Полный текст (643 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
لِمُدَّعِيهَا. وَقَالَ: لَا يُقَالُ إلَّا لِعُذْرٍ بَيِّنٍ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» وَلِقَوْلِهِ «أَلَا تَرَكْتُمُوهُ» وَهُوَ لَمْ يَأْتِ بِعُذْرٍ اهـ فَصَرَّحَ فِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ بِالْغُرْمِ إذَا رَجَعَ لِشُبْهَةٍ وَقَوْلِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ وَيَغْرَمُ الْمِائَةَ لِمُدَّعِيهَا فِيهِ إجْمَالٌ: هَلْ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ أَوْ لَا؟ وَهَلْ قُطِعَ أَوْ لَا؟
وَكُلُّ مَا سُرِقَ وَهُوَ بَاقِ ... فَإِنَّهُ يُرَدُّ بِاتِّفَاقِ
وَحَيْثُمَا السَّارِقُ بِالْحُكْمِ قُطِعْ ... فَبِاَلَّذِي سَرَقَ فِي الْيُسْرِ اتُّبِعْ
يَعْنِي أَنَّهُ مَهْمَا وُجِدَ الشَّيْءُ الْمَسْرُوقُ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ لِصَاحِبِهِ سَوَاءٌ قُطِعَ السَّارِقُ أَوْ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ إنْ قُطِعَ السَّارِقُ اُتُّبِعَ بِالسَّرِقَةِ فِي يُسْرِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يُتَّبَعُ بِهَا فِي عُسْرِهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَحَيْثُمَا السَّارِقُ بِالْحُكْمِ قُطِعْ
الْبَيْتَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُقْطَعْ اُتُّبِعَ بِهَا مُطْلَقًا فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْيُسْرِ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ غُرْمُ السَّرِقَةِ أَنْ يَتَّصِلَ يُسْرُهُ مِنْ حِينِ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ، فَإِنْ كَانَ حِينَئِذٍ مُعْسِرًا أَوْ أُعْسِرَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَمْ يَغْرَمْهَا. (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السِّلْعَةَ الْمَسْرُوقَةَ إذَا وُجِدَتْ بِعَيْنِهَا قَائِمَةً بِيَدِ السَّارِقِ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى صَاحِبِهَا بِإِجْمَاعٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ نَقْلِهِ خِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إتْبَاعِ السَّارِقِ بِالسَّرِقَةِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ فَذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّصِلَ الْيُسْرِ مِنْ يَوْمِ سَرَقَ إلَى يَوْمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ضَمِنَ قِيمَةَ السَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا أَوْ أُعْدِمَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ سَقَطَ عَنْهُ الْغُرْمُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي أُصُولِ الْفُتْيَا لِابْنِ الْحَارِثِ: وَالْأَصْلُ أَنَّ السَّارِقَ وَالْمَقْطُوعَ لَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا يَوْمَ السَّرِقَةِ وَيَتَمَادَى ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ. اهـ (ابْنُ عَرَفَةَ) مُوجَبُ السَّرِقَةِ قَطْعُ السَّارِقِ، وَضَمَانُهُ إنْ لَمْ يُقْطَعْ لَازِمٌ لَهُ اتِّفَاقًا. قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَوْ سَرَقَ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إمَّا لِقِلَّتِهِ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُتْبَعْ بِذَلِكَ فِي عَدَمِهِ وَيُحَاصُّ بِهِ غُرَمَاؤُهُ، وَإِذَا كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ لَمْ يُتْبَعْ فِي عَدَمِهِ وَلَا يُتْبَعُ إلَّا فِي يُسْرٍ مُتَّصِلٍ مِنْ يَوْمِ سَرَقَ إلَى يَوْمِ يُقْطَعُ، وَإِلَّا لَمْ يُتْبَعْ وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا بَعْدَ عَدَمٍ تَقَدَّمَ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا.
وَالْحَدُّ لَا الْغُرْمُ عَلَى الْعَبْدِ مَتَى ... أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ شَرْعًا ثَبَتَا
يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا يَلْزَمُهُ غُرْمُ السَّرِقَةِ. (قَالَ فِي الرِّسَالَةِ) : وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ يَلْزَمُهُ وَمَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا إقْرَارَ لَهُ. اهـ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِغُرْمِ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى سَيِّدِهِ فِي مَالِهِ وَسَكَّنَ رَاءَ السَّرِقَةِ لِلْوَزْنِ، وَانْظُرْ هَلْ يُعْرَبُ شَرْعًا مَنْصُوبًا عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ وَيَتَعَلَّقُ بِمُتَعَلَّقِ الْخَبَرِ أَيْ الْحَدُّ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ بِالشَّرْعِ؟ وَثَبَتَ بَدَلٌ مِنْ أَقَرَّ.
стр. 597
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاء]
ِ
الْقَتْلُ عَمْدًا لِلْقِصَاصِ مُوجِبُ ... بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِمَا يَسْتَوْجِبُ
مِنْ اعْتِرَافِ ذِي بُلُوغٍ عَاقِلِ ... أَوْ شَاهِدَيْ عَدْلٍ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ
أَوْ بِالْقَسَامَةِ وَبِاللَّوْثِ تَجِبْ ... وَهُوَ بِعَدْلٍ شَاهِدٍ بِمَا طُلِبْ
أَوْ بِكَثِيرٍ مِنْ لَفِيفِ الشُّهَدَا ... وَيَسْقُطُ الْإِعْذَارُ فِيهِمْ أَبَدَا
وَمَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ ... قَسَامَةً بِغَيْرِ عَدْلٍ يُوجِبُ
أَوْ بِمَقَالَةِ الْجَرِيحِ الْمُسْلِمِ ... الْبَالِغِ الْحُرِّ فُلَانٌ بِدَمِ
يَشْهَدُ عَدْلَانِ عَلَى اعْتِرَافِهِ ... وَصِفَةُ التَّمْيِيزِ مِنْ أَوْصَافِهِ
أَوْ بِقَتِيلٍ مَعَهُ قَدْ وُجِدَا ... مَنْ أَثَرُ الْقَتْلِ عَلَيْهِ قَدْ بَدَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْقِصَاصِ وَإِنَّمَا يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ إذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ بِمَا يَجِبُ ثُبُوتُهُ بِهِ، وَهُوَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: (أَوَّلُهَا: اعْتِرَافُ الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ إذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا.
(الثَّانِي) : شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ عَلَى الْقَتْلِ. (الثَّالِثُ) : الْقَسَامَةُ وَهِيَ حَلِفُ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ إذَا وُجِدَ اللَّوْثُ وَهُوَ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي وَيَأْتِي بَعْضُ مُثُلِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
الْقَتْلُ عَمْدًا لِلْقِصَاصِ مُوجِبُ
إلَى قَوْلِهِ وَبِاللَّوْثِ تَجِبُ ثُمَّ فَسَّرَ اللَّوْثَ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: شَهَادَةُ عَدْلٍ وَاحِدٍ بِالْقَتْلِ، هُوَ مُرَادُهُ بِمَا طَلَبَ. الثَّانِي: شَهَادَةُ اللَّفِيفِ وَهُمْ جَمَاعَةٌ غَيْرُ عُدُولٍ وَلَا يُعْذَرُ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَدْخُولٌ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ وَيُعْذَرُ إلَى الْقَاتِلِ فَيُقَالُ لَهُ: إنْ كَانَتْ لَك مَنْفَعَةٌ مِنْ غَيْرِ بَابِ الشُّهُودِ فَأْتِ بِهَا وَيُوَسَّعُ لَهُ فِي الْأَجَلِ.
الثَّالِثُ: رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ
الْبَيْتَ. فَمَالِكٌ مُبْتَدَأٌ وَجُمْلَةُ يُوجِبُ خَبَرُهُ، وَقَسَامَةَ مَفْعُولُ يُوجِبُ. الرَّابِعُ: قَوْلُ الْجَرِيحِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْبَالِغِ الْمُمَيِّزِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ إذَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَدْلَانِ يَعْنِي وَفِيهِ جُرْحٌ ظَاهِرٌ. الْخَامِسُ: إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَإِلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَهُوَ بِعَدْلٍ شَاهِدٍ بِمَا طُلِبْ
.. إلَخْ.
وَضَمِيرُ ثُبُوتِهِ لِلْقَتْلِ عَمْدًا (وَمِنْ اعْتِرَافٍ) بَيَانٌ لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي لَفْظِ مَا مِنْ قَوْلِهِ بِمَا يَسْتَوْجِبُ وَشَاهِدَيْ عَطْفٌ عَلَى اعْتِرَافٍ وَبِقَتْلِ يَتَعَلَّقُ بِشَاهِدَيْ وَبِالْقَسَامَةِ عَطْفٌ عَلَى اعْتِرَافٍ أَيْضًا، وَبَاؤُهُ بِمَعْنَى مِنْ وَبِاللَّوْثِ يَتَعَلَّقُ بِتَجِبُ وَضَمِيرُ هُوَ يَعُودُ عَلَى اللَّوْثِ (وَبِكَثِيرٍ) عَطْفٌ عَلَى بِعَدْلٍ وَبِمَقَالَةِ عَطْفٌ عَلَى بِكَثِيرٍ، وَفُلَانٌ بِدَمِ هُوَ الْمَحْكِيُّ بِقَوْلِهِ أَوْ بِمَقَالَةِ، وَضَمِيرُ اعْتِرَافِهِ لِلْجَرِيحِ، وَكَذَا ضَمِيرُ أَوْصَافِهِ، وَبِقَتِيلٍ عَطْفٌ عَلَى (بِمَقَالَةِ) وَجُمْلَةُ قَدْ وُجِدَ مَعَهُ صِفَةُ قَتِيلٍ وَمَنْ أَثَرُ الْقَتْلِ نَائِبُ وُجِدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) : تَقَدَّمَ أَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا هُوَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ أَيْ لَا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : قَالَ فِي التَّلْقِينِ: الْعَمْدُ مَا قُصِدَ بِهِ إتْلَافُ النَّفْسِ بِآلَةٍ تَقْتُلُ غَالِبًا وَلَوْ بِمُثْقَلٍ أَوْ بِإِصَابَةِ
стр. 598
الْمَقْتَلِ كَعَصْرِ الْأُنْثَيَيْنِ وَشِدَّةِ الضَّغْطِ وَالْخَنْقِ. زَادَ ابْنُ الْقَصَّارِ أَوْ يُطْبِقُ عَلَيْهِ بَيْتًا وَيَمْنَعُهُ الْغِذَاءَ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا. اهـ
(وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) : إنْ قَصَدَ ضَرَبًا وَإِنْ بِقَضِيبٍ كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ وَمُثْقَلٍ. قَالَ شَارِحُهُ الْحَطَّابُ أَيْ قَصَدَ ضَرْبَ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ الشَّخْصَ الْمَضْرُوبَ نَفْسَهُ أَوْ قَصَدَ أَنْ يَضْرِبَ شَخْصًا عُدْوَانًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ، أَمَّا لَوْ قَصَدَ ضَرْبَ مَنْ يَحِلُّ لَهُ ضَرْبُهُ، فَأَصَابَ غَيْرَهُ فَهُوَ خَطَأٌ. قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ صِفَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا يَظُنُّهُ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ فَهُوَ مِنْ الْخَطَأِ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى مِثْلُ ذَلِكَ «فِي مُسْلِمٍ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ بِعَهْدِ النَّبِيِّ، ﷺ يَظُنُّونَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَوَدَاهُ النَّبِيُّ، ﷺ وَلَمْ يُهْدِرْهُ. اهـ» (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) : إذَا لَمْ يَعْمِدْ لِلْقَتْلِ وَلَا لِلتَّضْرِيبِ مِثْلَ أَنْ يَرْمِيَ الشَّيْءَ فَيُصِيبَ إنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ فَهُوَ قَتْلُ خَطَإٍ بِإِجْمَاعٍ، لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَإِنَّمَا فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: إنْ قَصَدَ ضَرْبًا يُرِيدُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ لَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ وَالْأَدَبِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَإِنْ قَصَدَ الضَّرْبَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ، وَكَانَ الضَّرْبُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقِصَاصُ إلَّا فِي الْأَبِ وَالْأُمِّ. (وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَأَمَّا اللَّعِبُ فَفِي الْمُقَدِّمَاتِ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ خَطَأٌ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. اهـ كَلَامُ الْحَطَّابِ. ابْنُ الْحَاجِبِ) فَلَوْ لَطَمَهُ أَوْ وَكَزَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا مُتَعَمِّدًا عَلَى وَجْهِ الْقَتْلِ لَا اللَّعِبِ فَمَاتَ عَاجِلًا أَوْ مَغْمُورًا لَمْ يَتَكَلَّمْ فَفِيهِ الْقَوَدُ، فَلَوْ مَاتَ بَعْدُ وَقَدْ تَكَلَّمَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا فَالْقَوَدُ بِقَسَامَةٍ، أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَوْ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ أَمَّا لَوْ أَنْفَذَ لَهُ مَقْتَلًا فَلَا قَسَامَةَ وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَعَاشَ أَيَّامًا. وَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الضَّرْبَ إمَّا عَمْدٌ أَوْ خَطَأً وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَعَلَيْهِ، فَهَلْ يَلْحَقُ بِالْعَمْدِ أَوْ بِالْخَطَأِ؟ ثَالِثُهَا أَنَّهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا تُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ. وَطَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ تَحْكِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَالزَّوْجِ وَالْمُؤَدِّبِ وَنَحْوِهِ يُصِيبُ مَقْتَلًا أَوْ غَيْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَطَأِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَمْدُ لِذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَعَنْ مَالِكٍ: شِبْهُ الْعَمْدِ بَاطِلٌ لَا أَعْرِفُهُ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ. اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ. (وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْأُبُوَّةُ وَالْأُمُومَةُ أَثَرٌ فِي الدَّرْءِ بِاحْتِمَالِ الشَّبَهِ إذَا ادَّعَيَا عَدَمَ الْقَصْدِ كَمَا لَوْ حَذَفَهُ بِالسَّيْفِ وَادَّعَى أَدَبَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى لَوْ شَرَكَهُ أَحَدٌ فِي قَتْلِهِ قُتِلَ، أَمَّا لَوْ قَتَلَ مَعَ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ بَطْنَهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُقْتَلُ الْأَبُ بِابْنِهِ بِحَالٍ.
(الثَّانِي) : إنَّمَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومَ الدَّمِ، فَلَا قِصَاصَ فِي قَتْلِ مُرْتَدٍّ وَلَا زِنْدِيقٍ وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ قَاتِلُهُمْ؛ لِلِافْتِيَاتِ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا. (الثَّالِثُ) : يُشْتَرَطُ فِي الْقَاتِلِ الَّذِي يُقْتَصُّ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ مِنْ كَوْنِهِ عَاقِلًا بَالِغًا أَنْ لَا يَكُونَ حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْمَقْتُولِ بِإِسْلَامٍ مُطْلَقًا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا أَوْ بِحُرِّيَّةٍ فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا بِكَافِرٍ، وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا أَيْضًا.
(الرَّابِعُ) : الْوَاجِبُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ لَا غَيْرُ أَوْ الْعَفْوُ إنْ شَاءَ الْوَلِيُّ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ الْخِيَارُ لِلْوَلِيِّ إنْ شَاءَ اقْتَصَّ أَوْ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ
وَإِنْ وَلِيُّ الدَّمِ لِلْمَالِ قَبِلْ
.. إلَخْ. (الْخَامِسُ) : مَا ذَكَرَ النَّاظِمُ مِنْ أَنَّ الْقَتْلَ يَثْبُتُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ نَحْوُهُ فِي الرِّسَالَةِ، وَلَفْظُهَا: وَلَا تُقْتَلُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ أَوْ بِالْقَسَامَةِ إذَا وَجَبَتْ يُقْسِمُ الْوُلَاةُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ. (السَّادِسُ) : نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ بِسَبْعَةِ أَوْجُهٍ ذَكَرَ النَّاظِمُ مِنْهَا خَمْسَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَزَادَ سَادِسًا وَهُوَ: إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ مُعَايَنَةَ الضَّرْبِ أَوْ الْجَرْحِ ثُمَّ يَمُوتُ بَعْدَ أَيَّامٍ.
وَسَابِعًا: وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ عَدْلٌ عَلَى الْإِجْهَازِ. وَثَامِنًا: وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا. فَقَالَ سَحْنُونٌ: إنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ بِذَلِكَ وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ الْخَطَأِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقْسَمُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ. وَتَاسِعًا: وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ عَدْلٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الضَّرْبِ ثُمَّ يَمُوتُ الْمَضْرُوبُ بَعْدَ
стр. 599
أَيَّامٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ فِي ذَلِكَ. وَعَاشِرًا: وَهِيَ تَدْمِيَةُ الْمُدَمَّى، وَلَيْسَ بِهِ جُرْحٌ ظَاهِرٌ وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِالتَّدْمِيَةِ الْبَيْضَاءِ. (التَّوْضِيح) وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: قَتَلَنِي. أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ فِيهِ جُرْحٌ أَمْ لَا، قِيلَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ إلَّا مَعَ الْجُرْحِ. الْمُتَيْطِيُّ وَبِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعَمَلُ وَالْحُكْمُ. اهـ (اللَّخْمِيُّ) اُخْتُلِفَ إنْ قَالَ: قَتَلَنِي عَمْدًا. وَلَا جِرَاحَ بِهِ وَأَبْيَنُ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقْسِمَ مَعَ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اضْطِرَابٌ. وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْحُكْمُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَدْمِيِّ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى فُلَانٍ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَهُ أَصْبَغُ
وَهْيَ بِخَمْسِينَ يَمِينًا وُزِّعَتْ ... عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مُنِعَتْ
بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ وَالْوُلَاةِ ... وَيَحْلِفُونَهَا عَلَى الْبَتَاتِ
ضَمِيرُ هِيَ لِلْقَسَامَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، وَهَذَا فِي الْعَمْدِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْخَطَأِ يَعْنِي أَنَّ الْقَسَامَةَ هِيَ حَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتُوَزَّعُ عَلَى الذُّكُورِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ اُكْتُفِيَ بِحَلِفِ الْخَمْسِينَ، وَإِنْ كَانَ الْوُلَاةُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ، وَطَاعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِحَلِفِ الْخَمْسِينَ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ إلَّا الذُّكُورُ بِخِلَافِ الْخَطَأِ كَمَا يَأْتِي، فَإِنْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ عَلَى الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ أَوْ بِالْقَتْلِ وَلَمْ يُوجَدْ جَسَدُ الْمَجْرُوحِ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مَوْتِهِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَا زَالَ حَيًّا.
وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْوُلَاةِ، وَأَنَّهُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ لِدَمِهِ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْبَتِّ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا عَلَى الْعِلْمِ. (ابْنُ عَرَفَةَ) : الْقَسَامَةُ حَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ جُزْئِهَا عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) : إنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ وُزِّعَتْ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ اُجْتُزِئَ بِالْخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِي الِاجْتِزَاءِ بِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْهُمَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. (ابْنُ رُشْدٍ) إنْ كَانَ وُلَاةُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ وَطَاعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِحَمْلِ الْخَمْسِينَ يَمِينًا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يُعَدَّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ نَاكِلًا؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ قِيمَ بِهِ. الرِّسَالَةُ، وَتَحْلِفُ امْرَأَةٌ فِي الْعَمْدِ وَفِي ابْنِ شَاسٍ وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي الْعَمْدِ بِوَجْهٍ.
التَّوْضِيحُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمَوْتِ لِاحْتِمَالِ بَقَائِهِ حَيًّا. اهـ يَعْنِي، إذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ
стр. 600
بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ بِالْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً. التَّوْضِيحُ وَقَوْلُهُ: عَصَبَةً. أَيْ عَصَبَةَ الْقَتِيلِ وَسَوَاءٌ وَرِثُوا أَمْ لَا. اهـ (الْمُدَوَّنَةُ) يَمِينُ الْقَسَامَةِ عَلَى الْبَتِّ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا حِينَ الْقَتْلِ، قَالَ سَحْنُونٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ وَالسَّمَاعِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْمُعَايَنَةِ. اهـ وَبَاءُ بِخَمْسِينَ زَائِدَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنَّ زِيَادَتَهَا فِي الْخَبَرِ الْمُثْبَتِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى السَّمَاعِ. قَالَهُ فِي الْمُغْنِي. وَقَوْلُهُ: وَالْوُلَاةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَبَعْدَ ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْوُلَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَتْ التَّدْمِيَةُ وَالْمُدَمَّى لَمْ يَبْرَأْ فِي عِلْمِ الشُّهُودِ وَجَبَ سَجْنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَبْرَأَ الْمُدَمَّى فَيُطْلَقَ، أَوْ يَمُوتَ الْمُدَمَّى بِتِلْكَ الْحَالِ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ صِحَّةً كَامِلَةً، فَيُقْسِمَ الْوَرَثَةُ وَيَسْتَفِيدُوا بَعْدَ ثُبُوتِ مَوْتِهِ وَعِدَّةِ وَرَثَتِهِ، وَيَحْلِفُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ.
قَالَهُ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ. (فَرْعٌ) إذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الضَّرْبِ يَحْلِفُونَ: لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ. وَإِذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى الْجَرْحِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فَيَحْلِفُونَ: لَقَدْ جَرَحَهُ، وَلَقَدْ مَاتَ مِنْ جَرْحِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ، وَقَدْ حَيَا حَيَاةً بَيِّنَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ فِي غَمْرَةِ الْمَوْتِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى الْقَتْلِ فَيَحْلِفُونَ: لَقَدْ قَتَلَهُ وَلَقَدْ جَرَحَهُ الْجُرْحَ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ لَا أَكْثَرَ مِنْ طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ يَحْلِفُونَ يَمِينَ الْقَسَامَةِ؟ قَالَ: يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ، أَوْ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ إنْ كَانَ حَيًّا بَعْدَ الضَّرْبِ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْبَتِّ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَلَا يَحْلِفُونَ عَلَى الْعِلْمِ.
(فَرْعٌ) إذَا وُزِّعَتْ الْأَيْمَانُ فَانْكَسَرَتْ يَمِينٌ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَى الْكَسْرُ أَوْ يَخْتَلِفَ، فَإِنْ تَسَاوَى حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا. (ابْنُ الْجَلَّابِ) : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْلِفَ وَاحِدٌ فَقَطْ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ قَوْلًا فِي التَّسَاوِي بِالْقُرْعَةِ، كَثَلَاثَةِ بَنِينَ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا، وَإِنْ اخْتَلَفَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَحْلِفُهَا أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ فَإِنْ كَانَ ابْنٌ وَبِنْتٌ حَلَفَ الِابْنُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَحَلَفَتْ الْبِنْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهَا نَابَهَا مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ ثُلُثَاهَا. وَقِيلَ وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ كَالتَّسَاوِي. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ: ثَالِثٌ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَيْمَانِ فَيَحْلِفُهَا الِابْنُ فِي الْمِثَالِ الْمَفْرُوضِ. انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ
وَتُقْلَبُ الْأَيْمَانُ مَهْمَا نَكَلَا ... وَلِيُّ مَقْتُولٍ عَلَى مَنْ قَتَلَا
وَيَحْلِفُ اثْنَانِ بِهَا فَمَا عَلَا ... وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِهَا لَنْ يُقْتَلَا
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا نَكَلَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقَسَامَةِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُقْلَبُ عَلَى الْقَاتِلِ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْقَتْلِ وَاحِدًا حَلَفَ الْخَمْسِينَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، كَمَا فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا.
стр. 601
قَالَ فِي الرِّسَالَةِ) : وَإِنْ نَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى الْقَتْلَ عَلَى جَمَاعَةٍ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي النُّكُولِ هُوَ مَنْ لَهُ اسْتِيفَاءُ الدَّمِ، وَأَمَّا نُكُولُ الْمُعِينِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَالْمُعِينُ مَنْ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ كَالْإِخْوَةِ مَعَ الْبَنِينَ، وَبَنِي الْعَمِّ مَعَ الْإِخْوَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ نُكُولِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِّ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُسْجَنُ حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا. الثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ سَجْنُهُ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ. (فَرْعٌ) إذَا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَوْلِيَائِهِ أَوْ لَا؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: نَفْيُ الِاسْتِعَانَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَمُطَرِّفٍ وَالثَّانِي: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ مَعَ أَوْلِيَائِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ. وَالثَّالِثُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ وُلَاةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفُوا الْأَيْمَانَ كُلَّهَا أَوْ يَحْلِفَهَا الْمُتَّهَمُ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا بَعْضَهَا وَيَحْلِفَ هُوَ بَقِيَّتَهَا. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَلَا يَخْفَى وَجْهُهُ. انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ.
هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:
وَيَحْلِفُ اثْنَانِ بِهَا فَمَا عَلَا
فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْبَيْتَيْنِ قَبْلَ هَذَيْنِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ الْعَصَبَةِ وَرِثُوا أَمْ لَا. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمَوَالِي فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ. التَّوْضِيحُ أَيْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْ الدَّعْوَى وَضُرِبَ مِائَةً وَسُجِنَ عَامًا، وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَظَاهِرُهُ تَأْبِيدُ حَبْسِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. اهـ وَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَسَامَةَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إذَا نَكَلَ عَنْهَا أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ وَهِيَ الْمُشَارُ لَهَا فِي أَوَّلِ الْبَيْتَيْنِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ عَصَبَةُ نَسَبٍ وَلَا مَوَالِي. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ: وَإِنْ نَكَلَ الْمُعِينُ وَلَمْ يَكُنْ وَلِيُّ الدَّمِ إلَّا وَاحِدًا فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ غَيْرَ هَذَا، وَإِلَّا فَقَدْ بَطَلَ الدَّمُ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِهَا لَنْ يُقْتَلَا
إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ اللَّوْثُ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَلَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ إلَّا وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: خِلَافًا لِلْمُغِيرَةِ (التَّوْضِيحُ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ أَضْعَفُ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ. وَقَاسَ الْمُغِيرَةُ ذَلِكَ عَلَى الشَّهَادَةِ. اهـ أَيْ عَلَى ثُبُوتِ الدَّمِ بِالشَّهَادَةِ فَيُقْتَلُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ وَجَبَ لِقَوْمٍ دَمُ رَجُلٍ بِقَسَامَتِهِ فَلَمَّا قُدِّمَ لِلْقَتْلِ أَقَرَّ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَتَلَهُ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا الْمُقِرَّ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا الْأَوَّلَ بِقَسَامَةٍ، وَلَا يُقْتَلُ إلَّا وَاحِدٌ. اهـ
(فَرْعٌ) وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ إلَّا وَاحِدٌ، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ، وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُونَ قَتْلَهُ. (ابْنُ الْقَاسِمِ) عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ: وَإِذَا أَقْسَمُوا عَلَيْهِ قَالُوا فِي الْقَسَامَةِ: لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ. وَلَا يَقُولُونَ: مِنْ ضَرْبِهِمْ. اهـ وَقَالَ أَشْهَبُ: الْأَوْلِيَاءُ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعَيِّنُوهُ أَوَّلًا، كَمَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَخْتَارُوهُ بَعْدَ حَلِفِهِمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ. (التَّوْضِيحُ) فِي قَوْلِ أَشْهَبَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أَقْسَمُوا عَلَى الْجَمِيعِ ثُمَّ اخْتَارُوا وَاحِدًا، يَكُونُ مِنْ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ، إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ. (تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُعَيِّنُونَ وَاحِدًا يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ، إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْعَمْدِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ لَا يُقْسَمُ إلَّا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَتَوْزِيعُ الدِّيَةِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. اهـ
(فَرْعٌ) كَمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ
стр. 602
أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، كَذَلِكَ تُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا إذَا عَفَا مَنْ يَجُوزُ عَفْوُهُ، فَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا لَا يُبَرِّئُهُ أَقَلُّ مِنْهَا. نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ، يَعْنِي وَيُرْجِعُ الدِّيَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) الْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ فِي قَوْلِهِ: مَهْمَا نَكَلَا وَلِيُّ مَقْتُولٍ جِنْسُ الْوَلِيِّ لَا الْوَاحِدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ الْوَلِيُّ وَنَكَلَ وَاحِدٌ وَأَرَادَ غَيْرُهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ أَنْ يَحْلِفَ فَلَا تُقْلَبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. كَذَا قَالَ الشَّارِحُ وَلَفْظُهُ: وَإِنْ نَكَلَ مُسْتَحِقُّ الدَّمِ عَنْ الْأَيْمَانِ فَإِنَّ الْحُكْمَ إنْ كَانَ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ خَاصَّةً، فَإِنَّ الدَّمَ يَبْطُلُ وَإِنْ كَانُوا مُتَعَدِّدِينَ فَلِلَّذِي لَمْ يَعْفُ إذَا كَانَ فِي قُعُودِ الْعَافِي أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ مِنْ الْعَصَبَةِ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ، وَيَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ مَا لَمْ يَكُنْ الْعَافِي أَقْعَدَ بِالْمَقْتُولِ مِنْ الْبَاقِينَ بَعْدَهُ فَيَرْجِعَ لِلدِّيَةِ. اهـ
وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ: إنْ عَفَا أَحَدٌ مِمَّنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ فَلَا قَتْلَ. وَقَوْلَ الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَاللَّفْظُ لَهَا: وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الْبَنِينَ فَلَا قَتْلَ وَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ. وَنَقَلَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ:
وَعَفْوِ بَعْضٍ مُسْقِطُ الْقِصَاصِ
الْبَيْتَيْنِ، عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَا نَصُّهُ: فَإِنْ نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْ الْعَصَبَةِ أَوْ عَفَا، فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبَ كَالْوَلَدِ وَالْأَخِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، سَقَطَ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلِلْأَقْرَبِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَصَبَةِ، وَيَسْتَحِقَّ الْقَوَدَ. اهـ وَعَلَى هَذَا يُفْهَمُ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ فِي عَبْدٍ وَلَا جَنِينِ ... قَسَامَةٌ وَلَا عَدُوِّ الدِّينِ
стр. 603
يَعْنِي أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِي قَتْلِ عَبْدٍ وَلَا جَنِينٍ وَلَا كَافِرٍ، بَلْ مَنْ قَامَ لَهُ لَوْثٌ عَلَى قَتْلِ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ، حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً وَاسْتَحَقَّ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ.
(أَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ) فَفِي الْمُوَطَّأِ: قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبِيدِ أَنَّهُ إذَا أُصِيبَ الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً، ثُمَّ كَانَ لَهُ قِيمَةُ عَبْدِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعَبْدِ قَسَامَةٌ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ، فَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ قَسَامَةٌ وَلَا يَمِينٌ، وَلَا يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ بِشَاهِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ (الْمَوَّاقُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَبْدَ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ سَيِّدُهُ أَوْ يَرْضَى سَيِّدُ الْمَقْتُولِ بِأَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ. اهـ
(وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْجَنِينِ) فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ضُرِبَتْ امْرَأَةٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَفِي الْمَرْأَةِ الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ أَنَّهُ كَجُرْحٍ مِنْ جِرَاحِهَا، وَلَا قَسَامَةَ فِي الْجِرَاحِ، وَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ، فَيَحْلِفُ وُلَاتُهُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ. (ابْنُ يُونُسَ) : يُرِيدُ: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ. اهـ
(وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ) فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي نَصْرَانِيٍّ قَامَ عَلَى قَتْلِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مُسْلِمٌ: يَحْلِفُ وُلَاتُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى قَاتِلِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا. اهـ.
(تَتِمَّةٌ) وَكَذَلِكَ لَا قَسَامَةَ فِي جُرْحٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ، لَكِنْ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى جُرْحٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلْيَحْلِفْ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ، وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ فِي الْخَطَأِ. قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ؟ قَالَ: كَلَّمْتُ مَالِكًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّهُ لَشَيْءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ، وَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا. اهـ وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي قَالَ فِيهَا مَالِكٌ بِمَا اسْتَحْسَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُرْوَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِ الشَّيْخِ ابْنِ غَازِيٍّ فِي نَظَائِرِ الرِّسَالَةِ،
وَقَالَ مَالِكٌ بِالِاخْتِيَارِ ... فِي شُفْعَةِ الْأَنْقَاضِ وَالثِّمَارِ
وَالْجُرْحُ مِثْلُ الْمَالِ فِي الْأَحْكَامِ ... وَالْخَمْسُ فِي أُنْمُلَةِ الْإِبْهَامِ
وَقَسَامَةٌ: اسْمُ لَيْسَ وَلَا عَدُوِّ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى جَنِينٍ، وَالْمُرَادُ بِعَدُوِّ الدِّينِ الْكَافِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَوَدُ الشَّرْطُ بِهِ الْمِثْلِيَّهْ ... فِي الدَّمِ بِالْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّهْ
وَقَتْلُ مُنْحَطٍّ مَضَى بِالْعَالِي ... لَا الْعَكْسُ وَالنِّسَاءُ كَالرِّجَالِ
تَقَدَّمَ لِلنَّاظِمِ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاتِلِ الَّذِي يُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا غَيْرَ حَرْبِيٍّ، وَزَادَ هُنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ لِلْمَقْتُولِ فِي الدَّمِ أَيْ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ؛ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا زَادَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِإِسْلَامٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ، فَلَا يُقْتَصُّ حِينَئِذٍ مِنْ الْقَاتِلِ؛ لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ وَالْمُمَاثَلَةِ، فَلِأَجْلِ الزِّيَادَةِ بِالْإِسْلَامِ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا بِكَافِرٍ.
وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا، قَتَلَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَلِأَجْلِ الزِّيَادَةِ بِالْحُرِّيَّةِ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْإِسْلَامِ، فَلَوْ تَمَيَّزَ الْقَاتِلُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَالْمَقْتُولُ بِالْإِسْلَامِ، فَقَتَلَ كَافِرٌ حُرٌّ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمَّا أَوْهَمَ اشْتِرَاطُ التَّكَافُؤِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ
стр. 604
الْعَبْدُ بِالْحُرِّ وَلَا الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ، رَفَعَ ذَلِكَ الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ: وَقَتْلُ مُنْحَطٍّ مَضَى بِالْعَالِي لَا الْعَكْسُ. فَالْعَالِي هُوَ الْمُسْلِمُ، وَالْمُنْحَطُّ الْكَافِرُ، فَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ، وَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ حُرًّا وَالْمُسْلِمُ الْمَقْتُولُ عَبْدًا.
وَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ مُطْلَقًا كَانَ الْمُسْلِمُ الْقَاتِلُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، كَانَ الْكَافِرُ الْمَقْتُولُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَالْعَالِي أَيْضًا هُوَ الْحُرُّ وَالْمُنْحَطُّ الْعَبْدُ، فَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ. وَيُقْتَلُ الْحُرُّ الْكَافِرُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْعَكْسُ الْمَنْفِيُّ فِيهِ الْقِصَاصُ هُوَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَأَمَّا الرَّجُلُ مَعَ الْمَرْأَةِ فَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) قُلْتُ: فَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْمَمْلُوكِ، أَوْ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ فِي الْعَمْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قَالَ: لَا، وَلَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا فِي الْجِرَاحَاتِ.
(وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ) : وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ، وَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ وَلَا الْحُرَّةُ بِالْعَبْدِ وَلَا بِالْأَمَةِ، وَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ وَلَا الْمُسْلِمَةُ بِالْكَافِرِ وَلَا بِالْكَافِرَةِ. (وَفِي الْمُقَرَّبِ) : قُلْتُ: فَيُقْتَصُّ مِنْ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ وَلِلرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ. (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) : وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَرْتَبَةُ الْمَقْتُولِ نَاقِصَةً عَنْ مَرْتَبَةِ الْقَاتِلِ؛ لِعَدَمِ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ.
(تَنْبِيهٌ) وَلَا أَثَرَ لِفَضِيلَةِ الرُّجُولِيَّةِ، فَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَلَا الْعَدَدِ فَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ، وَكَذَا لَا أَثَرَ لِلْعَدَالَةِ وَالشَّرَفِ وَسَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ وَصِحَّةِ الْجِسْمِ، فَيُقْتَلُ الْعَدْلُ بِالْفَاسِقِ وَالشَّرِيفُ بِالْمُشَرَّفِ، وَالصَّحِيحُ بِالْأَجْذَمِ، وَيُقْتَلُ الْأَعْمَى الْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالسَّالِمِ. قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (تَتِمَّةٌ) إذَا صَادَفَ الْقَتْلُ تَكَافُؤَ الدِّمَاءِ لَمْ يَسْقُطْ بِزَوَالِهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ بَعْدَ قَتْلِهِ كَافِرًا، أَوْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ بَعْدَ قَتْلِهِ عَبْدًا، فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالتَّكَافُؤِ حَالَةَ الْقَتْلِ، وَهُوَ حَاصِلُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَلَا يُعْتَرَضُ بِمَا إذَا أَوْصَى لِوَارِثٍ فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ، وَالْعَكْسِ؛ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمَآلِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ مُنْحَلٌّ. اهـ
وَهَذَا إذَا زَالَ التَّكَافُؤُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا إذَا زَالَ بَيْنَ حُصُولِ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ كَعِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ إسْلَامِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَبَعْدَ الْجُرْحِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُعْتَبَرُ فِي ضَمَانِ دِيَةِ الْحُرِّ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ حَالُ الْإِصَابَةِ وَالْمَوْتِ أَيْ حَالُ حُصُولِ الْمُسَبَّبِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ حَالُ الرَّمْيِ. اُنْظُرْ ابْنَ الْحَاجِبِ وَالتَّوْضِيحَ فَقَدْ أَطَالَا فِي ذَلِكَ. (فَائِدَةٌ) سُمِّيَ الْقِصَاصُ قَوَدًا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُودُ الْجَانِيَ بِحَبْلٍ فِي رَقَبَتِهِ وَتُسَلِّمُهُ فَسُمِّيَ الْقِصَاصُ قَوَدًا؛ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ
وَالشَّرْطُ فِي الْمَقْتُولِ عِصْمَةُ الدَّمِ ... زِيَادَةٌ لِشَرْطِهِ الْمُسْتَقْدَمِ
لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ شُرُوطٌ فِي الْقَاتِلِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ، فَبَعْضُهَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ أَوَّلَ الْفَصْلِ:
مِنْ اعْتِرَافِ ذِي بُلُوغٍ عَاقِلِ
وَبَعْضُهَا فِي الْبَيْتَيْنِ قَبْلَ هَذَا، وَهُوَ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْمَقْتُولِ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ، بَلْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِيهِمَا، أَوْ أَحَطَّ رُتْبَةً، وَشُرُوطٌ فِي الْمَقْتُولِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُسَاوِيًا لِلْقَاتِلِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ أَوْ كَوْنِ الْمَقْتُولِ أَرْفَعَ مِنْ الْقَاتِلِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْبَيْتَيْنِ قَبْلَ هَذَا، وَإِلَى شُرُوطِ الْمَقْتُولِ هَذِهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
زِيَادَةٌ لِشَرْطِهِ الْمُسْتَقْدَمِ
وَيُزَادُ فِي شُرُوطِ الْمَقْتُولِ مَا تَعَرَّضَ لَهُ فِي الْبَيْتِ مِنْ كَوْنِهِ مَعْصُومَ الدَّمِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِغِيلَةٍ أَوْ حِرَابَةٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِهِمْ إلَّا الْأَدَبُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ قِصَاصًا، فَإِنَّهُ مَعْصُومُ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَحِقِّ دَمِ مَقْتُولِهِ. (قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ) : الرُّكْنُ الثَّانِي: الْقَتِيلُ وَشَرْطُ كَوْنِهِ مَضْمُونًا بِالْقِصَاصِ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا، وَالْعِصْمَةُ بِالْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْأَمَانُ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ، وَالْحَرْبِيُّ مُهْدَرٌ دَمُهُ، وَالْمُرْتَدُّ كَذَلِكَ. قَالَ (سَحْنُونٌ) وَكَذَلِكَ مَنْ قَتَلَ زِنْدِيقًا أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا أَوْ قَطَعَ سَارِقًا قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُقُوقٌ لَا بُدَّ أَنْ تُقَامَ، وَلَا تَخْيِيرَ فِيهَا وَلَا عَفْوَ، فَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فَمَعْصُومٌ فِي غَيْرِ حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ عَدَا عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَقَتَلَهُ فَدَمُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ.
وَيُقَالُ: لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْآخَرِ، أَرْضُوا أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ، وَشَأْنُكُمْ بِقَاتِلِ وَلِيِّكُمْ فِي الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ. فَإِنْ لَمْ يُرْضُوهُمْ فَلِأَوْلِيَاءِ الْأَوَّلِ قَتْلُهُ، أَوْ الْعَفْوُ
стр. 605
وَلَهُمْ أَنْ لَا يَرْضَوْا بِمَا بُذِلَ لَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا. اهـ
وَإِنْ وَلِيُّ الدَّمِ لِلْمَالِ قَبِلْ ... وَالْقَوَدَ اسْتَحَقَّهُ فِيمَنْ قُتِلْ
فَأَشْهَبُ قَالَ لِلِاسْتِحْيَاءِ ... يُجْبَرُ قَاتِلٌ عَلَى الْإِعْطَاءِ
وَلَيْسَ ذَا فِي مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ ... دُونَ اخْتِيَارِ قَاتِلٍ بِلَازِمِ
تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ هُوَ الْقِصَاصُ لَا غَيْرُ أَوْ الْعَفْوُ مَجَّانًا بِلَا شَيْءٍ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَلَى الدِّيَةِ. وَقَالَ بِهِ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَيَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ، وَذَلِكَ إذَا عَفَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ فَأَبَى الْقَاتِلُ وَبَذَلَ دَمَهُ فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الدِّيَةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يُجْبَرُ الْقَاتِلُ عَلَى إعْطَاءِ الدِّيَةِ.
قَالَ فِي أُصُولِ الْفُتْيَا لِابْنِ حَارِثٍ: وَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقَاتِلِ عَلَى أَنْ يَغْرَمَ إلَيْهِ الدِّيَةَ، فَأَبَى الْقَاتِلُ مِنْ غُرْمِهَا، وَبَذَلَ دَمَهُ فَذَلِكَ لَهُ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ يُخَالِفُهُ وَيَقُولُ: إنْ وَجَدَ لِحَقْنِ دَمِهِ سَبِيلًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْفِكَهُ، وَاعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا فَدَاهُ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ كَانَ عَلَى الْمُفْدَى أَنْ يَغْرَمَ مَا فَدَاهُ بِهِ كُرْهًا، وَاعْتَلَّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِأَنْ قَالَ: إنَّمَا يُحَامِي عَنْ مَالِ وَارِثٍ يَصِيرُ إلَيْهِ بَعْدَ قَتْلِهِ. اهـ. وَ (وَلِيُّ الدَّمِ) فَاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ قَبِلَ، وَ (الْقَوَدَ) مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ، (لِلِاسْتِحْيَاءِ) يَتَعَلَّقُ بِيَجْبُرُ أَوْ بِالْإِعْطَاءِ، وَ (عَلَى الْإِعْطَاءِ) يَتَعَلَّقُ بِيَجْبُرُ.
وَعَفْوُ بَعْضٍ مُسْقِطُ الْقِصَاصِ ... مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قُعْدُدِ انْتِقَاصِ
وَشُبْهَةٌ تَدْرَؤُهُ وَمِلْكُ ... بَعْضِ دَمِ الَّذِي اعْتَرَاهُ الْهُلْكُ
ذَكَرَ فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْضَ مُسْقِطَاتِ الْقِصَاصِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَسْقُطُ إذَا عَفَا بَعْضُ مَنْ لَهُ اسْتِيفَاءُ الدَّمِ، إلَّا إذَا كَانَ الْعَافِي أَبْعَدَ فِي الدَّرَجَةِ مِنْ الَّذِي لَمْ يَعْفُ، فَالْكَلَامُ لِلْأَقْرَبِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قُعْدُدِ انْتِقَاصِ
وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ مِثْل ضَرْبِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ أَوْ الْمُؤَدِّبِ لِلْمُتَعَلِّمِ، فَيَئُولُ ذَلِكَ إلَى الْمَوْتِ فَيُدْرَأُ الْحَدُّ عَنْهُمَا لِلشُّبْهَةِ، وَهِيَ كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ فِي ضَرْبِ زَوْجَتِهِ وَمُتَعَلِّمِهِ، وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الْقَاتِلِ إذَا مَلَكَ بَعْضَ دَمِ الْمَقْتُولِ كَأَرْبَعَةِ إخْوَةٍ
стр. 606
يَقْتُلُ أَحَدُهُمْ أَبَاهُ ثُمَّ يَمُوتُ بَعْضُ الْأَرْبَعَةِ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ؛ لِإِرْثِ الْقَاتِلِ مِنْ أَخِيهِ بَعْضَ دَمِ الْمَقْتُولِ.
فَلَمَّا مَلَكَ دَمَهُ حِصَّةً صَارَ كَعَفْوِ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ، لَا يُبَاحُ لَهُ قَتْلٌ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمِلْكُ بَعْضِ دَمِ الَّذِي اعْتَرَاهُ الْهُلْكُ. وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ فَرْعَيْنِ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ: (الْأَوَّلُ) : فِيمَنْ لَهُ اسْتِيفَاءُ الدَّمِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَوِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ لِأَقْرَبِ الْوَرَثَةِ الْعَصَبَةِ الذُّكُورِ. (التَّوْضِيحُ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَتَرْتِيبُهُمْ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي مِيرَاثِ الْوَلَاءِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَفِي النِّكَاحِ لَا يَشِذُّ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا الْجَدُّ مَعَ الْإِخْوَةِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِمْ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ وَالْقِيَامِ بِهِ. اهـ
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ تَرْتِيبَهُمْ فِي النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَقُدِّمَ ابْنٌ فَابْنُهُ فَأَبٌ فَأَخٌ فَابْنُهُ فَجَدٌّ فَعَمٌّ فَابْنُهُ. (التَّوْضِيحُ) وَقَوْلُهُ: (الْعَصَبَةِ) احْتِرَازٌ مِنْ غَيْرِ الْعَاصِبِ كَالزَّوْجِ وَالْأَخِ لِلْأُمِّ، وَاحْتِرَازٌ بِالذُّكُورِ مِنْ الْإِنَاثِ فَإِنَّهُ سَيَذْكُرُ مَا فِيهِنَّ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ. اهـ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ النِّسَاءَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي دَرَجَتِهِنَّ عَصَبَةٌ كَذَلِكَ أَنَّ لَهُنَّ الِاسْتِيفَاءَ. (التَّوْضِيحُ) وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي دَرَجَتِهِنَّ عَصَبَةٌ. مِمَّا لَوْ كَانَ فِي دَرَجَتِهِنَّ عَصَبَةٌ كَالْبَنَاتِ مَعَ الِابْنِ، وَالْأَخَوَاتِ مَعَ الْأَخِ فَإِنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ حِينَئِذٍ فِي عَفْوٍ وَلَا قَوَدٍ بِاتِّفَاقٍ. وَالْمُرَادُ بِالْعَصَبَةِ الْعَاصِبُ؛ لِأَنَّ الْعَاصِبَ الْوَاحِدَ يَحْجُبُهُنَّ، وَيُشْتَرَطُ فِي النِّسَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِدُخُولِهِنَّ أَنْ يَكُنَّ مِمَّنْ يَرِثُهُنَّ احْتِرَازًا مِنْ الْعَمَّاتِ وَشِبْهِهِنَّ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا فِيهِنَّ أَنْ يَكُنَّ مِمَّنْ لَوْ كَانَ فِي دَرَجَتِهِنَّ ذَكَرٌ وَرِثَ بِالتَّعْصِيبِ؛ احْتِرَازًا مِنْ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَّا أَنَّ الْعَصَبَةَ الْوَارِثِينَ مَعَ النِّسَاءِ فَوْقَهُمْ سَوَاءٌ. (التَّوْضِيحُ) كَالْبِنْتِ مَعَ الْإِخْوَةِ. وَقَوْلُهُ: سَوَاءٌ. أَيْ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ، فَمَنْ قَامَ بِهِ فَهُوَ أَوْلَى وَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْعَصَبَةُ غَيْرُ الْوَارِثِينَ إذَا ثَبَتَ الْقَوَدُ بِقَسَامَتِهِمْ مَعَ النِّسَاءِ كَذَلِكَ. اهـ وَذَلِكَ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ لَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ إذَا ثَبَتَ الدَّمُ بِقَسَامَتِهِمْ. وَمَنْ قَامَ بِالدَّمِ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ لَهُ اسْتِيفَاءٌ إمَّا ذُكُورٌ فَقَطْ أَوْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، وَهَذَا الْقِسْمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ كَانَ الذُّكُورُ فِي مَرْتَبَةِ الْإِنَاثِ كَالْبَنَاتِ مَعَ الِابْنِ وَالْأَخَوَاتِ مَعَ الْأَخِ فَلَا كَلَامَ لَهُنَّ فِي عَفْوٍ، وَلَا قَوَدٍ وَأَحْرَى إذَا كَانَ الذُّكُورُ أَقْرَبَ.
وَإِنْ كَانَ الْإِنَاثُ أَقْرَبَ وَالذَّكَرُ وَارِثٌ كَالْبِنْتِ مَعَ الْإِخْوَةِ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ فَإِنْ ثَبَتَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ، فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَمَنْ قَامَ بِالدَّمِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا كَلَامَ لِلْعَصَبَةِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْعُ الثَّانِي) فِيمَا إذَا عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ بِاعْتِبَارِ سُقُوطِ الْقَوَدِ وَعَدَمِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلدَّمِ تَارَةً يَكُونُ جَمِيعُهُمْ رِجَالًا، وَتَارَةً يَكُونُ جَمِيعُهُمْ نِسَاءً وَتَارَةً يَجْتَمِعْنَ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَإِذَا عَفَا بَعْضُ مَنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ، فَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ رِجَالًا سَقَطَ الْقَوَدُ.
(التَّوْضِيحُ) : وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانُوا أَوْلَادًا أَوْ إخْوَةً أَوْ غَيْرَهُمْ كَالْأَعْمَامِ وَالْمَوَالِي، وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ، وَأَمَّا الْأَعْمَامُ وَنَحْوُهُمْ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَدَمَ السُّقُوطِ، وَأَنَّ لِمَنْ بَقِيَ أَنْ يَقْتُلَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِنْ كُنَّ نِسَاءً نَظَرَ الْحَاكِمُ. (التَّوْضِيحُ) هَذِهِ هِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا أُخْتَهُ وَابْنَتَهُ فَالِابْنَةُ أَوْلَى بِالْقَتْلِ وَبِالْعَفْوِ، وَهَذَا إذَا مَاتَ مَكَانَهُ. وَقَالَ أَيْضًا فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ رَجُلٍ لَا تُعْرَفُ عَصَبَتُهُ، فَقُتِلَ عَمْدًا وَمَاتَ مَكَانَهُ وَتَرَكَ بَنَاتٍ فَلَهُنَّ أَنْ يَقْتُلْنَ، وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُنَّ وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ الْقَتْلَ، نَظَرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ بِالِاجْتِهَادِ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَدْلًا، وَإِنْ رَأَى الْعَفْوَ أَوْ الْقَتْلَ أَمْضَاهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ
стр. 607
هُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ فِيهِ يَحُزْنَ الْمِيرَاثَ فَتَتِمُّ الْمُقَابَلَةُ بِسَبَبِهِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا أَبُو عِمْرَانَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا كَانَ لِلْإِمَامِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ؛ إذْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَصَبَةِ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ لِبَيْتِ الْمَالِ مَا بَقِيَ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِهِمَا أَوْ بِبَعْضِهِمَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ. (التَّوْضِيحُ) : هَذِهِ هِيَ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ إذَا كَانَ النِّسَاءُ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّهُ لَا كَلَامَ لَهُنَّ مَعَ الْمُسَاوِي. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَسْقُطْ. أَيْ الْقَوَدُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْعَفْوِ أَوْ بِبَعْضِهِمَا. أَيْ بِبَعْضِ هَذَا الصِّنْفِ وَبَعْضِ هَذَا الصِّنْفِ، وَأَحْرَى إذَا اجْتَمَعَ جَمِيعُ صِنْفٍ مَعَ بَعْضِ الْآخَرِ. وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا تَقَدَّمَ، بَلْ عَفَا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ وَأَرَادَ الصِّنْفُ الْآخَرُ الْقَتْلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْعَفْوَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمَا أَوْ بِبَعْضِهِمَا وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ أَرَادَ الْقَتْلَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا إذَا ثَبَتَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَصَبَةِ فِي الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ. وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ أَرَادَ الْعَفْوَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا لَوْ ثَبَتَ الدَّمُ بِبَيِّنَةٍ وَحَازَ النِّسَاءُ الْمِيرَاثَ، فَلَا كَلَامَ لِلْعَصَبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. اهـ وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلدَّمِ إنْ كَانَ الْجَمِيعُ رِجَالًا سَقَطَ الْقَوَدُ بِعَفْوِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانُوا نِسَاءً وَلَمْ يَحُزْنَ الْمِيرَاثَ وَلَا عَاصِبَ، فَلَهُنَّ الْقَتْلُ، وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُنَّ وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ الْقَتْلَ، نَظَرَ السُّلْطَانُ، وَإِنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ كَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ فَالْبِنْتُ أَوْلَى بِالْقَتْلِ وَبِالْعَفْوِ.
وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، فَإِنْ كَانُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، فَلَا كَلَامَ لِلْإِنَاثِ فِي عَفْوٍ وَلَا قَوَدٍ، وَإِنْ كَانَ النِّسَاءُ أَقْرَبَ كَالْبَنَاتِ مَعَ الْإِخْوَةِ فَإِنْ ثَبَتَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ قَرِيبًا، وَإِنْ ثَبَتَ الدَّمُ بِبَيِّنَةٍ، وَقَدْ حَازَ النِّسَاءُ الْمِيرَاثَ فَلَا كَلَامَ لِلْعَصَبَةِ فِي عَفْوٍ أَوْ قَوَدٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ لِلْإِنَاثِ، وَإِلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْإِشَارَةُ بِالْأَبْيَاتِ الْمَنْسُوبَةِ لِلْإِمَامِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَنْشَرِيسِيِّ وَهِيَ
إذَا انْفَرَدَ الرِّجَالُ وَهُمْ سَوَاءٌ ... فَمَنْ يَعْفُو وَيَبْلُغُ مَا يَشَاءُ
وَدَعْ قَوْلَ الْبَعِيدِ بِكُلِّ وَجْهٍ ... كَأَنْ سَاوَتْ بِقُعْدُدِهِمْ نِسَاءُ
فَإِنْ يَكُنْ النَّسَا أَدْنَى فَتَمِّمْ ... بِوَفْقِ جَمِيعِهِمْ عَفْوًا تَشَاءُ
وَإِنْ إرْثًا يَحُزْنَ فَدَعْ رِجَالًا ... إذَا ثَبَتَتْ بِلَا قَسَمٍ دِمَاءُ
اهـ.
فَقَوْلُهُ: (فَإِنْ يَكُنْ النِّسَاءُ أَدْنَى) هُوَ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ بِدَلِيلِ الْبَيْتِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ مَا إذَا انْفَرَدَ النِّسَاءُ وَلَا عَاصِبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُنَّ إنْ لَمْ يَحُزْنَ الْمِيرَاثَ كَالْبَنَاتِ فَلَهُنَّ الْقَتْلُ، وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُنَّ وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ الْقَتْلَ، نَظَرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ وَإِنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَلَا عَاصِبَ فَالْبِنْتُ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ فِي عَفْوٍ وَضِدِّهِ. وَقَدْ ذَيَّلْتُ الْأَبْيَاتَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَقُلْتُ:
كَذَاكَ إذَا انْفَرَدْنَ وَحُزْنَ مَالًا ... فَحُكْمٌ لِلْقَرِيبَةِ مَا تَشَاءُ
وَإِنْ إرْثٌ يُشَطُّ لِبَيْتِ مَالٍ ... فَحَاكِمُنَا يُجَنِّبُ مَا يُسَاءُ
وَأَشَرْتُ بِقَوْلِي (إذَا انْفَرَدْنَ) إلَى أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَا عَاصِبَ وَأَمَّا النِّسَاءُ مَعَ الْعَاصِبِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُمْ فِي الْأَبْيَاتِ قَبْلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَيْثُ تَقْوَى تُهْمَةٌ فِي الْمُدَّعَى ... عَلَيْهِ فَالسَّجْنُ لَهُ قَدْ شُرِّعَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ اُتُّهِمَ بِالْقَتْلِ، وَقَوِيَتْ التُّهْمَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَلَمْ تَنْتَهِ إلَى حَدِّ اللَّوْثِ الْمُوجِبِ لِلْقَسَامَةِ، فَإِنَّهُ يُسْجَنُ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ فَيُفْعَلَ مَا يَظْهَرُ مِنْ ثُبُوتِ اللَّوْثِ فَتَجِبَ أَحْكَامُهُ أَوْ اضْمِحْلَالِ التُّهْمَةِ فَيُطْلَقَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ. (قَالَ الشَّارِحُ مَا مَعْنَاهُ) : وَإِذَا سُجِنَ بِالتُّهْمَةِ الْقَاصِرَةِ عَنْ اللَّوْثِ فَأَحْرَى أَنْ يُسْجَنَ مَعَ ثُبُوتِ اللَّوْثِ إذَا لَمْ يُقَمْ بِأَحْكَامِهِ مِنْ الْقَسَامَةِ؛ إمَّا لِعَدَمِ مَنْ يَقُومُ بِهَا أَوْ لِتَوَقِّيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِهَا، إنْ كَانَ. فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ أُلْطِخَ بِالدَّمِ وَوَقَعَتْ التُّهْمَةُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ ذَلِكَ مَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَرْبُ مِائَةٍ وَسَجْنُ سَنَةٍ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْحَبْسُ الطَّوِيلُ جِدًّا، وَلَا يُعَجَّلُ بِإِخْرَاجِهِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ بَرَاءَتُهُ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ السُّنُونَ الْكَثِيرَةُ، وَلَقَدْ
стр. 608
كَانَ الرَّجُلُ يُحْبَسُ بِاللَّطْخِ وَالشُّبْهَةِ، وَيُطَالُ حَبْسُهُ حَتَّى أَنَّ أَهْلَهُ لَيَتَمَنَّوْنَ لَهُ الْمَوْتَ مِنْ طُولِ حَبْسِهِ. اهـ
(فَرْعٌ) وَكَذَلِكَ يُسْجَنُ الْقَاتِلُ إذَا كَانَ مُسْتَحِقُّ الدَّمِ غَائِبًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ كَفِيلٌ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَيُحْبَسُ، وَلَا يُكْفَلُ؛ إذْ لَا كَفَالَةَ فِي قِصَاصِ نَفْسٍ وَلَا جُرْحٍ، وَكَذَلِكَ يُسْجَنُ الْقَاتِلُ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ كَفِيلٌ إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ فِي الْعَمْدِ، فَيُسْجَنُ حَتَّى يُزَكَّى بِخِلَافِ قَتْلِ الْخَطَأِ وَجِرَاحِهِ، فَإِنَّهُ مَالٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَوْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِذَا كَانَ مَالًا فَيُقْبَلُ الْكَفِيلُ، وَهُوَ إمَّا عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ بَلَغَ الثُّلُثَ، أَوْ عَلَى الْجَانِي إنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَكَذَلِكَ يُسْجَنُ الْقَاتِلُ إذَا كَانَ فِي الْمُسْتَحِقِّينَ صَغِيرٌ حَتَّى يَكْبُرَ الصَّغِيرُ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ، حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا
وَالْعَفْوُ لَا يُغْنِي مِنْ الْقَرَابَهْ ... فِي الْقَتْلِ بِالْغِيلَةِ وَالْحِرَابَهْ
يَعْنِي أَنَّ الْقَتْلَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْغِيلَةِ أَوْ الْحِرَابَةِ، فَإِنَّ عَفْوَ الْوَلِيِّ لَا يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِلْوَلِيِّ وَالْحِرَابَةُ أَعَمُّ مِنْ الْغِيلَةِ، فَكُلُّ غِيلَةٍ حِرَابَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ حِرَابَةٍ غِيلَةً. قَالَ الشَّيْخُ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: حَقِيقَةُ الْغِيلَةِ قَالَ الْبَوْنِيُّ هِيَ الْغَدْرُ وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَقْتُلَهُ عَلَى مَالِهِ أَوْ عَلَى زَوْجَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الزَّنَّاقُ الْغِيلَةُ الْقَتْلُ بِحِيلَةٍ وَالْإِتْيَانُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ لَا يَتَوَهَّمُهُ. قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَقَتْلُ الْغِيلَةِ لَا عَفْوَ فِيهِ. قَالَ الْجُزُولِيُّ يَعْنِي لَا لِلْمَقْتُولِ وَلَا لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَا لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى. اهـ ثُمَّ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ أَيْضًا: وَلِلرَّجُلِ الْعَفْوُ عَنْ دَمِهِ الْعَمْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ قُتِلَ غِيلَةً، وَلِكَوْنِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ إذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ قَتْلَ غِيلَةٍ أَوْ حِرَابَةٍ.
وَالْحِرَابَةُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْخُرُوجُ لِإِخَافَةِ سَبِيلٍ؛ لِأَخْذِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ بِمُكَابَرَةِ قِتَالٍ أَوْ خَوْفِهِ أَوْ إذْهَابِ عَقْلٍ أَوْ قَتْلِ خُفْيَةٍ، أَوْ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ، لَا لِإِمْرَةٍ وَلَا نَائِرَةٍ، وَلَا عَدَاوَةٍ. (ابْنُ شَاسٍ) لَوْ دَخَلَ بِاللَّيْلِ وَأَخَذَ الْمَالَ بِالْمُكَابَرَةِ، وَمَنَعَ مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ فَهُوَ مُحَارِبٌ. ابْنُ شَاسٍ قَتْلُ الْغِيلَةِ أَيْضًا مِنْ الْحِرَابَةِ، وَهُوَ أَنْ يَغْتَالَ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا
стр. 609
فَيَخْدَعَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ مَوْضِعًا فَيَأْخُذَ مَا مَعَهُ، فَهُوَ كَالْحِرَابَةِ. اهـ (وَفِي الْمُدَوَّنَةِ) : سَاقِي السَّكْرَانِ مُحَارِبٌ. اهـ فَقَوْلُهُ: (وَالْعَفْوُ) مُبْتَدَأٌ، وَ (مِنْ الْقَرَابَةِ) أَيْ قَرَابَةِ الْمَقْتُولِ وَأَوْلِيَائِهِ صِفَةٌ لِلْعَفْوِ، وَجُمْلَةُ (لَا يُغْنِي) أَيْ لَا يَكْفِي خَبَرُ الْعَفْوِ وَ (فِي الْقَتْلِ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ، يَتَعَلَّقُ بِ (يُغْنِي) .
وَ (بِالْغِيلَةِ) يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ، أَوْ صِفَةٌ لَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالْعَفْوُ الصَّادِرُ مِنْ الْقَرَابَةِ، يَعْنِي أَوْ مِنْ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقَاتِلِ لَا يَكْفِي فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ الْكَائِنِ بِالْغِيلَةِ، أَوْ الْحِرَابَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِائَةً يُجْلَدُ بِالْأَحْكَامِ ... مَنْ عَنْهُ يُعْفَى مَعَ حَبْسِ عَامِ
وَالصُّلْحُ فِي ذَاكَ مَعَ الْعَفْوِ اسْتَوَى ... كَمَا هُمَا فِي حُكْمِ الْإِسْقَاطِ سَوَا
يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْقَاتِلِ عَمْدًا أَنَّهُ يُضْرَبُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَيُسْجَنُ سَنَةً، سَوَاءٌ عُفِيَ عَنْهُ مَجَّانًا أَوْ صَالَحَ بِمَالٍ فَالصُّلْحُ فِي ذَلِكَ مُسَاوٍ لِلْعَفْوِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (وَالصُّلْحُ فِي ذَاكَ) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا هُمَا) إلَخْ، أَيْ كَمَا اسْتَوَى الْعَفْوُ وَالصُّلْحُ فِي لُزُومِ الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ، كَذَلِكَ هُمَا سَوَاءٌ فِي سُقُوطِ الدَّمِ، فَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ وَالصُّلْحِ، فَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ لِلْعَفْوِ وَالصُّلْحِ. (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : فَإِنْ عَفَوْا أَوْ صَالَحُوا عَلَى الدِّيَةِ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ، كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَيَضْرِبُهُ السُّلْطَانُ بَعْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَيَسْجُنُهُ عَامًا مُسْتَقْبَلًا. (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتْلًا عَمْدًا، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ وَكَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ عَبْدًا، فَعَفَا عَنْهُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ، فَإِنَّهُ سَيُجْلَدُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (وَفِي الْمُقَرَّبِ أَيْضًا) قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ فَعُفِيَ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَقْسَمُوا عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ مُسْتَأْنَفَةً بَعْدَ الضَّرْبِ وَلَا يُعْتَدُّ فِيهَا بِمَا كَانَ مِنْ السِّجْنِ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ. (قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ) : قَالَ لِي مُطَرِّفٌ: قَالَ مَالِكٌ النَّفَرُ يُرْمَوْنَ بِالدَّمِ فَتَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَتَخَيَّرُهُ الْوَرَثَةُ، وَيُقْسِمُونَ عَلَيْهِ أَنَّ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ ضَرْبَ مِائَةٍ وَسَجْنَ سَنَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عُفِيَ عَنْهُ، فَلَمْ يُقْسِمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ.
(وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) : إذَا أَدْمَى عَلَى جَمَاعَةٍ
стр. 610
سُجِنُوا كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ عَلَى مَنْ يُقْسِمُ مِنْهُمْ، وَيُسْجَنُونَ عَامًا إذَا مَاتَ الْمَقْتُولُ مُطْلَقِينَ مِنْ غَيْرِ حَدِيدٍ، فَإِنْ كَانَ جَرِيحًا أَوْ مَرِيضًا سُجِنُوا مُحَدَّدِينَ بِالْحَدِيدِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ لَا بُدَّ لِلْمَسْجُونِ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَدِيدِ؛ حَتَّى يُرَى مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ بِعَفْوٍ أَوْ قَسَامَةٍ عَلَى غَيْرِهِ، أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْحَدِيدِ، وَضَرَبَهُ مِائَةً، وَسَجَنَهُ عَامًا مُسْتَقْبَلًا مِنْ غَيْرِ حَدِيدٍ. اهـ
وَدِيَةُ الْعَمْدِ كَذَاتِ الْخَطَأِ ... أَوْ مَا تَرَاضَى فِيهِ بَيْنَ الْمَلَإِ
وَهْيَ إذَا مَا قُبِلَتْ وَسُلِّمَتْ ... بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ قَدْ تَقَسَّمَتْ
تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ هُوَ قِصَاصٌ فَإِذَا عَفَا مَنْ لَهُ الْعَفْوُ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَرَضِيَ الْقَاتِلُ بِذَلِكَ لَزِمَ، وَإِذَا عَفَا عَلَى الدِّيَةِ هَكَذَا مُبْهَمَةً فَتُحْمَلُ عَلَى الدِّيَةِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الْخَطَأِ، وَهِيَ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ إلَّا أَنَّهَا تُغَلَّظُ فَتَكُونُ مُرَبَّعَةً كُلُّهَا إنَاثٌ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً فَإِذَا قُبِلَتْ مِنْ الْقَاتِلِ فَسَلَّمَهَا لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ، فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ بِحَسَبِ مِيرَاثِهِمْ. قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ: قُلْتُ لَهُ: فَدِيَةُ الْعَمْدِ إذَا تَصَالَحُوا عَلَيْهَا مِمَّنْ تُؤْخَذُ؟ قَالَ: مِنْ الْقَاتِلِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ اصْطَلَحُوا عَلَى شَيْءٍ مَعْرُوفٍ جَازَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى دِيَةٍ مُبْهَمَةٍ كَانَ فِي ذَلِكَ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَلَا تُقَطَّعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، كَمَا تُقَطَّعُ دِيَةُ الْخَطَأِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِوَلِيٍّ أَنْ يَعْمَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] كَذَلِكَ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : فَإِنْ قَبِلَ الْوَلَدُ الدِّيَةَ، أَوْ صَالَحَ عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، دَخَلَتْ زَوْجَةُ الْمَيِّتِ وَبَنَاتُهُ مَعَهُ فِيهَا عَلَى قَدْرِ فَرَائِضِهِمْ. اهـ فَقَوْلُهُ: كَذَاتِ الْخَطَأِ. هَذَا عِنْدَ الْإِبْهَامِ وَعَدَمِ التَّعْيِينِ لِقَدْرِهَا. وَالتَّشْبِيهُ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ مُخَمَّسَةٌ، وَهَذِهِ مُرَبَّعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: أَوْ مَا تَرَاضَى فِيهِ بَيْنَ الْمَلَإِ هَذَا عِنْدَ تَعْيِينِ قَدْرِهَا مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَالْمَلَأُ الْجَمَاعَةُ يَعْنِي بِهِمْ الْقَاتِلَ وَالْأَوْلِيَاءَ
وَجُعِلَتْ دِيَةُ مُسْلِمٍ قُتِلْ ... عَلَى الْبَوَادِي مِائَةً مِنْ الْإِبِلْ
وَالْحُكْمُ بِالتَّرْبِيعِ فِي الْعَمْدِ وَجَبْ ... وَأَلْفُ دِينَارٍ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبْ
وَقَدْرُهَا عَلَى أُولِي الْوَرْقِ اثْنَا ... عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَا أَدْنَى
وَنِصْفُ مَا ذُكِرَ فِي الْيَهُودِ ... وَفِي النَّصَارَى ثَابِتُ الْوُجُودِ
وَفِي النِّسَاءِ الْحُكْمُ تَنْصِيفُ الدِّيَهْ ... وَحَالُهُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مُغْنِيَهْ
تَكَلَّمَ فِي الْأَبْيَاتِ عَلَى جِنْسِ الدِّيَةِ وَقَدْرِهَا، فَأَخْبَرَ أَنَّ دِيَةَ الْمُسْلِمِ إنْ كَانَ الْجَانِي مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ كَالشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ كَالْعِرَاقِيِّ وَالْفَارِسِيِّ وَالْخُرَاسَانِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَالْمِائَةُ مِنْ الْإِبِلِ إنْ كَانَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ مُخَمَّسَةٌ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذُكُورٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعَمْدِ فَهِيَ مُغَلَّظَةٌ بِإِسْقَاطِ ابْنِ اللَّبُونِ، فَتَكُونُ مُرَبَّعَةً خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً. (فَإِنْ قُلْتَ) : وُجُوبُ الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ ظَاهِرٌ وَكَذَا فِي الْعَمْدِ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ مِنْ كَوْنِ الْوَاجِبِ الْقِصَاصَ لَا غَيْرُ أَوْ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَأَيْنَ تُتَصَوَّرُ الدِّيَةُ؟ (فَالْجَوَابُ) : أَنَّ لِوُجُوبِهَا فِي الْعَمْدِ سَبَبَيْنِ: الْعَفْوُ عَلَى دِيَةٍ مُبْهَمَةٍ، أَوْ عَفْوُ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ فَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ. نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْجَوَاهِرِ، وَقَالَ قَبْلَهُ: وَلَا يُؤْخَذُ عِنْدَنَا فِي الدِّيَةِ غَيْرُ هَذَا لَا بَقَرٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا عَرَضٌ. اهـ
فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْبَوَادِي: نَحْنُ نُعْطِي الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ. أَوْ قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: نَحْنُ نُعْطِي الذَّهَبَ. قَالَ مَالِكٌ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ إلَّا الذَّهَبُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ إلَّا الْوَرِقُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ إلَّا الْإِبِلُ. قَالَهُ فِي الْمُقَرَّبِ. هَذَا فِي دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا
стр. 611
أَوْ كَافِرًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَدِيَتُهُ ثُلُثُ خُمُسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ فِي الذَّهَبِ سِتٌّ وَسِتُّونَ دِينَارًا وَثُلُثَا دِينَارٍ لِأَنَّ خُمُسَ أَلْفِ دِينَارٍ مِائَتَا دِينَارٍ وَثُلُثُ الْمِائَتَيْنِ مَا ذُكِرَ، وَمِنْ الْفِضَّةِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّ خُمُسَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا أَلْفَانِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثُلُثُهَا ثَمَانِمِائَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي دِيَةِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَدِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ مِنْ دِينِهَا، فَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، وَدِيَةُ الْكِتَابِيَّةِ نِصْفُ دِيَةِ الْكِتَابِيِّ وَدِيَةُ الْمَجُوسِيَّةِ نِصْفُ دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ، هَذَا حَاصِلُ الْأَبْيَاتِ. فَقَوْلُهُ: مُسْلِمٌ أَيْ حُرٌّ وَقَوْلُهُ: قُتِلَ أَيْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَتَقَدَّمَ مَحَلُّ تَصَوُّرِهَا فِي الْعَمْدِ، عَلَى الْبَوَادِي عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَهْلِ الْبَوَادِي، وَمِائَةً مَفْعُولٌ ثَانٍ لِجُعِلَ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْحُكْمُ بِالتَّرْبِيعِ فِي الْعَمْدِ أَنَّهَا فِي الْخَطَأِ غَيْرُ مُرَبَّعَةٍ، أَيْ بَلْ مُخَمَّسَةٌ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَبَّعَةِ وَالْمُخَمَّسَةِ، وَأُولِي أَيْ أَصْحَابِ، وَسَكَّنَ رَاءَ الْوَرِقَ ضَرُورَةً.
وَقَوْلُهُ: لَا أَدْنَى. تَأْكِيدٌ لِلْعَدَدِ وَتَكْمِيلٌ لِلْبَيْتِ. وَقَوْلُهُ: وَنِصْفُ مَا ذُكِرَ، أَيْ فِي الْإِبِلِ وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (فِي الْيَهُودِيِّ) أَيْ وَاجِبٌ أَوْ ثَابِتٌ فِي الْيَهُودِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالْيَهُودِيِّ الْجِنْسُ لَا الْوَاحِدُ، وَيَاؤُهُ لِلنَّسَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَفِي النَّصَارَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَإِلَا قَالَ: " النَّصْرَانِيِّ " بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فِي الْيَهُودِيِّ. وَأَعَادَ حَرْفَ الْجَرِّ لِلْوَزْنِ وَثَابِتُ الْوُجُودِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْخَبَرِ الْمُسْتَتِرِ مُؤَكِّدَةٌ، وَشَمِلَ قَوْلُهُ فِي النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ وَالْكِتَابِيَّاتِ وَالْمَجُوسِيَّاتِ، وَضَمِيرُ (حَالُهُ) لِلتَّصْنِيفِ، وَفِي كُلِّ صِنْفٍ أَيْ مِنْ أَصْنَافِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمُغْنِيَةٌ أَيْ عَنْ بَيَانِهَا الْمُبْهَمَاتِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَهُوَ خَبَرُ (حَالُ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي لَفْظِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ مَا يُغْنِي عَنْ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى مَا فِي النَّظْمِ بِغَيْرِهِ، وَلَفْظُهُ: وَدِيَةُ الْخَطَأِ عَلَى الْبَادِي مُخَمَّسَةً بِنْتُ مَخَاضٍ وَوَلَدَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ.
وَرُبِّعَتْ فِي عَمْدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ ثُمَّ قَالَ، وَعَلَى الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. ثُمَّ قَالَ: وَلِلْكِتَابِيِّ وَالْمُعَاهَدِ نِصْفُهُ وَلِلْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ ثُلُثُ خُمُسٍ وَأُنْثَى كُلٍّ كَنِصْفِهِ. وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَتْ أَيْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ.
(تَفْرِيعٌ) قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ: قَالَ سَحْنُونٌ قُلْتُ: فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ فَجَنَى جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ أَتَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ مِنْ الْإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ كَانَ مَا جَنَاهُ أَقَلَّ مِنْ بَعِيرٍ، لَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِلِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأُصْبُعِ إذَا قَطَعَهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ: أَنَّ عَلَيْهِ ابْنَتَيْ مَخَاضٍ وَاِبْنَتَيْ لَبُونٍ وَابْنَيْ لَبُونٍ وَحِقَّتَيْنِ وَجَذَعَتَيْنِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ قُلْتُ لِعِيسَى: فَإِنْ أُصِيبَتْ لَهُ أُنْمُلَةٌ؟ قَالَ: يَأْتِي بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ سِنٍّ فَيَكُونُ فِيهَا شَرِيكًا لِلْمَجْرُوحِ ثُلُثَا كُلِّ بَعِيرٍ، وَلِلْجَارِحِ ثُلُثُ كُلِّ بَعِيرٍ مِنْهَا. وَإِنْ أُصِيبَ لَهُ أُنْمُلَتَانِ كَانَ عَلَى الْجَارِحِ أَنْ يَأْتِيَ بِعَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ فَيَكُونَ شَرِيكًا مَعَهُ، لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثُلُثَا كُلِّ بَعِيرٍ وَلِلْجَانِي ثُلُثُ كُلِّ بَعِيرٍ. (قُلْتُ) : فَإِنْ أُصِيبَتْ أُصْبُعُ رَجُلٍ عَمْدًا فَصَالَحَ مِنْهَا عَلَى الدِّيَةِ مُبْهَمَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ دِيَةُ الْأُصْبُعِ؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَانِيَةِ أَبْعِرَةٍ مِنْ أَسْنَانِ الْعَمْدِ الْأَرْبَعِ، مِنْ كُلِّ سِنٍّ بَعِيرَانِ، فَيَكُونَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثُمَّ يَأْتِي بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مِنْ كُلِّ سِنٍّ فَيَكُونَانِ فِيهَا شَرِيكَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ كُلِّ بَعِيرٍ. اهـ وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَمْدٌ، وَدِيَتَهُ مُرَبَّعَةٌ فَثَمَانِيَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَمْكَنَ التَّرْبِيعُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ تَشْرِيكٍ، وَاثْنَانِ عَلَى صِفَةِ التَّرْبِيعِ، لَا يُمْكِنُ إلَّا مِنْ أَرْبَعَ فَيَكُونَ لِلْجَانِي نِصْفُ كُلِّ بَعِيرٍ مِنْ الْأَرْبَعِ وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَا ... وَالْإِبِلُ التَّخْمِيسُ فِيهَا قُسِّطَا
تَحْمِلُهَا عَاقِلَةٌ لِلْقَاتِلِ ... وَهْيَ الْقَرَابَاتُ مِنْ الْقَبَائِلِ
حَيْثُ ثُبُوتُ قَتْلِهِ بِالْبَيِّنَهْ ... أَوْ بِقَسَامَةٍ لَهَا مُعَيِّنَهْ
يَدْفَعُهَا الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى بِحَسَبْ ... أَحْوَالِهِمْ وَحُكْمُ تَنْجِيمٍ وَجَبْ
مِنْ مُوسِرٍ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرْ ... مُوَافِقٍ فِي نِحْلَةٍ وَفِي مَقَرْ
يَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ الدِّيَةُ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ، فَتَكُونُ مُخَمَّسَةً عِشْرُونَ مِنْ كُلِّ سِنٍّ، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا بَيَانُهُ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَيُعْطِي هَذِهِ الدِّيَةَ عَاقِلَةُ الْقَاتِلِ وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
(ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَالْعَاقِلَةُ الْعَصَبَةُ، وَأُلْحِقَ بِالْعَصَبَةِ أَهْلُ الدِّيوَانِ لِعِلَّةِ التَّنَاصُرِ. (التَّوْضِيحُ)
стр. 612
هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْعَاقِلَةَ هِيَ الْعَصَبَةُ. (ابْنُ الْجَلَّابِ) : قَرُبُوا أَوْ بَعُدُوا. (ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) : وَكَانَتْ الدِّيَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ وَكَانُوا يَتَعَاقَلُونَ بِالنُّصْرَةِ فَجَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَعَلَ عُمَرُ الدِّيوَانَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ أَشْهَبُ بِشَرْطِ قِيَامِ الْعَطَاءِ أَيْ إنَّمَا يُلْحَقُ بِشَرْطِ قِيَامٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمَوَالِي الْأَعْلَوْنَ وَبَيْتُ الْمَالِ. (التَّوْضِيحُ) أَيْ لِمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَا يَرِثُونَهُ يَعْقِلُونَ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَبْدَأُ بِأَهْلِ الدِّيوَانِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى مَعُونَةٍ أَعَانَهُمْ عَصَبَتُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ دِيوَانٍ فَعَصَبَتُهُ وَيَبْدَأُ بِالْفَخِذِ ثُمَّ الْبَطْنِ ثُمَّ الْعِمَارَةِ ثُمَّ الْفَصِيلَةِ ثُمَّ الْقَبِيلَةِ ثُمَّ أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ فَمَوَالِي فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَبَيْتُ الْمَالِ إنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا.
وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَأَهْلُ إقْلِيمِهِ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ ثُمَّ يَضُمُّ الْأَقْرَبَ الَّذِي مِنْ كُوَرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ فَأَهْلُ ذَلِكَ الصُّلْحِ. (التَّوْضِيحُ) : هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ وَحَاصِلُهُ الْبَدْءُ، بِالْأَقْرَبِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَاجِعٌ إلَى اللُّغَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ كَوْثَرٍ وَابْنُ أَبِي جَمْرَاءَ فِي وَثَائِقِهِمَا عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ حَدَّ الْعَاقِلَةِ سَبْعُمِائَةٍ يَنْتَمُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ. وَفِي الْبَيَانِ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ إذَا كَانَتْ الْعَاقِلَةُ خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَلْفًا، فَهُمْ قَلِيلٌ وَيُضَمُّ لَهُمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ اهـ. وَإِلَى بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
تَحْمِلُهَا عَاقِلَةٌ لِلْقَاتِلِ ... وَهِيَ الْقَرَابَاتُ مِنْ الْقَبَائِلِ
ثُمَّ قَالَ فِي الْبَيْتِ الرَّابِعِ: يَدْفَعُهَا الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِنَّمَا تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إذَا ثَبَتَ الدَّمُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِاللَّوْثِ مَعَ الْقَسَامَةِ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ ثُبُوتُ قَتْلِهِ بِالْبَيِّنَةِ الْبَيْتَ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِاعْتِرَافِ الْجَانِي، فَذَلِكَ فِي مَالِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّاظِمُ فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذَا. (قَالَ فِي الرِّسَالَةِ) : وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ قَتْلَ عَمْدٍ وَلَا اعْتِرَافًا بِهِ. (ابْنُ شَاسٍ) : وَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الْجَانِي حَمَلَهُ، وَلَا تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ لَهُ، وَتَكُونُ حَالَّةً. وَقَوْلُهُ: يَدْفَعُهَا الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى. رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَهِيَ الْقَرَابَاتُ مِنْ الْقَبَائِلِ. وَقَوْلُهُ: بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ. أَيْ مِنْ غَنِيٍّ وَدُونَهُ، فَيُوَظِّفُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا يَضْرِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ مَا يَضُرُّ بِمَالِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ بِقَدْرِهِ وَمِمَّنْ دُونَهُ بِقَدْرِهِ. اهـ ثُمَّ أَشَارَ إلَى شُرُوطِ مَنْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
مِنْ مُوسِرٍ مُكَلَّفِ حُرٍّ ذَكَرْ
فَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ عَلَى فَقِيرٍ وَلَا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ وَلَا عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَلَا تُضْرَبُ عَلَى فَقِيرٍ وَلَا عَلَى مُخَالِفٍ فِي الدِّينِ، وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى صَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ. اهـ
وَزَادَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ فِيمَنْ لَا تُضْرَبُ عَلَيْهِ الْمَجْنُونَ وَالْغَارِمَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مَا بِيَدِهِ، وَيَفْضُلُ لَهُ مَا يَكُونُ بِهِ فِي عِدَادِ الْفُقَرَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا شَيْءَ بِيَدِهِ فَهُوَ فَقِيرٌ. اهـ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
مُوَافِقٍ فِي نِحْلَةٍ وَفِي مَقَرٍّ
إلَيَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ أَنْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ فِي النِّحْلَةِ أَيْ فِي الْمَنْحُولِ وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي يُنْحَلُ وَيُعْطَى فِي الدِّيَةِ بِحَيْثُ يَكُونُونَ كُلُّهُمْ أَصْحَابَ إبِلٍ، أَوْ كُلُّهُمْ أَصْحَابَ ذَهَبٍ، أَوْ كُلُّهُمْ أَصْحَابَ فِضَّةٍ أَيْ وَرِقٍ فَلَا يَدْخُلُ بَدْوِيٌّ ذُو إبِلٍ مَعَ حَضَرِيٍّ ذِي ذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ وَكَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَدْخُلُ شَامِيٌّ مَثَلًا مَعَ مِصْرِيٍّ، وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَهْلَ ذَهَبٍ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَفِي مَقَرٍّ. أَيْ فِي مَوْضِعِ الْقَرَارِ وَالسُّكْنَى. وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ قَبِيلَةً وَاحِدَةً، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ: لِأَنَّ السَّاكِنَ بِمَحَلٍّ غَيْرِ مَحَلِّ الْقَاتِلِ لَا تَلْزَمُهُ. اهـ وَقَدْ جَمَعَ النَّاظِمُ بَيْنَ اشْتِرَاطِ الِاتِّفَاقِ فِي النِّحْلَةِ، وَفِي الْمَقَرِّ مَعَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي الْمَقَرِّ يَلْزَمُ مِنْهُ الِاتِّفَاقُ فِي النِّحْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاتِّفَاقِ فِي النِّحْلَةِ الِاتِّفَاقُ فِي الْمَقَرِّ، كَالشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ مَعَ أَنَّهُمَا مَعًا أَهْلُ ذَهَبٍ، فَالِاتِّفَاقُ فِي الْمَقَرِّ كَافٍ عَنْ الِاتِّفَاقِ فِي النِّحْلَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَلَا دُخُولَ لِلْبَدَوِيِّ مَعَ الْحَضَرِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ قَبِيلَةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ كَمَا لَا يَدْخُلُ أَهْلُ مِصْرَ مَعَ أَهْلِ الشَّامِ. وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ وَيُعَدُّ كَالْمَعْدُومِ.
(التَّوْضِيحُ) : هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلَّلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ فِي دِيَةٍ وَاحِدَةٍ إبِلٌ وَعَيْنٌ وَأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ قَالَ: وَيُخْرِجُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ مَا يَلْزَمُهُمْ إبِلًا وَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ لَيْسَ مِنْهُمْ وَيُخْرِجُ أَهْلُ الْقُرَى حِصَّتَهُمْ عَيْنًا وَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ لَيْسَ مِنْهُمْ ا. هـ
(وَفِي الْمُقَرَّبِ) قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ جَنَى جِنَايَةً بِمِصْرَ وَلَيْسَ
стр. 613
بِمِصْرَ مِنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ وَهُمْ بِالْعِرَاقِ أَوْ بِالْيَمَنِ كَيْفَ يَكُونُ عَقْلُ مَا جَنَاهُ مِنْ الْقَتْلِ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ إذَا انْقَطَعَ الْبَدَوِيُّ إلَى الْحَضَرِ فَسَكَنَ الْحَضَرَ عُقِلَ مَعَ أَهْلِ الْحَضَرِ وَلَا يُعْقَلُ أَهْلُ الْحَضَرِ مَعَ أَهْلِ الْبَدْوِ وَلَا أَهْلُ الْبَدْوِ مَعَ أَهْلِ الْحَضَرِ وَلَا يُعْقَلُ أَهْلُ مِصْرَ مَعَ أَهْلِ الشَّامِ وَلَا أَهْلُ الشَّامِ مَعَ أَهْلِ مِصْرَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ مَسْكَنُهُ مِصْرُ عَقَلَ عَنْهُ أَهْلُ مِصْرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمِصْرَ مِنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ يَحْمِلُ جِنَايَةً ضُمَّ إلَيْهِ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَى قَوْمِهِ فَيَحْمِلُونَ جَرِيرَتَهُ.
ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ إنَّ الْبَدْوِيَّ لَا يَدْخُلُ مَعَ الْحَضَرِيِّ وَلَا الْحَضَرِيُّ مَعَ الْبَدَوِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ فِي دِيَةٍ وَاحِدَةٍ دِيَةُ إبِلٍ وَدَنَانِيرَ أَوْ إبِلٍ وَدَرَاهِمَ أَوْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ فَهُمْ أَجْنَادٌ قَدْ جُنِّدَتْ فَكُلُّ جُنْدٍ عَلَيْهِمْ جَرَائِرُهُمْ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْأَجْنَادِ. اهـ وَأَمَّا قَوْلُ النَّاظِمِ وَحُكْمُ تَنْجِيمٍ وَجَبَ فَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الدِّيَةَ أَيْ دِيَةَ الْخَطَأِ لَا تُعْطَى حَالَّةً بَلْ مُنَجَّمَةً فَإِنْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً فَتُنَجَّمُ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ ثُلُثُهَا آخِرَ كُلِّ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ لَا مِنْ يَوْمِ الْقَتْلِ وَلَا مِنْ يَوْمِ الْخِصَامِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْكَامِلَةِ فَقِيلَ: تَكُونُ حَالَّةً. وَالْمَشْهُورُ التَّنْجِيمُ فَالثُّلُثُ فِي سَنَةٍ كَمَا فِي الْجَائِفَةِ وَالثُّلُثَانِ فِي سَنَتَيْنِ كَمَا فِي جَائِفَةٍ وَآمَّةٍ.
وَأَمَّا إنْ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فَالثُّلُثُ فِي سَنَةٍ وَالسُّدْسُ الْبَاقِي فِي سَنَةٍ أَيْضًا. وَكَذَا إنْ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا فَلِلثُّلُثَيْنِ سَنَتَانِ وَلِنِصْفِ السُّدْسِ الْبَاقِي سَنَةٌ أَيْضًا. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْمَشْهُورُ التَّنْجِيمُ بِالْأَثْلَاثِ وَلِلزَّائِدِ سَنَةٌ فَالنِّصْفُ وَالرُّبُعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ. وَإِنَّمَا أَخَّرْتُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهَا فَلَمْ يَصْلُحْ تَوْزِيعُ الْكَلَامِ الْمُرْتَبِطِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَكَوْنُهَا مِنْ مَالِ جَانٍ إنْ تَكُنْ ... أَقَلَّ مِنْ ثُلْثٍ بِذَا الْحُكْمُ حَسُنْ
كَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مُعْتَرِفِ ... تُؤْخَذُ أَوْ مِنْ عَامِدٍ مُكَلَّفِ
يَعْنِي أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ تُؤَدِّيهَا مُنَجَّمَةً إنَّمَا ذَلِكَ بِشُرُوطٍ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ إمَّا الدِّيَةُ كَامِلَةً أَوْ بَعْضُهَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ الْبَعْضُ ثُلُثَ الدِّيَةِ سَوَاءٌ بَلَغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ الْجَانِي عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا إذَا قَطَعَ مُسْلِمٌ إصْبَعَيْ مُسْلِمَةٍ فَذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهَا لِأَنَّهَا تُسَاوِي الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهِ فَالْوَاجِبُ فِي أُصْبُعَيْهَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ.
وَالْعِشْرُونَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهَا بِالْأَصَالَةِ الَّتِي هِيَ خَمْسُونَ، وَثُلُثُهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ثُلُثَ دِيَةِ أَحَدِهِمَا كَمَا لَوْ قَطَعَ لَهَا أُصْبُعًا وَاحِدَةً فَالْوَاجِبُ عَشْرٌ، وَتَكُونُ عَلَى الْجَانِي لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَحَالَّةً لَا مُنَجَّمَةً وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ ثَابِتَةً بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِاللَّوْثِ وَالْقَسَامَةِ أَمَّا إنْ ثَبَتَتْ بِاعْتِرَافِ الْقَاتِلِ فَعَلَى الْجَانِي حَالَّةً أَيْضًا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ كَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مُعْتَرِفٍ تُؤْخَذُ. (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنَّ ذَلِكَ فِي الْخَطَأِ وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ وَالْجَانِي عَاقِلٌ بَالِغٌ فَذَلِكَ حَالٌّ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ مِنْ عَامِدٍ مُكَلَّفٍ وَاحْتَرَزَ بِالْمُكَلَّفِ مِنْ غَيْرِهِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّ عَمْدَهُمَا كَالْخَطَأِ إلَّا أَنَّ النَّاظِمَ صَرَّحَ بِكَوْنِهَا فِي مَالِ الْجَانِي دُونَ الْعَاقِلَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهَا حَالَّةً غَيْرَ مُنَجَّمَةٍ، وَبِذَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ وَ (الْحُكْمُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (حَسُنَ) وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَوْنِ
стр. 614
وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ مِنْ مَالِهِ ... أَوْ قِيمَةٌ كَالْإِرْثِ فِي اسْتِعْمَالِهِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ ضَرَبَ امْرَأَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَأُمُّهُ حَيَّةٌ فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْغُرَّةُ مِنْ مَالِهِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَوْ قِيمَةُ الْغُرَّةِ وَيُوَرَّثُ ذَلِكَ عَنْ الْجَنِينِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى. ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْغُرَّةُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ مِنْ الْحُمْرِ عَلَى الْأَحْسَنِ أَوْ مِنْ وَسَطِ السُّودَانِ (التَّوْضِيحُ) الْحُمْرُ هُمْ الْبِيضُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بُعِثَتْ إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» (ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِي سِنِّ الْغُرَّةِ حَدًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّهُ سَبْعُ سِنِينَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَهْمَا بَذَلَ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ غُرَّةً تُسَاوِي أَحَدَهُمَا وَجَبَ الْقَبُولُ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا.
(التَّوْضِيحُ) ظَاهِرُهُ وَتَخْيِيرُ الْجَانِي، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ الْجَانِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَغْرَمَ الْغُرَّةَ أَوْ يَأْتِيَ بِعُشْرِ دِيَةِ الْأُمِّ مِنْ كَسْبِهِمْ إمَّا ذَهَبٌ أَوْ وَرِقٌ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاسْتَشْكَلَ اللَّخْمِيُّ اشْتِرَاطَ أَنْ تَكُونَ الْغُرَّةُ تُسَاوِي هَذَا الْقَدْرَ، قَالَ: لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ الْغُرَّةُ وَلَمْ تُعْتَبَرْ الْقِيمَةُ، وَأَثْمَانُ الْعَبِيدِ تَخْتَلِفُ فِي الْبُلْدَانِ فَلَوْ وَجَبَتْ الْغُرَّةُ بِمَوْضِعٍ لَا يُسَاوِي ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ بِأَكْثَرَ. اهـ (وَفِي الْمُقَرَّبِ مَا مَعْنَاهُ) أَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْ الْإِبِلِ وَلَا مِنْ الْعَيْنِ قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَتْ الْخَمْسُونَ دِينَارًا فِي الْغُرَّةِ وَلَا السِّتُّمِائَةِ الدِّرْهَمِ كَالسُّنَّةِ الْقَائِمَةِ، وَلَكِنِّي أَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ. اهـ
стр. 615
وَهَذَا إذَا كَانَ الْجَنِينُ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِسْلَامِ لِكَوْنِ أَبِيهِ مُسْلِمًا وَكَانَ حُرًّا لِكَوْنِ أُمِّهِ حُرَّةً سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ضُرِبَتْ أُمُّهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَكَذَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ وَيَجِبُ فِي جَنِينِ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ جَنِينِ الْمُسْلِمِ، وَدِيَةُ جَنِينِ الْمَجُوسِيِّ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. (ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَفِي جَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ وَقِيلَ مَا نَقَصَهَا. (التَّوْضِيحُ) الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى حُرِّيَّةِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الرِّقِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِابْنِ وَهْبٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغُرَّةُ الْجَنِينِ مُشْتَرَطَةٌ بِانْفِصَالِهِ مَيِّتًا قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (التَّوْضِيحُ) : اُتُّفِقَ عَلَى وُجُوبِ الْغُرَّةِ إذَا انْفَصَلَ فِي حَيَاةِ أُمِّهِ وَاخْتُلِفَ إذَا انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا فَالْمَشْهُورُ لَا غُرَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَعُضْوٍ مِنْ الْمَيِّتَةِ. وَالشَّاذُّ لِأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. اهـ وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ: فِي حَيَاةِ أُمِّهِ أَوْ انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا. يُرِيدُ مَيِّتًا فِي الْوَجْهَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) الْمُرَادُ بِالْجَنِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا تُلْقِيهِ الْمَرْأَةُ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَلَدٌ مُضْغَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : هَذَا الْبَابُ وَمَا تَكُونُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَمَا تَحِلُّ بِهِ الْمُعْتَدَّةُ وَاحِدٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ خِلَافُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدَّمِ الْمُجْتَمِعِ الَّذِي لَا يَذُوبُ بِالْمَاءِ السُّخْنِ. (الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِذَا تَعَدَّدَ الْجَنِينُ تَعَدَّدَ الْوَاجِبُ مِنْ غُرَّةٍ وَدِيَةٍ. (التَّوْضِيحُ) مِنْ غُرَّةٍ يَعْنِي إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ وَدِيَةٍ إنْ اسْتَهَلَّ
وَغُلِّظَتْ فَثُلِّثَتْ فِي الْإِبِلِ ... وَقُوِّمَتْ لِلْعَيْنِ فِي الْقَوْلِ الْجَلِيِّ
وَهُوَ بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ... يَخْتَصُّ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ
تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّ الضَّرْبَ إمَّا عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ: إنْ ضَرَبَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ الضَّرْبُ مِنْ زَوْجٍ وَمُؤَدِّبٍ وَأَبٍ لَيْسَ هُوَ عَمْدًا وَإِنَّمَا هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ وَأَنْكَرَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَقَالَ: شِبْهُ الْعَمْدِ بَاطِلٌ لَا أَعْرِفُهُ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ. وَعَلَى ثُبُوتِهِ فَفِيهِ طَرِيقَتَانِ طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ تَحْكِي الِاتِّفَاقَ أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ تَحْكِي ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قِيلَ: هُوَ عَمْدٌ وَقِيلَ: خَطَأٌ. ثَالِثُهَا هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ لَا عَمْدٌ حَقِيقَةً فَتُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ. (وَفِي التَّوْضِيحِ) : لَمْ يُنْكِرْ مَالِكٌ شِبْهَ الْعَمْدِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بَلْ أَنْكَرَهُ فِيمَا عَدَا الْأَبَ وَحَكَى الْعِرَاقِيُّونَ إثْبَاتَهُ فِيمَا عَدَا الْأَبَ أَيْضًا. (الْبَاجِيُّ) وَلَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ الْأَبِ (اللَّخْمِيُّ) وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْقَتْلُ بِغَيْرِ آلَةِ الْقَتْلِ كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْبُنْدُقَةِ وَاللَّطْمَةِ وَالْوَكْزَةِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بِآلَةٍ لِلْقَتْلِ لَكِنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى قَصْدِ الْقَتْلِ كَفِعْلِ الْمُدْلِجِيِّ بِوَلَدِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ كَمُعَلِّمِ الثِّقَافِ وَالطَّبِيبِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَةٍ يُرَادُ بِهَا الْقَتْلُ وَيَتَقَدَّمُهُ بِسَاطٌ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلَ كَالْمُتَصَارَعِينَ وَالْمُتَلَاعَبِينَ. اهـ وَعَلَى تَغْلِيظِ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى قَصْدِ الْقَتْلِ تَكَلَّمَ النَّاظِمُ هُنَا فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ أَوْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ إذَا ضَرَبَ وَلَدَهُ بِحَدِيدَةٍ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا بِدَلِيلِ أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِذَلِكَ وَأَنَّ الْقَاتِلَ كَذَلِكَ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ تَغْلِيظُ الدِّيَةِ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتُغَلَّظُ الدِّيَةُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ دُونَ غَيْرِهِمْ فِي الْعَمْدِ الَّذِي لَا يَقْتُلُونَ بِهِ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ بِحَدِيدَةٍ وَشَبَهِهَا وَهُوَ عَمْدٌ وَلِذَلِكَ لَا يَرِثُ مِنْ مَالِهِ وَيُقْتَلُ غَيْرُهُمْ كَفِعْلِ الْمُدْلِجِيِّ بِابْنِهِ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : جَمَعَ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ لِتَدْخُلَ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ كَمَا تَقَدَّمَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَعْمَامِ وَنَحْوِهِمْ. اهـ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ لِلْأَبِ كَالْأَبِ وَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ الْأُمِّ كَالْأُمِّ أَوْ كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ اهـ وَقَالَ قَبْلَهُ: وَلِلْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ أَثَرٌ فِي الدَّرْءِ بِاحْتِمَالِ الشُّبْهَةِ إذَا ادَّعَيَا عَدَمَ الْقَصْدِ كَمَا لَوْ حَذَفَهُ بِالسَّيْفِ وَادَّعَى أَدَبَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى لَوْ شَرَكَهُ أَحَدٌ فِي قَتْلٍ، أَمَّا لَوْ قَتَلَ مَعَ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ اُقْتُصَّ مِنْهُ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ بَطْنَهُ أَوْ حَزَّ يَدَهُ فَقَطَعَهَا أَوْ وَضَعَ أُصْبُعَهُ فِي عَيْنِهِ فَأَخْرَجَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ اعْتَرَفَ بِالْقَصْدِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُقْتَلُ الْأَبُ بِابْنِهِ بِحَالٍ. (التَّوْضِيحُ) وَأَشَارَ بِقِصَّةِ الْمُدْلِجِيِّ إلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
стр. 616
أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يُقَالُ لَهُ قَتَادَةُ حَذَفَ ابْنَهُ بِالسَّيْفِ فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنُزِيَ فِي جُرْحِهِ فَمَاتَ فَقَدِمَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ اُعْدُدْ لِي عَلَى مَاءِ قُدَيْدٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً ثُمَّ قَالَ: أَيْن أَخُو الْمَقْتُولِ؟ قَالَ هَا أَنَا. قَالَ: خُذْهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» . اهـ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَتَغْلِيظُهَا بِالتَّثْلِيثِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا. وَإِلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ هَذَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
وَغُلِّظَتْ فَثُلِّثَتْ فِي الْإِبِلِ
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَقُوِّمَتْ لِلْعَيْنِ فِي الْقَوْلِ الْجَلِيّ
إلَى أَنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ أَيْضًا إذَا كَانَتْ عَيْنًا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً عَلَى الْقَوْلِ الْجَلِيّ الظَّاهِرِ.
وَتَغْلِيظُهَا هُوَ بِتَقْوِيمِ دِيَةِ الْإِبِلِ الْمُخَمَّسَةِ وَالْمُرَبَّعَةِ أَوْ الْمُثَلَّثَةِ فَمَا كَانَ مِنْ خُمُسٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أُخِذَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنْ الْأَلْفِ دِينَارٍ أَوْ مِنْ الِاثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَيُزَادُ عَلَيْهِ وَالْمَجْمُوعُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ غُلِّظَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ. فَإِذَا قُوِّمَتْ الْمُثَلَّثَةُ بِمِائَةٍ وَالْمُخَمَّسَةُ أَوْ الْمُرَبَّعَةُ بِثَمَانِينَ فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا بِالْخُمُسِ فَيُزَادُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ خُمُسُهَا وَعَلَى الِاثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ خُمُسُهَا وَيَلْزَمُ الْمَجْمُوعُ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَتُغَلَّظُ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتُقَوَّمُ الدِّيَتَانِ وَيُزَادُ نِسْبَةُ مَا بَيْنَهُمَا. اهـ فَقَوْلُ النَّاظِمِ وَقُوِّمَتْ لِلْعَيْنِ أَيْ وَقُوِّمَتْ دِيَةُ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةً لِأَجْلِ تَغْلِيظِهَا فِي الْعَيْنِ إذْ بِالتَّقْوِيمِ وَمَعْرِفَةِ الْجُزْءِ الَّذِي بَيْنَ الْمُغَلَّظَةِ وَغَيْرِهَا يُعْرَفُ مَا يُزَادُ عَلَى دِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَضَمِيرُ هُوَ لِلتَّغْلِيظِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ يَخْتَصُّ. وَبِالْآبَاءِ يَتَعَلَّقُ بِيَخْتَصُّ، وَالْأَجْدَادُ عَطْفٌ عَلَى الْآبَاءِ. (فَرْعٌ) الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ هِيَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا مُنَجَّمَةً
وَيَحْلِفُ الذُّكُورُ كَالْإِنَاثِ ... بِنِسْبَةِ الْحُظُوظِ فِي الْمِيرَاثِ
وَإِنْ يَمِينٌ عِنْدَ ذَا تَنْكَسِرُ ... يَحْلِفُهَا مَنْ حَظُّهُ مُوَفَّرُ
وَوَاحِدٌ يَجُوزُ أَنْ يُحَلَّفَا ... حَيْثُ انْفِرَادُهُ بِمَا تَخَلَّفَا
وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ طَرًّا تُعْتَمَدْ ... بِحَيْثُمَا يَسْقُطُ بِالشَّرْعِ الْقَوَدْ
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ فِي الْخَطَأِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُهَا مَنْ يَرِثُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا يَرِثُ فَمَنْ وَرِثَ ثُمُنًا كَانَ عَلَيْهِ ثُمُنُ الْأَيْمَانِ وَمَنْ وَرِثَ سُدُسًا كَانَ عَلَيْهِ سُدُسُ الْأَيْمَانِ وَعَلَى هَذَا فَقِسْ. فَإِنْ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمْ يَمِينٌ حَلَفَهَا أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْهَا فَإِنْ انْفَرَدَ الْوَارِثُ كَابْنٍ، حَلَفَ الْخَمْسِينَ. وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ جَمِيعُهَا هِيَ فِي الْخَطَأِ لَا فِي الْعَمْدِ، وَعَنْ الْخَطَأِ عَبَّرَ بِمَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ فِيهِ بِالشَّرْعِ وَأَمَّا الْعَمْدُ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ الْعَصَبَةِ وَلَا يَحْلِفُ فِيهِ وَاحِدٌ وَلَا امْرَأَةٌ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) .
وَالْقَسَامَةُ أَنْ يَحْلِفَ الْوَارِثُونَ الْمُكَلَّفُونَ فِي الْخَطَأِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى خَمْسِينَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً عَلَى الْبَتِّ، وَلَوْ كَانَ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا، وَتُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمِيرَاثِ وَيُجْبَرُ كَسْرُ الْيَمِينِ عَلَى ذِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْكَسْرِ، وَقِيلَ: عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا لَوْ تَسَاوَى الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ. اهـ وَمِثَالُ انْكِسَارِ الْيَمِينِ وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرُ نَصِيبًا مِنْهَا الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِ النَّاظِمِ: مَنْ حَظُّهُ مُوَفَّرٌ وَبِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُجْبَرُ كَسْرُ الْيَمِينِ عَلَى ذِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْكَسْرِ كَمَا إذَا كَانَ الْوَارِثُ ابْنًا وَابْنَةً فَيَحْلِفُ الِابْنُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَتَحْلِفُ الْبِنْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهَا نَابَهَا مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ ثُلُثَاهَا وَذَلِكَ أَنَّكَ إذَا قَسَّمْتَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى ثَلَاثَةٍ خَرَجَ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَيَجْتَمِعُ لِلِابْنِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ وَالْبِنْتِ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَتَحْلِفُ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَأَمَّا إذَا انْكَسَرَتْ الْيَمِينُ عَلَى السَّوَاءِ كَثَلَاثَةِ بَنِينَ فَإِنَّهَا تُكَمَّلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ.
(وَفِي الْمُقَرَّبِ) قُلْتُ: وَكَيْفَ يَحْلِفُ وُلَاةُ الدَّمِ فِي الْخَطَأِ؟ قَالَ: عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَيُقْسِمُ النِّسَاءُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَلَا يُقْسِمْنَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ. قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ قَتِيلًا خَطَأً لَمْ يَدَعْ إلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً وَلَيْسَ لَهُ عَصَبَةٌ؟ قَالَ: تَحْلِفُ الِابْنَةُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَصَبَةٌ حَلَفَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَحَلَفَ الْعَصَبَةُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى مَوَارِيثِهِمْ. وَإِنْ نَكَلَ الْعَصَبَةُ لَمْ تَأْخُذْ الِابْنَةُ مِيرَاثَهَا حَتَّى تَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا لِأَنَّ الدَّمَ لَا يُسْتَحَقُّ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ يَمِينًا. قُلْتُ:
стр. 617
فَلَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ ابْنَةٌ حَاضِرَةٌ وَابْنٌ غَائِبٌ بَعِيدُ الْغَيْبَةِ فَقَالَتْ الِابْنَةُ: أَنَا أَحْلِفُ وَآخُذُ حَقِّي. فَقَالَ: إنْ حَلَفْتِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَخَذْت ثُلُثَ الدِّيَةِ وَإِنْ قَدِمَ الْأَخُ حَلَفَ ثُلُثَيْ الْأَيْمَانِ وَأَخَذَ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ.
وَسُوِّغَتْ قَسَامَةُ الْوُلَاةِ ... فِي غَيْبَةِ الْجَانِي عَلَى الصِّفَاتِ
وَيُنْفِذُ الْقِصَاصَ إنْ بِهِ ظُفِرْ ... إقْرَارٌ أَوْ وِفَاقُ مَا مِنْهَا ذُكِرْ
(قَالَ الشَّارِحُ) : يُسَوَّغُ أَنْ يُقْسِمَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ فِي غَيْبَةِ الْقَاتِلِ عَلَى صِفَاتِهِ وَيُنْفِذُ الْقِصَاصَ وَإِنْ ظُفِرَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إقْرَارُهُ أَنَّهُ هُوَ أَوْ وِفَاقُ الصِّفَاتِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا لِمَا ذُكِرَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ الْقَسَامَةُ عَلَيْهَا. اهـ وَعَلَى الصِّفَاتِ يَتَعَلَّقُ بِقَسَامَةٍ " وَالْقِصَاصَ " مَفْعُولُ يُنْفِذُ وَضَمِيرُ بِهِ لِلْجَانِي وَإِقْرَارٌ فَاعِلُ يُنْفِذُ وَضَمِيرُ مِنْهَا لِلصِّفَاتِ
[فَصْلٌ فِي الْجِرَاحَاتِ]
ِ
جُلُّ الْجُرُوحِ عَمْدُهَا فِيهِ الْقَوَدْ ... وَدِيَةٌ مَعْ خَطَرٍ فِيهَا فُقِدْ
وَفِي جِرَاحِ الْخَطَأِ الْحُكُومَهْ ... وَخَمْسَةٌ دِيَتُهَا مَعْلُومَهْ
فَنِصْفُ عُشْرِ دِيَةٍ فِي الْمُوضِحَةِ ... وَهِيَ الَّتِي تُلْغَى لِعَظْمٍ مُوضِحَهْ
فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ كَذَا الْمُنَقِّلَةُ ... عُشْرٌ بِهَا وَنِصْفُ عُشْرٍ مُعَدِّلَهْ
فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُطْلَقًا وَهِيَ الَّتِي ... كَسْرَ فِرَاشِ الْعَظْمِ قَدْ تَوَلَّتْ
وَعُشُرٌ وَنِصْفُهُ فِي الْهَاشِمَهْ ... وَهِيَ لِعَظْمِ الرَّأْسِ تُلْفَى هَاشِمَهْ
وَقِيلَ نِصْفُ الْعُشْرِ أَوْ حُكُومَهْ ... وَثُلُثُ الدِّيَةِ فِي الْمَأْمُومَهْ
وَمَا انْتَهَتْ لِلْجَوْفِ وَهِيَ الْجَائِفَهْ ... كَذَاكَ وَالْأُولَى الدِّمَاغَ كَاشِفَهْ
وَلِاجْتِهَادِ حَاكِمٍ مَوْكُولُ ... فِي غَيْرِهَا التَّأْدِيبُ وَالتَّنْكِيلُ
وَجَعَلُوا الْحُكُومَةَ التَّقْوِيمَا ... فِي كَوْنِهِ مَعِيبًا أَوْ سَلِيمًا
وَمَا تَزِيدُ حَالَةُ السَّلَامَهْ ... يَأْخُذُهُ أَرْشًا وَلَا مَلَامَهْ
الْجِرَاحَاتُ جَمْعُ جِرَاحَةٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى جِرَاحٍ. يُقَالُ: جَرَحَهُ وَالِاسْمُ الْجُرْحُ بِالضَّمِّ وَالْجَمْعُ جُرُوحٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَلَمْ يَقُولُوا: أَجْرَاحٌ إلَّا عَلَى مَا جَاءَ فِي الشِّعْرِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُفْرَدَ لَفْظَانِ أَحَدُهُمَا: جِرَاحَةٌ بِالْكَسْرِ وَالْهَاءِ فِي آخِرِهِ وَلَهُ جَمْعَانِ جِرَاحَاتٌ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَجِرَاحٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْضًا بِوَزْنِ كِتَابٍ وَاللَّفْظُ الثَّانِي جُرْحٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَجَمْعُهُ: جُرُوحٌ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) الْمُتَبَادَرُ فِي الِاصْطِلَاحِ أَنَّ الْجُرُوحَ كُلُّ مَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلَى أَنْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] اهـ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ الْجُرُوحَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَمَا كَانَ مِنْهَا عَمْدًا فَجُلُّهُ وَالْكَثِيرُ مِنْهُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَوَدِ يَعْنِي أَوْ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَبَعْضُهُ إنَّمَا فِيهِ الدِّيَةُ فَقَطْ أَيْ شَيْءٌ قَدَّرَهُ الشَّارِعُ إمَّا مَعْلُومٌ
стр. 618
كَثُلُثِ الدِّيَةِ فِي الْجَائِفَةِ مَثَلًا أَوْ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَهُوَ الْحُكُومَةُ فِيمَا يَعْظُمُ فِيهِ الْخَطَرُ إذَا بَرَأَ عَلَى شَيْنٍ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ الشَّارِحِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ مَا فِيهِ خَطَرٌ وَغَرَرٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَمَا لَا خَطَرَ فَفِيهِ الْقِصَاصُ. ثُمَّ جِرَاحُ الْعَمْدِ إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الرَّأْسِ أَوْ فِيمَا عَدَاهُ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِجِرَاحِ الْجَسَدِ، فَجِرَاحُ الرَّأْسِ يُقْتَصُّ فِيهَا مِنْ سَبْعٍ وَهِيَ الْمُوضِحَةُ وَهِيَ مَا أَفْضَى إلَى الْعَظْمِ مِنْ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ وَلَوْ بِقَدْرِ مَدْخَلِ إبْرَةٍ.
وَكَذَا مَا قَبْلَهَا مِنْ الدَّامِيَةِ وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ وَالْحَارِصَةِ وَهِيَ الَّتِي تُشَقِّقُ الْجِلْدَ وَالسِّمْحَاقِ وَهِيَ الْكَاشِطُ لِلْجِلْدِ وَالْبَاضِعَةِ وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ أَيْ تَشُقُّهُ وَالْمُتَلَاحِمَةِ وَهِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَالْمِلْطَاةِ وَهِيَ الَّتِي يَبْقَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ سِتْرٌ رَقِيقٌ، فَالْوَاجِبُ فِي هَذِهِ السَّبْعِ الْقِصَاصُ أَوْ مَا يَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَلَا قِصَاصَ فِيمَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ مِنْ جِرَاحِ الرَّأْسِ. وَذَلِكَ أَرْبَعٌ: الْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ، وَالْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِي أَطَارَتْ فِرَاشَ الْعَظْمِ وَإِنْ صَغُرَ، وَالْآمَّةُ وَهِيَ مَا أَفْضَى إلَى الدِّمَاغِ وَلَوْ بِقَدْرِ مَدْخَلِ إبْرَةٍ وَالدَّامِغَةُ وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَسْقُطُ ذِكْرُ الْهَاشِمَةِ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَصِيرَ مُنَقِّلَةً عِنْدَهُ وَالْمُنَقِّلَةُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَحُكِيَ فِيهَا الْفَتْحُ وَفِرَاشُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَيُقَالُ لَلْآمَّةِ الْمَأْمُومَةُ أَيْضًا وَبَعْدَ كَوْنِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ لَا قِصَاصَ فِيهَا فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَيْءٌ مُقَدَّرٌ فَفِي الْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةُ عُشْرُ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا وَفِي الْآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَلَمْ أَقِفْ الْآنَ عَلَى مَا يَجِبُ فِي الدَّامِغَةِ عَمْدًا وَلَعَلَّ سُكُوتَهُمْ عَنْهَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالتَّلْقِينِ أَنَّ الدَّامِغَةَ مُرَادِفَةٌ لِلْمَأْمُومَةِ فَيَكُونُ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ. وَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ جِرَاحَ الرَّأْسِ إحْدَى عَشَرَةَ سَبْعَةٌ فِيهَا الْقِصَاصُ يَعْنِي أَوْ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ وَيَجِبُ الْأَدَبُ، اُقْتُصَّ مِنْهَا أَوْ لَا وَأَرْبَعَةٌ لَا قِصَاصَ فِيهَا وَإِنَّمَا فِيهَا مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَعَلَى هَذَا فَيَسْتَوِي فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي عَمْدِهَا وَهُوَ مَا ذُكِرَ الْآنَ هُوَ الْوَاجِبُ فِي خَطَئِهَا أَيْضًا كَمَا يَأْتِي لِلنَّاظِمِ قَرِيبًا إلَّا فِي الْأَدَبِ، فَإِنَّ الْمُتَعَمِّدَ يُؤَدَّبُ اُقْتُصَّ مِنْهُ أَوْ لَا دُونَ الْمُخْطِئِ وَلَوْ بَرِئَتْ، هَذِهِ الْأَرْبَعُ عَلَى شَيْنٍ وَعَيْبٍ فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ فِيهَا. اهـ (ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَلَوْ كَانَ أَرْشُ الْجِرَاحِ مُقَدَّرًا انْدَرَجَ الشَّيْنُ وَفِي شَيْنِ الْمُوضِحَةِ قَوْلَانِ. اهـ ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى انْدِرَاجِ شَيْنِ الْمُوضِحَةِ كَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ وَإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ مَالِكٌ مَا عَلِمْتُ أَجْرَ الطَّبِيبِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ. (وَفِي التَّوْضِيحِ) عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ يَرَوْنَ الْقَضَاءَ بِأَجْرِ الطَّبِيبِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ.
وَأَمَّا جِرَاحُ الْجَسَدِ عَمْدًا مِنْ الْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَغَيْرِهِمَا كَالظُّفْرِ وَالْعَضُدِ وَالتَّرْقُوَةِ عِيَاضٌ: هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَهُوَ عَظْمٌ أَعْلَى الصَّدْرِ الْمُتَّصِلِ بِالْعُنُقِ فَفِيهَا الْقِصَاصُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْظُمَ الْخَطَرُ، فَإِنْ عَظُمَ كَعِظَامِ أَعْلَى الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ وَالصُّلْبِ وَالْفَخِذِ وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ إنْ كَانَ مَخُوفًا فَلَا قِصَاصَ. قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَكَذَا لَا قِصَاصَ فِي الْجَائِفَةِ وَلَوْ عَمْدًا وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الْبَطْنِ أَوْ مِنْ الظَّهْرِ وَلَوْ بِقَدْرِ مَدْخَلِ إبْرَةٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ كَمَا فِي الْخَطَأِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيُقْتَصُّ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالسِّنِّ وَالذَّكَرِ وَالْأَجْفَانِ وَالشَّفَتَيْنِ وَفِي اللِّسَانِ رِوَايَتَانِ. وَفِيهَا إنْ كَانَ مُتْلِفًا لَمْ يُقَدْ مِنْهُ، وَفِيهَا فِي الْأُنْثَيَيْنِ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مُتْلِفًا وَلَا أَدْرِي مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ؟ وَبَعْدَ سُقُوطِ الْقِصَاصِ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ يُنْظَرُ فَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ فَفِيهِ الْأَدَبُ وَالْحُكُومَةُ مَعًا إلَّا الْجَائِفَةَ فَلَا يُزَادُ فِيهَا عَلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ. وَلَوْ بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ، وَهُوَ الْعَيْبُ. وَالْحُكُومَةُ (قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَمَعْنَى الْحُكُومَةِ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا سَالِمًا بِعَشَرَةٍ مَثَلًا ثُمَّ يُقَوَّمَ مَعَ الْجِنَايَةِ بِتِسْعَةٍ، وَالتَّفَاوُتُ عَشَرَةٌ فَيَجِبُ عُشْرُ الدِّيَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ فَلَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْنٌ فَلَا شَيْءَ. اهـ وَسَيَأْتِي هَذَا لِلنَّاظِمِ.
هَذَا كُلُّهُ فِي الْعَمْدِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ، وَأَمَّا جِرَاحُ الْخَطَأِ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا وَلَا أَدَبَ وَلَا إشْكَالَ ثُمَّ هِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ، خَمْسَةٌ مِنْهَا فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ فَفِي الْمُوضِحَةِ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَفِي
стр. 619
الْمُنَقِّلَةِ عُشْرُ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا وَفِي الْهَاشِمَةِ كَذَلِكَ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَكَذَا فِي الْجَائِفَةِ وَمَا عَدَا هَذِهِ الْخَمْسَ إنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَمَا بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ وَعَيْبٍ فَفِيهِ الْحُكُومَةُ، وَهِيَ تَقْدِيرُهُ عَبْدًا فَرْضًا وَتَقْدِيرًا وَيُقَوَّمُ سَالِمًا وَمَعِيبًا وَتُحْفَظُ نِسْبَةُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَتِلْكَ النِّسْبَةُ هِيَ اللَّازِمَةُ لِلْجَانِي مِنْ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَفِي جِرَاحِ الْخَطَأِ الْحُكُومَهْ ... وَخَمْسَةٌ دِيَتُهَا مَعْلُومَهْ
أَيْ وَخَمْسَةٌ مِنْ جِرَاحِ الْخَطَأِ دِيَتُهَا أَيْ الْوَاجِبُ فِيهَا مَعْلُومٌ فِي الشَّرْعِ ثُمَّ فَسَّرَهَا وَذَكَرَ مَا يَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَقَالَ: وَنِصْفُ عُشْرِ دِيَةٍ فِي الْمُوضِحَةِ إلَخْ فَالْمُوضِحَةُ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِلْجُرْحِ وَمُوضِحَةُ آخِرِ الْبَيْتِ فَاعِلٌ مُؤَنَّثٌ أَيْ مُبِينَةٌ وَكَاشِفَةٌ لِعَظْمِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ. زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ وَالْجَبْهَةِ. وَقَوْلُهُ: كَذَا الْمُنَقِّلَةُ عُشْرٌ بِهَا يَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الشِّينِ تَخْفِيفًا مِنْ ضَمٍّ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ عَشْرٍ وَيَصِحُّ فَتْحُ الْعَيْنِ ضِعْفُ خَمْسَةٍ، وَكَذَا يَجُوزُ الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ نِصْفُ عُشْرٍ إلَّا أَنَّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إنَّمَا يَجْرِيَانِ فِي دِيَةِ الْإِبِلِ وَأَمَّا دِيَةُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِمَا إلَّا بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالشِّينِ، إلَّا أَنْ تُخَفَّفَ الشِّينُ بِالسُّكُونِ لِلْوَزْنِ، وَهَذَا أَوْلَى؛ لِيَجْرِيَ فِي الْجَمِيعِ.
وَقَوْلُهُ مُعَدِّلَهْ. أَيْ أَنَّ الْعُشْرَ وَنِصْفَ الْعُشْرِ يَعْدِلُ جُرْحَ الْمُنَقِّلَةِ وَيُسَاوِي جِنَايَتَهَا، وَيَعْنِي بِالْمَوْضِعَيْنِ الرَّأْسَ وَالْجَبْهَةَ، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ يَجِبُ فِيهَا، وَلَوْ صَغُرَتْ جِدًّا كَإِبْرَةٍ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : وَالْمُوضِحَةُ مَا أَفْضَى إلَى الْعَظْمِ وَلَوْ بِقَدْرِ إبْرَةٍ، وَكَسْرَ مَفْعُولُ تَوَلَّتْ وَالْهَاشِمَةُ الْأُولَى فِي الْبَيْتِ اسْمٌ لِلْجُرْحِ وَهَاشِمَةٌ الثَّانِيَةُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ هَشَمَ إذَا كَسَرَ كَسْرًا بَلِيغًا ثُمَّ أَفَادَ أَنَّ فِي الْهَاشِمَةِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا نِصْفُ الْعُشْرِ. الثَّانِي: الْحُكُومَةُ لَا غَيْرُ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورُهَا الْأَوَّلُ. وَقَوْلُهُ: وَمَا انْتَهَتْ لِلْجَوْفِ أَيْ وَصَلَتْ إلَيْهِ يَعْنِي إمَّا مِنْ الْبَطْنِ أَوْ مِنْ الظَّهْرِ وَمَا مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَانْتَهَتْ صِلَتُهَا وَكَذَاكَ خَبَرُ مَا أَيْ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةُ وَجُمْلَةُ وَهِيَ الْجَائِفَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ.
وَقَوْلُهُ: الْأُولَى أَيْ الْمَأْمُومَةُ مُبْتَدَأٌ وَكَاشِفَةٌ خَبَرُهُ وَالدِّمَاغَ مَفْعُولُ كَاشِفَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجِرَاحَاتِ فِي جِرَاحِ الرَّأْسِ مَا عَدَا الْجَائِفَةَ. وَقَوْلُهُ:
وَلِاجْتِهَادِ حَاكِمٍ مَوْكُولٌ ... فِي غَيْرِهَا التَّأْدِيبُ وَالتَّنْكِيلُ
يَعْنِي أَنَّ التَّأْدِيبَ وَالتَّنْكِيلَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ بِقَدْرِ عِظَمِ الْجِنَايَةِ وَخِفَّتِهَا وَاعْتِيَادِ الْجَانِي لِذَلِكَ وَوُقُوعِهِ فَلْتَةً. وَضَمِيرُ وَغَيْرِهَا الْجِرَاحُ الْخَطَأُ وَغَيْرِهَا هِيَ جِرَاحُ الْعَمْدِ فَالْأَدَبُ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَمْدِ لَا فِي الْخَطَأِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: لَا بُدَّ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ مِنْ تَأْدِيبِ الْقَاضِي لِلْجَارِحِ اُقْتُصَّ مِنْهُ أَوْ لَمْ يُقْتَصَّ. اهـ وَقَوْلُهُ: وَجَعَلُوا الْحُكُومَةَ إلَخْ. لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ الْحُكُومَةِ فِي قَوْلِهِ:
وَفِي جِرَاحِ الْخَطَأِ الْحُكُومَهْ
احْتَاجَ إلَى بَيَانِهَا فَذَكَرَهُ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَالتَّقْوِيمَ مَفْعُولٌ لِجَعَلَ، وَفِي كَوْنِهِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ فِي حَالِ كَوْنِهِ " وَحَالَةُ " فَاعِلُ " تَزِيدُ " أَيْ عَلَى حَالَةِ الْعَيْبِ يَأْخُذُهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ الْجَانِي حَالَةَ كَوْنِهِ أَرْشًا لِجُرْحِهِ.
وَلَفْظُهُ فِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ: فَمَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ جُعِلَ جُزْءًا مِنْ دِيَتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ. اهـ قَالَ الشَّارِحُ: وَلَوْ قَالَ:
يَأْخُذُهُ أَرْشًا لِمَا قَدْ ذَامَهْ
لَكَانَ أَكْثَرَ فَائِدَةً؛ لِأَنَّ (ذَامَهْ) مُرَادِفٌ لِ (عَابَهُ) .
وَتَثْبُتُ الْجِرَاحُ لِلْمَالِ بِمَا ... يَثْبُتُ مَالِيُّ الْحُقُوقِ فَاعْلَمَا
وَفِي ادِّعَاءِ الْعَفْوِ مِنْ وَلِيِّ دَمْ ... أَوْ مِنْ جَرِيحٍ الْيَمِينُ تُلْتَزَمْ
اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: (الْأُولَى) أَنَّ الْجِرَاحَ تَثْبُتُ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ وَهُوَ عَدْلٌ أَوْ عَدْلٌ وَيَمِينٌ أَوْ امْرَأَتَانِ وَيَمِينٌ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قُلْتُ: فَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ وَجِرَاحَاتِ الْخَطَأِ أَتَجُوزُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدْنَ مَعَ رَجُلٍ عَلَى مُنَقِّلَةٍ عَمْدًا أَوْ مَأْمُومَةٍ عَمْدًا جَازَتْ شَهَادَتُهُنَّ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْمُنَقِّلَةَ لَا قَوَدَ فِيهِمَا وَإِنَّمَا فِيهِمَا الدِّيَةُ. اهـ
وَعَلَّلَ النَّاظِمُ ثُبُوتَ الْجِرَاحِ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ بِكَوْنِ الْوَاجِبِ فِيهَا مَالًا؛ لِقَوْلِهِ: لِلْمَالِ. فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ يَتَعَلَّقُ بِ (تَثْبُتُ) وَيَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ جِرَاحُ الْعَمْدِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ
стр. 620
مَعَ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى مَا اسْتَحْسَنَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ فَلَوْ أَسْقَطَ النَّاظِمُ قَوْلَهُ: لِلْمَالِ. لَكَانَ أَشْمَلَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : وَلَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ وَلَكِنْ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى جُرْحٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلْيَحْلِفْ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً يَقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ فِي الْخَطَأِ. قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ؟ قَالَ: كَلَّمْتُ مَالِكًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ لَشَيْءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ وَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا. اهـ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْبَيْتَانِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا ادَّعَى عَلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَنَّهُ عَفَا عَنْهُ، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْلِبَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي لِلْعَفْوِ فَيَحْلِفُ وَيَبْرَأُ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : فَإِنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ عَفَا عَنْهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْقَاتِلِ. اهـ وَلَمْ يَنْقُلْ الشَّارِحُ فِقْهًا عَلَى دَعْوَى الْجَارِحِ عَلَى الْمَجْرُوحِ الْعَفْوَ عَنْهُ، وَهُوَ فِي النَّظْمِ صَرِيحًا. وَقَوْلُهُ: أَوْ مِنْ جَرِيحٍ عَطْفٌ عَلَى وَلِيٍّ.
(تَنْبِيهٌ) اُسْتُشْكِلَ تَوَجُّهُ الْيَمِينِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقِصَاصِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تَتَوَجَّهُ فِيهِ الْيَمِينُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى بَلْ إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا فَحِينَئِذٍ تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ وَالْعَبْدِ الْعِتْقَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ دَعْوَى الْعَفْوِ مِنْ دَعْوَى التَّبَرُّعِ، وَقَدْ قَدَّمَ النَّاظِمُ فِيهَا فِي بَابِ الْيَمِينِ أَنَّ دَعْوَى التَّبَرُّعِ لَا تُوجِبُ يَمِينًا إلَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعِي، أَوْ فِي دَعْوَى الْإِقَالَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَتَّابٍ (وَأُجِيبَ) عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ تَوَجُّهَ الْيَمِينِ احْتِيَاطًا إذْ قَدْ يَكُونُ الْوَلِيُّ عَفَا ثُمَّ بَدَا لَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ فَاحْتِيطَ بِالْيَمِينِ لِعِظَمِ أَمْنِ النَّفْسِ. (قُلْتُ) : وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ ادَّعَى التَّبَرُّعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ تَحْتَ يَدِهِ، كَمَا قَالَ النَّاظِمُ فِي بَابِ الْيَمِينِ:
أَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَالِ عِنْدَ الْمُدَّعِي.
وَقَوَدٌ فِي الْقَطْعِ لِلْأَعْضَاءِ ... فِي الْعَمْدِ مَا لَمْ يُفْضِ لِلْفَنَاءِ
وَالْخَطَأُ الدِّيَةُ فِيهِ تُقْتَفَى ... بِحَسَبِ الْعُضْوِ الَّذِي قَدْ أُتْلِفَا
وَدِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْمُزْدَوِجْ ... وَنِصْفُهَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُ انْتُهِجْ
وَفِي اللِّسَانِ كَمُلَتْ وَالذَّكَرِ ... وَالْأَنْفِ وَالْعَقْلِ وَعَيْنِ الْأَعْوَرِ
وَفِي الْإِزَالَةِ لِسَمْعٍ أَوْ بَصَرْ ... وَالنِّصْفُ فِي النِّصْفِ وَشَمٌّ كَالنَّظَرْ
وَالنُّطْقُ وَالصَّوْتُ كَذَا الذَّوْقُ وَفِي ... إذْهَابِ قُوَّةِ الْجِمَاعِ ذَا اُقْتُفِيَ
وَكُلُّ سِنٍّ فِيهِ مِنْ جِنْسِ الْإِبِلْ ... خَمْسٌ وَفِي الْأُصْبُعِ ضِعْفُهَا جُعِلْ
تَكَلَّمَ فِي الْأَبْيَاتِ عَلَى الْوَاجِبِ فِي قَطْعِ الْأَعْضَاءِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَتَالِفِ.
وَعَنْ ذَلِكَ عَبَّرَ بِيُفْضِ أَيْ يَئُولُ إلَى الْفَنَاءِ أَيْ الْمَوْتِ، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا كَالْفَخِذِ وَاللِّسَانِ وَالْأُنْثَيَيْنِ فَلَا قِصَاصَ ثُمَّ إنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ كَاللِّسَانِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَقَطْعِ الرِّجْلِ وَالْفَخِذَ أَوْ كَسْرِهِ مِنْهُ فَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَانِي مَعَ الْأَدَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ فَالْحُكُومَةُ مَعَ الْأَدَبِ أَيْضًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْعُضْوِ عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ فَيُقْتَفَى فِيهِ وَيُتَّبَعُ مَا وَرَدَ عَنْ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ الْعُضْوِ الَّذِي قَدْ أُتْلِفَ بِقَطْعِهِ وَإِبَانَتِهِ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
стр. 621
وَالْخَطَأُ الدِّيَةُ فِيهِ تُقْتَفَى
(الْبَيْتَ) وَفِيهِ إجْمَالٌ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ الْمُزْدَوِجِ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ، فَإِنَّ فِي إتْلَافِهِمَا مَعًا الدِّيَةَ كَامِلَةً. وَفِي إتْلَافِ أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ كَقَطْعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ أَوْ ذَهَابِ بَصَرِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمَعْنَى اُنْتُهِجَ أَيْ سُلِكَ وَاتُّبِعَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً أَيْضًا فِي قَطْعِ اللِّسَانِ، وَفِي قَطْعِ الذَّكَرِ وَالْأَنْفِ وَفِي الْعَقْلِ إذَا ضَرَبَهُ فَزَالَ عَقْلُهُ وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُزْدَوِجِ لِلسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ تَجِبُ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ أَوْ الْبَصَرِ كُلِّهِ وَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي ذَهَابِ نِصْفِ السَّمْعِ أَوْ نِصْفِ الْبَصَرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالنِّصْفُ فِي النِّصْفِ. وَذَهَابُ الشَّمِّ كَذَهَابِ الْبَصَرِ، إنْ ذَهَبَ كُلُّهُ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ ذَهَبَ نِصْفُهُ وَجَبَ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي ذَهَابِ النُّطْقِ وَالصَّوْتِ وَالذَّوْقِ وَذَهَابِ قُوَّةِ الْجِمَاعِ.
وَيَجِبُ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ كَامِلَةً فِي اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ الْأَعْضَاءِ، وَفِي عَشْرِ مَنَافِعَ، فَقَالَ: وَالْمُقَدَّرُ مِنْ الْأَعْضَاءِ اثْنَا عَشَرَ: الْأُذُنَانِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْعَيْنَانِ وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، بِخِلَافِ كُلِّ زَوْجٍ فِي الْإِنْسَانِ؛ لِمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ، وَالْأَنْفُ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مَارِنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالشَّفَتَانِ وَلِسَانُ النُّطْقِ، فَإِنْ قُطِعَ مِنْهُ مَا لَا يَمْنَعُ مِنْ النُّطْقِ شَيْئًا فَحُكُومَةٌ، وَالْأَسْنَانُ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَأَمَّا الْعَمْدُ فَالْقِصَاصُ، وَالْيَدَانِ مِنْ الْعَضُدِ إلَى الْأَصَابِعِ قَطْعًا أَوْ شَلَلًا فَيَنْدَرِجُ مَا زَادَ عَلَى الْأَصَابِعِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ، وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعُشْرِ، إلَّا فِي الْإِبْهَامِ فَنِصْفُهُ، وَالثَّدْيَانِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَحَلَمَتُهُمَا مِثْلُهُمَا إنْ بَطَلَ اللَّبَنُ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ، وَمَهْمَا قَطَعَ أَحَدَهُمَا فَدِيَةٌ، وَالشَّفْرَانِ إذَا بَدَا الْعَظْمُ، وَالرِّجْلَانِ كَالْيَدَيْنِ أَيْ فِيهِمَا الدِّيَةُ مِنْ الْأَصَابِعِ وَمِنْ الْوَرِكِ، وَيَنْدَرِجُ مَا فَوْقَ الْأَصَابِعِ قَطْعًا أَوْ شَلَلًا. ثُمَّ قَالَ: وَالْمُقَدَّرُ مِنْ الْمَنَافِعِ عَشْرٌ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالنُّطْقُ وَالصَّوْتُ وَالذَّوْقُ وَقُوَّةُ الْجِمَاعِ وَيَحْلِفُ وَالْإِفْضَاءُ وَالْقِيَامُ وَالْجُلُوسُ. انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ: الْعَقْلُ، فَلَوْ زَالَ بِمَا فِيهِ دِيَةٌ تَعَدَّدَتْ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ فَجُنَّ فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ، وَلَكِنَّ التَّعَدُّدَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ مَا زَالَ الْعَقْلُ بِسَبَبِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْعَقْلِ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِي مَحَلِّهِ، كَمَا لَوْ أَصَمَّهُ أَوْ جَدَعَ أَنْفَهُ فَزَالَ عَقْلُهُ، وَقُلْنَا: إنَّ مَحَلَّهُ الدِّمَاغُ. فَلَيْسَ لَهُ إلَّا دِيَةُ الْعَقْلِ. (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) : وَإِنْ أُصِيبَ بِمَأْمُومَةٍ، فَذَهَبَ مِنْهَا عَقْلُهُ فَلَهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْ الَّذِي يَقُولُ: إنَّ مَحَلَّ الْعَقْلِ الْقَلْبُ دِيَةُ الْعَقْلِ، وَدِيَةُ الْمَأْمُومَةِ، وَلَا يَدْخُلُ بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ؛ إذْ لَيْسَ الرَّأْسُ عِنْدَهُ مَحَلًّا لِلْعَقْلِ، كَمَنْ أَذْهَبَ سَمْعَ رَجُلٍ، وَفَقَأَ عَيْنَهُ فِي ضَرْبَةٍ، أَيْ فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَحَلَّهُ الرَّأْسُ، إنَّمَا لَهُ دِيَةُ الْعَقْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمَأْمُومَةِ، كَمَنْ أَذْهَبَ بَصَرَ رَجُلٍ، وَفَقَأَ عَيْنَيْهِ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الشَّرْعِ. وَمَذْهَبُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَحَلَّهُ الرَّأْسُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفَلَاسِفَةِ. اهـ وَإِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِيمَا تَتَعَدَّدُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَمَا لَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَتَعَدَّدَتْ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا إلَّا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ الْمَنَافِعِ الشَّمَّ. (قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ) : وَيَنْدَرِجُ فِي الْأَنْفِ كَالْبَصَرِ مَعَ الْعَيْنِ وَالسَّمْعِ مَعَ الْأُذُنِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : فَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ، وَأَذْهَبَ شَمَّهُ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ. وَيَنْدَرِجُ الشَّمُّ فِي الْأَنْفِ كَمَا يَنْدَرِجُ الْبَصَرُ فِي الْعَيْنِ، وَكَمَا يَنْدَرِجُ السَّمْعُ فِي الْأُذُنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي الصَّوْتِ الدِّيَةُ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: النُّطْقُ أَخَصُّ مِنْ الصَّوْتِ. اهـ وَالْكَلَامُ أَخَصُّ مِنْ النُّطْقِ فَكُلُّ كَلَامٍ نُطْقٌ وَصَوْتٌ وَكُلُّ نُطْقٍ صَوْتٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَمَّا لَوْ ذَهَبَ النُّطْقُ وَالصَّوْتُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
стр. 622
وَدِيَةُ الْجُرُوحِ فِي النِّسَاءِ ... كَدِيَةِ الرِّجَالِ بِالسَّوَاءِ
إلَّا إذَا زَادَتْ عَلَى ثُلْثِ الدِّيَهْ ... فَمَا لَهَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ تَسْوِيَهْ
يَعْنِي أَنَّ لِلْمَرْأَةِ دِيَةً فِي الْجُرُوحِ كَدِيَةِ الرَّجُلِ، حَتَّى تَبْلُغَ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ رَجَعَتْ إلَى حِسَابِ دِيَتِهَا، فَمَنْ قَطَعَ لَهَا أُصْبُعًا فَعَلَيْهِ عَشْرَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي أُصْبُعَيْنِ عِشْرُونَ، وَفِي ثَلَاثَةٍ ثَلَاثُونَ، فَإِذَا قَطَعَ لَهَا أَرْبَعًا فَعَلَيْهِ عِشْرُونَ؛ لِأَنَّ دِيَتَهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : الْمَرْأَةُ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ فِي الْجِرَاحِ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهِ لَا تَسْتَكْمِلُهُ، فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ رَجَعَتْ إلَى عَقْلِ نَفْسِهَا. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ لَهَا فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَنِصْفِ أُنْمُلَةٍ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثُلُثَيْ بَعِيرٍ، وَالرَّجُلُ فِي هَذَا وَهِيَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ. ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أُصِيبَتْ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ وَأُنْمُلَةٍ رَجَعَتْ إلَى عَقْلِهَا، فَكَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ بَعِيرًا وَثُلُثَا بَعِيرٍ أَيْ؛ لِأَنَّ فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَأُنْمُلَةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا، وَذَلِكَ ثُلُثُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَهِيَ لَا تُسَاوِيهِ فِي الثُّلُثِ بَلْ فِيمَا دُونَهُ، فَتَرْجِعَ لِدِيَتِهَا، فَيَكُونَ لَهَا فِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ الثَّلَاثِ خَمْسٌ، وَفِي الْأُنْمُلَةِ بَعِيرٌ وَثُلُثَا بَعِيرٍ، وَكَذَلِكَ مَأْمُومَتُهَا وَجَائِفَتُهَا، إنَّمَا لَهَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةَ عَشَرَ بَعِيرًا وَثُلُثَا بَعِيرٍ. اهـ
وَنَحْوَهُ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَزَادَ وَالْمُوضِحَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ كَالرَّجُلِ لِأَنَّ دِيَتَهَا أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ يَسْتَشْكِلُهُ الذِّهْنُ بِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَتْبَعَهُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَهُوَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ: سَأَلْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ كَمْ فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: ثَلَاثُونَ. فَقُلْتُ: فَكَمْ فِي أَرْبَعٍ؟ فَقَالَ: عِشْرُونَ. فَقُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا؟ فَقَالَ: أَعِرَاقِيُّ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: بَلْ عَالِمٌ. مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ هِيَ السُّنَّةُ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَنْ النَّبِيِّ.
ﷺ (فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ سَبَبُ مُعَاقَلَةِ الْمَرْأَةِ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] وَمَعْنَى مَا تَغِيضُ مَا تَنْقُصُ مِنْ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ إلَى سِتَّةٍ، وَمَعْنَى مَا تَزْدَادُ: عَلَى التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ إلَى تَمَامِ السَّنَةِ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ النُّطْفَةَ تَبْقَى فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا بَيْضَاءَ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ أُخْرَى، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ أُخْرَى، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يُمَيَّزْ فِيهَا الذَّكَرُ مِنْ الْأُنْثَى، وَبَعْدَهَا يَتَمَيَّزُ، فَإِذَا سَمَّيْتَ الْأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ السَّنَةِ تَجِدُهَا ثُلُثًا؛ فَلِذَلِكَ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهِ، ثُمَّ تَرْجِعُ لِدِيَتِهَا. اهـ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: إلَّا إذَا زَادَتْ عَلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ. أَنَّ ثُلُثَ نَفْسِهِ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ فَلَا تَرْجِعُ فِيهِ لِدِيَتِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا بَلَغَتْهُ رَجَعَتْ لِدِيَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ قَالَ: إلَّا إذَا وَصَلَتْ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ. لَكَانَ مُوَافِقًا لِلنَّقْلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ التَّوَارُثِ وَالْفَرَائِضِ]
ِ التَّوَارُثُ: تَفَاعُلٌ مِنْ وَرِثَ وَالْمِيرَاثُ: مَا صَارَ لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِ آخَرَ وَالْفَرَائِضُ: جَمْعُ فَرِيضَةٍ قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: الْمِيرَاثُ مِفْعَالٌ مِنْ وَرِثَ يَرِثُ وِرْثًا، وَوِرَاثَةً وَالْإِرْثُ: اسْمُ الشَّيْءِ الْمَوْرُوثِ، وَهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ كَأَشَاحَ، وَسُمِّيَ الْمَالُ الْمَتْرُوكُ مِيرَاثًا، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ لِبَقَائِهِمْ بَعْدَ الْمَيِّتِ، وَلِأَخْذِهِمْ الْإِرْثَ، وَالْفَرَائِضُ: جَمْعُ فَرِيضَةٍ مِنْ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ قَدَّرْتُمْ وَأَوْجَبْتُمْ يُقَالُ: فَرَضْتُ الشَّيْءَ أَوْ فَرَضَهُ أَيْ أَوْجَبْتُهُ وَالْفَرَائِضُ لَقَبًا: هُوَ الْعِلْمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِمَّا خَلَّفَهُ الْمَيِّتُ مِنْ
стр. 623
مَالٍ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْضُهُ، أَوْ كُلُّهُ عَلَى جِهَةِ الْإِرْثِ وَبِذَلِكَ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ بَعْضٍ أَوْ كُلٍّ وَبِالطَّرِيقِ الْعَمَلِيِّ الْمُوَصِّلِ إلَى ذَلِكَ، فَالْعِلْمُ جِنْسٌ وَقَوْلُنَا بِمَنْ يَسْتَحِقُّ هَذَا هُوَ تَعْيِينُ الْوَارِثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ.
وَقَوْلُنَا: وَبِذَلِكَ الْمُسْتَحَقِّ هَذَا هُوَ تَعْيِينُ مِيرَاثِ كُلِّ وَارِثٍ وَقَوْلُنَا: مِنْ مَالٍ أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ احْتِرَازًا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ وَلَايَةَ النِّكَاحِ، وَالْقِيَامَ بِالدَّمِ، وَالْحَضَانَةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ مِنْ وَظِيفَةِ الْفَرَضِيِّ وَقَوْلُنَا: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِثْلُ الْحَالَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُنَا: عَلَى جِهَةِ الْإِرْثِ احْتِرَازًا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ مِنْ التَّرِكَةِ دَيْنًا أَوْ وَصِيَّةً فَإِنَّ هَذَا وَظِيفَةُ الْفَقِيهِ وَلَا كَلَامَ لِلْفَرْضِيِّ فِيهِ، وَدَخَلَ فِي هَذَا الْحَدِّ مَنْ يَرِثُ أَمْوَالَ الْمُرْتَدِّينَ، وَالزَّنَادِقَةِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ وَظِيفَةِ الْفَرَضِيِّ. وَلَمْ نَحْتَجْ فِي الْحَدِّ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى الْحَجْبِ لِأَنَّ مَنْ حُجِبَ عَنْ الْجَمِيعِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا بِالْمِيرَاثِ وَسَوَاءٌ كَانَ حَجْبُهُ بِسَبَبٍ، أَوْ بِنَسَبٍ. وَتَسْمِيَةُ هَذَا الْفَنِّ بِعِلْمِ الْفَرَائِضِ: اصْطِلَاحِيَّةٌ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ اللُّغَةِ فَإِنَّ الْفَرَائِضَ إذَا أُطْلِقَتْ تَدْخُلُ فِيهَا الْوَاجِبَاتُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مُقَدَّرَةً. لَكِنْ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ خَصَّصَهَا بِعِلْمِ الْمَوَارِيثِ، كَمَا خُصِّصَ لَفْظُ الْفِقْهِ بِعِلْمِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَدُورُ الْفَتَاوَى، وَالْأَقْضِيَةُ عَلَيْهَا، أَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِدَوَرَانِ لَفْظِ الْفَرْضِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُرَّاضِ، كَمَا سُمِّيَ عِلْمُ الْعَرُوضِ بِعِلْمِ الْعَرُوضِ لِدَوَرَانِ لَفْظِ الْعَرُوضِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ.
الْإِرْثُ يُسْتَوْجَبُ شَرْعًا وَوَجَبْ ... بِعِصْمَةٍ أَوْ بِوَلَاءٍ أَوْ نَسَبْ
جَمِيعُهَا أَرْكَانُهُ ثَلَاثَهْ ... مَالٌ وَمِقْدَارٌ وَذُو الْوَرَثَهْ
يَعْنِي أَنَّ الْإِرْثَ يُسْتَوْجَبُ وَيُسْتَحَقُّ بِالشَّرْعِ بِمَعْنَى أَنَّ الْإِرْثَ يَجِبُ لِلْوَارِثِ وَيَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْعِ وَبَنَى يُسْتَوْجَبُ لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ لَهُ هُوَ الشَّرْعُ وَالْمُرَادُ بِالشَّرْعِ هُنَا: أُصُولُ الْأَحْكَامِ الَّتِي مِنْهَا تُتَلَقَّى وَهِيَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَوَجَبْ بِعِصْمَةٍ إلَخْ إلَى أَنَّ أَسْبَابَ الْإِرْثِ ثَلَاثَةٌ: الْعِصْمَةُ، أَيْ عِصْمَةُ النِّكَاحِ، وَالْوَلَاءُ، وَالنَّسَبُ وَهُوَ: الرَّحِمُ فَأَمَّا النِّكَاحُ فَالْمُرَادُ بِهِ: عَقْدُهُ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَهَذَا إذَا كَانَ صَحِيحًا وَأَمَّا الْفَاسِدُ فَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ كَنِكَاحِ ذَاتِ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ خَامِسَةٍ فَلَا مِيرَاثَ فِيهِ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: مَشْهُورُهَا أَنَّ فِيهِ الْإِرْثَ مَا لَمْ يُفْسَخْ إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ فَلَا إرْثِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ لِأَنَّ فَسَادَهُ مِنْ جِهَةِ إرْثِهِ فَثُبُوتُ الْإِرْثِ فِيهِ تَتْمِيمٌ لِلْغَرَضِ الْفَاسِدِ مِنْ إدْخَالِ الْوَارِثِ، وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَيَعْنِي بِهِ النِّسْبَةَ الَّتِي يُحْدِثُهَا الْعِتْقُ بَيْنَ الْمُعْتَقِ، وَقَرَابَتِهِ، وَمَوَالِيهِ الْأَعْلَيْنَ، وَبَيْنَ الْمُعْتَقِ وَمَنْ لِلْمُعْتَقِ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ أَوْ وَلَاءٌ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْوَلَاءِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمِيرَاثِ كَقَوْلِهِمْ: الْوَلَاءُ لِلْأَقْعَدِ.
وَقَوْلُهُمْ: الِابْنُ أَوْلَى بِالْوَلَاءِ مِنْ الْأَبِ وَدَلِيلُ إرَادَةِ الْإِرْثِ لَا النِّسْبَةِ لِأَنَّ النِّسْبَةَ لَا تَتَبَدَّلُ عَنْ حَالِهَا وَلَا تَنْتَقِلُ بَعْدَ وُجُوبِهَا. وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ: النَّسَبُ وَيُقَالُ فِيهِ الْقَرَابَةُ، وَالرَّحِمُ وَهِيَ: الْبُنُوَّةُ، وَالْأُمُومَةُ، وَالْجُدُودَةُ، وَالْأُخُوَّةُ، وَالْعُمُومَةُ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِرْثُ بِذَلِكَ إذَا ثَبَتَتْ الْقَرَابَةُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ حَيْثُ يَصِحُّ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ مَحَلَّهُ وَقَدْ تَجْتَمِعُ الثَّلَاثَةُ فَيَكُونُ الرَّجُلُ زَوْجَ الْمَرْأَةِ وَمَوْلَاهَا وَابْنَ عَمِّهَا وَقَدْ يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَوْلَاهَا، وَزَوْجَهَا أَوْ زَوْجَهَا، وَابْنَ عَمِّهَا وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَسْبَابِ الْإِرْثِ فَقَالَ التَّوَارُثُ يَكُونُ بِشَيْئَيْنِ نَسَبٌ وَسَبَبٌ فَالنَّسَبُ: الْبُنُوَّةُ إلَى
стр. 624
آخِرِهَا وَالسَّبَبُ: النِّكَاحُ، وَالْوَلَاءُ.
(تَنْبِيهٌ) . بَقِيَ عَلَى النَّاظِمِ سَبَبَانِ آخَرَانِ وَهُمَا: الْمِلْكُ، وَالْإِسْلَامُ فَأَمَّا الْمِلْكُ فَإِنَّ الْعَبْدَ عِنْدَنَا يَمْلِكُ وَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَ بِالْمِلْكِ فَمَالُهُ مِلْكٌ لَهُ مَا لَمْ يَنْتَزِعْهُ السَّيِّدُ فَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَزِعَ السَّيِّدُ مَالَهُ فَقَدْ مَاتَ وَمَالُهُ مِلْكٌ لَهُ وَلَيْسَ هُنَالِكَ وَجْهٌ يَأْخُذُ بِهِ السَّيِّدُ مَالَهُ سِوَى الْإِرْثِ وَلَا سَبَبَ لِلْإِرْثِ سِوَى الْمِلْكِ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ وَهُوَ: بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ وَارِثُ الْعَيْنِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَلِهَذَا مُنِعَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مُعَيَّنًا أَنْ يُوصِيَ بِكُلِّ مَالِهِ، وَوَلَايَتُهُ وَلَايَةٌ عَامَّةٌ وَهِيَ وِلَايَةُ الْإِسْلَامِ وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ شَاسٍ، وَغَيْرُهُمَا قَالَ الشَّارِحُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى وَارِثٌ بِوَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ وَرِثَهُ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بِوَلَايَةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ قَالَ اللَّهُ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .
وَنَعْنِي بِاَلَّذِي بَقِيَ عَلَى النَّاظِمِ فِي هَذَا هُوَ عَدُّ وَلَايَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الْإِرْثِ، وَأَمَّا عَدُّ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ أَسْبَابِ الْإِرْثِ فَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ صَرِيحًا ثُمَّ ذَكَرَ النَّاظِمُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّ أَرْكَانَ الْإِرْثِ: الْمَالُ الْمَتْرُوكُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَمِقْدَارُ مَا يَرِثُهُ كُلُّ وَارِثٍ، وَمَعْرِفَةُ مَنْ يَرِثُ مِمَّنْ لَا يَرِثُ، وَأَرْكَانُ الْمَاهِيَّةِ هِيَ: أَجْزَاؤُهُ الَّتِي تَتَرَكَّبُ مِنْهَا، وَتَخْتَلُّ بِاخْتِلَالِ بَعْضِهَا وَلَا إشْكَالَ أَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَصِحُّ بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ وَمَهْمَا اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ وَضَمِيرُ جَمِيعهَا لِلْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِرْثَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ لَهُ أَرْكَانٌ ثَلَاثَةٌ لَا يَخْلُو عَنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ عَدَدِ الْوَارِثِينَ]
َ
ذُكُورُ مَنْ حَقَّ لَهُ الْمِيرَاثُ ... عَشَرَةٌ وَسَبْعٌ الْإِنَاثُ
الْأَبُ وَالْجَدُّ لَهُ وَإِنْ عَلَا ... مَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ بِأُنْثَى فُصِلَا
وَالزَّوْجُ وَابْنٌ وَابْنُهُ هَبْ سَفَلَا ... كَذَاكَ مَوْلَى نِعْمَةٍ أَوْ بِوَلَا
وَالْأَخُ وَابْنُ الْأَخِ لَا لِلْأُمِّ ... وَالْعَمُّ لَا لِلْأُمِّ وَابْنُ الْعَمِّ
وَالْأُمُّ وَالزَّوْجَةُ ثُمَّ الْبِنْتُ ... وَابْنَةُ الِابْنِ بَعْدَهَا وَالْأُخْتُ
وَجَدَّةٌ لِلْجِهَتَيْنِ مَا عَلَتْ ... مَا لَمْ تَكُنْ بِذَكَرٍ قَدْ فُصِلَتْ
كَذَاكَ مَوْلَاةٌ لَهَا الْعِتْقُ وَلَا ... حَقَّ لَهَا فِيمَا يَكُونُ بَالْوَلَا
وَبَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَقِلْ ... بِحَيْثُ لَا وَارِثَ أَوْ بِمَا فَضَلْ
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَدَدَ الْوَارِثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ فَأَخْبَرَ أَنَّ عِدَّةَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ يَعْنِي وَيَتَفَرَّعُونَ إلَى سِتَّةَ عَشَرَ كَمَا يَتَبَيَّنُ، وَإِنَّ عِدَّةَ النِّسَاءِ، سَبْعٌ وَيَتَفَرَّعْنَ إلَى عَشَرَةٍ فَجَعَلْتُهُمْ سِتَّةً وَعِشْرِينَ وَارِثًا فَالرِّجَالُ: الْأَبُ، وَالْجَدُّ لَهُ أَيْ لِلْأَبِ.
وَقَيَّدَهُ بِذَلِكَ لِيُخْرِجَ الْجَدَّ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ وَارِثٌ ثُمَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقَالَ
مَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ بِأُنْثَى فُصِلَا
أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْجَدُّ فُصِلَ عَنْ الْمَيِّتِ بِأُنْثَى وَهُوَ أَبُو الْأُمِّ، وَالزَّوْجُ، وَابْنٌ، وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ وَمَوْلَى النِّعْمَةِ وَهُوَ الَّذِي بَاشَرَ عِتْقَ الْمَمْلُوكِ بِنَفْسِهِ كَمَا قِيلَ
مَنْ بَاشَرَ الْعِتْقَ بِلَا وَاسِطَةِ ... هُوَ الَّذِي يُدْعَى بِمَوْلَى النِّعْمَةِ
وَمَوْلَى الْوَلَاءِ وَهُوَ: وَلَايَةُ مَا أَعْتَقَهُ غَيْرُكَ مِنْ أَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَخُ يَعْنِي شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ وَابْنٌ لِأَخٍ يَعْنِي الشَّقِيقَ أَوْ لِأَبٍ فَلِذَلِكَ قَالَ لَا لِلْأُمِّ فَإِنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ لَا يَرِثُ، وَالْعَمُّ يَعْنِي أَيْضًا شَقِيقًا، أَوْ لِأَبٍ فَلِذَلِكَ زَادَ أَيْضًا لَا لِلْأُمِّ، وَابْنُ الْعَمِّ يَعْنِي شَقِيقًا، أَوْ لِأَبٍ لَا لِلْأُمِّ أَيْضًا وَلَمْ يَحْتَجْ لِتَقْيِيدِهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَمُّ أَيْ أَخُو الْأَبِ لِلْأُمِّ لَا يَرِثُ فَأَحْرَى ابْنُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالنِّسَاءُ الْأُمُّ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْبِنْتُ، وَابْنَةُ الِابْنِ، وَالْأُخْتُ يَعْنِي شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ، أَوْ لِأُمٍّ وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ، وَأُمُّ الْأَبِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: لِلْجِهَتَيْنِ يَعْنِي وَأُمَّهَاتُهُمَا وَإِنْ عَلَوْنَ وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ:
مَا لَمْ تَكُنْ بِذَكَرٍ قَدْ فُصِلَتْ
أُمُّ الْجَدِّ فَيَعْنِي بِذَكَرٍ مَا عَدَا الْأَبَ الْمُبَاشِرَ لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْمَيِّتِ، وَجَدَّتِهِ، وَمَوْلَاةُ النِّعْمَةِ أَيْ الَّتِي بَاشَرَتْ الْعِتْقَ، وَلَا إرْثَ لَهَا فِيمَا أَعْتَقَهُ غَيْرُهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَا حَقَّ لَهَا فِيمَا يَكُونُ بِالْوَلَا فَهَؤُلَاءِ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ. وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَخُو الْجَدِّ، وَبَنُوهُ وَإِنْ سَفَلُوا وَلَا نَعْنِي بِأَخِ الْجَدِّ أَخَا الْجَدِّ الْمُبَاشِرَ فَقَطْ بَلْ هُوَ عَمُّ الْأَبِ، وَأَخُو الْجَدِّ الَّذِي
стр. 625
فَوْقَهُ وَهُوَ عَمُّ الْجَدِّ وَكَذَا أَخُو مَنْ فَوْقَهُمَا مِنْ الْأَجْدَادِ وَبَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ التَّرِكَةَ فَإِنَّ التَّرِكَةَ أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
(قَالَ الْحَطَّابُ) أَطْلَقَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا إذَا كَانَ الْوَالِي يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ وَكَأَنَّهُ تَبِعَ ظَاهِرَ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ وَارِثٌ إذَا كَانَ الْوَالِي يَصْرِفُهُ فِي وُجُوهِهِ فَإِنْ كَانَ يَصْرِفُهُ فِي غَيْرِ وُجُوهِهِ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَقِيلَ يُرَدُّ لِذَوِي الْأَرْحَامِ (الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ) مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يُتَصَدَّقُ بِمَا تَرَكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي يُخْرِجُهُ فِي وَجْهِهِ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلْيَدْفَعْ إلَيْهِ. (وَقَالَ ابْنُ نَاجِي) إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا دَفَعَ إلَيْهِ وَاجِدُ الرِّكَازِ الْخُمْسَ يَصْرِفُهُ فِي مَحِلِّهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَقَالَ مَالِكُ: يَتَصَدَّقُ بِهِ الْوَاجِدُ وَلَا يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَعْبَثُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْعُشْرُ وَمَا فَضَلَ مِنْ الْمَالِ عَنْ الْوَرَثَةِ وَلَا أَعْرِفُ الْيَوْمَ بَيْتَ مَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَيْتُ ظُلْمٍ. اهـ. قَالَ الْحَطَّابُ وَكَلَامُهُمْ يُبَيِّنُ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مَعْدُومٌ فِي زَمَانِنَا انْتَهَى. بِاخْتِصَارٍ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَحْوَالِ الْمِيرَاثِ]
ِ
الْحَالُ فِي الْمِيرَاثِ قَدْ تَقَسَّمَا ... إلَى وُجُوبٍ وَلِحَجْبٍ قُسِّمَا
لِحَجْبِ الْإِسْقَاطِ أَوْ النَّقْلِ وَذَا ... لِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ أَبْدَى مَنْفَذَا
يَعْنِي أَنَّ الْمِيرَاثَ يَنْقَسِمُ إلَى حَالَتَيْنِ: حَالَةُ وُجُوبٍ، وَحَالَةُ حَجْبٍ، وَمَعْنَى وُجُوبِهِ لُزُومُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ بِحَيْثُ لَا يُحْجَبُ عَنْهُ أَصْلًا بِدَلِيلِ مُقَابِلِهِ وَذَلِكَ كَالْأَبَوَيْنِ، وَالْأَوْلَادِ، وَالزَّوْجِ، وَالزَّوْجَةِ كَمَا يَذْكُرُهُ النَّاظِمُ أَوَّلَ فَصْلِ حَجْبِ الْإِسْقَاطِ حَيْثُ قَالَ
وَلَا سُقُوطَ لِأَبٍ وَلَا وَلَدْ ... وَلَا لِزَوْجَيْنِ وَلَا أُمٍّ فَقَدْ
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ حَالَةُ الْحَجْبِ تَنْقَسِمُ إلَى حَجْبِ الْإِسْقَاطِ كَابْنِ الِابْنِ مَعَ ابْنِ الصُّلْبِ، وَإِلَى حَجْبِ نَقْلٍ مِنْ حَالٍ لِحَالٍ أُخْرَى وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
النَّقْلُ مِنْ فَرْضٍ لِفَرْضٍ دُونَهُ، كَالزَّوْجَةِ فَرْضُهَا الرُّبُعُ حَيْثُ لَا وَلَدَ لِلزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، انْتَقَلَتْ لِلثُّمُنِ، وَالنَّقْلُ مِنْ فَرْضٍ إلَى تَعْصِيبٍ وَذَلِكَ مِثْلُ: الْأُخْتِ، وَالْأَخَوَاتِ فَرْضُ الْوَاحِدَةِ: النِّصْفُ وَالْأَكْثَرِ الثُّلُثَانِ فَإِنْ كَانَتْ ابْنَةٌ انْتَقَلْنَ إلَى التَّعْصِيبِ يَأْخُذْنَ مَا فَضَلَ عَنْ بِنْتِ الصُّلْبِ، وَالنَّقْلُ مِنْ تَعْصِيبٍ إلَى فَرْضٍ وَذَلِكَ كَالْأَبِ فَإِنَّهُ عَاصِبٌ فَإِذَا كَانَ مَعَ الِابْنِ انْتَقَلَ إلَى فَرْضٍ وَهُوَ: السُّدْسُ فَقَوْلُ النَّاظِمِ: وَذَا أَيْ حَجْبُ النَّقْلِ لِفَرْضٍ يَشْمَلُ النَّقْلَ مِنْ فَرْضٍ لِفَرْضٍ كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَالنَّقْلُ مِنْ التَّعْصِيبِ إلَى الْفَرْضِ كَالْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ تَعْصِيبٍ أَيْ النَّقْلُ مِنْ الْفَرْضِ إلَى التَّعْصِيبِ وَذَلِكَ كَالْوَجْهِ الثَّانِي وَمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَالتَّرْجَمَةِ، وَالتَّوْطِئَةِ لِمَا يَأْتِي لَهُ مِنْ ذِكْرِ حَجْبِ الْإِسْقَاطِ وَحَجْبِ النَّقْلِ إلَى الْفَرْضِ، وَحَجْبِ النَّقْلِ إلَى التَّعْصِيبِ
[فَصْلٌ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْإِرْثُ]
ُ (الْمِقْدَارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْإِرْثُ)
الْقَدْرُ يُلْغَى بِاشْتِرَاكٍ فِيهِ ... فِي جُمْلَةِ الْمَتْرُوكِ أَوْ بَاقِيهِ
أَوْ بِانْفِرَادٍ بِاحْتِيَازِ الْمَالِ ... أَجْمَعَ فِيهِ وَهُوَ فِي الرِّجَالِ
عَدَا أَخًا لِلْأُمِّ وَالزَّوْجِ وَفِي ... مَوْلَاةِ نِعْمَى حُكْمُ ذَلِكَ اُقْتُفِيَ
لَمْ أَرَ مِثْلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْفَرَائِضِ وَالْمُرَادُ أَنَّ التَّرِكَةَ تَارَةً يَشْتَرِكُ الْوَرَثَةُ فِي جَمِيعِهَا وَذَلِكَ إذَا كَانُوا ذَوِي سِهَامٍ وَالْفَرِيضَةُ عَادِلَةٌ أَيْ اسْتَغْرَقَ الْوَرَثَةُ جَمِيعَ الْمَالِ وَذَلِكَ إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ عَصَبَةً أَوْلَادًا أَوْ إخْوَةً أَوْ بَنِي عَمٍّ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: الْقَدْرُ يُلْغَى بِاشْتِرَاكٍ فِيهِ فِي جُمْلَةِ الْمَتْرُوكِ وَتَارَةً يَكُونُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْبَاقِي، كَبِنْتٍ، وَعَصَبَةٍ فَيَشْتَرِكُ الْعَصَبَةُ فِي النِّصْفِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
стр. 626
أَوْ بَاقِيهِ وَتَارَةً يَنْفَرِدُ وَارِثٌ بِجَمِيعِهَا وَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي دَرَجَتِهِ غَيْرُهُ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إلَّا فِي الرِّجَالِ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ وَالْعَاصِبُ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ إذَا انْفَرَدَ مَا عَدَا الْأَخَ لِلْأُمِّ، وَالزَّوْجَ فَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ إلَّا السُّدْسُ، وَلَيْسَ لِلثَّانِي إلَّا النِّصْفُ، أَوْ الرُّبُعُ إلَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ابْنَ عَمٍّ فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالْمَالِ بَعْضُهُ بِالْفَرْضِ، وَبَعْضُهُ بِالتَّعْصِيبِ، وَكَذَلِكَ مَوْلَاةُ النِّعْمَةِ تَنْفَرِدُ بِالْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِمُعْتَقِهَا وَارِثٌ مِنْ النَّسَبِ وَلَمْ أَفْهَمْ وَجْهَ تَعْبِيرِ النَّاظِمِ بِالْمِقْدَارِ إلَّا إذَا عَنَى بِهِ مَجْمُوعَ التَّرِكَةِ وَتَكُونُ الْبَاءُ مِنْ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنَى فِي.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ حَالَاتِ وُجُوبِ الْمِيرَاثِ]
ِ حَالَاتِ وُجُوبِ الْمِيرَاثِ
وَيَحْصُلُ الْمِيرَاثُ حَيْثُ حُتِمَا ... بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ أَوْ كِلَيْهِمَا
وَالْمَالَ يَحْوِي عَاصِبٌ مُنْفَرِدُ ... أَوْ مَا عَنْ الْفُرُوضِ بَعْدُ يُوجَدُ
وَقِسْمَةٌ فِي الْحَالَتَيْنِ مُعْمِلَهْ ... إمَّا عَلَى تَفَاضُلٍ أَوْ مَعْدِلَهْ
يَعْنِي أَنَّ الْإِرْثَ يَكُونُ تَارَةً بِالْفَرْضِ كَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ، وَتَارَةً بِالتَّعْصِيبِ كَالِابْنِ، وَتَارَةً بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ مَعًا كَالْأَبِ مَعَ الْبِنْتِ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لَهُ السُّدْسُ ثُمَّ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ أَخَذَهُ بِالتَّعْصِيبِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ، هِيَ الْمُرَادُ بِالْحَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّرْجَمَةِ. وَالْوَارِثُ بِالتَّعْصِيبِ إنْ انْفَرَدَ أَخَذَ جَمِيعَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَوِي فَرْضٍ، أَخَذَ مَا فَضْلَ عَنْهُمْ.
وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي " وَالْمَالَ " مَفْعُولُ يَحْوِي ثُمَّ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ إلَى أَنَّ الْعَاصِبَ إذَا تَعَدَّدَ إمَّا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْفُرُوضِ كَالْأَوْلَادِ، أَوْ الْإِخْوَةِ، أَوْ مَعَ ذَوِي الْفُرُوضِ، كَالْأُمِّ، وَالزَّوْجَةِ وَالْإِخْوَةِ فَإِنَّ لَهُ جَمِيعَ الْمَالِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، أَوْ مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي السِّهَامِ فِي الثَّانِي يُقَسَّمُ بَيْنَ الْعَصَبَةِ إمَّا عَلَى: التَّفَاضُلِ كَمَا إذَا كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَإِمَّا عَلَى السَّوَاءِ وَالِاعْتِدَالِ وَذَلِكَ إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ ذُكُورًا وَمُرَادُهُ بِالْحَالَتَيْنِ حَالَةُ عَدَمِ ذَوِي الْفُرُوضِ وَحَالَةُ وُجُودِهِمْ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَهْلِ الْفَرَائِضِ وَأُصُولِهَا]
(أَهْلِ الْفَرَائِضِ وَأُصُولِهَا)
ثُمَّ الْفَرَائِضُ الْبَسَائِطُ الْأُوَلْ ... سِتَّةٌ الْأُصُولُ مِنْهَا فِي الْعَمَلْ
أَوَّلُهَا النِّصْفُ لِخَمْسَةٍ جُعِلْ ... الْبِنْتِ وَالزَّوْجِ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ
وَلِابْنَةِ ابْنٍ وَلِأُخْتٍ لَا لِأُمْ ... وَنِصْفُهُ الرُّبُعُ بِهِ الزَّوْجَيْنِ أُمْ
وَنِصْفُهُ الثُّمْنُ لِزَوْجَةٍ وَفِي ... تَعَدُّدٍ قِسْمَةُ حَظَّيْهَا اُقْتُفِيَ
وَالثُّلُثَانِ حِصَّةٌ لِأَرْبَعِ ... بَنَاتِ صُلْبٍ وَبَنَاتِ ابْنٍ فَعِ
وَالْأُخْتِ لَا لِلْأُمِّ فِي التَّعْدَادِ ... وَالثُّلُثُ لِلْجَدِّ بِرَجْحٍ بَادِ
وَالْأُمِّ دُونَ حَاجِبٍ وَالْإِخْوَهْ ... لَهَا وَهُمْ فِي قَسْمِ ذَاكَ أُسْوَهْ
وَنِصْفُهُ السُّدْسُ لِأُمٍّ وَأَبِ ... وَلِابْنَةِ ابْنٍ وَلِجَدٍّ اُجْتُبِيَ
وَجَدَّةٍ وَلِأَخٍ مِنْ أُمِّ ... وَاشْمَلْ لِأُخْتٍ جِهَةً فِي الْحُكْمِ
стр. 627
اعْلَمْ أَنَّ فِي الْكَلَامِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى مَسَائِلَ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْفَرَائِضُ وَالْمُرَادُ بِهَا: الْأَجْزَاءُ الْمَحْدُودَةُ شَرْعًا الْمَعْلُومُ نِسْبَتُهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ. وَهِيَ سِتَّةٌ: النِّصْفُ، وَالرُّبُعُ، وَالثُّمْنُ، وَالثُّلُثَانِ، وَالثُّلُثُ، وَالسُّدْسُ، (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَهْلُ الْفَرَائِضِ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا وَهُمْ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فِيمَا بَيْنَ رِجَالٍ، وَنِسَاءٍ فَأَصْحَابُ النِّصْفِ: خَمْسَةٌ، وَأَصْحَابُ الرُّبُعِ: اثْنَانِ، وَأَصْحَابُ الثُّمُنِ: وَاحِدٌ، وَأَصْحَابُ: الثُّلُثَيْنِ: أَرْبَعَةٌ، وَأَصْحَابُ الثُّلُثِ: اثْنَانِ، وَأَصْحَابُ السُّدْسِ: سَبْعَةٌ وَبَيَانُهُمْ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ فَلَا نُطَوِّلُ بِتَسْمِيَتِهِمْ الْآنَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) أُصُولُ الْمَسَائِلِ أَيْ الْأَعْدَادُ الَّتِي تُقَوَّمُ مِنْهَا الْفَرِيضَةُ وَهِيَ سَبْعَةٌ: اثْنَانِ، وَأَرْبَعَةٌ، وَثَمَانِيَةٌ، وَثَلَاثَةٌ، وَسِتَّةٌ، وَاثْنَا عَشَرَ، وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ هَذِهِ الْأُصُولُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
مِنْهَا مُرَكَّبٌ وَمِنْهَا بَسِيطٌ غَيْرُ مُرَكَّبٍ فَالْمُرَكَّبُ: مَا اجْتَمَعَ فِيهِ فَرْضَانِ فَأَكْثَرَ، وَذَلِكَ الِاثْنَا عَشَرَ، وَالْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ حَتَّى يَكُونَ فِيهَا فَرْضَانِ فَأَكْثَرُ، كَالرُّبُعِ، وَالثُّلُثِ، وَذَلِكَ كَزَوْجَةٍ، وَأُمٍّ، أَوْ الرُّبُعُ، وَالسُّدْسُ، كَزَوْجَةٍ، وَأَخٍ، وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعُ وَالْعِشْرُونَ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعَدُّدِ الْفَرْضِ كَالثُّمُنِ، وَالسُّدْسِ كَزَوْجَةٍ، وَأُمٍّ، وَأَوْلَادٍ، أَوْ الثُّمُنُ، وَالثُّلُثَانِ كَزَوْجَةٍ وَبِنْتَيْنِ وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ آخِرَ هَذَا الْفَصْلِ حَيْثُ قَالَ
стр. 628
وَالْأَصْلُ بِالتَّرْكِيبِ ضِعْفُ سِتَّهْ ... وَضِعْفُهُ لَا غَيْرُ ذَيْنِ الْبَتَّهْ
وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ مِنْ الْأُصُولِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعَدُّدُ الْفَرْضِ فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْنِ مَثَلًا سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا نِصْفَانِ كَزَوْجٍ، وَأُخْتٍ، أَوْ نِصْفٌ فَقَطْ كَزَوْجٍ.
وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ مَثَلًا سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا فَرْضٌ وَاحِدٌ كَسُدُسٍ، أَوْ أَكْثَرَ وَسُدُسٍ وَثُلُثَيْنِ مَثَلًا كَأُمٍّ، وَأَخٍ لِأُمٍّ، وَأُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَاَلَّذِي يَنْقَسِمُ إلَى مُرَكَّبٍ وَبَسِيطٍ: هُوَ أُصُولُ الْمَسَائِلِ لَا الْفَرَائِضُ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ بِالتَّرْكِيبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَالْفَرْضُ بِالتَّرْكِيبِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " ثُمَّ الْفَرَائِضُ " عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ثُمَّ أُصُولُ الْفَرَائِضِ الْبَسَائِطِ الْأُوَلِ فَيَكُونَ الْوَصْفُ بِالْبَسَائِطِ رَاجِعًا لِلْأُصُولِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَسَائِطَ مِنْ الْأُصُولِ خَمْسَةٌ فَقَطْ لَا سِتَّةٌ، وَانْظُرْ هَلْ يَسْهُلُ الْبَحْثُ بِجَعْلِ الْبَسَائِطِ وَصْفًا كَاشِفًا لَا مَفْهُومَ لَهُ؟
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الْأُصُولُ مِنْهَا فِي الْعَمَل أَنَّ أُصُولَ الْمَسَائِلِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَرَائِضِ فِي عَمَلِ الْفَرِيضَةِ فَإِذَا كَانَ فِي الْفَرِيضَةِ مَنْ لَهُ النِّصْفُ، قِيلَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاحِبِ ثُلُثٍ فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ صَاحِبِ رُبُعٍ فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ فَإِنْ كَانَ فِي الْفَرِيضَةِ مَنْ لَهُ جُزْءَانِ كَمَنْ لَهُ رُبُعٌ، وَثُلُثٌ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَصْلٍ مُرَكَّبٍ وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ مَثَلًا وَهَكَذَا ثُمَّ شَرَعَ النَّاظِمُ فِي بَيَانِ الْفَرَائِضِ الْمَحْدُودَةِ وَأَصْحَابِهَا فَأَخْبَرَ أَنَّ أَصْحَابَ النِّصْفِ خَمْسَةٌ الزَّوْجُ فِي فَقْدِ الْوَلَدِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ أَيْ عَنْ النِّصْفِ لِلرُّبُعِ لِوُجُودِ الْوَلَدِ، وَالْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ، وَبِنْتِ الِابْنِ فِي عَدَمِ الْبِنْتِ، وَالْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ أَوْ لِلْأَبِ فِي عَدَمِ الشَّقِيقَةِ وَلِإِخْرَاجِ الَّتِي لِلْأُمِّ زَادَ قَوْمٌ لَا لِأُمٍّ وَأَنَّ أَصْحَابَ الرُّبُعِ: اثْنَانِ: الزَّوْجُ مَعَ الْوَلَدِ لِلزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجَةُ فِي فَقْدِ الْوَلَدِ لِلزَّوْجِ.
وَأُمْ فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ أَمَّ بِمَعْنَى قَصَدَ تَكْمِيلٌ لِلْبَيْتِ وَأَنَّ الثُّمْنَ لِوَاحِدٍ وَهُوَ الزَّوْجَةُ مَعَ الْوَلَدِ لِلزَّوْجِ فَإِنْ تَعَدَّدَتْ الزَّوْجَاتُ اقْتَسَمْنَ الْوَاجِبَ لَهُنَّ مِنْ رُبُعٍ أَوْ ثُمُنٍ عَلَى عَدَدِهِنَّ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ وَفِي تَعَدُّدٍ قِسْمَةُ حَظَّيْهَا اُقْتُفِيَ. وَأَنَّ أَصْحَابَ الثُّلُثَيْنِ: أَرْبَعَةٌ الْبِنْتَانِ، فَأَكْثَرُ، وَبِنْتَا الِابْنِ فِي عَدَمِ الْبِنْتِ، وَالْأُخْتَانِ الشَّقِيقَتَانِ، وَاللَّتَانِ لِلْأَبِ فِي عَدَمِ الشَّقِيقَةِ دُونَ الَّتِي لِلْأُمِّ وَلِذَلِكَ زَادَ قَوْلَهُ لَا لِلْأُمِّ وَأَنَّ أَصْحَابَ الثُّلُثِ: ثَلَاثَةٌ الْجَدُّ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ حَيْثُ يَكُونُ أَفْضَلَ وَلِذَلِكَ قَالَ بِرَجْحٍ بَادٍ أَيْ ظَاهِرٍ، وَالْأُمُّ فِي فَقْدِ الْوَلَدِ، وَفَقْدِ تَعَدُّدِ الْإِخْوَة وَلِذَلِكَ قَالَ: دُونَ حَاجِبٍ، وَالْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ إنْ تَعَدَّدُوا وَيُقَسِّمُونَ ثُلُثَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِمْ وَهُمْ فِي قَسْمِ ذَاكَ أُسْوَةٌ.
وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَعُدَّ الْجَدَّ مَعَ أَصْحَابِ الثُّلُثِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ أَصْحَابَ السُّدْسِ سَبْعَةٌ: الْأُمُّ مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ مَعَ تَعَدُّدِ الْإِخْوَةِ، وَالْأَبُ مَعَ الْوَلَدِ، وَبِنْتُ الِابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ مَعَ الشَّقِيقَةِ، وَالْوَاحِدُ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ، وَالْجَدُّ إذَا كَانَ السُّدْسُ أَفْضَلَ لَهُ كَمَا يَأْتِي أَيْضًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ اُجْتُبِيَ أَيْ اُخْتِيرَ وَلِلْجَدَّةِ لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ فَإِنْ اجْتَمَعَتَا كَانَ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَتَا فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ رَمَزَ أَهْلُ الْفَرَائِضِ لِهَؤُلَاءِ الْوَرَثَةِ بِحُرُوفٍ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: هبادبز بِحِسَابِ الْجُمَلِ، فَالْهَاءُ رَمْزٌ لِأَصْحَابِ النِّصْفِ وَالْبَاءُ لِأَصْحَابِ الرُّبُعِ، وَالْأَلِفُ لِأَصْحَابِ الثُّمُنِ، وَالدَّالُ لِأَصْحَابِ الثُّلُثَيْنِ، وَالْبَاءُ بَعْدَ الدَّالِ لِأَصْحَابِ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْجَدَّ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ لَهُ أَحْوَالٌ لَا يُضْبَطُ بِحَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالزَّايُ لِأَصْحَابِ السُّدْسِ وَقَوْلُهُ:
وَاشْمَلْ لِأُخْتٍ جِهَةً فِي الْحُكْمِ
يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ: السُّدْسُ يَشْمَلُ الْأُخْتَ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ وَلَا إشْكَالَ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ يَعْنِي مَعَ الشَّقِيقَةِ.
فَإِنْ يَضِقْ عَنْ الْفُرُوضِ الْمَالُ ... فَالْعَدْلُ إذْ ذَاكَ لَهُ اسْتِعْمَالُ
الْفَرَائِضُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا عَادِلَةٌ: وَهِيَ الَّتِي فُرُوضُهَا مِثْلُ سِهَامِ أَصْحَابِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَذَلِكَ كَأُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ، وَأُمٍّ، وَأَخٍ لِأُمٍّ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَمِنْهَا تَصِحُّ أَوْ نَاقِصَةٌ وَهِيَ الَّتِي يَفْضُلُ بَعْضُ أَجْزَائِهَا عَنْ سِهَامِ أَهْلِهَا كَزَوْجٍ، وَبِنْتٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ يَبْقَى وَاحِدٌ، أَوْ عَائِلَةٌ: وَهِيَ الَّتِي
стр. 629
فُرُوضُهَا أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِهَا وَهِيَ الَّتِي فِي بَيْتِ النَّاظِمِ كَزَوْجٍ، وَأُخْتٍ، وَأُمٍّ فَإِنَّ أَصْلَهَا مِنْ سِتَّةٍ لِأَجْلِ النِّصْفِ، وَالثُّلُثِ، فَالنِّصْفُ: لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ وَمِثْلُهَا لِلْأُخْتِ وَفَرَغَ الْمَالُ فَيُعَالُ لِلْأُمِّ بِثُلُثِ السِّتَّةِ وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ.
وَفِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ يَقُولُ التِّلْمِسَانِيُّ:
وَكُلُّ ذِي فَرْضٍ يُبَدَّى أَوَّلَا ... وَبَعْدَهُ لِعَاصِبٍ مَا فَضَلَا
وَالْمَالُ إنْ ذَوُو السِّهَامِ حَصَّلَهْ ... فَكُلُّ مَنْ يَعْصِبُهُ لَا شَيْءَ لَهْ
وَإِنْ تَكَاثَرَتْ عَلَى الْمَالِ الْفُرُوضْ ... وَلَمْ يَكُنْ بِكُلِّهَا لَهُ نُهُوضْ
فَذَاكَ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ الْعَوْلُ ... حَسْبَمَا يَكُونُ فِيهِ الْقَوْلُ
اهـ وَفِي الْمِثَالِ الْمُتَقَدِّمِ لِلْعَوْلِ أَنْشَدَ السَّطِّيُّ فِي شَرْحِ الْحَوفِيِّ:
وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمُبَاهَلَهْ ... أَوَّلُ مَا كَانَتْ بِعَوْلٍ نَازِلَهْ
زَوْجٌ وَأُمٌّ دُنْيَةً وَأُخْتُ ... نِصْفَانِ وَالثُّلُثُ عَلَيْهِمْ غَتُّ
مَا نَزَلَتْ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ... وَلَا أَبِي بَكْرٍ أَبِي الْبَتُولِ
حَتَّى أَتَتْ خِلَافَةُ الْفَارُوقِ ... وَاغْتُصَّتْ الْأَرْيَاقُ فِي الْحُلُوقِ
فَاجْتَمَعَ الْفَارُوقُ بِالْعَبَّاسِ ... وَاجْتَمَعَ الْحَفْلُ بِخَيْرِ النَّاسِ
فَاسْتَحْسَنَ الْعَبَّاسُ طَرْدَ الْعَوْلِ ... وَأَخَذَ الْكُلُّ بِذَاكَ الْقَوْلِ
وَمَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِلْخِلَافِ ... وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْكَلَامِ الْجَافِي
لِهَيْبَةٍ كَانَتْ عَلَى الْفَارُوقِ ... وَمَا لِعَبَّاسٍ مِنْ الْحُقُوقِ
وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ عَالَتْ بِمِثْلِ ثُلُثِهَا وَانْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ رُبُعُ مَا بِيَدِهِ فَتَنْسِبُ الْعَوْلَ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ يَخْرُجُ مَا عَالَتْ بِهِ وَهُوَ الثُّلُثُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ مِنْ سِتَّةٍ ثُلُثٌ، وَانْسِبْ الْعَوْلَ أَيْضًا لِمَجْمُوعِ الْمَسْأَلَةِ بِعَوْلِهَا يَخْرُجُ مَا اُنْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ هُوَ الرُّبُعُ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ رُبُعٌ، وَإِنْ عَالَتْ السِّتَّةُ لِسَبْعَةٍ قُلْتُ: عَالَتْ بِمِثْلِ سُدُسِهَا وَانْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ سُبُعُ مَا بِيَدِهِ، وَلِتِسْعَةٍ قُلْتُ: عَالَتْ بِمِثْلِ نِصْفِهَا وَانْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ ثُلُثُ مَا بِيَدِهِ، وَلِعَشَرَةٍ قُلْتُ: عَالَتْ بِمِثْلِ ثُلُثَيْهَا وَانْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ خُمُسُ مَا بِيَدِهِ، وَإِنْ عَالَتْ الِاثْنَا عَشَرَ لِثَلَاثَةَ عَشَرَ قُلْتُ: عَالَتْ بِنِصْفِ سُدُسِهَا وَانْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ جُزْءٌ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَلِخَمْسَةَ عَشَرَ.
قُلْتُ: عَالَتْ بِمِثْلِ رُبُعِهَا وَانْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ خُمُسُ مَا بِيَدِهِ وَلِسَبْعَةَ عَشَرَ قُلْتُ: عَالَتْ بِمِثْلِ ثُلُثِهَا وَرُبُعِ ثُلُثِهَا وَانْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ خَمْسَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَإِنْ عَالَتْ الْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ لِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ قُلْتُ: عَالَتْ بِمِثْلِ ثُمُنِهَا وَانْتُقِصَ لِكُلِّ وَارِثٍ تُسْعُ مَا بِيَدِهِ وَلَا يَعُولُ مِنْ الْفَرَائِضِ إلَّا هَذِهِ الثَّلَاثُ السِّتَّةُ وَتَعُولُ لِسَبْعَةٍ كَزَوْجٍ، وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ، أَوْ لِأَبٍ، وَأَخٍ لِأُمٍّ وَلِثَمَانِيَةٍ كَالْمُبَاهَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِثَالًا لِكَلَامِ النَّاظِمِ وَلِتِسْعَةٍ كَزَوْجٍ، وَأُخْتٍ، وَأُمٍّ وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ، وَلِعَشَرَةٍ كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ، وَأُمٍّ، وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ، وَالِاثْنَا عَشَرَ وَتَعُولُ لِثَلَاثَةَ عَشَرَ كَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ، وَأُخْتَيْنِ وَلِخَمْسَةِ عَشَرَ كَزَوْجَةٍ وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَتَعُولُ لِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَهِيَ: الْمِنْبَرِيَّةُ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ التِّلْمِسَانِيُّ:
ثَلَاثَةٌ مِنْهَا تَعُولُ وَصْفُهَا ... السِّتُّ ثُمَّ ضِعْفُهَا وَضِعْفُهَا
فَالسِّتُّ فَاعْلَمْ دُونَ مَا نِزَاعِ ... تَعُولُ بِالْإِفْرَادِ وَالْإِشْفَاعِ
وَتَنْتَهِي فِي عَوْلِهَا لِعَشَرَهْ ... وَكَانَ ذَاكَ الْعَوْلُ فِيهَا أَكْثَرَهْ
وَضِعْفُهَا تَعُولُ بِالْإِفْرَادِ ... لِسَبْعَ عَشَرَةَ بِلَا تَمَادِي
وَعَوْلُ أَرْبَعٍ مَعَ الْعِشْرِينَا ... يُنْمَى لِسَبْعٍ بَعْدَهَا يَقِينَا
اهـ وَسُمِّيَتْ الْفَرِيضَةُ: عَائِلَةً مِنْ الْعَوْلِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ فِيهَا فُرُوضٌ لَا يَفِي بِهَا جُمْلَةُ الْمَالِ وَلَمْ يُمْكِنْ إسْقَاطُ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجِبٍ وَلَا تَخْصِيصُ بَعْضِ ذَوِي الْفُرُوضِ بِالنَّقْصِ دُونَ بَعْضٍ فَزِيدَ فِي الْفَرِيضَةِ سِهَامٌ حَتَّى يَتَوَزَّعَ النَّقْصُ عَلَى الْجَمِيعِ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ فَرْضِهِ إلْحَاقًا
стр. 630
لِأَصْحَابِ الْفُرُوضِ بِأَصْحَابِ الدُّيُونِ نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْجَوَاهِرِ، وَفِي الرِّسَالَةِ فَإِذَا اجْتَمَعَ مَنْ سُمِّيَ لَهُ سَهْمٌ مَعْلُومٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ الْمَالِ أُدْخِلَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ الضَّرَرُ، وَقُسِّمَتْ الْفَرِيضَةُ عَلَى مَبْلَغِ سِهَامِهِمْ
وَالرُّبُعُ كَالثُّلُثِ وَكَالثُّلُثَيْنِ ... تَعْدَمُهُ فَرِيضَةٌ مِثْلَيْنِ
وَثُمُنٌ بِالرُّبُعِ غَيْرُ مُلْتَقِي ... وَغَيْرُ ذَاكَ مُطْلَقًا قَدْ يَلْتَقِي
وَالْأَصْلُ بِالتَّرْكِيبِ ضِعْفُ سِتَّهْ ... وَضِعْفُهُ لَا غَيْرَ ذَيْنِ الْبَتَّهْ
أَفَادَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْفَرِيضَةَ لَا يَجْتَمِعُ فِيهَا رُبُعَانِ، وَلَا ثُلُثَانِ بِحَيْثُ يَكُونُ الرُّبُعُ لِشَخْصٍ وَالرُّبُعُ الْآخَرُ لِشَخْصٍ آخَرَ، وَالثُّلُثُ لِصِنْفٍ وَالثُّلُثُ الْآخَرُ لِصِنْفٍ آخَرَ وَلَا يَجْتَمِعُ أَيْضًا ثُلُثَانِ وَثُلُثَانِ كَذَلِكَ، أَمَّا الرُّبُعُ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا لِلزَّوْجِ وَلَا يَتَعَدَّى إلَّا لِزَوْجَةٍ فَإِنْ تَعَدَّدَتْ قُسِمَ بَيْنَهُنَّ لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الثُّلُثُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ إمَّا لِلْأُمِّ فِي عَدَمِ تَعَدُّدِ الْإِخْوَةِ، أَوْ لِلْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فَتُنْقَلُ الْأُمُّ لِلسُّدْسِ إنْ كَانَتْ، وَإِمَّا لِلْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ فَقَطْ فَلَا أُمَّ، وَأَمَّا مَعَ الْإِخْوَةِ، وَذَوِي الْفُرُوضِ فَإِنَّمَا لَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ لَا الثُّلُثُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ الْآنَ وَكَذَلِكَ الثُّلُثَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ مَعَ ثُلُثَيْنِ آخَرَيْنِ فِي فَرِيضَةٍ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِلْبِنْتَيْنِ أَوْ لِبِنْتَيْ الِابْنِ فِي عَدَمِهِمَا أَوْ لِلْأُخْتَيْنِ الشَّقِيقَتَيْنِ أَوْ اللَّتَيْنِ لِلْأَبِ فِي عَدَمِ الشَّقِيقَتَيْنِ وَمَعَهُمَا وُجِدَتْ بِنْتَانِ لَمْ يَبْقَ لِبَنَاتِ الِابْنِ إلَّا ثُلُثٌ إنْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ وَكَانَ الْبَاقِي لِلْأُخْتَيْنِ بِالتَّعْصِيبِ وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الِابْنِ مَعَ الْأَخَوَاتِ يَرِثُ الْأَخَوَاتُ مَا فَضَلَ عَنْهُنَّ وَأَفَادَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّ الْفَرِيضَةَ لَا يَجْتَمِعُ فِيهَا الثُّمُنُ وَالرُّبُعُ لِأَنَّ الرُّبُعَ إمَّا لِلزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ.
فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الثُّمُنِ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا لِلزَّوْجَةِ مَعَ الْوَلَدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ قَدْ يَلْتَقِيَانِ كَالرُّبُعِ، وَالثُّلُثِ كَزَوْجَةٍ، وَأُمٍّ، وَالرُّبُعِ وَالثُّلُثَيْنِ كَالزَّوْجَةِ وَالْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَفَادَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ أَنَّ الْأَصْلَ بِالتَّرْكِيبِ هُوَ الِاثْنَا عَشَرَ وَضِعْفُهُ، وَهُوَ الْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَعَنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَبَّرَ بِضِعْفِ السِّتَّةِ، وَمَعْنَى كَوْنِ هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ مُرَكَّبَيْنِ أَنَّ الْفَرِيضَةَ لَا تُقَوَّمُ مِنْهُمَا إلَّا إذَا كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرْضَانِ فَأَكْثَرَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَقَدْ لَا يَكُونُ فِيهِ إلَّا فَرْضٌ وَاحِدٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْسِيمُ أُصُولِ الْمَسَائِلِ إلَى مُرَكَّبٍ، وَبَسِيطٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَا شَرَحَ بِهِ الشَّارِحُ هَذَا الْبَيْتَ الثَّالِثَ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ مِنْهُ بَيَانَ مَا تَنْتَهِي إلَيْهِ الْفَرِيضَةُ إذَا دَخَلَهَا الْعَوْلُ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ بَلْ لَا يَصِحُّ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَقَدْ أَخَلَّ بِالسِّتَّةِ لِقَوْلِهِ لَا غَيْرَ ذَيْنِ وَهِيَ تَعُولُ إلَى عَشَرَةٍ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ حَجْبِ الْإِسْقَاطِ]
ِ حَجْبِ الْإِسْقَاطِ
وَلَا سُقُوطَ لِأَبٍ وَلَا وَلَدْ ... وَلَا لِزَوْجَيْنِ وَلَا أُمٍّ فَقَدْ
الْحَجْبُ: الْمَنْعُ مِنْ الْمِيرَاثِ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: حَجْبُ إسْقَاطٍ، وَحَجْبُ نَقْلٍ وَيُعَبِّرُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِحَجْبِ النَّقْصِ وَسَيَأْتِي فِي التَّرْجَمَةِ بَعْدَ هَذِهِ وَلَمَّا كَانَ مِنْ الْوُرَّاثِ مَنْ لَا يُحْجَبُ بِحَالٍ قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ لِيَتَفَرَّغَ لِلْكَلَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا يُحْجَبُ حَجْبَ نَقْصٍ أَوْ حَجْبَ إسْقَاطٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ، وَالْأَوْلَادَ وَالزَّوْجَيْنِ، لَا يَسْقُطُونَ بِحَالٍ وَمَنْ عَدَاهُمْ قَدْ يَسْقُطُ وَقَدْ لَا.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْحَجْبُ عَلَى قِسْمَيْنِ: حَجْبُ إسْقَاطٍ، وَحَجْبُ نَقْلٍ، فَأَمَّا حَجْبُ الْإِسْقَاطِ فَلَا يَلْحَقُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ كَالْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ، وَالْآبَاءِ، وَالْأُمَّهَاتِ وَفِي مَعْنَاهُمْ الْأَزْوَاجُ وَالزَّوْجَاتُ وَيَلْحَقُ مَنْ عَدَاهُمْ اهـ وَمَعْنَى فَقَدْ فَحَسْبُ
وَالْجَدُّ يَحْجُبُهُ الْأَدْنَى فَالْأَبُ ... كَذَا ابْنُ الْأَبْنَاءِ بِالْأَعْلَى يُحْجَبُ
وَبِأَبٍ وَابْنٍ وَبِابْنِ ابْنٍ حُجِبْ ... إخْوَةُ مَنْ مَاتَ فَلَا شَيْءَ يَجِبْ
كَذَا بَنُو الْإِخْوَةِ أَيْضًا حُجِبُوا ... بِالْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ ضَمَّهُمْ أَبُ
وَالْجَدُّ بِالْحَجْبِ لِإِخْوَةٍ دَهَا ... فِيمَا انْتَمَتْ لِمَالِكٍ وَشِبْهِهَا
وَابْنُ أَخٍ بِالْحَجْبِ لِلْعَمِّ وَفَى ... وَالْعَمُّ لِابْنِ الْعَمِّ مَا كَانَ كَفَى
стр. 631
يَعْنِي أَنَّ الْجَدَّ يَحْجُبُهُ عَنْ الْمِيرَاثِ الْجَدُّ الَّذِي هُوَ أَدْنَى وَأَقْرَبُ لِلْمَيِّتِ مِنْهُ، فَإِذَا هَلَكَ وَتَرَك جَدَّهُ، وَجَدَّ أَبِيهِ فَإِنَّ جَدَّهُ يَحْجُبُ جَدَّ أَبِيهِ.
وَكَذَلِكَ الْأَبُ يَحْجُبُ الْجَدَّ فَيَحْجُبُ الْأَبُ أَبَاهُ، وَجَدَّهُ وَمَنْ فَوْقَهُمَا وَكَذَلِكَ أَبْنَاءُ الْأَبْنَاءِ يَحْجُبُونَ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُمْ فَابْنُ الصُّلْبِ يَحْجُبُ ابْنَ الِابْنِ، وَابْنُ الِابْنِ يَحْجُبُ ابْنَ الْحَفِيدِ وَهَكَذَا وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ الْأَبُ، وَالِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا شَقَائِقَ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الْمِيرَاثِ لِلْإِخْوَةِ مَعَ وُجُودِ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ " وَبِأَبٍ وَابْنٍ " الْبَيْتَ. وَكَذَلِكَ الْجَدُّ فَإِنَّهُ يَحْجُبُ ابْنَ الْأَخِ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْأَخُ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْجُبُ ابْنَ الْأَخِ مَا كَانَ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ كَذَا بَنُو الْإِخْوَةِ الْبَيْتَ.
وَقَوْلُهُ وَالْإِخْوَةِ عَطْفٌ عَلَى الْجَدِّ، وَجُمْلَةُ ضَمَّهُمْ أَبٌ صِفَةُ الْإِخْوَةِ وَالْإِخْوَةُ الَّذِينَ ضَمَّهُمْ الْأَبُ يَصْدُقُونَ بِالْأَشِقَّاءِ، وَاَلَّذِينَ لِلْأَبِ وَكَذَلِكَ، الْجَدُّ فَإِنَّهُ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ الَّذِينَ لِلْأَبِ، وَاَلَّذِينَ لِلْأُمِّ فِي الْفَرِيضَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَالِكِيَّةِ وَكَذَلِكَ يَحْجُبُ الْجَدُّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ، وَالْأَشِقَّاءَ فِي الْفَرِيضَةِ الْمَعْرُوفَةِ الشَّبِيهَةِ بِالْمَالِكِيَّةِ وَكِلَاهُمَا مِنْ شَوَاذِّ الْمَسَائِلِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْقِيَاسِ فَتُحْفَظَانِ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا. فَالْمَالِكِيَّةُ امْرَأَةٌ تَرَكَتْ زَوْجًا، وَجَدًّا، وَأُمًّا، وَأَخًا لِأَبٍ، وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ.
فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ لِسُدُسِ الْأُمِّ، وَنِصْفُ الزَّوْجِ مُنْدَرِجٌ فِي السِّتَّةِ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، ثَلَاثَةٌ، وَلِلْأُمِّ السُّدْسُ وَاحِدٌ، وَلِلْجَدِّ السُّدْسُ وَاحِدٌ أَيْضًا وَيَبْقَى وَاحِدٌ، مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لِلْجَدِّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَقُولُ لِلْأَخِ لِلْأَبِ لَوْلَا أَنَا لَأَخَذَ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ وَلَا شَيْءَ لَك لِأَنَّكَ عَاصِبٌ وَلَمْ يَبْقَ لَك شَيْءٌ فَأَنَا مَنَعْتُهُمْ مِنْ ذَلِكَ السُّدْسِ فَأَنَا أَوْلَى بِهِ وَمَذْهَبُ زَيْدٍ: أَنَّهُ لِلْأَخِ لِلْأَبِ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ مَحْجُوبُونَ بِالْجَدِّ فَوُجُودُهُمْ كَالْعَدَمِ وَقَدْ أَخَذَ ذَوُو الْفُرُوضِ فُرُوضَهُمْ وَهَذَا الْبَاقِي لِلْأَخِ لِلْأَبِ لِأَنَّهُ عَاصِبٌ يَأْخُذُ مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي السِّهَامِ وَالشَّبِيهَةُ بِالْمَالِكِيَّةِ هِيَ كَالْمَالِكِيَّةِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ فِي الْمَالِكِيَّةِ يُجْعَلُ مَكَانَهُ الشَّقِيقُ فِي هَذَا.
فَذَهَبَ مَالِكٌ أَيْضًا أَنَّ السُّدْسَ الْبَاقِي لِلْجَدِّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَحْجُبُ كُلَّ مَنْ هُوَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ وَلَوْلَا الْجَدُّ لَكَانَ دُخُولُ الشَّقِيقِ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ كَمَا فِي الْحِمَارِيَّةِ فَيَحْجُبُ الْجَدُّ الْأَخَ الشَّقِيقَ وَاَلَّذِينَ لِلْأُمِّ وَمَذْهَبُ زَيْدٍ أَنَّ ذَلِكَ السُّدْسَ الْبَاقِيَ لِلْأَخِ الشَّقِيقِ لِأَنَّهُ فَضَلَ عَنْ ذَوِي السِّهَامِ فَيَأْخُذُهُ الْعَاصِبُ. وَدَهَا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمَا دَهَاكَ أَيْ مَا أَصَابَكَ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ التِّلْمِسَانِيُّ: بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحِمَارِيَّةَ وَهِيَ زَوْجٌ، وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ، وَأَخٌ شَقِيقٌ وَأَنَّهَا إذَا دَخَلَ فِيهَا الْجَدُّ فَهِيَ الشَّبِيهَةُ بِالْمَالِكِيَّةِ وَإِنْ أُبْدِلَ الْأَخُ الشَّقِيقُ بِالْأَخِ لِلْأَبِ فَهِيَ الْمَالِكِيَّةُ
فَإِنْ تَكُنْ تُدْخِلُ فِيهَا الْجَدَّا ... فَمَالِكٌ خَالَفَ فِيهَا زَيْدَا
فَالْجَدُّ فِي مَذْهَبِ زَيْدٍ يَكْتَفِي ... بِسُدُسِ الْمَالِ تَفَهَّمْ وَاعْرِفْ
وَلِلْأَشِقَّاءِ جَمِيعُ الْبَاقِي ... دُونَ بَنِي الْأُمِّ بِلَا شِقَاقِ
وَمَالِكٌ يُورِثُ فِيهَا الْجَدَّا ... سِهَامَهُمْ جَمِيعَهَا لَا بُدَّا
لِأَنَّهُ يَقُولُ لِلْأَشِقَّا ... لَوْ كُنْتُمْ دُونِي وَرِثْتُمْ حَقَّا
بِأُمِّكُمْ وَإِنَّنِي لَحَاجِبُ ... كُلَّ بَنِي الْأُمِّ فَكُلٌّ خَائِبُ
فَإِنْ يَكُنْ مَكَانَهُمْ إخْوَةُ أَبْ ... فَهِيَ الَّتِي لَهَا لِمَالِكٍ نَسَبْ
فَمَا لَهُمْ لِمَا بَقِيَ سَبِيلُ ... فِيهَا لِأَنَّ جَدَّهُمْ يَقُولُ
لَوْ كُنْتُمْ دُونِي إذَنْ لَمْ تَرِثُوا ... فَيُحْرِزُ الْبَاقِي وَهُوَ الثُّلُثُ
وَرَأْيُ زَيْدٍ رَأْيُهُ هُنَالِكَا ... بِلَا خِلَافٍ عَنْهُ فَاعْلَمْ ذَلِكَا
فَقَوْلُهُ فَإِنْ تَكُنْ تَدْخُلُ فِيهَا الْجَدَّا أَيْ فِي الْحِمَارِيَّةِ فَتَكُونَ حِينَئِذٍ هِيَ الشَّبِيهَةُ بِالْمَالِكِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ
стр. 632
فَإِنْ يَكُنْ مَكَانَهُمْ أَيْ مَكَانَ الْأَشِقَّاءِ فِي الشَّبِيهَةِ بِالْمَالِكِيَّةِ أُخُوَّةٌ لِأَبٍ فَهِيَ الْمَالِكِيَّةُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ الْأَخَ الَّذِي مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فِي الشَّبِيهَةِ شَقِيقٌ وَفِي الْمَالِكِيَّةِ لِأَبٍ فَالشِّينُ فِي الشَّبِيهَةِ فِي مُقَابَلَةِ شِينِ الشَّقِيقِ وَكَذَلِكَ ابْنُ الْأَخِ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ يَحْجُبُ الْعَمَّ، وَالْعَمُّ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ يَحْجُبُ ابْنَ الْعَمِّ إلَى التَّعْمِيمِ فِي ابْنِ الْأَخِ وَالْعَمِّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مَا كَانَ كَفَى أَيْ كَفَى فِي الْحَجْبِ وَهُوَ تَعْمِيمٌ فِي الْحَاجِبِ الَّذِي هُوَ ابْنُ الْأَخِ وَالْعَمِّ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَعْمِيمٌ حَتَّى لِلْمَحْجُوبِ وَأَنَّ الْعَمَّ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ يُحْجَبُ بِابْنِ الْأَخِ، وَأَنَّ ابْنَ الْعَمِّ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ يُحْجَبُ بِالْعَمِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْأُمُّ كِلْتَا الْجَدَّتَيْنِ تَحْجُبُ ... وَجَدَّةً لِلْأَبِ يَحْجُبُ الْأَبُ
وَمَنْ دَنَتْ حَاجِبَةٌ لِبُعْدَى ... جِهَتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعَدَّى
وَقُرْبَى الْأُمِّ حَجَبَتْ بُعْدَى لِأَبْ ... وَالْعَكْسُ إنْ أَتَى فَمَا حَجْبٌ وَجَبْ
وَحَظُّهَا السُّدْسُ فِي الِانْفِرَادِ ... وَقِسْمَةُ السَّوَاءِ فِي التَّعْدَادِ
وَالْإِرْثُ لَمْ يَحُزْهُ مِنْ هَاتَيْنِ ... تَعَدُّدٌ أَكْثَرُ مِنْ ثِنْتَيْنِ
وَمُسْقِطٌ ذُو الْجِهَتَيْنِ أَبَدَا ... ذَا جِهَةٍ مَهْمَا تَسَاوَوْا قُعْدُدَا
وَمَنْ لَهُ حَجْبٌ بِحَاجِبٍ حُجِبْ ... فَحَجْبُهُ بِمَنْ لَهُ الْحَجْبُ يَجِبْ
وَإِخْوَةُ الْأُمِّ بِمَنْ يَكُونُ فِي ... عَمُودَيْ النَّسَبِ حَجْبُهُمْ قُفِيّ
يَعْنِي أَنَّ الْأُمَّ تَحْجُبُ أُمَّهَا وَهِيَ جَدَّةُ الْمَيِّتِ لِأُمِّهِ وَتَحْجُبُ أُمَّ زَوْجِهَا وَهِيَ جَدَّةُ الْمَيِّتِ لِأَبِيهِ وَأَنَّ الْأَبَ يَحْجُبُ أُمَّهُ وَلَا يَحْجُبُ أُمَّ زَوْجَتِهِ وَهِيَ الْجَدَّةُ لِلْأُمِّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: وَجَدَّةً بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ يَحْجُبُ الْأَبُ وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ دَنَتْ " الْبَيْتَ، مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَدَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ تَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهَا مِنْ جِهَتِهَا وَلَا تَتَعَدَّى لِحَجْبِ مَنْ لَيْسَتْ فِي جِهَتِهَا فَأُمُّ الْأُمِّ تَحْجُبُ أُمَّهَا وَإِنْ عَلَتْ وَلَا تَتَعَدَّى لِحَجْبِ مَنْ لَيْسَتْ مِنْ جِهَتِهَا مِنْ الْجَدَّاتِ اللَّائِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إلَّا مَا يُذْكَرُ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ هَذَا وَكَذَلِكَ أُمُّ الْأَبِ تَحْجُبُ أُمَّهَا وَإِنْ عَلَتْ دُون أَنْ تَتَعَدَّى لِغَيْرِ جِهَتِهَا.
وَقَوْلُهُ: " وَقُرْبَى الْأُمِّ " الْبَيْتَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَدَّةَ الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ فَإِذَا تَرَكَ أُمَّ أُمِّهِ وَأُمَّ أُمِّ أَبِيهِ فَلَا شَيْءَ لِأُمِّ أُمِّ أَبِيهِ، وَأَمَّا الْعَكْسُ فَلَا تَحْجُبُ وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ أُمَّ أُمِّ أُمِّهِ وَأُمَّ أَبِيهِ فَالسُّدْسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَالْعَكْسُ إنْ أَتَى فَمَا حَجْبٌ وَجَبْ
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتَا فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَالسُّدْسُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَقِسْمَةُ السَّوَاءِ فِي التَّعْدَادِ
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ جَدَّةٌ وَاحِدَةٌ فَلَهَا السُّدْسُ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ
وَحَظُّهَا السُّدْسُ فِي الِانْفِرَادِ
وَهَذَا تَقَدَّمَ فِي تَعْدَادِ أَصْحَابِ السُّدْسِ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ مَا أَشَارَ بِهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَأَسْقَطَتْ الْأُمُّ مُطْلَقًا وَالْأَبُ الْجَدَّةَ مِنْ جِهَتِهِ وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَإِلَّا اشْتَرَكَتَا.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْإِرْثُ لَمْ يَحُزْهُ الْبَيْتَ إلَى قَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّفْظ لَهُ وَلَا يَرِثُ عِنْدَ مَالِكٍ أَكْثَرُ مِنْ جَدَّتَيْنِ: أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهُمَا، وَيُذْكَرُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّهُ وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ وَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَاثْنَتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أُمَّ أُمِّ الْأَبِ وَأُمَّ أَبِي الْأَبِ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ الْخُلَفَاءِ تَوْرِيثُ أَكْثَرَ مِنْ جَدَّتَيْنِ فَقَوْلُهُ: أُمُّ أُمِّ الْأَبِ إلَخْ هُوَ بَيَانٌ لِلِاثْنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَمُرَادُهُ أُمُّ الْأَبِ وَأُمُّهَا وَإِنْ عَلَتْ، وَأُمُّ الْجَدِّ وَهُوَ مُرَادُهُ بِأُمِّ الْأَبِ وَأُمِّهَا وَإِنْ عَلَتْ وَلِذَلِكَ زَادَ وَأُمَّهَاتُهُمَا.
(وَفِي الْجَوَاهِرِ) وَأَمَّا الْجَدَّاتُ فَفَرْضُهُنَّ السُّدْسُ فِي الِانْفِرَادِ، وَالِاجْتِمَاعِ وَلَا يَرِثُ مِنْهُنَّ الِاثْنَتَانِ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهَا وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهَا فَقَوْلُهُ: " تَعَدُّدًا " مَنْصُوبٌ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ " وَأَكْثَرُ " فَاعِلُ يَحُزْ " وَثِنْتَيْنِ " صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ جَدَّتَيْنِ ثِنْتَيْنِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمُسْقِطٌ ذُو الْجِهَتَيْنِ الْبَيْت إلَى أَنَّ الْقَرِيبَيْنِ إذَا كَانَا فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ ذَا الْجِهَتَيْنِ يُسْقِطُ ذَا جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ كَأَخَوَيْنِ شَقِيقٍ وَلِأَبٍ وَعَمَّيْنِ وَابْنَيْ أَخٍ وَابْنَيْ عَمٍّ كَذَلِكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّقِيقَ يَحْجُبُ الَّذِي لِلْأَبِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَرْتَبَةِ فَذُو الْجِهَتَيْنِ مُبْتَدَأ وَمُضَافٌ
стр. 633
إلَيْهِ وَمُسْقِطٌ خَبَرُهُ، وَذَا جِهَةٍ مَفْعُولُ مُسْقِطٌ وَالْقُعْدُدُ الْمَرْتَبَةُ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ لَهُ حَجْبٌ بِحَاجِبِ الْبَيْتَ إلَى أَنَّ الْوَارِثَ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْحَجْبُ بِحَاجِبٍ مِنْ صِفَةِ ذَلِكَ الْحَاجِبِ أَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِغَيْرِهِ. أَقْرَبُ مِنْهُ فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْحَجْبُ أَوَّلًا يَجِبُ حَجْبُهُ أَيْضًا بِحَاجِبِ حَاجِبِهِ حَيْثُ يُعْدَمُ حَاجِبُهُ وَذَلِكَ كَابْنِ الْأَخِ فَإِنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْأَخِ، وَالْأَخُ مَحْجُوبٌ بِالْوَلَدِ فَإِنَّهُ إذَا عُدِمَ الْأَخُ بَقِيَ ابْنُ الْأَخِ مَحْجُوبًا بِحَاجِبِ الْأَخِ وَهُوَ الْوَلَدُ فَالْكَلَامُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ فَاَلَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْحَجْبُ ابْنُ الْأَخِ مَثَلًا وَهُوَ مَحْجُوبٌ بِحَاجِبٍ وَهُوَ الْأَخُ فَإِذَا عُدِمَ الْأَخُ بَقِيَ ابْنُ الْأَخِ مَحْجُوبًا بِحَاجِبِ الْأَخِ وَهُوَ الْوَلَدُ، وَكَذَلِكَ الْأَخُ لِلْأَبِ فَإِنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالشَّقِيقِ، وَالشَّقِيقُ مَحْجُوبٌ بِالِابْنِ فَإِذَا عُدِمَ الشَّقِيقُ بَقِيَ الْأَخُ لِلْأَبِ مَحْجُوبًا بِحَاجِبِ الشَّقِيقِ وَهُوَ الِابْنُ وَهَكَذَا فَجُمْلَةُ حُجِبَ صِفَةٌ لِ " حَاجِبِ ".
وَضَمِيرُ حَجْبُهُ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَجْبُ وَهُوَ ابْنُ الْأَخِ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي وَمَنْ مَوْصُولٌ بِمَعْنَى الَّذِي وَاَلَّذِي يَجِبُ لَهُ الْحَجْبُ أَيْ لِلْحَاجِبِ هُوَ الِابْنُ فِي الْمِثَالَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَفْظُ الشَّارِحِ كُلُّ مَنْ حَجَبَهُ حَاجِبٌ مَحْجُوبٌ بِحَاجِبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَحْجُوبَ بِالْحَاجِبِ الْمُتَوَسِّطِ حَالَ عَدَمِهِ مَحْجُوبٌ أَيْضًا بِحَاجِبِ ذَلِكَ الْحَاجِبِ الْمُتَوَسِّطِ اهـ وَمَعْنَاهُ كَمَا قَرَّرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، إلَّا أَنَّ الْبَيَانَ فِي تَقْرِيرِنَا أَكْثَرُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَإِخْوَةُ الْأُمِّ الْبَيْتَ إلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ مَحْجُوبُونَ بِعَمُودَيْ النَّسَبِ وَهُمَا الْأَوْلَادُ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا وَالْآبَاءُ هُمْ الْأَبُ وَالْجَدُّ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَا لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ إلَّا فِي الْكَلَالَةِ وَهِيَ كَمَا قِيلَ
وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْكَلَالَةِ ... هِيَ انْقِطَاعُ النَّسْلِ لَا مَحَالَّهْ
لَا وَالِدٌ يَبْقَى وَلَا مَوْلُودُ ... قَدْ ذَهَبَ الْأَبْنَاءُ وَالْجُدُودُ
وَذَلِكَ كُلُّهُ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ حَجْبِ النَّقْلِ إلَى فَرْضٍ]
ٍ
وَالْأَبُ مَعَ فُرُوضِ الِاسْتِغْرَاقِ ... وَالنَّقْصُ يَحْوِي السُّدْسَ بِالْإِطْلَاقِ
كَذَاكَ يَحْوِي مَعَ ذُكْرَانِ الْوَلَدْ ... أَوْ وَلَدِ ابْنٍ مِثْلِهِمْ سُدُسًا فَقَدْ
وَالسُّدْسُ مَعْ أُنْثَى مِنْ الصِّنْفَيْنِ لَهْ ... وَالْبَاقِي بِالتَّعْصِيبِ بَعْدُ حَصَّلَهْ
ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ النَّقْلَ مِنْ التَّعْصِيبِ إلَى الْفَرْضِ فَذَكَرَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ فِي فَرِيضَةٍ يَسْتَغْرِقهَا وَرَثَتُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عَادِلَةً كَبِنْتَيْنِ، وَأَبٍ، وَأُمٍّ، أَوْ عَائِلَةً كَزَوْجٍ، وَأُمٍّ، وَبِنْتٍ، وَأَبٍ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّعْصِيبِ، وَيَصِيرُ ذَا فَرْضٍ فَلَهُ مِنْ الْفَرِيضَةِ الْأُولَى السُّدْسُ وَاحِدٌ، وَلَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ السُّدْسُ اثْنَانِ فَتَعُولُ الثَّلَاثَةَ عَشْرَ لِأَجْلِ سُدُسِ الْأَبِ وَلَوْ بَقِيَ عَاصِبًا لَأَخَذَ الْوَاحِدُ الْبَاقِيَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَا يَحْتَاجُ لِعَوْلٍ وَكَذَلِكَ فِي الَّتِي يَسْتَغْرِقُهَا وَرَثَتُهَا وَهِيَ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِالنَّقْصِ كَأَبٍ، وَبِنْتٍ مِنْ سِتَّةٍ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْأَبِ السُّدْسُ بِالْفَرْضِ وَاحِدٌ، وَاثْنَانِ بِالتَّعْصِيبِ فَقَدْ انْتَقَلَ لِلْفَرْضِ أَيْضًا.
وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ مِنْ الْوَرَثَةِ فَهُوَ عَاصِبٌ إلَّا الزَّوْجَ، وَالْأَخَ لِلْأُمِّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ فِيهِ أَنَّ الْأَبَ لَهُ السُّدْسُ فِي فُرُوضِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَالنَّقْصُ أَيْ فِي الْفَرِيضَةِ الْعَادِلَةِ، وَالْعَائِلَةِ، وَالنَّاقِصَةِ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْعَادِلَةِ يَأْخُذُ السُّدْسَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَلَا نَقْصٍ، وَفِي الْعَائِلَةِ يَأْخُذُ السُّدْسَ إلَّا مَا نَقَصَهُ الْعَوْلُ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فِي الْمِثَالِ الْمُتَقَدِّمِ وَفِي النَّاقِصَةِ يَأْخُذُ السُّدْسَ، وَالْبَاقِي بِالتَّعْصِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي الْأَبِ كُلُّهُ يَجْرِي فِي الْجَدِّ
стр. 634
كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ هَذِهِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي أَنَّ الْأَبَ يَرِثُ بِالْفَرْضِ السُّدْسَ أَيْضًا مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا، وَكَذَلِكَ يَرِثُ مَعَ الِابْنِ السُّدْسَ فَقَطْ بِالْفَرْضِ وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْوَلَدِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ، وَالْأُنْثَى زَادَ قَوْلَهُ: مِثْلِهِمْ أَيْ مِثْلِ وَلَدِ الصُّلْبِ فِي كَوْنِهِمْ ذُكُورًا، وَسُدُسًا بِسُكُونِ الدَّالِ مَفْعُولُ يَحْوِي، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ الْأَبِ وَقَدْ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى حَسْبُ ثُمَّ، ذَكَرَ فِي الْبَيْتِ الثَّالِثِ أَنَّ الْأَبَ مَعَ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ الصُّلْبِ، أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ وَهُوَ الَّذِي يَعْنِي بِالصِّنْفَيْنِ لَهُ السُّدْسُ أَيْضًا بِالْفَرْضِ وَالْبَاقِي يُحَصِّلُهُ بِالتَّعْصِيبِ وَهَذَا الْمَعْنَى تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَالنَّقْصُ يَحْوِي السُّدْسَ وَصَرَّحَ هُنَا زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى السُّدْسِ يَأْخُذُهُ بِالتَّعْصِيبِ.
(قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ) وَأَمَّا النَّقْلُ مِنْ تَعْصِيبٍ إلَى فَرْضٍ فَيَخْتَصُّ بِالْأَبِ، وَالْجَدِّ يَنْقُلُهُمَا الِابْنُ، وَابْنُهُ إلَى السُّدْسِ وَلَا يَرِثَانِ مَعَ هَذَيْنِ بِالتَّعْصِيبِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا إنْ اسْتَغْرَقَتْ السِّهَامُ الْمَالَ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِأَيِّهِمَا كَانَ السُّدْسُ كَزَوْجٍ، وَابْنَتَيْنِ، وَأَبٍ أَوْ جَدٍّ (وَفِي الْمُقَرِّبِ) وَمِيرَاثُ الْأَبِ السُّدْسُ مَعَ الْوَلَدِ وَمَعَ، وَلَدِ الْوَلَدِ وَلَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْوَرَثَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَقِيَ أَقَلَّ مِنْ السُّدْسِ فَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْهِ، وَزَوْجَتَهُ وَأَبَاهُ لَكَانَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَلِلزَّوْجَةِ الثُّمْنُ وَيَبْقَى السُّدْسُ، وَرُبُعُ السُّدْسِ يَأْخُذُهُ الْأَبُ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ زِيَادَةُ أُمٍّ، أَوْ جَدَّةٍ لِأُمٍّ لَمْ يَبْقَ لِلْأَبِ إلَّا رُبُعُ السُّدْسِ فَهَهُنَا يَرِثُونَ الْفَرِيضَةَ، وَلَا يُنْقَصُ الْأَبُ مِنْ السُّدْسِ إلَّا مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَوْلِ اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ.
وَهَذِهِ هِيَ الْمِنْبَرِيَّةُ زَوْجَةٌ، وَأَبَوَانِ، وَاِبْنَتَانِ إنْ قُدِّمَ الْأَبَوَانِ، وَالْبِنْتَانِ بَقِيَتْ الزَّوْجَةُ وَلَهَا ثَلَاثَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ثُمُنُهَا وَإِنْ قُدِّمَتْ الْبِنْتَانِ، وَالزَّوْجَةُ، وَأَحَدُ الْأَبَوَيْنِ لَمْ يَبْقَ لِلْآخَرِ إلَّا وَاحِدٌ رُبُعُ السُّدْسِ وَهُوَ لَا يُنْقَصُ عَنْ السُّدْس فَتَعُولُ بِثَلَاثَةٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَتَبْلُغَ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ سَهْمًا
وَالْجَدُّ مِثْلُ الْأَبِ مَعْ مَنْ ذُكِرَا ... حَالًا بِحَالٍ فِي الَّذِي تَقَرَّرَا
وَزَادَ بِالثُّلْثِ إنْ الرَّجْحُ ظَهَرْ ... مَعْ صِنْفِ إخْوَةٍ وَقَسْمٍ كَذَكَرْ
وَالسُّدْسُ إنْ يَرْجَحْ لَهُ مَتَى صَحِبْ ... أَهْلَ. الْفُرُوضِ صِنْفُ إخْوَةٍ يَجِبْ
أَوْ قِسْمَةُ السَّوَاءِ فِي الْبَقِيَّهْ ... أَوْ ثُلْثُهَا إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّهْ
فَالْعَوْلُ لِلْأُخْتِ بِهَا قَدْ أُعْمِلَا ... وَاجْمَعْهُمَا وَاقْسِمْ وَجَدًّا فَضِّلَا
وَالْقَسْمُ مَعْ شَقَائِقَ وَمَنْ لِأَبْ ... مَعًا لَهُ وَعَدُّ كُلِّهِمْ وَجَبْ
وَحَظُّ مَنْ لِلْأَبِ لِلْأَشِقَّا ... وَحْدَهُمْ يَكُونُ مُسْتَحَقَّا
ذَكَر فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجَدَّ مِثْلُ الْأَبِ فِي جَمِيعِ الْأَوْجُهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي شَرْحِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَبْيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ وَكَوْنُهُ يَنْتَقِلُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّعْصِيبِ وَيَصِيرُ ذَا فَرْضٍ فَيُفْرَضُ لَهُ السُّدْسُ فِي الْفَرِيضَةِ الْعَادِلَةِ وَالْعَائِلَةِ وَالنَّاقِصَةِ وَمَا يَفْضُل فِي النَّاقِصَةِ يَأْخُذُهُ بِالتَّعْصِيبِ وَيُفْرَض لَهُ السُّدْسُ مَعَ الِابْنِ أَوْ ابْنِ الِابْنِ وَلَيْسَ لَهُ سِوَاهُ. الْمُرَادُ بِمَنْ ذُكِرَ ذَوُو الْفُرُوضِ فِي الْفَرِيضَةِ الْعَادِلَةِ وَالْعَائِلَةِ وَالنَّاقِصَةِ وَالِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَقِيَّةِ الْأَبْيَاتِ ثَلَاثَ حَالَاتٍ مِنْ حَالَاتِ الْجَدِّ: الْأُولَى إذَا اجْتَمَعَ الْجَدُّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَكَانُوا صِنْفًا وَاحِدًا إمَّا شَقَائِقُ كُلُّهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ لِأَبٍ وَإِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَزَادَ بِالثُّلُثِ الْبَيْتَ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا اجْتَمَعَ الْجَدُّ وَالْإِخْوَةُ وَذَوُو الْفُرُوضِ.
وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَالسُّدْسُ إنْ يَرْجَحْ لَهُ إلَى قَوْلِهِ وَجَدًّا فَضِّلَا وَالْمُرَادُ بِالْإِخْوَةِ الْجِنْسُ فَيَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَالْمُتَعَدِّدَ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ الْأَشِقَّاءُ وَاَلَّذِينَ لِلْأَبِ مَعَ الْجَدِّ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَالْقَسْمُ مَعْ شَقَائِق وَمَنْ لِأَبْ
الْبَيْتَيْنِ وَهَذِهِ الْحَالَاتُ الثَّلَاثُ يَخْتَصُّ بِهَا الْجَدُّ عَنْ الْأَبِ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ مَعَ الْجَدِّ يَرِثُونَ فَاحْتِيجَ إلَى بَيَانِ مَا يَرِثُونَ وَمَعَ الْأَبِ مَحْجُوبُونَ بِهِ فَلَا تُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْحَالَاتُ إلَّا مَعَ الْجَدِّ وَلِذَا عَبَّرَ بِالزِّيَادَةِ فَقَالَ وَزَادَ بِالثُّلُثِ إلَخْ أَيْ زَادَ الْجَدُّ عَلَى الْأَبِ بِكَذَا.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ النَّقْلِ عَنْ التَّعْصِيبِ إلَى الْفَرْضِ قَوْله وَزَادَ بِالثُّلُثِ الْبَيْتَ يَعْنِي أَنَّ الْجَدَّ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْإِخْوَةِ وَهُمْ صِنْفٌ
стр. 635
وَاحِدٌ أَشِقَّاءُ كُلُّهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ لِأَبٍ فَإِنَّ لَهُ الْأَفْضَلَ بِمَا تُخْرِجُهُ الْمُقَاسَمَةُ أَوْ الثُّلُثَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالْمُقَاسَمَةُ: أَنْ يُقَدَّرَ أَخًا كَوَاحِدٍ مِنْ الْإِخْوَةِ وَلَا فَرْقَ فِي الْإِخْوَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا أَوْ مُجْتَمِعِينَ وَيُعَدُّ لِلذَّكَرِ بِرَأْسَيْنِ وَالْأُنْثَى بِرَأْسٍ، فَإِذَا كَانَ الْجَدُّ مَعَ أَخٍ وَاحِدٍ فَالْمُقَاسَمَةُ أَفْضَلُ لَهُ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ النِّصْفَ حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ تَكُونُ الْمُقَاسَمَةُ أَفْضَلُ مَعَ أُخْتٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ لَهُ مَعَهَا الثُّلُثَيْنِ وَكَذَلِكَ مَعَ أُخْتَيْنِ لِأَنَّ لَهُ مَعَهُمَا النِّصْفَ وَكَذَلِكَ مَعَ ثَلَاثٍ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ إذْ ذَاكَ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسٍ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَقَامَ الْجَامِعَ لِلْأَثْلَاثِ، وَالْأَخْمَاسِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا تِسْعَةٌ، وَثُلُثُهَا خَمْسَةٌ.
وَكَذَلِكَ مَعَ أَخٍ وَأُخْتٍ لِأَنَّ لَهُ مَعَهُمَا خُمُسَيْنِ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ خُمُسَيْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ سِتَّةٌ، وَثُلُثهَا خَمْسَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ مَعَ خَمْسِ أَخَوَاتٍ فَأَكْثَرَ فَالثُّلُثُ أَفْضَلُ لَهُ لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ سُبُعَيْنِ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَقَامَ الْجَامِعَ لِلْأَثْلَاثِ، وَالْأَسْبَاعِ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ، وَسُبْعَاهَا سِتَّةٌ، وَثُلُثهَا سَبْعَةٌ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَ ثَلَاثِ إخْوَةٍ ذُكُورٍ لَهُ الرُّبُعُ فَالثُّلُثُ أَفْضَلُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ أَخٍ وَثَلَاثِ أَخَوَاتٍ لِأَنَّ لَهُ سُبُعَيْنِ أَيْضًا فَالثُّلُثُ أَفْضَلُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ أَخَوَيْنِ أَوْ أَرْبَعِ أَخَوَاتٍ اسْتَوَتْ الْمُقَاسَمَةُ وَالثُّلُثُ.
(قَالَ الشَّارِحُ) فَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ فَأَقَلُّ أَوْ أَخٌ وَاحِدٌ فَالْمُقَاسَمَةُ أَفْضَلُ، وَإِنْ كُنَّ خَمْسَ أَخَوَاتٍ أَوْ ثَلَاثَ إخْوَةٍ فَأَكْثَرَ فَالثُّلُثُ أَفْضَلُ لَهُ وَإِنْ كُنَّ أَرْبَعَ أَخَوَاتٍ أَوْ أَخَوَيْنِ فَتَسْتَوِي الْمُقَاسَمَةُ وَالثُّلُثُ فَقَوْلُهُ
وَزَادَ بِالثُّلُثِ إنْ الرَّجْحُ ظَهَرْ
مَعْنَاهُ الْجَدُّ مَعَ الْإِخْوَةِ يَأْخُذُ الثُّلُثَ إنْ ظَهَرَ كَوْنُهُ أَرْجَحَ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ كَالْأَمْثِلَةِ الْأَخِيرَةِ وَقَوْلُهُ: وَقَسْمٍ عَطْفٌ عَلَى بِالثُّلُثِ أَيْ وَزَادَ الْجَدُّ أَيْضًا بِالْقَسْمِ مَعَ الْإِخْوَةِ وَيَكُونُ كَذَكَرٍ مِنْهُمْ يَعْنِي إنْ ظَهَرَ الرُّجْحَانُ فِي الْقَسْمِ عَلَى الثُّلُثِ أَيْضًا كَالْأَمْثِلَةِ الْأُولَى قَالُوا وَفِي قَوْلِهِ وَقَسْمٌ بِمَعْنَى أَوْ.
وَقَوْلُهُ: وَالسُّدْسُ إنْ يَرْجَحْ لَهُ الْأَبْيَاتُ الثَّلَاثَة يَعْنِي إذَا اجْتَمَعَ فِي الْفَرِيضَةِ الْجَدُّ، وَالْإِخْوَةُ، وَذُو الْفَرَائِضِ فَإِنَّ لِلْجَدِّ الْأَفْضَلَ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا السُّدْسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ مُقَاسَمَةُ الْإِخْوَةِ فِي الْبَاقِي بَعْدَ ذَوِي الْفُرُوض، أَوْ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَوِي الْفُرُوضِ أَيْضًا، فَمِثَالُ أَفْضَلِيَّةِ السُّدْسِ زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَجَدٌّ، وَأَخَوَانِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ إنْ أَخَذَ السُّدْسَ أَخَذَ وَاحِدًا كَامِلًا وَإِنْ قَاسَمَ فِي الْبَاقِي أَخَذَ ثُلُثَيْ الْوَاحِدِ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَأْخُذُ ثَلَاثَةً وَالْأُمُّ وَاحِدًا يَبْقَى اثْنَانِ لِلْجَدِّ وَالْأَخَوَيْنِ اثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ثُلُثَانِ وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ.
وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَالسُّدْسُ إنْ يَرْجَحْ لَهُ مَتَى صَحِبْ ... أَهْلَ الْفُرُوضِ صِنْفُ إخْوَةٍ يَجِبْ
فَالسُّدْسُ بِسُكُونِ الدَّالِ مُبْتَدَأٌ، وَجُمْلَةُ يَجِبُ خَبَرُهُ، وَفَاعِلُ يَجِبُ ضَمِيرُ السُّدْسِ وَكَذَا فَاعِلُ يَرْجَحْ، وَلَهُ يَتَعَلَّقُ بِيَرْجَحُ، وَأَهْلَ مَفْعُولُ صَحِبَ وَصِنْفُ فَاعِلُهُ وَضَمِيرُ لَهُ لِلْجَدِّ وَإِنْ يَرْجَحْ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ السُّدْسِ أَيْ يَجِبُ السُّدْسُ لِلْجَدِّ إنْ كَانَ أَرْجَحَ لَهُ وَأَفْضَلَ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ وَثُلُثُ الْبَاقِي وَذَلِكَ حَيْثُ يَجْتَمِعُ فِي الْفَرِيضَةِ صِنْفُ الْإِخْوَةِ وَأَهْلُ الْفُرُوضِ وَمِثَالُ أَفْضَلِيَّةِ الْمُقَاسَمَةِ فِي الْبَاقِي بَعْدَ ذَوِي الْفُرُوضِ زَوْجَةٌ وَجَدٌّ وَجَدَّةٌ وَأَخٌ.
الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشْرَ لِأَجْلِ الرُّبُعِ وَالسُّدْسِ إنْ أَخَذَ السُّدْسَ أَخَذَ اثْنَيْنِ وَإِنْ قَاسَمَ أَخَذَ ثَلَاثَةً وَنِصْفًا لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعَ ثَلَاثَةٌ وَلِلْجَدَّةِ السُّدْسَ اثْنَانِ وَيَبْقَى سَبْعَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ لِلْجَدِّ نِصْفُهَا وَلَوْ أَخَذَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ لَأَخَذَ اثْنَيْنِ وَثُلُثًا وَمِثَالُ أَفْضَلِيَّةِ ثُلُثِ مَا بَقِيَ زَوْجَةٌ وَجَدٌّ، وَثَلَاثَةُ إخْوَةٍ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَيْضًا فَالسُّدْسُ اثْنَانِ وَلَهُ فِي الْمُقَاسَمَةِ اثْنَانِ وَرُبُعٌ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ ثَلَاثَةً تَبْقَى تِسْعَةٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَإِنْ أَخَذَ ثُلُثَ الْبَاقِي أَخَذَ ثَلَاثَةً وَهِيَ أَفْضَلُ لَهُ مِنْ السُّدْسِ وَالْمُقَاسَمَةِ.
وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ أَوْ قِسْمَةُ السَّوَاءِ فِي الْبَقِيَّةِ أَوْ ثُلُثِهَا وَضَمِيرُ ثُلُثِهَا لِلْبَقِيَّةِ وَقَدْ تَسْتَوِي الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ كَزَوْجٍ، وَجَدٍّ، وَأَخَوَيْنِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ إنْ أَخَذَ السُّدْسَ كَانَ لَهُ وَاحِدٌ كَذَلِكَ إنْ قَاسَمَ وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ ثُلُثَ الْبَاقِي وَإِلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ أَشَارَ التِّلْمِسَانِيُّ بِقَوْلِهِ
وَإِنْ يَكُونُوا مَعْ ذَوِي السُّهْمَانِ ... مِنْ جُمْلَةِ الْإِنَاثِ وَالذُّكْرَانِ
كَانَ لَهُ الْأَفْضَلُ مِنْ ثَلَاثِ ... السُّدْسُ أَوَّلًا مِنْ الْمِيرَاثِ
أَوْ ثُلْثُ مَا تُبْقِي الْمَوَارِيثُ لَهُمْ ... مَبْدَأً وَإِنْ يَشَأْ قَاسَمَهُمْ
следующие страницы →