Полный текст (643 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
عَلَى مَنْ شَهِدَ بِمَالٍ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي إذَا كَانَ مُضَمِّنُهُ مَالًا، وَعَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ، أَوْ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَهُ، أَوْ عَلَى نِسْبَةٍ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ أَخُوهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ ثَابِتُ النَّسَبِ، (قَالَ الشَّارِحُ) : فَأَجْرَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى حُكْمِ الشَّاهِدِ عَلَى الْمَالِ لَمَّا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ بِهَا مَالًا، وَأَبْقَاهَا أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى مَالٍ كَالنِّكَاحِ وَشِبْهِهِ اهـ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَهَبَ النَّاظِمُ (وَمِثَالُ الثَّانِي) لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ دَفَعَ كِتَابَتَهُ لِسَيِّدِهِ، أَوْ شَهِدُوا لِرَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ أَمَتَهُ مِنْ ابْنِهَا أَوْ زَوْجِهَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ، وَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَالْأَمَةُ عَلَى ابْنِهَا وَوَقَعَ الْفِرَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اهـ (قُلْت) : وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ إذْ هُمَا مِنْ قَاعِدَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ هَلْ يُنْظَرُ إلَى الْحَالِ، أَوْ إلَى الْمَآلِ، وَلِلْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ.
(وَمِثَالُ الثَّالِثِ) الْبَيْعُ كَانَ عَلَى النَّقْدِ أَوْ الْأَجَلِ وَالْقَرْضُ، أَوْ الْقِرَاضُ، الْوَدِيعَةُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ، وَدِيَةُ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ إذَا كَانَ لَا قَوَدَ فِيهِ. (الرَّابِعُ) دَخَلَ فِي قَوْلِهِ وَفِي اثْنَتَيْنِ حَيْثُ الْبَيْتَ كُلُّ مَا يَنْفَرِدُ النِّسَاءُ بِحُضُورِهِ دُونَ الرِّجَالِ وَذَلِكَ مِثْلُ: الْحَيْضِ، وَالرَّضَاعِ، وَالِاسْتِهْلَالِ، وَالْوِلَادَةِ، وَعُيُوبِ الْفَرْجِ، فَتَثْبُتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِامْرَأَتَيْنِ عَدْلَتَيْنِ (قَالَ فِي الرِّسَالَةِ) وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَالِاسْتِهْلَالِ وَشِبْهِ ذَلِكَ جَائِزَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَتِهِمَا عَلَى كَوْنِ الْمَوْلُودِ ابْنًا، وَلَمْ يَتَعَذَّرُ تَأْخِيرُهُ لِشَهَادَةِ الرِّجَالِ، كَمَا اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي إرْخَاءِ السِّتْرِ، هَلْ هُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ النِّسَاءُ أَمْ لَا؟ .
وَوَاحِدٌ يُجْزِئُ فِي بَابِ الْخَبَرِ ... وَاثْنَانِ أَوْلَى عِنْدَ كُلِّ ذِي نَظَرْ
هَذَا هُوَ النَّوْعُ الْخَامِسُ، مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مِمَّا يُوجِبُ الْحَقَّ بِلَا يَمِينٍ، وَهُوَ خَبَرُ الْمُخْبِرِ وَذَلِكَ كَالْقَائِفِ، وَالْمُوَجَّهِ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي لِلتَّحْلِيفِ، وَالْحِيَازَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَفِي عَدِّهِ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ مُسَامَحَةٌ، إذْ هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلشَّهَادَةِ فِي حُكْمِهِ لِكَوْنِهِ يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ، وَالشَّهَادَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدُّدُ، وَوَجْهُ إدْخَالِ النَّاظِمِ لَهُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ وَخُصُوصًا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْهَا كَوْنُهُ مِثْلَهَا يُوجِبُ الْحَقَّ بِلَا يَمِينٍ، مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّعَدُّدِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ
وَاثْنَانِ أَوْلَى عِنْدَ كُلِّ ذِي نَظَرْ
فَدَخَلَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَعَ أَقْسَامِ سَائِرِ الْبَابِ. (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) الْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ يُؤَدِّيهِ وَلَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ الطَّبِيبِ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الطِّبِّ، كَالْعُيُوبِ وَالْجِرَاحَاتِ، فَاشْتِرَاطُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ الْعَدَالَةَ اسْتِحْسَانٌ. اهـ (قَالَ الشَّارِحُ) وَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ، وَاَلَّذِي يَتَّضِحُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِيمَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ شَاهِدٍ، أَوْ مُؤَدِّي خَبَرٍ قَائِفًا كَانَ أَوْ طَبِيبًا أَوْ سِوَاهُمَا، فَإِذَا وُجِدَتْ الْعَدَالَةُ فَلَا مَعْدِلَ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَإِنَّ الْمُلَائِمَ بِتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الَّتِي هِيَ تَكْمِيلٌ لِلْمَشْرُوطِ إذَا أُعْذِرَتْ بِالْجُمْلَةِ حَتَّى يَعُودَ اشْتِرَاطُهَا عَلَى أَصْلِهَا بِالْإِبْطَالِ، فَإِنَّهَا تُلْغَى حِينَئِذٍ، كَمَا يُقَالُ إنَّ الذَّكَاةَ شَرْطٌ فِي حِلِّيَّةِ الْمَأْكُولِ، فَإِذَا اُضْطُرَّ الْمُكَلَّفُ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا الشَّرْطُ، وَكَذَلِكَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَدَمُ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُ الْعَدَالَةِ جُمْلَةً لَكَانَ أَمْثَلَ مَنْ يُوجَدُ هُوَ الْعَدْلُ اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ.
وَبِشَهَادَةٍ مِنْ الصِّبْيَانِ فِي ... جُرْحٍ وَقَتْلٍ بَيْنَهُمْ قَدْ اُكْتُفِيَ
وَشَرْطُهَا التَّمْيِيزُ وَالذُّكُورَهْ ... وَالِاتِّفَاقُ فِي وُقُوعِ الصُّورَهْ
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يَدْخُلَا ... فِيهِمْ كَبِيرٌ خَوْفَ أَنْ يُبَدِّلَا
هَذَا هُوَ النَّوْعُ السَّادِسُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ بِلَا يَمِينٍ، وَهُوَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ، فَيَجُوزُ وَيُكْتَفَى مِنْ غَيْرِ
стр. 72
يَمِينٍ (ابْنُ الْحَاجِبِ) . وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُمَيِّزِ مِنْ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) : هِيَ السُّنَّةُ وَمَا، أَدْرَكْت الْقُضَاةَ إلَّا وَهُمْ يَحْكُمُونَ بِهَا بِخِلَافِ النِّسَاءِ فِي الْمَآتِمِ وَالْأَعْرَاسِ عَلَى الْأَصَحِّ.
(التَّوْضِيحُ) أَيْ فَلَا تُقْبَلُ، وَالْأَصَحُّ لِمَالِكٍ وَمُقَابِلُهُ فِي الْجَلَّابِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَأُلْحِقَ بِالْأَعْرَاسِ الْحَمَّامُ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا اهـ، وَلِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ شُرُوطٌ أَوَّلُهَا: التَّمْيِيزُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنْهُمْ. الثَّانِي: الذُّكُورَةُ فَلَا يُقْبَلُ الْإِنَاثُ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَ النَّاظِمُ. الثَّالِثُ: الِاتِّفَاقُ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا شَاهِدٌ بِدَاخِلَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فِي تَحْصِيلِهَا. الرَّابِعُ: عَدَمُ افْتِرَاقِهِمْ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ، خَوْفَ تَبْدِيلِهِ لَهُمْ مَا كَانُوا عَمِلُوهُ، وَقَدْ اقْتَصَرَ النَّاظِمُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ، وَزَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الشُّرُوطِ سَادِسًا وَهُوَ: أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا فَلَا، يُقْبَلُ الْعَبِيدُ (أَشْهَبُ) ، وَلَا مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ كِبَارِهِمْ فَأَحْرَى صِغَارُهُمْ.
وَسَابِعًا وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِمْ (قَالَ فِي الْبَيَانِ) وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. ثَامِنًا وَهُوَ: أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا قِيَاسًا عَلَى الْكِبَارِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا تَكُونُ مَعَهُ قَسَامَةٌ وَلَا يَحْلِفُ فِي الْجِرَاحِ. وَتَاسِعًا وَهُوَ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَدُوٌّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (التَّوْضِيحُ) . وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا بِالْعَادَةِ مِنْ حَالِ الْأَطْفَالِ الْمَيْلَ إلَى الْقَرِيبِ، وَالْبُغْضَ لِلْعَدُوِّ. وَعَاشِرًا وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا بِالْعَكْسِ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُفْهَمُ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ بَيْنَهُمْ. قَوْلُهُ وَبِشَهَادَةٍ يَتَعَلَّقُ بِاكْتُفِيَ، وَمِنْ الصِّبْيَانِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ لِشَهَادَةٍ، وَفِي جُرْحٍ يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَةٍ، وَبَيْنَهُمْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ لِجُرْحٍ وَقَتْلٍ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا تَجْرِيحُهُمْ (التَّوْضِيحُ) يَعْنِي لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ عَمَّا شَهِدُوا بِهِ، وَلَوْ كَانَ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ أَوَّلًا هُوَ الْحَقُّ الْوَاقِعُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ التَّعْلِيمِ، وَأَمَّا تَجْرِيحُهُمْ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَأْسَ أَوْصَافِ الْعَدَالَةِ عَدَمٌ مِنْهُمْ وَهُوَ الْبُلُوغُ، اهـ وَإِلَى الْمَسْأَلَةِ بِرُمَّتِهَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إلَّا الصِّبْيَانَ لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ فِي جُرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ، وَالشَّاهِدُ حُرٌّ مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ تَعَدَّدَ لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيبٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَفُرْقَةَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا وَلَمْ يُحْضِرْ كَبِيرًا وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ أَوَّلُهُ وَلَا يُقْدَحُ رُجُوعُهُمْ وَلَا تَجْرِيحُهُمْ
[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ]
(فَصْلٌ)
ثَانِيَةٌ تُوجِبُ حَقًّا مَعَ قَسَمْ ... فِي الْمَالِ أَوْ مَا آلَ لِلْمَالِ تُؤَمْ
شَهَادَةُ الْعَدْلِ لِمَنْ أَقَامَهْ ... وَامْرَأَتَانِ قَامَتَا مَقَامَهْ
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ الْخَمْسَةِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ، وَتَحْتَ هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعُ أَنْوَاعٍ الْأَوَّلُ: شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ. وَالثَّانِي: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ إذَا عُدِّلَتَا، وَعَلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ نَبَّهَ بِقَوْلِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْبَيْتَ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي قَوْلِهِ:
وَهَا هُنَا عَنْ شَاهِدٍ قَدْ يُغْنِي
الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ وَالرَّابِعُ: فِي قَوْلِهِ وَغَالِبُ الظَّنِّ الْبَيْتَ فَإِذَا شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ فِي الْمَالِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَلَكِنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَحَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ الْعَدْلِ فَإِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَمْثِلَةُ ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ، إلَّا أَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّةَ أَنْسَبُ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ بِالْعَدْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَهُنَا لِكَوْنِهَا ثَبَتَتْ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ مَعَ الْيَمِينِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْعَدْلِ وَهُوَ امْرَأَتَانِ مَعَ الْيَمِينِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَتْ
стр. 73
امْرَأَتَانِ، أَوْ عَدْلٌ بِمَا ذُكِرَ وَحَلَفَ الطَّالِبُ فَإِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ أَيْضًا (قَالَ الشَّارِحُ) : وَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي خَارِجِ الْمَذْهَبِ خِلَافٌ وَلَا دَاعِيَ لِنَقْلِهِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْعِتْقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْحُدُودِ، وَالْعَقْلِ (وَفِي الْمُقَرِّبِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِكَذَا حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِمَا، وَاسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ إنْ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا رَجُلٌ، وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، وَمِائَةِ امْرَأَةٍ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَفِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ شَهِدَتَا لِعَبْدٍ، أَوْ امْرَأَةٍ بِمَالٍ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَتَا لِصَبِيٍّ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى يَكْبُرَ (وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : إنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَشَاهِدَيْنِ.
(وَفِي الْمُوَطَّأِ) قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَكَفَّلَ لَهُ بِمَا عَلَى فُلَانٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ، وَاسْتَحَقَّ الْكَفَالَةَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ إنَّمَا هِيَ مَالٌ مِثْلُ: الْجُرْحِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ مَالٌ. (فَرْعٌ) وَيَتَحَاصَصُ مَنْ قُضِيَ لَهُ فِي دَيْنِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، مَعَ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِشَاهِدَيْنِ (فَرْعٌ) مَنْ لَهُ حَقَّانِ فِي كِتَابَيْنِ قَامَ لَهُ بِكُلِّ حَقٍّ شَاهِدٌ، فَلَيْسَ نُكُولُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا يُسْقِطُ حَقَّهُ فِي الْآخَرِ. (فَرْعٌ) فِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ قَضَى لَهُ، فَلَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ إلَّا الشَّاهِدَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ. اهـ وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ مُسْتَنَدَ حُكْمِ الْقَاضِي
стр. 74
هُوَ شَهَادَةُ الشُّهُودِ، فَالشَّهَادَةُ عَلَى الْحُكْمِ شَهَادَةٌ عَلَى مُسْتَنِدِهِ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّارِحُ: نَقَصَ النَّاظِمُ مِمَّا عَدَّهُ الْجَزِيرِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ تَحْتَ هَذَا الْقِسْمِ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي إجَابَةِ الْقَسَامَةِ مِمَّا فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ، فَأَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ هُنَا قَصْدًا لِلِاخْتِصَارِ. اهـ.
يَعْنِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ
وَمَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ ... قَسَامَةٌ بِغَيْرِ عَدْلٍ يُوجِبُ
وَفِي هَذَا الْجَوَابِ مَا لَا يَخْفَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي هَذَا الْمَحِلِّ جَمْعُ النَّظَائِرِ، وَهِيَ أَوْجَهُ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحَقُّ مَعَ الْيَمِينِ، فَعَدَمُ ذِكْرِ بَعْضِهَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَإِنْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُفِيتُ الْمَقْصُودَ الْمَذْكُورَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَجَابَ بِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ لَكَانَ أَقْرَبَ عَلَى أَنَّ جَمْعَ النَّظَائِرِ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَهَا هُنَا عَنْ شَاهِدٍ قَدْ يُغْنِي ... إرْخَاءُ سِتْرٍ وَاحْتِيَازُ رَهْنِ
وَالْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَوَانْ ... تَكَافَأَتْ بَيِّنَتَانِ فَاسْتَبِنْ
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَأْبَى الْقَسَمَا ... وَفِي سِوَى ذَلِكَ خُلْفٌ عُلِمَا
وَلَا يَمِينَ مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعِي ... بَعْدُ وَيُقْضَى بِسُقُوطِ مَا اُدُّعِيَ
هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ، وَهُوَ الشَّاهِدُ الْعُرْفِيُّ، وَمُثِّلَ لَهُ بِأَمْثِلَةٍ خَمْسَةٍ: الْأَوَّلُ: إرْخَاءُ السِّتْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا خَلَا الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ أَيْ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَادَّعَتْ الْمَسِيسَ وَأَنْكَرَهُ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا وَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) .
وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ هُوَ مُرَادُ عُلَمَائِنَا بِإِرْخَاءِ السُّتُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إرْخَاءَ سِتْرٍ وَلَا إغْلَاقَ بَابٍ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ، ثُمَّ قَالَ فِي تَوْجِيهِ كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ الْمَرْأَةِ: لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْوَطْءِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَلَا بِامْرَأَتِهِ أَوَّلَ خَلْوَةٍ، مَعَ الْحِرْصِ عَلَيْهَا وَالتَّشَوُّفِ إلَيْهَا قَلَّ مَا يُفَارِقُهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا. اهـ.
فَإِرْخَاءُ السِّتْرِ قَائِمٌ لِلزَّوْجَةِ فِي دَعْوَى الْمَسِيسِ مَقَامَ الشَّاهِدِ، فَتَحْلِفُ مَعَهُ وَتَسْتَحِقُّ الصَّدَاقَ كَامِلًا، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَهَا بَيْنَ أَنْ يَقُومَ بِهَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ كَأَنْ تَكُونَ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَوْ لَا، (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ مَعَ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ إلَّا عَلَى مَنْ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصَّالِحُ فَلَا (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَكَذَلِكَ الْمَغْصُوبَةُ تَحْمِلُ بِبَيِّنَةٍ وَتَدَّعِي الْوَطْءَ، لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا بِيَمِينٍ قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِرَجُلٍ وَهِيَ تَرَى أَنَّ لَهَا الصَّدَاقَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ، وَاخْتَارَ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الصَّدَاقُ وَلَمْ يَثْبُتْ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ لِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ إثْبَاتِ الزِّنَا، وَيَكْفِي فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ بِاحْتِمَالِ الْمَغْصُوبَةِ اثْنَانِ. اهـ.
(الْمِثَالُ الثَّانِي) مِنْ أَمْثَالِ الشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ حَوْزُ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّهْنِ فَإِنَّهُ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ وَيَكُونُ لَهُ مَا قَالَ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ فَالرَّهْنُ كَشَاهِدٍ لِلْمُرْتَهِنِ إذَا حَازَهُ وَثِيقَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ وَالتَّدَاعِي لَا يَوْمَ التَّرَاهُنِ مِثْلَ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ فَأَكْثَرَ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ مَعَ يَمِينِهِ (، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ) وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي مَا قَالَ الرَّاهِنُ فَأَقَلَّ لَمْ يَحْلِفْ، إلَّا الرَّاهِنُ وَحْدَهُ. اهـ (الْمِثَالُ الثَّالِثُ) لِلشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ الْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَيْ: الْحَوْزُ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لَهُ أَوْ، الْحَوْزُ مَعَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَمَنْ كَانَ حَائِزَ الدَّارِ مَثَلًا، يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، فَقَامَ عَلَيْهِ مَنْ ادَّعَى مِلْكِيَّتَهَا وَلَا
стр. 75
بَيِّنَةَ لِهَذَا الْقَائِمِ، أَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَتَسَاقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ وَتَصِيرَانِ كَالْعَدَمِ، وَيَزِيدُ الْحَائِزُ بِحَوْزِهِ فَيَصِيرُ الْحَوْزُ لَهُ كَالشَّاهِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيُسْتَحَقُّ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْيَدُ مُرَجَّحَةٌ عِنْدَ التَّسَاوِي مَعَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ، (التَّوْضِيحُ) يَعْنِي إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَتَسَاوَتَا فَإِنَّهُمَا يَسْقُطَانِ وَيَبْقَى الشَّيْءُ بِيَدِ حَائِزِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ،. اهـ.
(وَفِي الشَّارِحِ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ سَقَطَتَا، وَيَبْقَى الشَّيْءُ بِيَدِ حَائِزٍ، وَيَحْلِفُ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمَّا سَقَطَتَا كَأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا، وَبَقِيَتْ الدَّعْوَى، فَوَجَبَ عَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ ﵊ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ هُوَ إلَى هَذَا الْمِثَالِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى الْبَيْتَ فَلَفْظُ الْبَيْتِ وَإِنْ شَمِلَ صُورَتَيْنِ فَهُمَا فِي الْمَعْنَى صُورَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَافَأَتْ بَيِّنَةُ الْقَائِمِ وَالْحَائِزِ يَتَسَاقَطَانِ، وَيَصِيرَانِ كَالْعَدَمِ فَتُؤَوَّلُ ثَانِيَةُ الصُّورَتَيْنِ إلَى أُولَاهَا فَقَوْلُهُ: أَوَ أَنْ تَكَافَأَتْ أَنْ الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْهَا وَمِنْ مَدْخُولِهَا مَعْطُوفٌ عَلَى مُجَرَّدِ أَيْ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى، أَوْ مَعَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَيُقْرَأُ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إلَى الْوَاوِ قَبْلَهَا، فَتَكُونُ الْوَاوُ مَفْتُوحَةً. (الْمِثَالُ الرَّابِعُ) إذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ مِنْهَا، فَإِنَّ امْتِنَاعَهُ وَنُكُولَهُ كَالشَّاهِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ الْمُدَّعِي وَيَسْتَحِقُّ، وَإِلَى هَذَا الْمِثَالِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيْتَ يَعْنِي: وَحَلَفَ الْمُدَّعِي، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْعَقْدِ. (ابْنُ شَاسٍ) الرُّكْنُ الرَّابِعُ النُّكُولُ، وَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ بِمُجَرَّدِهِ وَلَكِنْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي إذَا تَمَّ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ، فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْلِفُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (ابْنُ الْحَاجِبِ) النُّكُولُ يَجْرِي فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجِبُ الْحَقُّ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَبِهِ حَكَمَ أَئِمَّتُهُمْ اهـ.
قَوْلُهُ
وَفِي سِوَى ذَلِكَ خُلْفٌ عُلِمَا
يَعْنِي أَنَّ سِوَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْثِلَةِ الشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ كَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ فِي اللُّقَطَةِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ الْقَمْطُ وَالْعُقُودُ فِي الْحِيطَانِ، وَمَنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ فِي الْبُيُوعِ وَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَمَا يُعْرَفُ لِلزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَنَّ الشَّاهِدَ الْعُرْفِيَّ يُقْضَى بِهِ مَعَ الْيَمِينِ، وَانْظُرْ مُقَابِلَ هَذَا الْقَوْلِ هَلْ هُوَ إلْغَاؤُهُ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، لَمْ أَقِفْ الْآنَ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاَلَّذِي نَقَلَ أَهْلُ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الشَّاهِدَ الْعُرْفِيَّ قِيلَ هُوَ كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّ وَهُوَ الَّذِي عِنْدَ النَّاظِمِ هُنَا، وَقِيلَ هُوَ كَشَاهِدَيْنِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، فَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِينَ مَعَ نُكُولِ الْبَيْتَ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْمُدَّعِي يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ، ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ حُكْمَ مَا إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ سُقُوطُ الدَّعْوَى فَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِينَ أَيْ: لَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
стр. 76
مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعِي الْكَائِنِ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بَلْ يُقْضَى بِسُقُوطِ الدَّعْوَى.
وَغَالِبُ الظَّنِّ بِهِ الشَّهَادَهْ ... بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ قَطْعُ عَادَهْ
هَذَا هُوَ النَّوْعُ الرَّابِعُ مِمَّا انْدَرَجَ تَحْتَ الْقِسْمِ الثَّانِي، مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ مُسْتَنَدُ الشَّاهِدِ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ الظَّنُّ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْقَطْعُ فِيهِ عَادَةً، أَوْ يَعْسُرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخَالِطِ الْمُطَّلِعِ عَلَى بَاطِنِ حَالِ الْمَشْهُودِ فِيهِ وَذَلِكَ كَالشَّهَادَةِ بِالْفَقْرِ لِمَنْ طُولِبَ بِدَيْنٍ مَعَ إمْكَانِ أَنَّ لَهُ مَالًا أَخْفَاهُ، إذَا رُئِيَتْ عَلَيْهِ مَخَايِلُ الْفَقْرِ: كَالصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ، وَالْبَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ، وَكَالشَّهَادَةِ بِاسْتِمْرَارِ مِلْكِ مَنْ لَهُ مِلْكٌ ادَّعَى عَلَيْهِ تَفْوِيتَهُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، مَعَ إمْكَانِ أَنْ يَكُونَ فَوْتُهُ خُفْيَةً، وَهُوَ مَا زَالَ تَحْتَ يَدَيْهِ كَمَا كَانَ، وَكَالشَّهَادَةِ بِضَرَرِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ، إذَا ظَهَرَتْ مَخَايِلُ مِنْ تَكَرُّرِ شَكَوَاهَا بِهِ لِلْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ، مَعَ إمْكَانِ كَذِبِهَا، وَأَنَّهَا تُرِيدُ فِرَاقَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ، فَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَيَثْبُتُ لَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً يَثْبُتُ بِهَا الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ حُكِمَ لَهُ فِيهِ بِهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ فِيمَا تَشْهَدُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ بِالْقَطْعِ، أَمَّا مَا شَهِدَتْ فِيهِ بِظَاهِرِ الْحَالِ مُعْتَمِدَةً عَلَى الظَّنِّ لِتَعَذُّرِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ، أَوْ عُسْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الطَّالِبِ، اسْتِظْهَارًا عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي التَّفْلِيسِ فَإِنْ شَهِدَ بِإِعْسَارِهِ حَلَفَ، وَانْظُرْ مَا نَصُّهُ هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَحْلِفُ فِيهَا الْمُدَّعِي مَعَ بَيِّنَتِهِ، كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ النَّفَقَةَ، وَالْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَضَابِطُهُ كُلُّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَيُسْتَظْهَرُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ. اهـ (وَقَالَ الشَّارِحُ) : وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ، إذَا رَأَى إنْسَانًا يَحُوزُ امْرَأَةً، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهَا اشْتِمَالَ الْأَزْوَاجِ فَيَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ حِينَ التَّزْوِيجِ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا نَوْعٌ آخَرُ كَأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَإِنَّمَا يُتَطَلَّبُ فِيهِ الظَّنُّ الْمُزَاحِمُ لِلْعِلْمِ، وَالْقَطْعُ الْيَقِينِيُّ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، كَمَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِالْفَقْرِ لِلْفَقِيرِ، فَإِنَّ الشُّهُودَ بِفَقْرِ مَنْ طُولِبَ بِدَيْنٍ لَا يَقْطَعُونَ بِصِحَّةِ مَا شَهِدُوا بِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ أَخْفَاهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، لَكِنْ إذَا بَدَتْ قَرَائِنُ الْفَقْرِ، وَالْإِعْسَارِ، وَالصَّبْرِ عَلَى ضَرَرِ الْجُوعِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْفُقَرَاءُ هَذَا يُدْرِكُهُ الْمُخَالِطُ لِلْإِنْسَانِ الْمُطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ، فَالتَّعْدِيلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
(قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ) الْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ لَا تَكُونَ إلَّا عَنْ قَطْعٍ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ لَكِنْ
стр. 77
إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّنَزُّلِ إلَى مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ الظَّنِّ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنَادَ إلَيْهِ ضَرُورِيٌّ أَصْلُهُ شَهَادَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهَا لَا تُفِيدُ فِي الْغَالِبِ إلَّا الظَّنَّ، وَهِيَ يُقْضَى بِهَا إذْ لَا يَتَأَتَّى غَيْرُ ذَلِكَ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ، فَالشَّهَادَةُ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ فِيهَا الْقَطْعُ، وَاقْتَضَتْ
الْمَصْلَحَةُ
إعْمَالَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. اهـ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّارِحُ ﵀: وَفِي عَدِّ هَذَا النَّوْعِ وَمَا قَبْلَهُ مِمَّا تَحْتَ هَذَا الْقِسْمِ مُسَامَحَةٌ، دَرَجَ عَلَيْهَا الْمُتَيْطِيّ فَمَنْ دُونَهُ مِنْ أَصْحَابِ كُتُبِ الْأَحْكَامِ، وَإِيَّاهُمْ تَبِعَ الشَّيْخَ فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ]
(فَصْلٌ)
ثَالِثَةٌ لَا تُوجِبُ الْحَقَّ نَعَمْ ... تُوجِبُ تَوْقِيفًا بِهِ حَكَمَ الْحَكَمْ
وَهْيَ شَهَادَةٌ بِقَطْعٍ اُرْتُضِيَ ... وَبَقِيَ الْإِعْذَارُ فِيمَا تَقْتَضِي
وَحَيْثُ تَوْقِيفٌ مِنْ الْمَطْلُوبِ ... فَلَا غِنًى عَنْ أَجَلٍ مَضْرُوبِ
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ الْخَمْسِ، وَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ لَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَلَا مَعَ الْيَمِينِ كَالْقِسْمِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا تُوجِبُ تَوْقِيفَ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ
стр. 78
ثَمَانِيَ مَسَائِلَ: التَّوْقِيفُ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَدْلَانِ، وَبَقِيَ الْإِعْذَارُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَضَرْبُ الْأَجَلِ فِيهِ، وَكَيْفِيَّتُهُ فِي الْأُصُولِ، وَتَوْقِيفُ الْأُصُولِ بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ إلَى كَمَالِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْ يَقْدِرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّهُ ظَاهِرًا، وَكَيْفِيَّتُهُ أَيْضًا وَمَا يَفْعَلُ بِالْغَلَّةِ زَمَنَ الْإِيقَافِ، وَالتَّوْقِيفُ فِيمَا شَهِدَ بِهِ رَجُلَانِ يُنْظَرُ فِي تَزْكِيَتِهِمَا، وَالتَّوْقِيفُ فِيمَا يُسْرِعُ لَهُ الْفَسَادُ، إمَّا لِلْإِعْذَارِ أَوْ لِتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ، أَوْ لِتَكْمِيلِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ، وَالتَّوْقِيفُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ ظُهُورِ مَخَايِلِ الصِّدْقِ فَقَوْلُهُ: وَهِيَ شَهَادَةٌ الْبَيْتَ هُوَ إشَارَةٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ الثَّمَانِ يَعْنِي: أَنَّ مَنْ شَهِدَ لَهُ عَدْلَانِ بِاسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مَثَلًا، وَبَقِيَ الْإِعْذَارُ فِيهِمَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ لَهُ مَا شَهِدَا لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ تَوْقِيفَ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إلَى أَنْ يُعْذَرَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَإِذَا وُقِفَ الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَرْبِ أَجَلٍ لِذَلِكَ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُ صَاحِبَهُ، فَإِنْ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ فِي الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ أَخَذَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَإِلَّا بَقِيَ بِيَدِ صَاحِبِهِ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُ التَّوْقِيفِ مَا هُوَ قَالَ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِقَالَ وَالتَّوْقِيفَ لَا يَكُونَانِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْخَصْمِ فِي الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَلَا يُعْقَلُ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْغَيْرِ فِيهِ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ سَبَبٌ يُقَوِّي الدَّعْوَى، أَوْ لَطْخٌ وَالسَّبَبُ كَالشَّاهِدِ الْعَدْلِ أَوْ الْمَرْجُوِّ تَزْكِيَتُهُ، وَاللَّطْخُ الشُّهُودُ غَيْرُ الْعُدُولِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالِاعْتِقَالُ فِي الرُّبْعِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: عِنْدَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ الظَّاهِرَةِ، أَوْ ظُهُورِ اللَّطْخَةِ فَيُرِيدُ الْمُدَّعِي تَوْقِيفَهُ لِيُثْبِتَهُ، فَالتَّوْقِيفُ هُنَا بِأَنْ يَمْنَعَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا يُفِيتُهُ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، أَوْ يُخْرِجُهُ عَنْ حَالِهِ كَالْبِنَاءِ، وَالْهَدْمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرْفَعَ يَدُهُ عَنْهُ. الثَّانِي: بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةٍ قَاطِعَةٍ، وَكَانَ الرُّبْعُ عَلَى مَا يَجِبُ وَيَدَّعِي الْمُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِهِ مَدْفَعًا فِيمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي، فَيَضْرِبُ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْهُ الْآجَالَ، وَيُوقَفُ الْمُدَّعَى فِيهِ حِينَئِذٍ بِأَنْ تُرْفَعَ يَدُ الْأَوَّلِ عَنْهُ فَإِنْ كَانَتْ دَارًا غُلِّقَتْ بِالْقُفْلِ، أَوْ أَرْضًا مُنِعَ مِنْ حَرْثِهَا، أَوْ حَانُوتًا لَهُ خَرَاجٌ وُقِفَ الْخَرَاجُ، وَيُؤْمَرُ بِإِخْلَاءِ الدَّارِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَتَاعِهِ وَيُؤَجَّلُ فِي إخْلَاءِ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهَا، فَإِنْ سَأَلَ الْمَعْقُولَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْرَكَ فِي الدَّارِ مَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ أَجَابَهُ الْحَاكِمُ إلَى ذَلِكَ، وَبِهَذَا جَرَى عَمَلُ سَحْنُونٍ. اهـ
وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِ التَّبْصِرَةِ أَنَّ التَّوْقِيفَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ، وَعَلَيْهِ ذَهَبَ النَّاظِمُ ﵀ فَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ شَهَادَةَ عَدْلَيْنِ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْإِعْذَارُ، فَإِنَّ التَّوْقِيفَ يَكُونُ بِرَفْعِ يَدِ حَائِزِهِ عَنْهُ وَغَلْقِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَذْكُرُ فِي الْأَبْيَاتِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ هَذَيْنِ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلتَّوْقِيفِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ: تُوجِبُ تَوْقِيفًا وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ شَهَادَةَ عَدْلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْإِيقَافَ يَكُونُ بِمَنْعِ صَاحِبِهِ مِنْ تَفْوِيتِهِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ حَالِهِ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَلَا تُرْفَعُ يَدُ حَائِزِهِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّاظِمُ: حَيْثُ تَكُونُ الْعَقْلَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ
وَلَا يُزَالُ مِنْ يَدٍ بِهَا أُلِفْ
وَفُهِمَ مِنْ إطْلَاقِ النَّاظِمِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ جَارٍ فِي الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ بَعْدُ:
وَشَاهِدٌ عَدْلٌ بِهِ الْأَصْلُ وُقِفْ
فَخَصَّ ذَلِكَ بِالْأَصْلِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ عَامٌّ فِي الْأَصْلِ وَغَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِي التَّبْصِرَةِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَيَدَّعِي الْمُسْتَحِقُّ مِنْ يَدِهِ مَدْفَعًا إلَخْ وَلِاحْتِمَالِ ثُبُوتِ هَذَا الْمَدْفَعِ اُحْتِيجَ إلَى التَّوْقِيفِ إلَى أَنْ يَقَعَ الْإِعْذَارُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا مَدْفَعَ لَهُ، وَقَوْلُهُ: بِهِ حَكَمَ الْحَكَمْ خَبَرٌ وَمُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لَتَوْقِيفًا، وَالرَّابِطُ ضَمِيرُ بِهِ أَيْ: تَوْقِيفًا مَحْكُومًا بِهِ، وَشَهَادَةُ الْقَطْعِ يُقَابِلُهَا شَهَادَةُ السَّمَاعِ.
وَقَوْلُهُ:
وَحَيْثُ تَوْقِيفٌ مِنْ الْمَطْلُوبِ
أَيْ: حَيْثُ طُلِبَ التَّوْقِيفُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ضَرْبِ الْأَجَلِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّبْصِرَةِ فَيُضْرَبُ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ الْآجَالُ إلَخْ.
وَوَقْفُ مَا كَالدُّورِ قَفْلٌ مَعَ أَجَلْ ... لِنَقْلِ مَا فِيهَا بِهِ صَحَّ الْعَمَلْ
وَمَا لَهُ كَالْفُرْنِ خَرْجٌ وَالرَّحَا ... فَفِيهِ تَوْقِيفُ الْخَرَاجِ وُضِّحَا
وَهُوَ فِي الْأَرْضِ الْمَنْعُ مِنْ أَنْ تُعْمَرَا ... وَالْحَظُّ أَنْ يُكْرِيَ وَيُوقِفَ الْكِرَا
قِيلَ جَمِيعًا أَوْ بِقَدْرِ مَا يَجِبْ ... لِلْحَظِّ مِنْ ذَاكَ وَالْأَوَّلُ انْتَخِبْ
стр. 79
تَعَرَّضَ فِي الْأَبْيَاتِ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الثَّمَانِ مَسَائِلَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَهِيَ: كَيْفِيَّة التَّوْقِيف الَّذِي سَبَبه شَهَادَة الْعَدْلَيْنِ، وَأَمَّا التَّوْقِيفُ الَّذِي سَبَبُهُ شَهَادَةُ عَدْلٍ وَاحِدٍ، فَيَأْتِي فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذِهِ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُنْتَخَبِ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ بِيَدِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ وَسَأَلَ أَنْ يُوقَفَ لَهُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْفُتْيَا أَنَّ الدَّعْوَى إنْ كَانَتْ فِي دَارٍ اُعْتُقِلَتْ بِالْقَفْلِ بَعْدَ أَنْ يُضْرَبَ لَهُ أَجَلٌ فِي إخْلَائِهَا بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضٍ مُنِعَ مِنْ حَرْثِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا لَهُ خَرَاجٌ كَالْفُرْنِ وَالْحَانُوتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وُقِفَ الْخَرَاجُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي حِصَّةِ أَرْضٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ اُعْتُقِلَتْ تِلْكَ الْحِصَّةُ الْمُدَّعَى فِيهَا بِالْكِرَاءِ وَوُقِفَ الْكِرَاءُ، وَقِيلَ يُوقَفُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ الْحِصَّةِ فَقَطْ. اهـ وَفِيهِ كِفَايَةٌ لِشَرْحِ أَبْيَاتِ النَّاظِمِ ﵀ وَزَادَ اخْتِيَارَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِتَوْقِيفِ جَمِيعِ الْكِرَاءِ لَا مَا يَنُوبُ الْحِصَّةَ فَقَطْ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَوَقْفٌ مَا كَالدُّورِ إلَخْ أَنَّ وَقْفَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ إلَّا وَضْعُهَا تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَوْلَى زِيَادَةُ بَيْتٍ بَعْدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ كَقَوْلِنَا:
وَوَقْفُ غَيْرِهِ بِوَضْعِهِ عَلَى ... يَدِ أَمِينٍ فَاحْفَظْنَ مَا نُقِلَا.
وَشَاهِدٌ عَدْلٌ بِهِ الْأَصْلُ وَقَفْ ... وَلَا يَزَالُ مِنْ يَدٍ بِهَا أُلِفْ
وَبِاتِّفَاقٍ وَقْفُ مَا يُفَادُ ... مِنْهُ إذَا مَا أُمِنَ الْفَسَادُ
تَعَرَّضَ فِي الْبَيْتَيْنِ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْفَصْلُ يَعْنِي: أَنَّ مَنْ ادَّعَى مِلْكِيَّةَ أَصْلٍ تَحْتَ يَدِ غَيْرِهِ وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ عَدْلٌ وَاحِدٌ، وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ لِرَجَائِهِ وُجُودَ شَاهِدٍ آخَرَ، أَوْ كَانَ الْقَاضِي لَا يَرَى الشَّاهِدَ مَعَ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْمُدَّعَى فِيهِ يُوقَفُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَالْوَقْفِ الْمُتَقَدِّمِ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَدْلَانِ، وَبَقِيَ الْإِعْذَارُ لِلْخَصْمِ مِنْ كَوْنِهِ يَخْرُجُ مِنْ يَدِ حَائِزِهِ بَلْ يَبْقَى بِيَدِ حَائِزِهِ، وَتَوْقِيفُهُ هُوَ مَنْعُهُ مِنْ تَفْوِيتِهِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ تَغْيِيرِ حَالَتِهِ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّبْصِرَةِ، وَلِهَذَا قَالَ:
وَلَا يُزَالُ مِنْ يَدٍ بِهَا أُلِفْ
لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُزَلْ مِنْ يَدِ حَائِزِهِ لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْعُهُ مِنْ تَفْوِيتِهِ وَتَغْيِيرِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَكَذَا تَوْقِيفُ غَلَّةِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَتْ لَا تَفْسُدُ.
وَأَمَّا مَا يَفْسُدُ فَيُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ كَمَا يَأْتِي وَكُلُّ شَيْءٍ يُسْرِعُ الْبَيْتَيْنِ وَعَلَى حُكْمِ الْعَقْلَةِ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي وَضَمِيرٌ مِنْهُ لِلْأَصْلِ، وَفُهِمَ مِنْ حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَوْقِيفِ الْغَلَّةِ أَنَّ تَوْقِيفَ الْأَصْلِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، بَلْ فِيهِ خِلَافٌ وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُوقَفُ وَلَكِنْ وَقْفًا خَاصًّا كَمَا ذَكَرَ النَّاظِمُ (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ) : لَا تَجِبُ الْعَقْلَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّهُ يُمْنَعُ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْعَقَارِ بِنَاءً، أَوْ بَيْعًا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ بِالْقَوْلِ فَقَوْلُهُ: لَا تَجِبُ الْعَقْلَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ يَعْنِي الْعَقْلَةَ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا عَنْ يَدِ حَائِزِهِ لَا مُطْلَقًا. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُوقَفُ كَمَا إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: اُخْتُلِفَ فِي الْعَقْلَةِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ وُجُوبُ الْعَقْلَةِ بِهَا، وَهُوَ فِي الدَّارِ بِالْقَفْلِ لَهَا، وَفِي الْأَرْضِ بِمَنْعِ حَرْثِهَا وَقَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِابْنِ بَطَّالٍ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ: لَا تَجِبُ الْعَقْلَةُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، قَالَ سُلَيْمَانُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ بِاخْتِصَارٍ وَتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ، وَكَمَا تُوقَفُ الْغَلَّةُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ كَذَلِكَ كُلُّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ عَرَضٍ، وَغَيْرِهِ يُوقَفُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْأُصُولُ فَتُوقَفُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَبِشَاهِدَيْنِ، إلَّا أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْإِيقَافِ تَخْتَلِفُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَفِي التَّوْضِيحِ مَا نَصُّهُ) وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ زَرْبٍ كُلُّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا يُوقَفُ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْعَقَارِ فَلَا يُعْتَقَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَحِيَازَتِهِمَا، وَقَوْلُهُ:
وَلَا يَزَالُ مِنْ يَدٍ بِهَا أُلِفْ
هُوَ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّوْقِيفِ بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ.
стр. 80
وَحَيْثُمَا يَكُونُ حَالُ الْبَيِّنَةِ ... فِي حَقِّ مَنْ يَحْكُمُ غَيْرَ بَيِّنَهْ
يُوَقَّفُ الْفَائِدُ لَا الْأُصُولُ ... بِقَدْرِ مَا يُسْتَكْمَلُ التَّعْدِيلُ
هَذَا هُوَ السَّبَبُ الثَّالِثُ مِنْ أَسْبَابِ التَّوْقِيفِ وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُدَّعِي قَوْمٌ لَا يَعْرِفُ الْقَاضِي عَدَالَتَهُمْ، وَلَا جُرْحَتَهُمْ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ أَصْلًا لَمْ يُوقَفْ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ فَائِدَتُهُ وَغَلَّتُهُ إلَى أَنْ يُعَدَّلُ الشُّهُودُ، وَكَذَا يُوقَفُ غَيْرُ الْأَصْلِ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ:
بِقَدْرِ مَا يُسْتَكْمَلُ التَّعْدِيلُ
قَالَ (الشَّارِحُ) : يَعْنِي بِذَلِكَ الْقَدْرَ أَجَلًا مَوْكُولًا لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ مُقَدَّرًا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ قَدْرُ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ التَّعْدِيلِ، مُرَاعًى فِيهِ مِنْ الضِّيقِ وَالْفُسْحَةِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْ بُعْدِ الْبَيِّنَةِ الْمَطْلُوبِ مِنْهَا التَّعْدِيلُ وَقُرْبِهَا، وَخَطَرِ الْمُسْتَحِقِّ وَحَقَارَتِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَاحِقِ الَّتِي يُرَاعِيهَا الْحَاكِمُ فِي الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ. اهـ (ابْنُ عَرَفَةَ) الْحَيْلُولَةُ بِإِقَامَةِ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ هُوَ نَقْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا قَبْلَ تَعْدِيلِهِمَا وَهُوَ قَوْلُهُمَا إنْ كَانَ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِإِذْنِ الْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي تَعْدِيلِهِمَا، وَخَافَ عَلَى الْمُدَّعَى فِيهِ الْفَسَادَ أَمَرَ أَمِينًا فَبَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ، وَوُضِعَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَفِي حَيْلُولَتِهِ بِإِقَامَتِهِ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا خِلَافٌ. اهـ وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ هَذَا عَلَى أَوْجُهِ الْعَقْلَةِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي النَّاظِمِ فَقَوْلُهُ: الْحَيْلُولَةُ بِإِقَامَةِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَيْ: وَبَقِيَ الْإِعْذَارُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ هُوَ الْأَوَّلُ فِي النَّظْمِ، وَقَوْلُهُ وَكَذَا قَبْلَ تَعْدِيلِهِمَا إلَخْ هِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ هُنَا، وَقَوْلُهُ: فِي الْحَيْلُولَةِ بِإِقَامَتِهِ شَاهِدًا عَدْلًا هِيَ مَسْأَلَةُ قَوْلِهِ:
وَشَاهِدٌ عَدْلٌ بِهِ الْأَصْلُ وُقِفْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَخَافَ عَلَى الْمُدَّعَى فِيهِ الْفَسَادَ إلَخْ فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْبَيْتَيْنِ بَعْدُ إنْ - شَاءَ اللَّهُ - وَقَدْ اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ وَهِيَ التَّوْقِيفُ فِيمَا شَهِدَ فِيهِ رَجُلَانِ يُنْظَرُ فِي تَزْكِيَتِهِمَا.
وَكُلُّ شَيْءٍ يُسْرِعُ الْفَسَادُ لَهْ ... وُقِفَ لَا لَأَنْ يُرَى قَدْ دَخَلَهْ
وَالْحُكْمُ بَيْعُهُ وَتَوْقِيفُ الثَّمَنْ ... إنْ خِيفَ فِي التَّعْدِيلِ مِنْ طُولِ الزَّمَنْ
تَكَلَّمَ فِي الْبَيْتَيْنِ عَلَى كَيْفِيَّةِ تَوْقِيفِ مَا يَفْسُدُ إذَا شَهِدَ بِهِ مَنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمَا، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ يَعْنِي: أَنَّ مَا اُحْتِيجَ إلَى تَوْقِيفِهِ لِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَكَانَ مِمَّا يَفْسُدُ إنْ طَالَ كَاللَّحْمِ، وَالْفَوَاكِهِ الْخَضْرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ رُجِيَ حُصُولُ مَا لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهِ مِنْ إعْذَارٍ أَوْ، تَجْرِيحٍ أَوْ تَعْدِيلٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ وُقِفَ وَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ وَفَسَادُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ بَيْعُهُ وَتَوْقِيفُ ثَمَنِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ التَّوْقِيفُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ يُنْظَرُ فِي تَزْكِيَتِهِمَا؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَحَيْثُمَا يَكُونُ إلَخْ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ فَيَحْلِفُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْئِهِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَبَيْعُ مَا يَفْسُدُ، وَوَقْفُ ثَمَنِهِ مَعَهُمَا بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ وَيَبْقَى بِيَدِهِ (قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ) قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ: إنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ وَإِنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَى الْمُدَّعِي مِمَّا لَا يَبْقَى وَيُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ وَاللَّحْمِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا كَانَ إنَّمَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَقَالَ: عِنْدِي شَاهِدٌ آخَرُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُؤَجِّلُ الْمُدَّعِيَ فِي إحْضَارِ شَاهِدِهِ مَا لَمْ يَخَفْ الْفَسَادَ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي اُدُّعِيَ، فَإِنْ أَحْضَرَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَإِلَّا خَلَّى بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا الْقَاضِي بِعَدَالَةٍ وَخَافَ عَلَى الْمُدَّعَى فِيهِ الْفَسَادَ، أَمَرَ أَمِينًا فَبَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَوَضَعَ الثَّمَنَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَإِنْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ قَضَى بِالثَّمَنِ لِلْمُدَّعِي، (قَالَ عِيَاضٌ) قَوْلُهُ عِنْدِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ لَا أَحْلِفُ مَعَهُ أَيْ: لَا أَحْلِفُ أَلْبَتَّةَ وَلَوْ أَرَادَ لَا أَحْلِفُ مَعَهُ الْآنَ لِأَنِّي أَرْجُو شَاهِدًا آخَرَ فَإِنْ وَجَدْته، وَإِلَّا حَلَفَ مَعَ شَاهِدَيْ بَيْعٍ حِينَئِذٍ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ إنْ خُشِيَ فَسَادُهُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَضْعَفَ مِنْ شَاهِدَيْنِ يُطْلَبُ تَعْدِيلُهُمَا فَقَدْ جَعَلَ لَهُ بَيْعَهُ هُنَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَكٍّ مِنْ تَعْدِيلِهِمَا وَهُوَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ بَطَلَ الْحَقُّ، وَشَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْأَوَّلِ ثَابِتٌ بِكُلِّ حَالٍ وَالْحَلِفُ مَعَهُ مُمْكِنٌ إنْ لَمْ يَجِدْ آخَرَ، وَيَثْبُتُ الْحَقُّ. اهـ.
عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ مَعَ بَعْضِ اخْتِصَارٍ (وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَمَا يَفْسُدُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالُوا يُبَاعُ وَيُوقَفُ ثَمَنُهُ إنْ كَانَ شَاهِدَانِ، وَيُسْتَحْلَفُ وَيُخَلَّى إنْ كَانَ
стр. 81
شَاهِدًا، (التَّوْضِيحُ) يُسْتَحْلَفُ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ هَذَا شَيْئًا وَيُخَلَّى أَيْ الْمُدَّعَى فِيهِ تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَبَرَّأَ (ابْنُ الْحَاجِبِ) مِنْهُ بِقَوْلِهِ قَالُوا لِإِشْكَالِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّاهِدِ الثَّانِي فَكَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَالَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يُبَاعَ وَيُوقَفَ ثَمَنُهُ فِيهِمَا أَوْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ فِيهِمَا، (وَأَجَابَ صَاحِبُ النُّكَتِ) بِأَنَّ مُقِيمَ الْعَدْلِ قَادِرٌ عَلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا تَرَكَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا صَارَ كَأَنَّهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ، أَوْ شَاهِدًا وَوَقَفَ ذَلِكَ الْقَاضِي لِيَنْظُرَ فِي تَعْدِيلِهِمْ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إثْبَاتِ حَقِّهِ بِغَيْرِ عَدَالَتِهِمْ، وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ إلَى فَرْقٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ الْمَجْهُولَيْنِ أَقْوَى مِنْ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُعْلَمُ قَطْعًا الْآنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، وَالشَّاهِدَانِ الْمَجْهُولَانِ إذَا عُدِّلَا فَإِنَّمَا تَعْدِيلُهُمَا الْكَشْفُ عَنْ وَصْفٍ كَانَا عَلَيْهِ حِينَ الشَّهَادَةِ. اهـ
مُدَّعِي كَالْعَبْدِ وَالنِّشْدَانُ ... ثُبُوتُهُ قَامَ بِهِ بُرْهَانُ
أَوْ السَّمَاعُ أَنَّ عَبْدَهُ أَبَقْ ... إنْ طَلَبَ التَّوْقِيفَ فَهُوَ مُسْتَحَقَّ
لِخَمْسَةٍ أَوْ فَوْقَهَا يَسِيرَا ... حَيْثُ ادَّعَى بَيِّنَةً حُضُورَا
وَإِنْ تَكُنْ بَعِيدَةً فَالْمُدَّعَى ... عَلَيْهِ مَا الْقَسْمُ عَنْهُ ارْتَفَعَا
كَذَاك مَعَ عَدْلٍ بِنِشْدَانٍ شَهِدْ ... وَبَعْدُ بَاقِيهِمْ يَمِينُهُ تُرَدْ
هَذَا هُوَ السَّبَبُ الرَّابِعُ مِنْ أَسْبَابِ التَّوْقِيفِ لِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ شَرْحِ قَوْلِهِ
ثَالِثَةٌ لَا تُوجِبُ الْحَقَّ نَعَمْ
الْبَيْتَيْنِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَجَدَ عَبْدًا مَثَلًا، أَوْ غَيْرَهُ وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى الْعَبْدِ بِيَدِ رَجُلٍ وَادَّعَى أَنَّهُ لَهُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَنْشُدُ عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةَ السَّمَاعِ أَنَّهُ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ، أَوْ ضَاعَ لَهُ فَرَسٌ مَثَلًا وَادَّعَى أَنَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً وَطَلَبَ أَنْ يُوقِفَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ يُجَابُ لِذَلِكَ الْأَيَّامَ الْيَسِيرَةَ كَالْخَمْسَةِ وَفَوْقَهَا بِيَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ بَيِّنَةً حُضُورًا فَقَالَ: وَإِنْ تَكُنْ بَعِيدَةً الْبَيْتَ أَيْ: فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فِيهِ حَقًّا لِلْقَائِمِ، وَيَبْقَى شَيْؤُهُ بِيَدِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَفُهِمَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ بِالْبَعِيدَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَاضِرَةِ الْحَاضِرَةُ حَقِيقَةً، أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا مِنْ الْغَائِبَةِ غَيْبَةً قَرِيبَةً وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يَأْتِي، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَالنِّشْدَانُ الْبَيْتَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْهَدْ بِالنِّشْدَانِ إلَّا عَدْلٌ وَاحِدٌ، وَادَّعَى أَنَّ بَاقِيَ شُهُودِ النِّشْدَانِ غُيَّبٌ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَإِنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ أَيْضًا، يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَبْقَى شَيْؤُهُ بِيَدِهِ هَذَا ظَاهِرُ لَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَاَلَّذِي نَقَلَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ مَا نَصُّهُ) قَالَ ابْنُ الْحَارِثِ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي عَبْدٍ أَوْ عَرَضٍ فَسَأَلَ أَنْ يُوقَفَ لَهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِسَمَاعٍ أَوْ لَطْخٍ أَوْ ادَّعَى بَيِّنَةً قَرِيبَةً فَيُوقَفُ لَهُ الْخَمْسَةَ أَيَّامٍ إلَى الْجُمُعَةِ، (وَفِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَالَ أَوْقِفُوا الْعَبْدَ حَتَّى آتِيَ بِبَيِّنَتِي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً عَلَى الْحَقِّ، أَوْ سَمَاعًا يُثْبِتُ لَهُ دَعْوَاهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُوقِفُ الْعَبْدَ وَيُؤَجِّلُ لَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ أَوْ سَمَاعٍ وَسَأَلَ أَنْ يُوقَفَ الْعَبْدُ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةً بَعِيدَةً، وَفِي إيقَافِهِ ضَرَرٌ اُسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَهُ لَهُ بِغَيْرِ كَفِيلٍ، (قَالَ سَحْنُونٌ) وَإِنْ ادَّعَى شُهُودًا حُضُورًا عَلَى حَقِّهِ رَأَيْت أَنْ يُوقَفَ لَهُ نَحْوَ الْخَمْسَةِ أَيَّامٍ إلَى الْجُمُعَةِ، وَهَذَا التَّحْدِيدُ لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ، (قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ) : وَهُوَ لِسَحْنُونٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ فَإِنْ ثَبَتَ بِسَمَاعٍ أَوْ شَاهِدٍ عَدْلٍ أَنَّهُ نَشَدَ مَسْرُوقًا أَوْ ادَّعَى بَيِّنَةً بَعِيدَةً وَفِي إيقَافِهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اسْتَحْلَفَ السُّلْطَانُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا قَالَ: وَمِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مَنْ تَكُونُ (فَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: نَفَقَةُ الْعَبْدِ فِي التَّوْقِيفِ عَلَى الَّذِي يُقْضَى لَهُ بِهِ. اهـ نَقْلُ الشَّارِحُ وَالنِّشْدَانُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ نَشَدْت الضَّالَّةَ أَنْشُدُهَا نِشْدَةً وَنِشْدَانًا أَيْ: طَلَبْتُهَا. اهـ وَالْبُرْهَانُ وَالْحُجَّةُ وَهِيَ الْبَيِّنَةُ، وَالسَّمَاعُ بِفَتْحِ
стр. 82
السِّينِ أَيْ: بَيِّنَةُ السَّمَاعِ، وَأَبَقَ أَيْ: هَرَبَ، وَالتَّوْقِيفُ أَيْ: إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ
حَيْثُ ادَّعَى بَيِّنَةً حُضُورَا
أَنَّ فَاعِلَ ادَّعَى هُوَ الْمُدَّعِي الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَهُوَ الَّذِي قَدْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالنِّشْدَانِ، أَوْ بِالسَّمَاعِ أَنَّ عَبْدَهُ أَبَقَ، وَأَنَّ الْمُدَّعِيَ الْمَذْكُورَ لَا يُجَابُ إلَى الْإِيقَافِ إلَّا بِأَمْرَيْنِ: النِّشْدَانِ مَعَ دَعْوَى الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ، أَوْ السَّمَاعِ مَعَ الْبَيِّنَةِ أَيْضًا، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ سَبَبٌ ثَالِثٌ، وَأَنَّ الْإِيقَافَ يَكُونُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إمَّا بِبَيِّنَةِ النِّشْدَانِ، وَإِمَّا بِبَيِّنَةِ السَّمَاعِ، أَوْ دَعْوَاهُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً. وَعَلَى هَذَا فَفَاعِلُ ادَّعَى أَيْ: مُدَّعٍ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ أَقَامَ لَهُ بَيِّنَةَ نِشْدَانٍ أَوْ سَمَاعٍ، فَلَوْ قَالَ
أَوْ ادَّعَى بَيِّنَةً حُضُورًا
لَكَانَ أَبَيْنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ مَا يُوجِبُ الْيَمِينَ لَا عَلَى الطَّالِبِ بَلْ عَلَى الْمَطْلُوبِ]
(فَصْلٌ)
رَابِعَةٌ مَا تُلْزِمُ الْيَمِينَا ... لَا الْحَقَّ لَكِنْ لِلْمُطَالِبِينَا
شَهَادَةُ الْعَدْلِ أَوْ اثْنَتَيْنِ فِي ... طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ قَذْفٍ يَفِي
وَتُوقَفُ الزَّوْجَةُ ثُمَّ إنْ نَكَلْ ... زَوْجٌ فَسَجْنٌ وَلِعَامٍ الْعَمَلْ
وَقِيلَ لِلزَّوْجَةِ إذْ يُدَيَّنُ ... تَمْنَعُ نَفْسَهَا وَلَا تَزَيَّنُ
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْيَمِينَ، لَكِنْ لَا عَلَى الطَّالِبِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بَلْ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَلَا يُوجِبُ حَقًّا وَذَلِكَ إذَا شَهِدَ عَدْلٌ أَوْ امْرَأَتَانِ عَدْلَتَانِ بِطَلَاقٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ قَذْفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَأَنْكَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ تُوقَفُ زَوْجَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ
стр. 83
بِمَا ذُكِرَ وَيُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، وَيُؤْمَرُ بِأَنْ يَحْلِفَ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُحْبَسُ فِي السِّجْنِ وَيُطَالُ سَجْنُهُ الْعَامَ وَنَحْوَهُ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى نُكُولِهِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ وَيُوكَلُ إلَى دِينِهِ وَتُؤْمَرُ زَوْجَتُهُ حِينَئِذٍ بِأَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْهُ مَا اسْتَطَاعَتْ وَلَا تَزَيَّنُ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إلَّا كَارِهَةً، وَلْتَفْتَدِ مِنْهُ بِمَا قَدَرَتْ (ابْنُ يُونُسَ) وَأَمَّا إنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا لَمْ يَحْلِفْ الزَّوْجُ إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا، أَوْ امْرَأَتَيْنِ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي الْحُقُوقِ فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ، (قَالَ مَالِكٌ) : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَحْلِفَ فَإِنْ نَكَلَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ مَكَانَهَا، وَاعْتَدَّتْ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ وَرُوِيَ عَنْهُ إذَا طَالَ سَجْنُهُ دُيِّنَ وَتُرِكَ، وَالطُّولُ سَنَةٌ وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(قَالَ مَالِكٌ) وَإِذَا ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لِلنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ لَمْ يَشَأْ عَبْدٌ إلَّا حَلَّفَ سَيِّدَهُ، وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا حَلَّفَتْ زَوْجَهَا كُلَّ يَوْمٍ فَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ أَوْ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا، أَوْ امْرَأَتَيْنِ مِمَّنْ تُقْبَلَانِ فِي الْحُقُوقِ مِثْلَ: أَنْ لَا تَكُونَ مِنْ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ أَوْ مَنْ هُوَ مُتَّهَمٌ بِمَظِنَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْعَبْدُ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ السَّيِّدُ، فَإِنْ نَكَلَ عَتَقَ الْعَبْدُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ، ثُمَّ قَالَ إنْ طَالَ سَجْنُهُ دُيِّنَ، (وَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ) وَإِنْ شَهِدَ بِقَذْفٍ حُلِّفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَبَرِئَ وَيُخْتَلَفُ إنْ نَكَلَ هَلْ يُحَدُّ، أَوْ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَخْرُجَ بَعْدَ سَنَةٍ قِيَاسًا عَلَى الطَّلَاقِ وَالْجِرَاحِ؟ هَلْ يُطَلِّقُ أَوْ يُقْتَصُّ مِنْهُ عِنْدَ النُّكُولِ؟ (قَالَ الشَّارِحُ) : اعْتَمَدَ الشَّيْخُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَعَلَى مَا لِلَّخْمِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَذْفِ، وَمِمَّا يَلْحَقُ بِذَلِكَ دَعْوَى النِّكَاحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ.
(قَالَ الْمَازِرِيُّ) مَنْصُوصُ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ وَأَنْكَرَتْهُ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا (، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ) لَا يَمِينَ عَلَى دَعْوَى النِّكَاحِ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَجُلٍ وَلَا عَلَيْهِ لَهَا مَا لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ وُجُوبَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ اهـ، وَعَلَى عَدَمِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي النِّكَاحِ ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَحُلِّفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا نِكَاحٍ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ دُيِّنَ. فَقَوْلُهُ: رَابِعَةٌ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: شَهَادَةٌ رَابِعَةٌ، وَمَا تُلْزِمُ مَا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي وَتُلْزِمُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُضَارِعُ أَلْزَمَ، وَلِلْمُطَالَبِينَ يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِفَتْحِ اللَّامِ الثَّانِيَةِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ طَالَبَ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى حَدٍّ، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ أَيْ عَلَيْهِمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ تُوجِبُ الْيَمِينَ، لَا عَلَى الطَّالِبِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بَلْ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَهُوَ الزَّوْجُ فِي الشَّهَادَةِ بِالطَّلَاقِ، وَالسَّيِّدُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْعِتْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِكَسْرِهَا وَتَكُونُ لِلِاسْتِحْقَاقِ أَيْ: أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تُوجِبُ الْيَمِينَ لِلطَّالِبِ وَهِيَ الزَّوْجَةُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَبْدُ فِي الْعِتْقِ وَيَسْتَحِقُّهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا تَزَيَّنُ عَلَى حَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ: لَا تَتَزَيَّنُ.
[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا عَمَلَ لَهَا]
(فَصْلٌ)
خَامِسَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَمَلْ ... وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تُقْبَلْ
كَشَاهِدِ الزُّورِ وَالِابْنِ لِلْأَبِ ... وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا مِمَّا أَبِي
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ قَبْلُ:
ثُمَّ الشَّهَادَةُ لَدَى الْأَدَاءِ
الْبَيْتَ وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا عَمَلَ لَهَا، وَلَا تُوجِبُ شَيْئًا وَهَذَا الْقِسْمُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِقَسَمٍ مِنْهَا وَإِنَّمَا هُوَ قِسْمٌ لَهَا، فَالصَّوَابُ فِي التَّقْسِيمِ إذَنْ أَنْ يُقَالَ: الشَّهَادَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ: يُوجِبُ أَمْرًا، أَوْ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَقِسْمٌ: لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَهُوَ هَذِهِ، أَعْنِي الشَّهَادَةَ الَّتِي اخْتَلَّ فِيهَا شَرْطٌ
стр. 84
مِنْ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوَّلَ الْبَابِ، أَوْ وُجِدَ فِيهَا مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِهَا فَالْأَوَّلُ: كَشَاهِدِ الزُّورِ لِاخْتِلَالِ شَرْطِ الْعَدَالَةِ فِيهِ، الثَّانِي: كَشَهَادَةِ الِابْنِ لِأَبِيهِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ وَهِيَ التُّهْمَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الشُّرُوطِ، وَأَنَّ مَنْ اخْتَلَّ فِيهِ شَرْطٌ مِنْهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَأَمَّا الْمَوَانِعُ فَعَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْهَا جُمْلَةً صَالِحَةً أَوَّلُهَا: التَّغَفُّلُ الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ بِهَا نَفْعًا كَمَنْ شَهِدَ عَلَى مَوْرُوثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا، أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا أَوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً، الثَّالِثُ: أَكِيدُ الشَّفَقَةِ بِالنَّسَبِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ، أَوْ بِالسَّبَبِ كَالزَّوْجِيَّةِ فَلَا يَشْهَدُ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ وَلَا هِيَ لَهُ، الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ فَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ وَتُقْبَلُ لَهُ عَكْسُ الْقَرَابَةِ، الْخَامِسُ: الْحِرْصُ عَلَى إزَالَةِ التَّغْيِيرِ بِإِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ أَوْ التَّأَسِّي، فَالْأَوَّلُ كَشَهَادَتِهِ فِيمَا رُدَّ فِيهِ بِفِسْقٍ، أَوْ صِبًا، أَوْ رِقٍّ، أَوْ كُفْرٍ، وَالثَّانِي وَهُوَ التَّأَسِّي كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا، وَكَشَهَادَةِ مَنْ حُدَّ فِي مِثْلِ مَا حُدَّ فِيهِ، السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ كَالشَّاهِدِ الْمُخْتَفِي لِتَحَمُّلِهَا، وَلَا يَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ عَلَى أَدَائِهَا فَيَرْفَعُ شَهَادَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ بِهَا فِي مَحْضِ حَقِّ آدَمِيٍّ، وَذَلِكَ قَادِحٌ، السَّابِعُ: الِاسْتِبْعَادُ كَإِشْهَادِ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ شُهُودًا مِنْ الْبَادِيَةِ.
(وَفِي الْمُدَوَّنَةِ) لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ إلَّا فِي التَّافِهِ الْيَسِيرِ لِحُصُولِ الرِّيبَةِ فِيمَا لَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ، وَقَوْلُهُ مِمَّا أَبِي بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: مِمَّا أَبَاهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَلَمْ يَقْبَلُوهُ.
[فَصْلٌ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ]
ِ (ابْنُ عَرَفَةَ) شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ فِيهِ بِإِسْنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتُخْرِجُ شَهَادَتُهُ الْبَتَّ، وَالنَّقْلَ أَيْ تُخْرِجُ شَهَادَةَ الْبَتِّ مِنْ قَوْلِهِ بِإِسْنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ وَتُخْرِجُ شَهَادَةَ النَّقْلِ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ فِي شَهَادَةِ النَّقْلِ مُعَيَّنٌ
وَأُعْمِلَتْ شَهَادَةُ السَّمَاعِ ... فِي الْحَمْلِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّضَاعِ
وَالْحَيْضِ وَالْمِيرَاثِ وَالْمِيلَادِ ... وَحَالِ إسْلَامٍ أَوْ ارْتِدَادِ
وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْوَلَاءِ ... وَالرُّشْدِ وَالتَّسْفِيهِ وَالْإِيصَاءِ
وَفِي تَمَلُّكِ الْمِلْكِ بِيَدِ ... يُقَامُ فِيهِ بَعْدَ طُولِ الْمَدَدِ
وَحَبْسِ مَنْ جَازَ مِنْ السِّنِينَا ... عَلَيْهِ مَا يُنَاهِزُ الْعِشْرِينَا
وَعَزْلِ حَاكِمٍ وَفِي تَقْدِيمِهِ ... وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ تَتْمِيمِهِ
اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ السِّتُّ عَلَى عَدِّ مَوَاضِعِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَذَلِكَ فِي: الْحَمْلِ وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنْ تَصِيرَ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، وَفِي النِّكَاحِ، وَصِفَةُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي النِّكَاحِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ تَحْتَ حِجَابِ الزَّوْجِ فَيُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا فَيَطْلُبُ الْحَيُّ مِنْهُمَا الْمِيرَاثَ فَيُثْبِتُ الزَّوْجِيَّةَ بِالسَّمَاعِ الْمُسْتَفِيضِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِالْمِيرَاثِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِي عِصْمَةِ أَحَدٍ بِزَوْجِيَّةٍ فَأَثْبَتَ رَجُلٌ أَنَّهَا
стр. 85
زَوْجَتُهُ تَزَوَّجَهَا بِالسَّمَاعِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ الْبِنَاءَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ إنَّمَا تَنْفَعُ مَعَ الْحِيَازَةِ لِلْمَرْأَةِ وَهَذَا لَمْ يَحُزْهَا إلَيْهِ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ مِنْ وَاحِدٍ وَقَدْ فَشَا ذِكْرُهُ وَوَاحِدٌ لَا يَجُوزُ بِهِ النِّكَاحُ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ.
(قَالَ الْقَاضِي الْمِكْنَاسِيُّ) : قُلْت فَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَيْهَا بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ مَعَ أَنَّهُ يَرِثُهَا بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَمَاعًا مُنْتَشِرًا مُسْتَفِيضًا يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ كَمَا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخْتَلَفَ فِي هَذَا أَنَّهُ يَبْنِي بِهَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، لَا سِيَّمَا إذَا طَالَ الْأَمْرُ وَمَاتَتْ الْبَيِّنَاتُ. اهـ (وَفِي التَّوْضِيحِ) عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ عَلَى النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ أَحَدُهُمَا فَلَا. اهـ.
وَتَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ انْتِشَارُ الْحُرْمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ الرَّضَاعِ، وَتَجُوزُ فِي الْحَيْضِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ الْبُلُوغُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْعِدَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَتَجُوزُ فِي الْمِيرَاثِ فَيَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا وَارِثُ فُلَانٍ وَذَلِكَ يَئُولُ إلَى النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، وَتَجُوزُ فِي الْوِلَادَةِ، وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهَا أَيْضًا أَنْ تَصِيرَ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْعِدَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَتَجُوزُ فِي الْإِسْلَامِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنْ تَرِثَهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الرَّدِّ فَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَفِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا قَبُولُ شَهَادَةِ مَنْ عُدِّلَ، وَعَدَمُ قَبُولِهَا مِمَّنْ جُرِحَ، وَتَجُوزُ فِي الْوَلَاءِ وَإِنَّ فُلَانًا مُعْتَقٌ لِفُلَانٍ أَوْ مُعْتَقٌ لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ فَيَرِثُهُ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاصِبٌ مِنْ نَسَبِهِ، وَتَجُوزُ فِي الرُّشْدِ وَالسَّفَهِ، وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا إمْضَاءُ تَصَرُّفَاتِ الرَّشِيدِ وَرَدِّ تَصَرُّفَاتِ الْمَحْجُورِ عَلَى تَفْصِيلٍ مَذْكُورٍ فِي مَحَلِّهِ، وَتَجُوزُ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَثْبُتُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ.
(قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَنْجُورِ ﵀ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ الْمُنْتَخَبِ) : وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي: سَيِّدِي عَلِيًّا الزَّقَّاقَ إنَّمَا هِيَ الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ، (قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ غَازِيٍّ) : وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْقَرَافِيُّ وَالْغِرْنَاطِيُّ لَفْظَ الْوَصِيَّةِ غَيْرَ مُفَسَّرٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا مَا فِي الْكَافِي مِنْ الْإِيصَاءِ بِالنَّظَرِ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ الْوَصِيَّةَ فِي النَّظْمِ الَّذِي فِي أَوَّلِهِ
يَا سَائِلِي عَمَّا يُنَفَّذُ حُكْمُهُ
، وَتَجُوزُ أَيْضًا فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِحَائِزِهِ وَلَا تَنْفَعُ لِغَيْرِ الْحَائِزِ لِضَعْفِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّاظِمُ: الْمِلْكِ بِيَدِ وَأَمَّا قَوْلُهُ
يُقَامُ فِيهِ بَعْدَ طُولِ الْمَدَدِ
وَقَوْلُهُ وَحَبْسٍ جَازَ إلَخْ فَيَأْتِي بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ قَرِيبًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ -، وَتَجُوزُ فِي الْحَبْسِ الْقَدِيمِ وَلِذَلِكَ قَالَ: جَازَ مِنْ السِّنِينَ إلَخْ. (التَّوْضِيحُ) وَلَا تُفِيدُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي الْحَبْسِ إلَّا مَعَ الْقَطْعِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ مُحْتَرَمٌ بِحُرْمَةِ الْأَحْبَاسِ. اهـ وَتَجُوزُ أَيْضًا فِي عَزْلِ حَاكِمٍ أَوْ تَوْلِيَتِهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى تَوْلِيَتِهِ نُفُوذُ حُكْمِهِ، وَعَلَى عَزْلِهِ عَدَمُ نُفُوذِهِ، وَتَجُوزُ أَيْضًا فِي إثْبَاتِ ضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ التَّطْلِيقُ بِالضَّرَرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ.
(تَتْمِيمٌ) قَالَ فِي الْبَابِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ مِنْ التَّبْصِرَةِ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ (قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ) : شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَهَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: تَقْيِيدُ الْعِلْمِ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ كَالسَّمَاعِ بِأَنَّ مَكَّةَ مَوْجُودَةٌ وَمِصْرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذِهِ إذَا حَصَلَتْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالرُّؤْيَةِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا يُفِيدُ الْعِلْمَ، الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ الِاسْتِفَاضَةِ وَهِيَ تُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا يَقْرُبُ مِنْ الْقَطْعِ وَتَرْتَفِعُ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ مِثْلَ: أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَيَجُوزُ الِاسْتِنَادُ إلَيْهَا، وَمِنْهَا إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ رُؤْيَةً مُسْتَفِيضَةً، وَرَآهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَشَاعَ أَمْرُهُ فِيهِمْ لَزِمَهُمْ الصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا تَعْدِيلٍ قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ وَمِنْهَا اسْتِفَاضَةُ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَمَا يَسْتَفِيضُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ ذَلِكَ.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ) : مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ لِإِشْهَارِ عَدَالَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ لِاشْتِهَارِ جُرْحَتِهِ وَإِنَّمَا يُكْشَفُ عَمَّا يُشْكِلُ وَمِنْهَا الْقَسَامَةُ بِالسَّمَاعِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : مِثْلُ أَنْ يَعْدُوَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فِي سُوقٍ مِثْلِ سُوقِ الْأَحَدِ وَمَا أَشْبَهَهُ فِي كَثْرَةِ النَّاسِ فَقَطَعَ كُلُّ مَنْ حَضَرَ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ، فَرَأَى مَنْ ارْتَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ إنْ كَثُرَ هَكَذَا وَتَظَاهَرَ بِمَنْزِلَةِ اللَّوْثِ تَكُونُ فِيهِ الْقَسَامَةُ مِنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ وَهِيَ الَّتِي يَقْصِدُ
стр. 86
الْفُقَهَاءُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ، وَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِصِفَاتِهَا وَشُرُوطِهَا، وَمَحِلِّهَا. فَأَمَّا صِفَاتُهَا بِأَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ (وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ) ، وَتَفْسِيرُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ، أَوْ أَرْبَعَةٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ صَدَقَةٌ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، وَأَنَّ فُلَانًا مَوْلَى فُلَانٍ قَدْ تَوَاطَأَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَكَثُرَ سَمَاعُهُمْ وَفَشَا حَتَّى لَا يَدْرُونَ وَلَا يُحِيطُونَ مِمَّا سَمِعُوهُ مِنْ كَثْرَةِ مَا سَمِعُوا بِهِ مِنْ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَكُونُ السَّمَاعُ أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَا مِنْ أَقْوَامٍ بِأَعْيَانِهِمْ يُسَمُّونَهُمْ أَوْ يَعْرِفُونَهُمْ إذْ لَيْسَتْ حِينَئِذٍ شَهَادَةً بَلْ هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةِ السَّمَاعِ اهـ. وَأَمَّا شُرُوطُهَا فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدُ، وَأَمَّا مَحَلُّهَا فَقَدْ عَدَّ النَّاظِمُ جُمْلَةً صَالِحَةً وَزَادَ غَيْرُهُ مَسَائِلَ أُخَرَ اُنْظُرْ شِفَاءَ الْغَلِيلِ لِابْنِ غَازِيٍّ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ:
وَفِي تَمَلُّكِ لِمِلْكٍ بِيَدِ
الْبَيْتَيْنِ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إنَّمَا يَشْهَدُ بِالْمِلْكِ إذَا طَالَتْ الْحِيَازَةُ وَكَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي الْهَدْمِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ وَلَا يُكْتَفَى بِشَهَادَتِهِمْ أَنَّهُ يَحُوزُهَا حَتَّى يَقُولُوا: إنَّهُ يَحُوزُهَا لِحَقِّهِ وَإِنَّهَا لَهُ مِلْكٌ، وَأَمَّا مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْهَدَ لَهُ بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ (الْمَازِرِيُّ) وَالْمِلْكُ لَا يَكَادُ يُقْطَعُ بِهِ وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَجَازَتْ بِسَمَاعٍ فَشَا عَنْ ثِقَاتٍ وَغَيْرِهِمْ بِمِلْكٍ لِحَائِزٍ مُتَصَرِّفٍ طَوِيلًا.
(وَفِي التَّبْصِرَةِ) إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالسَّمَاعِ أَنَّهُ حُبْسٌ عَلَى الْحَائِزِينَ لَهُ وَهُوَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، أَوْ يَكُونُ لَا يَدَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فَتَشْهَدُ بَيِّنَةٌ بِالسَّمَاعِ أَنَّهُ حُبِسَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا فَهَذَا الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إذَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ. (وَفِي الْمَوَّاقِ مَا نَصُّهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ جَائِزَةٌ بِطُولِ زَمَانِهَا. اهـ (وَفِي حَاشِيَةِ) شَيْخِنَا سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَاشِرٍ ﵀ عَلَى الْمُخْتَصَرِ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ: وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ هَذَا الشَّرْطُ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْمَوْتِ، وَأَمَّا بِالْبُعْدِ فَيُشْتَرَطُ عَدَمُ طُولِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الطُّولِ تُمْكِنُ الشَّهَادَةُ فِيهِ عَلَى الْقَطْعِ، وَشَهَادَةُ السَّمَاعِ يُشْتَرَطُ فِيهَا كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُ بِالْقَطْعِ، قِفْ عَلَى ابْنِ غَازٍ وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ مَا هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي اخْتِصَاصِ شَرْطِ الطُّولِ بِالْأَحْبَاسِ وَالْأَشْرِيَةِ. اهـ وَهَذَا الَّذِي نَسَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ ظَاهِرُ النَّظْمِ، وَفِي الْحَاشِيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ شَرْطَ طُولِ الزَّمَانِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَالْحَيْضِ وَالْحَمْلِ مُشْكِلٌ. اهـ.
وَشَرْطُهَا اسْتِفَاضَةٌ بِحَيْثُ لَا ... يَحْضُرُ مَنْ عَنْهُ السَّمَاعُ نُقِلَا
مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ ارْتِيَابِ ... يُفْضِي إلَى تَغْلِيطٍ أَوْ إكْذَابِ
وَيُكْتَفَى فِيهَا بِعَدْلَيْنِ عَلَى ... مَا تَابَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ الْعَمَلَا
يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا: الِاسْتِفَاضَةُ وَالثَّانِي: السَّلَامَةُ مِنْ الرِّيبَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى تَغْلِيطِ الشَّاهِدِ أَوْ تَكْذِيبِهِ، فَالِاسْتِفَاضَةُ هِيَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلَا مَحْصُورٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: بِحَيْثُ لَا يَحْضُرُ إلَخْ (قَالَ الْبَاجِيُّ) وَشَرْطُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَا وَلَا يُسَمُّوا مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ فَإِنْ سَمَّوْا خَرَجَتْ مِنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ.
وَأَمَّا السَّلَامَةُ مِنْ الرِّيبَةِ بِغَلَطِ الشَّاهِدِ أَوْ كَذِبِهِ فَيُحْتَرَزُ بِذَلِكَ مِنْ وُجُودِ الرِّيبَةِ، وَمِثَالُهَا مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى السَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلِ مِائَةٌ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا إلَّا بِأَمْرٍ يَفْشُو وَيَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ قَدْ بَادَ جِيلُهُمَا، فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ شَرْطًا لَنَا وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ فِيمَا تَقَادَمَ عَهْدُهُ وَطَالَ زَمَانُهُ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يُفْتَقَرْ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ قَصْدَ الزَّمَانِ مَظِنَّةٌ لِوُجُودِ شَهَادَةِ الْقَطْعِ، إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ فِي الْعَادَةِ
стр. 87
شَهَادَةُ الْقَطْعِ كَمَا فِي الضَّرَرِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ فِي الطُّولِ الِاسْتِنَادُ إلَى الْعُرْفِ، (قُلْت) : وَتَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ مُتَّصِلًا بِهَا بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الشَّرْطِ. وَرَابِعًا وَهُوَ كَثْرَةُ عَدَدِ الشُّهُودِ فَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا رَجُلَانِ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الِانْتِشَارِ، لَكِنْ لَوْ كَانَا مِنْ الْكِبَرِ بِحَيْثُ بَادَ جِيلُهُمَا لَزَالَتْ الرِّيبَةُ وَالْعَمَلُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِعَدْلَيْنِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَيُكْتَفَى فِيهَا إلَخْ. وَخَامِسًا: وَهُوَ الْعَدَالَةُ فِي هَؤُلَاءِ النَّاقِلِينَ فَلَا تَكْفِي الْكَثْرَةُ مَا لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ بِخِلَافِ مَنْ يُنْقَلُ عَنْهُمْ، فَإِنَّ الِانْتِشَارَ كَافٍ لِشَهَادَةِ الْعَادَةِ بِالصِّدْقِ فِي مِثْلِهِ.
وَسَادِسًا: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ فِيهِ مِنْ شَأْنِهِ الِاشْتِهَارُ، وَأَنْ لَا يَخْتَصَّ بِمَعْرِفَةِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ كَمَا فِي الْأَنْسَابِ، وَالْأَحْبَاسِ الْعَامَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْحَبْسِ الْخَاصِّ لِمُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَشْتَهِرُ اشْتِهَارَ الْحَبْسِ الْعَامِّ، وَلَا بُدَّ فِي نَصِّ الشَّهَادَةِ مِنْ لَفْظِ الِانْتِشَارِ، أَوْ مَا يُفْهِمُ ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَسَابِعًا: وَهُوَ كَوْنُ الِاشْتِهَارِ فِي مَوْضِعِ الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَزَادَ فِي التَّبْصِرَةِ. ثَامِنًا: وَهُوَ كَوْنُ الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ تَحْتَ يَدِ الْمَشْهُودِ لَهُ، إنَّمَا تَنْفَعُ لِمَنْ الشَّيْءُ فِي يَدِهِ.
(قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ) : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ لِمُدَّعِي دَارٍ بِيَدِ غَيْرِهِ وَقَدْ حَازَهَا، وَإِنَّمَا تَجُوزُ لِمَنْ الدَّارُ فِي يَدِهِ. وَتَاسِعًا: وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ (قَالَ ابْنُ مُحَرِّزٍ) : لَا يُقْضَى لِأَحَدٍ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ مِنْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْيَمِينِ. وَعَاشِرًا: وَهُوَ أَنْ لَا يُسَمُّوا الْمَسْمُوعَ مِنْهُمْ، وَإِلَّا كَانَ نَقْلَ شَهَادَةٍ فَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَقْبُولُ عَنْهُمْ غَيْرَ عُدُولٍ (قُلْت) : وَهَذَا الشَّرْطُ بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي عَنَى النَّاظِمُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ إذَا كَانَ يُنْتَزَعُ بِهَا فَلَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ مِنْ الْعُدُولِ، وَإِنْ كَانَتْ لِيُقِرَّ بِهَا فِي يَدِ حَائِزِهَا فَهَذِهِ يُخْتَلَفُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهَا.
(تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَلِفِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالسَّمَاعِ هُوَ خَاصٌّ بِالدَّعْوَى الَّتِي يَقْطَعُ الْقَائِمُ بِهَا لَا فِي مِثْلِ دَعْوَى مَوْتِ مَوْرُوثِهِ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْبِلَادِ فَإِنَّ الْيَمِينَ هُنَا تُضَعَّفُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا فِيمَا يَعْلَمُهُ الْحَالِفُ عِلْمًا يَقِينِيًّا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّاهِدِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الشَّاهِدِ فَيُنْظَرُ فِي إمْكَانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ هُنَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ. اهـ مِنْ الشَّارِحِ (قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ) : وَقَدْ كُنْت جَمَعْت الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ فِي أَبْيَاتٍ فَقُلْت
شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِيمَا عَدَّدُوا ... عَامِلَةٌ مَعَ حَلِفٍ وَقَيَّدُوا
حَلِفَهُ بِكَوْنِ مَا ادَّعَاهُ ... مُحَقَّقًا عِنْدَهُ لَا امْتَرَاهُ
كَذَا عَدَالَةٌ يَلِي طُولَ الْمَدَا ... وَالِانْتِشَارُ مَعَ لَفْظِهِ بَدَا
مَعَ كَوْنِ مَشْهُودٍ بِهِ مِمَّا يُرَى ... أَنْ يَسْتَفِيضَ وَيَشِيعَ فِي الْوَرَى
وَكَثْرَةُ الشُّهُودِ ثُمَّ الِانْتِشَارْ ... مُعْتَبَرٌ لَدَى مَحَلِّ الِاضْطِرَارْ
وَلَا بِهَا يُزَالُ مَا يَدٌ شَمِلْ ... وَنَفْيُ تَعْيِينٍ لِمَنْ عَنْهُ نُقِلْ
وَذُو اسْتِفَاضَةٍ كَذَا السَّلَامَهْ ... مِنْ رِيبَةٍ فَاحْفَظْ وَلَا مَلَامَهْ
قَالَ النَّاظِمُ ﵀.
стр. 88
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ الشَّهَادَةِ]
ِ
وَمَنْ لِطَالِبٍ بِحَقٍّ شَهِدَا ... وَلَمْ يُحَقِّقْ عِنْدَ ذَاكَ الْعَدَدَا
فَمَالِكٌ عَنْهُ بِهِ قَوْلَانِ ... لِلْحُكْمِ فِي ذَاكَ مُبَيِّنَانِ
إلْغَاؤُهَا كَأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ ... وَتَرْفَعُ الدَّعْوَى يَمِينُ الْمُنْكِرِ
أَوْ يُلْزَمَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُقِرَّا ... ثُمَّ يُؤَدِّي مَا بِهِ أَقَرَّا
بَعْدَ يَمِينِهِ وَإِنْ تَجَنَّبَا ... تَعْيِينًا أَوْ عَيَّنَ وَالْحَلْفَ أَبَى
كُلِّفَ مَنْ يَطْلُبُهُ التَّعْيِينَا ... وَهُوَ لَهْ إنْ أَعْمَلَ الْيَمِينَا
وَإِنْ أَبَى أَوْ قَالَ لَسْت أَعْرِفُ ... بَطَلَ حَقُّهُ وَذَاكَ الْأَعْرَفُ
وَمَا عَلَى الْمَطْلُوبِ إجْبَارٌ إذَا ... مَا شَهِدُوا فِي أَصْلِ مِلْكٍ هَكَذَا
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ بِحَقٍّ كَدَيْنٍ مَثَلًا وَلَمْ يُحَقِّقْ مِقْدَارَهُ وَعَدَدَهُ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ مُبَيِّنَانِ لِلْحُكْمِ فِي ذَلِكَ أَحَدُهُمَا: إلْغَاءُ تِلْكَ الشَّهَادَةِ أَيْ: عَدَمُ اعْتِبَارِهَا وَهِيَ كَالْعَدَمِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى، فَتَرْتَفِعُ وَتُقَابَلُ بِالْيَمِينِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَنْ لِطَالِبٍ بِحَقٍّ شَهِدَا
الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ فَطَالِبٌ وَبِحَقٍّ يَتَعَلَّقَانِ بِشَهِدَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ لِطَالِبٍ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ لِطَالِبٍ، وَفَاعِلُ يُحَقِّقْ يَعُودُ عَلَى مَنْ وَالْإِشَارَةُ لِوَقْتِ الشَّهَادَةِ، وَبَاءُ بِهِ ظَرْفِيَّةٌ وَالضَّمِيرُ لِلْفَرْعِ الْمَذْكُورِ وَمُبَيِّنَانِ صِفَةٌ لَقَوْلَانِ، وَلِلْحُكْمِ يَتَعَلَّقُ بِمُبَيِّنَانِ وَإلْغَاؤُهَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلَانِ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِنْ مُجْمَلٍ وَيَمِينُ فَاعِلُ تَرْفَعُ وَالدَّعْوَى مَفْعُولٌ بِهِ. الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُكَلَّفُ وَيُلْزَمُ بِأَنْ يُقِرَّ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ، وَيَحْلِفُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ وَيُؤَدِّيه لِصَاحِبِهِ فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ، أَوْ أَقَرَّ وَلَمْ يَحْلِفْ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ إلَى الطَّالِبِ وَيُكَلَّفُ بِأَنْ يُعَيِّنَ مَالَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَيَّنَهُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ لَزِمَ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ، فَإِنْ امْتَنَعَ الطَّالِبُ مِنْ التَّعْيِينِ أَوْ عَيْنٍ وَامْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ بَطَلَ حَقُّهُ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِمَا فِي الذِّمَّةِ كَانَتْ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ كَحَقٍّ فِي دَارٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِالتَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ لَهُ ذَلِكَ الْحَقُّ مِنْ إرْثٍ وَلَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، لَكِنَّهُ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا يُسْجَنَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
وَإِلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
أَوْ يُلْزَمَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُقِرَّ
الْأَبْيَاتَ الْأَرْبَعَةَ وَإِلَى مَسْأَلَةِ مَا إذَا كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمَا عَلَى الْمَطْلُوبِ الْبَيْتَ فَقَوْلُهُ: أَوْ يُلْزَمَ الْمَطْلُوبُ هُوَ بِنَصَبِ يُلْزَمَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إلْغَاؤُهَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِ:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ
стр. 89
.. إلَخْ وَالْمَطْلُوبُ نَائِبُ يُلْزَمَ مُضَارِعُ أَلْزَمَ " وَأَنْ يُقِرَّ " مَفْعُولُهُ الثَّانِي، وَفَاعِلُ " يُؤَدِّي " الْمَطْلُوبُ، كَذَا فَاعِلُ تَجَنَّبَ، وَ " الْحَلْفَ " مَفْعُولُ أَبَى، وَفَاعِلُهُ الْمَطْلُوبُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ (قَالَ الْجَوْهَرِيُّ) حَلَفَ الرَّجُلُ أَيْ: أَقْسَمَ يَحْلِفُ حَلْفًا وَمَحْلُوفًا وَهُوَ أَحَدُ مَا جَاءَ مِنْ الْمَصَادِرِ عَلَى مَفْعُولٍ مِثْلَ: الْمَجْلُودِ وَالْمَعْقُولِ وَالْمَعْسُورِ، وَأَحْلَفْتُهُ أَنَا وَحَلَّفْتُهُ وَاسْتَحْلَفْتُهُ كُلُّهُ بِمَعْنًى، وَالْحِلْفُ بِالْكَسْرِ الْعَهْدُ يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ وَقَدْ حَالَفَهُ أَيْ: عَاهَدَهُ وَتَحَالَفُوا أَيْ: تَعَاهَدُوا انْتَهَى وَقَوْلُهُ:
كُلِّفَ مَنْ يَطْلُبُهُ التَّعْيِينَا
هُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ " وَإِنْ تَجَنَّبَا " وَضَمِيرٌ وَهُوَ لِمَا عَيَّنَهُ الطَّالِبُ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَضَمِيرٌ لَهُ لِمَنْ يَطْلُبُ أَيْ: الطَّالِبُ، وَقَوْلُهُ " وَإِنْ أَبَى " أَيْ: مِنْ الْحَلْفِ وَمَعْنَى هَكَذَا أَيْ: شَهِدُوا بِحَقٍّ وَلَمْ يُعَيِّنُوا قَدْرَهُ.
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْبَيِّنَةِ تَشْهَدُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ وَيَقُولُونَ لَا نَعْرِفُ عَدَدَهُ إلَّا أَنَّا نَشْهَدُ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَقُلْ لِلْمَطْلُوبِ: أَقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ فَمَا أَقَرَّ بِهِ حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِنْ حُدَّ قِيلَ لِلطَّالِبِ إنْ عَرَفْته فَاحْلِفْ عَلَيْهِ وَخُذْهُ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُهُ وَضَاعَتْ كُتُبُ مُحَاسَبَتِي أَوْ أَعْرِفُهُ وَلَا أَحْلِفُ فَلْيُسْجَنْ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يُقِرَّ بِشَيْءٍ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَحْلِفْ أُخِذَ مِنْهُ وَحُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا فِي دَارٍ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَحْلِفَ وَلَا يَحْبِسُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
(قَالَ الشَّارِحُ) فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَدَّمَهُ الشَّيْخُ ﵀ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الِاسْتِغْنَاءِ، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا أَنَّهُ يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ بَطَلَ حَقُّهُ، بَعْضُ مُخَالَفَةٍ لِمَا نَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ سَجْنِ الْمَطْلُوبِ إذَا أَبَى الطَّالِبُ مِنْ الْيَمِينِ، أَوْ قَالَ لَا أَعْرِفُ الْحَقَّ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُسْتَنَدِهِ فِي ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ وَجْهَهُ ظَاهِرٌ حَيْثُ يَأْبَى الطَّالِبُ مَعَ الْيَمِينِ مَعَ كَوْنِهِ يَعْرِفُ الْحَقَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَمُنْكِرٌ لِلْخَصْمِ مَا ادَّعَاهُ ... أَثْبَتَ بَعْدُ أَنَّهُ قَضَاهُ
لَيْسَ عَلَى شُهُودِهِ مِنْ عَمَلِ ... لِكَوْنِهِ كَذَّبَهُمْ فِي الْأَوَّلِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى تَسْتَلْزِمُ عِمَارَةَ ذِمَّةٍ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي تَعْمُرُ بِهَا الذِّمَمُ فَأَنْكَرَ تِلْكَ الدَّعْوَى وَجَحَدَهَا فَأَثْبَتَ الطَّالِبُ مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ فَأَقَامَ الْمَطْلُوبُ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهُ قَضَاهُ ذَلِكَ الْحَقَّ فَإِنَّ بَيِّنَتَهُ عَلَى الْقَضَاءِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ شَهَادَتَهُمْ بِإِنْكَارِهِ الدَّعْوَى.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : " أَمَّا لَوْ أَنْكَرَ الْمُعَامَلَةَ فَأَثْبَتَهَا الطَّالِبُ فَاسْتَظْهَرَ الْمَطْلُوبُ بِالْبَرَاءَةِ بِدَفْعِهِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ إنْكَارِهِ الْمُعَامَلَةَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْمُولُ بِهِ " وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ " تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ وَلَا يَضُرُّهُ إنْكَارُ الْمُعَامَلَةِ، وَأَمَّا إنْ قَالَ لَيْسَ عَلَيَّ شَيْءٌ فَلَمَّا أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ جَاءَ بِبَرَاءَةٍ وَشُهُودٍ عَلَى الدَّفْعِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا. اهـ.
(ابْنُ رُشْدٍ) ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ: صَدَقْت مَا كَانَ لَك عَلَيَّ دَيْنٌ مِنْ شِرَاءٍ، وَلَا مِنْ سَلَفٍ لِأَنِّي كُنْت قَضَيْتُك حَقَّك وَإِنَّمَا تَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ إذَا مَا قَالَ: مَا أَسْلَفْتَنِي شَيْئًا وَلَا بِعْتَنِي شَيْئًا. اهـ (قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ) فِي تَوْجِيهِ الْمَشْهُورِ وَتَضْعِيفِ الشَّاذِّ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَ بَيِّنَةً فَقَدْ أَسْقَطَهَا وَمَنْ، أَوْجَبَ لَهُ سَمَاعَهَا بَعْدَ تَكْذِيبِهِ إيَّاهَا فَقَدْ فَتَحَ بَابَ التَّعْنِيتِ وَالتَّشَعُّبِ وَأَعَانَ عَلَيْهِ. اهـ مِنْ الْمَوَّاقِ وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبَ الْمُعَامَلَةِ بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ، وَقَالَ فِي بَابِ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ: وَقُبِلَ إرَادَةُ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَقَالَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ: وَلَوْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالتَّلَفِ كَالْمِدْيَانِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ: وَيَجْحَدُهَا ثُمَّ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّدِّ خِلَافٌ، وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فَإِنْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ دَفْعَ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ إنْكَارِهِ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ أَوْ السَّلَفِ لَمْ يُبِحْ لَهُ الْقَاضِي إثْبَاتَ ذَلِكَ، قَدْ كَذَّبَ شُهُودَهُ عَلَى الدَّفْعِ بِإِنْكَارِهِ أَصْلَ الطَّلَبِ وَبِهَذَا الْقَوْلِ الْقَضَاءُ اهـ مِنْ الشَّارِحِ. ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ مَالَ إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمُنْكِرِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إبْرَائِهِ أَوْضَحُ وَأَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(اللَّخْمِيُّ) اُخْتُلِفَ إذَا أَنْكَرَ الْإِيدَاعَ فَلَمَّا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رَدَّهَا فَإِنَّهَا بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِقَوْلِهِ مَا أَوْدَعْتَنِي وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ مَا اشْتَرَيْتُ مِنْك فَلَمَّا أَقَامَ عَلَيْهِ
стр. 90
الْبَيِّنَةَ بِالشِّرَاءِ أَقَامَ هُوَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالدَّفْعِ وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ أَرَدْت أَنْ لَا أَتَكَلَّفَ بَيِّنَةً، وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ الْحَاصِلِ بِالتَّضْمِينِ لَا بِالصَّرِيحِ وَفِي إعْمَالِهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْقَضَاءِ تَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالْمُعَامَلَةِ الَّتِي تَفَرَّعَ الْقَضَاءُ عَنْهَا، وَإِنْكَارُهُ الْمُعَامَلَةَ أَوَّلًا تَكْذِيبٌ لِبَيِّنَةِ الْقَضَاءِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَائِلِ نَوَازِلِ الدَّعَاوَى وَالْأَيْمَانِ مِنْ الْمِعْيَارِ، وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجًا وَوَرَثَةً، فَقَامُوا يَطْلُبُونَ الزَّوْجَ بِجِهَازِهَا الَّذِي أَوْرَدَهُ أَبُوهَا بَيْتَ بِنَاءِ الزَّوْجِ الْمَذْكُورِ بِهَا فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَوْرَدَ بَيْتَ بِنَائِهِ شَيْئًا، فَاسْتَدْعَوْا بَيِّنَةَ بَعْضِ أَشْيَاءَ، مِنْهَا فَتَقَيَّدَ عَلَيْهِ إنْكَارُهُ فَهَلْ يَضُرُّهُ إنْكَارُهُ، وَيَلْزَمُهُ إحْضَارُ كُلِّ مَا شَهِدَ بِهِ أَنَّهُ وَصَلَ بَيْتَ بِنَائِهِ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ وَلَا يَضُرُّهُ إنْكَارُهُ إذْ لَوْ أَقَرَّ بِوُصُولِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا غَابَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِي؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ قَامَتْ فِي الْقَضِيَّةِ لَوْ أَقَرَّ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَهَا بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ حَقًّا طُلِبَ بِهِ ثُمَّ لَمَّا ثَبَتَ عَلَيْهِ ادَّعَى الْبَرَاءَةَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِنَفْسِ الثَّبَاتِ قَبْلَ الْإِنْكَارِ أَوْ بَعْدَهُ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ وَهَذَا لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ، وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ وَوَقَعَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِيهِ نِزَاعٌ وَرَاقَ مَا ذَكَرْته فَأَرَدْت مَعْرِفَةَ رَأْيِك الْعَلِيِّ فِي ذَلِكَ مَأْجُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(فَأَجَابَ) تَصَفَّحْت سُؤَالَك وَاَلَّذِي ظَهَرَ لَك فِيهِ وَهُوَ الَّذِي أُرَاهُ وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي سِوَاهُ، فَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ سِوَى الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهَا شَيْئًا فِي حَيَاتِهَا، وَلَا بَعْدَ وَفَاتِهَا، وَلَا غَابَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ تَرِكَتِهَا وَلَا وُجِدَ لَهَا سِوَى مَا أَحْضَرَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ هِيَ أَتْلَفَتْ مَا جُهِّزَتْ بِهِ إلَيْهِ، أَوْ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهَا. اهـ.
وَفِي ذَوَيْ عَدْلٍ يُعَارِضَانِ ... مُبَرِّزًا أَتَى لَهُمْ قَوْلَانِ
وَبِالشَّهِيدَيْنِ مُطَرِّفٌ قَضَى ... وَالْحَلْفَ وَالْأَعْدَلَ أَصْبَغُ ارْتَضَى
يَعْنِي إذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَانِ أَحَدُهُمَا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَالْأُخْرَى بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ مُبَرِّزٍ أَعْدَلُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ فَهَلْ تُقَدَّمُ شَهَادَةُ الْعَدْلَيْنِ أَوْ شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْمُبَرِّزِ؟ ذَهَبَ مُطَرِّفٌ إلَى إعْمَالِ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ تَرْجِيحًا لَهَا عَلَى شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْمُبَرِّزِ مَعَ الْيَمِينِ. وَذَهَبَ أَصْبَغُ إلَى إعْمَالِ شَهَادَةِ الْمُبَرِّزِ الْأَعْدَلِ، مَعَ يَمِينِ الْقَائِمِ بِهَا. قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ وَظَاهِرٌ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ وَالْآخَرُ شَاهِدًا أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ فَلْيُقْضَ بِالشَّاهِدَيْنِ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ يُقْضَى بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ أَنَّهُ يُقْضَى بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْأَعْدَلِ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، دُونَ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ، وَبِهَذَا أَخَذَ أَصْبَغُ (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ أَحَقُّ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الَّذِي هُوَ أَعْدَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، إذْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ أَصْلًا، وَمَنْ لَا يَرَى التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ أَصْلًا فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ إذَا كَانَ أَعْدَلَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ
стр. 91
إغْرَاقٌ فِي الْقِيَاسِ اهـ.
وَقِدَمُ التَّارِيخِ تَرْجِيحٌ قُبِلْ ... لَا مَعَ يَدٍ وَالْعَكْسُ عَنْ بَعْضٍ نُقِلْ
وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَاكَ عِنْدَمَا ... لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ لَنَا بَيْنَهُمَا
يَعْنِي إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعَ، ابْنُ عَرَفَةَ تَقَرَّرَ صُورَةُ الْجَمْعِ مِثْلَ قَوْلِهَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَسْلَمْت لَك هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ سِوَاهُ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَأَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ، لَزِمَهُ أَخْذُ الثَّلَاثَةِ الْأَثْوَابِ فِي مِائَتَيْ إرْدَبٍّ اهـ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى التَّرْجِيحِ، وَالتَّرْجِيحُ يَكُونُ بِأَشْيَاءَ مِنْ جُمْلَتِهَا قِدَمُ التَّارِيخِ، فَإِنْ كَانَ تَارِيخُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَقْدَمَ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَدِيثَةِ التَّارِيخِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ بِحَدِيثَةِ التَّارِيخِ حَائِزًا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ بِمَحْضَرِ الْمُدَّعِي وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي سُكُوتِهِ عَنْهُ، فَتُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَحْدَثَ تَارِيخًا؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ قَاطِعٌ لِحُجَّتِهِ، وَقِيلَ بِعَكْسِ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ التَّارِيخُ الْمُتَأَخِّرُ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا يَمْلِكُ الْأَمَةَ مُنْذُ عَامٍ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِآخَرَ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُنْذُ عَامَيْنِ، فَإِنِّي أَقْضِي بِبَيِّنَةِ أَبْعَدِ التَّارِيخَيْنِ إنْ عُدِّلَتْ وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلَ، وَلَا أُبَالِي بِيَدِ مَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ إلَّا أَنْ يَحُوزَهَا الْأَقْرَبُ تَارِيخًا بِالْوَطْءِ وَالْخِدْمَةِ وَالِادِّعَاءِ لَهَا بِمَحْضَرِ الْآخَرِ، فَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَاهُ فِيهَا وَفِيهِ أَيْضًا. عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ قَالَ أَشْهَبُ فِي عَبْدٍ بِيَدِ رَجُلٍ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ عَبْدُهُ مُنْذُ عَامَيْنِ، وَأَقَامَ حَائِزُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، قُضِيَ بِهِ لِصَاحِبِ السَّنَتَيْنِ إلَّا أَنْ يَحُوزَهُ الْآخَرُ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ بِمَحْضَرِ هَذَا وَعِلْمِهِ فَأَقْضِي لَهُ بِهِ، قَالَ: وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ الْحَائِزُ بَيِّنَةً أَنَّهُ فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ لَهُ قَالَ: أُرَاهُ لِمَنْ شَهِدُوا لَهُ أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْآخَرِ بَيِّنَةٌ بِالْحَوْزِ لَهُ عَلَى الْآخَرِ بِوَجْهِ الْمِلْكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
(قَالَ اللَّخْمِيُّ) : وَإِنْ وُرِّخَتَا قُضِيَ لِلْأَقْدَمِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ تَحْتَ يَدِ ثَالِثٍ أَوْ لَا يَدَ عَلَيْهَا. اهـ فَقَوْلُهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَ يَدِ أَحَدِهِمَا صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ يَدِ صَاحِبِ التَّارِيخِ الْأَحْدَثِ فَإِنَّهُ يُقْضَى لِلْأَقْدَمِ وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ الْأَحْدَثِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَالْعَكْسُ عَنْ بَعْضٍ نُقِلَ " فَمُرَادُهُ بِالْعَكْسِ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْأَقْدَمِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِيَدِ صَاحِبِ الْأَحْدَثِ، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ تَقْدِيمُ ذَاتِ التَّارِيخِ الْأَحْدَثِ عَلَى أَنَّ الْعَكْسَ الْحَقِيقِيَّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ صَاحِبِ التَّارِيخِ الْأَحْدَثِ وَلَوْ كَانَ الشَّيْءُ بِيَدِ صَاحِبِ التَّارِيخِ الْأَقْدَمِ، فَاسْتَظْهِرْ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّقْلِ.
стр. 92
وَالشَّيْءُ يَدَّعِيهِ شَخْصَانِ مَعَا ... وَلَا يَدٌ وَلَا شَهِيدٌ يُدَّعَى
يُقْسَمُ مَا بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْقَسَمْ ... وَذَاكَ حُكْمٌ فِي السَّوَاءِ مُلْتَزَمْ
فِي بَيِّنَاتٍ أَوْ نُكُولٍ أَوْ يَدِ ... وَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي يَدٍ مُنْفَرِدِ
وَهُوَ لِمَنْ أَقَامَ فِيهِ الْبَيِّنَهْ ... وَحَالَةُ الْأَعْدَلِ مِنْهَا بَيِّنَهْ
يَعْنِي أَنَّ الشَّيْءَ إذَا ادَّعَاهُ شَخْصَانِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ أَصْلًا، أَوْ عَرَضًا، أَوْ حَيَوَانًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَتَرَجَّحُ بِهِ دَعْوَاهُ عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ، لَا بِيَدٍ أَيْ: حَوْزٍ وَلَا بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ جَمِيعَهُ لَهُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بَعْدَ حَلِفِهِمَا، هَذِهِ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَالشَّيْءُ يَدَّعِيهِ شَخْصَانِ مَعَا
إلَى قَوْلِهِ " بَعْدَ الْقَسَمِ " إلَّا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يُقْسَمُ فِي الْحَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ يُخْشَى فَسَادُهُ كَالْحَيَوَانِ، وَالرَّقِيقِ، وَالطَّعَامِ فَإِنَّهُ يُسْتَأْنَى بِهِ فَإِنْ يَأْتِيَا بِشَيْءٍ، وَخِيفَ عَلَيْهِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُخْشَى عَلَيْهِ الْفَسَادُ كَالدُّورِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : يُتْرَكُ حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِأَعْدَلَ مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُهُ، (ابْنُ الْقَاسِمِ) إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ، وَلَا يَأْتِيَا بِشَيْءٍ غَيْرَ مَا أَتَيَا بِهِ أَوَّلًا فَإِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ وَوَقْفَهُ ضَرَرٌ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَأَمَّا إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا بَعْضَهُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ جَمِيعِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ لَيْسَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا بَلْ كَانَ بِيَدِ شَخْصٍ آخَرَ لَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَصْلًا كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي عَفْوٍ مِنْ الْأَرْضِ فَإِنَّهُمَا يَحْلِفَانِ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الدَّعْوَى اتِّفَاقًا. قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا مِنْ كَوْنِ أَحَدِهِمَا ادَّعَى جَمِيعَهُ، وَالْآخَرُ بَعْضَهُ كَالنِّصْفِ فَقِيلَ: يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الدَّعْوَى أَيْضًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِيهِمَا فِيهِ فِي الْحِيَازَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ عَلَى الدَّعْوَى إمَّا اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ فَفِي كَيْفِيَّتِهِمَا قَوْلَانِ: (التَّوْضِيحُ) فَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: يُسْلَكُ فِيهَا مَسْلَكُ عَوْلِ الْفَرَائِضِ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمُتَدَاعَى فِيهِ، وَلِتَعَذُّرِ التَّرْجِيحِ وَصَارَا كَوَرَثَةٍ زَادَتْ الْإِسْهَامُ الْوَاجِبَةُ لَهُمْ عَلَى الْجَمِيعِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى التَّنَازُعِ فَمَنْ أَسْلَمَ شَيْئًا لِخَصْمِهِ سَقَطَ حَقُّهُ فِيهِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الدَّارَ كَامِلَةً، وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُعَالُ الْمُدَّعِي النِّصْفَ بِمِثْلِ نِصْفِ اثْنَيْنِ فَيُقْسَمُ الْمُدَّعَى فِيهِ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةٍ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثَانِ، وَعَلَى الثَّانِي: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بِالنِّصْفِ، ثُمَّ يُقْسَمُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا. اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ، وَقَدْ أَطَالَ فِيهَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَالتَّوْضِيحُ، فَعَلَيْك أَيَّهُمَا إنْ شِئْت وَذَاكَ حُكْمُ الْإِشَارَةِ لِقِسْمَةِ الْمُدَّعَى فِيهِ أَيْ: قِسْمَتُهُ حُكْمٌ مُلْتَزَمٌ فِي تَسَاوِي الْخَصْمَيْنِ، إمَّا فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَأَنْ يُقِيمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً مُسَاوِيَةً لِبَيِّنَةِ الْآخَرِ، وَإِمَّا فِي النُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ إذَا نَكَلَا مَعًا، وَإِمَّا فِي الْحَوْزِ بِحَيْثُ يَكُونُ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا مَعًا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: "
وَذَاكَ حُكْمٌ فِي السَّوَاءِ مُلْتَزَمْ ... فِي بَيِّنَاتٍ أَوْ نُكُولِ أَوْ يَدِ
فَالْمُرَادُ بِالْيَدِ الْحَوْزُ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ تَحْتَ يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِزِيَادَتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْحِيَازَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي يَدٍ مُنْفَرِدِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْفَرْعُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ، فِي قَوْلِهِ: " وَالْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى " فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ غَيْرُ الْحَائِزِ بِتَعَارُضِ دَلِيلِ الْحِيَازَةِ مَعَ الْبَيِّنَةِ بِالْمِلْكِ فَالْبَيِّنَةُ أَعْمَلُ مِنْ دَلِيلِ الْحِيَازَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَهُوَ لِمَنْ أَقَامَ فِيهِ الْبَيِّنَهْ
أَيْ لَا لِلْحَائِزِ الَّذِي لَا بَيِّنَةَ لَهُ فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْحِيَازَةِ وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَحَالَةُ الْأَعْدَلِ مِنْهَا بَيِّنَهْ
فَإِنْ تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ قُضِيَ بِالشَّيْءِ لِحَائِزِهِ، وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَا يَدَ " إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ مَعَ الْيَدِ لَا يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بَلْ يَكُونُ
стр. 93
لِصَاحِبِ الْيَدِ أَيْ: الْحَوْزُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّارِحُ: فَإِنْ اتَّفَقَ الْخَصْمَانِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَظًّا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لَكِنَّهُمَا يَجْهَلَانِهِ، فَهَلْ يَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الْفِقْهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهُ الْأَبْيَاتُ؟ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ فَأَجَابَ: أَمَّا الْقَاعِدَةُ الَّتِي جُهِلَ فِيهَا حَقُّ الْحَبْسِ وَقَدْرُهُ، وَقَدْرُ حَقِّ الْغَيْرِ، فَمَحْمَلُ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْلُومِ مَعَ جَهْلِ الْمِقْدَارِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى التَّسْوِيَةِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ، قَالَ أَبُو فَرَجٍ اهـ: بِاخْتِصَارٍ. .
[بَابُ الْيَمِينِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(ابْنُ عَرَفَةَ) وَالْيَمِينُ قَسَمٌ، أَوْ الْتِزَامٌ مَنْدُوبٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقَرَابَةُ، أَوْ مَا يَلْزَمُ بِإِنْشَاءٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ مُعَلَّقٍ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ اهـ فَقَوْلُهُ " قَسَمٌ " قَالَ جَلَالُ الدِّينِ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ مَا نَصُّهُ الْقَسَمُ مَصْدَرٌ لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى فِعْلِهِ، وَقِيَاسُهُ الْإِقْسَامُ وَهُوَ فِي عُرْفِ النُّحَاةِ جُمْلَةٌ إنْشَائِيَّةٌ يُؤَكَّدُ بِهَا أُخْرَى، لَا عَلَى جِهَةِ التَّبَعِيَّةِ، وَبِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ خَرَجَتْ الْإِنْشَائِيَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ نَحْوِ أَكْرِمْ زَيْدًا أَكْرِمْ زَيْدًا. اهـ (بَيَانُهُ) أَنَّ قَوْلَ الْقَائِل مَثَلًا: بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، فَجُمْلَةُ بِاَللَّهِ الَّتِي تَقْدِيرُهَا أُقْسِمُ بِاَللَّهِ جُمْلَةٌ إنْشَائِيَّةٌ أُكِّدَتْ بِهَا الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ لَأَفْعَلَنَّ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ الْتِزَامٌ مَنْدُوبٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةَ " لَمَّا دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: " الْتِزَامٌ مَنْدُوبٌ " النَّذْرُ كُلُّهُ عَلَى صَدَقَةِ دِينَارٍ مَثَلًا أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ: " غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ "؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِ الْيَمِينِ وَذَلِكَ كَقَوْلِك: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقُرْبَةَ الَّتِي هِيَ الْعِتْقُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ. وَغَيْرُ بِالرَّفْعِ صِفَةُ " الْتِزَامٌ "، وَقَوْلُهُ: " أَوْ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ " قَوْلُهُ " أَوْ مَا يَجِبُ " عَطْفٌ عَلَى " الْتِزَامٌ " فَتَكُونُ أَقْسَامُ الْيَمِينِ ثَلَاثَةً، وَيَجُوزُ عَطْفُهُ عَلَى " مَنْدُوبٌ " مَدْخُولٌ لِلِالْتِزَامِ، وَالْإِنْشَاءُ مَا يَقَعُ بِهِ مَدْلُولُهُ فَيَشْمَلُ نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ وَثَوْبِي صَدَقَةٌ، فَأَخْرَجَ الصَّدَقَةَ وَنَحْوَهَا بِقَوْلِهِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، وَلَفْظُ الْإِنْشَاءِ يَشْمَلُ الْمَنْدُوبَ كَأَنْتَ حُرٌّ، إلَّا أَنَّ هَذَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ، " أَوْ مَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ " يَعْنِي مِمَّا لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ لِئَلَّا يَتَدَاخَلَ مَعَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ. وَقَوْلُهُ: " مُعَلَّقٍ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ " مُعَلَّقٌ بِالْخَفْضِ صِفَةٌ لِإِنْشَاءٍ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَقَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقُ يَجِبُ بِالْإِنْشَاءِ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ بِأَمْرٍ وَهُوَ دُخُولُ الدَّارِ، وَالْمَقْصُودُ عَدَمُ الدُّخُولِ لَا الدُّخُولُ وَهَذَا الْحَدُّ هُوَ لِلْيَمِينِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَالْمَقْصُودُ فِي التَّرْجَمَةِ إنَّمَا هِيَ الْيَمِينُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الْخَصْمِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، كَمَا يَقُولُ بَعْدُ وَبِاَللَّهِ يَكُونُ الْحَلِفُ، وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ كَتَغْلِيظِهَا بِالْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ فِي اللِّعَانِ، وَحَالَةِ الْحَلِفِ مِنْ قِيَامٍ وَاسْتِقْبَالٍ مَثَلًا، وَتَقْسِيمِ الْيَمِينِ وَمَا يُقْلَبُ مِنْهَا وَمَا لَا يُقْلَبُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَأَعْلَى تُقْتَضَى ... فِي مَسْجِدِ الْجَمْعِ الْيَمِينُ بِالْقَضَا
وَمَا لَهُ بَالٌ فَفِيهِ تَخْرُجُ ... إلَيْهِ لَيْلًا غَيْرُ مَنْ تَبَرَّجُ
وَقَائِمًا مُسْتَقْبِلًا يَكُونُ ... مَنْ اُسْتُحِقَّتْ عِنْدَهُ الْيَمِينُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ يَمِينٌ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْتَضِيَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَيُقْضَى عَلَى الَّذِي تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ، اللَّهُمَّ إلَّا إذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِأَنْ يُحَلِّفَهُ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ فَلَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ كَانَ رَجُلًا فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً مِمَّنْ تَخْرُجُ نَهَارًا فَكَالرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِاللَّيْلِ خَرَجَتْ لَيْلًا وَحَلَفَتْ فِي الْجَامِعِ فِيمَا لَهُ بَالٌ مِنْ الْمَالِ، وَفَسَّرَهُ اللَّخْمِيُّ
стр. 94
بِالدِّينَارِ فَأَكْثَرَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَمَا لَهُ بَالٌ " أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْرُجُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ بَلْ فِي أَكْثَرَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ، اللَّخْمِيِّ (وَفِي التَّوْضِيحِ) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهَا تَخْرُجُ لِرُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (الْمَازِرِيُّ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَيْتِ الثَّالِثِ كَيْفِيَّةَ الْحَلِفِ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْيَمِينِ مِنْهُ فَذَكَرَ أَنَّهُ يَكُونُ قَائِمًا لَا جَالِسًا مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ لَا غَيْرَ مُسْتَقْبِلِهَا وَهَذَا أَيْضًا فِي الْيَمِينِ الَّتِي فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْيَمِينِ لِلْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودُ الْيَمِينُ الْمُتَقَدِّمُ قَرِيبًا، (قَالَ الشَّارِحُ) : وَإِذَا كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، إذَا بَلَغَتْ النِّصَابَ فَأَحْرَى أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ الْبَدَنِيَّةِ لِحَلِّ الْعِصَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: يَحْلِفُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَبْلُغُ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَأَمَّا الشَّيْءُ التَّافِهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِي مَقَامِهِ وَحَيْثُ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ، (قَالَ مَالِكٌ) وَيَحْلِفُونَ قِيَامًا وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ فَإِنَّمَا يَحْلِفُ فِيهِ فِي جَامِعِ بَلَدِهِ فِي أَعْظَمِ مَوَاضِعِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ. اهـ مِنْ الشَّارِحِ.
زَادَ الْمَوَّاقُ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ لِسَحْنُونٍ: إنَّ ابْنَ عَاصِمٍ كَانَ يُحَلِّفُ النَّاسَ بِالطَّلَاقِ فَمِنْ أَيْنَ أَخَذَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ إلَخْ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَكَانَ سَحْنُونٌ لَا يَقْبَلُ الْوَكِيلَ مِنْ الْمَطْلُوبِ إلَّا إذَا كَانَ مَرِيضًا، أَوْ امْرَأَةً وَيَقْبَلُهُ مِنْ الطَّالِبِ فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ مَالِكٌ كَانَ يَقْبَلُهُ مِنْهُمَا فَقَالَ: قَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ إلَخْ اهـ وَعَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ
стр. 95
كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ، وَالنَّاظِمُ ذَهَبَ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِقْبَالِ لِجَرَيَانِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَانْظُرْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ، اسْتِنَادًا لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ إلَخْ فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَقْضِيَةُ الْمُبَاحَةُ الَّتِي يُتَحَيَّلُ بِهَا عَلَى دَفْعِ الظَّالِمِ عَنْ الْمَظْلُومِ، وَسَدِّ أَوْجُهِ الْحِيَلِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ، مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ شَرْعًا لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ شَرْعًا، فَإِنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ مَمْنُوعٌ أَوْ مَكْرُوهٌ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الطَّلَاقَ، وَالْعَتَاقَ مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ، وَالْعُقُوبَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِالْمَعْصِيَةِ تَكْثِيرٌ لَهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَانْظُرْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَنْعُ الْمَطْلُوبِ مِنْ التَّوْكِيلِ فَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ النَّاظِمُ فِي الْوَكَالَةِ،
وَجَازَ لِلْمَطْلُوبِ أَنْ يُوَكِّلَا
.. إلَخْ (قَالَ الشَّارِحُ) : وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَحْلِفُ فِي الْجَامِعِ فِي أَعْظَمِ مَوَاضِعِهِ هُوَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُلَاحَظَ فِي الْوَقْتِ لِكَوْنِ الْوَاقِعِ لِأَكْثَرِ مُوَثِّقِي الزَّمَانِ أَنَّهُمْ يُحَلِّفُونَ حَيْثُ تَأَتَّى لَهُمْ وَلَا أَعْلَمُ مُسْتَنَدًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ جَهْلٌ بِالْفِقْهِ (وَفِي التَّهْذِيبِ) وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فِيمَا لَهُ بَالٌ مِنْ الْحُقُوقِ فَتَحْلِفُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ نَهَارًا فَلْتَخْرُجْ لَيْلًا وَتَحْلِفُ فِي الْيَسِيرِ فِي بَيْتِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ وَيَبْعَثُ الْقَاضِي إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَيُجْزِئُ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَأُمُّ الْوَلَدِ مِثْلُ الْحُرَّةِ فِيمَنْ تَخْرُجُ أَوْ لَا تَخْرُجُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ وَجَّهَهُ الْقَاضِي لِلتَّحْلِيفِ فَلَا إعْذَارَ فِيهِ وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ.
(فَرْعٌ) مَنْ كُلِّفَ فِيمَا لَهُ بَالٌ أَنْ يَحْلِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَقَالَ: أَحْلِفُ فِي مَكَانِي فَهُوَ كَنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ فِي مَقْطَعِ الْحُقُوقِ، غُرِّمَ مَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، (قَالَ ابْنُ يُونُسَ) : " يُرِيدُ بِهِ يَمِينَ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ " (قَالَ مَالِكٌ) : " مَنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَهُوَ كَالنَّاكِلِ عَنْ الْيَمِينِ " (قَالَ الشَّارِحُ) : " يُرِيدُ مَالِكٌ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ". ﷺ (فَرْعٌ) أَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي قَوْمٍ لَا جَامِعَ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ حَيْثُ هُمْ، وَلَا يُجْلَبُونَ إلَى الْجَامِعِ، (وَأَجَابَ التَّازَغْدَرِيُّ) " أَنَّهُمْ يُجْلَبُونَ إلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ عَلَى مِقْدَارِ مَسَافَةِ الْجُمُعَةِ " صَحَّ مِنْ آخِرِ السِّفْرِ الْخَامِسِ مِنْ الْمِعْيَارِ. .
وَهْيَ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ فِي الْأَعْرَفِ ... عَلَى وِفَاقِ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ
يَعْنِي أَنَّ الْيَمِينَ الْوَاجِبَةَ بِالشَّرْعِ هِيَ الَّتِي يُحْكَمُ بِهَا عَلَى مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ " وَإِنْ تَعَدَّدَتْ " أَيْ تَنَوَّعَتْ إلَى: يَمِينِ تُهْمَةٍ، وَيَمِينِ قَضَاءٍ، وَيَمِينِ مُنْكِرٍ، وَيَمِينِ كَمَالِ النِّصَابِ فَإِنَّهَا كُلَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ أَيْ: الطَّالِبِ لِلْحَلِفِ، وَهُوَ الْمَحْلُوفُ لَهُ، فَمَنْ طَلَبَ دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ فَحَلَفَ الْغَرِيمُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ، وَنَوَى حَاضِرًا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : " وَعَبَّرَ الشَّيْخُ بِأَعْرَفَ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ ". وَأَمَّا الْيَمِينُ الَّتِي فِي غَيْرِ وَثِيقَةِ حَقٍّ فَإِنْ كَانَتْ بِاَللَّهِ فَهِيَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ طَلَاقٍ، أَوْ عَتَاقٍ فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قِيلَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، وَقِيلَ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ، ثَالِثُهَا إنْ تَبَرَّعَ بِهَا فَعَلَى نِيَّتِهِ، وَإِنْ طُلِبَتْ مِنْهُ فَعَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ، هَذَا حَاصِلُ مَا عِنْدَ
стр. 96
ابْنِ الْحَاجِبِ.
(قَالَ الشَّارِحُ مَا حَاصِلُهُ) : إنَّ إطْلَاقَ النَّاظِمِ فِي كَوْنِ الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْيَمِينِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ يَدَيْ الْحُكَّامِ، وَكُلُّهَا عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَمَا يَقِلُّ حَيْثُ كَانَ يَحْلِفُ ... فِيهِ وَبِاَللَّهِ يَكُونُ الْحَلِفُ
يَعْنِي: أَنَّ الْحَقَّ تَتَوَجَّهُ بِسَبَبِهِ الْيَمِينُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، فَإِنَّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَحْلِفُ حَيْثُ كَانَ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَعْنِي: وَكَيْفَ كَانَ أَيْضًا قَائِمًا أَوْ جَالِسًا مُسْتَقْبِلًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ.
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ) قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: " وَيُسْتَحْلَفُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ قَائِمِينَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ فِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ مِنْبَرِهِ ﷺ ، وَبِغَيْرِهَا فِي مَسْجِدِهِمْ الْأَعْظَمِ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ مِنْهُ عِنْدَ مِنْبَرِهِمْ، وَتِلْقَاءِ قِبْلَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحَقُّ رُبُعَ دِينَارٍ حَلَفُوا جُلُوسًا إنْ أَحَبُّوا، أَوْ يَحْلِفُ الرَّجُلُ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ فِي مَكَانِهِ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا وَلَا تَخْرُجُ فِي ذَلِكَ. اهـ
وَالشَّاهِدُ قَوْلُهُ " فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحَقُّ رُبْعَ دِينَارٍ " إلَخْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَا يَقِلُّ حَيْثُ كَانَ يَحْلِفُ
فِيهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَبِاَللَّهِ يَكُونُ الْحَلِفُ " فَهُوَ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ، كَانَ الْحَقُّ رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ أَقَلَّ، وَفِي تَقْدِيمِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي الْبَيْتِ إشَارَةٌ إلَى الْحَصْرِ، وَإِنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ بِهَذَا اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْجَلَالَةِ لَا بِغَيْرِهِ مِمَّا يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ فِي غَيْرِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ: كَالْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ وَأَحْرَى مِمَّا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ كَالنَّبِيِّ، وَالْكَعْبَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ يُزَادُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَفِي الْقَسَامَةِ، وَاللِّعَانِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
(التَّوْضِيحُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ وَوَصْفِهِ بِاَلَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ.
(الْمَازِرِيُّ) وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصُ عِنْدَ جَمِيعِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ أَشْهَبُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَجْزَأَهُ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ (اللَّخْمِيُّ) : الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ الْإِجْزَاءُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَاخْتَارَهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ فِي أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ. اهـ وَاقْتِصَارُ النَّاظِمِ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ كَأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ
стр. 97
اللَّخْمِيِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّخْمِيَّ بَحَثَ مَعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: أَثَرُ تَعْلِيلِ اللَّخْمِيِّ إجْزَاؤُهَا بِأَنَّهَا يَمِينٌ تُكَفَّرُ، مَا نَصُّهُ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّهَا يَمِينٌ تُكَفَّرُ أَنْ تُجْزِئَ فِي الْحُقُوقِ لِاخْتِصَاصِ يَمِينِ الْخُصُومَةِ بِالتَّغْلِيظِ. اهـ (قَالَ الشَّارِحُ) : وَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاضِحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ. اهـ (فَرْعٌ) مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَوَهَبَهُ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ، فَشَهِدَ لِلْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَالْيَمِينُ الَّتِي مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ: لَا أَحْلِفُ وَيَنْتَفِعُ غَيْرِي، قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ. اهـ.
وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي الْيَهُودِ ... مُنَزِّلِ التَّوْرَاةِ لِلتَّشْدِيدِ
كَمَا يَزِيدُ فِيهِ لِلتَّثْقِيلِ ... عَلَى النَّصَارَى مُنْزِلِ الْإِنْجِيلِ
وَجُمْلَةُ الْكُفَّارِ يَحْلِفُونَ ... أَيْمَانَهُمْ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ
يَعْنِي: أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ زَادَ فِي يَمِينِ الْيَهُودِ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مُنَزِّلِ التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى، وَفِي يَمِينِ النَّصَارَى يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ: بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مُنَزِّلِ الْإِنْجِيلِ عَلَى عِيسَى لِقَصْدِ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ وَالتَّخْوِيفِ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالتَّثْقِيلِ وَهَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا يَزِيدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقُولُ: بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَطْ، وَيَكُونُ حَلِفُهُمْ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ، وَمَوَاضِعِ تَعْظِيمِهِمْ.
(قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ) قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: رَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: " يَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مُنَزِّلِ التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى، وَالنَّصَارَى بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مُنَزِّلِ الْإِنْجِيلِ عَلَى عِيسَى، قَالَ: وَمِنْ الْكُفَّارِ مَنْ لَا يَحْلِفْ بِمَا يَحْلِفْ بِهِ الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ مَا يُقِرُّ بِهِ أَهْلُ التَّوْحِيدِ، وَيَحْتَجُّ بِأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ دِينِهِ لِيَمِينٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَيُحْتَاطُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ مَا لَيْسَ يُخْرِجُهُ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ، وَلَا يَحْلِفُ بِكُفْرِهِ "، قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مَجُوسِيَّةٍ أَسْلَمَ زَوْجُهَا فَلَاعَنَتْ فَقَالَتْ: أَقُولُ وَالنَّارِ وَلَا أَحْلِفُ بِاَللَّهِ، فَقَالَ: لَا تَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ. وَأَرَى يَمِينَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ عَلَى مَا رَوَى الْوَاقِدِيُّ حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِذَلِكَ حَلَفَ بِحَقٍّ، وَفِيهِ تَغْلِيظٌ، وَزَادَ فِي يَمِينِ الْيَهُودِيِّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ؛ لِأَنَّهُمْ يُوَحِّدُونَ، وَفِي يَمِينِ الْمَجُوسِيِّ بِاَللَّهِ إنْ أَطَاعَ حَسَنٌ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ بِالْحَقِّ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ مِنْهُ، وَيُرْهَبُ بِالْيَمِينِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَظِّمُهُ مِنْ دِينِهِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى اسْتِخْرَاجِ مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُرْهَبَ عَلَيْهِ بِالْمَوْضِعِ فَيَحْلِفُ فِي بَيْتِ نَارِهِ، وَيَحْلِفُ الْآخَرُونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَلَا بَيْنَ الْيَمِينِ بِمَا يُعَظِّمُونَ. اهـ.
وَاسْتَشْكَلَ الشَّارِحُ هَذَا الْقَوْلَ، (الْمُدَوَّنَةُ) لَا يَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي حَقٍّ أَوْ لِعَانٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بِاَللَّهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، أَوْ الْإِنْجِيلَ (ابْنُ مُحْرِزٍ) وَظَاهِرُهَا أَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ (ابْنُ شَبْلُونٍ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُوَحِّدُونَ وَلَا يُكَلَّفُونَ مَا لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَحْلِفُونَ الْيَمِينَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إيمَانًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو عُلَمَائِنَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِحْلَافُ الْمَجُوسِ بِاَللَّهِ وَهُمْ يَنْفُونَ الصَّانِعَ. (عِيَاضٌ) فَرَّقَ غَيْرُ ابْنِ شَبْلُونٍ بَيْنَ الْيَهُودِ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ (الْمُدَوَّنَةُ) يَحْلِفُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِمْ وَحَيْثُ يُعَظِّمُونَ، وَيَحْلِفُ الْمَجُوسُ فِي بَيْتِ نَارِهِمْ وَحَيْثُ يُعَظِّمُونَ. اهـ (قَالَ الشَّارِحُ) : وَقَدْ كَانَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ الْآبِدِيُّ - حَفِظَهُ اللَّهُ - أَيَّامَ اسْتِخْلَافِهِ عَلَى قَضَاءِ الْجَمَاعَةِ بِالْحَضْرَةِ يُغَلِّظُ عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْهُ اللَّدَدَ مِنْ الْيَهُودِ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ غَرِيمُهُ ذَلِكَ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْيَهُودُ
стр. 98
بِالْجَلْجَلَةِ فَيَأْمُرُ بِذَلِكَ، وَكَثِيرٌ مَا كَانُوا يَنْكُلُونَ عَنْ الْيَمِينِ بِهَا وَيُسْتَخْرَجُ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ عِنْدَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَ ظَاهِرَ الْعَزْمِ عَلَى الْيَمِينِ دُونَهَا، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ رَأْيِ اللَّخْمِيِّ الْإِرْهَابُ عَلَيْهِمْ بِمَا يُعَظِّمُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى بَيْتِ نَارِ الْمَجُوسِيِّ. .
وَمَا كَمِثْلِ الدَّمِ وَاللِّعَانِ ... فِيهِ تَحَرِّي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ
يَعْنِي أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْأَيْمَانِ فِي الْأُمُورِ الْعِظَامِ كَمِثْلِ: الدِّمَاءِ، وَاللِّعَانِ، وَالْمَالِ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ تُغَلَّظُ فِيهِ الْيَمِينُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ مَعًا، فَيُزَادُ فِي التَّغْلِيظِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى مَا بَلَغَ رُبْعَ دِينَارٍ اعْتِبَارُ الزَّمَانِ أَيْضًا، (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) عَنْ الْبَاجِيِّ: وَقَدْ يُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ، رَوَى ابْنُ كِنَانَةَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: يَتَحَرَّى فِي أَيْمَانِهِمْ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ، وَالدِّمَاءِ، وَاللِّعَانِ وَقْتًا يَحْضُرُهُ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيَجْتَمِعُونَ لِلصَّلَاةِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَالٍ وَحَقٍّ فِي كُلِّ حِينٍ. اهـ وَالْمَقْصُودُ فِي الْبَيْتِ التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ، وَأَمَّا بِالْمَكَانِ فَلَيْسَ إلَّا الْجَامِعُ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَهِيَ يَمِينُ تُهْمَةٍ أَوْ الْقَضَا ... أَوْ مُنْكِرٍ أَوْ مَعَ شَاهِدٍ رِضَا
يَعْنِي أَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) يَمِينُ التُّهْمَةِ وَهِيَ اللَّازِمَةُ فِي الدَّعْوَى غَيْرِ الْمُحَقَّقَةِ، وَفِي تَوَجُّهِهَا خِلَافٌ يَأْتِي.
(الثَّانِي) يَمِينُ الْقَضَاءِ اسْتَحْسَنَهَا الْفُقَهَاءُ احْتِيَاطًا عَلَى حِفْظِ مَالِ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ إمَّا فِي الْحَالِ كَالْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ، أَوْ فِي الْمَآلِ كَالْمَيِّتِ، فَهِيَ لِرَدِّ دَعْوَى مُقَدَّرَةٍ لَا حَاصِلَةٍ أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ فَرْضِ دَعْوَى الْغَرِيمِ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْحَقِّ، وَكَذَلِكَ يَمِينُ الِاسْتِحْقَاقِ الْوَاجِبَةُ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ، فَإِنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ فَرْضِ دَعْوَى صَيْرُورَةِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ هِبَةً، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ، قَالَ الشَّارِحُ: أَوَّلَ فَصْلِ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ.
(الثَّالِثُ) : يَمِينُ الْمُنْكِرِ الَّتِي فِي مُقَابَلَةِ دَعْوَى الْمُدَّعِي مُحَقِّقًا لِدَعْوَاهُ.
(الرَّابِعُ) : يَمِينُ الْقَائِمِ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ فِي حَقٍّ مَالِيٍّ (قَالَ الشَّارِحُ) : وَفَائِدَةُ تَعْدَادِ هَذِهِ الْأَيْمَانِ أَنْ يُمَيِّزَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْأَحْكَامِ مِثْلُ: كَوْنِهَا تُقْلَبُ أَوْ لَا، أَوْ تَجِبُ أَوْ سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْعَوَارِضِ اللَّاحِقَةِ لَهَا حَسْبَمَا يَتَّضِحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ -. وَالْأَصْلُ فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ، وَيَمِينِ الْقَضَاءِ عِنْدَهُمْ الِاسْتِحْسَانُ حَسْبَمَا يَأْتِي لِابْنِ رُشْدٍ وَلِغَيْرِهِ فِيهِمَا، وَمِنْ
стр. 99
أُصُولِ الْفُتْيَا لِابْنِ حَارِثٍ كُلُّ مَنْ قُضِيَ لَهُ عَلَى غَائِبٍ، أَوْ مَيِّتٍ أَوْ طِفْلٍ يَحْلِفُ لَمْ يَقْتَضِ، وَلَمْ يَضَعْ وَلَمْ يَحِلَّ وَهَذِهِ الْيَمِينُ تُسَمَّى يَمِينَ الْقَضَاءِ، وَالْأَصْلُ فِي يَمِينِ الْمُنْكِرِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَالْأَصْلُ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي بِالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
وَتُهْمَةٌ إنْ قَوِيَتْ بِهَا تَجِبْ ... يَمِينُ مَتْهُومٍ وَلَيْسَ تَنْقَلِبْ
لَمَّا ذَكَرَ أَقْسَامَ الْيَمِينِ مُجْمَلَةً أَرَادَ الْآنَ ذِكْرَهَا مُفَصَّلَةً يَذْكُرُ أَحْكَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَأَخْبَرَ أَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ تَجِبُ إنْ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ، وَلَا تَجِبُ مَعَ ضَعْفِهَا، وَإِذَا وَجَبَتْ فَلَا تَنْقَلِبُ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ الدَّعْوَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَا يُكَلَّفُ بِالْحَلِفِ عَلَى مَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ (فَقَدْ) سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ يَمِينِ التُّهْمَةِ فَقَالَ: أَمَّا يَمِينُ التُّهْمَةِ وَهِيَ الدَّعْوَى الَّتِي لَمْ تُحَقَّقْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي لُحُوقِهَا ابْتِدَاءً وَاخْتُلِفَ إذَا لَحِقَتْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَلْحَقُ هَلْ تَرْجِعُ، أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ لَا تَجِبَ الْيَمِينُ إلَّا بِتَحْقِيقِ الدَّعْوَى لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَإِيجَابُهَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْأَظْهَرُ إذَا وَجَبَتْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَجِبُ أَنْ يَحِقَّ الْحَقُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ دُونَ أَنْ تَرْجِعَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، إذْ لَا يُكَلَّفُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَا يَعْرِفُ، وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ فِي هَذَا أَنْ تَلْحَقَ يَمِينُ التُّهْمَةِ إذَا قَوِيَتْ، وَتَسْقُطُ إذَا ضَعُفَتْ وَلَا تَرْجِعُ إذَا لَحِقَتْ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : مُعْتَمَدُ الشَّيْخِ ﵀ فِي هَذَا الْبَيْتِ هُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ. .
وَلِلَّتِي بِهَا الْقَضَا وُجُوبُ ... فِي حَقِّ مَنْ يُعْدَمُ أَوْ يَغِيبُ
وَلَا تُعَادُ هَذِهِ الْيَمِينُ ... بَعْدُ وَإِنْ مَرَّ عَلَيْهَا حِينُ
اشْتَمَلَ الْبَيْتُ الْأَوَّلُ عَلَى مَسْأَلَةٍ وَهِيَ: بَيَانُ بَعْضِ مَنْ تَجِبُ فِي حَقِّهِ يَمِينُ الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ: إذَا حَلَفَ يَمِينَ الْقَضَاءِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَأَخَّرَ اقْتِضَاؤُهُ لِلدَّيْنِ فَهَلْ تُعَادُ أَمْ لَا فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ (الْأُولَى) فَاعْلَمْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَوْجَبُوا يَمِينَ الْقَضَاءِ عَلَى طَالِبِ مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُرَادُهُ بِمَنْ يُعْدَمُ أَوْ غَابَ احْتِيَاطًا عَلَى أَمْوَالِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ لِكَوْنِهِمَا فِي الْحَالِ لَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ مِنْهُمَا، إمَّا مُطْلَقًا كَالْمَيِّتِ، أَوْ مَعَ إمْكَانِ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْغَائِبِ وَشِبْهِهِ فَقَدَّرَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَرْضِ حُضُورِهِمَا أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ قَضَى غَرِيمَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، فَإِنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ الطَّالِبِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
(وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَهِيَ إذَا حَلَفَ هَذِهِ الْيَمِينَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ ثَانِيَةً، وَلَا يُطَالَبُ بِإِعَادَتِهَا، وَإِنْ مَرَّ عَلَى ذَلِكَ حِينٌ وَزَمَانٌ مَا لَمْ يَحْدُثْ مَا يُوجِبُهَا مِنْ اعْتِرَاضِ الشَّكِّ فِي بَاقِي الْحَقِّ مِثْلَ: مَا عُرِضَ أَوَّلًا فَإِنَّهَا تَجِبُ ثَانِيًا، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِعَوْدَةِ الْغَائِبِ مِنْ مَغِيبِهِ، وَإِقَامَتِهِ مُدَّةً بَعْدَ حَلِفِ طَالِبِهِ مَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْحُكْمِ، ثُمَّ تَعْرِضُ لَهُ غَيْبَةٌ ثَانِيَةٌ فَإِنَّ يَمِينَ الْقَضَاءِ
стр. 100
تَجِبُ هُنَا؛ لِتَجَدُّدِ مَا يُوجِبُهَا مِنْ الشَّكِّ فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ.
(قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : وَشَرْطُ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ - يَمِينُهُ عَلَى بَقَاءِ دَيْنِهِ إلَى حِينِ الْحُكْمِ لَهُ بِذَلِكَ.
(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ) : هَذِهِ الْيَمِينُ لَا نَصَّ عَلَى وُجُوبِهَا لِعَدَمِ الدَّعْوَى بِمَا يُوجِبُهَا إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ رَأَوْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْسَانِ احْتِيَاطًا لِلْغَائِبِ وَحِفْظًا عَلَى مَالِهِ لِلشَّكِّ فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ أَوْ سُقُوطِهِ عَنْهُ.
(وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) يَحْلِفُ بِحَيْثُ يَجِبُ الْحَلِفُ قَائِمًا، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي ثَبَتَ لِي عَلَيْهِ عِنْدَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ صَاحِبِ أَحْكَامِ كَذَا، وَلَا قَبَضْت عَنْهُ شَيْئًا، وَلَا اسْتَحَلْت عَلَى أَحَدٍ، وَلَا أَحَلْت بِهِ أَحَدًا، وَلَا وَهَبْتُهُ لَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا قَدَّمْت أَحَدًا يَقْتَضِيهِ مِنْهُ وَإِنَّهُ لِبَاقٍ عَلَيْهِ إلَى يَمِينِي هَذِهِ.
(وَأَمَّا) الْمَيِّتُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ مَا دَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِصِفَتِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِالدُّيُونِ إلَّا بَعْدَ اسْتِحْلَافِ الطَّالِبِ لَهُمْ؛ لِكَوْنِ الْمَيِّتِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَدَّعِيَ قَضَاءَ الدَّيْنِ، وَكَذَا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ مَا دَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصِفَتِهِ صَحَّ مِنْ الشَّارِحِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ الطَّالِبُ هَذِهِ الْيَمِينَ وَتَأَخَّرَ اقْتِضَاؤُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً لِجَمِيعِ مَالِ الْغَائِبِ، وَبَيْعِ عَقَارِهِ لِاحْتِمَالِ سُقُوطِ الدَّيْنِ فَتُعَادُ الْيَمِينُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَدِينُ حَاضِرًا وَادَّعَى ذَلِكَ عَلَى الطَّالِبِ فَأَحْلَفَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ تَنْفِيذُ الْقَضَاءِ لِطُولِ بَيْعِ رَبْعِهِ، ثُمَّ ادَّعَى الطَّالِبُ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَلِّفُهُ ثَانِيًا إلَى أَنْ قَالَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا تُعَادُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا كَانَ حَاضِرًا فَادَّعَى أَنَّهُ قَضَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ بِنَصِّ قَوْلِهِ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» بِخِلَافِ الْيَمِينِ لِلْغَائِبِ فَلَا نَصَّ عَلَى وُجُوبِهَا. اهـ.
وَإِلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إنَّهُ لَوْ حَلَفَ الطَّالِبُ هَذِهِ الْيَمِينَ إلَخْ، أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
وَلَا تُعَادُ هَذِهِ الْيَمِينُ
الْبَيْتَ ثُمَّ نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ " وَلَوْ تَأَخَّرَ الْقَضَاءُ بَعْدَ يَمِينِهِ إلَى أَنْ جَاءَ الْغَائِبُ فَأَقَامَ مَعَهُ مُدَّةً، ثُمَّ غَابَ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْضَى حَقُّهُ حَتَّى يَحْلِفَ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الشَّكَّ هُنَا حَاصِلٌ كَمَا كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالدَّيْنُ الْمُنَجَّمُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى كُلِّ نَجْمٍ إلَّا أَنْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ فِي خِلَالِهِ، أَوْ تَبْعُدُ النُّجُومُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنَّهُ يُعَدُّ قَبْضُهُ النَّجْمَ الْأَوَّلَ مَضَى فَاقْتَضَى النَّجْمَ الثَّانِيَ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ اقْتَضَاهُ وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ حَلِفِهِ ثَانِيَةً إذَا حَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ لَهُ بِحَقٍّ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَاتٍ، وَقَالَ السَّائِلُ لَهُ عِيَاضٌ (قَالَ ابْنُ عَاتٍ) : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ قَبْلَ بَيْعِ رَبْعِ الْغَائِبِ، (قَالَ الشَّارِحُ) : وَقَدْ كُنْت نَظَرْت فِي مَسْأَلَةِ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ بِالظَّنِّ وَهِيَ يَمِينُ التُّهْمَةِ، وَمَسْأَلَةِ تَوَجُّهِ يَمِينِ الْقَضَاءِ نَظَرًا اقْتَضَى أَنْ قَيَّدْتُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مَا نَصُّهُ اُنْظُرْهُ فِيهِ إنْ شِئْت، وَلَوْ أَرَادَ النَّاظِمُ التَّنْبِيهَ عَلَى مَسْأَلَةِ ابْنِ رُشْدٍ: وَلَوْ تَأَخَّرَ الْقَضَاءُ بَعْدَ يَمِينِهِ إلَى أَنْ جَاءَ الْغَائِبُ إلَخْ، لَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا تُعَادُ هَذِهِ الْيَمِينُ " الْبَيْتَ فَقَالَ مَثَلًا:
إلَّا إذَا مَا حَدَثَ الشَّكُّ الَّذِي ... أَوْجَبَهَا مِنْ أَوَّلَ فَلْتَحْتَذِي
وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ وَلَا تُعَادُ إلَخْ. .
وَلِلْيَمِينِ أَيُّمَا إعْمَالِ ... فِيمَا يَكُونُ مِنْ دَعَاوَى الْمَالِ
إلَّا بِمَا عُدَّ مِنْ التَّبَرُّعِ ... مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَالِ عِنْدَ الْمُدَّعِي
وَفِي الْإِقَامَةِ ابْنُ عَتَّابٍ يَرَى ... وُجُوبَهَا لِشُبْهَةٍ مُعْتَبَرَا
وَهَذِهِ الْيَمِينُ حَيْثُ تُوجَبُ ... يَسُوغُ قَلْبُهَا وَمَا إنْ تُقْلَبُ
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ وَهِيَ يَمِينُ الْمُنْكِرِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَهَا عَمَلٌ، وَأَثَرٌ فِي دَعَاوَى الْمَالِ مِمَّا يَقْتَضِي عِمَارَةَ ذِمَّةٍ بَرِيَّةٍ، أَوْ بَرَاءَةَ ذِمَّةٍ مَعْمُورَةٍ فَتَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الطَّالِبِ فِي الثَّانِي وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ دَعْوَى الْمَالِ دَعْوَى التَّبَرُّعِ، وَأَنَّهَا لَا تُوجِبُ يَمِينًا وَذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِنْسَانُ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ وَهَبَهُ شَيْئًا، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ مَالِكُ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ
стр. 101
وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
إلَّا بِمَا عُدَّ مِنْ التَّبَرُّعِ
فَهُوَ مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِهِ:
وَلِلْيَمِينِ أَيُّمَا إعْمَالِ
الْبَيْتَ وَاحْتُرِزَ بِالتَّبَرُّعِ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْيَمِينَ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ دَعْوَى التَّبَرُّعِ الَّتِي تُوجِبُ الْيَمِينَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُدَّعَى هِبَتُهُ، أَوْ صَدَقَتُهُ تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعِي فِي وَقْتِ الدَّعْوَى فَإِنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى مَالِكِهِ أَنَّهُ مَا وَهَبَهُ، وَلَا تَصَدَّقَ بِهِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَالِ عِنْدَ الْمُدَّعِي
فَاسْمُ يَكُنْ يَعُودُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُدَّعَى هِبَتُهُ، أَوْ صَدَقَتُهُ فِي الْحَالِ أَيْ حَالِ الدَّعْوَى، وَالْمُدَّعِي هُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِزَعْمِهِ، وَلَمَّا دَخَلَ فِي دَعْوَى التَّبَرُّعِ الَّتِي لَا تُوجِبُ الْيَمِينَ دَعْوَى الْإِقَالَةِ.
وَكَانَ ابْنُ عَتَّابٍ يَرَى وُجُوبَ الْيَمِينِ فِيهَا لِشُبْهَةِ مَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " وَفِي الْإِقَالَةِ " الْبَيْتَ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ أَيْ: يَمِينَ الْإِنْكَارِ حَيْثُ تَتَوَجَّهُ يَجُوزُ قَلْبُهَا تَارَةً وَذَلِكَ حَيْثُ تَكُونُ الدَّعْوَى مُحَقَّقَةً، وَتَارَةً لَا يَجُوزُ قَلْبُهَا وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ، وَتُوجَبُ بِفَتْحِ الْجِيمِ مُضَارِعُ أَوْجَبَ مَبْنِيٌّ لِلنَّائِبِ وَإِنْ بَعْدَ مَا زَائِدَةٌ (ابْنُ عَرَفَةَ) الْبَاجِيُّ فِي تَرْجَمَةِ مَا يَجُوزُ مِنْ الْعَطِيَّةِ مَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ هِبَةً مُعَيَّنَةً، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ) عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَدَّعِي عَلَى رَبِّهِ أَنَّهُ وَهَبَهُ لَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْسِمَ قَسْمَةً أُخْرَى، إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بِغَيْرِ يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَاهِبِ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَيُصَحِّحُ هَذَا التَّقْسِيمَ أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ عَرَضًا بِيَدِ رَجُلٍ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : أَقُولُ مُعْتَمَدُ الشَّيْخِ ﵀ اسْتِثْنَاءُ التَّبَرُّعِ مِنْ الدَّعَاوَى الْمَالِيَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِيَدِ الْمُدَّعِي، هُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ ﵀ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقْسِمَ قَسْمَةً أُخْرَى، وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ دَعْوَى الْإِقَالَةِ وَنَحْوِهَا فَقَالَ: مَا هِيَ مِنْ دَعْوَى الْمَعْرُوفِ وَكَانَ بَيْنَ شُيُوخِنَا اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا أَنَّ الشَّيْءَ الْمُدَّعَى فِيهِ إنْ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي أَوْ كَانَ لَهُ بِهِ تَشَبُّثٌ وَجَبَتْ لَهُ الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ، وَلَا لَهُ بِهِ تَشَبُّثٌ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَمِينُ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لَهُ وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَتَّابٍ ﵀ يَقُولُ: لَا تَجِبُ الْيَمِينُ لِمُدَّعِي الْإِقَالَةَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشُبْهَةٍ تُقَوَّى بِهَا دَعْوَاهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ صَاحِبُهُ ابْنُ الْقَطَّانِ يُفْتِي أَنْ لَا يَمِينَ فِي ذَلِكَ إلَّا بِشُبْهَةٍ. اهـ بِاخْتِصَارٍ وَإِلَى قَوْلِ ابْنِ عَتَّابٍ وَابْنِ الْقَطَّانِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشُبْهَةٍ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: " لِشُبْهَةٍ مُعْتَبِرَا ". .
وَمُثْبِتٌ لِنَفْسِهِ وَمَنْ نَفَى ... عَنْهَا عَلَى الْبَتَاتِ يُبْدِي الْحَلِفَا
وَمُثْبِتٌ لِغَيْرِهِ ذَاكَ اكْتَفَى ... وَإِنْ نَفَى فَالنَّفْيُ لِلْعِلْمِ كَفَى
يَعْنِي أَنَّ الْحَالِفَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَحْلِفَ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يُثْبِتَ بِيَمِينِهِ شَيْئًا أَوْ يَنْفِيَهُ، فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ: فَإِنْ حَلَفَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ سَوَاءٌ أَثْبَتَ كَمَا إذَا قَامَ لَهُ شَاهِدٌ بِحَقٍّ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدٍ وَيَسْتَحِقُّ وَيَكُونُ حَلِفُهُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ نَفَى كَمَا إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى غَائِبٍ، أَوْ مَيِّتٍ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ حَتَّى يَحْلِفَ يَمِينَ الْقَضَاءِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ حَلَفَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنْ أَثْبَتَ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ أَيْضًا كَمَنْ قَامَ لَهُ شَاهِدٌ بِدَيْنٍ لِأَبِيهِ الْمَيِّتِ فَيَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْبَتِّ، أَنَّ لِأَبِيهِ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ الدَّيْنُ، وَإِنْ نَفَى فَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ
стр. 102
بِحَيْثُ يَجْزِمُ بِنَفْيِ مَا نَفَى وَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، كَمَا إذَا كَانَ لِأَبِيهِ الْمَيِّتِ دَيْنٌ عَلَى مَيِّتٍ، أَوْ غَائِبٍ فَيَحْلِفُ يَمِينَ الْقَضَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ اقْتَضَى ذَلِكَ الدَّيْنَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، فَيَمِينُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لَا عَلَى الْبَتِّ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ لِابْنِ يُونُسَ مَا نَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ فِي دَيْنٍ لِأَبِيهِ الْمَيِّتِ عَلَى الْبَتِّ، وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى عِلْمِهِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ أَبَاهُ أَنَّهُ قَبَضَ ذَلِكَ الدَّيْنَ، (قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ) : وَيَحْلِفُ الْكِبَارُ مَعَ شَاهِدِ وَالِدِهِمْ عَلَى الْبَتِّ فِي الدَّيْنِ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا قَبَضَهُ قَابِضٌ فَتَصِيرُ أَوَّلُ الْيَمِينَيْنِ عَلَى الْبَتِّ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى الْعِلْمِ، (وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ) ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِي يَأْتِي بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فِي حَقٍّ لِأَبِيهِ كَيْفَ يَحْلِفُ؟ أَعَلَى الْبَتِّ أَوْ عَلَى الْعِلْمِ؟ قَالَ عَلَى الْبَتَاتِ أَنَّهُ حَقٌّ وَلَكِنْ إنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أُحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ أَبَاهُ اقْتَضَاهُ وَيَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْحَقِّ بِالْبَتَاتِ، وَمَعَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْعِلْمِ (قَالَ الشَّارِحُ) : مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْبَتِّ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَثَانِيهمَا عَلَى الْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَعَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، أَوْ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ كِنَانَةَ اهـ وَنَقَلَ قَبْلَ هَذَا مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا شَهِدَ لَهُ عَدْلٌ وَاحِدٌ بِحَقِّهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ يَحْلِفُ وَيَبْقَى الشَّيْءُ بِيَدِهِ وَيُسَجَّلُ لَهُ بِذَلِكَ سِجِلًّا لِيَحْلِفَ إذَا بَلَغَ، ثُمَّ قَالَ قِيلَ: وَكَيْفَ يَحْلِفُ الصَّبِيُّ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ؟ قَالَ: لَا يَحْلِفُ حَتَّى يَعْلَمَ بِالْخَبَرِ الَّذِي يَتَيَقَّنُ بِهِ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ بِذَلِكَ وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَحَقٌّ. اهـ قَوْلُهُ: " وَمُثْبِتٌ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: حَالِفٌ مُثْبِتٌ وَذَلِكَ إشَارَةٌ لِلْبَتَاتِ وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ نَفَى " أَيْ: عَنْ غَيْرِهِ. .
وَالْبَالِغُ السَّفِيهُ بَانَ حَقُّهُ ... يَحْلِفُ مَعَ عَدْلٍ وَيَسْتَحِقُّهُ
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ لِكَمَالِ النِّصَابِ، يَعْنِي أَنَّ السَّفِيهَ الْبَالِغَ إذَا بَانَ حَقُّهُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ.
(قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ) قَالَ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي الَّذِي يَأْتِي بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى حَقِّهِ وَهُوَ كَبِيرٌ سَفِيهٌ مُوَلًّى عَلَيْهِ قَدْ احْتَلَمَ أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الصَّبِيِّ هَهُنَا فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ الْآخَرُ وَبَرِئَ وَلَمْ يَسْتَأْنِ بِهِ كَمَا يَسْتَأْنِي بِالصَّغِيرِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ كُلَّهُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ نَكَلَ السَّفِيهُ عَنْ الْيَمِينِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحْلِفُ فِيهِ مَعَهُ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّفِيهِ إذًا رُشْدٌ أَنْ يَحْلِفَ كَالْكَبِيرِ الْمَالِكِ أَمْرَ نَفْسِهِ اهـ.
وَتُرْجَأُ الْيَمِينُ حُقَّتْ لِلْقَضَا ... لِغَيْرِ بَالِغٍ وَحَقَّهُ اقْتَضَى
يَعْنِي أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ إذَا كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى مَيِّتٍ، أَوْ غَائِبٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ لَا يُقْتَضَى مِنْهُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي حَقَّهُ الْوَاجِبَ لَهُ الْآنَ، وَتُرْجَى الْيَمِينُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ إلَى بُلُوغِهِ فَإِنْ حَلَفَ بَقِيَ حَقُّهُ بِيَدِهِ وَتَمَّ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا رُدَّ الْحَقُّ إلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُ، (وَقَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَمَعْنَى تُرْجَأُ تُؤَخَّرُ وَحَقَّهُ مَفْعُولُ اقْتَضَى.
تَحْصِيلٌ: اعْلَمْ أَنَّ أَقْسَامَ الْيَمِينِ أَرْبَعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَلَّذِي تَتَوَجَّهُ
стр. 103
عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ: إمَّا رَشِيدٌ، أَوْ سَفِيهٌ بَالِغٌ، أَوْ صَغِيرٌ، فَالْأَقْسَامُ اثْنَا عَشَرَ مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةِ عِدَّةِ أَقْسَامِ الْيَمِينِ فِي ثَلَاثَةِ مَنْ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ فَالرَّشِيدُ يَحْلِفُ الْأَقْسَامَ الْأَرْبَعَةَ، وَالصَّبِيُّ لَا يَحْلِفُ الْآنَ وَاحِدًا مِنْهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا يَمِينُ الْإِنْكَارِ، وَالتُّهْمَةِ فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا يَمِينُ الْقَضَاءِ فَذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَنَّهَا تُؤَخَّرُ إلَى بُلُوغِهِ، وَأَمَّا يَمِينُ كَمَالِ النِّصَابِ فَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ حُكْمُ مَا إذَا شَهِدَ لَهُ عَدْلٌ وَاحِدٌ، وَأَمَّا السَّفِيهُ الْبَالِغُ فَيَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ، كَمَا ذَكَرَ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ هَذَا، وَفِي حَلِفِهِ الْآنَ يَمِينُ الْقَضَاءِ، وَتَأْخِيرُهَا لِخُرُوجِهِ مِنْ الْوِلَايَةِ قَوْلَانِ: (قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : فِي الْمَرْأَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا تَقُومُ بِكَالِئِهَا، الْمَشْهُورُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْلِفُ وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ أَنَّهَا تُرْجَى عَلَيْهَا الْيَمِينُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ الْوِلَايَةِ، لَا يَحْلِفُ يَمِينَ الْإِنْكَارِ، لَا يَمِينَ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَتَوَجَّهُ فِي الدَّعْوَى الَّتِي لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَا انْتَفَعَ الْمُدَّعِي وَهَذِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا فَلَا تُوجِبُ يَمِينًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَحَيْثُ عَدْلٌ لِلصَّغِيرِ شَهِدَا ... بِحَقِّهِ وَخَصْمُهُ قَدْ جَحَدَا
يَحْلِفُ مُنْكِرٌ وَحَقٌّ وَقَفَا ... إلَى مَصِيرِ خَصْمِهِ مُكَلَّفَا
وَحَيْثُ يُبْدِي الْمُنْكِرُ النُّكُولَا ... بَلَغَ مَحْجُورٌ بِهِ الْمَأْمُولَا
يَعْنِي أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا قَامَ لَهُ شَاهِدٌ بِحَقٍّ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ فَإِنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَحْلِفُ أَنْ لَا حَقَّ لِلصَّغِيرِ عِنْدَهُ، فَإِنْ نَكَلَ اقْتَضَى الصَّغِيرُ حَقَّهُ فِي الْحَالِ دُونَ يَمِينٍ، وَلَا يَحْلِفُ إذَا كَبِرَ، وَإِنْ حَلَفَ بَقِيَ الشَّيْءُ بِيَدِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الصَّغِيرُ، وَيَكْتُبَ الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ عَقْدًا بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، فَإِنْ بَلَغَ وَحَلَفَ أَخَذَ شَيْأَهُ، وَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ) : وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَإِذَا قَامَ لِلْمَيِّتِ شَاهِدٌ بِدَيْنٍ وَوَارِثُهُ صَغِيرٌ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ حَلَفَ تُرِكَ حَتَّى يَكْبُرَ الصَّبِيُّ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ، وَإِنْ نَكَلَ أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِهِ لَمْ يَحْلِفْ الْمَطْلُوبُ ثَانِيَةً، وَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ، أَوْ لَا غُرِّمَ وَيَكْتُبُ الْقَاضِي بِذَلِكَ قَضِيَّتَهُ وَيُشْهِدُ عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ؛ لِيُنَفِّذَهُ مِنْ بَعْدِهِ إنْ مَاتَ الشَّاهِدُ، وَإِنْ شَارَكَهُ وَارِثٌ كَبِيرٌ حَلَفَ الْكَبِيرُ وَاسْتَحَقَّ قَدْرَ حِصَّتِهِ، وَأُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ فَإِنْ نَكَلَ عُجِّلَ حَقُّ الطِّفْلِ إنْ كَانَ حَالًا، ثُمَّ لَا يَمِينَ عَلَى الصَّغِيرِ بَعْدَ كِبَرِهِ كَحُكْمٍ نَفَذَ، ثُمَّ نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ خِلَافًا فِي تَوْقِيفِ الْحَقِّ فَقَالَ: فَعَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ هَذَا لَا يَجِبُ تَوْقِيفُ الدَّيْنِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إذَا حَلَفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أُخِذَ
стр. 104
مِنْهُ الدَّيْنُ فَيُوقَفُ حَتَّى يَكْبَرَ الصَّغِيرُ فَيَحْلِفُ، وَيَأْخُذُهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا وَخِيفَ الْعُدْمُ، وَهُوَ فِي الْقِيَاسِ صَحِيحٌ إذًا، وَكَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَوَجَبَ تَوْقِيفُهُ، أَوْ بَيْعُهُ وَتَوْقِيفُ ثَمَنِهِ إنْ خُشِيَ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ إذَا وُقِفَ الدَّيْنُ، أَوْ الْعَرَضُ فَضَمَانُهُ مِنْ الصَّبِيِّ إنْ حَلَفَ وَمِنْ الْغَرِيمِ إنْ نَكَلَ وَلَمْ يَحْلِفْ.
(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : لَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إذَا نَكَلَ يُغَرَّمُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ إذَا بَلَغَ أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ كَالْإِقْرَارِ.
(فَرْعٌ) وَكَذَلِكَ وَكِيلُ الْغَائِبِ يُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى حَقِّ الْغَائِبِ فَيُقْضَى عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِالْيَمِينِ إلَى أَنْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ غُرِّمَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْغَائِبِ إذَا قَدِمَ أَنْ يَحْلِفَ. اهـ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاظِمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْجَارِي عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ مِنْ عَدَمِ التَّوْقِيفِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَحَقٌّ وُقِفَا " أَيْ: بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ كَانَ دَيْنًا، أَوْ شَيْئًا مُعَيَّنًا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَنِيًّا، أَوْ فَقِيرًا وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَحَلَفَ مَطْلُوبٌ لِيُتْرَكَ بِيَدِهِ وَيُسَجَّلَ لِيَحْلِفَ إذَا بَلَغَ. (فَرْعٌ) فِي الْعُتْبِيَّةِ يُشْبِهُ مَا تَقَدَّمَ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَيِّتِ يَثْبُتُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَجِدُ وَصِيُّهُ شَاهِدًا بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، وَالْوَرَثَةُ صِغَارٌ فَيَحْلِفُ الطَّالِبُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ، فَإِنْ حَلَفَ دُفِعَ إلَيْهِ الْمَالُ الْآنَ فَإِذَا كَبِرَ الصِّغَارُ حَلَفُوا وَاسْتَرْجَعُوا الْمَالَ. .
стр. 105
وَالْبِكْرُ مَعَ شَاهِدِهَا تُحَلَّفُ ... وَفِي ادِّعَاءِ الْوَطْءِ أَيْضًا تَحْلِفُ
وَفِي سِوَى الْمَشْهُورِ يَحْلِفُ الْأَبُ ... عَنْ ابْنِهِ وَحَلْفُ الِابْنِ مَذْهَبُ
يَعْنِي أَنَّ الْبِكْرَ الْبَالِغَ إذَا قَامَ لَهَا شَاهِدٌ بِحَقٍّ فَإِنَّهَا تَحْلِفُ مَعَهُ وَتَسْتَحِقُّ، وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّفِيهِ الْبَالِغِ حَيْثُ قَالَ: " وَالْبَالِغُ السَّفِيهُ " الْبَيْتَ وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا خَلَا بِهَا الزَّوْجُ خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ وَادَّعَتْ الْوَطْءَ وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ، فَإِنَّ خَلْوَتَهُ بِهَا شَاهِدٌ عُرْفِيٌّ يَشْهَدُ لَهَا فَتَحْلِفُ مَعَهُ وَتَسْتَحِقُّ الصَّدَاقَ كَامِلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي قَوْلِهِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ، " وَهَا هُنَا عَنْ شَاهِدٍ " الْبَيْتَ وَعَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ اشْتَمَلَ الْبَيْتُ الْأَوَّلُ.
(قَالَ) ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ: إنَّ الْعَوَاتِقَ الْأَبْكَارَ لَا يَمِينَ عَلَى مَنْ لَمْ تَطْلُقْ مِنْهُنَّ مِنْ الْوِلَايَةِ إلَّا فِي شَيْءٍ يَكُونُ لَهُنَّ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُنَّ يَحْلِفْنَ كَمَا يَحْلِفُ السَّفِيهُ، وَفِي مِثْلِ ادِّعَائِهِنَّ عَلَى الْأَزْوَاجِ الْوَطْءَ اهـ. وَأَمَّا الْبَيْتُ الثَّانِي فَقَدْ اسْتَدْرَكَ فِيهِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّبِيِّ، يَقُومُ لَهُ شَاهِدٌ بِحَقٍّ، فَقَدْ قَدَّمَ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي قَوْلِهِ: " يَحْلِفُ مُنْكِرٌ وَحَقٌّ وَقَفَا " الْبَيْتَ وَذَكَرَ هُنَا قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ مُقَابِلَيْنِ لِلْمَشْهُورِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: " وَفِي سِوَى الْمَشْهُورِ " أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَبَ يَحْلِفُ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، الثَّانِي: أَنَّ الصَّبِيَّ هُوَ الَّذِي يَحْلِفُ.
(قَالَ الشَّارِحُ) قَوْلُهُ " وَحَلِفُ الِابْنِ مَذْهَبٌ " يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ الِابْنَ يَحْلِفُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَسَاقَهُ بِالتَّنْكِيرِ إشْعَارًا بِأَنَّهُ مَذْهَبٌ لَا يَخْلُو مِنْ شُذُوذٍ لِعَدَمِ جَرَيَانِهِ عَلَى الْأُصُولِ، وَفِيهِ إشْكَالٌ كَمَا يَأْتِي، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَيْسَ لِوَصِيِّ الصَّغِيرِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدٍ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ لِلْأَبِ أَمْ لَا؟ فَالْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ.
(وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ) : ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمُونُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَهَذَا فِيمَا لَمْ يَلِ فِيهِ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ الْمُعَامَلَةَ؛ لِأَنَّ مَا وَلِيَ فِيهِ أَحَدُهُمَا الْمُعَامَلَةَ فَالْيَمِينُ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْلِفْ غُرِّمَ وَقَدْ وَقَعَ فِي كِتَابٍ جُمِعَتْ فِيهِ أَقْضِيَةُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ أَنَّ الصَّغِيرَ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ كَالسَّفِيهِ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ فَلَا يَتَحَرَّجُ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى بَاطِلٍ. .
[بَابُ الرَّهْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ (ابْنُ عَرَفَةَ) الرَّهْنُ مَالٌ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ فَتَخْرُجُ الْوَدِيعَةُ وَالْمَصْنُوعُ بِيَدِ صَانِعِهِ، وَقَبْضُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَبْدًا جَنَى عَلَيْهِ وَإِنْ شَارَكَهُ فِي الْأَحَقِّيَّةِ لِجَوَازِ اشْتِرَاكِ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي أَمْرٍ يَخُصُّهَا، وَلَا تَدْخُلُ وَثِيقَةُ ذِكْرِ الْحَقِّ وَلَا الْحَمِيلُ، وَلَا يَخْرُجُ مَا اُشْتُرِطَتْ مَنْفَعَتُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا لَا يُنَافِي قَبْضَهُ لِلتَّوَثُّقِ. اهـ.
(فَقَوْلُهُ مَالٌ) جِنْسُ مُنَاسِبِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ وَحَدُّ الِاسْمِ دُونَ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ إعْطَاءُ مَالٍ تَوَثُّقًا بِحَقٍّ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، (قَوْلُهُ قُبِضَ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتَقَرَّرُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ صِحَّةُ التَّوَثُّقِ بِهِ، (قَوْلُهُ فِي دَيْنٍ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ فِي مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي دَيْنٍ، وَالدَّيْنُ لَا يَتَقَرَّرُ فِي الْمُعَيَّنَاتِ (فَإِنْ قُلْت) وَقَعَ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الرَّهْنَ يَصِحُّ فِي الْعَارِيَّةِ، وَإِطْلَاقُهُمْ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ (قُلْت) الْجَوَابُ: أَنَّ الرَّهْنَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي قِيمَتِهِ إذَا هَلَكَ وَكَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ تَأَوَّلُوا مَا وَقَعَ لَهُمْ وَهُوَ صَحِيحٌ صَحَّ مِنْ الرَّصَّاعِ (ابْنُ سَلْمُونٍ) وَإِذَا كَانَ فِي الْعَارِيَّةِ فَهُوَ فِي الْقِيمَةِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ. (وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ) الرَّهْنُ إعْطَاءُ أَمْرٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ. اهـ.
(التَّوْضِيحُ) الرَّهْنُ لُغَةً اللُّزُومُ، وَالْحَبْسُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أَيْ: مَحْبُوسَةٌ، وَالرَّاهِنُ دَافِعُ الرَّهْنِ وَالْمُرْتَهِنُ بِكَسْرِ الْهَاءِ آخِذُهُ، وَيُقَالُ لِلرَّهْنِ مُرْتَهَنٌ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى آخِذِهِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ عِنْدَهُ الرَّهْنُ، وَعَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُسْأَلُ الرَّهْنَ.
(الْجَوْهَرِيُّ وَالنَّوَوِيُّ) يُقَالُ رَهَنْتُهُ الشَّيْءَ وَأَرْهَنْتُهُ وَجَمْعُ الرَّهْنِ رِهَانٌ وَرُهُونٌ وَرُهُنٌ (ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) وَأَتَى بِلَفْظِ أَمْرٍ لِيَشْمَلَ الذَّوَاتَ وَالْمَنَافِعَ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُمَا، وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ إعْطَاءُ الْإِقْبَاضِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ
стр. 106
الْقَبْضِ حَتَّى يَكُونَ الْمَالِكُ هُوَ الَّذِي أَقْبَضَهُ إيَّاهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ، فَلَوْ تَوَلَّى الْمُرْتَهِنُ قَبْضَهُ دُونَ إقْبَاضِ مَالِكِهِ وَإِذْنِهِ لِمَ يَكُنْ رَهْنًا بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الرِّهَانَ بِكَوْنِهَا مَقْبُوضَةٌ، وَلَفْظُ مَقْبُوضَةٍ يَقْتَضِي قَابِضًا وَمَقْبُوضًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْمَقْبُوضِ مِنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مَقْبُوضًا: وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ صَحَّ قَبْضُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ دُونَ إقْبَاضٍ مِنْ الْوَاهِبِ وَالْمُتَصَدِّقِ اهـ (قَوْلُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) يَعْنِي كَاشْتِرَاطِ حَوْزِهِ وَانْقِسَامِهِ إلَى مَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَمَا يُضْمَنُ، وَمَا لَا يُضْمَنُ، وَمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَتِهِ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ التَّدَاعِي بَيْنَ الْمُتَرَاهِنَيْنِ.
الرَّهْنُ تَوْثِيقٌ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنْ ... وَإِنْ حَوَى قَابِلَ غَيْبَةٍ ضَمِنْ
مَا لَمْ تَقُمْ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَهْ ... لِمَا جَرَى فِي شَأْنِهِ مُعَيَّنَهْ
وَإِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَمِينٍ وُقِفَا ... فَلَا ضَمَانَ فِيهِ مَهْمَا تَلِفَا
اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ الْأَوَّلَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى حَدُّ الرَّهْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَالٌ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ، الثَّانِيَةُ أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَكَانَ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَادَّعَى ضَيَاعَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ إلَّا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ يَضْمَنُهُ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي كَوْنِ الضَّمَانِ ضَمَانَ تُهْمَةٍ أَوْ ضَمَانَ أَصَالَةٍ.
(وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: قَابِلَ غَيْبَةٍ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ) . وَاشْتَمَلَ الْبَيْتُ الثَّالِثُ عَلَى مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ فَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَمِينٍ وُقِفَا
الْبَيْتَ (ابْنُ يُونُسَ) قَالَ مَالِكٌ: وَمَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ رَهْنٍ غَابَ عَلَيْهِ فَضَاعَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى
стр. 107
هَلَاكِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) . هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ الْحُكْمُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ اهـ فَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ يُرِيدُ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِتَعَدِّي أَجْنَبِيٍّ فَذَلِكَ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَهُ طَلَبُ الْمُتَعَدِّي (ابْنُ الْحَاجِبِ.) وَإِنَّ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ عِنْدَ مُؤْتَمَنٍ فَكَالْأَوَّلِ. (التَّوْضِيحُ) أَيْ فَالضَّمَانُ مِنْ الرَّاهِنِ اهـ وَفَاعِلُ حَوَى لِلْمُرْتَهِنِ وَمَعْنَى حَوَاهُ: ضَمَّهُ وَكَانَ تَحْتَ يَدِهِ. وَقَابِلَ: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: رَهْنًا قَابِلَ غَيْبَةٍ. وَفَاعِلُ ضَمِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَيْضًا، وَمَا ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، وَضَمِيرُ (لَهُ) لِلْمُرْتَهِنِ أَيْضًا، وَضَمِيرُ عَلَيْهِ: لِلرَّهْنِ وَبَيِّنَةٌ فَاعِلُ تَقُمْ وَمُعَيَّنَةٌ: صِفَةٌ لِبَيِّنَةٍ وَلِمَا جَرَى مُتَعَلِّقٌ بِمُعَيَّنَةٍ، وَاسْمُ يَكُنْ: لِلرَّهْنِ، وَجُمْلَةُ وُقِفَا: خَبَرُ يَكُنْ، وَعِنْدَ: يَتَعَلَّقُ بِوَقَفَا.
(فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا غَرِمَ الْمُتَعَدِّي الْقِيمَةَ فَأَحَبُّ مَا فِيهِ إنْ أَتَى الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ ثِقَةٍ مَكَانَ ذَلِكَ الرَّهْنِ أَخَذَ الْقِيمَةَ وَإِلَّا جُعِلَتْ هَذِهِ الْقِيمَةُ رَهْنًا وَطُبِعَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَمَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ رَهْنٍ لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ رَبْعٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ رَقِيقٍ فَالْمُرْتَهِنُ مُصَدَّقٌ فِيهِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا زَعَمَ أَنَّهُ هَلَكَ أَوْ عَطِبَ أَوْ أَبَقَ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ، وَيَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ الرَّاهِنِ. (وَفِي الْمُقَرَّبِ) ": وَمَا كَانَ مِنْ الْعُرُوضِ كُلِّهَا الَّتِي يُغَابُ عَلَيْهَا إذَا جُعِلَتْ رَهْنًا عَلَى يَدِ مَنْ ارْتَضَيَاهُ فَهَلَكَ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ ".
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ) لِبَيَانِ بَرَاءَةِ الْمُرْتَهِنِ: وَلَمْ يَضْمَنْ الْأَمِيرُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَإِنَّمَا قَبَضَهُ لِمَنْفَعَةِ غَيْرِهِ كَالْمُودَعِ.
(فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ اخْتَلَفَا فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى كَوْنِهِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَالْآخَرُ إلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ دَعَا إلَى الْعَدْلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الرَّهْنِ: التَّوَثُّقُ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِكَوْنِهِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ تَسْلِيمَهُ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ لِمَ تَكُنْ عَادَةً كَانَ لِلرَّاهِنِ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا آمَنُكَ عَلَيْهِ. وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ لَا يَقْبِضَهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ: عَلَيَّ فِي قَبْضِهِ مَضَرَّةٌ أَضْمَنُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَأَتَكَلَّفُ حِفْظَهُ إنْ كَانَ حَيَوَانًا.
(قَالَ الشَّارِحُ) : " فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ الرَّهْنُ أَصْلًا مِمَّا لَا يُضْمَنُ وَلَا يُتَكَلَّفُ حِفْظُهُ يُلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ قَبْضُهُ وَإِنْ لِمَ تَكُنْ هُنَاكَ عَادَةً " مَعَ أَنَّ فِي قَوْلِ اللَّخْمِيِّ: " إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ تَسْلِيمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ " بَحْثًا؛ لِأَنَّهُ مَا أَبْدَاهُ مِنْ حُجَّةِ الْمُرْتَهِنِ فِي عَدَمِ قَبْضِهِ وَاضِحَةٌ فَكَيْفَ تُرَدُّ عَلَيْهِ بِعَادَةِ غَيْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(وَالْجَوَابُ) - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: أَنَّهُ إنْ دَخَلَا عَلَى الْمُسَاكَتَةِ وَلَمْ يُبَيِّنَا عِنْدَ مَنْ يَكُونُ الرَّهْنُ فَيُرْجَعُ لِلْعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالشَّرْطِ وَإِنْ امْتَنَعَ ابْتِدَاءً، وَذَكَرَ عُذْرَهُ فِي عَدَمِ قَبْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبْضُهُ عِنْدَ أَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ دَعَا إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. .
وَالْحَوْزُ مِنْ تَمَامِهِ وَإِنْ حَصَلْ ... وَلَوْ مُعَارًا عِنْدَ رَاهِنٍ بَطَلْ
يَعْنِي أَنَّ الْحَوْزَ مِنْ تَمَامِ الرَّهْنِ وَلَا يَصِحّ إلَّا بِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا عَادَ لِيَدِ رَاهِنِهِ بِأَيِّ وَجْهِ فَرْضٍ بَطَلَ
стр. 108
ابْنُ يُونُسَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَلَزِمَ بِهَذَا اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، فَمَتَى عَادَ إلَى الرَّاهِنِ بِوَجْهٍ مَا بَطَلَ كَالِابْتِدَاءِ، (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : مَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ الرَّاهِنِ، أَوْ آجَرَهُ مِنْهُ، أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهُ، أَوْ رَدَّهُ إلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ حَتَّى يَكُونَ الرَّاهِنُ هُوَ الْحَائِزُ لَهُ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ) ثُمَّ إنْ قَامَ الْمُرْتَهِنُ بِرَدِّهِ قُضِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ فَوْتٌ مِنْ تَحْبِيسٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ بَيْعٍ، أَوْ قَامَ غُرَمَاؤُهُ.
(وَفِي الْمُقَرَّبِ) : " وَإِنْ اسْتَعَارَهُ مِنْهُ الرَّاهِنُ ثُمَّ اسْتَحْدَثَ دَيْنًا أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ الْمُرْتَهِنُ كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ " وَفِيهِ قَالَ (ابْنُ الْقَاسِمِ) وَمَنْ ارْتَهَنَ دَارًا ثُمَّ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْكُنَهَا أَوْ يُكْرِيَهَا فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ لِمَ يَسْكُنْ وَلَمْ يُكْرِ (ابْنُ حَارِثٍ) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِقَبْضِهِ، فَإِنْ تَرَاخَى بِقَبْضِهِ إلَى قِيَامِ الْغُرَمَاءِ بَطَلَ وَلَوْ كَانَ جَادًّا فِي طَلَبِهِ.
(فَرْعٌ) إذَا وُجِدَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ مَوْتِ رَاهِنِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: حُزْتُهُ فِي صِحَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ.
(الْمَوَّاقُ) وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: " لَا يَنْفَعُ ذَلِكَ حَتَّى تُعْلَمَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ حَازَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) : صَوَابُهُ لَا يَنْفَعُهُ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْحَوْزِ (ابْنُ رُشْدٍ) يَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي الصَّدَقَةِ تُوجَدُ بِيَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَصَدِّقِ فَيَدَّعِي قَبْضَهَا فِي صِحَّتِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا (الْبَاجِيُّ) عِنْدِي لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَجَدَهُ بِيَدِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ كَانَ رَهْنًا وَإِنْ لِمَ يَحْضُرُوا الْحِيَازَةَ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَقْبُوضًا وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْحَوْزِ (ابْنُ يُونُسَ) . قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: صَوَابُهُ لَا يَنْفَعُ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ الْحَوْزَ بَعْدَ الِارْتِهَانِ.
(وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ) إذْ لَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِقَبْضِ الْمُرْتَهَنِ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَكْفِي إلَّا التَّحْوِيزُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَوْزَ رَفْعُ مُبَاشَرَةِ الرَّاهِنِ
стр. 109
التَّصَرُّفَ فِي الرَّهْنِ، وَالتَّحْوِيزُ هُوَ تَسْلِيمُ الْعَطِيَّةِ أَوْ الرَّهْنِ مِنْ الْمُعْطِي أَوْ الرَّاهِنِ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ. (الرَّصَّاعُ) . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرَّهْنَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّحْوِيزُ، وَلَا يَكْفِي الْحَوْزُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ يُكْتَبُ فِي وَثِيقَةِ الرَّهْنِ " وَبَسَطَ يَدَهُ عَلَى حَوْزِ الرَّهْنِ فَحَازَهُ مُعَايَنَةً "، وَلَا يُحْتَاجُ ذَلِكَ فِي وَثِيقَةِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَكَتْبُهُ فِيهِمَا مِنْ جَهْلِ الْمُوَثِّقِ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَرْنَا بِقَوْلِنَا فِي تَكْمِيلِ الْمَنْهَجِ.
وَالْقَبْضُ فِي غَيْرِ الرِّهَانِ كَافِ ... وَفِيهِ الْإِقْبَاضُ عَلَى خِلَافِ
لِذَاكَ قَالُوا فِي رُسُومِ الرَّهْنِ قَطُّ ... يَدًا عَلَى الْحَوْزِ لِرَهْنٍ قَدْ بَسَطْ
وَكَتْبُهُ فِي غَيْرِهِ دَلَّ عَلَى ... جَهْلِ الْمُوَثِّقِ كَذَاكَ نُقِلَا
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ الرَّهْنُ بِيَدِ مَنْ هُوَ مِنْ الرَّاهِنِ بِسَبَبٍ كَمُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَوَلَدِهِ
стр. 110
الصَّغِيرِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى لَغْوِ حَوْزِهِمْ، وَأَمَّا مِثْلُ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ وَمُكَاتَبِهِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ حَسْبَمَا يَظْهَرُ مِنْ النُّقُولِ.
(قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : " وَلَمَّا كَانَ الْحَوْزُ رَفْعَ مُبَاشَرَةِ الرَّاهِنِ التَّصَرُّفَ فِي الرَّهْنِ صَحَّ بِيَدِ مَنْ لَا تَسَلُّطَ لِلرَّاهِنِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَبَطَلَ فِي غَيْرِهِ ".
(ابْنُ شَاسٍ) : " يَصِحُّ حَوْزُ مُكَاتَبِ الرَّاهِنِ رَهْنَهُ لِمُرْتَهِنِهِ ".
(فَرْعٌ) وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ مَثَلِهَا الثَّالِثِ: إنْ كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ طَعَامُ سَلَمٍ حَلَّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَكَّلَ عَلَى قَبْضِهِ مِنْهُ عَبْدُهُ وَمُدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَزَوْجَتُهُ أَوْ صِغَارُ بَنِيهِ. وَهُوَ كَتَوْكِيلِكَ إيَّاهُ فَلَا تَبِعْهُ بِذَلِكَ الْقَبْضِ، وَلَك أَنْ تَبِيعَهُ بِقَبْضِ الْكَبِيرِ مِنْ وَلَدِهِ الْبَائِنِ عَنْهُ اهـ مِنْ الشَّارِحِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ (مَسْأَلَةٌ فِي الطُّرَرِ) : " وَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّهْنَ مِنْ قَرِيبِ الرَّاهِنِ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ سَبَبِهِ، وَلَا لِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ، وَلَا لِأَحَدٍ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ اكْتَرَى ذَلِكَ لِرَبِّ الدَّارِ، فَإِنْ أَكْرَاهُ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ أَكْرَاهُ لِصَاحِبِ الدَّارِ خَرَجَ الرَّهْنُ عَنْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا لِلتُّهْمَةِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ مِنْ إجَارَتِهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ. اهـ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ أَكْرَاهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ. إلَخْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا أَكْرَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ الرَّاهِنِ ثُمَّ أَكْرَاهُ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ مِنْ الرَّاهِنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ، وَبِهَذَا رَأَيْنَا الْعَمَلَ. .
وَالْعَقْدُ فِيهِ بِمُسَاقَاةٍ وَمَا ... أَشْبَهَهَا حَوْزٌ وَإِنْ تَقَدَّمَا
يَعْنِي أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ لِلرَّهْنِ حَوْزٌ لِلْمُرْتَهِنِ، فَمَنْ ارْتَهَنَ شَيْئًا ثُمَّ عَقَدَ فِيهِ مَنْ رَاهَنَهُ مُسَاقَاةً أَوْ كِرَاءً وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَوْزٌ لَهُ سَوَاءٌ تَأَخَّرَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهَا عَنْ الرَّهْنِ - كَمَا ذُكِرَ - أَوْ تَقَدَّمَ عَقْدُ ذَلِكَ عَلَى الرَّهْنِ كَأَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ حَائِطُ مُسَاقَاةٍ، أَوْ دَارٌ مُكْتَرَاةٌ ثُمَّ يَرْتَهِنُ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَوْزٌ لَهُ أَيْضًا. وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: " وَإِنْ تَقَدَّمَا " أَيْ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الرَّهْنِ. أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ تَقَدُّمُ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الرَّهْنِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُسْتَأْجِرِ لِلْمُسْتَأْجَرِ وَغَيْرِهِ.
(التَّوْضِيحُ) .
يَعْنِي إذَا دَفَعَ رَجُلٌ حَائِطَ مُسَاقَاةٍ لِرَجُلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ ذَلِكَ الْحَائِطَ، وَكَذَا يَصِحُّ رَهْنُ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ لِمَنْ هُوَ فِي إجَارَتِهِ وَغَيْرِهِ. (وَفِي الْجَلَّابِ) " مَنْ آجَرَ دَارِهِ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَهَنَهَا مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ آجَرَهَا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَهَنَهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَاقَى حَائِطَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَهَنَهُ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ ". وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْتَهِنَ مَا هُوَ بِيَدِهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَوْزًا لِلْمُرْتَهِنِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ تَقَدُّمُ الرَّهْنِ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهَا فَلَمْ أَقِفْ الْآنَ فِيهِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ وَظَهَرَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ أَحْرَى؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ
следующие страницы →