Полный текст (643 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الثَّانِي: أَنْ يَقُولُوا أَقَرَّ بِذَلِكَ عِنْدَنَا الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولُوا أَشْهَدَنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ عَلَى شَهَادَتِهِمَا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَذَا نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي، وَأَشَارَ النَّاظِمُ لِلْوَجْهِ الثَّانِي مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ التَّوْلِيجُ بِقَوْلِهِ إمَّا بِالْإِقْرَارِ أَيْ مِنْ الْمُشْتَرِي وَأَشَارَ لِلْوَجْهِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ أَوْ الْإِشْهَادِ لَهُمْ بِهِ وَاللَّامُ فِي لَهُمْ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ عَلَيْهِمْ وَضَمِيرُ بِهِ لِلتَّوْلِيجِ وَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِهِ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ لَفْظُ الْإِشْهَادِ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَلَامُ لَهُمْ زَائِدَةٌ يَعْنِي أَوْ شَهَادَةُ الشُّهُودِ بِالتَّوْلِيجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ:
وَمَعْ ثُبُوتِ مَيْلِ بَائِعٍ لِمَنْ ... مِنْهُ اشْتَرَى يَحْلِفُ فِي دَفْعِ الثَّمَنْ
يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْبَيْعِ تَوْلِيجًا وَثَبَتَ مَيْلُ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْيَمِينُ أَنَّهُ اشْتَرَى شِرَاءً صَحِيحًا وَدَفَعَ الثَّمَنَ فَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَبْطُلْ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ تَوْلِيجٌ أَوْ مُحَابَاةٌ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ وَلَا يُقَالُ إنَّ تَسْمِيَةَ مَا دُفِعَ فِيهِ ثَمَنٌ تَوْلِيجًا هُوَ مِنْ إطْلَاقِ التَّوْلِيجِ عَلَى الْمُحَابَاةِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الثَّمَنِ إنَّمَا هُوَ بِزَعْمِ الْمُشْتَرِي فَقَطْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْمِدْيَانِ]
ِ
وَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إمَّا مُوسِرُ ... فَمَطْلُهُ ظُلْمٌ وَلَا يُؤَخَّرُ
أَوْ مُعْسِرٌ قَضَاؤُهُ إضْرَارُ ... فَيَنْبَغِي فِي شَأْنِهِ الْإِنْظَارُ
أَوْ مُعْدِمٌ وَقَدْ أَبَانَ مَعْذِرَهْ ... فَوَاجِبٌ إنْظَارُهُ لِمَيْسَرَهْ
أَوْ مَنْ عَلَى الْأَمْوَالِ قَدْ تَقَعَّدَا ... فَالضَّرْبُ وَالسِّجْنُ عَلَيْهِ سَرْمَدَا
وَلَا الْتِفَاتَ عِنْدَ ذَا لِلْبَيِّنَهْ ... لِمَا ادَّعَى مِنْ عُدُمٍ وَبَيَّنَهْ
وَإِنْ أَتَى بِضَامِنٍ فَبِالْأَدَا ... حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ قَعَدَا
قَسَّمَ النَّاظِمُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ الْغَرِيمَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ الْمُوسِرُ الْغَنِيُّ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ بِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ لِأَنَّ مَطْلَهُ ظُلْمٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» الثَّانِي: الْمُعْسِرُ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْدِمٍ لَكِنْ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الْقَضَاءِ أَضْرَارٌ كَمَنْ عِنْدَهُ أُصُولٌ أَوْ عُرُوضٌ وَلَا نَاضَّ عِنْدَهُ يُؤَدِّي مِنْهُ الدَّيْنَ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ وَإِنْظَارُهُ إلَى تَمَكُّنِهِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُ لِقَوْلِ مَوْلَانَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا وَوَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» وَمَطْلُهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا غَيْرَ مُقَصِّرٍ وَلَا مُتَرَاخٍ فِي قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ لَا يَضُرُّهُ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ كَانَ الشُّيُوخُ بِقُرْطُبَةَ يُفْتُونَ بِتَأْخِيرِهِ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ، وَلَا يُوَكَّلُونَ عَلَيْهِ فِي بَيْعِ عُرُوضِهِ وَعَقَارِهِ فِي الْحَالِ وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلُّ الرِّوَايَاتُ. اهـ.
الثَّالِثُ: الْمُعْسِرُ الْمُعْدِمُ وَعَدَمُهُ ثَابِتٌ وَعَلَيْهِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ أَبَانَ مَعْذِرَهْ وَتَأْخِيرُهُ إلَى أَنْ يُوسِرَ وَاجِبٌ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، الرَّابِعُ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَتَقَعَّدَ عَلَيْهَا وَادَّعَى الْعُدْمَ وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ إثْرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَالْمُنَاسِبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَأْخِيرُ هَذَا الْقِسْمِ إلَى أَنْ يُذْكَرَ مَعَ أَقْسَامِ الْمِدْيَانِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ، وَلِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَعَادَ النَّاظِمُ ذِكْرَهُ آخِرَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ حَيْثُ قَالَ:
وَحَبْسُ مَنْ غَابَ عَلَى الْمَالِ إلَى ... أَدَائِهِ أَوْ مَوْتِهِ مُعْتَقَلَا
وَسَيَأْتِي قِسْمٌ سَادِسٌ: وَهُوَ الضَّعِيفُ التَّجْرِ الْقَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إذَا تَبَيَّنَ كَذِبُهُ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى يُؤَدِّيَ أَمْوَالَ النَّاسِ أَوْ يَمُوتَ فِي السِّجْنِ.
وَرَوَى سَحْنُونٌ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِالدِّرَّةِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَلَيْسَ قَوْلُنَا هَذَا بِخِلَافٍ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَضْرِبُ الْإِمَامُ الْخَصْمَ عَلَى اللَّدَدِ وَأَيُّ لَدَدٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا فَالْقَضَاءُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ فِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقْعُدُونَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ وَيَرْضَوْنَ بِالسِّجْنِ وَيَسْتَخِفُّونَهُ لِيَأْكُلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ وَيَسْتَضْمِنُوهَا هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا تَصِحُّ مُخَالَفَتُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
стр. 562
- ﵁ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ. اهـ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ أَيْضًا وَأَمَّا الْمَحْبُوسُ لِتَقَعُّدِهِ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يُنْجِيهِ مِنْ السِّجْنِ وَالضَّرْبِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ إلَّا حَمِيلٌ غَارِمٌ وَهَذَا كُلُّهُ بَيِّنٌ. اهـ. وَإِلَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ هَذَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْبَيْتِ الْأَخِيرِ فَقَوْلُهُ: فَبِالْأَدَا أَيْ إنْ أَتَى بِضَامِنٍ فَيَكُونُ بِالْمَالِ لَا بِالْوَجْهِ.
وَقَوْلُهُ:
حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ قَعَدَا
هُوَ غَايَةٌ لِقَوْلِهِ
فَالضَّرْبُ وَالسِّجْنُ عَلَيْهِ أَبَدًا
وَقَوْلُهُ: وَلَا الْتِفَاتَ عِنْدَ ذَا أَيْ عِنْدَ تَقَعُّدِهِ عَلَى الْأَمْوَالِ وَيَدَّعِي ذَهَابَهَا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ سُرِقَ مَالُهُ وَلَا احْتَرَقَ بَيْتُهُ وَلَا نَزَلَتْ بِهِ مُصِيبَةٌ فَإِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِالْعَدَمِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَمُبَيِّنَةٌ صِفَةٌ لِبَيِّنَةٍ وَلِمَا ادَّعَى يَتَعَلَّقُ بِمُبَيِّنَةٍ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَنْ ثَبَتَ فَقْرُهُ وَعُلِمَ بِأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يُسْجَنُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ أَدَبًا لَهُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَلَدُهُ وَمَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ. اهـ نَقَلَهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ.
وَحَيْثُمَا يُجْهَلُ حَالُ مَنْ طُلِبْ ... وَقُصِدَ اخْتِبَارُهُ بِمَا يَجِبْ
فَحَبْسُهُ مِقْدَارَ نِصْفِ شَهْرِ ... إنْ يَكُنْ الدَّيْنُ يَسِيرَ الْقَدْرِ
وَالْحَبْسُ فِي تَوَسُّطٍ شَهْرَانِ ... وَضِعْفُ ذَيْنِ فِي الْخَطِيرِ الشَّانِ
وَحَيْثُ جَاءَ قَبْلُ بِالْحَمِيلِ ... بِالْوَجْهِ مَا لِلسِّجْنِ مِنْ سَبِيلِ
لَمَّا قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْمَدِينِ الَّذِي عُلِمَ حَالُهُ مِنْ كَوْنِهِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا غَيْرَ مُعْدِمٍ أَوْ مُعْدِمًا أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْمَدِينِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ مَلَاؤُهُ مِنْ عَدَمِهِ وَقَسَّمَهُ إلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: مَجْهُولُ الْحَالِ مِنْ غَيْرِ تُهْمَةٍ لَحِقَتْهُ وَبِهِ بَدَأَ فَذَكَرَ أَنَّهُ إذَا قُصِدَ اخْتِبَارُهُ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ وَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُ حَبْسِهِ بِاخْتِلَافِ كَثْرَةِ الدَّيْنِ وَقِلَّتِهِ فَيُحْبَسُ مِقْدَارَ نِصْفِ شَهْرٍ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَسِيرًا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ كَالدُّرَيْهِمَاتِ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ الْمَالَ الْخَطِيرَ جِدًّا فَإِنَّهُ يُحْبَسُ لِلِاخْتِبَارِ شَهْرَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وَإِنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا جِدًّا وَهُوَ الَّذِي كَنَّى عَنْهُ بِالْخَطِيرِ الشَّأْنِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ لِلِاخْتِبَارِ أَيْضًا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنَحْوَهُمَا ضِعْفَ مَا قَبْلُهُ يَلِيهِ هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ الْمَدِينُ الْمَذْكُورُ بِحَمِيلٍ بِوَجْهِهِ فَإِنْ أَتَى بِهِ لَمْ يُسْجَنْ وَاخْتُبِرَ حَالُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَسْجُونٍ فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ مَا يُوجِبُ سَجْنًا سُجِنَ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ فَهُوَ مِمَّنْ يَنْبَغِي إنْظَارُهُ.
فَقَوْلُهُ: وَحَيْثُ جَاءَ قَبْلَ سَجْنِهِ وَلَيْسَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْيِينِ مُدَّةِ حَبْسِهِ أَمْرًا لَازِمًا لَا يُتَعَدَّى بَلْ هُوَ مِمَّا وُكِّلَ لِاجْتِهَادِ الْقَاضِي فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْآجَالِ الْمَوْكُولَةِ لِاجْتِهَادِ الْقُضَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ أَقْسَامِ مَجْهُولِ الْحَالِ مَنْ لَحِقَتْهُ تُهْمَةٌ إمَّا بِكَوْنِهِ أَخْفَى مَالَهُ قَصْدًا لِحِرْمَانِ غُرَمَائِهِ وَإِمَّا بِكَوْنِهِ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَزَعَمَ تَلَفَهَا وَيَأْتِي حُكْمُهُ وَهُوَ السِّجْنُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ
وَالْحَبْسُ لِلْمُلِدِّ وَالْمُتَّهَمِ
الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةَ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَحَبْسُ الْمِدْيَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ أَحَدُهَا: حَبْسُ تَلَوُّمٍ وَاخْتِبَارٍ فِيمَنْ جُهِلَ حَالُهُ، وَالثَّانِي: مَنْ أَلَدَّ وَاتُّهِمَ بِأَنَّهُ أَخْفَى مَالًا وَغَيَّبَهُ.
وَالثَّالِثُ: حَبْسُ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَتَقَعَّدَ عَلَيْهَا وَادَّعَى الْعُدْمَ فَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ سَبَبٌ أَذْهَبَ مَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ فَأَمَّا حَبْسُ التَّلَوُّمِ وَالِاخْتِبَارِ فِي الْمَجْهُولِ الْحَالِ فَبِقَدْرِ مَا يَسْتَوِي أَمْرُهُ وَيُكْشَفُ عَنْ حَالِهِ.
وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّيْنِ فِيمَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَيُحْبَسُ فِي الدُّرَيْهِمَاتِ الْيَسِيرَةِ قَدْرَ نِصْفِ شَهْرٍ وَفِي الْكَثِيرِ مِنْ الْمَالِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَفِي الْوَسَطِ شَهْرَيْنِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْجَنُ عَلَى وَجْهِ اخْتِبَارِ حَالِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ الْحَقِّ الَّذِي يُسْجَنُ مِنْ أَجْلِهِ وَأَمَّا حَبْسُ مَنْ أَلَدَّ وَاتُّهِمَ بِأَنَّهُ أَخْفَى مَالًا وَغَيَّبَهُ فَإِنَّهُ يُسْجَنُ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يُثْبِتَ عُدْمَهُ فَيَحْلِفُ وَيُسَرَّحُ.
قَالَ (الشَّارِحُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَاخْتَصَرْتُ نَقْلَهُ هُنَا قُلْتُ وَكَذَلِكَ فَعَلْنَا نَحْنُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنْ سَأَلَ الْمَحْبُوسُ لِلتَّلَوُّمِ وَالِاخْتِبَارِ أَنْ يُعْطَى حَمِيلًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ وَلَا يُحْبَسُ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُحْبَسُ أَوْ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ إنْ كَانَ بِالْوَجْهِ أَوْ بِالْمَالِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ بِالْوَجْهِ دُونَ الْمَالِ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ يُرِيدُ حَمِيلًا بِإِحْضَارِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجِبُ سِجْنُهُ فِيهَا لِاخْتِبَارِ حَالِهِ فَإِذَا أَحْضَرَهُ عِنْدَمَا بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ وَحُبِسَ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ لَهُ مَالًا حَتَّى يُؤَدِّيَ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ مَالٌ
стр. 563
أُطْلِقَ بَعْدَ الْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ الْحَمِيلُ غَرِمَ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدِيمٌ مِنْ أَجْلِ الْيَمِينِ اللَّازِمَةِ لَهُ. اهـ.
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ الْمَحْبُوسِينَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَالثَّانِي يَأْتِي فِي قَوْلِهِ:
وَالْحَبْسُ لِلْمُلِدِّ وَالْمُتَّهَمِ
الْبَيْتَيْنِ، وَالثَّالِثُ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
أَوْ مَنْ عَلَى الْأَمْوَالِ قَدْ تَقَعَّدَا
الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةَ، وَيَأْتِي زِيَادَةٌ عَلَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ الثَّلَاثَةُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُؤَدِّ مَا عَلَيْهِ قَعَدَا سُجِنَ إلَى أَنْ يَمُوتَ فِي قَوْلِهِ:
وَحَبْسُ مَنْ غَابَ عَلَى الْمَالِ إلَى ... أَدَائِهِ أَوْ مَوْتِهِ مُعْتَقَلَا.
وَسِلْعَةُ الْمِدْيَانِ رَهْنًا تُجْعَلُ ... وَبَيْعُهَا عَلَيْهِ لَا يُعَجَّلُ
وَحَقُّهُ مَعَ ذَاكَ أَنْ يُؤَخَّرَا ... بِحَسَبِ الْمَالِ لِمَا الْقَاضِي يَرَى
أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ إلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ إنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَلَهُ سِلْعَةٌ يُمْكِنُ بَيْعُهَا بِسُرْعَةٍ فَطَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنْ تُبَاعَ وَطَلَبَ صَاحِبُهَا أَنْ لَا تَفُوتَ عَلَيْهِ وَتُوضَعَ رَهْنًا وَيُؤَجَّلَ أَيَّامًا يَنْظُرُ فِي الدَّيْنِ فَقَالَ إنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَجْعَلَ السِّلْعَةَ رَهْنًا وَيُؤَجَّلَ فِي إحْضَارِ الْمَالِ بِقَدْرِ قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ وَمَا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْحُكْمُ وَمَضَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ اهـ.
قَالَ الشَّارِحُ يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ مَا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَسَبِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَةٍ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُنْقَدَ ثَمَنُهَا يُضَيِّقُ فِي اقْتِضَائِهِ عَلَى مُبْتَاعِهَا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ بَائِعُهَا مِنْ الْمُتَرَدِّدِينَ لِجَلْبِ تِلْكَ السِّلْعَةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا إنْ فُسِخَ لِمُبْتَاعِهَا فِي التَّقَاضِي. اهـ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْمِدْيَانِ وَهُوَ الْمُعْسِرُ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْدِمٍ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ:
أَوْ مُعْسِرٌ قَضَاؤُهُ إضْرَارُ ... فَيَنْبَغِي فِي شَأْنِهِ الْإِنْظَارُ
وَقَوْلُهُ هُنَا: مَعَ ذَاكَ، أَيْ: مَعَ جَعْلِ سِلْعَتِهِ رَهْنًا، وَبِحَسَبِ، وَلِمَا يَتَعَلَّقَانِ بِيُؤَخَّرَا، وَجُمْلَةُ يَرَى صِلَةُ مَا.
وَالْحَبْسُ لِلْمُلِدِّ وَالْمُتَّهَمِ ... إلَى الْأَدَاءِ أَوْ ثُبُوتِ الْعَدَمِ
وَلَيْسَ يُنْجِيهِ مِنْ اعْتِقَالِ ... إلَّا حَمِيلٌ غَارِمٌ لِلْمَالِ
وَحَبْسُ مَنْ غَابَ عَلَى الْمَالِ إلَى ... أَدَائِهِ أَوْ مَوْتِهِ مُعْتَقَلَا
تَقَدَّمَ أَنَّ حَبْسَ الْمِدْيَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: مَا ذُكِرَ هُنَا وَهُوَ حَبْسُ مَنْ أَلَدَّ وَاتُّهِمَ بِأَنَّهُ أَخْفَى مَالًا وَغَيَّبَهُ وَتَقَدَّمَ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ مِثْلُ مَا ذُكِرَ هُنَا، وَأَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يَثْبُتَ عَدَمُهُ فَيَحْلِفُ وَيُسَرَّحُ زَادَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَإِنْ سَأَلَ الْمَحْبُوسُ لِلَّدَدِ وَالتُّهْمَةِ أَنْ يُعْطِيَ حَمِيلًا بِوَجْهِهِ إلَى أَنْ يَثْبُتَ عُدْمُهُ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّضْيِيقَ بِالسِّجْنِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ لَهُ رَجَاءَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يُسْجَنَ أَعْطَى حَمِيلًا غَارِمًا لَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْغُرْمَ إثْبَاتُهُ لِلْغَرِيمِ الْمَطْلُوبِ الْعُدْمَ. اهـ. وَقَوْلُ النَّاظِمِ: وَالْمُتَّهَمِ؛ قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ الْعَطْفِ أَنَّ الْمُتَّهَمَ غَيْرُ الْمُلِدِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُصَرِّحْ النَّاظِمُ بِوُجُوبِ حَلِفِهِ إذَا ثَبَتَ عُدْمُهُ وَكَأَنَّهُ رَآهُ ظَاهِرًا.
وَأَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ إلَى تَمَامِ حُكْمِ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَتَقَعَّدَ عَلَيْهَا وَادَّعَى الْعُدْمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ حَيْثُ قَالَ:
وَمَنْ عَلَى الْأَمْوَالِ قَدْ تَقَعَّدَا
الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةَ وَزَادَ أَنَّهُ يُطَالُ سَجْنُهُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ أَوْ يَمُوتَ فِي السِّجْنِ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ:
حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ قَعَدَا
إذْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ يَمُوتُ فِي السِّجْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَالْبَيْتُ تَكْرَارٌ إلَّا أَنَّهُ قَصَدَ تَمَامَ أَقْسَامِ حَبْسِ الْمِدْيَانِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ.
وَغَيْرُ أَهْلِ الْوَفْرِ مَهْمَا قَصَدَا ... تَأْخِيرَهُ وَبِالْقَضَاءِ وَعَدَا
مُكِّنَ مِنْ ذَاكَ بِضَامِنٍ وَإِنْ ... لَمْ يَأْتِ بِالضَّامِنِ بِالْمَالِ سُجِنْ
وَمَنْ لَهُ وَفْرٌ فَلَيْسَ يُضْمَنُ ... فَإِنْ قَضَى الْحَقَّ وَإِلَّا يُسْجَنُ
وَأَوْجَبَ ابْنُ زَرْبٍ أَنْ يُحَلَّفَا ... مَنْ كَانَ بِاكْتِسَابِ عَيْنٍ عُرِفَا
стр. 564
(الْجَوْهَرِيُّ) الْوَفْرُ الْمَالُ الْكَثِيرُ. اهـ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا مُطْلَقُ الْمَالِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ كَثِيرًا وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمِدْيَانَ إذَا وَعَدَ بِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَطَلَبَ التَّأْخِيرَ فَإِنَّهُ يُؤَخَّرُ إنْ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ وَإِنْ لَمْ يُعْطِ حَمِيلًا فَإِنَّهُ يُسْجَنُ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوَفْرِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَفْرِ وَالْمَالِ فَلَا يُقْبَلْ مِنْهُ ضَامِنٌ بَلْ إمَّا أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يُسْجَنَ وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِاكْتِسَابِ الْمَالِ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ فِي الْوَقْتِ مَالٌ وَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَمِيلُ أَوْ الرَّهْنُ وَعَلَى قَوْلِهِ الْعَمَلُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ
стр. 565
وَأَمَّا إذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَسَأَلَ أَنْ يُؤَخَّرَ وَوَعَدَ بِالْقَضَاءِ فَلْيُؤَخِّرْهُ الْإِمَامُ حَسْبَمَا يَرْجُو لَهُ وَلَا يَعْجَلْ عَلَيْهِ بِالتَّفْلِيسِ وَبَيْعِ عُرُوضِهِ عَلَيْهِ فِي الْحِينِ وَإِذَا أُخِّرَ الْغَرِيمُ بِمَا حَلَّ عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْهُ حَمِيلٌ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَمِيلٌ سُجِنَ.
وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ تَعَذُّرَ الْقَضَاءِ قَدْ يَتَّجِهُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِالْوَفْرِ وَأَنْ عِنْدَهُ النَّاضَّ فَلَا يُؤَجَّلُ وَلَا يُؤَخَّرُ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّاضِّ وَادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّ عِنْدَهُ مَالًا نَاضًّا وَأَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّدَدَ وَالْإِضْرَارَ بِتَأْخِيرِ الْحَقِّ عَنْهُ وَدَعَا إلَى تَحْلِيفِهِ عَلَى ذَلِكَ فَيَجْرِي الْأَمْرُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ. اهـ.
وَصَرَّحَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ بِأَنَّ الْحَمِيلَ الَّذِي يُعْطِي مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّاضِّ هُوَ بِالْمَالِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّاظِمُ وَفِي أَحْكَامِ
стр. 566
ابْنِ سَهْلٍ: وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ زَرْبٍ يَرَى الْيَمِينَ فِي هَذَا عَلَى التُّجَّارِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ حُضُورُ النَّاضِّ عِنْدَهُمْ وَكَانَ لَا يَرَى الْيَمِينَ عَلَى غَيْرِ التُّجَّارِ وَهُوَ تَنْوِيعٌ حَسَنٌ. اهـ.
وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَى حَالِ الْمَلَا ... عَلَى الْأَصَحِّ وَبِهِ الْحُكْمُ خَلَا
يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الْمَلَاءِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعُدْمُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَمَنْ ادَّعَى الْعُدْمَ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ أَوْ يُحْمَلُونَ عَلَى الْعُدْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمَلَاءُ.
وَمَنْ ادَّعَى الْمَلَاءَ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ وَهَذَا مُقَابِلُ الْأَصَحِّ وَالْحُكْمُ خَلَا أَيْ مَضَى بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى الْمَلَاءِ، وَهُوَ مِمَّا اُعْتُبِرَ فِيهِ الْغَالِبُ وَطَرْحُ الْأَصْلِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْإِنْسَانَ وُلِدَ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَالْغَالِبُ مِنْ الْإِنْسَانِ التَّكَسُّبُ لِحَمْلٍ عَلَى الْغَالِبِ فِي هَذَا الْقَوْلِ.
وَيَشْهَدُ النَّاسُ بِضَعْفٍ أَوْ عَدَمْ ... وَلَا غِنَى فِي الْحَالَتَيْنِ مِنْ قَسَمْ
بِمَا اقْتَضَاهُ الرَّسْمُ لَا الْيَقِينِ ... إذْ لَا يَصِحُّ بَتُّ ذِي الْيَمِينِ
وَمَنْ نُكُولُهُ عَنْ الْحَلْفِ بَدَا ... فَإِنَّهُ يُسْجَنُ بَعْدُ أَبَدَا
يَعْنِي: أَنَّ الْمَدِينَ قَدْ يُشْهَدُ فِيهِ بِكَوْنِهِ عَدِيمًا أَيْ لَا يُعْلَمَ لَهُ مَالٌ لَا ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ إنْظَارُهُ، وَقَدْ يُشْهَدُ فِيهِ بِكَوْنِهِ ضَعِيفَ التَّجَرُّدِ قَلِيلَ ذَاتِ الْيَدِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ عَرَفُوهُ، وَالشَّهَادَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ الشُّهُودُ لَا عَلَى الْبَتِّ وَإِذَا كَانَتْ عَلَى الْعِلْمِ فَلَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ يَمِينِ الْمَشْهُودِ فِيهِ لِلْقَاعِدَةِ الْمُتَقَرِّرَةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ شُهِدَ لَهُ بِظَاهِرِ الْحَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَإِذَا حَلَفَ فَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ رَسْمُ الشَّهَادَةِ مِنْ الْعِلْمِ لَا عَلَى الْبَتِّ وَالْجَزْمِ إذْ قَدْ يَكُونُ مَلَكَ مَالًا بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ حَلِفُهُ عَلَى الْبَتِّ لِأَجْلِ هَذَا الِاحْتِمَالِ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ: لَا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ مَالًا ظَاهِرًا وَلَا خَفِيًّا، وَلَا يَقُولُ: لَا مَالَ لِي وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي وَإِذَا نَكَلَ عَنْ هَذِهِ الْيَمِينِ وَامْتَنَعَ مِنْهَا فَإِنَّهُ يُسْجَنُ وَلَا يُطْلَقُ أَبَدًا وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ وَالْمُرَادُ بِالْحَالَتَيْنِ حَالَةُ الْعُدْمِ وَحَالَةُ الضَّعْفِ، وَقَوْلُهُ: بِمَا اقْتَضَاهُ يَتَعَلَّقُ بِقَسَمٍ، وَبَاؤُهُ بِمَعْنَى عَلَى، وَالْيَقِينِ بِالْخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى مَا، وَالْيَمِينِ آخِرَ الْبَيْتِ الثَّانِي نَعْتٌ لِذِي، وَحَالَةُ الضَّعْفِ وَحَالَةُ الْعُدْمِ مُتَغَايِرَتَانِ يَنْبَنِي عَلَى كُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمَا خِلَافَ مَا يَنُبْنِي عَلَى الْأُخْرَى فَيَنْبَنِي عَلَى حَالَةِ الْعُدْمِ تَسْرِيحُهُ وَوُجُوبُ إنْظَارِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَنْبَنِي عَلَى حَالَةِ الضَّعْفِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقَلِيلُ الَّذِي بِيَدِهِ بَعْدَ أَنْ يُتْرَكَ لَهُ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ لِظَنِّ يُسْرِهِ وَيَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ وَوُجْدِهِ.
كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّاظِمُ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ:
وَمُثْبِتٌ لِلضَّعْفِ حَالَ دَفْعِهِ ... لِغُرَمَائِهِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ
(قَالَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) فَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ ضَعِيفُ التَّجْرِ مُقِلٌّ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ أُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَلِيلُ وَدُفِعَ لِغُرَمَائِهِ وَتُرِكَ لَهُ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَاسْتُحْلِفَ (وَفِيهَا أَيْضًا) ابْنُ رُشْدٍ صِفَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعُدْمِ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ: إنَّهُ يَعْرِفُهُ فَقِيرًا عَدِيمًا لَا يَعْلَمُ لَهُ مَالًا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، وَاخْتُلِفَ إنْ شَهِدُوا أَنَّهُ فَقِيرٌ عَدِيمٌ لَا مَالَ لَهُ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا فَقِيلَ: إنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ الْبَتَاتِ وَقِيلَ: إنَّهَا جَائِزَةٌ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى وَجْهِ الْعِلْمِ (وَفِي الطُّرَرِ أَيْضًا) قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ وَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ فَيَحْنَثُ إنْ بَتَّ أَوْ قَطَعَ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) إنْ لَمْ يَثْبُتْ لِلْمَطْلُوبِ مَالٌ اُسْتُحْلِفَ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ قَرْضٌ وَلَا عَرَضٌ وَلَئِنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا لَيُؤَدِّيَنَّ فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ أَبَدًا. اهـ.
وَعَنْ حَلِفِهِ هَكَذَا عَلَى الْبَتِّ تَحَرَّزَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: بِمَا اقْتَضَاهُ الرَّسْمُ الْبَيْتَ. (وَفِي الطُّرَرِ أَيْضًا) إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَحَكَى ابْنُ مُغِيثٍ أَنَّهُ يُسْجَنُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ تُهْمَةٌ.
стр. 567
وَحَيْثُ تَمَّ رَسْمُهُ وَعُدِمَا ... كَانَ عَدِيمًا لِأَوْلَى الْغُرَمَا
إلَّا إنْ اسْتَفَادَ مِنْ بَعْدِ الْعَدَمْ ... مَالًا فَيَطْلُبُونَهُ بِالْمُلْتَزَمْ
يَعْنِي إذَا شُهِدَ بِعُدْمِ الْمَدِينِ وَتَمَّ رَسْمُ الشَّهَادَةِ بِالْإِعْذَارِ إلَى غُرَمَائِهِ فَسَلَّمُوا عُدْمَهُ إمَّا لِعَجْزِهِمْ عَنْ الْمَدْفَعِ فِيمَا شُهِدَ لَهُ بِهِ، وَإِمَّا لِإِقْرَارِهِمْ بِعَدَمِهِ فَإِنَّ هَذَا الْمَدِينَ يَكُونُ عَدِيمًا لِهَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ عَدَّمُوهُ فَلَا يَجِبُ لَهُمْ قِبَلَهُ شَيْءٌ إلَّا إنْ اسْتَفَادَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُ بِمَا الْتَزَمَ لَهُمْ حَيْثُ قَالَ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ لَيَقْضِيَنَّ فَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ حَكَى الْبَاجِيُّ أَنَّهُ إذَا قَامَ الْغُرَمَاءُ فَأَثْبَتَ الْغَرِيمُ عُدْمَهُ وَحَلَفَ ثُمَّ قَامُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الْعُدْمِ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ اسْتَفَادَ مَالًا لِأَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَوْ قَامَ غَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعُدْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ عُدْمَهُ مُتَّصِلٌ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ اسْتَفَادَ مَالًا إلَى قِيَامِ هَؤُلَاءِ الْآخَرِينَ عَلَيْهِ فِي عِلْمِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِمْ وَلَا أُعْذِرَ إلَيْهِمْ فِي الشُّهُودِ بِالْعُدْمِ فَيَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى اتِّصَالِ الْعُدْمِ وَيُبَاحُ لَهُمْ الْمَدْفَعُ فِي شَهَادَتِهِمْ اهـ.
(فَرْعٌ) فِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ وَمَنْ فُلِّسَ وَقُسِّمَ مَالُهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِمَا لَهُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ دَايَنَهُ آخَرُونَ وَفُلِّسَ ثَانِيَةً فَاَلَّذِينَ دَايَنُوهُ ثَانِيَةً أَوْلَى بِمَا فِي يَدِهِ وَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ الْأَوَّلُونَ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ حُقُوقِهِمْ تَحَاصَّ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَهَذَا الْحُكْمُ فِيمَا حَصَلَ فِي يَدِهِ مِنْ مُعَامَلَةِ الْآخَرِينَ وَأَمَّا مَالِكُهُ بِهِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ أَرْشٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فَإِنَّ الْآخَرِينَ وَالْأَوَّلِينَ فِيهِ أُسْوَةٌ. اهـ.
وَيَنْبَغِي إعْلَانُ حَالِ الْمُعْدِمِ ... فِي كُلِّ مَشْهَدٍ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ
وَمُثْبِتٌ لِلضَّعْفِ حَالَ دَفْعِهِ ... لِغُرَمَائِهِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ
وَطَالِبٌ تَفْتِيشَ دَارِ الْمُعْسِرِ ... مُمْتَنِعٌ إسْعَافُهُ لِلْأَكْثَرِ
اشْتَمَلَ كُلُّ بَيْتٍ مِنْ الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَسْأَلَةٍ (الْأُولَى) : أَنَّهُ يُطْلَبُ إعْلَامُ النَّاسِ بِحَالِ الْمُعْدِمِ فِي الْمَشَاهِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْقَاضِي قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ مِنْ قُضَاةِ الْعَدْلِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ لِيَعْرِفَ النَّاسُ فَلَا يُعَامِلُهُ مَنْ يُعَامِلُهُ إلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُ عُمَرَ ﵁. اهـ.
(الثَّانِيَةُ) : أَنَّ الْمَدِينَ إذَا أَثْبَتَ ضَعْفَهُ وَقِلَّةَ ذَاتِ يَدِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي لِغُرَمَائِهِ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ وَطَاقَتِهِ وَتَقَدَّمَ هَذَا. (الثَّالِثَةُ) : إذَا سَأَلَ رَبُّ الدَّيْنِ تَفْتِيشَ دَارِ الْمَدِينِ فَهَلْ يُجَابُ لِذَلِكَ أَوْ لَا قَوْلَانِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا وَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ فِي مُقَدِّمَاتِهِ قَالَ فَإِنْ سَأَلَ الطَّالِبُ أَنْ يُفَتِّشَ عَلَيْهِ دَارِهِ وَقَالَ إنَّهُ قَدْ غَيَّبَ فِيهَا مَالَهُ فَإِنَّ الشُّيُوخَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ حَكَى أَصْبَغُ ابْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ شَاهَدَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمَ بِطُلَيْطِلَةَ إذَا دَعَا الطَّالِبُ إلَى أَنْ يُفَتِّشَ مَسْكَنَ الْمَطْلُوبِ عِنْدَ ادِّعَائِهِ الْعُدْمَ بِالْحَقِّ أَنْ يُفَتِّشَ مَسْكَنَهُ فَمَا أَلْفَى فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ بِيعَ عَلَيْهِ وَأُنْصِفَ الطَّالِبُ مِنْهُ وَلَا يَخْتَلِفُ فُقَهَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ أُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَاسْتَبْصَرُوا فِيهِ وَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْفَقِيهَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ ﵀ فَأَنْكَرَهُ وَأَنْكَرَهُ أَيْضًا ابْنُ مَالِكٍ، وَقَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الَّذِي يَفِي فِي بَيْتِهِ وَدَائِعُ فَقُلْتُ لَهُ: ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ فَقَالَ يَلْزَمُ إذَنْ تَوْقِيفُهُ وَالِاسْتِينَاءُ بِهِ حَتَّى يُعْلَمَ هَلْ لَهُ طَالِبٌ أَوْ يَأْتِي مَدْفَعٌ فِيهِ قَالَ وَأَعْلَمْتُ ابْنَ الْقَطَّانِ بِعَمَلِ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِي يَبْعُدُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَأَنَا أَرَاهُ حَسَنًا فِيمَنْ ظَاهِرُهُ الْإِلْدَادُ وَالْمَطْلُ وَاسْتِسْهَالُ الْكَذِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. اهـ. وَفِي كُلٍّ وَبِأَمْرِ الْحَكَمِ يَتَعَلَّقَانِ بِإِعْلَانٍ، وَقَوْلُهُ: حَالُ دَفْعِهِ مُبْتَدَأٌ، وَبِقَدْرِ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ مُثْبِتٌ، وَإِسْعَافُهُ نَائِبُ مُمْتَنِعٌ.
[فَصْلٌ فِي الْفَلَسِ]
ِ التَّفْلِيسُ أَعَمُّ وَأَخَصُّ فَالتَّفْلِيسُ الْأَخَصُّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِخَلْعِ كُلِّ مَالِ مَدِينٍ لِغُرَمَائِهِ
стр. 568
لِعَجْزِهِ عَنْ قَضَاءِ مَا لَزِمَهُ قَالَ وَالْأَعَمُّ قِيَامُ ذِي دَيْنٍ عَلَى مَدِينٍ لَيْسَ لَهُ مَا يَفِي بِهِ. قَوْلُهُ: حُكْمُ الْحَاكِمِ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّفْلِيسَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَكُونُ بِحُكْمٍ فَأُطْلِقَ التَّفْلِيسُ عُرْفًا عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ ثُبُوتَ خَلْعِ الْمَالِ غَيْرُ الْحُكْمِ بِهِ وَإِنَّمَا التَّفْلِيسُ هُوَ الْحُكْمُ بِالْخَلْعِ لَا ثُبُوتُ الْخَلْعِ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ خَلْعُ كُلِّ الْمَالِ الْحُكْمَ بِأَدَاءِ مَالٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: لِمَدِينٍ صِلَةُ مَا وَلِغُرَمَائِهِ يَتَعَلَّقُ بِمَدِينٍ أَوْ بِخَلْعٍ وَلِعَجْزِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ، وَأُخْرِجَ خَلْعُ كُلِّ مَالِهِ بِاسْتِحْقَاقِ عَيْنِهِ وَإِذَا اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ مِنْ الْمُفْلِسِ وَاقْتَسَمُوهُ فَهُوَ تَفْلِيسٌ أَخَصُّ وَالْحَدُّ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي السَّمَاعِ أَنَّهُ كَتَفْلِيسِ السُّلْطَانِ وَلَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ تَفْلِيسًا، وَقَوْلُهُ: فِي حَدِّ الْأَعَمِّ قِيَامُ إلَخْ مُنَاسِبٌ لِإِطْلَاقِ التَّفْلِيسِ عَلَى قِيَامِ الْغُرَمَاءِ وَبَاقِيهِ ظَاهِرٌ فِي إخْرَاجِهِ وَإِدْخَالِهِ وَمِنْ خَاصِّيَّةِ الْأَعَمِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَبَرُّعٌ وَلَا مُعَامَلَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا مُحَابَاةٌ إلَّا مَا تَجْرِي الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ وَالْأَخَصُّ يَمْنَعُ مَا مَنَعَ مِنْهُ الْأَعَمُّ وَيَمْنَعُ مُطْلَقَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
(قَالَ الرَّصَّاعُ) : رَأَيْتُ لِتِلْمِيذِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْوَانُّوغِيِّ أَنْ قَالَ اُنْظُرْ حَدَّ شَيْخِنَا التَّفْلِيسَ الْأَعَمَّ وَالْأَخَصَّ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ حَدَّ الْأَعَمِّ لَا بُدَّ أَنْ يَنْطَبِقَ عَلَى حَدِّ الْأَخَصِّ وَفِي تَعْرِيفِ الشَّيْخِ لَيْسَ كَذَلِكَ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ إنْ شِئْتَ.
وَمَنْ بِمَالِهِ أَحَاطَ الدَّيْنُ لَا ... يَمْضِي لَهُ تَبَرُّعٌ إنْ فَعَلَا
وَإِنْ يَكُنْ لِلْغُرَمَا فِي أَمْرِهِ ... تَشَاوُرٌ فَلَا غِنًى عَنْ حَجْرِهِ
وَحَلَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ ... إذْ ذَاكَ كَالْحُلُولِ بِالْمَنُونِ
تَقَدَّمَ أَنَّ التَّفْلِيسَ أَعَمُّ وَأَخَصُّ وَأَنَّ خَاصِّيَّةَ الْأَعَمِّ الَّذِي هُوَ قِيَامُ الْغُرَمَاءِ عَلَى الْمَدِينِ أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ التَّبَرُّعِ وَالْمُحَابَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ خَاصِّيَّةَ الْأَخَصِّ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِخَلْعِ مَالِهِ هِيَ أَنَّهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا وَتَحِلُّ دُيُونُهُ إذْ ذَاكَ كَمَا تَحِلُّ بِالْمَوْتِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَإِنْ يَكُنْ لِلْغُرَمَا فِي أَمْرِهِ
الْبَيْتَيْنِ إلَّا أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ جَعَلَ التَّفْلِيسَ الْأَعَمَّ هُوَ قِيَامُ الْغُرَمَاءِ، وَالنَّاظِمُ جَعَلَهُ إحَاطَةَ الدَّيْنِ بِمَالِهِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَقُمْ الْغُرَمَاءُ وَجَعَلَ أَيْضًا التَّفْلِيسَ الْأَخَصَّ هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِخَلْعِ مَالِهِ وَالنَّاظِمُ جَعَلَهُ تَشَاوُرَ أَرْبَابِ الدُّيُونِ فِي أَمْرِ الْمُفْلِسِ وَمَا نَسَبْتُهُ لِلنَّاظِمِ مِنْ جَعْلِهِ التَّفْلِيسَ الْعَامَّ هُوَ إحَاطَةُ الدَّيْنِ بِمَالِ الْغَرِيمِ وَالْخَاصَّ تَشَاوُرَ الْغُرَمَاءِ فِي أَمْرِ الْمُفْلِسِ صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ قَالَ شَيْخُنَا ﵀ فِي طُرَرِهِ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْفَلَسُ عَدَمُ الْمَالِ وَالتَّفْلِيسُ خَلْعُ الرَّجُلِ مِنْ مَالِهِ لِغُرَمَائِهِ وَالْمُفْلِسُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْفَلَسِ ثُمَّ قَالَ: وَحَدُّ التَّفْلِيسِ الَّذِي يَمْنَعُ قَبُولَ إقْرَارِهِ هُوَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَيَسْجُنُوهُ أَوْ يَقُومُوا عَلَيْهِ فَيَسْتَتِرُ عَنْهُمْ فَلَا يَجِدُوهُ. قَالَ مُحَمَّدٌ وَيَحُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا ﵀ بَعْدَ نَقْلِهِ لِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ مِنْ كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ مَا نَصُّهُ إذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمَنْقُولَ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ اتَّضَحَ لَك أَنَّ لِمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ ثَلَاثَ حَالَاتٍ: (الْحَالَةُ الْأُولَى) : مَا قَبْلَ التَّفْلِيسِ أَشَارَ إلَيْهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ لِلْغَرِيمِ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ ثُمَّ ذَكَرَ فُرُوعَ هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ وَسَفَرِهِ إنْ حَلَّ بِغَيْبَةٍ وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ أَوْ كُلِّ مَا بِيَدِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ.
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : تَفْلِيسٌ عَامٌّ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ
стр. 569
بِقَوْلِهِ وَفَلَسٌ حَضَرَ أَوْ غَابَ إنْ لَمْ يُعْلَمْ مَلَاؤُهُ بِطَلَبِهِ وَإِنْ أَبَى غَيْرُهُ دَيْنًا حَلَّ زَادَ عَلَى مَالِهِ أَوْ بَقِيَ مَا لَا يَفِي بِالْمُؤَجَّلِ فَمُنِعَ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ فَقَوْلُهُ بِطَلَبِهِ دَيْنًا حَلَّ أَيْ بِطَلَبِ الْغَرِيمِ أَوْ بِطَلَبِ الْمَدِينِ دَيْنًا حَلَّ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَيَسْجُنُوهُ أَوْ يَقُومُوا عَلَيْهِ فَيَسْتَتِرُ عَنْهُمْ فَلَا يَجِدُوهُ.
(الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) : تَفْلِيسٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ كَتَفْلِيسِ الْحَاكِمِ أَيْ كَخَلْعِهِ مَالَ الْمَدِينِ لِغُرَمَائِهِ وَهَذَا هُوَ التَّفْلِيسُ الْخَاصُّ وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ الْحُكْمُ بِالْخَلْعِ لَا نَفْسُ خَلْعِ الْمَالِ وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ كَتَفْلِيسِ الْحَاكِمِ أَيْ كَحُكْمِهِ بِخَلْعِ الْمَالِ. انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
(وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) وَمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَلَا تَجُوزُ لَهُ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا إقْرَارٌ بِدَيْنٍ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا قَامُوا وَبَنَوْا عَلَى تَفْلِيسِهِ مُحَمَّدٌ وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ تَشَاوَرُوا فِيهِ فَذَلِكَ حَدُّ التَّفْلِيسِ وَاعْتَمَدَ النَّاظِمُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ التَّشَاوُرُ تَفْلِيسًا فَأَحْرَى غَيْرُهُ (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ مَاتَ وَفُلِّسَ فَقَدْ حَلَّ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ.
وَالِاعْتِصَارُ لَيْسَ بِالْمُكَلَّفِ ... لَهُ وَلَا قَبُولُ غَيْرِ السَّلَفِ
وَهُوَ مُصَدَّقٌ إذَا مَا عَيَّنَا ... مَالًا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ أُمِّنَا
يَعْنِي أَنَّ الْمُفْلِسَ لَا يُكَلَّفُ وَلَا يُلْزَمُ بِأَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ لِمَنْ لَهُ الِاعْتِصَارُ مِنْهُ لِيَأْخُذَهُ الْغُرَمَاءُ فِي دُيُونِهِمْ بَلْ إنْ شَاءَ اعْتَصَرَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَعْتَصِرْ فَإِذَا اعْتَصَرَ أَخَذَهُ الْغُرَمَاءُ فِي دَيْنِهِمْ وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ غَيْرِ السَّلَفِ مِنْ هِبَةٍ وَغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ السَّلَفِ أَيْضًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَأَشَارَ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي إلَى أَنَّهُ مُصَدَّقٌ إذَا عَيَّنَ مَالًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مُؤَمَّنٌ عَلَيْهِ مِنْ قَرْضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهِمَا فَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ: لِلْمُفْلِسِ اعْتِصَارُ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ لَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمِدْيَانَ أَنْ يَتَسَلَّفَ وَلَا أَنْ يَسْتَوْهِبَ وَلَا أَنْ يَتَدَايَنَ لِيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ، وَلَا أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إنْ طَاعَ لَهُ بِذَلِكَ أَحَدٌ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ لَمْ يُعَامِلُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مَعْرُوفٍ لِأَحَدٍ وَلَا تَحَمُّلٌ مِنْهُ وَإِنْ طَاعَ الرَّجُلُ أَنْ يُسْلِفَ الطَّالِبَ فَيَقْضِيَهُ مَالَ الْغَرِيمِ الْمَطْلُوبِ وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إنَّمَا هُوَ لِلطَّالِبِ لَيْسَ لِلْغَرِيمِ الْمَطْلُوبِ فَلَا قَوْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا وَجْهَ لِامْتِنَاعِهِ مِنْهُ وَفِي مُفِيدِ (ابْنِ هِشَامٍ) وَإِذَا وَهَبَ لِلْمُفْلِسِ هِبَةً أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ شُفْعَةٌ فِيهَا رِبْحٌ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إنْ أَبَاهُ (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ بِشَيْءٍ يُعَيِّنُهُ وَدِيعَةٍ أَوْ قِرَاضٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: إنَّ إقْرَارَهُ لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ يَمِينِ الْمُقَرِّ لَهُمْ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَلَى الْأَصْلِ بَيِّنَةٌ صُدِّقَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْأَصْلِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ. اهـ. وَعَلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ
стр. 570
حَيْثُ قَالَ وَقُبِلَ تَعْيِينُهُ الْقِرَاضَ وَالْوَدِيعَةَ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ.
وَرَبُّ الْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ إنْ طَرَقْ ... تَفْلِيسٌ أَوْ مَوْتٌ بِزَرْعِهَا أَحَقْ
وَاحْكُمْ بِذَا لِبَائِعٍ أَوْ صَانِعِ ... فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ فَمَا مِنْ مَانِعِ
يَعْنِي: أَنَّ مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا وَزَرَعَهَا ثُمَّ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ الَّذِي أَكْرَاهَا أَحَقُّ بِزَرْعِهَا مِنْ سَائِرِ غُرَمَاءِ مُكْتَرِيهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ كِرَاءَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ شَيْئًا وَلَمْ يُخْرِجْ شَيْأَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى فَلِسَ الْمُشْتَرِي أَوْ مَاتَ أَوْ اسْتَصْنَعَ فِي صِبْغٍ أَوْ خِيَاطَةٍ مَثَلًا أَوْ الشَّيْءُ الْمَصْنُوعُ مَا زَالَ بِيَدِهِ فَفَلِسَ رَبُّهُ أَوْ مَاتَ فَإِنَّ الْبَائِعَ وَالصَّانِعَ أَحَقُّ بِمَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْأَوَّلُ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ.
وَالثَّانِي إجَارَتُهُ (وَقَالَ فِي الْمُفِيدِ) وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ فَلِسَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ أُجْرَتَهَا فَرَبُّ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِالزَّرْعِ الَّذِي فِيهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ كِرَاءَهُ (وَفِيهِ أَيْضًا) وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى صَنْعَةٍ فَصَنَعَهَا ثُمَّ أَفْلَسَ رَبُّ الصَّنْعَةِ فَالصَّانِعُ أَحَقُّ بِالسِّلْعَةِ حَتَّى يَقْبِضَ أُجْرَتَهُ فِي فَلَسِ رَبِّهَا وَمَوْتِهِ. اهـ.
(وَفِي التَّوْضِيحِ) فِي تَوْجِيهِ كَوْنِ رَبِّ الْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ أَوْلَى بِزَرْعِهَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ الزَّرْعَ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ الْأَرْضِ فَكَانَتْ كَالْحَائِزَةِ لَهُ وَحَوْزُهَا كَحَوْزِ صَاحِبِهَا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً وَفُلِّسَ مُشْتَرِيهَا أَوْ مَاتَ وَهِيَ بِيَدِ بَائِعِهَا. اهـ. أَيْ فَبَائِعُهَا أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ وَرَبُّ الْأَرْضِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَحَقُّ بِزَرْعِهَا يَتَعَلَّقُ بِأَحَقَّ.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَاحْكُمْ بِذَا الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ كَوْنُ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْلَى بِزَرْعِهَا فَيَكُونُ الْبَائِعُ وَالصَّانِعُ أَحَقَّ بِمَا فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي وَالْمَصْنُوعِ لَهُ وَلَيْسَ لَهُمَا مَانِعٌ وَلَا مُعَارِضٌ فِي ذَلِكَ وَهُوَ تَكْمِيلٌ لِلْبَيْتِ وَجَمْعُ ضَمِيرِ بِأَيْدِيهِمْ بِاعْتِبَارِ مُكْرٍ وَبَائِعٍ وَصَانِعٍ.
وَمَا حَوَاهُ مُشْتَرٍ وَيُحْضَرُ ... فَرَبُّهُ فِي فَلَسٍ مُخَيَّرُ
لَا إذَا مَا الْغُرَمَاءُ دَفَعُوا ... ثَمَنَهُ فَأَخْذُهُ مُمْتَنِعُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ حَتَّى فَلِسَ الْمُشْتَرِي أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ الْبَائِعُ شَيْأَهُ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي فَلِسَ فَبَائِعُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْأَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ يَتَحَاصَصَ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَدْفَعْ الْغُرَمَاءُ ثَمَنَهُ لِبَائِعِهِ فَإِنْ دَفَعَ الْغُرَمَاءُ لِلْبَائِعِ ثَمَنَ شَيْئِهِ فَلَا كَلَامَ لَهُ فِيهِ.
وَأَمَّا إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ إلَّا الْحِصَاصُ وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ:
فَرَبُّهُ فِي فَلَسٍ مُخَيَّرٌ
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : قَالَ مَالِكٌ مَنْ بَاعَ سِلْعَتَهُ فَمَاتَ الْمُبْتَاعُ قَبْل أَنْ يَدْفَعَ ثَمَنَهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ بِيَدِهِ فَالْبَائِعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي ثَمَنِهَا وَإِنْ فَلِسَ الْمُبْتَاعُ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِيَدِهِ كَانَ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ غَيْرَهَا إلَّا أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ بِدَفْعِ ثَمَنِهَا إلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُمْ اهـ.
(وَفِي الْمُفِيدِ) وَمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَتَهُ ثُمَّ فَلِسَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْبَائِعُ ثَمَنَهَا فَوَجَدَهَا الْبَائِعُ عِنْدَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَحَاصَّ غُرَمَاءَهُ بِثَمَنِهَا فَإِنْ وَجَدَهَا نَاقِصَةً فِي سُوقِهَا أَوْ بَدَنِهَا فَلَهُ أَخْذُهَا وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهَا قَدْ زَادَتْ فِي بَدَنِهَا أَوْ سُوقِهَا إلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْغُرَمَاءُ ثَمَنَهَا. اهـ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْبَيْتَيْنِ قَبْلَهَا فِي الصُّورَةِ أَنَّ تِلْكَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ يَدِ بَائِعِهَا فَكَانَ
стр. 571
أَحَقَّ بِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ وَهَذِهِ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي فَرَبُّهَا أَحَقُّ بِهَا فِي الْفَلَسِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْأُولَى
وَاحْكُمْ بِذَا لِبَائِعٍ أَوْ صَانِعٍ
فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ الْبَيْتَ فَصَرَّحَ بِبَقَاءِ الشَّيْءِ بِيَدِ بَائِعِهِ وَقَالَ فِي هَذِهِ وَمَا حَوَاهُ مُشْتَرٍ فَصَرَّحَ بِأَنَّ الْمُشْتَرِي قَبَضَ مُشْتَرَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ) إنَّمَا يَكُونُ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِسِلْعَتِهِ فِي التَّفْلِيسِ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
(أَحَدُهَا) : ذَكَرَهُ النَّاظِمُ وَهُوَ إنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ الْغُرَمَاءُ ثَمَنَهَا (الثَّانِي) : أَنْ يُمْكِنَ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ شَيْئِهِ فَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَيْسَ إلَّا الْمُحَاصَّةُ كَمَا إذَا أَفْلَسَ الزَّوْجُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ وَلَمْ تَقْبِضْ الصَّدَاقَ وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّصْرِيحُ بِهِ.
(الثَّالِثُ) : أَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْ حَالَتِهِ فَلَوْ طُحِنَ الْقَمْحُ أَوْ صَارَ الزُّبْدُ سَمْنًا أَوْ فُصِّلَ الثَّوْبُ فَلَيْسَ إلَّا الْمُحَاصَّةُ.
(الرَّابِعُ) : أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ بَعْدَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ وَالثَّوْبِ أَمَّا مَا لَا يُعْرَفُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَإِنَّمَا لَهُ الْحِصَاصُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ صَبَّ الزَّيْتَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْجَرَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وَخَلَطَهُ بِزَيْتِهِ فَلَهُ مَكِيلَتُهُ وَخَلْطُهُ بِمِثْلِهِ لَا يُفِيتُهُ. اهـ مِنْ الْقَلْشَانِيِّ.
وَلَيْسَ مَنْ رَدَّ بِعَيْبٍ مَا اشْتَرَى ... أَوْلَى بِهِ فِي فَلَسٍ إنْ اعْتَرَى
وَالْخُلْعُ فِي سِلْعَةِ بَيْعٍ فَاسِدِ ... ثَالِثُهَا اخْتِصَاصُهَا بِالنَّاقِدِ
اشْتَمَلَ الْبَيْتُ الْأَوَّلُ عَلَى مَسْأَلَةٍ وَالثَّانِي عَلَى أُخْرَى (فَالْأُولَى) : مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَدَفَعَ ثَمَنَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ فَفُلِّسَ الْبَائِعُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ لِلْمُشْتَرِي ثَمَنَهُ فَلَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِذَلِكَ الْمَعِيبِ الَّذِي رَدَّهُ فِي ثَمَنِهِ بَلْ هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ لَخُيِّرَ الْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِ صَارَ بَائِعًا وَجَدَ سِلْعَتَهُ فِي التَّفْلِيسِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَعَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ نَقْضُ بَيْعٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَمَنْ رَدَّ عَبْدًا بِعَيْبٍ فَفُلِّسَ بَائِعُهُ وَالْعَبْدُ بِيَدِهِ قَبْلَ قَبْضِ الرَّادِّ ثَمَنَهُ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَعَلَى أَنَّهُ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ بَعْدَ الرَّدِّ وَنَحْوُهُ لَفْظُ النَّوَادِرِ خِلَافًا لِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ اُخْتُلِفَ إنْ لَمْ يُرَدَّ الْمَبِيعُ حَتَّى فُلِّسَ الْبَائِعُ مِنْ الْمَوَّاقِ.
وَلَفْظُ التَّوْضِيحِ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً ثُمَّ اطَّلَعَ فِيهَا عَلَى عَيْبٍ فَأَرَادَ رَدَّهَا فَوَجَدَ الْبَائِعَ قَدْ فُلِّسَ وَإِنَّ لَهُ رَدَّهَا وَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ نَقْضٌ وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا. اهـ. (وَأَمَّا الْبَيْتُ الثَّانِي) فَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً شِرَاءً فَاسِدًا وَقَدْ كَانَ دَفَعَ ثَمَنَهَا أَوْ كَانَ أَخَذَهَا عَنْ دَيْنٍ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ ثُمَّ فُلِّسَ الْبَائِعُ وَالسِّلْعَةُ لَمْ تَفُتْ وَهِيَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِهَا فِيمَا نَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ فِيمَا لَهُ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ الثَّانِي: لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ الثَّالِثُ: إنْ كَانَ أَخَذَهَا عَنْ دَيْنٍ كَانَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ الَّذِي فُلِّسَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ ثَمَنَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إنْ وَجَدَ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا قَالَ جَمِيعَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَقَوْلُهُ: مَنْ رَدَّ، مَنْ: اسْمُ لَيْسَ، وَرَدَّ: صِلَةُ مَنْ، وَبِعَيْبٍ: يَتَعَلَّقُ بِرَدِّ، وَمَا اشْتَرَى: مَفْعُولُ رَدَّ، وَأَوْلَى: خَبَرُ لَيْسَ وَالنَّاقِدُ الَّذِي دَفَعَ الثَّمَنَ وَأَخْرَجَ بِهِ الَّذِي أَخَذَهَا عَنْ الدَّيْنِ.
وَزَوْجَةٌ فِي مَهْرِهَا كَالْغُرَمَا ... فِي فَلَسٍ لَا فِي الْمَمَاتِ فَاعْلَمَا
وَحَارِسُ الْمَتَاعِ وَالزَّرْعِ وَمَا ... أَشْبَهَهُ مَعَهُمْ قَدْ قَسَمَا
يَعْنِي إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَدْفَعْ لَهَا الصَّدَاقَ ثُمَّ فُلِّسَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّ الزَّوْجَةَ تُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِصَدَاقِهَا فِي الْفَلَسِ أَمَّا فِي الْمَوْتِ فَلَا شَيْءَ لَهَا وَهَذَا قَوْلُ الْجَلَّابِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تُحَاصِصُ
стр. 572
بِصَدَاقِهَا فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ مَعًا (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) اُخْتُلِفَ هَلْ تُحَاصُّ الزَّوْجَةُ الْغُرَمَاءَ بِصَدَاقِهَا الْمَشْهُورُ أَنَّهَا تُحَاصِصُ بِهِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ وَقِيلَ: لَا تُحَاصِصُ فِيهِمَا، وَفِي الْجَلَّابِ تُحَاصُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ. اهـ.
وَعَلَى الثَّالِثِ اقْتَصَرَ النَّاظِمُ وَأَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي إلَى أَنَّ حَارِسَ الْمَتَاعِ وَالزَّرْعِ إذَا أَفْلَسَ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ الزَّرْعِ لَا يَكُونُ الْحَارِسُ أَحَقَّ بِمَا فِي يَدِهِ فِي أُجْرَةِ حِرَاسَتِهِ بَلْ هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ مَعَهُمْ أَيْ مَعَ الْغُرَمَاءِ قَدْ قَسَمَا مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِ الْمَدِينِ وَفِي التَّفْرِيعِ لِابْنِ الْجَلَّابِ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى غَنَمٍ يَرْعَاهَا أَوْ مَتَاعٍ يَحْفَظُهُ ثُمَّ أَفْلَسَ مُسْتَأْجِرُهُ فَالْأَجِيرُ أُسْوَةُ غُرَمَائِهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْغَنَمِ وَلَا عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حِفْظِهِ. اهـ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْأَجِيرُ عَلَى رِعَايَةِ الْإِبِلِ أَوْ عَلَى رَحَى الْمَاءِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ.
[بَابٌ فِي الضَّرَرِ وَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ]
ِ
وَمُحْدِثٌ مَا فِيهِ لِلْجَارِ ضَرَرْ ... مُحَقَّقٌ يُمْنَعُ مِنْ غَيْرِ نَظَرْ
كَالْفُرْنِ وَالْبَابِ وَمِثْلِ الْأَنْدَرِ ... أَوْ مَا لَهُ مَضَرَّةٌ بِالْجُدُرِ
فَإِنْ يَكُنْ يَضُرُّ بِالْمَنَافِعِ ... كَالْفُرْنِ بِالْفُرْنِ فَمَا مِنْ مَانِعِ
يَعْنِي: أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ مَا فِيهِ ضَرَرٌ مُحَقَّقٌ لِجَارِهِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُزَالُ الضَّرَرُ عَنْ الْجَارِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَذَلِكَ كَإِحْدَاثِ الْفُرْنِ الَّذِي يُؤْذِي الْقَرِيبَ مِنْهُ بِدُخَانِهِ وَنَارِهِ وَالْبَابِ الَّذِي يَضُرُّ بِفَتْحِ مَحَلِّهِ مِنْ الْحَائِطِ وَدَوَرَانُ دَفَّتِهِ وَصَرِيرُ رِتَاجِهِ وَتَطَلُّعِ الْخَارِجِ مِنْهُ فِي الزُّقَاقِ غَيْرِ النَّافِذِ وَالْأَنْدَرِ الَّذِي يَضُرُّ بِتِبْنِهِ وَغُبَارِهِ وَكَذَلِكَ مَا يَضُرُّ بِالْجُدُرِ مِنْ حُفْرَةِ مِرْحَاضٍ أَوْ تَسْرِيبِ قَنَاةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى الْفُرْنِ لِيُدْخِلَ الْحَمَّامَ وَالتَّنُّورَ وَنَحْوُهُمَا وَأَدْخَلَ لَفْظَ الْمِثْلِ عَلَى الْأَنْدَرِ لِيَدْخُلَ الْإِصْطَبْلُ وَنَحْوُهُ كَمَنْ يَنْفُضُ حَصِيرَهُ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَإِنَّهُ يُؤْذِي الْمَارِّينَ بِالطَّرِيقِ بِغُبَارِهِ.
وَاحْتَرَزَ بِوَصْفِ الضَّرَرِ الَّذِي يَكُونُ مُتَوَقَّعًا غَيْرَ وَاقِعٍ وَلَا مُتَحَقَّقٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الضَّرَرِ وَهُوَ مَا يُؤَدِّي إلَى نَقْصِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ إضْرَارٍ بِالرَّقَبَةِ كَإِحْدَاثِ الْفُرْنِ بِإِزَاءِ الْفُرْنِ أَوْ الرَّحَى بِقُرْبِ الرَّحَى وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فِي عَرْصَتِهِ مِمَّا يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ
стр. 573
مِنْ بِنَاءِ حَمَّامٍ أَوْ فُرْنٍ لِلْخَبْزِ أَوْ لِسَبْكِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ كِيرٍ لِعَمَلِ الْحَدِيدِ أَوْ رَحَى مِمَّا يَضُرُّ بِالْجِيرَانِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُ وَقَالَهُ فِي الدُّخَانِ وَوَجْهُ ذَلِكَ ضَرَرُ الدُّخَانِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي دُورِهِمْ وَيَضُرُّ بِهِمْ (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قُلْتُ فَإِنْ كَانَتْ فِي عَرْصَةٍ وَأَرَدْتُ أَنْ أَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ كَنِيفًا قُرْبَ جُدَرَانِ الْجِيرَانِ فَقَامَ عَلَيَّ الْجِيرَانُ فَقَالَ إنْ كَانَ مَا يُحْدِثُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ.
وَفِيهِ أَيْضًا قِيلَ لِسَحْنُونٍ فَمَنْ أَحْدَثَ أَنْدَرًا فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِدَارِ جَارِهِ يَقَعُ فِيهِ التِّبْنُ فَقَالَ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَنْدَرِ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّ بِهِ وَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مَنْ أَحْدَثَ إصْطَبْلًا عِنْدَ بَيْتِ جَارِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِبَوْلِ الدَّوَابِّ وَزِبْلِهَا بِبَيْتِ جَارِهِ وَحَرَكَتِهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْمَانِعَةِ مِنْ النَّوْمِ (وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ) لَيْسَ لَك أَنْ تَفْتَحَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ بَابًا يُقَابِلُ بَابَ جَارِك أَوْ يُقَارِبُهُ وَلَا تُحَوِّلَ بَابًا هُنَالِكَ إذَا مَنَعَكَ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ فِيهِ بَابَكَ لِي فِيهِ مِرْفَقٌ أَفْتَحُ فِيهِ بَابِي فِي سُتْرَةٍ وَلَا أَدَعُكَ أَنْ تَفْتَحَ قُبَالَةَ بَابِي أَوْ قُرْبَهُ فَتَتَّخِذَ عَلَيَّ فِيهِ الْمَجَالِسَ وَشِبْهَ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّ بِهِ وَأَمَّا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ فَلَكَ أَنْ تَفْتَحَ مَا شِئْتَ أَوْ تُحَوِّلَ بَابَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنْهَا وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْفَتْحِ قُبَالَةَ جَارِهِ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ انْحِطَاطَ الْقِيمَةِ لَا يُرَاعِي اتِّفَاقَ الْجَمِيعِ
стр. 574
فِيمَنْ أَحْدَثَ فُرْنًا عَلَى فُرْنٍ أَوْ حَمَّامًا عَلَى حَمَّامٍ أَوْ رَحًى عَلَى رَحًى قَدِيمَةٍ وَلَا يَضُرُّ الْمُحْدِثُ مِنْ ذَلِكَ بِالْقَدِيمِ فِي شَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ الضَّرَرِ إلَّا فِي نُقْصَانِ الْغَلَّةِ أَوْ قِلَّةِ الْعِمَارَةِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مُحْدِثُ ذَلِكَ مِنْ إحْدَاثِهِ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْقَدِيمِ اعْتِرَاضُهُ فِي ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) سُئِلَ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ سِرَاجٍ عَمَّنْ أَرَادَ إحْدَاثَ بُرْجٍ وَاِتِّخَاذَ حَمَّامٍ فَأَجَابَ اتِّخَاذُ الْحَمَّامِ فِي الْأَبْرَاجِ جَائِزٌ مَضَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ (قَالَ اللَّخْمِيُّ) قَالَ مَالِكٌ: مِنْ أَمْرِ النَّاسِ اتِّخَاذُ الْأَبْرَاجِ لَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ، مِثْلُ أَنْ يُجَاوِرَهُ فَدَّانٌ لِأَحَدٍ فَيَضُرَّ بِهِ أَوْ يُحْدِثَ الْبُرْجَ بِقُرْبِ بُرْجٍ آخَرَ فَأَخَذَ لَهُ الْحَمَّامَ فَيُمْنَعُ مِنْ إحْدَاثِهِ قَالَهُ ابْنُ سِرَاجٍ (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ نَوَازِلِ الضَّرَرِ مِنْ الْمِعْيَارِ فِي سِيَاقِ أَسْئِلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا الْقَاضِي ابْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ وَسُئِلَ عَمَّنْ عَمِلَ فِي دَارِهِ رَحًى فَاشْتَكَى جَارُهُ الضَّرَرَ مِمَّا لَحِقَ حِيطَانَ دَارِهِ مِنْ هَذِهِ الرَّحَى بِمَ يُعْلَمُ هَزُّ هَذِهِ الرَّحَى وَهَلْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي الْحَائِطِ فَأَجَابَ قَالَ يُؤْخَذُ طَبَقٌ مِنْ كَاغَدٍ وَتُرْبَطُ أَرْكَانُهُ بِأَرْبَعَةِ خُيُوطٍ فِي كُلِّ رُكْنٍ خَيْطٌ وَتُجْمَعُ أَطْرَافُ الْخُيُوطِ وَتُعَلَّقُ فِي السَّقْفِ الَّذِي عَلَى الْحَائِطِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الدَّارِ وَبَيْنَ الرَّحَى مِنْ جِهَةِ الدَّارِ وَيُعْمَلُ عَلَى الْكَاغَدِ حَبَّاتٍ مِنْ كُزْبَرٍ يَابِسٍ، وَيُقَال لِصَاحِبِ الرَّحَى هُزَّ رَحَاكَ فَإِنْ اهْتَزَّ الْكُزْبَرُ عَلَى الْكَاغَدِ قِيلَ لِصَاحِبِ الرَّحَى اقْلَعْ رَحَاكَ لِأَنَّهَا تَضُرُّ بِالْجَارِ، وَإِنْ لَمْ يَهْتَزَّ الْكُزْبَرُ قِيلَ لِصَاحِبِ الدَّارِ اُتْرُكْ صَاحِبَ الرَّحَى يَخْدُمُ لِأَنَّهَا لَا تَضُرُّ بِك فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَائِطِ سَقْفٌ وَإِنَّمَا هُوَ سِتْرُهُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْكُزْبَرَ عَلَى الْحَائِطِ وَتُخْتَبَرُ بِمَا ذُكِرَ. اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ.
ثُمَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ الرَّامِي قَالَ الَّذِي عِنْدِي فِي الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي دَارِهِ الرَّحَى إنَّهُ يَبْعُدُ عَنْ حَائِطِ الْجَارِ بِثَمَانِيَةِ أَشْبَارٍ مِنْ حَدِّ دَوَرَانِ الْبَهِيمَةِ إلَى حَائِطِ الْجَارِ وَيُشْغَلُ ذَلِكَ بِالْبُنْيَانِ بَيْنَ دَوَرَانِ الْبَهِيمَةِ وَحَائِطِ الْجَارِ إمَّا بِبَيْتٍ أَوْ مَخْزَنٍ أَوْ بِمُحَازٍ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ حَائِلٍ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَضَرَّةِ وَحَائِطِ الْجَارِ وَذُكِرَ أَيْضًا فِيمَنْ أَحْدَثَ خَلْفَ بَيْتِ جَارِهِ رِوَاءً لِدَابَّةٍ فَاشْتَكَى صَاحِبُ الْبَيْتِ ضَرَرَ الدَّابَّةِ.
فَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ الْمَذْكُورُ بِوُجُوبِ زَوَالِهِ وَإِخْرَاجِ الدَّابَّةِ مِنْهُ فَصَاحَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَقَالَ لَيْسَ لِي غِنًى عَنْ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا مَعَاشِي فَاسْتَفْهِمْ لِي أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِمَ يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْ جَارِي فَسُئِلَ عُرَفَاءُ الْبُنْيَانِ عَنْ أَمْرِهِ فَقَالُوا يَحْفِرُ أَسَاسًا وَيَنْزِلُ فِيهِ قَدْرَ الْقَامَةِ خَلْفَ الْحَائِطِ الَّذِي هُوَ صَدْرُ الْبَيْتِ وَيَرْفَعُ فِي حَقِّهِ حَائِطًا مِنْ تَحْتِ وَجْهِ الْأَرْضِ بِخَمْسَةِ أَشْبَارٍ إلَى مُنْتَهَى السَّقْفِ فَعَرَّفُوا الْقَاضِي بِمَا أَمَرُوا بِهِ صَاحِبَ الدَّابَّةِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ انْقَطَعَ الضَّرَرُ عَنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ بِذَلِكَ. فَقَالَ الْقَاضِي ﵀ يُشْهَدُ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَطُولَ الزَّمَانُ وَيَنْزِعَ ذَلِكَ الْحَائِطَ وَيَسْتَحِقَّ الْمَرْبِطَ بِالْقِدَمِ اهـ وَلَسْتُ فِي عُهْدَةِ تَصْحِيفٍ إنْ وُجِدَ فِيهِ إذْ لَمْ أَجِدْ فِي الْوَقْتِ غَيْرَهُ
وَهُوَ عَلَى الْحُدُوثِ حَتَّى يَثْبُتَا ... خِلَافُهُ بِذَا الْقَضَاءُ ثَبَتَا
يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي الضَّرَرِ هَلْ هُوَ قَدِيمٌ فَيَبْقَى وَلَا يُزَالُ أَوْ حَادِثٌ فَيُزَالُ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحُدُوثِ حَتَّى يَثْبُتَ قِدَمُهُ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ عَلَى مُدَّعِي قِدَمِهِ قَالَ (ابْنُ سَلْمُونٍ) وَاخْتُلِفَ فِي الضَّرَرِ إنْ أَشْكَلَ هَلْ هُوَ قَدِيمٌ أَوْ مُحْدَثٌ فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مُحْدَثٌ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ قَدِيمٌ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ وَبِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ اهـ وَمِنْ قَوْلِهِ بِذَا الْقَضَاءُ ثَبَتَا يُفْهَمُ أَنَّ ثَمَّ قَوْلًا آخَرَ لَا يُقْضَى بِهِ وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى الْقِدَمِ حَتَّى يَثْبُتَ حُدُوثُهُ وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَيْت مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يَأْتِي لَهُ فِي فَصْلِ مُسْقِطِ الضَّرَرِ مِنْ كَوْنِ الضَّرَرِ يُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَمْلَاكُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُحَازُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِي كَوْنِهِ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا بَلْ يَجِبُ رَفْعُهُ وَإِزَالَتُهُ قَدِيمًا كَانَ أَوْ حَادِثًا وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ تَعَرَّضَ لَهُ النَّاظِمُ ﵀ إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَإِنْ يَكُنْ تَكَشُّفًا فَلَا يُقَرْ ... بِحَيْثُ الْأَشْخَاصُ تَبِينُ وَالصُّوَرْ
يَعْنِي: إذَا كَانَ الضَّرَرُ تَكَشُّفًا بِحَيْثُ تَبِينُ بِهِ الْأَشْخَاصُ وَالصُّوَرُ فَإِنَّهُ يُزَالُ وَلَا يُقَرُّ (قَالَ الشَّارِحُ)
стр. 575
وَتَبِينُ الْأَشْخَاصُ وَهُوَ بِحَيْثُ يُتَبَيَّنُ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو وَتَبِينُ الصُّوَرُ بِحَيْثُ يُتَبَيَّنُ الذَّكَرُ مِنْ الْأُنْثَى وَالْحَسَنُ مِنْ الْقَبِيحِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ كُوَّةً أَوْ بَابًا فِي غُرْفَةٍ يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى مَا فِي دَارِ جَارِهِ أَوْ أُسْطُوَانِهِ أَوْ غُرْفَتِهِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَحْدَثَهَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِغَلْقِ الْكُوَّةِ وَالْبَابِ بِالْبُنْيَانِ وَقَلْعِ الْعَتَبَةِ مِنْ الْبَابِ وَلَمْ تُتْرَكْ الْعَتَبَةُ فِيهَا لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا ثُمَّ طَالَ الزَّمَانُ وَنُسِيَ الْأَمْرُ كَانَتْ حُجَّةً لِلْبَابِ وَيَقُولُ: إنَّمَا أَغْلَقْتُهُ لِأُعِيدَهُ مَتَى شِئْتُ وَلِذَلِكَ يُقْضَى بِقَلْعِ الْعَتَبَةِ فِي بَابِ الدَّارِ إذَا حُكِمَ بِغَلْقِهِ اهـ وَكَذَلِكَ يُقْضَى بِقَلْعِ عَتَبَةِ الْكُوَّةِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي عَتَبَةِ الْبَابِ (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) الْمُشَاوِرُ إنَّمَا يُمْنَعُ إذَا تَبَيَّنَتْ الْأَشْخَاصُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَتَبَيَّنْ فَلَا يُمْنَعُ اهـ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ
وَمَا بَنَتْنِ الرِّيحِ يُؤْذِي يُمْنَعُ ... فَاعِلُهُ كَالدَّبْغِ مَهْمَا يَقَعُ
يَعْنِي إذَا كَانَ الضَّرَرُ الْحَادِثُ عَلَى الْجَارِ بَنَتْنِ الرَّائِحَةِ كَالدَّبْغِ فَإِنَّ فَاعِلَهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (قَالَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) عَنْ الْمُشَاوِرِ بَعْدَ إجَازَتِهِ مَا يُتَأَذَّى بِصَوْتِهِ كَالْكَمَدِ وَشِبْهِهِ مَا نَصُّهُ بِخِلَافِ أَنْ يُحْدِثَ فِي دَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ دِبَاغًا أَوْ يَفْتَحَ بِقُرْبِ جَارِهِ مِرْحَاضًا وَلَا يُغَطِّيهِ أَوْ مَا تُؤْذِيهِ رَائِحَتُهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ الْمُنْتِنَةَ تَخْرِقُ الْخَيَاشِيمَ وَتَصِلُ إلَى الْمِعَى وَتُؤْذِي الْإِنْسَانَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ شَيْئًا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» فَكُلُّ رَائِحَةٍ تُؤْذِي يُمْنَعُ مِنْهَا لِهَذَا قَالَ وَبِهِ الْعَمَلُ. اهـ.
وَبِنَتْنِ: يَتَعَلَّقُ بِيُؤْذِي، وَجُمْلَةُ يُمْنَعُ فَاعِلُهُ: خَبَرُ مَا الْمَوْصُولَةِ، وَصِلَتُهَا: يُؤْذِي
وَقَوْلُ مَنْ يُثْبِتُهُ مُقَدَّمُ ... عَلَى مَقَالِ مَنْ بِنَفْيٍ يَحْكُمُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ أَمْرًا فَادَّعَى جَارُهُ أَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا وَادَّعَى الْمُحْدِثُ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَمَنْ أَثْبَتَ الضَّرَرَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ نَفَاهُ.
قَالَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى فُلَانٍ فِي ذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي شَهِدَتْ بِالضَّرَرِ أَتَمُّ شَهَادَةً وَأَوْلَى بِالْحُكْمِ بِهَا انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ
стр. 576
وَإِنْ جِدَارٌ سَاتِرٌ تَهَدَّمَا ... أَوْ كَانَ خَشْيَةَ السُّقُوطِ هُدِّمَا
فَمَنْ أَبَى بِنَاءَهُ لَنْ يُجْبَرَا ... وَقِيلَ لِلطَّالِبِ إنْ شِئْتَ اُسْتُرَا
وَعَامِدٌ لِلْهَدْمِ دُونَ مُقْتَضِي ... عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ وَحْدَهُ قُضِيَ
إنْ كَانَ ذَا وُجْدٍ وَكَانَ مَالَهُ ... وَالْعَجْزُ عَنْهُ أَدَبًا أَنَالَهُ
وَإِنْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا فَمَنْ هَدَمْ ... دُونَ ضَرُورَةٍ بِنَاءَهُ الْتَزَمْ
وَإِنْ يَكُنْ لِمُقْتَضٍ فَالْحُكْمُ أَنْ ... يَبْنِيَ مَعْ شَرِيكِهِ وَهُوَ السَّنَنْ
مِنْ غَيْرِ إجْبَارٍ فَإِنْ أَبَى قُسِمْ ... مَوْضِعُهُ بَيْنَهُمَا إذَا حُكِمْ
الْجِدَارُ السَّاتِرُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ وَشِبْهِهِمَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِأَحَدِ مَالِكَيْ الدَّارَيْنِ أَوْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِ مَالِكَيْ الدَّارَيْنِ وَهُدِمَ فَإِنْ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ هَدَمَهُ مَالِكُهُ خَوْفَ سُقُوطِهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ بَلْ إنْ شَاءَ بَنَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ بِنَاءَهُ فَإِنْ طَالَبَهُ الْجَارُ بِبِنَائِهِ فَيُقَالُ لَهُ إنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَكَ فَإِنْ شِئْتَ فَاسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ أَوْ دَعْ وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
وَأَمَّا إنْ هَدَمَهُ مَالِكُهُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ بِبِنَائِهِ لِظُهُورِ قَصْدِ إرَادَةِ الضَّرَرِ بِالْجَارِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَالْجِدَارُ مِلْكٌ لَهُ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى تَعَمُّدِهِ لِهَدْمِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى بِنَائِهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَعَامِدٌ لِلْهَدْمِ دُونَ مُقْتَضِي
الْبَيْتَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْجِدَارُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْجَارَيْنِ فَهَدَمَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ هَدَمَهُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُوهُ لِهَدْمِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِنَاؤُهُ لِأَنَّهُ هَدَمَ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا فَمَنْ هَدَمْ ... دُونَ ضَرُورَةٍ بِنَاءَهُ الْتَزَمَ
وَإِنْ هَدَمَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِيهِ لِمُوجِبٍ كَخَوْفِ سُقُوطِهِ فَبِنَاؤُهُ عَلَيْهِمَا لَكِنْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى بِنَائِهِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بِنَائِهِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا وَامْتَنَعَا أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بِنَائِهِ فَإِنْ تَحَاكَمَا حُكِمَ بَيْنَهُمَا بِقِسْمَةِ مَوْضِعِ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ (قَالَ فِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ) وَإِنْ سَقَطَ جِدَارُ رَجُلٍ أَوْ هَدَمَهُ خَوْفَ سُقُوطِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إعَادَتِهِ وَقِيلَ لِجَارِهِ اُسْتُرْ عَلَى نَفْسِك أَوْ دَعْ وَإِنْ هَدَمَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قُضِيَ عَلَيْهِ بِإِعَادَتِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنْ لَا مَالَ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ بَيْنَهُمَا فَتَسَقَّطَ فَأَبَى أَحَدُهُمَا مِنْ الْإِعَادَةِ فَإِنْ كَانَ يَنْقَسِمُ قُسِمَ وَإِلَّا قُضِيَ عَلَى الْآبِي مِنْهُمَا بِالْبِنَاءِ مَعَ صَاحِبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ يُقْسَمُ بِخَيْطٍ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قِسْمَةِ عَرْضِهِ عَلَى طُولِهِ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَرْضًا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ مِمَّا يَلِيهِ (وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْجِدَارِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَتَهَدَّمُ فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَهُ وَيَأْبَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِبِنَائِهِ وَإِنْ أَحَبَّ الْآخَرُ أَنْ يَسْتُرَ دَارِهِ سَتَرَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجِدَارُ بَيْنَهُمَا فَيُؤْمَرُ أَنْ يَبْنِيَ مَعَ صَاحِبِهِ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ قَالَ عِيسَى يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ مَعَهُ بِحُكْمٍ فَإِنْ كَرِهَ قَاسَمَهُ مَوْضِعَ الْجِدَارِ فَأَخَذَ نِصْفَهُ مِمَّا يَلِيهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْحَائِطِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى الْإِصْلَاحِ أَوْ يَتَهَدَّمُ فَلَا يُرِيدُ أَحَدُهُمَا الْإِصْلَاحَ وَلَا الْبُنْيَانَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُجْبَرُ الَّذِي يَأْبَى مِنْهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُجْبَرُ إذَا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى إذَا كَانَ حَائِطٌ بَيْنَ دَارَيْنِ فَهَدَمَهُ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَهُ إذَا كَانَ قَدْ هَدَمَهُ عَلَى وَجْهِ الضَّرَرِ وَإِذَا كَانَ هَدَمَهُ لِلْإِصْلَاحِ فَعَجَزَ عَنْهُ أَوْ انْهَدَمَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ كَمَا كَانَ، وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْبَرُ عَلَى بُنْيَانِهِ كَانَ هُوَ الَّذِي هَدَمَهُ أَوْ انْهَدَمَ مِنْ غَيْرِ هَادِمٍ إذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى بُنْيَانِهِ فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عَنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى بُنْيَانِهِ. اهـ.
وَجِدَارٌ فَاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ تَهَدَّمَا وَهُدِّمَ بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ وَالطَّالِبُ أَيْ لِلْبِنَاءِ وَالْوُجْدُ مُثَلَّثُ الْوَاوِ مَصْدَرُ وَجَدَ فِي الْمَالِ أَيْ اسْتَغْنَى وَأَوْجَدَهُ أَيْ أَغْنَاهُ، يُقَالُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْجَدَنِي بَعْدَ فَقْدِي قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَقَوْلُهُ وَكَانَ مَالَهُ أَيْ مِلْكًا وَمَالًا مِنْ مَالِهِ وَأَدَبًا مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَنَالَ، وَإِنْ يَكُنْ أَيْ الْجِدَارُ السَّاتِرُ مُشْتَرَكًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ فِي الْجِدَارِ الْمَمْلُوكِ لِأَحَدِ الْجَارَيْنِ وَبِنَاءَهُ مَفْعُولُ الْتَزَمَ وَإِنْ يَكُنْ أَيْ هَدْمُهُ وَالسَّنَنُ أَيْ الطَّرِيقُ
стр. 577
وَإِنْ تَدَاعَيَاهُ فَالْقَضَاءُ ... لِمَنْ لَهُ الْعُقُودُ وَالْبِنَاءُ
يَعْنِي إذَا تَنَازَعَ الْجَارَانِ فِي الْحَائِطِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِمَنْ تَكُونُ لَهُ عُقُودُهُ وَعَلَيْهِ يَكُونُ بِنَاؤُهُ فَفِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ وَإِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي جِدَارٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا قُضِيَ بِهِ لِمَنْ لَهُ الْعُقُودُ وَالْقُمُطُ وَالْبِنَاءُ مَعَ يَمِينِهِ (وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا اخْتَلَفَ الرَّجُلَانِ فِي جِدَارٍ بَيْنَ دَارَيْهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ يَدَّعِيهِ فَإِنْ كَانَ عَقْدُ بِنَائِهِ إلَيْهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَإِنْ كَانَ مَعْقُودًا إلَى أَحَدِهِمَا وَمُنْقَطِعًا إلَى الْآخَرِ فَهُوَ لِمَنْ إلَيْهِ الْعَقْدُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى الْعُقُودِ فِي الْبُنْيَانِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ. اهـ.
وَفِي الرِّسَالَةِ وَيُقْضَى بِالْحَائِطِ لِمَنْ إلَيْهِ الْقُمُطُ وَالْعُقُودُ قَالَ الشَّيْخُ الْجُزُولِيُّ الشَّيْخُ أَرَادَ بِالْحَائِطِ هُنَا الْجِدَارَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْبُسْتَانَ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ يُسَمَّى حَائِطًا قَالَ قَبْلَ هَذَا وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ مِنْ الثَّمَرِ وَقَالَ وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى إخْرَاجِ مَا فِي الْحَائِطِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تَمَامِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمَا فَإِذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي حَائِطٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ وَتَكَافَأَتَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِمَنْ إلَيْهِ الْقُمُطُ وَالْعُقُودُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَتَيْنِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْحَائِطِ لِمَنْ إلَى جِهَتِهِ الْقُمُطُ وَالْعُقُودُ، ثُمَّ قَالَ وَالْقُمُطُ وَالْعُقُودُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعَاقِدِ الْأَرْكَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُشَدُّ بِهِ وَجْهُ الْحَائِطِ وَقِيلَ هُمَا مُتَبَايِنَانِ فَالْقُمُطُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُشَدُّ بِهِ وَجْهُ الْحَائِطِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الِانْتِثَارِ وَالْعُقُودُ عِبَارَةٌ عَنْ تَدَاخُلِ الْأَرْكَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْقُمُطُ مَعَاقِدُ الْحِيطَانِ وَاحِدُهَا قِمَاطٌ فَالْقَمْطُ الشَّدُّ وَمِنْهُ قَمَطَ الصَّبِيَّ لَفَّهُ فِي الْخِرَقِ قَالَهُ الْمَغْرَاوِيُّ.
وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ الْقَمْطُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَشُدُّ بِهِ وَجْهَهُ بِمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْتَثِرَ تُرَابُهُ وَيُثَقَّفَ غُبَارُهُ بِشَيْءٍ قَوِيٍّ عَلَى مَا بُنِيَ بِهِ إمَّا جِيرٌ أَوْ تُرَابٌ صَحِيحٌ وَقَدْ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ زِينَةً وَالْعُقُودُ هِيَ أَرْكَانُ الْغُرَفِ وَالْعَلَالِيِّ وَقِيلَ الْقَمْطُ الْفُرَجُ غَيْرُ النَّافِذَةِ وَقِيلَ تَوْجِيهُ الْآجُرِّ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا قُمْطٌ وَلِلْآخَرِ الْعُقُودُ قُضِيَ بِهِ لِمَنْ إلَيْهِ الْعُقُودُ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْقُمْطِ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ وَفِي مَجَالِسِ الْقَاضِي الْمِكْنَاسِيِّ وَحَقِيقَةُ الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الرُّكْنُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ طَرَفَا الْحَائِطِ آجُرُّهُ مُرَكَّبٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ كَاشْتِبَاكِ الْأَصَابِعِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّ بِهِ طَاقَةً غَيْرَ نَافِذَةٍ فَالْحَائِطُ لِمَنْ الطَّاقُ إلَى نَاحِيَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ طَاقٌ، وَذَكَرُوا أَنَّ وَجْهَهُ إلَى إحْدَى الدَّارَيْنِ فَالْحَائِطُ لِمَنْ الْوَجْهُ إلَيْهِ وَقِيلَ إنَّ الْوَجْهَ هُوَ الْقُمْطُ وَقِيلَ الْقُمْطُ هُوَ السَّوَارِي الَّتِي تُبْنَى فِي الْحَائِطِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ سِوَارِي فَالْحَائِطُ لِمَنْ هِيَ فِي جِهَتِهِ فَإِنْ عَرِيَ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ مَعَ كَوْنِهِ مُقْبِلًا مِنْ طَرَفَيْهِ وَعَلَيْهِ حُمِّلَ خَشَبٌ فَالْحَائِطُ لِمَنْ حُمِّلَ الْخَشَبُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ بِهَذِهِ الْعَلَامَاتِ لِمَنْ هِيَ مِنْ نَاحِيَتِهِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَخَالَفَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي حَمْلِ الْخَشَبِ وَقَالَا لَا يُمْلَكُ الْحَائِطُ بِحَمْلِ الْخَشَبِ عَلَيْهِ وَفَصَّلَ ابْنُ الرَّامِي التُّونُسِيُّ فِي الْخَشَبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَيْهَا أَوْ تَكُونَ مُزْرَقَةً فَإِنْ كَانَتْ مَبْنِيًّا عَلَيْهَا كَانَ الْحَائِطُ لِمَنْ لَهُ الْخَشَبُ وَإِنْ كَانَتْ مُزْرَقَةً فَلَا تُوجِبُ مِلْكًا اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ فَقَدْ أَطَالَ فِي ذَلِكَ آخِرَ الْمَجْلِسِ الثَّالِثِ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي الْمِكْنَاسِيُّ قَبْلَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ قِيلَ إنَّ مِنْ حَقِّ الْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي شُهُودِ أَهْلِ الْبَصَرِ فِي الْمَبَانِي وَيَخْتَبِرَ أَحْوَالَهُمْ فِي أُجْرَتِهِمْ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ شُرُوطًا مِنْهَا أَنْ لَا يُحَكَّمُوا فِي حَائِطٍ لِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَإِنَّمَا يَصِفُونَهُ فَقَطْ بِوَصْفٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ وَيُوَضِّحُ الْبَيَانَ فَيَصِفُ الدَّارَ أَوْ الْحَانُوتَ أَوْ الْفُنْدُقَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بِوَصْفٍ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ احْتِمَالٌ بِاعْتِبَارِ الْخُشُبِ وَالْحِيطَانِ هَلْ هِيَ مَعْقُودَةٌ إلَيْهَا أَوْ جَائِزَةٌ عَنْهَا أَوْ مُقْبِلَةٌ فِي مُنْتَهَى حَدِّهَا يَصِفُ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِهَا الْأَرْبَعِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَائِعُ شَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ نَظَرَ فِيهِ الْقَاضِي بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ فِيهِ وَحَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ اهـ
стр. 578
[فَصْلٌ فِي ضَرَرِ الْأَشْجَارِ]
ِ
وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْأَشْجَارِ ... جَنْبَ جِدَارٍ مُبْدِيَ انْتِشَارِ
فَإِنْ يَكُنْ بَعْدَ الْجِدَارِ وُجِدَا ... قُطِعَ مَا يُؤْذِي الْجِدَارَ أَبَدَا
وَحَيْثُ كَانَ قَبْلَهُ يُشَمَّرُ ... وَتَرْكُهُ وَإِنْ أَضَرَّ الْأَشْهَرُ
يَعْنِي إنْ كَانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ أَوْ أَشْجَارٌ إلَى جَنْبِ جِدَارٍ لِغَيْرِهِ وَأَضَرَّتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ أَوْ الْأَشْجَارُ بِذَلِكَ الْجِدَارِ بِانْتِشَارِ أَغْصَانِهَا وَامْتِدَادِ فُرُوعِهَا حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ حُدُودِ مِلْكِ رَبِّهَا فَلَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ وَجْهَيْنِ: إنْ سَبَقَ الْجِدَارُ الْأَشْجَارَ وَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مِنْ تِلْكَ الْأَغْصَانِ مَا أَضَرَّ وَانْتَشَرَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ حَادِثٌ عَلَى الْجِدَارِ، وَكُلُّ حَادِثٍ مِنْ الضَّرَرِ يُحْكَمُ بِزَوَالِهِ وَإِنْ سَبَقَتْ الْأَشْجَارُ الْجِدَارَ فَقَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُقْطَعُ مَا أَضَرَّ وَانْتَشَرَ وَخَرَجَ عَنْ أَرْضِ صَاحِبِهِ وَهُوَ مُرَادُهُ بِالتَّشْمِيرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُتْرَكُ وَلَا يُزَالُ وَإِنْ أَضَرَّ وَهُوَ أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ. قَالَ الشَّارِحُ: فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِمُطَرِّفٍ وَوَجْهُهُ كَوْنُ الْحَائِطِ فِي مِلْكِ رَبِّهِ قَدْ بَنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي يَسُوغُ لَهُ بِنَاؤُهُ فِيهِ فَلَا سَبِيلَ لَأَنْ يَسْتَحِقَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِفُرُوعِ شَجَرَتِهِ الْخَارِجَةِ عَنْ حُدُودِ مِلْكِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الَّذِي بَنَى الْحَائِطَ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ شَجَرَةً قَدْ اسْتَحَقَّتْ بِانْتِشَارِهَا هَوَاءَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَقَدْ سَبَقَ انْتِشَارُ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ لِبُنْيَانِهِ، وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ، لَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَشْهَرُ.
فَفِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي الشَّجَرَةِ تَكُونُ إلَى جَانِبِ جِدَارِ الرَّجُلِ فَيُصَوِّرُ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ أَقْدَمَ مِنْ الْجِدَارِ وَكَانَتْ عَلَى حَالِ مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ مِنْ انْبِسَاطٍ فَلَا تُقْطَعُ، وَإِنْ حَدَثَ لَهَا أَغْصَانٌ بَعْدَ مَا بَنَى الْجِدَارَ تَضُرُّ بِالْجِدَارِ فَلِيُشَمِّرْ مِنْهَا كُلَّ مَا أَضَرَّ بِالْجِدَارِ مِمَّا حَدَثَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تُتْرَكُ وَمَا حَدَثَ وَانْتَشَرَ مِنْ أَغْصَانِهَا وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْجِدَارِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا شَأْنُ الشَّجَرِ فَقَدْ صَارَ مِنْ حَرِيمِهَا قَبْلَ بِنَاءِ الْجِدَارِ وَقَالَ أَصْبَغُ كَقَوْلِ مُطَرِّفٍ وَبِهِ أَقُولُ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَقَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقَالُوا أَجْمَعَ وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ مُحْدَثَةً بَعْدَ الْجِدَارِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ كُلُّ مَا آذَى الْجِدَارَ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : وَلَا خَفَاءَ بِوَجْهِ هَذَا الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ إذَا كَانَتْ الشَّجَرَةُ أَقْدَمَ مِنْ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ لَمْ يَدْخُلْ إلَّا عَلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ قَدْ مَلَكَتْ هَوَاءَ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَنَى فِيهِ حَائِطَهُ. اهـ فَقَوْلُهُ:
وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْأَشْجَارِ
.. إلَخْ كُلُّ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الشَّرْطُ وَجَوَابُهُ فِي قَوْلِهِ:
فَإِنْ يَكُنْ بَعْدَ الْجِدَارِ وُجِدَا ... قُطِعَ مَا يُؤْذِي الْجِدَارَ أَبَدَا
وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَا الْوَاقِعَةِ عَلَى الْأَشْجَارِ، وَمِنْ الْأَشْجَارِ بَيَانٌ لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي مَا، وَجَنْبُ، خَبَرُ كَانَ وَمُبْدِيَ حَالٌ مِنْ الْأَشْجَارِ وَاسْمُ يَكُنْ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْجَارِ وَكَذَا اسْمُ كَانَ فِي الْبَيْتِ الثَّالِثِ، وَضَمِيرُ قَبْلُهُ لِلْجِدَارِ.
وَمَنْ تَكُنْ لَهُ بِمِلْكٍ شَجَرَهْ ... أَغْصَانُهَا عَالِيَةٌ مُنْتَشِرَهْ
فَلَا كَلَامَ عِنْدَ ذَا لِجَارِهَا ... لَا فِي ارْتِفَاعِهَا وَلَا انْتِشَارِهَا
وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ عَنْ هَوَاءِ ... صَاحِبِهَا يُقْطَعُ بِاسْتِوَاءِ
стр. 579
يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي مِلْكِهِ فَطَالَتْ أَغْصَانُهَا وَانْتَشَرَتْ حَتَّى صَارَتْ يَتَشَرَّفُ مِنْهَا عَلَى دَارِ جَارِهِ إذَا طَلَعَ يَجْنِيهَا، فَلَا كَلَامَ لِلْجَارِ فِي ذَلِكَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي التَّكَشُّفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يُؤْذِنُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْنِيَهَا، وَغَايَةُ مَالَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَغْصَانِهَا مَا خَرَجَ عَنْ هَوَاءِ صَاحِبِهَا وَيَكُونُ الْقَطْعُ مُسَامِتًا لِطَرَفِ أَرْضِ صَاحِبِهَا وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ بِاسْتِوَاءِ.
(قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ:) قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي شَجَرَةٍ فِي دَارِ رَجُلٍ فَطَالَتْ حَتَّى صَارَ يَتَشَرَّفُ مِنْهَا عَلَى دَارِ جَارِهِ: إذَا طَلَعَ يَجْنِيهَا أَوْ غَرَسَهَا قَرِيبًا فَزَعَمَ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يُطْرَقَ مِنْهَا فَيُدْخَلَ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ.
قَالَ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ إلَّا مَا خَافَ مِنْ الطَّرْقِ أَوْ مِمَّنْ يَجْنِيهَا فَلَا حُجَّةَ وَيُؤْذِنُهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَجْنِيَهَا، وَأَمَّا إنْ خَرَجَ مِنْ فُرُوعِهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَلْيَقْطَعْ الْخَارِجَ فَقَطْ. وَنَحْوُهُ لِأَصْبَغَ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ: إنْ كَانَ عِظَمُهَا وَامْتِدَادُهَا صُعُودًا إلَى السَّمَاءِ فَلَا تُغَيَّرُ عَنْ حَالِهَا كَالْبُنْيَانِ يَرْفَعُهُ الرَّجُلُ فِي حَقِّهِ فَيَسْتُرُ بِهِ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ عَنْ جَارِهِ، وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا مُدَّتْ فِي أَرْضِ جَارِهِ فَلْتُشَمَّرْ وَتُقْطَعْ وَتُرَدَّ إلَى حَالٍ لَا تُؤْذِي. وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْهَا إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَلْيُقْطَعْ حَتَّى تَعُودَ فُرُوعُهَا حَدَّ أَرْضِ صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْأَرْضِ لِرَبِّهَا. اهـ
وَأَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَفَّارُ فِي شَجَرَةٍ لِرَجُلٍ أَضَرَّتْ شَجَرَةَ جَارِهِ بِقَطْعِ مَا خَرَجَ مِنْ الشَّجَرَةِ عَنْ هَوَاءِ صَاحِبِهَا، يُؤْمَرُ بِذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَإِنْ تَكُنْ بِمِلْكِ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ ... وَانْتَشَرَتْ حَتَّى أَظَلَّتْ جُلَّهُ
فَمَا لِرَبِّ الْمِلْكِ قَطْعُ مَا انْتَشَرْ ... لِعِلْمِهِ بِأَنَّ ذَا شَأْنُ الشَّجَرْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ قِسْمَةٍ وَعَظُمَتْ وَانْتَشَرَتْ حَتَّى أَظَلَّتْ جُلَّ الْمِلْكِ الَّذِي هِيَ فِيهِ فَلَا كَلَامَ لِرَبِّ ذَلِكَ الْمِلْكِ فِي قَطْعِ مَا انْتَشَرَ مِنْهَا وَطَالَ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الشَّجَرِ، فَصَارَ هَذَا الْأَمْرُ مَدْخُولًا عَلَيْهِ فَفِي ابْنِ يُونُسَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ: وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الَّتِي تَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ بِمِيرَاثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ قِسْمَةٍ فَامْتَدَّتْ ارْتِفَاعًا وَانْبِسَاطًا حَتَّى أَضَرَّتْ بِالْأَرْضِ فَلَا قَوْلَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ اهـ
وَالْحُكْمُ فِي الطَّرِيقِ حُكْمُ الْجَارِ ... فِي قَطْعِ مَا يُؤْذِي مِنْ الْأَشْجَارِ
يَعْنِي أَنَّهُ كَمَا يَجِبُ قَطْعُ مَا أَضَرَّ مِنْ الشَّجَرَةِ بِالْجَارِ كَذَلِكَ يَجِبُ قَطْعُ مَا أَضَرَّ مِنْهَا بِالْمَارِّينَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّرِيقِ وَمِلْكِ الْجَارِ إلَّا بِتَعْدَادِ الْمُنْتَفِعِينَ بِالطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهَا حَبْسٌ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ يُوجِبُ اسْتِوَاءَ الْحُكْمِ أَوْ تَأَكُّدَهُ إذَا اُعْتُبِرَتْ كَثْرَةُ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَاخْتِلَافُهُمْ بِالضَّعْفِ وَعَدَمِ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ كَالشَّأْنِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ مَعَ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ. (فَرْعٌ) قَالَ الْبَاجِيُّ مَا خَرَجَ مِنْ الْأَجْنِحَةِ عَنْ الْحِيطَانِ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَنَاحُ بِأَسْفَلِ الْجِدَارِ حَيْثُ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَيُمْنَعُ اهـ وَانْظُرْ: هَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ تَحْتَ الْأَرْضِ؟ وَسَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ لِمَنْ لَهُ دَارَانِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى جِدَارَيْهِمَا غُرْفَةً أَوْ مَجْلِسًا فَوْقَ الطَّرِيقِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْإِضْرَارُ بِتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ.
(ابْنُ رُشْدٍ) هَذَا رَفَعَ بِنَاءً رَفْعًا يُجَاوِزُ رَأْسَ الْمَارِّ رَاكِبًا وَنَحْوَهُ فِي الزَّاهِي وَكَذَا الْأَجْنِحَةُ انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ سُنَّةُ الْأَنْهَارِ وَالطُّرُقِ الِارْتِفَاقُ بِهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْصِبَ عَلَى نَهْرٍ إذَا كَانَتْ الضِّفَّتَانِ لَهُ أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَأَبَاحَ لَهُ صَاحِبُ الثَّانِيَةِ ذَلِكَ، وَلَا حُجَّةَ لِلسُّلْطَانِ أَنَّ الْوَادِيَ لَهُ انْتَهَى مِنْ الْمَوَّاقِ وَفِي نَظْمِ إيضَاحِ الْمَسَالِكِ لِوَلَدِ مُؤَلِّفَةِ الْعَالِمِ الشَّهِيرِ أَبِي مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْعَالِمِ الْحَافِظِ سَيِّدِي أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرَ الْأَرْضِ، هَلْ يَمْلِكُ بَاطِنَهَا وَهِيَ التَّرْجَمَةُ الثَّامِنَةُ وَالْمِائَةُ مِنْ تَرَاجِمِ النَّظْمِ الْمَذْكُورِ
وَمَا عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ هَوَاءِ ... فَهْوَ لِمَنْ سَبَقَ بِالْإِحْيَاءِ
بِرَوْشَنٍ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يَضُرْ ... بِمَنْ عَلَى تِلْكَ الْمَحَجَّةِ يَمُرْ.
стр. 580
[فَصْلٌ فِي مُسْقِطِ الْقِيَامِ بِالضَّرَرِ]
ِ
وَعَشْرَةُ الْأَعْوَامِ لِامْرِئٍ حَضَرْ ... تَمْنَعُ إنْ قَامَ بِمُحْدَثِ الضَّرَرْ
وَذَا بِهِ الْحُكْمُ وَبِالْقِيَامِ ... قَدْ قِيلَ بِالزَّائِدِ فِي الْأَيَّامِ
يَعْنِي مَنْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ حَاضِرٌ وَسَكَتَ وَلَا مَانِعَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَضَى لِذَلِكَ عَشَرَةُ أَعْوَامٍ فَلَا قِيَامَ لَهُ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ الْحُكْمُ. قَالَ الشَّارِحُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ وَقِيلَ: لَهُ الْقِيَامُ بَعْدَ الْعَشَرَةِ أَعْوَامٍ إذَا كَانَ بِالْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِوَزْنِ أَفْعَالٍ الَّذِي هُوَ أَحَدُ جُمُوعِ الْقِلَّةِ. (وَقَوْلُهُ: بِمُحْدَثِ الضَّرَرِ) مُحْدَثُ بِفَتْحِ الدَّالِ: اسْمُ مَفْعُولٍ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ يُحَازُ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ، قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يَجِبُ إزَالَةُ ضَرَرِ دُخَانِ الْحَمَّامِ وَغُبَارِ الْأَنْدَرِ وَنَتَنِ الدَّبَّاغِينَ قَدِيمًا كَانَ أَوْ حَادِثًا مَا نَصُّهُ: لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُسْتَحَقُّ بِالْقِدَمِ وَإِنَّمَا حِيَازَةُ التَّقَادُمِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْأَثَرُ مَنْ حَازَ عَلَى خَصْمِهِ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْأَمْوَالِ، وَلَا تَكُونُ الْحِيَازَةُ فِي أَفْعَالِ الضَّرَرِ حِيَازَةً تَقْوَى بِهَا حُجَّةٌ، بَلْ يَزِيدُهُ طُولُ التَّقَادُمِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الضَّرَرِ يَبْقَى عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَتَزَايَدُ؛ كَفَتْحِ بَابٍ عَلَى جَارِهِ أَوْ كُوَّةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِمَا تُسْتَحَقُّ بِهِ الْأَمْلَاكُ عَلَى مَنْ حِيزَتْ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا يُحْدِثُ مِنْ الْكُنُفِ وَالْمَطَاهِرِ وَالْحُفَرِ الَّتِي يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الْمَاءُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ بِمَا تُسْتَحَقُّ بِهِ الْأَمْلَاكُ مِنْ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّمَا طَالَ زَمَنُهُ كَثُرَ وَزَادَ ضَرَرُهُ. (وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) : وَمَنْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ مِنْ اطِّلَاعٍ أَوْ خُرُوجٍ بِمِرْحَاضِهِ قُرْبَ جِدَارِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْدَاثِ الْمُضِرَّةِ، وَعَلِمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَلَا اعْتَرَضَ فِيهِ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ وَنَحْوِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْقِيَامِ فِيهِ فَلَا قِيَامَ لَهُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، هُوَ كَالِاسْتِحْقَاقِ.
وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَابْنُ الْعَطَّارِ ثُمَّ حَكَى الْمُتَيْطِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ، الْعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ قَالَ: وَبِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ (وَفِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ) وَحِيَازَةُ الضَّرَرِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَجْنبِيِّينَ سَوَاءٌ، عَلَى الْقَوْلِ بِحِيَازَتِهِ وَلَا يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَرَابَةِ وَالْأَجْنبِيِّينَ كَمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَمْلَاكِ بِالْحِيَازَةِ، قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ فِي مَسَائِلِهِ. اهـ وَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ فِي حَوْزِ الضَّرَرِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَمْلَاكُ وَهُوَ الَّذِي فِي النَّظْمِ، وَمِثْلُهُ تَقَدَّمَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُحَازُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ سَلْمُونٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الضَّرَرِ الَّذِي يَتَزَايَدُ فَلَا يُحَازُ وَلَا يَتَزَيَّدُ فَيُحَازُ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ عَنْ كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ وَلَوْ أَرَادَ النَّاظِمُ التَّنْصِيصَ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَقَالَ:
وَثَالِثُ الْأَقْوَالِ فِي حَوْزِ الضَّرَرْ ... مَا لَا يَزِيدُ ضَرُّهُ لِمَنْ أَضَرْ
وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهَا تُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ يُحَازُ مَا لَا يَزِيدُ ضَرَرُهُ فَالْأَوَّلُ يُحَازُ مُطْلَقًا وَالثَّانِي مُقَابِلُهُ لَا يُحَازُ مُطْلَقًا.
هَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى الطَّرِيقَةِ الْحَاجِبِيَّةِ مِنْ كَوْنِ صَدْرِ
стр. 581
الثَّالِثِ دَلِيلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَعَجُزِهِ دَلِيلَ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ نَقَلَ الشَّارِحُ هُنَا عَنْ طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَسَّمَ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ مِمَّا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهُ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ بِاتِّفَاقٍ كَالْأَنْدَرِ الْمُضِرِّ بِتِبْنِهِ وَغُبَارِهِ لِلدَّارِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ وَدُخَانِ الْحَمَّامِ وَالْفُرْنِ وَالرَّائِحَةِ الْقَبِيحَةِ كَالدِّبَاغِ وَمَا يَضُرُّ بِالْجُدْرَانِ كَالْكَنِيفِ إلَى جَنْبِ حَائِطِ جَارِهِ أَوْ رَحًى تَضُرُّ بِجُدْرَانِهِ، وَضَرَرِ الِاطِّلَاعِ مِنْ فَتْحِ كُوَّةٍ أَوْ بَابٍ أَوْ قَضْبَةٍ يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى عِيَالِهِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ بِاتِّفَاقٍ؛ كَإِحْدَاثِ فُرْنٍ بِقُرْبِ فُرْنٍ آخَرَ أَوْ حَمَّامٍ بِقُرْبِ آخَرَ فَيَضُرُّ بِهِ فِي قِلَّةِ عِمَارَتِهِ وَنُقْصَانِ غَلَّتِهِ أَوْ يَبْنِي فِي دَارِهِ مَا يَمْنَعُ بِهِ جَارَهُ الضَّوْءَ أَوْ الشَّمْسَ أَوْ الرِّيحَ، وَضَرَرُ الْأَصْوَاتِ كَالْحَدَّادِ وَالْكَمَّادِ وَالنَّدَّافِ، وَفِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ خِلَافٌ شَاذٌّ، وَمِنْهُ مَا يُخْتَلَفُ فِي وُجُوبِ الْمَنْعِ مِنْهُ؛ كَأَنْ يُحْدِثَ فِي أَرْضِهِ بِنَاءً قُرْبَ أَنْدَرِ جَارِهِ يَمْنَعُهُ بِهِ الرِّيحَ عِنْدَ الذَّرْوِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ يُمْنَعُ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ سَحْنُونٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ.
وَمَنْ رَأَى بُنْيَانَ مَا فِيهِ ضَرَرْ ... وَلَمْ يَقُمْ مِنْ حِينِهِ بِمَا ظَهَرْ
حَتَّى رَأَى الْفَرَاغَ مِنْ إتْمَامِهِ ... مُكِّنَ بِالْيَمِينِ مِنْ قِيَامِهِ
فَإِنْ يَبِعْ بَعْدُ بِلَا نِزَاعِ ... فَلَا قِيَامَ فِيهِ لِلْمُبْتَاعِ
وَإِنْ يَكُنْ حِينَ الْخِصَامِ بَاعَا ... فَالْمُشْتَرِي يَخْصِمُ مَا اسْتَطَاعَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَأَى جَارَهُ يَبْنِي مَا يَلْحَقُهُ بِبُنْيَانِهِ ضَرَرٌ فَسَكَتَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهِ، وَأَرَادَ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ مَنْعِهِ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ سُكُوتَهُ مَا كَانَ رِضًا مِنْهُ بِذَلِكَ، فَإِنْ بَاعَ دَارِهِ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ الْجَارُ بُنْيَانَهُ، وَلَمْ يُخَاصِمْهُ وَلَا نَازَعَهُ فِيمَا بَنَى، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا قِيَامَ لَهُ، وَإِنْ خَاصَمَ وَبَاعَ أَثْنَاءَ خِصَامِهِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِي الضَّرَرِ الْمُحْدَثِ عَلَى مُشْتَرَاهُ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِ، عَلَى أَنَّ فِي بَيْعِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ مَا لَا يَخْفَى.
(قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : وَمَنْ قَامَ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ بُنْيَانًا أَضَرَّ بِهِ بِقُرْبِ الْفَرَاغِ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّ سُكُوتَهُ حَتَّى كَمُلَ الْبُنْيَانُ لَمْ يَكُنْ عَلَى إسْقَاطِهِ مِنْهُ لِلْوَاجِبِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَيُقْطَعُ الضَّرَرُ. (وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ) فِي رَجُلٍ لَهُ دَارٌ ظَهْرُهَا فِي زُقَاقِ قَوْمٍ غَيْرِ نَافِذٍ فَفَتَحَ الرَّجُلُ بَابَ دَارِهِ إلَى هَذَا الزُّقَاقِ وَبَقِيَ كَذَلِكَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ ثُمَّ بَاعَ الْقَوْمُ دُورَهُمْ فَأَرَادَ مُبْتَاعُهَا إغْلَاقَ هَذَا الْبَابِ الْمُحْدَثِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ لِلْبَائِعِينَ قَبْلَ الْقِيَامِ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ حَلَّ مَحَلَّهُمْ فَجَاوَبَنِي ابْنُ عَتَّابٍ لَيْسَ لِلْمُبْتَاعِينَ فِيهِ كَلَامٌ وَلَا اعْتِرَاضٌ وَإِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ لِلْبَائِعِينَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا حَتَّى بَاعُوا فَهُوَ رِضًا مِنْهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّهُ لَا كَلَامَ لِلْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُونَ بَاعُوا وَقَدْ خَاصَمُوا فِي ذَلِكَ.
(وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ) : الْمَعْرُوفُ أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامَ عَلَى مُحْدِثِ الضَّرَرِ عَلَى الدَّارِ وَتُبَاعُ وَكَأَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ. اهـ. وَقَالَ فَضْلٌ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ حَبِيبٍ: اُنْظُرْ، هَلْ يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ عَلَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى خُصُومَةٍ؟ اهـ مِنْ الشَّارِحِ (وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ) : وَمَنْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ بِنَاءٌ فِيهِ ضَرَرٌ فَسَكَتَ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّ سُكُوتَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ رِضًا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فِيهِ، فَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ مَا أُحْدِثَ عَلَيْهِ الضَّرَرُ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ وَلَا تَكَلَّمَ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامُ بِهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَبَاعَهُ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ، فَإِنَّ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ وَيَقُومَ بِمَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُومَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ. اهـ وَهُوَ كَلَامُ النَّاظِمِ حَرْفًا حَرْفًا
وَمَانِعُ الرِّيحِ أَوْ الشَّمْسِ مَعَا ... لِجَارِهِ بِمَا بَنَى لَنْ يُمْنَعَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ بَنَى بُنْيَانًا يَمْنَعُ جَارَهُ الرِّيحَ أَوْ الشَّمْسَ أَوْ هُمَا مَعًا فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قُلْتُ: فَلَوْ بَنَى فَمَنَعَنِي بُنْيَانُهُ الشَّمْسَ الَّتِي كَانَتْ تَسْقُطُ فِي دَارِي وَالرِّيحَ، فَهَلْ لِي أَنْ أَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا. اهـ (وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ مَنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَتَجَاوَزَ بُنْيَانًا لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ رَفْعِ
стр. 582
بِنَائِهِ وَمُنِعَ مِنْ الضَّرَرِ بِهِ، وَإِنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ. فَسَدَّ عَلَى جَارِهِ كُوَاهُ وَأَظْلَمَتْ أَبْوَابُ غُرَفِهِ وَكُوَاهَا وَمَنَعَهُ الشَّمْسَ أَنْ تُرْفَعَ فِي حُجْرَتِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ هَذَا الْبُنْيَانِ.
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِهِ مَنْعِ الضَّوْءِ وَالشَّمْسِ وَالرِّيحِ. اهـ (فَرْعٌ) إذَا كَانَ الْبُنْيَانُ يَحْبِسُ الرِّيحَ عَنْ الْأَنْدَرِ فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الْبُنْيَانِ وُجِدَ عِنْدَهُ مَنْدُوحَةٌ أَمْ لَا. وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي مَوْضِعٍ يُبْطِلُ بِهِ أَنْدَرَ رَجُلٍ قَدْ تَطَاوَلَ انْتِفَاعُهُ بِهِ وَدِرَاسَتُهُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَسَوَاءٌ احْتَاجَ صَاحِبُ الْبُنْيَانِ إلَى الْبُنْيَانِ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ بُنْيَانًا يَضُرُّهُ فِي أَنْدَرِهِ. اهـ وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: لَا مَانِعَ ضَوْءِ شَمْسٍ وَرِيحٍ إلَّا الْأَنْدَرَ قَالَ الشَّارِحُ: إذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورَ وَهُوَ مَنْعُ مَانِعِ الرِّيحِ عَنْ الْأَنْدَرِ فَمِثْلُهُ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي مَانِعِ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ الرِّيحِ عَنْ مَرْجٍ، فَصَارَ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ الْأَنْدَرِ وَمِثْلُهُ نَشِيرُ الْعَصِيرِ وَمَرْبِدُ التَّمْرِ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ: فَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا بَعِيدَةً مِنْ بِئْرِ جَارِهِ فَانْقَطَعَ مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى، وَعُلِمَ أَنَّ انْقِطَاعَهُ مِنْ أَجْلِ الْبِئْرِ الْمُحْدَثَةِ، فَقَالَ: إذَا عُلِمَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ الْمُحْدَثَةِ، وَيَقْضِيَ عَلَيْهِ بِرَدْمِهَا، وَسَوَاءٌ حَفَرَهَا فِي الْوَسَطِ أَوْ فِي غَيْرِ الْوَسَطِ.
[فَصْلٌ فِي الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي]
وَغَاصِبٌ يَغْرَمُ مَا اسْتَغَلَّهُ ... مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَرُدُّ أَصْلَهُ
حَيْثُ يُرَى بِحَالِهِ فَإِنْ تَلِفْ ... قُوِّمَ وَالْمِثْلُ بِذِي مِثْلٍ أُلِفْ
(ابْنُ عَرَفَةَ)
الْغَصْبُ أَخْذُ مَالٍ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا لِخَوْفِ قِتَالٍ (الرَّصَّاعُ) قَوْلُهُ: أَخْذُ مَالٍ أَخْرَجَ غَيْرَ الْمَالِ كَأَخْذِ امْرَأَةٍ وَإِنْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ غَصْبًا فَلَيْسَ مَقْصُودًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ اصْطِلَاحًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لُغَةً. (قُلْتُ) : اصْطِلَاحُهُمْ أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِالِاغْتِصَابِ كَمَا يَأْتِي لِلنَّاظِمِ بَعْدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ. وَقَوْلُهُ: غَيْرِ مَنْفَعَةٍ أَخْرَجَ بِهِ التَّعَدِّيَ وَهُوَ أَخْذُ الْمَنَافِعِ كَسُكْنَى رَبْعٍ وَحَرْثِهِ؛ فَإِنَّهُ تَعَدٍّ وَلَيْسَ بِغَصْبٍ. وَقَوْلُهُ: ظُلْمًا أَخْرَجَ بِهِ أَخْذَهُ بِغَيْرِ بَاطِلٍ وَمَا ظَفِرَ بِهِ الْمَغْصُوبُ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَأَخَذَهُ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّ وَمَا يُنْتَزَعُ مِنْ الْعَبْدِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مُكَاتَبٍ عَجَزَ. وَقَوْلُهُ: قَهْرًا أَخْرَجَ بِهِ السَّرِقَةَ وَالنُّهْبَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْخِيَانَةِ، أَيْ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظُلْمًا لَكِنْ لَا قَهْرَ فِيهَا. وَقَوْلُهُ: لَا لِخَوْفِ قِتَالٍ أَخْرَجَ بِهِ الْحِرَابَةَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْغِيلَةَ بِقَوْلِهِ قَهْرًا إذْ لَا قَهْرَ فِي الْغِيلَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَوْتِ مَالِكِهِ
стр. 583
وَأَمَّا التَّعَدِّي فَقَالَ الرَّصَّاعُ قَالَ الْمَازِرِيُّ مِنْ غَيْرِ الْغَصْبِ وَأَحْسَنُ مَا مُيِّزَ بِهِ عَنْهُ أَنَّ التَّعَدِّيَ هُوَ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ الْحَقِّ دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِ الرَّقَبَةِ أَوْ إتْلَافُهُ أَوْ بَعْضِهِ دُونَ قَصْدِ التَّمَلُّكِ. فَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ أَخْرَجَ بِهِ الْإِجَارَةَ وَالْعَارِيَّةَ وَغَيْرَهُمَا، وَقَوْلُهُ: دُونَ قَصْدِ التَّمَلُّكِ أَخْرَجَ بِهِ الْغَصْبَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ (إتْلَافُهُ) هَذَا قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ التَّعَدِّي وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمِلْكِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الِانْتِفَاعِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بَعْضِهِ. زَادَهُ لِيُدْخِلَ فِيهِ هَلَاكَ بَعْضِ الشَّيْءِ، وَقَوْلُهُ: دُونَ قَصْدِ التَّمَلُّكِ أَخْرَجَ بِهِ الْغَصْبَ أَيْضًا. (قَالَ الرَّصَّاعُ) : وَبَعْدَ أَنْ قَيَّدْتُ هَذَا مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ رَأَيْتُ تَرْجَمَةَ التَّعَدِّي فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ قَالَ فِيهِ: التَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِهِ.
قَوْلُهُ:
وَغَاصِبٌ يَغْرَمُ مَا اسْتَغَلَّهُ
الْبَيْتَيْنِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ غَصَبَ شَيْئًا وَاسْتَغَلَّهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْغَلَّةِ الَّتِي اسْتَغَلَّ مِنْهُ، وَيَرُدُّ أَيْضًا نَفْسَ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ إنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ وَقْتَ الْغَصْبِ، فَإِنْ تَلِفَ بِيَدِ الْغَاصِبِ غَرِمَ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا. (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ:) وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي بِحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ مَالَهُ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، أَوْ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ إنْ كَانَ فَائِتًا، إلَّا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ آحَادُهُ كَالْبَيْضِ وَالْجَوْزِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ مِثْلَهُ. اهـ وَهَذَا إذَا تَلِفَ رَأْسًا وَأَمَّا إنْ تَعَيَّبَ، وَلَمْ يَتْلَفْ فَفِي الرِّسَالَةِ مَا حَاصِلُهُ، أَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِنَقْصِهِ، أَوْ تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِتَعَدِّيهِ خُيِّرَ رَبُّهُ أَيْضًا بَيْنَ أَخْذِهِ أَوْ أَخْذِ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ قِيمَتَهُ.
أَمَا وُجُوبُ رَدِّ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا رَدُّ الْغَلَّةِ فَقَالَ الْإِمَامُ الْقَلْشَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَةِ: وَيَرُدُّ الْغَاصِبُ الْغَلَّةَ وَلَا يَرُدُّهَا غَيْرُ الْغَاصِبِ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ: وَتَحْصِيلُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ الْغَلَّاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: غَلَّةٌ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَخِلْقَتِهِ كَالْوَلَدِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ مَعَ الْأُمِّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْوَلَدِ وَقِيمَةِ الْأُمِّ. الثَّانِي غَلَّةٌ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ خِلْقَتِهِ وَهَيْئَتِهِ كَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ وَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ لِلْغَاصِبِ لِضَمَانِهِ وَلِحَدِيثِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ.» الثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ رَدُّهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ قِيمَتَهَا إنْ ادَّعَى تَلَفَهَا وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ: مَعَ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ. وَإِنْ تَلِفَ الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْغَلَّةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْغَلَّةِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ.
الثَّالِثُ: الْغَلَّةُ الَّتِي هِيَ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ وَهِيَ الْأَكْرِيَةُ وَالْخَرَاجَاتُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّهَا جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ أَنْ يُكْرِيَ أَوْ يَنْتَفِعَ أَوْ يُعَطِّلَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إنْ أَكْرَى وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ انْتَفَعَ أَوْ عَطَّلَ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إنْ أَكْرَى أَوْ انْتَفَعَ وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ عَطَّلَ. الْخَامِسُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا اغْتَلَّ مِنْ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ مَعَ بَقَائِهَا وَقِيَامِهَا، وَأَمَّا مَا اغْتَلَّ مِنْهَا بِتَصَرُّفٍ، وَتَفْوِيتُهَا وَتَحْوِيلُ عَيْنِهَا كَالدَّنَانِيرِ يَغْصِبُهَا فَيَغْتَلُّهَا بِالتِّجَارَةِ فِيهَا، وَالطَّعَامِ يَزْرَعُهُ فِي أَرْضِهِ، فَالْغَلَّةُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ إلَى غَصْبِ الرَّقَبَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْغَلَّةِ الَّتِي قَصَدَ إلَى غَصْبِهَا؛ سَوَاءٌ أَكْرَى أَوْ انْتَفَعَ أَوْ عَطَّلَ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُزَالُ بِهِ أَوْ مِمَّا لَا يُزَالُ بِهِ.
اهـ وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ أَيْضًا فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ آخِرَ بَابِ الشُّفْعَةِ وَالْهِبَةِ: وَلَا غَلَّةَ لِلْغَاصِبِ وَيَرُدُّ مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ انْتَفَعَ. مَا نَصُّهُ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ وُجُوبُ رَدِّ الْغَاصِبِ الْغَلَّةَ بِالْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْصُوبُ رَبْعًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ اسْتَغَلَّهَا أَوْ اسْتَعْمَلَهَا وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ رَدِّ الْغَلَّةِ مُطْلَقًا رَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ التَّحْقِيقُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الذَّوَاتِ إنَّمَا هُوَ حُصُولُ مَنَافِعِهَا فَلَوْ لَمْ يَرُدَّ الْغَاصِبُ الْغَلَّةَ لَمَا كَانَ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ سِوَى فَائِدَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَغْصُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ تَتْمِيمٌ لِغَرَضِ الْغَاصِبِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ اخْتِصَاصُ الضَّمَانِ بِغَلَّةِ الرِّبَاعِ وَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ دُونَ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ سَلَكَ مَسْلَكَ الْمُقَابَلَةِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ فِي
стр. 584
الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَلَهُ الْغَلَّةُ وَأَسْقَطَ عَنْهُ النَّفَقَةَ فِي الرَّبْعِ وَجَعَلَ عَلَيْهِ رَدَّ الْغَلَّةِ. قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ الرَّبْعَ مَأْمُونٌ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَالرَّقِيقُ وَالدَّوَابُّ الْخَوْفُ فِيهِمَا قَائِمٌ فَكَانَتْ الْغَلَّةُ لَهُ بِالضَّمَانِ. وَقِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ غَاصِبَ الْحَيَوَانِ لَمَّا كَانَتْ قَدْ تَبْقَى بِيَدِهِ حَتَّى تَتْلَفَ صَارَ الْغَاصِبُ فِيهِمَا غَاصِبًا لِلرِّقَابِ حَقِيقَةً، وَالرَّبْعُ شَأْنُهُ الْبَقَاءُ حَتَّى لَيُدْرَى بِهِ فَهُوَ غَاصِبٌ لِلْمَنْفَعَةِ، وَغَاصِبُ الْمَنْفَعَةِ لَا خِلَافَ فِي رَدِّهِ الْغَلَّةَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي غَاصِبِ الرَّقَبَةِ. اهـ
وَالْقَوْلُ لِلْغَاصِبِ فِي دَعْوَى التَّلَفْ ... وَقَدْرِ مَغْصُوبٍ وَمَا بِهِ اتَّصَفْ
هَكَذَا كَقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَالْقَوْلُ لَهُ فِي تَلَفِهِ وَنَعْتِهِ وَقَدْرِهِ وَحَلِفٌ. وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ فِي تَلَفِهِ وَصِفَتِهِ وَمَبْلَغِهِ. (التَّوْضِيح) يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ: هَلْ تَلِفَ الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ أَمْ لَا؟ وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ أَوْ مَبْلَغِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَإِنْ غَصَبَ جَارِيَةً وَادَّعَى هَلَاكَهَا وَاخْتُلِفَ فِي صِفَتِهَا صُدِّقَ الْغَاصِبُ فِي الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ صُدِّقَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَكَذَلِكَ نَصَّ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَى الْغَاصِبِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ. وَلَمْ أَرَ فِي الْأُمَّهَاتِ وُجُوبَ الْيَمِينِ عَلَى الْغَاصِبِ إذَا ادَّعَى التَّلَفَ لَكِنْ نَصَّ فِيهَا عَلَى الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ إذَا كَانَ مِمَّا يُعَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي تَلَفَهُ، وَكَذَلِكَ فِي رَهْنِ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْغَاصِبُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْهُمَا وَقَدْ نَصَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى وُجُوبِ الْيَمِينِ هُنَا فِي التَّلَفِ. وَقَالَ أَشْهَبُ يُصَدَّقُ الْغَاصِبُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: هِيَ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ. انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ وَلَمْ يَنُصَّ النَّاظِمُ عَلَى وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَى الْغَاصِبِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ اتِّكَالًا مِنْهُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ. يَعْنُونَ بِيَمِينٍ، وَإِذَا قَالُوا: مُصَدَّقٌ فَيَعْنُونَ بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَلَكِنَّ هَذَا غَالِبٌ لَا مُطَّرِدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْغُرْمُ وَالضَّمَانُ مَعْ عِلْمٍ يَجِبْ ... عَلَى الَّذِي انْجَزَّ إلَيْهِ مَا غَصَبْ
بِإِرْثٍ أَوْ مِنْ وَاهِبٍ أَوْ بَائِعِ ... كَالْمُتَعَدِّي غَاصِبِ الْمَنَافِعِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ انْجَزَّ إلَيْهِ الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ إمَّا بِإِرْثٍ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ بِهِبَةٍ مِنْهُ أَوْ بِشِرَاءٍ مِنْهُ أَيْضًا مَعَ كَوْنِ مَنْ انْجَرَّ إلَيْهِ ذَلِكَ عَالِمًا بِكَوْنِ مَوْرُوثِهِ أَوْ الْوَاهِبِ لَهُ أَوْ الْبَائِعِ لَهُ غَصَبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَنَزَّلُ
стр. 585
مَنْزِلَةَ الْغَصْبِ فِي ضَمَانِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ إنْ تَلِفَ، فَالْغُرْمُ نَتِيجَةُ الضَّمَانِ. فَلَوْ قَالَ: وَالْغُرْمُ بِالضَّمَانِ بِالْبَاءِ السَّبَبِيَّةِ، لَكَانَ أَوْضَحَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَمَّا تَرْجَمَ لِلْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي، وَذَكَرَ بَعْضَ أَحْكَامِ الْغَصْبِ أَفَادَ هُنَا بِالشَّطْرِ الثَّانِي مِنْ الْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّ الْمُتَعَدِّيَ هُوَ غَاصِبُ الْمَنَافِعِ بِخِلَافِ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ غَاصِبٌ لِلرِّقَابِ، وَشَبَّهَهُ بِالْغَاصِبِ فِي كَوْنِهِ يَضْمَنُ وَيَلْزَمُهُ الْغُرْمُ لِلشَّيْءِ الْمُتَعَدَّى فِيهِ، أَمَّا مَنْ أَنْجَرَّ إلَيْهِ الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا: مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ غَاصِبٍ إنْ قَبِلَهُ مِنْهُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ غَاصِبٌ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ فِي الْغَلَّةِ وَالضَّمَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَوْ بِيعَ الْمَغْصُوبُ أَوْ وُرِّثَ فَإِنْ عَلِمَ فَكَالْغَاصِبِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي السَّمَاوِيِّ. (التَّوْضِيحُ) فَاعِلُ عَلِمَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَقَوْلُهُ: فَكَالْغَاصِبِ أَيْ فِي لُزُومِ رَدِّ الْغَلَّاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِالْغَصْبِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَلَا عُذْرَ لَهُ بَلْ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَعْرِفَةِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ. أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدُهُمَا أَيْ الْمُشْتَرِي وَالْوَارِثُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِمَّا هَلَكَ أَوْ نَقَصَ مِمَّا لَا صُنْعَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالسَّمَاوِيِّ. انْتَهَى الْمُحْتَاجُ لَهُ الْآنَ مِنْهُ وَأَمَّا الْمُتَعَدِّي فَنَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّ التَّعَدِّيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: يَسِيرٌ لَمْ يُبْطِلْ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ فَلَا يَضْمَنُهُ بِذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا رَفَأَهُ أَوْ قَصْعَةً أَصْلَحَهَا وَغَرِمَ مَا نَقَصَهَا بَعْدَ الْإِصْلَاحِ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ إصْلَاحُهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إلَّا بَعْدَ إصْلَاحِهِ وَقَدْ كَانَ فِي مَنْدُوحَةٍ عَنْ ذَلِكَ.
стр. 586
وَيَسِيرٌ أَبْطَلَ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ. فِيهِ خِلَافٌ؛ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ فَإِنْ قَطَعَ ذَنَبَ دَابَّةِ الْقَاضِي أَوْ أُذُنَهَا ضَمِنَهَا وَكَذَلِكَ مَرْكُوبُ كُلِّ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَرْكَبُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّابَّةُ حِمَارًا أَوْ بَغْلًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَرْكُوبِ وَالْمَلْبُوسِ كَقَلَنْسُوَةِ الْقَاضِي وَطَيْلَسَانِهِ وَعِمَامَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا قُصِدَ إلَيْهِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: وَإِنْ كَانَ التَّعَدِّي كَثِيرًا وَلَمْ يُبْطِلْ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَسِيرِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَوْ تَعَدَّى عَلَى شَاةٍ بِأَمْرٍ قَلَّ لَبَنُهَا بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ عُظْمُ مَا تُرَادُ لَهُ اللَّبَنَ ضَمِنَ قِيمَتَهَا إنْ شَاءَ رَبُّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا، وَأَمَّا النَّاقَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ فَإِنَّمَا فِيهَا مَا نَقَصَهَا وَإِنْ كَانَتْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ فَفِيهَا مَنَافِعُ غَيْرُ ذَلِكَ بَاقِيَةٌ. انْتَهَى. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَأَمَّا النَّاقَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَسِيرِ أَيْ الْيَسِيرِ الَّذِي لَمْ يُبْطِلْ الْغَرَضَ، وَإِنْ كَانَ التَّعَدِّي كَثِيرًا أَبْطَلَ الْمَقْصُودَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:) مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدِ رَجُلٍ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ جَمِيعًا فَقَدْ أَبْطَلَهُ وَيَضْمَنُ الْجَارِحُ قِيمَتَهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُبْطِلْ مِثْلُ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ جَدَعَ أَنْفَهُ وَشِبْهَهُ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ. (ابْنُ رُشْدٍ) : إنْ قَطَعَ الْوَاحِدَةَ مِنْ صَانِعٍ ضَمِنَ قِيمَتَهُ اتِّفَاقًا. اهـ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا أَفَاتَ الْمَقْصُودَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ كَثِيرًا كَانَ أَوْ يَسِيرًا، وَمَا لَمْ يُفِتْهُ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ كَثِيرًا كَانَ أَوْ يَسِيرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِلَى هَذَا التَّقْسِيمِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِبًا فَإِنْ أَفَاتَ الْمَقْصُودَ كَقَطْعِ ذَنَبِ دَابَّةِ ذِي هَيْئَةٍ أَوْ أُذُنِهَا أَوْ طَيْلَسَانِهِ أَوْ لَبَنِ شَاةٍ هُوَ الْمَقْصُودُ أَوْ قَلَعَ عَيْنَيْ عَبْدٍ أَوْ يَدَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُ وَنَقْصُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُفِتْهُ فَنَقْصُهُ؛ كَلَبَنِ بَقَرَةٍ وَيَدِ عَبْدٍ أَوْ عَيْنِهِ. اهـ
وَشُبْهَةٌ كَالْمِلْكِ فِي ذَا الشَّانِ
لِقَوْلِهِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»
وَلَا يَكُونُ الرَّدُّ فِي اسْتِحْقَاقِ ... وَفَاسِدِ الْبَيْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ
وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَلَا فِي السِّلْعَةِ ... مَوْجُودَةً فِي فَلَسٍ وَالشُّفْعَةِ
يَعْنِي أَنَّ شُبْهَةَ الْمِلْكِ كَالْمِلْكِ فِي كَوْنِهَا تُوجِبُ لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ اسْتِحْقَاقَ الْغَلَّةِ. وَعَنْهُ عَبَّرَ بِهَذَا الشَّأْنِ أَيْ الْأَمْرِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَهُوَ لِمَنْ تَكُونُ الْغَلَّةُ؟ وَدَلِيلُ كَوْنِ شُبْهَةِ الْمِلْكِ كَالْمِلْكِ.
قَوْلُهُ: ﵊ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ.» وَالْخَرَاجُ الْغَلَّةُ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ كَانَ ضَمَانُ الشَّيْءِ مِنْهُ إذَا هَلَكَ فَإِنَّ لَهُ غَلَّةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: مَنْ عَلَيْهِ التَّوَى فَلَهُ النَّمَا وَالْتَوَى بِالْمُثَنَّاةِ وَالْقَصْرِ أَيْ ضَمَانُ الشَّيْءِ إذَا هَلَكَ وَالنَّمَا الزِّيَادَةُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَلَّةُ وَلِأَجْلِ كَوْنِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ كَانَ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا أَوْ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ اسْتَغَلَّهُ كَدَارٍ فَسَكَنَهَا أَوْ أَرْضٍ فَحَرَثَهَا أَوْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ وَاسْتَخْدَمَهُ أَوْ أَكْرَاهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَهُ مُسْتَحِقُّهُ، فَلَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ، أَوْ كَانَ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَحَلِّهَا، وَقَدْ كَانَ اسْتَغَلَّهُ وَنُقِضَ الْبَيْعُ لِفَسَادِهِ، فَلَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ أَيْضًا؛ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ مَا زَالَ قَائِمًا بِيَدِ مُشْتَرِيهِ فَرَدَّهُ لِبَائِعِهِ أَوْ قَدْ فَاتَ وَغَرِمَ ثَمَنَهُ أَوْ قِيمَتَهُ.
وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْإِطْلَاقِ، أَوْ وَجَدَ عَيْبًا فِيمَا اشْتَرَى فَرَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ وَكَانَ قَدْ اسْتَغَلَّهُ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَاسْتَغَلَّهُ وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ حَتَّى فَلِسَ فَجَاءَ الْبَائِعُ فَوَجَدَ سِلْعَتَهُ فِي جُمْلَةِ مَالِ مُشْتَرِيهَا الَّذِي فَلِسَ فَأَخَذَهَا فِي الثَّمَنِ فَلَا يَرْجِعُ بِالْغَلَّةِ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ مَثَلًا وَسَكَنَهُ ثُمَّ جَاءَ شَرِيكٌ فَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّ مَنْ خَرَجَ الْمِلْكُ
стр. 587
مِنْ يَدِهِ لَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الْخَمْسَةِ؛ لِكَوْنِ ضَمَانِ ذَلِكَ الْمِلْكِ كَانَ مِنْهُ، فَالْغَلَّةُ لَهُ إلَّا أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ يُتَصَوَّرُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ، وَمَا عَدَاهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَقَطْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ فِي إيضَاحِ الْمَسَالِكِ مَا نَصُّهُ) : تَنْبِيهٌ: لِلْمُشْتَرِي الْغَلَّةُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ، وَالِاسْتِحْقَاقُ، وَالشُّفْعَةُ، وَالتَّفْلِيسُ. وَقَدْ نَظَمْتُهَا فَقُلْتُ:
وَلَا يَرُدُّ مُشْتَرٍ غَلَّةَ مَا ... قَدْ اشْتَرَاهُ فَاحْفَظَنْهُ وَاعْلَمَا
فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ ... وَفَاسِدِ الْبَيْعِ بِلَا شِقَاقِ
وَفَلَسٍ وَشُفْعَةٍ يَا طَالِبُ ... مُكَمِّلَيْنِ عِدَّةَ الْمَطَالِبِ
فَفِي الْمُقَدِّمَاتِ ذَا الْمَذْكُورُ ... وَفِي خَلِيلٍ مِثْلُهُ مَشْهُورُ
وَاخْتَلَفَ الْمَشْهُورُ بِمَاذَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إنْ لَمْ تُفَارِقْ الْأُصُولَ فَاحْفَظْهَا بِمَا ضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ تَجِد عفزا شسيا فَالتَّاءُ (مِنْ تَجِدَّ) لِلتَّفْلِيسِ وَالْجِيمُ وَالدَّالُ لِلْجِدَادِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فِي التَّفْلِيسِ إلَّا بِالْجِدَادِ، وَالْعَيْنُ وَالْفَاءُ (مِنْ عفزا) لِلرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالزَّايُ الزَّهْوُ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ مَعَ أُصُولِهَا إذَا أَزْهَتْ وَلَمْ تُجَدَّ، وَلَا يَبِسَتْ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَالشِّينُ وَالسِّينُ مِنْ (شسيا) لِلشُّفْعَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَالْيَاءُ لِلْيُبْسِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تُرَدُّ مَعَ أُصُولِهَا، وَإِنْ أَزْهَتْ مَا لَمْ تَيْبَسْ فِي الشُّفْعَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ. اهـ
(وَفِي التَّوْضِيحِ) عَنْ الْمَازِرِيِّ قَالَ: كَانَ بَعْضُ أَشْيَاخِي يَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْأُخْرَى. اهـ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ بَعْدَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ السَّابِقِ وَقَبْلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَدْ كُنْتُ نَظَمْتُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي رَجَزٍ مَعَ زِيَادَةِ بَعْضِ الْفَوَائِدِ، فَقُلْتُ:
الْخَرْجُ بِالضَّمَانِ فِي التَّفْلِيسِ ... وَالْعَيْبُ عَنْ جَهْلٍ وَعَنْ تَدْلِيسِ
وَفَاسِدٍ وَشُفْعَةٍ وَمُسْتَحَقْ ... ذِي عِوَضٍ وَلَوْ كَوَقْفٍ فِي الْأَحَقْ
وَالْجَدُّ فِي الثِّمَارِ فِيمَا اُنْتُقِيَا ... يَضْبِطُهُ تَجِدَّ عفزا شسيا
الْخَرْجُ وَالْخَرَاجُ لُغَتَانِ اجْتَمَعَتَا فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] وَدَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ مِنْ قَوْلِنَا: كَوَقْفِ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَمَعْنَى فِي الْأَحَقِّ: فِي الْقَوْلِ الْأَحَقِّ تَلْوِيحًا بِقَوْلِ الْمُغِيرَةِ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَمَعْنَى اُنْتُقِيَ اُخْتِيرَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، قَالَ: وَاخْتَصَرْتُهَا فِي بَيْتٍ مِنْ الْمُجْتَثِّ، فَقُلْتُ:
ضَمِّنْ بِخَرْجٍ وَفِيَّا ... تَجِدَّ عفزا شسيا
عَلَى أَنَّا مَسْبُوقُونَ بِهَذَا التَّرْكِيبِ الَّذِي هُوَ تَجِدَّ عفزا شسيا، سَبَقَ إلَيْهِ الْوَانُّوغِيُّ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) عَدَمُ رَدِّ الْغَلَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ إنَّمَا هُوَ مُطْلَقٌ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ لَا غَلَّةَ فِيهِ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَلَا يَوْمَ الرَّدِّ، وَاغْتَلَّ الْمُشْتَرِي فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَأَخَذَ الْغَلَّةَ، وَبَانَ بِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْغَلَّةُ يَوْمَ الْبَيْعِ أَوْ يَوْمَ الرَّدِّ فَلِكُلِّ مَسْأَلَةٍ حُكْمٌ فَإِنْ أَرَدْتَ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فَرَاجِعْ الْحَطَّابَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْفَسْخِ وَلَمْ تُرَدَّ بِخِلَافِ وَلَدٍ وَثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ وَصُوفٍ تَمَّ إلَخْ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّارِحُ هُنَا نُصُوصَ الْفِقْهِ عَلَى عَدَمِ رَدِّ الْغَلَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَرَأَيْتُ جَلْبَهُ مِمَّا يَطُولُ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ.
وَمُتْلِفُ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَهْ ... مِمَّا لَهُ كَيْفِيَّةٌ مَعْهُودَهْ
صَاحِبُهُ خُيِّرَ فِي الْأَخْذِ لَهُ ... مَعْ أَخْذِهِ لِأَرْشِ عَيْبِ جُلِّهِ
أَوْ أَخْذِهِ لِقِيمَةِ الْمَعِيبِ ... يَوْمَ حُدُوثِ حَالَةِ التَّعْيِيبِ
وَلَيْسَ إلَّا الْأَرْشُ حَيْثُ الْمَنْفَعَةُ ... يَسِيرَةٌ وَالشَّيْءُ مَعَهَا فِي سَعَهْ
مِنْ بَعْدِ رَفْوِ الثَّوْبِ أَوْ إصْلَاحِ ... مَا كَانَ مِنْهُ قَابِلَ الصَّلَاحِ
يَعْنِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا كَالثَّوْبِ وَالسَّيْفِ وَالصَّحْفَةِ وَنَحْوِهَا إذَا تَعَدَّى عَلَيْهَا مُتَعَدٍّ وَأَتْلَفَهَا أَوْ عَيَّبَهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَ هَذَا الْمُتَعَدِّي أَتْلَفَ بِسَبَبِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْأَهُ عَلَى مَا حَدَثَ فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ وَيَأْخُذَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَعَدِّي مَا بَيْنَ قِيمَةِ شَيْئِهِ سَالِمًا وَمَعِيبًا، وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ لِلَّذِي جَنَى
стр. 588
عَلَيْهِ وَأَفْسَدَهُ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ أَفْسَدَهُ، وَهَذَا إذَا أَبْقَى الشَّيْءَ مَعِيبًا أَمَا إذَا ذَهَبَ رَأْسًا كَمَا إذَا أَحْرَقَ ثَوْبًا، فَلَيْسَ إلَّا الرُّجُوعَ بِالْقِيمَةِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مَا فَعَلَ الْمُتَعَدِّي يَسِيرًا بِحَيْثُ كَانَ الشَّيْءُ بَعْدَ تَلَفِهِ مَازَالَ يُنْتَفَعُ بِهِ مِثْلَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إلَّا الْأَرْشُ وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَالِمًا وَمَعِيبًا بَعْدَ إصْلَاحِ مَا يَقْبَلُ الْإِصْلَاحَ مِنْ ذَلِكَ؛ كَرَفْوِ الثَّوْبِ مِمَّا حَدَثَ فِيهِ مِنْ الْقَطْعِ، وَكَالسَّيْفِ يُصْلِحُ مَا حَدَثَ فِيهِ مِنْ الْفُلُولِ.
(قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قُلْتُ: فَمَنْ كَسَرَ صَحْفَةً لِرَجُلٍ أَوْ عَصًا أَوْ شَقَّ لَهُ ثَوْبًا، فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَفْسَدَ لِرَجُلٍ ثَوْبًا: إنْ كَانَ فَسَادًا يَسِيرًا. كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفُوَهُ ثُمَّ يَغْرَمَ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ الرَّفْوِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَخَذَ الثَّوْبَ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ يَوْمَ أَفْسَدَهُ، فَاَلَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ هُوَ عَلَى مِثْلِ هَذَا. قَالَ: وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا أَفْسَدَ بِحَبْسِ الثَّوْبِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ كَثِيرًا. وَفِي الْجَوَاهِرِ: وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْفَسَادِ الْكَثِيرِ: إنَّمَا لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ جَمِيعِ الثَّوْبِ أَوْ يَأْخُذَهُ بِنَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِمَّا نَقَصَهُ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَالَ: وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَوَّلِ فَفِي مَعْنَى الْفَسَادِ مَا أَتْلَفَ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي الصُّورَةِ يَسِيرَةً؛ مِثْلَ قَطْعِ ذَنَبِ الدَّابَّةِ أَوْ أُذُنِهَا ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ:
كَالْمُتَعَدِّي غَاصِبِ الْمَنَافِعِ
فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْتَ.
[فَصْلٌ فِي الِاغْتِصَابِ]
ِ
وَوَاطِئٌ لِحُرَّةٍ مُغْتَصِبَا ... صَدَاقُ مِثْلِهَا عَلَيْهِ وَجَبَا
إنْ ثَبَتَ الْوَطْءُ وَلَوْ بِبَيِّنَهْ ... بِأَنَّهُ غَابَ عَلَيْهَا مُعْلِنَهْ
وَقِيمَةُ النَّقْصِ عَلَيْهِ فِي الْأَمَهْ ... هَبْهَا سِوَى بِكْرٍ وَغَيْرَ مُسْلِمَهْ
وَالْوَلَدُ اُسْتُرِقَّ حَيْثُ عُلِمَا ... وَالْحَدُّ مَعْ ذَاكَ عَلَيْهِ فِيهِمَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ غَصَبَ امْرَأَةً وَأَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَا وَزَنَى بِهَا مُكْرَهَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، إنْ ثَبَتَ الْوَطْءُ إمَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ بِأَنَّهُ غَابَ عَلَيْهَا غَيْبَةً يُمْكِنُ وُقُوعُ الْوَطْءِ فِيهَا وَادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهَدْ وَطْؤُهُ لَهَا وَغَيَّا النَّاظِمُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ فِيهَا؛ فَيَكُونُ غَيْرُهَا مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ أَوْ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ أَحْرَى فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ. وَهَذَا إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حُرَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ وَثَبَتَ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ عَلِمَا وَفَسَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: إذَا عَلِمَ بِرِقِّهَا. اهـ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ:) وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَكْرَهَ أَمَةً أَوْ حُرَّةً فَوَطِئَهَا فَعَلَيْهِ فِي الْحُرَّةِ صَدَاقُ مِثْلِهَا وَفِي الْأَمَةِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، خِلَافَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا صَدَاقَ عَلَيْهِ مَعَ الْحَدِّ، وَهَذَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْوَطْءُ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى مُعَايَنَةِ الْفِعْلِ، أَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ ادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى غَيْبَتِهِ عَلَيْهَا. اهـ اسْتَطْرَدَ الشَّارِحُ عَنْ الْمُقَرَّبِ حُكْمَ مَنْ اغْتَصَبَ امْرَأَةً وَوَطِئَهَا فِي دُبُرِهَا وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْوَطْءِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ إلَّا عَلَى الِاغْتِصَابِ وَالْخَلْوَةِ وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْوَطْءَ وَأَنْكَرَ هُوَ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ بَلْ يُعَاقَبُ عُقُوبَةً شَدِيدَةً. وَوَاطِئٌ مُبْتَدَأٌ سَوَّغَهُ الْعَمَلُ فِي الْحُرَّةِ وَمُغْتَصِبًا حَالٌ مِنْ وَاطِئٍ لِتَخْصِيصِهِ بِالْعَمَلِ الْمَذْكُورِ، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا مُبْتَدَأٌ، وَجُمْلَةُ وَجَبَا عَلَيْهِ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ الْكُبْرَى خَبَرُ وَاطِئٍ، وَمُعْلِنَةٌ صِفَةُ بَيِّنَةٍ، وَغَيْرَ مُسْلِمَةٍ بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِهَبْ وَهُوَ سِوَى، وَعُلِمَ بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ أَيْ شَاعَ، وَعُلِمَ وَضَمِيرُ عَلَيْهِ لِلْوَاطِئِ، وَضَمِيرُ فِيهِمَا لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 589
وَإِنْ يَكُنْ ذَا الْغَصْبُ بِالدَّعْوَى فَفِي ... تَفْصِيلِهِ بَيَانٌ حُكْمُهُ يَفِي
فَحَيْثُمَا الدَّعْوَى عَلَى مَنْ قَدْ شُهِرْ ... بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ نُظِرْ
فَإِنْ تَكُنْ بَعْدَ التَّرَاخِي زَمَنَا ... حُدَّتْ لِقَذْفٍ وَبِحَمْلٍ لِلزِّنَا
وَحَيْثُمَا رَحِمُهَا مِنْهُ بَرِيّ ... فَالْحَدُّ تَسْتَوْجِبُهُ فِي الْأَظْهَرِ
وَذَاكَ فِي الْمَجْهُولِ حَالًا إنْ جُهِلْ ... حَالٌ لَهَا أَوْ لَمْ تَحُزْ صَوْنًا نُقِلْ
وَإِنْ تَكُنْ مِمَّنْ لَهَا صَوْنٌ فَفِي ... وُجُوبِهِ تَخْرِيجًا الْخُلْفُ قُفِيّ
وَحَيْثُ قِيلَ لَا تُحَدُّ إنْ نَكَلْ ... فَالْمَهْرُ مَعْ يَمِينِهَا لَهُ حَصَلْ
وَمَا عَلَى الْمَشْهُورِ بِالْعَفَافِ ... مَهْرٌ وَلَا حَلْفٌ بِلَا خِلَافِ
لَمَّا قَدَّمَ حُكْمَ مَا إذَا ثَبَتَ الْغَصْبُ بِبَيِّنَةٍ ذَكَرَ هُنَا حُكْمَ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمَرْأَةِ وَقَسَّمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالدِّينِ وَالْخَيْرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْحَالِ، لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ دَيِّنًا أَوْ لَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْفِسْقِ وَقِلَّةِ الدِّينِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ حَالَةَ وُقُوعِهِ وَجَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ وَإِمَّا أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ وَتَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الثَّمَانِيَةِ عَلَى مَا إذَا ادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَهَرِ بِالدِّينِ أَوْ عَلَى مَجْهُولِ الْحَالِ، وَلَمْ تَقُمْ فِي الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَالِ بَلْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ شُهِرَ بِالدِّينِ وَتَرَاخَتْ الدَّعْوَى، فَإِنَّهَا تُحَدُّ حَدَّ قَذْفِهَا لِلرَّجُلِ الْمَشْهُورِ بِالدِّينِ وَلِلزِّنَا إنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَيَتَعَدَّدُ الْحَدَّانِ لِاخْتِلَافِ مُوجِبِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ فَفِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهَا قَوْلَانِ الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ يَكُنْ ذَا الْغَصْبُ إلَى قَوْلِهِ:
وَحَيْثُمَا رَحِمُهَا مِنْهُ بَرِيّ
الْبَيْتَ، أَيْ مِنْ الْحَمْلِ.
(وَفِي الْمُخْتَصَرِ لِلشَّيْخِ خَلِيلٍ) وَإِنْ ادَّعَتْ اسْتِكْرَاهًا عَلَى غَيْرِ لَائِقٍ بِلَا تَعَلُّقٍ حُدَّتْ لَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ وَلَا يَمِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ فِي الْبَيْتِ الثَّامِنِ: وَمَا عَلَى الْمَشْهُورِ بِالْعَفَافِ مَهْرٌ وَلَا حَلِفٌ وَأَحْرَى أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ: وَذَاكَ فِي الْمَجْهُولِ حَالًا، الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ حُكْمَ مَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى مَجْهُولِ الْحَالِ وَتَرَاخَى قِيَامُهَا أَيْضًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ لِحَالِ الْمَرْأَةِ فَإِنْ جُهِلَ حَالُهَا أَوْ عُلِمَ كَوْنُهَا غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالصِّيَانَةِ، فَالْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَشْهُورِ بِالدِّينِ مِنْ أَنَّهَا تُحَدُّ لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ وَإِنْ عُلِمَ كَوْنُهَا مَوْصُوفَةً بِالصِّيَانَةِ فَفِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهَا لِلرَّجُلِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ قَوْلَانِ مُخَرَّجَانِ، وَعَلَى كَوْنِهَا لَا تُحَدُّ يَحْلِفُ لِرَدِّ دَعْوَاهَا فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ وَأَخَذَتْ مِنْهُ الصَّدَاقَ وَإِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَذَاكَ فِي الْمَجْهُولِ حَالًا، الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ:
وَمَا عَلَى الْمَشْهُورِ بِالْعَفَافِ
الْبَيْتَ، فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الدَّعْوَى عَلَى الْمَشْهُورِ بِالدِّينِ فَمَحَلُّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ:
وَحَيْثُمَا رَحِمُهَا مِنْهُ بَرِيّ،
الْبَيْتَ وَكَأَنَّهُ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ، وَفُهِمَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْمَرْأَةِ حَيْثُ الدَّعْوَى عَلَى مَجْهُولِ الْحَالِ أَنَّهُ لَا يُفَصَّلُ فِيهَا إذَا كَانَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ بِالدِّينِ بَلْ الْحُكْمُ مَا تَقَدَّمَ، كَيْفَ كَانَ حَالُ الْمَرْأَةِ هَذَا مَا تُعْطِيهِ أَلْفَاظُ النَّاظِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ الشَّارِحُ) : وَقَدْ اعْتَمَدَ النَّاظِمُ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي مُقَدِّمَاتِهِ قَالَ فِيهَا مُتَّصِلًا بِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْأَبْيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا إنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا فَغَابَ عَلَيْهَا وَوَطِئَهَا وَلَا بَيِّنَةَ لَهَا عَلَى دَعْوَاهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلٍ مُتَّهَمٍ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَنْقَسِمُ إلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَأْتِيَ مُسْتَغِيثَةً مُتَعَلِّقَةً بِهِ مُتَشَبِّثَةً فَاضِحَةً نَفْسَهَا تَدَّعِي إنْ كَانَتْ بِكْرًا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَشَبُّثٍ، وَلَا تَدْمَى، وَهِيَ بِكْرٌ فَيَأْتِي فِي جُمْلَةِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِهِ فَهَذَا لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الرَّجُلِ وَأَنَّهَا تُحَدُّ لَهُ حَدَّ الْقَذْفِ وَحَدَّ الزِّنَا إنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ فَيُخَرَّجُ وُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا عَلَى
стр. 590
الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَةِ رَجُلٍ وَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ بِوَطْءِ امْرَأَةٍ وَادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فَتُحَدُّ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ تَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهَا، وَلَا تُحَدُّ عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ وَهُوَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ.
وَكَذَا الْمَجْهُولُ الْحَالِ فِي هَذَا الْوَجْهِ إذَا كَانَتْ هِيَ مَجْهُولَةَ الْحَالِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الصَّوْنِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الصَّوْنِ وَكَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهَا لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَيَحْلِفُ بِدَعْوَاهَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تُحَدُّ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ وَكَانَ لَهَا صَدَاقُهَا عَلَيْهِ. اهـ وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مَعَ أَنَّهَا سِتَّةٌ كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْمَعْرُوفِ بِالْفِسْقِ مِنْ قِيَامِهَا فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ، وَبَاقِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ كَكَلَامِ النَّاظِمِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَجَزَاهُمَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا.
وَحَيْثُ دَعْوَى صَاحَبَتْ تَعَلُّقَا ... حَدُّ الزِّنَا يَسْقُطُ عَنْهَا مُطْلَقَا
وَالْقَذْفُ فِيهِ الْحَدُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ ... وَحَلْفُهُ لَدَيْهِ غَيْرُ لَازِمِ
وَمَنْ نَفَى الْحَدَّ فَعِنْدَهُ يَجِبْ ... تَحْلِيفُهُ بِأَنَّ دَعْوَاهَا كَذِبْ
وَمِنْ نُكُولِهِ لَهَا الْيَمِينُ ... وَتَأْخُذُ الصَّدَاقَ مَا يَكُونُ
وَحَدُّهَا لَهُ اتِّفَاقًا إنْ تَكُنْ ... لَيْسَ لَهَا صَوْنٌ وَلَا حَالٌ حَسَنْ
وَعَدَمُ الْحَدِّ كَذَا لِلْمُنْبَهِمْ ... حَالًا إذَا كَانَتْ تَوَقَّى مَا يَصِمْ
وَإِنْ تَكُنْ لَا تَتَوَقَّى ذَلِكَا ... فَالْحَلْفُ تَخْرِيجًا بَدَا هُنَالِكَا
تَكَلَّمَ فِي الْأَبْيَاتِ عَلَى مَا إذَا ادَّعَتْ الِاغْتِصَابَ عَلَى الْمَشْهُورِ بِالدَّيْنِ أَوْ الْمَجْهُولِ الْحَالِ، وَقَامَتْ فِي الْحِينِ بِحَيْثُ جَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ لِقَوْلِهِ:
وَحَيْثُ دَعْوَى صَاحَبَتْ تَعَلُّقَا
فَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ قَبْلُ:
فَإِنْ تَكُنْ بَعْدَ التَّرَاخِي زَمَنًا
فَأَخْبَرَ هُنَا أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِصَالِحِ الْحَالِ فَإِنَّ حَدَّ الزِّنَا يَسْقُطُ عَنْهَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَوْ لَا، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْإِطْلَاقِ.
وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا تُحَدُّ لِقَذْفِهَا لِلرَّجُلِ وَلَا يَمِينَ عَلَى الرَّجُلِ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا حَدَّ عَلَيْهَا وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ عَلَى تَكْذِيبِهَا، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ وَوَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ وَمَحَلُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَعْرُوفَةً بِالصِّيَانَةِ وَحُسْنِ الْحَالِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ لِلْقَذْفِ اتِّفَاقًا، هَذَا كُلُّهُ فِي الدَّعْوَى عَلَى صَالِحِ الْحَالِ مَعَ التَّشَبُّثِ بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَحَيْثُ دَعْوَى صَاحَبَتْ تَعَلُّقَا
الْأَبْيَاتَ الْخَمْسَةَ، ثُمَّ أَشَارَ لِحُكْمِ مَا إذَا جَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْمُنْبَهِمِ الْأَمْرُ الْمَجْهُولُ الْحَالِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُنْظَرُ لِلْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالصِّيَانَةِ وَالْعَفَافِ فَلَا تُحَدُّ لِقَذْفِهِ اتِّفَاقًا، وَإِلَى الِاتِّفَاقِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: كَذَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَفِي حَدِّهَا لِلْقَذْفِ قَوْلَانِ مُخَرَّجَانِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَعَدَمُ الْحَدِّ كَذَا لِلْمُنْبَهِمِ الْبَيْتَيْنِ.
وَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالصَّالِحِ أَوْ بِالْمَجْهُولِ لَا تُحَدُّ لِلزِّنَا، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَعَلَى سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهَا، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا وَطِئَ وَلَا يَلْزَمُهُ صَدَاقٌ فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا انْقَلَبَتْ عَلَى الزَّوْجَةِ فَتَحْلِفُ وَيَلْزَمُهُ صَدَاقُهَا. وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ مَجْهُولَ حَالٍ فَيَجِبْ ... تَحْلِيفُهُ وَمَعْ نُكُولٍ يَنْقَلِبْ
فَمَحَلُّ هَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ قَوْلِهِ:
وَإِنْ تَكُنْ لَا تَتَوَقَّى ذَلِكَا ... فَالْحَلْفُ تَخْرِيجًا بَدَا هُنَالِكَا
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْأَبْيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَتَأْتِيَ مُتَعَلِّقَةً بِهِ مُتَشَبِّثَةً، قَدْ بَالَغَتْ فِي فَضِيحَةِ نَفْسِهَا فَهَذَا الْوَجْهُ يُسْقِطُ عَنْهَا حَدَّ الزِّنَا وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لِمَا بَالَغَتْ فِي فَضِيحَةِ نَفْسِهَا، وَاخْتُلِفَ: هَلْ تُحَدُّ لَهُ حَدَّ الْقَذْفِ أَمْ لَا؟ .
فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهَا تُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهَا لَا تُحَدُّ لَهُ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا يَمِينَ لَهَا عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تُحَدُّ لَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تُحَدُّ لَهُ، فَيَحْلِفُ عَلَى تَكْذِيبِ دَعْوَاهَا فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ وَاسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ صَدَاقَهَا، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُبَالِي بِفَضِيحَةِ نَفْسِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تُبَالِي بِفَضِيحَةِ نَفْسِهَا، فَتُحَدُّ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا.
стр. 591
وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ لَمْ تُحَدَّ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُبَالِي بِفَضِيحَةِ نَفْسِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تُبَالِي بِفَضِيحَةِ نَفْسِهَا فَيَتَخَرَّجُ إيجَابُ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهَا لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ. اهـ
وَفِي ادِّعَائِهَا عَلَى الْمُشْتَهِرِ ... بِالْفِسْقِ حَالَتَانِ لِلْمُعْتَبِرِ
حَالُ تَشَبُّثٍ وَبِكْرٌ تَدْمَى ... فَذِي سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهَا عَمَّا
فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَإِنْ حَمْلٌ ظَهَرْ ... وَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ حَلْفٌ مُعْتَبَرْ
وَحَيْثُ قِيلَ إنَّهَا تَسْتَوْجِبُهْ ... فَبَعْدَ حَلْفٍ فِي الْأَصَحِّ تَطْلُبُهْ
وَإِنْ يَكُنْ مَجْهُولَ حَالٍ فَيَجِبْ ... تَحْلِيفُهُ وَمَعْ نُكُولٍ يَنْقَلِبْ
وَحَالَةٌ بَعْدَ زَمَانِ الْفِعْلِ ... فَالْحَدُّ سَاقِطٌ سِوَى مَعْ حَمْلِ
وَلَا صَدَاقَ ثَمَّ إنْ لَمْ يَنْكَشِفْ ... مِنْ أَمْرِهِ بِالسَّجْنِ شَيْءٌ فَالْحَلِفْ
وَإِنْ أَبَى مِنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ ... وَلِصَدَاقِ الْمِثْلِ مِنْهُ اسْتَوْجَبَتْ
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ مَا إذَا ادَّعَتْ الِاغْتِصَابَ عَلَى الْمَشْهُورِ بِالْفِسْقِ بِحَالَتَيْهِ أَيْ مَعَ كَوْنِهَا مُتَشَبِّثَةً بِهِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا إنْ جَاءَتْ مُتَشَبِّثَةً بِهِ، أَوْ جَاءَتْ تَدْمَى، إنْ كَانَتْ بِكْرًا فَإِنَّهَا يَسْقُطُ عَنْهَا حَدُّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ مَعًا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَوْ لَا.
وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: عَمَّا. أَيْ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا ثُمَّ غَيَّا بِظُهُورِ الْحَمْلِ فَقَالَ: وَإِنْ حَمْلٌ ظَهَرَ. أَيْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَبَعْدَ سُقُوطِ الْحَدَّيْنِ عَنْهَا، هَلْ لَهَا صَدَاقٌ أَمْ لَا؟ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى كَوْنِهَا تَسْتَوْجِبُ الصَّدَاقَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ يَمِينِهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: وَفِي ادِّعَائِهَا عَلَى الْمُشْتَهَرِ بِالْفِسْقِ الْأَبْيَاتَ الْأَرْبَعَةَ ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ قِيَامُهَا بَعْدَ زَمَانِ الْفِعْلِ، فَقَالَ:
وَحَالَةٌ بَعْدَ زَمَانِ الْفِعْلِ
الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَدَّ سَاقِطٌ عَنْهَا لَا لِقَذْفِهَا لِلرَّجُلِ وَلَا لِزِنَاهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ فَتُحَدُّ وَلَا صَدَاقَ لَهَا عَلَى
стр. 592
الرَّجُلِ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي أَمْرِهِ فَيَسْجُنُهُ وَيَتَجَسَّسُ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ صِحَّةُ دَعْوَى الْمَرْأَةِ لَزِمَهُ الصَّدَاقُ أَوْ بُطْلَانُ دَعْوَاهَا بَرِئَ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ أَمْرِهِ شَيْءٌ حَلَفَ أَنَّهُ مَا وَطِئَ وَبَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ وَوَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ:
وَإِنْ يَكُنْ مَجْهُولَ حَالٍ فَيَجِبْ
(الْبَيْتَ) فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ أَوَّلِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ مُتَّصِلًا بِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُشْتَهَرِ بِالْفِسْقِ، وَالْمُشْتَهَرُ بِالْفِسْقِ لَيْسَ مَجْهُولَ الْحَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ:) وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ وَلَا تَأْتِيَ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ حَدُّ الْقَذْفِ لِلرَّجُلِ وَلَا حَدُّ الزِّنَا لِنَفْسِهَا، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَا صَدَاقَ لَهَا وَيَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي أَمْرِهِ فَيَسْجُنُهُ وَيَتَجَسَّسُ عَنْ أَمْرِهِ، وَيَفْعَلُ فِيهِ مَا يَكْشِفُ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْكَشِفْ مِنْ أَمْرِهِ شَيْءٌ اُسْتُحْلِفَ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ وَاسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ صَدَاقَ مِثْلِهَا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ وَتَأْتِيَ مُتَعَلِّقَةً بِهِ مُتَشَبِّثَةً تَدْمَى إنْ كَانَتْ بِكْرًا فَهَذَا الْوَجْهُ يُسْقِطُ عَنْهَا حَدَّ الْقَذْفِ لِلرَّجُلِ وَحَدَّ الزِّنَا، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ. وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ لَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجِبُ وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ لِلْأَمَةِ مَا نَقَصَهَا فَأَحْرَى أَنْ يُوجِبَ لِلْحُرَّةِ صَدَاقَ مِثْلِهَا. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهَا شَيْءٌ وَهِيَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي الْقَذْفِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ أَشَرَّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْرَقِ فِي زَمَانِهِ. وَالثَّالِثُ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ إنَّهُ يَجِبُ لَهَا الصَّدَاقُ إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَلَا شَيْءَ لَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً.
وَاخْتُلِفَ إذَا وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ بِدَعْوَاهَا مَعَ مَا بَلَغَتْ إلَيْهِ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا: هَلْ يَجِبُ بِيَمِينٍ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ؟ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَأْخُذُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ إلَّا بَعْدَ الْيَمِينِ. وَهُوَ أَوْضَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ لَمْ يَكُنْ لَهَا صَدَاقٌ وَاسْتُحْلِفَ هُوَ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ وَأَخَذَتْ صَدَاقَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. اهـ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ إلَخْ هُوَ الَّذِي تَبِعَ الْمُؤَلِّفَ فِي ذِكْرِهِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ
[فَصْلٌ فِي دَعْوَى السَّرِقَةِ]
(فَصْلٌ فِي دَعْوَى السَّرِقَةِ) (ابْنُ عَرَفَةَ) السَّرِقَةُ أَخْذُ مُكَلَّفٍ حُرًّا لَا يَعْقِلُ لِصِغَرِهِ أَوْ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ نِصَابًا أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ بِقَصْدٍ وَاحِدٍ خُفْيَةً لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ. (قَالَ الرَّصَّاعُ) : السَّرِقَةُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ سَرَقَ وَيُقَالُ فِي الْمَصْدَرِ سَرَقًا، قَالَ الْمَازِرِيُّ هِيَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى الِاسْتِسْرَارِ، هَذَا حَدُّهَا عُرْفًا فَيَخْرُجُ أَخْذُهُ قَهْرًا وَغَصْبًا وَحِرَابَةً وَغِيلَةً وَخَدِيعَةً. قَالُوا: وَيَرِدُ عَلَيْهِ الِاخْتِلَاسُ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا بَعْضُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخُ فِي قَيْدِهِ فِي الطَّرْدِ، وَمَا أَدْخَلَ فِي الْعَكْسِ، فَقَوْلُهُ: أَخْذُ، مُنَاسِبٌ لِاسْمِ الْمَصْدَرِ، وَإِذَا أُرِيدَ الِاسْمُ قِيلَ: مَأْخُوذُ مُكَلَّفٍ حُرًّا لَا يَعْقِلُ. إلَخْ.
وَأَخْرَجَ بِالْمُكَلَّفِ الْمَجْنُونَ وَالصَّبِيَّ إلَى أَنْ يَحْتَلِمَ أَوْ يَبْلُغَ سِنَّ الِاحْتِلَامِ عَادَةً. وَقَوْلُهُ: لَا يَعْقِلُ. أَدْخَلَ بِهِ الصَّبِيَّ قَبْلَ بُلُوغِهِ إذَا لَمْ يَعْقِل إذَا أُخِذَ مِنْ حِرْزِهِ فَإِنَّهُ سَرِقَةٌ يُقْطَعُ بِهِ. وَمَعْنَى: لَا يَعْقِلُ لَا يَفْهَمُ لِقُوَّةِ صِغَرِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْبَهِيمَةِ لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا وَلَا تَتَكَلَّمُ بِمَا يُفْهَمُ عَنْهَا، وَقَوْلُهُ: نِصَابًا أَيْ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ مِنْ الْعُرُوضِ، وَهَلْ الْمُرَاد مَا قَصَدَ كَوْنَهُ نِصَابًا فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَنْ سَرَقَ ثَوْبًا خَلِقًا فَوَجَدَ فِيهِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ كَوْنِهِ إنَّمَا قَصَدَ الثَّوْبَ الَّذِي لَيْسَ بِنِصَابٍ؟ أَوْ الْمُرَادُ مَا وَجَدَ فِيهِ النِّصَابَ فَيَرِدُ عَلَيْهِ إذَا سَرَقَ خَشَبَةً فَوَجَدَ فِيهَا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ. وَالْأَوَّلُ وَارِدٌ عَلَى الْعَكْسِ وَالثَّانِي عَلَى الطَّرْدِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ نِصَابٌ مَوْجُودٌ مَقْصُودٌ. وَقَوْلُهُ: مِنْ حِرْزِهِ. أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حِرْزِهِ أَوْ إذَا لَمْ يَكُنْ حِرْزٌ بِوَجْهٍ. وَقَوْلُهُ: أَوْ مَالًا مُحْتَرَمًا أَخْرَجَ بِهِ أَخْذَ غَيْرِ الْأَسِيرِ مَالَ حَرْبِيٍّ وَسَرِقَةَ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِمَّا يَجُوزُ مِلْكُهُ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ: بِقَصْدٍ وَاحِدٍ. ذَكَرَهُ لِيُدْخِلَ بِهِ إذَا سَرَقَ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا بِقَصْدٍ وَاحِدٍ حَتَّى كَمُلَ النِّصَابُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَقَوْلُهُ: لَا شُبْهَةَ فِيهِ يُخْرِجُ أَخْذَ الْأَبِ
стр. 593
مَالَ ابْنِهِ، وَمَنْ أَخَذَ طَعَامًا فِي ﴿زَمَنِ﴾ الْمَجَاعَةِ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ، وَالْعَبْدُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَقُّهُ أَنْ يُقَيِّدَ الشُّبْهَةَ بِالْقَوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يُقْطَعُ. وَقَوْلُهُ: خُفْيَةً أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ الْخُفْيَةِ إذَا كَانَ غَلَبَةً قَهْرًا أَوْ ظُلْمًا.
стр. 594
وَمُدَّعٍ عَلَى امْرِئٍ أَنْ سَرَقَهْ ... وَلَمْ تَكُنْ دَعْوَاهُ بِالْمُحَقَّقَهْ
فَإِنْ يَكُنْ مُدَّعِيًا ذَاكَ عَلَى ... مَنْ حَالُهُ فِي النَّاسِ حَالُ الْفُضَلَا
فَلَيْسَ مِنْ كَشْفٍ لِحَالِهِ وَلَا ... يَبْلُغُ بِالدَّعْوَى عَلَيْهِ أَمَلَا
وَإِنْ يَكُنْ مُطَالِبًا مِنْ يُتَّهَمْ ... فَمَالِكٌ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ حَكَمْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ سُرِقَ لَهُ مَالٌ فَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ وَلَمْ يُحَقِّقْ عَلَيْهِ الدَّعْوَى وَإِنَّمَا كَانَتْ تُهْمَةً فَقَطْ وَالتُّهْمَةُ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هِيَ الدَّعْوَى الَّتِي لَا تُحَقَّقُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. هَذَا ظَاهِرُ لَفْظِ الشَّيْخِ وَفَسَّرَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ:
وَلَمْ تَكُنْ دَعْوَاهُ بِالْمُحَقَّقَهْ
لِكَوْنِ الدَّعْوَى لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى حَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ بَعِيدًا عَنْ التُّهْمَةِ بِمِثْلِ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُكْشَفُ عَنْ حَالِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِهَذِهِ الدَّعْوَى لِبُعْدِهَا عَادَةً زَادَ الشَّارِحُ: وَعَدَمُ تَحْقِيقِهَا عَلَيْهِ وَلَا تُفِيدُ مُدَّعِيَهَا شَيْئًا.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ أَنْ يُسْجَنَ حَتَّى يُخْتَبَرَ حَالُهُ وَقَدْ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ بِحَسَبِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ الْحَالِيَّةُ مِنْ شُهْرَةِ تُهْمَتِهِ وَثُبُوتِ مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ سَرِقَةً وَاتَّهَمَ بِهَا مَنْ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ وَلَا يُتَّهَمُ فَلَا يُكْشَفُ، وَأَمَّا أَهْلُ التُّهَمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُكْشَفُوا وَيُسْتَقْصَى عَلَيْهِمْ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ الضَّرْبُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالْعُلَمَاءِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ قَالَ: وَمَنْ جَاءَ إلَى الْوَالِي بِرَجُلٍ فَقَالَ: سَرَقَ مَتَاعِي فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ مُتَّهَمًا هُدِّدَ وَامْتُحِنَ وَحُلِّفَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ وَفِيهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قُلْتُ لِمُطَرِّفٍ فِيمَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ فَاتَّهَمَ مِنْ جِيرَانِهِ رَجُلًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ أَوْ اتَّهَمَ رَجُلًا غَرِيبًا لَا يُعْرَفُ حَالُهُ أَيُسْجَنُ حَتَّى يُكْشَفَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَا يُطَالُ سَجْنُهُ.
وَذَكَرُوا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا اتَّهَمَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِسَرِقَةِ بَعِيرِهِ وَقَدْ صَحِبَهُ فِي السَّفَرِ» قَالَ مُطَرِّفٌ وَإِنْ كَانَ الْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ مَعْرُوفًا بِهَا كَانَ سَجْنُهُ أَطْوَلَ وَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ مَعَ ذَلِكَ بَعْضُ السَّرِقَةِ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ. وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ غَيْرُ مَا فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، حَبَسَهُ وَكَشَفَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ حَبَسَهُ أَبَدًا حَتَّى يَمُوتَ فِي السِّجْنِ. وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَفِيهِ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ يُسْجَنُ بِقَدْرِ رَأْيِ الْإِمَامِ ثُمَّ يُعَاقَبُ وَيُسَرَّحُ وَلَا يُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ. قَالَ أَشْهَبُ إذَا شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فَإِنَّهُ يُسْجَنُ بِقَدْرِ مَا اُتُّهِمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَدْرِ حَالِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُجْلَدُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا.
اهـ نَقْلُ الشَّارِحِ فَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَاتُّهِمَ بِهَا مَنْ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ. وَقَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ لِمُطَرِّفٍ: فَاتَّهَمَ مِنْ جِيرَانِهِ رَجُلًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ أَوْ اتَّهَمَ رَجُلًا غَرِيبًا وَأَنَّهُ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا اتَّهَمَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِسَرِقَةِ بَعِيرِهِ. وَقَوْلَ مُطَرِّفٍ وَإِنْ كَانَ الْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِهَا. وَقَوْلَ أَشْهَبَ يُسْجَنُ بِقَدْرِ مَا اُتُّهِمَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّ دَعْوَى السَّرِقَةِ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ وَأَنَّ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ اتَّهَمَ رَجُلًا وَلَمْ يَجْزِمْ بِكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي سَرَقَ مَتَاعَهُ وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي حَلِّ كَلَامِ النَّاظِمِ وَعَدَمِ تَحْقِيقِهَا عَلَيْهِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ مَنْ جَاءَ إلَى الْوَالِي بِرَجُلٍ فَقَالَ: سَرَقَ مَتَاعِي أَنَّ الدَّعْوَى مُحَقَّقَةٌ، وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّرِقَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَمُوا بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ ... مِنْ ذَاعِرٍ يُحْبَسُ لِاخْتِبَارِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى السَّرِقَةَ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِهَا وَبِالذِّعَارَةِ فَحُبِسَ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ فَأَقَرَّ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ مِنْ الْإِقْرَارِ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ فَلَا يَلْزَمُهُ فَفِي مُعِينِ ابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ عَنْ سَحْنُونٍ وَإِذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي رَجُلٌ يُعْرَفُ بِالسَّرِقَةِ وَالذِّعَارَةِ وَادَّعَى ذَلِكَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ لِاخْتِبَارِ ذَلِكَ فَأَقَرَّ فِي السِّجْنِ بِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَهَذَا الْحَبْسُ خَارِجٌ مِنْ الْإِكْرَاهِ. (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) : مَنْ أُخِذَ فِي تُهْمَةِ قَتْلٍ فَاعْتَرَفَ عِنْدَ السُّلْطَانِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ ثُمَّ أَخْرَجَ الْمَقْتُولَ مِنْ بِئْرٍ أَوْ مَدْفِنٍ وَجَاءَ بِسَلَبِهِ فَلَمَّا أُمِرَ بِهِ لِيُقْتَلَ، قَالَ: مَا قَتَلْتُهُ وَلَكِنْ رَأَيْتُ مَنْ قَتَلَهُ. قُتِلَ وَلَا يَنْفَعُهُ إنْكَارُهُ وَكَذَلِكَ السَّارِقُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِقْرَارِ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ فَلَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ
стр. 595
بَعْدَ إقْرَارِهِ وَلَا يُدْفَعُ عَنْهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْقَتْلِ كَالْمَالِ يُقِرُّ بِهِ ثُمَّ يُنْكِرُ. اهـ (اللَّخْمِيُّ) فِيمَنْ أَقَرَّ بَعْدَ التَّهْدِيدِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِإِقْرَارِهِ وَلَا يُؤْخَذُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَخْرَجَ السَّرِقَةَ أَوْ الْقَتِيلَ فِي حَالِ التَّهْدِيدِ لَمْ أَقْطَعْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ حَتَّى يُقِرَّ بَعْدَ ذَلِكَ آمِنًا.
وَعَلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَثَبَتَ بِإِقْرَارٍ إنْ طَاعَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ عَيَّنَ السَّرِقَةَ أَوْ أَخْرَجَ الْقَتِيلَ. اهـ وَالذَّاعِرُ الْمُخِيفُ الْمُفْزِعُ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: ذَعَرَ بِهِ ذُعْرًا أَفْزَعَهُ وَالِاسْمُ الذُّعْرُ بِالضَّمِّ، وَقَدْ ذُعِرَ فَهُوَ مَذْعُورٌ. اهـ وَقَالَ فِي الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: وَدَعِرَ الْعُودُ بِالْكَسْرِ يَدْعَرُ دَعْرًا فَهُوَ عُودٌ دَعِرٌ أَيْ رَدِيءٌ كَثِيرُ الدُّخَانِ، وَمِنْهُ أُخِذَتْ الدَّعَارَةُ وَهِيَ الْفِسْقُ وَالْخُبْثُ. يُقَالُ: هُوَ خَبِيثٌ دَاعِرٌ بَيِّنُ الدَّعَرِ وَالدَّعَارَةِ، وَالْمَرْأَةُ دَاعِرَةٌ. اهـ (وَفِي مُقَدِّمَةِ ابْنِ حَجَرٍ) فِي الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَوْلُ دُعَّارِ طَيِّئٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ جَمْعُ دَاعِرٍ وَهُوَ السَّارِقُ. اهـ وَقَالَ فِي الْمُعْجَمَةِ: قَوْلُهُ: ذَعَرْتُهَا أَيْ أَفْزَعْتُهَا، وَقَوْلُهُ: ذُعْرًا أَيْ فَزَعًا. اهـ وَفِي الْمَشَارِقِ فِي الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَا نَصُّهُ: وَقَوْلُهُ: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ؟ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ أَيْ فُسَّاقُهَا وَسُرَّاقُهَا وَشِرَارُهَا، وَالدَّاعِرُ الدَّنِيءُ الْفَاسِقُ. اهـ وَقَالَ فِي فَصْلِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَا ذَعَرْتُهُ أَيْ أَفْزَعْتُهُ، وَالذُّعْرُ الْفَزَعُ. اهـ
وَيُقْطَعُ السَّارِقُ بِاعْتِرَافِ ... أَوْ شَاهِدَيْ عَدْلٍ بِلَا خِلَافِ
يَعْنِي أَنَّ السَّارِقَ إذَا اعْتَرَفَ بِالسَّرِقَةِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهَا عَدْلَانِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ اتِّفَاقًا يَعْنِي مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ هُنَاكَ كَكَوْنِ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا، وَأَخَذَهُ مِنْ الْحِرْزِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (قَالَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ) : وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ يَجِبُ بِأَمْرَيْنِ: إمَّا بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِإِقْرَارٍ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْمُقِرُّ إلَى أَنْ يُحَدَّ (قَالَ الشَّارِحُ ﵀) : مِمَّا يَتَأَكَّدُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدَانِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى عَيْنِ السَّرِقَةِ وَيَوْمِهَا حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ نَعْجَةً وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ كَبْشًا وَاجْتَمَعَا فِي الْوَقْتِ وَالْمَوْضِعِ وَالْفِعْلِ فَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ، وَلَا تَجُوزُ وَلَا يُقْطَعُ.
وَلَوْ اجْتَمَعَا عَلَى الْكَبْشِ وَصِفَتِهِ وَقَالَ هَذَا: سُرِقَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَالَ الْآخَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ تَجُزْ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ كَمَا لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ شَرِبَ أَمْسِ خَمْرًا وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ شَرِبَهُ الْيَوْمَ لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْفِعْلِ لَا مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ وَشَهَادَتُهُمَا فِي الْقَذْفِ مِنْ مَعْنَى الْإِقْرَارِ يُقْضَى بِهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْيَوْمُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ سَرَقَ بِالْمَدِينَةِ وَآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ بِمِصْرَ لَمْ يُحَدَّ وَقَالَهُ أَصْبَغُ اهـ وَذَكَرَ الشَّارِحُ هُنَا سُؤَالًا وَجَوَابًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الطَّرِيقَةِ الْفِقْرِيَّةِ الَّذِينَ اُشْتُهِرَ عَنْهُمْ تَحْلِيلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ. (وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) فِي شَهَادَةِ الزِّنَا وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أُخِذَتْ؟
وَمَنْ أَقَرَّ وَلِشُبْهَةٍ رَجَعْ ... دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ فِي الَّذِي وَقَعْ
وَنَقَلُوا فِي فَقْدِهَا قَوْلَيْنِ ... وَالْغُرْمُ وَاجِبٌ عَلَى الْحَالَيْنِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ فَتَارَةً يَرْجِعُ لِشُبْهَةٍ وَتَارَةً يَرْجِعُ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَإِنْ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ وَإِنْ رَجَعَ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَفِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ قَوْلَانِ: قِيلَ: يُحَدُّ وَقِيلَ: لَا، وَأَمَّا الْغُرْمُ لِلسَّرِقَةِ فَيَغْرَمُهَا سَوَاءٌ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَالْغُرْمُ وَاجِبٌ عَلَى الْحَالَيْنِ
فَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ لِشُبْهَةٍ وَلَمْ يُحَدَّ فَالْغُرْمُ ظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ إنْ رَجَعَ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ، وَقُلْنَا: إنَّهُ لَا يُحَدُّ وَانْظُرْ عَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِ الْحَدِّ: هَلْ يَغْرَمُ السَّرِقَةَ أَمْ لَا؟
(قَالَ الشَّارِحُ) : وَفِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ: وَتَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إقْرَارُ السَّارِقِ. وَالثَّانِي: قِيَامُ شَاهِدَيْ عَدْلٍ فَإِذَا رَجَعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى شُبْهَةٍ قُبِلَ رُجُوعُهُ وَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ وَلَزِمَهُ الْغُرْمُ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ. وَالْآخَرُ لُزُومُهُ. (وَفِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ) : قَالَ مَالِكٌ فِي آخِرِ الْكِتَابِ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ مِحْنَةٍ ثُمَّ نَزَعَ لَمْ يُقْطَعْ وَيَغْرَمْ الْمِائَةَ
стр. 596
لِمُدَّعِيهَا. وَقَالَ: لَا يُقَالُ إلَّا لِعُذْرٍ بَيِّنٍ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» وَلِقَوْلِهِ «أَلَا تَرَكْتُمُوهُ» وَهُوَ لَمْ يَأْتِ بِعُذْرٍ اهـ فَصَرَّحَ فِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ بِالْغُرْمِ إذَا رَجَعَ لِشُبْهَةٍ وَقَوْلِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ وَيَغْرَمُ الْمِائَةَ لِمُدَّعِيهَا فِيهِ إجْمَالٌ: هَلْ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ أَوْ لَا؟ وَهَلْ قُطِعَ أَوْ لَا؟
وَكُلُّ مَا سُرِقَ وَهُوَ بَاقِ ... فَإِنَّهُ يُرَدُّ بِاتِّفَاقِ
وَحَيْثُمَا السَّارِقُ بِالْحُكْمِ قُطِعْ ... فَبِاَلَّذِي سَرَقَ فِي الْيُسْرِ اتُّبِعْ
يَعْنِي أَنَّهُ مَهْمَا وُجِدَ الشَّيْءُ الْمَسْرُوقُ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ لِصَاحِبِهِ سَوَاءٌ قُطِعَ السَّارِقُ أَوْ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ إنْ قُطِعَ السَّارِقُ اُتُّبِعَ بِالسَّرِقَةِ فِي يُسْرِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يُتَّبَعُ بِهَا فِي عُسْرِهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَحَيْثُمَا السَّارِقُ بِالْحُكْمِ قُطِعْ
الْبَيْتَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُقْطَعْ اُتُّبِعَ بِهَا مُطْلَقًا فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْيُسْرِ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ غُرْمُ السَّرِقَةِ أَنْ يَتَّصِلَ يُسْرُهُ مِنْ حِينِ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ، فَإِنْ كَانَ حِينَئِذٍ مُعْسِرًا أَوْ أُعْسِرَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَمْ يَغْرَمْهَا. (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السِّلْعَةَ الْمَسْرُوقَةَ إذَا وُجِدَتْ بِعَيْنِهَا قَائِمَةً بِيَدِ السَّارِقِ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى صَاحِبِهَا بِإِجْمَاعٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ نَقْلِهِ خِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إتْبَاعِ السَّارِقِ بِالسَّرِقَةِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ فَذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّصِلَ الْيُسْرِ مِنْ يَوْمِ سَرَقَ إلَى يَوْمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ضَمِنَ قِيمَةَ السَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا أَوْ أُعْدِمَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ سَقَطَ عَنْهُ الْغُرْمُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي أُصُولِ الْفُتْيَا لِابْنِ الْحَارِثِ: وَالْأَصْلُ أَنَّ السَّارِقَ وَالْمَقْطُوعَ لَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا يَوْمَ السَّرِقَةِ وَيَتَمَادَى ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ. اهـ (ابْنُ عَرَفَةَ) مُوجَبُ السَّرِقَةِ قَطْعُ السَّارِقِ، وَضَمَانُهُ إنْ لَمْ يُقْطَعْ لَازِمٌ لَهُ اتِّفَاقًا. قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَوْ سَرَقَ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إمَّا لِقِلَّتِهِ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُتْبَعْ بِذَلِكَ فِي عَدَمِهِ وَيُحَاصُّ بِهِ غُرَمَاؤُهُ، وَإِذَا كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ لَمْ يُتْبَعْ فِي عَدَمِهِ وَلَا يُتْبَعُ إلَّا فِي يُسْرٍ مُتَّصِلٍ مِنْ يَوْمِ سَرَقَ إلَى يَوْمِ يُقْطَعُ، وَإِلَّا لَمْ يُتْبَعْ وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا بَعْدَ عَدَمٍ تَقَدَّمَ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا.
وَالْحَدُّ لَا الْغُرْمُ عَلَى الْعَبْدِ مَتَى ... أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ شَرْعًا ثَبَتَا
يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا يَلْزَمُهُ غُرْمُ السَّرِقَةِ. (قَالَ فِي الرِّسَالَةِ) : وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ يَلْزَمُهُ وَمَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا إقْرَارَ لَهُ. اهـ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِغُرْمِ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى سَيِّدِهِ فِي مَالِهِ وَسَكَّنَ رَاءَ السَّرِقَةِ لِلْوَزْنِ، وَانْظُرْ هَلْ يُعْرَبُ شَرْعًا مَنْصُوبًا عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ وَيَتَعَلَّقُ بِمُتَعَلَّقِ الْخَبَرِ أَيْ الْحَدُّ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ بِالشَّرْعِ؟ وَثَبَتَ بَدَلٌ مِنْ أَقَرَّ.
стр. 597
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاء]
ِ
الْقَتْلُ عَمْدًا لِلْقِصَاصِ مُوجِبُ ... بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِمَا يَسْتَوْجِبُ
مِنْ اعْتِرَافِ ذِي بُلُوغٍ عَاقِلِ ... أَوْ شَاهِدَيْ عَدْلٍ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ
أَوْ بِالْقَسَامَةِ وَبِاللَّوْثِ تَجِبْ ... وَهُوَ بِعَدْلٍ شَاهِدٍ بِمَا طُلِبْ
أَوْ بِكَثِيرٍ مِنْ لَفِيفِ الشُّهَدَا ... وَيَسْقُطُ الْإِعْذَارُ فِيهِمْ أَبَدَا
وَمَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ ... قَسَامَةً بِغَيْرِ عَدْلٍ يُوجِبُ
أَوْ بِمَقَالَةِ الْجَرِيحِ الْمُسْلِمِ ... الْبَالِغِ الْحُرِّ فُلَانٌ بِدَمِ
يَشْهَدُ عَدْلَانِ عَلَى اعْتِرَافِهِ ... وَصِفَةُ التَّمْيِيزِ مِنْ أَوْصَافِهِ
أَوْ بِقَتِيلٍ مَعَهُ قَدْ وُجِدَا ... مَنْ أَثَرُ الْقَتْلِ عَلَيْهِ قَدْ بَدَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْقِصَاصِ وَإِنَّمَا يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ إذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ بِمَا يَجِبُ ثُبُوتُهُ بِهِ، وَهُوَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: (أَوَّلُهَا: اعْتِرَافُ الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ إذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا.
(الثَّانِي) : شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ عَلَى الْقَتْلِ. (الثَّالِثُ) : الْقَسَامَةُ وَهِيَ حَلِفُ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ إذَا وُجِدَ اللَّوْثُ وَهُوَ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي وَيَأْتِي بَعْضُ مُثُلِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
الْقَتْلُ عَمْدًا لِلْقِصَاصِ مُوجِبُ
إلَى قَوْلِهِ وَبِاللَّوْثِ تَجِبُ ثُمَّ فَسَّرَ اللَّوْثَ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: شَهَادَةُ عَدْلٍ وَاحِدٍ بِالْقَتْلِ، هُوَ مُرَادُهُ بِمَا طَلَبَ. الثَّانِي: شَهَادَةُ اللَّفِيفِ وَهُمْ جَمَاعَةٌ غَيْرُ عُدُولٍ وَلَا يُعْذَرُ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَدْخُولٌ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ وَيُعْذَرُ إلَى الْقَاتِلِ فَيُقَالُ لَهُ: إنْ كَانَتْ لَك مَنْفَعَةٌ مِنْ غَيْرِ بَابِ الشُّهُودِ فَأْتِ بِهَا وَيُوَسَّعُ لَهُ فِي الْأَجَلِ.
الثَّالِثُ: رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ
الْبَيْتَ. فَمَالِكٌ مُبْتَدَأٌ وَجُمْلَةُ يُوجِبُ خَبَرُهُ، وَقَسَامَةَ مَفْعُولُ يُوجِبُ. الرَّابِعُ: قَوْلُ الْجَرِيحِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْبَالِغِ الْمُمَيِّزِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ إذَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَدْلَانِ يَعْنِي وَفِيهِ جُرْحٌ ظَاهِرٌ. الْخَامِسُ: إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَإِلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَهُوَ بِعَدْلٍ شَاهِدٍ بِمَا طُلِبْ
.. إلَخْ.
وَضَمِيرُ ثُبُوتِهِ لِلْقَتْلِ عَمْدًا (وَمِنْ اعْتِرَافٍ) بَيَانٌ لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي لَفْظِ مَا مِنْ قَوْلِهِ بِمَا يَسْتَوْجِبُ وَشَاهِدَيْ عَطْفٌ عَلَى اعْتِرَافٍ وَبِقَتْلِ يَتَعَلَّقُ بِشَاهِدَيْ وَبِالْقَسَامَةِ عَطْفٌ عَلَى اعْتِرَافٍ أَيْضًا، وَبَاؤُهُ بِمَعْنَى مِنْ وَبِاللَّوْثِ يَتَعَلَّقُ بِتَجِبُ وَضَمِيرُ هُوَ يَعُودُ عَلَى اللَّوْثِ (وَبِكَثِيرٍ) عَطْفٌ عَلَى بِعَدْلٍ وَبِمَقَالَةِ عَطْفٌ عَلَى بِكَثِيرٍ، وَفُلَانٌ بِدَمِ هُوَ الْمَحْكِيُّ بِقَوْلِهِ أَوْ بِمَقَالَةِ، وَضَمِيرُ اعْتِرَافِهِ لِلْجَرِيحِ، وَكَذَا ضَمِيرُ أَوْصَافِهِ، وَبِقَتِيلٍ عَطْفٌ عَلَى (بِمَقَالَةِ) وَجُمْلَةُ قَدْ وُجِدَ مَعَهُ صِفَةُ قَتِيلٍ وَمَنْ أَثَرُ الْقَتْلِ نَائِبُ وُجِدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) : تَقَدَّمَ أَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا هُوَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ أَيْ لَا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : قَالَ فِي التَّلْقِينِ: الْعَمْدُ مَا قُصِدَ بِهِ إتْلَافُ النَّفْسِ بِآلَةٍ تَقْتُلُ غَالِبًا وَلَوْ بِمُثْقَلٍ أَوْ بِإِصَابَةِ
стр. 598
الْمَقْتَلِ كَعَصْرِ الْأُنْثَيَيْنِ وَشِدَّةِ الضَّغْطِ وَالْخَنْقِ. زَادَ ابْنُ الْقَصَّارِ أَوْ يُطْبِقُ عَلَيْهِ بَيْتًا وَيَمْنَعُهُ الْغِذَاءَ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا. اهـ
(وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) : إنْ قَصَدَ ضَرَبًا وَإِنْ بِقَضِيبٍ كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ وَمُثْقَلٍ. قَالَ شَارِحُهُ الْحَطَّابُ أَيْ قَصَدَ ضَرْبَ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ الشَّخْصَ الْمَضْرُوبَ نَفْسَهُ أَوْ قَصَدَ أَنْ يَضْرِبَ شَخْصًا عُدْوَانًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ، أَمَّا لَوْ قَصَدَ ضَرْبَ مَنْ يَحِلُّ لَهُ ضَرْبُهُ، فَأَصَابَ غَيْرَهُ فَهُوَ خَطَأٌ. قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ صِفَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا يَظُنُّهُ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ فَهُوَ مِنْ الْخَطَأِ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى مِثْلُ ذَلِكَ «فِي مُسْلِمٍ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ بِعَهْدِ النَّبِيِّ، ﷺ يَظُنُّونَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَوَدَاهُ النَّبِيُّ، ﷺ وَلَمْ يُهْدِرْهُ. اهـ» (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) : إذَا لَمْ يَعْمِدْ لِلْقَتْلِ وَلَا لِلتَّضْرِيبِ مِثْلَ أَنْ يَرْمِيَ الشَّيْءَ فَيُصِيبَ إنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ فَهُوَ قَتْلُ خَطَإٍ بِإِجْمَاعٍ، لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَإِنَّمَا فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: إنْ قَصَدَ ضَرْبًا يُرِيدُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ لَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ وَالْأَدَبِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَإِنْ قَصَدَ الضَّرْبَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ، وَكَانَ الضَّرْبُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقِصَاصُ إلَّا فِي الْأَبِ وَالْأُمِّ. (وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَأَمَّا اللَّعِبُ فَفِي الْمُقَدِّمَاتِ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ خَطَأٌ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. اهـ كَلَامُ الْحَطَّابِ. ابْنُ الْحَاجِبِ) فَلَوْ لَطَمَهُ أَوْ وَكَزَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا مُتَعَمِّدًا عَلَى وَجْهِ الْقَتْلِ لَا اللَّعِبِ فَمَاتَ عَاجِلًا أَوْ مَغْمُورًا لَمْ يَتَكَلَّمْ فَفِيهِ الْقَوَدُ، فَلَوْ مَاتَ بَعْدُ وَقَدْ تَكَلَّمَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا فَالْقَوَدُ بِقَسَامَةٍ، أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَوْ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ أَمَّا لَوْ أَنْفَذَ لَهُ مَقْتَلًا فَلَا قَسَامَةَ وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَعَاشَ أَيَّامًا. وَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الضَّرْبَ إمَّا عَمْدٌ أَوْ خَطَأً وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَعَلَيْهِ، فَهَلْ يَلْحَقُ بِالْعَمْدِ أَوْ بِالْخَطَأِ؟ ثَالِثُهَا أَنَّهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا تُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ. وَطَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ تَحْكِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَالزَّوْجِ وَالْمُؤَدِّبِ وَنَحْوِهِ يُصِيبُ مَقْتَلًا أَوْ غَيْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَطَأِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَمْدُ لِذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَعَنْ مَالِكٍ: شِبْهُ الْعَمْدِ بَاطِلٌ لَا أَعْرِفُهُ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ. اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ. (وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْأُبُوَّةُ وَالْأُمُومَةُ أَثَرٌ فِي الدَّرْءِ بِاحْتِمَالِ الشَّبَهِ إذَا ادَّعَيَا عَدَمَ الْقَصْدِ كَمَا لَوْ حَذَفَهُ بِالسَّيْفِ وَادَّعَى أَدَبَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى لَوْ شَرَكَهُ أَحَدٌ فِي قَتْلِهِ قُتِلَ، أَمَّا لَوْ قَتَلَ مَعَ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ بَطْنَهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُقْتَلُ الْأَبُ بِابْنِهِ بِحَالٍ.
(الثَّانِي) : إنَّمَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومَ الدَّمِ، فَلَا قِصَاصَ فِي قَتْلِ مُرْتَدٍّ وَلَا زِنْدِيقٍ وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ قَاتِلُهُمْ؛ لِلِافْتِيَاتِ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا. (الثَّالِثُ) : يُشْتَرَطُ فِي الْقَاتِلِ الَّذِي يُقْتَصُّ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ مِنْ كَوْنِهِ عَاقِلًا بَالِغًا أَنْ لَا يَكُونَ حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْمَقْتُولِ بِإِسْلَامٍ مُطْلَقًا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا أَوْ بِحُرِّيَّةٍ فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا بِكَافِرٍ، وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا أَيْضًا.
(الرَّابِعُ) : الْوَاجِبُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ لَا غَيْرُ أَوْ الْعَفْوُ إنْ شَاءَ الْوَلِيُّ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ الْخِيَارُ لِلْوَلِيِّ إنْ شَاءَ اقْتَصَّ أَوْ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ
وَإِنْ وَلِيُّ الدَّمِ لِلْمَالِ قَبِلْ
.. إلَخْ. (الْخَامِسُ) : مَا ذَكَرَ النَّاظِمُ مِنْ أَنَّ الْقَتْلَ يَثْبُتُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ نَحْوُهُ فِي الرِّسَالَةِ، وَلَفْظُهَا: وَلَا تُقْتَلُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ أَوْ بِالْقَسَامَةِ إذَا وَجَبَتْ يُقْسِمُ الْوُلَاةُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ. (السَّادِسُ) : نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ بِسَبْعَةِ أَوْجُهٍ ذَكَرَ النَّاظِمُ مِنْهَا خَمْسَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَزَادَ سَادِسًا وَهُوَ: إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ مُعَايَنَةَ الضَّرْبِ أَوْ الْجَرْحِ ثُمَّ يَمُوتُ بَعْدَ أَيَّامٍ.
وَسَابِعًا: وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ عَدْلٌ عَلَى الْإِجْهَازِ. وَثَامِنًا: وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا. فَقَالَ سَحْنُونٌ: إنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ بِذَلِكَ وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ الْخَطَأِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقْسَمُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ. وَتَاسِعًا: وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ عَدْلٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الضَّرْبِ ثُمَّ يَمُوتُ الْمَضْرُوبُ بَعْدَ
стр. 599
أَيَّامٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ فِي ذَلِكَ. وَعَاشِرًا: وَهِيَ تَدْمِيَةُ الْمُدَمَّى، وَلَيْسَ بِهِ جُرْحٌ ظَاهِرٌ وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِالتَّدْمِيَةِ الْبَيْضَاءِ. (التَّوْضِيح) وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: قَتَلَنِي. أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ فِيهِ جُرْحٌ أَمْ لَا، قِيلَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ إلَّا مَعَ الْجُرْحِ. الْمُتَيْطِيُّ وَبِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعَمَلُ وَالْحُكْمُ. اهـ (اللَّخْمِيُّ) اُخْتُلِفَ إنْ قَالَ: قَتَلَنِي عَمْدًا. وَلَا جِرَاحَ بِهِ وَأَبْيَنُ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقْسِمَ مَعَ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اضْطِرَابٌ. وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْحُكْمُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَدْمِيِّ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى فُلَانٍ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَهُ أَصْبَغُ
وَهْيَ بِخَمْسِينَ يَمِينًا وُزِّعَتْ ... عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مُنِعَتْ
بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ وَالْوُلَاةِ ... وَيَحْلِفُونَهَا عَلَى الْبَتَاتِ
ضَمِيرُ هِيَ لِلْقَسَامَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، وَهَذَا فِي الْعَمْدِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْخَطَأِ يَعْنِي أَنَّ الْقَسَامَةَ هِيَ حَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتُوَزَّعُ عَلَى الذُّكُورِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ اُكْتُفِيَ بِحَلِفِ الْخَمْسِينَ، وَإِنْ كَانَ الْوُلَاةُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ، وَطَاعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِحَلِفِ الْخَمْسِينَ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ إلَّا الذُّكُورُ بِخِلَافِ الْخَطَأِ كَمَا يَأْتِي، فَإِنْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ عَلَى الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ أَوْ بِالْقَتْلِ وَلَمْ يُوجَدْ جَسَدُ الْمَجْرُوحِ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مَوْتِهِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَا زَالَ حَيًّا.
وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْوُلَاةِ، وَأَنَّهُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ لِدَمِهِ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْبَتِّ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا عَلَى الْعِلْمِ. (ابْنُ عَرَفَةَ) : الْقَسَامَةُ حَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ جُزْئِهَا عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) : إنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ وُزِّعَتْ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ اُجْتُزِئَ بِالْخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِي الِاجْتِزَاءِ بِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْهُمَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. (ابْنُ رُشْدٍ) إنْ كَانَ وُلَاةُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ وَطَاعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِحَمْلِ الْخَمْسِينَ يَمِينًا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يُعَدَّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ نَاكِلًا؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ قِيمَ بِهِ. الرِّسَالَةُ، وَتَحْلِفُ امْرَأَةٌ فِي الْعَمْدِ وَفِي ابْنِ شَاسٍ وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي الْعَمْدِ بِوَجْهٍ.
التَّوْضِيحُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمَوْتِ لِاحْتِمَالِ بَقَائِهِ حَيًّا. اهـ يَعْنِي، إذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ
стр. 600
بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ بِالْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً. التَّوْضِيحُ وَقَوْلُهُ: عَصَبَةً. أَيْ عَصَبَةَ الْقَتِيلِ وَسَوَاءٌ وَرِثُوا أَمْ لَا. اهـ (الْمُدَوَّنَةُ) يَمِينُ الْقَسَامَةِ عَلَى الْبَتِّ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا حِينَ الْقَتْلِ، قَالَ سَحْنُونٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ وَالسَّمَاعِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْمُعَايَنَةِ. اهـ وَبَاءُ بِخَمْسِينَ زَائِدَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنَّ زِيَادَتَهَا فِي الْخَبَرِ الْمُثْبَتِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى السَّمَاعِ. قَالَهُ فِي الْمُغْنِي. وَقَوْلُهُ: وَالْوُلَاةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَبَعْدَ ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْوُلَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَتْ التَّدْمِيَةُ وَالْمُدَمَّى لَمْ يَبْرَأْ فِي عِلْمِ الشُّهُودِ وَجَبَ سَجْنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَبْرَأَ الْمُدَمَّى فَيُطْلَقَ، أَوْ يَمُوتَ الْمُدَمَّى بِتِلْكَ الْحَالِ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ صِحَّةً كَامِلَةً، فَيُقْسِمَ الْوَرَثَةُ وَيَسْتَفِيدُوا بَعْدَ ثُبُوتِ مَوْتِهِ وَعِدَّةِ وَرَثَتِهِ، وَيَحْلِفُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ.
قَالَهُ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ. (فَرْعٌ) إذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الضَّرْبِ يَحْلِفُونَ: لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ. وَإِذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى الْجَرْحِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فَيَحْلِفُونَ: لَقَدْ جَرَحَهُ، وَلَقَدْ مَاتَ مِنْ جَرْحِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ، وَقَدْ حَيَا حَيَاةً بَيِّنَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ فِي غَمْرَةِ الْمَوْتِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى الْقَتْلِ فَيَحْلِفُونَ: لَقَدْ قَتَلَهُ وَلَقَدْ جَرَحَهُ الْجُرْحَ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ لَا أَكْثَرَ مِنْ طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ يَحْلِفُونَ يَمِينَ الْقَسَامَةِ؟ قَالَ: يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ، أَوْ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ إنْ كَانَ حَيًّا بَعْدَ الضَّرْبِ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْبَتِّ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَلَا يَحْلِفُونَ عَلَى الْعِلْمِ.
(فَرْعٌ) إذَا وُزِّعَتْ الْأَيْمَانُ فَانْكَسَرَتْ يَمِينٌ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَى الْكَسْرُ أَوْ يَخْتَلِفَ، فَإِنْ تَسَاوَى حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا. (ابْنُ الْجَلَّابِ) : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْلِفَ وَاحِدٌ فَقَطْ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ قَوْلًا فِي التَّسَاوِي بِالْقُرْعَةِ، كَثَلَاثَةِ بَنِينَ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا، وَإِنْ اخْتَلَفَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَحْلِفُهَا أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ فَإِنْ كَانَ ابْنٌ وَبِنْتٌ حَلَفَ الِابْنُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَحَلَفَتْ الْبِنْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهَا نَابَهَا مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ ثُلُثَاهَا. وَقِيلَ وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ كَالتَّسَاوِي. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ: ثَالِثٌ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَيْمَانِ فَيَحْلِفُهَا الِابْنُ فِي الْمِثَالِ الْمَفْرُوضِ. انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ
وَتُقْلَبُ الْأَيْمَانُ مَهْمَا نَكَلَا ... وَلِيُّ مَقْتُولٍ عَلَى مَنْ قَتَلَا
وَيَحْلِفُ اثْنَانِ بِهَا فَمَا عَلَا ... وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِهَا لَنْ يُقْتَلَا
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا نَكَلَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقَسَامَةِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُقْلَبُ عَلَى الْقَاتِلِ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْقَتْلِ وَاحِدًا حَلَفَ الْخَمْسِينَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، كَمَا فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا.
следующие страницы →