Полный текст (1 543 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
لَيْسَ بِشَرْطٍ إذْ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ ذِمِّيًّا بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ هَذَا التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ انْتَهَى.
لَكِنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَقَادِرًا عَلَيْهِ وَإِنْ امْتَنَعَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِعَارِضِ النَّهْيِ فَلَا يَلْزَمُ مَا قِيلَ تَدَبَّرْ.
[شُرُوط الْوَكَالَة]
(وَ) شَرْطُهَا أَيْضًا كَوْنُ (الْوَكِيلِ) مِمَّنْ (يَعْقِلُ الْعَقْدَ) وَيَعْرِفُ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ لِلْمَبِيعِ وَجَالِبٌ لِلثَّمَنِ وَالشِّرَاءَ عَلَى عَكْسِهِ وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ وَالْيَسِيرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحٌ وَفَرْقُ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ مِنْ الْفَاحِشِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْفِقْهِ فَلَا وَجْهَ لِاشْتِرَاطِهِ فِي صِحَّةِ التَّوْكِيلِ انْتَهَى.
لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ هُوَ الْمُمَيِّزُ مُطْلَقًا فَلَا يُرَدُّ تَدَبَّرْ (وَيَقْصِدُهُ) أَيْ يَقْصِدُ الْوَكِيلُ ثُبُوتَ حُكْمِ الْعَقْدِ وَحُصُولَ الرِّبْحِ حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ فَلَا يَقَعُ عَنْ الْمُوَكِّلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ لَيْسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ لَا فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْوَكِيلِ وَعَدَمِهِ وَعَدَمِ وُقُوعِهِ عَنْ الْمُوَكِّلِ وَلِذَا تَرَكَهُ فِي الْكَنْزِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَهُ يَقْصِدُهُ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ يَعْقِلُ وَالْعَطْفُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَصْدِ يُعْلَمُ كَمَالُ الْعَقْلِ تَدَبَّرْ وَفِيهِ رَمْزٌ إلَى أَنَّ الْمَعْتُوهَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقِلُهُ وَيَقْصِدُهُ وَإِنْ لَمْ يُرَجِّحْ الْمَصْلَحَةَ عَلَى الْمَفْسَدَةِ، وَإِلَى أَنَّ عِلْمَ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ لِمَنْ يَشْتَرِطُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَلَوْ وَكَّلَ بِبَيْعِ عَبْدِهِ وَطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَفَعَلَ الْوَكِيلُ قَبْلَ الْعِلْمِ جَازَ خِلَافًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْحُرِّ الْبَالِغِ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِالْعَاقِلِ لِيَحْتَرِزَ عَنْ الْمَجْنُونِ لِمَا فِي التَّنْوِيرِ فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ مُطْلَقًا وَصَبِيٍّ يَعْقِلُ بِنَحْوِ طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ وَصَحَّ تَوْكِيلُهُ بِمَا يَنْفَعُهُ بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَبِمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ ضَرَرٍ وَنَفْعٍ كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ إنْ مَأْذُونًا وَإِلَّا تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ (أَوْ الْمَأْذُونِ) وَالْمُرَادُ بِالْمَأْذُونِ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ الَّذِي أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ وَالْعَبْدُ الَّذِي أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى أَيْ يَصِحُّ تَوْكِيلُ كُلٍّ مِنْهُمَا (حُرًّا) مَفْعُولُ تَوْكِيلٍ (بَالِغًا، أَوْ مَأْذُونًا) ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ مَالِكٌ لِلتَّصَرُّفِ وَالْوَكِيلَ أَهْلٌ لَهُ (أَوْ) تَوْكِيلُهُمَا (صَبِيًّا عَاقِلًا، أَوْ عَبْدًا مَحْجُورَيْنِ) قَيْدٌ لِلصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ أَهْلٌ لِلْعِبَارَةِ حَتَّى يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَكَذَا الْعَبْدُ حَتَّى يَصِحَّ طَلَاقُهُ وَإِقْرَارُهُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَلَكِنْ لَا يَرْجِعُ حُقُوقُ الْعَقْدِ إلَيْهِمَا بَلْ إلَى مُوَكِّلِهِمَا إذْ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الْتِزَامُ الْعُهْدَةِ فَالصَّبِيُّ لِقُصُورِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْعَبْدُ لِحَقِّ الْمَوْلَى بِخِلَافِ الْمَأْذُونَيْنِ بِحَيْثُ تَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ الْبَائِعِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَبِيٌّ، أَوْ مَجْنُونٌ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ، أَوْ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَزِمَهُ الثَّمَنُ وَرَجَعَ بِهِ
стр. 982
عَلَى الْمُوَكِّلِ اسْتِحْسَانًا (بِكُلِّ مَا) كَوْنُهُ مَوْصُوفَةٌ، أَوْلَى مِنْ الْمَوْصُولَةِ وَالظَّرْفُ لِلتَّوْكِيلِ أَيْ صَحَّ التَّوْكِيلُ لِكُلِّ عَقْدٍ (يَعْقِدُهُ هُوَ) أَيْ الْمُوَكَّلُ (بِنَفْسِهِ) أَيْ مُسْتَبِدًّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِوِلَايَةِ نَفْسِهِ عَنْ الْغَيْرِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَوْكِيلِ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ جَوَازِهِ دَفْعًا لِحَاجَتِهِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَا يَشْكُلُ بِتَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ، أَوْ الذِّمِّيِّ ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْلِمًا بِبَيْعِ الْخَمْرِ، أَوْ شِرَائِهَا وَبِالتَّوْكِيلِ بِبَيْعِ الْمُسْلِمِ وَالِاسْتِقْرَاضِ كَمَا ظُنَّ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ كَافِيَةٌ لِلْأَوَّلِينَ وَالثَّالِثُ مُسْتَثْنًى بِقَرِينَةِ الْآتِي وَالرَّابِعُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِوَجْهٍ آخَرَ كَمَا بُيِّنَ آنِفًا.
(وَ) صَحَّ التَّوْكِيلُ (بِإِيفَاءِ كُلِّ حَقٍّ وَبِاسْتِيفَائِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَدْ لَا يَهْتَدِي إلَى طَرِيقِ الْإِيفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّوْكِيلِ بِالضَّرُورَةِ وَالْمُرَادُ بِالْإِيفَاءِ دَفْعُ مَا عَلَيْهِ وَبِالِاسْتِيفَاءِ الْقَبْضُ (إلَّا فِي حَدٍّ) كَقَذْفٍ، أَوْ سَرِقَةٍ (وَقَوَدٍ) أَيْ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَائِهِمَا (مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ) عَنْ الْمَجْلِسِ كَمَا إذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ وَجَبَ لِي عَلَى فُلَانٍ حَدٌّ، أَوْ قِصَاصٌ فِي النَّفْسِ، أَوْ الطَّرَفِ فَوَكَّلْتُك أَنْ تَطْلُبَهُ مِنْهُ فَقَبِلَ فَإِنَّ اسْتِيفَاءَهُمَا بِدُونِ حُضُورِ الْمُوَكِّلِ بَاطِلٌ لِسُقُوطِهِمَا بِالشُّبْهَةِ وَعِنْدَ حُضُورِهِ يَجُوزُ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَائِهِمَا؛ لِأَنَّهُ صَحَّ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِهِمَا وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَ الْإِمَامِ فِي نَفْسِ التَّوْكِيلِ وَكَذَا الْخِلَافُ فِي التَّوْكِيلِ بِالْجَوَابِ مِنْ جَانِبِ مَنْ لَهُ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ صَحَّ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ التَّعْزِيرِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَصِحُّ فِي الْقَوَدِ وَإِنْ غَابَ الْمُوَكِّلُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ مِنْ الشَّافِعِيِّ.
(وَ) يَصِحُّ التَّوْكِيلُ (بِالْخُصُومَةِ فِي كُلِّ حَقٍّ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَهْتَدِي إلَى وُجُوهِ الْخُصُومَاتِ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّوْكِيلِ بِالضَّرُورَةِ (بِشَرْطِ رِضَى الْخَصْمِ) فَلَوْ رَضِيَ قَبْلَ سَمَاعِ الْحَاكِمِ الدَّعْوَى ثُمَّ رَجَعَ جَازَ رُجُوعُهُ وَإِنْ بَعْدَهُ لَا.
وَفِي الْعِنَايَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ بِدُونِ رِضَى الْخَصْمِ قَالَ الْإِمَامُ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَّا بِرِضَى الْخَصْمِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ هُوَ الْمُدَّعِي، أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَى الْخَصْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا لَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي اللُّزُومِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ هَذَا قَالَ (لِلُزُومِهَا) فَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ بِلَا رِضَى الْخَصْمِ فَتَرْتَدُّ الْوَكَالَةُ بِرَدِّ الْخَصْمِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا لَا يُمْكِنُهُ) مَعَ وُجُودِ الْمَرَضِ (حُضُورُ مَجْلِسِ الْحُكْمِ) وَكَذَا مَنْ لَا يُحْسِنُ الدَّعْوَى (أَوْ غَائِبًا مَسَافَةَ سَفَرٍ) أَيْ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا (أَوْ مَرِيدًا لِلسَّفَرِ) يَعْنِي إذَا قَالَ: أَنَا أُرِيدُ السَّفَرَ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّوْكِيلُ بِلَا رِضَى الْخَصْمِ طَالِبًا كَانَ الْمُوَكِّلُ، أَوْ مَطْلُوبًا فَلَا تَرْتَدُّ بِرَدِّ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالِانْقِطَاعِ
стр. 983
عَنْ مَصَالِحِهِ لَكِنْ لَا يُصَدَّقُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ بَلْ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي حَالِهِ وَعِدَّةِ أَيَّامِ سَفَرِهِ، أَوْ يَسْأَلُ عَنْ رُفَقَائِهِ (أَوْ) يَكُونُ الْمُوَكِّلُ امْرَأَةً (مُخَدَّرَةً غَيْرَ مُعْتَادَةِ الْخُرُوجِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ) سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا، أَوْ ثَيِّبًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْحَقَائِقِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ حَضَرَتْ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَنْطِقَ بِحَقِّهَا لِحَيَائِهَا فَلَزِمَ تَوْكِيلُهَا وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهَا مُخَدَّرَةً إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ فَالْقَوْلُ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ، أَوْ ثَيِّبًا؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَوْسَاطِ فَالْقَوْلُ لَهَا أَيْضًا لَوْ كَانَتْ بِكْرًا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَسَافِلِ فَلَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا، أَوْ ثَيِّبًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ شَاهِدٍ لَهَا كَمَا فِي الْمِنَحِ. وَمِنْ الْأَعْذَارِ الْحَيْضُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَبْسُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْقَاضِي تَرَافَعُوا إلَيْهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الطَّالِبُ لَا يَرْضَى بِالتَّأْخِيرِ وَأَمَّا إذَا رَضِيَ بِهِ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا وَأَمَّا حَيْضُ الطَّالِبِ فَهُوَ عُذْرٌ مُطْلَقًا وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ انْتَهَى.
وَفِيهِ كَلَامٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَيَسْمَعَ الْخُصُومَةَ، أَوْ يُرْسِلَ إلَيْهَا ثَانِيًا لِيَرْفَعَ الْخُصُومَةَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فَلَا وَجْهَ لِعَدِّهِ مِنْ الْأَعْذَارِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ تُعَدَّ الْجَنَابَةُ وَالْكُفْرُ مِنْ الْأَعْذَارِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُمَا مِنْهَا تَأَمَّلْ (وَعِنْدَهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (لَا يُشْتَرَطُ رِضَى الْخَصْمِ) فَيَلْزَمُ بِلَا رِضَاهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ فِي خَالِصِ حَقِّهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَى غَيْرِهِ كَالتَّوْكِيلِ بِقَضَاءِ الدُّيُونِ وَلَهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ خُصُومَةً وَآكَدُ إنْكَارًا فَيَتَضَرَّرُ بِهِ خَصْمُهُ فَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ عَلِمَ مِنْ الْوَكِيلِ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِخَصْمِهِ يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ وَإِنْ عَلِمَ مِنْ خَصْمِ الْمُوَكِّلِ التَّعَنُّتَ فِي الْإِبَاءِ مِنْ قَبُولِ التَّوْكِيلِ يَعْمَلُ بِقَوْلِ صَاحِبِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ.
(وَحُقُوقُ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ كَبَيْعٍ) فَإِنَّهُ يَقُولُ بِعْت هَذَا الشَّيْءَ مِنْك وَلَا يَقُولُ بِعْته مِنْك مِنْ قِبَلِ فُلَانٍ وَكَذَا غَيْرُهُ (وَإِجَارَةٍ) وَاسْتِئْجَارٍ (وَصُلْحٍ عَنْ إقْرَارٍ) دُونَ إنْكَارٍ كَمَا سَيَأْتِي (تَتَعَلَّقُ بِهِ) أَيْ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِ مُوَكِّلِهِ حَاضِرًا، أَوْ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ بِكَلَامِهِ وَنَائِبٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَرَاعَيْنَا جِهَةَ أَصَالَتِهِ فِي تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ حَتَّى لَوْ شَرَطَ عَدَمَ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْوَكِيلِ فَهُوَ لَغْوٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكَّلِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ وَهُوَ الْمِلْكُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ فَكَذَا تَوَابِعُهُ وَاعْتُبِرَهُ بِالرَّسُولِ وَبِالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْوَكِيلُ صَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا.
(مَحْجُورًا) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ وَالصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْحُقُوقُ وَتَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ: الْمَأْذُونُ لَهُ إنْ كَانَ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ تَلْزَمُهُ الْحُقُوقُ سَوَاءٌ
стр. 984
بَاعَهُ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ فَإِنْ كَانَ بِثَمَنٍ حَالٍّ لَزِمَتْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا اشْتَرَاهُ حُكْمًا؛ وَلِهَذَا يَحْبِسُهُ الْحَاكِمُ بِالثَّمَنِ لِيَسْتَوْفِيَهُ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَا تَلْزَمُهُ الْحُقُوقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مَا اشْتَرَاهُ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَلَوْ لَزِمَتْهُ الْعُهْدَةُ لَكَانَ مُلْتَزِمًا مَالًا فِي ذِمَّتِهِ مُسْتَوْجِبًا مِثْلَهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْكَفَالَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ انْتَهَى.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى تَفْصِيلِ الْحُقُوقِ فَقَالَ (فَيُسْلِمُ) الْوَكِيلُ (الْمَبِيعَ) إلَى الْمُشْتَرِي فِي الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ (وَيَتَسَلَّمُهُ) أَيْ يَقْبِضَ الْمَبِيعَ عَنْ الْبَائِعِ فِي الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ (وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ) أَيْ ثَمَنَ مَبِيعِهِ فِي الْبَيْعِ (وَيُطَالَبُ) بِفَتْحِ اللَّامِ (بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ فِي الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ فِيمَا اشْتَرَى (وَيُرْجَعُ) عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ (بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ (عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ) أَيْ اسْتِحْقَاقِ مَا بَاعَ (وَيُخَاصِمُ) عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ (فِي عَيْبِ مُشْرِيه وَيُرَدُّ) إلَى بَائِعِهِ (بِهِ) أَيْ بِالْعَيْبِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ (إنْ لَمْ يُسْلِمْهُ إلَى مُوَكِّلِهِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِهِ لَا) يَرُدُّهُ (إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ (وَيُخَاصِمُ) عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ (فِي عَيْبِ مَبِيعِهِ، وَ) يُخَاصِمُ (فِي شُفْعَتِهِ) أَيْ شُفْعَةِ مَا بَاعَ (إنْ كَانَ) الْمَبِيعُ (فِي يَدِهِ) بِخِلَافِ مَا إذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْوَكِيلَ لَا يُخَاصِمُ فِي الشُّفْعَةِ.
(وَكَذَا شُفْعَةُ مُشْرِيه) يَعْنِي يُخَاصِمُ الْوَكِيلَ فِي شُفْعَةِ مَا اشْتَرَى بِالْوَكَالَةِ مَا دَامَ فِي يَدِهِ (وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً) إذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يَخْلُفُ عَنْ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ كَمَا أَنَّ الرِّقَّ يَتَّهِبُ وَيَصْطَادُ إذْ الْمَوْلَى يَخْلُفُ عَنْ الْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ إلَيْهِ ابْتِدَاءً وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَقِيلَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْوَكِيلِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ بِلَا مُهْلَةٍ ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَعْتِقُ قَرِيبُ وَكِيلٍ شَرَاهُ) وَلَا يَفْسُدُ نِكَاحُ مَنْكُوحَةٍ شَرَاهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ قَرِيبَهُ وَمَنْكُوحَتَهُ لِعَدَمِ تَقَرُّرِ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَفَسَادَ النِّكَاحِ يَقْتَضِيَانِ تَقَرُّرَ الْمِلْكِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِهَذَا التَّفْرِيعِ أَثَرُ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ لَا يَعْتِقُ بِالِاتِّفَاقِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُ الْخِلَافِ تَدَبَّرْ (وَحُقُوقُ عَقْدٍ يُضِيفُهُ) الْوَكِيلُ (إلَى مُوَكِّلِهِ) مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْإِضَافَةِ إلَى مُوَكِّلِهِ حَتَّى لَوْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ وَالْمُرَادُ مِنْ قَرِيبِهِ السَّابِقِ أَنَّهُ يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ وَيَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَلِهَذَا لَوْ أَضَافَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الشِّرَاءَ إلَى مُوَكِّلِهِ صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ فَلَفْظُ الْإِضَافَةِ وَاحِدٌ وَالْمُرَادُ مُخْتَلِفٌ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ) ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهِمَا سَفِيرٌ أَيْ حَاكٍ حِكَايَةَ غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى لَوْ أَضَافَ النِّكَاحَ إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتهَا يَقَعُ لِلْوَكِيلِ (وَصَلُحَ عَنْ إنْكَارٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِدَاءُ يَمِينٍ لِلْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ لِمَا فِي الْإِصْلَاحِ هَذَا الصُّلْحُ لَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الْوَكِيلِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى
стр. 985
الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنْ إقْرَارٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَدْ عَرَفْت اخْتِلَافَ الْمُرَادِ مِنْ الْإِضَافَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَافْتَرَقَ الصُّلْحَانِ فِي الْإِضَافَةِ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَأَمَّا الصُّلْحُ فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَنْ إقْرَارٍ، أَوْ إنْكَارٍ فِي الْإِضَافَةِ مَحَلُّ نَظَرٍ كَمَا فِي حَاشِيَةِ يَعْقُوبَ بَاشَا وَالدُّرَرِ تَتَبَّعْ.
(وَ) صُلْحٌ عَنْ (دَمٍ عَمْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ مَحْضٌ وَالْوَكِيلُ أَجْنَبِيٌّ سَفِيرٌ (وَكِتَابَةٍ وَعِتْقٍ عَلَى مَالٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَإِعَارَةٍ وَإِيدَاعٍ وَرَهْنٍ وَإِقْرَاضٍ) وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِقْرَاضَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ) فَإِنَّ الْوَكِيلَ يُضِيفُ هَذِهِ الْعُقُودَ إلَى مُوَكِّلِهِ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْمُعَامَلَةِ فَتَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعُقُودِ فِيهَا إلَى الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ (فَلَا يُطَالَبُ) بِفَتْحِ اللَّامِ (وَكِيلُ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ) مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ (وَلَا) يُطَالَبُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ (وَكِيلُ الْمَرْأَةِ بِتَسْلِيمِهَا) أَيْ تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ إلَى الزَّوْجِ إذْ يَلْزَمُ سُقُوطُ مَالِكِيَّتِهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَالسَّاقِطُ يَتَلَاشَى مَعَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ فَلَا يَخْلُو عَنْ الْمَالِكِيَّةِ لِنَفْسِهَا (وَلَا) يُطَالَبُ وَكِيلُ الْخُلْعِ (بِبَدَلِ الْخُلْعِ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ سَفِيرٌ فِيهِ (وَلِلْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ عَنْ الْمُوَكِّلِ) يَعْنِي إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ أَنَّ الْمُوَكِّلَ طَلَبَ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لَهُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ وَالْوَكِيلُ أَصْلٌ فِي الْحُقُوقِ وَلِذَا لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ الْآخَرَ بِهَذِهِ الْحُقُوقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ التَّوْكِيلِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُوَكِّلِ مُوَكِّلُ وَكِيلٍ بِبَيْعٍ لَيْسَ عَبْدًا، أَوْ صَبِيًّا مَحْجُورَيْنِ لِمَا مَرَّ.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَوْ كَانَ الْمُوَكِّلُ دَفْعَ الثَّمَنِ إلَى الْوَكِيلِ فَاسْتَهْلَكَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ كَانَ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ وَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَإِنْ لَمْ يُنْفِذْ الْمُوَكِّلُ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ بَاعَ الْقَاضِي الْجَارِيَةَ بِالثَّمَنِ إذَا رَضِيَا وَإِلَّا فَلَا (فَإِنْ دَفَعَهُ) أَيْ إنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُوَكِّلِ (صَحَّ) دَفْعُهُ وَلَوْ مَعَ نَهْيِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ لَا فِي الصَّرْفِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا عِنْدَ عَقْدِ الصَّرْفِ فَالْعَقْدُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِحُضُورِهِ (وَلَا يُطَالِبُهُ الْوَكِيلُ ثَانِيًا) ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الثَّمَنِ الْمَقْبُوضِ حَقُّ الْمُوَكِّلِ وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ وَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ ثُمَّ الدَّفْعِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ وَلِلْمُشْتَرِي إلَى هُنَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَعَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَذْكُرَ مِنْ تَفْرِيعَاتِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
(وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ دَيْنٌ وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ بِهِ) أَيْ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ الَّذِي بَاعَهُ الْوَكِيلُ لِلْمُوَكِّلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِوُصُولِ الْحَقِّ إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّقَاصِّ وَهَذَا حِيلَةٌ لِلْوُصُولِ إلَى دَيْنٍ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ.
(وَكَذَا) تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِهِ (إنْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي (عَلَى الْوَكِيلِ دَيْنٌ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِكَوْنِهِ يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عَنْهُ عِنْدَهُمَا (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ الْإِبْرَاءُ وَلَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ (وَ) لَكِنَّهُ (يَضْمَنُهُ الْوَكِيلُ لِلْمُوَكِّلِ) فِي فَصْلِ الْمُقَاصَّةِ عِنْدَهُمَا كَمَا يَضْمَنُهُ فِي فَصْلِ الْإِبْرَاءِ.
(وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ)
стр. 986
أَيْ دَيْنُ الْمُشْتَرِي (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ (فَالْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ) ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ لَا غَيْرَ.
[بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]
ِ أَفْرَدَهُمَا بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِمَا وَقَدَّمَ الشِّرَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ إثْبَاتِ الْمِلْكِ، وَالْبَيْعُ يُنْبِئُ عَنْ إزَالَتِهِ وَالْإِزَالَةُ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ (لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ يَشْمَلُ أَجْنَاسًا كَالرَّقِيقِ وَالثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ) لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ فَإِنَّ الدَّابَّةَ اسْمٌ لِمَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لُغَةً وَعُرْفًا لِلْخَيْلِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَقَدْ جَمَعَ أَجْنَاسًا وَكَذَا الثَّوْبُ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمَلْبُوسَ مِنْ الْأَطْلَسِ إلَى الْكِسَاءِ؛ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَكَذَا الرَّقِيقُ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي بَنِي آدَمَ وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ وَقَعَ الشِّرَاءُ لَهُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (أَوْ) بِشِرَاءِ شَيْءٍ يَشْمَلُ (مَا هُوَ كَالْأَجْنَاسِ كَالدَّارِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (بَيْنَ الثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِامْتِثَالُ لِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ وَلَا يَدْرِي مُرَادَ الْآمِرِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْجِنْسِ مَا يَشْمَلُ أَصْنَافًا وَبِالنَّوْعِ الصِّنْفُ لَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَنْطِقِ (فَإِنْ سَمَّى نَوْعَ الثَّوْبِ كَالْهَرَوِيِّ) مَثَلًا (جَازَ وَكَذَا إنْ سَمَّى نَوْعَ الدَّابَّةِ كَالْفَرَسِ وَالْبَغْلِ) جَازَ سَوَاءٌ ثَمَنًا، أَوْ لَا بِالْإِجْمَاعِ (أَوْ بَيْنَ ثَمَنِ الدَّارِ، أَوْ الْمَحَلَّةِ) يَعْنِي إنْ وُكِّلَ بِشِرَاءِ دَارٍ وَبَيَّنَ ثَمَنَهَا وَمَحَلَّتَهَا جَازَ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَقَدْ جَعَلَ صَاحِبُ الْكَنْزِ الدَّارَ كَالْعَبْدِ مُوَافِقًا لِقَاضِي خَانْ لَكِنْ شَرَطَ مَعَ بَيَانِ الثَّمَنِ بَيَانَ الْمَحَلَّةِ وَجَعَلَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ كَالثَّوْبِ فَقَالَ وَكَذَا الدَّارُ تَشْمَلُ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا فَاحِشًا بِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَالْجِيرَانِ وَالْمَرَافِقِ وَالْحِمَالِ وَالْبُلْدَانِ فَتَعَذَّرَ الِامْتِثَالُ وَإِنْ سُمِّيَ ثَمَنُ الدَّارِ وَوُصِفَ جِنْسُ الدَّارِ وَالثَّوْبِ جَازَ مَعْنَاهُ نَوْعُهُ انْتَهَى.
وَفِي الْإِصْلَاحِ وَالدَّارُ مُلْحَقَةٌ بِالْجِنْسِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بِقِلَّةِ الْمَرَافِقِ وَكَثْرَتِهَا فَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ أُلْحِقَتْ بِجَهَالَةِ النَّوْعِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أُلْحِقَتْ بِجَهَالَةِ الْجِنْسِ وَالْمُتَأَخِّرُونَ قَالُوا فِي دِيَارِنَا لَا يَجُوزُ بِدُونِ بَيَانِ الْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا قَالَ فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ قَالَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا قَالُوا فِي دِيَارِنَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِبَيَانِ الْمَحَالِّ انْتَهَى.
وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ فَيُحْمَلُ مَا فِي الْهِدَايَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ تَخْتَلِفُ فِي تِلْكَ الدِّيَارِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ لَا تَتَفَاحَشُ انْتَهَى.
وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ قَوْلَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الدَّارِ وَلِهَذَا عَطَفَ بِأَوْ فَقَالَ: أَوْ بَيْنَ ثَمَنِ الدَّارِ وَالْمَحَلَّةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَهَالَةَ الدَّارِ جَهَالَةُ الْجِنْسِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجَهَالَةُ النَّوْعِ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ فَلْيُحْمَلْ عِبَارَةُ كُلٍّ مِنْ الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ تَتَبَّعْ.
стр. 987
(أَوْ بَيْنَ جِنْسِ الرَّقِيقِ كَالْعَبْدِ وَنَوْعِهِ كَالتُّرْكِيِّ) يَعْنِي إذَا وُكِّلَ بِشِرَاءِ عَبْدٍ تُرْكِيٍّ مَثَلًا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعْلُومُ الْجِنْسِ مِنْ وَجْهٍ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ مَنْفَعَةُ الْجِمَالِ كَأَنَّهُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنْ بَيَّنَ نَوْعَهُ كَالتُّرْكِيِّ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ (أَوْ) بَيَّنَ (ثَمَنًا يُعَيِّنُ نَوْعًا) ، أَوْ نَوْعَ الْعَبْدِ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الثَّمَنِ كَذِكْرِ النَّوْعِ فِي تَقْلِيلِ هَذِهِ الْجَهَالَةِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا مِنْهُمَا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ وَيَلْحَقُ بِجَهَالَةِ الْجِنْسِ لِامْتِنَاعِ الِامْتِثَالِ لَكِنَّ الْأَحْسَنَ تَرْكُ الصِّفَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ يُعَيِّنُ نَوْعًا؛ لِأَنَّ النَّوْعَ صَارَ مَعْلُومًا بِمُجَرَّدِ تَقْدِيمِ الثَّمَنِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ مِنْ وَجْهٍ كَالشَّاةِ وَالْبَقَرِ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الثَّمَنَ وَإِلَى أَنَّ جَهَالَةَ الْوَصْفِ غَيْرُ مَانِعَةٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَإِطْلَاقُهُ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الثَّمَنُ نَوْعًا، أَوْ لَا وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْجَوْهَرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا إذَا لَمْ يُوجَدْ لِهَذَا الثَّمَنِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ أَمَّا إذَا وُجِدَ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الْمِنَحِ (أَوْ عَمَّمَ فَقَالَ: ابْتَعْ لِي) أَيْ اشْتَرِ لِي (مَا رَأَيْت) .
وَفِي الْفَرَائِدِ وَفِي عَطْفِ قَوْلِهِ، أَوْ عَمَّمَ صُعُوبَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ، أَوْ بَيَّنَ جِنْسَ الرَّقِيقِ وَلَا كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ سُمِّيَ نَوْعُ الثَّوْبِ جَازَ وَفَصَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَوْ بَيَّنَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِأَنْ يَقُولَ إلَّا أَنْ يُعَمِّمَ لَكَانَ أَسْلَمَ وَأَظْهَرَ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ وَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ، أَوْ جِنْسِهِ وَمَبْلَغِ ثَمَنِهِ لِيَصِيرَ الْفِعْلُ الْمُوَكَّلُ بِهِ مَعْلُومًا فَيُمْكِنُهُ الِائْتِمَارُ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ وَكَالَةً عَامَّةً فَيَقُولُ ابْتَعْ لِي مَا رَأَيْت؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ يَشْتَرِيه يَكُونُ مُمْتَثِلًا انْتَهَى.
لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنْ سُمِّيَ إلَى هُنَا أَيْ إنْ خُصِّصَ جَازَ عِنْدَ الْبَيَانِ، أَوْ عَمَّمَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ، أَوْ أَنْ يَكُونَ، أَوْ بِمَعْنَى أَلَا أَنْ كَقَوْلِهِمْ لَأُلْزِمَنَّك، أَوْ تُعْطِينِي حَقِّي أَيْ إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي حَقِّي.
(وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ الطَّعَامِ فَهُوَ) يَقَعُ (عَلَى الْبُرِّ وَدَقِيقِهِ) يَعْنِي: دَفَعَ إلَى آخَرَ دَرَاهِمَ وَقَالَ اشْتَرِ لِي طَعَامًا يَشْتَرِي الْبُرَّ وَدَقِيقَهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَشْتَرِيَ كُلَّ مَطْعُومٍ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ كَمَا فِي الْيَمِينِ عَلَى الْأَكْلِ إذْ الطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُطْعَمُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الطَّعَامَ إذَا قُرِنَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يُحْمَلُ عَلَى مَا ذُكِرَ عُرْفًا وَلَا عُرْفَ لِلْأَكْلِ فَيَبْقَى عَلَى الْوَضْعِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ هَذَا فِي عُرْفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَإِنَّ سُوقَ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا عِنْدَهُمْ يُسَمَّى سُوقَ الطَّعَامِ وَأَمَّا فِي عُرْفِ غَيْرِهِمْ فَيَنْصَرِفُ إلَى كُلِّ مَطْعُومٍ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: الطَّعَامُ فِي عُرْفِنَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ يَعْنِي الْمُعْتَادَ لِلْأَكْلِ كَاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ أَيْ مَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ إدَامٍ دُونَ الْحِنْطَةِ وَالْخُبْزِ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا دَفَعَ إلَى آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِلَا دَفْعٍ لَهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَثُرْت الدَّرَاهِمُ، أَوْ قَلَّتْ (وَقِيلَ) يَقَعُ
стр. 988
(عَلَى الْبُرِّ فِي كَثِيرِ الدَّرَاهِمِ، وَ) يَقَعُ (عَلَى الْخُبْزِ فِي قَلِيلِهَا، وَ) يَقَعُ (عَلَى الدَّقِيقِ فِي وَسَطِهَا) قِيلَ الْقَلِيلُ مِثْلُ دِرْهَمٍ إلَى ثَلَاثَةٍ وَالْمُتَوَسِّطُ مِثْل أَرْبَعَةٍ إلَى خَمْسَةٍ، أَوْ سَبْعَةٍ فَالسَّبْعَةُ عَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْكَثِيرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَفِي مُتَّخَذِ الْوَلِيمَةِ) أَيْ طَعَامِ الْعُرْسِ وَالْمُتَّخَذُ بِالْفَتْحِ اسْمُ زَمَانٍ يَقَعُ (عَلَى الْخُبْزِ بِكُلِّ حَالٍ) سَوَاءٌ كَثُرَتْ الدَّرَاهِمُ، أَوْ تَوَسَّطَتْ، أَوْ قَلَّتْ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْأَمْرِ فِي الْكُلِّ الْعُرْفُ.
(وَصُحِّحَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَيْنٍ) أَيْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ (بِدَيْنٍ لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ (عَلَى الْوَكِيلِ) يَعْنِي لَوْ قَالَ رَبُّ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ اشْتَرِ لِي هَذَا الْعَبْدَ مَثَلًا بِأَلْفٍ لِي عَلَيْك فَاشْتَرَاهُ بِأَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْآمِرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ يَهْلِكُ مَالُ الْآمِرِ لَا عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَبِيعِ تَعْيِينُ الْبَائِعِ وَفِي تَعْيِينِ الْبَائِعِ تَوْكِيلُهُ بِقَبْضِ دَيْنِهِ مِنْ الْمَدْيُونِ أَوَّلًا لِأَجْلِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يُوجَدُ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَكَذَا لَوْ أَمَرَ شَخْصٌ مَدْيُونَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا عَلَيْهِ صَحَّ كَمَا لَوْ أَمَرَ الْآجِرُ الْمُسْتَأْجِرَ بِمَرَمَّةِ مَا اسْتَأْجَرَهُ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الْأُجْرَةِ (وَفِي غَيْرِ الْعَيْنِ) أَيْ لَوْ قَالَ رَبُّ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ: اشْتَرِ لِي بِالْأَلْفِ عَلَيْك عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَالتَّوْكِيلُ بَاطِلٌ حَتَّى (إنْ) اشْتَرَى، وَ (هَلَكَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ فَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ نَفَذَ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمُوَكِّلِ.
(وَإِنْ قَبَضَ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَ هُوَ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا هُوَ لَازِمٌ لَهُ فِي الْمُعَيَّنِ سَوَاءٌ قَبَضَهُ الْمُوَكِّلُ، أَوْ لَا (وَهَلَاكُهُ) أَيْ الْمَبِيعِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُوَكِّلِ (إذَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ) ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنَانِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ دَيْنًا كَانَتْ، أَوْ عَيْنًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَيْنٍ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فَصَارَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَلْزَمُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِهِ وَلَهُ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِقَبْضِ الْعَيْنِ مِنْهَا، أَوْ الدَّيْنِ مِنْهَا ثُمَّ اسْتَهْلَكَ الْعَيْنَ، أَوْ أَسْقَطَ الدَّيْنَ عَنْ الْمَدْيُونِ بِالْإِبْرَاءِ مَثَلًا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ لِتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ وَلَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ إعْطَاءُ مِثْلِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ وَالْإِسْقَاطَ فِي حُكْمِ الْأَخْذِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الِاسْتِهْلَاكِ ظَاهِرٌ وَلِذَا قَيَّدَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِالِاسْتِهْلَاكِ وَمَا فِي تَعْلِيلِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ بِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاكِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ هَلَكَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسَلَّمَةُ إلَى الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ وَتَمَامُهُ فِي الْعِنَايَةِ فَلْيُطَالَعْ.
وَإِذَا تَعَيَّنَتْ كَانَ هَذَا تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَكِّلَ بِقَبْضِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْوَصْفِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ فِي الذِّمَّةِ، وَالْوَصْفُ عَرَضٌ لَا يَقْبَلُ التَّمْلِيكَ (وَعَلَى هَذَا) الْخِلَافِ (إذَا أَمَرَهُ) أَيْ أَمَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ (أَنْ يُسْلِمَ مَا عَلَيْهِ، أَوْ يَصْرِفَهُ) يَعْنِي لَوْ قَالَ أَسْلِمْ مَا لِي عَلَيْك
стр. 989
إلَى فُلَانٍ فِي كَذَا صَحَّ اتِّفَاقًا وَلَوْ قَالَ: إلَى مَنْ شِئْت فَعَلَى الْخِلَافِ وَكَذَا إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَصْرِفَ مَا عَلَيْهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ وَمَنْ يَعْقِدُ عَقْدَ الصَّرْفِ صَحَّ بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِدَفْعِ مَا عَسَى يُتَوَهَّمُ أَنَّ التَّوْكِيلَ فِيهِمَا لَا يَجُوزُ لِاشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ انْتَهَى لَكِنْ فِيهِ تَأَمُّلٌ.
(وَلَوْ وَكَّلَ عَبْدًا لِيَشْتَرِيَ نَفْسَهُ) أَيْ نَفْسَ الْعَبْدِ الْمَأْمُورِ (لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ (مِنْ سَيِّدِهِ) بِأَنْ قَالَ فُلَانٌ لِعَبْدٍ اشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ سَيِّدِك بِأَلْفٍ مَثَلًا (فَإِنْ قَالَ) الْعَبْدُ الْمَأْمُورُ لِسَيِّدِهِ (بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ) بِأَلْفٍ (فَبَاعَ) السَّيِّدُ (فَهُوَ) أَيْ الْعَبْدُ (لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَصْلُحُ لَأَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ وَيَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا عَنْ نَفْسِهِ فِي حُكْمِ الْمَالِيَّةِ فَإِذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْآمِرِ صَلُحَ شِرَاؤُهُ لِلِامْتِثَالِ فَيَقَعُ لِلْآمِرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ) الْعَبْدُ (لِفُلَانٍ عَتَقَ) الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ الِامْتِثَالُ لِلْآمِرِ وَالْآخَرُ هُوَ التَّصَرُّفُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَقَعُ امْتِثَالًا بِالشَّكِّ فَبَقِيَ التَّصَرُّفُ وَاقِعًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ إذَا كَانَ الشِّرَاءُ لِلْآمِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ الْعَبْدِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَوْلَى بِعْت وَإِنْ وَقَعَ لِلْعَبْدِ يُكْتَفَى بِقَوْلِ الْمَوْلَى بِعْت بَعْدَ قَوْلِهِ بِعْنِي نَفْسِي؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الْبَيْعِ وَالثَّمَنِ عَلَى الْعَبْدِ فِيهِمَا لَا عَلَى الْآمِرِ.
(وَإِنْ وَكَّلَ الْعَبْدُ غَيْرَهُ لِيَشْتَرِيَهُ مِنْ سَيِّدِهِ فَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ لِلسَّيِّدِ: اشْتَرَيْته) أَيْ ذَلِكَ الْعَبْدَ (لِنَفْسِهِ فَبَاعَ) السَّيِّدُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ (عَتَقَ) الْعَبْدُ (عَلَى السَّيِّدِ وَوَلَاؤُهُ) أَيْ وَلَاءُ الْعَبْدِ (لَهُ) أَيْ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ نَفْسِهِ الْعَبْدَ مِنْهُ إعْتَاقٌ وَشِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ قَبُولُ الْإِعْتَاقِ بِبَدَلٍ وَالْمَأْمُورُ سَفِيرٌ عَنْهُ إذْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ الْحُقُوقُ فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى بِنَفْسِهِ وَالْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى.
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِنَفْسِهِ) عِنْدَ اشْتِرَائِهِ (فَهُوَ) أَيْ الْعَبْدُ (لِلْوَكِيلِ) لِكَوْنِ قَوْلِهِ مُطْلَقًا فَيَقَعُ التَّصَرُّفُ لِنَفْسِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُشْتَرِي (ثَمَنُهُ) أَيْ ثَمَنُ الْعَبْدِ لِكَوْنِهِ عَاقِدًا (وَمَا أَعْطَاهُ الْعَبْدُ) لِلْوَكِيلِ (لِأَجْلِ الثَّمَنِ لِلْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ (وَإِذَا قَالَ الْوَكِيلُ: لِمَنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ اشْتَرَيْت لَك عَبْدًا فَمَاتَ) أَيْ الْعَبْدُ عِنْدِي (وَقَالَ الْمُوَكِّلُ) لَا بَلْ (اشْتَرَيْته لِنَفْسِك فَالْقَوْلُ لِلْمُوَكِّلِ إنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ إنْ لَمْ يُوجِبْ (دَفَعَ الثَّمَنَ) إلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الثَّمَنَ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ وُجِدَ دَفَعَ الثَّمَنَ (فَلِلْوَكِيلِ) أَيْ فَالْقَوْلُ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فَالْقَوْلُ لِلْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ، وَقَدْ أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ وَغَيْرُهُ إنَّ الْعَبْدَ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَهُوَ حَيٌّ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِمُوَكِّلِهِ لَا لِنَفْسِهِ إجْمَاعًا سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا، أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَالْمَخْبَرُ بِهِ فِي التَّحَقُّقِ وَالثُّبُوتِ يُسْتَغْنَى عَنْ الْإِشْهَادِ فَيُصَدَّقُ إنْ كَانَ مَيِّتًا، وَالْحَالُ إنَّ الثَّمَنَ مَنْقُودٌ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَقَدْ ادَّعَى
стр. 990
الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ مَحَلًّا لِإِنْشَاءِ الْعَقْدِ بِهِ وَغَرَضُهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ وَالْآمِرُ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ حَيٌّ فَقَالَ الْمَأْمُورُ: اشْتَرَيْته لَك وَقَالَ الْآمِرُ: بَلْ اشْتَرَيْته لِنَفْسِك فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ إنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَمَّا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ فَصَحَّ كَمَا فِي الْمُعَيَّنِ، وَلَهُ أَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَلْزَمَهَا الْآمِرَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ قَاصِرَةٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَصِّلَ تَدَبَّرْ.
(وَلِلْوَكِيلِ) بِالشِّرَاءِ (طَلَبُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُوَكِّلِ) إذَا اشْتَرَى وَقَبَضَ الْمَبِيعَ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَدْفَعْهُ) أَيْ الثَّمَنَ (إلَى الْبَائِعِ) إذْ يَجْرِي بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ مُبَادَلَةً حُكْمِيَّةً، وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ يَتَحَالَفَانِ وَيَرُدُّ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْعَيْبِ فَيَصِيرُ الْوَكِيلُ بَائِعًا مِنْ مُوَكِّلِهِ حُكْمًا فَيَطْلُبُ الثَّمَنَ مِنْ مُوَكِّلِهِ سَوَاءٌ دَفَعَهُ إلَى بَائِعِهِ، أَوْ لَا (وَحُبِسَ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِهِ) أَيْ لِلْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ حُبِسَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ مُوَكِّلِهِ؛ لَأَنْ يَقْبِضَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ إلَى بَائِعِهِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمُبَادَلَةَ الْحُكْمِيَّةَ تَجْرِي بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ الْحَبْسُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِيَدِهِ فَحَقُّ الْحَبْسِ يَسْقُطُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ بِنَقْدٍ ثُمَّ أَجَّلَهُ الْبَائِعُ كَانَ لِلْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ حَالًّا (فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ حَبْسِهِ هَلَكَ عَلَى الْآمِرِ) أَيْ إنْ هَلَكَ الْمُشْتَرَى فِي يَدِ الْوَكِيلِ قَبْلَ أَنْ يَحْبِسَهُ مِنْ مُوَكِّلِهِ يَهْلِكُ عَلَى مَالِ الْمُوَكِّلِ لَا الْوَكِيلِ (وَلَا يَسْقُطُ ثَمَنُهُ) أَيْ ثَمَنُ الْمَبِيعِ عَنْ الْمُوَكِّلِ فَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ فَإِذَا لَمْ يَحْبِسْ يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا بِيَدِهِ (وَإِنْ) هَلَكَ الْمُشْتَرَى فِي يَدِ الْوَكِيلِ (بَعْدَ حَبْسِهِ) أَيْ حَبْسِ الْوَكِيلِ إيَّاهُ (سَقَطَ) الثَّمَنُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْهُ وَكَانَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَيَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ كَالرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْحَبْسِ لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ رَهْنٌ بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ، وَهُنَا لَا يَنْفَسِخُ أَصْلُ الْعَقْدِ قُلْنَا يَنْفَسِخُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ، كَمَا إذَا رَدَّهُ الْمُوَكِّلُ بِعَيْبٍ وَرَضِيَ الْوَكِيلُ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَهُمَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ بِهَلَاكِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَهْلِكُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الثَّمَنِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ رَجَعَ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ الْفَضْلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَعِنْدَ زُفَرَ يَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ.
(وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِشِرَاءِ عَيْنٍ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ) وَلَا لِمُوَكِّلٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَغْرِيرِ الْآمِرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ عَزْلَ نَفْسِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ يُفِيدُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِمَعْنَى عَدَمِ الْحِلِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَفَسَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
стр. 991
بِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلتَّعْلِيلِ الثَّانِي، وَلَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ نَاوِيًا، أَوْ مُتَلَفِّظًا وَقَعَ لِلْمُوَكِّلِ إلَّا إذَا بَاشَرَ عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ فَإِنَّهُ وَقَعَ لِلْوَكِيلِ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ (فَإِنْ شَرَاهُ بِخِلَافِ جِنْسِ مَا سَمَّى) الْمُوَكَّلُ لَهُ (مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِغَيْرِ النُّقُودِ) بِأَنْ شَرَاهُ بِالْعُرُوضِ، أَوْ بِالْحَيَوَانِ (وَقَعَ) الشِّرَاءُ (لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَهُ فَنُقِدَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْجِنْسِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا بِمَا إذَا سَمَّى لَهُ ثَمَنًا فَزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ نَقَصَ عَنْهُ لَكِنْ ظَاهِرُ مَا فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا فِيمَا إذَا زَادَ لَا فِيمَا إذَا نَقَصَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَإِنْ سَمَّى ثَمَنًا فَزَادَ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ، وَكَذَلِكَ إنْ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ وَصَفَ لَهُ بِصِفَةٍ وَسَمَّى لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَى بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ فَيَجُوزُ عَلَى الْآمِرِ.
(وَكَذَا) يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ (إنْ أَمَرَ) الْوَكِيلُ (غَيْرَهُ فَشَرَاهُ الْغَيْرُ) الْوَكِيلُ الثَّانِي (بِغَيْبَتِهِ) أَيْ بِغَيْبَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ لِمُخَالَفَةِ أَمْرِ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَحْضُرَ رَأْيُهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ.
(وَإِنْ شَرَاهُ) أَيْ الْوَكِيلُ الثَّانِي (بِحَضْرَتِهِ) أَيْ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (فَلِلْمُوَكِّلِ) أَيْ يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْضُرُ رَأْيُهُ حِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ فَطَلَّقَ الثَّانِيَ، أَوْ أَعْتَقَ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ حَيْثُ لَا يَنْفُذُ وَإِنْ حَضَرَ رَأْيُهُ (وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ هُوَ) أَيْ الشِّرَاءُ (لِلْوَكِيلِ) يَعْنِي لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ شَيْئًا يَكُونُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ إذْ الْأَصْلُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ (إلَّا إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى مَالِ الْمُوَكِّلِ) بِأَنْ قَالَ اشْتَرَيْت: بِهَذَا الْأَلْفِ، وَهُوَ مَالُ الْآمِرِ (أَوْ أَطْلَقَ) الْعَقْدَ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرَيْت فَقَطْ (وَنَوَى) الشِّرَاءَ (لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ فَيَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ لِلْآمِرِ، وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدِي بِقَوْلِهِ، أَوْ يَشْتَرِيه بِمَالِ الْمُوَكِّلِ دُونَ النَّقْدِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَيْ فِي النَّقْدِ تَفْصِيلًا وَخِلَافًا وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ أَيْ الْجَوَابُ مُطْلَقٌ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ كَانَ لِنَفْسِهِ حَمْلًا لِحَالِ الْوَكِيلِ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا، أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً إذْ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ مُسْتَنْكَرٌ شَرْعًا وَعُرْفًا وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ فَإِنْ نَوَاهَا لِلْآمِرِ فَهُوَ لِلْآمِرِ وَإِنْ نَوَاهَا لِنَفْسِهِ فَلِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ وَيَعْمَلَ لِلْآمِرِ فِي هَذَا التَّوْكِيلِ، وَإِنْ تَكَاذَبَا فِي النِّيَّةِ يُحَكَّمُ النَّقْدُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ لِلْعَاقِدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ إلَّا إذَا ثَبَتَ جَعْلُهُ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَكَّمُ النَّقْدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا أَوْقَعَهُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَيَبْقَى مَوْقُوفًا فَمِنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ نَقَدَ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلَ لِصَاحِبِهِ؛ وَلِأَنَّ مَا تُصَادِفُهُمَا بِهِ تَحْتَمِلُ النِّيَّةَ لِلْآمِرِ وَفِيمَا قُلْنَاهُ
стр. 992
حُمِلَ حَالُهُ عَلَى الصَّلَاحِ كَمَا فِي حَالَةِ التَّكَاذُبِ وَالتَّوْكِيلِ بِالْإِسْلَامِ فِي الطَّعَامِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ انْتَهَى.
(وَيُعْتَبَرُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ لَا الْمُوَكِّلِ) فَيَبْطُلُ عَقْدُهُمَا بِمُفَارَقَةِ الْوَكِيلِ صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَلَا يَبْطُلُ بِمُفَارَقَةِ الْمُوَكِّلِ إذْ الْقَبْضُ لِلْعَاقِدِ وَهُوَ لَيْسَ بِعَاقِدٍ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ مَجْلِسَ الْعَقْدِ لَا يُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ ضَعِيفٌ لِكَوْنِ الْوَكِيلِ أَصْلًا فِي الْحُقُوقِ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ قَيَّدَ بِالْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ فِيهِمَا لَا يُعْتَبَرُ مُفَارَقَتُهُ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ وَيَنْتَقِلُ كَلَامُهُ إلَى الْمُرْسِلِ فَصَارَ قَبْضُ الرَّسُولِ قَبْضَ غَيْرِ الْعَاقِدِ فَلَمْ يَصِحَّ.
(وَلَوْ قَالَ) الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ (بِعْنِي هَذَا لِزَيْدٍ) أَيْ لِأَجْلِهِ (فَبَاعَ ثُمَّ أَنْكَرَ) الْمُشْتَرِي (كَوْنَ زَيْدٍ أَمَرَ) بَعْدَ إقْرَارِهِ بِقَوْلِهِ لِزَيْدٍ (فَلِزَيْدٍ أَخْذُهُ) أَيْ أَخْذُ الْمَبِيعِ جَبْرًا (إنْ لَمْ يُصَدِّقْ إنْكَارَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَكِيلِ بِعْنِي هَذَا لِزَيْدٍ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْوَكَالَةِ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَى إنْكَارِهِ لِلتَّنَاقُضِ (فَإِنْ صَدَّقَهُ) أَيْ زَيْدٌ إنْكَارَهُ بِأَنْ قَالَ لَمْ آمُرْهُ بِالشِّرَاءِ (لَا يَأْخُذُهُ) زَيْدٌ (جَبْرًا) ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُشْتَرِي ارْتَدَّ بِرَدِّهِ (فَإِنْ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ) أَيْ إلَى زَيْدٍ (صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُوجَدُ بَيْنَهُمَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ وَلَوْ فُضُولِيًّا كَالْبَائِعِ وَالْمُوَكِّلُ كَالْمُشْتَرِي فَصَارَ بَيْعًا بِالتَّعَاطِي.
(وَمَنْ وَكَّلَ بِشِرَاءِ رِطْلِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ فَشَرَى رِطْلَيْنِ بِدِرْهَمٍ مِمَّا) أَيْ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي (يُبَاعُ رِطْلٌ بِدِرْهَمٍ لَزِمَ) فِي هَذَا الْبَيْعِ (مُوَكِّلَهُ) مِنْ اللَّحْمِ (رِطْلٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ) عَنْ الْإِمَامِ قَيَّدَ بِمِمَّا يُبَاعُ رِطْلٌ بِدِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى لَحْمًا لَا يُبَاعُ رِطْلٌ بِدِرْهَمٍ بَلْ أَقَلَّ يَكُونُ الشِّرَاءُ وَاقِعًا لِلْوَكِيلِ بِالْإِجْمَاعِ (وَعِنْدَهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (يَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ (الرِّطْلَانِ بِالدِّرْهَمِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَرْفِ الدِّرْهَمِ فِي اللَّحْمِ وَفَعَلَ الْمَأْمُورُ وَزَادَهُ خَيْرًا فَصَارَ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ وَلَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِشِرَاءِ رِطْلٍ مُقَدَّرٍ وَلَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِشِرَاءِ الزِّيَادَةِ فَنَفَذَ شِرَاءُ رِطْلٍ عَلَيْهِ وَشِرَاءُ رِطْلٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَا بِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ بَدَلُ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ فَتَكُونُ لَهُ قِيلَ إنَّ مُحَمَّدًا هُنَا مَعَ الْإِمَامِ فِي قَوْلِ قَيَّدَ بِالْمَوْزُونَاتِ؛ لِأَنَّ فِي الْقِيَمِيَّاتِ لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ إجْمَاعًا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَمَرَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَاهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الدَّرَاهِمِ مِثْلُ الدَّنَانِيرِ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَلَوْ بِعَرْضٍ وَقِيمَتُهَا مِثْلُ الدَّرَاهِمِ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ إجْمَاعًا.
(وَلَوْ وَكَّلَ بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ بِعَيْنِهِمَا) بِلَا ذِكْرِ ثَمَنِهِمَا (فَشَرَى) الْمَأْمُورُ لِلْآمِرِ (أَحَدَهُمَا) أَيْ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِنُقْصَانٍ (جَازَ) عَنْ الْآمِرِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ وَكَذَا لَا يَتَّفِقُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرَاءِ إلَّا فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَهُوَ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ بِالْمُتَعَارَفِ وَالْمُتَعَارَفُ فِيمَا يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ؛ فَلِهَذَا قُلْنَا بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِنُقْصَانٍ.
(وَكَذَا
стр. 993
إنْ وَكَّلَ بِشِرَائِهِمَا) أَيْ بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ بِعَيْنِهِمَا (بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَشَرَى) الْمَأْمُورُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ (بِنِصْفِهِ) أَيْ بِنِصْفِ الْأَلْفِ (أَوْ بِأَقَلَّ) مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ الْأَلْفَ بِهِمَا وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَيَنْقَسِمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ دَلَالَةً فَكَانَ أَمْرًا بِشِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ الشِّرَاءُ بِهَا مُوَافَقَةٌ، وَبِأَقَلَّ مِنْهُمَا مُخَالَفَةٌ إلَى خَيْرٍ فَوَقَعَ عَنْ الْآمِرِ.
(وَإِنْ) شَرَى (بِأَكْثَرَ) مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ (لَا) يَجُوزُ أَيْ لَا يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ بَلْ عَنْ الْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ إلَى شَرٍّ قُلْت الزِّيَادَةُ، أَوْ كَثُرَتْ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا يَجُوزُ) الشِّرَاءُ بِأَكْثَرَ (أَيْضًا) كَمَا يَجُوزُ بِنِصْفِهِ، أَوْ أَقَلَّ (إنْ كَانَ) شِرَاؤُهُ (مِمَّا يَتَغَابَنُ) النَّاسُ (فِيهِ وَقَدْ بَقِيَ مَا يَشْتَرِي بِمِثْلِهِ الْآخَرَ) ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأَلْفِ بَاقِيَةٌ يَشْتَرِي بِمِثْلِهَا الْبَاقِيَ لِيُمْكِنَهُ تَحْصِيلُ غَرَضِ الْآمِرِ (فَإِنْ شَرَى) الْوَكِيلُ الْعَبْدَ (الْآخَرَ بِمَا بَقِيَ) مِنْ الثَّمَنِ (قَبْلَ) وُقُوعِ (الْخُصُومَةِ) بَيْنَهُمَا (جَازَ اتِّفَاقًا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ شِرَاءُ الْعَبْدَيْنِ بِالْأَلْفِ (فَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ: بِشِرَاءِ عَبْدٍ غَيْرِ عَيْنٍ) أَيْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ (بِأَلْفِ) دِرْهَمٍ (شَرَيْته) أَيْ الْعَبْدَ (بِأَلْفٍ وَقَالَ الْمُوَكِّلُ) : بَلْ شَرَيْته (بِنِصْفِهِ) أَيْ بِنِصْفِ الْأَلْفِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ وَلَيْسَ لَهُمَا بُرْهَانٌ (فَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ) الْمُوَكِّلُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَكِيلِ (الْأَلْفَ صُدِّقَ الْوَكِيلُ إنْ سَاوَى) قِيمَةُ الْعَبْدِ (الْأَلْفَ) ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَقَدْ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ وَالْمُوَكِّلُ يَدَّعِي ضَمَانَ نِصْفِ مَا دَفَعَ إلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْأَلْفَ بَلْ يُسَاوِي نِصْفَهُ صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ بِلَا خُلْفٍ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِالْأَلْفِ وَالْمَأْمُورُ اشْتَرَى بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَالْأَمْرُ يَتَنَاوَلُ مَا يُسَاوِيه فَيَضْمَنُ الْمَأْمُورُ خَمْسَمِائَةٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَهَا) أَيْ دَفَعَ الْمُوَكِّلُ الْأَلْفَ إلَى الْوَكِيلِ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا (فَإِنْ سَاوَى) قِيمَةُ الْعَبْدِ (نِصْفَهَا) أَيْ نِصْفَ الْأَلْفِ (صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ) بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ خَالَفَ الْأَمْرَ.
(وَإِنْ سَاوَاهَا) أَيْ إنْ سَاوَى قِيمَةَ الْأَلْفِ (تَحَالَفَا) ؛ لِأَنَّ الْمُؤَكِّلَ هُنَا كَالْبَائِعِ وَالْوَكِيلُ كَالْمُشْتَرِي، وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ فَيَجِبُ التَّحَالُفُ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ (وَالْعَبْدُ لِلْمَأْمُورِ) فِي الصُّورَتَيْنِ.
(وَكَذَا فِي مُعَيَّنٍ لَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا فَشَرَاهُ وَاخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ) يَعْنِي إذَا قَالَ لَهُ: اشْتَرِ هَذَا الْعَبْدَ لِي، وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا فَاشْتَرَاهُ الْمَأْمُورُ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ فَقَالَ الْمَأْمُورُ: اشْتَرَيْته بِأَلْفٍ وَقَالَ الْآمِرُ: بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ وَلَيْسَ لَهُمَا بُرْهَانٌ يَلْزَمُهُ التَّحَالُفُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنْ نَكَلَا فَلِلْوَكِيلِ وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا فَلِمَنْ نَكَلَ (وَلَا عِبْرَةَ لِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ) الْمَأْمُورِ (فِي الْأَظْهَرِ) قِيلَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنْ اسْتَوْفَى الثَّمَنَ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْآمِرِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَفِي الْكَافِي
стр. 994
وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ لَا تَحَالُفَ هُنَا لِارْتِفَاعِ الْخِلَافِ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ إذْ هُوَ حَاضِرٌ فَيُجْعَلُ تَصَادُقُهُمَا بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ الْعَقْدِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ غَائِبٌ فَاعْتُبِرَ الِاخْتِلَافُ، وَإِلَى هَذَا مَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَقَاضِي خَانْ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ فَقَالَ الْآمِرُ: أَمَرْتُك بِشِرَائِهِ بِمِائَةٍ فَقَالَ الْمَأْمُورُ: بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْعَبْدُ لِلْمَأْمُورِ فَإِنْ بَرْهَنَا قُدِّمَ بُرْهَانُ الْمَأْمُورِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ أَخِيهِ فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ فَقَالَ الْآمِرُ لَيْسَ هَذَا بِأَخِي فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ مَعَ يَمِينِهِ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَعَتَقَ الْعَبْدُ عَلَى الْوَكِيلِ لِزَعْمِ أَنَّهُ أَخٌ الْمُوَكِّلِ وَعَتَقَ عَلَى مُوَكِّلِهِ فَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
[فَصَلِّ فِي بَيَان أَحْكَام مِنْ يَجُوز لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْقِد مَعَهُ وَمنْ لَا يَجُوز]
ُ (لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، أَوْ الشِّرَاءِ مَعَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَةٌ لَهُ) كَأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَزَوْجِهِ وَزَوْجَتِهِ وَسَيِّدِهِ وَعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَشَرِيكِهِ فِيمَا يَشْتَرِكَانِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا يَجُوزُ) الْعَقْدُ (بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إلَّا فِي الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ) ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ وَلَا تُهْمَةَ إذْ الْأَمْلَاكُ مُتَبَايِنَةٌ وَالْمَنَافِعُ مُنْقَطِعَةٌ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لِلْمَوْلَى وَكَذَا حَقٌّ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ وَيَنْقَلِبُ حَقِيقَةً بِالْعَجْزِ وَلَهُ أَنَّ مَوَاضِعَ التُّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ الْوَكَالَاتِ، وَهَذَا مَوْضِعُ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِمَالِ الْآخَرِ عَادَةً فَصَارَ بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ وَدَخَلَ فِي الْبَيْعِ الْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ إلَّا إذَا أَطْلَقَ الْمُوَكِّلُ بِأَنْ قَالَ لَهُ بِعْ مِمَّنْ شِئْت فَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ كَمَا يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْهَا بِغَبَنٍ فَاحِشٍ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَعَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ) مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ (بِمَا قَلَّ) مِنْ الثَّمَنِ وَلَوْ غَبْنًا فَاحِشًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ مُعْتَادٌ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى النَّقْدِ وَبِالْكَثِيرِ مِنْ الْقِيمَةِ (أَوْ كَثُرَ) وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَتَنَاوَلَ كُلَّ بَدَلٍ فَإِنَّ الْقِلَّةَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ اسْتِطْرَادِيًّا كَمَا قِيلَ.
(وَ) كَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (بِالْعَرْضِ) سَوَاءٌ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ مِنْ الْقِيمَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُطْلَقٌ وَقَدْ وُجِدَ بِهِ خَالِيًا عَنْ التُّهْمَةِ فَيَجُوزُ (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) بَيْعُهُ (إلَّا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَبِالنُّقُودِ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لَا بِالْعَرْضِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِ الْحَاجَةِ وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِالنُّقُودِ، وَلِهَذَا يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ وَالْجَمَدِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ
стр. 995
وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ هِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَلِذَا لَوْ صَدَرَ مِنْ الْمَرِيضِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَكَذَلِكَ الْمُقَايَضَةُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ الْبَيْعِ قَالَ أَبُو الْمَكَارِمِ: وَبَيْعُ الْمُضَارِبِ وَالْمُفَاوِضِ وَشَرِيكِ الْعِنَانِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ يَصِحُّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَمَّا بَيْعُ الْوَلِيِّ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ وَالْقَاضِي لَا يَصِحُّ بِالْأَقَلِّ إلَّا بِمَا يُتَغَابَنُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ (وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ) إنْ كَانَ ذَلِكَ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ لِلتِّجَارَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ غَيْرَ مُتَعَارَفٍ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ بَيْعٌ مُطْلَقٌ خَالِيًا عَنْ التُّهْمَةِ فَيَجُوزُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْأَجَلِ الْمُتَعَارَفِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجُوزُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِنَقْدِ الْبَلَدِ حَالًّا فَإِنْ كَانَتْ النُّقُودُ مُخْتَلِفَةً يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ وَإِنَّمَا قَيْدُنَا لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَلْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَا يَجُوزُ كَالْمَرْأَةِ إذَا دَفَعَتْ غَزْلًا إلَى رَجُلٍ لِيَبِيعَهُ لَهَا يَتَعَيَّنُ النَّقْدُ.
وَفِي الْمِنَحِ وَبِهِ يُفْتَى وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْخُلَاصَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَالَ: بِعْهُ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ إلَى ثَمَنِهِ وَهُوَ لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ نَسِيئَةً كَمَا فِي النُّتَفِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْحَاجَةِ انْتَهَى.
وَفِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ: بِعْهُ إلَى أَجَلٍ فَبَاعَهُ بِالنَّقْدِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَ) يَجُوزُ (بَيْعُ نِصْفِ مَا وُكِّلَ بِبَيْعِهِ) كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ فَيُعْمَلُ بِإِطْلَاقِهِ وَعِنْدَهُمَا وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوز لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ إلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا لِانْدِفَاعِ الضَّرَرِ قَبْلَ نَقْضِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الَّذِي يَتَضَرَّرُ بِالتَّفْرِيقِ وَالتَّقْسِيمِ وَإِلَّا يَجُوزُ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ إذْ لَيْسَ فِي تَفْرِيقِهِ ضَرَرٌ أَصْلًا كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَلِذَا قُلْنَا كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ.
(وَ) يَجُوزُ (أَخْذُهُ) أَيْ أَخْذُ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ (بِالثَّمَنِ كَفِيلًا أَوْ رَهْنًا) لِلِاسْتِيثَاقِ (فَلَا يَضْمَنُ) الْوَكِيلُ الثَّمَنَ لِلْمُوَكِّلِ وَالْقِيمَةَ لِلرَّاهِنِ (إنْ تَوَى) أَيْ هَلَكَ (مَا عَلَى الْكَفِيلِ) مِنْ الثَّمَنِ (أَوْ ضَاعَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ) أَيْ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي الْحُقُوقِ وَقَبْضُ الثَّمَنِ مِنْهَا وَالْكَفَالَةُ تُوَثَّقُ بِهِ وَالِارْتِهَانُ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيَمْلِكُهُمَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ نِيَابَةً وَقَدْ أَنَابَهُ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ دُونَ الْكَفَالَةِ وَأَخْذِ الرَّهْنِ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَقْبِضُ أَصَالَةً وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ حَجْرَهُ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَهُ أَخْذُ الْكَفِيلِ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْهِدَايَةِ عَلَى أَخْذِ الْكَفِيلِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ فَهُوَ حَوَالَةٌ لَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ قَبُولُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ عَدَمُهُ لِلْمُوَكِّلِ وَإِلَّا فَالدَّيْنُ قَدْ سَقَطَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ
стр. 996
مِثْلَ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا أَخَذَ رَهْنًا فَضَاعَ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ الْمُوَكِّلِ شَيْءٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ انْتَهَى. .
(وَلَوْ وَهَبَ) الْوَكِيلُ (الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، أَوْ حَطَّ مِنْهُ) أَيْ بَعْضَ الثَّمَنِ (جَازَ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَيَضْمَنُ) الْوَكِيلُ الثَّمَنَ كُلَّهُ لِمُوَكِّلِهِ فِي الْحَالِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ) كُلٌّ مِنْ الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْحَطِّ إذْ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَا أَمْرَ لَهُ فِيمَا فَعَلَ وَلَمْ يَجُزْ وَلَهُمَا أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ رَاجِعَةٌ إلَى الْعَاقِدِ، وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مِنْ حُقُوقِهِ فَيَمْلِكُهَا وَدَفْعُ الضَّرَرِ حَاصِلٌ بِتَضْمِينِهِ فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ.
(وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ أَجَّلَهُ) أَيْ الثَّمَنَ (أَوْ قَبِلَ بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ (حَوَالَةً) قَالَ قَاضِي خَانْ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّأْجِيلَ فِي الْأَصْلِ قِيلَ يَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فَلِذَا قَالَ وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ أَجَّلَهُ.
(وَلَوْ أَقَالَهُ) الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ (صَحَّ) عَقْدُ الْإِقَالَةِ (وَسَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَلَزِمَ) الثَّمَنُ (الْوَكِيلَ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَاقِدٌ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فَيَضْمَنُ الثَّمَنَ لِلْمُوَكِّلِ قَيَّدْنَا بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ اتِّفَاقًا هَذَا إذَا لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فَلَوْ قَبَضَهُ ثُمَّ أَقَالَهُ لَا يَصِحُّ وَكَذَا إذَا كَانَ عَلَى الْوَكِيلِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ فَأَحَالَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِيَأْخُذَ الثَّمَنَ ثُمَّ أَقَالَ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ لِلْمُوَكِّلِ فَيَبْقَى الثَّمَنُ لِلْمُوَكِّلِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنَّ الْإِقَالَةَ لَمَّا كَانَتْ عِنْدَهُ بَيْعًا صَارَ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا مِنْ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فَكَانَ الْوَكِيلُ مَدْيُونًا لِلْمُشْتَرِي مِثْلَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
(وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ) ، أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ.
(وَ) يَجُوزُ (بِزِيَادَةٍ يُتَغَابَنُ بِهَا، وَهِيَ) أَيْ الزِّيَادَةُ الَّتِي يُتَغَابَنُ بِهَا (مَا يَقُولُ بِهِ مُقَوِّمٌ) بِأَنْ قَوَّمَهُ عَدْلٌ مَثَلًا بِعَشَرَةٍ وَعَدْلٌ آخَرُ بِتِسْعَةٍ فَاشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ مُقَوِّمٍ وَقَدَّرُوهُ فِي الْعُرُوضِ بِزِيَادَةِ نِصْفٍ فِي الْعَشَرَةِ وَفِي الْحَيَوَانِ بِدِرْهَمٍ، وَفِي الْعَقَارِ بِدِرْهَمَيْنِ فَهُوَ الْغَبَنُ الْيَسِيرُ فَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَقَدْرٌ فِي الْعُرُوضِ " ده نيم " وَفِي الْحَيَوَانِ " ده يازده " وَفِي الْعَقَارِ " ده دوازده ") هَذَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ كَالْعَبْدِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ وَأَمَّا مَا لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمِ مُقَوِّمٍ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ حَتَّى إذَا زَادَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ شَيْئًا قَلِيلًا كَالْفِلْسِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِظُهُورِ الْمُخَالَفَةِ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَ قَوْلَهُ وَهُوَ مَا يُقَوِّمُ بِهِ مُقَوِّمٌ بِأَنْ لَمْ يَعْرِفْ سِعْرَهُ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ (لَا بِمَا لَا يُتَغَابَنُ بِهَا) أَيْ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْوَكِيلِ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ لِجَوَازِ اشْتِرَائِهِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِغَلَاءِ ثَمَنِهِ يُحَوِّلُهُ عَلَى الْآمِرِ وَهَذِهِ التُّهْمَةُ لَا تُوجَدُ فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ
стр. 997
وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ بِالْمُخَالَفَةِ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَكَانَتْ التُّهْمَةُ بَاقِيَةً كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ حَتَّى لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ تَتَبَّعْ.
(وَلَوْ وُكِّلَ بِبَيْعِ عَبْدٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا (وَقَالَا لَا يَجُوزُ) بَيْعُهُ بِمَا يَتَعَيَّبُ بِالشَّرِكَةِ كَالْعَبْدِ لَا بِمَا لَا يَتَعَيَّبُ كَالْبُرِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا مَرَّ (إلَّا إنْ بَاعَ الْبَاقِيَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ) أَيْ قَبْلَ الِاخْتِصَامِ إلَى الْقَاضِي وَنَقَضَ الْقَاضِي الْبَيْعَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِعَوْدِهِ إلَى الْوِفَاقِ (وَهُوَ) أَيْ جَوَازُهُ إنْ بَاعَ الْبَاقِيَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ (اسْتِحْسَانٌ) عِنْدَهُمَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعَ أَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ وَبَيْعُ نِصْفِ مَا وُكِّلَ بِبَيْعِهِ جَازَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِيهَا وَهُوَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى تُذْكَرُ بِلَا خِلَافٍ فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فَذَكَرَهَا لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكَهَا فِيمَا سَبَقَ وَذَكَرَهَا هُنَا جَمِيعًا كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ وُكِّلَ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ) لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ (إلَّا إنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْبَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ كَانَ مَوْرُوثًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالِاتِّفَاقِ وَالْفَرْقُ لِلْإِمَامِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَيْعِ صَادَفَ مِلْكَهُ فَاعْتُبِرَ فِيهِ إطْلَاقُهُ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالشِّرَاءِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَلْزَمُ الْوَكِيلَ مُطْلَقًا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُعَيَّنًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ بِشِرَاءِ نِصْفٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إلَّا بَعْدَ شِرَائِهِ فَبِهَذَا ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ مَا قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ شِرَاءُ النِّصْفِ إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ تَأَمَّلْ.
(وَلَوْ رَدَّ الْبَيْعَ) أَيْ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ (عَلَى الْوَكِيلِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ) أَيْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي (رَدَّهُ) الْوَكِيلُ (عَلَى آمِرِهِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبِ الْبَيِّنَةِ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي، أَوْ بِنُكُولِ الْوَكِيلِ حِينَ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، أَوْ إقْرَارِ الْوَكِيلِ عِنْدَ الْقَاضِي (فِيمَا) أَيْ فِي عَيْبٍ (لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ) ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ وَالْوَكِيلُ مُضْطَرِبٌ فِي النُّكُولِ لِبُعْدِ الْعَيْبِ عَنْ عِلْمِهِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُمَارَسَتِهِ الْبَيْعَ فَلَزِمَ الْآمِرَ فَكَذَا بِإِقْرَارِهِ فِيمَا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ تَيَقَّنَ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحِجَجِ ثُمَّ إنَّ اشْتِرَاطَهَا فِيمَا كَانَ تَارِيخُ الْبَيْعِ مُشْتَبِهًا عَلَى الْقَاضِي، أَوْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ، أَوْ الْأَطِبَّاءُ فَإِنَّ قَوْلَهُنَّ وَقَوْلَ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ لَا فِي الرَّدِّ فَيَفْتَقِرُ إلَى إحْدَى هَذِهِ الْحُجَجِ لِلرَّدِّ حَتَّى لَوْ عَلِمَ الْقَاضِي تَارِيخَ الْبَيْعِ وَالْعَيْبُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا كَمَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا لَا يَحْدُثُ أَصْلًا كَأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ لَا حَاجَةَ إلَى الْحُجَّةِ وَإِنَّمَا قَالَ بِقَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ عَلَى
стр. 998
الْمُوَكِّلِ وَلَا الْخُصُومَةُ مَعَهُ كَمَا فِي عَامَّةِ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ (وَكَذَا) يَرُدُّ الْوَكِيلُ عَلَى الْآمِرِ (فِيمَا) أَيْ فِي عَيْبٍ (يَحْدُثُ مِثْلُهُ) فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ (إنْ) كَانَ قَضَاءُ الْقَاضِي (بِبَيِّنَةٍ، أَوْ نُكُولٍ) عَنْ يَمِينٍ لِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
(وَإِنْ) كَانَ قَضَاءُ الْقَاضِي (بِإِقْرَارِ) الْوَكِيلِ (فَلَا) يَرُدُّهُ عَلَى آمِرِهِ (وَلَزِمَ الْوَكِيلَ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ فَيَظْهَرُ حَقُّ الْمُقِرِّ دُونَ غَيْرِهِ وَالْوَكِيلُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ السُّكُوتُ وَالنُّكُولُ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ إنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِقَضَاءٍ فَيَلْزَمُهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِنُكُولٍ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ بِالتَّرَاضِي فَيَكُونُ بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا وَالْمُوَكِّلُ غَيْرُهُمَا.
(وَلَوْ بَاعَ) الْوَكِيلُ (بِنَسِيئَةٍ) أَيْ إلَى أَجَلٍ (وَقَالَ الْمُوَكِّلُ أَمَرْتُك بِالنَّقْدِ وَقَالَ) الْوَكِيلُ: لَا (بَلْ أَطْلَقْت) أَيْ أَمَرْتنِي بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالنَّقْدِ (صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ) مَعَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْآمِرِ وَلَا مُسَاعَدَةَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَأْمُورُ (وَفِي الْمُضَارَبَةِ) صُدِّقَ (الْمُضَارِبُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ فَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ وَالْمُضَارِبُ فِي نَوْعٍ آخَرَ حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ أَحَدُ الْوَكِيلِينَ وَحْدَهُ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ) لِعَدَمِ رِضَى الْمُوَكِّلِ إلَّا بِرَأْيِهِمَا مَعًا وَفِي الْمِنَحِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا وَالْآخَرُ عَبْدًا، أَوْ صَبِيًّا مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا وَكَّلَهُمَا بِكَلَامٍ وَاحِدٍ أَمَّا إذَا كَانَ تَوْكِيلُهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَقْتَ تَوْكِيلِهِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّيْنِ إذَا أَوْصَى إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِكَلَامٍ عَلَى حِدَةٍ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى.
لَكِنْ فِي الشُّمُنِّيِّ خِلَافُ مَا فِي الْمِنَحِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ حَاضِرٌ يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ الْآخَرُ غَائِبًا فَأَجَازَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ زَالَ عَقْلُهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ تَتَبَّعْ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: وَكَّلْتُ أَحَدَكُمَا بِشِرَاءِ جَارِيَةٍ لِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا ثُمَّ اشْتَرَى الْآخَرُ فَإِنَّ الْآخَرَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَلَوْ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَارِيَةً وَوَقَعَ شِرَاؤُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَانَتْ الْجَارِيَتَانِ لِلْمُوَكِّلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَحْرِ (إلَّا فِي خُصُومَةٍ) فَإِنَّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُخَاصِمَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ لِإِفْضَائِهِ الشَّغَبَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا خَاصَمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُشْتَرَطْ حَضْرَةُ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ بِسَمَاعِهَا، وَهُوَ سَاكِتٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحَضْرَةِ ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مُبَاشَرَةِ رَأْيِ الْآخَرِ حَتَّى لَوْ بَاشَرَ
стр. 999
أَحَدُهُمَا بِدُونِ رَأْيِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا كَمَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي ابْنِ مَلِكٍ عَلَى الرَّأْيِ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الْعَامَّةِ وَهُوَ، أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الضَّعْفِ تَدَبَّرْ (وَرَدِّ وَدِيعَةٍ) .
وَفِي الْبَحْرِ وَلَوْ قَالَ وَرَدِّ عَيْنٍ لَكَانَ، أَوْلَى فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ لَكِنْ يُمْكِنُ بِأَنَّ رَدَّ عَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ دَاخِلٌ فِي رَدِّ وَدِيعَةٍ حُكْمًا وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ فِي حُكْمِ الْغَصْبِ فَاكْتَفَى بِذِكْرِهَا تَدَبَّرْ.
قَيَّدَ بِالرَّدِّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الِاسْتِرْدَادِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الْقَبْضُ بِدُونِ صَاحِبِهِ (وَقَضَاءِ دَيْنٍ وَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا عِوَضَ فِيهِمَا) وَكَذَا تَعْلِيقٌ بِمَشِيئَةِ الْوَكِيلِينَ وَتَدْبِيرٌ وَتَسْلِيمُ هِبَةٍ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ وَيُعْتَبَرُ الْمَثْنَى فِيهِ كَالْوَاحِدِ هَذَا إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَعِتْقِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهَا بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا كَمَا فِي السِّرَاجِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ وَقَيَّدَ بِلَا عِوَضٍ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ بِعِوَضٍ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا إلَّا إذَا أَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ، أَوْ الْوَكِيلُ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الْوَكَالَةَ وَالْوِصَايَةَ وَالْمُضَارَبَةَ وَالْقَضَاءَ وَالتَّوْلِيَةَ عَلَى الْوَقْفِ سَوَاءٌ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ.
(وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ إذْ رَضِيَ بِرَأْيِهِ دُونَ رَأْيِ غَيْرِهِ لِوُجُودِ التَّفَاوُتِ فِي الْآرَاءِ (إلَّا بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ) لِتَحَقُّقِ رِضَائِهِ (أَوْ بِقَوْلِهِ) أَيْ بِقَوْلِ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ (اعْمَلْ بِرَأْيِك) لِإِطْلَاقِهِ التَّفْوِيضَ إلَى رَأْيِهِ وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ التَّنْوِيرِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: إلَّا فِي دَفْعِ زَكَاةٍ وَفِي قَبْضِ دَيْنٍ بِمَنْ فِي عِيَالِهِ وَعِنْدَ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ فَإِنَّ تَصَرُّفَ وَكِيلِ الْوَكِيلِ بِدُونِ الْإِذْنِ جَائِزٌ فِيهَا (فَإِنْ أَذِنَ) الْمُوَكِّلُ بِالتَّوْكِيلِ (فَوَكَّلَ) الْوَكِيلُ غَيْرَهُ (كَانَ) الْوَكِيلُ (الثَّانِي وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي) ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَنْعَزِلُ) الْوَكِيلُ الثَّانِي (بِعَزْلِهِ) أَيْ بِعَزْلِ الْمُوَكِّلِ الثَّانِي (وَلَا) يَنْعَزِلُ (بِمَوْتِهِ) أَيْ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ الثَّانِي قَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ: يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ عَزْلَهُ فِيمَا إذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ اعْمَلْ بِرَأْيِك انْتَهَى.
وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَأْمُورٌ بِإِعْمَالِ رَأْيِهِ وَقَدْ عَمِلَ بِأَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فَتَمَّ الْأَمْرُ فَلَا يَمْلِكُ الْعَزْلَ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ الرُّجُوعُ عَنْ الرَّأْيِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ اعْمَلْ بِرَأْيِك مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ اصْنَعْ مَا شِئْت؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ فَيَمْلِكُ الْعَزْلَ تَدَبَّرْ.
(وَيَنْعَزِلَانِ) أَيْ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي (بِمَوْتِ) الْمُوَكِّلِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فَيَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ بِمَوْتِهِ لِبُطْلَانِ حَقِّهِ (وَإِنْ وَكَّلَ) الْوَكِيلُ غَيْرَهُ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْمُوَكِّلِ (فَعَقَدَ) الْوَكِيلُ (الثَّانِي بِحَضْرَتِهِ) أَيْ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (جَازَ) عَقْدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُضُورُ رَأْيِهِ وَقَدْ حَضَرَ وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ الِاكْتِفَاءُ بِالْحَضْرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْإِجَازَةِ وَهَذَا قَوْلُ الْبَعْضِ
стр. 1000
وَالْعَامَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إجَازَةِ الْوَكِيلِ، أَوْ الْمُوَكِّلِ وَإِنَّ حَضْرَةَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ لَا تَكْفِي وَالْمُطْلَقُ مِنْ الْعِبَارَاتِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: فَأَجَازَهُ مَكَانَ قَوْلِهِ بِحَضْرَتِهِ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَكَذَا لَوْ عَقَدَ) الْوَكِيلُ الثَّانِي (بِغَيْبَتِهِ) أَيْ بِغِيبَةِ الْأَوَّلِ (فَأَجَازَهُ) أَيْ أَجَازَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ عَقْدَهُ جَازَ، وَلَوْ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ فَعَقَدَ الثَّانِي بِحَضْرَتِهِ، أَوْ بِغَيْبَتِهِ فَأَجَازَهُ جَازَ لَكَانَ أَخْصَرَ، وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ كَمَا بُيِّنَ قُبَيْلَهُ تَدَبَّرْ.
قَيَّدَ بِالْعَقْدِ احْتِرَازًا عَنْ الْوَكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ وَطَلَّقَ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، أَوْ طَلَّقَ الْأَجْنَبِيُّ فَأَجَازَ الْوَكِيلُ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ وَكَذَا الْإِبْرَاءُ وَالْخُصُومَةُ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ كَمَا فِي الْمِنَحِ (أَوْ كَانَ) الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ (قَدْ قَدَّرَ الثَّمَنَ) لِلثَّانِي فَعَقَدَ الثَّانِي بِغَيْبَتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ لِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ وَقَدْ حَصَلَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِعَبْدٍ، أَوْ مُكَاتَبٍ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ طِفْلِهِ بِبَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ، وَلَا تَزْوِيجُهُ) لِانْتِفَاءِ وِلَايَتِهِمَا بِالرِّقِّ.
(وَكَذَا الْكَافِرُ فِي حَقِّ طِفْلِهِ الْمُسْلِمِ) لِانْتِفَاءِ وِلَايَتِهِ بِالْكُفْرِ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِي حَقِّهِ يُقَالُ حُكْمُ الْمُسْتَأْمَنِ وَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ يُعْلَمُ مِنْ حَالِ الذِّمِّيِّ دَلَالَةً وَلِذَا بَيَّنَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْكُفَّارِ وَقِيلَ تَصَرُّفُ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ لِتَرَدُّدِ الْمِلَّةِ فِي حَقِّهِ فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ وَإِنْ قُتِلَ لَا.
[بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ]
ِ أَخَّرَ الْوَكَالَةَ بِالْخُصُومَةِ عَنْ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَقَعُ بِاعْتِبَارِ مَا يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ وَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ لِمُطَالَبَةِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ (لِلْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ الْقَبْضُ) عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ إتْمَامَهُ، وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالْقَبْضِ (خِلَافًا لَزُفَرَ) ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ الْخُصُومَةِ فَلَا يَكُونُ الْوَكِيلُ بِهِ وَكِيلًا بِهَا إذْ يَخْتَارُ الْمُوَكِّلُ لِلْقَبْضِ آمَنَ النَّاسِ وَلِلْخُصُومَةِ أَلَجَّ النَّاسِ (وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْخُصُومَةِ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ لِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْوُكَلَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَفْتَى بِذَلِكَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخِي وَسَمَرْقَنْدَ وَغَيْرِهِمْ وَلِذَا أَشَارَ إلَى خِلَافِ زُفَرَ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ لِقُوَّةِ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إذَا أَبَى لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا إلَّا إذَا كَانَ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي وَغَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْكَفِيلِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ (الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي) يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ بِالطَّلَبِ مِثْلُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْقَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا يُقَالُ اقْتَضَيْت حَقِّي أَيْ قَبَضْته فَإِنَّهُ مُطَاوِعٌ قَضَى إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ
стр. 1001
وَالْفَتْوَى عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْغَايَةِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِتَقَاضِي الدَّيْنِ يَمْلِكُ الْقَبْضَ اتِّفَاقًا فِي جَوَابِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ لَكِنْ فَتْوَى الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِفَسَادِ الزَّمَانِ انْتَهَى.
وَفِي الْوَاقِعَاتِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ الدَّيْنَ فِي زَمَانِهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخِي وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ اهـ فَعَلَى هَذَا ظَهَرَ عَدَمُ فَهْمِ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ: وَالْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلتَّقَاضِي بِدُونِ الْقَبْضِ فَيَلْزَمُ التَّأَمُّلُ فِي قَوْلِهِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ مُصَرَّحٌ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِفَسَادِ الزَّمَانِ فَلَا خِلَافَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِذَلِكَ فِي بَلَدٍ كَانَ مِنْ الْعُرْفِ بَيْنَ التُّجَّارِ أَنَّ الْمُتَقَاضِيَ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ الدَّيْنَ تَوْكِيلًا بِالْقَبْضِ وَإِلَّا فَلَا تُدْبِر.
وَفِي التَّنْوِير وَرَسُول الْقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ لَا الْخُصُومَةَ إجْمَاعًا وَلَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ وَالْقَبْضَ وَكِيلُ الْمُلَازَمَةِ كَمَا لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ وَكِيلُ الصُّلْحِ وَكَذَا عَكْسُهُ.
(وَلِلْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الْخُصُومَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَبْضِ يَعْرِفُ الْخُصُومَةَ وَيَهْتَدِي إلَى الْمُحَاكَمَةِ فَلَا يَحْصُلُ الرِّضَى مِنْ الْمُوَكِّلِ وَلَهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِأَخْذِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ نَفْسِ الدَّيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ وَلِذَا قُلْنَا أَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ مِلْكُ الْمَطْلُوبِ حَقِيقَةً وَبِالْقَبْضِ يَتَمَلَّكُهُ بَدَلًا عَنْ الدَّيْنِ فَيَكُونُ وَكِيلًا فِي حَقِّ التَّمْلِيكِ وَلَا ذَلِكَ إلَّا بِالْخُصُومَةِ وَثَمَرَتُهُ مَا إذَا أَقَامَ الْخَصْمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُوَكِّلِ أَوْ إبْرَائِهِ تُقْبَلُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يَكُونُ لَهُ الْخُصُومَةُ اتِّفَاقًا.
وَفِي التَّنْوِيرِ أَمَرَهُ بِقَبْضِ دَيْنِهِ وَأَنْ لَا يَقْبِضَهُ إلَّا جَمِيعًا فَقَبَضَهُ إلَّا دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ قَبْضُهُ عَلَى الْأَمْرِ وَلِلْآمِرِ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَرِيمِ بِكُلِّهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْغَرِيمِ بَيِّنَةٌ عَلَى الْإِيفَاءِ فَقَضَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ وَقَبَضَهُ الْوَكِيلُ فَضَاعَ مِنْ الْوَكِيلِ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَى الْإِيفَاءِ فَلَا سَبِيلَ لِلْمُقَضَّى عَلَيْهِ عَلَى الْوَكِيلِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
(وَلِلْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ الْخُصُومَةُ قَبْلَ الْأَخْذِ اتِّفَاقًا) حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ سَلَّمَهَا تُقْبَلُ وَتَبْطُلُ الشُّفْعَةُ وَأَمَّا بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلَيْسَ لَهُ الْخُصُومَةُ.
(وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ) أَيْ لَهُ الْخُصُومَةُ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَخْذِ الْوَاهِبِ الْعِوَضِ تُقْبَلُ وَيَبْطُلُ الرُّجُوعُ (أَوْ بِالْقِسْمَةِ) يَعْنِي لِلْوَكِيلِ بِالْقِسْمَةِ الْخُصُومَةُ حَتَّى إذَا وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَكِيلًا بِأَنْ يُقَاسِمَ مَعَ شَرِيكِهِ فَأَقَامَ الشَّرِيكُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَبَضَ نَصِيبَهُ تُقْبَلُ (أَوْ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ) حَتَّى إذَا أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِالْعَيْبِ تُقْبَلُ.
(وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ مُبَاشَرَتِهِ) يَعْنِي لَهُ الْخُصُومَةُ وَأَمَّا قَبْلَ مُبَاشَرَتِهِ
стр. 1002
الشِّرَاءَ لَا يَكُونُ لَهُ الْخُصُومَةُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ تَقْتَضِي حُقُوقًا وَهُوَ أَصْلٌ فِيهَا فَيَكُونُ خَصْمَهَا فِيهَا.
(وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِقَبْضِ الْعَيْنِ الْخُصُومَةُ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَحْضٌ بِقَبْضِ عَيْنِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَجْهٌ فَأَشْبَهَ الرَّسُولَ ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ بَرْهَنَ ذُو الْيَدِ عَلَى الْوَكِيلِ بِقَبْضِ عَبْدٍ أَنَّ مُوَكِّلَهُ بَاعَهُ مِنْهُ تُقْصَرُ يَدُ الْوَكِيلِ) عَنْهُ (وَلَا يَثْبُتُ الْبَيْعُ فَيَلْزَمُ) عَلَى ذِي الْيَدِ (إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ إذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ) أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى مَنْ لَا يَكُونُ خَصْمًا وَالْقِيَاسُ فِيهِ دَفْعُ الْعَبْدِ إلَى الْوَكِيلِ لِعَدَمِ قَبُولِ حُجَّةِ ذِي الْيَدِ لِقِيَامِهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ بِخَصْمٍ فَلَمْ يُعْتَبَرُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَكِيلَ خَصْمٌ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْقَبْضِ فَتُقْتَصَرُ يَدُهُ فَتُقَامُ الْحُجَّةُ ثَانِيًا عَلَى الْبَيْعِ إذَا حَضَرَ الْخَصْمُ (كَمَا تُقْصَرُ يَدُ الْوَكِيلِ بِنَقْلِ الزَّوْجَةِ أَوْ الْعَبْدِ) يَعْنِي إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ أَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْعَتَاقِ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمَا إلَى مَوْضِعٍ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ اسْتِحْسَانًا فِي قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ عَنْهُمَا حَتَّى يُحْضِرَ مُنْكِرًا (وَلَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ لَوْ بَرْهَنَا) أَيْ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (بِلَا حُضُورِ الْمُوَكِّلِ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُمَا أَقَامَا حُجَّةً عَلَى وَكِيلٍ غَيْرِ خَصْمٍ، وَلِذَا وَجَبَ إعَادَتُهَا لَوْ حَضَرَ مُوَكِّلُهُ بِخِلَافِ قَصْرِ الْيَدِ.
(وَإِقْرَارُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ الْقَاضِي) بِغَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (صَحِيحٌ) سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلًا مِنْ قِبَلِ الْمُدَّعِي فَأَقَرَّ بِالْقَبْضِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِثُبُوتِ الْحَقِّ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَهُ ذَلِكَ الْوَكِيلُ صَحَّ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَبِأَنَّهُ لَوْ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ صَحَّ وَصَارَ وَكِيلًا بِالْإِنْكَارِ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ صَارَ وَكِيلًا بِالْإِقْرَارِ.
وَفِي الصُّغْرَى لَوْ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ بِحَضْرَةِ الطَّالِبِ صَحَّ وَإِلَّا لَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَنَّهُ أَيْضًا يَصِحُّ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ وَكَّلَهُ غَيْرُ جَائِزِ الْإِقْرَارِ صَحَّ، وَلَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ فِي الظَّاهِرِ لَوْ مَوْصُولًا وَفِي الْأَقْضِيَةِ وَمَفْصُولًا أَيْضًا (لَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي) أَيْ إنْ كَانَ إقْرَارُهُ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي فَشَهِدَ بِهِ الشَّاهِدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) أَيْ يَصِحُّ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَقَامَ مَقَامُ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ مُطْلَقًا وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَمْلِكَ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي، وَكَذَا وَكِيلُهُ وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا لَا يَصِحُّ أَصْلًا وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ، وَهِيَ مُنَازَعَةٌ وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهَا؛ لِأَنَّهُ مُسَالَمَةٌ وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّوْكِيلَ صَحِيحٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ وَهُوَ الْجَوَابُ مُطْلَقًا فَيَضْمَنُ الْإِقْرَارَ وَالْمُوَكِّلُ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ كَذَا يَمْلِكُ وَكِيلُهُ عِنْدَ الْقَاضِي لِكَوْنِهِ جَوَابَ الْخَصْمِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا إلَّا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ إذْ وَرَاءَ مَجْلِسِهِ يُفْضِي
стр. 1003
إلَى الْمُجَادَلَةِ وَالْمُجَاذَبَةِ وَهُوَ لَمْ يُوَكِّلْ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ وَكِيلًا (لَكِنْ لَوْ بَرْهَنَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ، هَذَا اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي؛ فَلِهَذَا لَوْ ذُكِرَ عَقِيبَهُ لَكَانَ أَنْسَبَ تَدَبَّرْ.
(أَنَّهُ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خَرَجَ عَنْ الْوَكَالَةِ وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالَ) أَيْ لَا يُؤْمَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُنَاقَضَةِ؛ وَلِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ (كَالْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ إذَا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لَا يَصِحُّ) إقْرَارُهُمَا (وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ (الْمَالَ) يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ شَيْئًا لِلصَّغِيرِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَصَدَّقَهُ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ ثُمَّ جَاءَ يَدَّعِي الْمَالَ فَإِنَّ إقْرَارَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً نَظَرِيَّةً وَذَلِكَ بِأَنْ يَحْفَظَ مَالَهُ وَيَتَصَرَّفَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَحْسَنِ وَالْإِقْرَارُ لَا يَكُونُ حِفْظًا وَلَا يُؤْمَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ دَعْوَاهُ وَيُنَصَّبُ وَصِيٌّ آخَرُ وَيُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ لَوْ ثَبَتَ.
(وَلَا) يَصِحُّ (تَوْكِيلُ رَبِّ الْمَالِ كَفِيلَهُ بِقَبْضِ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ) مَا لَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِهِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ وَكَّلَ الْمُحْتَالُ الْمُحِيلَ بِقَبْضِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا صَارَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَانْعَدَمَ الرُّكْنُ؛ وَلِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ مُلَازِمٌ لِلْوَكَالَةِ؛ لِكَوْنِهِ أَمِينًا وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا لَا يُقْبَلُ لِكَوْنِهِ مُبَرِّئًا نَفْسَهُ فَتَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ لَازِمِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ فَلْيُرَاجَعْ.
وَفِي التَّنْوِيرِ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا كَفَلَ صَحَّ وَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَكَذَا كُلُّ مَا صَحَّتْ كَفَالَةُ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ تَقَدَّمَتْ كَفَالَتُهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ.
(وَمَنْ صَدَّقَ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أُمِرَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ بِمَنْ قَالَ أَنَا وَكِيلُ الْغَائِبِ بِقَبْضِ دَيْنِهِ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ خَالِصُ حَقِّهِ إذَا الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا (فَإِنْ صَدَّقَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ) فِيهَا أَيْ إذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ وَصَدَّقَ الْوَكِيلَ فِي دَعْوَاهُ الْوَكَالَةِ فَلَا كَلَامَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ (أُمِرَ) أَيْ أُمِرَ الْغَرِيمُ (بِالدَّفْعِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا أُمِرَ بِالدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيفَاءُ حَيْثُ أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَيَفْسُدُ الْأَدَاءُ إنْ لَمْ نُجِرْ الِاسْتِيفَاءَ حَالَ قِيَامِهِ (وَرَجَعَ) الْغَرِيمُ (بِهِ) أَيْ بِمَا دَفَعَهُ (عَلَى الْوَكِيلِ إنْ لَمْ يَهْلَكْ فِي يَدِهِ) أَيْ رَجَعَ الْغَرِيمُ بِهِ إنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ بَاقِيًا فِي يَدِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الدَّفْعِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبَضَهُ وَيَأْخُذَ مَا يَجِدُهُ وَلَوْ كَانَ بَقَاؤُهُ حُكْمًا بِأَنْ اسْتَهْلَكَهُ الْوَكِيلُ فَإِنَّهُ بَاقٍ بِبَقَاءِ بَدَلِهِ.
(وَإِنْ هَلَكَ) أَيْ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ (لَا) أَيْ لَا يَرْجِعُ فِيمَا هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ فَيَكُونُ أَمِينًا وَهُوَ لَا يَكُون ضَمِينًا؛ أَوْ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ فِي أَخْذِ الْمُوَكِّلِ ثَانِيًا وَالْمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ (إلَّا إنْ كَانَ قَدْ ضَمِنَهُ
стр. 1004
عِنْدَ دَفْعِهِ) فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِمِثْلِ مَا دَفَعَهُ قِيلَ رُوِيَ ضَمِنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ وَبِعَدَمِهِ فَالْمَعْنَى بِالتَّشْدِيدِ إلَّا إذَا إنْ جَعَلَ الْغَرِيمُ الْوَكِيلَ ضَامِنًا بِأَنْ قَالَ عِنْدَ دَفْعِهِ إنْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ وَكَالَتَك وَأَخَذَ مِنِّي ثَانِيًا فَأَنْتَ ضَامِنٌ بِهَذَا الْمَالِ فَقَالَ: أَنَا ضَامِنٌ وَبِعَدَمِ التَّشْدِيدِ إلَّا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ بِأَنْ قَالَ عِنْدَ دَفْعِهِ إنْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ وَأَخَذَ مِنْهُ ثَانِيًا فَإِنِّي ضَامِنٌ بِهَذَا الْمَالِ فَيَصِيرُ الْوَكِيلُ كَفِيلًا بِمَالٍ قَبَضَهُ الدَّائِنُ الْمُنْكِرُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الضَّمَانِ إلَى زَمَانِ الْقَبْضِ جَائِزٌ لَا بِمَالٍ قَبَضَهُ الْوَكِيلُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ وَالْأَمَانَاتُ لَا تَجُوزُ بِهَا الْكَفَالَةُ وَظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ عَلَى الْوَكِيلِ حَالَةَ الْهَلَاكِ إلَّا إذَا ضَمِنَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ قَبَضْت مِنْك عَلَى أَنِّي أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّيْنِ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ (أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ عَلَى ادِّعَائِهِ) حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ مُصَدِّقٍ وَكَالَتَهُ) سَوَاءٌ كَانَ مُكَذِّبًا أَوْ سَاكِتًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ لَهُ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ فَانْقَطَعَ رَجَاؤُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ فَإِنْ ادَّعَى الْوَكِيلُ هَلَاكَهُ أَوْ دَفَعَهُ لِمُوَكِّلِهِ صَدَقَ بِحَلِفِهِ وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ (وَمَنْ صَدَّقَ مُدَّعِي الْوَكَالَةَ بِقَبْضِ الْأَمَانَةِ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ إقْرَارٌ بِمَالِ الْغَيْرِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ لَا بِالدَّفْعِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ بِالْأَوْلَى، وَفِي الْمِنَحِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَكَذَا) أَيْ مِثْلُ مَا ذَكَرَ مِنْ الْحُكْمِ (لَوْ صَدَّقَهُ فِي دَعْوَى شِرَائِهَا مِنْ الْمَالِكِ) يَعْنِي لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى الْوَدِيعَةَ مِنْ مَالِكِهَا وَصَدَّقَهُ الْمُودَعُ لَمْ يُؤْمَرْ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا كَانَ إقْرَارًا بِمِلْكِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ فَلَا يُصَدَّقَانِ فِي دَعْوَى الْبَيْعِ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ صَدَّقَهُ فِي أَنَّ الْمَالِكَ مَاتَ وَتَرَكَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ (مِيرَاثًا لَهُ أُمِرَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ) إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَلَوْ أَنْكَرَ مَوْتَهُ أَوْ قَالَ لَا أَدْرِي لَا يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَاخِرِ الْقَضَاءِ فَكَانَ ذِكْرُهَا هُنَا تَكْرَارًا تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ ادَّعَى الْمَدْيُونُ عَلَى الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ اسْتِيفَاءَ الدَّائِنِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ) أَيْ لِلْمَدْيُونِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الدَّائِنِ (أُمِرَ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ) أَيْ أُمِرَ الْغَرِيمُ بِدَفْعِ الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ إلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ وَالِاسْتِيفَاءُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ فَلَا يُؤَخَّرُ الْحَقُّ وَقَدْ جَعَلُوا دَعْوَاهُ الْإِيفَاءَ لِرَبِّ الدَّيْنِ جَوَابًا لِلْوَكِيلِ إقْرَارًا بِالدَّيْنِ وَبِالْوَكَالَةِ وَإِلَّا لَمَا اُشْتُغِلَ بِذَلِكَ كَمَا إذَا طَلَبَ مِنْ الدَّائِنِ وَادَّعَى الْإِيفَاءَ فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا بِالدَّيْنِ وَكَمَا إذَا أَجَابَ الْمُدَّعِي ثُمَّ ادَّعَى الْغَلَطَ فِي بَعْضِ الْحُدُودِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ تَسْلِيمٌ لِلْحُدُودِ كَمَا فِي الْمِنَحِ (وَلَا يَسْتَحْلِفُهُ) أَيْ الْوَكِيلُ (أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ اسْتِيفَاءَ مُوَكِّلِهِ) الدَّيْنَ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ وَالنَّائِبُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْحَلِفُ خِلَافًا لَزُفَرَ (بَلْ يَتْبَعُ) الْغَرِيمُ بَعْدَمَا دَفَعَ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ (رَبَّ الدِّينِ
стр. 1005
وَيَسْتَحْلِفُهُ) أَيْ رَبُّ الدِّينِ (أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى) إنْ حَلِفَ بَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى حَالِهِ وَلَوْ نَكَلَ بَطَلَ الْحُكْمُ فَيَسْتَرِدُّ فِيهِ مَا قَبَضَ.
(وَلَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى وَكِيلٍ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ إنْ مُوَكَّلَهُ رَضِيَ بِهِ) أَيْ بِالْعَيْبِ (لَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الثَّمَنِ قَبْلَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ الدَّائِنِ أَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ هُنَاكَ بِاسْتِرْدَادِ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ إذَا ظَهَرَ الْخَطَأُ عَنْ نُكُولِهِ وَهَهُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْفَسْخِ مَاضٍ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ ظَهَرَ الْخَطَأُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَ الْجَوَابُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَلَا يُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ عِنْدَهُمَا لَبَطَلَانِ الْقَضَاءِ وَقِيلَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الْفَصْلَيْنِ.
وَفِي الْمِنَحِ فَلَوْ رَدَّهَا الْوَكِيلُ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ وَصَدَّقَهُ عَلَى الرِّضَى كَانَتْ لَهُ لَا لِلْبَائِعِ عِنْدَ الْكُلِّ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَمَنْ دَفَعَ إلَيْهِ) رَجُلٌ (آخَرُ عَشَرَةَ) دَرَاهِمَ (يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِهِ (عَشَرَةً) أُخْرَى (مِنْ عِنْدِهِ فَهِيَ بِهَا) أَيْ الْعَشَرَةُ بِالْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِنْفَاقِ وَكِيلُ الشِّرَاءِ وَحُكْمُهُ كَذَلِكَ قِيلَ، هَذَا اسْتِحْسَانٌ.
وَفِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَيَصِيرُ مُتَبَرِّعًا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمَرَهُ، وَقِيلَ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشِرَاءٍ، وَأَمَّا الْإِنْفَاقُ فَيَتَضَمَّنُ الشِّرَاءَ فَلَا يُدْخِلَانِهِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَنْفَقَ دَرَاهِمَهُ مَعَ بَقَاءِ دَرَاهِمَ الْمُوَكِّلِ وَلِذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ، هَذَا إذَا كَانَتْ عَشَرَةُ الدَّافِعِ قَائِمَةً وَقْتَ شِرَائِهِ النَّفَقَةَ وَكَانَ يُضِيفُ الْعَقْدَ إلَيْهَا أَوْ يُطْلِقُ لَكِنْ يَنْوِي تِلْكَ الْعَشَرَةِ أَمَّا إذَا كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً أَوْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى عَشَرَةِ نَفْسِهِ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ مُتَبَرِّعًا بِالْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَةِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَصِيٌّ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ، وَمَالُ الْيَتِيمِ غَائِبٌ فَهُوَ أَيْ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعٌ فِي الْإِنْفَاقِ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَى أَنَّ مَا أَنْفَقَهُ قَرْضٌ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُطَوِّعًا وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ.
[بَابُ عَزْلِ الْوَكِيلِ]
ِ وَجْهُ تَأْخِيرِهِ ظَاهِرٌ (لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ) عَنْ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ (إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ) أَيْ بِالتَّوْكِيلِ (حَقُّ الْغَيْرِ كَوَكِيلِ الْخُصُومَةِ بِطَلَبِ الْخَصْمِ) فَلَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ فَيَصِيرُ كَالْوَكَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ وَمَالِ الْوَقْفِ وَفِيهِ
стр. 1006
إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ وَكَالَتُهُ بِالشَّرْطِ ثُمَّ عَزْلَهُ قَبْلَ وُجُودِهِ صَحَّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَإِلَى أَنَّهُ بَطَلَ تَعْلِيقُ الْعَزْلِ بِالشَّرْطِ (وَيَتَوَقَّفُ انْعِزَالُهُ) أَيْ انْعِزَالُ الْوَكِيلِ (عَلَى عِلْمِهِ) أَيْ عِلْمِ الْوَكِيلِ ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَتَصَرُّفُهُ) أَيْ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْعِلْمِ بِانْعِزَالِهِ (صَحِيحٌ) ؛ لِأَنَّ فِي انْعِزَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ إضْرَارًا بِهِ إذْ رُبَّمَا يَتَصَرَّفُ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ فَتَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ وَكَذَا لَوْ عَزَلَ الْوَكِيلُ نَفْسَهُ لَا يَجُوزُ بِدُونِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِلَا عِلْمٍ مِنْهُ إلَّا فِي قَوْلٍ عَنْهُمْ وَلَوْ جَحَدَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ فَقَالَ: لَمْ أُوَكِّلْك لَا يَكُونُ عَزْلًا إلَّا أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَا أُوَكِّلُك بِشَيْءٍ وَيَثْبُتُ الْعَزْلُ مِنْ الْوَكَالَةِ بِمُشَافَهَةٍ كَقَوْلِهِ عَزَلْتُك وَأَخْرَجْتُك عَنْ الْوَكَالَةِ وَبِكِتَابَتِهِ وَإِرْسَالِهِ رَسُولًا عَدْلًا أَوْ غَيْرِ عَدْلٍ حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إذَا قَالَ الرَّسُولُ الْمُوَكِّلُ أَرْسَلَنِي إلَيْك لِأُبْلِغَك عَزْلَهُ إيَّاكَ عَنْ وَكَالَتِهِ وَلَوْ أَخْبَرَهُ فُضُولِيٌّ بِالْعَزْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ شَرْطَيْ الشَّهَادَةِ إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ.
وَفِي الدُّرَرِ قَالَ وَكَّلْتُك بِكَذَا عَلَى أَنِّي مَتَى عَزَلْتُك فَأَنْتَ وَكِيلِي فَإِنَّهُ إذَا عَزَلَهُ لَمْ يَنْعَزِلْ بَلْ كَانَ وَكِيلًا لَهُ وَهَذَا يُسَمَّى وَكِيلًا دَوْرِيًّا وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْزِلَهُ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ يَقُولُ فِي عَزْلِهِ عَزَلْتُك ثُمَّ عَزَلْتُك فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْتَ وَكِيلِي لَا يَكُونُ مَعْزُولًا بَلْ كُلَّمَا عُزِلَ كَانَ وَكِيلًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْزِلَهُ يَقُولُ رَجَعْت عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ وَعَزَلْتُك عَنْ الْمُنَجَّزَةِ فَحِينَئِذٍ يَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ لَازِمًا يَصْلُحُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالْوَكَالَةُ مِنْهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مَلَكَ عَزْلَهُ إنْ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمَدْيُونِ وَإِنْ وَكَّلَهُ بِحَضْرَتِهِ لَا إلَّا إذَا عَلِمَ بِهِ الْمَدْيُونُ فَلَوْ دَفَعَ الْمَدْيُونُ دَيْنَهُ إلَى الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ يَبْرَأُ (وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ) ، هَذَا أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْوَكِيلِ هُنَا فَائِدَةٌ تَرَكْته لَكِنْ يُمْكِنُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ مَاتَ فَحَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِوَارِثِهِ أَوْ وَصِيِّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْمُوَكِّلِ فِي رِوَايَةٍ وَلِوَصِيِّ الْقَاضِي فِي أُخْرَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَفِيهِ فَائِدَةٌ (وَجُنُونِهِ) أَيْ جُنُونِ الْمُوَكِّلِ وَكَذَا جُنُونُ الْوَكِيلِ (مُطْبِقًا) أَيْ مُسْتَوْعِبًا (وَحَدُّهُ) أَيْ حَدُّ الْمُطْبِقِ (شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَكَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ فِي قَوْلِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ (وَحَوْلٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَكَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ فِي قَوْلٍ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ الْعَادَاتِ حَتَّى الزَّكَاةِ فَقُدِّرَ بِهِ احْتِيَاطًا.
(وَ) تَبْطُلُ (بِلَحَاقِهِ) أَيْ لَحَاقِ الْمُوَكِّلِ (بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ فَكَذَا وَكَالَتُهُ وَإِنْ قَتَلَ أَوْ لَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ تَصَرُّفَاتِهِ نَافِذَةٌ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ أَمْرُ اللَّحَاقِ فَلَوْ عَادَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا
стр. 1007
وَلَمْ يُحْكَمْ بِلَحَاقِهِ تَعُودُ الْوَكَالَةُ عِنْدَهُمْ وَإِنْ حُكِمَ ثُمَّ عَادَ تَعُودُ الْوَكَالَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الْمِنَحِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ أَنَّ كُلَّ وَكَالَةٍ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِثْنَاءِ مَسَائِلَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ فَقَالَ إلَّا إذَا وَكَّلَ الرَّاهِنُ الْعَدْلَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ بِبَيْعِ الْمُرْتَهَنِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ كَالْوَكِيلِ بِالْأَمْرِ بِالْيَدِ وَالْوَكِيلِ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ وَتَمَامِهِ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَكَذَا) تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ (بِعَجْزِ مُوَكِّلِهِ) حَالَ كَوْنِ الْمُوَكِّلِ (مُكَاتَبًا) أَيْ إذَا وَكَّلَ مُكَاتَبٌ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ مَثَلًا ثُمَّ صَارَ رَقِيقًا بِعَجْزِهِ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ بَطَلَ وَكَالَةُ وَكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا أَمْرِهِ (وَحَجْرُهُ) أَيْ حَجْرُ الْمُوَكِّلِ حَالَ كَوْنِهِ عَبْدًا (مَأْذُونًا) وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَهُ مُوَكِّلَهُ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَإِنَّمَا فَصَلَ بِكَذَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْعَامِلِ الْبَعِيدِ لَا لِمَا ظَنَّ أَنَّ فِي مَا بَعْدَهُ لَمْ يَشْتَرِطْ عِلْمَ الْوَكِيلِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَوْ الْمَأْذُونَ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِالتَّقَاضِي أَوْ الْخُصُومَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَكَالَتُهُ بِالْعَجْزِ أَوْ الْحِجْرِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (وَ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُوَكِّلْ صَرِيحًا مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِسَبَبِ (افْتِرَاقِ) ، هَذَيْنِ (الشَّرِيكَيْنِ) عَنْ الشَّرِكَةِ أَيْ يَثْبُتُ عَزْلُ الْوَكِيلِ بِافْتِرَاقِهِمَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْوَكِيلِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ وَالْعِلْمُ شَرْطٌ لِلْعَزْلِ الْحَقِيقِيِّ وَإِطْلَاقُهُ شَامِلٌ مَا إذَا افْتَرَقَا بِبُطْلَانِ الشَّرِكَةِ بِهَلَاكِ الْمَالَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الشِّرَاءِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ الضِّمْنِيَّةُ، وَأَمَّا إذَا وَكَّلَ الشَّرِيكَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَكِيلًا لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَلَوْ افْتَرَقَا انْعَزَلَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُوَكِّلِ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحَا بِالْإِذْنِ فِي التَّوْكِيلِ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ فَلْيُطَالَعْ (وَتَصَرُّفِ) هُوَ بِالْجَرِّ أَيْ وَكَذَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِتَصَرُّفِ (الْمُوَكَّلِ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ) تَصَرُّفًا يَعْجِزُ الْوَكِيلُ عَنْ الِامْتِثَالِ بِهِ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ أَوْ تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ أَوْ شِرَاءِ شَيْءٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ بَيْعِ عَبْدٍ فَأَعْتَقَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ زَوَّجَ أَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَمَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ خَالَعَهَا أَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ فَعَلَ وَاحِدًا مِنْهَا بِنَفْسِهِ لَعَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ ضَرُورَةً حَتَّى أَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَالْعِدَّةُ قَائِمَةٌ بَقِيَتْ الْوَكَالَةُ لِإِمْكَانِ تَنْفِيذِ مَا وُكِّلَ بِهِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ وَأَبَانَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ لِزَوَالِ حَاجَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ وَأَبَانَهَا حَيْثُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ بَاقِيَةٌ كَمَا فِي الدُّرَرِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَتَعُودُ الْوَكَالَةُ إذَا عَادَ إلَى الْمُوَكِّلِ قَدِيمُ مِلْكِهِ فَلَوْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ فَبَاعَهُ الْمُوَكِّلُ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فَسْخٌ فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ وَإِنْ رُدَّ بِمَا يَكُونُ فَسْخًا لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي هِبَةِ شَيْءٍ ثُمَّ وَهَبَهُ الْمُوَكِّلُ ثُمَّ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ الْهِبَةُ
стр. 1008
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ ثُمَّ رَهَنَهُ الْمُوَكِّلُ أَوْ آجَرَهُ فَسَلَّمَهُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ دَارِهِ ثُمَّ آجَرَهَا الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ يَعُودُ عَلَى وَكَالَتِهِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ دَارِهِ ثُمَّ بَنَى فِيهَا فَهُوَ رُجُوعٌ عَنْهَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لَا التَّخْصِيصِ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ أَوْ بَقِيَ أَثَرُ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ غَيْرُ مُعْتَذِرٍ بِأَنْ يُوقِعَ الثَّانِيَ فِي الْعِدَّةِ وَهِيَ أَثَرُ مِلْكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
لَكِنْ فِي قَوْلِهِ أَوْ بَقِيَ شَيْئَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَادَ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِلْعَوْدِ وَلَا عَوْدَ فِي صُورَةِ بَقَاءِ الْأَثَرِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ بِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ وَبِتَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ إلَى آخِرِهِ تَدَبَّرْ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ) مِنْ الْجُنُونِ وَاللَّحَاقِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْعَجْزِ وَافْتِرَاقِ الشَّرِيكَيْنِ وَتَصَرُّفِ الْمُوَكِّلِ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ (عِلْمُ الْوَكِيلِ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ لِلْعَزْلِ الْقَصْدِيُّ لَا لِلْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ قَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: وَهُنَا كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ فِي الْكَافِي مَسْأَلَةٌ تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ فِي الْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ أَيْضًا وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ.
[كِتَابُ الدَّعْوَى]
لَمَّا كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ لِأَجْلِ الدَّعْوَى ذَكَرَ الدَّعْوَى عَقِيبَ الْوَكَالَةِ هِيَ وَاحِدَةُ الدَّعَاوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَبَعْضُهُمْ قَالَ الْفَتْحُ أَوْلَى وَبَعْضُهُمْ الْكَسْرُ أَوْلَى وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا.
وَفِي الْكَافِي يُقَالُ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو مَالًا فَزَيْدٌ الْمُدَّعِي وَعَمْرٌو الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمَالُ الْمُدَّعَى. وَالْمُدَّعَى بِهِ خَطَأٌ وَالْمَصْدَرُ الِادِّعَاءُ افْتِعَالٌ مِنْ دَعَا وَالدَّعْوَى عَلَى وَزْنِ فَعْلَى اسْمٌ مِنْهُ وَأَلِفُهَا لِلتَّأْنِيثِ فَلَا يُنَوَّنُ يُقَالُ دَعْوَى بَاطِلَةٌ أَوْ صَحِيحَةٌ وَجَمْعُهَا دَعَاوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ لَا غَيْرُ كَفَتْوَى وَفَتَاوَى وَالدَّعْوَى فِي الْحَرْبِ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ بِالْفُلَانِ انْتَهَى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (هِيَ) أَيْ الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ حَالَ الْمُسَالَمَةِ أَوْ الْمُنَازَعَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ ادَّعَى إذَا أَضَافَ الشَّيْءَ إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ لِي وَمِنْهُ دَعْوَى الْوَلَدِ.
وَفِي الشَّرْعِ يُرَادُ بِهِ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ حَالَةَ الْمُنَازَعَةِ لَا غَيْرُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَقِيلَ هِيَ فِي اللُّغَةِ قَوْلٌ يَقْصِدُ بِهِ الْإِنْسَانُ إيجَابَ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ.
وَفِي الشَّرْعِ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْوِقَايَةِ بِقَوْلِهِ (إخْبَارٌ) عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ الْحُكْمُ فَإِنَّهُ شَرْطٌ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (بِحَقٍّ) مَعْلُومٍ فَإِنَّهُ شَرْطٌ (لَهُ) أَيْ لِلْمُخْبِرِ (عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ عَلَى غَيْرِ الْمُخْبِرِ الْحَاضِرِ لِمَا فِي التَّنْوِيرِ وَغَيْرِهِ وَشَرْطُهَا مَجْلِسُ الْقَاضِي وَحُضُورُ خَصْمٍ
стр. 1009
وَمَعْلُومِيَّةُ الْمُدَّعِي وَكَوْنُهَا مُلْزِمَةٌ وَكَوْنُ الْمُدَّعَى مِمَّا يَحْتَمِلُ الثُّبُوتَ فَدَعْوَى مَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ بَاطِلَةٌ انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ لَا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ عَدَمُ تَقْيِيدِهِ بِالْحُضُورِ لِكَوْنِ حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَاضِي مَأْخُوذًا فِي مَفْهُومِ الدَّعْوَى وَهِيَ مُطَالَبَةُ حَقٍّ عِنْدَ مَنْ لَهُ الْخَلَاصُ وَلِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْ التَّعْرِيفِ بِلَا تَكَلُّفِ الدَّعْوَى الصَّادِرَةِ عَنْ صَاحِبِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ فَإِنَّهُ دَعْوَى صَحِيحَةٌ حَتَّى يَكْتُبَ فِي الْكِتَابِ غِبَّ الِاسْتِشْهَادِ؛ بِالدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ الصَّادِرَةِ إلَى آخِرِهِ مَعَ أَنَّهُ إخْبَارٌ بِحَقٍّ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِحَاضِرٍ وَأَمَّا عَدَمُ تَقْيِيدِهِ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلِأَنَّهُ جَعَلَهُ شَرْطًا وَشَرْطُ الشَّيْءِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ تَأَمَّلْ. (وَالْمُدَّعِي) شَرْعًا (مِنْ لَا يُجْبَرُ) أَيْ لَا يُكْرَهُ (عَلَى) هَذِهِ (الْخُصُومَةِ) أَيْ الْمُخَاصَمَةِ وَطَلَبِ الْحَقِّ فَلَا يُشْكِلُ بِمَا كَانَ فِيهِ مُخَاصِمًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا إذَا قَالَ قَضَيْت الدَّيْنَ بَعْدَ الدَّعْوَى فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى هَذِهِ الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا (وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ يُجْبَرُ) عَلَى هَذِهِ الْخُصُومَةِ وَالْجَوَابِ لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا مَعْنًى وَلَوْ مُدَّعِيًا صُورَةً وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُنْكِرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إذْ الِاعْتِبَارُ لِلْمَعَانِي فَلَا يُشْكِلُ بِوَصِيِّ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ مَعْنًى فِيمَا إذَا أَجْبَرَ الْقَاضِي عَلَى الْخُصُومَةِ لِلْيَتِيمِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَإِنَّمَا عَرَّفَهُمَا بِذَلِكَ وَعَدْلَ عَمَّا يَقْتَضِي التَّعْرِيفُ إشَارَةً إلَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ فِيهِمَا فَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ إذَا تَرَكَ تُرِكَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ خِلَافُهُ وَهَذَا حَاصِلُ مَا ذُكِرَ فِي، هَذَا الْمَتْنِ قَالَ أَبُو الْمَكَارِمِ: وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ كَانَ عَامًا صَحِيحًا كَمَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَكِنَّهُ تَعْرِيفٌ لَهُ بِمَا هُوَ حُكْمُهُ انْتَهَى وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ خِلَافُ هَذَا وَلِذَا يُقَالُ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ مُدَّعِي النُّبُوَّةَ وَلَا يُقَالُ لِرَسُولِنَا ﵊ وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِلَا حُجَّةٍ إذْ بِقَوْلِهِ هُوَ لِي يَكُونُ لَهُ عَلَى مَا كَانَ مَا لَمْ يُثْبِتْ الْمُدَّعِي اسْتِحْقَاقَهُ قِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يَلْتَمِسُ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْأَمْرُ الْحَادِثُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ كَالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ انْتَهَى. إذْ لَا يَعْرِضُ عَلَى مَنْ لَهُ الْيَدُ حَقَّ الْمُدَّعِي بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ كَمَا لَا يَعْرِضُ الْوُجُودَ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ مَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمُدَّعِي مَنْ يَلْتَمِسُ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا حَادِثًا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا أَصْلِيًّا انْتَهَى لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْحَادِثِ كَوْنُهُ مُحْتَاجًا إلَى الدَّلِيلِ فِي ظُهُورِهِ وَوُجُودِهِ وَبِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ عَدَمُ كَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَصْلًا فَالْمُودَعُ الَّذِي يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ إلَى الْمُودِعِ لَا يَكُونُ مُدَّعِيًا حَقِيقَةً وَكَذَا لَا يَكُونُ الْمُودِعُ بِإِنْكَارِهِ الرَّدَّ مُنْكِرًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ يَدَّعِي شَغْلَ ذِمَّةِ الْمُودِعِ مَعْنًى وَكَذَا الْمُودَعُ بِادِّعَائِهِ الرَّدَّ يُنْكِرُ الشَّغْلَ
стр. 1010
مَعْنًى لِيُفْرِغَ ذِمَّتَهُ عَنْ الضَّمَانِ فَيُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ فِيمَا أَنْكَرَهُ مَعْنًى مِنْ الضَّمَانِ لِكَوْنِهِ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَيُصَدَّقُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ إذْ الِاعْتِبَارُ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِابْنِ الشَّيْخِ (وَلَا تَصِحّ الدَّعْوَى إلَّا بِذِكْرِ شَيْءٍ) أَيْ قَوْلِ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (عُلِمَ جِنْسُهُ) أَيْ جِنْسُ ذَلِكَ الدَّيْنِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا (وَقَدْرُهُ) مِثْلَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ كُرًّا قِيلَ لَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ ذِكْرِهِ وَصْفَهُ بِأَنَّهُ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ إذْ هُوَ يُعْرَفُ بِهِ؛ لِأَنَّ إلْزَامَ الْخَصْمِ بِالْمَجْهُولِ عِنْدَ قِيَامِ الْبُرْهَانِ مُتَعَذِّرٌ وَكَذَا الشَّهَادَةُ وَالْقَضَاءُ غَيْرُ مُمْكِنٍ بِخِلَافِ الْعَيْنِ كَمَا سَيَجِيءُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ صُورَةَ الدَّعْوَى بِلَا عَجْزٍ عَنْ تَقْرِيرِهَا لَا تُسْمَعُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الدَّعْوَى عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ فَكَتَبَ فَتُسْمَعُ كَمَا فِي الْخِزَانَةِ (فَإِنْ كَانَ) الْمُدَّعَى (دَيْنًا) أَيْ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ (ذَكَرَ) الْمُدَّعِي (أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) أَيْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يُطَالِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى إجْبَارُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى إيفَاءِ حَقِّ الْمُدَّعِي وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ إلَّا إذَا طَالَبَهُ بِهِ فَامْتَنَعَ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُدَّعَى عَيْنًا (نَقْلِيًّا) أَيْ مَنْقُولًا (ذَكَرَ) الْمُدَّعِي (أَنَّهَا) أَيْ الْعَيْنَ (فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ) دَفْعًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ هَذِهِ الْعِلَّةُ تَشْتَمِلُ الْعَقَارَ أَيْضًا فَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُ تَخْصِيصِ الْمَنْقُولِ بِهَذَا الْحُكْمِ.
وَفِي حَاشِيَةِ يَعْقُوبَ بَاشَا جَوَابٌ عَنْ طَرَفِ صَاحِبِ الدُّرَرِ وَاعْتِرَاضٌ عَلَيْهِ فَلْيُطَالَعْ (وَأَنَّهُ) أَيْ الْمُدَّعِيَ (يُطَالِبُهُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِهَا) أَيْ بِالْعَيْنِ (وَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهَا) أَيْ يُكَلَّفُ إحْضَارَ الْعَيْنِ مَنْقُولَةً (إنْ أَمْكَنَ) الْإِحْضَارُ (لِيُشَارَ إلَيْهَا) إي إلَى الْعَيْنِ (عِنْدَ الدَّعْوَى، وَ) عِنْدَ (الشَّهَادَةِ أَوْ الْحَلِفِ) ؛ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ، وَذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ فِي الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ حَتَّى قَالُوا فِي الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ نَقْلُهَا كَالرَّحَى وَنَحْوِهِ حَضَرَ الْحَاكِمُ عِنْدَهَا أَوْ بَعَثَ أَمِينًا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ عَلَى رِوَايَةٍ وَإِلَّا فَقَوْلُهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ يَذْكُرُ قِيمَتَهَا يُغْنِي عَنْهُ تَدَبَّرْ.
وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى الْإِسْبِيجَابِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى سَرِقَةِ بَقَرَةٍ وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ خِلَافًا لَهُمَا ثُمَّ قَالَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إحْضَارَ الْمَنْقُولِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى، وَلَوْ شَرَطَ لَأُحْضِرَتْ وَلَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ فِي لَوْنِهَا ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ النَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ لَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ غَائِبَةً لَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُهَا وَالْقِيمَةُ كَافِيَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ) أَيْ تَعَذَّرَ إحْضَارُ الْمَنْقُولَاتِ بِأَنْ كَانَتْ
стр. 1011
هَالِكَةً أَوْ غَائِبَةً (يَذْكُرُ قِيمَتَهَا) لِيَصِيرَ الْمُدَّعَى مَعْلُومًا بِهَا؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْوَصْفِ وَالْقِيمَةِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ الْقِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ أَوْ الْأُنُوثَةِ فِي الدَّابَّةِ، هَذَا إذَا ادَّعَى الْعَيْنَ أَمَّا إذَا ادَّعَى قِيمَةَ شَيْءٍ مُسْتَهْلَكٍ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَيَانِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فِي الدَّابَّةِ قَالَ الْعِمَادِيُّ ادَّعَى أَعْيَانًا مُخْتَلِفَةَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَذَكَرَ قِيمَةَ الْكُلِّ وَلَمْ يَذْكُرْ قِيمَةَ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ بَعْضُهُمْ شَرَطَ التَّفْصِيلَ وَبَعْضُهُمْ اكْتَفَى بِالْإِجْمَالِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ غَصَبَ مِنِّي عَيْنًا كَذَا وَلَا أَدْرِي أَنَّهُ هَالِكٌ أَوْ قَائِمٌ وَلَا أَدْرِي كَمْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ مَالِهِ فَلَوْ كُلِّفَ بَيَانَ الْقِيمَةِ لَتَضَرَّرَ بِهِ كَمَا فِي الْكَافِي فَإِنْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهَا كَانَ الْقَوْلُ فِي مِقْدَارِ الْقِيمَةِ قَوْلُ الْغَاصِبِ فَلَمَّا صَحَّ دَعْوَى الْغَصْبِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الْقِيمَةِ فَلَا يَصِحُّ إذَا بَيَّنَ قِيمَةَ الْكُلِّ جُمْلَةً كَانَ أَوْلَى.
وَفِي التَّبْيِينِ فَإِذَا سَقَطَ بَيَانُ الْقِيمَةِ عَنْ الْمُدَّعِي سَقَطَ عَنْ الشُّهُودِ أَيْضًا بَلْ أَوْلَى وَقِيلَ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقِيمَةِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى سَرِقَةً لَيَعْلَمَ أَنَّ السَّرِقَةَ كَانَتْ نِصَابًا فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ كَمَا فِي الْجَامِعِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَفِي دَعْوَى الْإِيدَاعِ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَكَانِهِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حَمْلٌ أَوْ لَا وَفِي الْغَصْبِ إنْ كَانَ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَوْضِعِ الْغَصْبِ وَإِلَّا لَا وَفِي دَعْوَى الْمِثْلِيَّاتِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ وَسَبَبِ الْوُجُودِ (وَفِي الْعَقَارِ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَوْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ) كَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمَنْقُولِ، وَلَكِنْ يَذْكُرُ أَنَّ الْعَقَارَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَكُونُ خَصْمًا إلَّا إذَا كَانَ الْعَقَارُ فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ لَكِنْ سُؤَالُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بَاقٍ عَلَى مَا قَالَهُ يَعْقُوبُ بَاشَا فِي حَاشِيَتِهِ وَيُؤَيِّدُ مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَيَزِيدُهُ فِي الْعَقَارِ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ وَالْخِزَانَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ كَثِيرٍ انْتَهَى.
لَكِنْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْفَتْوَى كَمَا سَيَأْتِي تَتَبَّعْ.
(وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ) أَيْ يَدُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْعَقَارِ (بِتَصَادُقِهِمَا) أَيْ لَا تَثْبُتُ بِتَصَادُقِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ فِي يَدِهِ (بَلْ) تَثْبُتُ الْيَدُ فِيهِ (بِبَيِّنَةٍ) بِأَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ عَايَنُوا فِي يَدِهِ حَتَّى لَوْ قَالُوا سَمِعْنَا ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ (أَوْ بِعِلْمِ الْقَاضِي) أَنَّهُ فِي يَدِهِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَقَارِ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَقَدْ تَوَاضَعَا عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَيِّنَةِ وَلَا إلَى الْعِلْمِ بَلْ تَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ أَنَّ الْيَدَ تَصِحُّ بِالْإِقْرَارِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَيِّنَةِ وَلَا إلَى الْعِلْمِ.
وَفِي الْبَحْرِ شَهِدُوا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَمْ يَقُولُوا فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ يُفْتَى بِالْقَبُولِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ فِي يَدِهِ بِغَيْرِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّسْلِيمِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَقِيلَ يُقْضَى فِي الْمَنْقُولِ لَا فِي الْعَقَارِ حَتَّى يَقُولُوا إنَّهُ
стр. 1012
فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى أَنَّهُ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ لَا فِي حَقِّ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّسْلِيمِ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ.
وَفِي الْمِنَحِ وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ الْيَدِ فِي الْعَقَارِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْعِلْمِ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ بَلْ إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي مِلْكًا مُطْلَقًا فِي الْعَقَارِ أَمَّا دَعْوَى الْغَصْبِ وَالشِّرَاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ الْيَدِ (وَلَا بُدَّ فِيهِ) أَيْ فِي الْعَقَارِ (مِنْ ذِكْرِ الْبَلَدِ وَالْمَحَلَّةِ) .
وَفِي الْفُصُولَيْنِ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ بَلْدَةً فِيهَا الْعَقَارُ ثُمَّ الْمُحَلَّةَ ثُمَّ السِّكَّةَ اخْتِيَارًا لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَعَمِّ ثُمَّ بِالْأَخَصِّ وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالْأَخَصِّ ثُمَّ بِالْأَعَمِّ.
(وَ) لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ (الْحُدُودِ الْأَرْبَعَةِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ وَأَسْمَاءِ أَصْحَابِهَا) أَيْ أَصْحَابِ الْحُدُودِ (وَنِسْبَتِهِمْ إلَى الْجَدِّ) لِيَتَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ يَحْصُلُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا (وَفِي الرَّجُلِ الْمَشْهُورِ يَكْتَفِي بِذِكْرِهِ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ (فَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةً وَتَرَكَ الرَّابِعَ صَحَّ) .
وَقَالَ زُفَرُ: لَا؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَمْ يَتِمَّ وَلَنَا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ الطُّولَ يُعْرَفُ بِذِكْرِ الْحَدَّيْنِ وَالْعَرْضِ بِأَحَدِهِمَا وَقَدْ يَكُونُ بِثَلَاثَةٍ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَكْتَفِي الِاثْنَانِ وَقِيلَ الْوَاحِدُ.
(وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ الْحَدَّ الرَّابِعَ (وَغَلَطَ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِّ الرَّابِعِ (لَا) يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ الْمُدَّعِي وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْغَلَطُ بِإِقْرَارِ الشَّاهِدِ أَنِّي غَلِطْت فِيهِ أَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تُسْمَعُ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ (وَإِذَا صَحَّتْ) أَيْ إذَا جَازَتْ وَقَامَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِي بِرِعَايَةِ مَا سَبَقَ (سَأَلَ الْقَاضِي الْخَصْمَ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ دَعْوَاهُ لِيَتَّضِحَ وَجْهُ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْبَيِّنَةِ يُخَالِف الْقَضَاءَ بِالْإِقْرَارِ وَمَعْنَى سُؤَالِهِ أَنْ يَقُولَ خَصْمُك ادَّعَى عَلَيْك كَذَا وَكَذَا فَمَاذَا تَقُولُ (فَإِنْ أَقَرَّ) أَيْ الْخَصْمُ (حَكَمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخَصْمِ أَنْ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِالْخُرُوجِ عَنْ مُوجِبِ مَا أَقَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ فِي صِدْقِهِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ الْقَاضِي وَلِذَا قَالَ فِي الْإِصْلَاحِ فَإِنْ أَقَرَّ فَبِهَا وَلَمْ يَقُلْ حَكَمَ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ) الْخَصْمُ إنْكَارًا صَرِيحًا أَوْ غَيْرَ صَرِيحٍ كَمَا إذَا قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ فَإِنَّهُ إنْكَارٌ عِنْدَهُمْ وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ إقْرَارٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَقِرَّ فَغَلَطٌ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكُمْ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يُجِيبَ.
وَفِي الْبَحْرِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ فَلِذَا أَفْتَيْت بِأَنَّهُ يُحْبَسُ إلَّا أَنْ يُجِيبَ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ.
(سَأَلَ) الْقَاضِي (الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ) فِي دَعْوَاهُ (فَإِنْ أَقَامَهَا) أَيْ إنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ يَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَى خَصْمِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ فَهِيَ فَيْعَلَةٌ مِنْ الْبَيَانِ أَوْ الْبَيْنِ إذْ بِهَا يَظْهَرُ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ وَيُفْصَلُ بَيْنَهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا بَلْ عَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا (حَلَّفَ) أَيْ حَلَّفَ الْقَاضِي (الْخَصْمَ)
стр. 1013
وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إنْ طَلَبَهُ خَصْمُهُ) أَيْ طَلَبَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ لِلْمُدَّعِي أَلَكَ بَيِّنَةً فَقَالَ: لَا وَقَالَ فَلَكَ يَمِينُهُ فَقَالَ يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي فَقَالَ ﵇ «لَيْسَ لَك إلَّا هَذَا شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» فَصَارَ الْيَمِينُ حَقًّا لِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ قَيَّدَ بِتَحْلِيفِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ حَلَفَ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافِ الْقَاضِي فَذَا لَيْسَ بِتَحْلِيفٍ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيفَ حَقُّ الْقَاضِي فَلَوْ بَرْهَنَ عَلَيْهِ تُقْبَلُ وَإِلَّا يَحْلِفُ ثَانِيًا عِنْدَ الْقَاضِي فَلَا يَحْلِفُ قَبْلَ طَلَبِهِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى وَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إلَّا فِي مَسَائِلَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا رَضِيت بِالْعَيْبِ وَالشَّفِيعُ بِاَللَّهِ مَا أَبْطَلْت شُفْعَتَك وَالْمَرْأَةُ إذَا طَلَبَتْ فَرْضَ النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ تَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا خَلَّفَ لَك زَوْجُك شَيْئًا وَلَا أَعْطَاك النَّفَقَةَ وَالْمُسْتَحِقُّ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا بِعْت وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ يُحَلِّفُهُ الْقَاضِي بِلَا طَلَبِ الْوَصِيِّ وَالْوَارِثِ (فَإِنْ حَلَفَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ) أَيْ إذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِيَمِينِهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ فَإِنْ أَقَامَهَا بَعْدَ الْحَلِفِ تُقْبَلُ قَالَ ﵇ «الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ أَحَقُّ أَنْ تُرَدَّ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ» ؛ وَلِأَنَّ طَلَبَ الْيَمِينِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا غَائِبَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ فِي الْبَلَدِ وَلَمْ تَحْضُرْ؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلُ الْبَيِّنَةِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ بَطَلَ حُكْمُ الْحَلِفِ فَلَا عِبْرَةَ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ بَعْدَ الْيَمِينِ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (مَرَّةً) أَيْ قَالَ لَا أَحْلِفُ (أَوْ سَكَتَ بِلَا آفَةٍ) مِنْ خَرَسٍ أَوْ طَرَشٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّ السُّكُوتَ بِلَا آفَةٍ نُكُولٌ حُكْمُهَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي السِّرَاجِ (فَقَضَى) أَيْ قَضَى الْقَاضِي لَهُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ (بِالنُّكُولِ) أَيْ بِسَبَبِ الِامْتِنَاعِ عَنْهُ (صَحَّ) ذَلِكَ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ دَلَّ كَوْنُهُ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لِأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَجَّحَ، هَذَا الْجَانِبُ عَلَى جَانِبِ التَّوَرُّعِ فِي نُكُولِهِ (وَعَرَضَ الْيَمِينَ) عَلَيْهِ (ثَلَاثًا) أَنْ يَقُولَ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْك الْيَمِينَ فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك بِمَا ادَّعَاهُ (ثُمَّ الْقَضَاءُ) عَلَى تَقْدِيرِ نُكُولِهِ (أَحْوَطُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِنْظَارِ وَلَا عِبْرَةَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ أَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِالنُّكُولِ فَلَا يُنْقَضُ بِهِ الْقَضَاءُ وَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ أَحْلِفُ قُبَيْلَ الْحُكْمِ وَلَوْ بَعْدَ الْعَرْضِ ثَلَاثًا وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النُّكُولُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَاتَّصَلَ الْقَضَاءُ بِهِ وَبِدُونِهِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى فَوْرِ النُّكُولِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقَالَ الْخَصَّافُ: لَا يُشْتَرَطُ حَتَّى لَوْ اسْتَمْهَلَهُ بَعْدَ الْعَرْضِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَلَا بَأْسَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ
стр. 1014
الثَّلَاثَةِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ تَرْجِيحًا.
وَفِي الْبَحْرِ وَأَمَّا الْمَذْهَبُ فَإِنَّهُ لَوْ قَضَى بِالنُّكُولِ بَعْدَ الْعَرْضِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى انْتَهَى.
(وَلَا تُرَدُّ يَمِينٌ عَلَى مُدَّعٍ) إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تُرَدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ نُكُولِهِ فَإِنْ حَلَفَ قَضَى لَهُ وَإِلَّا لَا.
(وَلَا يَقْضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا وَعَجَزَ عَنْ الْآخِرِ تَرُدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ قَضَى لَهُ وَإِلَّا لَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ كَائِنٌ كَالْمُتَوَاتِرِ وَحَدِيثُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ غَرِيبٌ ضَعَّفَهُ الطَّحَاوِيُّ وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ ﵁ وَلَمْ يَقَعْ الْعَمَلُ بِهِ إلَى زَمَانِهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِهِ لَا يَنْفُذُ.
(وَلَا يَحْلِفُ فِي نِكَاحٍ) أَيْ نَفْسِ النِّكَاحِ أَوْ الرِّضَى بِهِ أَوْ الْأَمْرِ بِهِ فَلَوْ ادَّعَى أَحَدٌ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِلَا بَيِّنَةَ نِكَاحًا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ مُنْكِرٌ (وَرَجْعَةٍ) بِأَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الْعِدَّةِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَالْآخَرُ يُنْكِرُهَا فَإِنْ ادَّعَى الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَالِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَفَيْءٍ وَإِيلَاءٍ) كَذَا فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ لَكِنْ الْأَوْلَى كَمَا فِي سَائِرِ الْمُتُونِ وَفَيْءٍ إيلَاءٍ بِدُونِ الْوَاوِ أَيْ فِي الرُّجُوعِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ بِأَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ فَاءَ وَرَجَعَ إلَيْهَا فِي مُدَّتِهِ وَالْآخَرُ مُنْكِرٌ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَإِنْ اخْتَلَفُوا قَبْلَ الْمُدَّةِ ثَبَتَ الْفَيْءُ بِقَوْلِهِ (وَاسْتِيلَادٍ) أَيْ طَلَبُ وَلَدٍ بِأَنْ يَدَّعِيَ أَحَدٌ مِنْ الْأَمَةِ وَالْمَوْلَى أَوْ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا حَيًّا أَوْ مَيِّتًا كَمَا فِي قَاضِي خَانْ لَكِنْ فِي الْمَشَاهِيرِ أَنَّ دَعْوَى الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى لَمْ يُتَصَوَّرْ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ وَلَا عِبْرَةَ لِإِنْكَارِهَا بَعْدَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَمْ يَدَّعِ النَّسَبَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَصْوِيرُهُمْ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَرِقٍ) بِأَنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى مَجْهُولِ الْحَالِ أَنَّهُ رِقُّهُ أَوْ ادَّعَى الْمَجْهُولُ أَنَّهُ سَيِّدُهُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ (وَنَسَبٍ) بِأَنْ ادَّعَى أَنَّ، هَذَا وَلَدُهُ أَوْ وَالِدُهُ أَوْ هُوَ يُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ (وَوَلَاءٍ) سَوَاءٌ كَانَ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ أَوْ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ بِأَنْ يَدَّعِي أَحَدٌ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالْمَجْهُولِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ مُعْتَقُهُ أَوْ مَوْلَاهُ فَلَا يَحْلِفُ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِحْلَافِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ وَالنُّكُولُ جَعَلَهُ بَذْلًا وَإِبَاحَةً صِيَانَةً عَنْ الْكَذِبِ الْحَرَامِ وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأُمُورِ (وَعِنْدَهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (يَحْلِفُ) ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِهِ فَإِذَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ ظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ صَادِقٍ فِي إنْكَارِهِ إذْ لَوْ كَانَ صَادِقًا لَأَقْدَمَ عَلَيْهِ وَلَمَا كَانَ النُّكُولُ إقْرَارًا فَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَيُسْتَحْلَفُ عَلَى صُورَةِ إنْكَارِ الْمُنْكِرِ لَا عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي حَتَّى إنْ نَكَلَ يَقْضِي بِالنُّكُولِ (وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ (يُفْتَى)
стр. 1015
كَمَا فِي قَاضِي خَانْ وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ مُعَلِّلًا بِعُمُومِ الْبَلْوَى.
وَفِي النِّهَايَةِ قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا كَانَ مُتَعَنِّتًا يَأْخُذُ الْقَاضِي بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ مَظْلُومًا بِقَوْلِهِ.
(وَلَا) يُسْتَحْلَفُ (فِي حَدٍّ) اتِّفَاقًا هُوَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ أَوْ غَالِبِ حَقِّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِيهِ مَغْلُوبٌ فَلَوْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ قَذْفَهُ بِالزِّنَا فَأَنْكَرَهُ لَمْ يَحْلِفْ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ حَقًّا بِأَنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِالزِّنَا وَقَالَ إنْ زَنَيْت فَأَنْتَ حُرٌّ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ يُسْتَحْلَفُ الْمَوْلَى حَتَّى إذَا نَكَلَ يَثْبُتُ الْعِتْقُ دُونَ الزِّنَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ خِلَافًا لِلسَّرَخْسِيِّ (وَ) لَا فِي (لِعَانٍ) أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا قَذْفًا يُوجِبُ اللِّعَانَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي جَانِبِ الزَّوْجِ فَلَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ الَّذِي هُوَ إقْرَارٌ مَعَ شُبْهَةٍ (وَالسَّارِقُ يَحْلِفُ) بِالِاتِّفَاقِ عِنْدَ إرَادَةِ أَخْذِ الْمَالِ وَيَقُولُ فِيهِ بِاَللَّهِ مَالَهُ عَلَيْك، هَذَا الْمَالَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْمُدَّعِي مَاذَا تُرِيدُ فَإِنْ قَالَ أُرِيدُ الْقَطْعَ يَقُولُ فِي جَوَابِهِ إنَّ الْحُدُودَ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا وَإِنْ قَالَ أُرِيدُ الْمَالَ يَقُولُ لَهُ دَعْ دَعْوَى السَّرِقَةِ وَادَّعِ الْمَالَ (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْحَلِفِ (ضَمِنَ) الْمَالَ (وَلَا يُقْطَعُ) ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ مَعَ شُبْهَةٍ فَيَعْمَلُ فِي الضَّمَانِ دُونَ الْقَطْعِ كَمَا إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى السَّرِقَةِ وَالْمَالِ تُقْبَلُ فِي الْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ.
(وَيَحْلِفُ الزَّوْجُ إنْ ادَّعَتْ) الزَّوْجَةُ (طَلَاقًا) بِلَا بَيِّنَةٍ لَهَا عَلَيْهِ (قَبْلَ الدُّخُولِ إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْمَالُ وَالِاسْتِحْلَافُ يَجْرِي فِي الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ (فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ) الزَّوْجُ (نِصْفَ الْمَهْرِ) وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الطَّلَاقِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْهُ الْمَهْرُ تَامًّا، وَيَبْقَى أَمْرُ الطَّلَاقِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْهُ نِصْفُ الْمَهْرِ مَسْتُورًا فَكَشْفُهُ أَوْلَى مَعَ أَنَّ لُزُومَ الْحَلِفِ فِي الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّهُ إذَا اسْتَحْلَفَهُ قَبْلَ تَأَكُّدِ الْمَهْرِ فَبَعْدَهُ أَوْلَى (وَكَذَا) يَحْلِفُ (فِي النِّكَاحِ إنْ ادَّعَتْ) الْمَرْأَةُ (مَهْرَهَا) وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَلَوْ نَكَلَ يَلْزَمُ الْمَهْرُ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ عِنْدَ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَكَذَا إذَا ادَّعَتْ النَّفَقَةَ بِالنِّكَاحِ يُسْتَحْلَفُ فَإِنْ نَكَلَ يَلْزَمُ النَّفَقَةُ دُونَ النِّكَاحِ (وَفِي النَّسَبِ) أَيْ يَحْلِفُ فِي دَعْوَى النَّسَبِ (إنْ ادَّعَى حَقًّا كَإِرْثٍ وَنَفَقَةٍ) بِأَنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَخُوهُ مَاتَ أَبُوهُمَا وَتَرَكَ مَالًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْأُخُوَّةِ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى النَّسَبِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ قَضَى بِالْمَالِ وَالنَّفَقَةِ لَا النَّسَبِ إنْ كَانَ النَّسَبُ نَسَبًا لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِ فَعَلَى الْخِلَافِ (وَغَيْرِهِمَا)
стр. 1016
كَالْحَجْرِ بِأَنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ الْتَقَطَهُ، وَهُوَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَادَّعَتْ امْرَأَةٌ حُرَّةُ الْأَصْلِ أَنَّهُ أَخُوهَا تُرِيدُ قَصْرَ يَدِ الْمُلْتَقِطِ لِمَالِهَا مِنْ حَقِّ الْحَضَانَةِ وَأَرَادَتْ اسْتِحْلَافَهُ فَنَكَلَ ثَبَتَ حَقُّ نَقْلِ الصَّبِيِّ إلَى حِجْرِهَا وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَكَذَا الْعِتْقُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ بِأَنْ ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى مَوْلَاهُ أَنَّهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهُ أَوْ أَرَادَ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَقَالَ الْمَوْهُوبُ: لَهُ أَنَا أَخُوك فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُسْتَحْلَفُ عَلَى مَا يَدَّعِي بِالْإِجْمَاعِ (وَفِي الْقِصَاصِ) أَيْ يَحْلِفُ جَاحِدُ الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ بِالِاتِّفَاقِ (فَإِنْ نَكَلَ فِي) دَعْوَى (النَّفْسِ) لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ بَلْ (حُبِسَ حَتَّى يُقِرَّ) فَيُقْتَصَّ مِنْهُ (أَوْ يَحْلِفَ) فَيُطْلَقَ عَنْ الْحَبْسِ وَإِلَّا يُحْبَسُ أَبَدًا.
(وَ) إنْ نَكَلَ (فِيمَا دُونَهَا) أَيْ النَّفْسِ (يُقْتَصُّ) مِنْهُ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ الْأَمْوَالِ وَلِهَذَا أُبِيحَ قَطْعُهَا لِلْحَاجَةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَاطِعِ الضَّمَانُ إذَا قَطْعَهَا بِأَمْرِ صَاحِبِهَا بِخِلَافِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ بِأَمْرِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي رِوَايَةٍ وَالدِّيَةُ فِي أُخْرَى وَإِذَا سَلَكَ بِالْأَطْرَافِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ يَجْرِي فِيهِ الْبَذْلُ كَمَا يَجْرِي فِي الْأَمْوَالِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَمَا قَالَهُ أَبُو الْمَكَارِمِ مِنْ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لَزِمَ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ بِالنُّكُولِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ لَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّ قَوَدَ الطَّرَفِ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ كَالْأَمْوَالِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا تَدَبَّرْ.
(وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ الْأَرْشَ فِيهِمَا) أَيْ فِي صُورَتَيْ دَعْوَى النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ عِنْدَهُمَا لَكِنْ فِيهِ شُبْهَةُ الْبَذْلِ فَيُمْتَنَعُ فِي الطَّرَفِ بِمَا فِيهِ شُبْهَةُ الْقِصَاصِ كَمَا فِي النَّفْسِ فَيَجِبُ الْمَالُ فِيهِمَا لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ خُصُوصًا إذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْخَطَأِ وَالْوَلِيُّ يَدَّعِي الْعَمْدَ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُقْتَصُّ فِيهِمَا بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعِي عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي دَعْوَاهُ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أُصُولِهِمْ (فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ) فِي الْمِصْرِ (وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَا يَحْلِفُ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ فَإِذَا طَالَبَهُ يُجِيبُهُ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ ثُبُوتَ الْيَمِينِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ دُونَهُ وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَمَعَ الْإِمَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى، هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ الْخِلَافَ تَدَبَّرْ.
قَيَّدَنَا بِالْمِصْرِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَا يَحْلِفُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَ الْمِصْرِ يَحْلِفُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَقُدِّرَتْ الْغَيْبَةُ بِمَسِيرَةِ السَّفَرِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَحُضُورُهَا فِي الْمِصْرِ، وَهُوَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ وَظَاهِرُ مَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: الِاسْتِحْلَافُ يَجْرِي فِي الدَّعَاوَى الصَّحِيحَةِ إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَقُولُ الْمُدَّعِي: لَا شُهُودَ لِي أَوْ شُهُودٌ لِي غُيَّبٌ
стр. 1017
أَوْ مَرْضَى.
وَفِي الْبَحْرِ ادَّعَى الْمَدْيُونُ الْإِيصَالَ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَطَلَبَ يَمِينَهُ فَقَالَ الْمُدَّعِي اجْعَلْ حَقِّي فِي الْخَتْمِ ثُمَّ اسْتَحْلِفْنِي فَلَهُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا (وَيَكْفُلُ) مِنْ التَّكْفِيلِ (بِنَفْسِهِ) أَيْ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ كَيْ لَا يَغِيبَ فَيُضَيِّعَ حَقَّهُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكْفُلَ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَفِيلُ مَعْرُوفًا ثِقَةً وَلَا يُتَوَهَّمُ اخْتِفَاؤُهُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ وَحَانُوتٌ مِلْكًا لَهُ وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ حَتَّى لَوْ غَابَ الْأَصِيلُ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ فَيَقْضِي عَلَيْهِ وَصَحَّ أَنْ يَكُونَ كَفِيلًا وَوَكِيلًا وَإِنْ أَعْطَاهُ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْكَفِيلِ بِنَفْسِ الْوَكِيلِ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى مَنْقُولًا فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ مَعَ ذَلِكَ كَفِيلًا بِالْعَيْنِ لَيُحْضِرَهَا وَلَا يُغَيِّبُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَكْفُلُهُ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمُدَّعِي وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي جَاهِلًا بِالْخُصُومَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا فَلَا يَكْفُلُهُ الْقَاضِي بِلَا طَلَبِهِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ، هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ إلَى جُلُوسِ الْقَاضِي مَجْلِسًا آخَرَ وَقِيلَ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِرَأْيِ الْإِمَامِ وَلَا فَرْقَ فِي الظَّاهِرِ بَيْنَ الْوَجِيهِ وَالْحَقِيرِ وَكَذَا بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنْ الْمَالِ وَالْكَثِيرِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْخَصْمَ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُخْفِي نَفْسَهُ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لِلتَّكْفِيلِ وَمَعْنَاهُ فِي الْمِصْرِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ لَا يَكْفُلُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ يَحْلِفُ فَإِذَا حَضَرَ بَعْدَمَا حَلَفَ نَقْبَلُ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَقَالَ لِي بَيِّنَةٌ فَإِنَّ الْقَاضِي يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ.
وَفِي الْبَحْرِ ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً عَلَى الْعَفْوِ أُجِلَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ وَقَالَ لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ يَقْضِي بِالْقِصَاصِ قِيَاسًا كَالْأَمْوَالِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُؤَجِّلُ اسْتِعْظَامًا لِأَمْرِ الدَّمِ (فَإِنْ أَبَى) عَنْ إعْطَاءِ الْكَفِيلِ (لَازَمَهُ) مِقْدَارَ مُدَّةِ التَّكْفِيلِ (وَدَارَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْغَرِيمِ (حَيْثُ دَارَ) تَفْسِيرُ الْمُلَازَمَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الصُّغْرَى رَأَيْت فِي زِيَادَاتِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الطَّالِبَ لَوْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ بِمُلَازَمَةِ مَدْيُونِهِ فَلِلْمَدْيُونِ أَنْ لَا يَرْضَى عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَجَعَلَهُ فَرْعًا لِمَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ رِضَى الْخَصْمِ لَكِنْ لَا يَحْبِسُهُ فِي مَوْضِعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَبْسٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الدَّعْوَى وَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ بَلْ هُوَ يَتَصَرَّفُ وَالْمُدَّعِي يَدُورُ مَعَهُ وَإِذَا انْتَهَى الْمَطْلُوبُ إلَى دَارِهِ فَإِنَّ الطَّالِبَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ إلَى أَهْلِهِ بَلْ يَدْخُلُ الْمَطْلُوبُ إلَى أَهْلِهِ وَالْمُلَازِمُ عَلَى بَابِ دَارِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَطْلُوبُ (غَرِيبًا يُكْفَلُ أَوْ يُلَازَمُ قَدْرَ مَجْلِسِ الْقَاضِي) إلَى أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ وَالْمُلَازَمَةِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إضْرَارًا بِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ السَّفَرِ وَلَا ضَرَرَ فِي، هَذَا
стр. 1018
الْمِقْدَارِ ظَاهِرًا فَإِنْ بَرْهَنَ فِي الْمَجْلِسِ فَبِهَا وَإِلَّا يُحَلِّفُهُ إنْ شَاءَ أَوْ يَدَعُهُ (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ (وَقِيلَ أَنَّ إلَخْ الْخَصْمَ صَحَّ) الْيَمِينُ (بِهِمَا) أَيْ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (فِي زَمَانِنَا) لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لَكِنْ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا حَتَّى لَوْ قَضَى لَا يَنْفُذُ وَإِنَّمَا أَتَى بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِنَا لَمْ يُجَوِّزُوهُ.
وَفِي الْبَحْرِ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ فِي زَمَانِنَا وَالصَّحِيحُ مَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
(وَتُغَلَّظُ) الْيَمِينُ (بِذَكَرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى) أَيْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالَمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ مَا لِفُلَانٍ، هَذَا عَلَيْك وَلَا قِبَلَك، هَذَا الْمَالُ الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ (إنْ شَاءَ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ شَتَّى فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ عَنْ الْيَمِينِ بِالتَّغْلِيظِ وَيَتَجَاسَرُ عِنْدَ عَدَمِهِ فَتُغَلَّظُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ بِذَلِكَ وَالِاخْتِيَارُ فِي صِفَةِ التَّغْلِيظ إلَى الْقَاضِي يَزِيدُ فِيهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُصُ مَا شَاءَ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاطُ (وَيَحْتَرِزُ مِنْ التَّكْرَارِ) أَيْ يَحْتَرِزُ عَنْ عَطْفِ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْبَعْضِ وَإِلَّا لَتَعَدَّدَ الْيَمِينُ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعَطْفِ فَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَنَكَلَ عَنْ الْبَاقِي لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ أَتَى بِهَا وَلَوْ لَمْ تُغَلَّظْ جَازَ وَقِيلَ لَا تُغَلَّظُ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِالصَّلَاحِ وَقِيلَ تُغَلَّظُ فِي الْخَطِيرِ مِنْ الْمَالِ دُونَ الْحَقِيرِ (لَا) تُغَلَّظُ (بِزَمَانٍ) عَلَى الْمُسْلِمِ بِأَنْ يُسْتَحْلَفَ فِي أَوَّلِ الْجُمُعَةِ أَوْ آخِرِهَا أَوْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرُ الْمُدَّعِي (أَوْ مَكَان) بِأَنْ يُسْتَحْلَفَ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا زَائِدَةٌ عَلَى النَّصِّ.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَلَا يُسْتَحَبُّ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ بِهِمَا انْتَهَى وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لَكِنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَلَا يُشْرَعُ تَدَبَّرْ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجُوزُ أَنْ تُغَلَّظُ بِهِمَا أَيْضًا إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي قَسَامَةٍ وَلِعَانٍ وَمَالٍ عَظِيمٍ (وَيَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ﵊ وَ) يَحْلِفُ (النَّصْرَانِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ
стр. 1019
عَلَى عِيسَى ﵊) فَتُؤَكَّدُ الْيَمِينُ بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِمَا (وَ) يُحَلَّفُ (الْمَجُوسِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ) ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ النَّارَ تَعْظِيمَ الْعِبَادَةِ فَتُؤَكَّدُ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مُعَظَّمًا لِيُفِيدَ فَائِدَةَ الْيَمِينِ، وَقِيلَ إنَّ الْمَجُوسِيَّ حُلِّفَ بِاَللَّهِ لَا غَيْرَ كَمَا لَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الشَّمْسَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ النَّارِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى يُشْعِرُ تَعْظِيمَهَا وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَظَّمَ بِخِلَافِ الْكِتَابَيْنِ؛ لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعَالَى مُعَظَّمَةٌ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ أَحَدٌ إلَّا بِاَللَّهِ خَالِصًا.
(وَ) يَحْلِفُ (الْوَثَنِيُّ بِاَللَّهِ) فَحَسْبُ إذْ يُقِرُّ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ خَالِقُهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَرَةَ بِأَسْرِهِمْ يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ تَعَالَى أَنَّهُ خَالِقُ الْعَالَمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] هَكَذَا قَالُوا.
وَفِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّهْرِيَّةَ مِنْهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَهُ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ الْوَثَنِيَّ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُهُ انْتَهَى.
لَكِنْ يُمْكِنُ أَنَّ الدَّهْرِيَّ هُوَ مَنْ يَقُولُ بِقَدَمِ الدَّهْرِ وَبِإِسْنَادِ الْحَوَادِثِ إلَيْهِ وَيَقُولُونَ: إنَّ مَبْدَأَ الْمُمْكِنَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قِيلَ فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ اعْتِقَادِهِمْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَمُ دَلَالَةِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّ الدَّهْرِيَّةَ يَعْتَقِدُونَ الدَّهْرَ الْقَدِيمَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ اعْتِقَادِهِمْ تَأَمَّلْ.
(وَلَا يَحْلِفُونَ) أَيْ الْكُفَّارُ (فِي مَعَابِدِهِمْ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لَهَا وَالْقَاضِي مَمْنُوعٌ عَنْ أَنْ يَحْضُرَهَا وَكَذَا أَمِينُهُ؛ لِأَنَّهَا مَجْمَعُ الشَّيَاطِينِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الدُّخُولِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَقَدْ أَفْتَيْتُ بِتَعْزِيرِ مُسْلِمٍ لَازَمَ الْكَنِيسَةَ مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (وَيَحْلِفُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَلَى الْحَاصِلِ) ، هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ وَالسَّبَبِ وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ إمَّا إنْ كَانَ مِمَّا يَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِنْ تَضَرَّرَ الْمُدَّعِي بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْحَاصِلِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعَلَى السَّبَبِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ شَرَعَ فِي تَفْصِيلِهِ فَقَالَ (فَفِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ) : تَحْلِفُ (بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ) فِي الْحَالِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ (أَوْ نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ) إذَا ادَّعَتْ النَّفَقَةَ فَلَوْ ادَّعَتْ النِّكَاحَ كَانَ الْمِثَالُ عَلَى مَذْهَبِهِمَا فِي التَّحْلِيفِ وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَحْلِفُ كَمَا مَرَّ (وَفِي الطَّلَاقِ) بِاَللَّهِ (مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْك الْآنَ) إذَا ادَّعَتْ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ فَلَوْ ادَّعَتْ رَجْعِيًّا حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَّ الْحَاصِلَ فِي الظَّاهِرِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ سَبَبَ الْحَاصِلِ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ فِعْلِ الْعَقْدِ يَتَحَقَّقُ فِي ضِمْنِ فِعْلٍ آخَرَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَفِي الْغَصْبِ) بِاَللَّهِ (مَا يَجِبُ عَلَيْك رَدُّهُ) أَيْ رَدُّ الْمَغْصُوبِ (وَفِي الْوَدِيعَةِ) بِاَللَّهِ (مَالَهُ، هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ فِي يَدَك وَلَا شَيْءَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الَّذِي فِي يَدَك (وَلَا لَهُ قِبَلَك حَقٌّ) .
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَيُحَلِّفُهُ فِي الدَّيْنِ بِاَللَّهِ مَالَهُ عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ وَالْقَرْضِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَدَّى الْبَعْضَ
стр. 1020
أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ عَلَى الْجَمِيعِ (لَا) يَحْلِفُ (عَلَى السَّبَبِ نَحْوُ) أَنْ يَقُولَ فِي الْبَيْعِ (بِاَللَّهِ مَا بِعْته) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ بَاعَ ثُمَّ أَقَالَ وَلَا يَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ بِاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ نَكَحَهَا ثُمَّ خَالَعَهَا أَوْ أَبَانَهَا وَلَا يَحْلِفُ فِي الطَّلَاقِ بِاَللَّهِ مَا طَلَّقَهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا وَلَا يَحْلِفُ فِي الْغَصْبِ بِاَللَّهِ مَا غَصَبْته لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ غَصَبَ ثُمَّ سَلَّمَ أَوْ مَلَكَ بِالْهِبَةِ أَوْ بِالْبَيْعِ وَلَا يَحْلِفُ فِي الْوَدِيعَةِ بِاَللَّهِ مَا أَوْدَعْتُك، هَذَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُودَعهُ ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَحْلِفُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ عَلَى السَّبَبِ فَلَوْ حَلَفَ يَتَضَرَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ مَثَلًا عَلَى نَفْيِ الْبَيْعِ يَكُونُ كَاذِبًا، وَلَوْ لَمْ يَحْلِفْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ الْعَائِدِ إلَى مِلْكِهِ بِالْإِقَالَةِ، وَهَكَذَا فِي الْبَوَاقِي (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُسْتَوْفَى لِحَقِّ الْمُدَّعِي فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ مُوَافَقَةٌ لِدَعْوَاهُ وَالْمُدَّعِي هُوَ السَّبَبُ إلَّا عِنْدَ تَعْرِيضِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لِلْقَاضِي لَا تُحَلِّفْنِي فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ شَيْئًا ثُمَّ يُقِيلُهُ فَحِينَئِذٍ يُحَلِّفُ الْقَاضِي عَلَى الْحَاصِلِ قِيلَ يَنْظُرُ إلَى إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ أَنْكَرَ السَّبَبَ يَحْلِفُ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُضَاةِ.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ يُفَوَّضُ إلَى رَأَى الْحَاكِمِ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَ) وَالْأَنْسَبُ بِالْوَاوِ (فِي الْحَلِفِ عَلَى الْحَاصِلِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُدَّعِي حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ إجْمَاعًا) رِعَايَةً لِجَانِبِهِ (كَدَعْوَى الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ وَنَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ، وَالْخَصْمُ لَا يَرَاهُمَا) أَيْ لَا يَرَى الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ وَنَفَقَةَ الْمَبْتُوتَةِ بِأَنْ كَانَ شَافِعِيًّا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْت هَذِهِ الدَّارَ، وَمَا هِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْك إذْ لَوْ حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ بِاَللَّهِ لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ عَلَيْك وَبِاَللَّهِ لَا تَجِبُ عَلَيْكِ النَّفَقَةُ يُصَدَّقُ فِي يَمِينِهِ فِي اعْتِقَادِهِ فَيَفُوتُ النَّظَرُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي لَا يُقَالُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ يَتَضَرَّرُ بِبُطْلَانِ الشُّفْعَةِ بِتَأْخِيرِ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْقَاضِي مِنْ الْإِضْرَارِ بِأَحَدِهِمَا وَالْأَوْلَى بِالضَّرَرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِعَارِضِ السُّقُوطِ وَالْمُدَّعِي بِالْأَصْلِ حَيْثُ أَثْبَتَ حَقَّهُ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ مِنْ الشِّرَاءِ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْعَارِضِ.
(وَكَذَا) يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ إجْمَاعًا (فِي سَبَبٍ لَا يَرْتَفِعُ) بِرَافِعٍ بَعْدَ ثُبُوتِهِ (كَعَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدَّعِي الْعِتْقَ) أَيْ الْعِتْقَ الْوَاقِعَ فِي إسْلَامِهِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَيَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا أَعْتَقَهُ لِيُوَافِقَ الْيَمِينُ الدَّعْوَى وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ إلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ يُقْتَلُ وَالْهَرَبُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ نَادِرٌ إلَّا أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَمِنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ وَضَعَ عَلَى حَائِطِهِ خَشَبَةً أَوْ بَنَى عَلَيْهِ أَوْ أَجْرَى مِيزَابًا عَلَى سَطْحِهِ أَوْ فِي دَارِهِ
следующие страницы →