← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21643

شرح ميارة = الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام

ميارة

Полный текст (643 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَالدَّرَاهِمِ وَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ حَالًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَيَسْتَرْجِعُ مِنْحَتَهُ، وَلَا يَدْخُلُهُ بَيْعُ اللَّبَنِ الْمَجْهُولِ بِالطَّعَامِ أَوْ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعْرُوفٌ يَصْنَعُهُ الْمُعْطِي إلَى الْمُعْطَى، فَأُرْخِصَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَيُجَانِسُ ذَلِكَ الْعَرِيَّةَ اهـ. وَهَذَا الْحُكْمُ يَجْرِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْإِخْدَامِ، فَتَكُونُ نَفَقَةُ الْمُخْدِمِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَيَجُوزُ لِسَيِّدِهِ شِرَاءُ خِدْمَتِهِ مِنْ الْمُخْدَمِ [فَصْلٌ فِي الْإِرْفَاقِ] (فَصْلٌ فِي الْإِرْفَاقِ) إرْفَاقُ جَارٍ حَسَنٌ لِلْجَارِ ... بِمَسْقًى أَوْ طَرِيقٍ أَوْ جِدَارِ وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ إنْ حُدَّ اُقْتُفِيَ ... وَعُدَّ فِي إطْلَاقِهِ كَالسَّلَفِ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِرْفَاقَ هُوَ مَنَافِعُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ وَأَخْبَرَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إرْفَاقَ الْجَارِ لِجَارِهِ حَسَنٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ مِنْ التَّسَامُحِ بِهِ وَهُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّذِي بُعِثَ ﵇ لِتَتْمِيمِهَا، وَذَلِكَ كَأَنْ يُعْطِيَهُ مَسْقًى أَيْ مَوْضِعًا لِلسَّقْيِ يُوصَلُ مِنْهُ الْمَاءُ لِسَقْيِ حَائِطِهِ أَوْ شُرْبِ دَارِهِ مَثَلًا، أَوْ يُعْطِيهِ طَرِيقًا فِي أَرْضِهِ لِيَتَوَصَّلَ مِنْهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ، أَوْ يُعْطِيهِ جِدَارًا يَغْرِزُ فِيهِ خَشَبَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَرَافِقِ، فَإِنْ حُدَّتْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ بِزَمَانٍ، عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ وَوَقَفَ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تُحَدَّ، فَإِنَّهُ كَالسَّلَفِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ الْمِرْفَقِ مِقْدَارَ مَا يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَحْسُنُ بَيْنَ الْجِيرَانِ أَنْ يَرْفُقَ إلَيْهِ. (قَالَ فِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ) : وَالْمَرَافِقُ مَنْدُوبٌ إلَى بَذْلِهَا وَالْمُسَامَحَةُ فِيهَا، فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ، أَنْ يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى وَشَحَّ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِهِ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ فَإِنْ كَانَ الْمُرْفِقُ احْتَاجَ إلَى حَائِطِهِ حَاجَةً مُؤَكَّدَةً كَانَ ذَلِكَ لَهُ، إذَا كَانَ قَدْ مَضَى مِنْ الزَّمَانِ قَدْرُ مَا يَرَى أَنَّهُ انْتَفَعَ الْمُرْتَفِقُ بِالتَّعْلِيقِ (تَنْبِيهٌ) لَفْظُ " مَسْقَى " فِي النَّظْمِ هُوَ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلٍ مُعْتَلِّ اللَّامِ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَدَاخُلٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَصْدَرُ أَيْ أَرْفَقَهُ بِالسَّقْيِ بِمَا يَفْضُلُ عَنْهُ مِنْ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَكَانُ أَيْ بِمَكَانٍ وَمَوْضِعٍ يُوصِلُ مِنْهُ الْمَاءَ لِدَارِهِ أَوْ حَائِطِهِ كَمَا قُلْنَا أَوَّلًا، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الزَّمَانُ كَأَنْ يَكُونَ حَقُّهُ أَنَّهُ يَسْقِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الزَّوَالِ فَأَرْفَقَهُ بِالسَّقْيِ إلَى الْعَصْرِ

стр. 492

[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْحَوْزِ] (فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْحَوْزِ) وَالْأَجْنَبِيُّ إنْ يَحُزْ أَصْلًا بِحَقْ ... عَشْرَ سِنِينَ فَالتَّمَلُّكُ اُسْتُحِقَّ وَانْقَطَعَتْ حُجَّةُ مُدَّعِيهِ ... مَعَ الْحُضُورِ عَنْ خِصَامٍ فِيهِ إلَّا إذَا أَثْبَتَ حَوْزًا بِالْكِرَا ... أَوْ مَا يُضَاهِيهِ فَلَنْ يُعْتَبَرَا أَوْ يَدَّعِي حُصُولَهُ تَبَرُّعًا ... مِنْ قَائِمٍ فَلْيُثْبِتَنَّ مَا ادَّعَى أَوْ يَحْلِفُ الْقَائِمُ وَالْيَمِينُ لَهْ ... إنْ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ مُعْمَلَهْ وَيُثْبِتُ الدَّفْعَ وَإِلَّا الطَّالِبُ ... لَهُ الْيَمِينُ وَالتَّقَضِّي لَازِبُ وَإِنْ يَكُنْ مُدَّعِيًا إقَالَهْ ... فَمَعْ يَمِينِهِ لَهُ الْمَقَالَهْ وَالتِّسْعُ كَالْعَشْرِ لَدَى ابْنِ الْقَاسِمِ ... أَوْ الثَّمَانِ فِي انْقِطَاعِ الْقَائِمِ قَسَّمَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الدَّعْوَى إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُشْبِهَةٍ عُرْفًا وَهِيَ اللَّائِقَةُ بِالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَتَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ خِلْطَةٍ اتِّفَاقًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَذَلِكَ إذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا إشْكَالَ. وَذَلِكَ كَالدَّعَاوَى عَلَى الصُّنَّاعِ وَالْمُنْتَصِبِينَ لِلتِّجَارَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْوَدَائِعِ عَلَى أَهْلِهَا وَالْمُسَافِرِ فِي رُفْقَتِهِ وَالْمُدَّعِي لِسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ بَعِيدَةٍ لَا تُشْبِهُ حَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا تُسْمَعُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا كَدَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ، وَلَا مَانِعَ مِنْ خَوْفٍ وَلَا قَرَابَةٍ وَلَا صِهْرٍ وَشُبْهَةٍ، وَمُتَوَسَّطَةٍ بَيْنَ الْمُشْبِهَةِ وَالْبَعِيدَةِ فَتُسْمَعُ مِنْ مُدَّعِيهَا، وَيُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَلْ بَعْدَ ثُبُوتِ الْخِلْطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي، (قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ أَوْ تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ خِلْطَةً، وَبِهِ الْعَمَلُ وَعَلَى الثَّانِي: فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمُشْبَهَةِ وَمَثَّلَ لَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِدَعْوَى الدَّيْنِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: احْتَرَزَ بِالدَّيْنِ مِنْ دَعْوَى الْمُعَيَّنَاتِ فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ خِلْطَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ا. هـ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَقْسِيمِ الدَّعْوَى وَأَنَّ مَسْأَلَةَ النَّاظِمِ هِيَ جُزْئِيَّةٌ وَفَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الدَّعْوَى الْبَعِيدَةِ وَمِثَالُ مَنْ مَثَّلَهَا؛ لِأَنَّهَا قَاعِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَاعْلَمْ أَنْ النَّاظِمَ قَدَّمَ أَوَّلًا الْكَلَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ مَنْ حَازَ دَارًا مَثَلًا عَلَى حَاضِرٍ عَشْرَ سِنِينَ إلَى آخِرِهَا كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهَا أَرْبَعَ مَسَائِلَ. (الْأُولَى) أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِمُ أَنَّ حَوْزَ الْحَائِزِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَتِهِ بِكِرَاءٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (الثَّانِيَةُ) أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِمُ الْمِلْكِيَّةَ، فَيَدَّعِي الْحَائِزُ أَنَّ الْقَائِمَ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهِمَا (الثَّالِثَةُ) : كَذَلِكَ، وَيَدَّعِي الْحَائِزُ الشِّرَاءَ مِنْ الْقَائِمِ. (الرَّابِعَةُ) : أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِمُ الشِّرَاءَ مِنْ الْحَائِزِ فَادَّعَى الْحَائِزُ الْإِقَالَةَ. قَوْلُهُ: وَالْأَجْنَبِيُّ إنْ يَحُزْ أَصْلًا بِحَقْ إلَخْ (اعْلَمْ) أَنَّ الْحَائِزَ يَتَنَوَّعُ إلَى ثَمَانِيَةِ أَنْوَاعٍ إلَى قَرِيبٍ جِدًّا كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ وَإِلَى قَرِيبٍ دُونَ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَقْرِبَاءِ وَرَثَةً أَوْ غَيْرَ وَرَثَةٍ، وَإِلَى كَوْنِهِ مِنْ الْأَصْهَارِ وَالْمَوْلَى وَإِلَى كَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا أَوْ لَا فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ ثُمَّ الْحَوْزُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا يَتَنَوَّعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِأَقْوَى أَوْجُهِ الْحِيَازَةِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوَطْءِ لِلْأَمَةِ وَإِمَّا بِمَا دُونَ ذَلِكَ كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَإِمَّا بِمَا دُونَ ذَلِكَ كَزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَسُكْنَى الدَّارِ وَاعْتِمَارِ الْحَانُوتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا ضَرَبْت ثَمَانِيَةَ عِدَّةِ أَنْوَاعِ الْحَائِزِ فِي ثَلَاثَةٍ عِدَّةِ أَوْجُهِ الْحَوْزِ خَرَجَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَجْهًا ثُمَّ الْمَحُوزُ عَنْهُ يَتَنَوَّعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَيْضًا إلَى كَوْنِهِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً، فَإِذَا ضَرَبْت الْأَرْبَعَةَ وَالْعِشْرِينَ فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ خَرَجَ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ وَجْهًا تُنْظَرُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ. قَوْلُهُ: وَالْأَجْنَبِيّ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَازَ دَارًا أَوْ حَانُوتًا أَوْ أَرْضًا أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْأُصُولِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ كَالشِّرَاءِ وَالْإِرْثِ وَعَلَى كَوْنِ الْحَوْزِ شَرْعِيًّا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: بِحَقٍّ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْحَوْزِ بِغَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَيَجْرِي مَجْرَى الْحَوْزِ الشَّرْعِيِّ، الْجَهْلُ بِوَجْهِ الْحَوْزِ وَبِسَبَبِهِ وَطُولِ حَوْزِهِ لِذَلِكَ كَالْعَشْرِ سِنِينَ وَمَا قَارَبَهَا كَالتِّسْعِ وَالثَّمَانِ، وَالْحَائِزُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْقَائِمِ عَلَيْهِ لَيْسَ قَرِيبًا لَهُ، وَلَا شَرِيكًا مَعَهُ وَهُوَ فِي مِلْكِ الْمُدَّةِ

стр. 493

يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَحُوزِ بِأَوْجُهِ التَّصَرُّفَاتِ كَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ وَيُنْسَبُ إلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعِي مِلْكِيَّتِهِ، ثُمَّ قَامَ إنْسَانٌ يَدَّعِي مِلْكِيَّةَ ذَلِكَ الْمَحُوزِ. وَالْقَائِمُ الْمَذْكُورُ حَاضِرٌ عَالِمٌ بِحَوْزِ الْحَائِزِ وَتَصَرُّفِهِ وَادِّعَاءِ مِلْكِيَّتِهِ، عَالِمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يَدَّعِ شَيْئًا طِوَالَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ مِنْ الْكَلَامِ مِنْ خَوْفٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ قَرَابَةٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ حَجْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ دَعْوَى هَذَا الْقَائِمِ لَا تُسْمَعُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا لِبُعْدِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَقْسِيمِ الدَّعْوَى، وَيَبْقَى الْأَصْلُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَحَائِزٌ لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِلَى بَقَائِهِ بِيَدِهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَالتَّمَلُّكُ اُسْتُحِقَّ فِي الْقَلْشَانِيّ عَنْ الْمَازِرِيِّ: تَصِحُّ الْحِيَازَةُ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ هِيَ: الْحَوْزُ، وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُحَازِ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وَأَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، وَأَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ، وَأَنْ لَا يُنَازَعَ الْمُحَازُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا عَالِمًا بَالِغًا رَشِيدًا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْقِيَامِ مَانِعٌ اهـ. إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ الَّذِي هُوَ الْحَوْزُ شَرْطًا وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ، وَالصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوطَ مَا عَدَاهُ (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : مُجَرَّدُ الْحِيَازَةِ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ مِنْ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ إلَى الْحَائِزِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، كَإِرْخَاءِ السِّتْرِ وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ بِسَبَبِهَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْحَائِزِ مَعَ يَمِينِهِ اهـ. فَقَوْلُهُ وَالْأَجْنَبِيُّ إنْ يَحُزْ احْتَرَزَ بِالْأَجْنَبِيِّ مِنْ حَوْزِ الْقَرِيبِ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَالْأَقْرَبُونَ حَوْزُهُمْ مُخْتَلِفٌ الْأَبْيَاتَ الْخَمْسَةَ، وَقَوْلُهُ: أَصْلًا احْتَرَزَ مِنْ غَيْرِ الْأُصُولِ، وَيَأْتِي لَهُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَفِي سِوَى الْأُصُولِ حَوْزُ النَّاسِ الْأَبْيَاتَ الْأَرْبَعَةَ، وَقَوْلُهُ: " بِحَقٍ " يَتَعَلَّقُ بِيَحُزْ أَيْ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّنْ حَازَهُ بِغَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ، فَإِنَّ حَوْزَهُ كَلَا حَوْزٍ، وَقَوْلُهُ: " عَشْرَ سِنِينَ " يُرِيدُ وَمَا يُقَارِبُهَا كَالتِّسْعِ سِنِينَ وَالثَّمَانِ، وَاحْتَرَزَ مِمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَقَوْلُهُ: مَعَ الْحُضُورِ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا إذَا كَانَ الْقَائِمُ الْمُدَّعِي غَائِبًا عَلَى حُجَّتِهِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَقَائِمٌ ذُو غَيْبَةٍ بَعِيدَهْ الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ، وَقَوْلُهُ: عَنْ خِصَامٍ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أَيْ سَاكِتًا عَنْ خِصَامٍ فِيهِ، وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا كَانَ يُخَاصِمُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ حُجَّتَهُ لَا تَنْقَطِعُ، كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَالْمُدَّعِي إنْ أَثْبَتَ النِّزَاعَ مَعْ ... خَصِيمِهِ فِي مُدَّةِ الْحَوْزِ انْتَفَعْ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : بَقِيَ عَلَى النَّاظِمِ اشْتِرَاطُ تَصَرُّفِ الْحَائِزِ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ: وَادِّعَاءُ الْحَائِزِ الْمِلْكِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْحَوْزَ لَا يَنْفَعُ إلَّا لِمُدَّعِيهَا وَجُهِلَ الْأَصْلُ، أَمَّا مَا عُلِمَ أَصْلُهُ فَلَا تَنْفَعُ فِيهِ الْحِيَازَةُ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْقَائِمِ أَنَّ الْمَحُوزَ مِلْكٌ لَهُ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) فِي تَقْسِيمِ الدَّعْوَى وَغَيْرُ مُشْبِهَةٍ عُرْفًا، كَدَعْوَى دَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَالْمُدَّعِي شَاهِدٌ سَاكِتٌ، وَلَا مَانِعَ مِنْ خَوْفٍ وَلَا قَرَابَةٍ وَلَا صِهْرٍ وَشُبْهَةٍ فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ (التَّوْضِيحُ) إنَّمَا لَمْ تَكُنْ مُشْبِهَةً عُرْفًا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ يُكَذِّبُ مُدَّعِيهَا ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي الْبَيَانِ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي عَشَرَةِ أَعْوَامٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بُنْيَانٌ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَكُونُ حِيَازَةٌ إلَّا مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى صِفَةِ الْحَوْزِ بِقَوْلِهِ: يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُهْدَمْ مَا يُخْشَى سُقُوطُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْمِلْكَ. قِيلَ: وَكَذَلِكَ الْإِصْلَاحُ الْيَسِيرُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ يَأْمُرُ الْمُكْتَرِي بِهِ، وَفِي نَوَازِلِ الْبُيُوعِ مِنْ الْمِعْيَارِ وَفِي أَثْنَاءِ جَوَابٍ لِمُؤَلِّفِهِ سَيِّدِي أَحْمَدَ الْوَنْشَرِيسِيِّ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْحِيَازَةُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَمِيمَةِ دَعْوَى الْمِلْكِ

стр. 494

مَعَهَا، فَلَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَنْهُ إلَى الْحَائِزِ اتِّفَاقًا فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، حَسْبَمَا صَرَّحَ بِهِ زَعِيمُ الْفُقَهَاءِ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ وَهُوَ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْقَرَافِيِّ لَا يَكْتَفِي مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي الِاخْتِلَافِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ أَنْ يَقُولَ هِيَ لِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ حَتَّى يَقُولَ مَالِي وَمِلْكِي اهـ. ثُمَّ نَقَلَ فِي جَوَابٍ آخَرَ لِلْأُسْتَاذِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ لُبٍّ مَا نَصُّهُ وَشَرْطُ اعْتِبَارِ الْحِيَازَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ بِهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ، اقْتِرَانُ دَعْوَى الْمَالِ وَالْمِلْكِ جَزْمًا، أَمَّا إذَا قَالَ الْوَارِثُ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا فِي حِيَازَةِ مُوَرِّثِي، وَقَدْ ثَبَتَ الْمَالُ وَالْمِلْكُ لِغَيْرِهِ فَالْحِيَازَةُ سَاقِطَةُ الِاعْتِبَارِ إذَا ثَبَتَ الْمَالُ وَالْمِلْكُ، وَكَمَلَ ذَلِكَ بِمَا يَجِبُ مِنْ الْحِيَازَةِ وَالْإِعْذَارِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ الِاعْتِمَادَ هُنَا مَعْلُومٌ أَصْلُهُ وَسَبَبُهُ بِالْأَمْرِ الْمُعْتَادِ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَإِنَّمَا تَنْفَعُ الْحِيَازَةُ اتِّفَاقًا فِيمَا جُهِلَ أَصْلُهُ جُمْلَةً انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ. وَفِي جَوَابٍ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ مَا نَصُّهُ: لَا تَنْفَعُ الْحِيَازَةُ فِيمَا عُلِمَ أَصْلُهُ وَتَحَقَّقَ مَدْخَلُهُ، وَتَحَقَّقَ بِوَجْهٍ لَا يَقْضِي نَقْلَ الْمِلْكِ مِنْ رِعَايَةٍ أَوْ إعْمَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إنْ جَهِلَ أَصْلَ مَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، هَلْ كَانَ مُشْتَرَكًا أَمْ لَا؟ وَلَا يَعْلَمُ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ الْمُوَرِّثُ بِتِلْكَ حِيَازَةً نَافِعَةً اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْحَاضِرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا مِلْكُهُ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : وَإِذَا كَانَ وَارِثٌ، وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ قُضِيَ لَهُ اهـ. (الثَّانِي) : طُولُ الْحَوْزِ الْعَشْرَ سِنِينَ وَنَحْوَهَا، إنَّمَا هُوَ فِي الْحَوْزِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِ الْمِلْكِ، أَمَّا مَا يُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، كَإِتْلَافِ الشَّيْءِ وَوَطْءِ الْأَمَةِ، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ بِحِدْثَانِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ تَبْطُلُ دَعْوَاهُ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ طِبَاعُ الْبَشَرِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَسْكُتُونَ عَنْ الْإِنْكَارِ عَلَى مُتْلِفِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَثَرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ (الثَّالِثُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَيْ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَغَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْحَائِزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ اهـ. (فَرْعٌ) وَهَلْ يُطَالَبُ الْحَائِزُ بِبَيَانِ وَجْهِ مِلْكِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يُطَالَبُ بِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُطَالَبُ وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلُ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَنْ أَصْلِ مِلْكِهِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْأَصْلُ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ وَإِقْرَارِ الْحَائِزِ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ: وَلَا يُطَالَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِزُ مَعْرُوفًا بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِرُمَّتِهَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَجْنَبِيُّ إنْ يَحُزْ أَصْلًا الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ وَتَصَرَّفَ ثُمَّ ادَّعَى حَاضِرٌ سَاكِتٌ، بِلَا مَانِعٍ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يُسْمَعْ، وَلَا بَيِّنَتُهُ إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ، وَفِي الرِّسَالَةِ: مَنْ حَازَ دَارًا عَلَى حَاضِرٍ عَشْرَ سِنِينَ تُنْسَبُ إلَيْهِ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عَالِمٌ لَا يَدَّعِي شَيْئًا، فَلَا قِيَامَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ فِيهَا، ثُمَّ أَشَارَ النَّاظِمُ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي فَرَّعَ عَلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: إلَّا إذَا أَثْبَتَ حَوْزًا بِالْكِرَا ... أَوْ مَا يُضَاهِيهِ فَلَنْ يُعْتَبَرَا يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ دَعْوَى الْقَائِمِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَكْرَى لِلْحَائِزِ وَأَعْمَرَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَثْبَتَ الْقَائِمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ دَعْوَاهُ مَقْبُولَةٌ مَسْمُوعَةٌ، وَيُحْكَمُ بِالدَّارِ لِلْقَائِمِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْحَوْزُ حِينَئِذٍ، وَيَحْلِفُ كَمَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ الْحَاجِب فَفَاعِلُ أَثْبَتَ لِلْمُدَّعِي الْقَائِمِ وَنَائِبُ يُعْتَبَرُ لِلْحَوْزِ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» . قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَقَالَ رَبِيعَةُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ حَاضِرًا وَمَالُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَمَضَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، فَالْمَالُ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَعَارَ عَارِيَّةً، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ، وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ دَعْوَى الْقَائِمِ لَا تُسْمَعُ مَا نَصُّهُ: وَلَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ إلَّا بِإِسْكَانٍ أَوْ إعْمَارٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ وَشِبْهِهِ ا. هـ. وَالْمَعْنَى أَنَّ مُجَرَّدَ دَعْوَى الْقَائِمِ لَا تُسْمَعُ وَأَمَّا بَيِّنَتُهُ، فَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِيَّةِ الْمَحُوزِ عَنْهُ لَمْ تُسْمَعْ أَيْضًا وَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ، بِأَنَّهُ أَسْكَنَهُ أَوْ أَكْرَاهُ أَوْ نَحْوِهِ، فَتُقْبَلُ، ثُمَّ أَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: أَوْ يَدَّعِي حُصُولَهُ تَبَرُّعًا ... مِنْ قَائِمٍ فَلْيُثْبِتَنَّ مَا ادَّعَى أَوْ يَحْلِفُ الْقَائِمُ يَعْنِي أَنَّ الدَّارَ تَكُونُ لِلْحَائِزِ إلَّا إذَا ادَّعَى أَنَّ الْقَائِمَ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهَا

стр. 495

وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا ثَبَتَ مِلْكِيَّةُ الْقَائِمِ وَأَقَرَّ لَهُ بِهَا الْحَائِزُ الْمَذْكُورُ، وَادَّعَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ، فَإِنَّهُ إنْ أَثْبَتَ الْحَائِزُ الْهِبَةَ الْمَذْكُورَةَ صَحَّتْ لَهُ الدَّارُ، وَإِلَّا حَلَفَ الْقَائِمُ أَنَّهُ مَا وَهَبَ، وَلَا تَصَدَّقَ وَأَخَذَ الدَّارَ، فَقَوْلُهُ: أَوْ يَدَّعِي هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَثْبَتَ، وَفَاعِلُ يَدَّعِي الْحَائِزُ، وَضَمِيرُ (حُصُولُ) لِلشَّيْءِ الْمَحُوزِ، وَتَبَرُّعًا مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ، وَمِنْ (قَائِمٍ) يَتَعَلَّقُ بِتَبَرُّعًا وَفَاعِلُ فَلْيُثْبِتَنَّ ضَمِيرُ الْحَائِزِ، وَمَا مِنْ قَوْلِهِ مَا ادَّعَى وَاقِعَةٌ عَلَى التَّبَرُّعِ، وَقَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْقَائِمُ، أَيْ إذَا لَمْ يُثْبِتْ الْحَائِزُ التَّبَرُّعَ الَّذِي ادَّعَى حَلَفَ الْقَائِمُ أَنَّهُ مَا تَبَرَّعَ، وَأَخَذَ الدَّارَ. (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) وَإِنْ قَالَ إنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ كُلِّفَ إثْبَاتَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الِاعْتِمَارِ، وَعَلَى الْقَائِمِ الْيَمِينُ اهـ. يَعْنِي إذَا عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ الْهِبَةِ، وَهَذِهِ الْيَمِينُ هِيَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: فِي بَابِ الْيَمِينِ: إلَّا بِمَا عُدَّ مِنْ التَّبَرُّعِ ... مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَالِ عِنْدَ الْمُدَّعِي فَالدَّارُ بِيَدِ الْمُدَّعِي ثُمَّ أَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: فَيَحْلِفُ الْقَائِمُ وَالْيَمِينُ لَهْ ... إنْ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ مُعْمَلَهْ وَيُثْبِتُ الدَّفْعَ وَإِلَّا الطَّالِبُ ... لَهُ الْيَمِينُ وَالتَّقَضِّي لَازِبُ يَعْنِي، أَنَّ الْحَائِزَ إذَا ادَّعَى شِرَاءَ الدَّارِ مِنْ الْقَائِمِ الَّذِي ثَبَتَتْ مِلْكِيَّتُهُ وَأَقَرَّ لَهُ بِهَا الْحَائِزُ الْمَذْكُورُ، وَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَكُونُ الدَّارُ لِلْحَائِزِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ إثْبَاتُ دَفْعِ الثَّمَنِ، فَإِنْ أَثْبَتَهُ، فَلَا إشْكَالَ وَإِلَّا حَلَفَ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ، وَحُكِمَ عَلَى الْحَائِزِ بِدَفْعِهِ، فَقَوْلُهُ: وَالْيَمِينُ لَهُ، هُوَ ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَضَمِيرُ لَهُ، وَفَاعِلُ ادَّعَى كِلَاهُمَا يَعُودُ عَلَى الْحَائِزِ، وَلَامُ لَهُ بِمَعْنَى عَلَى، وَضَمِيرُ مِنْهُ لِلْقَائِمِ، وَمُعْمَلَهْ: خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ الْيَمِينِ مَعْمُولُ بِهَا، وَإِذَا حَلَفَ، وَاسْتَحَقَّ الدَّارَ، يَبْقَى الْكَلَامُ فِي الثَّمَنِ، أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ، وَيُثْبِتُ الدَّفْعَ الْبَيْتَ فَفَاعِلُ يُثْبِتُ لِلْحَائِزِ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَعَلَى الطَّالِبِ الْيَمِينُ، أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ، فَلَامُ لَهُ بِمَعْنَى عَلَى، وَالضَّمِيرُ لِلطَّالِبِ، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ حُكِمَ عَلَى الْحَائِزِ بِدَفْعِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالتَّقَضِّي لَازِبُ، أَيْ لَازِمٌ بِالْمِيمِ. (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْ الَّذِي يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَتْ لَهُ، وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ قَالَ الْمُشَاوِرُ: وَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْبَيْعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ، وَإِلَّا فَيَحْلِفُ الْقَائِمُ أَنَّهُ مَا دَفَعَ لَهُ ثَمَنًا عَنْهُ، وَيُرْجَعُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، إنْ كَانَ مَا يَدَّعِيه مِنْ الثَّمَنِ يُشْبِهُ ثَمَنَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَزِمَهُ الْقِيمَةُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ، إلَّا إلَى الْأَمَدِ الَّذِي لَا يَبْتَاعُ النَّاسُ إلَى مِثْلِهِ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ شُيُوخِنَا فِي ذَلِكَ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ زَادَ النَّاظِمُ بَيْتًا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَالتَّقَضِّي لَازِبُ، كَأَنْ يَقُولَ إلَّا إذَا طَالَ الزَّمَانُ أَكْثَرَا ... مِنْ الَّذِي لَهُ التَّبَايُعُ يُرَى لَأَفَادَ هَذَا الْقَيْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَحْلِفَانِ مَعًا، الْحَائِزُ لَقَدْ اشْتَرَى، وَالْقَائِمُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَنَ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ يَكُنْ مُدَّعِيًا إقَالَهْ ... فَمَعْ يَمِينِهِ لَهُ الْمَقَالَهْ يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْقَائِمُ أَنَّهُ اشْتَرَى الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ الْحَائِزِ لَهَا، وَأَثْبَتَ الْقَائِمُ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَادَّعَى الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْحَائِزُ لَهَا الْإِقَالَةَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: مَعَ يَمِينِهِ، فَاسْمُ يَكُنْ يَعُودُ عَلَى الْحَائِزِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَثْبُتُ الدَّفْعُ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَمَعْ، بِسُكُونِ الْعَيْنِ دَاخِلَةٌ فِي التَّقْدِيرِ، عَلَى لَهُ الْمَقَالَهْ، أَيْ فَلَهُ الْمَقَالَةُ أَيْ الْقَوْلُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ لِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ وَنَصُّهُ: وَلَوْ قَالَ: الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ، أَقَلْتُك فِيهَا بَعْدَ أَنْ بِعْتُهَا مِنْك، لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، مَعَ يَمِينِهِ، وَتَبْقَى الْأَمْلَاكُ بِيَدِهِ ا. هـ. وَهَذِهِ الْيَمِينُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: أَيْضًا فِي بَابِ الْيَمِينِ: وَفِي الْإِقَالَةِ ابْنُ عَتَّابٍ يَرَى ... وُجُوبَهَا لِشُبْهَةٍ مُعْتَبَرًا قَوْلَهُ: وَالتِّسْعُ كَالْعَشْرِ لَدَى ابْنِ الْقَاسِمِ ... أَوْ الثَّمَانِ فِي انْقِطَاعِ الْقَائِمِ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْمُقَرِّبِ قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ: يَحْيَى قُلْت: لِابْنِ الْقَاسِمِ كَمْ تَرَى طُولَ حَوْزِ الْأَجْنَبِيِّ مَالَ الرَّجُلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِهِ وَلَا يَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ، عَمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تُبْنَ وَلَمْ يَغْرِسْ غَيْرَ أَنَّهُ سَكَنَ الدَّارَ وَازْدَرَعَ

стр. 496

الْأَرْضَ فَقَالَ: عَشْرُ سِنِينَ وَنَحْوُهَا، إذَا كَانَ حَاضِرًا لَا يُنْكِرُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَالَ: وَأَرَى تِسْعَ سِنِينَ وَثَمَانٍ وَمَا قَارَبَهَا بِمَنْزِلَةِ عَشْرِ سِنِينَ اهـ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: قَالَ: مُحَمَّدٌ: وَلِابْنِ الْقَاسِمِ إلَخْ وَقَوْلُهُ: فِي انْقِطَاعِ الْقَائِمِ، هُوَ بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ. (فَرْعٌ) فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا قَامَ الرَّجُلُ بِعَقْدِ ابْتِيَاعٍ مِنْ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ أَبِيهِ قَبْلَهُ، وَتَارِيخُ الِابْتِيَاعِ قَبْلَ الْقِيَامِ بِعِشْرِينَ عَامًا فِي أَمْلَاكٍ بِيَدِ رَجُلٍ أَوْ تَصَيَّرَتْ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ، فَقَالَ الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ: لِي عِشْرُونَ سَنَةً أَمْلِكُ هَذِهِ الْأَمْلَاكَ وَأَنْتَ حَاضِرٌ، فَلَمْ تَقُمْ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ وَثِيقَةَ ابْتِيَاعِي إلَّا الْآنَ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْحِيَازَةِ، فَيَنْقَطِعُ حَقُّ الْقَائِمِ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْقَائِمُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا تَرَكْتُ الْقِيَامَ فِي الْأَمْلَاكِ تَسْلِيمًا مِنِّي لَهَا، وَلَا رِضًا بِتَرْكِ حَقِّي فِيهَا إلَّا أَنِّي أَعْلَمُ بِالْعَقْدِ، وَلَمْ أَجِدْهُ، وَيَأْخُذُهَا مِنْ يَدِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَبُو الْقَائِمِ هُوَ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ، فَيَحْلِفُ الْقَائِمُ مَا عَلِمْت بِشِرَائِي لَهَا إلَّا وَقْتَ قِيَامِي بِعَقْدِي، ثُمَّ يَأْخُذُهَا، وَلَوْ قَالَ الْقَائِمُ: إنِّي اشْتَرَيْتُهَا، ثُمَّ أَعْمَرْتُكَ إيَّاهَا أَوْ أَكْرَيْتُهَا مِنْك أَوْ أَرْفَقْتُكَ بِهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ أَقُمْ بِهَا، لَكَانَ أَبْيَنَ فِي أَنْ يَحْلِفَ، إذَا اسْتَظْهَرَ بِوَثِيقَتِهِ، وَيَأْخُذُهَا اهـ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ: الْقَائِمُ إنِّي اشْتَرَيْتُهَا إلَخْ، هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ إلَّا إذَا أَثْبَتَ حَوْزًا بِالْكِرَا ... أَوْ مَا يُضَاهِيهِ، فَلَنْ يُعْتَبَرَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي النَّقْلِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْقَائِمَ، إذَا أَثْبَتَ الْكِرَاءَ أَوْ الْعُمْرَى، أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ بَيِّنَتِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ بَحَثَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ مَعَ ابْنِ الْحَاجِّ فِي هَذَا الْكَلَامِ، حَيْثُ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الشِّرَاءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ عَلَى بَيِّنَةِ الْحَوْزِ وَادِّعَاءِ الْمِلْكِيَّةِ مَعَ أَنَّ عَقْدَ الشِّرَاءِ لَا يَنْفَعُ إلَّا مَعَ الْحَوْزِ وَلَفْظُهُ فِي جَوَابٍ لَهُ الِاسْتِظْهَارُ بِأُصُولِ الْأَشْرِبَةِ وَرُسُومِهَا لَا تُعَارِضُ الْحَوْزَ. وَلَا يُفِيدُ الْمُسْتَظْهِرُ بِهَا فَائِدَةً مُعْتَبَرَةً فِي نَظَرِ الشَّرْعِ إلَّا مَعَ اتِّصَالِ الْحَوْزِ بِهَا وَالْيَدِ الشَّاهِدَةِ لَهَا كَالْمَعْرُوفِ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ غَيْرِ الْمُفِيدِ لِلْعِلْمِ، فَكَمَا تَسْتَقِلُّ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ يَدِ حَائِزٍ، فَكَذَا لَا تَسْتَقِلُّ رُسُومُ الْأَشْرِبَةِ وَعُقُودُهَا بِالِاسْتِخْرَاجِ مِنْ يَدِ حَائِزٍ، وَلَا نُوهِنُ مَا تَحْتَ يَدٍ، إذَا كَانَ مَعَ الْيَدِ ضَمِيمَةُ دَعْوَى الْمِلْكِ فِي الْمَحُوزِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ النَّقْلِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ مِيرَاثٍ هَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَشَهِدَ لِاعْتِبَارِهِ الْمَنْصُوصُ، وَتَضَافَرَتْ عَلَيْهِ أَجْوِبَةُ الْمَشَايِخِ الْأَعْلَامِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ النَّوَازِلِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَحْكَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْحِيَازَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَمِيمَةِ دَعْوَى الْمِلْك مَعَهَا، فَلَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَنْهُ إلَى الْحَائِزِ اتِّفَاقًا فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّ مَا وَقَعَ فِي نَوَازِلِ الْقَاضِي الشَّهِيرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ ﵀ غَيْرُ سَالِمٍ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَخَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ وَالنُّقُولِ وَلَفْظُهُ إذَا قَامَ الرَّجُلُ بِعَقْدٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فِي الْفَرْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُدَّعِي إنْ أَثْبَتَ النِّزَاعَ مَعْ ... خَصِيمِهِ فِي مُدَّةِ الْحَوْزِ انْتَفَعْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الدَّعْوَى الْمُشْبِهَةِ، أَنَّ الْقَائِمَ لَمْ يُنَازِعْ الْحَائِزَ طُولَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْحَوْزِ، فَصَرَّحَ النَّاظِمُ هُنَا إذَا نَازَعَ فِيهَا انْتَفَعَ بِذَلِكَ، وَلَمْ تَنْقَطِعْ حُجَّتُهُ فَفِي مُدَّةِ الْحَوْزِ يَتَعَلَّقُ بِالنِّزَاعِ

стр. 497

وَكَذَا مَعَ خَصِيمِهِ، وَجُمْلَةُ " انْتَفَعْ " خَبَرُ الْمُدَّعِي ابْنُ عَتَّابٍ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ: فِيمَنْ أَثْبَتَ بَيِّنَةً فِي أَرْضٍ أَنَّهَا لَهُ، وَأَثْبَتَ الَّذِي بِيَدِهِ أَنَّهُ يَحُوزُهَا عَشْرَ سِنِينَ بِمَحْضَرِ الطَّالِبِ، فَأَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً، أَنَّهُ خَاصَمَهُ فِيهَا، وَطَلَبَهَا مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُخَاصِمُ وَيُطَالِبُ لَيْسَ أَنْ يُخَاصِمَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَيَتْرُكَ، نَفَعَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفَعْهُ. الْمُشَاوِرُ إذَا لَمْ يَزَلْ مُتَرَدِّدًا عَلَيْهِ بِالْقِيَامِ فِي الْأَشْهُرِ وَالْأَعْوَامِ، فَلَهُ الْقِيَامُ بِحُجَّتِهِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ وَقَائِمٌ ذُو غَيْبَةٍ بَعِيدَهْ ... حُجَّتُهُ بَاقِيَةٌ مُفِيدَهْ وَالْبُعْدُ كَالسَّبْعِ وَكَالثَّمَانِ ... وَفِي الَّتِي تَوَسَّطَتْ قَوْلَانِ وَكَالْحُضُورِ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ ... بِنِسْبَةِ الرِّجَالِ لَا النِّسْوَانِ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ كَوْنِ الدَّعْوَى غَيْرَ مُشْبِهَةٍ، أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ حَاضِرًا، فَتَكَلَّم هُنَا عَلَى مَا إذَا اخْتَلَّ هَذَا الشَّرْطُ، وَكَانَ وَقْتُ الْحَوْزِ عَلَيْهِ غَائِبًا، وَأَخْبَرَ أَنَّ غَيْبَتَهُ إنْ كَانَتْ بَعِيدَةً، فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ، فَلَهُ الْقِيَامُ وَلَا أَثَرَ لِلْحَوْزِ، ثُمَّ فَسَّرَ الْبُعْدَ بِكَوْنِهِ عَلَى سَبْعَةِ مَرَاحِلَ أَوْ ثَمَانِيَةٍ، وَالْمَرْحَلَةُ مَسِيرَةُ الْيَوْمِ وَظَاهِرُهُ وَبَلَغَهُ ذَلِكَ فِي مَغِيبِهِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ، لَهُ الْقِيَامُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً وَهِيَ الَّتِي عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَيُفَصَّلُ: فَإِنْ كَانَ الْمَحُوزُ عَنْهُ رَجُلًا، فَهُوَ كَالْحَاضِرِ لَا قِيَامَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً، فَهِيَ عَلَى حُجَّتِهَا، وَلَهَا الْقِيَامُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ كَالْحُضُورِ مَعَ الْأَمْنِ، وَأَمَّا مَعَ الْخَوْفِ فَكَالْعَبِيدِ، وَتَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، فَقَوْلَانِ، قِيلَ: هِيَ كَالْبَعِيدَةِ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ، وَلَهُ الْقِيَامُ، وَقِيلَ: كَالْقَرِيبَةِ، فَلَا قِيَامَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا، وَذَلِكَ كَأَرْبَعَةِ مَرَاحِلَ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ، وَتَأَمَّلْتُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ هُنَا، فَلَمْ يَتَحَصَّلْ لِي مِنْهُ الْآنَ مُوَافَقَةً لِكَلَامِ النَّاظِمِ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُهُ وَالْأَقْرَبُونَ حَوْزُهُمْ مُخْتَلِفُ ... بِحَسَبِ اعْتِمَارِهِمْ يَخْتَلِفُ فَإِنْ يَكُنْ بِمِثْلِ سُكْنَى الدَّارِ ... وَالزَّرْعِ لِلْأَرْضِ وَالِاعْتِمَارِ فَهُوَ بِمَا يَجُوزُ الْأَرْبَعِينَا ... وَذُو تَشَاجُرٍ كَالْأَبْعَدِينَا وَمِثْلُهُ مَا حِيزَ بِالْعَتَاقِ ... مَا كَانَ أَوْ بِالْبَيْعِ بِاتِّفَاقِ وَفِيهِ بِالْهَدْمِ وَبِالْبُنْيَانِ ... وَالْغَرْسِ أَوْ عَقْدِ الْكِرَا قَوْلَانِ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ كَوْنِ الدَّعْوَى غَيْرَ مُشْبِهَةٍ، كَوْنُ الْحَائِزِ أَجْنَبِيًّا، فَتَكَلَّمَ هُنَا عَلَى مَا إذَا اخْتَلَّ ذَلِكَ الشَّرْطُ، وَكَانَ الْحَائِزُ قَرِيبًا غَيْرَ أَجْنَبِيٍّ، وَقَسَّمَ الْقَرِيبَ بِاعْتِبَارِ كَيْفِيَّةِ حَوْزِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَإِنْ كَانَ بِأَضْعَفِ أَوْجُهِ الْحِيَازَةِ كَسُكْنَى الدَّارِ وَزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَاعْتِمَارِ الْحَانُوتِ، فَلَا تُقْبَلُ

стр. 498

دَعْوَى الْحَائِزِ الْمِلْكِيَّةِ لِمَا حَازَ، إلَّا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ جِدًّا، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ سَنَةً وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْأَقْرَبُونَ حَوْزُهُمْ مُخْتَلِف إلَى قَوْلِهِ فَهُوَ بِمَا يَحُوزُ الْأَرْبَعِينَا، هَذَا، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ تَشَاجُرٌ، وَلَا عَدَاوَةٌ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ، فَهُمْ كَالْأَبْعَدِينَ، تَكْفِي فِي حِيَازَتِهِمْ عَشْرُ سِنِينَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَذُو تَشَاجُرٍ كَالْأَبْعَدِينَا، وَإِنْ كَانَ الْحَوْزُ بِأَقْوَى أَوْجُهِ الْحِيَازَةِ كَالْعِتْقِ كَيْفَ كَانَ، نَاجِزًا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَالْبَيْعِ، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ حَوْزُهُ الْعَشْرَ وَنَحْوَهَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ مُتَوَسِّطٍ كَالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ وَالْغَرْسِ وَعَقْدِ الْكِرَاءِ، فَقَوْلَانِ: قِيلَ: كَالْأَجَانِبِ، وَقِيلَ: كَالْأَقَارِبِ (قَالَ فِي مُنْتَقَى الْأَحْكَامِ:) إذَا حَازَ الْوَارِثُ عَلَى الْوَارِثِ، فَعَلَى ثَلَاثَةِ: أَقْسَامٍ: إنْ كَانَتْ حِيَازَتُهُ لَهَا بِسُكْنَى الدَّارِ وَازْدِرَاعِ الْأَرْضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ حِيَازَةً، حَتَّى يَزِيدَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ وَالْغَرْسِ وَعَقْدِ الْكِرَاءِ، وَقَبَضَهُ لِنَفْسِهِ بِاسْمِهِ بِحَضْرَةِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ وَعِلْمِهِمْ، فَهُوَ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجَانِبِ وَالْحِيَازَةُ فِي ذَلِكَ عَشْرُ سِنِينَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَجَانِبِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالْقَوْلَانِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا حَوْزُهُ بِالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْأَجَانِبِ اهـ. فَقَوْلُهُ حَوْزُهُمْ، أَيْ مُدَّةَ حَوْزِهِمْ وَقَوْلُهُ: بِحَسَبِ اعْتِمَارِهِمْ، أَيْ تَصَرُّفِهِمْ فِي الْمَحُوزِ، هَلْ هُوَ قَوِيٌّ أَوْ ضَعِيفٌ أَوْ مُتَوَسِّطٌ، وَاسْمُ يَكُنْ لِلِاعْتِمَارِ وَقَوْلُهُ: فَهُوَ الِاعْتِمَارُ الْمُعْتَبَرْ بِمَا ذَكَرَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ بِمَا يَجُوزُ أَرْبَعِينَ، وَقَوْلُهُ: وَذُو، لَوْ قَالَ: ذَوُو، لَكَانَ أَنْسَبَ، وَقَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ، أَيْ مِثْلُ الِاعْتِمَارِ وَذَوِي التَّشَاجُرِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْعَشْرِ وَنَحْوِهَا مَا حَازَهُ الْقَرِيبُ بِالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ، وَضَمِيرُ فِيهِ لِلِاعْتِمَارِ أَيْضًا، وَهُوَ خَبَرُ، قَوْلَانِ، وَبِالْهَدْمِ يَتَعَلَّقُ بِضَمِيرِ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَالْقَوْلَانِ هَلْ هُوَ كَحَوْزِ الْأَقْرِبَاءِ بِالسُّكْنَى وَنَحْوِهِ؟ أَوْ كَحَوْزِهِمْ بِالْعِتْقِ وَالْبَيْعِ؟ وَفِي سِوَى الْأُصُولِ حَوْزُ النَّاسِ ... بِالْعَامِ وَالْعَامَيْنِ فِي اللِّبَاسِ وَمَا كَمَرْكُوبٍ فَفِيهِ لَزِمَا ... حَوْزٌ بِعَامَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا وَفِي الْعَبِيدِ بِثَلَاثَةٍ فَمَا ... زَادَ حُصُولُ الْحَوْزِ فِيمَا اُسْتُخْدِمَا وَالْوَطْءُ لِلْإِمَاءِ بِاتِّفَاقِ ... مَعْ عِلْمِهِ حَوْزٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ

стр. 499

قَوْلُهُ: وَفِي سِوَى الْأُصُولِ، هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: " وَالْأَجْنَبِيُّ "، إنْ يَحُزْ أَصْلًا، وَمُرَادُهُ أَنَّ حَوْزَ غَيْرِ الْأُصُولِ يَخْتَلِفُ، أَيْ الْمُدَّةُ الَّتِي يَصْدُقُ مَعَهَا الْحَائِزُ، وَتَصِيرُ دَعْوَى الْمُدَّعِي غَيْرَ مُشْبِهَةٍ، فَلَا تُسْمَعُ مِنْهُ، تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الشَّيْءِ الْمَحُوزِ، فَالْمَحُوزِ فِي اللِّبَاسِ بِالْعَامِ وَالْعَامَيْنِ، وَفِي الْمَرْكُوبِ بِالْعَامَيْنِ، فَأَكْثَرَ، وَفِي الْعَبِيدِ بِثَلَاثِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ، وَالْأَمَةُ لِلْخِدْمَةِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ وَطِئَهَا الْحَائِزُ، وَعَلِمَ رَبُّهَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا كَلَامَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ بَطَلَ، وَذَلِكَ حَوْزٌ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قَالَ: أَصْبَغُ وَنَرَاهُ، أَيْ الْحَوْزَ فِي غَيْرِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَالْأُصُولِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَبِيدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَقْصَرُ مُدَّةٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِهِ، فَنَرَى فِي الثِّيَابِ، أَنَّ حِيَازَتَهَا السَّنَةُ وَالسَّنَتَانِ إذَا كَانَتْ تُحَازُ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ بِعِلْمِ صَاحِبِهَا وَنَرَى الْأَمَةَ شِبْهَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَطَأَ بِعِلْمِ صَاحِبِهَا فَلَا يَتَكَلَّمُ عِنْدَ عِلْمِهِ بِوَطْئِهَا، فَلَا كَلَامَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَطُلْ حِيَازَتُهُ لَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ، وَنَرَى الْعَبِيدَ وَالْعُرُوضَ فَوْقَ ذَلِكَ شَيْئًا إذَا حَازَ بِالْمِلْكِ وَأَسْبَابِهِ (وَفِي الْمُفِيدِ) قَالَ: أَصْبَغُ، وَأَمَّا الثِّيَابُ، فَالْحِيَازَةُ فِيهَا بِوَجْهِ الْمِلْكِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ حَاضِرٍ عَالِمٍ بِذَلِكَ، الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ، وَفِي الدَّابَّةِ الْعَامَانِ وَالثَّلَاثَةُ بِالرُّكُوبِ وَالِاسْتِعْمَالِ لَهَا بِوَجْهِ الْمِلْكِ وَعِلْمِ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ وَالْأَمَةُ مِثْلُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ رَبُّهَا وَطْأَهَا وَلَا يَتَكَلَّمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا كَلَامَ لَهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طُولَ حِيَازَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْعَبِيدُ وَالْعُرُوضُ فَوْقَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ اهـ. وَحَوْزُ النَّاسِ: مُبْتَدَأٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ، وَبِالْعَامِ خَبَرُهُ، وَفِي اللِّبَاسِ يَتَعَلَّقُ بِحَوْزٍ، وَحُصُولُ الْحَوْزِ: مُبْتَدَأٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ وَفِي الْعَبِيدِ: يَتَعَلَّقُ بِحَوْزٍ وَبِثَلَاثَةٍ: خَبَرُ حُصُولٍ، وَفِيمَا اُسْتُخْدِمَ: بَدَلٌ مِنْ الْعَبِيدِ بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، أَيْ فِيمَا اُسْتُخْدِمَ مِنْهُمْ لَا فِيمَا هُوَ لِلْوَطْءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَالْوَطْءُ لِلْإِمَاءِ إلَخْ، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ قَامَ رَبُّهَا بِالْقُرْبِ أَوْ بَعْدَ طُولٍ وَالْمَاءُ لِلْأَعْلَيْنَ فِيمَا قَدُمَا ... وَالْأَسْفَلُ الْأَقْدَمُ فِيمَا قُدِّمَا يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ غَيْرَ الْمَمْلُوكِ، إذَا كَانَ يَجْرِي فِي أَرْضِ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ دُونَهُمْ، فَإِنَّ الْأَعْلَى، وَهُوَ مَنْ يَدْخُلُ الْمَاءُ أَرْضَهُ أَوَّلًا، مُقَدَّمٌ فِي السَّقْيِ عَلَى الْأَسْفَلِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَعْلَى أَقْدَمَ مِنْ الْأَسْفَلِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِالشَّطْرِ الْأَوَّلِ وَكَذَا إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ، فَيُقَدَّمُ الْأَعْلَى فِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَسْفَلُ أَقْدَمَ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي السَّقْيِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِالشَّطْرِ الثَّانِي (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) : فَأَمَّا مَهْزُورٌ وَمُذَيْنِيبٌ، فَوَادِيَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ تَنَافَسَ فِيهِمَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ «، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمْسِكَ الْأَعْلَى لِلْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسِلَ عَلَى الْأَسْفَلِ» . وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَاءٍ غَيْرِ مُتَمَلَّكٍ يَجْرِي مِنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ دُونَهُمْ، أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَاءُ أَرْضَهُ أَوَّلًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِالسَّقْيِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ فِي أَرْضِهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، هَلْ يُرْسِلُ جَمِيعَ الْمَاءِ إلَى أَسْفَلَ، أَوْ لَا يُرْسِلُ عَلَيْهِ إلَّا مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ؟ فَقَالَ: مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ وَهْبٍ يُرْسِلُ عَلَى الْأَسْفَلِ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ وَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ يُرْسِلُ جَمِيعَ الْمَاءِ وَلَا يَحْبِسُ مِنْهُ شَيْئًا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ يُسْقَى الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَهَذَا إذَا كَانَ إحْيَاؤُهُمْ مَعًا أَوْ إحْيَاءُ الْأَعْلَى قَبْلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنْ أَحْيَا رَجُلٌ بِمَاءِ سَيْلٍ، ثُمَّ أَتَى غَيْرُهُ، فَأَحْيَا فَوْقَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْمَاءِ، وَيَسْقِيَ قَبْلَ الْأَسْفَلِ الَّذِي أَحْيَا قَبْلَهُ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عَمَلَ الثَّانِي، وَيُتْلِفُ زَرْعَهُ فَقَالَ سَحْنُونٌ الْقَدِيمُ أَوْلَى بِالْمَاءِ اهـ. عَلَى نَقْلِ الْمَوَّاق، وَقَدُمَ آخِرُ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِ مِنْ الْقِدَمِ، ضِدُّ الْحُدُوثِ وَفِي آخِرِ الشَّطْرِ الثَّانِي، بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ التَّقْدِيمِ ضِدٌّ لِلتَّأْخِيرِ وَمَا رَمَى الْبَحْرُ بِهِ مِنْ عَنْبَرِ ... وَلُؤْلُؤٍ وَاجِدُهُ بِهِ حَرِيّ يَعْنِي، أَنَّ مَنْ وَجَدَ شَيْئًا، لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ كَمَنْ وَجَدَ عَنْبَرًا لَفَظَهُ الْبَحْرُ أَوْ لُؤْلُؤًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ

стр. 500

يَكُونُ لِوَاجِدِهِ (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) : وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ مِنْ عَنْبَرٍ أَوْ لُؤْلُؤٍ، فَهُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ، وَلَا نَظَرَ فِيهِ لِلْإِمَامِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ زَكَاةٌ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ. ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالْخَرَزِ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ اهـ. [فَصْلٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ] ِ (ابْنُ عَرَفَةَ) الِاسْتِحْقَاقُ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ، كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ قَوْلُهُ: قَبْلَهُ أَخْرَجَ بِهِ رَفْعَ الْمِلْكِ بِمِلْكٍ بَعْدَهُ كَالْبَيْعِ أَوْ مَعَهُ كَطُرُوِّ وَارِثٍ عَلَى وَارِثٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ حُرِّيَّةٍ عَطْفٌ عَلَى مِلْكٍ يَعْنِي أَوْ رَفْعُ مِلْكٍ بِحُرِّيَّةٍ وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ، يَعْنِي بِثُبُوتِ حُرِّيَّةٍ قَبْلَهُ وَأَشَارَ بِهِ إلَى حُصُولِ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْحُرِّيَّةِ وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ عِوَضٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا وُجِدَ فِي الْمَغَانِمِ بَعْدَ بَيْعِهِ أَوْ قَسْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ إلَّا بِالثَّمَنِ، فَلَوْلَا زِيَادَةُ هَذَا الْقَيْدِ، لَكَانَ الْحَدُّ غَيْرَ مُطَّرِدٍ، ثُمَّ قَالَ: فَيُخْرِجُ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ لَكِنْ لَا بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ إذَا اُسْتُحِقَّ مِلْكٌ بِحَبْسٍ، فَإِنَّ الْمِلْكَ يَرْتَفِعُ بِالْحَبْسِ. (قُلْت) : يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَبْسَ إذَا ثَبَتَ، فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ إمَّا لِلْمُحَبِّسِ أَوْ لِلْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ وَتَأَمَّلْ إذَا اسْتَحَقَّ حُرٌّ بِمِلْكٍ، كَيْفَ تَدْخُلُ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي كَلَامِهِ؟ مِنْ الرَّصَّاعِ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ وَقَوْلُهُ: وَتَأَمَّلْ إذَا اسْتَحَقَّ إلَخْ هِيَ عَكْسُ صُورَةِ قَوْلِهِ: فِي الْحَدِّ أَوْ حُرِّيَّةٍ، كَذَلِكَ. الْمُدَّعِي اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ يُلْزَمُ ... بَيِّنَةً مُثْبِتَةً مَا يَزْعُمُ مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ لِمَنْ تَمَلَّكَهْ ... مِنْ قَبْلِ ذَا بِأَيِّ وَجْهٍ مَلَّكَهْ يَعْنِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ بِيَدِ غَيْرِهِ أَيْ مِلْكِيَّته، فَإِنَّهُ يُلْزَمُ بِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ تُثْبِتُ لَهُ مَا ادَّعَى، وَلَا يُكَلَّفُ مَنْ الشَّيْءُ بِيَدِهِ مُدَّعِيًا مِلْكِيَّتَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ مُلِّكَهُ، وَعَبَّرَ بِشَيْءٍ لِيَشْمَلَ الْأُصُولَ وَالْعُرُوضَ وَالْحَيَوَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ. (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) : وَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ بِيَدِ غَيْرِهِ أَنَّهُ مِلْكُهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، فَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَذْكُرَ مِنْ أَيْنَ صَارَ لَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ تَمَلَّكَهُ وَعَلَى الْمُدَّعِي إثْبَاتُ تَمَلُّكِهِ لَهُ اهـ. وَالْإِشَارَةُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي بِذَا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَبِأَيِّ يَتَعَلَّقُ بِتَكْلِيفٍ (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : الَّذِي مَضَى بِهِ الْعَمَلُ، وَأَفْتَى بِهِ شُيُوخُنَا أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَقَارًا بِيَدِ غَيْرِهِ زَعَمَ أَنَّهُ صَارَ عَمَّنْ وَرِثَهُ عَنْهُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى يُثْبِتَ الطَّالِبُ مَوْتَ مُوَرِّثِهِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ وَرِثَ ذَلِكَ عَنْهُ وَوِرَاثَتُهُ لَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَقَفَ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ خَاصَّةً، وَلَمْ يُسْأَلْ مِنْ أَيْنَ صَارَ لَهُ فَإِنْ أَنْكَرَ. وَقَالَ الْمَالِكُ: مَالِي وَالْمِلْكُ مِلْكِي وَدَعْوَاكَ فِيهِ بَاطِلَةٌ اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَكُلِّفَ الطَّالِبُ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِلَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ وَرِثَهُ عَنْهُ، وَمَوْتَهُ وَوِرَاثَتَهُ لَهُ، فَإِنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَجِبُ سُئِلَ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ مِنْ أَيْنَ صَارَ لَهُ، وَكُلِّفَ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ صَارَ لَهُ مِنْ غَيْرِ مَوْرُوثِ الطَّالِبِ الَّذِي ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ إثْبَاتُهُ، وَإِنْ أَثْبَتَهُ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ صَارَ مِنْ قِبَلِ مَوْرُوثِ الطَّالِبِ بِوَجْهٍ يَذْكُرُهُ كُلِّفَ إثْبَاتَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَثْبَتَهُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَنْ الدَّفْعِ فِي ذَلِكَ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ قُضِيَ لِلطَّالِبِ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ أَحْفَظُهُ، وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى مَضَتْ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يَلْزَمُهُ ابْتِدَاءً قَبْلَ إثْبَاتِ الْمُدَّعِي الْمِلْكَ لِمَوْرُوثِهِ الْجَوَابُ، هَلْ صَارَ إلَيْهِ بِسَبَبِهِ أَوْ بِسَبَبِ مَوْرُوثِهِ الَّذِي أَثْبَتَ مَوْتَهُ وَوِرَاثَتَهُ لَهُ؟ بَعِيدٌ لَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَهَذَا الْكَلَامُ يَثْبُتُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ سَلْمُونٍ دُونَ بَعْضٍ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَم إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ الْحَائِزِ لِلشَّيْءِ الْمُسْتَحِقِّ أُصُولٌ، أَمَّا إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ الْأُصُولُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ وَانْتِقَالِهَا، وَحِكَايَاتِهَا، فَإِنَّ مَا بِيَدِ الْحَائِزِ مُقَدَّمٌ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي التَّرَاجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ: أَنَّ الْحَوْزَ مِمَّا يَقَعُ بِهِ التَّرَاجِيحُ لِثُبُوتِ الْمِلْكِيَّةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَيُفَضَّلُ لِلْحَائِزِ الْحَوْزُ. قَالَ الْحَطَّابُ أَوَّلَ بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ:

стр. 501

لَمْ يُبَيِّنْ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي الشَّيْخَ خَلِيلًا حَقِيقَتَهُ وَلَا حُكْمَهُ وَسَبَبَهُ وَشُرُوطَهُ وَمَوَانِعَهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَهُوَ مِنْ تَرَاجِمَ كَتَبَهَا، أَمَّا حَقِيقَتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، هُوَ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ التَّرْجَمَةِ، وَأَمَّا حُكْمُهُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: حُكْمُهُ الْوُجُوبُ عِنْدَ تَيَسُّرِ أَسْبَابِهِ فِي الرَّفْعِ عَلَى الْقَوْلِ بَعْدَ يَمِينٍ مُسْتَحَقَّةٍ، وَعَلَى الْيَمِينِ هُوَ مُبَاحٌ كَغَيْرِ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ مَشَقَّةٌ، وَأَمَّا سَبَبُهُ، فَهُوَ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَيْنِ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُدَّعِي، لَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهُ، وَلَا خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى الْآنَ، وَالشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ، ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَعْمُولِ بِهِ، قَالَهُ فِي اللُّبَابِ. وَأَمَّا شُرُوطُهُ فَثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَبِحِيَازَتِهِ، وَهِيَ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي عَدْلَيْنِ وَقِيلَ أَوْ عَدْلًا مَعَ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْمِلْكِيَّةِ فَإِذَا كَانَتْ دَارًا مَثَلًا، قَالُوا: لَهُمَا هَذِهِ الدَّارُ هِيَ الَّتِي شَهِدْنَا بِهَا عِنْدَ الْقَاضِي فُلَانٍ، الشَّهَادَةَ الْمُقَيَّدَةَ أَعْلَاهُ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ، وَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَجُوزُ عَلَى النَّعْتِ وَالِاسْمِ وَقَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ آخِرَ بَابِ الْقَضَاءِ، وَحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ. الثَّانِي: الْإِعْذَارُ فِي ذَلِكَ لِلْحَائِزِ، فَإِنْ ادَّعَى مَدْفَعًا أَجَّلَهُ فِيهِ بِحَسَبِ، مَا يَرَاهُ. الثَّالِثُ: يَمِينُ الِاسْتِبْرَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي لُزُومِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا: لَا يَحْلِفُ فِي الْعَقَارِ، وَيَحْلِفُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَفِي سِجِلَّاتِ الْبَاجِيِّ لَوْ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ مِنْ يَدِ غَاصِبٍ لَمْ يَحْلِفْ (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) : وَلَا يَمِينَ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ خَصْمُهُ مَا يُوجِبُهَا، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ اهـ. وَأَمَّا مَوَانِعُهُ فَفِعْلٌ وَسُكُوتٌ، فَالْفِعْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ يَدِ حَائِزِهِ، فَلَوْ قَالَ: إنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ خَوْفَ أَنْ يَغِيبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَثْبَتَهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَقَالٌ وَقَالَ أَصْبَغُ إلَّا أَنْ تَكُونَ بَيِّنَتُهُ بَعِيدَةً جِدًّا أَوْ يُشْهِدَ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهُ لِذَلِكَ، فَذَلِكَ يَنْفَعُهُ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ، وَهُوَ يَرَى أَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ، ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً، فَلَهُ الْقِيَامُ وَأَخْذُ الثَّمَنِ مِنْهُ، قَالَ أَصْبَغُ وَالْقَوْلُ: قَوْلُهُ، وَأَمَّا السُّكُوتُ فَمِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ الْقِيَامَ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ أَمَدَ الْحِيَازَةِ. قَالَهُ فِي اللُّبَابِ اهـ وَلَا يَمِينَ فِي أُصُولِ مَا اُسْتُحِقَّ ... وَفِي سِوَاهَا قَبْلَ الْإِعْذَارِ يَحِقْ وَحَيْثُمَا يَقُولُ مَا لِي مَدْفَعُ ... فَهْوَ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنْهُ يَرْجِعُ وَإِنْ يَكُنْ لَهُ مَقَالٌ أُجِّلَا ... فَإِنْ أَتَى بِمَا يُفِيدُ أُعْمِلَا وَمَا لَهُ فِي عَجْزِهِ رُجُوعُ ... عَلَى الَّذِي كَانَ لَهُ الْمَبِيعُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ شَيْئًا، وَشَهِدَتْ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ بَيِّنَةٌ، فَإِنَّهُ، إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُسْتَحَقُّ أَصْلًا مِنْ الْأُصُولِ كَالدَّارِ وَالْحَانُوتِ وَالْأَرْضِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَصْلٍ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَهُ، وَأَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا فَوَّتَهُ وَلَا فُوِّتَ عَلَيْهِ، وَمَا زَالَ عَلَى مِلْكِهِ إلَى الْآنَ؛ لَأَنْ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا شَهِدَتْ عَلَى الْعِلْمِ، فَيَحْلِفُ هُوَ عَلَى الْبَيْتِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِظَاهِرِ الْحَالِ، فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ قَبْلَ الْإِعْذَارِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدِهِ، لِأَنَّ الْإِعْذَارَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الثُّبُوتِ، وَكَمَالُ الثُّبُوتِ هُوَ بِحَلِفِهِ قَالَ فِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ:. وَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالِاسْتِحْقَاقِ إلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ لِلْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ الْحَطَّابِ أَنَّ فِي يَمِينِ الِاسْتِحْقَاقِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا: تَجِبُ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ، وَلَا تَجِبُ فِي الْأُصُولِ وَإِنَّ بِهَذَا الْقَوْلِ الْعَمَلَ (وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ)

стр. 502

مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَأَخَذَ بِهِ الشُّيُوخُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَى مَنْ اسْتَحَقَّ شَيْئًا مِنْ الرَّيْعِ وَالْأُصُولِ، ثُمَّ قَالَ: وَاتَّفَقُوا فِي غَيْرِ الْأُصُولِ بِأَنَّهُ لَا يُقْضَى لِمُسْتَحِقٍّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَحَيْثُمَا يَقُولُ: مَا لِي مَدْفَعٌ الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةَ إلَى أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ وَلَا يُنَازِعَ فِيهِ، وَلَا يَدَّعِي فِيهِ مَدْفَعًا، وَحِينَئِذٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الَّذِي بَاعَ لَهُ بِمَا دَفَعَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ، وَيَدَّعِي أَنَّ لَهُ مَدْفَعًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ الْمَذْكُورِ. وَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْقَاضِيَ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلَهُ لِثُبُوتِ مَا ادَّعَى مِنْ الْمَدْفَعِ، فَإِنْ انْقَضَى الْأَجَلُ، وَأَتَى بِالْمَدْفَعِ الَّذِي يُبْطِلُ الِاسْتِحْقَاقَ بَقِيَ شَيْؤُهُ بِيَدِهِ، وَلَا إشْكَالَ إنْ عَجَزَ عَنْهُ، أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ شَيْأَهُ، وَلَا رُجُوعَ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدِهِ عَلَى الْبَائِعِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ هُوَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَهُوَ قَدْ كَذَّبَ شُهُودَهُ بِدَعْوَاهُ الدَّفْعَ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَمُقِرٌّ بِصِحَّةِ مِلْكِ الْبَائِعِ لَهُ، وَأَنَّ الْقَائِمَ عَلَيْهِ ظَالِمٌ لَهُ، فَكَيْفَ يَرْجِعُ بِمَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ؟ ، وَكَذِبَ شُهُودِهِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : فَإِنْ ادَّعَى مَدْفَعًا، أَجَّلَهُ فِي ذَلِكَ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي التَّأْجِيلِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَدْفَعٍ حَكَمَ بَعْدَ يَمِينِ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ قِيَامٌ بَعْدَ ادِّعَائِهِ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنْهُ إذْ قِيَامُهُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ، فَإِذَا كَذَّبَ الْبَيِّنَةَ لَمْ يَجِبْ لَهُ بِهَا قِيَامٌ، وَإِنْ قَالَ لَا مَدْفَعَ عِنْدِي إلَّا أَنِّي أُرِيدُ الرُّجُوعَ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنِّي، عُقِدَ ذَلِكَ مِنْ مَقَالِهِ، وَاسْتُحْلِفَ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا عَلَى مَا وَيُقْضَى لَهُ بِهَا اهـ. وَالْأَصْلُ لَا تَوْقِيفَ فِيهِ إلَّا ... مَعْ شُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ تَجَلَّى وَفِي سِوَى الْأَصْلِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي ... بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي الْمَوْضِعِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى مِلْكِيَّةَ شَيْءٍ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَطَلَبَ أَنْ يُوقَفَ لَهُ، وَأَنْ تُرْفَعَ يَدُ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ عَنْهُ إلَى أَنْ يُقِيمَ هُوَ بَيِّنَةً، وَيُسَمَّى ذَلِكَ تَوْقِيفًا، وَحَيْلُولَةً، فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ لِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، بَلْ لَا يُوقَفُ لَهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، وَأَجْمَلَ فِي الشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ اعْتِمَادًا مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى مَا قَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ، وَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ التَّوْقِيفَ، أَنَّ التَّوْقِيفَ فِي الْأُصُولِ يَكُونُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنْ يَشْهَدَ بِمِلْكِيَّةِ الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ عَدْلَانِ، وَبَقِيَ لِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْإِعْذَارُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ عَدْلٌ وَاحِدٌ. الثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ رَجُلَانِ يُنْظَرُ فِي تَزْكِيَتِهِمَا، وَإِنَّمَا يُوقَفُ فِي هَذَا الْوَجْهِ فَائِدَةُ الْأَصْلِ، لَا الْأَصْلُ نَفْسُهُ، فَلَا يُوقَفُ بِهِ بِخِلَافِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فَإِنَّهُ يُوقَفُ بِهِمَا الْأَصْلُ نَفْسُهُ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي كَيْفِيَّةِ الْوَقْفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَصْدُقُ كَلَامُ النَّاظِمِ هُنَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ حَاصِلٌ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّوْقِيفُ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ يَكُونُ بِدَعْوَى بَيِّنَةٍ حَاضِرَةٍ، وَقَدْ أَشَارَ لَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: وَمُدَّعِي كَالْعَبْدِ وَالنِّشْدَانِ إلَى أَنْ قَالَ: حَيْثُ ادَّعَى بَيِّنَةً حُضُورَا وَأَشَارَ لَهُ هُنَا بِالْبَيْتِ الثَّانِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فَرَاجِعْهُ، ثَمَّةَ. وَقَوْلُهُ تَجَلَّى: هُوَ عَلَى حَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ أَصْلُهُ تَتَجَلَّى وَجُمْلَةُ تَجَلَّى: أَيْ تَظْهَرُ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِشُبْهَةٍ، وَقَوْلُهُ: بِدَعْوَى الْمُدَّعِي: يَتَعَلَّقُ بِمُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ تُوقَفَ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي. وَمَا لَهُ عَيْنٌ عَلَيْهَا يُشْهَدُ ... مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ تُوجَدُ يَعْنِي أَنَّ الشَّيْءَ الْمُسْتَحَقَّ إذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلًا، بَلْ مِمَّا يُنْقَلُ مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَكُونُ عَلَى عَيْنِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِسُهُولَةِ إحْضَارِهِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْأُصُولُ، فَيُكْتَفَى فِيهَا بِالْحِيَازَةِ

стр. 503

عَنْ إحْضَارِهَا لِتَعَذُّرِهِ، كَمَا يَقُولُهُ قَرِيبًا فَقَوْلُهُ: عَيْنٌ: أَيْ ذَاتٌ، وَكَأَنَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى حَذْفِ الصِّفَةِ وَهِيَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ أَيْ ذَاتٍ تُنْقَلُ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ بِالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَمُقَابَلَتِهِ بِالْأَصْلِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ قَالَ: ابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ابْتَاعَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ، ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ، فَادَّعَاهُ، وَأَتَى بِكِتَابٍ بَدَلِهِ، وَقَدْ فَاتَ الْكِتَابُ فَقَالَ: لَا يُتَوَجَّهُ الْحُكْمُ لِمُسْتَحِقِّ الشَّيْءِ إلَّا بَعْدَ شَهَادَةِ الْعُدُولِ، عَلَى عَيْنِهِ، وَالْإِعْذَارِ إلَى الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ دُونَ تَعْيِينِ الْمَشْهُودِ فِيهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِرْعَاءُ، وَالْيَمِينُ أَعْذَرَ إلَى الَّذِي أُلْفِيَ ذَلِكَ بِيَدِهِ، فَإِنْ ادَّعَى مَدْفَعًا أَجَّلَهُ، ثُمَّ لَا رُجُوعَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنْهُ، إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَ مَا ثَبَتَ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ مَدْفَعًا، وَذَهَبَ إلَى الرُّجُوعِ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنْهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ. وَيُكْتَفَى فِي حَوْزِ الْأَصْلِ الْمُسْتَحَقّْ ... بِوَاحِدٍ عَدْلٍ وَالِاثْنَانِ أَحَقْ يَعْنِي أَنَّ الشَّيْءَ الْمُسْتَحَقَّ إنْ كَانَ مِمَّا يَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنَّ الشُّهُودَ يَشْهَدُونَ عَلَى عَيْنِهِ عِنْدَ الْقَاضِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقَلُ، وَهُوَ الْأُصُولُ كَالدَّارِ، وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ حَوْزَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّ كَافٍ عَنْ حُضُورِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِتَعَذُّرِهِ عَقْلًا، وَذَهَابُ الْقَاضِي إلَيْهَا؛ لِيَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهَا بِمَحْضَرِهِ مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا عَادَةً؛ لِشُغْلِ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ، وَبُعْدِ مَوَاضِعِهَا غَالِبًا فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ، فَجُعِلَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ عَدْلَيْنِ، تُحَازُ بِمَحْضَرِهِمَا، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ وَالِاثْنَانِ أَوْلَى، يَتَنَزَّلُ ذَلِكَ النَّائِبُ الْوَاحِدُ أَوْ الِاثْنَانِ مَنْزِلَةَ الْقَاضِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْأَصْلُ شُهِدَ عَلَى عَيْنِهِ بِمَحْضَرِ الْقَاضِي، وَإِلَى اسْتِنَابَةِ الْقَاضِي مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الشَّهَادَةِ بِمَحْضَرِهِ عَلَى عَيْنِ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ، أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَيْ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحُوزُ عَنْهُ، وَيَكْفِي الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ أَوْلَى. وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِمِلْكِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّ لِلدَّارِ الْفُلَانِيَّةِ مَثَلًا، وَاسْتِمْرَارِهَا أَنَّ الْقَاضِي يُوَجِّهُ عَدْلَيْنِ يَحُوزَانِ الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ، إمَّا اللَّذَيْنِ شَهِدَا بِمِلْكِيَّتِهَا أَوْ غَيْرُهُمَا، وَعَدْلَيْنِ آخَرَيْنِ يَشْهَدَانِ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ عَلَى الْقَاضِي بِأَمْرَيْنِ: بِصِحَّةِ رَسْمِ ثُبُوتِ الْمَكْلِيَّةِ، وَبِتَوْجِيهِ الْعَدْلَيْنِ لِلْحِيَازَةِ، وَعَلَى عَدْلَيْ الْحِيَازَةِ بِالْحِيَازَةِ إذْ لَا يَشْهَدَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْمُوَجَّهَانِ لِلْحِيَازَةِ هُمَا اللَّذَانِ شَهِدَا بِالْمِلْكِيَّةِ لِلْمُسْتَحِقِّ، فَالْمَجْمُوعُ أَرْبَعَةُ عُدُولٍ، اثْنَانِ شَهِدَا بِالْمِلْكِ وَحَازَا، وَاثْنَانِ شَهِدَا عَلَيْهِمَا بِالْحَوْزِ، وَعَلَى الْقَاضِي بِصِحَّةِ رَسْمِ الْمِلْكِيَّةِ، وَتَوْجِيهِ الْحَائِزَيْنِ لِلْحِيَازَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُوَجَّهَانِ لِلْحِيَازَةِ غَيْرَ اللَّذَيْنِ شَهِدَا بِالْمِلْكِيَّةِ، فَالْمَجْمُوعُ سِتَّةٌ: اثْنَانِ شَهِدَا بِالْمِلْكِيَّةِ وَاثْنَانِ وُجِّهَا لِلْحِيَازَةِ فَحَازَا وَاثْنَانِ شَهِدَا عَلَى الْحَائِزَيْنِ بِالْحِيَازَةِ، فَإِذَا حَازَ الشَّاهِدَانِ الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ، وَتَطَوَّفَا عَلَيْهِمَا، فَيَقُولَانِ لِلْعَدْلَيْنِ الْمُوَجَّهَيْنِ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا: بِالْحَوْزِ هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي حُزْنَاهَا، هِيَ الَّتِي شَهِدْنَا بِمِلْكِهَا لِفُلَانٍ عِنْدَ الْقَاضِي فُلَانٍ، هَذَا إنْ كَانَ الْحَائِرَانِ، هُمَا اللَّذَانِ شَهِدَا بِالْمِلْكِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا، فَيَقُولُ الْحَائِزَانِ لِلْمُوَجَّهَيْنِ لِلشَّهَادَةِ بِالْحِيَازَةِ: هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي حُزْنَاهَا هِيَ الَّتِي شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى بِمِلْكِهَا لِفُلَانٍ عِنْدَ الْقَاضِي فُلَانٍ، (قَالَ فِي أَقْضِيَةِ الْمُتَيْطِيَّةِ) : إذَا ثَبَتَتْ الْحِيَازَةُ عِنْدَ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْمُوَجَّهَيْنِ لِحُضُورِهَا، أَعْذَرَ لِلْمَطْلُوبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْفَصْلِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعْذِرُ إلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحِيَازَةِ أَمْ لَا، وَبِتَرْكِ الْإِعْذَارِ فِيهَا جَرَى الْعَمَلُ؛ لِأَنَّ حِيَازَةَ الشُّهُودِ لِلْمِلْكِ وَتَعْيِينَهُمْ إيَّاهُ إنَّمَا وَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي نَفْسُهُ حَسْبَمَا يَلْزَمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُعَيِّنُهُ الشُّهُودُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي فَلَمَّا تَعَذَّرَ حُضُورُهُ حِيَازَةَ الْأَمْلَاكِ لِشُغْلِهِ عَنْهُ، وَبُعْدِ أَكْثَرِهَا مِنْهُ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ اسْتَنَابَ مَكَانَ نَفْسِهِ عَدْلَيْنِ؛ لِيُعَيِّنَ ذَلِكَ لَهُمَا حَسْبَمَا كَانَ يُعَيِّنُ لَهُ، وَإِنْ اجْتَزَأَ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ وَالِاثْنَانِ أَفْضَلُ وَالْوَاحِدُ

стр. 504

وَالِاثْنَانِ إنَّمَا يَقُومَانِ مَقَامَهُ، فَتَرْكُ الْإِعْذَار فِيهِمَا أَوْلَى، كَمَا لَا يُعْذِرُ فِي نَفْسِهِ اهـ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ حِيَازَةَ الشُّهُودِ إلَخْ. وَرَاجِعْ شِفَاءَ الْغَلِيلِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ آخِرَ النَّفَقَاتِ، ثُمَّ بَيِّنَةٌ بِالْحِيَازَةِ قَائِلَةٌ هَذَا الَّذِي حُزْنَاهُ إلَخْ. وَرَاجِعْ مَجَالِسَ الْقَاضِي الْمِكْنَاسِيِّ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا كِتَابَهُ. (وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ) لَا إعْذَارَ فِي شُهُودِ الْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّهُمَا نَائِبَانِ عَنْ الْقَاضِي وَإِنْ وَجَّهَ شَاهِدًا وَاحِدًا لِذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَالِاثْنَانِ أَوْلَى. اهـ. وَتَقَدَّمَ لِلنَّاظِمِ فِي فَصْلِ الْإِعْذَارِ فِيمَنْ لَا يُعْذَرُ فِيهِ وَلَا الَّذِي وَجَّهَهُ الْقَاضِي إلَى ... مَا كَانَ كَالتَّحْلِيفِ مِنْهُ بَدَلَا. وَنَابَ عَنْ حِيَازَةِ الشُّهُودِ ... تَوَافُقُ الْخَصْمَيْنِ فِي الْحُدُودِ يَعْنِي أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَوْجِيهِ الْقَاضِي لِعَدْلَيْنِ يَحُوزَانِ الْأَصْلَ الْمُسْتَحَقَّ إنَّمَا مَحَلُّهُ مَا اخْتَلَفَ الْخَصْمَانِ فِي حُدُودِهِ، أَمَّا مَا اتَّفَقَا عَلَى حُدُودِهِ كَدُورِ الْحَاضِرَةِ الَّتِي الدَّارُ بِهَا مُلَاصِقَةٌ لِلْأُخْرَى، فَلَا يَقَعُ غَالِبًا اخْتِلَافٌ فِي حُدُودِهَا، فَلَا يُحْتَاجُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا إلَى حِيَازَةٍ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قَالَ مُحَمَّدٌ: الَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ بِفُتْيَا مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَشْيَاخِنَا، أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ حَتَّى يَحُوزَا مَا شَهِدَا فِيهِ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ الْخَصْمَانِ عَلَى صِفَةِ الْأَرْضِ وَحُدُودِهَا أَوْ الدَّارِ، وَيُقِرُّ الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِهِ، فَتَسْقُطُ حِينَئِذٍ الْحِيَازَةُ، وَلَا يُكَلَّفُ الْقَائِمُ إثْبَاتَ الْحِيَازَةِ فِيمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الشُّهُودُ. . وَوَاجِبٌ إعْمَالُهَا، إنْ الْحَكَمْ ... بِقِسْمَةٍ عَلَى الْمَحَاجِيرِ حَكَمْ يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ إعْمَالُ الْحِيَازَةِ إنْ أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالْقِسْمَةِ عَلَى الْمَحَاجِيرِ، فَلَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ حِيَازَةُ مَوْرُوثِهِمْ، لِمَا يُرَادُ قَسْمُهُ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي إذَا سَأَلَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ بَعْضُهُمْ، أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ دَارًا وَرِثُوهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ بِقَسْمِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ كَانَ لِلْمَالِكِ مِلْكًا لَهُ وَمَالًا، حَتَّى هَلَكَ عَنْهُ، وَأَنَّ الْهَالِكَ كَانَ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الدَّارِ إنْ كَانَتْ دَارًا، كَمَا يَسْكُنُ الرَّجُلُ فِي دَارِ نَفْسِهِ، حَتَّى هَلَكَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِقَسْمِهَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى يَأْتُوهُ بِحَوْزِ مَا كَانَ لِلْهَالِكِ مِنْهَا وَصِفَتِهِ بِكِتَابٍ وَشُهُودٍ يَعْرِفُونَهُ مِلْكًا لِلْهَالِكِ أَوْ فِي يَدَيْهِ وَعِمَارَتِهِ، حَتَّى هَلَكَ خِيفَةَ أَنْ يُدْخِلُوا فِي قِسْمَتِهِمْ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِحَقٍّ. اهـ. وَجَازَ أَنْ يُثْبِتَ مِلْكًا شُهِدَا ... وَبِالْحِيَازَةِ سِوَاهُمْ شَهِدَا إنْ كَانَ ذَا تَسْمِيَةٍ مَعْرُوفَهْ ... وَنِسْبَةٍ مَشْهُورَةٍ مَأْلُوفَهْ يَعْنِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى مِلْكًا بِيَدِ غَيْرِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ لَهُ أَوْ لِمَوْرُوثِهِ إلَّا أَنَّ الْبَيِّنَةَ، لَمْ تُعَرِّفْ حُدُودَ ذَلِكَ الْمِلْكِ وَلَمْ تَشْهَدْ بِهَا، وَشَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِحُدُودِ ذَلِكَ الْمِلْكِ، فَحَازَتْهُ وَتَطَوَّفَتْ عَلَيْهِ وَعَرَّفَتْ حُدُودَهُ وَمُنْتَهَاهُ، وَلَمْ تَعْرِفْ لِمَنْ هُوَ، فَإِنَّ الشَّهَادَتَيْنِ تُلَفَّقُ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُدَّعِي الْمَذْكُورِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ لَهُ تَسْمِيَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ تَسْمِيَةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَهُمْ فَالتَّسْمِيَةُ، مِثْلُ بَعْضِ الْأَجِنَّةِ عِنْدَنَا اُشْتُهِرَتْ بِأَسْمَاءٍ صَارَتْ عَلَمًا عَلَيْهَا، كَابْنِ الصَّفَّارِ وَابْنِ قَضِيبٍ وَحَجَّاجَةٍ وَاللَّهَبِ وَجِنَانِ الْخَادِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالنِّسْبَةُ، مِثْلُ الْجِنَانِ الَّذِي بَابُهُ أَوَّلًا عَلَى يَمِينِ الدَّاخِلِ لِلزَّنْقَةِ الْفُلَانِيَّةِ أَوْ الْحَانُوتِ

стр. 505

الْخَامِسَةِ عَنْ يَسَارِ الْخَارِجِ مِنْ سُوقٍ كَذِمَارِ الْكَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ أَشْهَدَ بَعْضَ أَهْلِ الْمَوْضِعِ بِأَنَّ الْجِنَانَ الْمَعْرُوفَ بِاسْمٍ مِثْلِ مَا ذَكَرْنَا؛ هُوَ لِذَوِي فُلَانٍ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ الْمُحَصِّلِ لِلْعِلْمِ وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّاهِدُ جَارًا لِمَالِكِهِ أَوْ صَدِيقًا لَهُ، وَيُهْدِي لَهُ مِنْ غَلَّتِهِ وَفَاكِهَتِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حُدُودَهُ وَمُنْتَهَاهُ؛ لِكَوْنِهِ إنَّمَا رَآهُ وَدَخَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَرُبَّمَا يَكُونُ لَمْ يَدْخُلْهُ قَطُّ، وَلَكِنْ يَتَحَقَّقُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْجِنَانَ الْمَعْرُوفَ بِكَذَا هُوَ لِفُلَانٍ، وَشَهِدَ آخَرُونَ بِمَعْرِفَةِ حُدُودِهِ وَمُنْتَهَاهُ، وَمَا هُوَ مِنْ حَقِّهِ وَمَرَافِقِهِ، وَلَا يَعْلَمُونَ لِمَنْ هُوَ كَالْخَدَمِ الَّذِينَ يَسْتَأْجِرُهُمْ الْمُسَاقِي فِي الْجِنَانِ، وَيَخْدُمُونَ مَعَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، وَلَمْ تَدْعُهُمْ حَاجَةٌ لِمَعْرِفَةِ رَبِّهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ لَهُمْ غَرَضٌ بِهِمَا، فَتُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ، وَيَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَيَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَنِسْبَةٍ: بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّسْمِيَةِ وَالنَّسَبِ كَافٍ وَحْدَهُ فِي اعْتِمَادِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ (قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ) : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ هَلَكَ وَلَهُ وَرَثَةٌ وَوَلَدٌ وَتَرَكَ أَرْضًا فَخَاصَمَ وَلَدَهُ قَوْمٌ، فَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَرْضُهُمْ، وَلَمْ يُشْهِدُوا عَلَى الْحُدُودِ وَشَهِدَ قَوْمٌ عَلَى حُدُودِ تِلْكَ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا لَهُمْ. وَقَالُوا: لَا عِلْمَ لَنَا، لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ: مَالِكٌ إذَا شَهِدُوا عَلَى الْحُدُودِ وَثَبَتَتْ شَهَادَةُ الَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّهَا لَهُمْ رَأَيْتُهَا لَهُمْ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ: مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْأَرْضِ عَلَى الْمَالِكِ تُلَفَّقُ إلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا عَلَى الْحَوْزِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الْأَرْضُ الْمَشْهُورَةُ الْمَعْلُومَةُ الْمُسَمَّاةُ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِالنِّسْبَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ عَنْ سِوَاهَا عِنْدَ مَنْ عَرَفَ حُدُودَهَا فَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ: نَعْلَمُ أَنَّ الْأَرْضَ الْفُلَانِيَّةَ لِفُلَانٍ، وَلَا نَحُوزُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: نَحْنُ نَعْلَمُ حُدُودَهَا، وَلَا نَدْرِي لِمَنْ هِيَ وَجَبَ أَنْ تُلَفَّقَ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ إذْ لَا يَقْدَحُ فِي عِلْمِ مَنْ شَهِدَ أَنَّهَا لِفُلَانٍ جَهْلُهُ بِحُدُودِهَا، وَلَا يَقْدَحُ فِي عِلْمِ مِنْ شَهِدَ بِمَعْرِفَةِ حُدُودِهَا جَهْلُهُ بِمُلَّاكِهَا اهـ. (قَالَ الشَّارِحُ) : أَقُولُ: تَعْيِينُ الْعُرُوضِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالسِّلَاحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ، الدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ وَالرَّقِيقُ وَغَيْرُهَا، هُوَ نَظِيرُ الْحِيَازَةِ فِي الْأُصُولِ، وَهَلْ يُمْكِنُ تَلْفِيقُ التَّعْيِينِ فِيهَا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ بِهِ مَعَ شَهَادَةِ مِثْلِهَا بِالْمِلْكِ؟ هَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، وَهُوَ فِي الْعُرُوضِ مُسْتَبْعَدُ الْوُقُوعِ وَلَكِنَّهُ مُمْكِنٌ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ فِي الدَّوَابِّ أَقْرَبُ كَمَا إذَا فَرَضْنَا فَرَسًا لَهُ اسْمُ عَلَمٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ فِي الرَّقِيقِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا التَّمْيِيزِ الدَّقِيقِ بِالْعَلَمِيَّةِ وَالصِّفَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إثْبَاتُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ عَلَى الصِّفَةِ. (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : وَإِنْ كَانَتْ يَعْنِي الْجَارِيَةَ غَائِبَةً، فَالشَّهَادَةُ فَبِهَا عَلَى النَّعْتِ وَالصِّفَةِ وَالِاسْمِ جَائِزَةٌ، وَيَكْتُبُ الْحَكَمُ الَّذِي شُهِدَ عَلَى الصِّفَةِ فِيهَا عِنْدَهُ عَلَى الصِّفَةِ إلَى الْحَكَمِ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا الْجَارِيَةُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ الْمِلْكِ فِيهَا عَلَى الصِّفَةِ، وَيُرْسِلُ كِتَابَهُ مَعَ شَاهِدَيْنِ يُشْهِدُهُمَا عَلَى كِتَابِهِ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ الْحُكْمَ بِالثُّبُوتِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ جَوَارٍ كَبِيرَةٌ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، كَلَّفَهُ الْحَاكِمُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ أَيَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا فِي الْبَلْدَةِ لَمْ يُكَلِّفْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (قَالَ الشَّارِحُ) أَقُولُ حَيْثُ لَمْ تُوجَدْ إلَّا وَاحِدَةٌ، فَهِيَ الَّتِي عَيَّنَهَا الِاسْمُ وَالصِّفَةُ. وَمُشْتَرِي الْمِثْلِيِّ مَهْمَا يُسْتَحَقْ ... مُعْظَمُ مَا اشْتَرَى لَهُ التَّخْيِيرُ حَقْ فِي الْأَخْذِ لِلْبَاقِي مِنْ الْمَبِيعِ ... بِقِسْطِهِ وَالرَّدِّ لِلْجَمِيعِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْهُ الْيَسِيرُ مَا اُسْتُحِقَّ ... يَلْزَمُهُ الْبَاقِي بِمَا لَهُ يَحِقْ يَعْنِي أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مِثْلِيًّا مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ كَالْقَمْحِ وَالزَّيْتِ وَالْجَوْزِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ إنْ اُسْتُحِقَّ مُعْظَمُهُ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ التَّمَسُّكِ بِمَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَبَيْنَ رَدِّ الْجَمِيعِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْقَلِيلُ مِنْهُ فَقَطْ، فَيَلْزَمُهُ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي بِحِصَّتِهِ، أَيْضًا قَالَ: الشَّارِحُ وَالْيَسِيرُ هُنَا الثُّلُثُ فَأَدْنَى قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَلَوْ كَانَ مَا ابْتَاعَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، فَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْقَلِيلُ مِنْهُ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ

стр. 506

الثَّمَنِ وَلَزِمَهُ مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهُ وَكَذَلِكَ فِي جُزْءٍ شَائِعٍ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ؛ لِأَنَّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ قَبْلَ الرِّضَا بِهِ. اهـ. وَمَسْأَلَةُ اسْتِحْقَاقِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ تَأْتِي فِي قَوْلِ النَّاظِمِ: وَالْخَلَفُ فِي تَمَسُّكٍ بِمَا بِقِي ... بِقِسْطِهِ مِمَّا انْقِسَامُهُ اُتُّقِيَ وَتَأَمَّلْ عِبَارَةَ ابْنِ يُونُسَ حَيْثُ قَالَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَبِيرِ: فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ أَوْ يَرُدَّهُ فَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ وَالرَّدُّ لِلْجَمِيعِ، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَخَذَ جُزْأَهُ، وَانْصَرَفَ، وَلَمْ يَبْقَ الْكَلَامُ إلَّا فِي الْبَاقِي، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاظِمُ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ، وَفِي الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَهَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمُقَوَّمِ مَعَ كَوْنِ الْمُسْتَحَقِّ مُعَيَّنًا، وَفِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَهَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِمَّا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، وَمَا لَا يَقْبَلُهَا. وَمَا لَهُ التَّقْوِيمُ بِاسْتِحْقَاقِ ... أَنْفَسِهِ يُرَدُّ بِالْإِطْلَاقِ إنْ كَانَ فِي مُعَيَّنٍ وَلَا يَحِلْ ... إمْسَاكُ بَاقِيهِ لِمَا فِيهِ جُهِلْ وَإِنْ يَكُنْ أَقَلَّهُ فَالْحُكْمُ أَنْ ... يَرْجِعَ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنْ

стр. 507

لَمَّا قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ تَكَلَّمَ هُنَا عَنْ اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمُقَوَّمِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مُقَوَّمًا فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهُ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ جُزْءًا شَائِعًا كَثُلْثٍ أَوْ رَبْعٍ مَثَلًا، فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَثَوْبٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَثْوَابٍ، فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، وَأَفْضَلَ مَا فِيهَا، فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْجَمِيعَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ وَجْهِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي الْحِسِّ، فَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْمَعْنَى وَغَيْرُهُ قَلِيلٌ. وَالْأَقَلُّ يَتْبَعُ الْأَكْثَرَ، فَيُفْسَخُ الْجَمِيعُ فَإِذَا تَمَسَّكَ بِالْأَقَلِّ فَكَأَنَّهُ ابْتَدَأَ شِرَاءَهُ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ غَيْرَ وَجْهِ الصَّفْقَةِ، فَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَا اسْتَحَقَّ، يَتَمَسَّكُ بِالْبَاقِي؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَمْ تَنْفَسِخْ، كَمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُلِّ. (قَالَ ابْنُ يُونُسَ) : قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اشْتَرَى ثِيَابًا كَثِيرَةً أَوْ صَالَحَ بِهَا عَنْ دَعْوَاهُ، فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا أَوْ وُجِدَ بِهِ عَيْبٌ قَبْلَ قَبْضِهَا أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَافِهًا رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ وَجُهَ الصَّفْقَةَ، مِثْل أَنْ يَقَعَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الثَّمَنِ انْتَقَصَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ إذْ لَا يُعْرَفُ، حَتَّى يُقَوَّمَ، وَقَدْ وَجَبَ الرَّدُّ فَصَارَ بَيْعًا مُؤَقَّتًا. اهـ. فَقَوْلُهُ: بِاسْتِحْقَاقٍ يَتَعَلَّقُ بِيَرُدُّ، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْأَنْفَسَ، فَيُرَدُّ الْبَاقِي، وَلَوْ رَدِّ رَضِيَ الْمُتَبَايِعَانِ بِعَدَمِ الرَّدِّ، وَأَحْرَى فِي الْجَمِيعِ إذَا أَرَادَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَالْقَوْلُ لِمَنْ أَرَادَ الرَّدَّ، وَاسْمُ كَانَ يَعُودُ عَلَى اسْتِحْقَاقٍ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ فِي مُعَيَّنٍ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ وَيَأْتِي حُكْمُهُ قَرِيبًا وَمَا مِنْ قَوْلِهِ لِمَا فِيهِ جُهِلْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ لِلْجُلِّ الْحَاصِلِ فِيهِ لِمَا يَنُوبُ الْبَاقِي مِنْ الثَّمَنِ وَاسْمُ يَكُنْ: ضَمِيرُ الْمُسْتَحَقِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِيرُ أَقَلِّهِ لِلْمَبِيعِ الْمُقَوَّمِ، وَفَاعِلُ يَرْجِعُ ضَمِيرُ الْمُشْتَرِي، وَضَمِيرُ حِصَّتِهِ لِلْمُسْتَحَقِّ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ يَكُنْ عَلَى الشِّيَاعِ الْمُسْتَحَقّْ ... وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ فَالْقَسْمُ أَحَقْ وَالْخُلْفُ فِي تَمَسُّكٍ بِمَا بَقِيَ ... بِقِسْطِهِ مِمَّا انْقِسَامُهُ اُتُّقِيَ يَعْنِي أَنَّهُ، إذَا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ جُزْءًا شَائِعًا كَالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ بَعْضُهُ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ بِلَا ضَرَرٍ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُفِدْ الْحُكْمَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ إنْ اُسْتُحِقَّ الْقَلِيلُ، فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ مَا اُسْتُحِقَّ وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْكَثِيرُ خُيِّرَ فِي التَّمَاسُكِ بِمَا بَقِيَ، أَوْ رَدِّهِ قَالَ: الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: أَوْ اسْتَحَقَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْأَجْزَاءِ فِيمَا يَنْقَسِمُ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ مَا اُسْتُحِقَّ اهـ يَعْنِي، وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْجُزْءَ الْكَثِيرَ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ التَّمَاسُكِ بِمَا بَقِيَ أَوْ رَدِّهِ. وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَلَى فِقْهِ هَذَا الْبَيْتِ قَوْلَ الْمُقَرَّبِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ مَا سُلِّمَ فِي يَدَيْهِ، وَيَرْجِعَ بِثَمَنِ مَا اُسْتُحِقَّ، فَإِنْ كَانَ مَا اشْتَرَى مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ عَلَى الْعَدَدِ، وَكَانَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى الْأَجْزَاءِ، نِصْفَ مَا اشْتَرَى أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَذَلِكَ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَا رَضِيَ بِهِ يَصِيرُ لَهُ بِثَمَنٍ مَعْرُوفٍ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ فِي رَدِّ الْبَاقِي بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَاقِي قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا مَعَ أَنَّهُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمِثْلِيِّ، فَتَأَمَّلْهُ مَعَ نَقْلِ الْحَطَّابِ الْمُتَقَدِّمِ، وَمَعَ مَا قَدَّمَ النَّاظِمُ فِي الْمِثْلِيِّ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَقَوْلُهُ وَالْخَلَفُ فِي تَمَسُّكٍ بِمَا بَقِيَ الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيمَا إذَا اُسْتُحِقَّ جُزْءٌ شَائِعٌ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ هَلْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؟ وَيَتَعَيَّنُ الرَّدُّ لِلْبَاقِي هَذَا ظَاهِرُ لَفْظِ الْبَيْتِ وَنَقَلَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ فِي التَّمَسُّكِ بِالْبَاقِي أَوْ رَدِّهِ دُونَ تَحَتُّمِ الرَّدِّ فَلَمْ يُنْقَلْ عَلَيْهِ نَصًّا وَلَفْظُهُ، وَفِي الْمُقَرَّبِ، وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ، مِثْلُ الشَّجَرَةِ أَوْ الثَّوْبِ، فَاسْتَحَقَّ بَعْضَ ذَلِكَ فَقَالَ: لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ إنْ شَاءَ، كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَهَذَا مِثْلُ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ اهـ. وَتَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ يُونُسَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ، وَفِي الْحَطَّابِ فِي الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مَا نَصُّهُ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْيَسِيرِ مِنْ الْأَجْزَاءِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ هَذَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْجَمِيعِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَالْيَسِيرُ النِّصْفُ فَأَقَلُّ. اهـ. وَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْضٌ فَكَالْعَيْبِ، مَا نَصُّهُ: وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ حُكْمِ اسْتِحْقَاقِ الْبَعْضِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ، فَنَقُولُ: إذَا اُسْتُحِقَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ فَلَا يَخْلُو

стр. 508

إمَّا أَنْ يَكُونَ شَائِعًا أَوْ مُعَيَّنًا فَإِنْ كَانَ شَائِعًا فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي التَّمَسُّكِ، وَيَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْجُزْءِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ الثَّمَنِ وَفِي رَدِّهِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، سَوَاءٌ اسْتَحَقَّ الْأَقَلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ وَإِنْ اُسْتُحِقَّ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَوَّمًا أَوْ مِثْلِيًّا فَإِنْ كَانَ مُقَوَّمًا كَالْعَرْضِ وَالرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْبَعْضُ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ بِالْقِيمَةِ لَا بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ وَجْهُ الصَّفْقَةِ تَعَيَّنَ رَدُّ الْبَاقِي، وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْأَقَلِّ، وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَقَلَّ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَكْثَرَ خُيِّرَ فِي التَّمَاسُكِ وَالرُّجُوعِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَفِي الرَّدِّ زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَثَرَ هَذَا الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَكَذَلِكَ فِي جُزْءٍ شَائِعٍ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ؛ لِأَنَّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ قَبْلَ الرِّضَا بِهِ. اهـ. أَيْ فَيَتَخَيَّرُ فِي التَّمَاسُكِ وَالرَّدِّ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمَوَّاقِ لِقَوْلِ الشَّيْخ خَلِيلٍ أَوْ اُسْتُحِقَّ شَائِعٌ، وَإِنْ قَلَّ مَا نَصُّهُ اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ قَالَ عِيسَى قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ إذَا اُسْتُحِقَّ عَبْدٌ مِنْ الرَّقِيقَ أَوْ عَبْدَانِ أَوْ شَيْءٌ يَكُونُ مِنْ الرَّقِيقِ يَسِيرًا فِي عَدَدِهِمْ، أَيَلْزَمُ الْمَبِيعُ إذَا كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ عَبِيدٍ بِأَعْيَانِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ الْيَسِيرُ سَهْمًا اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ فِي جَمِيعِ الرَّقِيقِ بَعْدَ مَنْعِ الْوَطْءِ إنْ كَانَ فِيهَا جَارِيَةٌ قَالَ: سَوَاءٌ اسْتَحَقَّ فِي جَمِيعِهَا سَهْمًا أَوْ عَبِيدًا بِأَعْيُنِهِمْ إنْ كَانَ يَسِيرًا لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَقِيلَ: لَهُ قَاسِمْ شَرِيكَكَ أَنْظِرْهُ أَبَدًا، كُلُّ شَيْءٍ يُسْتَحَقُّ، وَهُوَ يُقَسِّمُ رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي اسْتَحَقَّ مِنْهُ يَسِيرًا لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَإِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ فِي الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ رَدَّهُ إنْ شَاءَ كَانَ الَّذِي اسْتَحَقَّ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، قِيلَ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ، مِثْلُ الشَّجَرَةِ قَالَ: هُوَ كَاسْتِحْقَاقِ الْيَسِيرِ مِنْ الْعَدَدِ لَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ مَا اُسْتُحِقَّ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْيَسِيرِ مِنْ الْأَجْزَاءِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ هَذَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْجَمِيعِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَالْيَسِيرُ النِّصْفُ فَأَقَلُّ، وَالْكَثِيرُ الْجُلُّ، وَمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ، وَهَذَا فِي الْعُرُوضِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَإِنَّهُ يَرَى فِيهِ اسْتِحْقَاقَ الثُّلُثِ فَمَا زَادَ كَثِيرًا. اهـ. وَفِي شَرْحِ شَيْخِ شُيُوخِنَا الْعَالِمِ الْمُتَفَنِّنِ أَبِي الْعَبَّاسِ سَيِّدِي أَحْمَدَ الْمَنْجُور لِلنَّظْمِ الْمُسَمَّى بِالْمَنْهَجِ الْمُنْتَخَبِ فِي قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ لِلْإِمَامِ سَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ قَاسِمٍ الزَّقَّاقِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ هَلْ الْيَسَارَةُ بِنَفْسٍ تُعْتَبَرْ إلَى آخِرِ مَا نَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالدَّارُ إنْ اُسْتُحِقَّ عُشْرُهَا أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ، وَكَانَتْ لَا تَنْقَسِمُ أَعْشَارًا، فَلَهُ رَدُّ جَمِيعِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَنْقَسِمُ، وَفِي التَّقْيِيدِ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْبَيَانِ وَالرَّدُّ يَجِبُ إذَا اُسْتُحِقَّ مَا هُوَ كَثِيرُ كَثُلُثِ الدَّارِ أَوْ مَا فِيهِ ضَرَرٌ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا كَالْعُشْرِ، فَإِنْ اشْتَرَى دَارًا وَاسْتُحِقَّ عُشُرُهَا، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ لَا تَتَجَزَّأُ أَعْشَارًا أَوْ كَانَتْ تَتَجَزَّأُ، وَلَمْ يَكُنْ لِكُلِّ جُزْءٍ مَدْخَلٌ وَمَخْرَجٌ عَلَى حِدَةٍ أَوْ كَانَ لِكُلِّ جُزْءٍ مَدْخَلٌ وَمَخْرَجٌ عَلَى حِدَةٍ إلَّا أَنَّ التَّجَزِّيَ يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنَّ لَهُ الرَّدَّ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَتَجَزَّأُ أَعْشَارًا لِكُلِّ جُزْءٍ مَدْخَلٌ، وَمَخْرَجٌ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِهَا، فَلَا رَدَّ لَهُ، وَهَذَا فِي دَارِ السُّكْنَى، وَأَمَّا دَارُ الْغَلَّةِ فَلَا تُرَدُّ إلَّا بِاسْتِحْقَاقِ الثُّلُثِ. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ دُورًا عَدَدًا، فَاسْتُحِقَّ بَعْضُ أَعْيَانِهَا، فَإِنَّهَا إذْ ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ إنْ اُسْتُحِقَّ الْجُلُّ، فَأَكْثَرُ كَانَ لَهُ الرَّدُّ، ثُمَّ قَالَ: فِي تَعْدَادِ الْمَسَائِلِ الَّتِي النِّصْفُ فِيهَا يَسِيرٌ وَالْكَثِيرُ مَا فَوْقَهُ مِنْهَا مَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَبِيعُ فَاسْتُحِقَّ أَوْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَجُهَ الصَّفْقَةِ، وَهُوَ مَا فَوْقَ النِّصْفِ كَخَمْسَةِ أَثْوَابٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقِيمَةِ يُسْتَحَقُّ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ أَوْ يَثْبُتُ عَيْبُهَا، فَفِي الْعَيْبِ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْجَمِيعِ أَوْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ، وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ يَتَعَيَّنُ رَدُّ الْبَاقِي عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي النِّصْفِ فَأَقَلَّ، فَفِي الْعَيْبِ لَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّ الْمَعِيبِ بِحِصَّتِهِ يَوْمَ عَقْدِهِ، وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ يَرْجِعُ بِمَا يَنُوبُ الْمُسْتَحَقّ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَاقِي. اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي النَّظْمِ الْمَذْكُورِ كَذَاكَ جُزْءُ عُرُوضٍ يُسْتَحَقُّ فَخُذْ ... إنْ أَمْكَنَ الْقَسْمُ وَخُيِّرَ إنْ عُدِمْ مَا نَصُّهُ يَعْنِي بِالْجُزْءِ الشَّائِعِ وَبِالْعُرُوضِ مَا عَدَا الدُّورَ وَالطَّعَامَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَرْضَ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْهُ جُزْءٌ شَائِعٌ وَالْعَرَضُ مِمَّا يَنْقَسِمُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ النِّصْفَ فَأَقَلَّ، فَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ مَا اُسْتُحِقَّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ

стр. 509

فِي التَّمَسُّكِ بِالْبَاقِي أَوْ الرَّدِّ بِخِلَافِ مَا لَا يَنْقَسِمُ فَلَهُ الرَّدُّ مُطْلَقًا، كَانَ السَّهْمُ الْمُسْتَحَقُّ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، وَتَقَدَّمَ هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ. اهـ. وَإِنْ يَكُنْ فِي الْفَيْءِ مَالُ الْمُسْلِمِ ... فَهْوَ لَهُ مِنْ قَبْلِ قَسْمِ الْمُغْنَمِ وَإِنْ يَقُمْ مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ قُسِّمَا ... فَهُوَ بِهِ أَوْلَى بِمَا تَقَوَّمَا يَعْنِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً فَوَجَدُوا فِيهَا مَالَ مُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو، فَإِنْ عُرِفَ ذَلِكَ قَبْلَ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ لِرَبِّهِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، فَلَا يَأْخُذْهُ رَبُّهُ إنْ شَاءَهُ إلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي قُوِّمَ بِهِ حِينَ الْقَسْمِ، وَكَذَلِكَ مَا عُرِفَ أَنَّهُ لِذِمِّيٍّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ قَبْلَ الْقَسْمِ، فَإِنْ عُلِمَ رَبُّهُ بِعَيْنِهِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا رُدَّ مَجَّانًا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ قُسِّمَ، وَلَمْ يُوقَفْ. (التَّوْضِيحُ) إذَا عُرِفَ رَبُّهُ، وَكَانَ حَاضِرًا، وَلَمْ يُقْسَمْ، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ مَجَّانًا أَيْ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ حَمْلُهُ خَيْرًا لِرَبِّهِ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَخَذَ مِنْهُ الْكِرَاءَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ أَرْفَقَ بِيعَ وَيُنْفِذُ فِيهِ الْإِمَامُ الْبَيْعَ وَلَا يَكُونُ لِرَبِّهِ غَيْرُ الثَّمَنِ، وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُقْسَمُ تَغْلِيبًا لِحَقِّ الْمُجَاهِدِينَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ: يُوقَفُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَكِنْ مَذْهَبُ ابْنِ الْمَوَّازِ: يُوقَفُ مَا رُجِيَ الْعِلْمُ بِصَاحِبِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَقْفُهُ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَ الْقَسْمِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِثَمَنِهِ إنْ عُلِمَ، وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ (التَّوْضِيحُ) هَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ قَبْلَ الْقَسْمِ يَعْنِي إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ الْقَسْمِ فَلِمَالِكِهِ أَخْذُهُ إنْ شَاءَ بِالثَّمَنِ أَيْ بِالْقَدْرِ الَّذِي قُوِّمَ بِهِ فِي الْغَنِيمَةِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ لِرَبِّ السِّلْعَةِ أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ شَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الْقَدْرَ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِهِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ ابْنُ رُشْدٍ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقِسْمَةِ. اهـ. بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ. وَفِي الشَّارِحِ عَنْ الْمُقَرَّبِ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا إنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ أَحْرَزَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ وَأَبَقَ الْعَبِيدُ إلَيْهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفُوا أَصْحَابَهُ اقْتَسَمُوا، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا أَحْرَزَ أَهْلُ الشِّرْكِ جَارِيَةً لِمُسْلِمٍ، ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ صَارَتْ إلَيْهِ سِهَامُهُ أَنْ يَطَأَهَا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا لِمُسْلِمٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْعَدُوِّ لَا أُحِبُّ أَنْ يَطَأَهَا، اشْتَرَاهَا فِي بِلَادِ الْحَرْبِ أَوْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَحَمَلَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَلَا تُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَهَا مَضَى عِتْقُهُ. اهـ. (تَنْبِيهٌ) أَطْلَقَ النَّاظِمُ الْفَيْءَ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَالِاصْطِلَاحُ أَنَّ مَنْ مَلَكَ مَالَ الْحَرْبِيِّ إمَّا غَنِيمَةٌ أَوْ مُخْتَصٌّ بِآخِذِهِ أَوْ فَيْءٌ فَالْغَنِيمَةُ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَيْ مَا مُلِكَ بِقِتَالٍ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا مُلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَزَادَ قَوْلَهُ: أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ لِيُدْخِلَ فِيهِ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ بَعْدَ نُزُولِ الْجَيْشِ، وَأَمَّا مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْجَيْشِ، فَهُوَ فَيْءٌ وَالْمُخْتَصُّ بِآخِذِهِ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ غَيْرِ مُؤْمِنٍ عَلِمَهُ أَوْ كُرْهًا دُونَ صُلْحٍ وَلَا قِتَالِ مُسْلِمٍ وَلَا قَصَدَهُ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِ مِثَالُهُ مَا هَرَبَ بِهِ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَخَرَجَ بِمَالِهِ أَوْ مَا غَنِمَهُ الذِّمِّيُّونَ. وَالْفَيْءُ مَا سِوَاهُمَا أَيْ مَا سِوَى الْغَنِيمَةِ، وَسِوَى الْمُخْتَصِّ بِآخِذِهِ الْمَذْكُورَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْفِقْهُ الْمَذْكُورُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ يُوجَدُ فِي الْغَنِيمَةِ يَجْرِي فِيهِ إذَا وُجِدَ فِي الْفَيْءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخِذَ مَالُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَأَهْلُهَا مَحْصُورُونَ، وَهُمْ الْغَانِمُونَ، فَأَحْرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْفَيْءِ الَّذِي هُوَ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَتَعْبِيرُ النَّاظِمِ بِالْفَيْءِ صَحِيحٌ، وَيُقَالُ: وَكَذَا إنْ وُجِدَ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ أَنَّهُ تَوَسُّعٌ، وَأَطْلَقَ الْفَيْءَ وَالْغَنِيمَةَ مَعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ مُوَافِقًا، فَلَا يَخْفَى مَا فِي تَعْبِيرِهِ بِالْفَيْءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ النَّاظِمَ أَطْلَقَ الْفَيْءَ عَلَى الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ إنَّمَا يُعَبِّرُونَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِالْغَنِيمَةِ لَا بِالْفَيْءِ، وَتَفْصِيلُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَعْرِفَ الْمَالَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ الْغَنِيمَةُ إذْ هِيَ الَّتِي تُقْسَمُ لَا الْفَيْءُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

стр. 510

وَمُشْتَرٍ وَحَائِزٌ مَا سَاقَ مَنْ ... أُمِّنَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالثَّمَنْ يَعْنِي أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا قَدِمَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَبَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَلَيْسَ لِمَالِكِهِ الْمُسْلِمِ نَزْعُهُ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالثَّمَنِ، وَلَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لِغَيْرِ مَالِكِهِ شِرَاءُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ وَهِيَ مَا قَدِمُوا بِهِ لِبَلَدِنَا، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ لِبَلَدِهِمْ، وَاشْتَرَى ذَلِكَ مِنْهُمْ أَوْ وَهَبُوهُ لَهُ، وَقَدِمَ بِهِ، فَإِنَّ لِرَبِّهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، وَمِمَّنْ وُهِبَ لَهُ بِلَا ثَمَنٍ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : نَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: عَلَى أَنَّهُ إنْ اشْتَرَى مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ أَحَدٌ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ، وَلَوْ بِالثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا يَشْتَرِيه مِنْ الْحَرْبِيِّ بِبَلَدِ الْحَرْبِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ وُهِبَ عَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ، فَقَدِمَ بِهِمْ كَانَ لِرَبِّهِمْ أَخْذُهُمْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَاَلَّذِي قَدِمَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَوْ وَهَبَهُمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَأْخُذْهُمْ سَيِّدُهُمْ. اهـ. فَقَوْلُهُ: إذَا اشْتَرَى مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ أَيْ اشْتَرَى مِنْهُ فِي بَلَدِنَا، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مُسْتَأْمَنًا، وَقَابَلَهُ بِالْمُشْتَرِي مِنْ الْحَرْبِيِّ بِبَلَدِ الْحَرْبِ وَقَوْلُهُ: عَبِيدًا لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْعَبِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْضُ مِثَالٍ، وَفِي الشَّارِحِ عَنْ الْمُقَرَّبِ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ دَخَلَ إلَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ عَبِيدٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، كَانَ الْعَدُوُّ قَدْ أَسَرَهُمْ، لَمْ يُؤْخَذُوا مِنْهُ لَا بِالثَّمَنِ وَلَا بِالْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَمَا دَخَلَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ بِيَدِهِ لِمُسْلِمٍ، وَإِنْ بَاعَ مَا بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ نَفَذَ بَيْعُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَى رَأْسٍ مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِنَا كَانُوا رَقِيقًا لَهُمْ، وَأَهْلُ ذِمَّتِنَا فِي هَذَا كَعَبِيدِنَا. اهـ. فَقَوْلُهُ: وَإِنْ بَاعَ مَا بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ، هِيَ مَسْأَلَةُ النَّاظِمِ، وَتَقَدَّمَتْ مَسْأَلَةُ الْهِبَةِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ آخِرَ كَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمَنْقُولِ آنِفًا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ أَوْ وَهَبُوهُ بِبَلَدِهِمْ، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ دَخَلْت إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ فَابْتَعْتَ عَبْدَ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ أَسَرَهُ وَأَبَقَ إلَيْهِ أَوْ وَهَبَهُ لَك الْحَرْبِيُّ وَكَافَأْتَهُ عَلَيْهِ فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْكَ مَا أَدَّيْتَ فِيهِ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ عِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ تُثِبْ وَاهِبَكَ أَخَذَهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. اهـ. عَلَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ فَقَوْلُ النَّاظِمِ: مَا سَاقَ، مَا: اسْمُ مَوْصُولٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ يَتَنَازَعُ فِيهِ مُشْتَرٍ وَحَائِزٌ وَقَوْلُهُ: وَحَائِزٌ: أَيْ بِغَيْرِ شِرَاءٍ وَهُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ سَاقَهُ مِنْ فَاعِلِ سَاقَ وَأُمِّنَ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ مَكْسُورَةً صِلَةُ مَنْ وَجُمْلَةُ لَا يُؤْخَذُ: خَبَرُ مُشْتَرٍ وَبِالثَّمَنِ: يَتَعَلَّقُ بِيُؤْخَذْ الْمَنْفِيِّ وَيُؤْخَذُ الْمَأْخُوذُ مِنْ لِصٍّ بِلَا ... شَيْءٍ وَمَا يُفْدَى بِمَا قَدْ بَذَلَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَالَ غَيْرِهِ بِيَدِ لِصٍّ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لِيَرُدَّهُ لِرَبِّهِ، فَإِنَّ لِرَبِّهِ أَخْذَهُ مِمَّنْ أَخَذَهُ مِنْ اللِّصِّ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَيْضًا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَيُؤْخَذُ الْمَأْخُوذُ مِنْ لِصٍّ بِلَا شَيْءٍ، وَأَمَّا إنْ أَخَذَهُ مِنْ اللِّصِّ بِفِدَاءٍ وَعِوَضٍ، فَلَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْعِوَضَ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: وَمَا يُفْدَى بِمَا قَدْ بَذَلَا (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ) : وَكَذَلِكَ مَا أَخَذَهُ مِنْ أَيْدِي اللُّصُوصِ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ فَإِنْ فُدِيَ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ فَعَلَيْهِ أَدَاءُ مَا فُدِيَ بِهِ. اهـ. (الْمَوَّاقُ) عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ فِي رُجُوعِ مَنْ فَدَى مَا بِيَدِ لِصٍّ بِفِدَائِهِ عَلَى رَبِّهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ (ابْنُ عَرَفَةَ) كَثِيرٌ عُرُوضُ هَذِهِ النَّازِلَةِ بِإِقْلِيمِنَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِدَاهُ بِحَيْثُ يُرْجَى لِرَبِّهِ خَلَاصُهُ مِنْ اللِّصِّ بِأَمْرٍ حِرْمَانُ فَادِيهِ، وَمَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَخْذَهُ بِالْفِدَاءِ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِابْنِ نَاجِي وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيمَا فُدِيَ مِنْ أَيْدِي اللُّصُوصِ هَلْ يَأْخُذُهُ رَبُّهُ مَجَّانًا أَوْ بِالثَّمَنِ الَّذِي فَدَاهُ؟ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يُرْتَضَى مِنْ شُيُوخِنَا لِكَثْرَةِ النَّهْبِ فِي بِلَادِنَا، فَيَحِلُّ مَنْ لَهُ وَجَاهَةٌ عِنْدَ الْأَعْرَابِ أَوْ مَنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ، فَيَفْتَدِي مِنْ أَيْدِيهمْ مِنْ بَعْضِ مَا يَنْتَهِبُونَهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ مَالِكُهُ مِنْ يَدِ مَنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَانَ سَدًّا لِهَذَا الْبَابِ مَعَ شِدَّةِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ. (قُلْت) : وَبِهِ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّبِينِيُّ يُفْتِي، وَيُوَجِّهُهُ بِمَا تَقَدَّمَ قَائِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّهَا يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي (قَالَ ابْنُ هَارُونَ) : وَالْقَوْلَانِ إذَا قَصَدَ بِهِ الْفِدَاءَ لِرَبِّهِ وَأَمَّا إنْ قَصَدَ بِهِ

стр. 511

الْفِدَاءَ لِنَفْسِهِ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ تَمَلُّكَهُ، فَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّ لِرَبِّهِ أَخْذَهُ مَجَّانًا كَالِاسْتِحْقَاقِ (قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) : وَكَثِيرٌ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ بَعْضُ مَنْ هُوَ مُنْتَصِبٌ لِتَخْلِيصِ مَا بِأَيْدِي الْمُنْتَهَبِينَ، هَلْ يَكُونُ لِلْآخِذِ الْأُجْرَةُ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إنْ دَفَعَ الْفِدَاءَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَا تَجُوزُ لَهُ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ، وَإِجَارَةٌ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ غَيْرَهُ، فَفِي إجَازَةِ ذَلِكَ مَجَالٌ لِلنَّظَرِ. اهـ. فَقَوْلُهُ: بِلَا شَيْءٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقُ بِ " يُؤْخَذُ " أَيْ يَأْخُذُ رَبُّ الشَّيْءِ بِلَا شَيْءٍ أَيْ ثَمَنٍ، وَلَا عِوَضِ الشَّيْءَ الْمَأْخُوذِ مِنْ اللِّصِّ يَعْنِي إذَا لَمْ يَدْفَعْ آخِذُهُ لِلِّصِّ شَيْئًا بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وَمَا يُفْدَى بِمَا قَدْ بَذَلَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَأْخُوذِ أَيْ أَنَّ الْمَأْخُوذَ بِلَا ثَمَنٍ مِنْ اللِّصِّ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ أَيْ كَذَلِكَ بِلَا ثَمَنٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يُعْطِ آخِذُهُ لِلِّصِّ شَيْئًا بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ كَمَا مَرَّ، وَالْبَذْلُ: الْعَطَاءُ، أَيْ بِمَا قَدْ أَعْطَى وَدَفَعَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 512

[فَصْلٌ فِي الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْأُمَنَاءِ] ِ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) هِيَ مُشَدَّدَةُ الْيَاءِ الْجَوْهَرِيُّ، وَكَأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ وَعَيْبٌ وَأُنْكِرَ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ كَوْنُهَا مَنْسُوبَةً إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَقَالُوا يَتَعَيَّرُونَ؛ لِأَنَّ الْعَارَ عَيْنُهُ يَاءٌ وَالْعَارِيَّةُ عِنْدَ غَيْرِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُعَاوَرَةِ وَهِيَ الْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ يُقَالُ: هُمْ يَتَعَاوَرُونَ مِنْ جِيرَانِهِمْ، أَيْ يَأْخُذُونَ، وَيُعْطُونَ. اهـ. وَانْظُرْ الرَّصَّاعَ فَقَدْ تَكَلَّمَ مَعَ الْجَوْهَرِيِّ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَحَدَّهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَصْدَرًا أَوْ اسْمًا عَلَى عَادَتِهِ: إذَا كَانَ لِلْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ مَعْنَيَانِ، فَالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ، فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مَنْفَعَةٍ تَمْلِيكُ الذَّوَاتِ، مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ الْحَقِيقِيَّ فِي الذَّوَاتِ لَيْسَ إلَّا لِخَالِقِهَا، وَلَكِنْ الْقَصْدُ كَمَالُ التَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ، وَيَخْرُجُ بِالْمَنْفَعَةِ تَمْلِيكُ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ فِيهَا مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُعِيرَ لِمِثْلِهِ بِخِلَافِ الِانْتِفَاعِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مُؤَقَّتَةٍ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ الْمُطْلَقَةِ، كَمَا إذَا مَلَكَ الْعَبْدُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ وَوَهَبَهَا إيَّاهُ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِعَارِيَّةٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْحَبْسُ بِذَلِكَ لِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْحَبْسَ فِيهِ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ لَا الْمَنْفَعَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ذَلِكَ فِيهِ بِالْإِطْلَاقِ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: لَا بِعِوَضٍ أَخْرَجَ بِهِ الْإِجَارَةَ لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ وَيَعْنِي بِالتَّوْقِيتِ، إمَّا لَفْظًا أَوْ عَادَةً وَلَا تَدْخُلُ الْعُمْرَى وَالْإِخْدَامُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَارِيَّةُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ فَتَدْخُلَانِ اُنْظُرْ الرَّصَّاعَ، وَأَمَّا حَدُّهَا اسْمًا، فَهِيَ مَالٌ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِكَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْوَدِيعَةِ وَالْأُمَنَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا اُسْتُعِيرَ رَدُّهُ مُسْتَوْجِبُ ... وَمَا ضَمَانُ الْمُسْتَعِيرِ يَجِبُ إلَّا بِقَابِلِ الْمَغِيبِ لَمْ يُقِمْ ... بَيِّنَةً عَلَيْهِ أَنَّهُ عُدِمْ أَوْ مَا الْمُعَارُ فِيهِ قَدْ تَحَقَّقَا ... تَعَدٍّ أَوْ فَرَّطَ فِيهِ مُطْلَقَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ لِرَبِّهِ يَعْنِي بَعْدَ مُضِيِّ مَا يُعَارُ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِمِثْلِهِ مِنْ الزَّمَانِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ لِحَدِيثِ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» أَيْ يَجِبُ رَدُّهَا وَتَأْدِيَتُهَا لِصَاحِبِهَا بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُهَا الْمُسْتَعِيرُ عِنْدَهُ بَعْدَ أَنْ قَضَى إرْبَهُ مِنْهَا، حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّهَا إلَيْهَا، بَلْ تَكُونُ مُؤْنَةُ رَدِّهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَهُوَ الَّذِي

стр. 513

اسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : فَرْعٌ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَأُجْرَةُ حَمْلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَاخْتُلِفَ فِي أُجْرَةِ رَدِّهَا فَقِيلَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَقِيلَ عَلَى الْمُعِيرِ أَبُو الْحَسَنِ، وَاخْتُلِفَ فِي عَلَفِ الدَّابَّةِ الْمُعَارَةِ، فَقِيلَ عَلَى الْمُعِيرِ، وَقِيلَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. اهـ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى ضَمَانِ الشَّيْءِ الْمُعَارِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ، لَا يَضْمَنُ الْعَارِيَّةَ إلَّا فِي وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْعَارِيَّةُ بِمَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهَا. الثَّانِي: أَنْ يَثْبُتَ تَعَدِّي الْمُعِيرِ أَوْ تَفْرِيطُهُ فِي الْعَارِيَّةِ، حَتَّى هَلَكَتْ كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا وَهُوَ الَّذِي يَعْنِي بِالْإِطْلَاقِ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، أَمْ لَا، وَكَذَا لَا يَضْمَنُهَا مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ تَفْرِيطُهُ، وَلَا تَعَدِّيهِ (قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ،) ، وَالْعَارِيَّة فِي ضَمَانِ صَاحِبِهَا إنْ تَحَقَّقَ هَلَاكُهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَعِيرِ إلَّا أَنَّهَا نَوْعَانِ يَظْهَرُ هَلَاكُهُ، وَلَا يَكَادُ يَخْفَى كَالرِّبَاعِ وَالْحَيَوَانِ، فَهَذَا النَّوْعُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ فِي هَلَاكِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي يَخْفَى هَلَاكُهُ، وَيُغَابُ عَلَيْهِ، وَهَذَا النَّوْعُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ فِي هَلَاكِهِ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِهِ، فَإِنْ قَامَتْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ بِغَيْرِ سَبَبِهِ كَالسُّوسِ فِي الثَّوْبِ صَدَّقَهُ فِيهِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا أَضَاعَهُ، وَلَا أَرَادَ إفْسَادًا. (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ فَتَلِفَ عِنْدَهُ أَيَضْمَنُهُ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُخَالِفُ إلَى غَيْرِ مَا اسْتَعَارَهُ، وَفِيهِ أَيْضًا قُلْت لَهُ: فَمَنْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا فَضَاعَ عِنْدَهُ أَيَضْمَنُهُ قَالَ: نَعَمْ، وَكَذَلِكَ الْعُرُوض كُلُّهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا مِنْ الْعُرُوضِ فَكَسَرَهُ أَوْ أَحْرَقَهُ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ سُرِقَ مِنْهُ أَوْ احْتَرَقَ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يُعْذَرُ بِهِ وَتَقُومُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَيَّعَ أَوْ فَرَّطَ، ثُمَّ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ الرَّجُلُ يَسْتَعِيرُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ، مِثْلُ الْفَأْسِ وَالْمِنْشَارِ فَيَأْتِي بِهِ مَكْسُورًا، وَيَقُولُ الْكَسْرُ فِي الشَّيْءِ الَّذِي أَعَرْتَنِيهِ فِيهِ قَالَ: لَا يُصَدَّقُ وَهُوَ ضَامِنٌ. اهـ. بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ. (فَرْعٌ) مَا عُلِمَ أَنَّهُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْمُسْتَعِيرِ كَالسُّوسِ فِي الثَّوْبِ يَحْلِفُ مَا أَرَادَ فَسَادًا وَلَا ضَيَّعَ وَيَبْرَأُ وَأَلْحَقَ التُّونُسِيُّ النَّارَ بِالسُّوسِ، وَقَالَ: اللَّخْمِيُّ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ النَّارَ لَا تَحْدُثُ إلَّا مِنْ فِعْلِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، وَالسُّوسُ إنَّمَا يَحْدُثُ مِنْ الْغَفْلَةِ عَنْ اللِّبَاسِ وَقَرْضُ الْفَأْرِ لَا يَحْدُثُ

стр. 514

إلَّا لِأَمْرٍ كَانَ مِنْ اللِّبَاسِ مِنْ رَائِحَةِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ، وَمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ ظَاهِرٌ إلَّا فِي قَرْضِ الْفَأْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِذَا اشْتَرَطَ إسْقَاطَ الضَّمَانِ فِيمَا يُضْمَنُ أَوْ إثْبَاتَهُ فِيمَا لَا يُضْمَنُ فَفِي إفَادَتِهِ قَوْلَانِ. وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُسْتَعِيرٍ حَلَفَا ... فِي رَدِّ مَا اسْتَعَارَ حَيْثُ اخْتَلَفَا مَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُغَابُ عَادَهْ ... عَلَيْهِ أَوْ أُخِذَ بِالشَّهَادَهْ فَالْقَوْلُ لِلْمُعِيرِ فِيمَا بَيَّنَهْ ... وَمُدَّعِي الرَّدِّ عَلَيْهِ الْبَيِّنَهْ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ، فَقَالَ الْمُعِيرُ لَمْ تَرُدَّهَا. وَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ: رَدَدْتُهَا فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتْ عَارِيَّةً مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْضُهَا بِإِشْهَادٍ، فَالْقَوْلُ: قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ: أَنَّهُ رَدَّهَا مَعَ يَمِينِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ: قَوْلُ الْمُعِيرِ: أَنَّهَا لَمْ تُرَدَّ سَوَاءٌ قَبَضَهَا الْمُسْتَعِيرُ بِإِشْهَادٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا قَبَضَهُ بِإِشْهَادٍ، فَإِنَّ الْقَوْلَ: قَوْلُ الْمُعِيرِ: أَنَّهَا لَمْ تُرَدَّ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، فَقَوْلُهُ: حَلَفَا: صِفَةٌ لِمُسْتَعِيرٍ وَأَلِفُهُ لِلْإِطْلَاقِ وَفِي رَدٍّ أَيْ عَلَى نَحْوِ ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَأَلِفُ اخْتَلَفَا لِلتَّثْنِيَةِ أَيْ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَعَادَةً: مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ، وَعَلَيْهِ: يَتَعَلَّقُ بِ يُغَابُ وَقَوْلُهُ: أَوْ أَخَذَ بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ: عَطْفٌ عَلَى يُغَابُ وَمَعْنَى فِيمَا بَيَّنَهْ: أَيْ ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ الرَّدِّ وَمُدَّعِي الرَّدِّ: هُوَ الْمُسْتَعِيرُ. (قَالَ الْمَوَّاقُ) فِي شَرْحِ قَوْلِهِ كَدَعْوَاهُ رَدِّ مَا لَمْ يَضْمَنْ مَا نَصُّهُ: قَالَ مُطَرِّفٌ يُصَدَّقُ الْمُسْتَعِيرُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا ادَّعَى رَدَّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ، فَلَا يُصَدَّقُ اهـ. وَانْظُرْ إذَا ادَّعَى رَدَّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَسَوَاءٌ أَخَذَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. (قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) فَمِنْ حَقِّ: الْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْمُعِيرِ فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ دَفْعُهَا إلَيْهِ بِلَا إشْهَادٍ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ. انْتَهَى كَلَامُ الْمَوَّاقِ وَهُوَ كَكَلَامِ النَّاظِمِ فِقْهًا وَتَرْتِيبًا. وَالْقَوْلُ فِي الْمُدَّةِ لِلْمُعِيرِ ... مَعْ حَلِفِهِ وَعَجْزِ مُسْتَعِيرِ كَذَاكَ فِي مَسَافَةٍ لِمَا رُكِبْ ... قَبْلَ الرُّكُوبِ ذَا لَهُ فِيهِ يَجِبْ وَالْمُدَّعِي مُخَيَّرٌ أَنْ يَرْكَبَا ... مِقْدَارَ مَا حُدَّ لَهُ أَوْ يَذْهَبَا وَالْقَوْلُ مِنْ بَعْدِ الرُّكُوبِ ثَبَتَا ... لِلْمُسْتَعِيرِ إنْ بِمُشْبِهٍ أَتَى وَإِنْ أَتَى فِيهِ بِمَا لَا يُشْبِهُ ... فَالْقَوْلُ لِلْمُعِيرِ لَا يَشْتَبِهُ تَعَرَّضَ فِي الْأَبْيَاتِ لِاخْتِلَافِ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ، إمَّا فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ الْعَارِيَّةُ إلَيْهَا أَوْ فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ الَّتِي أَعَارَهُ دَابَّتَهُ لِيَرْكَبَهَا إلَيْهَا، فَأَخْبَرَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي مُدَّةِ الْعَارِيَّةِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ لَكِنْ إنْ عَجَزَ الْمُسْتَعِيرُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَى، فَإِنْ أَقَامَهَا عَلَيْهِ

стр. 515

فَلَا إشْكَالَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ حِينَئِذٍ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَسَافَةِ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الرُّكُوبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعِيرِ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ. فَإِذَا حَلَفَ، فَيُقَالُ لِلْمُسْتَعِيرِ، إمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى الْمَسَافَةِ الَّتِي ادَّعَى أَوْ اذْهَبْ، وَلَا شَيْءَ لَك، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ الرُّكُوبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا إنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، فَإِنْ ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ لِلْمُعِيرِ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَدْت فِي مَسَائِلِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً فَرَكِبَهَا إلَى مَوْضِعٍ، فَلَمَّا رَجَعَ زَعَمَ رَبُّهَا أَنَّهُ أَعَارَهَا إيَّاهُ إلَى دُونِ مَا رَكِبَهَا إلَيْهِ أَوْ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ، إنْ ادَّعَى مَعَ يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَصًّا سَوَاءٌ قَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَذَلِكَ إذَا رَكِبَ وَرَجَعَ، فَالْمُعِيرُ مُصَدَّقٌ عَلَيْك مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِي عَلَيْك مَا لَا يُشْبِهُ. اهـ. وَتَبَيَّنَ بِهَذَا النَّقْلِ أَنَّ قَوْلَ النَّاظِمِ كَذَاك فِي مَسَافَةٍ إلَخْ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، كَمَا فِي النَّظْمِ. وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْكِرَاءِ فِي ... مَا يُسْتَعَارُ مَعْ يَمِينٍ اُقْتُفِيَ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَا يَلِيقُ ... بِهِ فَقَلْبُ الْقَسَمِ التَّحْقِيقُ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَا فَقَالَ رَبُّ الشَّيْءِ: هُوَ عِنْدَك عَلَى وَجْهِ الْكِرَاءِ، وَقَالَ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الشَّيْءِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ أَكْرَاهُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ يَأْنَفُ عَنْ الْكِرَاءِ وَلَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ لِمَنْصِبِهِ وَشَرَفِهِ وَغِنَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْعَارِيَّةِ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ رَكِبَ دَابَّةَ رَجُلٍ إلَى بَلَدٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَعَارَهُ إيَّاهَا وَقَالَ: رَبُّهَا أَكْرَيْتُهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهَا زَادَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ مَعَ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَيْسَ يُكْرِي الدَّوَابَّ لِشَرَفِهِ وَقَدْرِهِ اهـ. زَادَ فِي التَّوْضِيحِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ.

стр. 516

وَيَضْمَنُ الْمُودَعُ مَعْ ظُهُورِ ... مَخَايِلِ التَّضْيِيعِ وَالتَّقْصِيرِ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ لِلسَّفِيهِ ... وَلَا الصَّغِيرِ مَعْ ضَيَاعٍ فِيهِ تَكَلَّمَ هُنَا فِي الْوَدِيعَةِ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ اسْمًا وَمَصْدَرًا، فَالِاسْمُ الْوَدِيعَةُ، وَالْمَصْدَرُ الْإِيدَاعُ أَيْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَاهُمَا فَحَدُّهَا مَصْدَرًا (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِ مِلْكٍ يُنْقَلُ (قَالَ الرَّصَّاعُ) : وَإِنَّمَا قَالَ مُجَرَّدُ حِفْظٍ وَلَمْ يَقُلْ حِفْظٌ لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ نَقْلُ الْحِفْظِ مَعَ التَّصَرُّفِ كَالْوَكَالَةِ، وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ، فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا مُجَرَّدُ الْحِفْظِ فَقَطْ، وَيُخْرِجُ الْإِيصَاءَ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ مِلْكٍ إذَا أَوْدَعَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ لِحِفْظِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ وَدِيعَةً، وَقَوْلُهُ: يُنْقَلُ صِفَةٌ لِلْمِلْكِ، وَأَخْرَجَ بِهِ مَا لَا يُنْقَلُ مِنْ الْأُصُولِ كَالرَّبْعِ. اهـ. ثُمَّ بَحَثَ فِي اشْتِرَاطِ النَّقْلِ بِمَسْأَلَةٍ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ ظَاهِرُهَا صِحَّةُ إيدَاعِ الرَّبْعِ، فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت، قَالَ: الرَّصَّاعُ قَالَ الشَّيْخُ: وَيَدْخُلُ فِي الْحَدِّ إيدَاعُ الْوَثَائِق، فَذِكْرُ الْحُقُوقِ يُخْرِجُ حِفْظَ الْإِيصَاءِ وَالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَأَزْيَدَ مِنْ الْحِفْظِ وَقَدْ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ: إنَّ خَاصِّيَّتَهَا مُجَرَّدُ الْحِفْظِ، وَحَدُّهَا اسْمًا: مُتَمَلَّكٌ نُقِلَ مُجَرَّدُ حِفْظِهِ يَنْتَقِلُ. اهـ. وَيُفْهَمُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِّ مِنْ مَعْنَى الْحَدِّ الْمَصْدَرِيِّ، وَقَوْلُهُ يَنْتَقِلُ صِفَةٌ لِمُتَمَلَّكٍ، ثُمَّ قَالَ الرَّصَّاعُ مَا مَعْنَاهُ إنَّ الْفُقَهَاءَ يُطْلِقُونَ الِاسْمَ عَلَى الْمَصْدَرِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِمْ: الْوَدِيعَةُ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً وَمَنْدُوبَةً وَمُحَرَّمَةً؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ إنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ لَا الِاسْمِيُّ قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ابْنُ عَرَفَةُ هُنَا حَدُّهَا اسْمًا كَذَا وَمَصْدَرًا كَذَا كَمَا هِيَ عَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ أَصْلُهَا فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٌ، وَلَيْسَتْ مَصْدَرًا وَلَا اسْمَ مَصْدَرٍ، وَلَكِنْ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهَا قَصْدُ الْمَصْدَرِ كَانَ حَدُّهَا كَذَا، وَإِنْ أُرِيدَ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيُّ كَانَ حَدُّهَا كَذَا، فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مَصْدَرًا أَوْ اسْمَ مَصْدَرٍ قَالَ: حَدُّهَا اسْمًا كَذَا، وَحَدُّهَا مَصْدَرًا كَذَا قَوْلُهُ: وَيَضْمَنُ الْمُودَعُ مَعَ ظُهُورِ الْبَيْتَيْنِ يَعْنِي أَنَّ الْمُودَعَ عِنْدَهُ لَا يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ إذَا هَلَكَتْ إلَّا إذَا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ التَّضْيِيعِ لَهَا وَالتَّقْصِيرِ فِي حِفْظِهَا، فَيَضْمَنُهَا حِينَئِذٍ، وَعَطَفَ النَّاظِمُ التَّقْصِيرَ عَلَى التَّضْيِيعِ كَأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْمُتَلَازِمَيْنِ، وَمَثَّلُوا التَّقْصِيرَ بِإِيدَاعِهَا عِنْدَ الْغَيْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَنَقْلِهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَخَلْطِهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ كَقَمْحٍ بِشَعِيرٍ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ، فَهَلَكَتْ فِي حَالِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ هَذَا فِي حَقِّ الرَّشِيدِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ

стр. 517

وَالسَّفِيهُ الْبَالِغُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا إنْ قَصَّرَا وَضَيَّعَا وَضَمِيرُ فِيهِ: الْأَوَّلُ لِلتَّقْصِيرِ وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّضْيِيعُ لِتَلَازُمِهِمَا وَلَامُ لِلسَّفِيهِ أَيْ الْبَالِغِ بِمَعْنَى عَلَى نَحْوِ ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] . وَضَمِيرُ فِيهِ: الثَّانِي لِلْمُودَعِ بِالْفَتْحِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَحَلِّ جَرِّ صِفَةِ ضَيَاعٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى التَّضْيِيعِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَشَرْطُهَا كَالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ (التَّوْضِيحُ) أَيْ مَنْ جَازَ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، فَلَهُ أَنْ يُودِعَ، وَيُودَعَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ كَالْمُوَكِّلِ وَالْمُودَعِ أَيْ بِالْفَتْحِ كَالْوَكِيلِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) . فَمَنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا أَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ، فَأَتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَذِنَ أَهْلُهُ (التَّوْضِيحُ) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ قَدْ سَلَّطَ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ ضَمِنَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْحَجْرِ (اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ) إلَّا أَنْ يَصْرِفَا ذَلِكَ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْهُ، وَلَهُمَا مَالٌ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَتْلَفَاهُ أَوْ مِمَّا صَوَّنَا مِنْ مَالِهِمَا (اللَّخْمِيُّ) ، فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْمَالُ، ثُمَّ أَفَادَ غَيْرُهُ لَمْ يَتْبَعْهُمَا فِيهِ، وَهَذَا الْحُكْمُ، هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَأَمَّا ابْتِدَاءً فَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِهِ أَنْ يَأْذَنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ اهـ. وَآخِرُهُ بِالْمَعْنَى (تَنْبِيهٌ) ، لَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ إلَخْ، أَنَّ الْمَحْجُورَ لَا يَضْمَنُ مَا اسْتَعَارَ، وَادَّعَى ضَيَاعَهُ، وَكَذَلِكَ يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ فِي الْحَجْرِ وَكُلُّ مَا أَتْلَفَهُ الْمَحْجُورُ ... فَغُرْمُهُ مِنْ مَالِهِ الْمَشْهُورُ إلَّا لِمَنْ طَوْعًا إلَيْهِ صَرَفَهْ ... وَفِي سِوَى مَصْلَحَةٍ قَدْ أَتْلَفَهْ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالتَّجْرُ بِالْمُودَعِ مَنْ أَعْمَلَهُ ... يَضْمَنُهُ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَهُ يَعْنِي، أَنَّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ يَتَّجِرُ بِهَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا إنْ هَلَكَتْ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَهُ إنْ حَصَلَ فِيهَا لَا لِرَبِّهَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَهَا وَقْتَ التَّجْرِ بِهَا مِنْهُ وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : وَإِنْ تَجِرَ بِهَا يَعْنِي الْوَدِيعَةِ كَانَ لَهُ الرِّبْحُ يَعْنِي بِضَمَانِهِ. اهـ. (وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ) : وَمَنْ تَجِرَ بِوَدِيعَةٍ، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَالرِّبْحُ لَهُ، إنْ كَانَتْ عَيْنًا قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهَا: قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ عَيْنًا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَرْضًا مُقَوَّمًا كَانَ التَّجْرُ بِهَا حَرَامًا قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ الْمَنْجُورُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمَنْهَجِ: وَالرِّبْحُ تَابِعٌ لِمَالٍ مَا عَدَا ... غَصْبًا وَدِيعَةً وَتَفْلِيسًا بَدَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّمَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ إذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ، كَمَا هُوَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَرُدَّهُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ فَاعْرِفْهُ. اهـ. (وَفِي الْمُقَرَّبِ) إنْ رَدَّ الْمَالَ بَعْدَمَا رَبِحَ فِيهِ بَرِئَ.

стр. 518

وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُودَعٍ فِيمَا تَلِفْ ... وَفِي ادِّعَاءِ رَدِّهَا مَعَ الْحَلِفْ مَا لَمْ يَكُنْ يَقْبِضُهُ بِبَيِّنَهْ ... فَلَا غِنًى فِي الرَّدِّ أَنْ يُبَيِّنَهْ يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَادَّعَى تَلَفَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ سَوَاءٌ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ أَوْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ، وَأَمَّا إنْ ادَّعَى أَنَّهُ رَدَّهَا لِرَبِّهَا، فَإِنْ كَانَ قَبَضَهَا بِغَيْرِ إشْهَادٍ فَكَذَلِكَ أَيْضًا الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ، وَهُوَ مُرَادُ النَّاظِمِ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى رَدِّهَا (قَالَ فِي الرِّسَالَةِ:) ، وَالْمُودَعُ إنْ قَالَ: رَدَدْتُ الْوَدِيعَةَ إلَيْك صُدِّقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ، وَإِنْ قَالَ: ذَهَبَتْ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ بِكُلِّ حَالٍ وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَزَادَ التَّصْرِيحَ بِالْيَمِينِ حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَفْظُهُ إذَا طُولِبَ الْمُودَعُ بِالرَّدِّ، فَادَّعَى التَّلَفَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى الرَّدَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسْلِيمُهَا بِبَيِّنَةٍ، فَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ الرَّدَّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. اهـ. فَقَوْلُهُ قَوْلُ مُودَعٍ بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ عِنْدَهُ وَ " مَا " مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا تَلِفْ مَصْدَرِيَّةٌ وَضَمِيرُ رَدَّهَا لِلْوَدِيعَةِ، وَمَعَ الْحَلِفْ رَاجِعٌ لِدَعْوَى التَّلَفِ، وَالرَّدِّ، وَضَمِيرُ يَقْبِضُهُ لِلشَّيْءِ الْمُودَعِ بِبَيِّنَةٍ لِلرَّدِّ أَيْ يُثْبِتُهُ. وَالْأُمَنَاءُ فِي الَّذِي يَلُونَا ... لَيْسُوا لِشَيْءٍ مِنْهُ يَضْمَنُونَا كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالدَّلَّالِ ... وَمُرْسَلٍ صُحْبَتَهُ بِالْمَالِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ وَالْمُوَكَّلِ ... وَصَانِعٍ لَمْ يَنْتَصِبْ لِلْعَمَلِ وَذُو انْتِصَابٍ مِثْلُهُ فِي عَمَلِهْ ... بِحَضْرَةِ الطَّالِبِ أَوْ فِي مَنْزِلِهْ وَالْمُسْتَعِيرُ مِثْلُهُمْ وَالْمُرْتَهِنْ ... فِي غَيْرِ قَابِلِ الْمَغِيبِ فَاسْتَبِنْ وَمُودَعٌ لَدَيْهِ وَالْأَجِيرُ ... فِيمَا عَلَيْهِ الْأَجْرُ وَالْمَأْمُورُ وَمِثْلُهُ الرَّاعِي كَذَا ذُو الشَّرِكَهْ ... فِي حَالَةِ الْبِضَاعَةِ الْمُشْتَرَكَهْ وَحَامِلٌ لِلثِّقْلِ بِالْإِطْلَاقِ ... وَضَمِنَ الطَّعَامَ بِالْإِنْفَاقِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ بِلَا يَمِينِ ... وَالِاتِّهَامُ غَيْرُ مُسْتَبِينِ وَقِيلَ مِنْ بَعْدِ الْيَمِينِ مُطْلَقَا ... وَالْأَوَّلُ الْأَوْلَى لَدَى مَنْ حَقَّقَا عَدَّدَ النَّاظِمُ ﵀ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الْأُمَنَاءَ وَذَكَرَ أَنَّ حُكْمَهُمْ عَدَمُ ضَمَانِ شَيْءٍ مِمَّا يَلُونَهُ لِأَمَانَتِهِمْ، إمَّا بِالْأَصَالَةِ أَوْ يَجْعَلُ الْخَصْمُ لَهُمْ ذَلِكَ. (فَأَوَّلُهُمْ) : وَلِيُّ الْمَحْجُورِ كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَوَصِيِّهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَدَّعُونَ مِنْ تَلَفِ مَالِ مَحْجُورِهِمْ، أَمَّا دَعْوَى الدَّفْعِ بَعْدَ الرُّشْدِ فَلَا يُصَدَّقُونَ فِيهِ. (الثَّانِي) : الدَّلَّالُ وَيُقَالُ لَهُ السِّمْسَارُ فِيمَا وَلِيَ بَيْعَهُ وَتَسْوِيقَهُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ: فِي تَضْمِينِهِمْ ابْنُ رُشْدٍ، وَاَلَّذِي أُفْتِي بِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ تَضْمِينُهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مَشْهُورِينَ بِالْخَيْرِ (ابْنُ رَاشِدٍ) ، وَرَأَيْت بَعْضَ قُضَاةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة ضَمَّنَ السِّمْسَارَ، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ النَّاسِ الْعَامَّةِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ. (الثَّالِثُ) : الْمُرْسَلُ مَعَهُ مَالٌ يَشْتَرِي بِهِ مَا أُمِرَ بِهِ وَيُقَال: فِيهِ الْمُبْضَعُ مَعَهُ مَالٌ أَيْ الَّذِي أُرْسِلَتْ مَعَهُ الْبِضَاعَةُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ. (الرَّابِعُ) : عَامِلُ الْقِرَاضِ لَا يَضْمَنُ مَالَ الْقَرْضِ إنْ ادَّعَى التَّلَفَ أَيْ الضَّيَاعَ بِسَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا

стр. 519

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) قَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُشْبِهُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِسُؤَالٍ فِي بَلَدِ السِّلَعِ هَلْ يَخْسَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمِثْلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَا ذَكَرَ (وَفِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا بَابُ الشَّرِكَةِ) وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ يَدَّعِي الْخَسَارَةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا أَنَّهُ يَضْمَنُ. (الْخَامِسُ) : الْوَكِيلُ كَانَ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُفَوَّضًا أَوْ مَخْصُوصًا سَوَاءٌ ادَّعَى تَلَفَ السِّلْعَةِ الَّتِي وُكِّلَ عَلَى بَيْعِهَا أَوْ تَلَفَ ثَمَنِهَا إنْ بَاعَ، وَكَذَا لَا يَضْمَنُ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الشِّرَاءِ أَوْ الِاقْتِضَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (السَّادِسُ) : الصَّانِعُ الَّذِي لَمْ يُنَصِّبْ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ أَوْ نَصَّبَ نَفْسَهُ إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ رَبِّ الشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيَأْتِي بَعْضُ الْكَلَامِ فِي الصَّانِعِ. (السَّابِعُ) : الْمُسْتَعِيرُ لَا يَضْمَنُ الْعَارِيَّةَ فِي وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهَا كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ لَا الثَّانِي: مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ تَفْرِيطُهُ وَلَا تَعَدِّيهِ. (الثَّامِنُ) : الْمُرْتَهِنُ بِكَسْرِ الْهَاءِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ الَّذِي لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ الَّذِي يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِهِ. (التَّاسِعُ) : الْمُودَعُ عِنْدَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا ادَّعَى تَلَفَهَا قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ أَوْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ. (الْعَاشِرُ) : الْأَجِيرُ فِيمَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، كَذَا فَسَّرَهُ النَّاظِمُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَلَمْ يَزِدْ، وَلَعَلَّهُ يَعْنِي الْأَجِيرَ الَّذِي تَحْتَ يَدِ الصَّانِعِ، فَإِنْ كَانَ لِلصَّانِعِ أُجَرَاءُ أَوْ صُنَّاعٌ تَحْتَ يَدِهِ فَتَلِفَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ بِغَيْرِ تَعَدٍّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ صُنَّاعٌ لَهُ خَاصَّةً، وَالصَّانِعُ الْخَاصُّ لَا يَضْمَنُ، كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا لَوْ غَابَ عَلَى السِّلَعِ، فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ: وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ الْخِلَافُ فِي ضَمَانِ حَارِسِ ثِيَابِ دَاخِلِ الْحَمَّامِ (الْحَادِي

стр. 520

عَشَرَ) : الْمَأْمُورُ فِيمَا أُمِرَ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ فَحَصَلَ هَلَاكٌ أَوْ تَلَفٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. (الثَّانِي عَشَرَ) : الرَّاعِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْغَنَمِ وَغَيْرِهَا إذَا لَمْ يَتَعَدَّ وَلَا فَرَّطَ، وَعَلَيْهِ فِيمَا ضَلَّ أَوْ هَلَكَ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ وَلَا تَعَدَّى، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الرَّاعِي الْمُشْتَرَكِ الَّذِي يُلْقِي النَّاسُ إلَيْهِ غَنَمَهُمْ، أَنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا تَلِفَ مِنْهَا، وَرَآهُ كَالصَّانِعِ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ. (الثَّالِثَ عَشَرَ) : الشَّرِيكُ فِيمَا هَلَكَ بِيَدِهِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ أَوْ خَسِرَ فِيهِ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَالَةِ الْبِضَاعَةِ الْمشُتَرَكَةِ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ مُفَوَّضًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُفَوَّضٍ. (الرَّابِعَ عَشَرَ) : حَامِلُ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ غَيْرِ الطَّعَامِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ سَوَاءٌ حَمَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ. وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْإِطْلَاقِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْإِطْلَاقِ حَامِلُ الطَّعَامِ لِنَصِّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ (ابْنُ الْحَاجِبِ) . وَأَمَّا أَجِيرٌ حَمَلَ غَيْرَ الطَّعَامِ، فَإِنْ غَرَّ أَوْ فَرَّطَ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا (التَّوْضِيحُ) إنْ غَرَّ بِفِعْلٍ ضَمِنَ، وَإِنْ غَرَّ بِقَوْلٍ، فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي حَمْلِ الطَّعَامِ يَضْمَنُ مُطْلَقًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِصُحْبَةِ رَبِّهِ وَقَالَ بِهِ

стр. 521

الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ (التَّوْضِيحُ) أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَقْوَاتِ وَالْإِدَامِ بَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ لِسُرْعَةِ مَدِّ الْأَيْدِي إلَيْهِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ فَرَّطَ أَمْ لَا يَعْنِي، وَلَا يُفَصَّلُ فِيهِ، كَمَا يُفَصَّلُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ مُطْلَقًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ اللَّخْمِيُّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَدِينَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ فَيَسْقُطُ الضَّمَانُ. اهـ. وَإِلَى ضَمَانِ حَامِلِ الطَّعَامِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ. وَضَمِنَ الطَّعَامَ بِاتِّفَاقٍ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْأَلْفِيَّةِ: وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ... خَارِجَةُ الْقَاسِمُ، ثُمَّ عُرْوَةُ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللَّهِ ... سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ إمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمٌ ... أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمٌ

стр. 522

مَا نَصُّهُ مِنْ الْمَعْدُودِينَ فِي أَكَابِرِ التَّابِعِينَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَهُمْ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَهَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ، كَمَا قَالَ الْحَاكِمُ: وَجَعَلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَكَانَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ذَكَرَهُمْ أَبُو الزِّنَادِ، فَجَعَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مَكَانَ أَبِي سَلَمَةَ أَوْ سَالِمٍ اهـ. وَقَدْ نَظَمَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى جَعْلِ أَبِي بَكْرٍ مَكَانَ السَّابِعِ، وَهُوَ أَبُو سَلَمَةَ فَقَالَ: أَلَا كُلُّ مَنْ لَا يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍ ... فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَنْ الْحَقِّ يُحِدَّهُمْ فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ ... سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ يُحِدَّهُمْ وَمَعْنَى ضِيزَى أَنَّهَا جَائِرَةٌ. فَقَوْلُهُ عَنْ الْحَقِّ يُحِدَّهُمْ تَفْسِيرٌ لِضِيزَى قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ بِلَا يَمِينِ الْبَيْتَيْنِ لَمَّا عَدَّ الْأُمَنَاءَ الَّذِينَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ اسْتَطْرَدَ فِي ذِكْرِ الْخِلَافِ، هَلْ يُصَدَّقُونَ فِي دَعْوَى التَّلَفِ وَنَحْوِهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ الضَّمَانُ بِغَيْرِ يَمِينٍ أَوْ بِيَمِينٍ؟ ، وَأَخْبَرَ آخِرَ الْبَيْتَيْنِ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْيَمِينِ، هُوَ الْأَوْلَى عِنْدَ مَنْ حَقَّقَ النَّظَرَ، وَأَمْعَنَ الْفِكْرَ، وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمَنْهَجِ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْيَمِينِ، وَقَوْلُهُ: وَالِاتِّهَامُ غَيْرُ مُسْتَبِينِ شَرَحَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ بِلَا يَمِينِ وَإِنَّ اتِّهَامَهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ حُكْمِ الْأَمَانَةِ غَيْرُ مُسْتَبِينٍ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ جُمْلَةَ: وَالِاتِّهَامُ غَيْرُ مُسْتَبِينِ: حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ سُقُوطَ الْيَمِينِ عَنْهُمْ هُوَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَهِيَ حَيْثُ لَمْ تَتَبَيَّنْ تُهْمَةٌ يَعْنِي، وَأَمَّا إنْ تَبَيَّنَتْ فَالْيَمِينُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ أُصُولِ الْفُتْيَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُمْ بِلَا يَمِينٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ. اهـ. وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ بَانَتْ تُهْمَةٌ أَمْ لَا، فَهُوَ مُقَابِلٌ لِلْقَوْلِ بِلُزُومِ الْيَمِينِ حَيْثُ تَتَبَيَّنُ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى وَاَللَّهُ

стр. 523

أَعْلَمُ. (تَتْمِيمٌ) ذَكَرَ النَّاظِمُ الْأُمَنَاءَ الَّذِينَ لَا يَضْمَنُونَ، وَسَكَتَ عَنْ مُقَابِلِيهِمْ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ الضَّمَانُ، وَقَدْ عَدَّ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمَنْهَجِ نَحْوَ التِّسْعَةِ، فَقَالَ: يَضْمَنُ ذُو إرْثٍ وَرَهْنٍ وَخِيَارْ ... وَصَانِعُ عِرْسٍ وَحَاضِنُ مُعَارْ وَحَامِلُ الطَّعَامِ كَاَلَّذِي حُبِسْ ... لِثَمَنِ ذَا غَيْبَةٍ إنْ اُلْتُبِسْ تَلَفُهُ إلَخْ (فَالْأَوَّلُ) : الْوَارِثُ فِيمَا إذَا ظَهَرَ دَيْنٌ أَوْ طَرَأَ وَارِثٌ أَوْ نَحْوُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَادَّعَى أَحَدُ الْوَرَثَةِ تَلَفَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْعَيْنِ وَالطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ، وَاخْتُلِفَ إذَا قَامَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى الضَّيَاعِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يَضْمَنُونَ. (وَالثَّانِي) : الْمُرْتَهِنُ يَضْمَنُ الرَّهْنَ الَّذِي يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ، فَلَا يَضْمَنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. (وَالثَّالِثُ) : الْبَائِعُ، فَإِنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعِ مِنْهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ. (وَالرَّابِعُ) : الصَّانِعُ يَضْمَنُ مَصْنُوعَهُ إنْ ادَّعَى ضَيَاعَهُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلصَّنْعَةِ عِيَاضٌ بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ لِلرَّجُلِ أَوْ الْجَمَاعَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَالصَّانِعُ الْخَاصُّ الَّذِي لَمْ يُنَصِّبْ نَفْسَهُ لِلصَّنْعَةِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ التَّضْمِينَ إنَّمَا كَانَ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِي بَيْتِ رَبِّ السِّلْعَةِ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ جَلَسَ مَعَهُ أَمْ لَا ابْنُ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّهُ هُنَا أَجِيرٌ خَاصٌّ الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ رَبُّهُ مُلَازِمًا لَهُ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِحُضُورِهِ مَعَهُ يُشْبِهُ الصَّانِعَ الْخَاصَّ. (وَالْخَامِسُ) : الزَّوْجَةُ إذَا قَبَضَتْ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ مَهْرٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَادَّعَتْ تَلَفَهُ، فَتَضْمَنُ لَهُ نِصْفَهُ. (وَالسَّادِسُ) : الْحَاضِنُ يَضْمَنُ مَا قَبَّضَ الْمَحْضُونَةَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ مُؤَنِ الْمَحْضُونِ فَيَدَّعِي تَلَفَهُ، فَيَضْمَنُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ. (وَالسَّابِعُ) : الْمُعَارُ، فَيَضْمَنُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ، وَيَضْمَنُ أَيْضًا مَا ثَبَتَ تَعَدِّيهِ فِيهِ أَوْ تَفْرِيطُهُ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، أَمْ لَا (الثَّامِنُ) : حَامِلُ الطَّعَامِ يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الَّذِينَ لَا يَضْمَنُوا. (التَّاسِعُ) : الْبَائِعُ الَّذِي يَحْبِسُ سِلْعَتَهُ، حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ أَوْ لِلْإِشْهَادِ، فَيَضْمَنُ تِلْكَ السِّلْعَةَ، كَمَا يَضْمَنُ الرَّهْنَ. وَحَارِسُ الْحَمَّامِ لَيْسَ يَضْمَنُ ... وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بَلْ يَضْمَنُ يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي حَارِسِ ثِيَابِ دَاخِلِ الْحَمَّامِ، هَلْ يَضْمَنُهَا أَوْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) وَأَمَّا حَارِسُ الثِّيَابِ إنْ أَكْرَاهُ صَاحِبُ الْحَمَّامِ لِحِفْظِ الثِّيَابِ بِأُجْرَةٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ إلَّا أَنْ يُضَيِّعَ أَوْ يُفَرِّطَ، وَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْ النَّاسِ الدَّاخِلِينَ لِلْحَمَّامِ، فَقَالَ مَالِكٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (ابْنُ لُبَابَةَ) ، وَمَا سِوَاهُ خَطَأٌ وَضَمَّنَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ نَفْيَ الضَّمَانِ عَلَى الْحَمَّامِيِّ وَالْحَارِسِ، وَلَوْ دُفِعَ لَهُ أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْمُودَعِ يُدْفَعُ لَهُ أُجْرَةٌ عَلَى أَمَانَتِهِ (ابْنُ الْقَاسِمِ) ، وَلَوْ قَالَ الْحَارِسُ: جَاءَنِي إنْسَانٌ فَشَبَّهْتُهُ بِك فَدَفَعْت إلَيْهِ الثِّيَابَ، ضَمِنَ (اللَّخْمِيُّ) ، وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ إنْ رَأَى إنْسَانًا يَأْخُذُ ثِيَابَكَ، فَتَرَكَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ أَنْتَ. اهـ. [فَصْلٌ فِي الْقَرْضِ] ِ وَهُوَ السَّلَفُ الْقَرْضِ وَهُوَ السَّلَفُ حَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: دَفْعُ مُتَمَوَّلٍ فِي عِوَضٍ غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُ لَا عَاجِلًا تَفَضُّلًا فَقَوْلُهُ: مُتَمَوَّلٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَيْسَ بِمُتَمَوَّلٍ إذَا دَفَعَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَرْضٍ وَلَا يُقْرَضُ، مِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي عِوَضٍ أَخْرَجَ بِهِ الْهِبَةَ قَوْلُهُ: غَيْرُ مُخَالِفٍ لَهُ أَخْرَجَ بِهِ دَفْعَهُ فِي الْمُخَالِفِ، فَإِنَّهُ بَيْعٌ قَوْلُهُ: لَا عَاجِلًا عَطْفٌ بِلَا عَلَى حَالٍ مُقَدَّرَةٍ، أَيْ

стр. 524

الْمُتَمَوَّلُ الْمَدْفُوعُ فِي عِوَضٍ غَيْرِ مُخَالِفٍ حَالَةَ كَوْنِهِ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لَا عَاجِلًا، أَخْرَجَ بِهِ الْمُبَادَلَةَ الْمِثْلِيَّةَ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْحَدُّ لَوْلَا الزِّيَادَةُ، وَقَوْلُهُ تَفَضُّلًا مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أَيْ دُفِعَ لِأَجْلِ تَفَضُّلِ الْمُقْرِضِ عَلَى الْمُقْتَرِضِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا قُصِدَ بِدَفْعِهِ نَفْعُهُمَا مَعًا أَوْ نَفْعُ الْمُقْرِضِ أَوْ نَفْعُ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا قُصِدَ نَفْعُ الْمُقْتَرِضِ فَقَطْ الْقَرْضُ جَائِزٌ وَفِعْلٌ جَارِ ... فِي كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ فِي الْجَوَارِي وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَجُرَّ مَنْفَعَهْ ... وَحَاكِمٌ بِذَاكَ كُلٌّ مَنَعَهْ وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ يُرَدَّا ... قَبْلَ انْقِضَاءِ أَجَلٍ قَدْ حُدَّا وَإِنْ رَأَى مُسَلِّفٌ تَعْجِيلَهُ ... أُلْزِمَ مَنْ سَلَّفَهُ قَبُولَهُ. اشْتَمَلَتْ الْأَبْيَاتُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْأُولَى) : أَنَّ الْقَرْضَ أَيْ السَّلَفَ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْجَوَارِي، فَلَا يَجُوزُ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَغَيْرَ بِمَعْنَى إلَّا وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ مَنْ تَسَلَّفَ جَارِيَةً جَازَ لَهُ رَدُّهَا بِعَيْنِهَا إنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ، فَإِنْ رَدَّهَا فَقَدْ آلَ أَمْرُهُمَا إلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ جَارِيَةً اسْتَمْتَعَ بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ رَدَّهَا لَهُ، وَهُوَ مِنْ إعَارَةِ الْفُرُوجِ. (قَالَ الشَّارِحُ فِي تَمْهِيدِ ابْنِ فَتْحُونٍ) الْقَرْضُ فِعْلُ خَيْرٍ وَبِرٍّ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَحْصُرُهُ صِفَتُهُ سِوَى الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّ لِلْمُقْرِضِ فِي كُلِّ شَيْءٍ اقْتَرَضَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ بَعْدَ الْمَغِيبِ عَلَيْهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَيَلْزَمُ الْمُقْرِضَ أَخْذُهُ مِنْهُ، فَلَوْ أُجِيزَ الْقَرْضُ فِي الْإِمَاءِ، لَكَانَ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِجَارِيَةِ غَيْرِهِ أَنْ يَقْتَرِضَهَا مِنْهُ، فَيَطَأَهَا مَا شَاءَ، ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلَى عَارِيَّةِ الْفُرُوجِ، وَإِبَاحَةِ وَطْئِهَا بِغَيْرِ نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ، فَسُدَّ هَذَا الْبَابُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَقْتَرِضَهَا ذُو مَحْرَمٍ أَوْ امْرَأَةٌ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا لِسَلَامَةِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ عَارِيَّةِ الْفُرُوجِ الْمَحْظُورَةِ ا. هـ. فَإِذَا اقْتَرَضَ أَمَةً رَدَّهَا مَا بَطَّأَهَا ابْنُ يُونُسَ، فَإِنْ فَاتَتْ بِالْوَطْءِ، فَالْأَصْوَبُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا لَا رَدَّ مِثْلِهَا. اهـ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْقَرْضِ أَنْ لَا يَجُرَّ مَنْفَعَةً لِلْمُقْرِضِ بِالْكَسْرِ، فَإِنْ جَرَّ لَهُ مَنْفَعَةً لَمْ يَجُزْ كَسَلَفِهِ قَمْحًا قَدِيمًا لِيَرُدَّ لَهُ جَدِيدًا أَوْ سَائِسًا أَوْ عَفِنًا لِيَرُدَّ لَهُ جَيِّدًا (قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ) : لَا يَجُوزُ سَلَفُ الطَّعَامِ السَّائِسِ، وَلَا الْعَفِنِ، وَلَا الْقَدِيمِ، لِيَأْخُذَ جَدِيدًا إلَّا إنْ نَزَلَتْ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ، فَسَأَلُوا رَبَّ الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ إذْ الْمَنْفَعَةُ لَهُمْ دُونَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ حِينَئِذٍ بَاعَهُ بِثَمَنٍ غَالٍ، وَفِي الْغَالِبِ أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي يُؤَدُّونَهُ يَكُونُ وَقْتَ الْأَدَاءِ أَرْخَصَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ سَائِسٍ، وَلَا مَعْفُونٍ. اهـ. وَإِلَى هَذِهِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي فَقَوْلُهُ: أَنْ لَا يَجُرَّ مَنْفَعَهْ أَيْ لِلْمُقْرِضِ، وَقَوْلُهُ: وَحَاكِمٌ بِذَاكَ كُلٌّ مَنَعَهْ شَرَحَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَالْحَاكِمُ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ كُلُّ الْمَذْهَبِ عَلَى مَنْعِهِ اهـ. ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَ حَاكِمٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، وَمَعْنَاهُ الْمُؤَدِّي، وَالْمُوَصِّلُ، وَبَاءُ بِذَاكَ لِلْغَايَةِ عَلَى حَدٍّ " وَقَدْ أَحْسَنَ بِي " أَيْ إلَيَّ وَالْإِشَارَةُ لِجَرِّ الْمَنْفَعَةِ، وَالتَّقْدِيرُ، وَالْقَرْضُ الْمُؤَدِّي وَالْمُوَصِّلُ إلَى جَرِّ الْمَنْفَعَةِ كُلُّ الْفُقَهَاءِ مَنَعَهُ، وَلَمْ يُجِزْهُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) : أَنَّ الْقَرْضَ إذَا كَانَ لِأَجَلٍ مَحْدُودٍ لَمْ يَلْزَمْ الْمُقْتَرِضَ رَدُّهُ قَبْلَ الْأَجَلِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُقْتَرِضُ، وَهُوَ الْمِدْيَانُ تَعْجِيلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ، فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْمُقْرِضِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ إلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ، وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْتَيْنِ (قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ) : لَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي قَرْضِهِ مُنِعَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِانْتِفَاعِ بِالشَّرْطِ أَوْ بِالْعَادَةِ. (وَفِي الْمُدَوَّنَةِ) إذَا كَانَ لَك دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ إلَى أَجَلٍ، فَعَجَّلَهَا لَك قَبْلَ الْأَجَلِ جُبِرَتْ عَلَى أَخْذِهَا كَانَتْ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ انْتَهَى. وَفِي الرِّسَالَةِ وَمَنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ مُؤَجَّلٍ، فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ

стр. 525

أَجَلِهِ، وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ الْعُرُوضَ، وَالطَّعَامَ مِنْ قَرْضٍ لَا مِنْ بَيْعٍ. اهـ. فَقَوْلُ النَّاظِمِ: وَإِنْ رَأَى مُسَلِّفٌ تَعْجِيلَهُ يَشْمَلُ الْعَيْنَ وَالْعَرْضَ وَالطَّعَامَ الْحُكْمُ فِي الْقَرْضِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الْعَيْنُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْبَيْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْعِتْقِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ] بَابُ الْعِتْقِ (تَعْرِيفُهُ) وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ الْعِتْقِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ رَفْعُ مِلْكٍ حَقِيقِيٍّ لَا بِسِبَاءٍ مُحَرَّمٍ عَنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ، فَقَوْلُهُ رَفْعُ مِلْكٍ الرَّفْعُ هُوَ إزَالَةُ أَمْرٍ مُتَقَرِّرٍ ثُبُوتُهُ، وَأَخْرَجَ بِالْمِلْكِ رَفْعَ غَيْرِ الْمِلْكِ كَرَفْعِ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ حَقِيقِيٍّ اسْتِحْقَاقَ عَبْدٍ بِحُرِّيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِحُرِّيَّةٍ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا حَقِيقَةً ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَقَوْلُهُ لَا بِسِبَاءٍ مُحَرَّمٍ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ بِغَيْرِ سِبَاءٍ لَا بِسِبَاءٍ، وَأَخْرَجَ بِهِ فِدَاءَ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ سَبَاهُ، وَكَذَلِكَ مِمَّنْ صَارَ لَهُ مِنْ حَرْبِيٍّ، وَقَوْلُهُ عَنْ آدَمِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِرَفْعُ (قَالَ الرَّصَّاعُ) قَالَ الشَّيْخُ الْأَبِيُّ تِلْمِيذُ الشَّيْخِ: لَا يُقَالُ: الْحَدُّ غَيْرُ مَانِعٍ لِصِدْقِهِ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ وَهِبَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ إنَّمَا هِيَ نَقْلُ مِلْكٍ لَا رَفْعُهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بَاقٍ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ ذَهَابَهُ وَنَقْلُهُ يَقْتَضِي وُجُودَهُ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مَحَلِّهِ وَالْبَيْعُ وَمَا شَابَهَهُ مِنْ الثَّانِي لَا مِنْ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْآدَمِيِّ: الْجِنْسُ فَيَصْدُقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَوَصَفَهُ بِحَيٍّ؛ لِيُخْرِجَ بِهِ مَنْ ارْتَفَعَ الْمِلْكُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ. انْتَهَى بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ. وَلَعَلَّهُ يَعْنِي بِمَا يَتَّصِلُ بِالْعِتْقِ اخْتِلَافُ الْعَبْدِ وَالسَّيِّدِ فِي قَدْرِ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ فِي الْمَقْبُوضِ مِنْهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَجِنْسِهِ وَأَجَلِهِ وَعَدَمِ لُزُومِ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْعِتْقُ بِالتَّدْبِيرِ وَالْوَصَاةِ ... وَبِالْكِتَابَةِ وَبِالْبَتَاتِ وَلَيْسَ فِي التَّدْبِيرِ وَالتَّبْتِيلِ ... إلَى الرُّجُوعِ بُعْدٌ مِنْ سَبِيلِ وَالْعِتْقُ بِالْمَالِ هُوَ الْمُكَاتَبَهْ ... وَمَالَهُ بِالْجَبْرِ مِنْ مُطَالَبَهْ أَخْبَرَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعِتْقَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ التَّدْبِيرُ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي أَوْ دَبَّرْتُكَ أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِالتَّدْبِيرِ، أَوْ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي لَا يُغَيِّرُ عَنْ حَالَةٍ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَيُّ التَّدْبِيرِ عِنْدَ مَالِكٍ فَقَالَ: إيجَابٌ يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ، وَفِيهِ قُلْت: لَهُ أَرَأَيْت إنْ قَالَ رَجُلٌ فِي صِحَّتِهِ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَمُوتُ، فَقَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَهُ؟ فَقَالَ: يُسْأَلُ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ التَّدْبِيرَ مُنِعَ

стр. 526

مِنْ بَيْعِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهِيَ وَصِيَّةٌ أَبَدًا حَتَّى يُرِيدَ التَّدْبِيرَ. (قَالَ سَحْنُونٌ) : وَكَانَ أَشْهَبُ يَقُولُ: إذَا قَالَ: مِثْلَ هَذَا فِي صِحَّتِهِ فِي غَيْرِ إحْدَاثِ وَصِيَّةٍ بِسَفَرٍ، فَهُوَ تَدْبِيرٌ (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَأَمَّا إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ مِنْ سَفَرِي هَذَا، فَوَصِيَّةٌ لَا تَدْبِيرٌ (التَّوْضِيحُ) ، وَإِنَّمَا كَانَتْ وَصِيَّةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ إنْ لَمْ يَمُتْ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ، فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً صَارِفَةً عَنْ التَّدْبِيرِ إذْ التَّدْبِيرُ لَا رُجُوعَ فِيهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، لَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: أَنَّ ذَلِكَ تَدْبِيرًا. اهـ. نَقَلَ مَا قَبْلَهُ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي لِيَوْمٍ أَوْ لِشَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَيَلْحَقُهُ الدَّيْنُ قَالُوا: وَهَذَا وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ التَّدْبِيرَ بِكَوْنِهِ لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلَى الْمَوْتِ قَرِينَةٌ فِي إرَادَةِ الْوَصِيَّةِ. اهـ. وَقَالَ قَبْلَهُ أَيْضًا: لَمَّا ذَكَرَ صِيَغَ التَّدْبِيرِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا نَصُّهُ نَعَمْ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ الصِّيَغِ إلَى الْوَصِيَّةِ بِالْقَرِينَةِ كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي مَا لَمْ أُغَيِّرْ ذَلِكَ وَأَرْجِعْ عَنْهُ، أَوْ أَفْسَخْهُ، كَمَا أَنَّ صَرِيحَ الْوَصِيَّةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّدْبِيرِ انْتَقَلَ إلَى حُكْمِهِ، كَقَوْلِهِ إذَا مِتُّ فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ، لَا يُغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ أَوْ لَا مَرْجِعَ لِي فِيهِ، فَهَذَا لَهُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهِ الْعِتْقِ الْعِتْقُ بِالْوَصِيَّةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَالْوَصَاةُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ الْوَصِيَّةُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ: وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: إنْ قَدَّرَ اللَّهُ بِمَوْتِي فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ أَوْ أَعْتِقُوهُ أَوْ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي أَوْ سَفَرِي هَذَا، أَوْ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَنَحْوُهُ الْوَجْهُ الثَّالِثُ: الْعِتْقُ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ يُعْطِيهِ الْعَبْدُ مَوْقُوفًا عِتْقُهُ عَلَى أَدَائِهِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ النَّاظِمُ فِي الْبَيْتِ الثَّالِثِ: وَالْعِتْقُ بِالْمَالِ هُوَ الْمُكَاتَبَةُ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : سُمِّيَتْ كِتَابَةً مَصْدَرُ كَتَبَ؛ لِأَنَّهُ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ لِمَوْلَاهُ ثَمَنُهُ، وَيَكْتُبُ مَوْلَاهُ عَلَيْهِ الْعِتْقَ، ثُمَّ قَالَ: وَخُصَّ الْعَبْدُ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمُكَاتَبَةِ مِنْ السَّيِّدِ، وَهُوَ الَّذِي يُكَاتِبُ عَبْدَهُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الْعِتْقُ النَّاجِزُ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْبَتَاتِ كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ (ابْنُ الْحَاجِبِ) الصِّيغَةُ الصَّرِيحُ كَالتَّحْرِيرِ وَالْإِعْتَاقِ وَفَكِّ الرَّقَبَةِ، (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ إرَادَةِ الْعِتْقِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ عَجِبَ مِنْ عَمَلِ عَبْدِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ أَوْ قَالَ لَهُ: تَعَالَ يَا حُرُّ وَلَمْ يُرِدْ الْحُرِّيَّةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّك تَعْصِينِي، فَأَنْتَ فِي مَعْصِيَتِك إيَّايَ كَالْحُرِّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفُتْيَا، وَلَا فِي الْقَضَاءِ. اهـ. ثُمَّ أَخْبَرَ الْبَيْتُ الثَّانِي أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى وَجْهِ التَّدْبِيرِ أَوْ التَّبْتِيلِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ الْمُعَبِّرُ عَنْهُ الْبَيْتُ الْأَوَّلُ بِالْبَتَاتِ، ثُمَّ نَدِمَ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ

стр. 527

فِي ذَلِكَ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ، وَمَا عَقَدَهُ فِيهِ لَازِمٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِتْقِ عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ حَتَّى لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ، وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا نَقَلَهُ السَّبْتَانِيُّ فِي شَرْحِ التِّلْمِسَانِيَّة وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي وَصَايَا الْمُقَدِّمَاتِ الْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ عِدَةٌ وَلِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا إنْ شَاءَ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ، وَقَالَ فِي الْمُدَبَّرِ: مِنْهَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ التَّدْبِيرَ عِتْقٌ أَوَجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِعَبْدِهِ إلَى أَجَلٍ آتٍ لَا مَحَالَةَ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ بِقَوْلٍ وَلَا بِفِعْلٍ كَالْعِتْقِ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَاحْتِمَالُ الثُّلُثِ لَهُ بِعَقْدِ السَّيِّدِ الْعِتْقُ لَهُ، كَمَا يَقَعُ عَلَى الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ لَمْ يَعْقِدْ السَّيِّدُ لَهُ عَقْدَ عِتْقٍ فِي حَيَاتِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَالْعِتْقُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ الْمُوصَى إلَيْهِ، فَهُوَ كَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ فُلَانًا أَوْ يَهَبُهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا شَاءَ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ مَا لَمْ يَعْقِدْ الْوَكِيلُ مَا أَمَرَ بِهِ. اهـ. وَقَوْلُهُ: وَالْعِتْقُ بِالْمَالِ هُوَ الْمُكَاتَبَةُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمَالَهُ بِالْجَبْرِ مِنْ مُطَالَبَهْ، فَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يُجْبِرَ سَيِّدَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا تَصِحُّ بِرِضَاهُمَا مَعًا فَمَا نَافِيَةٌ، وَضَمِيرُ لَهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمَا بِاللُّزُومِ، وَإِذًا الْعِتْقُ يَسْتَلْزِمُ مُعْتَقًا وَمُعْتِقًا، وَمِنْ: زَائِدَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ وَمُطَالَبَهْ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَهُ وَبِالْجَبْرِ يَتَعَلَّقُ بِمُطَالَبَهْ أَيْ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ مُطَالَبَةُ الْآخَرِ بِالْجَبْرِ عَلَى الْكِتَابَةِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى السَّيِّدِ، فَلَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ. وَبَعَّدَ كَوْنَهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَى السَّيِّدِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ: مُبَاحَةٌ حَكَاهُ ابْنُ الْجَلَّابِ عَنْ مَالِكٍ، وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَى قَوْلِ الظَّاهِرِيَّةِ بِإِيجَابِهَا لِلْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] وَقَوْلُهُ: وَلَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَيْهَا عَلَى الْأَصَحِّ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَمُقَابِلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْبَغَ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ وَتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ. وَمُعْتِقٌ لِلْجُزْءِ مِنْ عَبْدٍ لَهُ ... مُطَالَبٌ بِالْحُكْمِ أَنْ يُكَمِّلَهُ وَحَظُّ مَنْ شَارَكَهُ يُقَوَّمُ ... عَلَيْهِ فِي الْيُسْرِ وَعِتْقًا يَلْزَمُ اشْتَمَلَ الْبَيْتُ الْأَوَّلُ: عَلَى مَنْ لَهُ عَبْدٌ يَمْلِكُ جَمِيعَهُ فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ كَثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ، وَكَذَا إنْ أَعْتَقَ عُضْوًا مِنْهُ كَيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ، فَإِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي لِبَاقِيهِ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ، فَالْجُزْءُ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ ظَاهِرٌ فِي الْجُزْءِ الْمُشَاعِ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَلَا يَبْعُدُ شُمُولُهُ لِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، وَهَلْ تَتَوَقَّفُ السِّرَايَةُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ؟ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ النَّاظِمِ أَوْ لَا تَتَوَقَّفُ، وَيَكُونُ جَمِيعُهُ حُرًّا بِنَفْسِ عِتْقِ الْجُزْءِ قَوْلَانِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَمَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا أَوْ عُضْوًا مِنْ عَبْدِهِ سَرَى وَفِي وُقُوفِ الْعِتْقِ عَلَى الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ (التَّوْضِيحُ) ، قَوْلُهُ: سَرَى عِتْقٌ عَلَيْهِ جَمِيعِهِ، وَالرِّوَايَةُ بِوُقُوفِ السِّرَايَةِ عَلَى الْحُكْمِ. قَالَ: اللَّخْمِيُّ هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى نَقَلَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، ثُمَّ بَحَثَ فِي التَّوْضِيحِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِتَوَقُّفِ السِّرَايَةِ عَلَى الْحُكْمِ لَا سِرَايَةَ، وَأَجَابَ بِأَنَّ السِّرَايَةَ حَاصِلَةٌ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ عَدَمُ افْتِقَارِهَا لِلْحُكْمِ اُنْظُرْهُ إنْ شِئْت، وَاشْتَمَلَ الْبَيْتُ الثَّانِي عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ يَمْلِكُ جُزْءًا مِنْ عَبْدٍ كَنِصْفٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَأَعْتَقَ جُزْأَهُ الَّذِي يَمْلِكُ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ

стр. 528

نَصِيبُ شَرِيكِهِ يَدْفَعُ قِيمَةَ ذَلِكَ النَّصِيبِ لِلشَّرِيكِ، وَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ وَلِتَقْوِيمِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ شُرُوطٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا، وَعَلَيْهِ نَبَّهَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: فِي الْيُسْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ مِنْ الشُّرُوطِ الْآتِيَةِ وَيُسْرُهُ بِأَنْ تَفْضُلَ لَهُ الْقِيمَةُ عَنْ قُوتِهِ الْأَيَّامَ وَكِسْوَةِ ظَهْرٍ كَالْمَدِينِ، وَيُبَاعُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلُهُ وَشَوَارِبِيَّتُهُ، وَالْمَرِيضُ فَقِيرٌ إلَّا فِي الثُّلُثِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِالْبَعْضِ سَرَى الْعِتْقُ فِي ذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ مَعَ كَوْنِهِ مُوسِرًا أَنْ يَدْفَعَ الْقِيمَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَلَا يُعْتَقُ إلَّا بَعْدَ التَّقْوِيمِ وَدَفْعِ الْقِيمَةِ عَلَى أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ عِتْقُ الْجُزْءِ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِسَبَبِهِ فَلَوْ وَرِثَ جُزْءًا مِنْ قَرِيبِهِ لَمْ يَسْرِ، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ سَرَى. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُبْتَدِي لِتَبْعِيضِ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا لَمْ يُقَوَّمْ، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانُوا جَمَاعَةً، فَالتَّقْوِيمُ عَلَى الْأَوَّلِ، الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ مُسْلِمًا أَوْ الْعَبْدُ مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ، فَلَا تَقْوِيمَ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ ذَكَرهَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ، فَرَاجِعْهَا فِي التَّوْضِيحِ إنْ شِئْتَ. (فَرْعٌ) قَدْ يَجْتَمِعُ الْمَسْأَلَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ فِي الْبَيْتَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَنْ لَهُ نِصْفُ عَبْدٍ، فَأَعْتَقَ رُبْعَهُ، فَيُكَمَّلُ عَلَيْهِ الرُّبْعُ الْآخَرُ، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ النِّصْفُ الَّذِي لِشَرِيكِهِ. وَعِتْقُ مَنْ سَيِّدُهُ يُمَثِّلُ ... بِهِ إذَا مَا شَانَهُ يُبَتِّلُ أَشَارَ بِالْبَيْتِ لِمَسْأَلَةِ قَوْلِهِ فِي الرِّسَالَةِ: وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ مُثْلَةً بَيِّنَةً مِنْ قَطْعِ جَارِحَةٍ وَنَحْوِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ مَثَّلَ بِرَقِيقَةٍ عَمْدًا مُثْلَةَ شَيْنٍ عَتَقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَطْعُ الْأُنْمُلَةِ وَالظُّفْرِ، وَشَقُّ الْأُذُنِ شَيْنٌ، وَوَسْمُ وَجْهِهِ بِالنَّارِ شَيْنٌ، وَفِي ذِرَاعِهِ وَشِبْهِهِ لَيْسَ بِشَيْنٍ، وَفِي وَشْمِ وَجْهِهِ بِغَيْرِ النَّارِ قَوْلَانِ، وَقَلْعُ الْأَسْنَانِ، وَسَحْلُهَا أَيْ بَرْدُهَا شَيْنٌ، وَفِي السِّنِّ الْوَاحِدَةِ قَوْلَانِ، وَحَلْقُ رَأْسِ الْأَمَةِ، وَلِحْيَةِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِشَيْنٍ إلَّا فِي التَّاجِرِ الْمُحْتَرَمِ وَالْأَمَةِ الرَّفِيعَةِ، اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ. (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ سَحْنُونٌ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْت إنْ أَحْرَقَ رَجُلٌ جَسَدَ عَبْدِهِ بِالنَّارِ فَقَالَ: هَذِهِ مُثْلَةٌ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعْذِيبِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ كَوَاهُ عَلَى وَجْهِ الْعِلَاجِ لِلْعَبْدِ، فَلَا عِتْقَ لَهُ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ كَوَتْ فَرْجَ جَارِيَتِهَا بِالنَّارِ؟ فَقَالَ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْذِيبِ لَهَا، فَانْتَشَرَ وَسَاءَ مَنْظَرُهُ أُعْتِقَتْ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَيْبَسْ، وَيَقْبُحْ مَنْظَرُهُ فَلَا عِتْقَ لَهَا. (قَالَ سَحْنُونٌ) : وَمَنْ مَثَّلَ بِأُمِّ وَلَدِهِ أُعْتِقَتْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَثَّلَ بِعَبْدٍ لِأُمِّ وَلَدِهِ أَوْ مَثَّلَ بِعَبْدِ عَبْدِهِ أُعْتِقَا عَلَيْهِ. قُلْت لَهُ: فَإِنْ مَثَّلَ بِمُكَاتَبِهِ، مِثْلُ أَنْ يَجْرَحَهُ أَوْ يَقْطَعَ يَدَهُ قَالَ: يُنْظَرُ إلَى جُرْحِهِ أَنْ لَوْ جَرَحَهُ أَجْنَبِيٌّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْجُرْحِ وَالْكِتَابَةِ سَوَاءً أُعْتِقَ الْعَبْدُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْكِتَابَةِ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ الْفَضْلُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْكِتَابَةِ أُعْتِقَ الْعَبْدُ. (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِ مُكَاتَبِهِ كَانَ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُثْلَةً فَاسِدَةً يَضْمَنُهُ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ. (قَالَ مَالِكٌ) : وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ أُعْتِقَ عَلَيْهِ (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِ ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ أُعْتِقَ وَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ لِوَلَدِهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، وَهُوَ مَلِيٌّ جَازَ عِتْقُهُ فِيهِمْ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُمْ، وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِ امْرَأَتِهِ عُوقِبَ وَضَمِنَ مَا نَقَصَ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُثْلَةً فَاسِدَةً، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُمْ، وَيُعْتَقُونَ عَلَيْهِ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعَمْدِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْعِقَابِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ، وَمَا قُصِدَ بِهِ الْمُدَاوَاةُ وَالْعِلَاجُ أَوْ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَلَيْسَ بِصَرِيحِهِ مِثْلُ أَنْ يَحْذِفَ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ، فَيَبِينَ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُضْوٌ، فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ. (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ مَالِكٌ وَمَا أَصَابَ بِهِ الْمَرْءَ عَبْدَهُ عَلَى غَيْرِ تَعَمُّدٍ مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ فَيَفْقَأُ عَيْنَهُ أَوْ يَكْسِرَ يَدَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْقَطْعِ وَالشَّلَلِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ. اهـ. وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَ الَّذِي مَثَّلَ بِعَبْدِهِ رَشِيدًا لَا حَجْرَ عَلَيْهِ، أَمَّا إنْ كَانَ سَفِيهًا، فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي مُثْلَةِ السَّفِيهِ قَوْلَانِ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: عَلَيْهِ عِتْقٌ عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ وَأَصْبَغَ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَانْظُرْ ابْنَ الْحَاجِبِ وَالتَّوْضِيحَ عَلَى مُثْلَةِ الزَّوْجَةِ لِعَبْدِهَا وَالْعَبْدِ وَالْمِدْيَانِ بِعَبْدَيْهِمَا وَقَوْلُ النَّاظِمِ عِتْقُ هُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَمَنْ: وَاقِعَةٌ

стр. 529

عَلَى الْعَبْدِ، وَيُمَثِّلُ بِتَشْدِيدِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنْ الْمُثْلَةِ، وَهِيَ الْعُقُوبَةُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَا بَعْدَ إذَا زَائِدَةٌ وَيُبَتِّلُ: خَبَرُ عِتْقُ. (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) : لَمْ يُقَيِّدْ النَّاظِمُ الْمُمَثِّلَ بِعَبْدِهِ بِكَوْنِهِ رَشِيدًا مُتَعَمِّدًا، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ. (الثَّانِي) : قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ خَوَاصُّ الْعِتْقِ السِّرَايَةُ وَالْعِتْقُ بِالْقَرَابَةِ وَالْمُثْلَةُ، وَالْحَجْرُ عَلَى الْمَرِيضِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ وَالْقُرْعَةُ وَالْوَلَاءُ (التَّوْضِيحُ) الْخَاصَّةُ الْوَصْفُ الْمُخْتَصُّ بِالْمَاهِيَّةِ. اهـ. فَالسِّرَايَةُ فِيمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ أَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا لَا يَمْلِكُ مِنْ الْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَتَقَدَّمَ هَذَانِ فِي الْبَيْتَيْنِ قَبْل هَذَا الْعِتْقُ بِالْقَرَابَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ النَّاظِمُ، وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ، وَمَنْ مَلَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَ وَلَدِهِ أَوْ إحْدَى بَنَاتِهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ أَوْ أَخَاهُ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ أَوْ لَهُمَا: عَتَقَ عَلَيْهِ وَالْمُثْلَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْقُرْعَةُ، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَيْسَ الْحَجْرُ عَلَى الْمَرِيضِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ خَاصَّةً بِالْعِتْقِ، بَلْ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْقُرْعَةُ تَأْتِي فِي قِسْمَةِ الْمُشْتَرَكِ، وَالْقِسْمَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ. اهـ. وَالْقُرْعَةُ فِي الْعِتْقِ هِيَ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا دَفْعَةً فِي مَرَضِهِ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ ثُلُثِهِمْ أَوْ أَوْصَى بِعَدَدٍ سَمَّاهُ وَعَبِيدُهُ أَكْثَرُ وَالْوَلَاءُ لَا إشْكَالَ إنَّهُ مِنْ خَوَاصِّ الْعِتْقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) رَوَى سَحْنُونٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَطْلُقُ بِمُثْلَةِ الْعِتْقِ طَلْقَةً بَائِنَةً مَخَافَةَ أَنْ يَعُودَ، وَقِيلَ ثَلَاثًا، وَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ. وَمَنْ بِمَالٍ عِتْقُهُ مُنَجَّمِ ... يَكُونُ عَبْدًا مَعْ بَقَاءِ دِرْهَمِ يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ أَيْ يَدْفَعُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَهُوَ الْمُكَاتَبُ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ حُرًّا حَتَّى يَدْفَعَ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ قِنًّا، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ حَتَّى يَدْفَعَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ (، وَقَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ. اهـ. وَمَنْ: مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وَصِلَتُهُ عِتْقُهُ بِمَالٍ، وَمُنَجَّمِ: صِفَةُ مَالٍ، وَجُمْلَةُ يَكُونُ عَبْدًا خَبَرُ مَنْ. وَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ فِي مَالٍ حَصَلْ ... الْخُلْفُ فِي جِنْسٍ وَقَدْرٍ وَأَجَلْ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُكَاتَبُ وَسَيِّدُهُ، فَادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنَّهُ دَفَعَ لِلسَّيِّدِ الْكِتَابَةَ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْكِتَابَةِ وَعَدَمِهَا، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، كَمَا يَأْتِي، وَلَيْسَ هَذَا الْفَرْعُ الثَّانِي فِي كَلَامِ النَّاظِمِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَالِ الْمُكَاتَبِ بِهِ أَوْ فِي جِنْسِهِ أَوْ فِي الْأَجَلِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ الثَّلَاثَةَ أَوْجُهٍ فِي وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ، وَفِي قَدْرِهِ، وَفِي حُلُولِهِ، وَفِي عَدَمِ حُلُولِهِ، هَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ أَوْ قَوْلُ الْعَبْدِ؟ (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَإِذَا تَنَازَعَا فِي الْكِتَابَةِ وَالْأَدَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ (التَّوْضِيحُ) يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ السَّيِّدَ كَاتَبَهُ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ أَوْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ دَفْعَ الْكِتَابَةِ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكِتَابَةِ وَالْأَدَاءِ

стр. 530

وَلَا يَمِينَ عَلَى السَّيِّد فِي الْأُولَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُكَاتَبُ، وَعَتَقَ. اهـ. وَإِنَّمَا لَمْ يَحْلِفْ السَّيِّدُ فِي إنْكَارِهِ الْكِتَابَةَ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَيَثْبُتُ الْأَدَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِنْ عَتَقَ بِهِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِهَا أَوْ جِنْسِهَا أَوْ أَجَلِهَا، فَفِي قَبُولِ قَوْلِ الْمُكَاتَبِ أَوْ السَّيِّدِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. (التَّوْضِيحُ) ، أَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقَدْرِ، فَكَمَا إذَا قَالَ السَّيِّدُ: بِأَلْفٍ وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بِتِسْعِمِائَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الْجِنْسِ، فَكَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بِثِيَابٍ وَقَالَ الْآخَرُ: بِخِلَافِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الْأَجَلِ فَكَلَامُهُ مُحْتَمَلٌ؛ لَأَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ أَوْ فِي قَدْرِهِ أَوْ فِي حُلُولِهِ. اهـ. بِاخْتِصَارٍ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ: وَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ فِي الْكِتَابَةِ وَالْأَدَاءِ لَا الْقَدْرِ وَالْأَجَلِ وَالْجِنْسِ، وَقَوْلُ النَّاظِمِ فِي مَالٍ حَصَلْ، حَصَلْ صِفَةُ مَالٍ أَيْ حَصَلَ بِيَدِ السَّيِّدِ لِقَبْضِهِ إيَّاهُ بِزَعْمِ الْعَبْدِ. وَحُكْمُهُ كَالْحُرِّ فِي التَّصَرُّفِ ... وَمَنْعُ رَهْنٍ وَضَمَانٍ اُقْتُفِيَ اشْتَمَلَ الْبَيْتُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: (الْأُولَى) : أَنَّ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ كَالْحُرِّ قَالَ الشَّارِحُ ﵀: أَقُولُ: وَالْمُكَاتَبُ، وَإِنْ كَانَتْ تَصَرُّفَاتُهُ كَالْحُرِّ، فَهُوَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ كَالْعَبْدِ، فَفِي الْمُقَرَّبِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ فِي شَهَادَتِهِ، وَفِي حَدٍّ إنْ أَصَابَهُ، وَلَا يَرِثُ الْمُكَاتَبُ وَلَدَهُ الْحُرَّ إنْ كَانَ لَهُ، وَلَا غَيْرَهُ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، وَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِهِ وَسَيِّدُهُ أَوْلَى بِمِيرَاثِهِ. اهـ. (ابْنُ عَرَفَةَ) تَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ كَالْحُرِّ إلَّا فِي إخْرَاجِ مَالٍ لَا عَنْ عِوَضٍ (وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) ، وَلِلْمُكَاتَبِ بِلَا إذْنٍ بَيْعٌ وَشِرَاءٌ وَمُشَارَكَةٌ وَمُقَارَضَةٌ وَمُكَاتَبَةٌ وَاسْتِخْلَافُ عَاقِدٍ لِأَمَتِهِ وَإِسْلَامِهَا أَوْ فِدَائِهَا، إنْ جُنَّتْ بِالنَّظَرِ، وَسَفَرٌ لَا يَحِلُّ فِيهِ نَجْمٌ، وَإِقْرَارٌ فِي رَقَبَتِهِ وَإِسْقَاطُ شُفْعَتِهِ لَا عِتْقَ، وَإِنْ قَرِيبًا وَهِبَةٌ وَصَدَقَةٌ وَتَزْوِيجٌ وَإِقْرَارٌ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ وَسَفَرٌ بَعِيدٍ، إلَّا بِإِذْنٍ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي الْبَيْتِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَهْنٌ أَوْ ضَمَانٌ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَهُ، وَيَرْتَهِنَ الرَّهْنَ مِنْ غَيْرِ مُكَاتَبَةٍ، فَيَكُونَ كَالْحَمَالَةِ وَالْحَمَالَةُ لَا تَجُوزُ فِي الْكِتَابَةِ (ابْنُ وَهْبٍ) قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ تَحَمَّلَ لَهُ رَجُلٌ بِالْكِتَابَةِ إنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ عَجَزَ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْكِتَابَةِ؛ وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فَيَتَحَمَّلُ السَّيِّدُ بِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُخَلِّصْ السَّيِّدُ الْغُرَمَاءَ بِالْكِتَابَةِ. وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، كَانَتْ دُيُونُ النَّاسِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يَدْخُلُونَ مَعَ سَيِّدِهِ فِي رَقَبَتِهِ انْتَهَى. ابْنُ شَاسٍ مِنْ شُرُوطِ الْمَضْمُونِ أَنْ يَكُونَ حَقًّا ثَابِتًا مُسْتَقِرًّا أَوْ مَآلُهُ إلَى ذَلِكَ، فَلَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ بِالْكِتَابَةِ إذْ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا تَئُولُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا عَجَزَ رُقَّ؛ وَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ ا. هـ. (الْمَوَّاقُ) قِيلَ: ثَمَانِيَةٌ لَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ بِهَا الْكِتَابَةُ وَالصَّرْفُ وَالْقِصَاصُ وَالْحُدُودُ وَالتَّعْزِيرُ وَالْبَيْعُ بِعَيْنِهِ وَعَمَلُ أَجِيرٍ يَعْمَلُ بِنَفَقَتِهِ وَحَمُولَةُ دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا. اهـ. (قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ) : وَقَدْ كُنْت قُلْت فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ: وَامْنَعْ ضَمَانًا فِي ثَمَانٍ فَاعْلَمْ ... حَدٌّ وَتَعْزِيرٌ قِصَاصٌ فِي دَمِ صَرْفٌ كِتَابَةٌ وَفِيمَا عَيَّنَا ... مَبِيعًا أَوْ حَمْلًا وَصُنْعًا فَافْطِنَا. [بَابُ فِي الرُّشْدِ وَالْأَوْصِيَاءِ وَالْحَجْرِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ وَالدَّيْنِ وَالْفَلَسِ] ِ جَمَعَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَيْنَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ ثُمَّ فَصَلَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ بِالْفُصُولِ وَبَدَأَ بِبَيَانِ الرُّشْدِ فَقَالَ الرُّشْدُ حِفْظُ الْمَالِ مَعَ حُسْنِ النَّظَرْ ... وَبَعْضُهُمْ لَهُ الصَّلَاحُ مُعْتَبَرْ يَعْنِي أَنَّ حَقِيقَةَ الرُّشْدِ هِيَ حِفْظُ الْمَالِ مَعَ حُسْنِ النَّظَرِ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْلُ
следующие страницы →