Полный текст (1 543 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
كَالْحَجْرِ بِأَنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ الْتَقَطَهُ، وَهُوَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَادَّعَتْ امْرَأَةٌ حُرَّةُ الْأَصْلِ أَنَّهُ أَخُوهَا تُرِيدُ قَصْرَ يَدِ الْمُلْتَقِطِ لِمَالِهَا مِنْ حَقِّ الْحَضَانَةِ وَأَرَادَتْ اسْتِحْلَافَهُ فَنَكَلَ ثَبَتَ حَقُّ نَقْلِ الصَّبِيِّ إلَى حِجْرِهَا وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَكَذَا الْعِتْقُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ بِأَنْ ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى مَوْلَاهُ أَنَّهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهُ أَوْ أَرَادَ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَقَالَ الْمَوْهُوبُ: لَهُ أَنَا أَخُوك فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُسْتَحْلَفُ عَلَى مَا يَدَّعِي بِالْإِجْمَاعِ (وَفِي الْقِصَاصِ) أَيْ يَحْلِفُ جَاحِدُ الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ بِالِاتِّفَاقِ (فَإِنْ نَكَلَ فِي) دَعْوَى (النَّفْسِ) لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ بَلْ (حُبِسَ حَتَّى يُقِرَّ) فَيُقْتَصَّ مِنْهُ (أَوْ يَحْلِفَ) فَيُطْلَقَ عَنْ الْحَبْسِ وَإِلَّا يُحْبَسُ أَبَدًا.
(وَ) إنْ نَكَلَ (فِيمَا دُونَهَا) أَيْ النَّفْسِ (يُقْتَصُّ) مِنْهُ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ الْأَمْوَالِ وَلِهَذَا أُبِيحَ قَطْعُهَا لِلْحَاجَةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَاطِعِ الضَّمَانُ إذَا قَطْعَهَا بِأَمْرِ صَاحِبِهَا بِخِلَافِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ بِأَمْرِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي رِوَايَةٍ وَالدِّيَةُ فِي أُخْرَى وَإِذَا سَلَكَ بِالْأَطْرَافِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ يَجْرِي فِيهِ الْبَذْلُ كَمَا يَجْرِي فِي الْأَمْوَالِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَمَا قَالَهُ أَبُو الْمَكَارِمِ مِنْ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لَزِمَ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ بِالنُّكُولِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ لَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّ قَوَدَ الطَّرَفِ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ كَالْأَمْوَالِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا تَدَبَّرْ.
(وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ الْأَرْشَ فِيهِمَا) أَيْ فِي صُورَتَيْ دَعْوَى النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ عِنْدَهُمَا لَكِنْ فِيهِ شُبْهَةُ الْبَذْلِ فَيُمْتَنَعُ فِي الطَّرَفِ بِمَا فِيهِ شُبْهَةُ الْقِصَاصِ كَمَا فِي النَّفْسِ فَيَجِبُ الْمَالُ فِيهِمَا لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ خُصُوصًا إذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْخَطَأِ وَالْوَلِيُّ يَدَّعِي الْعَمْدَ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُقْتَصُّ فِيهِمَا بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعِي عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي دَعْوَاهُ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أُصُولِهِمْ (فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ) فِي الْمِصْرِ (وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَا يَحْلِفُ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ فَإِذَا طَالَبَهُ يُجِيبُهُ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ ثُبُوتَ الْيَمِينِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ دُونَهُ وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَمَعَ الْإِمَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى، هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ الْخِلَافَ تَدَبَّرْ.
قَيَّدَنَا بِالْمِصْرِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَا يَحْلِفُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَ الْمِصْرِ يَحْلِفُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَقُدِّرَتْ الْغَيْبَةُ بِمَسِيرَةِ السَّفَرِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَحُضُورُهَا فِي الْمِصْرِ، وَهُوَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ وَظَاهِرُ مَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: الِاسْتِحْلَافُ يَجْرِي فِي الدَّعَاوَى الصَّحِيحَةِ إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَقُولُ الْمُدَّعِي: لَا شُهُودَ لِي أَوْ شُهُودٌ لِي غُيَّبٌ
стр. 1017
أَوْ مَرْضَى.
وَفِي الْبَحْرِ ادَّعَى الْمَدْيُونُ الْإِيصَالَ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَطَلَبَ يَمِينَهُ فَقَالَ الْمُدَّعِي اجْعَلْ حَقِّي فِي الْخَتْمِ ثُمَّ اسْتَحْلِفْنِي فَلَهُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا (وَيَكْفُلُ) مِنْ التَّكْفِيلِ (بِنَفْسِهِ) أَيْ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ كَيْ لَا يَغِيبَ فَيُضَيِّعَ حَقَّهُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكْفُلَ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَفِيلُ مَعْرُوفًا ثِقَةً وَلَا يُتَوَهَّمُ اخْتِفَاؤُهُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ وَحَانُوتٌ مِلْكًا لَهُ وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ حَتَّى لَوْ غَابَ الْأَصِيلُ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ فَيَقْضِي عَلَيْهِ وَصَحَّ أَنْ يَكُونَ كَفِيلًا وَوَكِيلًا وَإِنْ أَعْطَاهُ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْكَفِيلِ بِنَفْسِ الْوَكِيلِ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى مَنْقُولًا فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ مَعَ ذَلِكَ كَفِيلًا بِالْعَيْنِ لَيُحْضِرَهَا وَلَا يُغَيِّبُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَكْفُلُهُ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمُدَّعِي وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي جَاهِلًا بِالْخُصُومَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا فَلَا يَكْفُلُهُ الْقَاضِي بِلَا طَلَبِهِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ، هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ إلَى جُلُوسِ الْقَاضِي مَجْلِسًا آخَرَ وَقِيلَ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِرَأْيِ الْإِمَامِ وَلَا فَرْقَ فِي الظَّاهِرِ بَيْنَ الْوَجِيهِ وَالْحَقِيرِ وَكَذَا بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنْ الْمَالِ وَالْكَثِيرِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْخَصْمَ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُخْفِي نَفْسَهُ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لِلتَّكْفِيلِ وَمَعْنَاهُ فِي الْمِصْرِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ لَا يَكْفُلُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ يَحْلِفُ فَإِذَا حَضَرَ بَعْدَمَا حَلَفَ نَقْبَلُ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَقَالَ لِي بَيِّنَةٌ فَإِنَّ الْقَاضِي يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ.
وَفِي الْبَحْرِ ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً عَلَى الْعَفْوِ أُجِلَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ وَقَالَ لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ يَقْضِي بِالْقِصَاصِ قِيَاسًا كَالْأَمْوَالِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُؤَجِّلُ اسْتِعْظَامًا لِأَمْرِ الدَّمِ (فَإِنْ أَبَى) عَنْ إعْطَاءِ الْكَفِيلِ (لَازَمَهُ) مِقْدَارَ مُدَّةِ التَّكْفِيلِ (وَدَارَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْغَرِيمِ (حَيْثُ دَارَ) تَفْسِيرُ الْمُلَازَمَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الصُّغْرَى رَأَيْت فِي زِيَادَاتِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الطَّالِبَ لَوْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ بِمُلَازَمَةِ مَدْيُونِهِ فَلِلْمَدْيُونِ أَنْ لَا يَرْضَى عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَجَعَلَهُ فَرْعًا لِمَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ رِضَى الْخَصْمِ لَكِنْ لَا يَحْبِسُهُ فِي مَوْضِعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَبْسٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الدَّعْوَى وَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ بَلْ هُوَ يَتَصَرَّفُ وَالْمُدَّعِي يَدُورُ مَعَهُ وَإِذَا انْتَهَى الْمَطْلُوبُ إلَى دَارِهِ فَإِنَّ الطَّالِبَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ إلَى أَهْلِهِ بَلْ يَدْخُلُ الْمَطْلُوبُ إلَى أَهْلِهِ وَالْمُلَازِمُ عَلَى بَابِ دَارِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَطْلُوبُ (غَرِيبًا يُكْفَلُ أَوْ يُلَازَمُ قَدْرَ مَجْلِسِ الْقَاضِي) إلَى أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ وَالْمُلَازَمَةِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إضْرَارًا بِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ السَّفَرِ وَلَا ضَرَرَ فِي، هَذَا
стр. 1018
الْمِقْدَارِ ظَاهِرًا فَإِنْ بَرْهَنَ فِي الْمَجْلِسِ فَبِهَا وَإِلَّا يُحَلِّفُهُ إنْ شَاءَ أَوْ يَدَعُهُ (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ (وَقِيلَ أَنَّ إلَخْ الْخَصْمَ صَحَّ) الْيَمِينُ (بِهِمَا) أَيْ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (فِي زَمَانِنَا) لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لَكِنْ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا حَتَّى لَوْ قَضَى لَا يَنْفُذُ وَإِنَّمَا أَتَى بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِنَا لَمْ يُجَوِّزُوهُ.
وَفِي الْبَحْرِ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ فِي زَمَانِنَا وَالصَّحِيحُ مَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
(وَتُغَلَّظُ) الْيَمِينُ (بِذَكَرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى) أَيْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالَمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ مَا لِفُلَانٍ، هَذَا عَلَيْك وَلَا قِبَلَك، هَذَا الْمَالُ الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ (إنْ شَاءَ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ شَتَّى فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ عَنْ الْيَمِينِ بِالتَّغْلِيظِ وَيَتَجَاسَرُ عِنْدَ عَدَمِهِ فَتُغَلَّظُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ بِذَلِكَ وَالِاخْتِيَارُ فِي صِفَةِ التَّغْلِيظ إلَى الْقَاضِي يَزِيدُ فِيهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُصُ مَا شَاءَ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاطُ (وَيَحْتَرِزُ مِنْ التَّكْرَارِ) أَيْ يَحْتَرِزُ عَنْ عَطْفِ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْبَعْضِ وَإِلَّا لَتَعَدَّدَ الْيَمِينُ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعَطْفِ فَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَنَكَلَ عَنْ الْبَاقِي لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ أَتَى بِهَا وَلَوْ لَمْ تُغَلَّظْ جَازَ وَقِيلَ لَا تُغَلَّظُ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِالصَّلَاحِ وَقِيلَ تُغَلَّظُ فِي الْخَطِيرِ مِنْ الْمَالِ دُونَ الْحَقِيرِ (لَا) تُغَلَّظُ (بِزَمَانٍ) عَلَى الْمُسْلِمِ بِأَنْ يُسْتَحْلَفَ فِي أَوَّلِ الْجُمُعَةِ أَوْ آخِرِهَا أَوْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرُ الْمُدَّعِي (أَوْ مَكَان) بِأَنْ يُسْتَحْلَفَ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا زَائِدَةٌ عَلَى النَّصِّ.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَلَا يُسْتَحَبُّ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ بِهِمَا انْتَهَى وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لَكِنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَلَا يُشْرَعُ تَدَبَّرْ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجُوزُ أَنْ تُغَلَّظُ بِهِمَا أَيْضًا إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي قَسَامَةٍ وَلِعَانٍ وَمَالٍ عَظِيمٍ (وَيَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ﵊ وَ) يَحْلِفُ (النَّصْرَانِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ
стр. 1019
عَلَى عِيسَى ﵊) فَتُؤَكَّدُ الْيَمِينُ بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِمَا (وَ) يُحَلَّفُ (الْمَجُوسِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ) ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ النَّارَ تَعْظِيمَ الْعِبَادَةِ فَتُؤَكَّدُ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مُعَظَّمًا لِيُفِيدَ فَائِدَةَ الْيَمِينِ، وَقِيلَ إنَّ الْمَجُوسِيَّ حُلِّفَ بِاَللَّهِ لَا غَيْرَ كَمَا لَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الشَّمْسَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ النَّارِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى يُشْعِرُ تَعْظِيمَهَا وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَظَّمَ بِخِلَافِ الْكِتَابَيْنِ؛ لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعَالَى مُعَظَّمَةٌ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ أَحَدٌ إلَّا بِاَللَّهِ خَالِصًا.
(وَ) يَحْلِفُ (الْوَثَنِيُّ بِاَللَّهِ) فَحَسْبُ إذْ يُقِرُّ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ خَالِقُهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَرَةَ بِأَسْرِهِمْ يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ تَعَالَى أَنَّهُ خَالِقُ الْعَالَمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] هَكَذَا قَالُوا.
وَفِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّهْرِيَّةَ مِنْهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَهُ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ الْوَثَنِيَّ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُهُ انْتَهَى.
لَكِنْ يُمْكِنُ أَنَّ الدَّهْرِيَّ هُوَ مَنْ يَقُولُ بِقَدَمِ الدَّهْرِ وَبِإِسْنَادِ الْحَوَادِثِ إلَيْهِ وَيَقُولُونَ: إنَّ مَبْدَأَ الْمُمْكِنَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قِيلَ فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ اعْتِقَادِهِمْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَمُ دَلَالَةِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّ الدَّهْرِيَّةَ يَعْتَقِدُونَ الدَّهْرَ الْقَدِيمَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ اعْتِقَادِهِمْ تَأَمَّلْ.
(وَلَا يَحْلِفُونَ) أَيْ الْكُفَّارُ (فِي مَعَابِدِهِمْ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لَهَا وَالْقَاضِي مَمْنُوعٌ عَنْ أَنْ يَحْضُرَهَا وَكَذَا أَمِينُهُ؛ لِأَنَّهَا مَجْمَعُ الشَّيَاطِينِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الدُّخُولِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَقَدْ أَفْتَيْتُ بِتَعْزِيرِ مُسْلِمٍ لَازَمَ الْكَنِيسَةَ مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (وَيَحْلِفُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَلَى الْحَاصِلِ) ، هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ وَالسَّبَبِ وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ إمَّا إنْ كَانَ مِمَّا يَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِنْ تَضَرَّرَ الْمُدَّعِي بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْحَاصِلِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعَلَى السَّبَبِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ شَرَعَ فِي تَفْصِيلِهِ فَقَالَ (فَفِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ) : تَحْلِفُ (بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ) فِي الْحَالِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ (أَوْ نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ) إذَا ادَّعَتْ النَّفَقَةَ فَلَوْ ادَّعَتْ النِّكَاحَ كَانَ الْمِثَالُ عَلَى مَذْهَبِهِمَا فِي التَّحْلِيفِ وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَحْلِفُ كَمَا مَرَّ (وَفِي الطَّلَاقِ) بِاَللَّهِ (مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْك الْآنَ) إذَا ادَّعَتْ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ فَلَوْ ادَّعَتْ رَجْعِيًّا حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَّ الْحَاصِلَ فِي الظَّاهِرِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ سَبَبَ الْحَاصِلِ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ فِعْلِ الْعَقْدِ يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ فِعْلٍ آخَرَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَفِي الْغَصْبِ) بِاَللَّهِ (مَا يَجِبُ عَلَيْك رَدُّهُ) أَيْ رَدُّ الْمَغْصُوبِ (وَفِي الْوَدِيعَةِ) بِاَللَّهِ (مَالَهُ، هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ فِي يَدَك وَلَا شَيْءَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الَّذِي فِي يَدَك (وَلَا لَهُ قِبَلَك حَقٌّ) .
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَيُحَلِّفُهُ فِي الدَّيْنِ بِاَللَّهِ مَالَهُ عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ وَالْقَرْضِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَدَّى الْبَعْضَ
стр. 1020
أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ عَلَى الْجَمِيعِ (لَا) يَحْلِفُ (عَلَى السَّبَبِ نَحْوُ) أَنْ يَقُولَ فِي الْبَيْعِ (بِاَللَّهِ مَا بِعْته) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ بَاعَ ثُمَّ أَقَالَ وَلَا يَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ بِاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ نَكَحَهَا ثُمَّ خَالَعَهَا أَوْ أَبَانَهَا وَلَا يَحْلِفُ فِي الطَّلَاقِ بِاَللَّهِ مَا طَلَّقَهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا وَلَا يَحْلِفُ فِي الْغَصْبِ بِاَللَّهِ مَا غَصَبْته لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ غَصَبَ ثُمَّ سَلَّمَ أَوْ مَلَكَ بِالْهِبَةِ أَوْ بِالْبَيْعِ وَلَا يَحْلِفُ فِي الْوَدِيعَةِ بِاَللَّهِ مَا أَوْدَعْتُك، هَذَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُودَعهُ ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَحْلِفُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ عَلَى السَّبَبِ فَلَوْ حَلَفَ يَتَضَرَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ مَثَلًا عَلَى نَفْيِ الْبَيْعِ يَكُونُ كَاذِبًا، وَلَوْ لَمْ يَحْلِفْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ الْعَائِدِ إلَى مِلْكِهِ بِالْإِقَالَةِ، وَهَكَذَا فِي الْبَوَاقِي (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُسْتَوْفَى لِحَقِّ الْمُدَّعِي فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ مُوَافَقَةٌ لِدَعْوَاهُ وَالْمُدَّعِي هُوَ السَّبَبُ إلَّا عِنْدَ تَعْرِيضِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لِلْقَاضِي لَا تُحَلِّفْنِي فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ شَيْئًا ثُمَّ يُقِيلُهُ فَحِينَئِذٍ يُحَلِّفُ الْقَاضِي عَلَى الْحَاصِلِ قِيلَ يَنْظُرُ إلَى إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ أَنْكَرَ السَّبَبَ يَحْلِفُ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُضَاةِ.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ يُفَوَّضُ إلَى رَأَى الْحَاكِمِ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَ) وَالْأَنْسَبُ بِالْوَاوِ (فِي الْحَلِفِ عَلَى الْحَاصِلِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُدَّعِي حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ إجْمَاعًا) رِعَايَةً لِجَانِبِهِ (كَدَعْوَى الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ وَنَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ، وَالْخَصْمُ لَا يَرَاهُمَا) أَيْ لَا يَرَى الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ وَنَفَقَةَ الْمَبْتُوتَةِ بِأَنْ كَانَ شَافِعِيًّا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْت هَذِهِ الدَّارَ، وَمَا هِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْك إذْ لَوْ حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ بِاَللَّهِ لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ عَلَيْك وَبِاَللَّهِ لَا تَجِبُ عَلَيْكِ النَّفَقَةُ يُصَدَّقُ فِي يَمِينِهِ فِي اعْتِقَادِهِ فَيَفُوتُ النَّظَرُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي لَا يُقَالُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ يَتَضَرَّرُ بِبُطْلَانِ الشُّفْعَةِ بِتَأْخِيرِ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْقَاضِي مِنْ الْإِضْرَارِ بِأَحَدِهِمَا وَالْأَوْلَى بِالضَّرَرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِعَارِضِ السُّقُوطِ وَالْمُدَّعِي بِالْأَصْلِ حَيْثُ أَثْبَتَ حَقَّهُ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ مِنْ الشِّرَاءِ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْعَارِضِ.
(وَكَذَا) يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ إجْمَاعًا (فِي سَبَبٍ لَا يَرْتَفِعُ) بِرَافِعٍ بَعْدَ ثُبُوتِهِ (كَعَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدَّعِي الْعِتْقَ) أَيْ الْعِتْقَ الْوَاقِعَ فِي إسْلَامِهِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَيَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا أَعْتَقَهُ لِيُوَافِقَ الْيَمِينُ الدَّعْوَى وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ إلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ يُقْتَلُ وَالْهَرَبُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ نَادِرٌ إلَّا أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَمِنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ وَضَعَ عَلَى حَائِطِهِ خَشَبَةً أَوْ بَنَى عَلَيْهِ أَوْ أَجْرَى مِيزَابًا عَلَى سَطْحِهِ أَوْ فِي دَارِهِ
стр. 1021
أَوْ رَمَى تُرَابًا فِي أَرْضِهِ أَوْ شَقَّ فِي أَرْضِهِ نَهْرًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَرْتَفِعُ (بِخِلَافِ) الْعَبْدِ (الْكَافِرِ وَالْأَمَةِ) فَيَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ بِاَللَّهِ مَا هُوَ حُرٌّ أَوْ مَا هِيَ حُرَّةٌ الْآنَ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يَتَكَرَّرُ عَلَى الْأَمَةِ بِالرِّدَّةِ وَاللَّحَاقِ وَالسَّبِيِّ وَعَلَى الْعَبْدِ الْكَافِرِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَاللَّحَاقِ وَالسَّبِيِّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ وَتَمَامُهُ فِي الذَّخِيرَةِ (وَمَنْ وَرِثَ شَيْئًا) مِنْ عَيْنٍ عَلِمَ ذَلِكَ بِعِلْمِ الْقَاضِي أَوْ إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَوْ بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَادَّعَاهُ آخَرُ) وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْوَارِثِ (حَلَفَ عَلَى الْعِلْمِ) أَيْ عِلْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي بِاَللَّهِ مَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَيْنَ لَهُ لَا عَلَى الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَا يَعْلَمُ بِمَا صَنَعَهُ الْمُوَرِّثُ وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ وَارِثُ الدَّيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ خِلَافًا لِلْخَصَّافِ وَالْأَوَّلُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْفَقِيهِ وَقَاضِي خَانْ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ مِيرَاثًا حَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ مِنْ كَوْنِ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَإِنْ شَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَعَلَى الْبَتَاتِ) أَيْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا هُوَ عَبْدُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ التَّحْلِيفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ يَكُونُ عَلَى الْبَتَاتِ أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَالْبَتَاتُ الْقَطْعُ وَالتَّحْلِيفُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ عَلَى الْعِلْمِ نَفْيٌ أَيْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ شَيْئًا يَتَّصِلُ بِالْحَالِفِ كَمَا إذَا ادَّعَى سَرِقَةَ الْعَبْدِ أَوْ إبَاقَهُ يَحْلِفُ الْبَائِعُ عَلَى الْبَتَاتِ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ أَوْ مَا سَرَقَ فِي يَدِي وَهَذَا تَحْلِيفٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ وَإِنَّمَا صَحَّ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ سَالِمًا عَنْ الْعُيُوبِ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ فَالتَّحْلِيفِ يَرْجِعُ عَلَى مَا ضَمِنَ الْبَائِعُ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ عَلَى الْبَتَاتِ وَإِذَا ادَّعَى سَبْقَ الشِّرَاءِ يَحْلِفُ خَصْمُهُ عَلَى الْعِلْمِ أَيْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ قَبْلَهُ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ.
(وَلَوْ افْتَدَى الْمُنْكِرُ يَمِينَهُ أَوْ صَالَحَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْيَمِينِ (عَلَى شَيْءٍ صَحَّ) الِافْتِدَاءُ وَالصُّلْحُ إنْ رَضِيَ بِهِ الْخَصْمُ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَعْطَى شَيْئًا لِمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَافْتَدَى يَمِينَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ إذْ لَوْ حَلَفَ لِوُقُوعٍ عَلَى الْقِيلِ وَالْقَالِ إذْ النَّاسُ بَيْنَ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِذَا افْتَدَى صَانَ عِرْضَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «ذُبُّوا عَنْ أَعْرَاضِكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ» بِمَعْنَى ادْفَعُوا وَامْتَنِعُوا (وَلَا يَحْلِفُ بَعْدَهُ) أَيْ لَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِأَخْذِ الْبَدَلِ مِنْهُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ مَالًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ أَسْقَطَهُ أَيْ الْيَمِينَ قَصْدًا بِأَنْ قَالَ بَرِئْت مِنْ الْحَلِفِ أَوْ تَرَكْته عَلَيْهِ أَوْ وَهَبْته لَا يَصِحُّ وَلَهُ التَّحْلِيفُ.
[بَابُ التَّحَالُف فِي الدَّعْوَى]
بَابُ التَّحَالُفِ لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ يَمِينِ الْوَاحِدِ ذَكَرَ حُكْمَ يَمِينِ الِاثْنَيْنِ إذْ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْوَاحِدِ (وَلَوْ اخْتَلَفَا)
стр. 1022
أَيْ الْمُتَبَايِعَانِ (فِي قَدْرِ الثَّمَنِ) بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت بِأَلْفٍ وَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت بِأَلْفَيْنِ مَثَلًا (أَوْ) فِي قَدْرِ (الْمَبِيعِ) بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت عَبْدًا وَقَالَ الْمُشْتَرِي عَبْدَيْنِ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ اخْتَلَفَا فِي وَصْفِ الثَّمَنِ أَوْ فِي الْجِنْسِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ فَعَلَى، هَذَا لَوْ حَذَفَ الْقَدْرَ لَكَانَ أَشْمَلَ (أَوْ فِيهِمَا) أَيْ فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت عَبْدًا بِأَلْفَيْنِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا بَلْ بِعْت عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ (حَكَمَ لِمَنْ بَرْهَنَ) أَيْ يَحْكُمُ الْقَاضِي لِمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَانِبَ الْآخَرَ مُجَرَّدُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهَا إذْ هِيَ مُتَعَدِّيَةٌ حَتَّى تُوجِبَ الْقَضَاءَ فَلَا يُعَارِضُهَا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى.
(وَإِنْ بَرْهَنَا) أَيْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِمَا ادَّعَاهُ (فَلِمُثْبِتِ الزِّيَادَةِ) أَيْ يَحْكُمُ لِمُثْبِتِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصٌ عَنْ الْمُعَارِضِ أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَحَدِهِمَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَحُجَّةُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ الْأَكْثَرِ وَحُجَّةُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ الْأَكْثَرِ أَوَّلًا فَيَحْكُمُ بِعَبْدَيْنِ لِلْمُشْتَرِي وَبِأَلْفَيْنِ لِلْبَائِعِ.
(وَإِنْ عَجَزَا) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (عَنْ) إقَامَةِ (الْبُرْهَانِ قِيلَ لَهُمَا إمَّا أَنْ يَرْضَى أَحَدُكُمَا بِدَعْوَى الْآخَرِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ وَهَذَا وَجْهٌ فِي طَرِيقِ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ الْقَاضِي بِالْفَسْخِ (فَإِنْ لَمْ يَرْضَ) وَالْأَنْسَبُ بِالْوَاوِ (أَحَدُهُمَا بِدَعْوَى الْآخَرِ تَحَالَفَا) أَيْ اسْتَحْلَفَ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ فَإِنْ قَالَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهُوَ قِيَاسِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْكِرٌ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَاسْتِحْسَانِيٌّ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ سَالِمٌ لَهُ بَقِيَ دَعْوَى الْبَائِعِ فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ فَيُكْتَفَى بِحَلِفِهِ لَكِنْ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمُضْمَرَاتِ مِنْ أَنَّ التَّحَالُفَ يَصِحُّ قَبْلَ قَبْضِ الْبَيْعِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُنْكِرُ وُجُوبَ تَسْلِيمِهِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمَبِيعِ وَلَا يَصِحُّ بَعْدَ قَبْضِهِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ تَتَبَّعْ.
وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَقُلْ وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا كَمَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّحَالُفِ عَدَمُ رِضَى وَاحِدٍ لَا عَدَمُ رِضَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى، هَذَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ الْمُنَاسِبُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا إلَى آخِرِهِ لَيْسَ بِوَارِدٍ تَدَبَّرْ.
(وَبُدِئَ) يَبْدَأُ الْقَاضِي (بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لَوْ بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَأَبَى يُوسُفَ آخِرًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَاهُمَا إنْكَارًا؛ لِأَنَّهُ الْمُطَالَبُ بِالثَّمَنِ فَيَكُونُ هُوَ الْبَادِي بِالْإِنْكَارِ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: أَوَّلًا يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، هَذَا إذَا كَانَ بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ وَإِنْ كَانَ بَيْعُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ أَوْ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ فَالْقَاضِي مُخَيَّرٌ لِلِاسْتِوَاءِ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَفِي الْمُقَايَضَةِ)
стр. 1023
أَيْ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ يَبْدَأُ الْقَاضِي (بِأَيِّهِمَا شَاءَ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي فَائِدَةِ النُّكُولِ وَصِفَةُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَلَقَدْ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ وَلَقَدْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ يَضُمُّ الْإِثْبَاتَ إلَى النَّفْيِ تَأْكِيدًا وَالْأَصَحُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ وُضِعَتْ لِلنَّفْيِ كَالْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ.
(وَمَنْ نَكَلَ) مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ) بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ إمَّا بَذْلٌ وَإِمَّا إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ فَبِتَقْوِيَةِ الْقَضَاءِ يَكُونُ حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ.
(وَإِنْ حَلَفَا) أَيْ الْمُتَبَايِعَانِ (فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ بِطَلَبِ أَحَدِهِمَا) أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ وَقِيلَ يَنْفَسِخُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَبْقَى بَيْعٌ مَجْهُولٌ فَيَفْسَخُهُ الْقَاضِي قِطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ أَوْ يُقَالُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْبَدَلُ بَقِيَ بَيْعًا بِلَا بَدَلٍ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ فِي فَاسِدِ الْبَيْعِ فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً فَلِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا وَلَوْ فَسَدَ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَقَيَّدَ بِطَلَبِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسَخُهُ بِدُونِ طَلَبِ أَحَدِهِمَا وَلَوْ فَسَخَاهُ انْفَسَخَ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَإِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا لَا يَكْفِي كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَلَا تَحَالُفَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَجَلِ أَوْ فِي قَدْرِهِ خِلَافًا لَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (شَرْطِ الْخِيَارِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي وُجُودِهِ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعُ بِالْخِيَارِ وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ أَوْ فِي مُدَّتِهِ (أَوْ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ) أَوْ كُلَّهُ أَيْ لَا تَحَالُفَ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَدَّيْت بَعْضَهُ أَوْ كُلَّهُ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ (وَحَلَفَ الْمُنْكِرُ) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ لَا فِي الثَّمَنِ كَمَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَدَاءِ جَمِيعِ الثَّمَنِ يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ فَحَسْبُ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ أَوْ جِنْسِهِ حَيْثُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَدْرِ فِي جَرَيَانِ التَّحَالُفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ، وَهُوَ يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ وَلَا كَذَلِكَ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ (وَلَا) تَحَالُفَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ (بَعْدَ هَلَاكِ) كُلِّ (الْمَبِيعِ) فِي يَدِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ تَحَالَفَا عَلَى الْقَائِمِ عِنْدَهُمْ (وَحَلَفَ الْمُشْتَرِي) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، هَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا وَأَمَّا إذَا كَانَ عَيْنًا يَتَحَالَفَانِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ قَائِمٌ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَ الْهَالِكِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَقِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنْ هَلَكَ قَبْلَهُ وَكَانَ الثَّمَنُ مَقْبُوضًا يَتَحَالَفَانِ اتِّفَاقًا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَالشَّافِعِيِّ (يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ) الْعَقْدُ (وَتَلْزَمُ الْقِيمَةُ) أَيْ قِيمَةُ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدَّعِي حَقًّا يُنْكِرُهُ الْآخَرُ فَيَتَحَالَفَانِ وَلَهُمَا أَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَا يَتَعَدَّى إلَى حَالِ هَلَاكِ السِّلْعَةِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ وَهَلَاكُهُ شَامِلٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَوْ زِيَادَتِهِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً مُتَوَلِّدَةً أَوْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ أَوْ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً فَإِنَّهُ
стр. 1024
لَا يَتَحَالَفَانِ عِنْدَهُمَا وَيَتَحَالَفَانِ عِنْدَهُ فَيُفْسَخُ عَلَى الْعَيْنِ فِي الْمُتَّصِلَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْأَصْلِ كَالسَّمْنِ وَعَلَى الْعَيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ فِي مُتَّصِلَةٍ غَيْرِ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ كَالصَّبْغِ وَعَلَى الْقِيمَةِ فِي الْمُنْفَصِلَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالثَّمَرِ وَأَمَّا فِي مُنْفَصِلَةٍ غَيْرِ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ كَالْكُسْبِ فَيَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ عَلَى الْعَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ وَهُوَ) أَيْ الْمَبِيعُ (قَائِمٌ) يَعْنِي لَوْ تَغَيَّرَ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ عِنْدَهُ، وَصَارَ بِحَالٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ مَعَ الْعَيْبِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ لَا يَتَحَالَفَانِ عِنْدَهُمَا بَلْ الْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ يَتَحَالَفَانِ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ.
(وَلَا) تَحَالُفَ (بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِهِ) أَيْ بَعْضِ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الْجَمِيعِ عِنْدَ الْإِمَامِ كَعَبْدَيْنِ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ: الثَّمَنُ أَلْفٌ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ خَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ الْقَبْضِ مَشْرُوطٌ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ وَهِيَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْمَبِيعِ فَإِذَا هَلَكَ بَعْضُهُ فُقِدَ الشَّرْطُ بَلْ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي لِإِنْكَارِهِ زِيَادَةَ الثَّمَنِ (إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ) أَيْ لَا يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ شَيْئًا وَيَجْعَلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَالْعَقْدُ كَأَنَّهُ عَلَى الْقَائِمِ فَقَطْ فَيَكُونُ الثَّمَنُ كُلُّهُ بِمُقَابَلَةِ الْقَائِمِ فَيَتَحَالَفَانِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى قَوْلِهِ لَا تَحَالُفَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا اُخْتُلِفَ بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَتَحَالَفَا وَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ الْحَيِّ وَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَ أَبُو الْمَكَارِمِ وَمَعْنَى لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ شَيْئًا أَصْلًا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَكَانَ غَرَضُهُمْ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ صَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى قَوْلِهِ لَمْ يَتَحَالَفَا كَمَا هُوَ مُخْتَارُهُمْ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْبَائِعُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا وَإِنَّمَا يَأْخُذُ عَنْ الْهَالِكِ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي فَالِاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى قَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي وَأَخَذَ الْحَيَّ فَقَدْ صَدَقَ الْمُشْتَرِي وَارْتَفَعَ الْخُصُومَةُ فَلَا يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَتْنِ لَا يَصْلُحُ لِهَذَا التَّفْسِيرِ إذْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَخْذَ الْبَائِعِ الْحَيَّ وَفِي تَقْدِيرِهِ تَعَسُّفٌ (وَعِنْدَهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَرُدُّ الْبَاقِيَ) أَيْ حَلَفَا لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ التَّحَالُفِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ قِيلَ يَتَحَالَفَانِ عَلَى الْقَائِمِ لَا الْهَالِكِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ فِيهِ لَا فِي الثَّانِي، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْت الْقَائِمَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ يَكُونُ صَادِقًا فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ بِأَلْفٍ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا كَانَ صَادِقًا وَكَذَا الْبَائِعُ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا بِعْت الْقَائِمَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي يَكُونُ صَادِقًا فِيهِ فَلَا يُفِيدُ التَّحَالُفُ بَلْ الْوَجْهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْقَائِمِ وَالْهَالِكِ وَيَقُولُ أَوَّلًا بِاَللَّهِ
стр. 1025
مَا اشْتَرَيْتهمَا بِمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى الْبَائِعِ وَإِنْ حَلَفَ يُحَلَّفْ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بِعْتهمَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِمَا الْمُشْتَرِي إنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ حَلَفَ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ فِي الْقَائِمِ وَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَتَلْزَمُ الْمُشْتَرِي حِصَّةُ الْهَالِكِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَائِمِ وَالْهَالِكِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الِانْفِسَاخِ، وَالْعَقْدُ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْهَالِكِ عِنْدَهُ فَيَنْقَسِمُ الثَّمَنُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا، وَيُفْسَخُ فِيهِمَا وَيُرَدُّ الْقَائِمُ مَعَ قِيمَةِ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ الْكُلِّ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ فَهَلَاكُ الْبَعْضِ أَوْلَى (وَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي) مَعَ يَمِينِهِ إذَا اخْتَلَفَا (فِي حِصَّةِ الْهَالِكِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَتَلْزَمُ قِيمَتُهُ) أَيْ الْهَالِكِ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِمَا مَرَّ.
(وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا) أَيْ قِيمَةُ الْقَائِمِ وَالْهَالِكِ (فِي الِانْقِسَامِ) أَيْ انْقِسَامِ الثَّمَنِ عَلَيْهِمَا (يَوْمَ الْقَبْضِ) فَإِنْ اسْتَوَيَا يَلْزَمُهُ نِصْفُ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْقِيمَتَانِ يَوْمَ الْقَبْضِ تَسْقُطُ عَنْهُ حِصَّةُ الْقَائِمِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ وَتَلْزَمُهُ حِصَّةُ الْهَالِكِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ فِيهِ) فَقَالَ الْمُشْتَرِي: قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ خَمْسُمِائَةٍ وَقِيمَةُ الْقَائِمِ أَلْفٌ، وَقَالَ الْبَائِعُ: عَلَى عَكْسِهِ (فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِدَعْوَاهُ يَسْتَبْقِي مَا كَانَ وَاجِبًا وَالْمُشْتَرِي بِدَعْوَاهُ يُسْقِطُ مَا كَانَ وَاجِبًا وَكَانَ الْبَائِعُ مُتَمَسِّكًا بِالْأَصْلِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ قَوْلِهِ.
(وَإِنْ بَرْهَنَا) عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ (فَبُرْهَانُهُ) أَيْ بُرْهَانُ الْبَائِعِ (أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا ظَاهِرًا لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْعَاقِدَانِ (فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بَعْدَ إقَالَةِ الْبَيْعِ) فَقَالَ الْمُشْتَرِي كَانَ الثَّمَنُ أَلْفًا وَقَالَ الْبَائِعُ خَمْسَمِائَةٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا (تَحَالَفَا وَعَادَ الْبَيْعُ) الْأَوَّلُ حَتَّى يَكُونَ حَقُّ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ وَحَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِقَالَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا (إنْ لَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ) قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَحَالَفَا فِي إقَالَةِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ بِالْحَدِيثِ وَالْإِقَالَةُ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ وَأُجِيبَ أَنَّ التَّحَالُفَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ ثَبَتَ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُدَّعٍ وَمُنْكِرٍ عَلَى مَا مَرَّ فَصَارَ التَّحَالُفُ مَعْقُولًا فَوَجَبَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَمَا قِسْنَا الْإِجَارَةَ عَلَى الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْوَارِثُ عَلَى الْعَاقِدِ وَالْقِيمَةُ عَلَى الْعَيْنِ فِيمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ غَيْرُ الْمُشْتَرِي وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَعَنْ، هَذَا قَالَ.
(وَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ قَبَضَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَا (فَلَا تَحَالُفَ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَرَى النَّصَّ مَعْلُولًا بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْضًا.
(وَ) لَوْ اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ بَعْدَ إقَالَةِ السَّلَمِ) لَا يَتَحَالَفَانِ (فَالْقَوْلُ) مَعَ يَمِينِهِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ (فِيهِ)
стр. 1026
أَيْ فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ اعْتِبَارًا لِسَائِرِ الدَّعَاوَى (وَلَا يَعُودُ السَّلَمُ) ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فَلَا يَعُودُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
(وَلَوْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ (فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ) بِأَنْ قَالَ الْمُسْتَأْجِرُ دِرْهَمٌ وَقَالَ الْمُؤَجِّرُ دِرْهَمَانِ (أَوْ الْمَنْفَعَةِ) بِأَنْ قَالَ الْمُؤَجِّرُ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ شَهْرٌ وَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ شَهْرَانِ (أَوْ فِيهِمَا) أَيْ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ مَعًا بِأَنْ قَالَ الْمُؤَجِّرُ: آجِرَتُك الدَّارَ شَهْرًا بِدِرْهَمَيْنِ وَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: اسْتَأْجَرْتهَا شَهْرَيْنِ بِدِرْهَمٍ (قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا) إذْ الْإِجَارَةُ مَقِيسَةٌ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فِي الْإِجَارَةِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي إيرَادِ الْعَقْدِ، وَكَذَا الْأَمْرُ فِي فَسْخِهَا فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ يَكُونُ قَائِمًا تَقْدِيرًا (وَبُدِئَ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْأُجْرَةِ) لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا وُجُوبَ مَا يَدَّعِيهِ الْمُؤَجِّرُ مِنْ الزِّيَادَةِ.
(وَ) بُدِئَ (بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ لَوْ) اخْتَلَفَا (فِي الْمَنْفَعَةِ) لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا وُجُوبَ زِيَادَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُحَلِّفُ أَوَّلًا مَنْ يَدَّعِي أَوَّلًا إنْ اخْتَلَفَا فِيهِمَا وَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا يُحَلِّفُ مِنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْبَيْعِ (وَأَيُّهُمَا نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى الْآخَرِ) كَمَا هُوَ مُقْتَضَى النُّكُولِ (وَأَيُّهُمَا بَرْهَنَ قُبِلَ) بُرْهَانُهُ وَإِنْ بَرْهَنَا (فَحُجَّةُ الْمُسْتَأْجِرِ) أَوْلَى لَوْ اخْتَلَفَا (فِي الْمَنْفَعَةِ وَحُجَّةُ الْمُؤَجِّرِ) أَوْلَى لَوْ اخْتَلَفَا (فِي الْأُجْرَةِ) نَظَرًا إلَى إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ وَتُقْبَلُ حُجَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي فَضْلٍ يَدَّعِيهِ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأُجْرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ مَعًا بِأَنْ ادَّعَى الْمُؤَجِّرُ أَنَّ مُدَّتَهَا شَهْرٌ بِعَشْرَةٍ وَالْمُسْتَأْجِرُ أَنَّ مُدَّتَهَا شَهْرَانِ بِخَمْسَةٍ فَيَقْضِي بِعَشْرَةٍ لِلْمُؤَجِّرِ وَشَهْرَيْنِ لِلْمُسْتَأْجِرِ.
(وَ) لَوْ اخْتَلَفَا (بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لَا يَتَحَالَفَانِ) اتِّفَاقًا (وَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ) مَعَ يَمِينِهِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ، هَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ الْإِجَارَةُ هُنَا عَلَيْهِ إذْ هَلَاكُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِيفَاءِ يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عَلَى أَصْلِهِمَا بِخِلَافِ مَا فِي صُورَةِ الْمَقِيسِ حَيْثُ وُجِدَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَكَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ إنَّمَا لَا يَمْنَعُ عِنْدَهُ فِي الْبَيْعِ لِمَا أَنَّ لَهُ قِيمَةً تَقُومُ مَقَامَهُ فَيَتَحَالَفَانِ عَلَيْهَا وَلَوْ جَرَى التَّحَالُفُ هُنَا، وَفُسِخَ الْعَقْدُ فَلَا قِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالْعَقْدِ وَتَبَيَّنَ أَنْ لَا عَقْدَ، وَإِذَا امْتَنَعَ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِ.
(وَ) لَوْ اخْتَلَفَا (بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْبَعْضِ) أَيْ بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ (يَتَحَالَفَانِ) فِيمَا بَقِيَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ (وَتُفْسَخُ) الْإِجَارَةُ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْمَنَافِعِ لِإِمْكَانِ الْفَسْخِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا مَرَّ أَنَّ هَلَاكَ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حُدُوثِ الْمَنْفَعَةِ فَكَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ كَمَعْقُودٍ عَلَيْهِ غَيْرِ مَقْبُوضٍ يَتَحَالَفَانِ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا هَلَكَ بَعْضُ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مَعْقُودٌ
стр. 1027
بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِي بَعْضِهِ بِالْهَلَاكِ تَعَذَّرَ فِي كُلِّهِ ضَرُورَةً (وَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ) مَعَ الْيَمِينِ (فِيمَا مَضَى) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ بِمَا يَدَّعِيهِ الْمُؤَجِّرُ مِنْ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْمَوْلَى وَالْمُكَاتَبُ (فِي قَدْرِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ) بَعْدَمَا اتَّفَقَا عَلَى عَقْدِ الْكِتَابَةِ (لَا يَتَحَالَفَانِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ عِنْدَ تَجَاحُدِ الْحُقُوقِ الْمُلَازِمَةِ وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ فَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى الْبَيْع (وَالْقَوْلُ لِلْعَبْدِ) مَعَ يَمِينِهِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قُبِلَتْ وَإِنْ أَقَامَاهَا فَبَيِّنَةُ الْمَوْلَى أَوْلَى لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ لَكِنْ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ قَدْرِ مَا بَرْهَنَ عَلَيْهِ وَلَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ بَدَلِ الْكِتَابَةِ بَعْدَ عِتْقِهِ كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَدَّى خَمْسَمِائَةٍ عَتَقَ وَكَمَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْبَدَلَ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَقَالَا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (يَتَحَالَفَانِ وَتُفْسَخُ) الْكِتَابَةُ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي بَدَلِ عَقْدٍ يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ) أَهْلِ (الْبَيْتِ) وَالْمُرَادُ بِالْمَتَاعِ هُنَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِمَّا حَصَلَ مِنْهُ كَالْعَقَارِ وَغَيْرِهِ وَادَّعَى كُلٌّ أَنَّهُ لَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدٍ (فَالْقَوْلُ لَهَا) أَيْ لِلزَّوْجَةِ بِلَا خِلَافٍ مَعَ الْيَمِينِ (فِيمَا صَلَحَ لَهَا) أَيْ مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ عَادَةً كَالدِّرْعِ وَالْأَسْوِرَةِ وَالْخِمَارِ وَالْمُلَاءَةِ وَالْخَلْخَالِ وَالْحُلِيِّ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مِمَّنْ يَبِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّسَاءِ فَالْقَوْلُ لَهُ لِتَعَارُضِ الظَّاهِرَيْنِ (وَلَهُ) أَيْ الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ مَعَ الْيَمِينِ (فِيمَا صَلَحَ لَهُ) كَالْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْقَبَاءِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُتُبِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ إلَّا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَانِعَةٌ أَوْ بَائِعَةٌ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ النِّسَاءِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ يَقْضِي لِلزَّوْجِ (أَوْ) فِيمَا صَلَحَ (لَهُمَا) أَيْ الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِمَا كَالْمَنْزِلِ وَالْفُرُشِ وَالرَّقِيقِ وَالْأَوَانِي وَالْعَقَارِ وَالْمَوَاشِي وَالنُّقُودِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ وَمَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ وَالْقَوْلُ فِي الدَّعَاوَى لِصَاحِبِ الْيَدِ بِخِلَافِ مَا يَخْتَصُّ بِهَا فَإِنَّ الِاخْتِصَاصَ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْبَيْتَ لِلزَّوْجِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا بَيِّنَةٌ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ يَقْضِي بِبَيِّنَتِهَا؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مَعْنًى أَطْلَقَ الزَّوْجَيْنِ فَشَمَلَ الْمُسْلِمَيْنِ وَالْمُسْلِمَ مَعَ الذِّمِّيَّةِ وَالْحَرْبِيَّ وَالْمَمْلُوكَيْنِ وَالْمُكَاتَبَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي وَالصَّغِيرَيْنِ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ يُجَامِعُ وَشَمَلَ اخْتِلَافُهُمَا حَالَ بَقَاءِ النِّكَاحِ وَمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَمَا إذَا كَانَ الْبَيْتُ مِلْكًا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْيَدِ لَا لِلْمِلْكِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ افْتَرَقَا وَفِي بَيْتِهَا جَارِيَةٌ نَقَلْتهَا مَعَ نَفْسِهَا وَاسْتَخْدَمَتْهَا سَنَةً وَالزَّوْجُ عَالِمٌ بِهِ سَاكِتٌ ثُمَّ ادَّعَاهَا فَالْقَوْلُ لَهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ ثَابِتَةٌ وَلَمْ يُوجَدْ الْمُزِيلُ انْتَهَى وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ سُكُوتَ الزَّوْجِ عِنْدَ نَقْلِهَا مَا يَصْلُحُ لَهُمَا لَا يُبْطِلُ دَعْوَاهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَقَيَّدَ بِاخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ اخْتِلَافِ نِسَاءِ الزَّوْجِ دُونَهُ فَإِنَّ مَتَاعَ
стр. 1028
النِّسَاءِ بَيْنَهُنَّ عَلَى السَّوَاءِ إنْ كُنَّ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي بَيْتٍ عَلَى حِدَةٍ فَمَا فِي بَيْتِ كُلِّ امْرَأَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا وَلَا يَشْتَرِك بَعْضُهُنَّ مَعَ بَعْضٍ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، هَذَا إذَا كَانَا حَيَّيْنِ (وَبَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفَ وَارِثُهُ مَعَ الْحَيِّ وَالْجَوَابُ فِي غَيْرِ الْمُحْتَمِلِ عَلَى مَا مَرَّ (الْقَوْلُ فِي الْمُحْتَمِلِ) أَيْ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمَا (لِلْحَيِّ) مَعَ الْيَمِينِ أَيُّهُمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَيِّتِ فَبَقِيَتْ يَدُ الْحَيِّ بِلَا مُعَارِضٍ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَذَلِكَ) أَيْ الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ فِيمَا صَلَحَ لَهُمَا (فِي الزَّائِدِ عَلَى جِهَازِ مِثْلِهَا وَفِي جِهَازِ مِثْلِهَا لَهَا) أَيْ الْقَوْلُ لِلزَّوْجَةِ إذَا كَانَتْ حَيَّةً (أَوْ لِوَرَثَتِهَا) بَعْدَ مَوْتِهَا أَيْ يَدْفَعُ فِي الْمُشْكِلِ إلَى الزَّوْجَةِ أَوْ إلَى وَارِثِهَا مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِوَارِثِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الزَّوْجَةَ تَأْتِي بِالْجِهَازِ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ ظَاهِرِ يَدِ الزَّوْجِ وَلِذَا يَأْخُذُ الْبَاقِيَ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لِظَاهِرِهِ وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ فِي الْمُشْكِلِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلرَّجُلِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ) أَيْ مَا كَانَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ وَمَا يَكُونُ لَهُمَا فَهُوَ لِلرَّجُلِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ لِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا لِقِيَامِ الْوَرَثَةِ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي غَيْرِ مَتَاعِ الْمَيِّتِ وَكَانَ فِي أَيْدِيهِمَا فَإِنَّهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَعَنْ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُشْكِلَ بَيْنَهُمَا وَعَنْهُمَا أَنَّ الْمَتَاعَ كُلَّهُ كَذَلِكَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إنَّ الْمُشْكِلَ لِلزَّوْجِ حَيًّا وَلِوَرَثَتِهِ مَيِّتًا.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ أَنَّ الْمَتَاعَ كُلَّهُ لَهُ إلَّا مَا عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ الثِّيَابِ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إنَّ الْمَتَاعَ لِصَاحِبِ الْمَيِّتِ إلَّا مَا عَلَى الرَّجُلِ مِنْ الثِّيَابِ فَهَذِهِ مُثَمَّنَةُ كِتَابِ الدَّعْوَى أَوْ مَسْبَعَتُهُ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَبَ لَوْ ادَّعَى بَعْدَ مَوْتِ ابْنَتِهِ أَنَّ الْجِهَازَ كَانَ عَارِيَّةً لَهَا وَالزَّوْجُ أَنَّهَا كَانَ مِلْكًا فَقَالُوا لِلْأَبِ عَلَى الْمُخْتَارِ إلَّا إذَا اسْتَمَرَّ الْعُرْفُ بِدَفْعِ الْجِهَازِ مِلْكًا لَا عَارِيَّةً فَالْقَوْلُ لَهَا وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا وَلَوْ اخْتَلَفَ الْأَبُ وَابْنُهُ فِيمَا فِي الْبَيْتِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا كَانَ الْأَبُ فِي عِيَالِ الِابْنِ فِي بَيْتِهِ فَالْمَتَاعُ كُلُّهُ لِلِابْنِ كَمَا لَوْ كَانَ الِابْنُ فِي بَيْتِ الْأَبِ وَعِيَالُهُ فَمَتَاعُ الْبَيْتِ لِلْأَبِ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ إلَّا مَا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَلَوْ اخْتَلَفَ إسْكَافِيٌّ وَعَطَّارٌ فِي آلَاتِ الْأَسَاكِفَةِ وَآلَاتِ الْعَطَّارِينَ وَهِيَ فِي أَيْدِيهِمَا قَضَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (مَمْلُوكًا) سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مَحْجُورًا (فَالْكُلُّ) أَيْ كُلُّ الْمَتَاعِ (لِلْحُرِّ فِي) حَالِ (الْحَيَاةِ) ؛ لِأَنَّ يَدَ الْحُرِّ أَقْوَى (وَلِلْحَيِّ) مِنْهُمَا (فِي الْمَوْتِ) أَيْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ يَدَ الْحَيِّ خَالِيَةٌ عَنْ الْمُعَارِضِ كَمَا فِي عَامَّةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ سَهْوٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لِلْحُرِّ مُطْلَقًا لَكِنْ اخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ قَوْلُ الْعَامَّةِ فَاقْتَفَى أَصْحَابُ الْمُتُونِ أَثَرَهُ، هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ
стр. 1029
كَالْحُرِّ) ؛ لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا مُعْتَبَرَةً فِي الْخُصُومَاتِ حَتَّى لَوْ اخْتَصَمَا فِي شَيْءٍ هُوَ فِي أَيْدِيهِمَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ مَا كَانَ مَحْجُورًا حَيْثُ يَقْضِي لِلْحُرِّ لَا لِلْعَبْدِ وَقَوْلُهُ الْكُلُّ مُشِيرٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي مُطْلَقِ الْمَتَاعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى لَكِنْ فِي الْحَقَائِقِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْأَمْتِعَةِ الْمُشْكِلَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي التَّنْوِيرِ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ وَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَمَا فِي الْبَيْتِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا بَعْدَ الْعِتْقِ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فَهُوَ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي الطَّلَاقِ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ بِالْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ صَارَ بِيَدِهِ غُلَامٌ وَعَلَى عُنُقِهِ بَدْرَةٌ، وَذَلِكَ بِدَارِهِ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ عُرِفَ بِالْيَسَارِ وَادَّعَاهُ صَاحِبُ الدَّارِ فَهُوَ لِلْمَعْرُوفِ بِالْيَسَارِ، وَكَذَا كَنَّاسٌ فِي مَنْزِلِ الرَّجُلِ وَعَلَى عُنُقِهِ قَطِيفَةٌ يَقُولُ هِيَ لِي وَادَّعَاهَا صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَهِيَ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ رَجُلَانِ فِي سَفِينَةٍ بِهَا دَقِيقٌ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ السَّفِينَةَ وَمَا فِيهَا وَأَحَدُهُمَا يُعْرَفُ بِبَيْعِ الدَّقِيقِ وَالْآخَرُ يُعْرَفُ بِأَنَّهُ مَلَّاحٌ فَالدَّقِيقُ لِلَّذِي يُعْرَفُ بِبَيْعِهِ وَالسَّفِينَةُ لِمَنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ مَلَّاحٌ وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ فَلْيُطَالَعْ.
[فَصَلِّ فِي بَيَان أَحْكَام دَفْعِ الدَّعَاوَى]
فَصَلِّ أَحْكَامِ دَفْعِ الدَّعَاوَى
(قَالَ ذُو الْيَدِ) فِي جَوَابِ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدِهِ أَنَّ (هَذَا الشَّيْءَ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ أَوْ أَعَارَنِيهِ أَوْ آجَرَنِيهِ أَوْ رَهَنِّيهِ أَوْ غَصَبْته مِنْهُ) أَيْ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ (وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (انْدَفَعَتْ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي) ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمِلْكَ لِلْغَائِبِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ شَرْعًا، وَالْآخَرُ دَفْعُ خُصُومَةِ الْمُدَّعِي وَهَذَا مَقْبُولٌ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ لَا تَسْقُطُ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُثْبِتُ الْمِلْكَ لِلْغَائِبِ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ فِي إدْخَالِ شَيْءٍ فِي مِلْكِهِ بِلَا رِضَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: تَسْقُطُ الْخُصُومَةُ بِلَا بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ يَدَهُ يَدُ حِفْظٍ لَا يَدَ خُصُومَةٍ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيمَنْ عُرِفَ بِالْحِيَلِ) جَمْعُ حِيلَةٍ (لَا تَنْدَفِعُ) الْخُصُومَةُ (وَبِهِ يُؤْخَذُ) وَاخْتَارَهُ فِي الْمُخْتَارِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ صَالِحًا فَكَمَا قَالَ الْإِمَامُ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحِيَلِ لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ مَالَ الْغَيْرِ غَصْبًا ثُمَّ يَدْفَعُ سِرًّا إلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُغَيِّبَ، وَيَقُولَ لَهُ أُودَعَهُ عِنْدِي بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ قَصْدًا لِإِبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ.
(وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ أُودَعَهُ مَنْ لَا نَعْرِفُهُ لَا تَنْدَفِعُ) الْخُصُومَةُ بِالْإِجْمَاعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مَنْ أُودَعَهُ (بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ) أَيْ قَوْلِ الشُّهُودِ (نَعْرِفُهُ) أَيْ الْمُودِعَ (بِوَجْهِهِ) لَوْ رَأَيْنَاهُ (لَا بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ حَيْثُ تَنْدَفِعُ) الْخُصُومَةُ.
стр. 1030
(عِنْدَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَقَعُ عَلَى الْغَائِبِ لِيَشْتَرِطَ الْعِلْمَ بِنَفْسِهِ أَوْ نَسَبِهِ وَإِنَّمَا يَقْضِي عَلَى الْمُدَّعِي بِالدَّفْعِ عَنْ ذِي الْيَدِ وَهُمَا مَعْلُومَانِ وَهُوَ أَثْبَتُ بَيِّنَةً أَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ لِهَذَا الْمُدَّعِي (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ مَعْرُوفًا كَانَ بِالْحِيلَةِ أَوْ لَا وَإِنَّمَا تَنْدَفِعُ إذَا عَرَفَ الشُّهُودُ ذَلِكَ الرَّجُلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَوَجَّهَتْ عَلَى ذِي الْيَدِ بِظَاهِرِ يَدِهِ وَلَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِالْحَوَالَةِ عَلَى رَجُلٍ يُمْكِنُ اتِّبَاعُهُ وَالْمَعْرُوفُ بِالْوَجْهِ لَا يَكُونُ مَعْرُوفًا فَصَارَ، هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الشُّهُودِ لَا نَعْرِفُهُ أَصْلًا.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَتَعْوِيلُ الْأَئِمَّةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى بِمُخَمَّسَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى لِلِاشْتِمَالِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ كَمَا تَرَى؛ أَوْ لِأَنَّ صُوَرَهَا خَمْسٌ وَدِيعَةٌ وَإِجَارَةٌ وَإِعَارَةٌ وَرَهْنٌ وَغَصْبٌ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الْمِنَحِ، هَذَا إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي مِلْكًا مُطْلَقًا فِي الْعَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ عَدَمُ تَقْيِيدِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ الْمَسَائِلِ الْقَابِلَةِ لِهَذَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ فَرْضَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ إقَامَةِ الْمُدَّعِي الْبُرْهَانَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ أَنَّ الْخَارِجَ هُوَ الطَّالِبُ بِالْبُرْهَانِ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الدَّفْعِ قَبْلَهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُدَّعِي لَمَّا ادَّعَى الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ فِيمَا فِي يَد الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْكَرَهُ وَطَلَبَ مِنْ الْمُدَّعِي الْبُرْهَانَ فَأَقَامَهُ وَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِهِ حَتَّى دَفَعَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ وَبَرْهَنَ عَلَى الدَّفْعِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ وَكَّلَنِي صَاحِبُهُ بِحِفْظِهِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ أَسْكَنَنِي فِيهَا فُلَانٌ الْغَائِبُ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ سَرَقْته مِنْهُ أَوْ أَخَذْته مِنْهُ أَوْ ضَلَّ مِنْهُ فَوَجَدْته كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ فَالصُّوَرُ عَشَرٌ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الصُّوَرَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْخَمْسِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسِّرَ الْمُخَمَّسَةَ بِالْأَقْوَالِ.
(وَلَوْ قَالَ) ذُو الْيَدِ (اشْتَرَيْته مِنْهُ) أَيْ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ (لَا تَنْدَفِعُ) الْخُصُومَةُ لِكَوْنِ يَدِهِ يَدَ خُصُومَةِ لِاعْتِرَافِهِ سَبَبَ الْمَلِكِ، وَهُوَ الشِّرَاءَ.
(وَكَذَا) لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ (لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي سَرَقْتَهُ) بِتَاءِ الْخِطَابِ (أَوْ غَصَبْته مِنِّي) فَقَالَ ذُو الْيَد أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ.
(وَإِنْ) وَصَلْيَةٌ (بَرْهَنَ ذُو الْيَدِ عَلَى إيدَاعِ الْغَائِبِ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي لَمَّا قَالَ لِصَاحِبِ الْيَدِ غَصَبْته مِنِّي صَارَ ذُو الْيَدِ خَصْمًا بِاعْتِبَارِ دَعْوَى الْفِعْلِ عَلَيْهِ وَفِيهِ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهَا بِالْإِحَالَةِ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِي الْخُصُومَةِ فِيهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى تَصِحُّ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِ ذِي الْيَدِ، وَلَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ بِانْتِفَاءِ يَدِهِ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
(وَكَذَا) لَا تَنْدَفِعُ (إنْ قَالَ) الْمُدَّعِي (سُرِقَ مِنِّي) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ اسْتِحْسَانًا (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْفِعْلَ عَلَى ذِي الْيَدِ بَلْ عَلَى مَجْهُولٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ غُصِبَ مِنِّي عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَلَهُمَا أَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ يَسْتَدْعِي الْفَاعِلَ لَا مَحَالَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ذُو الْيَدِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ دَرْءً لِلْحَدِّ عَنْهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ سَرَقْته مِنِّي بِخِلَافِ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ فَلَوْ قَضَى
стр. 1031
عَلَيْهِ ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَضَى عَلَى ذِي الْيَدِ فَقَطْ.
وَفِي التَّنْوِيرِ قَالَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَنَّهُ مِلْكِي ثُمَّ قَالَ فِي مَجْلِسِهِ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ عِنْدِي مِنْ فُلَانٍ تَنْدَفِعُ مِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَلَوْ بَرْهَنَ الْمُدَّعِي عَلَى مَقَالَتِهِ الْأُولَى يَجْعَلُهُ خَصْمًا، وَيْحُكُمْ عَلَيْهِ لِسَبْقِ إقْرَارِهِ وَيُمْنَعُ مِنْ الدَّفْعِ.
(وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي ابْتَعْته مِنْ زَيْدٍ وَقَالَ ذُو الْيَدِ أَوْدَعَنِيهِ هُوَ) أَيْ زَيْدٌ (انْدَفَعَتْ) الْخُصُومَةُ (بِلَا حُجَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْأَصْلِ لِغَيْرِهِمَا فَيَكُونُ وُصُولُهُ إلَى صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ جِهَةِ زَيْدٍ الْبَائِعِ فَلَا تَكُونُ يَدُهُ يَدَ خُصُومَةٍ (إلَّا إذَا بَرْهَنَ الْمُدَّعِي أَنَّ زَيْدًا وَكَّلَهُ بِقَبْضِهِ) فَحِينَئِذٍ لَا تَنْدَفِعُ وَتَصِحُّ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بَيِّنَةً كَوْنَهُ أَحَقَّ بِإِمْسَاكِهَا وَلَوْ صَدَّقَهُ ذُو الْيَدِ فِي شِرَائِهِ مِنْهُ لَا يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بِإِقْرَارِهِ وَهِيَ عَجِيبَةٌ.
وَفِي الْبَحْرِ قَيَّدَ بِتَلَقِّي الْيَدِ مِنْ الْغَائِبِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا قَالَ ذُو الْيَدِ أَوْدَعَنِيهِ وَكِيلُ فُلَانٍ ذَلِكَ لَمْ تَنْدَفِعْ إلَّا بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ تَلَقِّي الْيَدِ مِمَّنْ اشْتَرَى هُوَ مِنْهُ لِإِنْكَارِ ذِي الْيَدِ وَلَا مِنْ جِهَةِ وَكِيلِهِ لِإِنْكَارِ الْمُدَّعِي وَكَذَا لَوْ أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى الْوَكِيلِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّ الْمُوَكِّلَ دَفَعَهَا إلَى ذِي الْيَدِ وَتَقْيِيدُهُ بِدَعْوَى الشِّرَاءِ مِنْ الْغَائِبِ اتِّفَاقِيٌّ فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ غَصَبَهُ مِنْهُ فُلَانٌ الْغَائِبُ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ، وَزَعَمَ ذُو الْيَدِ أَنَّ، هَذَا الْغَائِبَ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ انْدَفَعَتْ الْخُصُومَةُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُصُولِ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنَّ صَاحِبَ الْيَدِ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مَكَانُ دَعْوَى الْغَصْبِ دَعْوَى السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ لَا تَنْدَفِعُ بِزَعْمِ ذِي الْيَدِ إيدَاعَ ذَلِكَ الْغَائِبِ فِي الِاسْتِحْسَانِ انْتَهَى.
[بَابُ دَعْوَى الرَّجُلَيْنِ]
ِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ دَعْوَى الْوَاحِدِ ذَكَرَ دَعْوَى مَا زَادَ عَلَيْهِ وَالْوَاحِدُ قَبْلَ مَا زَادَ (لَا تُعْتَبَرُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ هَذَا مِلْكِي وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ مِلْكِهِ (وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمُطْلَقِ (أَحَقُّ) بِالِاعْتِبَارِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَحَقُّ لِاعْتِضَادِهَا بِالْيَدِ وَلَنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ شُرِعَتْ لِلْإِثْبَاتِ وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَى الْمُدَّعِي بِوَجْهٍ وَذُو الْيَدِ لَهُ مِلْكٌ عَلَيْهِ بِالْيَدِ فَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ بِكَثْرَةِ ثُبُوتِهَا إلَّا إذَا ادَّعَى ذُو الْيَدِ مَعَ الْمِلْكِ فِعْلًا كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ كَمَا سَيَأْتِي قَيَّدَ بِالْمُطْلَقِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمُقَيَّدِ بِالسَّبَبِ، وَهَذَا إنْ وَقَّتَا أَوْ لَمْ يُوَقِّتَا بِاتِّفَاقٍ (بَرْهَنَا) أَيْ الْخَارِجَانِ (عَلَى مَا فِي يَدِ آخَرَ) أَيْ لَوْ بَرْهَنَ خَارِجَانِ عَلَى عَيْنٍ فِي يَدِ ثَالِثٍ مُنْكِرٍ بَعْدَ ادِّعَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِلْكًا مُطْلَقًا فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ (قَضَى بِهِ) أَيْ بِهَذَا الشَّيْءِ (لَهُمَا) بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ عِنْدَنَا لِقَبُولِ الشَّرِكَةِ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى بِنَاقَةٍ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ
стр. 1032
لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَمْ يَأْمُرْ ﵊ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُرْعَةِ فِي وَقْتٍ كَانَ الْقِمَارُ فِيهِ مُبَاحًا ثُمَّ انْتَسَخَتْ بِحُرْمَةِ الْقِمَارِ إذْ تَعْلِيقُ الِاسْتِحْقَاقِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ قِمَارٌ وَكَذَا تَعْيِينُ الْمُسْتَحَقِّ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ بِخِلَافِ قِسْمَةِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فَلِلْقَاضِي ثَمَّةُ وِلَايَةِ التَّعْيِينِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ وَإِنَّمَا يَقْرَعُ لِتُطَيِّبْ الْقُلُوبِ وَنَفْيِ تُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْقِمَارِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَلَوْ) بَرْهَنَا (عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ سَقَطَا) لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَقْبَلُ الِاشْتِرَاكَ وَإِذَا تَهَاتَرَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا حَيْثُ لَا مُرَجِّحَ وَإِذَا تَهَاتَرَا وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِيَانِ حَيَّيْنِ وَالْمَرْأَةُ أَمَّا لَوْ بَرْهَنَا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا وَاسْتَوَى تَارِيخُهُمَا فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ وَيَرِثَانِ مِيرَاثَ زَوْجٍ فَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُمَا وَيَرِثُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِيرَاثَ ابْنٍ كَامِلٍ وَهُمَا يَرِثَانِ مِنْ الِابْنِ مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْمِنَحِ (وَهِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ (لِمَنْ صَدَّقَتْهُ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ بِتَصَادُقِ الزَّوْجَيْنِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا فِي يَدِ مَنْ كَذَّبَتْهُ وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَنْ كَذَّبَتْهُ بِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ الْآخَرِ أَوْ دَخَلَ بِهَا فَلَا اعْتِبَارَ بِالتَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى سَبْقِ عَقْدِهِ كَمَا فِي الْمِنَحِ (فَإِنْ أَرَّخَا) أَيْ الْمُدَّعِيَانِ لِنِكَاحِهَا وَكَانَ تَارِيخُ أَحَدِهِمَا سَابِقًا (فَالسَّابِقُ أَحَقُّ) بِهَا مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَكُونُ الْقَضَاءُ لِلسَّابِقِ إذْ عَقْدُ اللَّاحِقِ وَبُرْهَانُهُ بَاطِلٌ وَلَا يُعْتَبَرُ مَا ذَكَرَ مِنْ كَوْنِهَا فِي يَدِهِ أَوْ دَخَلَ بِهَا وَلَوْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَإِنَّهَا لِمَنْ أَقَرَّتْ لَهُ كَمَا لَوْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا وَلِلْآخَرِ يَدٌ فَإِنَّهَا لِذِي الْيَدِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
(وَإِنْ أَقَرَّتْ) الْمَرْأَةُ بِالزَّوْجِيَّةِ (لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْبُرْهَانِ فَهِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ (لَهُ) لِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهِ (فَإِنْ بَرْهَنَ الْآخَرُ) أَيْ الَّذِي لَمْ تَقِرَّ لَهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْإِقْرَارِ لِلْأَوَّلِ (قَضَى لَهُ) أَيْ لِلْمُبَرْهِنِ لِقُوَّةِ الْبُرْهَانِ فَإِنْ بَرْهَنَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَالسَّابِقُ أَوْلَى.
(وَإِنْ بَرْهَنَ أَحَدُهُمَا) عَلَى نِكَاحِهَا (فَقَضَى لَهُ) بِالنِّكَاحِ (ثُمَّ بَرْهَنَ الْآخَرُ) عَلَى أَنَّهُ نَكَحَهَا (لَا يُقْبَلُ) بُرْهَانُهُ إذْ لَا يُنْقَضُ شَيْءٌ بِمِثْلِهِ وَهَهُنَا صَارَ الْأَوَّلُ أَقْوَى لِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ (إلَّا) وَقْتَ (إنْ أَثْبَتَ) ذَلِكَ الْآخَرُ بِالْبَيِّنَةِ (سَبَقَهُ) أَيْ سَبَقَ نِكَاحُهُ إيَّاهَا عَلَى نِكَاحِ الْأَوَّلِ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي لَتَيَقُّنِ الْخَطَأِ فِي الْأَوَّلِ.
(وَكَذَا لَا يُقْبَلُ بُرْهَانُ خَارِجٍ عَلَى) زَوْجٍ (ذِي يَدٍ) عَلَى امْرَأَةٍ (نِكَاحُهُ ظَاهِرٌ) بِنَقْلِهَا إلَى بَيِّنَةٍ أَوْ بِالدُّخُولِ مَعَهُ (إلَّا إنْ أَثْبَتَ) الْخَارِجُ (سَبْقَهُ) أَيْ سَبْقَ نِكَاحِهِ عَلَى نِكَاحِ ذِي الْيَدِ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ بَرْهَنَا) أَيْ الْخَارِجَانِ (عَلَى شِرَاءِ شَيْءٍ مِنْ آخَرَ) أَيْ مِنْ ذِي يَدٍ بِلَا تَارِيخٍ (فَكُلٌّ نِصْفُهُ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ ذَلِكَ
стр. 1033
الشَّيْءِ (بِنِصْفِ ثَمَنِهِ) أَيْ ثَمَنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إنْ شَاءَ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ (أَوْ تَرَكَهُ) أَيْ تَرَكَ النِّصْفَ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا اسْتَوَيَا فِي السَّبَبِ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِهِ بَيْنَهُمَا لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِكُلِّهِ فَيَتَخَيَّرُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِتَغَيُّرِ شَرْطِ عَقْدِهِ عَلَيْهِ فَلَعَلَّ رَغْبَتَهُ فِي تَمَلُّكِ الْكُلِّ فَيَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ كُلَّ الثَّمَنِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَاحِدٍ يُقْرِعُ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ تَهَاتَرَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَيَرْجِعُ إلَى تَصْدِيقِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ بِيَقِينٍ قُلْنَا أَنَّ الْمَحَلَّ الْوَاحِدَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِزَيْدٍ عَلَى الْكَمَالِ وَمَمْلُوكًا لِعَمْرٍو عَلَى الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ السَّبَبُ؛ لِأَنَّ الْمَحْسُوسَ الْمُحَاطَ لِلشُّهُودِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ هُنَاكَ صَادِقٌ بِأَنْ يُعَايِنَ السَّبَبَ مِنْ الرَّجُلَيْنِ وَلَا يَعْلَمَانِ سَبْقَ أَحَدِهِمَا (وَبِتَرْكِ أَحَدِهِمَا) نِصْفَهُ (بَعْدَمَا قَضَى لَهُمَا لَا يَأْخُذُ) الْمُدَّعِي (الْآخَرَ كُلَّهُ) ؛ لِأَنَّ بِالْقَضَاءِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي حَقِّ كُلٍّ فِي النِّصْفِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهِ يَأْخُذُ كُلَّهُ لِإِثْبَاتِ بُرْهَانِهِ اشْتِرَاءَ الْكُلِّ بِلَا مُزَاحِمٍ لِلْقَضَاءِ (فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا يَدٌ أَوْ تَارِيخٌ فَهُوَ) أَيْ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْ التَّارِيخِ (أَوْلَى) ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ قَبْضِهِ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ شِرَائِهِ إذْ قَبْضُ الْقَابِضِ وَشِرَاءُ غَيْرِهِ حَادِثَانِ فَيُضَافَانِ إلَى أَقْرَبِ الْأَزْمَانِ، وَهُوَ الْحَالُ مَعَ أَنَّ قَبْضَ الشَّيْءِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ شِرَائِهِ فَصَارَ شِرَاؤُهُ أَقْدَمَ تَارِيخًا مِنْ شِرَاءِ غَيْرِ الْقَابِضِ وَبِالتَّارِيخِ أَثْبَتَ مِلْكَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاحْتَمَلَ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَقْضِي لَهُ بِالشَّكِّ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: وَلِي إشْكَالٌ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ مَفْرُوضَةٌ فِي خَارِجَيْنِ تَنَازَعَا فِيمَا فِي يَدِ ثَالِثٍ فَإِذَا كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا قَبْضٌ كَانَ ذَا يَدٍ تَنَازَعَ مَعَ خَارِجٍ فَلَمْ تَكُنْ الْمَسْأَلَةُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمِعْرَاجِ مَا يُزِيلُهُ مِنْ جَوَازِ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ أَثْبُت بِالْبَيِّنَةِ قَبْضَهُ فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ، وَهُوَ الْآنَ فِي يَدِ الْبَائِعِ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا بِالْمُعَايَنَةِ انْتَهَى. وَالْحَقُّ أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى وَكَانَ يَنْبَغِي إفْرَادُهَا انْتَهَى.
(وَإِنْ أَرَّخَا فَالسَّابِقُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا يَدٌ وَلِلْآخِرِ تَارِيخٌ فَذُو الْيَدِ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الشِّرَاءَ فِي زَمَانٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ فَانْدَفَعَ بِهِ ثُمَّ لَا يَقْضِي بَعْدَهُ لِغَيْرِهِ إلَّا إذَا انْتَفَى الْمِلْكُ مِنْهُ (وَالشِّرَاءُ أَحَقُّ مِنْ هِبَةٍ) مَعَ قَبْضٍ (وَصَدَقَةٍ مَعَ قَبْضٍ) أَيْ لَوْ بَرْهَنَ خَارِجَانِ عَلَى ذِي يَدٍ أَحَدُهُمَا عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ وَالْآخَرُ عَلَى الْهِبَةِ مِنْهُ كَانَ الشِّرَاءُ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ أَقْوَى لِكَوْنِهِ مُعَاوَضَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ وَالْمِلْكُ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ، هَذَا إنْ لَمْ يُؤَرِّخَا فَلَوْ أَرَّخَا وَاتَّحَدَ الْمُمَلَّكُ فَالْأَسْبَقُ تَارِيخًا مِنْهُمَا أَحَقُّ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُمَلِّكُ فَأَيُّهُمَا سَوَاءٌ فِي صُورَةِ التَّارِيخِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَصْمٌ عَنْ مُمَلِّكِهِ فِي إثْبَاتِ مِلْكِهِ وَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ
стр. 1034
بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّحَدَا لِاحْتِيَاجِهِمَا إلَى إثْبَاتِ السَّبَبِ وَفِيهِ تَقَدُّمُ الْأَقْوَى، وَلَوْ أُرِّخَتْ إحْدَاهُمَا فَقَطْ فَالْمُؤَرَّخَةُ أَوْلَى قَيَّدَ بِكَوْنِهِمَا خَارِجَيْنِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِي لِلْخَارِجِ إلَّا فِي أَسْبَقِ التَّارِيخِ فَهُوَ لِلْأَسْبَقِ، وَإِنْ أُرِّخَتْ إحْدَاهُمَا فَقَطْ فَلَا تَرْجِيحَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا إلَّا فِي أَسْبَقِ التَّارِيخِ فَهِيَ لَهُ كَدَعْوَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ) كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ (سَوَاءٌ) بِالِاتِّفَاقِ فَيَقْضِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا تَبَرُّعًا وَأَمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَالدَّارِ فَهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ طَارَ فَيَقْضِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَنْفِيذُ الْهِبَةِ فِي الشَّائِعِ فَصَارَ كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الِارْتِهَانِ، وَهَذَا أَصَحُّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ التَّارِيخِ وَالْقَبْضِ، وَأَمَّا إذَا أَرَّخَا قَدَّمَ الْأَسْبَقَ وَإِنْ لَمْ يُؤَرِّخَا، وَمَعَ أَحَدِهِمَا قَبْضٌ كَانَ أَوْلَى، وَكَذَا إنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ كِلَاهُمَا هِبَةً أَوْ صَدَقَةً أَوْ أَحَدُهُمَا هِبَةً وَالْآخَرُ صَدَقَةً فَمَا لَمْ يَذْكُرْ الشُّهُودُ الْقَبْضَ لَا يَصِحُّ وَإِنْ ذَكَرُوا الْقَبْضَ وَلَمْ يُؤَرِّخُوا أَوْ أَرَّخُوا تَارِيخًا وَاحِدًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُهَا فَلَا يَقْضِي لَهُمَا بِشَيْءٍ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا يَقْضِي لَهُ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَكَذَا الشِّرَاءُ وَالْمَهْرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ، هَذَا الشَّيْءَ اشْتَرَيْته مِنْ زَيْدٍ وَادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّ زَيْدًا تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الشَّيْءِ فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ وَلَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا أَوْ ذَكَرَا وَاسْتَوَى تَارِيخُهُمَا يَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَالْمَهْرَ سَوَاءٌ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ ثُمَّ لِلْمَرْأَةِ نِصْفُ الْقِيمَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَلِلْمُشْتَرِي نِصْفُ الثَّمَنِ الْمَنْقُودِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ الشِّرَاءُ أَوْلَى) فَيَقْضِي لِصَاحِبِ الشِّرَاءِ (وَعَلَى الزَّوْجِ الْقِيمَةُ) أَيْ قِيمَةُ الْمَبِيعِ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ حُجَجُ الشَّرْعِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا مَا أَمْكَنَ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَجْعَلَ الشِّرَاءَ سَابِقًا إذْ لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ صَحَّتْ الْقِسْمَةُ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ قَيَّدَ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ نِكَاحٌ وَهِبَةٌ أَوْ رَهْنٌ أَوْ صَدَقَةٌ فَالنِّكَاحُ أَوْلَى.
وَفِي الْمِنَحِ اعْتِرَاضٌ عَنْ طَرَفِ صَاحِبِ الْفُصُولَيْنِ وَجَوَابٌ عَنْ طَرَفِ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَلْيُطَالَعْ.
(وَالرَّهْنُ مَعَ الْقَبْضِ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ) بِلَا عِوَضٍ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْقَبْضِ يَعْنِي لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا رَهْنًا مَقْبُوضًا وَالْآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ وَلَمْ يُؤَرِّخَا فَمُدَّعِي الرَّهْنِ أَوْلَى اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْهِبَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ وَالرَّهْنُ لَا يُثْبِتُهُ فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ الْمَقْبُوضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ مَضْمُونٌ وَبِحُكْمِ الْهِبَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَعَقْدُ الضَّمَانِ أَقْوَى (فَإِنْ كَانَتْ)
стр. 1035
أَيْ الْهِبَةُ (بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَهِيَ) أَيْ الْهِبَةُ (أَوْلَى) مِنْ الرَّهْنِ لِكَوْنِهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ انْتِهَاءً فَيَكُونُ عَقْدُهَا عَقْدُ زَمَانٍ يُثْبِتُ الْمِلْكَ مَعْنًى وَصُورَةً بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُهُ إلَّا عِنْدَ الْهَلَاكِ مَعْنًى لَا صُورَةً، هَذَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ إذَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا يَقْضِي بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إلَّا أَنْ يُؤَرِّخَا وَتَارِيخُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقُ فَيَقْضِي لَهُ.
(وَإِنْ بَرْهَنَ خَارِجَانِ عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ ذُكِرَتْ وَإِعَادَتُهَا هُنَا لِأَجْلِ ذِكْرِ التَّارِيخِ (أَوْ شِرَاءٍ مُؤَرَّخٍ مِنْ وَاحِدٍ) مُتَعَلِّقٌ بِشِرَاءِ (غَيْرِ ذِي الْيَدِ) احْتَرَزَ بِهَذَا عَمَّا بَرْهَنَا عَلَى مَا فِي يَدِ آخَرَ كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهَا (فَالسَّابِقُ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مِلْكَهُ فِي وَقْتٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ إلَّا إذَا تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ وَقَوْلُ الْإِمَامِ عَلَى تَخْرِيجِ صَاحِبِ الْأَمَالِي وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا وَمُحَمَّدٍ أَوَّلًا وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا هُوَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَإِنْ بَرْهَنَ أَحَدُهُمَا عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ زَيْدٍ وَ) بَرْهَنَ (الْآخَرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشِّرَاءِ (مِنْ بَكْرٍ) وَاتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا فَهُمَا سَوَاءٌ حَتَّى يَكُونَ الْمَبِيعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثْبَتَ الْمِلْكَ لِبَائِعِهِ وَمِلْكُ بَائِعِهِ مُطْلَقٌ بِلَا تَارِيخٍ فَصَارَ مَا إذَا حَضَرَ الْبَائِعُ فَادَّعَى الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ فَيَكُونُ بَيْنَ الْخَارِجَيْنِ لِاسْتِوَاءِ تَارِيخِهِمَا.
(وَكَذَا لَوْ وَقَّتَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ أَحَدِهِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ الْمِلْكِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ أَقْدَمَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يُتَلَقَّى إلَّا مِنْ جِهَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَثْبَتَ أَحَدُهُمَا تَارِيخًا يَحْكُمُ بِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ تَقَدَّمَهُ شِرَاءُ غَيْرِهِ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ لَا تُقْبَلُ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهَا وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ.
(وَلَوْ بَرْهَنَ خَارِجٌ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ شَخْصٍ وَ) بَرْهَنَ خَارِجٌ (آخَرُ عَلَى الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ مِنْ غَيْرِهِ وَ) بَرْهَنَ خَارِجٌ (آخَرُ عَلَى الْإِرْثِ مِنْ أَبِيهِ وَ) بَرْهَنَ خَارِجٌ (آخَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْقَبْضِ مِنْ رَابِعٍ قَضَى بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا) سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُمْ أَوْ مَعَ بَعْضِهِمْ تَارِيخٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الْمِلْكَ لِمُمَلِّكِيهِمْ وَذَلِكَ تَارِيخٌ فِيهِ وَلَا يُقَدِّمُ الْأَقْوَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَلَوْ بَرْهَنَ خَارِجٌ عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ وَذُو الْيَدِ عَلَى مِلْكٍ أَقْدَمُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْخَارِجِ (فَهُوَ) أَيْ ذُو الْيَدِ (أَوْلَى) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةٍ) .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَى مَا قَالَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي مِلْكِ الْمُطْلَقِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ فِيهِ تُثْبِتُ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ فَيَسْتَوِي فِيهَا التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا أَقَامَاهَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَلَهُمَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ مَعَ التَّارِيخِ تَدْفَعُ مِلْكَ غَيْرِهِ فِي وَقْتِ التَّارِيخِ وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ عَلَى الدَّفْعِ مَقْبُولَةٌ فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ إلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ قَيَّدَ بِسَبْقِ تَارِيخِ ذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا تَارِيخٌ أَوْ اسْتَوَى تَارِيخُهُمَا
стр. 1036
أَوْ أُرِّخَتْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ كَانَ الْخَارِجُ أَوْلَى.
(وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ كَانَتْ الْيَدُ لَهُمَا) وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَصَاحِبُ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَوْلَى فِي قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ.
وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ فَكَأَنَّهُمَا أَقَامَتَا عَلَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا.
(وَلَوْ بَرْهَنَ خَارِجٌ وَذُو يَدٍ عَلَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ وَوَقَّتَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَالْخَارِجُ أَوْلَى) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ (ذُو الْوَقْتِ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَمُ وَصَارَ كَمَا فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ إذَا أُرِّخَ أَحَدُهُمَا كَانَ صَاحِبُ التَّارِيخِ أَوْلَى وَلَهُمَا أَنَّ بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ إنَّمَا تُقْبَلُ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الدَّفْعِ وَلَا دَفْعَ هَهُنَا حَيْثُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي التَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ.
(وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا) أَيْ ادَّعَى ذُو الْيَدِ أَوْ الْخَارِجُ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ وَأُرِّخَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ (فَهُمَا سَوَاءٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي وَقَّتَ أَوْلَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَطْلَقَ أَوْلَى) وَعَلَّلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ دَعْوَى أَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ بِدَلِيلِ اسْتِحْقَاقِ الزَّوَائِدِ وَرُجُوعِ الْبَاعَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ التَّارِيخَ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِيَقِينٍ وَالْإِطْلَاقُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْأَوَّلِيَّةِ وَالتَّرْجِيحُ بِالتَّيَقُّنِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ التَّارِيخَ يُضَامُهُ احْتِمَالُ عَدَمِ التَّقَدُّمِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حَادِثٌ فَيُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ صَاحِبِ التَّارِيخِ انْتَهَى. لَكِنْ صُوَرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَلَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ وَلَوْ فِي أَيْدِيهِمَا فَذَكَرَ أَنْ يَكُونَ نَظِيرَ قَوْلِهِ وَلَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ وَذُو الْيَدِ عَلَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ إلَى آخِرِهِ فَقَالَ فِي عَقِبِهِ فَعَلَى، هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا انْتَهَى.
قَالَ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ وَغَيْرُهُ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَنْ قَامَ أَحَدُهُمَا عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ وَالْآخَرُ عَلَى مُطْلَقٍ الْمِلْكُ سَقَطَ التَّارِيخُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ صَاحِبُ الْوَقْتِ أَوْلَى انْتَهَى.
فَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ مُخَالَفَةُ الْمُصَنِّفِ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ تَتَبَّعْ.
(وَإِنْ بَرْهَنَ خَارِجٌ وَذُو يَدٍ عَلَى النِّتَاجِ) أَيْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً (فَذُو الْيَدِ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُمَا قَامَتَا عَلَى مَا لَا تَدُلُّ عَلِيّ الْيَدِ فَاسْتَوَيَا فِي الْإِثْبَاتِ وَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ بِالْيَدِ فَيَقْضِي لَهُ بِهِ وَلَا عِبْرَةَ لِلتَّارِيخِ؛ لِأَنَّ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ يَسْتَوْعِبُ كُلَّ تَارِيخٍ فَلَا يُفِيدُ ذِكْرَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْهُمَا اتَّحَدَ التَّارِيخَانِ أَوْ اخْتَلَفَا مَا لَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا مُسْتَحِيلًا بِأَنْ لَمْ يُوَافِقْ سِنَّ الْمُدَّعِي وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ أَوْلَى وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ تَهَاتَرَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَيُتْرَكُ فِي ذِي الْيَدِ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَجْهٌ لِاسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَضَى لِذِي الْيَدِ بِنَاقَةٍ بَعْدَمَا أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهَا نَاقَتُهُ نَتَجَتْهَا وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَاقَتُهُ نَتَجَتْهَا؛ وَلِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ فَكَانَ مُسَاوِيًا لِلْخَارِجِ فَبِإِثْبَاتِهَا يَنْدَفِعُ الْخَارِجُ وَبَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ مَقْبُولَةٌ لِلدَّفْعِ.
(وَكَذَا لَوْ بَرْهَنَ كُلٌّ عَلَى تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ آخَرَ وَعَلَى النِّتَاجِ
стр. 1037
عِنْدَهُ) أَيْ لَوْ تَلَقَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ الْمِلْكَ مِنْ رَجُلٍ فَكَانَ هُنَاكَ بَائِعَانِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ عِنْدَ مَنْ تَلَقَّى مِنْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إقَامَتِهَا عَلَى النِّتَاجِ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَيَقْضِي بِهِ لِذِي الْيَدِ كَأَنَّ الْبَائِعَيْنِ قَدْ حَضَرَا وَأَقَامَا عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَقْضِي ثَمَّةَ لِصَاحِبِ الْيَدِ كَذَلِكَ هَهُنَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
(وَلَوْ بَرْهَنَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَالْآخَرُ عَلَى النِّتَاجِ فَهُوَ) أَيْ صَاحِبُ النِّتَاجِ (أَوْلَى) أَيُّهُمَا كَانَ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ قَامَتْ عَلَى أَوَّلِيَّةِ الْمِلْكِ صَرِيحًا فَلَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ إلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْهُ وَالْآخَرُ لَمْ يَتَلَقَّ مِنْهُ وَأَوَّلِيَّتُهُ تَثْبُتُ دَلَالَةً وَلَا عِبْرَةَ بِهَا مَعَ الصَّرِيحِ.
(وَكَذَا لَوْ كَانَا خَارِجِينَ) فَبَرْهَنَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَالْآخَرُ عَلَى النِّتَاجِ فَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ أَوَّلًا لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَوْ قَضَى بِالنِّتَاجِ لِذِي الْيَدِ ثُمَّ بَرْهَنَ ثَالِثٌ عَلَى النِّتَاجِ قَضَى لَهُ) أَيْ لِلثَّالِثِ (إلَّا أَنْ يُعِيدَ ذُو الْيَدِ بُرْهَانَهُ) ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ مَا قَامَتْ عَلَى هَذَا الْمُدَّعِي وَإِنَّمَا قَامَتْ عَلَى الْأَوَّلِ فَلَمْ يَصِرْ الثَّالِثُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ (كَمَا لَوْ بَرْهَنَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ عَلَى النِّتَاجِ يَقْبَلُ وَيَنْقُضُ الْقَضَاءَ) أَيْ لَوْ ادَّعَى ذُو الْيَدِ وَالْخَارِجُ الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ وَبَرْهَنَا فَقَضَى عَلَى ذِي الْيَدِ بِالْمِلْكِ ثُمَّ إنَّ ذَا الْيَدِ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ تُقْبَلُ وَيُنْقَضُ بِهِ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْأَوَّلِيَّةِ قَطْعًا فَكَانَ الْقَضَاءُ وَاقِعًا عَلَى خِلَافِهِ كَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ.
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُقْبَلُ بُرْهَانُهُ لِصَيْرُورَتِهِ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ أَطْلَقَ فَشَمِلَ مَا إذَا بَرْهَنَ الْخَارِجُ فَقَطْ عَلَى النِّتَاجِ وَقَضَى لَهُ ثُمَّ بَرْهَنَ ذُو الْيَدِ يَقْضِي لَهُ وَيَبْطُلُ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ وَلَوْ ادَّعَى ذُو الْيَدِ نِتَاجًا أَيْضًا، وَلَمْ يُبَرْهِنَا حَتَّى حَكَمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي بِالنِّتَاجِ ثُمَّ بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى النِّتَاجِ لَا يُنْتَقَضُ الْحُكْمُ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ فِي حَادِثَةٍ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَهُ إلَّا إذَا بَرْهَنَ عَلَى إبْطَالِ الْقَضَاءِ أَوْ عَلَى تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ الْمَقْضِيِّ لَهُ أَوْ عَلَى النِّتَاجِ انْتَهَى.
(وَكُلُّ سَبَبٍ لَا يَتَكَرَّرُ) أَيْ فِي الْمِلْكِ إذَا ادَّعَاهُ ذُو الْيَدِ (فَهُوَ مِثْلُ النِّتَاجِ) أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ النِّتَاجِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ وَذَلِكَ (كَنَسْجِ ثِيَابٍ لَا تُنْسَجُ إلَّا مَرَّةً) كَمَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ ثَوْبًا أَنَّهُ مِلْكُهُ نَسَجَهُ وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ وَكَمَا إذَا ادَّعَتْ غَزْلَ قُطْنٍ أَنَّهُ مِلْكُهَا غَزَلَتْهُ بِيَدِهَا (وَكَحَلَبِ اللَّبَنِ) فَإِنَّهُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ أَيْضًا فَإِذَا ادَّعَى لَبَنًا أَنَّهُ مِلْكُهُ حَلَبَهُ مِنْ شَاتِه (وَاِتِّخَاذِ الْجُبْنِ) بِأَنْ ادَّعَى جُبْنًا أَنَّهُ مِلْكُهُ صَنَعَهُ فِي مِلْكِهِ (وَاللُّبَدِ) بِأَنْ ادَّعَى لِبْدًا بِأَنَّهُ صَنَعَهُ مِنْ الصُّوفِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ (وَالْمِرْعِزَّى) وَهِيَ كَالصُّوفِ تَحْتَ شَعْرِ الْمَعْزِ (وَجَزِّ الصُّوفِ) بِأَنْ ادَّعَى صُوفًا مَجْزُوزًا أَنَّهُ مِلْكُهُ جَزَّهُ مِنْ شَاتِه وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَادَّعَى ذُو الْيَدِ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَقْضِي بِذَلِكَ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيُلْحَقُ بِهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ (وَمَا يَتَكَرَّرُ) أَيْ كُلُّ
стр. 1038
سَبَبٍ يَتَكَرَّرُ قَضَى بِهِ لِلْخَارِجِ (بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ) لَا يُلْحَقُ بِالنِّتَاجِ (كَنَسْجِ الْخَزِّ) وَهُوَ اسْمُ دَابَّةٍ ثُمَّ سُمِّيَ الثَّوْبُ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبِرِّهِ خَزًّا فَإِنَّهُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّ الْخَزَّ وَالصُّوفَ وَالشَّعْرَ إذَا بَلَى يُنْقَضُ وَيُغْزَلُ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ يُنْسَجُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ ذَا الْيَدِ نَسَجَهُ ثُمَّ غَصَبَهُ الْخَارِجُ وَنَقَضَهُ ثُمَّ نَسَجَهُ فَيَكُونُ مِلْكًا لَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ (وَكَالْبِنَاءِ) فَإِنَّهُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّهُ يُبْنَى ثُمَّ يَنْهَدِمُ ثُمَّ يُبْنَى (وَالْغَرْسِ) ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ يُغْرَسُ غَيْرَ مَرَّةٍ (وَزِرَاعَةِ الْبُرِّ وَالْحُبُوبِ) ؛ لِأَنَّ الْبُرَّ قَدْ يُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُغَرْبَلُ التُّرَابُ فَيُمَيَّزُ الْبُرُّ مِنْهُ ثُمَّ يُزْرَعُ ثَانِيًا فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ وَكَذَا كُلُّ مَا يُزْرَعُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَإِذَا ادَّعَى ثَوْبًا أَنَّهُ مِلْكُهُ مِنْ خَزِّهِ أَوْ ادَّعَى دَارًا أَنَّهَا مِلْكُهُ بَنَاهَا أَوْ ادَّعَى غَرْسًا أَنَّهُ مِلْكُهُ غَرْسَهُ أَوْ حِنْطَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ زَرْعَهَا أَوْ حَبًّا آخَرَ مِنْ الْحُبُوبِ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَادَّعَى ذُو الْيَدِ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً قَضَى بِهِ لِلْخَارِجِ لِمَا مَرَّ (وَمَا أَشْكَلَ) بِحَيْثُ لَا يَتَيَقَّنُ بِالتَّكَرُّرِ وَعَدَمِهِ (رَجَعَ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ (جُعِلَ كَالْمُطْلَقِ) أَيْ قَضَى بِهِ لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بَيِّنَةٌ هُوَ الْأَصْلُ وَإِنَّمَا عَدَلْنَا عَنْهُ بِخَبَرِ النِّتَاجِ كَمَا رَوَيْنَا فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ يَرْجِعُ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَإِنْ بَرْهَنَ خَارِجٌ عَلَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ وَذُو يَدٍ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْخَارِجِ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا مَثَلًا فِي زَيْدٍ وَادَّعَاهُ بَكْرٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ وَبَرْهَنَ زَيْدٌ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ (فَهُوَ) أَيْ ذُو الْيَدِ (أَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ وَإِنْ كَانَ يُثْبِتُ أَوَّلِيَّةُ الْمِلْكِ فَذُو الْيَدِ يَتَلَقَّى الْمَلِكَ مِنْهُ وَلَا تَنَافِي فِيهِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لَهُ ثُمَّ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ.
(وَإِنْ بَرْهَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ (عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا تَهَاتَرَتَا) أَيْ سَقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ (وَتُرِكَ الْمَالُ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ) بِغَيْرِ قَضَاءٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْد مُحَمَّدٍ) إنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا (يَقْضِي) بِالْبَيِّنَتَيْنِ (لِلْخَارِجِ) لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا يَجْعَلُ ذَا الْيَدِ مُشْتَرِيًا مِنْ الْخَارِجِ وَقَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقَبْضِ دَلَالَةُ السَّبْقِ عَلَى مَا مَرَّ وَلَا يَعْكِسُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ وَلَهُمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالشِّرَاءِ مِنْ صَاحِبِهِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْمِلْكِ لَهُ فَصَارَ بَيِّنَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا كَأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى إقْرَارِ الْآخَرِ وَفِيهِ التَّهَاتُرُ بِالْإِجْمَاعِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ فَكَذَا، هَذَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَإِنْ أَرَّخَا) أَيْ الْخَارِجُ وَذُو الْيَدِ (فِي الْعَقَارِ بِلَا ذِكْرِ قَبْضٍ وَتَارِيخُ الْخَارِجِ أَسْبَقُ قَضَى لِذِي الْيَدِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْخَارِجَ اشْتَرَى أَوَّلًا ثُمَّ بَاعَ مِنْ ذِي الْيَدِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْعَقَارِ عِنْدَهُمَا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) قَضَى (لِلْخَارِجِ) إذْ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بِهِ لِذِي الْيَدِ عِنْدَهُ أَيْضًا فَيَجْعَلُ الْخَارِجَ كَأَنَّهُ قَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ لِذِي الْيَدِ عِنْدَهُ أَيْضًا فَجَعَلَ
стр. 1039
الْخَارِجَ كَأَنَّهُ قَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ بَائِعَهُ وَهُوَ ذُو الْيَدِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ انْتَهَى.
(وَإِنْ أَثْبَتَا قَبْضًا قَضَى لِذِي الْيَدِ اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَيْنِ جَائِزَانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ بَاعَهُ عَلَى بَائِعِهِ بَعْدَمَا قَبَضَهُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ.
(وَإِنْ كَانَ وَقْتُ ذِي الْيَدِ أَسْبَقُ قَضَى لِلْخَارِجِ فِي الْوَجْهَيْنِ) فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ ذَوِي الْيَدِ وَقَبَضَ ثُمَّ بَاعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ أَوْ سَلَّمَ ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا يُخَالِفُهُ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْكَافِي وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ قَالُوا حَاصِلُ الْكَلَامِ فِي ضَبْطِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ إنْ كَانَ تَارِيخُ أَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ عِنْدَ إقَامَتِهِمَا الْبَيِّنَةَ سَابِقًا فَهُوَ أَحَقُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَابِقًا بَلْ كَانَ مُسَاوِيًا بِأَنْ أَرَّخَا مُوَافِقًا أَوْ لَمْ يُؤَرِّخَا أَصْلًا أَوْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبُ يَدٍ أَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا خَارِجًا فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ أَوْ فِي الْمِلْكِ بِسَبَبٍ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ إلَّا إذَا تَلَقَّيَا مِنْ وَاحِدٍ وَأَرَّخَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ أَحَقُّ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ يَدٍ وَالْآخَرُ خَارِجًا فَالْخَارِجُ أَحَقُّ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي التَّارِيخِ إلَّا إذَا ادَّعَيَا مَعَ الْمِلْكِ فِعْلًا بِأَنْ قَالَ هُوَ عَبْدِي أَعْتَقْته أَوْ دَبَّرْته فَذُو الْيَدِ أَحَقُّ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ هُوَ عَبْدِي كَاتَبْته فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ لِكَوْنِهِمَا خَارِجَيْنِ إذْ لَا بُدَّ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْعَاقِدَيْنِ فَإِذَا عَقَدَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُعْتِقًا يَدًا فَلَا يُتَصَوَّرُ الْيَدُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُعْتَقِ فَإِنَّهُ فِي يَدِ الْمَوْلَى إذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا لَا يُعْرَفُ عِتْقُهُ وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ عَبْدِي كَاتَبْته وَقَالَ الْآخَرُ دَبَّرْته أَوْ أَعْتَقْته فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ يَكُونُ أَكْثَرَ إثْبَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ، هَذَا فِي الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ فِي الْمُطْلَقِ أَمَّا فِي الْمِلْكِ بِسَبَبٍ فَإِنَّ ذِكْرَ الْخَارِجِ وَذُو الْيَدِ سَبَبًا وَاحِدًا وَتَلَقَّيَا مِنْ وَاحِدٍ فَذُو الْيَدِ أَحَقُّ وَإِنْ تَلَقَّيَا مِنْ اثْنَيْنِ فَالْخَارِجُ أَحَقُّ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي التَّارِيخِ وَإِنْ ذَكَرَا سَبَبَيْنِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَنْظُرُ إلَى قُوَّةِ السَّبَبِ انْتَهَى.
(وَلَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الشُّهُودِ) ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ عِنْدَنَا بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ لَا بِكَثْرَتِهِ حَتَّى لَوْ أَقَامَ أَحَدُ الْمُدَّعِيَيْنِ شَاهِدَيْنِ وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً فَهُمَا سَوَاءٌ إذْ شَهَادَتُهُمَا لَيْسَتْ أَقَلَّ مِنْ شَهَادَتِهِمْ فِي إثْبَاتِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْحُكْمِ فَالْكَثْرَةُ لَا تَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ؛ وَلِهَذَا لَا تُرَجَّحُ الْآيَةُ بِآيَةٍ أُخْرَى وَلَا الْخَبَرُ بِالْخَبَرِ وَإِنَّمَا يُرَجَّحُ بِقُوَّةٍ فِيهِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَوَاتِرًا وَالْآخَرُ مِنْ الْآحَادِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُفَسِّرًا وَالْآخَرُ مُحْتَمِلًا فَيُرَجَّحُ الْمُفَسِّرُ عَلَى الْمُحْتَمَلِ وَالْمُتَوَاتِرُ عَلَى الْآحَادِ لِقُوَّةِ وَصْفٍ فِيهِ وَقِيلَ يَقْضِي لِأَكْثَرِهِمَا عَدَدًا؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ أَمِيلُ إلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَكَذَا لَا تَرْجِيحَ بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الشَّاهِدِ أَصْلُ الْعَدَالَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِذِي حَدٍّ فَلَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِهَا خِلَافًا لِمَالِكٍ.
(وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ خَارِجَيْنِ نِصْفَ دَارٍ وَالْآخَرُ كُلَّهَا) وَبَرْهَنَا عَلَى ذَلِكَ (فَالرُّبْعُ لِلْأَوَّلِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) لِلْأَوَّلِ (الثُّلُثُ وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ) ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ اعْتَبَرَ طَرِيقَ الْمُنَازَعَةِ، وَهُوَ أَنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ لَا يُنَازِعُ صَاحِبَ الْكُلِّ فِي النِّصْفِ فَسَلَّمَ لَهُ النِّصْفَ وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمَا
стр. 1040
فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَيُنَصِّفُ النِّصْفَ بَيْنَهُمَا فَلِصَاحِبِ الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ الرُّبَعُ وَهُمَا اعْتَبَرَا طَرِيقَ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ كُلًّا وَنِصْفًا فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْنِ وَتَعُولُ إلَى ثَلَاثَةٍ وَلِصَاحِبِ الْكُلِّ سَهْمَانِ وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ سَهْمٌ، هَذَا هُوَ الْعَوْلُ وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَضْرِبُ بِكُلِّ حَقِّهِ فَصَاحِبُ الْكُلِّ لَهُ ثُلُثَانِ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَيَضْرِبُ الثُّلُثَيْنِ فِي الدَّارِ وَصَاحِبُ النِّصْفِ لَهُ ثُلُثٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَيَضْرِبُ الثُّلُثَ فِي الدَّارِ فَيَحْصُلُ لَهُ ثُلُثَ الدَّارِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الْكُسُورِ بِطَرِيقِ الْإِضَافَةِ فَإِنَّهُ إذَا ضَرَبَ الثُّلُثَ فِي السِّتَّةِ يَكُونُ مَعْنَاهُ ثُلُثَ السِّتَّةِ وَهُوَ اثْنَانِ.
وَفِي الْبَحْرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ (وَإِنْ كَانَتْ) الدَّارُ (فِي يَدَيْهِمَا فَكُلُّهَا) أَيْ كُلُّ الدَّارِ (لِمُدَّعِي الْكُلَّ نِصْفٌ بِقَضَاءٍ وَنِصْفٌ بِلَا قَضَاءٍ) ؛ لِأَنَّ دَعْوَى مُدَّعِي النِّصْفَ مُنْصَرِفَةٌ إلَى مَا فِي يَدِهِ لِتَكُونَ يَدُهُ يَدَ مُحِقَّةٍ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ حَمْلَ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصِّحَّةِ وَاجِبٌ فَمُدَّعِي النِّصْفَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِ الْجَمِيعِ فَسَلَّمَ النِّصْفَ لِمُدَّعِي الْجَمِيعِ بِلَا مُنَازَعَةٍ فَبَقِيَ مَا فِي يَدِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ إذْ لَا قَضَاءَ بِدُونِ الدَّعْوَى وَاجْتَمَعَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمْ كُلَّهَا وَآخَرُ ثُلُثَهَا وَآخَرُ نِصْفَهَا وَبَرْهَنُوا فَهِيَ مَقْسُومَةٌ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ وَعِنْدَهُمَا بِالْعَوْلِ وَبَيَانُهُ فِي الْكَافِي فَلْيُطَالَعْ.
(وَإِنْ بَرْهَنَ خَارِجَانِ عَلَى نِتَاجِ دَابَّةٍ وَأَرَّخَا قَضَى لِمَنْ وَافَقَ سِنُّهَا تَارِيخَهُ) لِرُجْحَانِهِ بِشَهَادَةِ الْحَالِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ.
(وَإِنْ أَشْكَلَ) أَيْ سِنُّهَا بِأَنْ لَا يُوَافِقَ التَّارِيخَيْنِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ (فَلَهُمَا) أَيْ يَقْضِي لَهُمَا لِعَدَمِ رُجْحَانِ أَحَدِ الْبُرْهَانَيْنِ.
(وَإِنْ خَالَفَهُمَا) أَيْ خَالَفَ السِّنُّ التَّارِيخَيْنِ مَعًا (بَطَلَا) أَيْ الْبُرْهَانَانِ لِظُهُورِ كَذِبِ كُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَتُتْرَكُ الدَّابَّةُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي التَّبْيِينِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا لَا يَبْطُلَانِ بَلْ يَقْضِي بَيْنَهُمَا إنْ كَانَا خَارِجَيْنِ أَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا يَقْضِي بِهَا لِذِي الْيَدِ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ.
(وَإِنْ بَرْهَنَ أَحَدُ الْخَارِجَيْنِ عَلَى غَصْبِ شَيْءٍ وَالْآخَرُ عَلَى وَدِيعَتِهِ اسْتَوَيَا) ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ إذَا أَنْكَرَ الْوَدِيعَةَ يَصِيرُ غَاصِبًا وَبُرْهَانُ الْوَدِيعَةِ يَتَضَمَّنُ إنْكَارَ صَاحِبِ يَدٍ.
[فَصْلٌ فِي التَّنَازُعِ بِالْأَيْدِي]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وُقُوعِ الْمِلْكِ بِالْبَيِّنَةِ شَرَعَ فِي وُقُوعِهِ بِظَاهِرِ الْيَدِ لِمَا أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى؛ وَلِهَذَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى الْيَدِ فَقَالَ (لَابِسُ الثَّوْبِ أَوْلَى مِنْ الْآخِذِ بِكُمِّهِ وَالرَّاكِبُ أَحَقُّ مِنْ الْآخِذِ بِاللِّجَامِ وَمَنْ فِي السَّرْجِ أَحَقُّ مِنْ الرَّدِيفِ) أَيْ لَوْ تَنَازَعَا ثَوْبًا أَحَدُهُمَا لَابِسٌ وَالْآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ
стр. 1041
الْأَطْرَافِ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ فَاللَّابِسُ أَوْلَى مِنْ الْآخِذِ فِي كَوْنِهِ صَاحِبَ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ وَمُسْتَعْمِلٌ وَكَذَا أَوْ تَنَازَعَا أَحَدُهُمَا رَاكِبًا وَالْآخَرُ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالرَّاكِبُ أَوْلَى فِي كَوْنِهِ ذَا يَدٍ إذْ تَصَرُّفُهُ أَقْوَى.
وَكَذَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبٌ بِسَرْجِهَا وَالْآخَرُ رَدِيفُهُ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ يَدِهِ وَقِيلَ هِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ (وَصَاحِبُ الْحِمْلِ أَوْلَى مِمَّنْ عَلَّقَ كُوزَهُ عَلَيْهَا) أَيْ إذَا تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ وَعَلَيْهَا حِمْلٌ لِأَحَدِهِمَا وَلَلْآخَرُ كُوزٌ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ كَوْنِهِ ذَا يَدٍ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَصَرُّفًا فِيهَا وَلَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْحِمْلِ إنْ كَانَا حَمَلَاهَا وَتَنَازَعَا كَمَا لَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الشُّهُودِ، وَإِذَا أَقَامَا بَيِّنَةً فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فَبَيِّنَةُ مَنْ كَانَ فِي حُكْمٍ خَارِجٍ أَوْلَى لِمَا مَرَّ مِرَارًا.
(وَالرَّاكِبَانِ بِلَا سَرْجٍ أَوْ) رَاكِبَانِ (فِيهِ) أَيْ فِي السَّرْجِ (سَوَاءٌ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَعَلِّقًا بِذَنَبِهَا وَالْآخَرُ مُمْسِكًا بِلِجَامِهَا قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بِهَا لِمَنْ يُمْسِكُ لِجَامَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِاللِّجَامِ غَالِبًا إلَّا الْمَالِكُ بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ بِالذَّنَبِ.
(وَكَذَا الْجَالِسُ عَلَى الْبِسَاطِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ سَوَاءٌ) أَيْ إذَا تَنَازَعَا فِي بِسَاطٍ أَحَدُهُمَا قَاعِدٌ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِيَدٍ فَاسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْيَدِ بِخِلَافِ الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ يَصِيرُ بِهِمَا غَاصِبًا لَا بِالْجُلُوسِ وَكَذَا إذَا كَانَا جَالِسَيْنِ عَلَيْهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا (وَمَنْ مَعَهُ) أَيْ وَكَذَا إنْ كَانَ (ثَوْبٌ) فِي يَدِ رَجُلٍ (وَطَرَفُهُ مَعَ آخَرَ) حَيْثُ يُنَصَّفُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ يَدُ أَحَدِهِمَا فِي الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْحُجَّةِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَمْسِكٌ بِالْيَدِ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ اسْتِمْسَاكًا وَمِثْلُ تِلْكَ لَا يُوجِبُ الرُّجْحَانَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ، هَذَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْقَمِيصِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْحُجَّةِ فَإِنَّ الْحُجَّةَ هِيَ الْيَدُ وَالزِّيَادَةُ هِيَ الِاسْتِعْمَالُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ بِخِلَافِ جَالِسَيْ الدَّارِ تَنَازَعَا فِيهَا حَيْثُ لَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا لَا بِطَرِيقِ التَّرْكِ وَلَا بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ (وَالْحَائِطُ) وَهُوَ الْجِدَارُ (لِمَنْ جُذُوعُهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَائِطِ (أَوْ اتَّصَلَ بِبِنَائِهِ اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ) اتِّصَالُ التَّرْبِيعِ اتِّصَالُ جِدَارٍ بِجِدَارٍ بِحَيْثُ يَتَدَاخَلُ لِبَنَاتِ هَذَا الْجِدَارِ فِي لِبَنَاتِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ اتِّصَالُ التَّرْبِيعِ؛ لِأَنَّهُمَا يُبْنَيَانِ لِيُحِيطَا مَعَ جِدَارَيْنِ آخَرَيْنِ بِمَكَانٍ مُرَبَّعٍ وَإِنْ كَانَ الْجِدَارُ مِنْ خَشَبٍ فَالتَّرْبِيعُ أَنْ يَكُونَ سَاجُ أَحَدِهِمَا مُرَكَّبًا فِي الْآخَرِ وَأَمَّا إذَا نُقِبَ وَأُدْخِلَ فَلَا يَكُونُ مُرَبَّعًا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا بِاتِّصَالِ الْمُلَازَقَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْبِيعٍ لِعَدَمِ الْمُدَاخَلَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا بُنِيَا مَعًا (لَا لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ هَرَادِيُّ) وَهِيَ خَشَبَاتٌ تُوضَعُ عَلَى الْجُذُوعِ وَيُلْقَى عَلَيْهَا التُّرَابُ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَكَذَا الْبَوَارِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اسْتِعْمَالًا لَهُ وَضْعًا إذْ الْحَائِطُ لَا يُبْنَى لَهَا بَلْ هِيَ لِلتَّسْقِيفِ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ عَلَى الْهَرَادِيِّ وَالْبَوَارِيِّ كَمَا فِي
стр. 1042
الدُّرَرِ (بَلْ الْجَارَانِ فِيهِ سَوَاءٌ) يَعْنِي إذَا تَنَازَعَا فِي حَائِطٍ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يُبْنَى لِأَجْلِهَا بِخِلَافِ الْجُذُوعِ.
(وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ) مِنْ الرَّجُلَيْنِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَائِطِ (ثَلَاثَةُ جُذُوعٍ فَبَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهَا فِي أَصْلِ الْعِلَّةِ (وَلَا تَرْجِيحَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي وَلَا عِبْرَةَ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْكَثْرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَاشْتَرَطَ أَنْ يَبْلُغَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ يُبْنَى لِلتَّسْقِيفِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ غَالِبًا فَصَارَ الثَّلَاثُ كَالنِّصَابِ لَهُ.
(وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا ثَلَاثَةُ) جُذُوعٍ (وَلِلْآخَرِ أَقَلُّ فَهُوَ) أَيْ الْحَائِطُ (لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ) اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَالْقِيَاسُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْكَثْرَةِ فَيَسْتَوِيَانِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ حُجَّةٌ نَاقِصَةٌ إذْ لَا يُبْنَى الْحَائِطُ فِيمَا دُونَهُ وَالْحُجَّةُ النَّاقِصَةُ لَا تَظْهَرُ بِمُقَابَلَةِ الْكَامِلَةِ (وَلِلْآخَرِ مَوْضِعُ خَشَبِهِ) بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ حُكْمَنَا بِالْحَائِطِ لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ يَصْلُحُ بِالدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الرِّوَايَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَمْلِكُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ أَوْ لَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ الْحَائِطَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْإِجْذَاعِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ جِذْعِهِ مَشْغُولٌ بِجِذْعِهِ فَيَكُونُ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ الِاسْتِعْمَالِ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمِلْكُ فِيمَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ وَصَحَّحَهُ قَاضِي خَانْ وَفِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّ الْحَائِطَ كُلَّهُ لِصَاحِبِ الْأَجْذَاعِ وَلِصَاحِبِ الْقَلِيلِ مَا تَحْتَ جِذْعِهِ يُرِيدُ بِهِ حَقَّ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يُبْنَى لِأَجْلِ جِذْعٍ أَوْ جِذْعَيْنِ عَادَةً وَإِنَّمَا يُنْصَبُ لَهُ أُسْطُوَانَةٌ فَلَا يَحْكُمُ لَهُ بِالْمِلْكِ.
وَفِي الْمُحِيطِ، وَهُوَ أَصَحُّ وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ فَلْيُطَالَعْ.
(وَلَوْ) كَانَ (لِأَحَدِهِمَا جُذُوعٌ وَلِلْآخَرِ اتِّصَالٌ فَلِذِي الِاتِّصَالِ) أَيْ صَاحِبِ الِاتِّصَالِ أَوْلَى (وَلِلْآخَرِ) ؟ أَيْ لِصَاحِبِ الْجُذُوعِ (حَقُّ الْوَضْعِ) وَهَذِهِ رِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ وَصَحَّحَهُ الْجُرْجَانِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَيْنِ بِهَذَا الِاتِّصَالِ كَبِنَاءٍ وَاحِدٍ فَالْقَضَاءُ بِبَعْضِهِ يَصِيرُ قَضَاءً بِكُلِّهِ ثُمَّ يَبْقَى لِلْآخَرِ وَضْعُ جُذُوعِهِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّصَالُ مِنْ جَانِبٍ أَوْ مِنْ جَانِبَيْنِ (وَقِيلَ لِذِي الْجُذُوعِ) أَيْ صَاحِبِ الْجُذُوعِ أَوْلَى وَرَجَّحَ السَّرَخْسِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؛ لِأَنَّ لَهُ تَصَرُّفًا فِي الْحَائِطِ وَلِصَاحِبِ الِاتِّصَالِ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمِلْكِ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَيْدِي فِي الْحَائِطِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ اتِّصَالُ تَرْبِيعٍ، وَاتِّصَالُ مُلَازَقَةٍ وَمُجَاوَرَةٍ، وَوَضْعُ جُذُوعٍ وَمُحَاذَاةِ بِنَاءٍ فَأَوْلَاهُمْ صَاحِبُ التَّرْبِيعِ ثُمَّ صَاحِبُ جُذُوعٍ ثُمَّ صَاحِبُ الْمُحَاذَاةِ (وَذُو بَيْتٍ مِنْ دَارٍ كَذِي بُيُوتٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّارِ (فِي حَقِّ سَاحَتِهَا) أَيْ السَّاحَةُ نِصْفَانِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَهُوَ الْمُرُورُ فِيهَا وَالتَّوَضُّؤُ وَكَسْرُ
стр. 1043
الْحَطَبِ وَوَضْعِ الْأَمْتِعَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَصَارَتْ نَظِيرَ الطَّرِيقِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَنَازَعَا فِي الشُّرْبِ حَيْثُ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيِهِمَا.
(وَلَوْ ادَّعَيَا أَرْضًا كُلٌّ) مِنْهُمَا يَدَّعِي (أَنَّهَا) أَيْ الْأَرْضُ (فِي يَدِهِ وَبَرْهَنَا) كَذَلِكَ (قَضَى بِيَدِهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهَا غَيْرُ مُشَاهَدٍ لِتَعَذُّرِ إحْضَارِهَا وَالْبَيِّنَةُ تُثْبِتُ مَا غَابَ عَنْ عِلْمِ الْقَاضِي (فَإِنْ بَرْهَنَ أَحَدُهُمَا) فَقَطْ (أَوْ كَانَ) أَحَدُهُمَا (لَبِنٌ فِيهَا) أَيْ فِي الْأَرْضِ لَبِنًا (أَوْ بَنَى) فِيهَا (أَوْ حَفَرَ) فِيهَا (قَضَى بِيَدِهِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقِيَامِ الْحُجَّةِ فَإِنَّ الْيَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْبَاقِيَةِ فَلِوُجُودِ التَّصَرُّفِ وَالِاسْتِعْمَالِ وَلَوْ قَالَ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا بَدَلَ أَوْ كَانَ لَبِنٌ فِيهَا أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ لَكَانَ أَشْمَلَ وَأَقْصَرُ تَدَبَّرْ.
وَمَنْ (فِي يَدِهِ صَبِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ يَتَكَلَّمُ وَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ (قَالَ أَنَا حُرٌّ) وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ (فَالْقَوْلُ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَلَا يَقْبَلُ دَعْوَى أَحَدٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَبْدُهُ عِنْدَ إنْكَارِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَالْبَالِغِ (وَإِنْ قَالَ) ، هَذَا الصَّبِيُّ (أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ) وَهُوَ غَيْرُ ذِي الْيَدِ (فَهُوَ عَبْدٌ لِذِي الْيَدِ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِكَوْنِهِ رَقِيقًا لِفُلَانٍ أَقَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِقْلَالٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يُعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ وَيَكُونُ عَبْدًا لِذِي الْيَدِ لَا لِلْخَارِجِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ لَا يُقَالُ إنَّ الْإِقْرَارَ بِالرِّقِّ ضَرَرٌ وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلِهِ بَلْ بِدَعْوَى ذِي الْيَدِ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَكَذَا مَنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ) إذْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ فَيَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ إنْ ادَّعَاهُ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ مِنْ يَدٍ عَلَى نَفْسِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (فَلَوْ ادَّعَى الْحُرِّيَّةَ عِنْدَ كِبَرِهِ لَا يُقْبَلُ بِلَا حُجَّةٍ) أَيْ لَوْ كَبُرَ وَادَّعَى الْحُرِّيَّةَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ الرِّقُّ فَلَا يُنْقَضُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
[بَابُ دَعْوَى النَّسَبِ]
ِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ دَعْوَى الْأَمْوَالِ شَرَعَ فِي دَعْوَى النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَكْثَرُ وُقُوعًا فَكَانَ أَهَمَّ ذِكْرًا فَقَدَّمَهُ (وَلَدَتْ مَبِيعَةٌ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ سَنَةٍ) قَمَرِيَّةٍ (مُنْذُ بِيعَتْ فَادَّعَاهُ) أَيْ الْوَلَدَ (الْبَائِعُ) أَيْ بَائِعُ الْمَبِيعَةِ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (فَهُوَ) أَيْ الْوَلَدُ (ابْنُهُ) فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الْبَائِعِ بِدَعْوَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي لِتَيَقُّنِ الْعُلُوقِ قَبْلَ الْبَيْعِ فِي مِلْكِهِ مَعَ دَعْوَةٍ لَمْ تَبْطُلْ بِالْبَيْعِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَبِيعَةِ الْجَارِيَةُ الَّتِي لَا تُبَاعُ إلَّا مَرَّةً كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ فَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ مُذْ بِيعَتْ وَقَدْ مَلَكَهَا سَنَتَيْنِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا بِيعَتْ مَرَّتَيْنِ فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ الْعُلُوقَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي (وَهِيَ) أَيْ الْجَارِيَةُ (أُمُّ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ
стр. 1044
بِيَقِينٍ (وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ) لِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَيَأْخُذُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَةَ (وَيَرُدُّ الثَّمَنَ) لِعَدَمِ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي.
(وَإِنْ) وَصَلْيَةٌ (ادَّعَاهُ) أَيْ النَّسَبَ (الْمُشْتَرِي مَعَ دَعَوْتِهِ) أَيْ الْبَائِعُ (أَوْ) ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي (بَعْدَهَا) ؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ الْبَائِعِ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ لِكَوْنِ أَصْلِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ وَدَعْوَةُ الْمُشْتَرِي دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ إذْ أَصْلُ الْعُلُوقِ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَسْبَقُ، هَذَا عِنْدَنَا، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ لَمَّا اتَّصَلَ بِمِلْكِهِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ مِنْهُ شَهَادَةً ظَاهِرَةً حَيْثُ إنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الزِّنَا مَعَ أَنَّ النَّسَبَ مَبْنَاهُ عَلَى الْخَفَاءِ فَيُعْفَى فِيهِ التَّنَاقُضُ وَالْقِيَاسُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ دَعْوَةٌ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّهَا أَمَتُهُ وَبِالدَّعْوَةِ يَكُونُ مُنَاقِضًا وَإِذَا بَطَلَتْ دَعْوَاهُ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِدُونِ الدَّعْوَةِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي أَمَّا لَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ الثَّابِتَ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَإِعْتَاقِهِ إذْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَكَحَهَا وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا (وَكَذَا) يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْبَائِعِ (لَوْ ادَّعَاهُ) أَيْ الْبَائِعُ (بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ أَوْ عِتْقِهَا) أَيْ إنْ مَاتَتْ الْأُمُّ ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَقَدْ وَلَدَتْ لَلْأَقَلِّ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْبَائِعِ وَيَأْخُذُ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ هُوَ الْوَلَدُ لَا الْأُمُّ وَلِذَا تُضَافُ الْأُمُّ إلَيْهِ وَيُقَالُ أُمُّ الْوَلَدِ وَتَسْتَفِيدُ الْأُمُّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ جِهَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا فَالثَّابِتُ لَهَا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ وَلَهُ حَقِيقَتُهَا وَالْأَدْنَى يَتْبَعُ الْأَعْلَى فَلَا يَضُرُّهُ فَوَاتُ التَّبَعِ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ الْمَوْلُودَ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ سَنَةٍ بَعْدَ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ لَا فِي حَقِّ الْأُمِّ فَلَا تَصِيرُ أُمُّ الْوَلَدِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ إنْ صَحَّتْ فِي حَقِّ الْأُمِّ بَطَلَ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي وَالْعِتْقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْبُطْلَانَ (وَيَرُدُّ حِصَّتَهُ) أَيْ حِصَّةَ الْوَلَدِ (مِنْ الثَّمَنِ فِي الْعِتْقِ) أَيْ يَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَتَيْ الْوَلَدِ وَالْأُمِّ وَيَرُدُّ مَا أَصَابَ الْوَلَدُ مِنْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ دُونَ مَا أَصَابَ الْأُمَّ مَعَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ.
(وَ) يَرُدُّ (كُلَّ الثَّمَنِ فِي الْمَوْتِ) عِنْدَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ وَمَالِيَّتُهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ فِي الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ فَلَا يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي (وَقَالَا) يَرُدُّ (حِصَّتَهُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْعِتْقِ وَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُمَا فَيَضْمَنُهَا فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَكُونُ رَدُّ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَا حِصَّتُهَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَوْتِ لَكِنْ فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ أَوْ دَبَّرَهَا يَرُدُّ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ بِرَدِّ كُلِّ الثَّمَنِ فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمَوْتِ كَذَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ فَعَلَى، هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِيهِمَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَة وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: يَرُدُّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ لَا حِصَّتُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَفَرَّقَ عَلَى هَذَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ كَذَّبَ الْبَائِعَ فِيمَا زَعَمَ حَيْثُ جَعَلَهَا مُعْتَقَةً مِنْ الْمُشْتَرِي فَبَطَلَ زَعْمُهُ وَلَمْ يُوجَدْ التَّكْذِيبُ
стр. 1045
فِي فَصْلِ الْمَوْتِ فَيُؤْخَذُ بِزَعْمِهِ فَيَسْتَرِدُّ بِحِصَّتِهَا أَيْضًا كَمَا فِي الْكَافِي.
(وَلَوْ ادَّعَاهُ) الْبَائِعُ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ (أَوْ عِتْقِهِ رُدَّتْ) دَعْوَاهُ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَى النَّسَبِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَذَا بَعْدَ عِتْقِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْأَصْلُ.
(وَلَوْ وَلَدَتْ) الْجَارِيَةُ الْمَبِيعَةُ (لِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ سَنَةٍ وَأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ) مُنْذُ بِيعَتْ (إنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي) الدَّعْوَةَ (فَالْحُكْمُ كَالْأَوَّلِ) يَعْنِي يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَأُمِّيَّتُهَا وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيَرُدُّ الثَّمَنَ عِنْدَنَا خِلَافًا لَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى مَا مَرَّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي (فَلَا يَثْبُتُ) النَّسَبُ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ الْعُلُوقُ فِي مِلْكِهِ فَلَمْ تُوجَدْ الْحُجَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ فَإِذَا صَدَّقَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ.
(وَإِنْ) وَلَدَتْ (لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ) مُنْذُ بِيعَتْ (لَا تَصِحُّ دَعْوَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اتِّصَالُ الْعَلَوِيِّ بِمِلْكِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ (فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي) الْبَائِعَ (ثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ نَسَبُ الْوَلَدِ (وَحُمِلَ عَلَى النِّكَاحِ وَلَا يُرَدُّ الْبَيْعُ وَلَا يُعْتَقُ الْوَلَدُ) وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِحُدُوثِ الْعُلُوقِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَا يَسْتَنِدُ عَلَى مَا قَبْلَهُ حَتَّى لَزِمَ بُطْلَانُ بَيْعِهِ، وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ لِبَائِعِهِ بِمِلْكِ نِكَاحٍ بِأَنْ مَلَكَهَا ثُمَّ بَاعَهَا فَاسْتَوْلَدَهَا بِالنِّكَاحِ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ.
(وَإِنْ بَاعَ عَبْدًا وُلِدَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَكَانَ الْعُلُوقُ أَيْضًا عِنْدَهُ (ثُمَّ ادَّعَاهُ) بَعْدَ بَيْعِ مُشْتَرِيهِ مِنْ آخَرَ (صَحَّتْ دَعْوَتُهُ) وَيَكُونُ هُوَ ابْنُهُ (وَرُدَّ بَيْعُ مُشْتَرِيهِ) ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ كَالْبَيِّنَةِ، وَالْبَيْعُ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الدَّعْوَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ لِأَجْلِهِ.
(وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ كَاتَبَهُ) أَيْ الْوَلَدَ (الْمُشْتَرِي أَوْ كَاتَبَ) الْمُشْتَرَى (أُمَّهُ أَوْ رَهَنَ) الْوَلَدَ أَوْ أُمَّهُ (أَوْ آجَرَ) الْوَلَدَ أَوْ أُمَّهُ (أَوْ زَوَّجَهَا) أَيْ الْأُمَّ (ثُمَّ كَانَتْ الدَّعْوَةُ صَحَّتْ) أَيْ دَعْوَتُهُ (وَنُقِضَتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ يَحْتَمِل النَّقْضَ فَيُنْتَقَضُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَتَصِحُّ الدَّعْوَةُ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ النَّقْضَ عَلَى مَا مَرَّ.
(وَلَوْ بَاعَ أَحَدَ تَوْأَمَيْنِ وَلَدًا عِنْدَهُ فَأَعْتَقَهُ مُشْتَرِيهِ ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ) التَّوْأَمَ (الْآخَرَ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ (وَبَطَلَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي) إذْ ثُبُوتُ
стр. 1046
نَسَبِ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ نَسَبَ الْآخَرِ، هَذَا إذَا كَانَ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا مِنْهُ عِنْدَ تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَبْطُلُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي وَلَا يُنْتَقَضُ بَيْعُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ (وَمَنْ فِي يَدِهِ صَبِيٌّ) لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ (لَوْ قَالَ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ) أَوْ هُوَ ابْنُ عَبْدِ فُلَانٍ الْغَائِبِ (ثُمَّ قَالَ هُوَ ابْنِي لَا يَكُونُ ابْنَهُ) أَيْ ابْنُ ذِي الْيَدِ.
(وَإِنْ) وَصَلْيَةٌ (جَحَدَ زَيْدٌ بُنُوَّتَهُ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالْإِقْرَارُ بِمِثْلِهِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَبَقِيَ، فَتُمْتَنَعُ دَعْوَتُهُ وَإِذَا صَدَّقَهُ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَدْرِ تَصْدِيقَهُ وَلَا تَكْذِيبَهُ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ الْمُقِرِّ عِنْدَهُمْ (وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ إنْ جَحَدَ) زَيْدٌ بُنُوَّتَهُ، وَهُوَ ابْنُ ذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ ارْتَدَّ بِالرَّدِّ فَصَارَ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ، وَالْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ يُرِيدُ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْصَ.
وَفِي الدُّرَرِ نَقْلًا عَنْ الْعِمَادِيَّةِ وَلَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ، هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي ثُمَّ قَالَ لَيْسَ مِنِّي ثُمَّ قَالَ هُوَ مِنِّي يَصِحُّ إذْ بِالْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ مِنِّي تَعَلُّقُ حَقِّ الْمُقِرِّ وَالْمَقَرِّ لَهُ أَمَّا حَقُّ الْمَقَرِّ لَهُ فَإِنَّهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى يَنْتَفِيَ كَوْنُهُ مَخْلُوقًا مِنْ مَاءِ الزِّنَا فَإِذْ قَالَ لَيْسَ، هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّ الْوَلَدِ فَإِذَا عَادَ إلَى التَّصْدِيقِ يَصِحُّ، وَلَوْ قَالَ: هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي ثُمَّ قَالَ لَيْسَ مِنِّي لَا يَصِحُّ النَّفْيُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ وَإِذَا ثَبَتَ لَا يَنْتَفِي بِالنَّفْيِ وَهَذَا إذَا صَدَّقَهُ الِابْنُ أَمَّا بِغَيْرِ التَّصْدِيقِ فَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ بِأَنَّهُ جُزْئِيٌّ لَكِنْ إذْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الِابْنُ ثُمَّ عَادَ إلَى التَّصْدِيقِ يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْأَبِ لَمْ يَبْطُلْ بِعَدَمِ تَصْدِيقِ الِابْنِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَوْ أَنْكَرَ الْأَبُ الْإِقْرَارَ أَقَامَ الِابْنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَقَرَّ إنِّي ابْنُهُ تُقْبَلُ وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ ابْنِي مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ جُزْؤُهُ أَمَّا الْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ أَخُوهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ.
(وَلَوْ كَانَ) الصَّبِيُّ (فِي يَدِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فَادَّعَى الْمُسْلِمُ رِقَّهُ وَ) ادَّعَى (الْكَافِرُ بُنُوَّتَهُ فَهُوَ حُرٌّ ابْنُ الْكَافِرِ) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مُرَجِّحٌ أَيْنَمَا كَانَ وَالتَّرْجِيحُ يَسْتَدْعِي التَّعَارُضَ وَلَا تَعَارَضَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ النَّظَرَ لِلصَّبِيِّ وَاجِبٌ وَنَظَرُهُ فِيمَا ذَكَرْنَا أَوْفَرُ؛ لِأَنَّهُ يَنَالُ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ حَالًا وَشَرَفُ الْإِسْلَامِ مَآلًا إذْ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي عَكْسِهِ الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا وَحِرْمَانُهُ عَنْ الْحُرِّيَّةِ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ اكْتِسَابُهَا وَتَمَامُهُ فِي الْعِنَايَةِ فَلْيُطَالَعْ.
قِيلَ مُسْلِمٌ أَيْضًا حَالًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لَا عَبْدٌ لِمُسْلِمٍ، هَذَا إذَا ادَّعَيَا مَعًا، وَإِنْ سَبَقَ دَعْوَى الْمُسْلِمِ كَانَ عَبْدًا لَهُ، وَإِنْ ادَّعَيَا الْبُنُوَّةَ كَانَ ابْنًا لِمُسْلِمٍ لِحُصُولِ الْإِسْلَامِ حَالًا.
(وَلَوْ كَانَ) الصَّبِيُّ (فِي يَدِ زَوْجَيْنِ فَزَعَمَ) الزَّوْجُ (أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ غَيْرِهَا وَزَعَمَتْ) الزَّوْجَةُ (أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ) أَيْ الْوَلَدُ (ابْنُهُمَا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَقَرَّ لِلْوَلَدِ بِالنَّسَبِ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا ثُمَّ يُرِيدُ كُلٌّ مِنْهُمَا إبْطَالَ حَقِّ صَاحِبِهِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ مِنْ الصَّبِيِّ الصَّبِيُّ الْغَيْرُ مُعَبِّرٌ وَإِلَّا فَهُوَ لِمَنْ صَدَّقَهُ.
(وَلَوْ اسْتَوْلَدَ مُشْتَرَاتَهُ) يَعْنِي لَوْ اشْتَرَى أَمَةً فَوَلَدَتْ مِنْهُ وَادَّعَاهُ (ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ) الْأَمَةُ بِدَعْوَى مُسْتَحِقٍّ (فَالْوَلَدُ حُرٌّ) وَكَذَا إذَا مَلَكَهَا بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرَ الشِّرَاءِ أَيُّ سَبَبٍ كَانَ كَالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ.
стр. 1047
وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ لَهُ فَاسْتُحِقَّتْ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ، وَلَوْ مَلَكَ أَمَةً بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ لَكَانَ أَشْمَلَ (وَعَلَى الْأَبِ قِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ الْوَلَدِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -؛ وَلِأَنَّ النَّظَرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَاجِبٌ فَيُجْعَلُ الْوَلَدُ حُرَّ الْأَصْلِ فِي حَقِّ أَبِيهِ وَرَقِيقًا فِي حَقِّ مُدَّعِيهِ نَظَرًا لَهُمَا (يَوْمَ الْخُصُومَةِ) ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْمَنْعِ كَوَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ (فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ) قَبْلَ الْخُصُومَةِ إذْ بَعْدُ الْخُصُومَةِ يُغَرَّمُ لِتَحَقُّقِ الْمَنْعِ فِيهِ (فَلَا شَيْءَ عَلَى أَبِيهِ) لِانْعِدَامِ الْمَنْعِ (وَتَرِكَتُهُ لَهُ) أَيْ تَكُونُ تَرِكَةُ الْوَلَدِ مِيرَاثًا لِأَبِيهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ أَوْ بَعْدَهَا لِكَوْنِهِ حُرَّ الْأَصْلِ إذْ الْوَلَدُ فِي حَيَاتِهِ أَحَقُّ بِمَالِهِ فَيَكُونُ الْأَبُ أَحَقَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ خَلَفَهُ.
(وَإِنْ قَتَلَهُ الْأَبُ غُرِّمَ قِيمَتُهُ) لِتَحَقُّقِ الْمَنْعِ مِنْ الْأَبِ بِقَتْلِهِ.
(وَكَذَا إنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْأَبِ (فَأَخَذَ دِيَتَهُ) أَيْ أَخَذَ الْأَبُ مِقْدَارَ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ سَلَامَةَ بَدَلِهِ كَسَلَامَتِهِ وَمَنْعَ بَدَلِهِ كَمَنْعِهِ فَيُغَرَّمُ قِيمَتُهُ كَمَا إذْ كَانَ حَيًّا (وَيَرْجِعُ) الْمُشْتَرِي (بِقِيمَتِهِ) أَيْ قِيمَةِ الْوَلَدِ الَّتِي ضَمِنَهَا (وَبِالثَّمَنِ) أَيْ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ (عَلَى بَائِعِهِ) ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ لِكَوْنِهِ جُزْءَ الْمَبِيعِ إذْ الْغُرُورُ يَشْمَلُ سَلَامَةَ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ (لَا) يَرْجِعُ (بِالْعُقْرِ) الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ الْمُسْتَحَقُّ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ ضَامِنًا لِسَلَامَتِهِ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَرْجِعُ بِالْعُقْرِ أَيْضًا وَلَوْ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ فَاسْتَوْلَدَهَا الثَّانِي ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي بِالثَّمَنِ وَبِقِيمَةِ الْوَلَدِ، وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِالثَّمَنِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ أَيْضًا.
وَفِي الدُّرَرِ ادَّعَى الْعُصُوبَةَ وَبَيَّنَ النَّسَبَ وَبَرْهَنَ الْخَصْمُ أَنَّ النَّسَبَ بِخِلَافِهِ إنْ قَضَى بِالْأَوَّلِ لَمْ يَقْضِ بِهِ وَإِلَّا تَسَاقَطَا لِلتَّعَارُضِ وَعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ بَرْهَنَ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَبَرْهَنَ الدَّافِعُ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ لِأُمِّهِ فَقَطْ أَوْ عَلَى إقْرَارِ الْمَيِّتِ بِهِ أَيْ بِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ لِأُمِّهِ فَقَطْ كَانَ دَفْعًا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْأَوَّلِ لَا بَعْدَهُ لِتَأَكُّدِهِ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ادَّعَى مِيرَاثًا بِالْعُصُوبَةِ فَدَفَعَهُ أَنْ يَدَّعِيَ خَصْمُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ إقْرَارَهُ مَفْعُولُ يَدَّعِي بِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ بَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُصٌ انْتَهَى.
[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]
ِ مُنَاسَبَتُهُ بِالدَّعْوَى لِأَنَّ حَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَائِرٌ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَإِلَى الْإِقْرَارِ أَقْرَبُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي حَالِ الْمُسْلِمِ الصِّدْقُ (وَهُوَ) - لُغَةً - الْإِثْبَاتُ مِنْ قَرَّ الشَّيْءُ قَرَارًا إذَا قَامَ وَثَبَتَ، وَمِنْهُ ثَابِتُ الْقَدَمِ لِمَنْ قَرَّ، وَيُقَالُ: أَقَرَّهُ إقْرَارًا إذَا أَقَامَهُ هَذَا فِي الْحِسِّيِّ، وَأَمَّا فِي الْقَوْلِ يُقَالُ: أَقَرَّ بِهِ إذَا أَظْهَرَ بِالْقَوْلِ، - وَشَرْعًا - (إخْبَارٌ) أَيْ إعْلَامٌ بِالْقَوْلِ
стр. 1048
فَلَوْ كَتَبَ أَوْ أَشَارَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا كَتَبَ إلَى الْغَائِبِ: أَمَّا بَعْدُ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّهُ كَالْقَوْلِ شَرْعًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (بِحَقٍّ) أَيْ بِمَا يَثْبُتُ، وَيَسْقُطُ مِنْ عَيْنٍ وَغَيْرِهِ لَكِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا دَخَلَ مِنْ حَقِّ التَّغْرِيرِ وَنَحْوِهِ (لِآخَرَ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ لِغَيْرِ الْمُخْبِرِ عَلَى الْمُخْبِرِ، أَمَّا لِنَفْسِهِ عَلَى آخَرَ فَهُوَ دَعْوَى، وَلِآخَرَ عَلَى آخَرَ فَهُوَ شَهَادَةٌ، وَفِيمَا قَالَهُ أَبُو الْمَكَارِمِ مِنْ أَنَّ التَّعْرِيفَ مَنْقُوضٌ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ كَلَامٌ لِنِيَابَتِهِ مَنَابَهُ شَرْعًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُجِّيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَنَوْعٌ مِنْ الْمَعْقُولِ.
وَشَرْطُهُ الْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ.
وَرُكْنُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُقِرُّ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا (وَلَا يَصِحُّ) الْإِقْرَارُ (إلَّا لِمَعْلُومٍ) أَيْ لِشَخْصٍ مَعْلُومٍ لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يَصْلُحُ مُسْتَحِقًّا،.
وَفِي الْمِنَحِ: وَأَمَّا جَهَالَةُ الْمُقَرِّ لَهُ فَمَانِعَةٌ مِنْ صِحَّتِهِ إنْ تَفَاحَشَتْ كَلِوَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ عَلَيَّ كَذَا، وَإِلَّا كَلِأَحَدِ هَذَيْنِ عَلَيَّ كَذَا لَا.
وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُحَلِّفَهُ وَفِي الدُّرَرِ: وَإِنْ لَمْ يَتَفَاحَشْ بِأَنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْبُعْدَ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِلْمَجْهُولِ، وَأَنَّهُ لَا يُفِيدُ، وَقِيلَ يَصِحُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَتَمَامُهُ فِيهِ، فَلْيُطَالَعْ.
(وَحُكْمُهُ) أَيْ الْإِقْرَارِ (ظُهُورُ الْمُقَرِّ بِهِ) أَيْ الْمُخْبَرِ بِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَيْهِ (لَا إنْشَاؤُهُ) أَيْ لَا إثْبَاتُ الْمُقَرِّ بِهِ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلِذَا قَالُوا: إنَّ الْمُقَرَّ لَهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُقِرَّ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ دِيَانَةً إلَّا إنْ أَخَذَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ مُبْتَدَأٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِالْإِثْبَاتِ عَنْ النَّفْيِ وَجَمَعَهُمَا مُبَالَغَةً فِي رَدِّ مَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّ الْإِقْرَارَ إنْشَاءٌ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ إشَارَةً إلَى أَنَّ تَصْدِيقَ الْمُقَرِّ لَهُ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَإِنْ ارْتَدَّ بِرَدِّهِ، وَلَوْ صَدَّقَهُ ثُمَّ رَدَّهُ لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ، وَلَوْ رَدَّهُ ثُمَّ أَعَادَ إقْرَارَهُ صَحَّ الْإِقْرَارُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَقَدْ فَرَّعَ عَلَى كَوْنِ حُكْمِ الْإِقْرَارِ ظُهُورَ الْمُقَرِّ بِهِ لَا إنْشَاءَهُ بِقَوْلِهِ.
(فَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِالْخَمْرِ لِلْمُسْلِمِ) وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ إنْشَاءً لَمَا صَحَّ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَصْلُحُ لَهُ تَمْلِيكُ الْخَمْرِ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ أَقَرَّ بِخَمْرٍ لِلْمُسْلِمِ يَصِحُّ وَيُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِهَا إذَا طَلَبَ اسْتِرْدَادَهَا، وَلَوْ أَقَرَّ بِخَمْرٍ مُسْتَهْلَكٍ لِمُسْلِمٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْمُسْلِمِ بَدَلُ الْخَمْرِ.
(لَا) يَصِحُّ الْإِقْرَارُ (بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ مُكْرَهًا) لِقِيَامِ دَلِيلِ الْكَذِبِ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ وَلَوْ كَانَ إنْشَاءً لَصَحَّ لِأَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ، وَإِعْتَاقَهُ وَاقِعَانِ عِنْدَنَا.
(وَإِذَا أَقَرَّ حُرٌّ) وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ لِيَصِحَّ إقْرَارُهُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ يَتَأَخَّرُ إقْرَارُهُ بِالْمَالِ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَكَذَا الْمَأْذُونُ فِيمَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ كَالْمَهْرِ لِوَطْءِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، وَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا التِّجَارَةَ فَلَمْ يَكُنْ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (مُكَلَّفٌ) لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ لَا يَصِحُّ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الِالْتِزَامِ إلَّا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ كَمَا هُوَ
стр. 1049
مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ كَالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْغَصْبِ دُونَ مَا لَيْسَ مِنْهَا كَالْمَهْرِ وَالْجِنَايَةِ وَالْكَفَالَةِ لِدُخُولِ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ تَحْتَ الْإِذْنِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالنَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ، وَإِقْرَارُ السَّكْرَانِ جَائِزٌ مُطْلَقًا إذَا كَانَ سُكْرُهُ بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ إلَّا إذَا أَقَرَّ فِيمَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ كَالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ سَكِرَ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ كَالشُّرْبِ مُكْرَهًا، وَكَذَا شُرْبُ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْعَسَلِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (بِحَقٍّ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ كَشَيْءٍ وَحَقٍّ) أَيْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ أَوْ حَقٌّ (صَحَّ) إقْرَارُهُ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ يَلْزَمُهُ مَجْهُولًا بِأَنْ أَتْلَفَ مَالًا لَا يَدْرِي أَوْ جَرَحَ جِرَاحَةً لَا يَدْرِي أَرْشَهَا.
(وَلَزِمَهُ) فِيمَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ (بَيَانُ الْمَجْهُولِ) حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى بَيَانِهِ (بِمَالِهِ قِيمَةً) لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَجِبُ كَحَبَّةٍ مِنْ الْحِنْطَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الرُّجُوعِ فَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ حَقٌّ ثُمَّ عَنَيْت بِهِ حَقَّ الْإِسْلَامِ أَوْ الْجَارِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ مَوْصُولًا لِأَنَّهُ بَيَانٌ بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ (مَعَ يَمِينِهِ إنْ ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ أَكْثَرَ) مِمَّا بَيَّنَهُ الْمُقِرُّ بِلَا بُرْهَانٍ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ، وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ.
وَفِي الْمِنَحِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ، وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَوْ أَنْكَرَ الْإِقْرَارَ بِمَجْهُولٍ، وَأُرِيدَ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمَشْهُودِ بِهِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الشَّهَادَةِ وَتَمَامُهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَالتُّحْفَةِ.
(وَفِي) قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ (مَالٌ لَا يُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ مِنْ الْكُسُورِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ عَادَةً، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
(وَ) لَزِمَ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ (مَالٌ عَظِيمٌ نِصَابٌ مِمَّا بَيَّنَ بِهِ فِضَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا) لِأَنَّ النِّصَابَ عَظِيمٌ يُجْعَلُ صَاحِبُهُ غَنِيًّا، هَذَا قَوْلُهُمَا وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَعَنْهُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ لِأَنَّهَا مَالٌ عَظِيمٌ حَتَّى تُقْطَعَ بِهَا الْيَدُ وَيُسْتَبَاحَ الْبُضْعُ، قِيلَ: الْأَصَحُّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى حَالِ الْمُقِرِّ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، فَإِنَّ الْقَلِيلَ عِنْدَ الْفَقِيرِ عَظِيمٌ، وَالْكَثِيرَ عِنْدَ الْغَنِيِّ لَيْسَ بِعَظِيمٍ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ مُتَعَارِضٌ، فَإِنَّ الْمِائَتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ عَظِيمٌ، وَفِي السَّرِقَةِ وَالْمَهْرِ الْعَشَرَةُ عَظِيمَةٌ، فَيُرْجَعُ إلَى حَالِ الْمُقِرِّ (وَمِنْ الْإِبِلِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ) أَيْ لَزِمَ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ مِنْ الْإِبِلِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ إبِلًا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ نِصَابٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ جِنْسِهِ فَهُوَ عَظِيمٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ.
وَفِي الْمِنَحِ: وَإِنْ قَالَ غَصَبْت إبِلًا كَثِيرَةً أَوْ بَقَرًا كَثِيرَةً أَوْ غَنَمًا كَثِيرَةً يَنْصَرِفُ إلَى أَقَلِّ نِصَابٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ عِنْدَهُمَا وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالثَّلَاثُونَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْأَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ وَعِنْدَهُ يُرْجَعُ إلَى بَيَانِ الْمُقِرِّ (وَمِنْ الْبُرِّ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) لِأَنَّهُ الْمُقَدَّرُ بِالنِّصَابِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ يُرْجَعُ إلَى بَيَانِ الْمُقِرِّ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِمَّا بَيَّنَ إلَى هُنَا
стр. 1050
لَا يَخْلُو عَنْ التَّشَوُّشِ يَظْهَرُ لَك عِنْدَ التَّأَمُّلِ.
(وَمِنْ غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ لَزِمَهُ قِيمَةُ النِّصَابِ) فَلَا يُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ مِقْدَارِ النِّصَابِ قِيمَةً فِي غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ، لِأَنَّ قَدْرَ قِيمَتِهِ عَظِيمٌ أَيْضًا.
وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(وَ) لَزِمَ فِي لَهُ عَلَيَّ (أَمْوَالٌ عِظَامٌ ثَلَاثَةُ نُصُبٍ) مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ فَسَّرَهُ بِهِ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ فَلَا يُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ.
(وَ) فِي (دَرَاهِمَ ثَلَاثَةٌ) بِالْإِجْمَاعِ اعْتِبَارًا لِأَدْنَى الْجَمْعِ (وَ) فِي (دَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ عَشَرَةٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهَا أَقْصَى مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ (وَعِنْدَهُمَا نِصَابٌ) وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ لِأَنَّ صَاحِبَ النِّصَابِ مُكْثِرٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ مُوَاسَاةُ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا دُونَهُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ: عَلَيَّ دَنَانِيرُ كَثِيرَةٌ عِنْدَهُمَا يَنْصَرِفُ إلَى النِّصَابِ وَعِنْدَهُ إلَى الْعَشَرَةِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ، فَعِنْدَهُ عَشَرَةٌ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ مَا يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ مَالٌ نَفِيسٌ أَوْ كَرِيمٌ أَوْ خَطِيرٌ أَوْ جَلِيلٌ، قَالَ النَّاطِفِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَكَانَ الْجُرْجَانِيُّ يَقُولُ يَلْزَمُهُ مِائَتَانِ.
(وَ) لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ (كَذَا دِرْهَمًا) لَزِمَ (دِرْهَمٌ) لِأَنَّ " كَذَا " مُبْهَمٌ وَ " دِرْهَمًا " تَفْسِيرٌ لَهُ.
وَفِي التَّتِمَّةِ وَالذَّخِيرَةِ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ لِأَنَّ كَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْعَدَدِ، وَأَقَلُّ الْعَدَدِ اثْنَانِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِعَدَدٍ.
وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ قِيلَ يَلْزَمُهُ عِشْرُونَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ كَذَا يُذْكَرُ لِلْعَدَدِ عُرْفًا، وَأَقَلُّ عَدَدٍ غَيْرِ مُرَكَّبٍ يُذْكَرُ بَعْدَهُ الدَّرَاهِمُ بِالنَّصْبِ عِشْرُونَ، وَلَوْ ذَكَرَهُ بِالْخَفْضِ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ مِائَةٌ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ عَظِيمٌ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ دُرَيْهِمٌ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ تَامٌّ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ قَدْ يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ فَلَا يَنْقُصُ عَنْ الْوَزْنِ، وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْوَزْنُ الْمُعْتَادُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
(وَ) لَوْ قَالَ - بِلَا وَاوٍ -: لَهُ عَلَيَّ (كَذَا كَذَا) دِرْهَمًا لَزِمَ (أَحَدَ عَشَرَ) دِرْهَمًا لِأَنَّ كَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْعَدَدَيْنِ بِالْإِضَافَةِ، وَهُوَ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ إلَى تِسْعَةَ عَشَرَ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَقَلِّ لِتَيَقُّنِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ.
(وَإِنْ ثَلَّثَ) أَيْ قَالَ - بِلَا وَاوٍ -: لَهُ عَلَيَّ كَذَا كَذَا كَذَا دِرْهَمًا (فَكَذَلِكَ) أَيْ يَلْزَمُهُ أَحَدَ عَشَرَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي أَلْفَاظِ الْعَدَدِ فَحُمِلَ الْأَخِيرُ عَلَى التَّكْرَارِ أَوْ التَّأْكِيدِ.
(وَ) لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ (كَذَا وَكَذَا) بِحَرْفِ الْعَطْفِ لَزِمَ (أَحَدٌ وَعِشْرُونَ) دِرْهَمًا لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ الْعَطْفِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ مِنْ الْعَدَدِ الْمُفَسِّرِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، وَأَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَالْأَوَّلُ يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، وَالزِّيَادَةُ تَقِفُ عَلَى بَيَانِهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ (وَإِنْ ثَلَّثَ) لَفْظَ كَذَا (بِالْوَاوِ زِيدَ مِائَةٌ) أَيْ يَلْزَمُهُ مِائَةٌ وَوَاحِدٌ وَعِشْرُونَ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَعْدَادٍ مَعَ الْوَاوِ.
(وَإِنْ رَبَّعَ) لَفْظَ كَذَا مَعَ تَثْلِيثِ الْوَاوِ (زِيدَ أَلْفٌ) عَلَى مِائَةٍ وَوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَرْبَعِ أَعْدَادٍ مَعَ
стр. 1051
الْوَاوِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَقَلِّ الْمُتَيَقَّنِ دُونَ الْأَكْثَرِ إذْ الْأَصْلُ فِي الذِّمَمِ الْبَرَاءَةُ، وَلَوْ خَمَّسَ يُزَادُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَلَوْ سَدَّسَ يُزَادُ مِائَةُ أَلْفٍ، وَلَوْ سَبَّعَ يُزَادُ أَلْفُ أَلْفٍ، وَكُلَّمَا زَادَ عَدَدًا مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ زِيدَ عَلَيْهِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَكَذَا كُلُّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ) فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوَرِ.
(وَبِشِرْكٍ فِي عَبْدٍ) يَعْنِي إذَا قَالَ: لَهُ شِرْكٌ فِي هَذَا الْعَبْدِ (فَهُوَ نِصْفٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّ الشِّرْكَ بِمَعْنَى الشَّرِكَةِ وَهِيَ تُنْبِئُ عَنْ التَّسْوِيَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ) لِأَنَّ الشِّرْكَ يَجِيءُ بِمَعْنَى النَّصِيبِ، وَهُوَ مُجْمَلٌ فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ بِمَا شَاءَ.
وَفِي التَّسْهِيلِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
(وَقَوْلُهُ عَلَيَّ أَوْ قِبَلِي إقْرَارٌ بِدَيْنٍ) أَيْ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ، أَوْ قَالَ: لَهُ قِبَلِي فَهُوَ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ؛ لِأَنَّ عَلَيَّ لِلْوُجُوبِ، وَلَفْظُ " قِبَلِي " يُسْتَعْمَلُ فِي الضَّمَانِ كَمَا مَرَّ فِي الْكَفَالَةِ.
وَفِي الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا (فَإِنْ وَصَلَ بِهِ) أَيْ قَالَ الْمُقِرُّ - بِلَا تَرَاخٍ -: (وَهُوَ وَدِيعَةٌ صُدِّقَ) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ مَجَازًا حَيْثُ يَكُونُ الْمَضْمُونُ حِفْظَهُ، وَالْمَالُ مَحَلَّهُ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ مَجَازًا، فَيُصَدَّقُ مَوْصُولًا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي الْمِنَحِ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِهِ مُتَّصِلًا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ مَجَازًا (وَإِنْ فَصَلَ لَا) يُصَدَّقُ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ.
(وَ) لَوْ قَالَ (عِنْدِي أَوْ) قَالَ (مَعِي أَوْ) قَالَ (فِي بَيْتِي أَوْ فِي صُنْدُوقِي أَوْ كِيسِي) فَهُوَ (إقْرَارٌ بِأَمَانَةٍ) لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَحَلٌّ لِلْعَيْنِ لَا لِلدَّيْنِ، إذْ الدَّيْنُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ، وَالْعَيْنُ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً، وَالْأَمَانَةُ أَدْنَاهُمَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَهَذَا لِأَنَّ كَلِمَةَ " عِنْدَ " لِلظَّرْفِ، وَ " مَعَ " لِلْقِرَانِ، وَمَا عَدَاهُمَا لِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ فَيَكُونُ مِنْ خَصَائِصِ الْعَيْنِ، وَلَا يُحْتَمَلُ الدَّيْنُ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
(وَلَوْ قَالَ لِمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا: اتَّزِنْهَا) أَمْرٌ مَعْنَاهُ خُذْ بِالْوَزْنِ الْوَاجِبِ لَك عَلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ الضَّمِيرَ مَعَ أَنَّ الْأَلْفَ مِنْ الْعَدَدِ اعْتِبَارًا لِلدَّرَاهِمِ (أَوْ انْتَقِدْهَا أَوْ أَجِّلْنِي بِهَا أَوْ قَدْ قَضَيْتُكَهَا، أَوْ أَبْرَأْتَنِي مِنْهَا، أَوْ وَهَبْتَهَا لِي، أَوْ تَصَدَّقْتَ بِهَا عَلَيَّ، أَوْ أَحَلْتُك بِهَا فَقَدْ أَقَرَّ) الْأَلِفَ لِأَنَّ الْهَاءَ كِنَايَةٌ عَنْ الْمَذْكُورِ فِي الدَّعْوَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَعَادَ الْمُدَّعَى فَيَكُونُ إقْرَارًا بِهَا، إلَّا إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَلِكَ، أَمَّا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ قَالَ مُسْتَهْزِئًا لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ (وَبِلَا ضَمِيرٍ لَا) أَيْ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِهَا كَمَا إذَا قَالَ: اتَّزِنْ أَوْ انْتَقِدْ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ حِينَئِذٍ عَلَى انْصِرَافِهِ إلَى الْمَذْكُورِ فَيَكُونُ كَلَامًا مُبْتَدَأً فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَوَابَ يَنْتَظِمُ بِإِعَادَةِ الْخِطَابِ لِيُفِيدَ الْكَلَامَ، فَكُلُّ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا، وَلَا يَصْلُحُ ابْتِدَاءً يُجْعَلُ جَوَابًا، وَمَا يَصْلُحُ لِلِابْتِدَاءِ لَا لِلْبِنَاءِ أَوْ يَصْلُحُ لَهُمَا فَإِنَّهُ يُجْعَلُ ابْتِدَاءً، فَإِنْ ذَكَرَ هَاءَ الْكِنَايَةِ يَصْلُحُ جَوَابًا لَا ابْتِدَاءً، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْهَاءَ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا، أَوْ يَصْلُحُ جَوَابًا، أَوْ ابْتِدَاءً، فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالشَّكِّ.
وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْك
стр. 1052
أَلْفٌ، فَقَالَ نَعَمْ يَكُونُ إقْرَارًا، وَلَوْ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ لَا؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ الْأَخْرَسِ.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: أَعْطِنِي ثَوْبَ عَبْدِي هَذَا، فَقَالَ نَعَمْ، كَانَ إقْرَارًا مِنْهُ بِالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ لَهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْطِنِي سَرْجَ دَابَّتِي هَذِهِ، أَوْ لِجَامَهَا، أَوْ افْتَحْ بَابَ دَارِي أَوْ جَصِّصْهَا، فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا لِأَنَّ كَلِمَةَ " نَعَمْ " لَا تَسْتَقِلُّ فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْجَوَابِ كَيْ لَا يَصِيرَ لَغْوًا.
وَفِي الْمِنَحِ: رَجُلٌ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَقْرَضْتُك مِائَةَ دِرْهَمٍ فَقَالَ: لَا أَعُودُ بِهَا، أَوْ قَالَ: لَا أَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ إقْرَارٌ وَلَوْ قَالَ: مَا اسْتَقْرَضْتُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاك، أَوْ قَالَ: مِنْ أَحَدٍ غَيْرِك، أَوْ قَالَ: مَا اسْتَقْرَضْتُ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَك، أَوْ قَالَ: مَا اسْتَقْرَضْتُ مِنْ أَحَدٍ بَعْدَك لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، قَالَ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمُخَاطَبُ فِي جَوَابِهِ: بَلَى، فَهُوَ إقْرَارٌ لَهُ بِالْأَلْفِ، وَإِنْ قَالَ نَعَمْ لَا يَكُونُ إقْرَارًا وَتَمَامُهُ فِيهِ، فَلْيُرَاجَعْ.
(وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: هُوَ حَالٌّ لَزِمَهُ) أَيْ الْمُقِرَّ حَالَ كَوْنِ الدَّيْنِ (حَالًّا) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَى نَفْسِهِ وَادَّعَى لِنَفْسِهِ حَقًّا فِيهِ، فَيُصَدَّقُ فِي الْإِقْرَارِ بِلَا حُجَّةٍ دُونَ الدَّعْوَى، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَبْدٍ فِي يَدِهِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ اسْتَأْجَرَهُ مِنْهُ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْمِلْكِ لَا الْإِجَارَةِ (وَحُلِّفَ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْأَجَلِ) لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَاحِدٍ لَزِمَهُ مُؤَجَّلًا مَعَ يَمِينِهِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِالدَّرَاهِمِ السُّودِ فَكَذَّبَهُ فِي صِفَتِهَا حَيْثُ يَلْزَمُهُ أَيْ الْمُقِرَّ مَا أَقَرَّ بِهِ فَقَطْ، كَإِقْرَارِ الْكَفِيلِ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ.
(وَلَوْ قَالَ) لَهُ (عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ فَالْكُلُّ دَرَاهِمُ) فَيَلْزَمُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَدِرْهَمٌ اسْتِحْسَانًا عِنْدَنَا؛ لِوُقُوعِ دِرْهَمٍ تَفْسِيرًا لِلْمِائَةِ الْمُبْهَمَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُرْجَعَ فِي تَفْسِيرِ الْمِائَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
(وَكَذَا كُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ) يَعْنِي لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مِائَةٌ وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ يَلْزَمُهُ مِائَةُ قَفِيزِ حِنْطَةٍ وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ.
(وَلَوْ قَالَ) لَهُ عَلَيَّ (مِائَةٌ وَثَوْبٌ أَوْ) قَالَ لَهُ عَلَيَّ (مِائَةٌ وَثَوْبَانِ لَزِمَهُ تَفْسِيرُ الْمِائَةِ) فَيَلْزَمُهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فِي الْأُولَى وَثَوْبَانِ فِي الثَّانِيَةِ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُمَا مُبْهَمَةٌ، وَالثَّوْبُ عَطْفٌ عَلَيْهَا لَا تَفْسِيرٌ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ لَمْ يُوضَعْ لِتَفْسِيرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ كَمَا فِي مِائَةٍ وَدِرْهَمٍ.
(وَإِنْ قَالَ) لَهُ عَلَيَّ (مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ فَالْكُلُّ ثِيَابٌ) فَيَلْزَمُهُ أَثْوَابٌ فِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ، وَذَكَرَ عَقِيبَهُمَا مُمَيِّزًا بِلَا وَاوٍ؛ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّفْسِيرِ كَعَدَدٍ وَاحِدٍ بِالِاقْتِرَانِ.
(وَلَوْ أَقَرَّ بِتَمْرٍ فِي قَوْصَرَّةٍ) وَهِيَ وِعَاءٌ مِنْ خُوصٍ وَغَيْرِهِ، وَيُقَالُ وِعَاءٌ لِلتَّمْرِ مَنْسُوجٌ مِنْ قَصَبٍ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ: الْقَوْصَرَّةُ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وِعَاءُ التَّمْرِ يُتَّخَذُ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ قَوْصَرَّةً مَا دَامَ فِيهَا التَّمْرُ، وَإِلَّا فَهِيَ زِنْبِيلٌ (لَزِمَاهُ) أَيْ التَّمْرُ وَالْقَوْصَرَّةُ مَعًا، لِأَنَّ غَصْبَ الشَّيْءِ الْمُتَعَدِّدِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الظَّرْفِ، وَكَذَا الطَّعَامُ فِي السَّفِينَةِ وَالْجَوَالِقِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: غَصَبْت مِنْ قَوْصَرَّةٍ أَوْ مِنْ سَفِينَةٍ أَوْ مِنْ جَوَالِقَ لِأَنَّ كَلِمَةَ " مِنْ " لِلِانْتِزَاعِ
стр. 1053
فَيَكُونُ إقْرَارًا بِغَصْبِ الْمَنْزُوعِ.
(أَوْ) أَقَرَّ (بِخَاتَمٍ، لَزِمَهُ الْحَلْقَةُ وَالْفَصُّ) لِإِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُ الْفَصُّ فِي بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ.
(أَوْ) أَقَرَّ (بِسَيْفٍ فَالنَّصْلُ) أَيْ لَزِمَهُ حَدِيدُهُ (وَالْجِفْنُ) أَيْ غِلَافُهُ (وَالْحَمَائِلُ) وَهِيَ عِلَاقَةُ السَّيْفِ، لِأَنَّ اسْمَ السَّيْفِ يُطْلَقُ عَلَى الْكُلِّ.
(أَوْ) أَقَرَّ (بِحَجَلَةٍ) بِفَتْحَتَيْنِ (فَالْكِسْوَةُ) أَيْ لَزِمَهُ الْكِسْوَةُ (وَالْبَعِيدَانِ) لِإِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى الْكُلِّ عُرْفًا، لِأَنَّهُ بَيْتٌ مُزَيَّنٌ بِالْأَسِرَّةِ وَالثِّيَابِ وَالسُّتُورِ، وَقِيلَ بَيْتٌ يُتَّخَذُ مِنْ خَشَبٍ وَثِيَابٍ اسْمُهُ خركاه وأوتاق.
(وَإِنْ) أَقَرَّ (بِدَابَّةٍ فِي إصْطَبْلٍ لَزِمَهُ الدَّابَّةُ فَقَطْ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّ غَصْبَ الْإِصْطَبْلِ لَا يَتَحَقَّقُ لِعَدَمِ إمْكَانِ النَّقْلِ لِكَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْغَيْرِ فَلَا يَكُونُ تَابِعًا لَهَا، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُهُمَا لِأَنَّ غَصْبَ غَيْرِ الْمَنْقُولِ يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ وَعَلَى هَذَا الطَّعَامُ فِي الْبَيْتِ.
(وَ) إنْ أَقَرَّ (بِثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ لَزِمَاهُ) لِأَنَّ الْمِنْدِيلَ ظَرْفٌ لِلثَّوْبِ.
(وَكَذَا) إنْ أَقَرَّ (بِثَوْبٍ فِي ثَوْبٍ) لَزِمَهُ الظَّرْفُ كَالْمَظْرُوفِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَظْرُوفِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ ظَرْفِهِ.
(وَإِنْ) أَقَرَّ (بِثَوْبٍ فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ لَزِمَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوَّلًا، لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي تُسْتَعْمَلُ فِي الْبَيْنِ وَالْوَسَطِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] بِمَعْنَى بَيْنَ عِبَادِي فَوَقَعَ الشَّكُّ فَلَمْ تَثْبُتْ الظَّرْفِيَّةُ، وَلِأَنَّ الْعَشَرَةَ لَا تَكُونُ ظَرْفًا لِوَاحِدٍ عَادَةً، وَالْمُمْتَنِعُ عَادَةً كَالْمُمْتَنِعِ حَقِيقَةً، فَيُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ مَحَلِّهِ كَمَا لَوْ قَالَ: غَصَبْت سَرْجًا عَلَى فَرَسٍ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ بِغَصْبِ سَرْجٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْفَرَسِ بَيَانًا لِلْمَحَلِّ.
(وَ) لَزِمَهُ (أَحَدَ عَشَرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُلَفَّ الثَّوْبُ النَّفِيسُ فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: حِنْطَةً فِي جَوَالِقَ.
وَفِي التَّبْيِينِ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا قَالَ: غَصَبْت كِرْبَاسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابِ حَرِيرٍ يَلْزَمُهُ الْكُلُّ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عُرْفًا.
(وَلَوْ قَالَ) لَهُ (عَلَيَّ خَمْسَةٌ فِي خَمْسَةٍ لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (نَوَى الضَّرْبَ) الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحِسَابِ، لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ خَمْسَةٌ مَضْرُوبَةٌ وَالْخَمْسَةُ إذَا ضُرِبَتْ بِخَمْسَةٍ تَكْثُرُ أَجْزَاؤُهَا لِأَنَّ عَيْنَهَا تَكْثُرُ وَتَبْلُغُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (وَبِنِيَّةِ " مَعَ " لَزِمَهُ عَشَرَةٌ) أَيْ لَوْ قَالَ: أَرَدْت خَمْسَةً مَعَ خَمْسَةٍ لَزِمَهُ عَشَرَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، إذْ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ.
(وَفِي قَوْلِهِ: عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ أَوْ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ يَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ) فِيهِمَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا، لَكِنَّ الْأُولَى تَدْخُلُ هُنَا بِالضَّرُورَةِ، لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْأُولَى (وَعِنْدَهُمَا) وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَلْزَمُهُ (عَشَرَةٌ) لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً، إذْ الْمَعْدُومُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا لِلْمَوْجُودِ، فَوُجُودُهُ بِوُجُوبِهِ فَتَدْخُلُ الْغَايَتَانِ وَعِنْدَ زُفَرَ يَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ وَهُوَ اعْتَبَرَ الْحَدَّيْنِ الْخَارِجَيْنِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ بَعْضَ الْغَايَاتِ يَدْخُلُ وَبَعْضَهَا لَا فَلَا يَدْخُلُ بِالشَّكِّ.
(وَإِنْ قَالَ لَهُ
стр. 1054
مِنْ دَارِي مَا بَيْنَ هَذَا الْجِدَارِ إلَى هَذَا الْجِدَارِ فَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا فَقَطْ) بِالْإِجْمَاعِ لِوُجُودِهِ بِلَا انْضِمَامِ شَيْءٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ عَلَيَّ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إلَى الْعَشَرَةِ إذْ لَيْسَ لِلْبَيْنِ وُجُودٌ مُسْتَقِلٌّ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْوَاحِدِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
(وَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِالْحَمْلِ) الْمُحْتَمَلِ وُجُودُهُ وَقْتَ الْإِقْرَارِ، بِأَنْ أَقَرَّ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ أَوْ شَاةٍ لِرَجُلٍ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالِاتِّفَاقِ بِلَا بَيَانِ سَبَبِهِ (وَحَمْلٍ عَلَى الْوَصِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِ) بَيَانُهُ أَنْ يُوصِيَ زَيْدٌ حَمْلَ جَارِيَتِهِ أَوْ شَاتِهِ لِبَكْرٍ، وَمَاتَ، وَأَقَرَّ وَارِثُهُ بِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ لِبَكْرٍ.
(وَ) صَحَّ الْإِقْرَارُ (لِلْحَمْلِ إنْ بَيَّنَ) الْمُقِرُّ (سَبَبًا صَالِحًا) يُتَصَوَّرُ لِلْحَمْلِ (كَإِرْثٍ) بِأَنْ قَالَ: إنَّ مُوَرِّثَ الْحَمْلِ مَاتَ فَوَرِثَهُ الْحَمْلُ، وَاسْتَهْلَكْت مِنْ مَالِ الْمُوَرِّثِ أَلْفًا مَثَلًا (أَوْ وَصِيَّةٍ) بِأَنْ قَالَ: إنَّ مُوَرِّثِي أَوْصَى فِي حَيَاتِهِ بِحَمْلِ فُلَانَةَ أَلْفًا مَثَلًا، لِأَنَّهُ بَيَّنَ سَبَبًا صَالِحًا فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ الْإِرْثُ وَالْوَصِيَّةُ (فَإِنْ وَلَدَتْ) الْحَامِلُ وَلَدًا (حَيًّا لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ مُنْذُ أَقَرَّ فَلَهُ) أَيْ لِلْحَمْلِ (مَا أَقَرَّ بِهِ) الْمُقِرُّ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ بِيَقِينٍ.
(وَإِنْ) وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ (حَيَّيْنِ فَلَهُمَا) أَيْ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوِيَّةِ إنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى فَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَفِي الْإِرْثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأُمَّ لَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا اسْتَحْقَقَ الْوَلَدُ مَا أُقِرَّ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْبَطْنِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّةً بَلْ ذَاتَ زَوْجٍ فَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَسْتَحْقِقْ.
(وَإِنْ) وَلَدَتْ وَلَدًا (مَيِّتًا فَلِلْمُوصِي وَالْمُوَرِّثِ) أَيْ يُرَدُّ الْمَالُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَالْمُوَرِّثِ، لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُمَا، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْجَنِينِ بَعْدَ وِلَادَتِهِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِمَا.
(وَإِنْ فَسَّرَ بِبَيْعٍ أَوْ إقْرَاضٍ) أَيْ إنْ فَسَّرَ الْمُقِرُّ الْإِقْرَارَ بِسَبَبٍ غَيْرِ صَالِحٍ بِأَنْ قَالَ: إنَّهُ بَاعَ مِنِّي هَذِهِ الدَّارَ بِكَذَا، أَوْ أَقْرَضَنِي، أَوْ وَهَبَ مِنِّي كَذَا، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ شَيْءٌ مِنْهُ مِنْ الْجَنِينِ (أَوْ أَبْهَمَ) الْمُقِرُّ (الْإِقْرَارَ) بِلَا بَيَانِ سَبَبٍ أَصْلًا بِأَنْ قَالَ: عَلَيَّ لِحَمْلِ فُلَانَةَ كَذَا (يَكُونُ لَغْوًا) أَيْ يَكُونُ إقْرَارُهُ لَغْوًا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ وُجُوهَ فَسَادِهِ أَكْثَرُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِقْرَاضِ، وَالْهِبَةُ مِنْ وُجُوهِ جَوَازِهِ كَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْجَوَازِ مُتَعَذَّرٌ، إذْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَنْ يُعْتَبَرَ سَبَبًا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَتَعَيَّنَ الْفَسَادُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ الْحُجَجِ فَيَجِبُ إعْمَالُهُ وَقَدْ أَمْكَنَ بِالْحَمْلِ عَلَى السَّبَبِ الصَّالِحِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَالْإِقْرَارُ لِلرَّضِيعِ صَحِيحٌ، وَإِنْ بَيَّنَ سَبَبًا غَيْرَ صَالِحٍ حَقِيقَةً كَالْإِقْرَاضِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ) بِأَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ عَارِيَّةٌ قَائِمَةٌ أَوْ مُسْتَهْلِكَةٌ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (لَزِمَهُ الْمَالُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ، وَالْإِخْبَارَ لَا يَقْبَلُ الْخِيَارَ، وَزَادَ صَاحِبُ الْمِنَحِ قَوْلَهُ: وَإِنْ صَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ لَا عِبْرَةَ بِتَصْدِيقِهِ إلَّا إنْ أَقَرَّ بِعَقْدِ بَيْعٍ وَقَعَ
стр. 1055
بِالْخِيَارِ لَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ إذَا صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقَرِّ لَهُ كَإِقْرَارِهِ بِدَيْنٍ بِسَبَبِ كَفَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي مُدَّةٍ وَلَوْ كَانَتْ طَوِيلَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ إنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَفِي الْغَرَرِ: اشْهَدَا عَلَى أَلْفٍ فِي مَجْلِسٍ، وَآخَرَانِ فِي آخَرَ، لَزِمَ أَلْفَانِ.
الْأَمْرُ بِكِتَابَةِ الْإِقْرَارِ إقْرَارِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ، قِيلَ يَلْزَمُهُ كُلُّهُ وَقِيلَ حِصَّتُهُ لَكِنَّ الْفَتْوَى فِي زَمَنِنَا بِالْأَوَّلِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ أَقَرَّ ثُمَّ ادَّعَى الْمُقِرُّ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي الْإِقْرَارِ يُحَلَّفُ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ يُفْتَى، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي مَسَائِلَ شَتَّى وَكَذَا لَوْ ادَّعَى وَارِثُ الْمُقِرِّ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى وَرَثَةِ الْمُقَرِّ لَهُ فَالْيَمِينُ عَلَيْهِمْ بِالْعِلْمِ: إنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا.
وَفِي الْمِنَحِ: إذَا قَالَ ذُو الْيَدِ: لَيْسَ هَذَا لِي أَوْ لَيْسَ مِلْكِي، أَوْ لَا حَقَّ لِي فِيهِ، أَوْ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقٌّ، أَوْ مَا كَانَ لِي، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ حِينَمَا قَالَ ثُمَّ ادَّعَى ذَلِكَ أَحَدٌ، فَقَالَ ذُو الْيَدِ: هُوَ لِي صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَهَذَا التَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ.
أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَيْنٍ لَا يَمْلِكُهُ صَحَّ إقْرَارُهُ حَتَّى لَوْ مَلَكَهُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
طَلَبُ الصُّلْحِ عَنْ الدَّعْوَى لَا يَكُونُ إقْرَارًا وَطَلَبُ الصُّلْحِ عَنْ الْمُدَّعَى يَكُونُ إقْرَارًا " أَبْرَأَنِي عَنْ الدَّعْوَى " لَيْسَ بِإِقْرَارٍ " أَبْرَأَنِي عَنْ هَذَا الْمَالِ " إقْرَارٌ الْإِقْرَارُ بِشَيْءٍ مُحَالٍ بَاطِلٌ وَتَمَامُهُ فِيهِ، فَلْيُطَالَعْ.
[بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ]
ُ لَمَّا ذَكَرَ مُوجَبَ الْإِقْرَارِ بِلَا تَغَيُّرٍ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُوجَبِهِ مَعَ التَّغْيِيرِ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي كَوْنِهِ مُغَيِّرًا لِلسَّابِقِ كَالشَّرْطِ وَنَحْوِهِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ: تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ مِنْ مَجْمُوعِ التَّرْكِيبِ، وَنَفْيٌ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ هَذَا عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: إخْرَاجٌ بَعْدَ الدُّخُولِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ وَهَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ جَائِزٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَوْ كَانَ إخْرَاجًا لَمَا صَحَّ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ الرُّجُوعَ وَالرَّفْعَ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَشُرِطَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إلَّا إذَا انْفَصَلَ عَنْهُ لِضَرُورَةِ نَفَسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ أَخْذِ فَمٍ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الِاتِّصَالَ كَمَا فِي الطَّلَاقِ.
وَالنِّدَاءُ بَيْنَهُمَا لَا يَضُرُّ كَقَوْلِهِ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ - يَا فُلَانُ - إلَّا عَشَرَةً بِخِلَافِ لَك أَلْفٌ - فَاشْهَدُوا - إلَّا كَذَا وَنَحْوِهِ مِمَّا يُعَدُّ فَاصِلًا، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَصِحُّ مَعَهُ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَثْنَى مُنْفَصِلًا عَنْ إقْرَارِهِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ، وَالرُّجُوعُ عَنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ (صَحَّ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ لَوْ) كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ (مُتَّصِلًا) بِإِقْرَارِهِ (وَلَزِمَهُ بَاقِيهِ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْجُمْلَةِ أَيْ الصَّدْرِ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا " مَعْنَى قَوْلِهِ " عَلَيَّ تِسْعَةٌ "، سَوَاءٌ اسْتَثْنَى الْأَقَلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْأَكْثَرِ لِوُرُودِهِمَا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ اسْتِثْنَاءُ
следующие страницы →