Полный текст (643 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أَخَذَ عَنْ شُيُوخِ بَلَدِهِ وَصَحِبَ السُّيُورِيَّ وَغَيْرَهُ وَكَانَ الْبِيرِيُّ يَقُولُ هُوَ أَحْفَظُ مَنْ لَقِيتُ قِيلَ لَهُ تَقُولُ هَذَا وَقَدْ لَقِيتَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبَا عِمْرَانَ الْفَاسِيَّ فَقَالَ هُوَ أَحْفَظُ مَنْ رَأَيْت اهـ.
وَحَاضِرٌ يَأْخُذُ فَائِدًا عَرَضْ ... فِي غَيْبَةٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ أَوْ مَرَضْ
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا غَابَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي شَرِكَةِ الْعَمَلِ أَوْ مَرِضَ فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ أَوْ مَرَضُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَ فَإِنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ فِي غَيْبَةِ شَرِيكِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اخْتَصَّ بِهِ عَامِلُهُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) إذَا مَرِضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ أَوْ غَابَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَمِلَ صَاحِبُهُ فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَائِزٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ فَإِنَّ الْعَامِلَ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَا عَمِلَ جَازَ إذَا لَمْ يَعْقِدَا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ أَنَّ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمَا أَوْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَمَا عَمَلُ الْآخَرِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ عَقَدَا عَلَى هَذَا لَمْ تَجُزْ الشَّرِكَةُ فَإِنْ يَزُلْ كَانَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مَنْ الْعَمَلِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا وَمَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا لَهُ خَاصَّةً ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ اهـ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا شَرِيكُ الْمَالِ إذَا غَابَ فَلِشَرِيكِهِ الْحَاضِرِ نِصْفُ أَجْرِهِ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي غَابَ لِأَنَّ الرِّبْحَ إنَّمَا جَرَّهُ الْمَالُ
وَمَنْ لَهُ تَحَرُّفٌ إنْ عَمِلَهُ ... فِي غَيْرِ وَقْتِ تَجْرِهِ الْفَائِدُ لَهْ
يَعْنِي أَنَّ أَحَد الشَّرِيكَيْنِ إذَا كَانَتْ لَهُ حِرْفَةٌ وَصَنْعَةٌ فَعَمِلَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ التِّجَارَةِ فَإِنَّ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْ ذَلِكَ لَهُ وَحْدَهُ دُونَ شَرِيكِهِ فَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي التِّجَارَةِ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَصْنَعَ لِنَفْسِهِ صَنْعَةً أُخْرَى فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا يَعْمَلُ فِيهَا شَيْئًا فَأَجَابَ بِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا يَشْتَغِلُ فِيهَا بِالتِّجَارَةِ وَلَا كَلَامَ لِشَرِيكِهِ فِي ذَلِكَ اهـ
[فَصْلٌ فِي الْقِرَاضِ]
ِ (ابْنُ الْحَاجِبِ)
الْقِرَاضُ إجَارَةٌ عَلَى التَّجْرِ فِي مَالٍ بِجُزْءٍ مَنْ رِبْحِهِ (التَّوْضِيحُ) الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِهِ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ وَمِنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً وَلَهُ اسْمَانِ الْقِرَاضُ وَالْمُضَارَبَةُ فَالْإِجَارَةُ جِنْسٌ وَأَخْرَجَ بِالتَّجْرِ الْإِجَارَةَ عَلَى غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ بِجُزْءٍ أَيْ مُشَاعٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَك مِنْ الرِّبْحِ دِرْهَمٌ أَوْ نَحْوَهُ (وَأَوْرَدَ) عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ وَغَيْرُ جَامِعٍ أَمَّا عَدَمُ مَنْعِهِ فَإِنَّ الْقِرَاضَ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فَلَوْ قَالَ آجَرْتُك عَلَى التَّجْرِ فِي هَذَا الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ صَدَقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَيْسَ
стр. 457
بِقِرَاضٍ وَأَيْضًا لَوْ آجَرَهُ عَلَى التَّجْرِ إلَى أَجَلٍ أَوْ قَارَضَهُ بِعُرُوضٍ لَمْ يَكُنْ قِرَاضًا صَحِيحًا وَأَمَّا عَدَمُ جَمْعِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقِرَاضُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلُّهُ لِغَيْرِهِمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي تَعْرِيفِهِ. (وَأُجِيبَ) عَنْ عَدَمِهِ مَنْعِهِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْقِرَاضِ مَا ذَكَرَهُ وَكَوْنُهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ شَرْطٌ فِي الصِّيغَةِ وَكَذَا كَوْنُهُ لَا يَكُونُ إلَى أَجَلٍ شَرْطٌ فِي الْعَمَلِ وَكَذَا كَوْنُهُ لَا يَكُونُ بِعَرْضِ شَرْطٍ فِي الْمَالِ وَالشَّرْطُ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْهَا وَعَنْ عَدَمِ جَمْعِهِ بِأَنَّ الصُّورَةَ الْمُعْتَرَضَ بِهَا إنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ التَّبَرُّعَاتِ وَإِطْلَاقُ الْقِرَاضِ عَلَيْهَا مَجَازٌ اهـ. وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ تَمْكِينُ مَالٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ لَا بِلَفْظِ إجَارَةٍ
إعْطَاءُ مَالٍ مَنْ بِهِ يُتَاجِرُ ... لِيَسْتَفِيدَ دَافِعٌ وَتَاجِرُ
مِمَّا يُفَادُ فِيهِ جُزْءًا يُعْلَمُ ... هُوَ الْقِرَاضُ وَبِفِعْلٍ يَلْزَمُ
يَعْنِي أَنَّ
الْقِرَاضَ هُوَ إعْطَاءُ مَالٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ لِيَسْتَفِيدَ كُلٌّ مِنْ دَافِعِهِ وَهُوَ رَبُّهُ وَالْعَامِلُ الَّذِي يَتَّجِرُ بِهِ مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَيَرْبَحُ فِيهِ جُزْءًا مَعْلُومًا كَنِصْفِ الرِّبْحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَوْ الثُّلُثَانِ لِرَبِّ الْمَالِ وَالثُّلُثُ لِلْعَامِلِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِعْطَاءُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ هُوَ الْقِرَاضُ وَإِعْطَاءُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَى الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَالُ وَكَمُلَ بِالثَّانِي وَهُوَ مَنْ، وَمِمَّا يُفَادُ يَتَعَلَّقُ بِيَسْتَفِيدُ وَيُفَادُ بِمَعْنَى يَرْبَحُ أَوْ فِي بِمَعْنَى مِنْ أَيْ يُفَادَ مِنْهُ وَجُزْءًا مَفْعُولٌ بِيَسْتَفِيدُ وَجُمْلَةُ يُعْلَمُ صِفَةٌ لِجُزْءًا. (قَالَ فِي الْمَعُونَةِ) وَصِفَةُ الْقِرَاضِ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ مَالًا إلَى غَيْرِهِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ وَيُشْتَرَى وَيَبِيعُ وَيُسْتَغْنَى مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى جُزْءٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (قَالَ اللَّخْمِيّ) الْقِرَاضُ جَعَالَةٌ فَلَا يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبِلَ الْعَمَلَ بِالْخِيَارِ فَإِذَا عَمِلَ وَشَغَلَ الْمَالَ ارْتَفَعَ الْخِيَارُ وَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّهُ حَتَّى يَنِضّ.
(وَفِي الْمُقَرِّبِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَأَلْت مَالِكًا عَنْ رَبِّ الْمَالِ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ مِنْ الْعَامِلِ فَقَالَ إنْ كَانَ الْمَالُ عَلَى حَالِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى بِهِ أَوْ خَرَجَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ (قَالَ الشَّارِحُ) وَقَوْلُ النَّاظِمِ وَبِفِعْلٍ يَلْزَمُ يَشْمَلُ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ الِاشْتِرَاءِ بِمَالِ الْقِرَاضِ وَالْخُرُوجِ بِهِ لِأَنَّ الِاشْتِرَاءَ وَالْخُرُوجَ كِلَيْهِمَا فِعْلٌ اهـ.
وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ وَلَا يَلْزَمُ الْقِرَاضُ إلَّا بِالْعَمَلِ اهـ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَعْلِ أَنَّ الْقِرَاضَ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ بَلْ بِالْفِعْلِ
وَالنَّقْدُ وَالْحُضُورُ وَالتَّعْيِينُ ... مِنْ شَرْطِهِ وَيُمْنَعُ التَّضْمِينُ
وَلَا يَسُوغُ جَعْلُهُ إلَى أَجَلْ ... وَفَسْخُهُ مُسْتَوْجِبٌ إذَا نَزَلْ
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ شَيْءٍ يَنْفَرِدْ ... بِهِ مِنْ الرِّبْحِ وَإِنْ يَقَعْ يُرَدُّ
(قَالَ الشَّارِحُ ﵀) تَضَمَّنَتْ الْأَبْيَاتُ شُرُوطَ الْقِرَاضِ وَمَوَانِعِهِ فَمِنْ شُرُوطِهِ النَّقْدُ الَّذِي هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَيُتَحَرَّزُ بِالنَّقْدِ مِنْ الْقِرَاضِ بِالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(التَّوْضِيحُ) وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِالنَّقْدِ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ أَوْ مُطْلَقَ الْعَيْنِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ اهـ.
وَعَلَى الْمُرَادِ الدَّنَانِيرَ
стр. 458
وَالدَّرَاهِمَ اُقْتُصِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ لِقَوْلِهِ فِي نَقْدٍ مَضْرُوبٍ أَيْ مَسْكُوكٍ وَمِنْ شَرْطِهِ الْحُضُورُ وَيُتَحَرَّزُ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْقِرَاضَ بِهِ لَا يَجُوزُ وَمِنْ شَرْطِهِ التَّعْيِينُ وَيُتَحَرَّزُ بِهِ مِنْ مِثْلِ الْجُزَافِ فِي صُرَّةٍ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهَا لِأَنَّ جَهْلَ رَأْسِ الْمَالِ يُؤَدِّي إلَى جَهْلِ الرِّبْحِ وَمِنْ مَوَانِعِهِ التَّضْمِينُ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَمَانَةِ وَأَنْ يُضْرَبَ فِيهِ أَجَلٌ لِمُنَافَاةِ الْأَجَلِ لِوَصْفِهِ فَإِنْ ضُرِبَ فِيهِ أَجَلٌ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَأَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ شَيْءٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْعَامِلُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ.
وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ فَفِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّد قَالَ مَالِكٌ لَا يَصْلُحُ الْقِرَاضُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا لِمَا يُخَافُ مَنْ تَغَيُّرِ سِعْرِهِ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ وَفِيهَا أَيْضًا مِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدٍ
стр. 459
وَإِذَا قَالَ فِي الْعُرُوضِ خُذْهُ قِرَاضًا أَوْ بِعْهُ وَاعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا فَهُوَ سَوَاءٌ وَلَهُ أَجْرُهُ فِي الْبَيْعِ وَالتَّقَاضِي وَعَلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ فِي الثَّمَنِ وَفِيهَا مِنْ كِتَابِ مُحَمَّد قَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ دَيْنًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ قِرَاضًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْضَرَهُ فَقَالَ خُذْهُ قِرَاضًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَقْبِضَهُ فَإِنْ نَزَلَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّة مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ الْمُبْهَمُ إذَا لَمْ يُسَمِّ حِصَّةَ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إلَى أَجَلٍ.
وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالضَّمَانِ (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) وَمَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ دِرْهَمًا مِنْ الرِّبْحِ وَمَا بَقِيَ بَعْدَهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَرَبِحَ أَوْ وَضَعَ فَإِنَّ الرِّبْحَ لِرَبِّ الْمَالِ وَالنُّقْصَانَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ لِعَامِلٍ أَجْرٌ مِثْلُهُ اهـ كَلَامُ الشَّارِحِ.
وَإِنَّمَا مُنِعَ اشْتِرَاطُ دِرْهَمٍ مَثَلًا مِنْ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنَّ الْجُزْءَ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي يَكُونُ لِلْعَامِلِ يَكُونُ مَعْلُومَ النِّسْبَةِ مَنْ الرِّبْحِ كَنِصْفِهِ أَوْ ثُمُنِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِذَا عُيِّنَ كَدِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ مِنْ الرِّبْحِ إلَّا قَدْرُ ذَلِكَ فَيَذْهَبُ عَمَلُ الْعَامِلِ مَجَّانًا وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ الْأَبْيَاتِ أَنَّ الشُّرُوطَ ثَلَاثَةٌ النَّقْدُ وَالْحُضُورُ وَالتَّعْيِينُ وَأَنَّ الْمَوَانِعَ ثَلَاثَةٌ الضَّمَانُ وَالْأَجَلُ وَاشْتِرَاطُ شَيْءٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْعَامِلُ مِنْ الرِّبْحِ وَالضَّابِطُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ مَا يُطْلَبُ وُجُودُهُ هُوَ شُرُوطٌ وَمَا يُطْلَبُ نَفْيُهُ وَعَدَمُهُ هُوَ مَانِعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالضَّمَانِ أَيْ بِاشْتِرَاطِهِ عَلَى الْعَامِلِ وَأَمَّا إنْ تَطَوَّعَ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَفِي لُزُومِهِ رَأْيَانِ لِلشُّيُوخِ بِاللُّزُومِ وَعَدَمِهِ اُنْظُرْ إيضَاحَ الْمَسَالِكِ لِسَيِّدِي أَحْمَدَ الْوَنْشَرِيسِيِّ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَاعِدَةِ اشْتِرَاطِ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ خِلَافُهُ مِمَّا لَا يَقْتَضِي فَسَادًا هَلْ يُعْتَبَرُ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ صَاحِبُ الْمَنْهَجِ الْمُنْتَخَبِ بِقَوْلِهِ فِي الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ
خَلَا تَبَرُّعٍ بُعَيْدَ الْعَقْدِ ... وَأُلْزِمَ الْقِرَاضَ بَعْدَ الْقَيْدِ.
وَالْقَوْلُ قَوْلُ عَامِلٍ أَنْ يُخْتَلَف ... فِي جُزْءِ الْقِرَاضِ أَوْ حَالِ التَّلَف
كَذَاك فِي ادِّعَائِهِ الْخَسَارَهْ ... وَكَوْنِهِ قِرَاضًا أَوْ إجَارَهْ
اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْعَامِلِ عَلَى خِلَافٍ فِي يَمِينِهِ.
(الْأُولَى) إذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ فِي قِسْمَةِ جُزْءِ الرِّبْحِ فَقَالَ الْعَامِلُ أَنْصَافًا بَيْنَهُمَا وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ الثُّلُثُ وَلَهُ الثُّلُثَانِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
(الثَّانِيَةُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي التَّلَفِ وَالْخَسَارَةِ فَادَّعَاهُ الْعَامِلُ وَنَفَاهُ رَبُّ الْمَالِ.
(الثَّالِثَةُ) إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا قِرَاضٌ وَقَالَ الْآخَرُ بِضَاعَةٌ بِأَجْرٍ وَتُتَصَوَّرُ دَعْوَى الْقِرَاضِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ كُلٍّ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَمَّا الْأُولَى) فَقَالَ اللَّخْمِيّ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُزْءِ أَيْ قَبْلَ الْعَمَلِ فَقَالَ الْعَامِلُ أَخَذْته عَلَى النِّصْفِ وَقَالَ الْآخَرُ عَلَى الثُّلُثِ فَإِمَّا عَمِلَ أَوْ رَدَّهُ
стр. 460
فَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَمَلِ وَفِي الْمَالِ رِبْحٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ إذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَوْ سَلَّمَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِيدَاعِ حَتَّى يَتَفَاصَلَا فِيهِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسَ بِتَسْلِيمٍ وَإِنْ سَلَّمَهُ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ رَبُّ الْمَالِ وَيَكُونُ جُزْءُ الْعَامِلِ سَلَفًا عِنْدَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ أَنَّهُ عَلَى الثُّلُثِ هُوَ عَلَى هَذَا فَيُقَيَّدُ كَلَامُ النَّاظِمِ بِمَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ الْعَمَلِ وَالْمَالِ بِيَدِ الْعَامِل أَوْ عِنْدَ أَمِينٍ وَزَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَوْنَ الْعَامِلِ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا وَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ فِي تَلَفِهِ وَفِي جُزْء الرِّبْح إنْ ادَّعَى مُشَبِّهًا وَالْمَالُ بِيَدِهِ أَوْ وَدِيعَة وَإِنْ لِرَبِّهِ.
(وَأَمَّا الثَّانِيَةُ) فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُفِيدِ وَالْعَامِلُ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِيمَا يَدَّعِيه مِنْ ضَيَاعِ الْمَالِ وَذَهَابِهِ وَالْخَسَارَةِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْعَامِلُ أَمِينٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ضَيَاعِهِ وَخُسْرَانِهِ (التَّوْضِيحُ) قَوْلُهُ فِي ضَيَاعِهِ أَيْ بِسَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا وَالضَّيَاعُ بِفَتْحِ الضَّادِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ قَوْلُهُ وَخَسَارَتُهُ قَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُشْبِهُ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِسُؤَالِ التُّجَّارِ فِي بَلَدِ السِّلَعِ هَلْ يَخْسَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَالِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَا ذَكَرَ اهـ.
(اللَّخْمِيّ) إنْ اخْتَلَفَا فِي تَلَفِهِ فَقَالَ الْعَامِلُ ضَاعَ أَوْ سَقَطَ مِنِّي أَوْ سُرِقَ أَوْ غَرِقَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَالْأَمِينُ مُصَدَّقٌ فِي أَمَانَتِهِ مَأْمُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونٍ لِأَنَّ رَبّ الْمَالِ رَضِيَهُ أَمِينًا وَاخْتُلِفَ فِي يَمِينِهِ اهـ.
(ابْنُ الْحَاجِبِ) اسْتِحْلَافُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيْمَانِ التُّهَمِ (وَأَمَّا الثَّانِيَةُ) فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ قَالَ الْعَامِلُ قِرَاضٌ وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بِضَاعَةٌ بِأَجْرٍ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ فَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَتَقْيِيدٌ يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ (الْمَوَّاق) وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ الْعَامِلُ قِرَاضٌ وَقَالَ رَبُّهُ بَلْ أَبْضَعْتُكَ لِتَعْمَلَ بِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ إنْ كَانَ أَمْرُهُمْ أَنَّ لِلْبِضَاعَةِ أَجْرًا فَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ اهـ.
قَوْلُهُ فِي جُزْءِ الْقِرَاضِ يُقْرَأُ بِضَمِّ الزَّايِ لِلْوَزْنِ وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ فِي جُزْءِ رِبْحِ الْقِرَاضِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ النَّاظِمُ حُكْمَ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّدِّ فَقَالَ الْعَامِلُ رَدَدْته لِرَبِّهِ وَقَالَ رَبُّهُ لَمْ يَرُدَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ إنْ كَانَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَقِيلَ مُطْلَقًا (التَّوْضِيحُ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَاخْتُلِفَ إذْ قَبَضَهُ بِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَقِيلَ يُقْبَلُ اهـ.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ فِي تَلَفِهِ وَخُسْرِهِ وَرَدِّهِ إنْ قَبَضَ بِلَا بَيِّنَةٍ أَوْ قَالَ قِرَاضٌ وَرَبُّهُ بِضَاعَةٌ بِأَجْرٍ وَعَكْسُهُ
وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ فِي غَيْرِ السَّفَرْ ... نَفَقَةٌ وَالتَّرْكُ شَرْطٌ لَا يُقَرْ
يَعْنِي أَنَّ عَامِلَ الْقِرَاضِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ مَا دَامَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ غَيْرَ مُسَافِرٍ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ سَافَرَ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ فِي طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ لَكِنْ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ كَوْنِ الْمَالِ يَحْمِلُ ذَلِكَ فَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يُنْفِقَ مِنْهُ فِي حَالِ السَّفَرِ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ وَلَا يُقَرُّ الْقِرَاضَ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ وَالتَّرْكُ شَرْطٌ هُوَ رَاجِعٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ السَّفَرِ أَيْ وَأَمَّا السَّفَرُ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ فَإِنْ
стр. 461
شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُنْفِقَ لَمْ يُقَرَّ.
(قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) وَنَفَقَتُهُ فِي سَفَرِهِ فِي طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ فِي الْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ إذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ وَلَا نَفَقَةَ مَا دَامَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ (وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ) قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يُنْفِقَ فِي سَفَرِهِ لَمْ يَجُزْ (قَالَ الشَّارِحُ) لَمْ يَفْتَقِرْ الشَّيْخُ ﵀ إلَى تَقْيِيدِ كَوْنِ الْمَالِ مِمَّا يَحْمِلُ النَّفَقَةَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِجَرَيَانِ عَادَةِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الْمَالَ الْقَلِيلَ لَا يُسَافَرُ بِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقِرَاضُ عَلَى هَذَا إمَّا كَثِيرًا يَتَأَتَّى بِهِ السَّفَرُ وَإِمَّا قَلِيلًا وَمَعَهُ غَيْرُهُ وَحَتَّى يَتَأَتَّى السَّفَرُ بِالْمَالَيْنِ وَفِي كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ يَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْعَامِلِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ إمَّا خَالِصَةً مِنْ الْكَثِيرِ وَإِمَّا مَفْضُوضَةً عَلَى الْقَلِيلِ مَعَ غَيْرِهِ اهـ.
(ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلِلْعَامِلِ نَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ وَفِي إقَامَتِهِ بِغَيْرِ وَطَنِهِ لِلْمَالِ فِي الْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ.
(التَّوْضِيحُ) وَاحْتُرِزَ بِغَيْرِ وَطَنِهِ مِمَّا لَوْ أَقَامَ بِوَطَنِهِ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ وَهَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ فِي الْمَالِ أَيْ لَا فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ فَلِهَذَا لَوْ أَنْفَقَ الْعَامِلُ فِي سَفَرِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ هَلَكَ مَالُ الْقِرَاضِ لَمْ يَلْزَمْ رَبَّ الْمَالِ شَيْءٌ وَكَذَا إذَا زَادَ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى مَجْمُوعِ الْمَالِ لَمْ يَرْجِعْ بِالزَّائِدِ وَهَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ أَيْ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَرُكُوبِهِ وَمَسْكَنِهِ أَشْهَب عَنْ مَالِكٍ وَحِجَامَتِهِ وَحَمَّامِهِ قَالُوا وَلَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلْمَالِ يَتَعَلَّقُ بِإِقَامَتِهِ أَيْ إنَّمَا لَهُ النَّفَقَةُ فِي إقَامَتِهِ بِغَيْرِ وَطَنِهِ إنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ لِأَجْلِ الْمَالِ إمَّا لِحَاجَةٍ لَهُ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ وَقَوْلُهُ فِي الْمَالِ يَتَعَلَّقُ بِنَفَقَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ مِقْدَارُ النَّفَقَةِ إذَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نَفَقَةً مِثْلَهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَهُ الْكِسْوَةُ فِي بَعِيدِهِ لَا فِي قَرِيبٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَطُولَ وَأَمَّا الْمَالُ الْقَلِيلُ فَلَا نَفَقَةَ فِيهِ وَلَا كِسْوَةَ اهـ.
وَعِنْدَمَا مَاتَ وَلَا أَمِينَ فِي ... وُرَّاثِهِ وَلَا أَتَوْا بِالْخَلَفِ
رُدَّ إلَى صَاحِبِهِ الْمَالُ وَلَا ... شَيْءَ مِنْ الرِّبْحِ لِمَنْ قَدْ عَمِلَا
وَهُوَ إذَا أَوْصَى بِهِ مُصَدَّقُ ... فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ يُسْتَوْثَقُ
يَعْنِي إذَا مَاتَ عَامِلُ الْقِرَاضِ وَلَيْسَ فِي وَرَثَتِهِ أَمِينٌ يُكْمِلُ عَمَلَهُ وَلَا أَتَى وَرَثَتُهُ بِخُلْفٍ مِنْهُ لِذَلِكَ أَمِينٍ فَإِنَّ الْمَالَ يُرَدُّ إلَى رَبِّهِ وَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الرِّبْحِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ثُمَّ أَخْبَرَ فِي الثَّالِثِ أَنَّ الْعَامِلَ إذَا أَوْصَى أَنَّ بِيَدِهِ قِرَاضًا لِفُلَانٍ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ وَيُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ.
(قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قُلْت فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلَيْنِ مَالًا قِرَاضًا فَهَلَكَ الرَّجُلَانِ وَقَدْ عَمِلَا فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَامِلِ يَمُوتُ أَنَّ وَرَثَتَهُ إنْ كَانُوا مَأْمُونِينَ قِيلَ لَهُمْ تَقَاضَوْا هَذَا الْمَالَ وَبِيعُوا مَا تَرَكَ صَاحِبُكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى الرِّبْحِ الَّذِي كَانَ لَهُ فَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَأْمُونِينَ فَأَتَوْا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ أُسْلِمَ الْمَالُ دَيْنُهُ وَعَرْضُهُ إلَى رَبِّ الْمَالِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ مِنْ الرِّبْحِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ فَاَلَّذِي سَأَلْت عَنْهُ يُقَالُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا مَا قِيلَ لِوَرَثَةِ هَذَا وَزَادَ اللَّخْمِيّ بَعْدَ قَوْلِهِ إنَّ وَرَثَتَهُ إنْ كَانُوا مَأْمُونِينَ وَمِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَلَمْ يُلْزِمْ الْوَرَثَةَ أَنْ يَسْتَأْجِرُوا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ مَنْ يُتِمُّ الْعَمَلَ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْقِرَاضِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْعَامِلِ وَلَيْسَ فِي الذِّمَّةِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ حِينَ سُلِّمَ جَرَى عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ فِيهِ وَقَالَ فِي الْجُعْلِ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ عَمَلِهِ وَهَذَا اخْتِلَافُ قَوْلٍ انْتَهَى بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ.
وَقَدْ اسْتَطْرَدَ الشَّارِحُ هُنَا حُكْم مَا إذَا ادَّعَى الْوَرَثَةُ أَنَّهُمْ أُمَنَاءُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ أَوْ جَهِلَهُ وَهَلْ يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الْأَمَانَةِ حَتَّى تَثْبُتَ الْخِيَانَةُ أَوْ عَلَى عَدَمِهَا حَتَّى تَثْبُتَ الْأَمَانَةُ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
(فَرْعٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ وَهُوَ عَيْنٌ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُحَرِّكَهُ فَإِنْ حَرَّكَهُ فَعَلَى قِرَاضِهِ التَّوْضِيحُ اُحْتُرِزَ بِالْعَيْنِ مِمَّا لَوْ شَغَلَهُ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى الْعَمَلِ وَقَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا كَانَ الْمَوْتُ وَالْعَامِلُ بِبَلَدِ رَبِّ الْمَالِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِغَيْرِهِ أَوْ ظَعَنَ مِنْهُ فَلَهُ الْعَمَلُ كَمَا لَوْ شَغَلَهُ فَقَوْلُهُ فَالْأَوْلَى نَحْوَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَإِنَّمَا فِي
стр. 462
الْمُدَوَّنَةِ فَلَا يُعْمَلُ بِصِيغَةِ النَّهْيِ.
وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهَا اللَّخْمِيّ وَغَيْرُهُ (اللَّخْمِيّ) فَإِنْ فَعَلَ بَعْدَ عِلْمِهِ ضُمِنَ تَجْرٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْقِرَاضِ وَالرِّبْحُ لَهُ إنْ تَجَرَ لِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَلَهُمْ وَيَخْتَلِفُ إذَا تَجَرَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ فَخَسِرَ فَهَلْ يُضْمَنُ لِخَطَئِهِ عَلَى مَالِ الْوَارِثِ أَمْ لَا لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْأُذُن اهـ.
وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ الْمَسْأَلَةَ يَعْنِي مَسْأَلَةَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ وَالْمَالُ عَيْنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّاظِمِ
وَهُوَ إذَا أَوْصَى بِهِ مُصَدَّقٌ
فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْوَاضِحَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ إذَا أَقَرَّ عِنْدَ الْمَوْتِ بِقِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَصْلَهَا فِي حَيَاتِهِ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ عَيَّنَهَا فَرَبُّهَا أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا فَإِنَّهُ يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ وَأَمَّا إنْ عَيَّنَهَا فِي التَّفْلِيس فَرَبُّهَا أَوْلَى بِهَا أَيْضًا.
وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ قَبْلَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فِي قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا فِي التَّفْلِيسِ فَلَا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي قِرَاضٍ وَلَا وَدِيعَةٍ اهـ.
عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ هَلَكَ وَقِبَلُهُ وَدَائِعُ وَقِرَاضٌ لَمْ تُوجَدْ وَلَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ فَذَلِكَ فِي مَالِهِ وَيُحَاصُّ بِهِ غُرَمَاؤُهُ الْمَوَّاق وَانْظُرْ حَكَمُوا فِي مَالِ الْمَيِّتِ بِرَأْسِ مَالِ الْقِرَاضِ مَعَ احْتِمَالِ الضَّيَاعِ أَوْ الْخَسَارَةِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَلَا يَقْضِي عَلَى التَّرِكَةِ بِالرِّبْحِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ
وَأَجْرُ مِثْلٍ أَوْ قِرَاضُ مِثْلِ ... لِعَامِلٍ عِنْدَ فَسَادِ الْأَصْلِ
يَعْنِي أَنَّ الْقِرَاضَ إذَا وَقَعَ فَاسِدًا يُرِيدُ وَفَاتَ بِالْعَمَلِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ حِينَئِذٍ الرُّجُوعُ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ قِرَاضِ الْمِثْلِ وَإِتْيَانِ النَّاظِمِ بِأَوْ الَّتِي لِلتَّخْيِيرِ مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ قَصَدَ قَوْلَ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَنَصُّهُ النَّظَرُ يَقْتَضِي أَنْ يُرَدَّ الْقِرَاضُ الْفَاسِدُ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ إجَارَةِ الْمِثْلِ وَقِرَاضِ الْمِثْلِ أَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ لَا.
وَقِرَاضُ الْمِثْلِ يَتَعَلَّقُ بِالرِّبْحِ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَيُنْظَرُ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَظُّ هَذَا الْعَامِلِ مِنْهُ إذَا نَزَعَ هَذَا الشَّرْطُ فَمَا قِيلَ دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ الرِّبْحِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ كَانَ وَضِيعَةً فَلَا شَيْءَ لَهُ اهـ عَلَى نَقْلِ الْمَوَّاق وَاَلَّذِي فِي ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الرُّجُوعَ لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ قَوْلٌ وَلِقِرَاضِ الْمِثْلِ قَوْلٌ آخَرُ وَكَانَ النَّاظِمُ عَلَى هَذَا اسْتَعْمَلَ أَوْ مَكَان قِيلَ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ سِيَّمَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الرِّسَالَةِ حَتَّى عُدَّتْ مَوَاضِعُهُ وَنُظِمَتْ وَجُعِلَتْ إحْدَى تَرَاجِمِ نَظَائِرِ الرِّسَالَةِ وَكَذَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ فِي كَلَامِهِ كَقَوْلِهِ وَلِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا فِرَاقُ الْعَبْدِ فَقَطْ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ.
وَفِي مَوَاضِعَ أُخَرَ (قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) وَإِذَا فَاتَ الْقِرَاضُ الْفَاسِدَ فَثَلَاثُ رِوَايَاتٍ قِرَاضُ الْمِثْلِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا فَسَدَ لِزِيَادَةِ أَحَدِهِمَا أَوْ لِشَرْطِ رَبِّ الْمَالِ مَا يُحْوِجُ إلَى نَظَرِهِ فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ وَمَا عَدَاهُ كَضَمَانِ الْمَالِ وَتَأْجِيلِهِ فَقِرَاضٍ الْمِثْلِ وَرَوَى فِي الْفَاسِدِ بِالضَّمَانِ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ قِرَاضِ الْمِثْلِ أَوْ الْمُسَمَّى (التَّوْضِيحُ) قَوْلُهُ قِرَاضُ الْمِثْلِ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَب وَبِهِ أُخِذَ هُوَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَوْلُهُ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ تَفْسِيرٌ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ فِيمَا فَسَدَ مِنْ الْعُقُودِ الْمُسْتَثْنَاةِ هَلْ تُرَدُّ إلَى صَحِيحِهَا فَيَجِبُ قِرَاضُ الْمِثْلِ أَوْ صَحِيحٌ أَصْلُهَا فَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْقِرَاضَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِجَارَة اهـ.
وَفِي قَوْلِهِمْ هَلْ تُرَدُّ إلَى صَحِيحِهَا إلَخْ بَحْثٌ وَجَوَابٌ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي بَابِ الْقِرَاضِ قَالَ وَالصَّوَابُ لَوْ قَالَ إلَى فَاسِدٍ أَصْلُهُ أَوْ إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا ابْنُ الْقَاسِمِ مَا فَسَدَ لِزِيَادَةِ أَحَدِهِمَا إلَخْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَوَى إلَخْ رِوَايَةً رَابِعَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مُعْتَرِضًا وَقَوْلُهُ وَرَوَى هُوَ الرِّوَايَةَ الثَّالِثَةَ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ عِبَارَةَ ابْنِ شَاسٍ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ مِنْهُ مَا يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ وَمِنْهُ مَا يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ وَتَعْيِينِهِ عَلَى طُرُقٍ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ.
وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الْمُقَرَّبِ أَنَّ الضَّابِطَ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ زِيَادَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ اشْتَرَطَهَا أَحَدُ الْمُتَقَارِضَيْنِ هِيَ لِلْمَالِ أَوْ دَاخِلَةٌ فِيهِ لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنْهُ وَلَا خَالِصَةً لِمُشْتَرِطِهَا فَيُرَدُّ فِيهِ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ وَكُلُّ زِيَادَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ اشْتَرَطَهَا أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَالِ أَوْ خَالِصَةٌ اشْتَرَطَهَا فَيُرَدُّ فِيهِ إلَى أَجْرِ مِثْلِهِ وَكُلُّ
стр. 463
خَطَرٍ أَوْ غَرَرٍ وَتَعَامَلَا عَلَيْهِ خَرَجَا بِهِ عَنْ سُنَّةِ الْقِرَاضِ الْجَائِزِ فَيُرَدُّ فِيهِ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَعَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ يُجْرَى الْقِرَاضُ الْفَاسِدُ كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَفِي هَذَا الْأَصْلِ تَنَازُعٌ اهـ.
وَحَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ مَا يَرْجِعُ فِيهِ لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ قِرَاضِ الْمِثْلِ مَحْصُورٌ بِالْحَدِّ وَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ حَصَرَ ذَلِكَ بِالْعَدِّ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ضَبَطَ عِيَاضٌ الصُّوَرَ الَّتِي فِيهَا قِرَاضُ الْمِثْلِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَعَدَّهَا تِسْعَةً وَمَا سِوَاهَا فَفِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَالتِّسْعَةُ الْقِرَاضُ بِالْعِوَضِ وَالْقَرْضِ إلَى أَجَلٍ وَالْقِرَاضُ عَلَى الضَّمَانِ وَالْقِرَاضُ بِجُزْءٍ مُبْهَمٍ وَالْقِرَاضُ بِدَيْنٍ يَقْبِضُهُ الْمُقَارَضُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَالْقِرَاضُ عَلَى شِرْكٍ فِي الْمَالِ وَالْقِرَاض عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى إلَّا سِلْعَةُ كَذَا لِمَا لَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ فَاشْتَرَى غَيْرَ مَا أَمَرَ بِهِ وَالْقِرَاضُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِي إلَّا بِدَيْنٍ فَيُشْتَرَى بِنَقْدٍ وَالْقِرَاضُ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدَ فُلَانٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ وَيَتَّجِرَ بِثَمَنِهِ قَالَ وَمِمَّا جُعِلَ فِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ فِي الْكِتَابِ مَسْأَلَةٌ عَاشِرَةٌ لَيْسَتْ مِنْ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ وَهِيَ إذَا اخْتَلَفَا وَأَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ وَحَلَفَا وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ فِيهَا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فَقَالَ
لِكُلِّ قِرَاضٍ فَاسِدٍ أَجْرُ مِثْلِهِ ... سِوَى تِسْعَةٍ قَدْ فُصِّلَتْ بِبَيَانِ
قِرَاضٌ بِدَيْنٍ أَوْ بِعَرْضٍ وَمُبْهَمٍ ... وَبِالشِّرْكِ وَالتَّأْجِيلِ أَوْ بِضَمَانِ
وَلَا تَشْتَرِي إلَّا بِدَيْنٍ فَيَشْتَرِي ... بِنَقْدٍ وَأَنْ يَبْتَاعَ عَبْدَ فُلَانِ
وَيَتَّجِرْ فِي أَثْمَانِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ ... فَهَذِي إذَا عُدَّتْ تَمَامُ ثَمَانِ
وَلَا تَشْتَرِي مَا لَا يَقِلُّ وُجُودُهُ ... فَيَشْرِي سِوَاهُ اسْمَعْ بِحُسْنِ بَيَانِ
كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَإِنَّهُ ... خَبِيرٌ بِمَا يُرْوَى فَصِيحُ لِسَانِ
وَزَادَ ابْنُ رُشْدٍ حَادِيَةَ عَشْرَةَ وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَهُ دَنَانِيرَ يَصْرِفُهَا ثُمَّ يَتَّجِرُ بِثَمَنِهَا اهـ.
وَإِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَعُرُوض إنْ تُوَلِّي بَيْعَهُ كَأَنْ وَكَّلَهُ عَلَى دَيْنٍ أَوْ لِيَصْرِفَ ثُمَّ يَعْمَلَ فَأَجْر مِثْله فِي تَوَلِّيه ثُمَّ قِرَاض مِثْله فِي رِبْحِهِ كَلَكَ شِرْكٌ وَلَا عَادَةٌ أَوْ مُبْهَمٌ، أَوْ أَجَلٌ، أَوْ ضِمْنٌ، أَوْ اشْتَرِ سِلْعَةَ فُلَانٍ ثُمَّ اتَّجِرْ فِي ثَمَنِهَا أَوْ بِدَيْنٍ أَوْ مَا يَقِلُّ وُجُودُهُ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الرِّبْحِ وَادَّعَيَا مَا لَا يُشْبِهُ وَفِيمَا فَسَدَ غَيْرُهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِي الذِّمَّةِ اهـ. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ كَلَكَ شِرْكٌ وَلَا عَادَةٌ مَعَ قَوْلِهِ أَوْ مُبْهَمٍ تَكْرَارٌ عَلَى مَا عِنْدَ الْمَوَّاق
[بَابُ الْحَبْسِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا]
(بَابُ الْحَبْسِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا) عَقَدَ الشَّيْخُ هَذَا الْبَابَ مَعَ مَا انْدَرَجَ تَحْتَهُ مِنْ الْفُصُولِ لِلْكَلَامِ عَلَى التَّبَرُّعَاتِ وَمَا قَارَبَ مَعْنَاهَا وَقَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ ﵀ هُنَا مُنَاسَبَةَ هَذَا الْبَابِ لِمَا بَعْدَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَيْضًا وَهَكَذَا إلَى بَابِ الْعِتْقِ فَرَاجِعْهُ فِيهِ إنْ شِئْت (قَالَ الرَّصَّاع فِي شَرْحِ الْحُدُودِ) بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُعَبِّرُ بِالْحَبْسِ وَبَعْضُهُمْ يُعَبِّرُ بِالْوَقْفِ مُتَرَادِفَانِ.
وَهُمَا لَفْظَانِ وَالتَّعْبِيرُ بِالْوَقْفِ عِنْدَهُمْ أَقْوَى فِي التَّحْبِيسِ يُقَالُ وَقَفَهُ وَأَوْقَفَهُ وَيُقَالُ حَبَسْته وَالْحَبْسُ يُطْلَقُ عَلَى مَا وُقِفَ يَعْنِي الشَّيْءَ الْمَوْقُوفَ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْإِعْطَاءُ وَكَذَا الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ فَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ عَلَى عَادَتِهِ الْحَدَّيْنِ فَقَالَ فِي الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ إعْطَاءُ مَنْفَعَةٍ شَيْءٌ مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمٌ بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيه وَلَوْ تَقْدِيرًا قَوْلُهُ مَنْفَعَةٌ أَخْرَجَ بِهِ إعْطَاءَ الذَّاتِ كَالْهِبَةِ. قَوْلُهُ: شَيْءٌ يُرِيدُ مُتَمَوَّلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ. وَقَوْلُهُ: مُدَّةَ وُجُودِهِ أَخْرَجَ بِهِ الْعَارِيَّةَ وَالْعُمْرَى وَالْعَبْدَ الْمُخَدَّمَ حَيَاتَهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ وَخُرُوجُ الْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ مُدَّةَ وُجُودِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَهُوَ خَرَجَ أَيْضًا لِأَنَّ اللُّزُومَ فِي بَقَاءِ الْمِلْكِ يُخْرِجُهُ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ لِعَدَمِ لُزُومِهِ فِي بَقَاءِ مِلْكِ مُعْطِيهِ لِجَوَازِ الْبَيْعِ بِالرِّضَا فَخَاصِّيَّةُ الْحَبْسِ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا وَقَوْلُهُ وَلَوْ تَقْدِيرًا أَيْ وَلَوْ كَانَ اللُّزُومُ أَوْ الْمِلْكُ تَقْدِيرًا فَلُزُومُ بَقَاءِ الْمِلْكِ مِنْ خَاصِّيَّةِ الْحَبْسِ وَإِنْ كَانَ عَدَمُ اللُّزُومِ فِي الْمِلْكِ تَقْدِيرًا فَلَيْسَ مِنْ خَاصِّيَّةِ الْحَبْسِ وَأَمَّا حَدُّهُ الْأَسْمَى فَهُوَ مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ إلَخْ.
وَبَيَانُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَصْدَرِيِّ وَكَلَامُ الشَّيْخِ صَرِيحٌ
стр. 464
فِي أَنَّ الْحَبْسَ عَلَى مِلْكِ الْمُحَبِّسِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْبَاجِيُّ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ خِلَافَ قَوْلِ اللَّخْمِيّ الْحَبْسُ يُسْقِطُ الْمِلْكَ وَهُوَ غَلَطٌ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ إنْ شِئْت
الْحَبْسُ فِي الْأُصُولِ جَائِزٌ وَفِي ... مُنَوَّعِ الْعَيْنِ بِقَصْدِ السَّلَفِ
وَلَا يَصِحُّ فِي الطَّعَامِ وَاخْتَلَفْ ... فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ مَنْ سَلَفْ
يَعْنِي أَنَّ تَحْبِيسَ الْأُصُولِ كَالدُّورِ وَالْجَنَّاتِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَحْبِيسُ مُنَوَّعِ الْعَيْنِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ الْعَيْنِ الْمُنَوَّعِ إلَى ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ لِقَصْدِ السَّلَفِ بِحَيْثُ تُوضَعُ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ بِإِشْهَادٍ عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهَا لِمَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا مِمَّنْ هُوَ مَلِيُّ الذِّمَّةِ إمَّا بِرَهْنٍ أَوْ جَمِيلٍ وَهُوَ الْأَوْلَى أَوْ بِلَا شَيْءٍ حَسْبَمَا يُرَى ذَلِكَ مَنْ جُعِلَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَقَدْ ذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ بِقِيسَارِيَّةِ فَاسَ دَرَاهِمُ نَحْوُ أَلْفِ أُوقِيَّةٍ مُحَبَّسَةٍ بِقَصْدِ السَّلَفِ فَكَانَ مَنْ يَتَسَلَّفُهَا يَرُدُّ بَعْضَهَا نُحَاسًا وَيَمْتَنِعُ مِنْ تَبْدِيلِهِ فَمَا زَالَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى انْدَرَسَتْ.
ثُمَّ أَخْبَرَ النَّاظِمُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَحْبِيسُ الطَّعَامِ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهِ هِيَ إتْلَافُ عَيْنِهِ وَاسْتِهْلَاكُهُ وَأَنَّ مَنْ سَلَفَ وَتَقَدَّمَ مِنْ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفُوا فِي تَحْبِيسِ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ تَحْبِيسَهَا وَرَآهَا كَالْأُصُولِ وَالْعَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ وَرَآهَا كَالطَّعَامِ فَمَنْ سَلَفْ هُوَ فَاعِلُ اخْتَلَفْ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَاللَّامِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَلَفْظُ الْحَبْسِ أَوَّلَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ بِسُكُونِ الْبَاءِ لِلْوَزْنِ أَمَّا وَقْفُ الْأُصُولِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدِّيَارِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَوَائِطِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَصَانِعِ وَالْآبَارِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ وَالطُّرُقِ شَائِعًا أَوْ غَيْرَهُ اهـ وَالْمَصَانِعُ جَمْعُ مَصْنَعٍ وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ وَمِنْهُ ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] (التَّوْضِيحُ) قَوْلُهُ شَائِعًا كَمَا لَوْ وُقِفَ نِصْفُ دَارٍ أَوْ غَيْرُ شَائِعٍ وَلَا يُرِيدُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَشَاعِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً أَعْنِي فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَاخْتُلِفَ إنْ فَعَلَ هَلْ يَنْفُذُ تَحْبِيسُهُ أَوَّلَا وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ اللَّخْمِيّ آخِرَ الشُّفْعَةِ فَقَالَ لِأَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَقْدِرُ حِينَئِذٍ عَلَى بَيْعِ جَمِيعِهَا وَإِنْ فَسَدَ شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصْلِحُ مَعَهُ وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْأَوَّلَ اللَّخْمِيّ وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مِمَّا يُقْسَمُ جَازَ الْحَبْسُ إذْ لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقَ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى التَّحْبِيسِ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ بِيعَ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقَ مِنْ الثَّمَنِ مِنْ حِصَّتِهِ اشْتَرَى بِهِ مَا يَكُونُ صَدَقَةً مُحَبَّسَةً فِي مِثْلِ مَا سَبَلهَا فِيهِ الْمُتَصَدِّقُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ. اهـ.
وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ إنْ كَانَ عُلْوٌ وَسُفْلٌ لِرَجُلَيْنِ فَلِرَبِّ الْعُلْوِ رَدُّ تَحْبِيسِ ذِي السُّفْلِ أَسْفَلَهُ لِأَنَّهُ إنْ فَسَدَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَصْلُحُهُ لَهُ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ بِيعَ يُرِيدُ إذَا دَعَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ إلَى بَيْعٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ قَاسِمُ بْنُ سَعِيدٍ الْعُقْبَانِيُّ فِي جَوَابٍ لَهُ عَنْ مِثْلِ النَّازِلَةِ وَلَفْظُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْقِسْمَةَ بَطَلَ التَّحْبِيسُ بِبَيْعِ الْمُشْتَرَكِ إنْ دَعَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ إلَى الْبَيْعِ ثُمَّ بَعْدَ بُطْلَانِ التَّحْبِيسِ يَكُونُ الثَّمَنُ مِلْكًا لِلْمُحَبِّسِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إذَا دَعَا إلَيْهِ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ وَأَنَّ الثَّمَنَ الْمَقْبُوضَ فِي الشِّقْصِ الْمُحَبَّسِ يَكُونُ مِلْكًا لِلْبَائِعِ يَفْعَلُ بِهِ مَا شَاءَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي آخِرِ جَوَابٍ لِلْإِمَامِ أَبِي عِمْرَانَ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعْطِي الْعَبْدُوسِيِّ مَا نَصُّهُ وَمَا يَحْمِلُ الْقَسْمَ بِيعَ وَنُدِبَ لِأَهْلِ الْحَبْسِ أَنْ يُعَوِّضُوا الْحَبْسَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يُجْبَرُونَ وَيُفْسَخُ الْحَبْسُ وَيُجْبَرُونَ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ اهـ.
نَقَلَهُ صَاحِبُ
стр. 465
الْمِعْيَارِ بَعْدَ نَحْوِ كَرَاسَّيْنِ مِنْ نَوَازِلِ الْأَحْبَاسِ وَإِلَى الْخِلَافِ فِي الْقَضَاءِ بِذَلِكَ وَعَدَمِهِ أَشَارَ فِي التَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِ آخِرَ الْكَلَامِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ بِيعَ أَيْ يُبَاعُ جَمِيعُ الْأَصْلِ لَا الْحِصَّةُ الْمُحْبَسَةُ فَقَطْ كَذَا نَقَلَهُ فِي الْمِعْيَارِ قَبْلَ الْمَحَلِّ الْمُتَقَدِّمِ بِوَرَقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقَ مِنْ الثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَأْتِي صَرِيحًا بَعْدَ أَبْيَاتٍ فِي قَوْلِهِ وَفِي
جُزْءٍ مُشَاعٍ حُكْمُ تَحْبِيسٍ قُفِيّ
وَهُنَاكَ كَانَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا أَنْسَبَ وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَرْضَ الشَّرِيكُ بِشَرِكَةِ الْحَبْسِ أَمَّا إنْ رَضِيَ وَحَازَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا وَقْفُ الْعَيْنِ بِقَصْدِ السَّلَفِ فَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنَّهُ يَجُوزُ وَقْفُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِتُسَلَّفَ وَأَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ وَقْفِ الطَّعَامِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ الطَّعَامِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ نَحْوَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِي اسْتِهْلَاكِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْوَقْفُ مَعَ بَقَاءِ الذَّوَاتِ لِيَنْتَفِعَ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا ثُمَّ قَالَ فِي وَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِلسَّلَفِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ كَذَلِكَ أَيْ يَجُوزُ وَقْفُهُ لِلسَّلَفِ (قَالَ الشَّارِحُ) الطَّعَامُ فِي مَعْنَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَوْقُوفَةِ لِلسَّلَفِ إذَا وُقِفَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ مِثْلُهُمَا وَالْمَنْفَعَةُ فِي كِلَيْهِمَا فِي اسْتِهْلَاكِهِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يُوقَفَ الطَّعَامُ لِلسَّلَفِ كَالْعَيْنِ تَخْرِيجًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ اهـ.
وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي وَقْفِ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ رِوَايَتَانِ التَّوْضِيحُ أَيْ فِي جَوَازِ وَقْفِ الْحَيَوَانِ وَمَنْعِهِ فَحَذَفَ مُضَافَيْنِ وَالصَّحِيحُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ خَالِدًا أَحَبَسَ أَدْرُعَهُ وَأَعْبُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ أَسْفَلَ وَفِي رِوَايَةِ أَعْتُدَهُ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ابْنُ حَجَرٍ جَمْعُ عَتِيدٍ وَهُوَ الْفَرَسُ الصُّلْبُ الْمُعَدُّ لِلرُّكُوبِ وَقِيلَ السَّرِيعُ الْوَثْبِ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلِمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ كَانَ شِبَعُهُ وَرَيُّهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي الْبَيَانِ ثَالِثٌ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ اهـ.
فَمُقَابِلُ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَحْتَمِلُ الْمَنْعُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلَ كَلَامِهِ وَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي الْبَيَانِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يُحْكَمُ بِالْحَبْسِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ التَّحْبِيسِ وَثُبُوتِ مِلْكِ الْمُحَبِّسِ لِمَا حَبَسَهُ يَوْمَ التَّحْبِيسِ وَبَعْدَ أَنْ تَتَعَيَّنَ الْأَمْلَاكُ الْمُحَبَّسَةُ بِالْحِيَازَةِ لَهَا عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ وَبَعْدَ الْأَعْذَارِ إلَى الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ لَمْ تُسْمَعْ وَلَا بَيِّنَتُهُ إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ لَا تَسْقُطُ الْحِيَازَةُ وَلَوْ طَالَتْ الدَّعْوَى فِي الْحَبْسِ بِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي جَمَاعَةٍ حَائِزِينَ لِأَمْلَاكٍ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً فَادَّعَى شَخْصٌ وَقْفَهَا وَهُوَ حَاضِرٌ سَاكِتٌ عَالِمٌ بِالتَّصَرُّفِ فَقَالَ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ التَّحْبِيسُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَيَثْبُتُ عَقْدُ التَّحْبِيسِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خُطُوطِ شُهَدَائِهِ (وَفِي التَّوْضِيحِ) فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ مَا نَصُّهُ قَالَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ مَا نَصُّهُ لَوْ شَهِدُوا عَلَى أَصْلِ الْحَبْسِ لَمْ يَكُنْ حَبْسًا حَتَّى يَشْهَدُوا بِالْمِلْكِ لِلْمُحَبِّسِ يَوْمَ حَبَّسَ وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى السَّمَاعِ وَلَا يُسَمُّونَ الْمُحَبَّسَ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ مِلْكٍ قَالَ وَلَا تُفِيدُ أَيْ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي الْحَبْسِ إلَّا مَعَ الْقَطْعِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ يُحْتَرَمُ بِحُرْمَةِ الْأَحْبَاسِ اهـ.
وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْحَبْسِ إنْ كَانَتْ عَلَى الْقَطْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ لِلْمُحَبِّسِ لِمَا حُبِسَ يَوْمَ حُبِسَ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى السَّمَاعِ فَلَا يُحْتَاجُ لِذَلِكَ بَلْ يَكْفِي الْقَطْعُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّهُ يُحْتَرَمُ بِحُرْمَةِ الْأَحْبَاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي نَوَازِلِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمِعْيَارِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ قَالَ شَاهَدْت عَقْدَ حَبْسٍ كَانَ أَبُو عَمْرٍو الشَّاطِبِيُّ كَتَبَهُ وَفِيهِ يُعَرِّفُونَ الدَّارَ الَّتِي بِمَوْضِعِ كَذَا حَبْسًا مِنْ تَحْبِيسِ فُلَانٍ وَأَنَّهَا تُحْتَرَمُ بِاحْتِرَامِ الْأَحْبَاسِ وَتُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَحْبَاسُ فَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ ذَكْوَانَ لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ حُكْمٌ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْمُحْبِسِ وَمَوْتِهِ وَوِرَاثَتِهِ وَالْأَعْذَارِ فِي ذَلِكَ اهـ.
стр. 466
وَلِلْكِبَارِ وَالصِّغَارِ يُعْقَدُ ... وَلِلْجَنِينِ وَلِمَنْ سَيُوجَدُ
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَقْتَ التَّحْبِيسِ وَلَا بَالِغًا بَلْ يَجُوزُ التَّحْبِيسُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَعَلَى الْمَوْجُودِ مَوْلُودًا أَوْ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَعَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ رَأْسًا كَمَنْ يُولَدُ لِزَيْدٍ وَزَيْدٌ صَبِيٌّ صَغِيرٌ (ابْنُ سَلْمُونٍ) وَيَجُوزُ عَلَى الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَعَلَى الْجَنِينِ وَمَنْ يُولَدُ (وَقَالَ الْمُتَيْطِيّ) وَيَجُوزُ الْحَبْسُ عَلَى الْحَمْلِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِمَالِكٍ ﵀ مِنْ إجَازَتِهِ الْحَبْسَ عَلَى الْأَعْقَابِ الَّذِينَ لَمْ يُولَدُوا وَلَا كَانُوا فِي حِينِ التَّحْبِيسِ وَأَعْقَابِ الْأَعْقَابِ الَّذِينَ يَأْتُونَ وَهْم فِي حِينِ التَّحْبِيسِ غَيْرَ مَخْلُوقِينَ لَا بِحَمْلٍ وَلَا بِغَيْرِهِ فَكَيْفَ بِمَا فِي الْبَطْنِ وَقَدْ خُلِقَ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَبْسَ عَلَى الْحَمْلِ لَا يَجُوزُ وَذَلِكَ جَائِزٌ لِجَوَازِهِ عَلَى الْأَعْقَابِ (قَالَ الشَّارِحُ) وَفِي مَعْنَى الْحَبْسِ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ مِنْ حَيْثُ جَوَازُهُمَا لِلْحَمْلِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَيْطِيّ وَغَيْرُهُ وَنَائِبٌ يُعْقَدُ لِلْحَبْسِ
وَيَجِبُ النَّصُّ عَلَى الثِّمَارِ ... وَالزَّرْعِ حَيْثُ الْحَبْسُ لِلصِّغَارِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَبَّسَ حَائِطًا وَفِيهِ وَقْتَ التَّحْبِيسِ ثِمَارٌ أَوْ أَرْضًا وَفِيهَا إذْ ذَاكَ زَرْعٌ وَكَانَ التَّحْبِيسُ عَلَى الصِّغَارِ مِنْ أَوْلَادِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ هُوَ الْحَائِزُ لَهُمْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُوَثِّقَ مِنْ جِهَةِ النُّصْحِ وَرَفْعِ الشَّغَبِ أَنْ يَنُصَّ فِي الْوَثِيقَةِ عَلَى شُمُولِ التَّحْبِيسِ لِلثِّمَارِ وَالزَّرْعِ لِتَتَمَحَّضَ الْحِيَازَةُ لِلصِّغَارِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ الْأَبُ قَبْلَ جَذِّ الثَّمَرَةِ وَحَصَادِ الزَّرْعِ (قَالَ الْمُتَيْطِيّ) وَقَوْلُنَا فِي النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ إذَا كَانَ فِي الْمِلْكِ زَرْعٌ وَفِي الْأُصُولِ ثَمَرَةٌ وَأَتْبَعَ الْمُحَبِّسُ فُلَانٌ بَنِيهِ الْمَذْكُورِينَ نَصِيبَهُ فِي جَمِيعِ زَرْعِ هَذِهِ الْأَمْلَاكِ وَثَمَرَتِهَا إلَى تَمَامِ هَذَا الْفَصْلِ هُوَ الصَّوَابُ فَإِنْ أَبْقَى الْمُحَبِّسُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُحَبِّسْهُ مَعَ الْأَصْلِ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُحْصَدَ الزَّرْعُ أَوْ تُجَذَّ الثَّمَرَةُ وَالْحَبْسُ عَلَى الصِّغَارِ بَطَلَ الْحَبْسُ وَرَجَعَ مِيرَاثًا إذَا كَانَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ فِي أَكْثَرِ الْحُبَاسَةِ لِأَنَّهُ شَغَلَ الْحُبَاسَةَ بِزَرْعِهِ وَثَمَرَتِهِ فَلَمْ تَتِمَّ الْحِيَازَةُ فِيهَا فَإِذَا ذَكَرْت أَنَّهُ حَبَّسَ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَةَ مَعَ الْأُصُولِ أَوْ أَتْبَعَتْهَا بِهِ صَحَّتْ الْحِيَازَةُ اهـ.
وَمَنْ يُحَبِّسُ دَارَ سُكْنَاهُ فَلَا ... يَصِحُّ إلَّا أَنْ يُعَايِنَ الْخَلَا
وَنَافِذٌ تَحْبِيسُ مَا قَدْ سَكَّنَهْ ... بِمَا كَالِاكْتِرَاءِ مِنْ بَعْدِ السَّنَهْ
إنْ كَانَ مَا حُبِسَ لِلْكِبَارِ ... وَمِثْلُ ذَاكَ فِي الْهِبَاتِ جَارِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَبَّسَ دَارَ سُكْنَاهُ عَلَى بَنِيهِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ مِنْهَا وَمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ خَلَاءَهَا مِنْهُ وَمِنْ أَثَاثِهِ وَأَسْبَابِهِ سَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهَا قَبْلَ كَمَالِ السَّنَةِ وَاسْتَمَرَّ فِيهَا إلَى أَنْ مَاتَ بَطَلَ التَّحْبِيسُ وَإِنْ رَجَعَ إلَيْهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَإِنْ كَانَ التَّحْبِيسُ عَلَى الْكِبَارِ نَفَذَ التَّحْبِيسُ وَصَحَّ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى الصِّغَارِ بَطَلَ أَيْضًا وَهَذَا التَّفْصِيلُ بِعَيْنِهِ يَجْرِي فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ هَذَا فِي تَحْبِيسِ دَار سُكْنَى الْمُحَبَّسِ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَقَالَ الْمُتَيْطِيّ فَإِنْ كَانَ التَّحْبِيسُ فِي دَارٍ لَا يَسْكُنُهَا الْأَبُ عُقِدَ الْإِشْهَادُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَانَتْ حِيَازَتُهُ عَلَى بَنِيهِ بِالْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ نَافِذَةً جَائِزَةً وَكَذَلِكَ فِي الْأَمْلَاكِ وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي سُكْنَاهُ لَمْ تَكُنْ الْحِيَازَةُ فِيهَا إلَّا بِأَنْ يُخَلِّيَهَا وَيَنْتَقِلَ عَنْهَا وَيُعَايِنَهَا الشُّهُودُ خَالِيَةً وَيَحُوزُوهَا (فِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَيْضًا) وَلَا يَسْكُنُ الدُّورَ الْمُحَبَّسَةَ حَتَّى يُخْلِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ عَامًا أَوْ أَكْثَرَ وَقِيلَ عَامَيْنِ وَيُكْرِيهَا فِي الْعَامِ وَالْعَامَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ بِاسْمِ بَنِيهِ وَيَعْقِدُهَا فِي ذَلِكَ عَقْدًا فَإِنْ عَادَ إلَى سُكْنَاهَا قَبْلَ مُرُورِ الْعَامِ أَوْ شَغَلَهَا بِمَتَاعِهِ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا وَتُصَحَّحَ حِيَازَتُهَا بَطَلَتْ الْحُبَاسَةُ فِيهَا وَرَجَعَتْ مِيرَاثًا وَإِنْ عَادَ إلَى سُكْنَاهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ مُرُورِ الْعَامِ نَفَذَ الْحَبْسُ وَإِنْ مَاتَ فِيهَا لَمْ يُوهَنْ ذَلِكَ الْمُحَبِّسَ إذَا كَانَ رُجُوعُهُ إلَيْهَا بِالْكِرَاءِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَنَحْوُهُ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ وَسَوَّى فِي هَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فِي رُجُوعِهِ إلَيْهَا بَعْدَ الْعَامِ أَوْ الْعَامَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ وَأَنَّهَا
стр. 467
تَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ إلَيْهَا بَعْدَ الْعَامِ أَوْ الْعَامَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا فَتَجُوزُ اهـ.
وَعَلَى مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ذَهَبَ النَّاظِمُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِحِيَازَةِ الْعَامِ فِي الْمَالِكِينَ أُمُورَهُمْ فَقَوْلُ مَالِكٍ.
وَالْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ بِعُمْرَى أَوْ كِرَاءٍ أَوْ إرْفَاقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ سَنَةً فَإِنَّ الْوَقْفَ نَافِذٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا الصِّغَارُ فَمَتَى سَكَنَ أَوْ عَمَرَ وَلَوْ بَعْدَ عَامٍ بَطَلَ انْتَهَى مَا لِابْنِ رُشْدٍ قَالَ الْمَوَّاق وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ عَاتٍ وَلَا ابْنُ سَلْمُونٍ إلَّا هَذَا خَاصَّةً وَرَأَيْت فَتْوَى لِابْنِ لُبٍّ إنْ خَلَّى مَا حَبَسَهُ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ عَامًا كَامِلًا فَلَا يَضُرُّ رُجُوعُهُ إلَيْهِ اهـ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ بِهَذَا جَرَى الْعَمَلُ يَعْنِي إذَا أَخْلَاهَا مِنْهُ أَنَّهَا حِيَازَةٌ فِي الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ الْمُتَيْطِيّ انْتَهَى كَلَامُ الْمَوَّاق (فَرْعٌ) وَأَمَّا لَوْ سَكَنَ بَعْضُهَا فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ فَحَوْزُهُ لَهُمْ حَوْزٌ إلَّا أَنْ يَسْكُنَهَا أَوْ جُلَّهَا حَتَّى مَاتَ فَيَبْطُلَ جَمِيعُهَا فَإِنْ سَكَنَ مِنْ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ ذَاتِ الْمَسَاكِنِ أَقَلَّهَا وَأَكْرَى لَهُمْ بَاقِيَهَا نَفَذَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا سَكَنَ وَمَا لَمْ يَسْكُنْ وَلَوْ سَكَنَ الْجُلَّ وَأَكْرَى لَهُمْ الْأَقَلَّ بَطَلَ الْجَمِيعُ.
وَفِي النُّكَتِ إذَا سَكَنَ الْقَلِيلَ وَأَبْقَى الْكَثِيرَ خَالِيًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُكْرِيَهُ لِلْأَصَاغِرِ لِأَنَّ تَرْكَهُ لِكِرَائِهِ مَنْعٌ لَهُ فَكَأَنَّهُ إبْقَاءٌ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ كَانْتِقَالِهِ إيَّاهُ لِسُكْنَاهُ عِيَاضٌ وَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ النَّظَرِ ظَاهِرٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ
وَكُلُّ مَا يَشْتَرِطُ الْمُحَبِّسُ ... مِنْ سَائِغٍ شَرْعًا عَلَيْهِ الْحَبْسُ
مِثْلَ التَّسَاوِي وَدُخُولِ الْأَسْفَلِ ... وَبَيْعُ حَظِّ مَنْ بِفَقْرٍ اُبْتُلِيَ
يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا يَشْتَرِطُهُ الْمُحَبِّسُ مِمَّا يَسُوغُ لَهُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ كَمَا يُمَثِّلُ لَهُ فِي الْبَيْتِ فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ نَافِذٌ مَاضٍ أَيْ مَعْمُولٌ بِهِ فَقَوْلُهُ. وَكُلُّ مَعْطُوفٌ عَلَى تَحْبِيسُ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ
وَنَافِذٌ تَحْبِيسُ مَا قَدْ سَكَنَهُ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ جُمْلَةُ عَلَيْهِ الْحَبْسُ أَيْ وَكُلُّ مَا يَشْتَرِطُهُ الْمُحَبِّسُ مِمَّا هُوَ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّ الْحَبْسَ جَارٍ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِاشْتِرَاطِ التَّسَاوِي بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي الْغَلَّةِ وَاشْتِرَاطِ دُخُولِ الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مَعَ الْعُلْيَا وَاشْتِرَاطِ أَنَّ مَنْ احْتَاجَ مِنْ الْمُحْبِسِ عَلَيْهِمْ بَاعَ نَصِيبَهُ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَمَهْمَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مَا يَجُوزُ لَهُ جَازَ وَاتُّبِعَ قَوْلُهُ كَتَخْصِيصِ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ أَصْحَابِ مَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ (التَّوْضِيحُ) لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْوَاقِفِ تُتَّبَعُ كَأَلْفَاظِ الشَّارِعِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ مِمَّا لَوْ شَرَطَ مَعْصِيَةً وَلَا يُعَارَضُ هَذَا بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي نَقْلِ أَنْقَاضِ الْمَسْجِدِ إذَا دَثَرَ وَأُيِسَ مِنْ عِمَارَتِهِ لِخَرَابِ الْبَلَدِ وَنَحْوِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ لِأَنَّ شَرْطَهُ إنَّمَا يُتَّبَعُ مَعَ الْإِمْكَانِ وَلِأَنَّ هَذَا أَوْفَى لِقَصْدِهِ لِدَوَامِ الِانْتِفَاعِ بِوَقْفِهِ.
وَكَذَلِكَ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَقْبَرَةٍ عَفَتْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبْنَى فِيهَا مَسْجِدٌ وَكُلُّ مَا كَانَ لِلَّهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي أَرْضٍ مُحَبَّسَةٍ لِدَفْنِ الْمَوْتَى فَضَاقَتْ بِأَهْلِهَا وَأَرَادُوا أَنْ يَتَوَسَّعُوا وَيَدْفِنُوا بِمَسْجِدٍ بِجَانِبِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَذَلِكَ حَبْسٌ كُلُّهُ (الْحَطَّابُ) مَفْهُومُ قَوْلِ خَلِيلٍ وَاتُّبِعَ شَرْطُهُ إنْ جَازَ أَنَّ شَرْطَ
стр. 468
مَا لَا يَجُوزُ لَا يُتَّبَعُ وَهَذَا إذَا شَرَطَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
شَيْئًا مُتَّفَقًا عَلَى مَنْعِهِ وَإِلَّا فَقَدْ نَصَّ فِي النَّوَادِرِ وَالْمُتَيْطِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي وَقْفِهِ إنْ وُجِدَ ثَمَنُ رَغْبَةِ بَيْعٍ اُشْتُرِيَ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ مَضَى وَعَمِلَ بِشَرْطِهِ وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ اشْتِرَاطِ إخْرَاجِ الْبَنَاتِ مِنْ الْوَقْفِ إذَا تَزَوَّجْنَ وَحَصَّلَ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وَقَالَ اللَّخْمِيّ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ إلَى أَنْ قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُدْخِلَ فِيهِ الْبَنَاتَ وَإِنْ حِيزَ أَوْ مَاتَ الْمُحَبِّسُ فَاتَ وَكَانَ عَلَى مَا حَبَسَهُ اهـ.
فَانْظُرْ كَيْفَ مَضَى بَعْدَ الْفَوَاتِ لِلْخِلَافِ الَّذِي فِيهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيّ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ حَبَسَ دَارًا وَشَرَطَ عَلَى الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ أَنْ يَرُمَّهَا إنْ احْتَاجَتْ قَالَ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَذَلِكَ كِرَاءٌ وَلَيْسَ بِحَبْسٍ فَإِذَا نَزَلَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَرَّ مِنْهَا مِنْ غَلَّتِهَا فَأَجَازَ الْحَبْسَ وَأَسْقَطَ الشَّرْطَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَرُدُّ الْحَبْسَ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَانْظُرْ الْحَطَّابَ فِيمَنْ حَبَسَ كُتُبًا وَاشْتَرَطَ أَنَّهُ لَا يُعْطِي إلَّا كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابٍ أَوْ اشْتِرَاطُ عَدَمِ خُرُوجِهَا مِنْ الْمَدْرَسَةِ وَهَلْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ لَفْظُ الْمُحَبِّسِ أَوْ قَصْدُهُ وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْعَبْدُوسِيُّ فِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ لَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْحَبْسِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا وَعَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَرَضِيَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ أَوَائِلَ السِّفْرِ الرَّابِعِ وَانْظُرْ الْحَطَّابَ أَيْضًا عَلَى مَنْ بَنَى مَدْرَسَةً وَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَسْكُنَهَا إلَّا مَنْ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي مَسْجِدِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا فِي غَيْرِهَا وَأَنْ يَحْضُرَ حِزْبَ الْقُرْآنِ الْمُرَتَّبَ إنْ كَانَ قَارِئًا وَيَحْضُرُ الْمِيعَادَ فِي وَقْتِهِ.
وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ سُكْنَى وَقَالَ إنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا وَانْظُرْهُ أَيْضًا عَلَى مَنْ وَقَفَ كِتَابًا عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَشَرَطَ أَنْ لَا يُعَارَ إلَّا بِرَهْنٍ هَلْ يَصِحُّ هَذَا الرَّهْنُ أَوْ لَا وَعَلَى مَا إذَا خُصَّ مَسْجِدٌ بِمُعَيَّنِينَ كَأَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَشْتَرِطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ لَا يَتَوَلَّاهُ إلَّا مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ مَثَلًا اهـ.
وَفِي جَوَابِ ثَانِي نَازِلَةٍ مِنْ نَوَازِلِ الْأَحْبَاسِ مِنْ الْمِعْيَارِ مَا نَصُّهُ وَإِنَّمَا يَسْكُنُ الْمَدْرَسَةَ مَنْ بَلَغَ عِشْرِينَ سَنَةً فَمَا فَوْقَهَا وَأَخَذَ فِي قِرَاءَةِ الْعِلْمِ وَدَرْسِهِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَيَحْضُرُ قِرَاءَةَ الْحِزْبِ صُبْحًا وَمَغْرِبًا وَيَحْضُرُ مَجْلِسَ مُقِرِّيهَا
стр. 469
مُلَازِمًا لِذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ مِنْ مَرَضٍ وَشَبَهِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِتَخَلُّفِهِ فَإِذَا سَكَنَ فِيهَا عَشَرَةَ أَعْوَامٍ وَلَمْ تَظْهَرْ نَجَابَتُهُ أُخْرِجَ مِنْهَا جَبْرًا لِأَنَّهُ يُعَطِّلُ الْحَبْسَ وَلَا يُخَزَّنُ فِي الْمَدْرَسَةِ مَنْ سَكَنَهَا بِاسْتِحْقَاقٍ إلَّا قَدْرَ عَوْلِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْأَحْبَاسِ وَهَذَا كُلُّهُ مَنْصُوصٌ لِأَئِمَّتِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ اهـ.
وَكَانَ هَذِهِ شُرُوطٌ مِنْ الْمُحَبِّسِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ اتِّبَاعُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَحَيْثُ جَاءَ مُطْلَقًا لَفْظُ الْوَلَدْ ... فَوَلَدُ الذُّكُورِ دَاخِلٌ فُقِدْ
لَا وَلَدُ الْإِنَاثِ إلَّا حَيْثُمَا ... بِنْتٌ لِصُلْبٍ ذِكْرُهَا تَقَدَّمَا
وَمِثْلُهُ فِي ذَا بَنِيَّ وَالْعَقِبْ ... وَشَامِلٌ ذُرِّيَّتِي فَمُنْسَحِبْ
عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَمَّا أَرَادَ النَّاظِمُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ بِبَيَانِ مُقْتَضَى الْأَلْفَاظِ أَيْ بَابُ بَيَانِ الْأَلْفَاظِ الْوَاقِعَةِ فِي لَفْظِ الْمُحَبِّسِ أَيْ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِ تُبْنَى مَسَائِلُ الْحَبْسِ بِاعْتِبَارِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ لِكَوْنِ لَفْظِ الْمُحَبِّسِ مُحْتَمَلًا غَيْرَ صَرِيحٍ فِي الْمُرَادِ وَقَدْ أَلَّفَ فِيهِ الْحَطَّابُ تَأْلِيفًا حَسَنًا أَبْدَى فِيهِ وَأَعَادَ عَلَى عَادَتِهِ ﵁ فَعَلَيْك بِهِ يَعْنِي أَنَّ لَفْظَ الْوَلَدِ لَا يَشْمَلُ إلَّا وَلَدَ الِابْنِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبِنْتِ فَإِذَا قَالَ الْمُحَبِّسُ هَذِهِ الدَّارُ مَثَلًا حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي دَخَلَ وَلَدُ الصُّلْبِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْوَلَدِ.
وَلَا إشْكَالَ وَدَخَلَ أَوْلَادُ الِابْنِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ وَأَوْلَادُ ابْنِ الِابْنِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ وَهَكَذَا وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبِنْتِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ حَبْسٌ عَلَى أَوْلَادِي بِصِيغَةِ الْجَمِيعِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الصُّلْبِ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ وَوَلَدَ الذُّكُورِ مِنْهُمْ
стр. 470
وَلَا يَشْمَلُ وَلَدَ الْبِنْتِ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَحَيْثُ جَاءَ مُطْلَقًا لَفْظُ الْوَلَد ... فَوَلَدُ الذُّكُورِ دَاخِلٌ فُقِدْ
لَا وَلَدُ الْإِنَاثِ إلَّا حَيْثُمَا ...
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَحَيْثُ جَاءَ لَفْظُ الْوَلَدِ مُطْلَقًا مِمَّا لَوْ جَاءَ مُقَيَّدًا كَمَا لَوْ قَالَ حَبْسٌ عَلَى وَلَدَيَّ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ وَأَوْلَادِهِمَا فَإِنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ دَاخِلٌ.
وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ فِي قَوْلِهِ إلَّا حَيْثُمَا
بِنْتٌ لِصُلْبٍ ذِكْرُهَا تَقَدَّمَا
أَيْ فَلَا يَخْرُجُ وَلَدُ الْبِنْتِ مِنْ لَفْظِ الْمُحَبِّسِ حِينَئِذٍ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ لِلتَّصْرِيحِ بِالْبِنْتِ ثُمَّ بِلَفْظِ الْوَلَدِ الْمُتَّصِلِ بِضَمِيرِ مَنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنْ وَلَدٍ وَبِنْتٍ وَهُوَ مَعْنَى ذِكْرُهَا تَقَدَّمَا.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ حَبْسٌ عَلَى بَنِيَّ أَوْ عَلَى عَقِبِي فَإِنَّهُ يَشْمَلُ وَلَدَ الِابْنِ دُونَ وَلَدِ الْبِنْتِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَمِثْلُهُ فِي ذَا بَنِيَّ وَالْعَقِبْ
أَيْ مِثْلُ الْوَلَدِ فَبَنِيَّ مُبْتَدَأٌ وَالْعَقِبُ عَطْفٌ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ أَيْ أَنَّ لَفْظَ بَنِيَّ وَالْعَقِبُ مِثْلُ لَفْظِ الْوَلَدِ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ شُمُولُ وَلَدِ الِابْنِ دُونَ وَلَدِ الْبِنْتِ وَأَمَّا إذَا قَالَ حَبْسٌ عَلَى ذُرِّيَّتِي فَإِنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ دَاخِلٌ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَشَامِلٌ ذُرِّيَّتِي فَمُنْسَحِبْ
فَذُرِّيَّتِي مُبْتَدَأٌ وَشَامِلٌ خَبَرُهَا وَمُنْسَحِبْ عَطْفٌ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى وَشَامِلٌ وَالْأَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْوَاوِ لَا بِالْفَاءِ أَيْ لَفْظُ الذُّرِّيَّةِ شَامِلٌ لِوَلَدِ الْبِنْتِ وَمُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَدِي.
وَأَوْلَادِي يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الصُّلْبِ مُطْلَقًا وَوَلَدَ ذُكُورِهِمْ (التَّوْضِيحُ) مُطْلَقًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَوَلَدَ ذُكُورِهِمْ دُونَ وَلَدِ الْإِنَاثِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ فِي إدْخَالِهِمْ أَيْ إدْخَالِ وَلَدِ الْإِنَاثِ فِي لَفْظِ الْوَلَدِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَوَلَدِي وَوَلَدُ وَلَدِي الْمَنْصُوصُ أَيْضًا لَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ وَأَوْلَادِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانَةُ وَأَوْلَادُهُمْ يَدْخُلُونَ اتِّفَاقًا.
(قَالَ الْبَاجِيُّ) وَأَخْطَأَ ابْنُ زَرْبٍ وَعَقِبِي كَوَلَدِي فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ ابْنِي فَلَيْسَ بِعَقِبٍ وَنَسْلِي كَذَا وَذُرِّيَّتِي يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ انْتَهَى لَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ كَافٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الْمُقَرَّبِ مَا نَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَذِهِ الدَّارُ حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي فَهِيَ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَلَيْسَ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ شَيْءٌ قَالَ اللَّهُ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فَأَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّهُ لَا يُقَسَّمُ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ فِي الْمِيرَاثِ شَيْءٌ اهـ.
وَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ لَفْظَ الْوَلَدِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبِنْتِ مُفْرَدًا كَانَ كَوَلَدِي أَوْ جَمْعًا كَأَوْلَادِي سَوَاءٌ عَطَفَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي أَوْ لَمْ يَعْطِفْ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ مِمَّنْ تَحْتَ وَلَدِ الصُّلْبِ لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ دُونَ وَلَدِ الْبِنْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْحَوْزُ شَرْطُ صِحَّةِ التَّحْبِيسِ ... قَبْلَ حُدُوثِ مَوْتٍ أَوْ تَفْلِيسِ
لِحَائِزِ الْقَبْضِ وَفِي الْمَشْهُورِ ... إلَى الْوَصِيِّ الْقَبْضُ لِلْمَحْجُورِ
اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ (الْأُولَى) أَنَّ الْحَوْزَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّحْبِيسِ وَيُشْتَرَط كَوْنه قَبْلَ فَلَسِ الْمُحَبِّسِ أَوْ مَوْته وَقَاعِدَة الشَّرْط أَنَّهُ يَلْزَم مَنْ عَدِمَهُ الْعَدَم فَإِذَا لَمْ يُحَزْ أَصْلًا أَوْ حِيزَ بَعْدَ مَوْت الْمُحَبِّسِ أَوْ فَلَسِهِ فَلَا يَصِحُّ وَكَذَا لَا يَصِحّ إذَا حِيزَ بَعْدَ وُقُوعِ الْمَرَضِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّصْرِيحُ بِحُكْمِ إخْلَالِ هَذَا الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ
وَبِانْسِحَابِ نَظَرِ الْمُحَبِّسِ ... لِلْمَوْتِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحَبْسِ
وَلَيْسَ اشْتِرَاطُ الْحَوْزِ خَاصًّا بِالتَّحْبِيسِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي كُلِّ مَا يَنْتَقِلُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ التَّبَرُّعُ مُطْلَقًا كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنِّحْلَةِ عَلَى قَوْلِ وَجَمِيعِ الْعَطَايَا وَالْبُطْلَانُ الْمَذْكُورُ لِعَدَمِ الْحَوْزِ إنَّمَا هُوَ إذَا حَبَّسَ فِي الصِّحَّةِ وَلَمْ يُوصِ بِتَنْفِيذِهِ فِي مَرَضِهِ أَمَّا إذَا حَبَّسَ فِي الْمَرَضِ وَمَاتَ مِنْهُ أَوْ فِي صِحَّتِهِ وَأَوْصَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِإِنْفَاذِهِ فَإِنَّهُ يُنْفَذُ عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ مَا حَمَلَهُ الثُّلُثَ مَضَى وَمَا لَمْ يَحْمِلْهُ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
(قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ سَحْنُونٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْت مَنْ حَبَّسَ نَخْلَ حَائِطِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ قَالَ يَبْطُلُ حَبْسُهُ وَيَكُونُ مِيرَاثًا إلَّا أَنْ يُوصِيَ فِي مَرَضِهِ بِإِنْفَاذِ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ هَذَا فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ وَهَبَ هِبَةً لِمَنْ يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَقْبِضْ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ وَهَبَهُ حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ أَوْ الْوَاهِبُ لَمْ يَنْفُذْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَانَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ وَالْعَطَايَا وَالنِّحَلُ فِي هَذَا عَلَى مَا فَسَّرْت لَك قُلْت لَهُ فَإِنْ حَبَّسَ نَخْلَ حَائِطِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي مَرَضٍ. وَلَمْ يَخْرُجْ الْحَائِطُ مِنْ يَدِهِ
стр. 471
حَتَّى مَاتَ فَقَالَ هَذِهِ وَصِيَّةٌ جَائِزَةٌ إذَا حَمَلَهَا الثُّلُثُ وَكَذَا مَا فَعَلَهُ الْمَرِيضُ مِنْ بَتِّ صَدَقَةٍ أَوْ بَتِّ عِتْقٍ لَيْسَ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَبْضٍ وَيُتْرَكُ فِي يَدِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَيَكُونَ فِي الثُّلُثِ أَوْ يَصِحُّ فَيُنَفَّذُ الْبَتْلُ كُلُّهُ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كَانَ بَتْلُهُ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخِلَافِ مَا أَعْلَمْتُك فِي الصَّحِيحِ لَا يَجُوزُ مِنْ فِعْلِ الصَّحِيحِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْت لَك إلَّا مَا قُبِضَ وَحِيزَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُفْلِسَ اهـ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي) فِي أَنَّ الْحَائِزَ لِلْحَبْسِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ هُوَ الْمُعْطِي لَهُ مِنْ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَغَيْرِهِمَا إنْ كَانَ رَشِيدًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَهُوَ مُرَادُهُ بِجَائِزِ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَلَوْ بَالِغًا فِي الْمَشْهُورِ أَنَّ الْحَائِزَ لَهُ هُوَ حَاجِزُهُ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ وَصِيٍّ وَصِيِّهِ وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيّ) وَإِذَا حَبَّسَ الرَّجُلُ عَلَى مُوَلًّى عَلَيْهِ فَالْأَحْسَنُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقْبِضَ لَهُ وَصِيُّهُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ مَالِكٌ أَمْرَهُ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي قَبْضِ الْمُوَلَّى مَا حُبِسَ عَلَيْهِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) إنْ فَوَّضَتْ الْأُمُّ قَبْضَ هِبَتِهَا لِابْنِهَا أَوْ إلَى غَيْرِ الْأَبِ حَتَّى يَبْلُغَ الِابْنُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ذَكَرْت ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ أَنَّ يَتِيمًا أَلْزَمَتْهُ وِلَايَةٌ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ وَشَرَطَ فِي صَدَقَتِهِ أَنْ تَكُونَ يَدُ الْيَتِيمِ مُنْطَلِقَةً عَلَيْهَا أَوْ لَا يَنْظُرُ الْوَصِيُّ فِيهَا بِشَيْءٍ وَلَا يَأْخُذُهَا ثِقَافُ الْوِلَايَةِ فَإِنَّ لَهُ شَرْطَهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْوِلَايَةُ فِيمَا وَرِثَ الْيَتِيمُ أَوْ اسْتَفَادَ أَوْ أُعْطِيَ بِغَيْرِ هَذَا الشَّرْطِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْأُمِّ تَفْوِيضُ قَبْضِ مَا وَهَبَتْهُ لِابْنِهَا الصَّغِيرِ الَّذِي فِي حِجْرِ أَبِيهِ إلَى غَيْرِهِ لِمَا يُخَافُ مِنْ تَحَامُلِ الْآبَاءِ فِي أَمْوَالِ الْبَنِينَ وَنَظَرُ الْأَبِ أَقْوَى مِنْ نَظَرِ الْوَصِيِّ فَقَدْ أُزِيحَ نَظَرُهُ لِابْنِهِ فِي صَدَقَةِ الْأُمِّ عَلَيْهِ وَتَفْوِيضِهَا النَّظَرَ فِي صَدَقَتِهَا عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ الْأَبِ. وَقَدْ نَزَلَتْ فَأُفْتِيَ فِيهَا بِهَذَا
ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ قُيِّدَ هَذَا الْقَوْلُ بِكَوْنِ الْيَتِيمِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ أَفْعَالَهُ جَائِزَةٌ وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْوِلَايَةِ كَانَ أَوْجَهَ وَكَانَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا أَخْذُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَخْلُو مِنْ بَحْثٍ اهـ. وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ قَرِيبًا:
وَنَافِذٌ مَا حَازَهُ الصَّغِيرُ ... لِنَفْسِهِ أَوْ بَالِغٌ مَحْجُورُ
(وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ) وَشَرْطُ الْوَقْفِ حَوْزُهُ عَنْهُ قَبْلَ فَلَسِهِ وَمَوْتِهِ وَمَرَضِ مَوْتِهِ وَإِلَّا بَطَلَ مَا نَصَّهُ
(فَرْعٌ) وَمَنْ هُوَ الْحَائِزُ فَنَقُولُ التَّحْبِيسُ إنْ كَانَ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حَائِزٍ مُعَيَّنٍ بَلْ إذَا خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ صَحَّ وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ حِيَازَتِهِ ثُمَّ إنْ كَانَ رَشِيدًا وَحَازَ لِنَفْسِهِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ تَصِحُّ حِيَازَتُهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ خُرُوجُ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْمُحْبِسِ.
وَوَقَعَتْ أَيَّامَ الْقَاضِي مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ فَشَاوَرَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حِيَازَةٌ حَاشَا إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ وَالْبَاجِيّ فِي وَثَائِقِهِ كَقَوْلِ إِسْحَاقَ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ لَهُ وَلِيٌّ (ابْنُ رُشْدٍ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى أَنَّهُ حِيَازَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَإِنْ حَازَ غَيْرَ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ بِوَكَالَةٍ فَذَلِكَ نَافِذٌ لِأَنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ قَبْضٌ لِمُوَكَّلِهِ سَوَاءٌ كَانَ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا أَوْ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ لَا يَخْلُو الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَجَعَلَ الْمُحَبِّسُ أَوْ الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ ذَلِكَ بِيَدِ مَنْ يَحُوزُ لَهُ حَتَّى يَقْدَمَ جَازَ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا افْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ الْحَبْسِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَفِي الْحَبْسِ يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُحَبِّسُ مَنْ يَحُوزُ لَهُ وَيُجْرِي الْغَلَّةَ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ اهـ.
وَهُوَ كَلَامٌ مُلَخَّصٌ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ نُسَخِ التَّوْضِيحِ وَبِغَيْرِ وَكَالَةٍ لَا يَخْلُو الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنْ كَانَ رَشِيدًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا إلَخْ وَهُوَ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلَ كَلَامِهِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حَائِزٍ مُعَيَّنٍ يَلِي إذَا خَلَّى إلَخْ إنَّمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي تَحْبِيسِ الْمَسْجِدِ نَفْسِهِ وَأَمَّا فِي التَّحْبِيسِ عَلَى الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوَّلًا التَّحْبِيسُ إنْ كَانَ عَلَى الْمَسَاجِدِ إلَخْ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ يَحُوزُهُ إمَامُ الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ بِوَكَالَةٍ يَعْنِي مِنْ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ أَنَّ مَنْ وَهَبَ لِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ فَحَازَ الْحَاضِرُ الْجَمِيعَ لِنَفْسِهِ وَلِلْغَائِبِ فَذَلِكَ حَوْزٌ لَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْغَائِبُ بِالْهِبَةِ وَقَوْلُ النَّاظِمِ لِجَائِزِ الْقَبْضِ يَتَعَلَّقُ بِالْحَوْزِ وَلَامُهُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَكَلَّمَ النَّاظِمُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحَوْزِ فِي صِحَّةِ التَّحْبِيسِ وَعَلَى مَنْ هُوَ الْحَائِزُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى
стр. 472
كَيْفِيَّةِ الْحَوْزِ كَيْفَ هِيَ (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) وَلَا بُدَّ مِنْ حَوْزِهِ فِي حَيَاةِ الْمُحَبِّسِ وَقَبْلَ فَلَسِهِ وَمَرَضِ مَوْتِهِ وَإِلَّا بَطَلَ وَذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْمُعَايَنَةِ وَلَا يُجْزِي فِيهِ الْإِقْرَارُ (قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ) وَجَرَتْ الْفُتْيَا بِأَنَّ التَّطَوُّفَ مَعَ الشُّهُودِ وَتَخَلِّيَ الْمُحَبِّسِ عَنْ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ بِمَحْضَرِهِمْ حِيَازَةٌ لَهُ تَامَّةٌ وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ الشُّهُودُ عَمَلَهُ فِي الْحَبْسِ قَالَ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْرُثْ ذَلِكَ أَوْ يَعْمُرْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُحَبِّسُ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْرُثَ ذَلِكَ أَوْ يَعْمُرَهُ بَعْدَ الْمُعَايَنَةِ وَإِلَّا فَلَا تَتِمُّ الْحِيَازَةُ قَالَ وَالْفُتْيَا بِخِلَافِ ذَلِكَ وَإِنْ عَقَدَ الْمُحَبِّسُ كِرَاءً أَوْ مُزَارَعَةً أَوْ مُسَاقَاةً فَذَلِكَ يُغْنِي عَنْ الْوُقُوفِ إلَيْهَا وَمُعَايَنَةِ نُزُولِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ قَالَ ابْن أَبِي زَمَنِينَ وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْ الْحِيَازَةِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ الشُّهُودُ نُزُولَ الْمُكْتَرِي أَوْ الْمُزَارِعِ أَوْ الْمُسَاقِي فِيهَا وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ بِقَفْرٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَيْسَ فِيهِ حِيَازَةٌ مَعْلُومَةٌ فَالْإِشْهَادُ كَافٍ فِي حِيَازَتِهِ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ التَّخَلِّيَ فِيهِ وَالْقَبْضَ اهـ وَحَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ الْحَوْزَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يَعُمُّ حَوْزَ الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ رَفْعُ خَاصِّيَّةِ تَصَرُّفِ الْمِلْكِ فِيهِ عَنْهُ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطِي أَوْ نَائِبِهِ فَقَوْلُهُ خَاصِّيَّةُ تَصَرُّفِ الْمِلْكِ هِيَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ وَالِاسْتِغْلَالِ وَوَضْعِ الْيَدِ بِكِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِتَصَرُّفٍ وَعَنْهُ يَتَعَلَّقُ بِرَفْعٍ وَالضَّمِيرُ فِيهِمَا لِلْمِلْكِ، قَوْلُهُ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ يَتَعَلَّقُ بِرَفْعٍ وَقَوْلُهُ مِنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّمَكُّنِ وَضَمِيرُهُ لِلْمِلْكِ وَقَالَ الرَّصَّاعُ لِلْمُعْطِي أَيْ بِالْكَسْرِ وَعَلَيْهِ فَمِنْ بِمَعْنَى عَنْ وَلِلْمُعْطَى يَتَعَلَّقُ بِالصَّرْفِ وَضَمِيرُ نَائِبِهِ لِلْمُعْطَى بِفَتْحِ الطَّاءِ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ لِلْمُعْطِي حَوْزَ الرَّهْنِ فَإِنَّ الصَّرْفَ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَمَعْنَاهُ رَفْعُ يَدِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمِلْكِ. وَرَدُّ ذَلِكَ إلَى يَدِ الْمُعْطِي أَوْ نَائِبِهِ إمَّا وَكِيلُهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ مُقَدَّمُ الْقَاضِي
وَيَكْتَفِي بِصِحَّةِ الْإِشْهَادِ ... إنْ أَعْوَزَ الْحَوْزُ لِعُذْرٍ بَادِ
تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَوْزَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّحْبِيسِ فَإِنْ تَعَذَّرَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ مِنْ خَوْفِ عَدُوٍّ وَمَا أَشْبَهَهُ سَقَطَ هَذَا الشَّرْطُ وَاكْتَفَى عَنْهُ بِالْإِشْهَادِ بِالْحَبْسِ وَيَصِحُّ الْحَبْسُ وَيَنْفُذُ وَأَشَارَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ سَلْمُونٍ وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنٍ لَهُ كَبِيرٍ بِأَمْلَاكٍ وَأَشْهَدَ الْأَبُ بِتَبْتِيلِ الصَّدَقَةِ وَالِابْن بِقَبُولِهَا وَوَقَعَ الْقَبْضُ فِي بَعْضِهَا بِالْمُعَايَنَةِ وَبَقِيَ سَائِرُهَا لَمْ يَتَطَوَّفْ عَلَيْهِ وَلَا خَرَجَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي قُطْرٍ مَخُوفٍ مِنْ الْعَدُوِّ وَلَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إلَّا عَلَى غَرَرٍ وَلَمْ يَعْتَمِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ إلَى أَنْ مَاتَ الْأَبُ فَقَالَ إذَا حَالَ الْخَوْفُ بَيْنَ الْوُصُولِ إلَى مَوْضِعِ الْأَمْلَاكِ الْمُتَصَدَّقِ بِهَا لِحِيَازَتِهَا بِالتَّطَوُّفِ عَلَيْهَا اُكْتُفِيَ بِالْإِشْهَادِ وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّدَقَةُ إنْ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا قَبْلَ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهَا هَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا اهـ.
وَيَنْفُذُ التَّحْبِيسُ فِي جَمِيعِ مَا ... مُحَبِّسٌ لِقَبْضِهِ قَدْ قَدَّمَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَبَّسَ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَسَبِيلِ اللَّهِ فَقَدَّمَ الْمُحَبِّسُ شَخْصًا عَلَى قَبْضِ ذَلِكَ وَأَسْلَمَهُ إلَيْهِ وَتَخَلَّى عَنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ كَافٍ وَالْحَبْسُ صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ مَا حِيزَ عَنْ الْمُحَبِّسِ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قُلْت لَهُ فَلَوْ حَبَّسَ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ وَلِيَهُ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ فِي يَدِهِ قَالَ هَذَا مَرْدُودٌ إلَى الْوَرَثَةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ حَبْسٍ لَهُ غَلَّةٌ فَإِنَّهُ إنْ وَلِيَهُ فَكَانَ يُفَرِّقُهُ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ مِيرَاثٌ وَلَا تَكُونُ الْحِيَازَةُ فِي مِثْلِ هَذَا حَتَّى يَسْتَخْلِفَ الْمُحَبِّسُ رَجُلًا غَيْرَهُ عَلَى حِيَازَتِهِ وَيَبْرَأُ إلَيْهِ بِهِ
وَالْأَخُ لِلصَّغِيرِ قَبْضُهُ وَجَبْ ... مَعَ اشْتِرَاكٍ وَبِتَقْدِيمٍ مِنْ أَبْ
وَالْأَبُ لَا يَقْبِضُ لِلصَّغِيرِ مَعْ ... كَبِيرِهِ وَالْحَبْسُ إرْثٌ إنْ وَقَعْ
إلَّا إذَا مَا أَمْكَنَ التَّلَافِي ... وَصُحِّحَ الْحَوْزُ بِوَجْهٍ كَافِ
وَإِنْ يُقَدِّمْ غَيْرَهُ جَازَ وَفِي ... جُزْءٍ مُشَاعٍ حُكْمُ تَحْبِيسٍ قُفِيّ
اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ (الْأُولَى) إذَا حَبَّسَ الْأَبُ عَلَى وَلَدَيْهِ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حَبْسًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا عَلَى الْإِشَاعَةِ وَنَوَّعَ النَّاظِمُ الْحَوْزَ لِلصَّغِيرِ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ قَدَّمَ الْأَبُ الِابْنَ الْكَبِيرَ عَلَى الْحَوْزِ لِأَخِيهِ الصَّغِيرِ فَالْحَبْسُ صَحِيحٌ لَهُمَا مَعًا وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَمَعْنَى وَجَبْ جَازَ وَصَحَّ
стр. 473
وَلَا يَعْنِي بِهِ مُقَابِلَ التَّحْرِيمِ وَإِنْ قَبَضَ الْأَبُ لِلصَّغِيرِ وَقَبَضَ الْكَبِيرُ لِنَفْسِهِ بَطَلَ الْحَبْسُ وَرَجَعَ مِلْكًا لِلْمُحَبِّسِ يُورَثُ عَنْهُ إنْ مَاتَ إلَّا إذَا تَلَافَى ذَلِكَ قَبْلَ فَلَسِ الْمُحَبِّسِ وَمَرَضِ مَوْتِهِ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ كَافٍ فِي الْحَوْزِ كَأَنْ يُقَدِّمَ الْأَبُ الْكَبِيرَ عَلَى الْحَوْزِ لِلصَّغِيرِ كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَوْ يُقَدِّمُ أَجْنَبِيًّا عَلَى الْحَوْزِ لَهُ كَمَا فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَالْأَبُ لَا يَقْبِضُ لِلصَّغِيرِ مَعْ
الْبَيْتَيْنِ وَإِنْ قَدَّمَ الْأَبُ أَجْنَبِيًّا يَحُوزُ لِلصَّغِيرِ جَازَ أَيْضًا وَصَحَّ الْحَبْسُ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَإِنْ يُقَدِّمْ غَيْرَهُ جَازَ أَيْ غَيْرَ الِابْنِ الْكَبِيرِ فَيَشْمَلُ الْأَجْنَبِيَّ وَابْنًا ثَالِثًا لِلْمُحَبِّسِ إذَا لَمْ يُشْرِكْهُ مَعَ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمَا فِي الْحَبْسِ الْمَذْكُورِ (قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ) وَيَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُحَبِّسَ عَلَى بَنِيهِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ حَبْسًا وَاحِدًا وَيَقْبِضَ الْكَبِيرُ لِنَفْسِهِ وَلِإِخْوَتِهِ الصِّغَارِ بِتَقْدِيمِ الْأَبِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيّ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي وَثَائِقِهِ وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْمُوَثَّقِينَ عَقَدَ أَنَّ الِابْنَ الْكَبِيرَ قَبَضَ لِنَفْسِهِ وَقَبَضَ الْأَبُ نَصِيبَ الصِّغَارِ وَأَجَازَ مِثْلَ هَذَا وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ وَقَالَ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقْبِضَ الْكَبِيرُ لِنَفْسِهِ وَلِإِخْوَتِهِ الصِّغَارِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْن الْعَطَّار فَإِنْ وَقَعَ هَذَا وَقَبَضَ الْكَبِيرُ لِنَفْسِهِ وَالْأَبُ لِلصِّغَارِ بَطَلَ الْحَبْسُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ (قَالَ الْمُتَيْطِيّ) وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَبُ رَجُلًا يَقْبِضُ مَعَ الْكَبِيرِ نَصِيبَ الصِّغَارِ اهـ.
وَعَلَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ إلَخْ وَقَوْلِ ابْنِ الْعَطَّارِ فَإِنْ وَقَعَ هَذَا إلَخْ ذَهَبَ النَّاظِمُ وَزَادَ أَنَّهُ إذَا تَلَافَى ذَلِكَ بِحَوْزٍ صَحِيحٍ صَحَّ الْحَبْسُ وَلَمْ يَبْطُلْ وَزِيَادَتُهُ ظَاهِرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ أَيْضًا وَإِنَّ مَنْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَقَدَّمَ ابْنًا كَبِيرًا لِلْحَوْزِ لِلصِّغَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهَذَا يَأْتِي لِلنَّاظِمِ صَرِيحًا فِي فَصْلِ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ حَيْثُ قَالَ
وَلِلْأَبِ التَّقْدِيمُ لِلْكَبِيرِ ... لِقَبْضِ مَا يَخْتَصُّ بِالصَّغِيرِ
فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْكَبِيرُ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ بَطَلَ الْحَبْسُ لَهُمَا كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَبْيَاتُ تَحْبِيسُ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ كَدَارٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَنْصَافًا مَثَلًا حَبَّسَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَصِحُّ الْحَبْسُ أَوْ لَا. فِيهِ خِلَافٌ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ وَمَا نَقَلُوا مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ هُنَا أَنَّ الْخِلَافَ وَلَوْ رَضِيَ الشَّرِيكُ بِشَرِكَةِ الْحَبْسِ لِأَنَّ شَرِكَتَهُ ضَرَرٌ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَرْضَ الشَّرِيكُ أَوَّلَ بَابِ الْحَبْسِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَلَكِنَّ نَقْلَهُ هُنَا أَنْسَبُ وَتَقَدَّمَ هُنَالِكَ عَنْ الْعَبْدُوسِيِّ أَنَّ التَّحْبِيسَ مَاضٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا لَا يَحْمِلُ الْقِسْمُ يُبَاعُ وَيُنْدَبُ أَنْ يُعَوَّضَ بِثَمَنِهِ حَبْسٌ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُفْسَخُ التَّحْبِيسُ وَيُجْبَرُ عَلَى تَعْوِيضِهِ بِغَيْرِهِ وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ وَيَجُوزُ تَحْبِيسُ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ قُسِمَ فَمَا أَصَابَ الْحَبْسَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى التَّحْبِيسِ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَنْقَسِمُ بِيعَ فَمَا أَصَابَ الْحَبْسَ مِنْ الثَّمَنِ اشْتَرَى بِهِ مَا يَكُونُ حَبْسًا فِيمَا سَبِيلُهُ فِيهِ اهـ.
(قَالَ الشَّارِحُ) وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا حَبَّسَ رَجُلٌ حِصَّتَهُ مِنْ دَارٍ فَإِنْ كَانَتْ تَنْقَسِمُ قُسِمَتْ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَنْقَسِمُ فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ جَمِيعَ الرَّبْعِ يُبَاعُ وَيُبْتَاعُ بِثَمَنِ نَصِيبِ الْحَبْسِ حَبْسٌ وَنَزَلَتْ فِي أَيَّامِ مُحَمَّد بْنِ عَلِيٍّ الْقَاضِي فِي فُرْنٍ حُبِّسَ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا عَلَى وَلَدٍ فَأَفْتَى الْفُقَهَاءُ بِأَعْمَالِهِ وَقَضَى بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَكَانَ رَأْيُ ابْنِ الطَّلَّاعِ مَا فِي الْوَاضِحَةِ فَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَنَفَذَ الْحَبْسُ وَمِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ ابْنِ زَرْبٍ قَالَ اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْمِ فِيمَنْ لَهُ حِصَّةٌ فِي دَارٍ لَا تَنْقَسِمُ فَحَبَّسَهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُنَفَّذُ تَحْبِيسُهُ فِيهَا وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَبِإِجَازَتِهِ أَقُولُ اهـ.
فَانْظُرْ كَيْفَ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِعَدَمِ رِضَا الشَّرِيكِ بِشَرِكَةِ الْحَبْسِ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا حُكْمُ مَا إذَا حَبَّسَ الْبَعْضَ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ لِغَيْرِهِ أَمَّا إنْ كَانَ الْبَاقِي لَهُ وَسَكَنَ مَعَهُ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ مَثَلًا أَوْ حَازَ بِغَيْرِ السُّكْنَى فَذَلِكَ نَافِذٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشُّيُوعَ لَا يُنَافِي الْإِقْبَاضَ وَفِيهِ قَوْلَانِ (قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي) قَاعِدَةُ الشِّيَاعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ لَا يُنَافِي الْإِقْبَاضَ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي
стр. 474
الرَّهْنِ الْإِفْرَازُ بَلْ يَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ وَقَالَ النُّعْمَانُ يُنَافِيه فَيُشْتَرَطُ الْإِفْرَازُ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ اهـ.
وَهَذَا وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الرَّهْنِ فَقَطْ فَهُوَ جَارٍ فِي الْحَبْسِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لِاشْتِرَاكِهَا فِي شَرْطِيَّةِ الْقَبْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى عَدَمِ الْمُنَافَاةِ مَا نُقِلَ فِي الْمِعْيَارِ فِي نَوَازِلِ الْهِبَاتِ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللُّؤْلُؤِيُّ عَنْ رَجُلٍ وَهَبَ نِصْفَ دَارِهِ وَهُوَ سَاكِنٌ فِيهَا فَدَخَلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَسَاكَنَهُ فِيهَا وَصَارَ حَائِزًا بِالسُّكْنَى وَالِارْتِفَاقِ بِمَنَافِعِ الدَّارِ وَالْوَاهِبُ مَعَهُ عَلَى حَسْبِ مَا يَفْعَلُهُ الشَّرِيكَانِ فِي السُّكْنَى (فَأَجَابَ) ذَلِكَ حَوْزٌ تَامٌّ وَالْهِبَةُ نَافِذَةٌ لَهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ وَهَبَ جُزْءًا مِنْ مَالٍ أَوْ دَارٍ وَتَوَلَّى احْتِيَازَ ذَلِكَ مَعَ وَاهِبِهِ وَشَارَكَهُ فِي الِاغْتِلَالِ وَالِارْتِفَاقِ فَهُوَ حَوْزٌ وَقَبْضٌ قِيلَ لَهُ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا وَهَبَ نِصْفَ ذَلِكَ لِصَغِيرٍ لَا يَحُوزُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبِكْرٍ فَسَكَنَا مَعَ الْوَاهِبِ عَلَى حَسَبِ سُكْنَى الْحَائِزِ الْفِعْلِيِّ فَقَالَ هُوَ حَوْزٌ تَامٌّ أَيْضًا نَافِذٌ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ لِصَغِيرٍ دَنَانِيرَ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَهِيَ بِيَدِهِ أَلَيْسَ حِيَازَةٌ تَامَّةٌ وَقَبْضُهَا جَائِزٌ اهـ (قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ) وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مِنْ الْبَوَاقِي عَلَى الْمَنْهَجِ الْمُنْتَخَبِ لِسَيِّدِي عَلِيٍّ الزَّقَّاقِ ﵀ وَقَدْ قُلْت فِي تَذْيِيلِهِ
هَلْ الشُّيُوعُ قَدْ يُنَافِي الْقَبْضَ لَا ... نَعَمْ يُنَافِيه خِلَافٌ نُقِلَا
عَلَيْهِمَا تَحْبِيسُ ... إنْ سَكَنْ مَعَهُ مُحَبَّسٌ عَلَيْهِ لَا وَهَنْ
وَهِبَةٌ صَدَقَةٌ رَهْنٌ فَلَا ... فَرْقَ لِأَجَلِ الْحَوْزِ خُذْهُ مُسْجَلَا
وَالْقَبْضُ فِي غَيْرِ الرِّهَانِ كَافِ ... وَفِيهِ الْإِقْبَاضُ عَلَى خِلَافِ
وَقَوْلُ النَّاظِمِ وَفِي
جُزْءٍ مُشَاعٍ حُكْمُ تَحْبِيسٍ قُفِيّ
حُكْمُ تَحْبِيسٍ مُبْتَدَأٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ وَجُمْلَةُ قُفِيّ أَيْ تُبِعَ خَبَرُهُ وَفِي جُزْءٍ يَتَعَلَّقُ بِقُفِيِّ أَيْ حُكْمُ تَحْبِيسِ غَيْرِ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ اُتُّبِعَ وَارْتُكِبَ فِي تَحْبِيسِ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ
وَنَافِذٌ مَا حَازَهُ الصَّغِيرُ ... لِنَفْسِهِ وَبَالِغٌ مَحْجُورُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَبَسَ أَوْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَى صَغِيرٍ غَيْرِ بَالِغٍ مَحْجُورٍ وَقَبَضَ ذَلِكَ الصَّغِيرُ أَوْ الْمَحْجُورُ الْبَالِغُ مَا حُبِسَ عَلَيْهِ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَإِنَّ قَبْضَهُ كَافٍ وَالْحَوْزُ تَامٌّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوْزِ خُرُوجُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ وَقَدْ حَصَلَ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَوْزَ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا إلَّا حُصُولُهَا وَلَيْسَتْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْبُلُوغُ أَوْ عَدَمُ الْحَجْرِ فَفِي طُرَر ابْنِ عَاتٍ قَالَ ابْنُ زَرْبٍ ﵀ وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى صَغِيرٍ مِنْ أَبٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ الصَّدَقَةَ إلَى ذَلِكَ الصَّغِيرِ وَحَازَهَا فِي صِحَّةِ الْمُتَصَدِّقِ بِهَا فَإِنَّهَا حِيَازَةٌ تَامَّةٌ. وَإِنْ كَانَ الْحَائِزُ صَغِيرًا وَتُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَنْ يَحُوزَ الصَّغِيرُ فَإِنْ وَقَعَ نَفَذَ
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَفِي مَسَائِلِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْكَلْبِ الْقَرَوِيِّ أَنَّهُ إذَا حَازَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا أَب لَهُ وَلَا وَصِيَّ مَا وُهِبَ لَهُ وَكَانَ يَعْقِلُ أَمْرَهُ صَحَّ حَوْزُهُ وَجَازَ ذَلِكَ لَهُ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَيْضًا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهِنْدِيُّ وَإِنْ قَبَضَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ مَا حُبِّسَ عَلَيْهِ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ وُهِبَ لَهُ ثُمَّ مَاتَ الْمُحَبِّسُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ أَوْ الْوَاهِبُ نَفَذَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَصِحُّ هَذِهِ الْوُجُوهُ بِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِ الْمُعْطِي لَهَا وَقَدْ خَرَجَ ذَلِكَ عَنْ يَدِهِ يَقْبِض الْمُوَلَّى عَلَيْهِ اهـ.
وَقَدْ بَحَثَ الشَّارِحُ فِي صِحَّةِ حَوْزِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَيَّامِ الْقَاضِي مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ وَشَاوَرَ فِيهَا فَاجْتَمَعَ لَهُ الْجَمِيعُ مِنْ فُقَهَاءِ بَلَدِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْضٌ وَحِيَازَةٌ حَاشَا إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ التُّجِيبِيَّ فَإِنَّهُ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ إنَّ قَبْضَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لَيْسَ بِقَبْضٍ وَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ مِيرَاثًا عَنْ الْمُعْطِي فَنَفَذَ الْقَضَاءُ يَوْمئِذٍ بِمَا قَالَهُ الْجَمِيعُ وَبِإِمْضَاءِ قَبْضَتِهِ وَحِيَازَتِهِ قَالَ الْمُتَيْطِيّ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِهِ
لِحَائِزِ الْقَبْضِ وَفِي الْمَشْهُورِ ... إلَى الْوَصِيِّ الْقَبْضُ لِلْمَحْجُورِ
стр. 475
وَبِانْسِحَابِ نَظَرِ الْمُحَبِّسِ ... لِلْمَوْتِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحَبْسِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَبَّسَ شَيْئًا فِي صِحَّتِهِ يُرِيدُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ وَبَقِيَ ذَلِكَ تَحْتَ يَدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ يُرِيدُ أَوْ فَلِسَ أَوْ مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ وَيَصِيرُ مِيرَاثًا (قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ) فَإِنْ حَبَّسَ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ أَبْقَاهُ فِي يَدِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ إلَى أَنْ أَفْلَسَ أَوْ إلَى مَرَضِ مَوْتِهِ بَطَلَ الْوَقْفُ وَعَادَ الْمَوْقُوفُ مِيرَاثًا إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْفَعَتُهُ تُصْرَفُ فِي مَصْرِفِهِ (وَفِيهَا أَيْضًا) وَفِي كِتَاب مُحَمَّد فِيمَنْ حَبَّسَ نَخْلَةَ دَارِهِ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَكَانَ يَلِي عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ وَهِيَ بِيَدِهِ إنَّهَا مِيرَاثٌ قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ يَلِي ذَلِكَ لَمْ يُجِزْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَب اهـ وَهَذَا الْبَيْتُ هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ قَبْلُ
وَالْحَوْزُ شَرْطُ صِحَّةِ التَّحْبِيسِ ... قَبْلَ حُدُوثِ مَوْتٍ أَوْ تَفْلِيسِ
فَإِنَّ مَا انْسَحَبَ عَلَيْهِ نَظَرُ الْمُحَبِّسِ لَمْ يُحَزْ وَبِانْسِحَابٍ يَتَعَلَّقُ بِلَا يَثْبُتُ وَلَامُ لِلْمَوْتِ بِمَعْنَى إلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالِانْسِحَابُ الِاسْتِمْرَارُ وَالْبَقَاءُ.
وَمَنْ لِسُكْنَى دَارِ تَحْبِيسٍ سَبَقْ ... تَضِيقُ عَمَّنْ دُونَهُ بِهَا أَحَقْ
يَعْنِي أَنَّ الدَّارَ الْمُحَبَّسَةَ عَلَى مُعَيَّنِينَ إذَا بَادَرَ أَحَدُهُمْ وَسَبَقَ لِسُكْنَاهَا وَلَيْسَ فِيهَا فَضْلٌ لِسُكْنَى غَيْرِهِ
стр. 476
مِنْ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ فَاَلَّذِي سَبَقَ لِسُكْنَاهَا أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ دَارًا فَسَكَنَهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَجِدْ بَعْضُهُمْ فِيهَا مَسْكَنًا فَقَالَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا أَعْطُونِي مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ حَقِّي فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ وَلَا يَخْرُجُ أَيْضًا أَحَدٌ لِأَحَدٍ وَلَكِنْ إنْ غَابَ أَحَدٌ أَوْ مَاتَ سَكَنَ فِيهِ غَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَعْنَى قَوْلِهِ غَابَ أَيْ إنْ كَانَ يُرِيدُ الْمُقَامَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي غَابَ إلَيْهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُسَافِرَ لِمَوْضِعٍ وَيَرْجِعَ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ اهـ
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ مَنْزِلَهُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ وَسَمِعَ عِيسَى مَنْ حَبَّسَ عَلَى قَوْمٍ وَهْم يَتَكَافَئُونَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ لِيَسْكُن فِيهَا مَنْ رَأَى أَوْ يُكْرِيَهَا فَيُقَسِّمَ كِرَاءَهَا عَلَيْهِمْ وَمَنْ سَبَقَ وَسَكَنَ فَهُوَ أَوْلَى وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَتَحْبِيسِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ أَوْلَادِ فُلَانٍ. وَلَوْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ مُسَمَّيْنَ لَمْ يَسْتَحِقَّ السُّكْنَى مَنْ سَبَقَ إلَيْهِ وَهُمْ فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ حَاضِرُهُمْ وَغَائِبُهُمْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مُحَمَّد وَغَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ سَوَاءٌ اهـ.
(قَالَ الشَّارِحُ) أَقُولُ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ هُوَ الْإِسْهَامُ لِطَالِبِ الْكِرَاءِ بِحَقِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اسْتِحْسَانٌ أَوْ لَعَلَّ الْعَمَلَ بِالْمَدِينَةِ جَرَى بِذَلِكَ اهـ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِ النَّاظِمِ تَضِيقُ عَمَّنْ دُونَهُ أَيْ عَنْ غَيْرِهِ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَلَمْ يَجِدْ بَعْضُهُمْ فِيهَا مَسْكَنًا أَنَّهَا إنْ لَمْ تَضِقْ فَلِغَيْرِ السَّاكِنِ مِنْ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْكُنُوا مَعَهُ أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ وَهُوَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَنْ مُبْتَدَأٌ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ صِلَتُهَا سَبَقْ وَلِسُكْنَى يَتَعَلَّقُ بِسَبَقْ وَجُمْلَةُ تَضِيقُ عَمَّنْ دُونَهُ صِفَةٌ لِدَارِ وَأَحَقُّ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ فَهُوَ أَحَقُّ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ مَنْ الْمَوْصُولَةِ وَبِهَا يَتَعَلَّقُ بِأَحَقْ وَلَوْ قَالَ فَهُوَ أَحَقْ لَمْ يَحْتَجْ لِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ
وَمَنْ يَبِيعُ مَا عَلَيْهِ حُبِّسَا ... يُرَدُّ مُطْلَقًا وَمَعْ عِلْمٍ أَسَا
وَالْخُلْفُ فِي الْمُبْتَاعِ هَلْ يُعْطِي الْكِرَا ... وَاتَّفَقُوا مَعْ عِلْمِهِ قَبْلَ الشِّرَا
وَيَقْتَضِي الثَّمَنَ إنْ كَانَ تَلِفْ ... مِنْ فَائِدِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَنْتَصِفْ
وَإِنْ يَمُتْ مِنْ قَبْلُ لَا شَيْءَ لَهُ ... وَلَيْسَ يَعْدُو حَبْسٌ مَحَلَّهُ
حَاصِلُ الْأَبْيَاتِ الْأَرْبَعَةِ الْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا بَاعَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ الْحَبْسَ وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
(الْأُولَى) أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ وَيُفْسَخُ مُطْلَقًا عَلِمَ الْبَائِعُ بِكَوْنِهِ حَبْسًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ كَانَ بَائِعُهُ مُحْتَاجًا أَوْ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَّا إذَا جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ فِي أَصْلِ التَّحْبِيسِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ شَرْطِ الْمُحَبِّسِ إنْ كَانَ شَرْطُهُ جَائِزًا ثُمَّ إنْ كَانَ بَائِعُهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْبِيسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالتَّحْبِيسِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ فَقَدْ أَسَاءَ فِي بَيْعِهِ وَمَنْ أَسَاءَ يَفْعَلُ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ فِعْلُهُ فَإِنَّهُ يُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ بِمُنَاسِبِهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا اغْتَلَّ الْمُشْتَرِي هَذَا الْحَبْسَ ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ هَلْ يَرُدُّ غَلَّتَهُ مِنْ كِرَاءِ دَارٍ أَوْ حَانُوتٍ سَكَنَهَا أَوْ قِيمَةِ ثَمَرَةِ حَائِطٍ اسْتَغَلَّهَا أَوْ كِرَاءِ أَرْضٍ حَرَثَهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ لَا يَرُدُّهَا وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْبِيسِ فَفِي رَدِّهِ لِلْغَلَّةِ خِلَافٌ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ يُرِيدُ أَوْ بَعْدَهُ وَتَمَادَى عَلَى اسْتِغْلَالِهِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّهَا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا فُسِخَ الْبَيْعُ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَرُدُّ الثَّمَنَ الَّذِي قَبَضَ فَإِنْ كَانَ مَلِيًّا فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُمَكَّنُ مِنْ قَبْضِ غَلَّةِ ذَلِكَ الْحَبْسِ فِي مُقَابَلَةِ مَا دَفَعَ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ طَالَتْ حَيَاةُ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ الْبَائِعِ حَتَّى اقْتَضَى الْمُشْتَرِي جَمِيعَ مَا دَفَعَ فَإِنَّ الْغَلَّةَ تَرْجِعُ لِلْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْمُشْتَرِي مَا دَفَعَ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْحَبْسَ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُ بَائِعِهِ بَعْدَ مَوْتِ بَائِعِهِ فَلَا تُصْرَفُ غَلَّتُهُ لِغَيْرِ مُسْتَحَقِّهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَيَقْتَضِي الثَّمَنَ إنْ كَانَ تَلِفْ
الْبَيْتَيْنِ
стр. 477
أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ وَبَاعَ الْحَبْسَ عَالِمًا بِهِ وَهُوَ كَبِيرٌ فِي حِينِ التَّحْبِيسِ وَقَبْضِهِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِالْأَدَبِ وَالسَّجْنِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْبَيْعِ وَالْحَبْسِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ عُذْرٌ يُعْذَرُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ فَسْخَ الْبَيْعِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ وَلَا يَرْجِعُ بِالْغَلَّةِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهَا بِالضَّمَانِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ أَيْضًا) وَالْغَلَّةُ لِمُبْتَاعِ الْحَبْسِ قَبْلَ ثُبُوتِ التَّحْبِيسِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (وَفِي طُرَر ابْنِ عَاتٍ) وَالْكِرَاءُ لِلْمُبْتَاعِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَبْسِ وَمَا اخْتَارَهُ الشُّيُوخُ وَتَقَلَّدُوهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ أَيْضًا) وَمَا كَانَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مَنْ التَّمْرِ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ نَفَذَ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُمْ الْحَبْسُ وَأَمَّا الزَّرْعُ فَهُوَ لِزَارِعِهِ ثَبَتَ التَّحْبِيسُ قَبْلَ حَصَادِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ حِينَ نَبَاتِهِ إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ كِرَاءَ الْأَرْضِ إنْ اُسْتُحِقَّتْ فِي أَوَانِ الزِّرَاعَةِ وَإِنْ خَرَجَ أَوَانُهَا فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ وَالزَّرْعُ لَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ اهـ.
(وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ الْحَبْسِ إنْ كَانَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ هُوَ الْبَائِعُ وَكَانَ مَالِكٌ أَمْرَهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ طَلَبُ الْمُبْتَاعِ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَلَّةِ وَإِنْ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ حِينَ ابْتِيَاعِهِ أَنَّهُ حَبْسٌ وَقَدْ نَزَلْت بِقُرْطُبَةَ وَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِذَلِكَ وَكَانَ غَيْرِي قَدْ خَالَفَنِي فِيهَا وَخِلَافُهُ خَطَأٌ (قَالَ الشَّارِحُ) مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ سَهْلٍ مُعَارَضٌ لِمَا نَقَلَ الشَّيْخُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى رَدِّ الْغَلَّةِ إذَا عَلِمَ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَمَا قَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ وَالْأَظْهَرُ رُجْحَانُ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ لِمَا فِي تَسْوِيغِ الْغَلَّةِ لِلْعَالِمِ بِالتَّحْبِيسِ قَبْلَ ابْتِيَاعِهِ مِنْ تَمْكِينِهِ مِنْ ثَمَرَةِ عَقْدٍ بَاطِلٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَقَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فَإِنْ كَانَ بَائِعُ الْحَبْسِ هُوَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ لَهُ الْمُبْتَاعُ مَا يَسْتَوْفِي الثَّمَنَ مِنْهُ وَثَبَتَ عَدَمُهُ وَحَلَفَ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْحَلِفُ عَلَيْهِ فَلِلْمُبْتَاعِ اسْتِغْلَالُ الْحَبْسِ حَيَاةَ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ يَدْفَعُ إلَيْهِ غَلَّتَهُ عَامًا بِعَامٍ فَإِنْ اسْتَوْفَى مِنْهُ رَجَعَتْ الْغَلَّةُ إلَى الْبَائِعِ وَإِنْ مَاتَ الْبَائِعُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ رَجَعَ الْحَبْسُ إلَى الْمَرْجِعِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ مِنْ الْغَلَّةِ بَعْدَ مَوْتِ الْبَائِع مِنْهُ شَيْءٌ اهـ.
وَغَيْرُ أَصْلٍ عَادِمُ النَّفْعِ صُرِفْ ... ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ وُقِفْ
يَعْنِي أَنَّ الشَّيْءَ الْمُحَبَّسَ إذَا كَانَ غَيْرَ أَصْلٍ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِهَا وَعُدِمَتْ مَنْفَعَتُهُ فِيمَا حُبِّسَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ غَيْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا حُبِّسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَبِيعُ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي حَبْسًا كَالْمُعَوَّضِ عَنْهُ وَعَلَيْهِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ وُقِفْ. فَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُهُ وَهُوَ الْغَالِبُ عَنْ مِثْلِهِ فَإِنَّهُ يُعَانُ بِهِ فِي مِثْلِهِ فَإِنْ نَقَضَ الثَّمَنُ عَنْ مِثْلِ الْبَيْعِ كَامِلًا أَوْ مُبَعَّضًا تُصُدِّقَ بِهِ وَلَمْ يُنَبِّهْ النَّاظِمُ عَلَى هَذَا وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرُ أَصْلٍ أَنَّ الْمُحَبَّسَ إذَا كَانَ أَصْلًا لَا يُبَاعُ وَلَوْ عُدِمَ
стр. 478
الِانْتِفَاعُ بِهِ لِخَرَابِهِ أَوْ خَرَابِ مَوْضِعِهِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ أَمَّا بَيْعُ غَيْرِ الْأُصُولِ فَقَالَ الْمُقْرِي فِي كُلِّيَّاتِهِ الْفِقْهِيَّةِ كُلُّ مَا سِوَى الْعَقَارِ إذَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ الَّتِي وُقِفَ لَهَا فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي مِثْلِهِ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِيهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ.
وَنَحْوَهُ فِي الْمُقَرَّبِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُحَبَّسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ ثِيَابٍ وَأَمَّا مَنْعُ بَيْعِ الْأَصْلِ الْمُحَبَّسِ فَهُوَ الْمَشْهُورُ (ابْنُ عَرَفَةَ) عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا يُمْنَعُ بَيْعُ مَا خَرِبَ مِنْ رَبْعٍ حُبِّسَ مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ الْجَهْمِ إنَّمَا لَمْ يُبَعْ الرَّبْعُ الْمُحَبَّسُ إذَا خَرِبَ لِأَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يُصْلِحُهُ بِإِجَارَتِهِ سِنِينَ فَيَعُودُ كَمَا كَانَ (ابْنُ رُشْدٍ) وَفِيهَا الرَّبِيعَةُ أَنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّبْعَ إذَا رَأَى ذَلِكَ لِخَرَابِهِ وَهُوَ إحْدَى رِوَايَتَيْ ابْنِ الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ اهـ.
(قَالَ الشَّارِحُ) وَقَدْ قِيلَ بِبَيْعِ مَا عُدِمَتْ مَنْفَعَتُهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَفْتَى الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْحَفَّارُ بِبَيْعِ فَدَّانٍ مُحَبَّسٍ عَلَى مَصْرِفٍ مِنْ مَصَارِفِ الْبِرِّ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ فَدَّانٌ آخَرُ يُحَبَّسُ وَتُصْرَفُ غَلَّتُهُ فِي الْمَصْرِفِ الَّذِي حُبِّسَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْكَثِيرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا النَّحْوِ.
وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي أَرْضٍ مُحَبَّسَةٍ عُدِمَتْ مَنْفَعَتُهَا بِسَبَبِ ضَرَرِ جِيرَانٍ أَنْ تُبَاعَ وَيُعَوَّضُ بِثَمَنِهَا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الرَّبْعِ الْمُحَبَّسِ إذَا خَرِبَ وَبِكَوْنِ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْقَاضِي بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ لُغَةً لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ قَالَهُ مُحَمَّدٌ الْحَفَّارُ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ أَفْتَى الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ اهـ.
(ابْنُ عَرَفَةَ) وَفِي جَوَازِ الْمُنَاقَلَةِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ قَوْلُ الشَّيْخِ فِي رِسَالَتِهِ وَابْنُ شَعْبَانَ وَعِبَارَةُ الرِّسَالَةِ وَلَا يُبَاعُ فِي الْحَبْسِ وَإِنْ خَرِبَ ثُمَّ قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ.
(وَفِي الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَوَاضِعِ الْمَسَاجِدِ الْخَرِبَةِ لِأَنَّهَا وَقْفٌ وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ نَقْضِهَا إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ وَأَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي جَوَامِعَ خَرِبَتْ وَأَيِسَ مِنْ عِمَارَتِهَا بِدَفْعِ أَنْقَاضِهَا إلَى مَسَاجِدَ عَامِرَةٍ احْتَاجَتْ إلَيْهَا اهـ
وَلَا تُبَتُّ قِسْمَةٌ فِي حَبْسِ ... وَطَالِبُ قِسْمَةِ نَفْعٍ لَمْ يُسِي
يَعْنِي أَنَّ الْحَبْسَ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ قِسْمَتَهُ فَأَنَّهُ يَجُوزُ قَسْمُهُ قِسْمَةَ اغْتِلَالٍ وَلَا يَجُوزُ قَسْمَهُ قِسْمَةَ بَتٍّ اهـ.
(قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ مُحَمَّد وَإِذَا دَعَا بَعْضُ أَهْلِ الْحَبْسِ إلَى قِسْمَتِهِ قِسْمَةَ اغْتِلَالٍ وَاعْتِمَارٍ وَأَبَى مِنْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَذَلِكَ لِمَنْ دَعَا إلَى الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ مَا حُبِّسَ أَرْضًا بَيْضَاءَ وَإِنْ كَانَتْ أُصُولَ شَجَرٍ لَمْ تَجُزْ أَنْ تُقْسَمَ الْأُصُولُ وَإِنَّمَا يَقْتَسِمُونَ الْغَلَّةَ فِي أَوَانِهَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ (وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اقْتِسَامِ الْحَبْسِ اقْتِسَامَ اغْتِلَالٍ وَانْتِفَاعٍ فَكَرِهَهُ قَوْمٌ وَأَجَازَهُ آخَرُونَ وَقَدْ جَرَى الْعَمَلُ بِاقْتِسَامِهِ لِمَا فِي الْإِشَاعَةِ مِنْ التَّعْطِيلِ وَالتَّضْيِيعِ قَالَ الْقَاضِي فِي وَثَائِقِهِ يُرِيدُ قِسْمَةَ الْغَلَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ لَا قِسْمَةَ الْأُصُولِ قَالَ وَبِذَلِكَ جَاوَبَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إذْ خَاطَبْته فِي قِسْمَةِ دَارٍ مُحَبَّسَةٍ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَقَالَ تُقْسَمُ قِسْمَةَ انْتِفَاعٍ وَلَا يُقْسَمُ الْبُنْيَانُ اهـ.
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا كَانَ حَبْسًا كُلَّهُ، أَمَّا مَا كَانَ بَعْضُهُ حَبْسًا وَبَعْضُهُ مَمْلُوكًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ قِسْمَتُهُ قِسْمَةَ بَتٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ حَبَّسَ جُزْءًا شَائِعًا وَلَمْ يَرْضَ بِشَرِيكِهِ شَرِكَةَ الْحَبْسِ وَكَانَ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ قِسْمَةِ مَا بَعْضُهُ مَمْلُوكٌ وَبَعْضُهُ حُبِّسَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا]
стр. 479
تَرْجَمَ ابْنُ عَرَفَةَ هُنَا بِكِتَابِ الْعَطِيَّةِ وَحَدَّهَا بِقَوْلِهِ: " تَمْلِيكٌ مُتَمَوَّلٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً " فَقَوْلُهُ: " مُتَمَوَّلٍ " أَخْرَجَ بِهِ تَمْلِيكَ غَيْرِ الْمُتَمَوَّلِ كَتَمْلِيكِ الْإِنْكَاحِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ تَمْلِيكِ الطَّلَاقِ " وَبِغَيْرِ عِوَضٍ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ وَقَوْلُهُ: " إنْشَاءً " أَخْرَجَ بِهِ الْحُكْمَ بِاسْتِحْقَاقِ وَارِثٍ فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ مُتَمَوَّلٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَكِنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَا ثَبَتَ إرْثُهُ، وَالْعَطِيَّةُ أَنْشَأَتْ التَّمْلِيكَ؛ لِأَنَّهَا قُرِّرَتْ، وَيَدْخُلُ فِي الْعَطِيَّةِ الْعَارِيَّةُ وَالْحَبْسُ وَالْعُمْرَى وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ الْعَارِيَّةُ وَالْحَبْسُ وَالْعُمْرَى فِي الْعَطِيَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ التَّمْلِيكَ أَعَمُّ مِنْ تَمْلِيكِ الذَّاتِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ انْتِفَاعٍ كَمَا فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْحَبْسِ وَأَمَّا إنْ خُصِّصَ بِتَمْلِيكِ الذَّاتِ فَلَا تَدْخُلُ ثُمَّ حَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ الْهِبَةَ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَالصَّدَقَةَ بِقَوْلِهِ: تَمْلِيكُ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَخْرَجَ بِالتَّمْلِيكِ الْعَارِيَّةَ وَنَحْوَهَا إنْ أُرِيدَ تَمْلِيكُ الذَّاتِ كَمَا مَرَّ وَتَمْلِيكٌ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ أَيْ أَنْ يَمْلِكَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلِوَجْهِ الْمُعْطَى أَخْرَجَ بِهِ الصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِغَيْرِ عِوَضٍ أَخْرَجَ بِهِ هِبَةَ الثَّوَابِ ثُمَّ حَدَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بِقَوْلِهِ: عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ
صَدَقَةٌ تَجُوزُ إلَّا مَعْ مَرَضْ ... مَوْتٍ وَبِالدَّيْنِ الْمُحِيطِ تُعْتَرَضْ
وَلَا رُجُوعَ بَعْدُ لِلْمُصَّدِّقِ ... وَمِلْكُهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ اُتُّقِيَ
كَذَاكَ مَا وُهِبَ لِلْأَيْتَامْ ... وَالْفُقَرَاءِ وَأُولِي الْأَرْحَامْ
يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ وَهِيَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابُ الدَّارِ الْآخِرَةِ تَجُوزُ أَيْ تَصِحُّ، وَتَلْزَمُ إلَّا إنْ وُجِدَ مَانِعٌ، وَهُوَ إمَّا مَرَضُ الْمَوْتِ أَوْ الدَّيْنُ الْمُحِيطُ بِمَالِهِ، فَإِذَا تَصَدَّقَ وَهُوَ مَرِيضٌ مَرَضًا مَخُوفًا وَاسْتَمَرَّ مَرِيضًا إلَى أَنْ مَاتَ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَبْطُلُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فِي الْمَالِ وَتَصِيرُ وَصِيَّةً تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَتَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ بِالثُّلُثِ فَأَقَلَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ نُفِّذَتْ، وَلَا تَفْتَقِرُ لِحَوْزٍ.
وَإِنْ كَانَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لِوَارِثٍ تَوَقَّفَتْ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ صِحَّةً بَيِّنَةً صَحَّتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا حِيزَتْ، وَجَرَتْ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْهِبَةِ، وَكَذَا تَبْطُلُ إنْ بِصَدَقَةٍ تَصَدَّقَ وَعَلَيْهِ إذْ ذَاكَ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فِيهِ وَيَأْخُذُهَا الْغُرَمَاءُ مِنْ جُمْلَةِ مَالِهِ إلَّا إذَا لَمْ تُؤْخَذْ وَبَقِيَتْ إلَى أَنْ تَخَلَّصَ الْغُرَمَاءُ فَإِنَّهَا تَنْفُذُ وَتَلْزَمُ (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) وَالصَّدَقَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَمْ تَكُنْ مِمَّنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ جَائِزَةٌ وَلَا رُجُوعَ فِيهَا لِلْمُتَصَدِّقِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ:
وَلَا رُجُوعَ بَعْدُ لِلْمُصَّدِّقِ
يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ إذَا وَقَعَتْ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَنْهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا لِنَدَمٍ وَنَحْوِهِ، وَسَوَاءٌ حِيزَتْ أَوْ لَمْ تُحَزْ إذْ لَا يَلْزَمُ فِيهَا وَلَا فِي الْهِبَةِ التَّحْوِيزُ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالتَّحْوِيزُ: تَسْلِيمُ الْعَطِيَّةِ أَوْ الرَّهْنِ مِنْ الْمُعْطِي أَوْ الرَّاهِنِ لِمَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ (التَّوْضِيحَ) الْمَعْرُوفَ أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ يَلْزَمَانِ بِالْقَوْلِ وَلَا يَتِمَّانِ إلَّا بِالْقَبْضِ، ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ. وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا وَإِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْقَبْضِ وَحَكَى أَبُو تَمَّامٍ عَنْ الْمَذْهَبَ أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْحَبْسَ يَتِمَّانِ بِالْقَوْلِ وَلَا يَفْتَقِرَانِ إلَى حِيَازَةٍ، وَالْهِبَةُ تَفْتَقِرُ إلَى الْحِيَازَةِ اهـ.
وَفِي أُصُولِ الْفُتْيَا لِابْنِ حَارِثٍ قَالَ مُحَمَّدٌ أَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ الرُّوَاةِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً أَوْ أَعْطَى عَطِيَّةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْمَوْهُوبِ
стр. 480
لَهُ وَلَا الْمُعْطَى، وَلَهُمْ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ فِي قَبْضِهَا فَيُجِيزَهُ السُّلْطَانُ عَلَى دَفْعِهَا اهـ.
وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِي الْحَبْسِ أَيْضًا فَفِي مَجَالِسِ الْمِكْنَاسِيِّ أَوَّلَ بَابِ الْحَبْسِ: وَلَيْسَ لِلْمُحَبِّسِ الرُّجُوعُ فِي حُبُسِهِ وَيَلْزَمُ إقْبَاضُهُ لِلْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ حِيزَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ مَا لَمْ يَمُتْ الْمُحَبِّسُ أَوْ بِتَرَاخِي الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ فِي الْقَبْضِ حَتَّى فَوَّتَهُ الْمُحَبِّسُ انْتَهَى قَوْلُهُ.
وَمِلْكُهَا بِغَيْرِ إرْثٍ اُتُّقِيَ
يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهَا وَلَا قَبُولُ هِبَتِهَا إنْ وُهِبَتْ لَهُ إلَّا إذَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ جَبْرًا كَأَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَى قَرِيبٍ لَهُ فَيَمُوتَ ذَلِكَ الْقَرِيبُ فَيَكُونَ ذَلِكَ الْمُتَصَدِّقُ وَارِثَهُ فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ تَمَلُّكُهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ رُجُوعًا فِي الصَّدَقَةِ وَقَوْلُهُ:
كَذَاكَ مَا وُهِبَ لِلْأَيْتَامِ
الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّ مَا وُهِبَ لِنَحْوِ الْأَيْتَامِ وَالْفُقَرَاءِ وَأُولِي الْأَرْحَامِ لَا رُجُوعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الصَّدَقَةِ وَعَدَمَ قَصْدِ الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا ظَاهِرٌ مُتَمَحِّضٌ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : مَا قُصِدَ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ صِلَةٍ لِفَقِيرٍ أَوْ يَتِيمٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، فَلَا يَجُوزُ رُجُوعٌ فِي ذَلِكَ لِأَبٍ وَلَا لِأُمٍّ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ.
وَاخْتُلِفَ إذَا اشْتَرَطَ الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ فَقِيلَ: لَا رُجُوعَ لِأَنَّ سُنَّتَهَا عَدَمُ الرُّجُوعِ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْبَاجِيُّ فِي وَثَائِقِهِ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَيَلْحَقُ بِالصَّدَقَةِ فِي عَدَمِ الِارْتِجَاعِ لَوْ وَهَبَ هِبَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ أَوْ ابْنٌ أَوْ ابْنَةٌ مُحْتَاجًا أَوْ صَغِيرًا فِي حَجْرِهِ أَوْ كَبِيرًا نَائِيًا عَنْهُ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِوَجْهٍ إلَّا بِمِيرَاثٍ (التَّوْضِيحُ) الضَّمِيرُ فِي يَتَمَلَّكُهَا عَائِدٌ عَلَى الصَّدَقَةِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلَا يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْأَصْلُ فِي «قَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ فِي الْفَرَسِ تَصَدَّقْ بِهِ: وَلَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» (اللَّخْمِيُّ) وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى النَّدْبِ وَحَمَلَهُ الدَّاوُدِيُّ عَلَى التَّحْرِيمِ وَتَخْصِيصُهُ الصَّدَقَةَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْهِبَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الْوَهَّابِ كَالصَّدَقَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي الصَّدَقَةِ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا مِمَّنْ حَصَلَتْ لَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ اهـ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا وَلَا يُكْرِيَهَا وَلَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَأَمَّا الْأَبُ وَالْأُمُّ إذَا احْتَاجَا فَيُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى الْوَلَدِ ا. هـ.
وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الْجَوَاهِرِ فِي تَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنْ ارْتِجَاعِهَا بِعِوَضٍ قَالَ: لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهَا لِأَنَّ الْمُعْطَى يَسْتَحْيِي مِنْهُ فَيَحُطُّ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِهَا مَا لَا يَحُطُّ لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ رُجُوعًا فِي ذَلِكَ (قَالَ الشَّارِحُ) : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُنْهَى مُطْلَقًا وَلَوْ وَفَّاهُ الثَّمَنَ اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا عُلِّلَ بِالْمَظِنَّةِ فَلَا يَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ بِتَخَلُّفِهَا.
(فَرْعٌ) سُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ عَمَّنْ وَهَبَ فِي مَرَضِهِ وَضَمِنَ كَاتِبُ الْوَثِيقَةِ أَوْ الْوَاهِبُ بِحَالِ مَرَضٍ مُزْمِنٍ وَهُوَ مَعَهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْوَاهِبُ الْمَذْكُورُ فَأَثْبَتَ وَرَثَتُهُ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا فِي تَارِيخِ الْهِبَةِ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَأَثْبَتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنَّ الْوَاهِبَ أَصَابَهُ مَرَضٌ مُزْمِنٌ وَاتَّصَلَ بِهِ مُدَّةً مِنْ عَامٍ وَسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا بِطُولِ الْمُدَّةِ إلَى أَنْ وَهَبَ؟ فَأَجَابَ مُنْذُ كَانَ الْوَاهِبُ وَقْتَ الْهِبَةِ مُلْتَزِمًا وَاتَّصَلَ لِلْفِرَاشِ، وَاتَّصَلَ حَالُهُ كَذَلِكَ وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ إفَاقَةٌ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَشْهُرِ الْيَسِيرَةِ؛ فَهِبَتُهُ لِوَرَثَتِهِ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ شُهُودٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَمْرَاضِ أَنَّ مَرَضَهُ كَانَ وَقْتَ أَنْ وَهَبَ مَرَضًا غَيْرَ مَخُوفٍ وَحَدَثَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَضٌ آخَرُ تُوُفِّيَ مِنْهُ قَالَهُ فَرَجٌ انْتَهَى مِنْ الشَّارِحِ بِاخْتِصَارٍ.
وَالْأَبُ حَوْزُهُ لِمَا تَصَدَّقَا ... بِهِ عَلَى مَحْجُورِهِ لَنْ يُتَّقَى
стр. 481
يَعْنِي أَنَّ الْأَبَ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى مَنْ فِي حِجْرِهِ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَحُوزُ لَهُ، وَلَيْسَ فِي حَوْزِهِ لَهُ مَا يُتَّقَى، وَيُحْذَرُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ كَبِيرًا مُوَلًّى عَلَيْهِ أَوْ صَغِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْتَ مَا وَهَبَ الْأَبُ لِوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ أَيَجُوزُ أَنْ يَحُوزَ ذَلِكَ لَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: مَالِكٌ فَإِذَا بَلَغُوا وَآنَسَ مِنْهُمْ الرُّشْدَ فَلَمْ يَقْبِضُوا حَتَّى مَاتَ الْأَبُ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا وَإِنْ مَاتَ وَهُمْ فِي حَالَةِ السَّفَهِ، فَحَوْزُ أَبِيهِمْ لَهُمْ حَوْزٌ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ بَلَغُوا وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنَتِهِ الْبِكْرِ فَهُوَ الْحَائِزُ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ وَهِيَ مَرْضِيَّةُ الْحَالِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا مَا دَامَتْ بِحَالِ السَّفَهِ، وَلَا يَقْطَعُ الزَّوَاجَ حِيَازَةُ الْأَبِ فَإِذَا صَارَتْ فِي حَالٍ تَحُوزُ لِنَفْسِهَا فَلَا تَجُوزُ حِيَازَةُ الْأَبِ عَلَيْهَا اهـ.
وَكَلَامُ النَّاظِمِ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ، أَعْنِي صُورَةَ حَوْزِ الْأَبِ لِابْنَتِهِ مَا لَمْ تَرْشُدْ
وَلِلْمُعَيَّنِينَ بِالْحَوْزِ تَصِحّْ ... وَجَبْرُهُ مَهْمَا أَبَاهُ مُتَّضِحْ
وَفِي سِوَى الْمُعَيَّنِينَ يُؤْمَرُ ... بِالْحَوْزِ وَالْخُلْفُ أَتَى هَلْ يُجْبَرُ
وَالْجَبْرُ مَحْتُومٌ بِذِي تَعَيُّنِ ... لِصِنْفِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْمُعَيَّنِ
نَوَّعَ النَّاظِمُ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ جَبْرِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْحَوْزِ وَعَدَمِ جَبْرِهِ عَلَيْهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَإِنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، فَيُجْبَرُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَى الْحَوْزِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْحَوْزِ، وَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ؟ قَوْلَانِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلَكِنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ مِنْ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ نَظَرًا لِلْمَنْقُولِ عَنْهُ. فَقَوْلُهُ: وَلِلْمُعَيَّنِينَ الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِحُّ عَلَى الْمُعَيَّنِينَ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو بِشَرْطِهَا الَّذِي هُوَ الْحَوْزُ، فَلَامُ لِلْمُعَيَّنِينَ بِمَعْنَى عَلَى وَجَبْرُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهَا إنْ امْتَنَعَ مُتَّضِحٌ جَلِيٌّ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ بِالْقَوْلِ.
وَقَوْلُهُ: " وَفِي سِوَى الْمُعَيَّنِينَ: الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ الْمُتَصَدِّقَ يُؤْمَرُ بِالْحَوْزِ وَفِي جَبْرِهِ عَلَيْهِ خِلَافٌ وَقَوْلُهُ؛ " وَالْجَبْرُ مَحْتُومٌ " الْبَيْتَ بَاءُ (بِذِي) : ظَرْفِيَّةٌ، وَذِي التَّعَيُّنِ: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ مُتَصَدَّقٌ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ وَلِصِنْفِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْتُومٍ وَضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِينَ يَعْنِي أَنَّ جَبْرَ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْحَوْزِ مُتَحَتِّمٌ لِصِنْفِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِينَ، أَيْ أَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ لِانْتِقَالِ الصَّدَقَةِ لَهُمْ عَنْ
стр. 482
الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ ذِي التَّعَيُّنِ أَوْ الْمُتَعَيَّنِ وَقَوْلُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُعَيَّنِ تَعْلِيلٌ لِيَكُونَ الْجَبْرُ حَقًّا لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِينَ أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ وَإِذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنِينَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ كَالْمَرْضَى وَنَحْوِهِمْ فَفِيهَا قَوْلَانِ فِي حُبْسِ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْهِبَةِ مِنْهَا اهـ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ فَنَقَلَ الشَّارِحُ مَا نَصُّهُ وَسُئِلَ ابْنُ الْحَاجِّ أَيْضًا فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ عَلَى ابْنِهِ ثُمَّ بَعْدَهُ لِلْمَرْضَى وَمَاتَ الِابْنُ فَطَلَبَهُ الْمَرْضَى فَقَالَ إنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ مِنْ مُعَيَّنٍ اهـ وَأَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِّ لِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ مِنْ مُعَيَّنٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَلِلْأَبِ التَّقْدِيمُ لِلْكَبِيرِ ... لِقَبْضِ مَا يَخْتَصُّ بِالصَّغِيرِ
يَعْنِي أَنَّ الْأَبَ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدَيْهِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَإِنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُقَدِّمَ الْكَبِيرَ لِقَبْضِ نَصِيبِ الصَّغِيرِ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى ذَلِكَ أَجْنَبِيًّا كَمَا فِي الْحَبْسِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي الْحَبْسِ
وَالْأَخُ لِلصَّغِيرِ قَبْضُهُ
وَجَبْ
مَعَ اشْتِرَاكٍ وَبِتَقْدِيمٍ مِنْ أَبْ
الْأَبْيَاتَ الْأَرْبَعَ (قَالَ فِي الْمُفِيدِ) وَإِنْ تَصَدَّقَ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ عَلَى ابْنَيْنِ لَهُ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ فَإِنَّ الْكَبِيرَ يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ وَلِأَخِيهِ بِتَوْكِيلِ الْأَبِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَتَصِحُّ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ لَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ حَتَّى مَاتَ الِابْنُ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ لَا تَجُوزُ جَمِيعُ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَتَبْطُلُ وَكَذَلِكَ الْحَبْسُ أَيْضًا ذَلِكَ كُلُّهُ إلَى وَرَثَةِ الْمُتَوَفَّى وَوَافَقَهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحُبُس لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يَنْقَسِمُ وَخَالَفُوهُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَأَجَازَ لِلصَّغِيرِ نَصِيبَهُ لِأَنَّ الْأَبَ يَجُوزُ لَهُ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْقَضَاءُ اهـ
وَحَوْزُ حَاضِرٍ لِغَائِبٍ إذَا ... كَانَا شَرِيكَيْنِ بِهَا قَدْ أُنْفِذَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ فَحَازَ الْحَاضِرُ الْجَمِيعَ لِنَفْسِهِ وَلِلْغَائِبِ فَذَلِكَ حَوْزٌ لَهُمَا فِيهَا وَكَافٍ لِلْغَائِبِ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ:) قُلْت: فَإِنْ وُهِبَتْ أَرْضٌ لِرَجُلَيْنِ أَجْنَبِيَّيْنِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ، وَالْآخَرُ غَائِبٌ فَقَبَضَ الْحَاضِرُ جَمِيعَ الْأَرْضِ أَيَكُونُ قَبْضُهُ قَبْضًا لِلْغَائِبِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْهِبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ اهـ. وَبَاءُ (بِهَا) ظَرْفِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِشَرِيكَيْنِ وَالضَّمِيرُ لِلْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْبَدَلِ، وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ هَلْ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ؛ لِيَكُونَ الْحُكْمُ شَامِلًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ لَهُمَا مَعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا عَلَى الْبَتِّ لِشَخْصٍ عُيِّنَا ... فَهُوَ لَهُ وَمَنْ تَعَدَّى ضُمِّنَا
وَغَيْرُ مَا يُبَتُّ إذْ يُعَيَّنُ ... رُجُوعُهُ لِلْمِلْكِ لَيْسَ يَحْسُنُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخَذَ شَيْئًا وَنَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ لِمِسْكِينٍ مُعَيَّنٍ سَمَّاهُ بِلِسَانِهِ أَوْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ، فَإِنْ بَتَّهُ لَهُ أَوْ أَمْضَاهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ نِيَّةٍ جَازِمًا بِذَلِكَ غَيْرَ مُتَرَوٍّ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَعْطَاهُ لِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَيَغْرَمُهُ لِذَلِكَ الْمِسْكِينِ الْمُعَيَّنِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ سَمَّى الْمِسْكِينَ وَنَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَبُتَّ لَهُ وَلَا نِيَّةَ، فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَالِهِ، وَلَا يُعْطِيهِ لِمَنْ عَيَّنَهُ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) فِي نَوَازِلِهِ: إنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَخْرَجَ مَالًا لِلصَّدَقَةِ فَعَزَلَ عَنْهُ شَيْئًا أَسْمَاهُ بِلِسَانِهِ لِمِسْكِينٍ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَدَا لَهُ فَصَرَفَهُ لِمِسْكِينٍ آخَرَ هَلْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي عَزَلَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لِلصَّدَقَةِ شَيْئًا مِنْهُ لِمِسْكِينٍ بِعَيْنِهِ سَمَّاهُ لَهُ وَنَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَمْ يُبَتَّ لَهُ بِقَوْلٍ وَلَا نِيَّةٍ، فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ بَتَّ لَهُ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إنْ فَعَلَ وَكَذَلِكَ مَا جُعِلَ إلَيْهِ تَنْفِيذُهُ مِمَّا أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ لِلصَّدَقَةِ سَوَاءٌ وَمِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَأْمُرُ لِلسَّائِلِ بِشَيْءٍ أَوْ يَخْرُجُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَجِدُهُ، يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَالِهِ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، إنْ كَانَ إنَّمَا نَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ، وَلَمْ يُبَتَّ لَهُ بِقَوْلٍ وَلَا نِيَّةٍ اهـ.
وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَوَّلًا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ لِغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ: ثَانِيًا: يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَالِهِ كَرَاهَةَ
стр. 483
الْوَجْهَيْنِ مَعًا، أَعْنِي دَفْعَهُ لِغَيْرِ مَنْ نَوَى أَوْ حَبْسَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ لِمَنْ نَوَاهُ لَهُ وَالنَّاظِمُ إنَّمَا قَبَّحَ رُجُوعَهُ لِلْمِلْكِ فَقَطْ دُونَ إعْطَائِهِ لِلْغَيْرِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَا: مُبْتَدَأٌ وَاقِعَةٌ عَلَى الصَّدَقَةِ وَهِيَ مَوْصُولٌ صِلَتُهُ (عُيِّنَ) وَعَلَى الْبَتِّ يَتَعَلَّقُ بِ (عُيِّنَ) وَكَذَا الشَّخْصُ، وَجُمْلَةُ (فَهُوَ لَهُ) خَبَرُ مَا، وَمَا مِنْ قَوْلِهِ: (وَغَيْرُ مَا يُبَتُّ) وَاقِعَةٌ عَلَى الصَّدَقَةِ أَيْضًا وَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ: (وَمَا عَلَى الْبَتِّ) وَنَائِبُ يُعَيَّنُ لِلشَّخْصِ لِأَنَّهُ مُقَابِلُ قَوْلِهِ:
وَمَا عَلَى الْبَتِّ لِشَخْصٍ عُيِّنَا
فَالشَّخْصُ الْمُرَادُ بِهِ الْمِسْكِينُ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ مُعَيَّنٌ فِي الْوَجْهَيْنِ إلَّا أَنَّهُ بَطَلَتْ لَهُ الصَّدَقَةُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي
وَلِلْأَبِ الْقَبْضُ لِمَا قَدْ وَهَبَا ... وَلَدَهُ الصَّغِيرَ شَرْعًا وَجَبَا
إلَّا الَّذِي يَهَبُ مِنْ نَقْدَيْهِ ... فَشَرْطُهُ الْخُرُوجُ مِنْ يَدَيْهِ
إلَى أَمِينٍ وَعَنْ الْأَمِينِ ... يُغْنِي اشْتِرَاءٌ هَبْهُ بَعْدَ حِينِ
وَإِنْ يَكُنْ مَوْضِعَ سُكْنَاهُ يَهَبْ ... فَإِنَّ الْإِخْلَاءَ لَهُ حُكْمٌ وَجَبْ
يَعْنِي أَنَّ الْأَبَ إذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَحُوزُهُ لَهُ وَلَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ تَحْتَ يَدِ الْأَبِ الْوَاهِبِ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا الْمَعْنَى تَقَدَّمَ لِلنَّاظِمِ حَيْثُ قَالَ:
وَالْأَبُ حَوْزُهُ لِمَا تَصَدَّقَا ... بِهِ عَلَى مَحْجُورِهِ لَنْ يُتَّقَى
إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ هُنَاكَ بِالْمَحْجُورِ الشَّامِلِ لِلصَّغِيرِ وَالْبَالِغِ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ هُنَا: لِلصَّغِيرِ وَعَبَّرَ هُنَاكَ أَيْضًا بِالصَّدَقَةِ وَهُنَا بِالْهِبَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، يَحُوزُ مَا أَعْطَى لِوَلَدِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ وَتَحْتَ وِلَايَتِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ مَعًا (التَّوْضِيحُ) فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَّا فِي صَدَقَةِ أَبٍ عَلَى صَغِيرٍ وَتَخْصِيصُهُ الصَّغِيرَ وَالْأَبَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ فِي هَذَا كَالصَّغِيرِ.
وَالْوَصِيُّ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي مُشَارِكَانِ لِلْأَبِ فِي ذَلِكَ وَلَوْ قَالَ إلَّا فِي عَطِيَّةِ أَبٍ لِيَشْمَلَ الْهِبَةَ وَغَيْرَهَا لَكَانَ أَحْسَنَ ا. هـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَعَادَ الْمَسْأَلَةَ مَعَ تَقَدُّمِهَا كَمَا ذَكَرْنَا؛ لِيَسْتَثْنِيَ مِنْهَا مَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَهُوَ شَيْئَانِ.
(أَحَدُهُمَا) أَنْ يَهَبَ لِوَلَدِهِ الْمَحْجُورِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْمِثْلِيَّاتِ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ فَلَا يَكْفِي أَنْ يَحُوزَ هُوَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ بَلْ يُخْرِجَهُ مِنْ يَدِهِ إلَى أَمِينٍ، أَوْ يَشْتَرِيَ لِوَلَدِهِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، أَوْ بِثَمَنِهِ شَيْئًا بِاسْمِ الْوَلَدِ الْمَذْكُورِ كَانَ الشِّرَاءُ حِينَئِذٍ أَوْ بَعْدَ زَمَانٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
إلَّا الَّذِي يَهَبُ مِنْ نَقْدَيْهِ
الْبَيْتَيْنِ إلَّا أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِ إلَّا النَّقْدَيْنِ، فَإِنَّ الْمِثْلِيَّاتِ كُلَّهَا كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي كَوْنِهِ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) : أَنْ يَهَبَ لِوَلَدِهِ دَارَ سُكْنَاهُ، فَلَا يَحُوزُهَا لَهُ بِسُكْنَاهُ فِيهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ مِنْهَا وَإِخْلَائِهَا مِنْ أَثَاثِهِ وَأَسْبَابِهِ ثُمَّ يُكْرِيهَا لِلْغَيْرِ وَيَصْرِفُ الْكِرَاءَ فِي مَنَافِعِ الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَإِنْ سَكَنَهَا الْأَبُ الْمَذْكُورُ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا حَوْزُ الْأَبِ لِمَا وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَفِي الْجَوَاهِرِ، رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ ﵃ قَالُوا: لَا تَجُوزُ صَدَقَةٌ وَلَا عَطِيَّةٌ إلَّا بِحَوْزٍ إلَّا الصَّغِيرَ مِنْ وَلَدِ الْمُتَصَدِّقِ فَإِنَّ أَبَاهُ يَحُوزُ لَهُ (وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ) ، وَسَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِصَدَقَةٍ لَهَا غَلَّةٌ وَكِرَاءٌ وَيُكْرِي ذَلِكَ بِاسْمِهِ، إنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ صَدَقَتَهُ إذَا كَانَ قَدْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى أَصْلِ الصَّدَقَةِ وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ إذَا كَتَبَ الْأَبُ الْكِرَاءَ بِاسْمِ نَفْسِهِ، وَقَالَ: مَنْ يُكْرِي لِلصَّغِيرِ وَيَشْتَرِي لَهُ وَيَبِيعُ إلَّا أَبَوَاهُ ا. هـ.
وَأَمَّا هِبَةُ الْأَبِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَحْجُورِ مَالًا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ: فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتُلِفَ فِي هِبَةِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ أَخَذَ الْمِصْرِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْحَوْزُ وَلَوْ خَتَمَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ وَذَهَبَ الْمَدَنِيُّونَ إلَى أَنَّهُ يَتِمُّ الْحَوْزُ فِيهَا بِوَضْعِهَا عَلَى يَدِهِ إذَا أَحْضَرَهَا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَخَتَمَ عَلَيْهَا بِخَاتِمِهِ، قَالُوا: وَتَصِحُّ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَخْتِمْهَا الشُّهُودُ، وَلَوْ خَتَمُوا عَلَيْهَا لَكَانَ خَيْرًا وَأَحْسَنَ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ، أَنَّهُ يَحُوزُ إذَا أَبْرَزَهُ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ قِيلَ وَبِالْأَوَّلِ جَرَى الْعَمَلُ وَهُوَ مَذْهَبُ الرِّسَالَةِ لِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ اهـ.
(وَفِي الْعُتْبِيَّة مِنْ سَمَاعِ عِيسَى) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قُلْتُ لِمَالِكٍ أَرَأَيْتَ
стр. 484
الدَّنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا الرَّجُلُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ كَيْفَ تُحَازُ؟ قَالَ: يَضَعُهَا عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَهَا مِثْلَ الْعُرُوضِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ وَيُشْهِدُ أَنَّهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ؟ فَقَالَ: هُوَ لِلِابْنِ وَلَا يَدْخُلُ الْوَرَثَةُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَجْهُ ذَلِكَ، كَأَنَّهُ وَهَبَهُ الثَّمَنَ، ثُمَّ اشْتَرَى لَهُ بِهِ الْعَبْدَ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: أَنَّ ابْنَ دَحُونَ سَأَلَ ابْنَ زَرْبٍ عَمَّنْ ابْتَاعَ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ دَارًا بِمَالٍ وَهَبَهُ لَهُ ثُمَّ بَلَغَ الِابْنُ وَمَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَقْبِضْ الِابْنُ الدَّارَ هَلْ تَنْفُذُ لَهُ أَمْ يَبْطُلُ أَمْرُهَا؟ قَالَ: لَا تَبْطُلُ، وَقَدْ تَمَّتْ الْحِيَازَةُ لِلْهِبَةِ بِالِابْتِيَاعِ لِلدَّارِ اهـ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا تَلِيهَا مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاءِ لِلْوَلَدِ بِالشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَأَمَّا هِبَةُ دَارِ السُّكْنَى لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ، فَفِي وَثَائِقِ الْبَاجِيِّ إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي دَارٍ يَسْكُنُهَا الْأَبُ فَلَا تَجُوزُ حَتَّى يُخْلِيَهَا الْأَبُ مِنْ أَهْلِهِ وَثِقْلِهِ وَتَكُونُ فَارِغَةً، وَيُكْرِيهَا لِلِابْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا لَمْ تَجُزْ الصَّدَقَةُ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا فَقَدْ قِيلَ إذَا بَقِيَ خَارِجًا عَنْهَا سَنَةً ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا أَوْ أَكْرَاهَا مِنْ نَفْسِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى رِوَايَةِ عِيسَى (وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) إذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ عَلَى ابْنِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ بِدَارٍ يَسْكُنُهَا الْأَبُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إخْلَائِهَا مِنْ نَفْسِهِ وَثِقْلِهِ وَأَهْلِهِ وَتُعَايِنُهَا الْبَيِّنَةُ خَالِيَةً فَارِغَةً مِنْ أَثْقَالِهَا، وَيُكْرِيهَا الْأَبُ لِلِابْنِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ مَضَتْ سَنَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِعَوْدَةِ الْأَبِ إلَى سُكْنَاهَا، وَيُكْرِيهَا الْأَبُ مِنْ نَفْسِهِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْمُتَيْطِيّ فِي قَوْلِهِ: وَيُكْرِيهَا الْأَبُ مِنْ نَفْسِهِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيمًا، وَاخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ بِغَرْنَاطَةَ فَمِنْ مَانِعٍ وَمِنْ مُجِيزٍ.
وَسُئِلَ عَنْهَا الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَبْدُوسِيُّ فِي رَجُلٍ وَهَبَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ فَدَّانًا وَحَازَهُ لَهُ نَفْسه كَمَا يَجِبُ ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَكْرَى لِنَفْسِهِ عَلَى ابْنِهِ الْفَدَّانَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ بِكَذَا وَكَذَا فِي الْعَامِ بِتَقْوِيمِ أَرْبَابِ الْبَصَرِ أَنَّ الْكِرَاءَ الَّذِي ذَكَرَ هُوَ كِرَاءُ مِثْلِ الْفَدَّانِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَاتَ الْوَاهِبُ، فَهَلْ تَصِحُّ الْهِبَةُ أَمْ تَبْطُلُ؟ فَأَجَابَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَحَكَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ أَنَّ الْأَبَ لَوْ تَمَادَى عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ بِغَيْرِ حِيَازَةٍ لَا تَعْيِينِ كِرَاءٍ مَا ضَرَّ ذَلِكَ فِي الْحِيَازَةِ فَأُجْرِيَ مَعَ الْحِيَازَةِ وَتَعْيِينِ الْكِرَاءِ، فَإِنَّ حِيَازَةَ هَذَا يَكْفِي فِيهَا الْإِشْهَادُ خَاصَّةً خِلَافَ حِيَازَةِ الْمَسْكُونِ وَالْمَلْبُوسِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ: هُوَ كَحِيَازَةِ الْمَسْكُونِ وَالْمَلْبُوسِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إذَا أَكْرَاهُ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَبْطُلْ بِخِلَافِ الرَّهْنِ، فَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ. حَكَى هَذَا الْكَلَامَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ زُونَانَ مِنْ كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَفِي غَيْرِهِ وَكَتَبَ مُسَلِّمًا عَلَيْكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَبْدُوسِيُّ لَطَفَ اللَّهُ بِهِ.
وَمَنْ يَصِحُّ قَبْضُهُ وَمَا قَبَضْ ... مُعْطَاهُ مُطْلَقًا لِتَفْرِيطٍ عَرَضْ
يَبْطُلُ حَقُّهُ بِلَا خِلَافِ ... إنْ فَاتَهُ فِي ذَلِكَ التَّلَافِي
يَعْنِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ قَبْضُهُ وَحِيَازَتُهُ لِمَا أُعْطِيَهُ، وَلَمْ يَقْبِضْ ذَلِكَ؛ لِتَفْرِيطِهِ فِي قَبْضِهِ وَتَرْكِهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَقْبِضَهُ لَقَبَضَهُ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فَإِنْ فَاتَهُ تَلَافِي الْقَبْضِ، وَاسْتَدْرَكَهُ لِمَوْتِ الْمُعْطِي أَوْ تَفْلِيسِهِ أَوْ فَوْتِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُفِيتَةِ لَهُ، كَأَنْ يَهَبَهُ الْوَاهِبُ لِرَجُلٍ آخَرَ وَقَبَضَهُ هَذَا الثَّانِي فَإِنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ يَبْطُلُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ:
إنْ فَاتَهُ فِي ذَلِكَ التَّلَافِي
أَنَّهُ إنْ لَمْ يَفُتْهُ التَّلَافِي؛ لِكَوْنِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ
стр. 485
لَمْ يَحْدُثْ مَانِعٌ مِنْهُ مِنْ مَوْتٍ وَلَا تَفْلِيسٍ وَلَا دَيْنٍ مُحِيطٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَتَلَافَى الْقَبْضَ.
وَتَصِحُّ الْعَطِيَّةُ وَلَا يَضُرُّ تَرَاخِي الْقَبْضِ عَنْ الْعَطِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مَانِعٌ مِنْهُ، هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ تَرْكُهُ لِقَبْضِ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ وَتَفْرِيطًا أَمَّا إنْ جَدَّ فِي طَلَبِهِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ حَتَّى فَاتَ ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ، فَإِنَّ حَقَّهُ لَا يَبْطُلُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَقْبُوضِ بَيْنَ كَوْنِهِ أَصْلًا أَوْ عَرْضًا أَوْ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ (قَالَ ابْنُ شَاسٍ) : إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْحَوْزِ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ جَادًّا فِي الطَّلَبِ غَيْرَ تَارِكٍ لَهُ كَمَا إذَا وَقَعَتْ الْهِبَةُ بِشَاهِدٍ أَوْ شَاهِدَيْنِ حَتَّى يُزَكَّيَا، فَمَاتَ الْوَاهِبُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: هُوَ حَوْزٌ، وَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ (وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) وَصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّى أَوْ جَدَّ فِيهِ أَوْ فِي تَزْكِيَةِ شَاهِدِهِ (وَفِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ) وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ عَلَى رَجُلٍ وَعَرَّفَهُ بِهَا فَسَكَتَ، وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت وَلَا أَقْبَلُ وَتَرَكَهَا زَمَانًا ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ فِيهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ طَلَبَ غَلَّتَهَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عَلَى وَجْهِ التَّرْكِ وَرَجَعَ اهـ.
وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ قَوْلُ الْمِكْنَاسِيِّ فِي الْحَبْسِ وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ مَا لَمْ يَمُتْ الْمُحَبِّسُ (ابْنُ عَرَفَةَ) إحَاطَةُ الدَّيْنِ بِمَالِهِ قَبْلَ الْعَطِيَّةِ يُبْطِلُهَا اتِّفَاقًا، وَفِي كَوْنِ إحَاطَتِهِ بَعْدَهَا قَبْلَ حَوْزِهَا كَذَلِكَ قَوْلَانِ.
[فَصْلٌ فِي الِاعْتِصَارِ]
(فَصْلٌ فِي الِاعْتِصَارِ) (ابْنُ عَرَفَةَ) الِاعْتِصَارُ ارْتِجَاعُ الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى فَقَوْلُهُ: دُونَ عِوَضٍ أَخْرَجَ بِهِ شِرَاءَ الْهِبَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى أَخْرَجَ بِهِ هِبَةَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ لِلْمُعْطِي بِالْكَسْرِ.
وَالِاعْتِصَارُ جَازَ فِيمَا يَهَبُ ... أَوْلَادَهُ قَصْدَ الْمَحَبَّةِ الْأَبُ
وَالْأُمُّ مَا حَيٌّ أَبٌ تَعْتَصِرُ ... وَحَيْثُ جَازَ الِاعْتِصَارُ يُذْكَرُ
الِاعْتِصَارُ رُجُوعُ الْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَا يَعْتَصِرُ إلَّا الْأَبُ وَالْأُمُّ فَلِذَلِكَ خَصَّهُمَا الشَّيْخُ فَقَالَ فِيمَا يَهَبُ الْأَبُ وَالْأُمُّ، فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَعْتَصِرُ، فَلَا يَعْتَصِرُ جَدٌّ وَلَا جَدَّةٌ وَلَا عَمٌّ وَلَا عَمَّةٌ وَلَا الْوَلَدُ مِنْ أَبِيهِ فَالْأَبُ يَعْتَصِرُ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ كَانَ لِلْوَلَدِ أُمٌّ أَوْ لَمْ تَكُنْ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ، كَمَا يَذْكُرُ فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذَيْنِ وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ فِي اعْتِصَارِ الْأُمِّ عَلَى تَفْصِيلِهِ الْآتِي.
وَأَمَّا الْأُمُّ تَهَبُ لِوَلَدِهَا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ فَلَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَالْأُمُّ مَا حَيٌّ أَبٌ تَعْتَصِرُ
فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ وَقَدْ كَانَتْ وَهَبَتْ فِي حَيَاتِهِ فَقَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ تَعْتَصِرُ، فَإِنْ وَهَبَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا لِأَنَّهُ يَتِيمٌ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَهَبُ أَنَّ مَحَلَّ الِاعْتِصَارِ الْهِبَةُ لَا الصَّدَقَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
(ابْنُ يُونُسَ) رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودُ فِيهَا إلَّا لِلْوَلَدِ
стр. 486
قَالَ مَالِكٌ) : فَكُلُّ صَدَقَةٍ فَلَا اعْتِبَارَ فِيهَا لِلْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالنِّحْلَةُ وَالْعُمْرَى فَلَهُمَا الِاعْتِصَارُ فِي ذَلِكَ (وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ) هِبَتُهُ لِابْنِهِ لِلصِّلَةِ لَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا وَكَذَا هِبَتُهُ لِضَعْفِهِ وَخَوْفِ الْخَصَاصَةِ عَلَيْهِ (وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ) كُلُّ هِبَةٍ لِوَلَدِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِطَلَبِ الْأَجْرِ أَوْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ لَا تُعْتَصَرُ. (ابْنُ عَرَفَةَ) الْمَذْهَبُ صِحَّةُ اعْتِصَارِ الْأَبِ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ صَغِيرًا كَانَ الِابْنُ أَوْ كَبِيرًا، وَمَعْرُوفٌ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأُمَّ مِثْلُهُ (وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ) لَا يَجُوزُ الِاعْتِصَارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا لِلْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا (اللَّخْمِيُّ) وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ يَوْمَ الْعَطِيَّةِ فَلَمْ تَعْتَصِرْ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا تَعْتَصِرُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى وَقْتَ الْعَطِيَّةِ، هَلْ كَانَتْ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ مَا وَهَبَتْ الْأُمُّ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ وَلَا أَبَ لَهُمْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ؛ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَيُعَدُّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ ا. هـ.
وَانْظُرْ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الْكَبِيرِ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ هَلْ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَهُ أَوْ لَا، ظَاهِرُ مَا نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ أُصُولِ الْفُتْيَا أَنَّهَا تَعْتَصِرُ وَلَفْظُهُ فِي أُصُولِ الْفُتْيَا، وَالْأُمُّ تَعْتَصِرُ مَا وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا، كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لَمْ تَعْتَصِرْ شَيْئًا مِنْ هِبَتِهَا لِلصِّغَارِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلْأَيْتَامِ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَعْنَى الصَّدَقَةِ وَالصَّدَقَةُ لَا تُعْتَصَرُ اهـ.
فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لَمْ تَعْتَصِرْ شَيْئًا مِنْ هِبَتِهَا لِلصِّغَارِ إلَخْ أَنَّهَا تَعْتَصِرُ هِبَتَهَا لِلْكِبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَطَّابُ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ كَأُمٍّ فَقَطْ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ، هَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ كَبِيرًا فَتَعْتَصِرُ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّاظِمِ:
وَحَيْثُ جَازَ الِاعْتِصَارُ يُذْكَرُ
فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ أَنْ يَذْكُرَ فِي وَثِيقَةِ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُعْتَصَرُ أَنَّ الْوَاهِبَ سَلَّطَ عَلَيْهَا حُكْمَ الِاعْتِصَارِ؛ لِئَلَّا يُنَازَعَ الْوَاهِبُ إذَا اعْتَصَرَ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُوَثِّقِينَ حَسْمُ مَوَادِّ الْخِلَافِ، وَارْتِكَابُ الْوَجْهِ الَّذِي لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ فَلِذَلِكَ يَكْتُبُونَ إذْنَ الْمَضْمُونِ لِلضَّامِنِ فِي الضَّمَانِ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ اعْتِبَارِ إذْنِهِ وَمَعَ إذْنِهِ لَا خِلَافَ فِي اللُّزُومِ، وَكَذَلِكَ يَكْتُبُونَ فِي وَثَائِقِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَنَزَلَ الْمُبْتَاعُ فِيمَا ابْتَاعَ، وَأَبْرَأَ الْبَائِعَ مِنْ دَرْكِ الْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّهُ بِنُزُولِهِ فِيمَا ابْتَاعَ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْ الْبَائِعِ اتِّفَاقًا وَقَبْلَ نُزُولِهِ لَا يَسْقُطُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: الْبَيْعُ الْعَقْدُ مَعَ الْقَبْضِ لَا الْعَقْدُ فَقَطْ، فَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي عَلَى قَوْلِهِ إلَّا بِالْقَبْضِ فَعَمِلُوا عَلَى الْإِنْزَالِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَاحِدِ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي نَظْمِ إيضَاحِ الْمَسَالِكِ: لِوَالِدِهِ سَيِّدِي أَحْمَدَ مَا نَصُّهُ:
وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ أَشْهَبَا ... أَوْرَدَهُ الْمُوَثِّقُونَ الْكُتُبَا
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُوَثِّقِينَ كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَضُمِّنَ الْوِفَاقُ فِي الْحُضُورِ ... إنْ كَانَ الِاعْتِصَارُ مِنْ كَبِيرِ
وَكُلُّ مَا يَجْرِي بِلَفْظِ الصَّدَقَهْ ... فَالِاعْتِصَارُ أَبَدًا لَنْ يَلْحَقَهْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ اعْتَصَرَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ يَنُصُّ فِي وَثِيقَةِ الِاعْتِصَارِ عَلَى حُضُورِ الِابْنِ الْمَذْكُورِ وَمُوَافَقَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ إذْ يَدَّعِي الصَّدَقَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ، فَحُضُورُهُ يَرْفَعُ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ يَلِيه مِنْ ذِكْرِ الِاعْتِصَارِ وَمُوَافَقَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) فِي آخِرِ وَثِيقَةِ الِاعْتِصَارِ: مَا نَصُّهُ " وَإِنْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا قُلْتُ: وَبِمَحْضَرِ الِابْنِ وَمُوَافَقَتِهِ عَلَى ذَلِكَ " اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:
وَكُلُّ مَا يَجْرِي بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ
الْبَيْتَ فَأَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ: وَكُلُّ صَدَقَةٍ فَلَا اعْتِصَارَ فِيهَا لِلْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالْعُمْرَى فَلَهُمَا الِاعْتِصَارُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَوَّاق
стр. 487
وَلَا اعْتِصَارَ مَعَ مَوْتٍ أَوْ مَرَضْ ... لَهُ أَوْ النِّكَاحِ أَوْ دَيْنٍ عَرَضْ
وَفَقْرُ مَوْهُوبٍ لَهُ مَا كَانَا ... لِمَنْعِ الِاعْتِصَارِ قَدْ أَبَانَا
ذَكَرَ فِي الْبَيْتَيْنِ مَوَانِعَ الِاعْتِصَارِ يَمْنَعُ مِنْهُ مَوْتُ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مَرَضُهُ الْمُسْتَمِرُّ لِلْمَوْتِ وَنِكَاحُهُ وَأَخْذُهُ لِلدَّيْنِ إذَا كَانَ الْمَرَضُ الْمَذْكُورُ وَمَا بَعْدَهُ حَادِثًا عَارِضًا بَعْدَ الْهِبَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: عَرَضْ، أَمَّا إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَقْتَهَا مَرِيضًا أَوْ مُتَزَوِّجًا أَوْ مَدِينًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْهُ فَقْرُ الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَا كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا لِأَنَّ فَقْرَهُ قَرِينَةُ إرَادَةِ الصَّدَقَةِ (قَالَ فِي أُصُولِ الْفُتْيَا) قَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ أَصْلِ قَوْلِهِمْ: أَنَّ كُلَّ وَاهِبٍ هِبَةً، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهَا، وَلَا يَرْجِعَ فِيهَا حَاشَا الْأَبِ وَالْأُمِّ فِيمَا وَهَبَا لِأَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّ الِاعْتِصَارَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ جَائِزٌ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ التَّفْسِيرِ.
أَمَّا الْوَالِدُ فَيَجُوزُ لَهُ اعْتِصَارُ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ، كَانَ لِلْوَلَدِ أُمٌّ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثْ الْوَلَدُ دَيْنًا أَوْ يَنْكِحْ أَوْ يَطَأْ، إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ جَارِيَةً أَوْ يَبِيعُ الْهِبَةَ أَوْ يَمْرَضُ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ الِاعْتِصَارُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَوْتٌ لِلْهِبَةِ، وَإِنَّمَا يَعْتَصِرُ مَا لَمْ يَفُتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَهَبَ لَهُ وَقَدْ اسْتَدَانَ أَوْ نَكَحَ أَوْ مَرِضَ، فَيَجُوزُ لَهُ الِاعْتِصَارُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُدَايَنْ وَلَمْ يَنْكِحْ عَلَى تِلْكَ الْهِبَةِ (وَفِي الْمُقَرِّبِ) قُلْتُ: فَمَنْ وَهَبَ لِأَوْلَادٍ لَهُ صِغَارٍ هِبَةً وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُمْ فَبَلَغُوا وَلَمْ يُحْدِثُوا دَيْنًا وَلَا نَكَحُوا، فَأَرَادَ الْأَبُ أَنْ يَعْتَصِرَ هِبَتَهُ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبَ لَهُمْ وَهُمْ كِبَارٌ فَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ هِبَتَهُ، مَا لَمْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا أَوْ يَنْكِحُوا، وَالْعَطِيَّةُ وَالنَّحْلُ فِي الِاعْتِصَارِ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَإِذَا كَانَتْ هِبَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى فَقِيرٍ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ يَعْتَصِرَانِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ وَهَبَ عَلَى فَقِيرٍ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ صِلَتَهُ وَالْأَجْرَ. انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَكَمَا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ مَرَضُ الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، كَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مَرَضُ الْوَاهِبِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَكَذَلِكَ، وَرَوَى أَشْهَبُ إنْ مَرِضَ الْأَبُ فَلَهُ، وَقَالَ أَيْضًا فَلَيْسَ لَهُ (التَّوْضِيحُ) قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا: أَيْ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ، أَيْ بِفَوْتِ الِاعْتِصَارِ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: فِي الْبَيَانِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَرِضَ الْوَاهِبُ فَاعْتِصَارُهُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْوَارِثُ وَإِنْ مَرِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِهِ وَرَوَى أَشْهَبُ إنْ مَرِضَ الْأَبُ فَلَهُ الِاعْتِصَارُ دُونَ الْعَكْسِ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ إنْ شِئْت وَإِنَّمَا شَرَحْنَا قَوْلَ النَّاظِمِ أَوْ مَرِضَ بِمَرَضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَرَضُ الْوَاهِبِ مَانِعًا مِنْ الِاعْتِصَارِ أَيْضًا لِقِرَانِهِ بِالنِّكَاحِ وَالدَّيْنِ، وَلَا يَمْنَعَانِ إلَّا مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَتَهُ نِحْلَةً فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ فَقَدْ انْقَطَعَ الِاعْتِصَارُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَعُودُ، بَنَى بِهَا أَمْ لَا وَكَذَلِكَ مَنْ نَكَحَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ أَوْ دَايَنَ ثُمَّ زَالَ الدَّيْنُ أَوْ زَالَتْ الْعِصْمَةُ، فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا نَقَلَهُ الْمَوَّاق ثُمَّ قَالَ أَصْبَغُ: إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ بِمَرَضِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِنِكَاحِ الْوَلَدِ أَوْ بِدَيْنٍ، ثُمَّ زَالَ الْمَرَضُ وَالدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ فَلَا اعْتِصَارَ وَإِذَا زَالَتْ الْعُصْرَةُ يَوْمًا فَلَا تَعُودُ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ إذَا صَحَّ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى رَجَعَتْ الْعُصْرَةُ، كَمَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ فِي مَالِهِ فِيمَا كَانَ مَمْنُوعًا اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْعِلَّةُ إذَا زَالَتْ هَلْ يَزُولُ الْحُكْمُ بِزَوَالِهَا أَمْ لَا
وَمَا اعْتِصَارُ بَيْعُ شَيْءٍ قَدْ وُهِبْ ... مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ بِهِ كَمَا يَجِبْ
لَكِنَّهُ يُعَدُّ مَهْمَا صَيَّرَا ... ذَاكَ لِمَوْهُوبٍ لَهُ مُعْتَصَرَا
وَقِيلَ بَلْ يَصِحُّ إنْ مَالٌ شُهِرْ ... لَهُ وَإِلَّا فَلِحَوْزٍ يَفْتَقِرْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِابْنِهِ أَوْ ابْنَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ بَاعَ الْهِبَةَ بِاسْمِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُشْهَدْ بِأَنَّ ذَلِكَ اعْتِصَارٌ، فَإِنَّ بَيْعَهُ لَا يُعَدُّ اعْتِصَارًا، بَلْ يُحْمَلُ أَنَّهُ رَأَى الْبَيْعَ أَوْلَى لِغِبْطَةٍ فِي الثَّمَنِ، أَوْ لِخَوْفِ فَسَادٍ يَلْحَقُ تِلْكَ الْهِبَةَ وَنَحْو ذَلِكَ، وَيَكُونُ ثَمَنُ الْهِبَةِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْأَبِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِمُوجِبٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمَا اعْتِصَارٌ الْبَيْتَ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ بِهِ أَيْ بِالِاعْتِصَارِ أَنَّهُ إذَا أَشْهَدَ عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ أَنَّهُ اعْتَصَرَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ اعْتِصَارٌ وَلَا إشْكَالَ فَقَوْلُهُ وَمَا اعْتِصَارٌ مَا نَافِيَةٌ وَاعْتِصَارٌ: مُبْتَدَأٌ سَوَّغَهُ تَقَدُّمُ النَّفْيِ وَبَيْعٌ: خَبَرُهُ وَجُمْلَةُ قَدْ وُهِبَ: بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ صِفَةٌ لِشَيْءٍ وَضَمِيرُ بِهِ لِلِاعْتِصَارِ.
(قَالَ ابْنُ عَاتٍ فِي طُرُرِهِ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الشُّورَى) مَنْ وَهَبَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ هِبَةً وَسَلَّطَ عَلَيْهَا شَرْطَ الِاعْتِصَارِ ثُمَّ بَاعَهَا
стр. 488
بَعْدَ ذَلِكَ بِاسْمِ نَفْسِهِ وَمَاتَ، فَإِنَّ الثَّمَنَ لِلِابْنِ فِي مَالِ الْأَبِ وَلَيْسَ بَيْعُهُ بِاسْمِ نَفْسِهِ عُصْرَةً مِنْهُ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ أَنَّ بَيْعَهُ ذَلِكَ اعْتِصَارٌ مِنْهُ لِلْهِبَةِ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا بَعْدَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَغَيَّرَتْ عَنْ حَالِهَا قَالَ الشَّارِحُ أَقُولُ هَذَا الْقَوْلُ هَكَذَا نُقِلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَفِيهِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى كَبِيرٍ إشْكَالُ مَا مِنْ كَوْنِهِ لَا يُعَدُّ عُصْرَةً فَتَأَمَّلْهُ ا. هـ يَعْنِي أَنَّ كَوْنَ الْبَيْعِ عَلَى الصَّغِيرِ لَا يُعَدُّ عُصْرَةً ظَاهِرٌ لِكَوْنِ الْأَبِ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لَهُ فِي أُمُورِهِ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَ نَفْسِهِ، فَالْبَيْعُ عَلَيْهِ اعْتِصَارٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ:
لَكِنَّهُ يُعَدُّ مَهْمَا مَهْمَا صَيَّرَا
الْبَيْتَيْنِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَاهِبِ فِي الْهِبَةِ بِالْبَيْعِ لَا يُعَدُّ اعْتِصَارًا اسْتَدْرَكَ هَذِهِ الصُّورَةَ، فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْوَاهِبِ فِيهَا اعْتِصَارٌ.
وَهِيَ إذَا وَهَبَ هِبَةً لِابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ ثُمَّ إنَّهُ صَيَّرَ تِلْكَ الْهِبَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي دَيْنٍ لِلِابْنِ أَوْ الِابْنَةِ عَلَى أَبِيهِ الْوَاهِبِ الْمَذْكُورِ فَتَصِيرُ تِلْكَ الْهِبَةُ مِلْكًا لِلْوَلَدِ عِوَضًا عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى أَبِيهِ وَلَا إشْكَالَ فِي كَوْنِ ذَلِكَ اعْتِصَارًا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأَبِ قَضَى بِهَا دَيْنًا عَلَيْهِ لَازِمٌ لِكَوْنِهِ رَدَّهَا لِمِلْكِهِ وَحِينَئِذٍ دَفَعَهَا فِي دَيْنِهِ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ أَطْلَقَ فِي ذَلِكَ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْأَبِ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَرِينَةِ حَالٍ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ كَمَا يَأْتِي وَلَا إشْكَالَ أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ الْهِبَةَ يَمْلِكُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ عِوَضًا عَنْ الدَّيْنِ فَلَا تَفْتَقِرُ لِحِيَازَةٍ؛ لِكَوْنِهَا مُعَاوَضَةً، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَكِنَّهُ يُعَدُّ الْبَيْتَ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَصَّلَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي صَيَّرَ فِيهِ الْهِبَةَ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَرِينَةِ صِدْقٍ فَالْحُكْمُ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ، فَعَهْدُ التَّصْيِيرِ هِبَةٌ أُخْرَى مُسْتَأْنَفَةٌ، فَتَفْتَقِرُ لِلْحَوْزِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَقِيلَ: بَلْ تَصِحُّ إنْ مَالٌ شُهِرْ
الْبَيْتَ، فَقَوْلُهُ: لَكِنَّهُ أَيْ الْأَبَ، وَذَاكَ أَيْ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ: يَتَعَلَّقُ بِ صَيَّرَا وَمُعْتَصِرًا: مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُعَدَّ وَفَاعِلُ يَصِحُّ لِلتَّصْيِيرِ وَضَمِيرُ لَهُ لِلْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
وَأَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي مَسْأَلَةٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَهَبَ لِابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ دَارًا أَوْ احْتَازَهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْهَدَ أَنَّهُ صَيَّرَهَا لَهَا فِي مِائَةِ مِثْقَالٍ تَأَلَّفَتْ عِنْدَهُ مِنْ غَزْلٍ غَزَلَتْهُ وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ التَّصْيِيرُ اعْتِصَارٌ لِلْهِبَةِ وَتَكُونُ الدَّارُ لِلْمَوْهُوبِ لَهَا بِالتَّصْيِيرِ أَيْ فِي الدَّيْنِ لَا بِالْهِبَةِ الْأُولَى وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّ التَّصْيِيرَ لِلْهِبَةِ اعْتِصَارٌ، أَوْ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ نِسْبَةً صَحِيحَةً مِثْلَ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الِابْنَةَ كَانَتْ تَغْزِلُ الْغَزْلَ الْكَثِيرَ كَقَدْرِ الذَّهَبِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَجْتَمِعُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهَا وَرِثَتْ مِنْ أُمِّهَا مَالًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا وَإِلَّا فَيَكُونُ هَذَا التَّصْيِيرُ كَهِبَةٍ أُخْرَى إنْ ثَبَتَتْ فِيهَا الْحِيَازَةُ صَحَّتْ وَإِلَّا سَقَطَتْ اهـ. وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي افْتِقَارِ التَّصْيِيرِ لِلْحَوْزِ وَعَدَمِ افْتِقَارِهِ لَهُ
[فَصْلٌ فِي الْعُمْرَى وَمَا يَلْحَقُ بِهَا]
(فَصْلٌ فِي الْعُمْرَى وَمَا يَلْحَقُ بِهَا)
هِبَةُ غَلَّةِ الْأُصُولِ الْعُمْرَى ... بِحَوْزِ الْأَصْلِ حَوْزُهَا اسْتَقَرَّا
طُولَ حَيَاةِ مُعَمِّرٍ أَوْ مُدَّهْ ... مَعْلُومَةً كَالْعَامِ أَوْ مَا بَعْدَهْ
(ابْنُ عَرَفَةَ) الْعُمْرَى: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ حَيَاةِ الْمُعْطَيْ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاء (قَالَ الرَّصَّاع) قَوْلُهُ: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ أَخْرَجَ بِهِ عَطَاءَ الذَّاتِ وَأَخْرَجَ بِحَيَاةِ الْمُعْطَيْ الْحُبُسَ وَالْعَارِيَّةَ وَالْمُعْطَى بِفَتْحِ الطَّاءِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُعْطِي بِكَسْرِهَا لَيْسَ بِعُمْرَى وَانْظُرْ تَقْسِيمَ الْعُمْرَى فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ عِوَضٍ أَخْرَجَ بِهِ إذَا كَانَ بِعِوَضٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ وَقَوْلُهُ: إنْشَاءً أَخْرَجَ بِهِ الْحُكْمَ بِاسْتِحْقَاقِ الْعُمْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، ثُمَّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ إنَّ الْعُمْرَى الْمُعَقَّبَةَ إنْ قُلْنَا تَرْجِعُ مِلْكًا فَهِيَ عُمْرَى، وَلَا إشْكَالَ.
وَإِنْ قُلْنَا تَرْجِعُ حَبْسًا، فَهِيَ عُمْرَى أَيْضًا حُكْمُهَا أَيْضًا حُكْمُ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهَا حَبْسٌ
стр. 489
حَقِيقَةً، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْحَدِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ أَنَّهَا تَكُونُ فِي كُلِّ مَا لَهُ مَنْفَعَةٌ، فَتَكُونُ فِي الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:) فَإِنْ أَعْرَى حُلِيًّا وَثِيَابًا قَالَ: أَمَّا الْحُلِيُّ فَهُوَ كَالدُّورِ وَأَمَّا الثِّيَابُ فَلَمْ أَسْمَعْ فِيهَا مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا اهـ وَآخِرُهُ بِالْمَعْنَى مَعَ اخْتِصَارٍ.
قَوْلُهُ: هِبَةُ غَلَّةِ الْأُصُولِ. . . إلَخْ يَعْنِي أَنَّ الْعُمْرَى: هِيَ هِبَةُ غَلَّةِ الْأُصُولِ طُولَ حَيَاةِ الْمُعْمِرِ أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً كَالْعَامِ، أَوْ مَا بَعْدَهُ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الْعَطِيَّةِ، فَتَفْتَقِرُ إلَى الْحَوْزِ، وَعَلَيْهِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
بِحَوْزِ الْأَصْلِ حَوْزُهَا اسْتَقَرَّا
وَحَوْزُهَا هُوَ بِحَوْزِ أَصْلِهَا، وَلَا مَحْذُورَ فِي كَوْنِهَا لِأَجَلٍ مَجْهُولٍ وَهُوَ حَيَاةُ الْمُعْمِرِ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ، فَلَا يَدْخُلُهَا الْغَرَرُ الْمَحْظُورُ فِي الْبُيُوعِ فِي جَهْلِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا أَرْسِلْ مِنْ يَدِك بِالْغَرَرِ، وَلَا تَأْخُذْ بِهِ، فَإِنَّ فِي الْمُقَرَّبِ قُلْت: لَهُ أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ: لِرَجُلٍ قَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ حَيَاتَك أَوْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةَ أَوْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذَا الْحُلِيَّ، أَيَجُوزُ هَذَا قَالَ: نَعَمْ وَيَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ جُعِلَ ذَلِكَ لَهُ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ (وَفِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ) : وَأَمَّا هِبَةُ الْمَنَافِعِ كَالْعُمْرَى وَالْإِخْدَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهَا كَهِبَةِ الْأَعْيَانِ إلَّا فِي تَمْلِيكِ الرِّقَابِ. قَالَ: أَعْمَرَهُ دَارًا أَوْ جَنَّةً مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ حَيَاةَ الْمَوْهُوبِ لَهُ رَجَعَتْ بَعْدَ انْصِرَامِ الْمُدَّةِ مِلْكًا لِرَبِّهَا أَوْ لِوَرَثَتِهِ وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَ عَقِبَهُ (وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) .
وَلَا يَجُوزُ الْعُمْرَى إلَّا بِحِيَازَةٍ وَقَبْضٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِمَنْ يَجُوزُ لِلْمُعَمَّرِ الْقَبْضُ لَهُ كَالِابْنِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ فَقَوْلُهُ: (هِبَةُ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَالْعُمْرَى: مُبْتَدَأٌ وَطُولَ: ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِهِبَةٍ وَمُدَّةً: بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى طُولَ أَيْ الْعُمْرَى هِبَةُ غَلَّةِ الْأُصُولِ حَيَاةَ مُعْمِرٍ أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً كَالْعَامِ أَوْ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْعَامِ، وَهُوَ الْمُرَادُ أَوْ مَا بَعْدَهُ، وَحَوْزُهَا: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ اسْتَقَرَّا وَبِحَوْزٍ: يَتَعَلَّقُ بِاسْتَقَرَّا، وَخَصَّ الْأُصُولَ، وَإِنْ كَانَتْ تَصِحُّ فِي غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَى فِيهَا أَكْثَرُ
وَبَيْعُهَا مُسَوَّغٌ لِلْمُعْمَرِ ... مِنْ مُعْمِرٍ وَوَارِثٍ لِلْمُعْمِرِ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ وَيَسُوغُ لِلْمُعْمَرِ بِالْفَتْحِ بَيْعُ الْعُمْرَى لِلْمُعْمِرِ بِالْكَسْرِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ وَإِنْ شِئْت قُلْتَ يَجُوزُ لِلْمُعْمِرِ بِالْكَسْرِ وَلِوَرَثَتِهِ شِرَاءُ عُمْرَتِهِ مِنْ الْمُعْمَرِ بِالْفَتْحِ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، فَالْمُعْمَرُ بِالْفَتْحِ بَائِعٌ وَبِالْكَسْرِ مُشْتَرٍ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ (قَالَ فِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ:) وَيَجُوزُ لِلْمُعْمِرِ شِرَاءُ عُمْرَاهُ قِيَاسًا عَلَى الْعَرِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَلِلْمُعْمِرِ كِرَاؤُهَا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ لَا غَيْرُ، وَقِيلَ: لِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ كَالْأَحْبَاسِ، وَلَوْ كَانَتْ لِمُدَّةٍ مَحْصُورَةٍ لَجَازَ كِرَاؤُهَا إلَيْهَا، وَيَجُوزُ لِوَرَثَةِ الْمُعْمِرِ شِرَاؤُهَا مِنْ الْمُعْمَرِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَبِيهِمْ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مُعَقَّبَةً، وَفِيهِ أَيْضًا يَجُوزُ ابْتِيَاعُ الْمُعْمِرِ لِلْعُمْرَى بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ بِالْعَيْنِ وَالْعَرْضِ وَالطَّعَامِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بِالنَّسِيئَةِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ إذْ لَيْسَ بِبَيْعٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ
стр. 490
ظَاهِرُهُ الْمُكَايَسَةُ مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ ابْتِيَاعِ الصَّدَقَةِ اهـ.
فَضَمِيرُ " بَيْعُهَا " لِلْعُمْرَى " وَمُسَوَّغٌ " بِفَتْحِ الْوَاوِ اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ سَوَّغَهُ الشَّارِعُ وَجَوَّزَهُ " وَالْمُعْمَرُ " بِالْفَتْحِ يَتَعَلَّقُ بِمُسَوَّغٍ أَيْ يَسُوغُ لِلْمُعْمَرِ بَيْعُ الْعُمْرَى وَالْمُشْتَرِي لَهَا هُوَ الْمُعْمِرُ بِالْكَسْرِ أَوْ وَارِثُهُ
وَغَلَّةٌ لِلْحَيَوَانِ إنْ تُهَبْ ... فَمِنْحَةٌ تُدْعَى وَلَيْسَتْ تُجْتَنَبْ
وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ هِيَ الْإِخْدَامُ ... وَالْحَوْزُ فِيهِمَا لَهُ الْتِزَامُ
حَيَاةَ مُخْدَمٍ أَوْ الْمَمْنُوحِ ... أَوْ أَمَدًا عُيِّنَ بِالتَّصْرِيحِ
قَالَ الْإِمَامُ الْحَطَّابُ فِي تَأْلِيفِهِ الْمُسَمَّى بِتَحْرِيرِ الْكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ: مَا نَصُّهُ الْبَابُ الْأَوَّلُ: وَفِي الِالْتِزَامِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ وَهُوَ إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلَى شَيْءٍ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالْحَبْسُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْعُمْرَى وَالْعَرِيَّةُ وَالْمِنْحَةُ وَالْإِرْفَاقُ وَالْإِخْدَامُ وَالْإِسْكَانُ وَالنَّذْرُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ وَالضَّمَانُ وَالِالْتِزَامُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ أَعْنِي بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ
وَإِنَّمَا هُوَ بِأُمُورٍ اعْتِبَارِيَّةٍ اعْتَبَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي كُلِّ بَابٍ فَخَصُّوا الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ بِتَمْلِيكِ الرِّقَابِ، وَجَعَلُوا الْأُولَى: فِيمَا كَانَ لِقَصْدِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً، وَالثَّانِيَةَ: فِيمَا كَانَ لِقَصْدِ ثَوَابٍ مِنْ الْمُعْطِي أَوْ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لِصَدَاقَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَخَصَّ الْحَبْسَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى الْإِسْكَانِ بِإِعْطَاءِ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَهُوَ الْحَبْسُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُعْطَى، فَهُوَ الْعُمْرَى، وَإِنْ كَانَ مُحَدَّدًا بِمُدَّةٍ أَوْ غَيْرَ مُحَدَّدٍ فَهُوَ الْعَارِيَّةُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَقَارٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِسْكَانُ.
وَإِنْ كَانَ فِي ثَمَرَةٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْعَرِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَلَّةِ حَيَوَانٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْمِنْحَةُ، وَإِنْ كَانَ فِي خِدْمَةِ عَبْدٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِخْدَامُ، وَإِنْ كَانَ فِي مَنَافِعَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِرْفَاقُ، وَخَصُّوا الضَّمَانَ بِالْتِزَامِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ لَهُ، أَوْ الْتِزَامِ إحْضَارِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِمَنْ هُوَ لَهُ، وَخَصُّوا النَّذْرَ الْمُطْلَقَ بِالْتِزَامِ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ، وَالِالْتِزَامَ الْأَخَصَّ بِمَا كَانَ بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُخْرِجُ الْعِدَةَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ لِأَنَّهَا الْتِزَامٌ فِيهَا اهـ.
وَفِيهِ بَيَانُ الِاصْطِلَاحِ فِي مُسَمَّى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَأَخْبَرَ النَّاظِمُ ﵀ أَنَّ هِبَةَ غَلَّةِ الْحَيَوَانِ كَالرُّكُوبِ وَاللَّبَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ تُسَمَّى مِنْحَةً، وَهِيَ جَائِزَةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَا يُجْتَنَبُ، وَأَنَّ هِبَةَ خِدْمَةِ الْعَبْدِ تُسَمَّى الْإِخْدَامَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ طُولَ حَيَاةِ الْمَمْنُوحِ أَوْ الْمُخْدَمِ أَوْ تَوْفِيَتِهِ بِأَجَلٍ مَحْدُودٍ مِنْ الْمُعْطِي، وَلَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ الْحَوْزِ عَلَى قَاعِدَةِ كُلُّ مَا يُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَحَوْزُهُمَا بِحَوْزِ الْحَيَوَانِ الْمَمْنُوحِ غَلَّتُهُ، وَحَوْزِ الْعَبْدِ الْمَبْذُولِ خِدْمَتُهُ (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) : وَالْمِنْحَةُ هِيَ هِبَةُ غَلَّةِ الْحَيَوَانِ، وَالْإِخْدَامُ. هِبَةُ خِدْمَةِ الْعَبْدِ
قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ الْحِيَازَةِ فِي الْمِنْحَةِ وَالْإِخْدَامِ، وَإِلَّا بَطَلَا، وَفِي (الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) ، فَإِنْ مَاتَ الْمُخْدَمُ وَالْخِدْمَةُ لِأَمَدٍ مَعْلُومٍ وَرِثَ وَرَثَةُ الَّذِي لَهُ الْخِدْمَةُ بَقِيَّةَ الْأَمَدِ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ لَمْ يَرِثْ وَرَثَتُهُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَرَجَعَ الْعَبْدُ إلَى رَبِّهِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فِيهِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: حَيَاةَ مُخْدَمٍ بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ لِلْإِخْدَامِ وَقَوْلُهُ: أَوْ الْمَمْنُوحِ: عَطْفٌ عَلَى مُخْدَمٍ مَدْخُولٍ لِحَيَاةٍ أَيْ حَيَاةِ الْمَمْنُوحِ: ظَرْفٌ لِمِنْحَةٍ وَقَوْلُهُ: وَأَمَدًا: بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى " حَيَاةَ "
وَأُجْرَةُ الرَّاعِي لِمَا قَدْ مَنَحَا ... عَلَى الَّذِي بِمَنْحِهِ قَدْ سَمَحَا
وَجَائِزٌ لِمَانِحٍ فِيهَا الشِّرَا ... بِمَا يَرَى نَاجِزًا أَوْ مُؤَخَّرًا
يَعْنِي أَنَّ أُجْرَةَ الرَّاعِي الَّذِي يَرْعَى الْحَيَوَانَ الْمَمْنُوحَ غَلَّتُهُ تَكُونُ عَلَى الْمَانِحِ الَّذِي سَمَحَ بِهِبَتِهَا لَا عَلَى الْمَمْنُوحِ، وَيَجُوزُ لِلْمَانِحِ شِرَاءُ مِنْحَتِهِ مِنْ الْمَمْنُوحِ بِمَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ نَاجِزٍ، أَوْ مُؤَخَّرٍ كَمَا سَبَقَ فِي الْعُمْرَى (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَالرِّعَايَةُ: عَلَى رَبِّ الْمِنْحَةِ وَلِصَاحِبِ الْمِنْحَةِ أَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْ الْمَمْنُوحِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ حَالًا، وَيَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ مِنْحَتِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ الدَّنَانِيرِ
стр. 491
وَالدَّرَاهِمِ وَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ حَالًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَيَسْتَرْجِعُ مِنْحَتَهُ، وَلَا يَدْخُلُهُ بَيْعُ اللَّبَنِ الْمَجْهُولِ بِالطَّعَامِ أَوْ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعْرُوفٌ يَصْنَعُهُ الْمُعْطِي إلَى الْمُعْطَى، فَأُرْخِصَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَيُجَانِسُ ذَلِكَ الْعَرِيَّةَ اهـ.
وَهَذَا الْحُكْمُ يَجْرِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْإِخْدَامِ، فَتَكُونُ نَفَقَةُ الْمُخْدِمِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَيَجُوزُ لِسَيِّدِهِ شِرَاءُ خِدْمَتِهِ مِنْ الْمُخْدَمِ
[فَصْلٌ فِي الْإِرْفَاقِ]
(فَصْلٌ فِي الْإِرْفَاقِ)
إرْفَاقُ جَارٍ حَسَنٌ لِلْجَارِ ... بِمَسْقًى أَوْ طَرِيقٍ أَوْ جِدَارِ
وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ إنْ حُدَّ اُقْتُفِيَ ... وَعُدَّ فِي إطْلَاقِهِ كَالسَّلَفِ
تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِرْفَاقَ هُوَ مَنَافِعُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ وَأَخْبَرَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إرْفَاقَ الْجَارِ لِجَارِهِ حَسَنٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ مِنْ التَّسَامُحِ بِهِ وَهُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّذِي بُعِثَ ﵇ لِتَتْمِيمِهَا، وَذَلِكَ كَأَنْ يُعْطِيَهُ مَسْقًى أَيْ مَوْضِعًا لِلسَّقْيِ يُوصَلُ مِنْهُ الْمَاءُ لِسَقْيِ حَائِطِهِ أَوْ شُرْبِ دَارِهِ مَثَلًا، أَوْ يُعْطِيهِ طَرِيقًا فِي أَرْضِهِ لِيَتَوَصَّلَ مِنْهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ، أَوْ يُعْطِيهِ جِدَارًا يَغْرِزُ فِيهِ خَشَبَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَرَافِقِ، فَإِنْ حُدَّتْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ بِزَمَانٍ، عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ وَوَقَفَ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تُحَدَّ، فَإِنَّهُ كَالسَّلَفِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ الْمِرْفَقِ مِقْدَارَ مَا يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَحْسُنُ بَيْنَ الْجِيرَانِ أَنْ يَرْفُقَ إلَيْهِ.
(قَالَ فِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ) : وَالْمَرَافِقُ مَنْدُوبٌ إلَى بَذْلِهَا وَالْمُسَامَحَةُ فِيهَا، فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ، أَنْ يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى وَشَحَّ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِهِ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ فَإِنْ كَانَ الْمُرْفِقُ احْتَاجَ إلَى حَائِطِهِ حَاجَةً مُؤَكَّدَةً كَانَ ذَلِكَ لَهُ، إذَا كَانَ قَدْ مَضَى مِنْ الزَّمَانِ قَدْرُ مَا يَرَى أَنَّهُ انْتَفَعَ الْمُرْتَفِقُ بِالتَّعْلِيقِ (تَنْبِيهٌ) لَفْظُ " مَسْقَى " فِي النَّظْمِ هُوَ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلٍ مُعْتَلِّ اللَّامِ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَدَاخُلٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَصْدَرُ أَيْ أَرْفَقَهُ بِالسَّقْيِ بِمَا يَفْضُلُ عَنْهُ مِنْ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَكَانُ أَيْ بِمَكَانٍ وَمَوْضِعٍ يُوصِلُ مِنْهُ الْمَاءَ لِدَارِهِ أَوْ حَائِطِهِ كَمَا قُلْنَا أَوَّلًا، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الزَّمَانُ كَأَنْ يَكُونَ حَقُّهُ أَنَّهُ يَسْقِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الزَّوَالِ فَأَرْفَقَهُ بِالسَّقْيِ إلَى الْعَصْرِ
стр. 492
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْحَوْزِ]
(فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْحَوْزِ)
وَالْأَجْنَبِيُّ إنْ يَحُزْ أَصْلًا بِحَقْ ... عَشْرَ سِنِينَ فَالتَّمَلُّكُ اُسْتُحِقَّ
وَانْقَطَعَتْ حُجَّةُ مُدَّعِيهِ ... مَعَ الْحُضُورِ عَنْ خِصَامٍ فِيهِ
إلَّا إذَا أَثْبَتَ حَوْزًا بِالْكِرَا ... أَوْ مَا يُضَاهِيهِ فَلَنْ يُعْتَبَرَا
أَوْ يَدَّعِي حُصُولَهُ تَبَرُّعًا ... مِنْ قَائِمٍ فَلْيُثْبِتَنَّ مَا ادَّعَى
أَوْ يَحْلِفُ الْقَائِمُ وَالْيَمِينُ لَهْ ... إنْ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ مُعْمَلَهْ
وَيُثْبِتُ الدَّفْعَ وَإِلَّا الطَّالِبُ ... لَهُ الْيَمِينُ وَالتَّقَضِّي لَازِبُ
وَإِنْ يَكُنْ مُدَّعِيًا إقَالَهْ ... فَمَعْ يَمِينِهِ لَهُ الْمَقَالَهْ
وَالتِّسْعُ كَالْعَشْرِ لَدَى ابْنِ الْقَاسِمِ ... أَوْ الثَّمَانِ فِي انْقِطَاعِ الْقَائِمِ
قَسَّمَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الدَّعْوَى إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُشْبِهَةٍ عُرْفًا وَهِيَ اللَّائِقَةُ بِالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَتَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ خِلْطَةٍ اتِّفَاقًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَذَلِكَ إذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا إشْكَالَ.
وَذَلِكَ كَالدَّعَاوَى عَلَى الصُّنَّاعِ وَالْمُنْتَصِبِينَ لِلتِّجَارَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْوَدَائِعِ عَلَى أَهْلِهَا وَالْمُسَافِرِ فِي رُفْقَتِهِ وَالْمُدَّعِي لِسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ بَعِيدَةٍ لَا تُشْبِهُ حَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا تُسْمَعُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا كَدَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ، وَلَا مَانِعَ مِنْ خَوْفٍ وَلَا قَرَابَةٍ وَلَا صِهْرٍ وَشُبْهَةٍ، وَمُتَوَسَّطَةٍ بَيْنَ الْمُشْبِهَةِ وَالْبَعِيدَةِ فَتُسْمَعُ مِنْ مُدَّعِيهَا، وَيُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَلْ بَعْدَ ثُبُوتِ الْخِلْطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي، (قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ أَوْ تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ خِلْطَةً، وَبِهِ الْعَمَلُ وَعَلَى الثَّانِي: فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمُشْبَهَةِ وَمَثَّلَ لَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِدَعْوَى الدَّيْنِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: احْتَرَزَ بِالدَّيْنِ مِنْ دَعْوَى الْمُعَيَّنَاتِ فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ خِلْطَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ا. هـ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَقْسِيمِ الدَّعْوَى وَأَنَّ مَسْأَلَةَ النَّاظِمِ هِيَ جُزْئِيَّةٌ وَفَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الدَّعْوَى الْبَعِيدَةِ وَمِثَالُ مَنْ مَثَّلَهَا؛ لِأَنَّهَا قَاعِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَاعْلَمْ أَنْ النَّاظِمَ قَدَّمَ أَوَّلًا الْكَلَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ مَنْ حَازَ دَارًا مَثَلًا عَلَى حَاضِرٍ عَشْرَ سِنِينَ إلَى آخِرِهَا كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهَا أَرْبَعَ مَسَائِلَ.
(الْأُولَى) أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِمُ أَنَّ حَوْزَ الْحَائِزِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَتِهِ بِكِرَاءٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (الثَّانِيَةُ) أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِمُ الْمِلْكِيَّةَ، فَيَدَّعِي الْحَائِزُ أَنَّ الْقَائِمَ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهِمَا (الثَّالِثَةُ) : كَذَلِكَ، وَيَدَّعِي الْحَائِزُ الشِّرَاءَ مِنْ الْقَائِمِ.
(الرَّابِعَةُ) : أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِمُ الشِّرَاءَ مِنْ الْحَائِزِ فَادَّعَى الْحَائِزُ الْإِقَالَةَ. قَوْلُهُ:
وَالْأَجْنَبِيُّ إنْ يَحُزْ أَصْلًا بِحَقْ
إلَخْ (اعْلَمْ) أَنَّ الْحَائِزَ يَتَنَوَّعُ إلَى ثَمَانِيَةِ أَنْوَاعٍ إلَى قَرِيبٍ جِدًّا كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ وَإِلَى قَرِيبٍ دُونَ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَقْرِبَاءِ وَرَثَةً أَوْ غَيْرَ وَرَثَةٍ، وَإِلَى كَوْنِهِ مِنْ الْأَصْهَارِ وَالْمَوْلَى وَإِلَى كَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا أَوْ لَا فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ ثُمَّ الْحَوْزُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا يَتَنَوَّعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِأَقْوَى أَوْجُهِ الْحِيَازَةِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوَطْءِ لِلْأَمَةِ وَإِمَّا بِمَا دُونَ ذَلِكَ كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَإِمَّا بِمَا دُونَ ذَلِكَ كَزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَسُكْنَى الدَّارِ وَاعْتِمَارِ الْحَانُوتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا ضَرَبْت ثَمَانِيَةَ عِدَّةِ أَنْوَاعِ الْحَائِزِ فِي ثَلَاثَةٍ عِدَّةِ أَوْجُهِ الْحَوْزِ خَرَجَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَجْهًا ثُمَّ الْمَحُوزُ عَنْهُ يَتَنَوَّعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَيْضًا إلَى كَوْنِهِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً، فَإِذَا ضَرَبْت الْأَرْبَعَةَ وَالْعِشْرِينَ فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ خَرَجَ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ وَجْهًا تُنْظَرُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
قَوْلُهُ: وَالْأَجْنَبِيّ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَازَ دَارًا أَوْ حَانُوتًا أَوْ أَرْضًا أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْأُصُولِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ كَالشِّرَاءِ وَالْإِرْثِ وَعَلَى كَوْنِ الْحَوْزِ شَرْعِيًّا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: بِحَقٍّ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْحَوْزِ بِغَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَيَجْرِي مَجْرَى الْحَوْزِ الشَّرْعِيِّ، الْجَهْلُ بِوَجْهِ الْحَوْزِ وَبِسَبَبِهِ وَطُولِ حَوْزِهِ لِذَلِكَ كَالْعَشْرِ سِنِينَ وَمَا قَارَبَهَا كَالتِّسْعِ وَالثَّمَانِ، وَالْحَائِزُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْقَائِمِ عَلَيْهِ لَيْسَ قَرِيبًا لَهُ، وَلَا شَرِيكًا مَعَهُ وَهُوَ فِي مِلْكِ الْمُدَّةِ
стр. 493
يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَحُوزِ بِأَوْجُهِ التَّصَرُّفَاتِ كَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ وَيُنْسَبُ إلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعِي مِلْكِيَّتِهِ، ثُمَّ قَامَ إنْسَانٌ يَدَّعِي مِلْكِيَّةَ ذَلِكَ الْمَحُوزِ.
وَالْقَائِمُ الْمَذْكُورُ حَاضِرٌ عَالِمٌ بِحَوْزِ الْحَائِزِ وَتَصَرُّفِهِ وَادِّعَاءِ مِلْكِيَّتِهِ، عَالِمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يَدَّعِ شَيْئًا طِوَالَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ مِنْ الْكَلَامِ مِنْ خَوْفٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ قَرَابَةٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ حَجْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ دَعْوَى هَذَا الْقَائِمِ لَا تُسْمَعُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا لِبُعْدِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَقْسِيمِ الدَّعْوَى، وَيَبْقَى الْأَصْلُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَحَائِزٌ لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِلَى بَقَائِهِ بِيَدِهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَالتَّمَلُّكُ اُسْتُحِقَّ فِي الْقَلْشَانِيّ عَنْ الْمَازِرِيِّ: تَصِحُّ الْحِيَازَةُ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ هِيَ: الْحَوْزُ، وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُحَازِ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وَأَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، وَأَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ، وَأَنْ لَا يُنَازَعَ الْمُحَازُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا عَالِمًا بَالِغًا رَشِيدًا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْقِيَامِ مَانِعٌ اهـ.
إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ الَّذِي هُوَ الْحَوْزُ شَرْطًا وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ، وَالصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوطَ مَا عَدَاهُ (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : مُجَرَّدُ الْحِيَازَةِ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ مِنْ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ إلَى الْحَائِزِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، كَإِرْخَاءِ السِّتْرِ وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ بِسَبَبِهَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْحَائِزِ مَعَ يَمِينِهِ اهـ.
فَقَوْلُهُ وَالْأَجْنَبِيُّ إنْ يَحُزْ احْتَرَزَ بِالْأَجْنَبِيِّ مِنْ حَوْزِ الْقَرِيبِ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ:
وَالْأَقْرَبُونَ حَوْزُهُمْ مُخْتَلِفٌ
الْأَبْيَاتَ الْخَمْسَةَ، وَقَوْلُهُ: أَصْلًا احْتَرَزَ مِنْ غَيْرِ الْأُصُولِ، وَيَأْتِي لَهُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ:
وَفِي سِوَى الْأُصُولِ حَوْزُ النَّاسِ
الْأَبْيَاتَ الْأَرْبَعَةَ، وَقَوْلُهُ: " بِحَقٍ " يَتَعَلَّقُ بِيَحُزْ أَيْ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّنْ حَازَهُ بِغَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ، فَإِنَّ حَوْزَهُ كَلَا حَوْزٍ، وَقَوْلُهُ: " عَشْرَ سِنِينَ " يُرِيدُ وَمَا يُقَارِبُهَا كَالتِّسْعِ سِنِينَ وَالثَّمَانِ، وَاحْتَرَزَ مِمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَقَوْلُهُ: مَعَ الْحُضُورِ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا كَانَ الْقَائِمُ الْمُدَّعِي غَائِبًا عَلَى حُجَّتِهِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، يَأْتِي فِي قَوْلِهِ:
وَقَائِمٌ ذُو غَيْبَةٍ بَعِيدَهْ
الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ، وَقَوْلُهُ: عَنْ خِصَامٍ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أَيْ سَاكِتًا عَنْ خِصَامٍ فِيهِ، وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا كَانَ يُخَاصِمُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ حُجَّتَهُ لَا تَنْقَطِعُ، كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ:
وَالْمُدَّعِي إنْ أَثْبَتَ النِّزَاعَ مَعْ ... خَصِيمِهِ فِي مُدَّةِ الْحَوْزِ انْتَفَعْ
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : بَقِيَ عَلَى النَّاظِمِ اشْتِرَاطُ تَصَرُّفِ الْحَائِزِ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ: وَادِّعَاءُ الْحَائِزِ الْمِلْكِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْحَوْزَ لَا يَنْفَعُ إلَّا لِمُدَّعِيهَا وَجُهِلَ الْأَصْلُ، أَمَّا مَا عُلِمَ أَصْلُهُ فَلَا تَنْفَعُ فِيهِ الْحِيَازَةُ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْقَائِمِ أَنَّ الْمَحُوزَ مِلْكٌ لَهُ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) فِي تَقْسِيمِ الدَّعْوَى وَغَيْرُ مُشْبِهَةٍ عُرْفًا، كَدَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ، وَلَا مَانِعَ مِنْ خَوْفٍ وَلَا قَرَابَةٍ وَلَا صِهْرٍ وَشُبْهَةٍ فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ (التَّوْضِيحُ) إنَّمَا لَمْ تَكُنْ مُشْبِهَةً عُرْفًا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ يُكَذِّبُ مُدَّعِيهَا ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي الْبَيَانِ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي عَشَرَةِ أَعْوَامٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بُنْيَانٌ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَكُونُ حِيَازَةٌ إلَّا مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى صِفَةِ الْحَوْزِ بِقَوْلِهِ: يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُهْدَمْ مَا يُخْشَى سُقُوطُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْمِلْكَ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ الْإِصْلَاحُ الْيَسِيرُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ يَأْمُرُ الْمُكْتَرِي بِهِ، وَفِي نَوَازِلِ الْبُيُوعِ مِنْ الْمِعْيَارِ وَفِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ لِمُؤَلِّفِهِ سَيِّدِي أَحْمَدَ الْوَنْشَرِيسِيِّ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْحِيَازَةُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَمِيمَةِ دَعْوَى الْمِلْكِ
стр. 494
مَعَهَا، فَلَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَنْهُ إلَى الْحَائِزِ اتِّفَاقًا فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، حَسْبَمَا صَرَّحَ بِهِ زَعِيمُ الْفُقَهَاءِ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ وَهُوَ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْقَرَافِيِّ لَا يَكْتَفِي مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي الِاخْتِلَافِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ أَنْ يَقُولَ هِيَ لِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ حَتَّى يَقُولَ مَالِي وَمِلْكِي اهـ.
ثُمَّ نَقَلَ فِي جَوَابٍ آخَرَ لِلْأُسْتَاذِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ لُبٍّ مَا نَصُّهُ وَشَرْطُ اعْتِبَارِ الْحِيَازَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ بِهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ، اقْتِرَانُ دَعْوَى الْمَالِ وَالْمِلْكِ جَزْمًا، أَمَّا إذَا قَالَ الْوَارِثُ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا فِي حِيَازَةِ مُوَرِّثِي، وَقَدْ ثَبَتَ الْمَالُ وَالْمِلْكُ لِغَيْرِهِ فَالْحِيَازَةُ سَاقِطَةُ الِاعْتِبَارِ إذَا ثَبَتَ الْمَالُ وَالْمِلْكُ، وَكَمَلَ ذَلِكَ بِمَا يَجِبُ مِنْ الْحِيَازَةِ وَالْإِعْذَارِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ الِاعْتِمَادَ هُنَا مَعْلُومٌ أَصْلُهُ وَسَبَبُهُ بِالْأَمْرِ الْمُعْتَادِ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَإِنَّمَا تَنْفَعُ الْحِيَازَةُ اتِّفَاقًا فِيمَا جُهِلَ أَصْلُهُ جُمْلَةً انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ. وَفِي جَوَابٍ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ مَا نَصُّهُ: لَا تَنْفَعُ الْحِيَازَةُ فِيمَا عُلِمَ أَصْلُهُ وَتَحَقَّقَ مَدْخَلُهُ، وَتَحَقَّقَ بِوَجْهٍ لَا يَقْضِي نَقْلَ الْمِلْكِ مِنْ رِعَايَةٍ أَوْ إعْمَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إنْ جَهِلَ أَصْلَ مَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، هَلْ كَانَ مُشْتَرَكًا أَمْ لَا؟ وَلَا يَعْلَمُ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ الْمُوَرِّثُ بِتِلْكَ حِيَازَةً نَافِعَةً اهـ.
ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْحَاضِرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا مِلْكُهُ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : وَإِذَا كَانَ وَارِثٌ، وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ قُضِيَ لَهُ اهـ.
(الثَّانِي) : طُولُ الْحَوْزِ الْعَشْرَ سِنِينَ وَنَحْوَهَا، إنَّمَا هُوَ فِي الْحَوْزِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِ الْمِلْكِ، أَمَّا مَا يُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، كَإِتْلَافِ الشَّيْءِ وَوَطْءِ الْأَمَةِ، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ بِحِدْثَانِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ تَبْطُلُ دَعْوَاهُ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ طِبَاعُ الْبَشَرِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَسْكُتُونَ عَنْ الْإِنْكَارِ عَلَى مُتْلِفِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَثَرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ (الثَّالِثُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَيْ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْحَائِزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ اهـ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يُطَالَبُ الْحَائِزُ بِبَيَانِ وَجْهِ مِلْكِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يُطَالَبُ بِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُطَالَبُ وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلُ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَنْ أَصْلِ مِلْكِهِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْأَصْلُ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ وَإِقْرَارِ الْحَائِزِ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ: وَلَا يُطَالَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِزُ مَعْرُوفًا بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.
وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِرُمَّتِهَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَجْنَبِيُّ إنْ يَحُزْ أَصْلًا الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ وَتَصَرَّفَ ثُمَّ ادَّعَى حَاضِرٌ سَاكِتٌ، بِلَا مَانِعٍ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يُسْمَعْ، وَلَا بَيِّنَتُهُ إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ، وَفِي الرِّسَالَةِ: مَنْ حَازَ دَارًا عَلَى حَاضِرٍ عَشْرَ سِنِينَ تُنْسَبُ إلَيْهِ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عَالِمٌ لَا يَدَّعِي شَيْئًا، فَلَا قِيَامَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ فِيهَا، ثُمَّ أَشَارَ النَّاظِمُ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي فَرَّعَ عَلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ:
إلَّا إذَا أَثْبَتَ حَوْزًا بِالْكِرَا ... أَوْ مَا يُضَاهِيهِ فَلَنْ يُعْتَبَرَا
يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ دَعْوَى الْقَائِمِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَكْرَى لِلْحَائِزِ وَأَعْمَرَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَثْبَتَ الْقَائِمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ دَعْوَاهُ مَقْبُولَةٌ مَسْمُوعَةٌ، وَيُحْكَمُ بِالدَّارِ لِلْقَائِمِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْحَوْزُ حِينَئِذٍ، وَيَحْلِفُ كَمَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الْحَاجِب فَفَاعِلُ أَثْبَتَ لِلْمُدَّعِي الْقَائِمِ وَنَائِبُ يُعْتَبَرُ لِلْحَوْزِ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» .
قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَقَالَ رَبِيعَةُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ حَاضِرًا وَمَالُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَمَضَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، فَالْمَالُ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَعَارَ عَارِيَّةً، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ، وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ دَعْوَى الْقَائِمِ لَا تُسْمَعُ مَا نَصُّهُ: وَلَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ إلَّا بِإِسْكَانٍ أَوْ إعْمَارٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ وَشِبْهِهِ ا. هـ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ مُجَرَّدَ دَعْوَى الْقَائِمِ لَا تُسْمَعُ وَأَمَّا بَيِّنَتُهُ، فَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِيَّةِ الْمَحُوزِ عَنْهُ لَمْ تُسْمَعْ أَيْضًا وَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ، بِأَنَّهُ أَسْكَنَهُ أَوْ أَكْرَاهُ أَوْ نَحْوِهِ، فَتُقْبَلُ، ثُمَّ أَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ:
أَوْ يَدَّعِي حُصُولَهُ تَبَرُّعًا ... مِنْ قَائِمٍ فَلْيُثْبِتَنَّ مَا ادَّعَى
أَوْ يَحْلِفُ الْقَائِمُ يَعْنِي أَنَّ الدَّارَ تَكُونُ لِلْحَائِزِ إلَّا إذَا ادَّعَى أَنَّ الْقَائِمَ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهَا
стр. 495
وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا ثَبَتَ مِلْكِيَّةُ الْقَائِمِ وَأَقَرَّ لَهُ بِهَا الْحَائِزُ الْمَذْكُورُ، وَادَّعَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ، فَإِنَّهُ إنْ أَثْبَتَ الْحَائِزُ الْهِبَةَ الْمَذْكُورَةَ صَحَّتْ لَهُ الدَّارُ، وَإِلَّا حَلَفَ الْقَائِمُ أَنَّهُ مَا وَهَبَ، وَلَا تَصَدَّقَ وَأَخَذَ الدَّارَ، فَقَوْلُهُ: أَوْ يَدَّعِي هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَثْبَتَ، وَفَاعِلُ يَدَّعِي الْحَائِزُ، وَضَمِيرُ (حُصُولُ) لِلشَّيْءِ الْمَحُوزِ، وَتَبَرُّعًا مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ، وَمِنْ (قَائِمٍ) يَتَعَلَّقُ بِتَبَرُّعًا وَفَاعِلُ فَلْيُثْبِتَنَّ ضَمِيرُ الْحَائِزِ، وَمَا مِنْ قَوْلِهِ مَا ادَّعَى وَاقِعَةٌ عَلَى التَّبَرُّعِ، وَقَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْقَائِمُ، أَيْ إذَا لَمْ يُثْبِتْ الْحَائِزُ التَّبَرُّعَ الَّذِي ادَّعَى حَلَفَ الْقَائِمُ أَنَّهُ مَا تَبَرَّعَ، وَأَخَذَ الدَّارَ.
(قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) وَإِنْ قَالَ إنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ كُلِّفَ إثْبَاتَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الِاعْتِمَارِ، وَعَلَى الْقَائِمِ الْيَمِينُ اهـ.
يَعْنِي إذَا عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ الْهِبَةِ، وَهَذِهِ الْيَمِينُ هِيَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: فِي بَابِ الْيَمِينِ:
إلَّا بِمَا عُدَّ مِنْ التَّبَرُّعِ ... مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَالِ عِنْدَ الْمُدَّعِي
فَالدَّارُ بِيَدِ الْمُدَّعِي ثُمَّ أَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ:
فَيَحْلِفُ الْقَائِمُ وَالْيَمِينُ لَهْ ... إنْ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ مُعْمَلَهْ
وَيُثْبِتُ الدَّفْعَ وَإِلَّا الطَّالِبُ ... لَهُ الْيَمِينُ وَالتَّقَضِّي لَازِبُ
يَعْنِي، أَنَّ الْحَائِزَ إذَا ادَّعَى شِرَاءَ الدَّارِ مِنْ الْقَائِمِ الَّذِي ثَبَتَتْ مِلْكِيَّتُهُ وَأَقَرَّ لَهُ بِهَا الْحَائِزُ الْمَذْكُورُ، وَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَكُونُ الدَّارُ لِلْحَائِزِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ إثْبَاتُ دَفْعِ الثَّمَنِ، فَإِنْ أَثْبَتَهُ، فَلَا إشْكَالَ وَإِلَّا حَلَفَ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ، وَحُكِمَ عَلَى الْحَائِزِ بِدَفْعِهِ، فَقَوْلُهُ: وَالْيَمِينُ لَهُ، هُوَ ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَضَمِيرُ لَهُ، وَفَاعِلُ ادَّعَى كِلَاهُمَا يَعُودُ عَلَى الْحَائِزِ، وَلَامُ لَهُ بِمَعْنَى عَلَى، وَضَمِيرُ مِنْهُ لِلْقَائِمِ، وَمُعْمَلَهْ: خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ الْيَمِينِ مَعْمُولُ بِهَا، وَإِذَا حَلَفَ، وَاسْتَحَقَّ الدَّارَ، يَبْقَى الْكَلَامُ فِي الثَّمَنِ، أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ، وَيُثْبِتُ الدَّفْعَ الْبَيْتَ فَفَاعِلُ يُثْبِتُ لِلْحَائِزِ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَعَلَى الطَّالِبِ الْيَمِينُ، أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ، فَلَامُ لَهُ بِمَعْنَى عَلَى، وَالضَّمِيرُ لِلطَّالِبِ، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ حُكِمَ عَلَى الْحَائِزِ بِدَفْعِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالتَّقَضِّي لَازِبُ، أَيْ لَازِمٌ بِالْمِيمِ.
(قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْ الَّذِي يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَتْ لَهُ، وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ قَالَ الْمُشَاوِرُ: وَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْبَيْعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ، وَإِلَّا فَيَحْلِفُ الْقَائِمُ أَنَّهُ مَا دَفَعَ لَهُ ثَمَنًا عَنْهُ، وَيُرْجَعُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، إنْ كَانَ مَا يَدَّعِيه مِنْ الثَّمَنِ يُشْبِهُ ثَمَنَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَزِمَهُ الْقِيمَةُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ، إلَّا إلَى الْأَمَدِ الَّذِي لَا يَبْتَاعُ النَّاسُ إلَى مِثْلِهِ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ شُيُوخِنَا فِي ذَلِكَ اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ زَادَ النَّاظِمُ بَيْتًا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَالتَّقَضِّي لَازِبُ، كَأَنْ يَقُولَ
إلَّا إذَا طَالَ الزَّمَانُ أَكْثَرَا ... مِنْ الَّذِي لَهُ التَّبَايُعُ يُرَى
لَأَفَادَ هَذَا الْقَيْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَحْلِفَانِ مَعًا، الْحَائِزُ لَقَدْ اشْتَرَى، وَالْقَائِمُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَنَ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ مُدَّعِيًا إقَالَهْ ... فَمَعْ يَمِينِهِ لَهُ الْمَقَالَهْ
يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْقَائِمُ أَنَّهُ اشْتَرَى الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ الْحَائِزِ لَهَا، وَأَثْبَتَ الْقَائِمُ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَادَّعَى الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْحَائِزُ لَهَا الْإِقَالَةَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: مَعَ يَمِينِهِ، فَاسْمُ يَكُنْ يَعُودُ عَلَى الْحَائِزِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَثْبُتُ الدَّفْعُ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَمَعْ، بِسُكُونِ الْعَيْنِ دَاخِلَةٌ فِي التَّقْدِيرِ، عَلَى لَهُ الْمَقَالَهْ، أَيْ فَلَهُ الْمَقَالَةُ أَيْ الْقَوْلُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ لِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ وَنَصُّهُ: وَلَوْ قَالَ: الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ، أَقَلْتُك فِيهَا بَعْدَ أَنْ بِعْتُهَا مِنْك، لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، مَعَ يَمِينِهِ، وَتَبْقَى الْأَمْلَاكُ بِيَدِهِ ا. هـ.
وَهَذِهِ الْيَمِينُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: أَيْضًا فِي بَابِ الْيَمِينِ:
وَفِي الْإِقَالَةِ ابْنُ عَتَّابٍ يَرَى ... وُجُوبَهَا لِشُبْهَةٍ مُعْتَبَرًا
قَوْلَهُ: وَالتِّسْعُ كَالْعَشْرِ لَدَى ابْنِ الْقَاسِمِ ... أَوْ الثَّمَانِ فِي انْقِطَاعِ الْقَائِمِ
أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْمُقَرِّبِ قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ: يَحْيَى قُلْت: لِابْنِ الْقَاسِمِ كَمْ تَرَى طُولَ حَوْزِ الْأَجْنَبِيِّ مَالَ الرَّجُلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِهِ وَلَا يَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ، عَمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تُبْنَ وَلَمْ يَغْرِسْ غَيْرَ أَنَّهُ سَكَنَ الدَّارَ وَازْدَرَعَ
следующие страницы →