلْفُ اُقْتُفِيَ وَمَنْعُهُ فِيهِ الْخِطَابَ الْمُرْتَضَى ... وَسَوَّغَ التَّعْرِيفَ بَعْضُ مَنْ مَضَى ذَكَرَ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ مُتَنَاسِبَةَ الْمَعْنَى، وَهِيَ إذَا حَلَّ الْقَاضِي بِغَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ هَلْ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ هُنَالِكَ بَيِّنَةً شَاهِدَةً بِحَقٍّ لِمَنْ يَكُونُ فِي وِلَايَتِهِ وَتُؤَدَّى شَهَادَتُهَا عِنْدَهُ هُنَالِكَ أَوْ لَا؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُخَاطِبَ رَسْمًا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِمَوْضِعِ وِلَايَتِهِ وَلَمْ يُخَاطِبْهُ هُنَالِكَ وَافْتَقَرَ إلَى خِطَابِهِ هُنَا أَوْ لَا؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُعَرِّفَ قَاضِي مَوْضِعِ حُلُولِهِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ الرَّسْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ خِطَابِهِ إيَّاهُ؟ وَنَقَلَ النَّاظِمُ الْخِلَافَ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وَأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْخِطَابِ هُوَ الْمُرْتَضَى (قَالَ الشَّارِحُ) وَمَا ضَمَّنَهُ الشَّيْخُ فِي الْبَيْتَيْنِ هُوَ مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ ابْنِ الْحَكَمِ إنْ حَلَّ قَاضٍ مَحَلًّا بِغَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَةً عَلَى مَنْ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كِتَابِهِ بِذَلِكَ إلَى أَحَدٍ، وَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ حَالِ بَيِّنَةٍ شُهِدَتْ عِنْدَهُ. (وَفِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الْقُضَاةِ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ) إنْ بَعَثَ الْإِمَامُ الْقَاضِيَ لِبَعْضِ الْأَمْصَارِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْعَامَّةِ فَحَلَّ بِهِ - فَلَهُ أَنْ يَسْمَعَ فِيهِ بَيِّنَةً بِحَقٍّ عَلَى غَائِبٍ فِي عَمَلِهِ، وَيَسْأَلُ مَنْ قَامَ بِهَا تَعْدِيلَهَا وَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ قَاضِيَ ذَلِكَ الْمِصْرِ عَنْهُمْ وَيَجْتَزِي بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ عَدَالَتِهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ الْخَصْمَانِ عِنْدَهُ بِذَلِكَ الْمِصْرِ لِلْمُخَاصَمَةِ عِنْدَهُ وَمَا يَخْتَصِمَانِ فِيهِ فِي بَلَدِ الْقَاضِي الْغَائِبِ عَنْ قُطْرِهِ لَمْ يَنْظُرْ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ كَتَرَاضِيهِمَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، وَبَعْضُ جَوَابِ أَصْبَغَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. (وَسَأَلْت) ابْنَ عَتَّابٍ عَنْ قَاضٍ حَلَّ بِغَيْرِ بَلَدِهِ وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِبَلَدِهِ حَقٌّ لِرَجُلٍ فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُخَاطِبَ بِهِ قَاضِيَ مَوْضِعِ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ خِطَابُهُ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُنَفِّذَ. (قُلْت لَهُ) فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الثَّابِتُ عِنْدَهُ بِبَلَدِهِ عَلَى مَنْ هُوَ بِمَوْضِعِ احْتِلَالِهِ فَأَعْلَمَ قَاضِيَ الْمَوْضِعِ بِذَلِكَ مُشَافَهَةً بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَيَكُونُ كَمُخَاطَبَتِهِ بِذَلِكَ؟ قَالَ: لَيْسَ مِثْلَهُ (قُلْت) مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إخْبَارِهِ بِهِ وَيَشْهَدُ عِنْدَهُ بِذَلِكَ وَيُنَفِّذُهُ كَمَا يَشْهَدُ بِمَا يَجْرِي فِي مَجْلِسِهِ مِنْ إقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ وَيَقْضِي بِهِ؟ ، قَالَ: لَيْسَ مِثْلَهُ وَلَكِنْ إنْ أَشْهَدَ هَذَا الْقَاضِي الْمُخْبِرُ بِذَلِكَ شَاهِدَيْنِ فِي مَنْزِلِهِ وَشَهِدَا بِذَلِكَ عِنْدَ قَاضِي الْمَوْضِعِ نَفَذَ وَجَازَ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَرَأَيْت فُقَهَاءَ طُلَيْطِلَةَ يُجِيزُونَ إخْبَارَ الْقَاضِي الْمُحْتَلِّ بِذَلِكَ الْبَلَدِ وَيُنَفَّذُ وَيَرَوْنَهُ كَمُخَاطَبَتِهِ إيَّاهُ. (قَالَ الشَّارِحُ) فَمَعْنَى الْبَيْتِ الْأَوَّلِ هُوَ مُقْتَضَى مَا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَمَنْعُ الْخِطَابِ هُوَ مُرْتَضَى ابْنِ عَتَّابٍ وَالتَّعْرِيفُ هُوَ الَّذِي أَسْنَدَ ابْنُ سَهْلٍ لِفُقَهَاءِ طُلَيْطِلَةَ وَعَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فُقَهَاءُ طُلَيْطِلَةَ الْعَمَلُ عِنْدَ قُضَاةِ الْجَمَاعَةِ بِالْحَضْرَةِ اهـ. فَقَوْلُ النَّاظِمِ: (فِي الْأَدَاءِ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَعِنْدَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَدَاءِ وَجُمْلَةُ حَلَّ صِفَةٌ لِقَاضٍ وَالْخُلْفُ مُبْتَدَأٌ وَاقْتُفِيَ صِفَةٌ. (الْخُلْفُ) (وَمَنْعُهُ) مُبْتَدَأٌ. (وَالْخِطَابَ) مَفْعُولُ (مَنْعُ) مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ الْمُرْتَضَى. وَقَوْلُهُ: بَعْضُ مَنْ مَضَى يُفْهِمُ الْخِلَافَ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ يُغْنِي) الْبَيْتَيْنِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا إثْرَ قَوْلِهِ: (وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى قَبُولِ مَا) الْبَيْتَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ أَنْسَبُ لَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . وَيُثْبِتُ الْقَاضِي عَلَى الْمَحْوِ وَمَا ... أَشْبَهَهُ الرَّسْمَ عَلَى مَا سَلِمَا يَعْنِي أَنَّ الرَّسْمَ إذَا كَانَ بِهِ مَحْوٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ حَرْقُ نَارٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَصْحِيحَهُ أَوْ الْخِطَابَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ قُضَاةٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُصَحِّحُ وَيُخَاطِبُ بِمَا سَلِمَ مِنْ فُصُولٍ لَا عَلَى جَمِيعِهِ. (قَالَ الشَّارِحُ) وَيَنُصُّ فِي كِتَابِهِ عَلَى مُنْتَهَى مَا اُبْتُدِئَ بِهِ الْمَحْوُ أَوْ الْبَشْرُ وَمُبْتَدَأُ مَا انْتَهَى إلَيْهِ اهـ أَيْ الْكَلِمَةُ الَّتِي

стр. 48

قَبْلَ ابْتِدَاءِ الْمَحْوِ وَاَلَّتِي بَعْدَ انْتِهَائِهِ فَقَوْلُهُ: (وَيُثْبِتُ الْقَاضِي) فِعْلٌ وَفَاعِلٌ (وَالرَّسْمَ) مَفْعُولٌ وَعَلَى الْمَحْوِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفِ صِفَةٍ لِلرَّسْمِ أَيْ: الرَّسْمِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَحْوِ، وَمَا أَشْبَهَ الْمَحْوَ مِنْ قَطْعٍ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى مَا سَلِمَ بَدَلٌ مِنْ الرَّسْمِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، أَيْ عَلَى مَا سَلِمَ مِنْهُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الطُّرُرِ فَإِنْ وَقَعَ فِي الْوَثِيقَةِ مَحْوٌ أَوْ بَشْرٌ أَوْ ضَرْبٌ فِي مَوَاضِعِ الْعَدَدِ مِثْلِ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ أَوْ أَجَلِهَا أَوْ تَارِيخِ الْوَثِيقَةِ سُئِلَتْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ حَفِظَتْ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا الْوَثِيقَةَ مَضَتْ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظُوا سُئِلَتْ عَنْ الْبَشْرِ فَإِنْ حَفِظُوهُ مَضَتْ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَحْفَظُوهُ سَقَطَتْ الْوَثِيقَةُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْعَقْدِ لَمْ يَضُرَّ الْوَثِيقَةَ وَلَمْ يُوهِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَذَرْ عَنْهُ اهـ. مِنْ الْبَابِ الثَّامِنِ مِنْ الْفَائِقِ لِلْوَنْشَرِيسِيِّ وَعِنْدَمَا يَنْفُذُ حُكْمٌ وَطُلِبْ ... تَسْجِيلُهُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَجِبْ وَمَا عَلَى الْقَاضِي جُنَاحٌ لَا وَلَا ... مِنْ حَرَجٍ إنْ ابْتِدَاءً فَعَلَا يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ عَلَى الْخَصْمِ وَطَلَبَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ مِنْ الْقَاضِي تَسْجِيلَ الْحُكْمِ أَيْ كَتْبَهُ فِي سِجِلٍّ، أَيْ صَكٍّ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي لِمَنْ طَلَبَهُ لِيُحَصِّنَ بِهِ لِنَفْسِهِ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ مَفْسَدَةِ تَجْدِيدِ الْخُصُومَةِ وَتَعْنِيتِ الْمَطْلُوبِ فِيهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ النِّزَاعِ بِاسْتِئْنَافِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنْ فَعَلَهُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلَبَ بِهِ جَازَ. (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَإِنْ طَلَبَ الْقَائِمُ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ الْقَاضِي بِمَا أَثْبَتَهُ مِنْ مِلْكِهِ لِلْعَقَارِ الَّذِي كَانَ بِيَدِ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْقَاضِي قَدْ أَعْذَرَ إلَى الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ ثَبَتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ وَعَجَزَ عَنْ الْمَدْفَعِ، فَإِنَّهُ يُسَجِّلُ لَهُ اهـ. بِاخْتِصَارٍ وَاقْتِصَارٍ عَلَى مَحَلِّ الْحُجَّةِ. وَسَاغَ مَعَ سُؤَالِهِ تَسْجِيلُ مَا ... لَمْ يَقَع النِّزَاعُ فِيهِ كُلَّمَا يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَسْجِيلُ مَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ النِّزَاعُ إذَا سُئِلَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْصِينِ لَهُ وَالِاسْتِعْدَادِ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ رُسُومِ الْأَحْبَاسِ الَّتِي يَهْلِكُ شُهُودُهَا وَيُشْهِدُ عَلَى خُطُوطِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ خِضَامٌ (قَالَ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ) وَإِذَا سُئِلَ الْقَاضِي إثْبَاتَ مَا لَا خُصُومَةَ فِيهِ وَالتَّسْجِيلَ، فَإِنْ شَاءَ أَجَابَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِبْ اهـ. (وَتَسْجِيلُ) فَاعِلُ سَاغَ (وَمَعْ) يَتَعَلَّقُ بِهِ أَوْ بِمَحْذُوفٍ حَالٍ، (تَسْجِيلِ) . وَسَائِلُ التَّعْجِيزِ مِمَّنْ قَدْ قَضَى ... يُمْضِي لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالْقَضَا إلَّا ادِّعَاءَ حَبْسٍ أَوْ طَلَاقِ ... أَوْ نَسَبٍ أَوْ دَمٍ أَوْ عَتَاقِ ثُمَّ عَلَى ذَا الْقَوْلِ لَيْسَ يُلْتَفَتْ ... لِمَا يُقَالُ بَعْدَ تَعْجِيزٍ ثَبَتْ يَعْنِي أَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ إذَا سَأَلَ مِنْ الْقَاضِي تَعْجِيزَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَيُمْضِي عَلَيْهِ حُكْمَ التَّعْجِيزِ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ فِيهِ التَّحَاكُمُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ النَّاظِمُ مِنْ الْحُبْسِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَالدَّمِ وَالْعَتَاقِ فَإِذَا عَجَزَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ فَلَا يُلْتَفَتُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ، وَلَا يُنْظَرُ لَهُ إلَّا فِي تِلْكَ الْأُمُورِ الْمُسْتَثْنَاةِ دُونَ غَيْرِهَا. (قَالَ ابْنُ سَهْلٍ) وَإِذَا انْقَضَتْ الْآجَالُ وَالتَّلَوُّمُ وَلَمْ يَأْتِ الْمُؤَجَّلُ لَهُ بِشَيْءٍ يُوجِبُ نَظَرًا عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَأَنْفَذَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ وَسَجَّلَ وَقَطَعَ بِذَلِكَ شَغَبَهُ عَنْ خَصْمِهِ فِي ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ لَا تُسْمَعُ بَعْدَ ذَلِكَ حُجَّةٌ إنْ أَتَى بِمَكَانِ هَذَا الْمُؤَجَّلِ الْعَاجِزِ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ وَالنَّسَبُ. (قَالَ ابْنُ سَهْلٍ) وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْحُبُسُ وَطَرِيقُ الْعَامَّةِ وَشِبْهُ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهِمْ، وَلَيْسَ عَجْزُ طَالِبِهِ يُوجِبُ مَنْعَهُ وَمَنْعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّظَرِ لَهُ إنْ أَتَى بِوَجْهٍ. (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) زِيَادَةُ الدَّمِ عَلَى الْمُسْتَثْنَيَاتِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا عِنْدَ النَّاظِمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِعْذَارِ وَالتَّعْجِيزِ أَنَّ الْإِعْذَارَ سُؤَالُ الْحَاكِمِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا أَوْ بَقِيَتْ وَأَنْظَرَهُ لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ فِي الْوَجْهِ

стр. 49

الثَّانِي، وَذَلِكَ هُوَ التَّعْجِيزُ اهـ. وَفِي التَّوْضِيحِ مَا ذَكَرَهُ أَيْ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ يَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ هُوَ التَّعْجِيزَ اهـ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْمُوَثِّقِينَ بِإِفْرَادِ عَقْدِ التَّعْجِيزِ، وَإِنَّمَا يُضَمِّنُونَهُ عَقْدَ السِّجِلَّاتِ فَنَقُولُ: أَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا قَامَ عِنْدَهُ وَادَّعَى عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَكَلَّفَ الْقَائِمَ الْإِثْبَاتَ وَأَجَّلَهُ أَجَلًا بَعْدَ أَجَلٍ ثُمَّ تَلَوَّمَ لَهُ فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ فَسَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَعْجِيزَ وَقَطْعَ دَعْوَاهُ عَنْهُ، فَأَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ وَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِي أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ؟ فَقَالَ: لَا فَاسْتَبَانَ لَهُ عَجْزُهُ فَعَجَّزَهُ وَقَطَعَ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَلَبَهُ وَتَعْنِيَتَهُ، وَسَجَّلَ بِذَلِكَ وَأَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَارِيخِ كَذَا ا. هـ. بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ. (فَرْعٌ) فَإِنْ حَكَمَ عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ. (تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْجِزَ إذَا أَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ تُسْمَعْ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ: وَثَانِيهَا: أَنَّهَا تُسْمَعُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ دُونَ الْمَطْلُوبِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ، وَأَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بِالتَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ حُجَّةً، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ عَلَى ذَا الْقَوْلِ إلَى. (إذَا قِيلَ بِإِمْضَاءِ التَّعْجِيزِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُلْتَفَتْ) إلَى مَا يَأْتِي بِهِ فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَعْجِيزِهِ أَنَّهُ يُنْظَرُ لِمَا يَأْتِي بِهِ وَيُعْمَلُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الشُّهُودِ وَأَنْوَاعِ الشَّهَادَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] َ الشُّهُودُ جَمْعُ شَاهِدٍ، وَأَنْوَاعُ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي خَمْسَةٌ، وَالشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ خَبَرَانِ غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنِ، فَهُوَ الرِّوَايَةُ كَقَوْلِهِ ﵊: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْخَلْقِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ هَذَا دِينَارٌ، فَإِنَّهُ إلْزَامُ الْمُعَيَّنِ لَا يَتَعَدَّاهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ، وَالثَّانِي هُوَ الشَّهَادَةُ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا قَائِلًا مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ مَنْقُوضٍ بِأَنَّهَا قَدْ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّيٍّ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْوَقْفِ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ كَالْإِخْبَارِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ الْمُعَيَّنَيْنِ. (وَأَجَابَ) عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْعُمُومَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْعَرْضِ، وَالْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ الْجُزْئِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوُقُوفِ إنَّمَا هُوَ الْوَاقِفُ لِيَنْزِعَ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ، وَكَوْنُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَا يَقْدَحُ، وَعَنْ الثَّانِي الْإِخْبَارُ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُعَيَّنِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صِفَةٌ كُلِّيَّةٌ، لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَاءٍ مُمَاثِلٍ لَهُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي حُكِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ مُمَاثِلٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ. وَشَاهِدٌ صِفَتُهُ الْمَرْعِيَّةُ تَيَقُّظٌ عَدَالَةٌ حُرِّيَّهْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ صِفَةَ الشَّاهِدِ الْمَقْبُولِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّ بَعْضَهَا مُصَرَّحٌ بِهِ وَبَعْضَهَا دَاخِلٌ فِيهِ بِالتَّضَمُّنِ. (أَوَّلُهَا الْعَدَالَةُ) وَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذَا. (قَالَ الشَّارِحُ) : وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي أَدَائِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَا يُرْضَى لَيْسَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ. (الثَّانِي التَّيَقُّظُ) : وَهُوَ الْفِطْنَةُ وَالتَّحَرُّزُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ أَوْ الْبَلَهِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ مِنْ أَهْلِ الْحِيَلِ فَيَشْهَدُ بِالْبَاطِلِ. (قَالَ الشَّارِحُ) : وَاشْتِرَاطُ التَّيَقُّظِ أَخَصُّ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ فَيَسْتَلْزِمُهُمَا حَسْبَ مَا مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي شُرُوطِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ التَّيَقُّظَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ إلَّا مَنْ حَصَلَ لَهُ مُطْلَقُ وَصْفِ الْعَقْلِ لِكَوْنِ التَّيَقُّظِ زِيَادَةً عَلَيْهِ فَأَحْرَى أَنْ تَحْصُلَ مَظِنَّةُ الْعَقْلِ الَّتِي هِيَ الْبُلُوغُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ الِاكْتِفَاءُ دُونَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَقَدْ اُشْتُرِطَ مَا لَا يَكُونُ تَامًّا إلَّا بَعْدَ حُصُولِهِمَا؟ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فَاشْتِرَاطُ التَّيَقُّظِ

стр. 50

يَتَضَمَّنُ شَرْطَيْ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَاكْتِفَائِهِ بِهِ دُونَهُمَا. (الثَّالِثُ الْحُرِّيَّةُ) : وَهِيَ شَرْطٌ فِي الشَّاهِدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ مِنْ الْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَأَمْثَالِهِمَا لَا تَلِيقُ بِذَوِي الرِّقِّ. (قَالَ الشَّارِحُ) : " لِكَوْنِهِ بَقِيَّةً مِنْ الْبَقَايَا اللَّاحِقَةِ مِنْ شُؤْمِ الْكُفْرِ أَوْ سِوَى ذَلِكَ مِمَّا عُلِّلَ بِهِ " (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : " وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ اتِّفَاقًا " (قَالَ الشَّارِحُ مَا مَعْنَاهُ) : إنْ حُمِلَ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى الْمُنْتَصِبِ لِلشَّهَادَةِ حَسْبَمَا سَبَقَ بِهِ الِاعْتِذَارُ فِي شَرْطِ التَّيَقُّظِ فَهَلَّا اشْتَرَطَ الذُّكُورِيَّةَ لِذَلِكَ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اكْتَفَى بِالْإِتْيَانِ فِي لَفْظِ الشَّاهِدِ بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ عَنْ اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ، أَوْ أَنَّ الذُّكُورِيَّةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِي الشَّاهِدِ فِي الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ (فَإِنْ قِيلَ) : شَرْطُ عَدَمِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهَلْ هُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الشَّيْخِ فَنَقَصَهُ مِنْ النَّظْمِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَوْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَسَكَتَ عَنْهُ قَصْدًا؟ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَالِ الْحَجْرِ إلَّا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَمَنْ كَانَ جَارِيَ التَّصَرُّفِ عَلَى الرُّشْدِ فَأَفْعَالُهُ جَائِزَةٌ نَافِذَةٌ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، وَمَنْ كَانَ بِعَكْسِ ذَلِكَ فَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا عِنْدَهُ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ كَانَ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي اعْتِبَارِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ إذَا وُجِدَتْ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا إذَا لَمْ تُوجَدْ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ، وَيَكُونُ قَدْ نَقَصَهُ الشَّيْخُ ﵀ وَلَا اعْتِذَارَ عَنْ نَقْصِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إلَّا مُسَامَحَةَ قَصْدِ الِاخْتِصَارِ فِي عَدَمِ الِاسْتِيفَاءِ، اهـ بِاخْتِصَارٍ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى. وَالْعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ ... وَيَتَّقِي فِي الْغَالِبِ الصَّغَائِرَ وَمَا أُبِيحَ وَهُوَ فِي الْعِيَانِ ... يَقْدَحُ فِي مُرُوءَةِ الْإِنْسَانِ لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ الشَّاهِدِ وَكَانَتْ الْعَدَالَةُ مِنْ جُمْلَتِهَا بَيَّنَهَا فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الَّذِي يَجْتَنِبُ الذُّنُوبَ الْكَبَائِرَ دَائِمًا، كَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَيَتَّقِي أَيْضًا الذُّنُوبَ الصَّغَائِرَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَيَتَّقِي أَيْضًا الْأَمْرَ الْمُبَاحَ الَّذِي يَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ: كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ، وَالْمَشْيِ حَافِيًا فِي بَلَدٍ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ وَيَتَّقِي فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ النَّادِرَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَسْلَمُ مِنْهُ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: " مِنْ الرِّجَالِ رِجَالٌ لَا تُذْكَرُ عُيُوبُهُمْ " قَالَ ابْنُ يُونُسَ: " إذَا كَانَ عَيْبُهُ خَفِيفًا " وَالْأَمْرُ كُلُّهُ حَسَنٌ فَلَا يُذْكَرُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنْهُ أَحَدٌ فِي الصَّلَاحِ، وَقَدْ حَدَّ بَعْضُهُمْ الْعَدَالَةَ بِقَوْلِهِ: هِيَ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ، وَحِفْظُ الْمُرُوءَةِ وَقَيَّدَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ الصَّغَائِرَ بِصَغَائِرِ الْخِسَّةِ قَالُوا: كَتَطْفِيفِ حَبَّةٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، وَأَمَّا غَيْرُهَا كَالنَّظَرِ لِأَجْنَبِيَّةٍ فَلَا تَقْدَحُ، وَفِي تَقْسِيمِ الذُّنُوبِ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ خِلَافٌ اُنْظُرْ الدُّرَّ الثَّمِينَ فِي شَرْحِ الْمُرْشِدِ الْمُعِينِ. فَالْعَدْلُ ذُو التَّبْرِيزِ لَيْسَ يَقْدَحُ ... فِيهِ سِوَى عَدَاوَةٍ تُسْتَوْضَحُ

стр. 51

وَغَيْرُ ذِي التَّبْرِيزِ قَدْ يُجَرَّحُ ... بِغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَقْبَحُ ذَكَرَ فِي الْبَيْتَيْنِ مَا لَا يُجَرَّحُ بِهِ الشَّاهِدُ وَمَا يُجَرَّحُ بِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَدْلَ مُبَرِّزٌ وَغَيْرُ مُبَرِّزٍ، فَالْمُبَرِّزُ لَا يُقْدَحُ فِيهِ وَلَا يُجْرَحُ إلَّا بِالْعَدَاوَةِ يَعْنِي: وَالْقَرَابَةَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُقْدَحُ فِيهِ وَيُجَرَّحُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ قَبِيحٍ. (قَالَ اللَّخْمِيُّ) : " يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ فِي الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا، وَيُسْمَعُ فِي الْمُبَرِّزِ وَالْمَعْرُوفِ بِالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ إذَا طُلِبَ، ذَلِكَ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْعَدَاوَةِ، أَوْ الْهِجْرَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْبَلُ فِيهِ الْجَرْحُ مِنْ وَجْهِ الْإِسْفَاهِ فَمَنَعَهُ أَصْبَغُ، وَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ " اهـ (وَفِي الْمُخْتَصَرِ) وَقَدْحٌ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ وَفِي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ، أَوْ قَرَابَةٍ وَأَنَّ بِدُونِهِمَا كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ، وَالْمُبَرِّزُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَّزَ بِالتَّشْدِيدِ إذَا فَاقَ أَصْحَابَهُ، وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ إذَا سَبَقَ، (قَالَ فِي الْقَامُوسِ) : رَجُلٌ بَرْزٌ وَبَرْزِيٌّ عَفِيفٌ مَوْثُوقٌ بِعَقْلِهِ وَرَأْيِهِ، وَقَدْ بَرُزَ كَكَرُمَ، وَبَرَّزَ تَبْرِيزًا فَاقَ أَصْحَابَهُ فَضْلًا أَوْ شَجَاعَةً، وَالْفَرَسُ عَنْ الْخَيْلِ سَبَقَهَا وَرَاكِبُهُ نَجَّاهُ. اهـ (وَفِي الْمِعْيَارِ) عَنْ التَّنْبِيهَاتِ هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ سَابِقًا غَيْرَهُ مُتَقَدِّمًا فِيهَا، وَأَصْلُهُ مِنْ تَبْرِيزِ الْخَيْلِ فِي السَّبْقِ وَتَقَدُّمِ سَابِقِهَا وَهُوَ الْمُبَرِّزُ لِظُهُورِهِ وَبُرُوزِهِ أَمَامَهَا. اهـ. قَالَ غَيْرُهُ هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَّزَ مُشَدَّدُ الرَّاءِ وَأَصْلُهُ بَرَزَ خَفِيفَةٌ بِمَعْنَى خَرَجَ إلَى الْبَرَازِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ الْفَضَاءُ الْمُتَّسِعُ مِنْ الْأَرْضِ وَضُوعِفَ تَكْثِيرًا. اهـ (قَالَ فِي الْمِعْيَارِ) وَعَوَامُّ الْوَقْتِ، بَعْضُ الطَّلَبَةِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْمُبَرِّزَ فِي الْعَدَالَةِ مَنْ تَصَدَّى وَبَرَزَ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، أَوْ الْقَاضِي لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَبَيْعِهَا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يُمَثِّلُ الْمُبَرِّزَ بِالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ وَنُظَرَائِهِ وَمَا أَقَلَّ هَذَا الْوَصْفَ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْمِسْكِينِ بَلْ كَادَ أَنْ يُعْدَمَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكُنْت وَقَفْتُ عَلَى بَعْضِ أَجْوِبَةِ شَيْخِنَا الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - وَهُوَ يَقُولُ فِيهِ: " وَالتَّبْرِيزُ فِي زَمَانِنَا مَعْدُومٌ كَانْعِدَامِ بَيْضِ الْأَنْوَاقِ " (قَالَ) الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ الْقُورِيُّ: " وَالْمُبَرِّزُ فِي الْعَدَالَةِ الْمُنْقَطِعُ فِي الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَأَيْنَ هُوَ الْيَوْمَ؟ إنَّمَا هُوَ فِي وَقْتِنَا كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ بَيْنَ الْغِرْبَانِ " قَالَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ (قُلْت) : أَمَّا عَدَمُ هَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ، أَوْ عِزَّتُهُ فِي الْمُنْتَصِبِينَ فِي الشَّهَادَةِ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا مِنْ عُدُولِ الْمَغْرِب الْأَوْسَطِ وَالْأَقْصَى فَغَيْر بَعِيدٍ، وَأَمَّا عَدَمُهُ أَوْ عِزَّتُهُ فِي الْمُنْتَصِبِينَ وَغَيْرِهِمْ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْهُمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَدَدًا كَثِيرًا، وَكَتَبَ مُسَلِّمًا عَلَيْكُمْ عَبْدُ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَنْشَرِيسِيِّ - وَفَّقَهُ اللَّهُ - اهـ وَذَلِكَ بَعْدَ نَحْوِ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَرَقَةً مِنْ نَوَازِلِ الْهِبَاتِ، وَالصَّدَقَاتِ (قُلْت) : وَعَلَى مَا ذُكِرَ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ عَوَامُّ الْوَقْتِ، وَبَعْضُ الطَّلَبَةِ يَقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ قَدْ ظَهَرْ ... زُكِّيَ إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرْ وَمَنْ بِعَكْسِ حَالِهِ فَلَا غِنَى ... مِنْ أَنْ يُزَكَّى وَاَلَّذِي قَدْ أَعْلَنَا بِحَالَةِ الْجَرْحِ فَلَيْسَ تُقْبَلُ ... لَهُ شَهَادَةٌ وَلَا يُعَدَّلُ وَمَنْ يَكُنْ مَجْهُولَ حَالٍ زُكِّيَا ... وَشُبْهَةٌ تُوجِبُ فِيمَا اُدُّعِيَا حَصَرَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ أَحْوَالَ الشَّاهِدِ غَيْرَ الْمَعْرُوفِ بِالْعَدَالَةِ بِاعْتِبَارِ افْتِقَارِهِ لِلتَّزْكِيَةِ، وَعَدَمِ افْتِقَارِهِ فَأَخْبَرَ بِأَنَّ مَنْ شَهِدَ فِي أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يُظْهِرَ عَلَامَةَ الْخَيْرِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَامَةَ الشَّرِّ، أَوْ يُعْلِنَ بِالشَّرِّ، أَوْ يُجْهَلَ حَالُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْخَيْرِ وَالدِّينِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا زُكِّيَ بِأَنْ يَشْهَدَ لَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ بِأَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي السَّفَرِ أَعْنِي: شَهَادَةَ أَهْلِ الْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عِنْدَ حَاكِمِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، أَوْ الْبَلْدَةِ الَّتِي حَلُّوا أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ أَجَازُوا شَهَادَتَهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلَا سُخْطَةٍ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرِ " وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَبْلَ فَصْلِ خِطَابِ الْقُضَاةِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ

стр. 52

عَلَامَةُ الشَّرِّ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ عَلَيْهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُزَكَّى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ بِعَكْسِ حَالِهِ فَلَا غِنَى ... مِنْ أَنْ يُزَكَّى وَاَلَّذِي قَدْ أَعْلَنَا وَإِنْ كَانَ مُعْلِنًا بِالشَّرِّ وَمَا لَا يَلِيقُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَصِحُّ تَعْدِيلُهُ؛ لِأَنَّ حَالَتَهُ الَّتِي أَعْلَنَ بِهَا مُكَذِّبَةٌ لِمَنْ يُرِيدُ تَعْدِيلَهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَاَلَّذِي قَدْ أَعْلَنَا بِحَالَةِ الْجَرْحِ فَلَيْسَ تُقْبَلُ ... لَهُ شَهَادَةٌ وَلَا يُعَدَّلُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ وَلَا شَرٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَزْكِيَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تُهْمَلُ شَهَادَتُهُ كَمَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الشَّرِّ، بَلْ لَهَا مَزِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ شَهَادَتَهُ تُوجِبُ شُبْهَةً فِي الْمُدَّعَى فِيهِ قَبْلَ تَزْكِيَتِهِ إلَى أَنْ تَثْبُتَ التَّزْكِيَةُ، فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى الشَّهَادَةِ، أَوْ يُعْجَزُ عَنْ التَّزْكِيَةِ فَتَضْمَحِلُّ الشُّبْهَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ. (قَالَ الشَّارِحُ) : " وَإِذَا أَوْجَبَتْ شَهَادَةُ الْمَجْهُولِ الْحَالِ شُبْهَةً فِي الْمُدَّعَى فِيهِ فَأَحْرَى أَنْ تُوجِبَهَا شَهَادَةُ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ سِمَةُ الْخَيْرِ " (وَفِي الْعُتْبِيَّةِ) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الشَّاهِدِ لَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي بِعَدَالَةٍ وَلَا بِحَالٍ فَاسِدَةٍ وَهُوَ مِمَّنْ يَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يَعْرِفُهُ بِأَمْرٍ قَبِيحٍ أَتُجِيزُ شَهَادَةً أَمْ لَا؟ فَقَالَ: " لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ إلَّا عَدْلًا ثَابِتَ الْعَدَالَةِ " (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إذْ لَا يُرْضَى إلَّا مَنْ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ شَهَادَةَ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ بِالتَّوَسُّمِ فِيمَا يَقَعُ فِي الْأَسْفَارِ بَيْنَ الْمُسَافِرِينَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ، وَالتِّجَارَاتِ، وَالْأَكْرِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُكَارِينَ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْحَسَنِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. (وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : وَأَمَّا الشَّاهِدُ الَّذِي لَا نَتَوَسَّمُ فِيهِ الْعَدَالَةَ وَلَا الْجُرْحَةَ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ دُونَ تَزْكِيَتِهِ، إلَّا أَنَّ شَهَادَتَهُ شُبْهَةٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَتُوجِبُ الْيَمِينَ، وَتُوجِبُ الْقَسَامَةَ، وَتُوجِبُ الْحَمِيلَ وَتَوْقِيفَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ. (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ) فِي شَهَادَةِ مَنْ تُتَوَسَّمُ فِيهِ الْجُرْحَةُ: " أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا بِتَزْكِيَةٍ، وَلَا تَكُونُ شُبْهَةً تُوجِبُ حُكْمًا " (وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : " لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي فِيمَنْ عَلِمَ جُرْحَتَهُ تَعْدِيلًا فِيمَنْ شَهِدَ بِهِ " (وَقَالَ اللَّخْمِيُّ) : " وَأَعْلَى مَنَازِلِ الشَّاهِدِ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ مُشْكِلٌ وَمُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَسُقُوطِهَا، وَقَدْ اُشْتُرِطَتْ الْعَدَالَةُ فَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ إلَّا مَنْ شُهِرَ اسْمُهُ بِالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ، وَقَدْ شَهِدَ فَلَا تُطْلَبُ تَزْكِيَتُهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا عُرِفَ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ غَيْرُ ذَلِكَ " اهـ. وَمُطْلَقًا مَعْرُوفُ عَيْنٍ عُدِّلَا ... وَالْعَكْسُ حَاضِرًا وَإِنْ غَابَ فَلَا يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى التَّزْكِيَةِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ فَيُعَدَّلُ، سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا بِمَجْلِسِ الْقَاضِي أَوْ غَائِبًا عَنْهُ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْإِطْلَاقِ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ وَهُوَ مَجْهُولُ الْعَيْنِ وَهُوَ الَّذِي عُنِيَ بِالْعَكْسِ فَلَا يُعَدَّلُ إلَّا حَاضِرًا عَلَى عَيْنِهِ، وَأَمَّا مَعَ غَيْبَتِهِ فَلَا (قَالَ الشَّارِحُ) : " وَهَلْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: " مَعْرُوفُ عَيْنٍ " عَلَى مَنْ يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ الَّذِي يُزَكَّى بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنُهُ، أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّنْ عَرَفَ عَيْنَهُ النَّاسُ، سَوَاءٌ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَيْنَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ الْأَوَّلَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُنْتَخَبِ قَالَ: " وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَحْنُونٌ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا تَكُونُ التَّزْكِيَةُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ " وَهَذَا مِنْ أَصْلِ قَوْلِهِمْ. وَعَلَى الْمَحْمَلِ الثَّانِي يَدُلُّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : وَفِيهَا يُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي (الصَّقَلِّيِّ) عَنْ سَحْنُونٍ مَعْنَاهُ إنْ كَانَ مَشْهُورًا، فَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْرُوفِ فَلَا يُزَكَّى إلَّا بِحَضْرَتِهِ (عَبْدُ الْحَقِّ) مَعْنَاهُ إنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَهُوَ حَاضِرٌ الْبَلَدَ أَوْ قَرِيبٌ جِدًّا وَمَنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ جَازَتْ تَزْكِيَتُهُ كَمَا يُقْضَى عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي زَيْدٍ. وَشَاهِدٌ تَعْدِيلُهُ بِاثْنَيْنِ ... كَذَاكَ تَجْرِيحٌ مُبَرِّزَيْنِ وَالْفَحْصُ مِنْ تِلْقَاءِ قَاضٍ قَنَعَا ... فِيهِ بِوَاحِدٍ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعَا

стр. 53

يَعْنِي أَنَّ التَّعْدِيلَ وَالتَّجْرِيحَ لِلشَّاهِدِ لَا يَثْبُتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِعَدْلَيْنِ مُبَرِّزَيْنِ (قَالَ الشَّارِحُ) : هَذَا هُوَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَمَضَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا كَانَ الْفَحْصُ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَقْنَعُ فِيهِ بِالْوَاحِدِ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا، أَعْنِي فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ خُرُوجُهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ

стр. 54

إلَى بَابِ الْخَبَرِ وَلَا خَفَاءَ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدُّدُ مَعَ الْعَدَالَةِ وَسَائِرِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ، وَأَنَّ الْمُخْبِرَ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ فِيهِ التَّعَدُّدَ فَاكْتَفَى فِي كُلِّ مَا مَرْجِعُهُ إلَى بَابِ الْخَبَرِ بِوَاحِدٍ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ: " وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ وَإِنْ اقْتَضَى الْقَاضِي رَجُلًا لِلْكَشْفِ جَازَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ مَا نُقِلَ مِنْ التَّزْكِيَةِ عَنْ رَجُلَيْنِ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ " (وَقَالَ سَحْنُونٌ) : " لَا يَجُوزُ فِي التَّزْكِيَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ إلَّا الْمُبَرِّزُ النَّافِذُ، الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عِلْمِهِ، وَلَا يُسْتَزَلُّ فِي رَأْيِهِ " اهـ (فَفِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ) قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: " وَكُلُّ مَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي السُّؤَالَ عَنْهُ وَالْكَشْفَ مِنْ الْأُمُورِ فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ فِيهِ قَوْلَ الْوَاحِدِ، وَمَا لَمْ يَبْتَدِئْهُ هُوَ وَإِنَّمَا يُبْتَدَأُ بِهِ إلَيْهِ فِي ظَاهِرٍ، أَوْ بَاطِنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فِيهِ " (وَقَالَ اللَّخْمِيُّ) : " الْعَدَالَةُ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ إذَا كَانَ التَّعْدِيلُ مِنْ الْقَائِمِ بِالشَّهَادَةِ، اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةٍ مِنْ الْقَاضِي سَأَلَ مَنْ حَضَرَهُ، أَوْ بِمَسْأَلَةِ مَنْ يَكْشِفُهُ سَأَلَ مَنْ حَضَرَهُ أَوْ مَضَى إلَى مَنْ يَسْأَلُهُ فَقِيلَ لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ وَقِيلَ: وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَاسْتَحْسَنَ اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلَ " قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: السُّؤَالُ عَنْ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ هُوَ تَعْدِيلُ السِّرِّ وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَا يَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ دُونَهُ، وَلَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِتَعْدِيلِ السِّرِّ دُونَ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ، وَتَعْدِيلُ السِّرِّ لَا عُذْرَ فِيهِ وَيُجْزِئُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ اثْنَيْنِ بِخِلَافِ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ. وَمُبَرِّزَيْنِ أَعْرَبَهُ بَعْضُهُمْ صِفَةً لِاثْنَيْنِ وَفِيهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ بِجُمْلَةِ كَذَاك تَجْرِيحٌ. وَمَنْ يُزَكِّ فَلْيَقُلْ عَدْلٌ رِضَا ... وَبَعْضُهُمْ يُجِيزُ أَنْ يُبَعَّضَا يَعْنِي أَنَّ التَّزْكِيَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَعًا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ فِي الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ هُوَ عَدْلٌ رِضًا، (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : لَا يُجْزِئُ فِي التَّعْدِيلِ إلَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ. اهـ وَهَذَا هُوَ التَّعْدِيلُ التَّامُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ جَوَازُ الِاكْتِفَاءِ بِقَوْلِهِ رِضًا، وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلٌ أَجْزَأَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: وَبَعْضُهُمْ يُجِيزُ أَنْ يُبَعَّضَا قَالَ اللَّخْمِيُّ: إذَا عُلِمَ مِنْهُ بَعْدَ الْمُخَالَطَةِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ، وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانَةِ جَازَ أَنْ يُعَدِّلَهُ وَإِذَا قَالَ الْمُعَدِّلُ: عَدْلٌ رِضًا صَحَّتْ الْعَدَالَةُ، وَاخْتُلِفَ إذَا اخْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْكَلِمَتَيْنِ فَقَالَ: عَدْلٌ أَوْ قَالَ رِضًا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ تَعْدِيلًا أَوْ لَا؟ . وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِنْ قَالَ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ الْأُخْرَى فَهُوَ تَعْدِيلٌ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ مِمَّنْ يَرْضَى لِلشَّهَادَةِ وَالرِّضَى عَدْلٌ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ وُصِفَ بِإِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ، وَإِنْ وَصَفَ الْمُعَدِّلُ بِإِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ فَسُئِلَ عَنْ الْأُخْرَى فَوَقَفَ كَانَ ذَلِكَ رِيبَةً فِي تَعْدِيلِهِ، وَيُسْأَلُ عَنْ السَّبَبِ فِي وُقُوفِهِ فَقَدْ يَذْكُرُ وَجْهًا يَرِيبُ فَمُوقَفٌ عَنْهُ. اهـ ثُمَّ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْعَدَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِأَهْلِهِ وَبِحَسَبِهِ، فَعَدَالَةُ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا تُسَاوِيهَا عَدَالَةُ التَّابِعِينَ، وَعَدَالَةُ التَّابِعِينَ لَا تُسَاوِيهَا عَدَالَةُ مَنْ يَلِيهِمْ، وَكَذَلِكَ كُلُّ زَمَانٍ مَعَ مَا بَعْدَهُ إلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَلَوْ فُرِضَ زَمَانٌ يَعْرَى عَنْ الْعُدُولِ جُمْلَةً لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إقَامَةِ الْأَشْبَهِ فَهُوَ الْعَدْلُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَذَلِكَ تُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَكَان بِأَهْلِهِ فَلَيْسَتْ الْعُدُولُ فِي الْحَوَاضِرِ كَالْعُدُولِ فِي الْبَوَادِي اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ إنْ شِئْت. (تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْبَيْتَيْنِ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ فَطِنًا لَا يُخْدَعُ، (وَفِي الْمَوَّاقِ) لَا يُزَكِّي الشَّاهِدُ إلَّا مَنْ خَالَطَهُ فِي الْأَخْذِ، وَالْإِعْطَاءِ وَطَالَتْ صُحْبَتُهُ إيَّاهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، اللَّخْمِيُّ وَلَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ بِيَسِيرِ الْمُخَالَطَةِ، وَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ فَإِنْ وَقَفَ أَهْلُ سُوقِهِ وَمَحِلَتِهِ عَنْ تَعْدِيلِهِ فَذَلِكَ رِيبَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ قُبِلَ مِنْ سَائِرِ بَلَدِهِ، (الْمُتَيْطِيُّ) لَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ إلَّا أَهْلُ مَسْجِدِهِ وَسُوقِهِ، وَجِيرَانُهُ رَوَاهُ أَشْهَبُ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ أَوْ نَقَلَ مَعَهُ شَهَادَةً فِي ذَلِكَ الْحَقِّ. اهـ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) إنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى حَقٍّ فَعَدَّلَهُمْ قَوْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ وَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ آخَرُونَ

стр. 55

فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ. اهـ. وَكَذَلِكَ إنْ أَجَازَ الشُّهُودُ نِسَاءً فَزَكَّاهُنَّ مَنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا وَزَكَّى الْمُزَكِّينَ آخَرُونَ جَازَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَفِي ذَلِكَ يُذْكَرُ الْبَيْتُ الْمَنْسُوبُ لِسَيِّدِي عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَنْشَرِيسِيِّ ﵀ وَهُوَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ هَبَا ... إلَّا شَهَادَةَ النَّسَا وَالْغُرَبَا وَفِي طُرَرِ شَيْخِنَا الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَاشِرٍ ﵀ نِسْبَةُ هَذَا الْبَيْتِ لِسَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ قَالَ: وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ قَوْلِي مُصَلِّحًا لَهُ تَعْدِيلٌ احْتَاجَ لِتَعْدِيلٍ هَبَا ... إلَّا مُزَكِّي امْرَأَةٍ أَوْ غُرَبَا وَاَلَّذِي كُنْت حَفِظْته مِنْ لَفْظِهِ ﵀ ... إلَّا عَدَالَةَ نِسَا أَوْ غُرَبَا وَهُوَ أَنْسَبُ بِصَدْرِ الْبَيْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَيْ: إلَّا تَعْدِيلَ النِّسَاءِ وَالْغُرَبَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَعْدِيلُ مَنْ عَدَّلَهُمْ إنْ كَانَ الْمُعَدِّلُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، وَالْهَبَاءُ مَا يُرَى فِي الشَّمْسِ تَدْخُلُ الْبَيْتَ مِنْ كُوَّةٍ مِثْلَ الْغُبَارِ، وَلَيْسَ لَهُ حِسٌّ، وَلَا يُرَى فِي الظِّلِّ قَالَهُ فِي الْغَرِيبِ لِلْعَزِيزِيِّ، وَهُوَ فِي الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّاهِدَةِ، وَإِنَّ وُجُودَهَا كَالْعَدَمِ. وَثَابِتُ الْجَرْحِ مُقَدَّمٌ عَلَى ... ثَابِتِ تَعْدِيلٍ إذَا مَا اعْتَدَلَا يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا جَرَّحَهُ قَوْمٌ وَعَدَّلَهُ آخَرُونَ وَاسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فِي الْعَدَالَةِ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَعْدَلَ مِنْ الْآخَرِ فَإِنَّ مُثْبِتَ الْجَرْحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ الْعَدَالَةَ؛ لِأَنَّ الْمُجَرِّحِينَ عَلِمُوا مِنْ بَاطِنِ حَالِ الشَّاهِدِ الْمُجَرَّحِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُعَدِّلُونَ الَّذِينَ شَهِدُوا بِظَاهِرِ أَمْرِهِ وَقَوْلُهُ: " إذَا مَا اعْتَدَلَا " لَفْظَةُ مَا زَائِدَةٌ أَيْ: إنَّمَا يُقَدَّمُ التَّجْرِيحُ عَلَى التَّعْدِيلِ عِنْدَ تَسَاوِي الْبَيِّنَتَيْنِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلَ مِنْ الْأُخْرَى فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ، هَذَا ظَاهِرُهُ وَظَاهِرُ مَا نَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ قِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَعْدَلُ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ التَّجْرِيحِ، وَلَفْظُ ابْنِ عَرَفَةَ إنْ اجْتَمَعَ تَعْدِيلٌ وَتَجْرِيحٌ فَطُرُقٌ. رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الشَّاهِدِ يُعَدِّلُهُ رَجُلَانِ وَيَأْتِي الْمَطْلُوبُ بِرَجُلَيْنِ يُجَرِّحَانِهِ فَقَالَ مَالِكٌ يُنْظَرُ إلَى الْأَعْدَلِ مِنْ الشُّهُودِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الْمُجَرِّحَانِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا زَادَا وَيَسْقُطُ التَّعْدِيلُ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَسَحْنُونٌ وَقَالَ: لَوْ عَدَّلَهُ أَرْبَعَةٌ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ وَالْأَرْبَعَةُ أَعْدَلُ أُخِذَتْ بِشَهَادَةِ الْمُجَرِّحَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا عَلِمَا مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْآخَرُونَ. اهـ وَإِلَى تَقْدِيمِ الْمُجَرِّحِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ الْجَرْحِ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ، وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ إذَا قَالَ الْمُعَدِّلُونَ: هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ وَقَالَ الْمُجَرِّحُونَ: هُوَ مَسْخُوطٌ غَيْرُ جَائِزِ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا إذَا بَيَّنَ الْمُجَرِّحُونَ الْجُرْحَةَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ أَعْمَلُ مِنْ شَهَادَةِ الْمُعَدِّلِينَ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَالَةً مِنْهُمْ ثُمَّ، قَالَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُجَرِّحِينَ أَعْمَلُ هُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ وَعَلَيْهِ ذَهَبَ النَّاظِمُ. وَطَالِبُ التَّجْدِيدِ لِلتَّعْدِيلِ مَعْ ... مُضِيِّ مُدَّةٍ فَالْأَوْلَى يُتَّبَعْ يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا شَهِدَ وَزُكِّيَ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ شَهِدَ شَهَادَةً أُخْرَى فَهَلْ يُحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ تَزْكِيَةٍ أُخْرَى أَوْ يُكْتَفَى بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى؟ قَوْلَانِ وَالْأَوْلَى مِنْهُمَا اتِّبَاعُ مَنْ طَلَبَ التَّجْدِيدَ وَإِجَابَتُهُ إلَى مَا طَلَبَهُ، (ابْنُ رُشْدٍ) الْمَجْهُولُ الْحَالِ إذَا عُدِّلَ مَرَّةً فِي أَمْرٍ ثُمَّ شَهِدَ ثَانِيَةً فَقَالَ سَحْنُونٌ: يُطْلَبُ تَعْدِيلُهُ كُلَّمَا شَهِدَ حَتَّى يَكْثُرَ تَعْدِيلُهُ، وَيَشْهَدَ مُطْلَقًا (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : يُكْتَفَى بِالتَّعْدِيلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَطُولَ سَنَةً فَلَوْ طُلِبَ تَعْدِيلُهُ بِالْقُرْبِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، أَوْ بِالْبُعْدِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعُجِزَ عَنْ ذَلِكَ لِفَقْدِ مَنْ عَدَّلَهُ أَوَّلًا وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ تَعْدِيلِهِ ثَانِيَةً إنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ (ابْنُ عَرَفَةَ) الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ نَقَلَهُ الْمَوَّاقِ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى تَرَدُّدٌ، (وَفِي الْعُتْبِيَّةِ) مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ شَهَادَتِهِ الْأُولَى وَتَعْدِيلِهِ فِيهَا بِالْأَشْهَرِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَلَمْ يَطُلْ ذَلِكَ جِدًّا فَلَا أَرَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ طَالَ رَأَيْت أَنْ يُعْذَرَ فِيهِ

стр. 56

وَأَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ طَلَبَ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ، وَالسَّنَةُ عِنْدِي فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ طَوِيلٌ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْيِيرَ الْحَالَاتِ وَتَحْدُثُ الْأَحْدَاثُ (قَالَ أَصْبَغُ) : إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمَعْرُوفُ بِالْخَيْرِ الْمَشْهُورُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ مِثْلُهُ إلَى ابْتِدَاءِ السُّؤَالِ فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ ثَانِيَةً. اهـ. وَالْقُرْبُ فِي ذَلِكَ الْأَشْهُرُ وَمَا دُونَ الْعَامِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَوْضُوعَ بَيْتِ النَّاظِمِ هُوَ فِي الشَّاهِدِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ، أَمَّا الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ فَلَا يُبْحَثُ عَنْ تَعْدِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. وَلِأَخِيهِ يَشْهَدُ الْمُبَرِّزُ ... إلَّا بِمَا التُّهْمَةُ فِيهِ تَبْرُزُ يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ مُبَرِّزًا أَيْ: سَابِقًا فِي الْعَدَالَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُبَرِّزِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِأَخِيهِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُبَرِّزِ لِأَخِيهِ إذَا لَمْ تَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ تُهْمَةٌ، فَإِنْ لَحِقَتْهُ تُهْمَةٌ مِثْلُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ أَخِيهِ وَصْمَةً، أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ بِشَهَادَةٍ مِحْنَةً فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالشَّاهِدِ لِنَفْسِهِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ قِبَلِ أَخِيهِ بِذَلِكَ مِنْ الْمَعَرَّةِ، وَمَا يَطْرُقُهُ مِنْ إمْكَانِ التَّسَاهُلِ بِمَا يَدْفَعُ عَنْهُ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا، وَشَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ هِيَ إحْدَى النَّظَائِرِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي شَاهِدِهَا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا. (وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ) : سِتَّةٌ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا الْعَدْلُ الْمُبَرِّزُ: الشَّهَادَةُ لِلْأَخِ، وَشَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : مَا لَمْ يَدْفَعْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ شَرًّا، أَوْ يَجُرَّ إلَيْهِ بِهَا مَنْفَعَةً، وَالشَّهَادَةُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ، وَلِشَرِيكِهِ الْمُفَاوِضِ فِي غَيْرِ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ وَإِذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ بَعْدَ أَدَائِهَا، وَالشَّهَادَةُ فِي التَّعْدِيلِ، وَزَادَ ابْنُ رُشْدٍ، وَالْأَجِيرُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَمَنْ سُئِلَ فِي مَرَضِهِ شَهَادَةً لِتُنْقَلَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ شَهِدَ بِهَا وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ خَشِيَ فِي مَرَضِهِ عَدَمَ تَثَبُّتِهِ فِيهَا، وَإِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ أَخٍ لِأَخٍ إنْ بَرَّزَ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ وَتَأَوَّلْت أَيْضًا بِخِلَافِهِ

стр. 57

كَأَجِيرٍ وَمَوْلًى، وَمُلَاطِفٍ وَمُفَاوِضٍ فِي غَيْرِ مُفَاوَضَةٍ، وَزَائِدٍ، وَنَاقِصٍ، وَذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ، وَتَزْكِيَةٍ وَالْأَبُ لِابْنِهِ وَعَكْسُهُ مُنِعْ ... وَفِي ابْنِ زَوْجَةٍ وَعَكْسُ ذَا اتُّبِعْ وَوَالِدَيْ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجَةُ أَبْ ... وَحَيْثُمَا التُّهْمَةُ حَالُهَا غَلَبْ كَحَالَةِ الْعَدُوِّ وَالضَّنِينِ ... وَالْخَصْمِ وَالْوَصِيِّ وَالْمَدِينِ اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ الثَّلَاثَةُ عَلَى مَا يُرَدُّ مِنْ الشَّهَادَةِ وَلَا يُقْبَلُ لِثُبُوتِ الْمَانِعِ مِنْ قَبُولِهَا وَهِيَ التُّهْمَةُ، لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحُصُولِ شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ الْعَدَاوَةُ، وَقَدْ عَدَّ بَعْضُهُمْ عَدَمَ الْمَانِعِ شَرْطًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَوُجُودُ الْمَانِعِ هُوَ تَخَلُّفُ شَرْطٍ (قَالَ الشَّارِحُ) : وَلَا خَفَاءَ فِي ظُهُورِ التُّهْمَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي عَدَّدَهَا وَهِيَ: شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ، وَشَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ وَهِيَ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: " وَعَكْسُهُ مُنِعَ "، وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِ زَوْجَتِهِ، وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ لِزَوْجِ أُمِّهِ وَهِيَ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: " وَعَكْسُ ذَا اُتُّبِعَ "، وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ لِوَالِدَيْ زَوْجَتِهِ، أَوْ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ هَذِهِ الْقَضَايَا مُسَاوٍ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا سَكَتَ عَنْهُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِيَاسٍ لَا فَارِقَ، أَوْ مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فَإِذَا قِيلَ قَدْ نَصَّ عَلَى الْأَبِ لِابْنِهِ بِقَوْلِهِ وَالْأَبُ لِابْنِهِ وَعَكْسُهُ مُنِعَ فَمِثْلُ ذَلِكَ: الْبِنْتُ لِأَبِيهَا وَهُوَ لَهَا، وَالْأُمُّ لِابْنِهَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَإِذَا قِيلَ إنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى وَلَدِ الزَّوْجَةِ، وَعَلَى زَوْجَةِ الِابْنِ بِقَوْلِهِ وَفِي ابْنِ زَوْجَةٍ وَعَكْسُ ذَا اتُّبِعْ فَمِثْلُهَا: ابْنُ الزَّوْجَةِ، وَابْنُ الزَّوْجِ وَبِنْتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ وَزَوْجُ الْبِنْتِ بِالنِّسْبَةِ لِوَالِدِيهَا، وَالزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجَةُ لِلزَّوْجِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى وَالِدَيْ الزَّوْجَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجِ، وَزَوْجَةِ الْأَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَلَدِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى بِقَوْلِهِ وَوَالِدَيْ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجَةِ أَبْ فَمِثْلُهُمْ أَيْضًا وَالِدُ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّوْجَةِ، وَزَوْجُ الْأُمِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَلَدِهَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَعَلَى الْجُمْلَةِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ حَالُ التُّهْمَةِ وَيَقْرُبُ حَالَةُ الظِّنَّةِ كَحَالَةِ الْعَدُوِّ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالضَّنِينُ وَهُوَ الْمُتَّهَمُ لِمَنْ يَتَّهِمُ عَلَيْهِ كَالْمَوْضِعِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وَسِوَاهَا مِمَّا شُهِّرَ مِنْ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ، وَشَهَادَةُ الْخَصْمِ عَلَى خَصْمِهِ، وَالْوَصِيُّ لِمَحْجُورِهِ، وَالْمَدِينُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَمِمَّا

стр. 58

يَلْحَقُ بِذَلِكَ تَزْكِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ لِمَنْ شَهِدَ لِمَنْ يُتَّهَمُ لَهُ، أَوْ شَهِدَ عَلَى مَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ (قَالَ الْمُقْرِي فِي كُلِّيَّاتِهِ الْفِقْهِيَّةِ) : " كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِرَجُلٍ لَا تَجُوزُ تَزْكِيَتُهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ، وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى رَجُلٍ لَا تَجُوزُ تَزْكِيَتُهُ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ ". اهـ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ الشَّارِحُ عَلَى مَا نَقَلَ النَّاظِمُ وَمَا أَشْبَهَ بِنُقُولٍ يَطُولُ سَرْدُهَا، وَاسْتَطْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَعَلَى مَوَاضِعِ الشَّهَادَةِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ ثَلَاثِ وَرَقَاتٍ وَنِصْفٍ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ. وَسَاغَ أَنْ يَشْهَدَ الِابْنُ فِي مَحَلّ ... مَعَ أَبِيهِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلْ يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ الِابْنُ مَعَ أَبِيهِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، فِي كَلَامِ الشَّيْخِ إشْعَارٌ بِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا بِالْمَنْعِ لَمْ يَجْرِ بِهِ عَمَلٌ، وَمَعْنَى الْمَنْعِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا مَعًا كَشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ (ابْنُ رُشْدٍ) الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ وَالِابْنِ عِنْدَ أَبِيهِ، وَشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ - وَاحِدٌ. قِيلَ: كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَمُطَرِّفٍ وَقِيلَ: غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَفَرَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ. وَأَمَّا تَعْدِيلُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ فَلَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَفِي ذَلِكَ بُعْدٌ (ابْنُ عَرَفَةَ) مَا أَدْرَكْت قَاضِيًا حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْ تَقَدُّمِ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ إلَّا قَاضِيًا وَاحِدًا جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ عَلِمَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ، (وَلِبَعْضِ) شُيُوخِ الشُّورَى بِقُرْطُبَةَ شَهَادَةُ الْأَخَوَيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ لِرَجُلٍ جَائِزٌ، وَلَيْسَا كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ. اهـ. فَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: " وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ " وَقَدْ حَكَى فِيهَا مَعَ مَا ذَكَرَ مَعَهَا قَوْلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَقِيهُ الْمُحَصِّلُ النَّوَازِلِيُّ آخِرُ قُضَاةِ الْعَدْلِ بِالْبَادِيَةِ أَبُو سَالِمٍ سَيِّدِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَلَالِيُّ فِي تَأْلِيفِهِ الْمُسَمَّى بِالْمَسْأَلَةِ الْأَمْلِيسِيَّةِ فِي الْأَنْكِحَةِ الْأَغْرِيسِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ شَيْخَهُ وَشَيْخَيْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الْفَقِيهَانِ سَيِّدِي يَحْيَى السَّرَّاجُ وَسَيِّدِي عَبْدُ الْوَاحِدِ الْحُمَيْدِيُّ اخْتَلَفَا فِي شَهَادَةِ الْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، وَوَقَعَ فِيهَا تَنَازُعٌ عَظِيمٌ فَأَفْتَى السَّرَّاجُ بِقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ " وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ " وَحَكَمَ الْحُمَيْدِيُّ بِقَوْلِ ابْنِ عَاصِمٍ وَسَاغَ أَنْ يَشْهَدَ الِابْنُ فِي مَحَلِّ الْبَيْتِ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ أَنْ رُفِعَتْ الْمَسْأَلَةُ لِلسُّلْطَانِ إذْ ذَاكَ مَوْلَايَ أَحْمَدَ، وَوَقَعَ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالدِّيوَانِ مِنْ فَاسِ الْجَدِيدِ فَخَرَجَ الْحُكْمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي مِنْ الْعَمَلِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَاصِمٍ - رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ - قَالَ: وَكَانَ السَّرَّاجُ الْمَذْكُورُ يَقِفُ مَعَ لَفْظِ الْمُخْتَصَرِ وَمَا بِهِ الْفَتْوَى فِيهِ وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَكَانَ الْقَاضِي الْحُمَيْدِيُّ لَا يَقِفُ مَعَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالصِّنَاعَةِ التَّوْثِيقِيَّةِ وَتَدْرِيبِهِ مَعَهَا بِالْمُبَاشَرَةِ لِلْعَمَلِ. اهـ وَزَمَنُ الْأَدَاءِ لَا التَّحَمُّلِ ... صَحَّ اعْتِبَارُهُ لِمُقْتَضٍ جَلِيّ يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ زَمَانُ أَدَائِهَا لَا زَمَانُ تَحَمُّلِهَا، فَإِذَا تَحَمَّلَهَا كَافِرًا

стр. 59

أَوْ فَاسِقًا أَوْ عَبْدًا، أَوْ صَبِيًّا وَأَدَّاهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ، أَوْ عَدْلٌ، أَوْ حُرٌّ، أَوْ بَالِغٌ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَانِ الِادِّعَاءِ أَهْلٌ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَشْهَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ زَوَالِ الْمَانِعِ، فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ ثُمَّ شَهِدَ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ (قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا شَهِدَ الصَّبِيُّ بِشَهَادَةٍ، أَوْ الْعَبْدُ، أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَرُدَّتْ ثُمَّ كَبِرَ الصَّبِيُّ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ، ثُمَّ شَهِدُوا بِهَا لَمْ تَجُزْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ جَازَتْ. اهـ فَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ جَازَتْ هِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُقْرِي فِي كُلِّيَّاتِهِ الْفِقْهِيَّةِ: " كُلُّ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِمَانِعٍ لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَ زَوَالِهِ (ابْنُ عَرَفَةَ) مَوَانِعُ الشَّهَادَةِ التُّهْمَةُ عَلَى زَوَالِ نَقْصٍ عَرَضَ. (فَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ) إنْ شَهِدَ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ عِنْدَ قَاضٍ فَرَدَّهَا لِمَوَانِعِهِمْ لَمْ تَجُزْ بَعْدَ زَوَالِهَا أَبَدًا، (أَشْهَبُ) مَنْ قَالَ لِقَاضٍ يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ الْعَبْدُ، أَوْ النَّصْرَانِيُّ، وَفُلَانٌ الصَّبِيُّ فَقَالَ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ ثُمَّ زَالَتْ مَوَانِعُهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ فُتْيَا لَا رَدٌّ، ا. هـ. وَالْأَدَاءُ عُرْفًا (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ، وَإِعْلَامُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَالْحَاكِمُ مَفْعُولٌ وَلَمْ يَقُلْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ " وَبِشَهَادَتِهِ " مُتَعَلِّقٌ بِإِعْلَامٍ وَبِمَا يَحْصُلُ يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِإِعْلَامٍ فَتَكُونُ الْبَاءُ الثَّانِيَةُ سَبَبِيَّةً أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ، وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بَدَلًا، وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِشَهَادَةٍ وَبِمَا شَهِدَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ وَضَمِيرٌ لَهُ يَعُودُ عَلَى الشَّاهِدِ. (قَالَ فِي النَّوَادِرِ لِأَشْهَبَ) قَوْلُهُ " هَذِهِ شَهَادَتِي أَدَاءٌ " قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ فِي ذَلِكَ تَكْفِي وَشَاهَدْت بَعْضَ الْمُوثَقِينَ أَدَّاهَا إشَارَةً فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ مَنْ أَدَّاهَا إلَيْهِ. اهـ وَالتَّحَمُّلُ تَحْصِيلُ عِلْمِ مَا يُشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ شَكٍّ أَوْ وَهْمٍ، وَقَدْ يَكُونُ عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا الِاعْتِقَادُ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِقَرَائِنَ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ " بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ " أَخْرَجَ بِهِ عِلْمَهُ دُونَ الِاخْتِيَارِ كَمَنْ قَرَعَ سَمْعَهُ صَوْتٌ مُطْلَقٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَحَمُّلًا وَقَوْلُهُ " مَا يَشْهَدُ بِهِ فَصْلٌ " أَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يُشْهَدُ بِهِ كَالْعِلْمِ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِشَهَادَةٍ وَقَوْلُ النَّاظِمِ " لِمُقْتَضٍ جَلِيّ " أَيْ ظَاهِرٍ قَالَ بَعْضُ مَنْ شَرَحَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا بِالْأَدَاءِ فَإِنْ لَمْ تُؤَدَّ كَانَتْ كَالْعَدَمِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ زَمَنُ الْأَدَاءِ لَا زَمَنُ التَّحَمُّلِ. اهـ. [فَصْلٌ مَسَائِلُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ وُقُوعُهُ غَالِبًا] فَصْلٌ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ وُقُوعُهُ غَالِبًا وَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِالْإِقْرَارِ ... مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ عَلَى الْمُخْتَارِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْكَلَامَا ... مِنْ الْمُقِرِّ الْبَدْءَ وَالتَّمَامَا يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِإِقْرَارِ مَنْ سَمِعَهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ حُكْمٍ مَالِيٍّ وَبَدَنِيٍّ وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لَمْ يُشْهِدْهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ اشْهَدْ عَلَيَّ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الشَّاهِدُ كَلَامَ الْمُقِرِّ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ قَدْ يَفُوتُهُ مِنْهُ شَيْءٌ لَوْ سَمِعَهُ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ نَقْضِ أَوَّلِهِ لِآخِرِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ سَمِعَ رَجُلٌ رَجُلًا يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ يَقْذِفُ رَجُلًا فَلْيَشْهَدْ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ وَيَشْهَدُ فِي الْحُدُودِ بِمَا سَمِعَ إنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، (قَالَ ابْنُ يُونُسَ) خَوْفَ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمَقْذُوفُ كَذَبْت لَمْ يَقْذِفْنِي وَإِنَّمَا عَرَّضْت أَنْتَ بِقَذْفِي فَيَحُدُّهُ، (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ فِيمَنْ مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ فِي أَمْرٍ فَسَمِعَ مِنْهُمَا شَيْئًا وَلَمْ يُشْهِدَاهُ، ثُمَّ طَلَبَ أَحَدُهُمَا تِلْكَ الشَّهَادَةَ قَالَ: لَا يَشْهَدُ لَهُ، (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) إلَّا أَنْ يَسْتَوْعِبَ كَلَامَهُمَا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ إذْ قَدْ يَكُونُ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ كَلَامٌ يُبْطِلُهُ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِي مُفِيدِهِ وَبِهِ الْعَمَلُ، وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ فِي عَدِّ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى

стр. 60

الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ كَالْمُخْتَفِي لِيَتَحَمَّلَهَا لَا يَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) : " إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ خَائِفًا أَوْ مَخْدُوعًا " (التَّوْضِيحُ) الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ إمَّا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقُولَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِلشَّاهِدِ اشْهَدْ عَلَيَّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِمَّا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهَا لَكِنْ يَرَى الِاخْتِفَاءَ يَضُرُّ بِهَا، (ابْنُ رُشْدٍ) وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ تَقْيِيدٌ لِلْمَشْهُورِ، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِهِ. (فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ) قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلَيْنِ قَعَدَا لِرَجُلٍ وَرَاءَ حِجَابٍ لِيَشْهَدَا عَلَيْهِ قَالَ: إنْ كَانَ ضَعِيفًا، أَوْ مَخْدُوعًا، أَوْ خَائِفًا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيَحْلِفُ مَا أَقَرَّ إلَّا لِمَا يُذْكَرُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَلَعَلَّهُ يُقِرُّ خَالِيًا وَيَأْبَى مِنْ الْبَيِّنَةِ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ مَا سُمِعَ مِنْهُ، قِيلَ: فَرَجُلٌ لَا يُقِرُّ إلَّا خَالِيًا هَلْ أَقْعُدُ لَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يُعْلَمُ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِ قَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَسْتَوْعِبُ أَمْرَهُمَا وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَسْمَعَ جَوَابَهُ لِسُؤَالِهِ، وَلَعَلَّهُ يَقُولُ لَهُ فِي سِرٍّ مَا الَّذِي لِي عَلَيْك إنْ جِئْتُك بِكَذَا فَيَقُولُ: عِنْدِي كَذَا فَإِنْ قَدَرْت أَنْ تُحِيطَ بِسِرِّهِمْ فَجَائِزٌ. اهـ اُنْظُرْ الْبَابَ الثَّامِنَ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِغْفَالِ قَالَ فِي آخِرِهِ. (تَنْبِيهٌ) وَحَيْثُ أَجَزْنَا شَهَادَتَهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ النَّبِيهِ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَخْتَفِيَ لِيَشْهَدَ، وَهَذَا فِيمَا لَمْ يُنْدَبْ إلَيْهِ وَلَا فُرِضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ فَعَلَ مَا لَا يَلِيقُ بِالْفُضَلَاءِ وَلَا يَخْتَارُهُ الْعُقَلَاءُ اهـ وَانْظُرْ قَوْلَهُ، وَحَيْثُ أَجَزْنَا شَهَادَتَهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ مَعَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا مِنْ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَا بِهِ قَدْ وَقَعَتْ شَهَادَهْ ... وَطُلِبَ الْعَوْدُ فَلَا إعَادَةَ يَعْنِي إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ بِحَقٍّ فَتَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَكَتَبَهَا، ثُمَّ جَاءَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَطَلَبَ مِنْهُ إعَادَةَ الشَّهَادَةِ، إمَّا بِأَنْ يَكْتُبَ لَهُ رَسْمًا آخَرَ بِذَلِكَ لِزَعْمِهِ ضَيَاعَ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ طَلَبَ مِنْهُ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ كَتْبٍ فَإِنَّهُ لَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ لِمَا يُخْشَى فِي ذَلِكَ مِنْ تَكْرَارِ الْحَقِّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَتَبَ لَهُ رَسْمًا ثَانِيًا، وَكَذَا إنْ أَدَّى فَحُكِمَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الرَّسْمُ الَّذِي كُتِبَ لَهُ أَوَّلًا قَوْلُهُ " وَطَلَبَ الْعَوْدَ " يَشْمَلُ الْعَوْدَ لِلْكِتَابَةِ، وَالْأَدَاءَ (قَالَ الشَّارِحُ) : وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ الَّتِي يُمْنَعُ مِنْ إعَادَتِهَا مِمَّا يَتَضَمَّنُ حَقًّا يَتَكَرَّرُ بِإِعَادَتِهَا، فَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ أَشْهَدَ فِي كِتَابٍ ذِكْرَ حَقٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ ضَاعَ وَسَأَلَ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا بِمَا حَفِظُوا فَلَا يَشْهَدُوا وَإِنْ كَانُوا حَافِظِينَ لِمَا فِيهِ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ قَدْ انْقَضَى وَمُحِيَ الْكِتَابُ، فَإِنْ جَهِلُوا، وَشَهِدُوا بِذَلِكَ قَضَى بِهِ. (وَقَالَ مُطَرِّفٌ) : يَشْهَدُونَ بِمَا حَفِظُوا إنْ كَانَ الطَّالِبُ مَأْمُونًا

стр. 61

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا فَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخُ لِحُكْمِ مَا إذَا جَهِلَ الشُّهُودُ، وَأَعَادُوا الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِيفَاءَ النَّقْلِ، وَلَا قَوْلَ مُطَرِّفٍ لِنُدُورِ الْمَأْمُونِ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْمُوَثِّقَ مِنْ التَّحَفُّظِ. اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ (وَفِي) الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْبَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْفَائِقِ لِسَيِّدِي أَحْمَدَ الْوَنْشَرِيسِيِّ أَنَّهُ إذَا أَدَّى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ عِنْدَ الْقَاضِي، فَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءٌ ثَانٍ، لَا عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي، وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ إذَا أَدَّى عَلَى نَصِّ الرَّسْمِ، وَلَا إجْمَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ فُصُولِهِ، وَفِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ لِسَيِّدِي عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدُوسِيِّ مَا نَصُّهُ: وَلَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ أَنْ يُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ مَرَّتَيْنِ، إذْ ذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] نَقَلَهُ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ فِي نَوَازِلِ الشَّهَادَةِ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهَيْهَا أَعْنِي طَلَبَ الْكَتْبِ وَالْأَدَاءِ وَقَوْلَيْهَا مِنْ الْمَشْهُورِ وَقَوْلِ مُطَرِّفٍ أَشَارَ الْإِمَامُ سَيِّدِي عَلِيٌّ الزَّقَّاقُ بِقَوْلِهِ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ الَّتِي فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَكَرِّرَةِ الْوُقُوعِ مِنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ حَيْثُ قَالَ: وَمَنْ يَبْتَغِي تَكْرِيرَ كَتْبِكَ رَسْمَهُ ... لِزَعْمِ ضَيَاعٍ أَوْ أَدَاءً فَأَهْمِلَا وَإِلَّا وَقَدْ وَدَّيْتَهُ تُمْضِ مُطْرِفٌ ... إذَا كَانَ مَأْمُونًا فَكَرِّرْ وَإِلَّا فَلَا (تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا فِيمَا يَخْشَى فِيهِ تَكْرَارًا لِحَقٍّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَالدَّيْنِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْكِتَابَةِ وَفِي ذَلِكَ مَا وَجَدْتُ بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِنَا ﵀ دَيْنٌ وَصِيَّةٌ كِتَابَةٌ دَمَا ... لَا نَسْخَ فِي رُسُومِهَا قَدْ عُلِمَا وَصُورَةُ الدِّمَاءِ كَمَا إذَا شَهِدَ فِي وَثِيقَةٍ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَ فُلَانًا جَائِفَةً، فَإِذَا نُسِخَ الرَّسْمُ تُوُهِّمَ أَنَّهُ جَرَحَهُ جَائِفَتَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَشَاهِدٌ بُرِّزَ خَطَّهُ عَرَفْ ... نَسِيَ مَا ضَمَّنَهُ فِيمَا سَلَفْ لَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهِ بِذَلِكَ ... إلَّا مَعَ اسْتِرَابَةٍ هُنَالِكْ وَهَذَا شُرُوعٌ مِنْ النَّاظِمِ ﵀ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ التَّبْصِرَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطٍّ نَسِيَهُ الْمُتَضَمِّنُ لِلشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي بَدَأَ بِهِ النَّاظِمُ هُنَا الثَّانِي: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ، أَوْ الْغَائِبِ وَهُوَ الْآتِي لِلنَّاظِمِ بَعْدَ هَذَا، الثَّالِثُ: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ الْمُنْكِرِ أَنَّ ذَلِكَ الْخَطَّ خَطُّهُ وَهُوَ الْآتِي فِي قَوْلِ النَّاظِمِ وَكَاتِبٌ بِخَطِّهِ مَا شَاءَهُ الْبَيْتَيْنِ، فَقَوْلُهُ " وَشَاهِدُ " الْبَيْتَيْنِ يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا عَرَفَ خَطَّهُ فِي وَثِيقَةٍ وَنَسِيَ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَثِيقَةُ، وَاشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَدِّي شَهَادَتَهُ عِنْدَ الْقَاضِي إلَّا إذَا وُجِدَ فِي الصَّكِّ رِيبَةٌ مِنْ مَحْوٍ أَوْ بَشْرٍ، وَلَمْ يَعْتَذِرْ عَنْهُ فَلَا يُؤَدِّيهَا حِينَئِذٍ. (قَالَ الشَّارِحُ) وَهُوَ يَحْمِلُ قَوْلَهُ " خَطَّهُ عَرَفَ " عَلَى مَعْرِفَةِ الشَّاهِدِ

стр. 62

خَطَّهُ فِي الشَّهَادَةِ وَحْدَهَا أَوْ فِي الشَّهَادَةِ وَالْوَثِيقَةِ مَعًا، هَذَا مِمَّا يُحْتَمَلُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَصْدَهُ فِيهِمَا مَعًا لِقَوْلِهِ " نَسِيَ مَا ضَمَّنَهُ " يَعْنِي مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْوَثِيقَةُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَثِيقَةَ كُلَّهَا بِخَطِّ الشَّاهِدِ، وَقَوْلُهُ لَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهِ بِذَلِكَ وَهَلْ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِهَا، أَوْ يُؤَدِّيهَا الشَّاهِدُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا صَاحِبُهَا هُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : إذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ خَطَّهُ فِي كِتَابٍ، فَلَا يَشْهَدُ حَتَّى يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ، وَيُوقِنَ بِهَا وَلَكِنْ يُؤَدِّي ذَلِكَ كَمَا عَلِمَ، ثُمَّ لَا يَنْفَعُ الطَّالِبَ (سَحْنُونٌ) اخْتَلَفَ فِي هَذَا أَصْحَابُنَا، وَقَوْلِي إذَا لَمْ يَرَ فِي الْكِتَابِ مَحْوًا، وَلَا لَحْقًا وَلَا مَا يَسْتَنْكِرُهُ فَلْيَشْهَدْ بِمَا فِيهِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهُ بُدًّا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ الْكِتَابِ شَيْئًا (ابْنُ يُونُسَ) إنَّمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَرْفَعُ شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى الْحَاكِمُ إجَازَتَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ. اهـ. (وَفِي التَّوْضِيحِ) عَنْ الْبَيَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ: أَنَّهَا شَهَادَةٌ جَائِزَةٌ يُؤَدِّيهَا وَيُحْكَمُ بِهَا، وَالثَّانِي: أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لَا يُؤَدِّيهَا، وَلَا يَحْكُمُ بِهَا، وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ إلَّا أَنَّهُ يُؤَدِّيهَا وَلَا يُحْكَمُ بِهَا، وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي كَاغَدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنْ كَانَتْ فِي رِقٍّ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ قَالَ: يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي مُطْلَقِ الرِّقِّ وَلَمْ تَكُنْ عَلَى ظَهْرِهِ؛ لِأَنَّ الْبَشْرَ فِي ظَهْرِهِ أَخْفَى مِنْهُ فِي الْكَاغَدِ، وَالْخَامِسُ: إنْ كَانَ ذَكَرَ الْحَقَّ، وَالشَّهَادَةَ بِخَطِّهِ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِخَطِّهِ إلَّا الشَّهَادَةُ لَمْ يَشْهَدْ، ثُمَّ قَالَ وَصَوَّبَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَشْهَدُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ نِسْيَانِ الشَّاهِدِ الْمُنْتَصِبِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَذْكُرَهَا لَمَا كَانَ لِوَضْعِ رَسْمِ خَطِّهِ فَائِدَةٌ، (تَنْبِيهٌ) مَعْنَى اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ الْمَحْوِ وَالرِّيبَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَذَرًا عَنْهُ فِي الْوَثِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَذَرًا عَنْهُ فَهُوَ مِنْ زِينَةِ الْوَثِيقَةِ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ كِبَارِ الشُّيُوخِ. اهـ مِنْ التَّوْضِيحِ (وَفِي الْمُخْتَصَرِ) لَا عَلِمَ خَطَّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا وَأَدَّى بِلَا نَفْعٍ، وَلَمْ أَقِفْ الْآنَ عَلَى مَنْ اشْتَرَطَ فِي هَذَا الشَّاهِدِ التَّبْرِيزَ، كَمَا اشْتَرَطَهُ النَّاظِمُ. وَالْحُكْمُ فِي الْقَاضِي كَمِثْلِ الشَّاهِدِ ... وَقِيلَ بِالْفَرْقِ لِمَعْنًى زَائِدِ يَعْنِي: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا وَجَدَ حُكْمًا فِي دِيوَانِهِ بِخَطِّهِ وَهُوَ لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ كَالشَّاهِدِ فَيُنَفِّذُ ذَلِكَ وَيُمْضِيهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ إلَّا إنْ وُجِدَ فِي الْكِتَابِ رِيبَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: لَا يَحْكُمُ بِهِ وَلَا يَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ كَالشَّاهِدِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ فَرْقًا وَهُوَ عُذْرُ الشَّاهِدِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَقْدُورُهُ بِخِلَافِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُشْهِدَ عَلَى حُكْمِهِ عَدْلَيْنِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ بِالْفَرْقِ لِمَعْنًى زَائِدِ (قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ) : اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِنَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا أَمْرُنَا عَلَى

стр. 63

قَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ، وَالْحُقُوقِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّ الْقَاضِي دُونَ الشَّاهِدِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خَاتَمَ مَعْرُوفٌ مَعَ أَنِّي لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّهِ، بَلْ قَوْلُهُمْ فِي الْقَاضِي يَجِدُ حُكْمًا بِدِيوَانِهِ بِخَطِّهِ، وَهُوَ لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إنْفَاذُهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ، وَلَا إنْ وَجَدَ الْقَاضِي الْمُوَلَّى بَعْدَهُ وَثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يَتَخَرَّجُ الْقَوْلُ بِعَمَلِهِ بِتَيَقُّنِهِ بِخَطِّهِ دُونَ ذِكْرِ حُكْمِهِ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ فِي الشَّاهِدِ بِتَيَقُّنِ خَطِّهِ بِالشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ، وَلَا يَذْكُرُ مَوْطِنَهَا لِعُذْرِ الشَّاهِدِ بِالْجُمْلَةِ إذْ هُوَ مَقْدُورٌ كَسْبُهُ، وَالْقَاضِي كَانَ قَادِرًا عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى حُكْمِهِ، وَاعْتَمَدَ النَّاظِمُ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَاضِي عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنَاصِفِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْقَاضِي. وَخَطُّ عَدْلٍ مَاتَ أَوْ غَابَ اُكْتُفِيَ ... فِيهِ بِعَدْلَيْنِ وَفِي الْمَالِ اُقْتُفِيَ وَالْحَبْسُ إنْ يَقْدُمَ وَقِيلَ يُعْتَمَلْ ... فِي كُلِّ شَيْءٍ وَبِهِ الْآنَ الْعَمَلْ كَذَاكَ فِي الْغَيْبَةِ مُطْلَقًا وَفِي ... مَسَافَةِ الْقَصْرِ أُجِيزَ فَاعْرِفْ هَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الثَّانِي مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ، أَوْ الْمَيِّتِ (قَالَ اللَّخْمِيُّ) : الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ صَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ (وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : أَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ، أَوْ الْغَائِبِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْأُمَّهَاتِ الْمَشْهُورَةِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إجَازَتِهَا وَإِعْمَالِهَا، (ابْنُ عَرَفَةَ) فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ إعْمَالُهَا خِلَافَ قَوْلِ الْبَاجِيِّ

стр. 64

لَا تَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ (الْبَاجِيُّ) ، مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ غَايَةَ خَطِّهِ أَنَّهُ كَلَفْظِهِ وَهُوَ لَوْ سَمِعَهُ يَقُصُّ شَهَادَتَهُ لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ إجَازَتَهَا. اهـ. وَقَوْلُهُ " اكْتَفَى فِيهِ بِعَدْلَيْنِ " أَيْ: يَكْتَفِي فِي ثُبُوتِ خَطِّ الْعَدْلِ الْمَيِّتِ، أَوْ الْغَائِبِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَنَّ الْخَطَّ خَطُّ فُلَانٍ الْمَيِّتِ، أَوْ الْغَائِبِ، وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْعَدْلَيْنِ، كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهِ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ عَدْلٍ مِنْ قَوْلِهِ " وَخَطُّ عَدْلٍ " يَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ وَبِأَكْثَرَ فَإِذَا كَانَ الصَّكُّ بِعَدْلَيْنِ مَيِّتَيْنِ، أَوْ غَائِبَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مَيِّتٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِي إثْبَاتِ خَطِّهِمَا مَعًا بِعَدْلَيْنِ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِالِاكْتِفَاءِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى خَطِّ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ فَيَحْتَاجُ فِي الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إلَى أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ فَتَطْلُبُ النَّصَّ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ " وَفِي الْمَالِ اُقْتُفِيَ وَالْحَبْسُ إنْ يَقْدُمَ " يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ هَلْ يُعْمَلُ بِهَا فِي الْمَالِ وَالْحَبْسِ الْقَدِيمِ فَقَطْ، أَوْ يُعْمَلُ بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ " وَبِهِ الْعَمَلُ " فِي زَمَانِ النَّاظِمِ يَعْنِي وَكَذَا فِي زَمَانِنَا، وَقَوْلُهُ " كَذَا فِي الْغَيْبَةِ " التَّشْبِيهُ فِي ثُبُوتِ خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ بِعَدْلَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُغْنِي عَنْهُ إذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْغَيْبَةِ، أَوْ الْمَوْتِ، وَلَعَلَّهُ أَعَادَهُ لِبَيَانِ قَدْرِ الْغَيْبَةِ الَّذِي هُوَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَقَوْلُهُ " مُطْلَقًا " أَيْ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ " وَفِي الْمَالِ اُقْتُفِيَ " إلَخْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي قَبُولِهَا فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ قَوْلَانِ: (التَّوْضِيحُ) الْقَوْلُ بِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْأَمْوَالِ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ قَالُوا لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا حَيْثُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لِمَالِكٍ اهـ (وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ) أَكْثَرُ مَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ، وَنَقَلَهُ قَبْلَهُ مِنْ الْمُفِيدِ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ: جَرَى الْعَمَلُ مِنْ الْقُضَاةِ بِبَلَدِنَا يَعْنِي قُرْطُبَةَ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ، وَلَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْأَحْبَاسِ، وَغَيْرِهَا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ. (فَرْعٌ) ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْقَطْعِ حَتَّى يَكُونَ فِي مَعْرِفَةِ الْخَطِّ، وَمَعْرِفَةُ الشُّهُودِ لَهُ كَمَعْرِفَةِ الْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْقَزْوِينِيِّ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْعِلْمِ. اهـ مِنْ التَّوْضِيحِ أَيْضًا اُنْظُرْ أَوَّلَ الْبَابِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْفُرُوعِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَهَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: " وَخَطُّ شَاهِدٍ مَاتَ أَوْ غَابَ بِبُعْدٍ وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا إنْ عَرَفَهُ كَالْمُعَيَّنِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَشْهَدَهُ وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا " (الْمُتَيْطِيُّ) لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا مِنْ الْفَطِنِ الْعَارِفِ بِالْخُطُوطِ وَمُمَارَسَتِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدْرَكَ صَاحِبَ الْخَطِّ. اهـ (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّاهِدُ عَلَى الْخَطِّ أَنَّ الشَّاهِدَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهِ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ أَشْهَدَهُ مَعْرِفَةَ الْعَيْنِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى خَطِّهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ زَرْبٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ

стр. 65

لَا يَضَعُ خَطَّهُ إلَّا عَلَى مَنْ يَعْرِفُ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا. (فَرْعٌ) وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ، أَوْ الْمَيِّتِ حَتَّى يَقُولَ: إنَّهُ كَانَ فِي تَارِيخِ الشَّهَادَةِ عَدْلًا وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ احْتِيَاطًا مِنْ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُ سَقَطَتْ بِجَرْحِهِ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ. اهـ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِذَا قُلْنَا: يُحْكَمُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَهَلْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ أَمْ لَا؟ رِوَايَتَانِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ يَتَنَزَّلُ الشَّاهِدَانِ عَلَى خَطِّهِ مَنْزِلَةَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْإِقْرَارِ أَوْ مَنْزِلَةَ الشَّاهِدِ فَقَطْ لِضَعْفِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ؟ ثُمَّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: إنَّهُ إذَا لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَمَنْ قَالَ: عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ أَبْطَلَ الشَّهَادَةَ هُنَا، وَمَنْ قَالَ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ أَعْمَلَ الشَّهَادَةَ هُنَا وَيَحْلِفُ يَمِينَيْنِ يَمِينٌ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَمِينٌ أُخْرَى لِكَمَالِ السَّبَبِ. (فَرْعٌ) سُئِلَ الْإِمَامُ سَيِّدِي أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ نَظَرَا وَثِيقَةً بِيَدِ رَجُلٍ تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ حَقٍّ، وَتَحَقَّقَا مَا فِيهَا، وَحَفِظَاهَا، وَنَظَرَا إلَى شُهُودِهَا فَتَأَمَّلَا خُطُوطَهُمْ فَتَحَقَّقَا أَنَّهَا خُطُوطُ قَوْمٍ مَاتُوا، وَعَلِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا بِوَسْمِ الْعَدَالَةِ، وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ حِينَ الْوَضْعِ، وَاتَّصَلَ ذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتُوا ثُمَّ ضَاعَتْ الْوَثِيقَةُ فَاسْتَظْهَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِشَهَادَةِ هَذَيْنِ فَأَدَّيَا عِنْدَ الْقَاضِي حَسْبَمَا وَصَفَ، هَلْ يُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا لَوْ لَمْ يَضِعْ الرَّسْمُ بِإِحْيَاءِ شَهَادَةِ شُهُودِهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) سُئِلْت عَنْ مِثْلِ هَذَا مَرَّتَيْنِ فَأَجَبْت عَنْهُ جَوَابَيْنِ: بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَقَرَّرَ عِنْدَ الْقَاضِي الْآنَ مَعَ غَيْبَةِ الْوَثِيقَةِ، وَبَيْنَ مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مَعَ حُضُورِهَا بِاسْتِيفَاءِ هَذَيْنِ جَمِيعَ مَا فِيهَا وَإِحْيَائِهِمَا الشَّهَادَةَ الْوَاقِعَةَ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ لَوْ حَضَرَتْ. اهـ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ بَعْدَ نَحْوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَرَقَةً مِنْ نَوَازِلِ الشَّهَادَاتِ ثُمَّ قَالَ إثْرَهُ وَانْظُرْ مَا يُنَاقِضُ هَذِهِ الْفَتْوَى فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَالْمُتَيْطِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ. . وَكَاتِبٌ بِخَطِّهِ مَا شَاءَهْ ... وَمَاتَ بَعْدُ أَوْ أَبَى إمْضَاءَهْ ثَبَتَ خَطُّهُ وَيَمْضِي مَا اقْتَضَى ... دُونَ يَمِينٍ وَبِذَا الْيَوْمَ الْقَضَا هَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ مَنْ كَتَبَ بِيَدِهِ مَا يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ بِهِ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ أَنْكَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْخَطَّ خَطُّهُ، فَأَخْبَرَ النَّاظِمُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُثْبِتَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ الْخَطَّ خَطُّ هَذَا الْمُنْكِرِ، أَوْ الْمَيِّتِ، وَيَلْزَمُهُ أَوْ وَرَثَتَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ دُونَ يَمِينٍ، يَلْزَمُ صَاحِبَ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَبِهَذَا الْحُكْمِ الْقَضَاءُ، وَبِهِ أَفْتَى الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: " وَجَازَتْ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ بِلَا يَمِينٍ " (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، أَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَجَائِزَةٌ كَإِقْرَارِهِ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْأَصَحِّ. (التَّوْضِيحُ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَهَلْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ لَا؟ رِوَايَتَانِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ يَتَنَزَّلُ الشَّاهِدَانِ عَلَى خَطِّهِ مَنْزِلَةَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْإِقْرَارِ، أَوْ مَنْزِلَةَ الشَّاهِدِ فَقَطْ لِضَعْفِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ؟ ثُمَّ قَالَ (فَرْعٌ) وَإِذَا أَقَامَ صَاحِبُ الْحَقِّ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى الْخَطِّ فَرِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْجَلَّابِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَهِدَ لَهُ اثْنَانِ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ، أَوْ لَا فَمَنْ قَالَ لَا يَحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ أَعْمَلَ الشَّهَادَةَ هُنَا، وَمَنْ قَالَ يَحْتَاجُ أَبْطَلَ الشَّهَادَةَ هُنَا، وَإِذَا قُلْنَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى يَمِينَيْنِ يَمِينٍ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَمِينٍ أُخْرَى لِيُكْمِلَ السَّبَبَ. الشَّارْمَسَاحِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَصَحَّ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ لَا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ اهـ (فَرْعٌ) إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَطَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يُجْبَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بِمَحْضَرِ الْعُدُولِ، وَيُقَابِلَ مَا كَتَبَهُ بِمَا أَظْهَرَهُ الْمُدَّعِي، فَأَفْتَى عَبْدُ الْحَمِيدِ بِعَدَمِ جَبْرِهِ، وَأَفْتَى اللَّخْمِيُّ بِجَبْرِهِ، وَأَنْ يَطُولَ تَطْوِيلًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ خَطًّا غَيْرَ خَطِّهِ. اهـ. وَامْتَنَعَ النُّقْصَانُ وَالزِّيَادَهْ ... إلَّا لِمَنْ بَرَّزَ فِي الشَّهَادَهْ يَعْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي شَهَادَتِهِ، أَوْ يَنْقُصَ مِنْهَا إلَّا إذَا كَانَ مُبَرِّزًا سَابِقًا فِي الْعَدَالَةِ، فَيُقْبَلُ مِنْهُ مَا زَادَ أَوْ نَقَصَ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّ لِزَيْدٍ قِبَلَ عَمْرٍو مِائَةً ثُمَّ شَهِدَ أَنَّهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ قَالَ: إنَّمَا

стр. 66

عَلَيْهِ ثَمَانُونَ، أَوْ بِالْعَكْسِ وَظَاهِرُ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَرِّزِ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَتَفْصِيلٌ يُرَاجَعُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُبَرِّزِ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، وَقَبُولُ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَرِّزِ مَحِلُّهُ بَعْدَ أَدَائِهَا عِنْدَ الْقَاضِي، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا تُعْتَبَرُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي عَدِّ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ وَمَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ بَعْدَ أَدَائِهَا. اهـ (وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ شَهِدَ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا ثُمَّ جَاءَ يَذْكُرُ أَنَّهَا كَانَتْ خَمْسِينَ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) هَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ النَّظَائِرُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلِأَخِيهِ يَشْهَدُ الْمُبَرِّزُ الْبَيْتَ وَبَرَّزَ فِي الْبَيْتِ بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَرَاجِعٌ عَنْهَا قَبُولُهُ اعْتَبِرْ ... مَا الْحُكْمُ لَمْ يَمْضِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَذِرْ وَإِنْ مَضَى الْحُكْمُ فَلَا وَاخْتُلِفَا ... فِي غُرْمِهِ لِمَا بِهَا قَدْ أُتْلِفَا وَشَاهِدُ الزُّورِ اتِّفَاقًا يَغْرَمُهْ ... فِي كُلِّ حَالٍ الْعِقَابُ يَلْزَمُهْ تَكَلَّمَ فِي الْأَبْيَاتِ عَلَى رُجُوعِ الشَّاهِدِ عَنْ الشَّهَادَةِ وَلِلرُّجُوعِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: الصُّورَةُ الْأُولَى: قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلَا قَضَاءَ أَيْ لَا: يُقْضَى بِهَا وَتَصِيرُ كَالْعَدَمِ، وَإِلَى هَذِهِ الصُّورَةِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ فَضَمِيرُ قَبُولِهِ لِلرُّجُوعِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ رُجُوعَهُ يُقْبَلُ، وَيُعْمَلُ بِهِ سَوَاءٌ اعْتَذَرَ وَقَالَ تَوَهَّمْت مَثَلًا، أَوْ نَسِيت، أَوْ لَمْ يَعْتَذِرْ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ إمْضَاءِ الْحُكْمِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) . الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ. (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : يُسْتَوْفَى الدَّمُ كَالْمَالِ وَقَالَ أَيْضًا: وَغَيْرُهُ لَا يُسْتَوْفَى لِحُرْمَةِ الدَّمِ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ فَيُغَرَّمَانِ الدِّيَةَ وَغَيْرَهَا إنْ لَمْ يَثْبُتْ عَمْدُهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، لَا يُغَرَّمَانِ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، فَإِنْ ثَبَتَ عَمْدُهُمَا فَالدِّيَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقِصَاصُ لِأَشْهَبَ وَإِلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَإِنْ مَضَى الْحُكْمُ فَلَا " وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ " مَا الْحُكْمُ لَمْ يَمْضِ " يَعْنِي أَنَّ رُجُوعَ الشَّاهِدِ إذَا كَانَ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَمَا إذَا حُكِمَ بِغُرْمِ الْمَالِ، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ حَتَّى رَجَعَ الشَّاهِدُ، وَهِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ، أَوْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ دَفْعُ الْمَالِ الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ وَهِيَ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَا يُعْتَبَرُ وَلَا يُعْمَلُ عَلَيْهِ، بَلْ يَمْضِي الْحُكْمُ وَيُسْتَوْفَى الْمَالُ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّمِ هَذَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَأَمَّا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا كَلَامَ فَقَوْلُهُ " وَإِنْ مَضَى الْحُكْمُ فَلَا " أَيْ: فَلَا يُعْتَبَرُ الرُّجُوعُ وَلَا يُعْمَلُ عَلَيْهِ بِقَدْرٍ، كَأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي غُرْمِ الشَّاهِدِ لِمَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْمُتْلَفَ بِالشَّهَادَةِ إمَّا نَفْسٌ، أَوْ مَالٌ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ تَعَمَّدَ

стр. 67

الْكَذِبَ وَالزُّورَ فَفِي غُرْمِهِ الْمَالَ مِنْ دِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَوْلَانِ: فَيُغَرَّمُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَا يُغَرَّمُ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ " وَاخْتَلَفَا " إلَخْ وَضَمِيرُ بِهَا لِلشَّهَادَةِ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، وَالزُّورَ فَيُغَرَّمُ الْمَالَ اتِّفَاقًا، وَلَا إشْكَالَ وَإِنْ كَانَ شَهِدَ بِالْقَتْلِ، أَوْ الْجُرْحِ عَمْدًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ وَثَبَتَ أَنَّ شَهَادَتَهُ بِالْقَتْلِ، أَوْ بِالْجُرْحِ كَانَتْ زُورًا وَكَذِبًا. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُغَرَّمُ الدِّيَةَ وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْتَصُّ مِنْ الشَّاهِدِ وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَشَاهِدُ الزُّورِ اتِّفَاقًا يَغْرَمُهْ أَيْ: مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ وَمَعْنَى فِي كُلِّ حَالٍ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا، أَوْ دَمًا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ " يَغْرَمُهْ فِي كُلِّ حَالٍ " أَنَّهُ لَا يُنْتَقَصُ مِنْ الشَّاهِدِ فِي الْقَتْلِ، أَوْ الْجُرْحِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ " وَالْعِقَابُ يَلْزَمُهْ " أَيْ: لِشَاهِدِ الزُّورِ زِيَادَةً عَلَى الْغُرْمِ (قَالَ الشَّارِحُ) فِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا رَجَعَ الشُّهَدَاءُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَقَدْ شَهِدُوا بِحَقٍّ، أَوْ حَدِّ اللَّهِ مِنْ زِنًى، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ خَمْرٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ فَإِنَّهُمْ يُقَالُونَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَهِمُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، أَوْ رَجَعُوا عَنْهَا لِشَكٍّ خَالَطَهُمْ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ فِي هَذَا تُوجِبُ الْخَوْفَ فَلَا يَرْجِعُ أَحَدٌ عَنْ شَهَادَةٍ شَهِدَهَا عَلَى بَاطِلٍ أَوْ شَكٍّ إذَا أَرَادَ التَّوْبَةَ، وَيُحَدُّونَ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ الزِّنَا حَدَّ الْقَذْفِ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَفِيهِ أَيْضًا رَوَى الْمُغِيرَةُ عَنْ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ رَسُولَ ﷺ : " قَالَ فِي شَاهِدٍ شَهِدَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ ﷺ : «تَمْضِي شَهَادَتُهُ الْأُولَى لِأَهْلِهَا وَهِيَ الشَّهَادَةُ وَالْأَخِيرَةُ بَاطِلَةٌ» وَأَخَذَ بِذَلِكَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ يَرَوْنَ أَنْ يُغَرَّمَ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ إذَا أَقَرَّ بِتَعَمُّدِ الزُّورِ قَالَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ (قَالَ سَحْنُونٌ) : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ فَقَالُوا: إنْ قَالُوا وَهِمْنَا، أَوْ اُشْتُبِهَ عَلَيْنَا فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ، وَلَا أَدَبَ وَإِنْ قَالُوا زَوَّرْنَا غُرِّمُوا مَا أَتْلَفُوا وَأُدِّبُوا، وَقَالَ آخَرُونَ يُغَرَّمُوا مَا أَتْلَفُوا فِي الْعَمْدِ، وَالْوَهْمِ، وَالشَّكِّ، وَيُؤَدَّبُ الْمُتَعَمِّدُونَ. اهـ. (وَفِي شَهَادَةِ الْمُدَوَّنَةِ) إنْ أُخِذَ شَاهِدُ الزُّورِ ضُرِبَ قَدْرَ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَيُطَافُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، (ابْنُ الْقَاسِمِ) يُرِيدُ فِي مَجَالِسِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ (وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ) اتَّفَقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى تَغْرِيمِ شَاهِدِ الزُّورِ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَغْرِيمِهِ إذَا ادَّعَى الْوَهْمَ وَالشَّبَهَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا غُرْمَ وَلَا أَدَبَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُغَرَّمُ اهـ وَرَاجِعْ شُرَّاحَ قَوْلِهِ " وَعُزِّرَ شَاهِدُ الزُّورِ فِي مَلَأٍ بِنِدَاءٍ " (تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ إمْضَاءِ الْحُكْمِ فِي رُجُوعِ الشَّاهِدِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يُتَبَيَّنْ كَذِبُهُ فِيمَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ فِيمَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا، وَكَذِبِهِ فِيمَا رَجَعَ إلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ إنْ أَمْكَنَ نَقْضُهُ كَاسْتِحْقَاقِ رُبْعٍ وَنَحْوِهِ كَمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَوْتِهِ فَبِيعَتْ تِرْكَتُهُ وَتَزَوَّجَتْ زَوْجَتُهُ، ثُمَّ قَدِمَ حَيًّا فَإِنْ ذَكَرَ الشُّهُودُ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فَهَذَا تُرَدُّ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ مَتَاعِهِ إلَّا مَا وَجَدَ، وَمَا بِيعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ إنْ وَجَدَهُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَأْتِ الْبَيِّنَةُ بِمَا تُعْذَرُ بِهِ فَذَلِكَ كَتَعَمُّدِهِمْ الزُّورَ فَلْيَأْخُذْ مَتَاعَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَعَبْدَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْتِقَ وَأَمَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ آخِرَ الِاسْتِحْقَاقِ كَمَشْهُودٍ بِمَوْتِهِ إنْ عُذِرَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِلَّا فَكَالْغَاصِبِ وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا فَحُكِمَ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ قَدِمَ حَيًّا قَبْلَ قَتْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَنْتَقِضُ، وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَحُكِمَ بِرَجْمِهِ، فَوُجِدَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا فَيُنْتَقَضُ الْحُكْمُ، وَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ حَدَّ الْقَذْفِ إذْ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لِلْمَجْبُوبِ يَا زَانِي أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ نَقْضِهِ، وَيَمْضِي إذْ الْفَرْضُ أَنَّ نَقْضَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَذَلِكَ كَالْحُكْمِ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ فَقُتِلَ ثُمَّ قَدِمَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا، وَكَالْحُكْمِ بِرَجْمِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ بِالزِّنَا فَرُجِمَ فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي رُجِمَ مَجْبُوبٌ فَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ لِلْقَذْفِ كَمَا مَرَّ، بَلْ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ مَعَ الْأَدَبِ وَطُولِ السَّجْنِ. (الثَّانِي) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرُّجُوعَ إذَا كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَصِيرُ كَالْعَدَمِ بِغَيْرِ الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا مَا إنْ شَهِدُوا بِزِنًى، ثُمَّ رَجَعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونَ

стр. 68

حَدَّ الْقَذْفِ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الشَّهَادَاتِ] ِ ثُمَّ الشَّهَادَةُ لَدَى الْقَضَاءِ ... جُمْلَتُهَا خَمْسٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ تَخْتَصُّ أُولَاهَا عَلَى التَّعْيِينِ ... أَنْ تُوجِبَ الْحَقَّ بِلَا يَمِينِ فَفِي الزِّنَا مِنْ الذُّكُورِ أَرْبَعَهْ ... وَمَا عَدَا الزِّنَا فَفِي اثْنَيْنِ سَعَهْ وَرَجُلٌ بِامْرَأَتَيْنِ يُعْتَضَدْ ... فِي كُلِّ مَا يَرْجِعُ لِلْمَالِ اُعْتُمِدْ وَفِي اثْنَتَيْنِ حَيْثُ لَا يَطَّلِعُ ... إلَّا النِّسَاءُ كَالْمَحِيضِ مَقْنَعُ قَسَّمَ النَّاظِمُ ﵀ الشَّهَادَةَ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ (الْأَوَّلُ) : مِنْهَا مَا يُوجِب الْحَقَّ بِلَا يَمِينٍ لَكِنْ بِشَرْطِ تَعَدُّدِ الشَّاهِدِ فِيهَا عَلَى الْجُمْلَةِ وَلَوْ صَغِيرًا، أَوْ امْرَأَةً. (الثَّانِي) : مَا يُوجِبُهُ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ. (الثَّالِثُ) : لَا يُوجِبُ حَقًّا بَلْ تَوْقِيفَ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ. (الرَّابِعُ) : مَا يُوجِبُ الْيَمِينَ فَقَطْ عَلَى الْمَطْلُوبِ. (الْخَامِسُ) : مَا لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ وَهَذَا التَّقْسِيمُ هُوَ بِاعْتِبَارِ مُوجَبِ الشَّهَادَةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: مَا تُوجِبُهُ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا. (وَقَسَّمَهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ وَسَمَّاهَا مَرَاتِبَ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ مَا يَكْفِي فِي الْمَشْهُودِ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، فَبَعْضُهُ لَا يَكْفِي وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، وَبَعْضُهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَهُوَ مَا لَيْسَ زِنًى وَلَا مَالًا وَلَا آيِلًا إلَى مَالٍ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَبَعْضُهُ يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَذَلِكَ الْمَالُ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ كَالْآجَالِ، وَالْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ، وَبَعْضُهُ يَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ وَهُوَ مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ، وَزَادَ غَيْرُهُ مَا يَثْبُتُ بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ الْخِلْطَةُ عِنْد مَنْ اشْتَرَطَهَا فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلِكُلٍّ مِنْ صَنِيعِ النَّاظِمِ التَّابِعِ فِيهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيِّ، وَصَنِيعِ ابْنِ الْحَاجِبِ التَّابِعِ فِيهِ لِابْنِ شَاسٍ، وَجْهٌ أَحَدُهُمَا قَرِيبٌ مِنْ الْآخَرِ أَوْ عَيْنُهُ، فَالزِّنَا مَثَلًا تَكَلَّمَ فِيهِ النَّاظِمُ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَهِدَ بِهِ أَرْبَعَةٌ ثَبَتَ بِلَا يَمِينٍ (، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) : لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقُ فِي النَّظْمِ تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَهِدَ بِهِ عَدْلَانِ ثَبَتَ بِلَا يَمِينٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَالْمَالُ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ تَكَلَّمَ فِي النَّظْمِ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ كَامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ، وَرَجُلٍ وَيَمِينٍ، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ فَجَزَاهُمَا اللَّهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَأَعْظَمَ لَهُمَا ثَوَابًا وَأَجْرًا. وَذَكَرَ النَّاظِمُ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَقَّ بِلَا يَمِينٍ، وَتَحْتَهُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ (النَّوْعُ الْأَوَّلُ) : شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ فِي الزِّنَا يَرَوْنَهُ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ. (الثَّانِي) : شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ مَا عَدَا الزِّنَا وَإِلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَفِي الزِّنَا مِنْ الذُّكُورِ أَرْبَعَهْ الْبَيْتَ. (الثَّالِثُ) : شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ فِي الْمَالِ، وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَرَجُلٌ بِامْرَأَتَيْنِ يُعْتَضَدْ (الرَّابِعُ) : شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْحَيْضِ، وَالْوِلَادَةِ إلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَفِي اثْنَتَيْنِ حَيْثُ الْبَيْتَ وَلَدَى فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى عِنْدَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ فَتُوجِبُ حَقًّا أَوْ لَا تُوجِبُهُ إلَّا عِنْدَ أَدَائِهَا عِنْدَ الْقَاضِي، وَالِاسْتِقْرَاءُ التَّتَبُّعُ وَالْبَحْثُ، وَضَمِيرُ أُولَاهَا لِلْخَمْسِ، وَبِامْرَأَتَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِيُعْتَضَدُ، وَجُمْلَةُ اُعْتُمِدَ خَبَرُ رَجُلٍ، وَسَوَّغَ الِابْتِدَاءَ بِهِ وَصْفُهُ بِجُمْلَةِ يُعْتَضَدُ، وَنَائِبُهُ يَعُودُ عَلَى الرَّجُلِ الْمَوْصُوفِ وَهُوَ الرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الْخَبَرِ بِالْمُبْتَدَأِ وَفِي كُلِّ يَتَعَلَّقُ بِاعْتُمِدَ وَفِي اثْنَتَيْنِ خَبَرُ مَقْنَعُ، وَسَوَّغَ الِابْتِدَاءَ بِهِ تَقَدُّمُ الْخَبَرِ وَهُوَ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ الشَّارِحُ الْيَمِينُ: الْمَنْفِيَّةُ فِي هَذَا الْقَسَمِ هِيَ الْيَمِينُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا تَقْوِيَةُ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا فِي ذَلِكَ، كَالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، أَوْ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا، فَلَا تُعْتَرَضُ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ الْوَاجِبَةِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، وَالْغَائِبِ وَمَنْ لَحِقَ بِهِمَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْيَمِينَ لَيْسَتْ بِعَاضِدَةٍ لِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَلَا مُقَوِّيَةً لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي مُقَابَلَةِ فَرْضِ دَعْوَى الْغَرِيمِ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْحَقِّ، وَكَذَلِكَ

стр. 69

لَا يُعْتَرَضُ بِيَمِينِ الِاسْتِحْقَاقِ الْوَاجِبَةِ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُقَوِّيَةٍ أَيْضًا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي مُقَابَلَةِ فَرْضِ دَعْوَى صَيْرُورَةِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ بِهِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يَنْفِي الْيَمِينُ احْتِمَالَهَا، وَلَا يَكْفِي عَنْهَا قَوْلُ الشُّهُودِ وَمَا يَعْلَمُونَهُ بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا نَفَوْا الْعِلْمَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْمِلْكِيَّةِ عَلَى الْبَيْتِ، وَبِاسْتِمْرَارِهَا عَلَى الْعِلْمِ، فَالْيَمِينُ فِي مُقَابَلَةِ دَعْوَى مَا لَمْ يَعْلَمُهُ الشَّاهِدُ مِنْ عَدَمِ اسْتِمْرَارِ الْمِلْكِ لَا لِتَقْوِيَةِ الشَّهَادَةِ. (الثَّانِي) : شَمَلَ قَوْلُهُ وَمَا عَدَا الزِّنَا فَفِي اثْنَيْنِ سَعَهْ جَمِيعَ الْحُقُوقِ فِي الْمَالِيَّةِ، وَالْبَدَنِيَّةِ مَا عَدَا الزِّنَا لِتَقَدُّمِهِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ يَثْبُتُ بِعَدْلَيْنِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي أَفْرَادِهِ، إذْ مِنْهَا مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَيَمِينٍ، أَوْ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ، فَثُبُوتُ جَمِيعِ ذَلِكَ بِعَدْلَيْنِ هُوَ الَّذِي فِي النَّظْمِ، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي فِي أَفْرَادِهِ هُوَ الَّذِي فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَسَوَاءٌ تَضَمَّنَتْ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ إتْلَافَ نَفْسٍ كَالْقَوَدِ، أَوْ عُضْوٍ كَالْقَطْعِ، أَوْ إبَاحَةِ بِضْعٍ كَالنِّكَاحِ، أَوْ انْتِهَاكِ بَشَرَةٍ كَالتَّعْزِيرِ وَالْحُدُودِ، أَوْ إبَانَةِ عِصْمَةٍ كَالطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ، أَوْ إبَانَةِ مَالٍ كَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ، أَوْ نَقْلِ مِلْكٍ كَالْمُعَاوَضَةِ وَالْبَيْعِ، أَوْ تَعْمِيرِ ذِمَّةٍ كَالسَّلَمِ وَالدَّيْنِ، أَوْ تَعَلُّقِ حَقٍّ كَالْعَارِيَّةِ وَالرَّهْنِ، أَوْ إلْزَامِ حُكْمٍ كَالتَّعَدِّي وَالْغَصْبِ، الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ وَلَكِنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الرِّجَالُ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمْ أَحْكَامٌ مَخْصُوصَةٌ مِنْ ذَلِكَ. (قَالَ ابْنُ شَاسٍ) : الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مَا عَدَا الزِّنَا مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يَئُولُ إلَيْهِ كَالنِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالرِّدَّةِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَثُبُوتِهِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا، وَالنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّدْبِيرِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ، وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَشَرْطُ ذَلِكَ كُلِّهِ التَّعَدُّدُ وَالذُّكُورِيَّةُ اهـ عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ. فَهَذِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَمِثْلُهَا لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونَ مَا نَصُّهُ الْبَابُ الثَّانِي فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُمَا وَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ

стр. 70

وَالطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالتَّمْلِيكِ، وَالْمُبَارَاةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالرِّدَّةِ، وَالنَّسَبِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالشُّرْبِ، وَالْقَذْفِ، وَالْحِرَابَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْآجَالِ، وَالْأَحْصَالِ، وَقَتْلِ الْعَمْدِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ، وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَشْهَبَ فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَغَيْرُهُ. اهـ. وَانْظُرْ عِدَّةَ الْخُلْعِ وَالْمُبَارَاةِ مَعَ أَنَّهُمَا دَاخِلَانِ فِي الطَّلَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُلْعِ وَالْمُبَارَاةِ وَالِافْتِدَاءِ أَنَّ الْمُبَارَاةَ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ: خُذْ مَا أَعْطَيْتنِي وَاتْرُكْنِي، وَالْخُلْعَ بِأَنْ تَخْتَلِعَ بِكُلِّ الَّذِي لَهَا، وَالِافْتِدَاءَ أَنْ تَفْتَدِيَ بِبَعْضٍ وَتُمْسِكَ بَعْضًا، قَالَهُ فِي الْمُقَرِّبِ. (قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ) وَقَدْ كُنْت نَظَمْتُ هَذِهِ النَّظَائِرَ فِي أَبْيَاتٍ تَقْرِيبًا لِلْحِفْظِ فَقُلْت: وَشَاهِدَانِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ... وَالْخُلْعِ وَالْإِبْرَاءِ وَتَمْلِيكِ عَتَاقِ وَرِدَّةِ إسْلَامٍ أَوْ بُلُوغٍ أَوْ ... عِدَّةٍ أَوْ جُرْحٍ وَتَعْدِيلٍ حَكَوْا وَنَسَبٍ كِتَابَةٍ تَدْبِيرٍ مَعْ ... شُرْبٍ وَقَذْفٍ وَحِرَابَةٍ تَبِعْ وَأَجَلٍ مَعَ قَتْلِ عَمْدٍ شِرْكَةِ ... إحْصَالٍ التَّوْكِيلِ وَالْوَصِيَّةِ عَفْوِ الْقِصَاصِ وَثُبُوتِهِ الْوَلَا ... وَرَجْعَةٍ مَوْتٍ كَذَاك نَقَلَا نَجْلُ الْحَاجِبِ وَفَرْحُونٍ لَدَى ... تَبْصِرَةٍ بِثَانِ قِسْمٍ قَدْ بَدَا (التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) : شَمِلَ قَوْلُهُ: وَرَجُلٌ بِامْرَأَتَيْنِ يُعْتَضَدْ الْبَيْتَ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ الْأَوَّلُ: الشَّهَادَةُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَكِنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَال، وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا هُوَ مَنْطُوقُ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ. الثَّانِي: عَكْسُهُ وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمَالِ، وَلَكِنَّهُ يَئُولُ إلَى غَيْرِ الْمَالِ، وَكَانَ دُخُولُ هَذَا النَّوْعِ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ مِنْ بَابِ لَا فَارِقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ. الثَّالِثُ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْمَالِ الْمَحْضِ، وَدُخُولِهِ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي النَّظْمِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، إذْ هُوَ أَخَفُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَمِثَالُ الْأَوَّلِ) الْوَكَالَةُ، وَنَقْلُ الشَّهَادَةِ

стр. 71

عَلَى مَنْ شَهِدَ بِمَالٍ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي إذَا كَانَ مُضَمِّنُهُ مَالًا، وَعَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ، أَوْ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَهُ، أَوْ عَلَى نِسْبَةٍ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ أَخُوهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ ثَابِتُ النَّسَبِ، (قَالَ الشَّارِحُ) : فَأَجْرَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى حُكْمِ الشَّاهِدِ عَلَى الْمَالِ لَمَّا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ بِهَا مَالًا، وَأَبْقَاهَا أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى مَالٍ كَالنِّكَاحِ وَشِبْهِهِ اهـ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَهَبَ النَّاظِمُ (وَمِثَالُ الثَّانِي) لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ دَفَعَ كِتَابَتَهُ لِسَيِّدِهِ، أَوْ شَهِدُوا لِرَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ أَمَتَهُ مِنْ ابْنِهَا أَوْ زَوْجِهَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ، وَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَالْأَمَةُ عَلَى ابْنِهَا وَوَقَعَ الْفِرَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اهـ (قُلْت) : وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ إذْ هُمَا مِنْ قَاعِدَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ هَلْ يُنْظَرُ إلَى الْحَالِ، أَوْ إلَى الْمَآلِ، وَلِلْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ. (وَمِثَالُ الثَّالِثِ) الْبَيْعُ كَانَ عَلَى النَّقْدِ أَوْ الْأَجَلِ وَالْقَرْضُ، أَوْ الْقِرَاضُ، الْوَدِيعَةُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ، وَدِيَةُ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ إذَا كَانَ لَا قَوَدَ فِيهِ. (الرَّابِعُ) دَخَلَ فِي قَوْلِهِ وَفِي اثْنَتَيْنِ حَيْثُ الْبَيْتَ كُلُّ مَا يَنْفَرِدُ النِّسَاءُ بِحُضُورِهِ دُونَ الرِّجَالِ وَذَلِكَ مِثْلُ: الْحَيْضِ، وَالرَّضَاعِ، وَالِاسْتِهْلَالِ، وَالْوِلَادَةِ، وَعُيُوبِ الْفَرْجِ، فَتَثْبُتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِامْرَأَتَيْنِ عَدْلَتَيْنِ (قَالَ فِي الرِّسَالَةِ) وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَالِاسْتِهْلَالِ وَشِبْهِ ذَلِكَ جَائِزَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَتِهِمَا عَلَى كَوْنِ الْمَوْلُودِ ابْنًا، وَلَمْ يَتَعَذَّرُ تَأْخِيرُهُ لِشَهَادَةِ الرِّجَالِ، كَمَا اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي إرْخَاءِ السِّتْرِ، هَلْ هُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ النِّسَاءُ أَمْ لَا؟ . وَوَاحِدٌ يُجْزِئُ فِي بَابِ الْخَبَرِ ... وَاثْنَانِ أَوْلَى عِنْدَ كُلِّ ذِي نَظَرْ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الْخَامِسُ، مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مِمَّا يُوجِبُ الْحَقَّ بِلَا يَمِينٍ، وَهُوَ خَبَرُ الْمُخْبِرِ وَذَلِكَ كَالْقَائِفِ، وَالْمُوَجَّهِ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي لِلتَّحْلِيفِ، وَالْحِيَازَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَفِي عَدِّهِ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ مُسَامَحَةٌ، إذْ هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلشَّهَادَةِ فِي حُكْمِهِ لِكَوْنِهِ يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ، وَالشَّهَادَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدُّدُ، وَوَجْهُ إدْخَالِ النَّاظِمِ لَهُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ وَخُصُوصًا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْهَا كَوْنُهُ مِثْلَهَا يُوجِبُ الْحَقَّ بِلَا يَمِينٍ، مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّعَدُّدِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ وَاثْنَانِ أَوْلَى عِنْدَ كُلِّ ذِي نَظَرْ فَدَخَلَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَعَ أَقْسَامِ سَائِرِ الْبَابِ. (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) الْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ يُؤَدِّيهِ وَلَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ الطَّبِيبِ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الطِّبِّ، كَالْعُيُوبِ وَالْجِرَاحَاتِ، فَاشْتِرَاطُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ الْعَدَالَةَ اسْتِحْسَانٌ. اهـ (قَالَ الشَّارِحُ) وَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ، وَاَلَّذِي يَتَّضِحُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِيمَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ شَاهِدٍ، أَوْ مُؤَدِّي خَبَرٍ قَائِفًا كَانَ أَوْ طَبِيبًا أَوْ سِوَاهُمَا، فَإِذَا وُجِدَتْ الْعَدَالَةُ فَلَا مَعْدِلَ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَإِنَّ الْمُلَائِمَ بِتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الَّتِي هِيَ تَكْمِيلٌ لِلْمَشْرُوطِ إذَا أُعْذِرَتْ بِالْجُمْلَةِ حَتَّى يَعُودَ اشْتِرَاطُهَا عَلَى أَصْلِهَا بِالْإِبْطَالِ، فَإِنَّهَا تُلْغَى حِينَئِذٍ، كَمَا يُقَالُ إنَّ الذَّكَاةَ شَرْطٌ فِي حِلِّيَّةِ الْمَأْكُولِ، فَإِذَا اُضْطُرَّ الْمُكَلَّفُ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا الشَّرْطُ، وَكَذَلِكَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَدَمُ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُ الْعَدَالَةِ جُمْلَةً لَكَانَ أَمْثَلَ مَنْ يُوجَدُ هُوَ الْعَدْلُ اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ. وَبِشَهَادَةٍ مِنْ الصِّبْيَانِ فِي ... جُرْحٍ وَقَتْلٍ بَيْنَهُمْ قَدْ اُكْتُفِيَ وَشَرْطُهَا التَّمْيِيزُ وَالذُّكُورَهْ ... وَالِاتِّفَاقُ فِي وُقُوعِ الصُّورَهْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يَدْخُلَا ... فِيهِمْ كَبِيرٌ خَوْفَ أَنْ يُبَدِّلَا هَذَا هُوَ النَّوْعُ السَّادِسُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ بِلَا يَمِينٍ، وَهُوَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ، فَيَجُوزُ وَيُكْتَفَى مِنْ غَيْرِ

стр. 72

يَمِينٍ (ابْنُ الْحَاجِبِ) . وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُمَيِّزِ مِنْ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) : هِيَ السُّنَّةُ وَمَا، أَدْرَكْت الْقُضَاةَ إلَّا وَهُمْ يَحْكُمُونَ بِهَا بِخِلَافِ النِّسَاءِ فِي الْمَآتِمِ وَالْأَعْرَاسِ عَلَى الْأَصَحِّ. (التَّوْضِيحُ) أَيْ فَلَا تُقْبَلُ، وَالْأَصَحُّ لِمَالِكٍ وَمُقَابِلُهُ فِي الْجَلَّابِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَأُلْحِقَ بِالْأَعْرَاسِ الْحَمَّامُ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا اهـ، وَلِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ شُرُوطٌ أَوَّلُهَا: التَّمْيِيزُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنْهُمْ. الثَّانِي: الذُّكُورَةُ فَلَا يُقْبَلُ الْإِنَاثُ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَ النَّاظِمُ. الثَّالِثُ: الِاتِّفَاقُ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا شَاهِدٌ بِدَاخِلَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فِي تَحْصِيلِهَا. الرَّابِعُ: عَدَمُ افْتِرَاقِهِمْ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ، خَوْفَ تَبْدِيلِهِ لَهُمْ مَا كَانُوا عَمِلُوهُ، وَقَدْ اقْتَصَرَ النَّاظِمُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ، وَزَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الشُّرُوطِ سَادِسًا وَهُوَ: أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا فَلَا، يُقْبَلُ الْعَبِيدُ (أَشْهَبُ) ، وَلَا مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ كِبَارِهِمْ فَأَحْرَى صِغَارُهُمْ. وَسَابِعًا وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِمْ (قَالَ فِي الْبَيَانِ) وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. ثَامِنًا وَهُوَ: أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا قِيَاسًا عَلَى الْكِبَارِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا تَكُونُ مَعَهُ قَسَامَةٌ وَلَا يَحْلِفُ فِي الْجِرَاحِ. وَتَاسِعًا وَهُوَ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَدُوٌّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (التَّوْضِيحُ) . وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا بِالْعَادَةِ مِنْ حَالِ الْأَطْفَالِ الْمَيْلَ إلَى الْقَرِيبِ، وَالْبُغْضَ لِلْعَدُوِّ. وَعَاشِرًا وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا بِالْعَكْسِ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُفْهَمُ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ بَيْنَهُمْ. قَوْلُهُ وَبِشَهَادَةٍ يَتَعَلَّقُ بِاكْتُفِيَ، وَمِنْ الصِّبْيَانِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ لِشَهَادَةٍ، وَفِي جُرْحٍ يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَةٍ، وَبَيْنَهُمْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ لِجُرْحٍ وَقَتْلٍ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا تَجْرِيحُهُمْ (التَّوْضِيحُ) يَعْنِي لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ عَمَّا شَهِدُوا بِهِ، وَلَوْ كَانَ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ أَوَّلًا هُوَ الْحَقُّ الْوَاقِعُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ التَّعْلِيمِ، وَأَمَّا تَجْرِيحُهُمْ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَأْسَ أَوْصَافِ الْعَدَالَةِ عَدَمٌ مِنْهُمْ وَهُوَ الْبُلُوغُ، اهـ وَإِلَى الْمَسْأَلَةِ بِرُمَّتِهَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إلَّا الصِّبْيَانَ لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ فِي جُرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ، وَالشَّاهِدُ حُرٌّ مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ تَعَدَّدَ لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيبٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَفُرْقَةَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا وَلَمْ يُحْضِرْ كَبِيرًا وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ أَوَّلُهُ وَلَا يُقْدَحُ رُجُوعُهُمْ وَلَا تَجْرِيحُهُمْ [فَصْلٌ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ] (فَصْلٌ) ثَانِيَةٌ تُوجِبُ حَقًّا مَعَ قَسَمْ ... فِي الْمَالِ أَوْ مَا آلَ لِلْمَالِ تُؤَمْ شَهَادَةُ الْعَدْلِ لِمَنْ أَقَامَهْ ... وَامْرَأَتَانِ قَامَتَا مَقَامَهْ هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ الْخَمْسَةِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ، وَتَحْتَ هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعُ أَنْوَاعٍ الْأَوَّلُ: شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ. وَالثَّانِي: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ إذَا عُدِّلَتَا، وَعَلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ نَبَّهَ بِقَوْلِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْبَيْتَ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي قَوْلِهِ: وَهَا هُنَا عَنْ شَاهِدٍ قَدْ يُغْنِي الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ وَالرَّابِعُ: فِي قَوْلِهِ وَغَالِبُ الظَّنِّ الْبَيْتَ فَإِذَا شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ فِي الْمَالِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَلَكِنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَحَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ الْعَدْلِ فَإِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَمْثِلَةُ ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ، إلَّا أَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّةَ أَنْسَبُ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ بِالْعَدْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَهُنَا لِكَوْنِهَا ثَبَتَتْ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ مَعَ الْيَمِينِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْعَدْلِ وَهُوَ امْرَأَتَانِ مَعَ الْيَمِينِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَتْ

стр. 73

امْرَأَتَانِ، أَوْ عَدْلٌ بِمَا ذُكِرَ وَحَلَفَ الطَّالِبُ فَإِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ أَيْضًا (قَالَ الشَّارِحُ) : وَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي خَارِجِ الْمَذْهَبِ خِلَافٌ وَلَا دَاعِيَ لِنَقْلِهِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْعِتْقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْحُدُودِ، وَالْعَقْلِ (وَفِي الْمُقَرِّبِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِكَذَا حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِمَا، وَاسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ إنْ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا رَجُلٌ، وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، وَمِائَةِ امْرَأَةٍ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَفِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ شَهِدَتَا لِعَبْدٍ، أَوْ امْرَأَةٍ بِمَالٍ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَتَا لِصَبِيٍّ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى يَكْبُرَ (وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : إنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَشَاهِدَيْنِ. (وَفِي الْمُوَطَّأِ) قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَكَفَّلَ لَهُ بِمَا عَلَى فُلَانٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ، وَاسْتَحَقَّ الْكَفَالَةَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ إنَّمَا هِيَ مَالٌ مِثْلُ: الْجُرْحِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ مَالٌ. (فَرْعٌ) وَيَتَحَاصَصُ مَنْ قُضِيَ لَهُ فِي دَيْنِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، مَعَ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِشَاهِدَيْنِ (فَرْعٌ) مَنْ لَهُ حَقَّانِ فِي كِتَابَيْنِ قَامَ لَهُ بِكُلِّ حَقٍّ شَاهِدٌ، فَلَيْسَ نُكُولُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا يُسْقِطُ حَقَّهُ فِي الْآخَرِ. (فَرْعٌ) فِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ قَضَى لَهُ، فَلَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ إلَّا الشَّاهِدَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ. اهـ وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ مُسْتَنَدَ حُكْمِ الْقَاضِي

стр. 74

هُوَ شَهَادَةُ الشُّهُودِ، فَالشَّهَادَةُ عَلَى الْحُكْمِ شَهَادَةٌ عَلَى مُسْتَنِدِهِ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّارِحُ: نَقَصَ النَّاظِمُ مِمَّا عَدَّهُ الْجَزِيرِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ تَحْتَ هَذَا الْقِسْمِ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي إجَابَةِ الْقَسَامَةِ مِمَّا فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ، فَأَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ هُنَا قَصْدًا لِلِاخْتِصَارِ. اهـ. يَعْنِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ وَمَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ ... قَسَامَةٌ بِغَيْرِ عَدْلٍ يُوجِبُ وَفِي هَذَا الْجَوَابِ مَا لَا يَخْفَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي هَذَا الْمَحِلِّ جَمْعُ النَّظَائِرِ، وَهِيَ أَوْجَهُ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحَقُّ مَعَ الْيَمِينِ، فَعَدَمُ ذِكْرِ بَعْضِهَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَإِنْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُفِيتُ الْمَقْصُودَ الْمَذْكُورَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَجَابَ بِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ لَكَانَ أَقْرَبَ عَلَى أَنَّ جَمْعَ النَّظَائِرِ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَهَا هُنَا عَنْ شَاهِدٍ قَدْ يُغْنِي ... إرْخَاءُ سِتْرٍ وَاحْتِيَازُ رَهْنِ وَالْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَوَانْ ... تَكَافَأَتْ بَيِّنَتَانِ فَاسْتَبِنْ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَأْبَى الْقَسَمَا ... وَفِي سِوَى ذَلِكَ خُلْفٌ عُلِمَا وَلَا يَمِينَ مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعِي ... بَعْدُ وَيُقْضَى بِسُقُوطِ مَا اُدُّعِيَ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ، وَهُوَ الشَّاهِدُ الْعُرْفِيُّ، وَمُثِّلَ لَهُ بِأَمْثِلَةٍ خَمْسَةٍ: الْأَوَّلُ: إرْخَاءُ السِّتْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا خَلَا الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ أَيْ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَادَّعَتْ الْمَسِيسَ وَأَنْكَرَهُ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا وَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) . وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ هُوَ مُرَادُ عُلَمَائِنَا بِإِرْخَاءِ السُّتُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إرْخَاءَ سِتْرٍ وَلَا إغْلَاقَ بَابٍ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ، ثُمَّ قَالَ فِي تَوْجِيهِ كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ الْمَرْأَةِ: لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْوَطْءِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَلَا بِامْرَأَتِهِ أَوَّلَ خَلْوَةٍ، مَعَ الْحِرْصِ عَلَيْهَا وَالتَّشَوُّفِ إلَيْهَا قَلَّ مَا يُفَارِقُهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا. اهـ. فَإِرْخَاءُ السِّتْرِ قَائِمٌ لِلزَّوْجَةِ فِي دَعْوَى الْمَسِيسِ مَقَامَ الشَّاهِدِ، فَتَحْلِفُ مَعَهُ وَتَسْتَحِقُّ الصَّدَاقَ كَامِلًا، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَهَا بَيْنَ أَنْ يَقُومَ بِهَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ كَأَنْ تَكُونَ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَوْ لَا، (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ مَعَ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ إلَّا عَلَى مَنْ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصَّالِحُ فَلَا (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَكَذَلِكَ الْمَغْصُوبَةُ تَحْمِلُ بِبَيِّنَةٍ وَتَدَّعِي الْوَطْءَ، لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا بِيَمِينٍ قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِرَجُلٍ وَهِيَ تَرَى أَنَّ لَهَا الصَّدَاقَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ، وَاخْتَارَ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الصَّدَاقُ وَلَمْ يَثْبُتْ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ لِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ إثْبَاتِ الزِّنَا، وَيَكْفِي فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ بِاحْتِمَالِ الْمَغْصُوبَةِ اثْنَانِ. اهـ. (الْمِثَالُ الثَّانِي) مِنْ أَمْثَالِ الشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ حَوْزُ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّهْنِ فَإِنَّهُ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ وَيَكُونُ لَهُ مَا قَالَ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ فَالرَّهْنُ كَشَاهِدٍ لِلْمُرْتَهِنِ إذَا حَازَهُ وَثِيقَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ وَالتَّدَاعِي لَا يَوْمَ التَّرَاهُنِ مِثْلَ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ فَأَكْثَرَ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ مَعَ يَمِينِهِ (، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ) وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي مَا قَالَ الرَّاهِنُ فَأَقَلَّ لَمْ يَحْلِفْ، إلَّا الرَّاهِنُ وَحْدَهُ. اهـ (الْمِثَالُ الثَّالِثُ) لِلشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ الْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَيْ: الْحَوْزُ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لَهُ أَوْ، الْحَوْزُ مَعَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَمَنْ كَانَ حَائِزَ الدَّارِ مَثَلًا، يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، فَقَامَ عَلَيْهِ مَنْ ادَّعَى مِلْكِيَّتَهَا وَلَا

стр. 75

بَيِّنَةَ لِهَذَا الْقَائِمِ، أَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَتَسَاقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ وَتَصِيرَانِ كَالْعَدَمِ، وَيَزِيدُ الْحَائِزُ بِحَوْزِهِ فَيَصِيرُ الْحَوْزُ لَهُ كَالشَّاهِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيُسْتَحَقُّ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْيَدُ مُرَجَّحَةٌ عِنْدَ التَّسَاوِي مَعَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ، (التَّوْضِيحُ) يَعْنِي إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَتَسَاوَتَا فَإِنَّهُمَا يَسْقُطَانِ وَيَبْقَى الشَّيْءُ بِيَدِ حَائِزِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ،. اهـ. (وَفِي الشَّارِحِ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ سَقَطَتَا، وَيَبْقَى الشَّيْءُ بِيَدِ حَائِزٍ، وَيَحْلِفُ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمَّا سَقَطَتَا كَأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا، وَبَقِيَتْ الدَّعْوَى، فَوَجَبَ عَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ ﵊ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ هُوَ إلَى هَذَا الْمِثَالِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى الْبَيْتَ فَلَفْظُ الْبَيْتِ وَإِنْ شَمِلَ صُورَتَيْنِ فَهُمَا فِي الْمَعْنَى صُورَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَافَأَتْ بَيِّنَةُ الْقَائِمِ وَالْحَائِزِ يَتَسَاقَطَانِ، وَيَصِيرَانِ كَالْعَدَمِ فَتُؤَوَّلُ ثَانِيَةُ الصُّورَتَيْنِ إلَى أُولَاهَا فَقَوْلُهُ: أَوَ أَنْ تَكَافَأَتْ أَنْ الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْهَا وَمِنْ مَدْخُولِهَا مَعْطُوفٌ عَلَى مُجَرَّدِ أَيْ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى، أَوْ مَعَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَيُقْرَأُ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إلَى الْوَاوِ قَبْلَهَا، فَتَكُونُ الْوَاوُ مَفْتُوحَةً. (الْمِثَالُ الرَّابِعُ) إذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ مِنْهَا، فَإِنَّ امْتِنَاعَهُ وَنُكُولَهُ كَالشَّاهِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ الْمُدَّعِي وَيَسْتَحِقُّ، وَإِلَى هَذَا الْمِثَالِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيْتَ يَعْنِي: وَحَلَفَ الْمُدَّعِي، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْعَقْدِ. (ابْنُ شَاسٍ) الرُّكْنُ الرَّابِعُ النُّكُولُ، وَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ بِمُجَرَّدِهِ وَلَكِنْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي إذَا تَمَّ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ، فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْلِفُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (ابْنُ الْحَاجِبِ) النُّكُولُ يَجْرِي فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجِبُ الْحَقُّ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَبِهِ حَكَمَ أَئِمَّتُهُمْ اهـ. قَوْلُهُ وَفِي سِوَى ذَلِكَ خُلْفٌ عُلِمَا يَعْنِي أَنَّ سِوَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْثِلَةِ الشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ كَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ فِي اللُّقَطَةِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ الْقَمْطُ وَالْعُقُودُ فِي الْحِيطَانِ، وَمَنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ فِي الْبُيُوعِ وَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَمَا يُعْرَفُ لِلزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَنَّ الشَّاهِدَ الْعُرْفِيَّ يُقْضَى بِهِ مَعَ الْيَمِينِ، وَانْظُرْ مُقَابِلَ هَذَا الْقَوْلِ هَلْ هُوَ إلْغَاؤُهُ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، لَمْ أَقِفْ الْآنَ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاَلَّذِي نَقَلَ أَهْلُ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الشَّاهِدَ الْعُرْفِيَّ قِيلَ هُوَ كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّ وَهُوَ الَّذِي عِنْدَ النَّاظِمِ هُنَا، وَقِيلَ هُوَ كَشَاهِدَيْنِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، فَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِينَ مَعَ نُكُولِ الْبَيْتَ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْمُدَّعِي يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ، ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ حُكْمَ مَا إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ سُقُوطُ الدَّعْوَى فَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِينَ أَيْ: لَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
следующие страницы →