Полный текст (1 543 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
أَيْ مِنْ الْجَلْدِ لَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ إلَّا نُقْصَانَ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ الْحَاصِلُ عِنْدَهُ لَا سَبَبُ الْمَوْتِ وَهُوَ الْجَلْدُ.
(وَلَا يَضْمَنُ) الْغَاصِبُ (مَنَافِعَ مَا غَصَبَهُ سَوَاءٌ سَكَنَهُ) أَيْ فِيمَا غَصَبَهُ (أَوْ عَطَّلَهُ) أَيْ جَعَلَهُ مُعَطَّلًا هَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يَضْمَنُ فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مَضْمُونَةٌ بِالْعُقُودِ كَالْأَعْيَانِ وَعِنْدَ مَالِكٍ يَضْمَنُ الْأَجْرَ فِي السُّكْنَى لَا فِي التَّعْطِيلِ وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَكَمَا بِوُجُوبِ قِيمَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ وَحُرِّيَّتِهِ وَرَدِّ الْجَارِيَةِ مَعَ عُقْرِهَا عَلَى الْمَالِكِ وَلَمْ يَحْكُمَا بِوُجُوبِ أَجْرِ مَنَافِعِ الْجَارِيَةِ وَالْأَوْلَادِ مَعَ عِلْمِهِمَا أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ يَطْلُبُ جَمِيعَ حَقِّهِ وَأَنَّ الْمَغْرُورَ كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا مَعَ الْأَوْلَادِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُ لَمَا سَكَتَا عَنْ بَيَانِهِ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمَا وَلِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْمَنَافِعِ وَالدَّرَاهِمِ لِانْعِدَامِ الْبَقَاءِ فِي الْمَنَافِعِ فَلَا يَكُونُ تَقَوُّمُهَا لِذَاتِهَا بَلْ لِضَرُورَةٍ عِنْدَ وُرُودِ الْعَقْدِ وَلَا عَقْدَ هُنَا وَأَمَّا إذَا انْتَقَصَ بِالِاسْتِعْمَالِ فَيَضْمَنُ لِاسْتِهْلَاكِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ (إلَّا فِي الْوَقْفِ) وَكَذَا فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْمُعَدِّ لِلِاسْتِغْلَالِ ذَكَرَهُ صَدْرُ الْقُضَاةِ وَيُصَيِّرُ الدَّارَ مُعَدَّةً لِلِاسْتِئْجَارِ إذَا بَنَاهَا لِذَلِكَ أَوْ اشْتَرَاهَا لِذَلِكَ أَوْ تُؤَاجَرُ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى الْوَلَاءِ وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُسْتَعْمِلِ بِكَوْنِهَا مُعَدَّةً حَتَّى يَجِبَ الْأَجْرُ وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ الْمِنَحِ فَقَالَ إلَّا إذَا سَكَنَهَا بِتَأْوِيلِ مِلْكٍ أَوْ عَقْدٍ يَعْنِي: مَنَافِعُ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِغْلَالِ مَضْمُونَةٌ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ إلَّا فِيمَا ذَكَرَ مِنْ السُّكْنَى بِتَأْوِيلِ مِلْكٍ أَوْ عَقْدٍ كَبَيْتٍ سَكَنَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَمَّا فِي الْوَقْفِ إذَا سَكَنَهُ أَحَدُهُمَا بِالْغَلَبَةِ بِدُونِ إذْنِ الْآخَرِ سَوَاءٌ كَانَ مَوْقُوفًا لِلسُّكْنَى أَوْ لِلِاسْتِغْلَالِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ
وَكَذَا السُّكْنَى بِتَأْوِيلِ الْعَقْدِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقُنْيَةِ مِنْ سُكْنَى الْمُرْتَهِنِ بِتَأْوِيلِ عَقْدِ الرَّهْنِ انْتَهَى.
(وَلَا) يَضْمَنُ أَيْضًا (خَمْرَ الْمُسْلِمِ أَوْ خِنْزِيرَهُ بِالْإِتْلَافِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُتْلِفُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لِعَدَمِ تَقَوُّمِهِمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْعِبْرَةُ لِجَانِبِ الْمُتْلِفِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُتْلَفِ (وَضَمِنَ) الْمُتْلِفُ (الْقِيمَةَ فِيهِمَا لَوْ كَانَا) أَيْ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ (لِذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّهُمَا مَالٌ فِي حَقِّهِ وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَضْمَنُ لِعَدَمِ التَّقَوُّمِ أَيْضًا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ لِكَوْنِهِ تَابِعًا فِي الْأَحْكَامِ لَنَا.
(وَإِنْ أَتْلَفَ ذِمِّيٌّ خَمْرَ ذِمِّيٍّ ضَمِنَ مِثْلَهَا) لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ أَسْلَمَ الطَّالِبُ بَعْدَمَا قُضِيَ لَهُ بِمِثْلِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ فِي حَقِّهِ لَيْسَتْ بِمُتَقَوِّمَةٍ فَكَانَ بِإِسْلَامِهِ مُبَرِّئًا لَهُ عَمَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْخَمْرِ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَا وَلَوْ أَسْلَمَ الْمَطْلُوبُ وَحْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ الطَّالِبُ بَعْدَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْخَمْرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَيْضًا وَفِي التَّنْوِيرِ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهَا أَيْ الْخَمْرَ مِنْ الذِّمِّيِّ وَشَرِبَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (وَلَا ضَمَانَ بِإِتْلَافِ الْمَيْتَةِ وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (لِذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْتَقِدُ تَمَوُّلَهَا.
(وَلَا) ضَمَانَ (بِإِتْلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ
стр. 1227
عَمْدًا وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (لِمَنْ يُبِيحُهُ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ وَالْخَصْمُ مُؤْمِنٌ بِهِ فَتَثْبُتُ وِلَايَةُ الْمُحَاجَّةِ فَلَا يَجِبُ عَلَى مُتْلِفِهِ الضَّمَانُ وَلَا عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ بِالثَّمَنِ وَلَا يَنْعَقِدُ صَحِيحًا.
(وَإِنْ غَصَبَ خَمْرَ مُسْلِمٍ فَخَلَّلَهَا) أَيْ صَيَّرَهَا خَلًّا (بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ) كَالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إلَى الظِّلِّ أَوْ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ (أَخَذَهَا الْمَالِكُ بِلَا شَيْءٍ) لِأَنَّ التَّخْلِيلَ بِمَا ذُكِرَ تَطْهِيرٌ لَهَا بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فَلَا يُوجِبُ الْمَالِيَّةَ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (فَلَوْ أَتْلَفَهَا) أَيْ الْخَمْرَ الَّتِي تَصِيرُ خَلًّا (الْغَاصِبُ) قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى الْمَالِكِ (ضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ وَاجِبُ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَإِذَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ خَلَفًا عَنْهُ (لَا) يَضْمَنُ (لَوْ تَلِفَتْ) بِلَا صُنْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّفْوِيتُ.
(وَإِنْ خَلَّلَ) الْغَاصِبُ الْخَمْرَ (بِإِلْقَاءِ مِلْحٍ) ذِي قِيمَةٍ وَنَحْوِهِ (مَلَكَهَا) أَيْ الْخَمْرَ الَّتِي تَصِيرُ خَلًّا (وَلَا شَيْءَ) لِلْمَالِكِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً وَالْمِلْحَ مَثَلًا مُتَقَوِّمٌ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْغَاصِبِ فَيَكُونُ لَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ (وَعِنْدَهُمَا يَأْخُذُهَا الْمَالِكُ إنْ شَاءَ وَيَرُدُّ قَدْرَ وَزْنِ الْمِلْحِ مِنْ الْخَلِّ) هَكَذَا ذَكَرُوهُ كَأَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا الْمِلْحَ مَائِعًا لِأَنَّهُ يَذُوبُ فَيَكُونُ اخْتِلَاطُ الْمَائِعِ بِالْمَائِعِ فَيَشْتَرِكَانِ عِنْدَهُمَا (فَلَوْ أَتْلَفَهَا الْغَاصِبُ لَا يَضْمَنُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِمَا سَيَأْتِي فِي دَبْغِ الْجِلْدِ.
(وَإِنْ خَلَّلَهَا بِإِلْقَاءِ خَلٍّ مَلَكَهَا وَلَا شَيْءَ لِلْمَالِكِ عِنْدَ الْإِمَامِ) وَلَوْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ الْخَمْرَ الْغَيْرَ الْمُتَقَوِّمَةَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ كَمَا لَوْ أَرَاقَهَا وَالْخَلْطُ اسْتِهْلَاكٌ عِنْدَهُ.
(وَكَذَا) مَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَلَا شَيْءَ لِلْمَالِكِ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ تَخَلَّلَتْ مِنْ سَاعَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ مِنْ سَاعَتِهَا بَلْ بَعْدَ زَمَانٍ (فَالْخَلُّ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا) .
وَفِي التَّبْيِينِ وَعِنْدَهُمَا إنْ صَارَتْ خَلًّا مِنْ سَاعَتِهَا فَكَمَا قَالَ الْإِمَامُ وَإِنْ صَارَتْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ كَانَ الْخَلُّ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا كَيْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَهْلِكْ الْخَمْرَ فَيَصِيرُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ خَلَطَ الْخَلَّ بِالْخَلِّ وَلَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يُهْلِكُ وَقِيلَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ فِيهَا أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا سَوَاءٌ صَارَتْ خَلًّا مِنْ سَاعَتِهَا أَوْ بَعْدَ حِينٍ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا يُشْكِلُ؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ وَكَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ إنَّمَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ إذَا كَانَ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَهَا قَدْ تَعَذَّرَ وُجُوبُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ خَمْرَ الْمُسْلِمِ لَا يُضْمَنُ بِإِتْلَافٍ فَصَارَ كَمَا إذَا اخْتَلَطَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إجْمَاعًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ انْتَهَى.
(وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ) كَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ (أَخَذَهُ الْمَالِكُ بِلَا شَيْءٍ) إذْ لَيْسَ فِيهِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْغَاصِبِ وَكَانَتْ الدِّبَاغَةُ إظْهَارًا لِلْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فَصَارَتْ كَغَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ (فَلَوْ أَتْلَفَهُ الْغَاصِبُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا) اتِّفَاقًا (وَقِيلَ طَاهِرًا غَيْرَ مَدْبُوغٍ) ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الدِّبَاغَةِ هُوَ الَّذِي حَصَّلَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ
стр. 1228
وَجْهُ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ صَنْعَةَ الدِّبَاغَةِ تَابِعَةٌ لِلْجِلْدِ فَلَا تَفَرَّدَ عَنْهُ وَإِذَا صَارَ الْأَصْلُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَكَذَا صِفَتُهُ.
(وَإِنْ دَبَغَهُ) أَيْ الْغَاصِبُ الْجِلْدَ الْمَصْبُوغَ (بِمَا لَهُ قِيمَةٌ) كَالْعَفْصِ وَالْقَرَظِ (يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ وَيَرُدُّ مَا زَادَ الدَّبْغُ) ؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا الدِّبَاغِ اتَّصَلَ بِالْجِلْدِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِيهِ فَيَأْخُذُ الْجِلْدَ وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ يُقَوَّمَ مَدْبُوغًا وَذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوغٍ وَيَرُدُّ) الْمَالِكُ إلَى الْغَاصِبِ (فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا) كَمَا فِي الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ (وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَهُ) أَيْ الْجِلْدَ (حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ) ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْغَاصِبِ مُتَقَوِّمٌ لِاسْتِعْمَالِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِيهِ كَحَبْسِ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ وَالرَّهْنِ بِالدَّيْنِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ بِالْجُعْلِ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ الْغَاصِبُ الْجِلْدَ الْمَدْبُوغَ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ (لَا يَضْمَنُ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَ الْجِلْدِ الْمَذْكُورِ قَدْ حَصَلَ بِمَالِ الْغَاصِبِ وَصُنْعِهِ فَقَامَ حَقُّهُ فِيهِ وَلِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا زَادَهُ الدِّبَاغُ لِمَا مَرَّ أَنَّ صَنْعَتَهُ مُتَقَوِّمَةٌ لِإِنْفَاقِهِ فِيهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فَصَارَ الْجِلْدُ تَابِعًا لَهَا فِي حَقِّ التَّقَوُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا قَبْلَ الدِّبَاغَةِ
ثُمَّ الْأَصْلُ وَهُوَ الصَّنْعَةُ إذْ الْمَالُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ بِالْإِتْلَافِ فَكَذَا التَّابِعُ غَيْرُ مَضْمُونٍ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ.
وَفِي الْبَاقَانِيِّ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَلَامٌ لَكِنْ دَفَعَهُ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَلْيُرَاجَعْ (وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُهُ مَدْبُوغًا إلَّا قَدْرَ مَا زَادَ الدَّبْغُ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَالًا مُتَقَوِّمًا لِلْمَالِكِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ
(وَلَوْ تَلِفَ لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا) لِعَدَمِ صُنْعِهِ.
(وَمَنْ كَسَرَ لِمُسْلِمٍ بَرْبَطًا أَوْ طَبْلًا أَوْ مِزْمَارًا أَوْ دُفًّا أَوْ أَرَاقَ لَهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ (سَكَرًا) بِفَتْحَتَيْنِ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ (أَوْ مُنَصَّفًا) هُوَ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ وَغَلَا وَاشْتَدَّ (ضَمِنَ قِيمَتَهُ) صَالِحًا (لِغَيْرِ لَهْوٍ) فَفِي الْبَرْبَطِ يَضْمَنُ الْخَشَبَ الصَّالِحَ لِلِاسْتِعْمَالِ وَكَذَا الْبَاقِي وَفِي السَّكَرِ وَنَحْوِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ صَالِحًا لِكَوْنِهِ خَلًّا وَغَيْرَهُ (وَيَصْلُحُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِمَا يَحِلُّ لَهُ بِهِ الِانْتِفَاعُ وَإِنْ صَلَحَتْ بِمَا لَا يَحِلُّ فَصَارَ كَالْأَمَةِ الْمُغَنِّيَةِ وَالْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ (وَقَالَا لَا يَضْمَنُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أُعِدَّتْ لِلْمَعْصِيَةِ فَيَبْطُلُ تَقَوُّمُهَا وَبِقَوْلِهِمَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ (وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى)
стр. 1229
لِفَسَادِ الزَّمَانِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَنَّ الْبَيْتَ يُهْدَمُ عَلَى مَنْ اعْتَادَ الْفِسْقَ وَأَنْوَاعَ الْفَسَادِ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْهُجُومِ عَلَى بَيْتِ الْمُفْسِدِينَ وَبِإِرَاقَةِ الْعَصِيرِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَى مَنْ اعْتَادَ الْفِسْقَ وَقِيلَ الِاخْتِلَافُ فِي الدُّفِّ وَالطَّبْلِ الَّذِي يُضْرَبُ لِلَّهْوِ فَأَمَّا طَبْلُ الْغُزَاةِ أَوْ طَبْلُ الْحَاجِّ أَوْ طَبْلُ الصَّيْدِ أَوْ الدُّفُّ الَّذِي يُبَاحُ ضَرْبُهُ فِي الْعُرْسِ أَوْ يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَةُ فِي الْبَيْتِ فَيَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ بِالْإِتْلَافِ كَمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ.
(وَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرَةً فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (قِيمَتَهَا) بِالِاتِّفَاقِ لِتَقَوُّمِهَا وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّخْصِيصِ سِوَى التَّوْطِئَةِ وَالْمُنَاسَبَةِ لِقَوْلِهِ
(وَلَوْ) غَصَبَ (أُمَّ وَلَدٍ) فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ لِعَدَمِ تَقَوُّمِهَا عِنْدَهُ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِتَقَوُّمِهَا عِنْدَهُمَا وَبِقَوْلِهِمَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
(وَلَوْ شَقَّ الزِّقَّ لِإِرَاقَةِ الْخَمْرِ) الَّتِي فِيهِ (لَا يَضْمَنُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ الْإِرَاقَةُ إلَّا بِالشَّقِّ فَيَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) هُوَ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْإِرَاقَةَ مُمْكِنَةٌ بِدُونِ الشَّقِّ فَيَضْمَنُ الزِّقَّ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ.
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ حَلَّ قَيْدَ عَبْدِ غَيْرِهِ أَوْ) حَلَّ (رِبَاطَ دَابَّتِهِ) أَيْ دَابَّةِ غَيْرِهِ (أَوْ فَتَحَ إصْطَبْلَهَا) أَيْ إصْطَبْلَ دَابَّةِ الْغَيْرِ (أَوْ) فَتَحَ (قَفَصَ طَيْرِ) غَيْرِهِ (فَذَهَبَ) الْعَبْدُ أَوْ الدَّابَّةُ أَوْ الطَّيْرُ عَقِيبَ ذَلِكَ الْفِعْلِ هَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّلَفِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٌ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَطَيَرَانِ الطُّيُورِ وَاخْتِيَارُهُمْ صَحِيحٌ وَتَرْكُهُمْ مِنْهُمْ مُتَصَوَّرٌ وَالِاخْتِيَارُ لَا يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ الْعَقْلِ فَيُضَافُ التَّلَفُ إلَى الْمُبَاشِرِ دُونَ التَّسْبِيبِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي الدَّابَّةِ وَالطَّيْرِ) ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ ذِي الْعَقْلِ وَغَيْرِهِ ذَكَرَ هَذَا الْخِلَافَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الشُّمُنِّيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الطَّيْرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُ فِي الطَّائِرِ سَوَاءٌ طَارَ مِنْ فَوْرِهِ أَوْ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ طَارَ؛ لِأَنَّ الطَّائِرَ مَجْبُولٌ عَلَى النِّفَارِ قَيَّدْنَا بِالذَّهَابِ عَقِيبَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ ذَهَبَ لَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةٍ
وَفِي الِاخْتِيَارِ ذَهَبَتْ دَابَّةُ رَجُلٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِغَيْرِ إرْسَالِ صَاحِبِهَا فَأَفْسَدَتْ زَرْعَ رَجُلٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا ذَهَبَتْ بِاخْتِيَارِهَا، وَفِعْلُهَا هَدَرٌ، وَإِنْ أَرْسَلَهَا ضَمِنَ. رَجُلٌ وَجَدَ فِي زَرْعِهِ أَوْ دَارِهِ دَابَّةً فَأَخْرَجَهَا فَهَلَكَتْ أَوْ أَكَلَهَا الذِّئْبُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةُ الْإِخْرَاجِ وَإِنْ سَاقَهَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ ضَمِنَ.
(وَلَا) ضَمَانَ (عَلَى مَنْ سَعَى إلَى السُّلْطَانِ بِمَنْ يُؤْذِيه وَلَا يَنْدَفِعُ) عَنْهُ (إلَّا بِالسَّعْيِ) وَالرَّفْعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْإِيذَاءِ عَنْ نَفْسِهِ حَقُّهُ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ لِمَا أَخَذَهُ السُّلْطَانُ أَمَّا لَوْ كَانَ دَفْعُ الْإِيذَاءِ مُمْكِنًا بِلَا سِعَايَةٍ فَسَعَى إلَيْهِ فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ (أَوْ) لَا ضَمَانَ لِلسَّاعِي (بِمَنْ يَفْسُقُ وَلَا يَمْتَنِعُ لِنَهْيِهِ) أَيْ السَّاعِي لِوُجُوبِ دَفْعِ الْمُنْكَرَاتِ بِمَا أَمْكَنَ
стр. 1230
(وَلَا) ضَمَانَ (عَلَى مَنْ قَالَ لِسُلْطَانٍ) الَّذِي (قَدْ يَغْرَمُ وَقَدْ لَا يَغْرَمُ أَنَّ فُلَانًا وَجَدَ مَالًا) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلِ (فَغَرَّمَهُ شَيْئًا) لَا يَضْمَنُ السَّاعِي لِانْتِفَاءِ التَّسْبِيبِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِتَوَسُّطِ فِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ.
(وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُ) أَيْ عَادَةُ السُّلْطَانِ (أَنْ يُغَرِّمَ أَلْبَتَّةَ ضَمِنَ) السَّاعِي لِوُجُودِ التَّسْبِيبِ.
(وَكَذَا) ضَمِنَ السَّاعِي (لَوْ سَعَى بِغَيْرِ حَقٍّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ زَجْرًا لَهُ وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ (يُفْتَى) لِكَثْرَةِ السُّعَاةِ فِي زَمَانِنَا وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لَا يَضْمَنُ السَّاعِي لِمَا مَرَّ
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ مَاتَ السَّاعِي لِلْمُسْعَى بِهِ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ الْخُسْرَانِ مِنْ تَرِكَتِهِ.
(وَلَوْ أَطْعَمَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مَالِكُهُ بَرِئَ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يُعْلِمْهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ الْغَاصِبُ الْمَالِكَ أَنَّهُ طَعَامُهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَصَلَ إلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُهُ ثَانِيًا
وَكَذَا فِيمَا إذَا لَبِسَ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ مَالِكُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ
وَفِي الْغَرَرِ أَمَرَ شَخْصٌ عَبْدَ غَيْرِهِ بِالْإِبَاقِ أَوْ قَالَ اُقْتُلْ نَفْسَك فَفَعَلَ وَجَبَ عَلَى الْآمِرِ قِيمَتُهُ وَلَوْ قَالَ لَهُ أَتْلِفْ مَالَ مَوْلَاك فَأَتْلَفَ لَا يَضْمَنُ، اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الْغَيْرِ لِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ قَالَ ذَلِكَ الْعَبْدُ إنِّي حُرٌّ ضَمِنَ قِيمَتَهُ إنْ هَلَكَ وَلَوْ اسْتَعْمَلَهُ لِغَيْرِهِ لَا يَضْمَنُ.
[كِتَابُ الشُّفْعَةِ]
ِ تَنَاسَبَ الْكِتَابَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفْضِي إلَى تَمَلُّكِ مَالِ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ رِضَاهُ إلَّا أَنَّ الْغَصْبَ يَصْلُحُ شَيْئًا لِتَمَلُّكِ مَالٍ وَالشُّفْعَةُ لَا تَجْرِي إلَّا فِي الْعَقَارِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الْغَصْبَ مَعَ كَوْنِهِ عُدْوَانًا (هِيَ) أَيْ الشُّفْعَةُ لُغَةً فُعْلَةٌ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ قَوْلِهِمْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ وَتْرًا فَشَفَعْته بِآخَرَ أَيْ جَعَلْته زَوْجًا لَهُ فَهِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْمِلْكِ الْمَشْفُوعِ بِمِلْكٍ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهَا فِعْلٌ وَمِنْ لُغَةِ الْفُقَهَاءِ بَاعَ الشَّفِيعُ الدَّارَ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا أَيْ تُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَمِنْهُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُذْنِبِينَ لِأَنَّهُ يَضُمُّهُمْ بِهَا إلَى الْفَائِزِينَ.
وَفِي الشَّرْعِ (تَمَلُّكُ الْعَقَارِ)
стр. 1231
وَهُوَ الضَّيْعَةُ وَقِيلَ مَا لَهُ أَصْلٌ مِنْ دَارٍ وَضَيْعَةٍ وَمَا فِي حُكْمِهِ كَالْعُلْوِ دُونَ الْمَنْقُولِ كَالشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ فَإِنَّهُ مِنْ مَنْقُولٍ لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ فِيهِ إلَّا بِتَبَعِيَّةٍ لِعَقَارٍ كَالدَّارِ وَالْكَرْمِ وَالرَّحَى وَالْبِئْرِ وَغَيْرِهَا (عَلَى مُشْتَرِيه بِمَا) أَيْ بِاَلَّذِي أَيْ بِالثَّمَنِ الَّذِي (قَامَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُشْتَرِي (جَبْرًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْجَبْرُ وَمَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ مَعَ زِيَادَةِ أَوْصَافٍ كَالتَّمَلُّكِ وَعَلَى وَجْهِ الْجَبْرِ وَقِيلَ هِيَ ضَمُّ بُقْعَةٍ مُشْتَرَاةٍ إلَى عَقَارِ الشَّفِيعِ بِسَبَبِ الشِّرْكَةِ أَوْ الْجِوَارِ وَهَذَا أَحْسَنُ كَمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ وَسَبَبُهَا اتِّصَالُ مِلْكِ الشَّفِيعِ بِالْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الدَّخِيلِ عَنْهُ عَلَى الدَّوَامِ بِسَبَبِ سُوءِ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُعَامَلَةِ مِنْ حَيْثُ إعْلَاءُ الْجِدَارِ وَإِيقَادُ النَّارِ وَمَنْعُ ضَوْءِ النَّهَارِ وَإِثَارَةُ الْغُبَارِ وَإِيقَافُ الدَّوَابِّ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ يُضَادُّهُ كَمَا قِيلَ أَضْيَقُ السُّجُونِ مُعَاشَرَةُ الْأَضْدَادِ وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ عَقَارًا سُفْلًا كَانَ أَوْ عُلْوًا احْتَمَلَ الْقِسْمَةَ أَوْ لَا وَأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ عَقْدَ مُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ وَرُكْنُهَا أَخْذُ الشَّفِيعِ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا مَعَ شَرْطِهَا وَحُكْمُهَا جَوَازُ الطَّلَبِ عِنْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ وَصِفَتُهَا أَنَّ الْأَخْذَ بِهَا بِمَنْزِلَةِ شِرَاءٍ مُبْتَدَأٍ حَتَّى يَثْبُتَ بِهَا مَا يَثْبُتُ بِالشِّرَاءِ نَحْوُ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ.
(وَتَجِبُ) أَيْ تَثْبُتُ وِلَايَةُ الشُّفْعَةِ (بَعْدَ الْبَيْعِ) الصَّحِيحِ أَوْ الْفَاسِدِ انْقَطَعَ فِيهِ حَقٌّ لِمَالِكٍ.
(وَتَسْتَقِرُّ بِالْإِشْهَادِ) وَالطَّلَبِ فِي الْحَالِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ سَاعَةً قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ لِأَنَّ حَقَّهَا ضَعِيفٌ مُتَزَلْزِلٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الطَّلَبِ وَالْإِشْهَادِ فِي الْحَالِ فَإِذَا أَشْهَدَ اسْتَقَرَّ فَبَعْدَ ذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ.
(وَتُمْلَكُ بِالْأَخْذِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِرِضًى) وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَتُمْلَكُ بِالْقَضَاءِ أَوْ الْأَخْذِ بِالرِّضَا كَمَا فِي الْغَرَرِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلشَّفِيعِ مِنْ غَيْرِ أَخْذٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لِيَمْلِكَ الْعَقَارَ الْمَشْفُوعَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا بِالْأَخْذِ إذَا سَلَّمَهَا الْمُشْتَرِي بِرِضَاهُ أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ أَخْذٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ تَأَمَّلْ.
(وَإِنَّمَا تَجِبُ) أَيْ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ (لِلْخَلِيطِ) وَهُوَ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ (فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْخَلِيطُ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ (أَوْ) وُجِدَ وَلَكِنْ (سَلَّمَ) الشُّفْعَةَ (فَلِلْخَلِيطِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ كَالشِّرْبِ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَهُوَ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يُخَالِطْ (وَالطَّرِيقِ الْخَالِصَيْنِ) ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (كَنَهْرٍ لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ) أَيْ أَصْغَرُ السُّفُنِ مِثَالٌ لِلشِّرْبِ الْخَاصِّ (وَطَرِيقٍ لَا يَنْفُذُ) مِثَالٌ لِلطَّرِيقِ الْخَاصِّ
стр. 1232
حَتَّى إذَا كَانَا عَامَّيْنِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِمَا الشُّفْعَةَ فَالنَّهْرُ الْعَامُّ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ مَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ كَدِجْلَةَ وَفُرَاتَ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ الْخَاصُّ مَا يَتَفَرَّقُ مَاؤُهُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَلَا يَبْقَى إذَا انْتَهَى إلَى آخِرِ الْأَرَاضِيِ وَلَا يَكُونُ لَهُ مَنْفَذٌ وَالْعَامُّ مَا يَتَفَرَّقُ وَيَبْقَى وَلَهُ مَنْفَذٌ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ شُرَكَاؤُهُ لَا يُحْصُونَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يُحْصَى مِنْ خَمْسِمِائَةٍ أَوْ مِائَةٍ أَوْ أَرْبَعِينَ أَوْ عَشَرَةٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْخَاصُّ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ قَرَاحَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَامٌّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فِي زَمَانِهِ وَهُوَ أَشْبَهُ الْأَقَاوِيلِ.
(ثُمَّ) تَثْبُتُ بَعْدَ الطَّرِيقِ (لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ) أَيْ لِجَارٍ لَهُ عَقَارٌ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا يَكُونُ وَقْفًا أَوْ إجَارَةً أَوْ وَدِيعَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ فِيهَا لِمَا فِي التَّجْرِيدِ لَا شُفْعَةَ فِي الْوَقْفِ وَلَا بِجِوَارِهِ
(وَلَوْ بَابَهُ فِي سِكَّةٍ أُخْرَى) وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَلَوْ وَصْلِيَّةٌ لَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَوْ كَانَ بَابُهُ فِي سِكَّةٍ أُخْرَى بِدُونِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَابُهُ فِي تِلْكَ السِّكَّةِ كَانَ خَلِيطًا فِي حَقِّ الْمَبِيعِ فَلَا يَكُونُ جَارًا مُلَاصِقًا فَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ فِي تَفْسِيرِ الْجَارِ الْمُلَاصِقِ هُوَ الَّذِي دَارُهُ عَلَى ظَهْرِ الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ وَبَابُهُ فِي سِكَّةٍ أُخْرَى.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ بَلْ بِالشِّرْكَةِ فِي الْبُقْعَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ» وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «جَارُ الدَّارِ حَقٌّ مِنْ غَيْرِهِ» فَلَا تَثْبُتُ لِلْجَارِ الْمُقَابِلِ إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ نَافِذَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ نَافِذَةٍ فَتَثْبُتُ.
(وَمَنْ) مُبْتَدَأٌ (لَهُ جُذُوعٌ عَلَى حَائِطِهَا) أَيْ حَائِطِ الدَّارِ (أَوْ) مَنْ لَهُ (شِرْكَةٌ فِي خَشَبَةٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَائِطِ (جَارٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ؛ لِأَنَّ الْجَارَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ لَا يَكُونُ خَلِيطًا فِي حَقِّ الْمَبِيعِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ جَارًا مُلَاصِقًا.
(وَإِنْ) كَانَ شَرِيكًا (فِي نَفْسِ الْجِدَارِ فَشَرِيكٌ) يُقَدَّمُ عَلَى الْخَلِيطِ لَكِنْ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْجِيرَانِ شَرِيكًا فِي الْجِدَارِ لَا يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْجِيرَانِ لِأَنَّ الشِّرْكَةَ فِي الْبِنَاءِ الْمُجَرَّدِ بِدُونِ الْأَرْضِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الشُّفْعَةَ وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ وَالْمَكَانُ الَّذِي عَلَيْهِ الْبِنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا كَانَ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْجِيرَانِ انْتَهَى فَيَلْزَمُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الْمَتْنِ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْبِنَاءِ الْمَكَانُ الَّذِي عَلَيْهِ الْبِنَاءُ لَا الْبِنَاءُ الْمُجَرَّدُ تَدَبَّرْ.
(وَهِيَ) أَيْ الشُّفْعَةُ (عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ) أَيْ رُءُوسِ الشُّفَعَاءِ (لَا السِّهَامِ) أَيْ سِهَامِ مِلْكِهِمْ لِأَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِحْقَاقِ اتِّصَالُ الْمِلْكِ لَا قَدْرُهُ وَالتَّرْجِيحُ لِقُوَّةِ الْعِلَّةِ لَا لِلْكَثْرَةِ وَلِذَا قُسِّمَ عَلَى التَّنْصِيفِ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ نِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ إذَا بَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ
وَكَذَا دَارٌ لَهُ جَارَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ جَوَانِبَ وَثَانِيهِمَا مِنْ جَانِبٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إذْ عِنْدَهُ يُقْضَى بِقَدْرِ الْأَمْلَاكِ لَا بِقَدْرِ الرُّءُوسِ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ مَرَافِقِ الْمِلْكِ فَيَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ لَوْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَيْسَ لِمَنْ بَقِيَ أَخْذُ نَصِيبِ التَّارِكِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ
стр. 1233
غَائِبًا يُقْضَى بِالشُّفْعَةِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ فِي الْجَمِيعِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ غَائِبًا فَطَلَبَ الْحَاضِرُ يُقْضَى لَهُ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا ثُمَّ إذَا حَضَرَ وَطَلَبَ قُضِيَ لَهُ بِهَا وَإِذَا أَسْقَطَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَمْ يَصِحَّ
أَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَ الْبَعْضِ وَتَرْكَ الْبَاقِي لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ جَبْرًا عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ جَعَلَ بَعْضُ الشُّفَعَاءِ نَصِيبَهُ لِبَعْضٍ لَمْ يَصِحَّ وَسَقَطَ حَقُّهُ بِهِ.
(فَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ) أَيْ الْعَقَارِ الْمَشْفُوعِ (يُشْهِدُ) مِنْ الْأَفْعَالِ (فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ) أَيْ الشَّفِيعُ عَلَى (أَنَّهُ يَطْلُبُهَا) سَوَاءٌ عَلِمَ بِسَمْعٍ الْبَيْعَ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ بِسَمْعِ الْكَلَامِ فِي حَقِّ الْبَيْعِ أَوْ بِإِخْبَارِ شَخْصٍ بِأَنَّ فُلَانًا بَاعَ دَارِهِ بِلَفْظٍ يُفْهِمُ طَلَبَهَا كَطَلَبْتُ الشُّفْعَةَ أَوْ أَنَا طَالِبٌ لَهَا أَوْ أَطْلُبُهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعْنَى وَالْمُعْتَبَرُ الطَّلَبُ دُونَ الْإِشْهَادِ وَإِنَّمَا الْإِشْهَادُ لِلْإِثْبَاتِ حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الطَّلَبِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الشُّهُودِ ثُمَّ اعْتِبَارُ الْمَجْلِسِ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ مَشَايِخِ بُخَارَى لِلتَّأَمُّلِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ يُشْتَرَطُ عَلَى فَوْرِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ حَتَّى لَوْ سَكَتَ سَاعَةً تَبْطُلُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَشَايِخُ بَلْخِي وَعَامَّةُ مَشَايِخِ بُخَارَى وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمِنَحِ وَقِيلَ تَبْطُلُ إنْ سَكَتَ أَدْنَى سُكُوتٍ حَتَّى وَلَوْ أَخْبَرَ بِكِتَابٍ وَالشُّفْعَةُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ فَقَرَأَ الْكِتَابَ إلَى آخِرِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْمُشْتَرِي وَبِالثَّمَنِ (وَيُسَمَّى) أَيْ الطَّلَبُ فِي الْمَجْلِسِ (طَلَبُ مُوَاثَبَةٍ) أَيْ مُسَارَعَةٍ مِنْ الْوُثُوبِ سُمِّيَ بِهِ لِيَدُلَّ عَلَى غَايَةِ التَّعْجِيلِ (ثُمَّ يَشْهَدُ عِنْدَ الْعَقَارِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلشُّفْعَةِ (أَوْ) يَشْهَدُ (عَلَى الْمُشْتَرِي) وَلَوْ غَيْرَ ذِي يَدٍ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ أَطْلُبُ مِنْك الشُّفْعَةَ فِي دَارٍ اشْتَرَيْتهَا مِنْ فُلَانٍ حُدُودُهَا كَذَا وَأَنَا شَفِيعُهَا بِالشِّرْكَةِ فِي الدَّارِ أَوْ الطَّرِيقِ أَوْ بِالْجِوَارِ بِدَارٍ حُدُودُهَا كَذَا فَسَلِّمْهَا لِي فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ حُدُودَ الدَّارَيْنِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الثُّبُوتِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لَكِنْ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ أَنَّ تَبَيُّنَ هَذِهِ الْأُمُورُ لَيْسَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ لَهُ الْإِشْهَادُ عِنْدَ أَبْعَدِ هَؤُلَاءِ مَعَ الْأَقْرَبِ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَذَهَبَ الْآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُشْهِدُ عِنْدَ الْأَقْرَبِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (أَوْ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ) فَلَا يَصِحُّ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْبَائِعِ لَيْسَ بِذِي يَدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَاخْتَارَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْإِشْهَادَ يَصِحُّ عِنْدَهُ اسْتِحْسَانًا وَإِنَّمَا ذَكَرَ كَلِمَةً ثُمَّ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذِهِ مُدَّةُ هَذَا الطَّلَبِ لَمْ يَكُنْ عَلَى فَوْرِ الْمَجْلِسِ فِي الْأَكْثَرِ بَلْ مُقَدَّرَةٌ بِمُدَّةِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْإِشْهَادِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ تَمَكَّنَ وَلَمْ يَطْلُبْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ (فَيَقُولُ اشْتَرَى فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ وَقَدْ كُنْت طَلَبْت الشُّفْعَةَ) قَبْلَهُ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةَ (وَأَنَا أَطْلُبُهَا الْآنَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ وَيُسَمَّى) هَذَا الطَّلَبُ (طَلَبَ تَقْرِيرٍ وَإِشْهَادٍ) وَلَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِشْهَادُ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَيَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْإِشْهَادِ لِلتَّقْرِيرِ (ثُمَّ يَطْلُبُ عِنْدَ قَاضٍ فَيَقُولُ اشْتَرَى فُلَانٌ دَارَ
стр. 1234
كَذَا وَأَنَا شَفِيعُهَا بِسَبَبِ كَذَا) قِيلَ هَذَا ظَاهِرٌ فِي الشَّفِيعِ فِي الْجِوَارِ لَا فِي الشَّفِيعِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ (فَمُرْهُ) أَيُّهَا الْقَاضِي (بِالتَّسْلِيمِ إلَيَّ) حَقِّي بِالرَّدِّ أَوْ بِتَرْكِ الدَّاخِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنِي فَالتَّسْلِيمُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَقْتَضِي الْقَبْضَ بَلْ يُوجَدُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ هَذَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَطَلَبَ الْخُصُومَةَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ انْتَهَى (وَيُسَمَّى) هَذَا الطَّلَبُ (طَلَبَ خُصُومَةٍ وَتَمْلِيكٍ) فَلَا بُدَّ مِنْهُ أَيْضًا لَا يُحْكَمُ لَهُ بِدُونِ طَلَبِهِ.
(وَلَا تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ بِتَأْخِيرِهِ) أَيْ بِتَأْخِيرِ طَلَبِ الْأَخْذِ (مُطْلَقًا) بَعْدَمَا اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ (الْفَتْوَى) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ ثَبَتَ بِالطَّلَبِ فَلَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ بِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ عَدَمِ قَاضٍ يَرَى الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ فِي بَلَدِهِ لَا يَسْقُطُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ أَخَّرَهُ إلَى مَجْلِسِ حُكْمٍ يَبْطُلُ لِتَرْكِهِ عِنْدَ إمْكَانِ الْأَخْذِ.
وَفِي رِوَايَةٍ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (وَقِيلَ يُفْتَى بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ) وَزُفَرَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (أَنَّهُ) أَيْ الشَّفِيعُ (إنْ أَخَّرَهُ) أَيْ طَلَبَ الْخُصُومَةِ (شَهْرًا بِلَا عُذْرٍ بَطَلَتْ) الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ قَالَ الْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى إذَا أَخَّرَ شَهْرًا سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي قَصْدِ الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَالْخُلَاصَةِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي وَمُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ.
(وَإِذَا ادَّعَى) الشَّفِيعُ (الشِّرَاءَ وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمُشْتَرِي عَنْ الدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا الشَّفِيعُ هَلْ هِيَ مِلْكٌ لِلشَّفِيعِ أَوْ لَا (فَإِنْ أَقَرَّ) الْمُشْتَرِي (بِمِلْكِ مَا يَشْفَعُ بِهِ) أَوْ أَنْكَرَ فَحَلَفَ (أَوْ نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى الْعِلْمِ بِمِلْكِيَّتِهِ) بِأَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا يَشْفَعُ بِهِ (أَوْ) أَنْكَرَ وَ (بَرْهَنَ الشَّفِيعُ) أَيْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ (سَأَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْمُشْتَرِي (عَنْ الشِّرَاءِ) فَيَقُولُ لَهُ اشْتَرَيْت أَمْ لَا (فَإِنْ أَقَرَّ) الْمُشْتَرِي (بِهِ) أَيْ بِالشِّرَاءِ (أَوْ) أَنْكَرَ فَحَلَفَ أَوْ (نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا ابْتَاعَ أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ) الشَّفِيعُ (عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّفْعَةُ أَوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ) يَعْنِي أَنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ إنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ بِاَللَّهِ مَا اسْتَحَقَّ هَذَا الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ عَلَيَّ فَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَشُفْعَةِ الْجِوَارِ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْت هَذِهِ الدَّارَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا فِي شُرُوحِ الْكَنْزِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ مَنْ لَمْ يَرَ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ كَالشَّافِعِيِّ طَلَبَهَا عِنْدَ حَاكِمٍ يَرَاهُ (قَضَى) أَيْ الْقَاضِي (لَهُ) أَيْ لِلشَّفِيعِ (بِهَا) أَيْ بِالشُّفْعَةِ لِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ وَالْوَاجِبُ فِي هَذَا أَنْ يَسْأَلَ الْقَاضِي أَوَّلًا عَنْ الْمُدَّعِي عَنْ مَوْضِعِ الدَّارِ مِنْ مِصْرَ وَمُحَلَّةٍ وَحُدُودِهَا؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى حَقًّا فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ سَأَلَ هَلْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا لَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى يَحْضُرَ الْبَائِعُ فَإِذَا
стр. 1235
بَيَّنَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ التَّقْرِيرِ كَيْفَ كَانَ وَعِنْدَ مَنْ أَشْهَدَ فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ تَمَّتْ دَعْوَاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ كَمَا فِي الْمَتْنِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُ الثَّمَنِ وَقْتَ الدَّعْوَى) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَتَجُوزُ لَهُ الْمُنَازَعَةُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ لُزُومَ الثَّمَنِ عَلَى الشَّفِيعِ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا قَبْلَهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ مُفْلِسًا فَتَوَى الْمَالَ عَلَى الْمُشْتَرِي (فَإِذَا قَضَى لَهُ لَزِمَ إحْضَارُهُ) أَيْ الثَّمَنِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ اللُّزُومِ (وَلِلْمُشْتَرِي حَبْسُ الدَّارِ لِقَبْضِهِ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي حَبْسُ الدَّارِ لِقَبْضِ ثَمَنِهِ فَلَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ حَبَسَ الْقَاضِي الشَّفِيعَ بِالْإِبَاءِ لِأَنَّ الشَّفِيعَ وَالْمُشْتَرِيَ نَزَلَا مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (وَلَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ بَعْدَمَا أَمَرَ) الْقَاضِي (بِأَدَائِهِ) إجْمَاعًا لِتَأَكُّدِ الشُّفْعَةِ بِالْقَضَاءِ.
(وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ يَدًا مُحِقَّةً أَصَالَةً فَكَانَ خَصْمًا كَالْمَالِكِ.
(وَ) لَكِنْ (لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ) أَيْ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْبَائِعِ بِغَيْبَةِ الْمُشْتَرِي (حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ (فَيَفْسَخُ الْبَيْعَ بِحَضْرَتِهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي عِنْدَ حُضُورِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا صَاحِبُ يَدٍ، وَلِلْآخَرِ مِلْكًا (وَيَقْضِي بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ وَيَجْعَلُ الْعُهْدَةَ) أَيْ يَجْعَلُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ الْأَحْكَامِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي، وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَصِيرُ أَجْنَبِيًّا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي مُطْلَقًا.
(وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ خَصْمٌ لِلشَّفِيعِ) ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ وَكِيلًا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُخَاصِمَهُ وَيَأْخُذَهَا مِنْهُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي (مَا لَمْ يُسَلِّمْ إلَى الْمُوَكِّلِ) فَإِذَا سَلَّمَهَا إلَى الْمُوَكِّل لَا يَبْقَى لَهُ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا بَعْدَهُ.
(وَلِلشَّفِيعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (شَرَطَ الْمُشْتَرِي الْبَرَاءَةَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَيْبِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ فَيَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارُ وَلَا يَسْقُطُ بِرُؤْيَةِ الْمُشْتَرِي وَبِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِإِسْقَاطِ الْمُشْتَرِي.
[فَصَلِّ اخْتِلَاف الشَّفِيع وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَن]
فَصَلِّ (وَإِنْ اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي) مَعَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقَّ الْأَخْذِ عِنْدَ نَقْدِ الْأَقَلِّ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ فَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ وَلَا يَتَخَالَفَانِ.
(وَإِنْ بَرْهَنَا) أَيْ لَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ (فَلِلشَّفِيعِ) أَيْ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ
стр. 1236
بِجَرَيَانِ الْعَقْدِ مَرَّتَيْنِ فَيُجْعَلَانِ مَوْجُودَيْنِ فَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلْمُشْتَرِي) أَيْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي أَحَقُّ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
(وَإِنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا وَ) ادَّعَى (الْبَائِعُ) ثَمَنًا (أَقَلَّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ (أَخَذَهُ) أَيْ الْعَقَارَ (الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ) سَوَاءٌ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْعَقَارَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ الْبَائِعِ حَطَّ بَعْضَ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَالْحَطُّ عَنْهُ حَطٌّ عَنْ الشَّفِيعِ (وَبِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي بَعْدَهُ) أَيْ أَخْذِ الشَّفِيعِ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْأَجْنَبِيِّ وَبَقِيَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي وَلَوْ كَانَ قَبْضُ الثَّمَنِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت الدَّارَ بِأَلْفٍ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ فِي حَالٍ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيَانِ فِيهِ فَقُبِلَ بَيَانُهُ وَإِنْ قَالَ قَبَضْت الثَّمَنَ وَهُوَ أَلْفٌ أَخَذَهَا بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءٍ بِالثَّمَنِ أَوَّلًا صَارَ أَجْنَبِيًّا فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَأْخُذُهَا بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي فِيهِمَا (وَإِنْ عُكِسَا) أَيْ ادَّعَى الْبَائِعُ ثَمَنًا وَالْمُشْتَرِي أَقَلَّ مِنْهُ (فَبَعْدَ الْقَبْضِ يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) أَيْ لَوْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي (وَقَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَبْضِ (يَتَحَالَفَانِ) وَيَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ (وَأَيٌّ) مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (اُعْتُبِرَ قَوْلُ صَاحِبِهِ) فَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِمَا يَدَّعِيه الْآخَرُ.
(وَإِنْ حَلَفَا فَسْخَ الْبَيْعَ) أَيْ فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا (وَيَأْخُذُهُ) أَيْ الْعَقَارَ (الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ) ؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّ الشَّفِيعِ كَمَا لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
(وَإِنْ حَطَّ) الْبَائِعُ (عَنْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ يَأْخُذُهُ) أَيْ الْعَقَارَ (الشَّفِيعُ بِالْبَاقِي) مِنْ الثَّمَنِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ بَعْدَهُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْحَطَّ عَنْ الْمُشْتَرِي حَطٌّ عَنْ الشَّفِيعِ أَيْ حَطٌّ يَلْحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ لَا أَثَرَ لِلْحَطِّ بَلْ عَلَيْهِ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى.
(وَإِنْ حَطَّ) الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي (الْكُلَّ) أَيْ كُلَّ الثَّمَنِ (يَأْخُذُهُ) الشَّفِيعُ (بِالْكُلِّ) أَيْ بِكُلِّ الثَّمَنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ لَكِنْ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلدِّهْلَوِيِّ كَلَامٌ فَلْيُطَالَعْ.
(وَإِنْ حَطَّ) الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي (النِّصْفَ) أَيْ نِصْفَ الثَّمَنِ (ثُمَّ) حَطَّ (النِّصْفَ) الْآخَرَ (يَأْخُذُ) الشَّفِيعُ (بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَطَّ النِّصْفَ الْتَحَقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ النِّصْفُ فَلَمَّا حَطَّ النِّصْفَ الْآخَرَ كَانَ حَطًّا لِلْجَمِيعِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْ الشَّفِيعِ.
(وَإِنْ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ) بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ (لَا تَلْزَمُ الشَّفِيعَ الزِّيَادَةُ) أَيْ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الشَّفِيعِ فَتَكْلِيفُ الزِّيَادَةِ إبْطَالُ حَقِّهِ.
(وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا لَزِمَ الشَّفِيعَ مِثْلُهُ) أَيْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْمَبِيعَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ فِي شِرَاءِ الْعَقَارِ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ.
(وَإِنْ) كَانَ الثَّمَنُ (قِيَمِيًّا فَقِيمَتُهُ) أَيْ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِالْقِيمَةِ فِي
стр. 1237
شِرَاءِ دَارٍ بِثَوْبٍ أَوْ فَرَسٍ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَأْخُذُ كُلَّ وَاحِدٍ بِقِيمَةٍ لِآخَرَ فِي شِرَاءٍ بِعَقَارٍ لِتَحَقُّقِ الْبَدَلِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَلِكَوْنِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ.
(وَإِنْ كَانَ) الثَّمَنُ (مُؤَجَّلًا) بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَجْهُولًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ (أَخَذَ بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ يَطْلُبُ) الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ (فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهِ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ فَلِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِثَمَنٍ حَالٍّ وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ (وَيَأْخُذَ) الشَّفِيعُ الْعَقَارَ (بَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ) لِكَوْنِ الثَّمَنِ مُؤَجَّلًا.
وَقَالَ زُفَرُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي الْحَالِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ بِهِ وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَإِنَّمَا يُؤَجَّلُ بِالشَّرْطِ وَلَا شَرْطَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ (وَلَا يَتَعَجَّلُ مَا عَلَى الْمُشْتَرِي لَوْ أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالْحَالِّ) ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ ثَبَتَ لَهُ بِالشَّرْطِ فَلَا يَبْطُلُ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِبَيْعِهِ الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ حَالٍّ وَإِنْ اخْتَارَ الِانْتِظَارَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَلْتَزِمَ الضَّرَرَ الزَّائِدَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ
(وَلَوْ سَكَتَ عَنْ الطَّلَبِ لِيَحِلَّ الْأَجَلُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا تَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِذَاتِهِ بَلْ لِلْأَخْذِ وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي الْحَالِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ فِي الْحَالِ وَلَهُمَا أَنَّ حَقَّهُ قَدْ ثَبَتَ وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَالسُّكُوتُ عَنْ الطَّلَبِ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهِ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ.
(وَلَوْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ الذِّمِّيُّ بِمِثْلِ الْخَمْرِ وَقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مُقْتَضًى بِالصِّحَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَحَقُّ الشُّفْعَةِ يَعُمُّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ وَالْخَمْرُ لَهُمْ كَالْخَلِّ لَنَا وَالْخِنْزِيرُ كَالشَّاةِ فَيَأْخُذُ الْأَوَّلَ بِالْمِثْلِ وَالثَّانِيَ بِالْقِيمَةِ وَلَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسْلِمِ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَيَأْخُذُهَا بِالْقِيمَةِ.
(وَ) يَأْخُذُ الشَّفِيعُ (الْمُسْلِمُ بِالْقِيمَةِ فِيهِمَا) أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَمِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ وَأَمَّا الْخَمْرُ فَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهَا فَالْتَحَقَ بِغَيْرِ الْمِثْلِ ثُمَّ إنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ قِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِالرُّجُوعِ إلَى ذِمِّيٍّ أَسْلَمَ أَوْ فَاسِقٍ تَابَ وَفِيمَا فِي الْفَرَائِدِ مِنْ أَنَّهُ بَقِيَ صُورَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ بِخِنْزِيرٍ وَكَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا وَذِمِّيًّا لَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَهَا كَلَامًا؛ لِأَنَّهُ بُيِّنَ آنِفًا أَنَّ الْمُسْلِمَ يَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ وَكَذَا يَأْخُذُ الذِّمِّيُّ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ عِنْدَهُمْ فَلَا وَجْهَ عَلَى مَا قَالَهُ تَأَمَّلْ.
(وَلَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي) عَلَى الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ (أَوْ غَرَسَ) فِيهَا فَحُكِمَ بِالشُّفْعَةِ (أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ وَبِقِيمَتِهَا) أَيْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ (مَقْلُوعَيْنِ) وَالْمُرَادُ بِقِيمَتِهِمَا مَقْلُوعَيْنِ قِيمَتُهُمَا مُسْتَحَقُّ الْقَلْعِ (كَمَا فِي الْغَصْبِ أَوْ كُلِّفَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُمَا) أَيْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَيَأْخُذُ الْأَرْضَ فَارِغَةً بِكُلِّ الثَّمَنِ بِدُونِهِمَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُكَلِّفُهُ بِالْقَلْعِ بَلْ يَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ وَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُحِقٌّ فِي الْبِنَاءِ وَلَيْسَ بِمُتَعَدٍّ إذَا بَنَى وَغَرَسَ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ فِيهِ بِالشِّرَاءِ فَلَا يُعَامَلُ بِأَحْكَامِ الْعُدْوَانِ فَصَارَ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي
стр. 1238
شِرَاءً فَاسِدًا وَكَمَا إذَا زَرَعَهَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يُكَلَّفُ الْقَلْعَ لِتَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ فَكَذَا الْمُشْتَرِي فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ وَلِهَذَا لَا يُكَلَّفُ قَلْعَ الزَّرْعِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الشَّفِيعِ بِإِلْزَامِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ أَهْوَنُ مِنْ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي بِالْقَلْعِ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَحْصُلُ لَهُ بِمُقَابَلَةِ الْقِيمَةِ عِوَضُ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَلَا يُقَدَّرُ ضَرَرًا وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْمُشْتَرِي بِمُقَابَلَةِ الْقَلْعِ شَيْءٌ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَهْوَنَ فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ بَنَى فِي مَحَلٍّ ظَهَرَ تَعَلُّقُ حَقٍّ مُتَأَكِّدٍ لِلْغَيْرِ هُوَ الشَّفِيعُ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ فَيَأْمُرُ الشَّفِيعَ بِالنَّقْصِ كَالْغَاصِبِ إذَا بَنَى لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي لِتَقَدُّمِ حَقِّ الشَّفِيعِ عَلَيْهِ وَلِذَا يَنْقُضُ الشَّفِيعُ بَيْعَ الْمُشْتَرِي وَهِبَتَهُ وَجَعْلَهُ مَسْجِدًا وَمَقْبَرَةً وَجُعِلَ تَصَرُّفُهُ كَالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الشَّفِيعِ فِي حَقِّ النَّقْضِ وَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْمَسْجِدَ وَيَنْبُشَ الْمَوْتَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ) الْأَرْضُ (بَعْدَمَا بَنَى الشَّفِيعُ أَوْ غَرَسَ رَجَعَ) الشَّفِيعُ (عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فَقَطْ) يَعْنِي لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ لَا عَلَى الْبَائِعِ إنْ أَخَذَهَا مِنْهُ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ
مَعْنَاهُ لَا يَرْجِعُ بِمَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَلِّكٌ عَلَيْهِ وَكَانَ كَالْمُشْتَرِي وَجْهُ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَمُسَلَّطٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا غُرُورَ وَلَا تَسْلِيطَ لِلشَّفِيعِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَهَا مِنْهُ جَبْرًا.
(وَإِنْ جَفَّ الشَّجَرُ) بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ (أَوْ انْهَدَمَ الْبِنَاءُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي) بَعْدَ شِرَاءِ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ نَقْضٍ أَوْ خَشَبٍ فَأَمَّا إذَا بَقِيَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ سُقُوطِ بَعْضِ الثَّمَنِ فَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الدَّارِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَعَلَى قِيمَةِ النَّقْضِ يَوْمَ الْأَخْذِ (يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِكُلِّ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ) وَلَا يَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْأَرْضِ حَتَّى يَدْخُلَا فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَلَا يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُتْلِفَ بَعْضُ الْأَرْضِ بِغَرَقٍ حَيْثُ يَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ بِحِصَّتِهِ.
(وَإِنْ هَدَمَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ أَخَذَ الشَّفِيعُ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا) مِنْ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَصَدَ الْإِتْلَافَ فَيَلْزَمُ الْخِيَارُ الْمَذْكُورُ وَنَقْصُ الْأَجْنَبِيِّ كَنَقْضِ الْمُشْتَرِي (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلشَّفِيعِ (أَخْذُ النَّقْضِ) بَلْ هُوَ لِلْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِ مَفْصُولًا وَمَنْقُولًا.
(وَإِنْ شَرَى الْمُشْتَرِي الْأَرْضَ مَعَ شَجَرٍ مُثْمِرٍ) بِأَنْ شَرَطَهُ فِي الْبَيْعِ (أَوْ غَيْرِ مُثْمِرٍ فَأَثْمَرَ فِي يَدِهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ (أَخَذَهَا الشَّفِيعُ مَعَ الثَّمَرِ فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ بِالِاتِّصَالِ خِلْقَةً صَارَ تَبَعًا مِنْ وَجْهٍ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ لِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ كَالْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ فِيهَا (فَإِنْ جَذَّهُ) أَيْ قَطَعَ الثَّمَرَ وَاجْتَنَاهُ (الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَقْتَ الْأَخْذِ حَيْثُ صَارَ مَفْصُولًا عَنْهُ فَلَا يَأْخُذُهُ (وَيَأْخُذُ مَا سِوَاهُ) أَيْ مَا سِوَى الثَّمَرِ (بِالْحِصَّةِ فِي الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَاهَا بِثَمَرِهَا فَيَسْقُطُ مِنْ الثَّمَنِ حِصَّةُ الثَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ مَقْصُودًا فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ (وَبِكُلِّ الثَّمَنِ فِي الثَّانِي) أَيْ فِيمَا أَثْمَرَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَيْ يَأْخُذُ الْأَرْضَ
стр. 1239
وَالنَّخْلَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَدْخُلُ عِنْدَ الْأَخْذِ فِي الْمَبِيعِ إلَّا تَبَعًا فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ
وَفِي التَّنْوِيرِ قَضَى الشُّفْعَةَ لِلشَّفِيعِ لَيْسَ لَهُ تَرْكُهَا الطَّلَبَ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ وَقْتَ انْقِطَاعِ حَقِّ الْبَائِعِ اتِّفَاقًا.
[بَاب مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَة وَمَالًا تجب]
(بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَالَا) تَجِبُ (وَمَا يُبْطِلُهَا) أَيْ الشُّفْعَةَ ذَكَرَ تَفْصِيلَهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْوُجُوبِ مُجْمَلًا؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بَعْدَ الْإِجْمَالِ (إنَّمَا تَجِبُ) أَيْ تَثْبُتُ (الشُّفْعَةُ قَصْدًا فِي عَقَارٍ) إنَّمَا قَالَ قَصْدًا لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ بِتَبَعِيَّةِ الْعَقَارِ كَالثَّمَرِ وَالشَّجَرِ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَقَوْلُهُ (مُلِّكَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ صِفَةُ عَقَارٍ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ (بِعِوَضٍ) عَمَّا إذَا مُلِّكَ بِالْهِبَةِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ فِيهَا بِقَوْلِهِ (هُوَ مَالٌ) عَمَّا إذَا مُلِّكَ بِعِوَضٍ غَيْرِ مَالٍ كَالْمَهْرِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَكُنْ قِسْمَتُهُ كَرَحًى وَحَمَّامٍ وَبِئْرٍ) وَبَيْتٍ صَغِيرٍ لَا يُنْتَفَعُ إذَا قُسِّمَ عِنْدَنَا لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجِوَارِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إذْ عِنْدَهُ لَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تُقَسَّمُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ لِدَفْعِ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ فَلَا يُسْتَحَقُّ إلَّا فِيمَا يُقَسَّمُ.
(فَلَا تَجِبُ) الشُّفْعَةُ (فِي عَرْضٍ وَفُلْكٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَقَارٍ قَالَ النَّبِيُّ ﵊ «لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ» خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي السَّفِينَةِ (وَبِنَاءٍ وَشَجَرٍ بِيعَا) صِفَةُ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ (بِدُونِ الْأَرْضِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْقُولَانِ وَإِنْ بِيعَا مَعَ الْأَرْضِ تَجِبُ فِيهِمَا الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ (وَلَا) تَجِبُ (فِي إرْثٍ وَصَدَقَةٍ) ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَهُمَا لَيْسَ بِمُقَابَلَةِ مَالٍ (وَهِبَةٍ بِلَا عِوَضٍ مَشْرُوطٍ) فِي الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ عُوِّضَ دَارًا أُخْرَى لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ أَيْضًا فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْوِيضَ تَبَرُّعٌ لَا عِوَضٌ حَقِيقَةً عَنْ الْهِبَةِ
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا شَرَطَ الْعِوَضَ تَجِبُ؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ انْتِهَاءٍ كَمَا مَرَّ فِي الْهِبَةِ وَأَمَّا إذَا وَهَبَ لَهُ هِبَةً ثُمَّ عَوَّضَ عَنْهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ لَا تَجِبُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ.
(وَمَا بِيعَ) أَيْ لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي عَقَارٍ بِيعَ (بِخِيَارِ الْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْبَائِعِ (أَوْ) بِيعَ الْعَقَارُ (بَيْعًا فَاسِدًا) يَعْنِي إذَا اشْتَرَى عَقَارًا شِرَاءً فَاسِدًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا أَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلِبَقَاءِ مِلْكِ الْبَائِعِ فِيهَا وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِاحْتِمَالِ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ سَبِيلًا مِنْ فَسْخِهِ (مَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْفَسْخِ) فَإِنْ سَقَطَ حَقُّ الْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ بِخِيَارِ الْبَائِعِ بِأَنْ أُسْقِطَ الْخِيَارُ أَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي فِيهَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَإِنْ اشْتَرَى بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَلَا) تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي عَقَارٍ (فِيمَا قُسِّمَ بَيْنَ
стр. 1240
الشُّرَكَاءِ) ؛ لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْإِفْرَازِ وَلَمْ تُشْرَعْ إلَّا فِي الْمُبَادَلَةِ الْمُطْلَقَةِ (أَوْ) لَا تَجِبُ فِي عَقَارٍ (جُعِلَ أُجْرَةً) بِأَنْ اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا بِدَارٍ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ عِوَضَ الْأُجْرَةِ (أَوْ بَدَلَ خُلْعٍ) بِأَنْ خَالَعَهَا عَلَى دَارٍ دَفَعَهَا إلَيْهَا (أَوْ) بَدَلَ (عِتْقٍ) بِأَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى دَارِ فُلَانٍ فَقَبِلَ الْعَبْدُ (أَوْ) بَدَلَ (صُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ أَوْ) جُعِلَ (مَهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ وَلَا مِثْلٍ لَهَا حَتَّى يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ بِهِ هَذَا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ وَكَذَا تَقَوُّمُ الدَّمِ لِضَرُورَةِ الصِّيَانَةِ عَنْ الْهَدَرِ وَمَا يَثْبُتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَتَعَدَّى عَنْ مَوْضِعِهَا فَلَا تَكُونُ مُتَقَوِّمَةً فِي حَقِّ الشُّفْعَةِ وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَهُوَ إزَالَةُ مَالِيَّةٍ فَكَيْفَ يُقَوَّمُ الْمَالُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَجِبُ فِيهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَعْوَاضَ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُمْ (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (قُوبِلَ بِبَعْضِهِ) أَيْ بِبَعْضِ مَا جُعِلَ بَدَلًا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ (مَالٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ فِيهِ تَابِعٌ فَلَا شُفْعَةَ فِي التَّبَعِ كَمَا لَا شُفْعَةَ فِي الْأَصْلِ (وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ) الشُّفْعَةُ (فِي حِصَّةِ الْمَالِ) حَيْثُ كَانَ فِيهَا مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ.
(وَلَا) تَثْبُتُ (فِيمَا صُولِحَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْعَقَارِ (بِإِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَالَحَ عَنْهَا بِإِنْكَارٍ بَقِيَ الدَّارُ فِي يَدِهِ فَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهَا لَمْ تَزُلْ عَنْ مِلْكِهِ وَكَذَا إذَا صَالَحَ عَنْهَا بِسُكُوتٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَذَلَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَقَطْعًا لِشَغَبِ خَصْمِهِ كَمَا إذَا أَنْكَرَ صَرِيحًا بِخِلَافِ مَا إذَا صَالَحَ عَنْهَا بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَتَجِبُ فِيمَا صُولِحَ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَقَارِ (بِأَحَدِهِمَا) وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا صَالَحَ عَلَى الدَّارِ بِإِقْرَارٍ أَوْ سُكُوتٍ أَوْ إنْكَارٍ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ أَخَذَهَا عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمُدَّعَى بِهِ فَيُعَامَلُ بِزَعْمِهِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا إنَّ تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ بِالْإِنْكَارِ وَالسُّكُوتِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي تَدَبَّرْ.
(وَلَا) تَجِبُ شُفْعَةٌ (فِيمَا سُلِّمَتْ شُفْعَتُهُ ثُمَّ رُدَّ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ بِخِيَارِ عَيْبٍ بِقَضَاءٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَعَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ وَالشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ لَا فِي الْفَسْخِ
قَوْلُهُ بِقَضَاءٍ قَيْدٌ لِلرَّدِّ بِعَيْبٍ سَوَاءٌ كَانَ الرَّدُّ بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ قَبْلَهُ.
(وَمَا رُدَّ بِهِ) أَيْ بِعَيْبٍ (بِلَا قَضَاءٍ أَوْ بِالْإِقَالَةِ تَجِبُ) الشُّفْعَةُ (فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ فِي حَقِّهِمَا لِوِلَايَتِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَقَدْ قَصَدَا وَالْفَسْخُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ لِوُجُودِ حَدِّ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالتَّرَاضِي وَالشَّفِيعُ ثَالِثٌ وَمُرَادُهُ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ فُسِخَ مِنْ الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي التَّبْيِينِ كَلَامٌ وَفِي التَّسْهِيلِ جَوَابٌ فَلْيُطَالَعْ إنْ شِئْت.
وَقَالَ زُفَرُ لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْفَسَخَ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْإِقَالَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
(وَتَجِبُ) الشُّفْعَةُ (فِي الْعُلْوِ وَحْدَهُ وَ) تَجِبُ (فِي السُّفْلِ بِسَبَبِهِ) أَيْ بِسَبَبِ الْعُلْوِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ الْعُلْوِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الْقَرَارِ الْتَحَقَ بِالْعَقَارِ أَمَّا إذَا كَانَ طَرِيقُ الْعُلْوِ فِي السُّفْلِ فَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ بِالطَّرِيقِ لَا مِنْ حَقِّ
стр. 1241
الْقَرَارِ؛ لِأَنَّ شِرْكَةَ الطَّرِيقِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْقَرَارِ.
(وَ) تَجِبُ الشُّفْعَةُ (فِيمَا بِيعَ بِخِيَارِ الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَمْنَعُ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْبَائِعِ بِالِاتِّفَاقِ وَالشُّفْعَةُ تُبْتَنَى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ الْمَبِيعَةِ بِالْخِيَارِ فَالشُّفْعَةُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا) أَمَّا الْبَائِعُ فَلِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الدَّارِ عِنْدَ هَذَا الْبَائِعِ لِلْبَائِعِ فَإِذَا أَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ فَهَذَا نَقْضٌ مِنْهُ لِلْبَيْعِ
وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّ الْمَبِيعَ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْأَخْذِ مُخْتَارًا لِلْبَيْعِ فَيَصِيرُ إجَازَةً فَيَلْزَمُ وَيَمْلِكُ بِهِ الْمَبِيعَ وَكَذَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِالْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ يَكْفِي اسْتِحْقَاقَهُ الشُّفْعَةَ كَالْمَأْذُونِ أَوْ الْمُكَاتَبِ إذَا بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِهِمَا وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَتَكُونُ) الشُّفْعَةُ (إجَازَةً) وَإِسْقَاطًا لِلْخِيَارِ (مِنْ الْمُشْتَرِي) فِي حَقِّ مَبِيعِهِ لِوُجُودِ دَلِيلِ الرِّضَا بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَرَهَا حَيْثُ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ بِأَخْذِ مَا بِيعَ بِجَنْبِهَا بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَا يَبْطُلُ بِصَرِيحِ الْإِبْطَالِ فَكَيْفَ بِدَلَالَتِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَلِشَفِيعِ) الدَّارِ (الْأُولَى أَخْذُهَا) أَيْ أَخْذُ الْأُولَى (مِنْهُ) يَعْنِي إذَا حَضَرَ شَفِيعُ الدَّارِ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ لِأَنَّهُ هُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْ الْمُشْتَرِي لِمَا عُرِفَ أَنَّ الشَّفِيعَ أَوْلَى مِنْ الْمُشْتَرِي (لَا أَخْذُ الثَّانِيَةِ) وَهِيَ الَّتِي أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي بِطَرِيقِ الشُّفْعَةِ لِانْعِدَامِ مِلْكِهِ فِي الْأُولَى حِينَ بِيعَتْ الثَّانِيَةُ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِمِلْكِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً لَهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهَا بِالشُّفْعَةِ.
(وَإِنْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ مَا) أَيْ الدَّارِ الَّتِي (بِيعَتْ) بَيْعًا (فَاسِدًا فَشَفِيعُهَا) أَيْ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ (الْبَائِعُ إنْ بِيعَتْ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي) لِبَقَاءِ مِلْكِهِ فِيهَا (فَإِذَا قَبَضَ) الْمُشْتَرِي (بَعْدَ الْحُكْمِ لَهُ) أَيْ لِلْبَائِعِ (بِهَا) أَيْ بِالشُّفْعَةِ (لَا تَبْطُلُ) الشُّفْعَةُ أَيْ إنْ سَلَّمَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ لَهُ بِهَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِي الْمَشْفُوعَةِ قَدْ تَقَرَّرَ بِالْحُكْمِ فَلَا يَبْطُلُ بِإِخْرَاجِ الْأُولَى عَنْ مِلْكِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي الدَّارَ الْمَبِيعَةَ بِجَنْبِهَا بِالشُّفْعَةِ إذَا كَانَ بَيْعُهَا بَعْدَ قَبْضِهِ لَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ لَهُ قَبْلَهُ.
(وَإِنْ بِيعَتْ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي) الْمَبِيعَةَ فَاسِدًا (فَالشُّفْعَةُ لِلْمُشْتَرِي) لِثُبُوتِ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ (فَإِنْ اسْتَرَدَّ الْبَائِعُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُشْتَرِي (الْمَبِيعَةَ) بِحُكْمِ الْفَسَادِ (قَبْلَ الْحُكْمِ لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي (بِالشُّفْعَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ) لِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ (وَإِنْ) اسْتَرَدَّهَا مِنْهُ (بَعْدَ الْحُكْمِ) لَهُ (بَقِيَتْ الثَّانِيَةُ عَلَى مِلْكِهِ) أَيْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا حِينَ كَانَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ.
(وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ) لِلْعُمُومَاتِ وَلِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي السَّبَبِ وَفِي الْحِكْمَةِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي الذِّمِّيِّ وَالصَّغِيرِ.
(وَكَذَا الْحُرُّ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ) أَيْ سَوَاءٌ
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (فِي مَبِيعِ السَّيِّدِ كَالْعَكْسِ)
стр. 1242
أَيْ لِلْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ شُفْعَةٌ فِي مَبِيعِ السَّيِّدِ كَمَا لِلسَّيِّدِ شُفْعَةٌ فِي مَبِيعِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِمَا لَيْسَ مِلْكَ مَوْلَاهُمَا قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهِ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ حَالَ كَوْنِهِ مَدْيُونًا دَيْنًا مُحِيطًا بِرَقَبَتِهِ وَكَسْبُهُ فِيمَا بَاعَهُ سَيِّدُهُ لِكَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا وَكَذَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِسَيِّدِهِ فِيمَا بَاعَهُ عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ الْمُسْتَغْرَقِ مِلْكٌ لَهُ لَا لِمَوْلَاهُ قِيلَ إحَاطَةُ الدَّيْنِ مَالَهُ وَرَقَبَتَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ يُقَالُ الْإِحَاطَةُ هُنَا قَيْدٌ لَازِمٌ لِظُهُورِ حَقِّ الشُّفْعَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ لِمَوْلَاهُ وَلَا شُفْعَةَ لِمَنْ بِيعَ لَهُ انْتَهَى، فَعَلَى هَذَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ أَطْلَقَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ وَحَمَلَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ لَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي تَدَبَّرْ.
[فَصَلِّ فِيمَا تَبْطُلُ بِهِ الشُّفْعَة]
فَصَلِّ (وَتَبْطُلُ الشُّفْعَةُ بِتَسْلِيمِ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ) أَيْ كُلِّ الْمُشْتَرَاةِ أَوْ بَعْضِهَا إلَى الْبَائِعِ بَعْدَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَبْلَهُ لَا يُبْطِلُهَا أَمَّا تَسْلِيمُهُ الْكُلَّ فَلِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْإِسْقَاطِ وَأَمَّا الْبَعْضَ فَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتًا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ كَمَا مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُ الْبَعْضَ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فَلَا يَتَجَزَّأُ إسْقَاطًا فَيَكُونُ ذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ أَيْ وَلَوْ كَانَ التَّسْلِيمُ (مِنْ الْوَكِيلِ) وَالْمُرَادُ مِنْ الْوَكِيلِ الْوَكِيلُ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ وَأَمَّا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ فَتَسْلِيمُهُ الشُّفْعَةَ صَحِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا سُكُوتُهُ إعْرَاضٌ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ الْوَكِيلُ بِالشُّفْعَةِ إنَّمَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهُ إذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهُ أَصْلًا وَلَوْ أَقَرَّ هَذَا الْوَكِيلُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِأَنَّهُ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْخُصُومَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَهِيَ مَسْأَلَةُ إقْرَارِ الْوَكِيلِ وَمَوْضِعُهَا فِي الْوَكَالَةِ.
(وَ) تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ (بِتَرْكِ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ أَوْ) (التَّقْرِيرِ) حِينَ عُلِمَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ، وَتَرْكُ الطَّلَبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ.
(وَ) تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ (بِالصُّلْحِ) أَيْ صُلْحِ الْمُشْتَرِي الشَّفِيعَ (عَنْ الشُّفْعَةِ عَلَى عِوَضٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقٍّ لَيْسَ بِمَالٍ فَسَقَطَ حَقُّهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشَّفِيعِ (رَدُّهُ) أَيْ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّرًا فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ مُجَرَّدُ التَّمَلُّكِ الْغَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ فَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ رِشْوَةً.
(وَكَذَا) تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ (لَوْ بَاعَ شُفْعَتَهُ بِمَالٍ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالٍ وَحَقُّ الشُّفْعَةِ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ فَكَانَ عِبَارَةً عَنْ الْإِسْقَاطِ مَجَازًا فَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ وَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَقَرِّرٌ وَبِخِلَافِ
стр. 1243
الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ مِلْكٍ فِي الْمَحَلِّ.
(وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلْمُخَيَّرَةِ اخْتَارِينِي بِأَلْفٍ أَوْ قَالَ الْعِنِّينُ لِامْرَأَتِهِ ذَلِكَ) أَيْ تَرَكَ الْفَسْخَ بِأَلْفٍ (فَاخْتَارَتْهُ) أَيْ اخْتَارَتْ الزَّوْجَ (بَطَلَ خِيَارُهَا وَلَا يَجِبُ الْعِوَضُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُقَابِلْهُ حَقٌّ مُتَقَرِّرٌ فَلَا يَكُونُ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ فَلَا يَحِلُّ.
(وَتَبْطُلُ) الشُّفْعَةُ (بِبَيْعِ مَا يَشْفَعُ بِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَهُ) أَيْ لِلشَّفِيعِ (بِهَا) أَيْ بِالشُّفْعَةِ لِزَوَالِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَأَمَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ فَيَكُونُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا وَقْتَ بَيْعِ الْعَقَارِ بِشِرَاءِ الْمَشْفُوعِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْحَالَيْنِ وَكَذَا إبْرَاءُ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إسْقَاطٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِمَوْتِ الشَّفِيعِ) قَبْلَ الْأَخْذِ بَعْدَ الطَّلَبِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا يُورَثُ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ وَالْوَارِثُ يَخْلُفُهُ فِي حُقُوقٍ وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ حَقُّ التَّمْلِيكِ وَهُوَ قَائِمٌ بِالشَّفِيعِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِهِ (لَا) تَبْطُلُ (بِمَوْتِ الْمُشْتَرِي) لِوُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ.
(وَلَا شُفْعَةَ لِمَنْ بَاعَ) صُورَتَهُ وَكُلُّ صَاحِبِ الدَّارِ شَفِيعُهَا بِبَيْعِهَا فَبَاعَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ (أَوْ بِيعَ لَهُ) صُورَتُهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ بَاعَ دَارَ الْمُضَارَبَةِ وَرَبُّ الْمَالِ شَفِيعُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَهُ (أَوْ ضَمِنَ) الشَّفِيعُ (الدَّرَكَ) عَنْ الْبَائِعِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَبْطُلُ لِأَنَّهُ بِضَمَانِهِ لَهُ الدَّرَكَ ضَمِنَ لَهُ أَنْ يُحَصِّلَ لَهُ الدَّارَ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَرْكِهِ لِلشُّفْعَةِ وَفِي أَخْذِهِ بِهَا إبْطَالُ ذَلِكَ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَجِبُ (أَوْ سَاوَمَ الْمُشْتَرِي بَيْعًا أَوْ إجَارَةً) أَوْ طَلَبَ الشَّفِيعُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَنْ يُوَلِّيَهُ عَقْدَ الشِّرَاءِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ.
(وَتَجِبُ) الشُّفْعَةُ (لِمَنْ ابْتَاعَ) قِيلَ بَيَانُهُ لَوْ وَكَّلَ الْمُشْتَرِي شَفِيعَ الدَّارِ بِشِرَائِهَا فَاشْتَرَى فَلَهُ الشُّفْعَةُ (أَوْ اُبْتِيعَ لَهُ) بَيَانُهُ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ دَارًا وَرَبُّ الْمَالِ شَفِيعُهَا بِدَارٍ أُخْرَى كَانَ لَهُ الشُّفْعَةُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ أَوْ الشِّرَاءُ مِنْ الْأَصِيلِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي بُطْلَانِ الشُّفْعَةِ فِي الْأَوَّلِ وَوُجُوبِهَا فِي الثَّانِي.
(وَلَوْ قِيلَ لِلشَّفِيعِ أَنَّهَا) أَيْ الدَّارَ الَّتِي تَثْبُتُ فِيهَا الشُّفْعَةُ لَهُ (بِيعَتْ بِأَلْفِ) دِرْهَمٍ (فَسَلَّمَ) الشَّفِيعُ لِأَجْلِ الِاسْتِكْثَارِ (ثُمَّ بَانَ) أَيْ ظَهَرَ (أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَقَلَّ) مِنْ الْأَلْفِ (أَوْ) ظَهَرَ أَنَّهَا بِيعَتْ (بِكَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ أَوْ عَدَدِيٍّ مُتَقَارِبٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ فَلَهُ) أَيْ لِلشَّفِيعِ (الشُّفْعَةُ) ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ كَانَ لِاسْتِكْثَارِ الثَّمَنِ أَوْ لِتَعَذُّرِ الْجِنْسِ ظَاهِرًا فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الْأَخْذُ لِلتَّيْسِيرِ وَعَدَمِ الرِّضَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ فِي الْأَخْذِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ قَدْرًا أَوْ جِنْسًا فَإِذَا سَلَّمَ عَلَى بَعْضِ وُجُوهِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسْلِيمُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا.
(وَلَوْ بَانَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ أَوْ بِدَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَلْفٌ) أَوْ أَكْثَرُ (فَلَا) شُفْعَةَ لَهُ أَمَّا عَدَمُ الشُّفْعَةِ إنْ ظَهَرَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ مِثْلُ قِيمَتِهِ الَّذِي بَلَغَهُ أَوْ أَكْثَرُ فَلِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ
стр. 1244
الْقِيمَةُ فَلَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ.
وَأَمَّا عَدَمُ الشُّفْعَةِ إنْ ظَهَرَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِدَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَلْفٌ فَلِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ فِي حَقِّ الثَّمَنِيَّةِ وَلِهَذَا يَضُمُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي الزَّكَاةِ.
وَقَالَ زُفَرُ لَهُ الشُّفْعَةُ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ فِي التَّبْيِينِ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَزُفَرَ.
وَفِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَلِهَذَا جَازَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ تَتَبَّعْ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِأَلْفٍ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ إنْ قَلَّ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ.
(وَلَوْ قِيلَ لَهُ) أَيْ لِلشَّفِيعِ (الْمُشْتَرِي فُلَانٌ فَسَلَّمَ) الشُّفْعَةَ (فَبَانَ أَنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ فُلَانٍ (فَلَهُ الشُّفْعَةُ) ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِجِوَارِهِ لَا بِجِوَارِ غَيْرِهِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ.
(وَلَوْ) قِيلَ لَهُ الْمُشْتَرِي فُلَانٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ (بَانَ أَنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (هُوَ) أَيْ فُلَانٌ (مَعَ غَيْرِهِ فَلَهُ الشُّفْعَةُ فِي حِصَّةِ الْغَيْرِ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ.
(وَلَوْ بَلَغَهُ) أَيْ الشَّفِيعَ (بَيْعُ النِّصْفِ فَسَلَّمَ) الشُّفْعَةَ (فَظَهَرَ بَيْعُ الْكُلِّ فَلَهُ الشُّفْعَةُ) فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ النِّصْفَ وَكَانَ حَقُّهُ فِي أَخْذِ الْكُلِّ وَالْكُلُّ غَيْرُ النِّصْفِ فَلَا يَكُونُ إسْقَاطُهُ إسْقَاطًا لِلْكُلِّ وَعَلَّلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ التَّسْلِيمَ لِضَرَرِ الشِّرْكَةِ وَلَا شِرْكَةَ لَكِنْ فِي التَّبْيِينِ هَذَا التَّعْلِيلُ يَسْتَقِيمُ فِي الْجَارِ دُونَ الشَّرِيكِ وَالْأَوَّلُ يَسْتَقِيمُ فِيهِمَا وَأَمَّا إذَا أُخْبِرَ بِشِرَاءِ الْكُلِّ فَسَلَّمَ ثُمَّ ظَهَرَ بِشِرَاءِ النِّصْفِ لَا شُفْعَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي الْكُلِّ تَسْلِيمٌ فِي أَبْعَاضِهِ وَقِيلَ لَهُ الشُّفْعَةُ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْحِيلَةِ فِيهَا فَقَالَ (وَإِنْ بَاعَهَا) أَيْ الدَّارَ (إلَّا ذِرَاعًا) أَيْ مِقْدَارَ ذِرَاعٍ (مِنْ طُولِ) الْجِدَارِ الَّذِي يَلِي (جَانِبَ الشَّفِيعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْجِوَارِ وَلَمْ يُوجَدْ الِاتِّصَالُ بِالْمَبِيعِ وَكَذَا لَوْ وَهَبَ هَذَا الْقَدْرَ لِلْمُشْتَرِي لِعَدَمِ الِالْتِزَاقِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّارِ (سَهْمًا بِثَمَنٍ ثُمَّ شَرَى بَاقِيهَا) أَيْ بَاقِي الدَّارِ (فَالشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ جَارٌ وَالْمُشْتَرِي شَرِيكٌ فِي الْبَاقِي فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَرَادَ الْحِيلَةَ اشْتَرَى السَّهْمَ الْأَوَّلَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إلَّا دِرْهَمًا وَالْبَاقِي بِالدِّرْهَمِ فَلَا يَرْغَبُ الْجَارُ فِي أَخْذِ السَّهْمِ الْأَوَّلِ لِكَثْرَةِ الثَّمَنِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ جَزَّأَ قَلِيلًا كَالْعُشْرِ أَوْ أَقَلَّ مَثَلًا.
(وَإِنْ ابْتَاعَهَا) أَيْ إنْ اشْتَرَى الدَّارَ (بِثَمَنٍ) كَثِيرٍ كَأَلْفٍ (ثُمَّ دَفَعَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الثَّمَنِ (ثَوْبًا) يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ مَثَلًا (أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ لَا بِقِيمَةِ الثَّوْبِ) ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ عِوَضٌ عَمَّا فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ الْبَائِعُ مُشْتَرِيًا بِعَقْدٍ آخَرَ غَيْرِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَهَذِهِ الْحِيلَةُ تَعُمُّ الشَّرِيكَ وَالْجَارَ لَكِنْ فِيهِ ضَرَرُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ الْمَشْفُوعَةُ يَبْقَى كُلُّ الثَّمَنِ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُبَاعَ بِالدِّرْهَمِ الثَّمَنُ دِينَارٌ حَتَّى إذَا اسْتَحَقَّ الْمَشْفُوعَةُ يَبْطُلُ الصَّرْفُ
стр. 1245
فَيَجِبُ رَدُّ الدِّينَارِ لَا غَيْرِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى أَحْسَنُ وَأَسْهَلُ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الدُّورِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ إمَّا بِالْوَزْنِ أَوْ الْإِشَارَةِ مَعَ قَبْضِهِ فُلُوسٍ أُشِيرَ إلَيْهَا وَجَهِلَ قَدْرَهَا وَضَيَّعَ الْفُلُوسَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْلُومٌ حَالَ الْعَقْدِ وَمَجْهُولٌ حَالَ الشُّفْعَةِ فَجَهَالَةُ الثَّمَنِ تَمْنَعُ الشُّفْعَةَ.
(وَلَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ فِي إسْقَاطِهَا) أَيْ الشُّفْعَةِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَالُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَخْذُ بِلَا رِضَاءٍ وَالْحِيلَةُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ مُبَاحٌ وَإِنْ تَضَرَّرَ الْغَيْرُ فِي ضِمْنِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ (وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (يُفْتَى قَبْلَ وُجُوبِهَا) وَإِنْ بَعْدَ وُجُوبِهَا فَمَكْرُوهَةٌ بِالْإِجْمَاعِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُكْرَهُ) ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ حَرَامٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ قِيلَ لَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ لِمَنْعِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي فَصْلِ الزَّكَاةِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنْ لَا تُكْرَهَ فِي الشُّفْعَةِ دُونَ الزَّكَاةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَا حِيلَةَ لِإِسْقَاطِ الْحِيلَةِ لِمَا قَالَ الْبَزَّازِيُّ وَطَلَبْنَاهَا كَثِيرًا فَلَمْ نَجِدْهَا.
(وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حِصَّةِ بَعْضِ الْمُشْتَرِينَ لَا حِصَّةِ بَعْضِ الْبَائِعِينَ) يَعْنِي اشْتَرَى جَمَاعَةٌ عَقَارًا وَالْبَائِعُ وَاحِدٌ يَتَعَدَّدُ الْآخِذُ بِالشُّفْعَةِ بِتَعَدُّدِهِمْ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ بَعْضِهِمْ وَيَتْرُكَ الْبَاقِي وَإِنْ تَعَدَّدَ الْبَائِعُ بِأَنْ بَاعَ جَمَاعَةٌ عَقَارًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ وَالْمُشْتَرِي وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ الْآخِذُ بِالشُّفْعَةِ بِتَعَدُّدِهِمْ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ بَلْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَأْخُذُ الْبَعْضَ تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَتَضَرَّرُ بِهِ زِيَادَةَ الضَّرَرِ بِالْأَخْذِ مِنْهُ وَبِعَيْبِ الشِّرْكَةِ.
وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَقُومُ الشَّفِيعُ مَقَامَ أَحَدِهِمْ فَلَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ إلَّا أَنَّ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يُمْكِنُهُ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إذَا نَقَدَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى يَنْقُدَ الْجَمِيعُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْرِيقِ الْيَدِ عَلَى الْبَائِعِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِينَ أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَتْ يَدُ الْبَائِعِ سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ بَعْضٍ ثَمَنًا أَوْ سَمَّى لِلْكُلِّ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ لَا لِاتِّحَادِ الثَّمَنِ وَاخْتِلَافِهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّعَدُّدِ وَالِاتِّحَادِ لِلْعَاقِدِ دُونَ الْمَالِكِ وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ فَلْيُطَالَعْ.
(وَلِلْجَارِ أَخْذُ بَعْضٍ مُشَاعٍ بِيعَ فَقُسِّمَ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (وَقَعَ فِي غَيْرِ جَانِبِهِ) يَعْنِي اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ دَارٍ غَيْرِ مَقْسُومٍ فَقَاسَمَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ أَخَذَ الشَّفِيعُ نَصِيبَ الْمُشْتَرِي الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِحُكْمٍ أَوْ بِالتَّرَاضِي إذْ الْقِسْمَةُ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْمِيلِ الِانْتِفَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ وَقَاسَمَ الْمُشْتَرِي الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ مِنْ الَّذِي قَاسَمَ فَلَمْ تَكُنْ الْقِسْمَةُ مِنْ تَمَامِ
стр. 1246
الْقَبْضِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَيَنْقُضُهُ الشَّفِيعُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ وَهُمَا شَفِيعَانِ ثُمَّ جَاءَ شَفِيعٌ ثَالِثٌ بَعْدَمَا اقْتَسَمَا بِالْقَضَاءِ أَوْ بِالتَّرَاضِي فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ.
وَفِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ إطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي فِي أَيِّ جَانِبٍ كَانَ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ بِالْقِسْمَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ إذَا وَقَعَ فِي جَانِبِ الدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى جَارًا فِيمَا يَبْقَى فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ.
(وَلِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ فِي مَبِيعِ سَيِّدِهِ وَبِالْعَكْسِ) هَذَا مُسْتَدْرَكٌ لِمَا سَبَقَ قُبَيْلَ الْفَصْلِ بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَهَا فِيمَا سَبَقَ مُقَيَّدَةً بِهَذَا الْقَيْدِ وَاكْتَفَى تَدَبَّرْ.
(وَصَحَّ تَسْلِيمُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ شُفْعَةَ الصَّغِيرِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِيمَا بِيعَ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ) أَيْ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهَا شُفْعَةَ الصَّغِيرِ وَالصَّبِيِّ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا بَلَغَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لَهُ فَلَا يَمْلِكَانِ إبْطَالَهُ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَلَهُمَا أَنَّ هَذِهِ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ وَهُمَا يَمْلِكَانِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ بَيْعًا لِلصَّبِيِّ صَحَّ رَدُّهُ مِنْهُمَا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ بُطْلَانُ الشُّفْعَةِ بِسُكُوتِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالشِّرَاءِ (وَقَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْأَقَلِّ الَّذِي لَا يُتَغَابَنُ فِيهِ) .
وَفِي الْكَافِي إذَا سَلَّمَ الْأَبُ شُفْعَةَ الصَّغِيرِ وَالشِّرَاءُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ بِكَثِيرٍ فَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ التَّسْلِيمَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ عَنْ إدْخَالِهِ فِي مِلْكِهِ لِإِزَالَةٍ عَنْ مِلْكِهِ وَلَمْ يَكُنْ تَبَرُّعًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ بِمَالِهِ وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَفِي التَّبْيِينِ كَلَامٌ فَلْيُطَالَعْ. .
[كِتَابُ الْقِسْمَةِ]
ِ عَقَّبَ بِالشُّفْعَةِ مَعَ اشْتِمَالِ كُلٍّ عَلَى الْمُبَادَلَةِ تَرَقِّيًا مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى لِجَوَازِهَا وَوُجُوبِ الْقِسْمَةِ فِي الْجُمْلَةِ (هِيَ) أَيْ الْقِسْمَةُ لُغَةً بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ الِاقْتِسَامِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ أَوْ مِنْ التَّقْسِيمِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ لَكِنَّ الْأَنْسَبَ بِمَا يَأْتِي مِنْ لَفْظِ الْقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ قَسَّمَهُ بِالْفَتْحِ أَيْ جَزَّأَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الشَّرِيعَةِ (جَمْعُ نَصِيبٍ شَائِعٍ فِي مُعَيَّنٍ) أَيْ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ وَسَبَبُ الْقِسْمَةِ طَلَبُ الشُّرَكَاءِ أَوْ بَعْضِهِمْ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِهِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ حَتَّى إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ الطَّلَبُ لَا تَصِحُّ الْقِسْمَةُ وَرُكْنُهَا هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الْإِفْرَازُ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَنْصِبَاءِ كَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْعَدَدِ وَالذَّرْعِ وَشَرْطُهَا عَدَمُ فَوْتِ الْمَنْفَعَةِ بِالْقِسْمَةِ فَإِنْ فَاتَتْ بِهَا لَا تُقَسَّمُ جَبْرًا كَالْبِئْرِ وَالرَّحَى وَالْحَمَّامِ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ فَإِذَا أَدَّتْ إلَى فَوَاتِهَا لَمْ يُجْبَرْ وَحُكْمُهَا تَعْيِينُ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْ الشُّرَكَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْأَعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ -
стр. 1247
بَاشَرَهَا فِي الْمَغَانِمِ وَالْمَوَارِيثِ وَجَرَى التَّوَارُثُ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
(وَتَشْتَمِلُ) أَيْ الْقِسْمَةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْمِثْلِيَّاتِ أَوْ الْقِيَمِيَّاتِ (عَلَى) مَعْنَى (الْإِفْرَازِ) وَهُوَ أَخْذُ عَيْنِ حَقِّهِ (وَالْمُبَادَلَةِ) وَهِيَ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْ حَقِّهِ (وَالْإِفْرَازُ) وَهُوَ التَّمْيِيزُ (أَغْلَبُ) أَيْ أَرْجَحُ (فِي الْمِثْلِيَّاتِ) كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ الْمُتَقَارِبِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا ثُمَّ فَرَّغَ بِقَوْلِهِ (فَيَأْخُذُ الشَّرِيكُ حَظَّهُ) أَيْ نَصِيبَهُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ (حَالَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ) فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لِكَوْنِهِ عَيْنَ حَقِّهِ.
(وَلَوْ اشْتَرَيَاهُ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ رَاجِعٌ إلَى الْمِثْلِيِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمِثْلِيَّاتِ (فَاقْتَسَمَاهُ فَلِكُلٍّ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ مُرَابَحَةً) وَتَوْلِيَةً (بِحِصَّةِ ثَمَنِهِ) وَلَوْ كَانَتْ مُبَادَلَةً لَمَا جَازَ هَذَا.
وَفِي الِاخْتِيَارِ فَلَا يَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ لَهُ كَانَ لَهُ بَعْضُهُ وَبَعْضُهُ لِشَرِيكِهِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ وُصُولَ مِثْلِ حَقِّهِ إلَيْهِ كَوُصُولِ عَيْنِ حَقِّهِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ.
(وَالْمُبَادَلَةُ) أَيْ الْإِعْطَاءُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (أَغْلَبُ فِي غَيْرِهَا) أَيْ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ مِنْ الْعَقَارِ وَسَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا (فَلَا يَأْخُذُهُ) أَيْ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ حَالَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَأَنَّهُ أَخَذَ عَيْنَ حَقِّهِ لِعَدَمِ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَهُمَا (وَلَا يَبِيعُ) حِصَّتَهُ (مُرَابَحَةً بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ الْقِسْمَةِ) وَلَوْ كَانَتْ إفْرَازًا جَازَ (وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْقِسْمَةِ (فِيهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ (بِطَلَبِ الشَّرِيكِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ) فَحَسْبُ لِمَعْنَى الْإِفْرَازِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ طَلَبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَخُصَّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ (لَا فِي غَيْرِهِ) أَيْ لَا يُجْبَرُ فِي غَيْرِهِ عَلَى الْقِسْمَةِ لِتَعَذُّرِ الْمُبَادَلَةِ بِاعْتِبَارِ فُحْشِ التَّفَاوُتِ؛ لِأَنَّ مَا يُوَفِّيهِ لَيْسَ عَيْنَ حَقِّهِ بَلْ هُوَ عِوَضُ حَقِّهِ فَيَلْزَمُ مِنْ الرِّضَا وَلَوْ تُوَقَّفُوا عَلَيْهَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ هَذَا إذَا أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ بِدُونِ الْمُبَادَلَةِ يُجْبَرُ عَلَى الْمُبَادَلَةِ كَمَا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ.
(وَنُدِبَ لِلْقَاضِي نَصْبُ) رَجُلٍ (قَاسِمٍ) يَكُونُ (رِزْقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لِلْعَامَّةِ كَالْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ وَالْمُقَاتِلَةِ فَتَكُونُ كِفَايَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِمَصَالِحِهِمْ كَنَفَقَةِ هَؤُلَاءِ (لِيَقْسِمَ بِلَا) أَخْذِ (أَجْرٍ) مِنْهُمْ لِكَوْنِهِ أَرْفَقَ لِلْأَنَامِ وَأَبْعَدَ مِنْ التُّهْمَةِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ لَمْ يُنَصِّبْ قَاسِمًا رِزْقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النَّصْبَ غَيْرُ وَاجِبٍ حَتَّى يَجِبَ النَّصْبُ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُنَصِّبَ وَأَنْ لَا يُنَصِّبَ فَإِنْ لَمْ يُنَصِّبْ (يُنَصِّبُ قَاسِمًا يَقْسِمُ) بَيْنَ النَّاسِ (بِأَجْرٍ) عَلَى الْمُتَقَاسِمِينَ؛ لِأَنَّ النَّفْعَ لَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ وَلَيْسَتْ بِقَضَاءٍ حَقِيقَةً حَتَّى لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ الْأَجْرَ عَلَى الْقِسْمَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ عَلَى الْقَضَاءِ (يُقَدِّرُهُ) أَيْ أَجْرَ الْمِثْلِ (لَهُ) أَيْ لِلْقَاسِمِ (الْقَاضِي) لِئَلَّا يَطْمَعَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَيَتَحَكَّمَ
стр. 1248
بِالزِّيَادَةِ ثُمَّ إنَّ الْأَجْرَ هُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ وَلَيْسَ لَهُ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ وَقِيلَ يُقَدَّرُ الْأَجْرُ بِرُبْعِ الْعُشْرِ كَالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا عَمَلُ الْعَامَّةِ فَأَشْبَهَ الزَّكَاةَ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِابْنِ الشَّيْخِ (وَهُوَ) أَيْ أَجْرُ الْمِثْلِ (عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ) أَيْ رُءُوسِ الْمُتَقَاسِمِينَ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ تَمْيِيزَ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَكْثَرِ كَتَمْيِيزِ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ فِي الْمَشَقَّةِ (وَعِنْدَهُمَا عَلَى قَدْرِ السِّهَامِ) ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْبَغُ الْمَالِكِيُّ.
(وَأُجْرَةُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ عَلَى قَدْرِ السِّهَامِ إجْمَاعًا إنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ (لِلْقِسْمَةِ) ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ مُقَابِلُ الْعَمَلِ بِعَمَلِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ لَا بِالتَّمْيِيزِ.
(وَإِنْ) كَانَ (لَهَا) أَيْ لِلْقِسْمَةِ (فَعَلَى الْخِلَافِ) حَيْثُ تَجِبُ الْأُجْرَةُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا عَلَى قَدْرِ السِّهَامِ.
(وَيَجِبُ كَوْنُهُ) أَيْ الْقَاسِمِ (عَدْلًا أَمِينًا عَالِمًا بِالْقِسْمَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ الْقُضَاةِ وَيُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ فَتُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَالْأَمَانَةُ وَالْعِلْمُ بِهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَمَانَةَ بَعْدَ الْعَدَالَةِ وَهِيَ مِنْ لَوَازِمِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ظَاهِرِ الْأَمَانَةِ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ بِتَمَامٍ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَدَالَةِ يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَهَا كَمَا لَا يَخْفَى تَأَمَّلْ.
كَمَا قَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا.
(وَلَا يُجْبَرُ النَّاسُ عَلَى قَاسِمٍ وَاحِدٍ) أَيْ لَا يُعَيِّنُ الْقَاضِي قَاسِمًا وَاحِدًا لِلْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَكَّمُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ (وَلَا يَتْرُكُ الْقُسَّامُ) جَمْعُ قَاسِمٍ (لِيَشْتَرِكُوا) أَيْ يَمْنَعَهُمْ الْقَاضِي مِنْ الِاشْتِرَاكِ كَيْ لَا تَصِيرَ الْأُجْرَةُ غَالِيَةً بِتَوَاكُلِهِمْ وَعِنْدَ عَدَمِ الشِّرْكَةِ يَتَبَادَرُ كُلٌّ مِنْهُمْ إلَيْهِ خِيفَةَ الْفَوْتِ فَيَرْخُصُ الْأَجْرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ (وَصَحَّ الِاقْتِسَامُ بِأَنْفُسِهِمْ) بِالتَّرَاضِي (بِلَا أَمْرِ الْقَاضِي) لِوِلَايَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
(وَيُقَسِّمُ عَلَى الصَّبِيِّ وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ) كَالْبَيْعِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا (فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرِ الْقَاضِي) أَيْ نَصْبِ الْقَاضِي لَهُ مَنْ يَقْسِمُ. قَوْلُهُ وَيَقْسِمُ إلَى هُنَا كَلَامُ صَاحِبِ الِاخْتِيَارِ لَكِنْ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَصَحَّتْ بِرِضَا الشُّرَكَاءِ إلَّا عِنْدَ صِغَرِ أَحَدِهِمْ وَلَا نَائِبَ عَنْهُ وَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ جُنُونِ أَحَدِهِمْ.
(وَلَا يُقَسَّمُ عَقَارٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ بِإِقْرَارِهِمْ) أَيْ لَوْ ادَّعَى الشُّرَكَاءُ إرْثَ الْعَقَارِ عَنْ زَيْدٍ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ بِاعْتِرَافِهِمْ (مَا لَمْ يُبَرْهِنُوا عَلَى الْمَوْتِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَةَ مُبْقَاةٌ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ وَالْقِسْمَةُ قَضَاءٌ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمُقِرِّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ لِكَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى الْمَيِّتِ مَعَ أَنَّ الْعَقَارَ مُحَصَّنٌ بِنَفْسِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِسْمَةِ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ بِنَفْسِهِ (وَعِنْدَهُمَا يَقْسِمُ) بِاعْتِرَافِهِمْ وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّهُ قَسَمَهَا بِقَوْلِهِمْ لِيَقْتَصِرَ الْحُكْمُ
стр. 1249
بِالْقِسْمَةِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَعَدَّى إلَى شَرِيكٍ لَهُمْ آخَرَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي قَوْلٍ (وَغَيْرُ الْعَقَارِ يُقَسَّمُ إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ نَظَرًا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الْحِفْظِ كَمَا مَرَّ.
(وَكَذَا الْعَقَارُ الْمُشْتَرَى) يُقَسَّمُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُقَسَّمُ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي أَيْدِيهِمْ وَالْمِلْكُ لِلْغَيْرِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (وَالْمَذْكُورُ مُطْلَقُ مِلْكِهِ) أَيْ يُقَسَّمُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا ادَّعَوْا الْمِلْكَ وَلَمْ يَذْكُرُوا كَيْفِيَّةَ انْتِقَالِهِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِسْمَةِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَيْرِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا بِالْمِلْكِ لِغَيْرِهِمْ فَيَكُونُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ فَيَجُوزُ.
(وَإِنْ بَرْهَنَا) أَيْ أَقَامَ رَجُلَانِ بَيِّنَةً (أَنَّ الْعَقَارَ فِي أَيْدِيهِمَا) وَطَلَبَا الْقِسْمَةَ (لَا يَقْسِمُ حَتَّى يُبَرْهِنَا) أَيْ حَتَّى يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ (أَنَّهُ) أَيْ الْعَقَارَ مِلْكٌ (لَهُمَا) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِمَا قَالَ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِعَيْنِهَا هِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ وَالْمَذْكُورُ مُطْلَقُ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِيهَا أَنْ يَدَّعُوا الْمِلْكَ وَلَمْ يَذْكُرُوا كَيْفَ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُمْ وَهُوَ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ وَشَرَطَ هُنَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَإِنْ كَانَ قَصْدُ الشَّيْخِ تَعْيِينَ الرِّوَايَتَيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَتَقَعُ الْمَسْأَلَةُ مُكَرَّرَةً يُتَحَاشَى عَنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ انْتَهَى.
(وَلَوْ بَرْهَنُوا عَلَى الْمَوْتِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ وَالْعَقَارُ فِي أَيْدِيهِمْ وَمَعَهُمْ وَارِثٌ غَائِبٌ أَوْ صَبِيٌّ قُسِّمَ) الْعَقَارُ بَيْنَهُمْ بِطَلَبِ الْحَاضِرِينَ هَكَذَا وَقَعَ فِي الْوِقَايَةِ وَالْهِدَايَةِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ قِيلَ هَذَا سَهْوٌ وَالصَّحِيحُ فِي أَيْدِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ لَكَانَ الْبَعْضُ فِي يَدِ الطِّفْلِ أَوْ الْغَائِبِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُقَسَّمُ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجَمْعَ وَأَرَادَ الْمُثَنَّى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَارِثَانِ وَأَقَامَا لَكِنَّهُ مُلْتَبِسٌ انْتَهَى هَذِهِ الْقَرِينَةُ وَقَعَتْ فِي عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ لَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَبَرْهَنُوا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَلَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ تَدَبَّرْ (وَنَصْبُ وَكِيلٍ) لِلْغَائِبِ (أَوْ وَصِيٍّ) لِلصَّبِيِّ (لِقَبْضِ) الْوَكِيلِ (حِصَّةَ الْغَائِبِ أَوْ) لِقَبْضِ الْوَصِيِّ حِصَّةَ (الصَّبِيِّ) ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا نَظَرًا لِلْغَائِبِ وَالصَّبِيِّ وَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يُقَسِّمُ بِقَوْلِهِمْ كَمَا مَرَّ.
(وَلَوْ كَانَ الْعَقَارُ فِي يَدِ الْغَائِبِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَقَارِ الْغَائِبِ (أَوْ) كَانَ (فِي يَدِ مُودِعِهِ أَوْ) كَانَ (فِي يَدِ الصَّغِيرِ لَا يُقَسَّمُ) ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ أَوْ الطِّفْلِ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ عَنْهُمَا وَأَمِينُ الْخَصْمِ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْهُ فِيمَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ هُنَا أَوْ لَا.
(وَكَذَا) لَا يُقَسِّمُ (لَوْ حَضَرَ وَارِثٌ وَاحِدٌ) وَبَرْهَنَ عَلَى الْمَوْتِ وَالْعَدَدُ وَالْبَاقِي غَائِبٌ عَنْ النَّظَرِ أَوْ صَبِيٌّ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مُخَاصِمًا وَمُخَاصَمًا فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ (أَوْ كَانُوا مُشْتَرَيْنَ وَغَابَ أَحَدُهُمْ) أَيْ لَا يَقْسِمُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ مِلْكٌ جَدِيدٌ بِسَبَبٍ بَاشَرَهُ فَلَا يَصْلُحُ الْحَاضِرُ خَصْمًا
стр. 1250
عَنْ الْغَائِبِ بِخِلَافِ الْإِرْثِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ فِيهِ مِلْكُ خِلَافِهِ فَانْتَصَبَ أَحَدُهُمَا خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا فِي يَدِهِ وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَتْ الْقِسْمَةُ قَضَاءً بِحَضْرَةِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَصَحَّ الْقَضَاءُ لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ وَفِي الشِّرَاءِ قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ غَائِبٍ فَلَا يُقْبَلُ وَلَا يُقْضَى.
(وَإِذَا انْتَفَعَ كُلُّ) وَاحِدٍ (مِنْ الشُّرَكَاءِ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ قَسَمَ بِطَلَبِ أَحَدِهِمْ) ؛ لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ تَكْمِيلَ الْمَنْفَعَةِ وَكَانَتْ حَتْمًا لَازِمًا فِيمَا يَحْتَمِلُهَا.
(وَإِنْ تَضَرَّرَ الْكُلُّ) بِالْقِسْمَةِ كَالْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ (لَا يَقْسِمُ إلَّا بِرِضَاهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ.
وَفِي هَذَا تَفْوِيتُهُ فَيَعُودُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ (وَإِنْ انْتَفَعَ الْبَعْضُ) لِكَثْرَةِ نَصِيبِهِ (دُونَ الْبَعْضِ) بَلْ تَضَرَّرَ لِقِلَّةِ حَظِّهِ (قَسَمَ بِطَلَبِ ذِي النَّفْعِ) ؛ لِأَنَّهُ طَالِبُ تَكْمِيلِ مَنْفَعَةِ مِلْكٍ (لَا بِطَلَبِ الْآخَرِ) وَ (هُوَ الْأَصَحُّ) هَذَا قَوْلُ الْخَصَّافِ وَالْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فَهُوَ مُتَعَنِّتٌ فِي طَلَبِ الْقِسْمَةِ حَيْثُ يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يَنْفَعُهُ.
وَفِي الدُّرَرِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَذَكَرَ الْخَصَّافُ عَكْسَهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَثِيرِ يَطْلُبُ ضَرَرَ صَاحِبِهِ وَصَاحِبَ الْقَلِيلِ يَرْضَى بِضَرَرِهِ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّ أَيَّهمَا طَلَبَ الْقِسْمَةَ قَسَمَ الْقَاضِي قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمَعْرُوفِ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْمِنَحِ يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَوْضُوعَةُ لِنَقْلِ الْمَذْهَبِ فَلَا يُعَارِضُهُ مَا فِي الْفَتَاوَى وَإِنَّمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يُعَارِضْهَا كُتُبُ الْأُصُولِ وَهِيَ الْمَوْضُوعَةُ لِنَقْلِ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا مَعَ مُعَارَضَتِهَا لَهَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ.
(وَيَقْسِمُ الْعُرُوضَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ) أَيْ يَقْسِمُ الْقَاضِي عُرُوضًا إذَا اتَّحَدَ جِنْسُهَا بِطَلَبِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ جَبْرًا لِوُجُودِ الْمُعَادَلَةِ بِالْمَالِيَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ (وَلَا يَقْسِمُ) الْقَاضِي (الْجِنْسَيْنِ) بِإِعْطَاءِ (بَعْضِهِمَا فِي بَعْضٍ) لِعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ بَيْنَهُمَا فَلَا تَكُونُ الْقِسْمَةُ تَمْيِيزًا بَلْ مُعَاوَضَةً وَلَا بُدَّ فِيهَا عَنْ التَّرَاضِي وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ.
(وَلَا) يَقْسِمُ الْقَاضِي (الْجَوَاهِرَ) مُطْلَقًا لِأَنَّ جَهَالَتَهَا مُتَفَاحِشَةٌ لِتَفَاوُتِهَا قِيمَةً وَقِيلَ لَا يَقْسِمُ الْكِبَارَ وَيَقْسِمُ الصِّغَارَ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ وَقِيلَ لَا يَقْسِمُ الْجَوَاهِرَ إنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْجِنْسِ كَاللَّآلِئِ وَالْيَوَاقِيتِ.
(وَلَا) يَقْسِمُ (الْحَمَّامَ وَلَا الْبِئْرَ وَلَا الرَّحَى وَلَا الثَّوْبَ الْوَاحِدَ وَلَا الْحَائِطَ بَيْنَ دَارَيْنِ إلَّا بِرِضَاهُمْ) اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَقْسِمُ الْجِنْسَيْنِ إلَى هُنَاكَ أَيْ إلَّا بِرِضَا الشُّرَكَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِهِمْ.
(وَكَذَا) لَا يَقْسِمُ (الرَّقِيقَ) لَا بِرِضَاهُمْ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ فَصَارَ كَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْغَنَمِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَلَهُ أَنَّ قِسْمَةَ الرَّقِيقِ لِمَعَانِيهَا الْبَاطِنَةِ مُتَعَذِّرٌ وَلَا وُقُوفَ عَلَيْهَا وَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ فَلَا يَقْسِمُ إلَّا بِتَرَاضٍ بِخِلَافِ الْحَيَوَانَاتِ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَبِخِلَافِ الْمَغْنَمِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ لَا بِالْعَيْنِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا
стр. 1251
إذَا كَانَ الرَّقِيقُ وَحْدَهُمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ الْعُرُوضِ وَهُمْ ذُكُورٌ فَقَطْ أَوْ إنَاثٌ فَقَطْ وَأَمَّا إذَا كَانُوا مُخْتَلَطِينَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لَا يَقْسِمُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّقِيقِ شَيْءٌ آخَرُ مِمَّا يُقَسَّمُ جَازَتْ الْقِسْمَةُ فِي الرَّقِيقِ تَبَعًا لِغَيْرِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَالدُّورُ) الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كُلُّهَا (فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ يَقْسِمُ كُلَّ) وَاحِدَةٍ (عَلَى حِدَتِهِ) إلَّا بِتَرَاضِي الشُّرَكَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا قِسْمَةُ فَرْدٍ لَا قِسْمَةُ جَمْعٍ؛ لِأَنَّ الدُّورَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ بِوُجُوهِ السُّكْنَى وَإِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا نَظَرًا إلَى أَصْلِ السُّكْنَى فَيُوجَدُ فُحْشُ التَّفَاوُتِ بِاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ وَالْجِيرَانِ وَالْقُرْبِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمَاءِ وَالسُّوقِ (وَقَالَا إنْ كَانَ الْأَصْلَحُ قِسْمَةَ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ جَازَ) أَنْ يَقْسِمَ هَذَا عَلَى الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ اسْمًا وَصُورَةً وَنَظَرًا إلَى أَصْلِ السُّكْنَى وَأَجْنَاسٌ نَظَرًا إلَى اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَتَفَاوُتِ مَنْفَعَةِ السُّكْنَى فَكَانَ أَمْرُهَا مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِ الْقَاضِي إنْ شَاءَ قَسَمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْسِمْ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْأَقْرِحَةُ الْمُتَفَرِّقَةُ أَوْ الْكَرْمُ الْمُشْتَرَكَةُ (وَفِي مِصْرَيْنِ يُقَسَّمُ كُلٌّ عَلَى حِدَتِهِ اتِّفَاقًا) فِيمَا رَوَاهُ هِلَالٌ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَتْ أَحَدُهُمَا بِالرَّقَّةِ وَالْأُخْرَى بِالْبَصْرَةِ قُسِّمَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(وَكَذَا) لَا يُقَسَّمُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى (دَارٌ وَضِيعَةٌ أَوْ دَارٌ وَحَانُوتٌ) فِي مِصْرٍ بَلْ يُقَسَّمُ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالِاتِّفَاقِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ جَعَلَ الدَّارَ وَالْحَانُوتَ هُنَا جِنْسَيْنِ وَذَكَرَ فِي إجَارَاتِ الْأَصْلِ أَنَّ إجَارَةَ مَنَافِعِ الدَّارِ بِمَنَافِعِ الْحَانُوتِ لَا تَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَيُجْعَلُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ أَوْ تُبْنَى حُرْمَةُ الرِّبَا هُنَالِكَ عَلَى شُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ بِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ مَنْفَعَتِهِمَا وَهِيَ السُّكْنَى.
وَفِي الْكَافِي أَنَّ هَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اعْتِبَارِ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الشُّبْهَةُ لَا النَّازِلُ عَنْهَا وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ أَوْ يَكُونَ مِنْ مُشْكِلَاتِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ وَحَاشِيَتِهِ لِمَوْلَى سَعْدِيٍّ جَوَابٌ فَلْيُطَالَعْ.
(وَالْبُيُوتُ فِي مُحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي مَحَلَّاتٍ يَجُوزُ قِسْمَةُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْبُيُوتِ يَسِيرٌ (وَالْمَنَازِلُ الْمُتَلَاصِقَةُ) بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ (كَالْبُيُوتِ) أَيْ يَجُوزُ قِسْمَةُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ.
(وَ) الْمَنَازِلُ (الْمُتَبَايِنَةُ) بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ (كَالدُّورِ) أَيْ لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ بَلْ يُقَسَّمُ كُلُّ مَنْزِلٍ عَلَى حِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارٍ أَوْ مَحَالَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَفَاوَتُ فِي السُّكْنَى لَكِنْ دُونَ الدَّارِ وَفَوْقَ الْبَيْتِ فَأَخَذَ شَبَهًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَإِنْ تَلَازَقَتْ فَقِسْمَةُ فَرْدٍ وَإِلَّا فَقِسْمَةُ جَمْعٍ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَإِذَا قُسِّمَتْ الدَّارُ تُقَسَّمُ الْعَرْصَةُ بِالذِّرَاعِ وَالْبِنَاءُ بِالْقِيمَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَضَّلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ تَحْقِيقًا لِلْمُعَادَلَةِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى أَوْ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ تَعَذُّرِ الصُّورَةِ.
стр. 1252
[فَصَلِّ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ]
(وَيَنْبَغِي لِلْقَاسِمِ أَنْ يُصَوِّرَ) عَلَى قِرْطَاسٍ أَوْ نَحْوِهِ (مَا يَقْسِمُهُ) لِيُمْكِنَهُ حِفْظُهُ وَإِصَابَتُهُ (وَيُعَدِّلُهُ) أَيْ يُسَوِّي مَا قَسَمَهُ عَلَى سِهَامِ الْقِسْمَةِ (وَيُذَرِّعُهُ) أَيْ يُذَرِّعُ مَا قَسَمَهُ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ بِأَنْ يُصَوِّرَ الذُّرْعَانَ عَلَى ذَلِكَ الْقِرْطَاسِ بِقَلَمِ الْجَدْوَلِ فَيَكُونُ كُلُّ ذِرَاعٍ فِي ذِرَاعٍ بِشَكْلِ لَبِنَةٍ (وَيُقَوِّمُ بِنَاءَهُ) إذْ التَّقْوِيمُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ بِالْآخِرَةِ (وَيَفْرِزُ كُلَّ نَصِيبٍ بِطَرِيقِهِ وَشِرْبِهِ) ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ وَبِهِ يَكْمُلُ وَلِارْتِفَاعِ النِّزَاعِ هَذَا مَا هُوَ الْأَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَ وَلِذَا يَجُوزُ تَرْكُهُ (وَيُلَقِّبُ الْأَنْصِبَاءَ) جَمْعُ نَصِيبٍ (بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ) وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَهَلُمَّ جَرًّا (وَيَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ) أَيْ أَسَامِي الشُّرَكَاءِ وَيَجْعَلُهَا بِطَاقَاتٍ وَيَطْوِي كُلَّ بِطَاقَةٍ وَيَجْعَلُهَا شِبْهَ الْبُنْدُقَةِ وَيُدْخِلُهَا فِي طُنَّيْنِ ثُمَّ يُخْرِجُهَا ثُمَّ يَدْلُكُهَا ثُمَّ يَجْعَلُهَا فِي وِعَاءٍ أَوْ فِي كُمِّهِ ثُمَّ يُخْرِجُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ (وَيُقْرِعُ) لِتَطْيِيبِ الْمَقْلُوبِ (فَالْأَوَّلُ لِمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ أَوَّلًا وَالثَّانِي لِمَنْ خَرَجَ ثَانِيًا وَالثَّالِثُ لِمَنْ خَرَجَ ثَالِثًا) إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْأَخِيرِ قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَيَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى الْقُرْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيَبْدَأُ الْقِسْمَةَ مِنْ أَيِّ طَرَفٍ كَانَ فَإِنْ جَعَلَ الطَّرَفَ الشَّرْقِيَّ أَوَّلًا يَجْعَلُ مَا يَلِيه ثَانِيًا ثُمَّ مَا يَلِيه ثَالِثًا فَيُخْرِجُ الْقُرْعَةَ الْمَكْتُوبَةَ فَيُعْطِي السَّهْمَ لِمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فِيهَا أَوَّلًا وَالثَّانِي لِمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ ثَانِيًا وَالثَّالِثُ ثَالِثًا بِلَا حَاجَةٍ إلَى إخْرَاجِ قُرْعَةٍ إذْ بَقِيَ لَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ بِلَا مُنَازِعٍ هَذَا فِي السِّهَامِ الْمُتَسَاوِيَةِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً بِأَنْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مَثَلًا نِصْفٌ وَلِلثَّانِي سُدُسٌ وَلِلثَّالِثِ ثُلُثٌ فَيَجْعَلُ السِّهَامَ سِتَّةً فَإِنْ خَرَجَ فِي الْقُرْعَةِ الْأُولَى اسْمُ مَنْ لَهُ الثُّلُثُ اتِّفَاقًا فَلَهُ السَّهْمَانِ أَحَدُهُمَا هُوَ الْمُلَقَّبُ بِالْأَوَّلِ فِي طَرَفٍ شَرْقِيٍّ وَالْآخَرُ مَا يَلِيه تَتْمِيمًا لِحَقِّهِ ثُمَّ إنْ خَرَجَ فِي الدَّفْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْمُ مَنْ لَهُ النِّصْفُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ عَلَى الِاتِّصَالِ فَيَبْقَى سَهْمٌ وَاحِدٌ لِمَنْ لَهُ السُّدُسُ بِلَا إخْرَاجِ قُرْعَةٍ وَالْقُرْعَةُ هُنَا لِإِزَالَةِ تُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ الْقَسَّامِ أَوْ الْقَاضِي فِي إعْطَاءِ كُلٍّ سِهَامَهُ لَا فِي أَصْلِ الِاقْتِسَامِ فَمَعْنَى الْقِمَارِ يَسْقُطُ عَنْ الِاعْتِبَارِ.
(وَلَا تَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ إلَّا بِرِضَاهُمْ) صُورَتُهُ دَارٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَأَرَادُوا قِسْمَتَهَا وَفِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَضْلُ بِنَاءٍ فَأَرَادَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَكُونَ عِوَضُ الْبِنَاءِ دَرَاهِمَ وَأَرَادَ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ عِوَضُهُ مِنْ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ عِوَضَ الْبِنَاءِ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا يُكَلَّفُ الَّذِي وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِهِ أَنْ يَرُدَّ بِإِزَاءِ الْبِنَاءِ مِنْ الدَّرَاهِمِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ فَحِينَئِذٍ لِلْقَاضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ وَالشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الدَّارِ لَا فِي الدَّرَاهِمِ فَلَا تَجُوزُ قِسْمَةُ مَا لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَقْسِمُ الْكُلَّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ إذَا كَانَ أَرْضًا وَبِنَاءً لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيلِ إلَّا بِالْقِيمَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَقْسِمُ الْأَرْضَ بِالْمِسَاحَةِ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْمَسْمُوحَاتِ فَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ
стр. 1253
أَجْوَدَ أَوْ وَقَعَ لَهُ الْبِنَاءُ يَرُدُّ عَلَى الْآخَرِ دَرَاهِمَ حَتَّى يُسَاوِيهِ فَيُدْخِلُ الدَّرَاهِمَ فِي الْقِسْمَةِ ضَرُورَةً كَالْأَخِ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي الْمَالِ ثُمَّ يَمْلِكُ تَسْمِيَةَ الصَّدَاقِ ضَرُورَةَ التَّزْوِيجِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى شَرِيكِهِ مِنْ الْأَرْضِ فِي مُقَابَلَةِ الْبِنَاءِ فَإِذَا بَقِيَ فَضْلٌ وَلَا يُمْكِنُ التَّسْوِيَةُ بِأَنْ لَا تَفِيَ الْأَرْضُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ فَحِينَئِذٍ يَرُدُّ فِي مُقَابَلَةِ الْفَضْلِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي هَذَا الْقَدْرِ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ وَأَوْفَقُ لِلْأُصُولِ.
(فَإِنْ وَقَعَ مَسِيلُ) مَاءٍ (أَوْ طَرِيقُ) الْمُرُورِ (لِأَحَدِهِمْ فِي نَصِيبِ آخَرَ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَشْتَرِطْ) ذَلِكَ (فِي الْقِسْمَةِ صُرِفَ) الْمَسِيلُ أَوْ الطَّرِيقُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْآخَرِ (إنْ أَمْكَنَ) صَرْفُهُ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْقِسْمَةِ وَهُوَ قَطْعُ الِاشْتِرَاكِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صَرْفُهُ عَنْهُ (فُسِخَتْ) الْقِسْمَةُ بِالْإِجْمَاعِ لِاخْتِلَالِهَا وَتُسْتَأْنَفُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ.
(وَيَقْسِمُ) الْقَاضِي (سَهْمَيْنِ مِنْ الْعُلْوِ بِسَهْمٍ مِنْ السُّفْلِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) يَقْسِمُ (سَهْمًا بِسَهْمٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْسِمُ بِالْقِيمَةِ) كَمَا إذَا كَانَ عُلْوٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَسُفْلُهُ لِرَجُلٍ أَوْ سُفْلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَعُلْوُهُ لِآخَرَ وَطَلَبَا الْقِسْمَةَ أَوْ أَحَدُهُمَا قَالَ الْإِمَامُ يُحْسَبُ ذِرَاعٌ مِنْ السُّفْلِ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلْوِ؛ لِأَنَّ السُّفْلَ يَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْعُلْوِ وَالْعُلْوَ لَا يَبْقَى بَعْدَ فَنَاءِ السُّفْلِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُحْسَبُ ذِرَاعٌ مِنْ السُّفْلِ بِذِرَاعٍ مِنْ الْعُلْوِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ السُّكْنَى وَقَدْ اسْتَوَيَا فِيهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُقَوَّمُ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ وَيَقْسِمُ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ الْأَوْقَاتِ فَفِي الصَّيْفِ يَخْتَارُ الْعُلْوَ وَفِي الشِّتَاءِ السُّفْلَ فَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ إلَّا بِالْقِيمَةِ قِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ أَجَابَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا شَاهَدَهُ فِي زَمَانِهِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ الِاخْتِلَافُ فِي السَّاحَةِ وَأَمَّا الْبِنَاءُ فَيُقَسَّمُ بِالْقِيمَةِ اتِّفَاقًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ (الْفَتْوَى) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
(فَإِنْ أَقَرَّ) وَالْأَوْلَى بِالْوَاوِ (أَحَدُ الْمُتَقَاسِمِينَ بِالِاسْتِيفَاءِ) أَيْ بِأَخْذِ تَمَامِ حِصَّتِهِ مِنْ الْمَقْسُومِ (ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْهُ) وَقَعَ (فِي يَدِ صَاحِبِهِ) غَلَطًا بَعْدَمَا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاسْتِيفَاءِ (لَا يُصَدَّقُ) قَوْلُهُ (إلَّا بِحُجَّةٍ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى تُخَالِفُ إقْرَارَهُ السَّابِقَ بِالِاسْتِيفَاءِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ حَتَّى قَالُوا يُحْمَلُ دَعْوَى الْغَلَطِ عَلَى فَسْخِ الْقِسْمَةِ لِيَكُونَ وَجْهًا لِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَتْنِ أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى فِعْلِ الْقَاسِمِ فِي إقْرَارِهِ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ ثُمَّ لَمَّا تَأَمَّلَ حَقَّ التَّأَمُّلِ ظَهَرَ الْغَلَطُ فِي فِعْلِهِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَقِّ انْتَهَى وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْهِدَايَةِ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الدَّعْوَى بِالْبَيِّنَةِ حَيْثُ قَالَ إنْ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً اسْتَخْلَفَ الشُّرَكَاءُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ هَذِهِ الدَّعْوَى بِالنُّكُولِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ أَيْضًا إذْ لَا نِزَاعَ فِيهِ بَلْ يُمْنَعُ قَوْلُ مَنْ نَازَعَ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحُجَّةِ إقْرَارُ الْخَصْمِ أَوْ نُكُولُهُ لَا غَيْرُ لِكَوْنِ الدَّعْوَى عَلَى التَّنَاقُصِ وَقَالَ صَاحِبُ
стр. 1254
الْإِصْلَاحِ إلَّا بِحُجَّةٍ مِنْ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَإِقْرَارِ الْخَصْمِ وَنُكُولِهِ عَلَى التَّعْمِيمِ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمَيْنِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَقَاسِمِينَ (فِيهَا) أَيْ فِي الْقِسْمَةِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِمَا بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِمَا (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا تُقْبَلُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِمَا فَأَوْرَثَتْ التُّهْمَةَ وَهَذَا إذَا تَقَاسَمَا مَجَّانًا وَلَا يَجُرَّانِ لَهُمَا نَفْعًا قَالَ الطَّحَاوِيُّ إذَا اقْتَسَمَا بِأَجْرٍ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إجْمَاعًا وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْكُلِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَلِذَا أَطْلَقَ فِي الْكِتَابِ كَمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ.
(وَإِنْ قَالَ) أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ (قَبَضْته) أَيْ حَقِّي (ثُمَّ أَخَذَ) صَاحِبِي (بَعْضَهُ) مِنِّي بَعْدَمَا قَبَضْته وَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ ذَلِكَ (حَلَفَ خَصْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْغَصْبَ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَفِي التَّسْهِيلِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي أَنَّ الْخَصْمَ يَحْلِفُ فِيهَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ إلَّا أَنَّهُ فِي الْأُولَى يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ دَعْوَاهُ كَمَا مَرَّ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ.
(وَإِنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ أَصَابَنِي) مِنْ ذَلِكَ (كَذَا) إلَى كَذَا (وَلَمْ يُسَلِّمْ) مَا أَصَابَنِي مِنْ حَقِّي (إلَيَّ وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ تَحَالَفَا وَفُسِخَتْ) الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مِقْدَارِ مَا حَصَلَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ فَصَارَ نَظِيرَ الِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ.
وَفِي الْفَرَائِدِ نَقْلًا عَنْ التَّسْهِيلِ هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ بِعَيْنِهَا وَأَجَابَ هُنَا أَنَّهُ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ لِلتَّنَاقُضِ فَظَهَرَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ.
(وَلَوْ ادَّعَى) أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ (غَبْنًا) فِي الْقِسْمَةِ (لَا يُعْتَبَرُ كَالْبَيْعِ) أَيْ كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِدَعْوَى الْغَبْنِ فِي الْبَيْعِ لِوُجُودِ التَّرَاضِي (إلَّا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِقَضَاءِ) الْقَاضِي (وَالْغَبْنُ فَاحِشٌ فَتُفْسَخُ) الْقِسْمَةُ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ وَلَوْ ظَهَرَ غَبْنٌ فَاحِشٌ فِي الْقِسْمَةِ فَإِنْ كَانَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بَطَلَتْ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْقَاضِي مُقَيَّدٌ بِالْعَدْلِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلَوْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ بِالتَّرَاضِي تَبْطُلُ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ مَنْ يَدَّعِيهِ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى الْغَبْنِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي الْبَيْعِ فَكَذَا فِي الْقِسْمَةِ لِوُجُودِ التَّرَاضِي وَقِيلَ تُفْسَخُ هُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ الْكَافِي وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ.
(وَلَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ مُعَيَّنٍ مِنْ نَصِيبِ الْبَعْضِ لَا تَنْفَسِخُ) الْقِسْمَةُ اتِّفَاقًا عَلَى الصَّحِيحِ (وَيَرْجِعُ) الْبَعْضُ (بِقِسْطِهِ فِي حَظِّ شَرِيكِهِ) كَمَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَقُسِمَتْ فَاسْتَحَقَّ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا بَيْتٌ هُوَ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ رَجَعَ بِنِصْفِ مَا اسْتَحَقَّ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ.
(وَكَذَا) لَا تَنْفَسِخُ (فِي الشَّائِعِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَنْفَسِخُ) الْقِسْمَةُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْإِفْرَازِ بِاسْتِحْقَاقِ النَّصِيبِ الشَّائِعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ أَنَّهُ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (وَفِي بَعْضٍ مُشَاعٍ فِي الْكُلِّ تُفْسَخُ إجْمَاعًا) لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ
стр. 1255
الْقِسْمَةُ لَتَضَرَّرَ الْمُسْتَحِقُّ بِتَفَرُّقِ نَصِيبِهِ.
(وَلَوْ ظَهَرَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ مُحِيطٌ) بِمَالِهِ (نُقِضَتْ) الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمِلْكِ لِلْوَارِثِ.
(وَكَذَا) تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ (لَوْ) ظَهَرَ دَيْنٌ لَكِنَّهُ (غَيْرُ مُحِيطٍ) بِمَالِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِالتَّرِكَةِ (إلَّا إذَا بَقِيَ بِلَا قِسْمَةٍ مَا يَفِي بِهِ) أَيْ بِالدَّيْنِ فَحِينَئِذٍ لَا تُفْسَخُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى نَقْضِ الْقِسْمَةِ فِي إيفَاءِ حَقِّهِمْ.
(وَلَوْ أَبْرَأَ الْغُرَمَاءُ) بَعْدَ الْقِسْمَةِ ذِمَمَ الْوَرَثَةِ مِنْ دُيُونِهِمْ (أَوْ أَدَّاهُ) أَيْ الدِّينَ (الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِهِمْ لَا تُنْقَضُ) الْقِسْمَةُ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا أَوْ غَيْرَ مُحِيطٍ لِزَوَالِ الْمَانِعِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ صَحَّ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ إذْ الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى وَالْقِسْمَةُ تُصَادِفُ الصُّورَةَ وَلَوْ ادَّعَى عَيْنًا بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ لَمْ يُسْمَعْ لِلتَّنَاقُضِ إذْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقِسْمَةِ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِكَوْنِ الْمَقْسُومِ مُشْتَرَكًا.
[فَصْلٌ فِي الْمُهَايَأَةِ]
ِ (وَتَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ) عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الِانْتِفَاعِ وَهِيَ لُغَةً مُفَاعَلَةٌ مِنْ التَّهْيِئَةِ وَهِيَ الْحَالَةُ الظَّاهِرَةُ لِلْمُتَهَيِّئِ لِلشَّيْءِ وَالتَّهَايُؤُ تَفَاعُلٌ مِنْهَا وَهُوَ أَنْ يَتَوَاضَعُوا عَلَى أَمْرٍ فَيَتَرَاضَوْا بِهِ وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ رَضِيَ بِهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَخْتَارُهَا وَقِيلَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ التَّهَايُؤِ فَكَأَنَّهُ يَتَهَايَأُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ عِنْدَ فَرَاغِ صَاحِبِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالتَّهَايُؤِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَجْمَعُ الْمَنَافِعَ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ وَالثَّانِي يَجْمَعُ عَلَى التَّعَاقُبِ وَيَجْرِي فِيهِ جَبْرُ الْقَاضِي كَمَا فِي الْقِسْمَةِ فِيمَا يَحْتَمِلُهَا وَشَرْعًا قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ؛ لِأَنَّهَا مُبَادَلَةُ الْمَنْفَعَةِ بِجِنْسِهَا لَكِنَّهَا جَازَتْ اسْتِحْسَانًا بِالْإِجْمَاعِ.
(وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمُهَايَأَةِ إذَا طَلَبَهَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ (فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَتَجُوزُ وَتُجْبَرُ عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ بِأَنْ (يَسْكُنَ هَذَا) الشَّرِيكُ (بَعْضًا) أَيْ بَعْضَ الدَّارِ (وَهَذَا) الشَّرِيكُ (بَعْضًا) آخَرَ مِنْ الدَّارِ (أَوْ هَذَا) يَسْكُنُ فِي (عُلْوِهَا وَهَذَا) فِي (سُفْلِهَا) ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزَةٌ فَكَذَا الْمُهَايَأَةُ وَالتَّهَايُؤُ فِي هَذَا الْوَجْهِ إفْرَازٌ بِجَمِيعِ الْأَنْصِبَاءِ لَا مُبَادَلَةٌ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْقِيتِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَسْتَقِلَّ مَا أَصَابَهُ بِالْمُهَايَأَةِ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لِحُدُوثِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَ) تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ (فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ يَسْكُنُ هَذَا شَهْرًا وَهَذَا شَهْرًا وَلَهُ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (الْإِجَارَةُ) أَيْ إجَارَةُ مَا أَصَابَهُ (وَأَخْذُ الْغَلَّةِ فِي نَوْبَتِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ وَقَدْ مَلَكَهَا فَلَهُ اسْتِغْلَالُهَا.
(وَ) تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ (فِي عَبْدٍ) وَاحِدٍ (يَخْدُمُ) الْعَبْدُ (هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الزَّمَانِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانُ وَالْأَوَّلُ مُتَعَيِّنٌ هَهُنَا وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّهَايُؤِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ
стр. 1256
وَالْمَكَانُ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلُهَا يَأْمُرُهُمَا الْقَاضِي أَنْ يَتَّفِقَا لِأَنَّ التَّهَايُؤَ فِي الْمَكَانِ أَعْدَلُ وَفِي الزَّمَانِ أَكْمَلُ فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ لَا بُدَّ مِنْ الِاتِّفَاقِ فَإِنْ اخْتَارَاهُ حَيْثُ الزَّمَانُ يُقْرِعُ فِي الْبِدَايَةِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ.
(وَ) تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ (فِي عَبْدَيْنِ يَخْدُمُ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ (أَحَدَهُمَا) أَيْ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ (وَ) يَخْدُمُ الْعَبْدُ (الْآخَرُ) الشَّرِيكَ الْآخَرَ لَا إشْكَالَ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الرَّقِيقِ جَبْرًا وَاخْتِيَارًا فَكَذَا مَنْفَعَتُهُمْ وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْقِيَاسُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقِسْمَةِ يَمْنَعُ الْجَوَازُ لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْجَوَازُ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِي الْخِدْمَةِ بِخِلَافِ أَعْيَانِ الرَّقِيقِ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
(وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ كُلِّ عَبْدٍ عَلَى مَنْ يَخْدُمُهُ جَازَ اسْتِحْسَانًا بِخِلَافِ الْكِسْوَةِ) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَامَحَةِ فِي الطَّعَامِ دُونَ الْكِسْوَةِ وَلِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِي الطَّعَامِ وَكَثْرَتِهَا فِي الْكِسْوَةِ فَإِنَّ وَقَّتَ شَيْئًا مِنْ الْكِسْوَةِ مَعْرُوفًا جَازَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَصْفِ يَنْعَدِمُ التَّفَاوُتُ أَوْ يَقِلُّ.
(وَ) جُوِّزَ (فِي دَارَيْنِ يَسْكُنُ هَذَا) الشَّرِيكُ (هَذِهِ) الدَّارَ (وَ) يَسْكُنُ (هَذَا) الشَّرِيكُ الْآخَرُ الدَّارَ (الْأُخْرَى) وَيُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ إذَا طَلَبَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الدَّارَيْنِ عِنْدَهُمَا كَدَارٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يَجْرِيَ الْجَبْرُ عَلَى قِسْمَتِهِمَا وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِيهَا لَا تَتَفَاوَتُ فَيَجُوزُ وَيُجْبَرُ مِنْهُمَا وَيُعْتَبَرُ إفْرَازًا كَالْأَعْيَانِ الْمُتَقَارِبَةِ بِخِلَافِ الْقِسْمَةِ وَقَدْ قِيلَ لَا يُجْبَرُ اعْتِبَارًا بِالْقِسْمَةِ وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ التَّهَايُؤُ فِيهِ أَصْلًا لَا بِالْجَبْرِ وَلَا بِالتَّرَاضِي.
(وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ) أَيْ التَّهَايُؤُ (فِي دَابَّةٍ) يَرْكَبُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا (أَوْ دَابَّتَيْنِ) هَذَا هَذِهِ وَهَذَا الْأُخْرَى (إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الرَّاكِبَيْنِ فَإِنَّهُمْ بَيْنَ حَاذِقٍ وَأَحْذَقَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْعَبْدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَخْدُمُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يَتَحَمَّلُ الزِّيَادَةَ عَلَى طَاقَتِهِ وَالدَّابَّةُ تَتَحَمَّلُهَا (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِقِسْمَةِ الْأَعْيَانِ.
(وَيَجُوزُ) التَّهَايُؤُ (فِي اسْتِغْلَالِ دَارٍ) يَسْتَغِلُّهَا هَذَا الشَّهْرَ أَوْ يَأْخُذُ غَلَّتَهَا وَهَذَا شَهْرًا وَيَأْخُذُ غَلَّتَهَا (أَوْ دَارَيْنِ هَذَا هَذِهِ) يَعْنِي هَذَا الشَّرِيكُ يَسْتَغِلُّهَا هَذِهِ الدَّارَ وَيَأْخُذُ غَلَّتَهَا (وَهَذَا) الشَّرِيكُ الْآخَرُ يَسْتَغِلُّ الدَّارَ (الْأُخْرَى) وَيَأْخُذُ غَلَّتَهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ (لَا فِي اسْتِغْلَالِ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ) أَيْ لَا يَجُوزُ التَّهَايُؤُ فِي اسْتِغْلَالِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّصِيبَيْنِ يَتَعَاقَبَانِ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَالظَّاهِرُ التَّغَيُّرُ فِي الْحَيَوَانِ فَتَفُوتُ الْمُعَادَلَةُ (وَمَا زَادَ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ) مِنْ الْغَلَّةِ عَلَى الْغَلَّةِ فِي نَوْبَةِ الْآخَرِ (مُشْتَرَكٌ) لِتَحَقُّقِ التَّعْدِيلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّهَايُؤُ عَلَى الْمَنَافِعِ فَاسْتَغَلَّ أَحَدُهُمَا فِي نَوْبَتِهِ زِيَادَةً؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ فِيمَا وَقَعَ عَلَى التَّهَايُؤِ حَاصِلٌ وَهُوَ الْمَنَافِعُ فَلَا تَضُرُّهُ زِيَادَةُ الِاسْتِغْلَالِ مِنْ بَعْدُ (لَا فِي الدَّارَيْنِ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَالتَّهَايُؤُ عَلَى الِاسْتِغْلَالِ فِي الدَّارَيْنِ جَائِزٌ أَيْضًا فِي
стр. 1257
ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ فَضَلَ غَلَّةُ أَحَدِهِمَا لَا يَشْتَرِكَانِ بِخِلَافِ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الدَّارَيْنِ مَعْنَى التَّمْيِيزِ وَالْإِفْرَازُ رَاجِحٌ لِاتِّحَادِ زَمَانِ الِاسْتِيفَاءِ وَفِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ يَتَعَاقَبُ الْوُصُولُ فَاعْتُبِرَ فَرْضًا وَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَوْبَتِهِ كَالْوَكِيلِ عَنْ صَاحِبِهِ فَلِذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ حِصَّتَهُ مِنْ الْفَضْلِ.
(وَ) يَجُوزُ التَّهَايُؤُ (فِي اسْتِغْلَالِ عَبْدَيْنِ هَذَا هَذَا) أَيْ يَسْتَغِلُّ هَذَا الشَّرِيكُ هَذَا الْعَبْدَ وَيَأْخُذُ غَلَّتَهُ (وَهَذَا الْآخَرَ) أَيْ يَسْتَغِلُّ الشَّرِيكُ الْآخَرَ وَيَأْخُذُ غَلَّتَهُ (وَلَا يَجُوزُ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي أَعْيَانِ الرَّقِيقِ أَكْثَرُ مِنْ التَّفَاوُتِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَمْتَنِعَ الْجَوَازُ وَالتَّهَايُؤُ فِي الْخِدْمَةِ يَجُوزُ ضَرُورَةً وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْغَلَّةِ لِإِمْكَانِ قِسْمَتِهَا لِكَوْنِهِ عَيْنًا وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ التَّسَامُحُ فِي الْخِدْمَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي الِاسْتِغْلَالِ فَلَا يَتَقَايَسَانِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالتَّهَايُؤِ فِي الْمَنَافِعِ (وَعَلَى هَذَا) الْخِلَافِ (الدَّابَّتَانِ) حَيْثُ مَنَعَ الْإِمَامُ الْمُهَايَأَةَ فِي بَغْلَتَيْنِ مَثَلًا وَجَوَّزَهَا صَاحِبَاهُ لِمَا ذُكِرَ.
(وَلَا تَجُوزُ) الْمُهَايَأَةُ (فِي ثَمَرِ شَجَرٍ أَوْ لَبَنِ غَنَمٍ أَوْ أَوْلَادِهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ بَاقِيَةٌ تَرِدُ عَلَيْهَا الْقِسْمَةُ عِنْدَ حُصُولِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّهَايُؤِ بِخِلَافِ لَبَنِ ابْنِ آدَمَ حَيْثُ تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ فِيهِ وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَتَانِ مُشْتَرِكَتَانِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَتَهَايَئَا أَنْ تُرْضِعَ إحْدَاهُمَا وَلَدَ أَحَدِهِمَا وَالْأُخْرَى وَلَدَ الْآخَرِ جَازَ؛ لِأَنَّ لَبَنَ ابْنِ آدَمَ لَا قِيمَةَ لَهُ فَجَرَى مَجْرَى الْمَنَافِعِ وَالْحِيلَةُ فِي الثِّمَارِ وَنَحْوِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ ثُمَّ يَبِيعَ كُلَّهَا بَعْدَ مُضِيِّ نَوْبَتِهِ أَوْ يَنْتَفِعَ بِاللَّبَنِ الْمُقَدَّرِ بِطَرِيقِ الْقَرْضِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ إذْ قَرْضُ الْمُشَاعِ جَائِزٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَتَجُوزُ) الْمُهَايَأَةُ (فِي عَبْدٍ وَدَارٍ عَلَى السُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا تَجُوزُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ أَوْلَى.
(وَكَذَا) تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ (فِي كُلِّ مُخْتَلِفَيْ الْمَنْفَعَةِ) كَسُكْنَى الدَّارِ وَزَرْعِ الْأَرْضِ وَكَذَا الْحَمَّامُ وَالدَّارُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَنْفَعَتَيْنِ يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهَا بِالْمُهَايَأَةِ.
(وَلَا تَبْطُلُ الْمُهَايَأَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَلَا بِمَوْتِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَقَضَ لَاسْتَأْنَفَهُ الْحَاكِمُ فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّقْضِ ثُمَّ الِاسْتِئْنَافِ.
(وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَالْآخَرُ الْمُهَايَأَةَ بَطَلَتْ) الْمُهَايَأَةُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ أَقْوَى فِي اسْتِكْمَالِ الْمَنْفَعَةِ.
[كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ]
ِ لَمَّا كَانَ الْخَارِجُ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يَقَعُ فِيهِ الْقِسْمَةُ ذَكَرَ الْمُزَارَعَةَ بَعْدَهَا وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ زَارَعَ مِنْ الزَّرْعِ وَهُوَ إلْقَاءُ الْحَبِّ وَنَحْوِهِ فِي الْأَرْضِ.
وَفِي الشَّرْعِ (هِيَ) أَيْ الْمُزَارَعَةُ (عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ) وَيُسَمَّى الْمُخَابَرَةُ وَالْمُحَاقَلَةُ
стр. 1258
وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ الْقِرَاحُ (وَهِيَ) أَيْ الْمُزَارَعَةُ (فَاسِدَةٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ» وَالْمُخَابَرَةُ هِيَ الزِّرَاعَةُ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالتَّخْصِيصُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ لِلْعَادَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِهِمَا إذْ الْفَسَادُ ثَابِتٌ فِي غَيْرِهِمَا أَيْضًا وَلِذَا قِيلَ فِي التَّعْرِيفِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَلِأَنَّهَا فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَلِأَنَّ الْأَجْرَ مَجْهُولٌ أَوْ مَعْدُومٌ وَكُلُّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ وَمُعَامَلَةُ النَّبِيِّ ﵊ أَهْلَ خَيْبَرَ كَانَ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ بِطَرِيقِ الْمَنِّ وَالصُّلْحِ وَهُوَ جَائِزٌ (وَعِنْدَهُمَا جَائِزَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ» وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَجِدُ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ وَالْقَادِرُ عَلَى الْعَمَلِ لَا يَجِدُ أَرْضًا وَلَا مَا يَعْمَلُ بِهِ فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى جَوَازِهَا دَفْعًا لِلْحَاجَةِ كَالْمُضَارَبَةِ (وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِمَا (يُفْتَى) لِتَعَامُلِ النَّاسِ وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ (قَالَ) الْإِمَامُ (الْحَصِيرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ هُوَ الَّذِي فَرَّعَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَلَى أُصُولِهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الْمُزَارَعَةَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ ثُمَّ التَّفْرِيغُ بَعْدَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْمُزَارَعَةَ وَعَلَى أُصُولِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ لَوْ كَانَ يَرَى جَوَازَهَا (لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ لَا يَأْخُذُونَ) فِيهَا (بِقَوْلِهِ) لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهَا وَتَعَامُلِهِمْ بِهَا.
(وَيُشْتَرَطُ فِيهَا) أَيْ فِي الْمُزَارَعَةِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهَا (صَلَاحِيَةُ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الرَّيْعُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ كَوْنِهَا صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ (أَهْلِيَّةُ الْعَاقِدَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَقْدٌ بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ (تَعَيُّنُ الْمُدَّةِ) لِتَصِيرَ الْمَنَافِعُ مَعْلُومَةً كَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ ذُكِرَ وَقْتٌ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الزِّرَاعَةِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ وَكَذَا ذِكْرُ مُدَّةٍ لَا يَعِيشُ أَحَدُهُمَا إلَى مِثْلِهَا غَالِبًا وَجَوَّزَهُ بَعْضٌ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهَا بِلَا ذِكْرِ الْمُدَّةِ جَائِزَةٌ وَتَقَعُ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ (رَبِّ الْبَذْرِ) قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ (جِنْسِهِ) أَيْ الْبَذْرِ لِيَصِيرَ الْأَجْرُ مَعْلُومًا إذْ الْأَجْرُ بَعْضُ الْخَارِجِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ (نَصِيبِ الْآخَرِ) أَيْ بَيَانُ نَصِيبِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ أَوْ أَرْضِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا.
(وَ) يُشْتَرَطُ (التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ) ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْعَمَلِ فَصَارَ نَظِيرَ الْمُضَارَبَةِ لَا تَصِحُّ حَتَّى يُسَلِّمَ الْمَالَ إلَيْهِ حَتَّى إذَا شَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا يُفَوِّتُ بِهِ التَّخْلِيَةَ وَهُوَ عَمَلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ الْعَامِلِ لَا يَصِحُّ.
(وَ) يُشْتَرَطُ (الشِّرْكَةُ فِي الْخَارِجِ) بَعْدَ حُصُولِهِ لِيَتَحَقَّقَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُزَارَعَةِ وَهُوَ الشِّرْكَةُ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ إجَارَةً فِي الِابْتِدَاءِ وَشِرْكَةً فِي الِانْتِهَاءِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ (فَتَفْسُدُ) أَيْ الْمُزَارَعَةُ (إنْ شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ (قُفْزَانٌ) جَمْعُ قَفِيزٍ (مُعَيَّنَةٌ) لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِ الشِّرْكَةِ عِنْدَ إخْرَاجِ الْأَرْضِ مِقْدَارًا
стр. 1259
مَذْكُورًا أَوْ قَلِيلًا فَحِينَئِذٍ لَا يُوجَدُ عَلَى مَا عُقِدَ عَلَيْهِ وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ فِيمَا يَخْرُجُ عَلَى الشُّيُوعِ (أَوْ) شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا (مَا يَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ) وَكَوْنُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا لِانْقِطَاعِ الشِّرْكَةِ بِأَنْ لَا يُحَصِّلَ حَبَّةً إلَّا مِنْ مَوْضِعٍ مَذْكُورٍ (كَالْمَاذِيَانَاتِ) جَمْعُ مَاذِيَانِ وَهُوَ مُعَرَّبٌ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ النَّهْرِ وَأَعْظَمُ مِنْ جَدْوَلٍ (وَالسَّوَّاقِي) جَمْعُ سَاقِيَّةٍ وَهِيَ فَوْقَ الْجَدْوَلِ دُونَ النَّهْرِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ فَيَكُونُ الْمَاذِيَانُ وَالسَّاقِيَّةُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ وَإِنَّمَا تَفْسُدُ الْمُزَارَعَةُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَخْرُجَ إلَّا مِنْهَا فَيُؤَدِّيَ إلَى قَطْعِ الشِّرْكَةِ.
(أَوْ) شَرَطَ (أَنْ يَرْفَعَ قَدْرَ الْبَذْرِ) لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَكَوْنَ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا (أَوْ) شَرَطَ أَنْ يَرْفَعَ قَدْرَ (الْخَرَاجِ وَيَقْسِمَ مَا يَبْقَى) مِنْ قَدْرِ الْبَذْرِ أَوْ قَدْرِ الْخَرَاجِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشِّرْكَةِ فِي بَعْضٍ مُعَيَّنٍ أَوْ فِي الْجَمِيعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا قَدْرُ الْبَذْرِ أَوْ الْخَرَاجُ وَالْمُرَادُ مِنْ الْخَرَاجِ الْخَرَاجُ الْمُوَظَّفُ بِأَنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ عَلَى الْأَرْضِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَرَاجُ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ بِأَنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ عَلَيْهَا نِصْفَ الْخَرَاجِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْجُزْءِ الشَّائِعِ وَإِنْ اشْتَرَطَا رَفْعَهُ لَا تَفْسُدُ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشِّرْكَةِ.
(أَوْ) شَرَطَ (أَنْ يَكُونَ التِّبْنُ لِأَحَدِهِمَا وَالْحَبُّ لِلْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تُصِيبَهُ آفَةٌ لَا يَحْصُلُ بِهَا الْحَبُّ سِوَى التِّبْنِ فَيُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ الشِّرْكَةِ فِي الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْحَبُّ (أَوْ يَكُونَ الْحَبُّ بَيْنَهُمَا وَالتِّبْنُ لِغَيْرِ رَبِّ الْبَذْرِ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (أَوْ يَكُونَ التِّبْنُ بَيْنَهُمَا وَالْحَبُّ لِأَحَدِهِمَا) بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشِّرْكَةِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْحَبُّ.
(وَإِنْ شَرَطَ كَوْنَ الْحَبِّ بَيْنَهُمَا وَالتِّبْنِ لِرَبِّ الْبَذْرِ أَوْ شَرَطَ دَفْعَ الْعُشْرِ) أَيْ عُشْرِ الْخَارِجِ وَالْأَرْضُ عُشْرِيَّةٌ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا (صَحَّتْ) الْمُزَارَعَةُ أَمَّا الْأُولَى فَيَجُوزُ الشِّرْكَةُ لِوُجُودِهَا فِي الْمَقْصُودِ وَلِكَوْنِ التِّبْنِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ عَلَى مَا يَقْتَضِيه حُكْمُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْبَذْرِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ الْعُشْرَ مُشَاعٌ فَلَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشِّرْكَةِ وَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَ صَاحِبُ الْبَذْرِ عُشْرَ الْخَارِجِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْآخَرِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا.
(وَإِنْ) شَرَطَ كَوْنَ الْحَبِّ بَيْنَهُمَا وَ (لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتِّبْنِ) لِحُصُولِ الشِّرْكَةِ فِيمَا هُوَ الْمَرَامُ (فَهُوَ) أَيْ التِّبْنُ (بَيْنَهُمَا) وَهَذَا قَوْلُ مَشَايِخِ بَلْخِي اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ فِيمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْعَاقِدَانِ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْحَبِّ وَالتَّبَعُ يَقُومُ بِشَرْطِ الْأَصْلِ (وَقِيلَ) يَكُونُ التِّبْنُ (لِرَبِّ الْبَذْرِ) ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَفِي دِيَارِنَا لِصَاحِبِ الْبَقَرِ لِكَوْنِهِ عَفَا لَهُ.
(وَأَجْرُ الْحَصَادِ وَالرِّفَاعِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْعَامِلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ (بِالْخُصُصِ) ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ (فَإِنْ شَرَطَ) الْأَجْرَ (عَلَى الْعَامِلِ فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِهِمَا فَتَفْسُدُ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ) أَيْ الشَّرْطَ عَلَى الْعَامِلِ (يَصِحُّ) لِلتَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ
стр. 1260
اعْتِبَارًا بِالِاسْتِصْنَاعِ (وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخِي قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي دِيَارِنَا (وَشَرْطُهُ) أَيْ الْأَجْرِ (عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مُفْسِدٌ اتِّفَاقًا) لِعَدَمِ التَّعَامُلِ بِذَلِكَ.
(وَمَا) كَانَ (قَبْلَ الْإِدْرَاكِ كَالسَّقْيِ وَالْحِفْظِ فَهُوَ عَلَى الْمُزَارِعِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (وَلَمْ يَشْتَرِطْ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يُزَادُ بِهِ الزَّرْعُ وَلَا يُنْقَصُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ كَالسَّقْيِ وَالْحِفْظِ فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ وَمَا كَانَ مِنْهُ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَأَشْبَاهِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَمَا كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ لَكِنْ فِيمَا هُوَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَفِيمَا هُوَ بَعْدَهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً لِتَمَيُّزِ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ مِلْكِ الْآخَرِ.
(وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ وَالْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ لِلْآخَرِ أَوْ) كَانَتْ (الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا وَالْبَقِيَّةُ) مِنْ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ وَالْبَقَرِ (لِلْآخَرِ أَوْ) كَانَ الْعَمَلُ (لِأَحَدِهِمَا وَالْبَقِيَّةُ) مِنْ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ (لِلْآخَرِ صَحَّتْ) الْمُزَارَعَةُ فِي الْكُلِّ.
أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ يَقَعُ عَلَى الْعَمَلِ هُنَا وَالْبَقَرُ آلَةٌ لِلْعَامِلِ كَمَا يَقَعُ الِاسْتِئْجَارُ فِي الْخِيَاطَةِ عَلَى الْخَيْطِ وَيُجْعَلُ إبْرَتُهُ آلَةً لَهَا.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْخَارِجِ كَاسْتِئْجَارِهَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ لِيَعْمَلَ بِآلَةِ الْمُسْتَأْجِرِ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ ثَوْبَهُ بِإِبْرَتِهِ أَوْ لِيُطَيِّنَ بِمَرِّهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ وَالْعَمَلُ لِلْآخَرِ بَطَلَتْ) الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْبَذْرِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا بِالْبَذْرِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِكَوْنِ الِانْتِفَاعِ بِالِاسْتِهْلَاكِ أَوْ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْبَقَرِ مَعَ الْأَرْضِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ التَّعَامُلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَادَةِ وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِهِ.
(وَكَذَا) تَبْطُلُ (لَوْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْأَرْضُ وَالْعَمَلُ لِلْآخَرِ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ (أَوْ) كَانَ (الْبَذْرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْبَاقِي) وَهُوَ الْعَمَلُ وَالْبَقَرُ وَالْأَرْضُ (لِلْآخَرِ) وَإِنَّمَا بَطَلَتْ لِأَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ الْأَرْضُ تَبَعًا لَهُ لِاخْتِلَافِ مَنْفَعَتِهِمَا وَهَهُنَا صُورَةٌ أُخْرَى لَمْ يَذْكُرْهَا وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَاقِي مِنْ الْآخَرِ قَالُوا هِيَ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِئْجَارُ الْبَقَرِ بِأَجْرٍ مَجْهُولٍ إذْ لَا تَعَامُلَ فِي اسْتِئْجَارِ الْبَقَرِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ فَلَا يُعْلَمُ مَا هُوَ أَجْرُهُ بِحَسَبِ التَّعَامُلِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ دَفَعَ رَجُلٌ أَرْضَهُ إلَى آخَرَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِنَفْسِهِ وَبَقَرِهِ وَالْبَذْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ فَعَمِلَا عَلَى هَذَا فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ وَيَكُونُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَجْرٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ نِصْفِ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا وَكَذَلِكَ تَفْسُدُ لَوْ كَانَ الْبَذْرُ ثُلُثَاهُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَثُلُثُهُ مِنْ الْآخَرِ وَالرَّيْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى
стр. 1261
قَدْرِ بَذْرِهِمَا.
(وَإِذَا صَحَّتْ) الْمُزَارَعَةُ (فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ) أَيْ الْخَارِجُ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الِالْتِزَامِ.
(وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) مِنْ الْأَرْضِ (شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ) ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالشِّرْكَةِ فِي الْخَارِجِ وَلَا شِرْكَةَ فِي الْخَارِجِ.
(وَمَنْ أَبَى) أَيْ امْتَنَعَ (عَنْ الْمُضِيِّ) عَلَى مُوجِبِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ (بَعْدَ الْعَقْدِ أُجْبِرَ) مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ إجَارَةً وَهِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ (إلَّا رَبَّ الْبَذْرِ) فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عِنْدَ الْإِبَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ إلَّا بِإِتْلَافِ مَالِهِ وَهُوَ إلْقَاءُ الْبَذْرِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يَدْرِي هَلْ يَخْرُجُ أَمْ لَا فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَهْدِمَ دَارِهِ ثُمَّ امْتَنَعَ الْعَامِلُ أُجْبِرَ عَلَى الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَإِنْ فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ (فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْبَذْرِ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ (وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ) وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْبَذْرِ صَاحِبَ الْأَرْضِ (أَوْ) أَجْرُ مِثْلِ (أَرْضِهِ) إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ (وَلَا يُزَادُ) أَجْرُ الْمِثْلِ (عَلَى مَا شُرِطَ) أَيْ عَلَى الْمُسَمَّى عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِوُجُودِ الرِّضَا كَمَا فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ تَجِبُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْفَسَادِ تَكُونُ لَغْوًا وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
(وَإِنْ فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ (لِكَوْنِ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ فَقَطْ لِأَحَدِهِمَا لَزِمَ أَجْرُ مِثْلِهِمَا) أَيْ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَلْزَمُ أَجْرُ مِثْلِهِمَا (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَمَّا قِيلَ يَغْرَمُ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ الْأَرْضِ مَكْرُوبَةً وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بِحَالٍ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ لَا صَحِيحًا وَلَا فَاسِدًا وَوُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ لَا يَكُونُ بِدُونِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ وَالْمَنَافِعُ لَا تَتَقَوَّمُ بِدُونِهِ.
(وَإِذَا فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ (وَالْبَذْرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ حِلٌّ لَهُ) أَيْ حِلٌّ لَهُ قَدْرُ الْبَذْرِ وَالْفَضْلُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ.
(وَإِنْ) فَسَدَتْ وَالْبَذْرُ (لِلْعَامِلِ) لَا يَطِيبُ لَهُ الْخَارِجُ فَحِينَئِذٍ (تَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ عَنْ قَدْرِ بَذْرِهِ، وَ) قَدْرِ (أُجْرَةِ الْأَرْضِ) ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ بَذْرِهِ لَكِنْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَأَوْجَبَ خَبُثَا فَمَا كَانَ عِوَضَ مَالِهِ طَابَ لَهُ وَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَإِذَا أَبَى رَبُّ الْبَذْرِ عَنْ الْمُضِيِّ وَقَدْ كَرَبَ الْعَامِلُ الْأَرْضَ) أَيْ قَلَّبَهَا لِلْحَرْثِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِ الْكِرَابِ (حُكْمًا) أَيْ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ إنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ إنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالْخَارِجِ فَإِذَا انْعَدَمَ الْخَارِجُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ (وَيُسْتَرْضَى) أَيْ الْآبِي فِي عَمَلِهِ (دِيَانَةً) عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ إذْ الْغُرُورُ فِي الْكِرَابِ مِنْ جَانِبِ الْآبِي.
(وَتَبْطُلُ الْمُزَارَعَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ (وَتُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ كَالْإِجَارَةِ) وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِي الْإِجَارَاتِ.
(فَتُفْسَخُ) الْمُزَارَعَةُ (إنْ لَزِمَ دَيْنٌ مُحْوِجٌ إلَى بَيْعِ الْأَرْضِ) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَائِهِ إلَّا بِبَيْعِ الْأَرْضِ (قَبْلَ نَبَاتِ الزَّرْعِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ وَهِيَ تَنْفَسِخُ
стр. 1262
الْأَعْذَارُ (لَا بَعْدَهُ) أَيْ لَا بَعْدَ نَبَاتِ الزَّرْعِ (مَا لَمْ يُحْصَدْ) أَيْ لَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ أَوْ لَمْ يُسْتَحْصَدْ لَا تُبَاعُ الْأَرْضُ بِالدَّيْنِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ فِي الْبَيْعِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُزَارِعِ وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الْإِبْطَالِ وَيُخْرِجُ الْقَاضِي مِنْ الْحَبْسِ إنْ كَانَ حَبَسَهُ بِهِ قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَلَوْ دَفَعَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ فَلَمَّا نَبَتَ فِي الْأُولَى وَمَاتَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَبْلَ إدْرَاكِهِ تَرَكَ الزَّرْعَ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ وَقُسِّمَ عَلَى الشَّرْطِ وَبَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ فِي السَّنَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مُرَاعَاةَ حَقِّ الْمُزَارِعِ وَالْوَرَثَةِ وَفِي الْقَطْعِ إبْطَالًا لِحَقِّ الْعَامِلِ أَصْلًا فَكَانَ الْإِبْقَاءُ أَوْلَى وَأَمَّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِبْقَاءِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ لِلْمُزَارِعِ فِي شَيْءٍ بَعْدُ فَعَمِلْنَا بِالْقِيَاسِ (وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ إنْ كَانَ كَرَبَ الْأَرْضَ أَوْ حَفَرَ النَّهْرَ) ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقْوِيمُهَا بِالْخَارِجِ فَلَا خَارِجَ.
(وَإِنْ تَمَّتْ مُدَّتُهَا) أَيْ الْمُزَارَعَةِ (قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ فَعَلَى الْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ حِصَّتِهِ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى يُدْرِكَ) الزَّرْعُ وَيُسْتَحْصَدُ؛ لِأَنَّ فِي قَلْعِهِ ضَرَرًا يَبْقَى بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ وَيَجِبُ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ.
(وَنَفَقَةِ الزَّرْعِ) وَمُؤْنَةِ الْحِفْظِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ (بِقَدْرِ حِصَصِهِمَا) أَيْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَى الْعَامِلِ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْجَرٌ فِي الْمُدَّةِ فَإِذَا مَضَتْ انْتَهَى الْعَقْدُ فَتَجِبُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا (وَأَيُّهُمَا أَنْفَقَ بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ وَلَا أَمْرِ قَاضٍ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَلَا يُقَالُ هُوَ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْفِقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَصَارَ كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ.
(وَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَخْذُ الزَّرْعِ بَقْلًا) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُزَارِعِ.
(وَإِنْ أَرَادَ الْمُزَارِعُ ذَلِكَ) أَيْ أَخَذَ الزَّرْعَ بَقْلًا (قِيلَ لِرَبِّ الْأَرْضِ اقْلَعْ الزَّرْعَ لِيَكُونَ بَيْنَكُمَا أَوْ أَعْطِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ) أَيْ الْمُزَارِعِ (أَوْ أَنْفِقْ أَنْتَ عَلَى الزَّرْعِ وَارْجِعْ فِي حِصَّتِهِ) أَيْ ارْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقْته فِي حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إبْقَاءَ الْعَقْدِ بَعْدَ وُجُودِ النَّهْيِ نَظَرٌ لِلْعَامِلِ وَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَرَبُّ الْأَرْضِ بَيْنَ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ؛ لِأَنَّ بِكُلِّ ذَلِكَ يُسْتَدْفَعُ الضَّرَرُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَعَلَى الْعَامِلِ الْعَمَلُ إلَى أَنْ يُدْرِكَ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ ثَمَّةَ يَبْقَى فِي مُدَّتِهِ وَمُوجِبُهُ عَلَيْهِ إلَى إدْرَاكِهِ وَحَصَادِهِ.
(وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ) وَالزَّرْعُ بَقْلٌ (فَقَالَ وَارِثُهُ أَنَا أَعْمَلُ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ فَلَهُ) أَيْ لِلْوَارِثِ (ذَلِكَ) أَيْ أَنْ يَعْمَلَ مَكَانَهُ نَظَرًا لِلْوَرَثَةِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَبَى رَبُّ الْأَرْضِ) وَلَا أَجْرَ لِلْوَارِثِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْعَامِلِ وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فِي الْمُدَّةِ كَأَنَّ الْوَارِثَ وَرِثَهُ مَعَ مَا لَزِمَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ قَلْعَ الزَّرْعِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْعَمَلِ وَالْعَامِلُ عَلَى
стр. 1263
الْخِيَارَاتِ الثَّلَاثِ لِمَا بَيَّنَّا لَكِنْ لَوْ رَجَعَ الْمَالِكُ بِالنَّفَقَةِ يَرْجِعُ بِكُلِّهَا إذْ الْعَمَلُ عَلَى الْعَامِلِ مُسْتَحَقٌّ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ وَفِي التَّنْوِيرِ الْغَلَّةُ فِي الْمُزَارَعَةِ مُطْلَقًا أَيْ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ فَلَا ضَمَانَ لَوْ هَلَكَتْ وَمِثْلُهُ الْمُعَامَلَةُ وَإِذَا قَصَّرَ الْمُزَارِعُ فِي سَقْيِ الزَّرْعِ حَتَّى هَلَكَ الزَّرْعُ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْفَاسِدَةِ وَيَضْمَنُ فِي الصَّحِيحَةِ.
[كِتَاب الْمُسَاقَاة]
لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهُ كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُسَاقَاةَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهَا وَلَوْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﵊ بِأَهْلِ خَيْبَرَ غَيْرَ أَنَّ اعْتِرَاضَ مُوجِبَيْنِ صَوَّبَ إيرَادَ الْمُزَارَعَةِ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ أَحَدُهُمَا شِدَّةُ الِاحْتِيَاجِ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْمُزَارَعَةِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَالثَّانِي كَثْرَةُ تَفْرِيعِ مَسَائِلِ الْمُزَارَعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسَاقَاةِ وَالْمُسَاقَاةِ مِنْ الْمُزَارَعَةِ كَمَا فِي النَّتْفِ وَإِنَّمَا آثَرَ عَلَى الْمُعَامَلَةِ الَّتِي هِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهَا أَوْفَقُ بِحَسَبِ الِاشْتِقَاقِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ فَالتَّفْرِقَةُ مِنْ الظَّنِّ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (هِيَ دَفْعُ الشَّجَرِ إلَى مَنْ يُصْلِحُهُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرِهِ) أَيْ الشَّجَرِ (وَهِيَ) الْمُسَاقَاةُ (كَالْمُزَارَعَةِ حُكْمًا) حَيْثُ يُفْتِي عَلَى صِحَّتِهَا (وَخِلَافًا) حَيْثُ تَبْطُلُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَتَصِحُّ عِنْدَهُمَا كَالْمُزَارَعَةِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
(وَشُرُوطًا) يُمْكِنُ اشْتِرَاطُهَا فِي الْمُسَاقَاةِ كَذِكْرِ نَصِيبِ الْعَامِلِ وَالشَّرِكَةِ فِي الثَّمَرِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالشَّجَرِ وَأَمَّا بَيَانُ الْبَذْرِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُمْكِنُ فِي الْمُسَاقَاةِ (إلَّا لِمُدَّةٍ فَإِنَّهَا) أَيْ الْمُسَاقَاةَ (تَصِحُّ بِلَا ذِكْرِهَا) أَيْ بِلَا بَيَانِ الْمُدَّةِ اسْتِحْسَانًا فَإِنَّ لِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ وَقْتًا مَعْلُومًا وَقَلَّ مَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَإِدْرَاكُ الْبَذْرِ فِي أُصُولِ الرَّطْبَةِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ إدْرَاكِ الثِّمَارِ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا خَرِيفًا وَصَيْفًا وَرَبِيعًا وَالِانْتِهَاءَ بِنَاءً عَلَيْهِ فَتَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ الْفَاحِشَةُ قَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ وَغَيْرُهُ وَشُرُوطًا إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ وَالثَّانِي إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ يَتْرُكُ بِلَا أَجْرٍ وَيَعْمَلُ بِلَا أَجْرٍ وَفِي الْمُزَارَعَةِ بِأَجْرٍ وَالثَّالِثُ إذَا اسْتَحَقَّ النَّخِيلَ يَرْجِعُ الْعَامِلُ بِأَجْرِ مِثْلِهِ وَفِي الْمُزَارَعَةِ بِقِيمَةِ الزَّرْعِ وَالرَّابِعُ مَا بُيِّنَ فِي الْمَتْنِ.
(وَتَقَعُ) مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ (عَلَى) مُدَّةِ (أَوَّلِ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ) فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَأَوَّلُ الْمُدَّةِ وَقْتُ الْعَمَلِ فِي الثَّمَرِ الْمَعْلُومِ وَآخِرُهَا وَقْتُ إدْرَاكِهِ الْمَعْلُومُ فَتَجُوزُ.
وَفِي الْمِنَحِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ فَتَكُونُ لَهُ ثَمَرَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِيهَا انْتَقَضَتْ الْمُسَاقَاةُ.
(وَ) تَقَعُ (فِي الرَّطْبَةِ عَلَى إدْرَاكِ بَذْرِهَا) أَيْ دَفْعِ الرَّطْبَةِ لِإِدْرَاكِ الْبَذْرِ كَدَفْعِ الشَّجَرِ لِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ
стр. 1264
يَعْنِي إذَا دَفَعَهَا بَعْدَ مَا تَنَاهَى نَبَاتُهَا وَلَمْ يَخْرُجْ بَذْرُهَا فَيَقُومُ عَلَيْهَا لِيَخْرُجَ الْبَذْرُ فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَلَوْ دَفَعَ نَخِيلًا أَوْ أُصُولَ رَطْبَةٍ لِيَقُومَ عَلَيْهَا) مَعْنَاهَا حَتَّى يَذْهَبَ أُصُولُهَا أَوْ يَنْقَطِعُ نَبَاتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَتَى ذَلِكَ (أَوْ أَطْلَقَ فِي الرَّطْبَةِ) يَعْنِي لَمْ يَقُلْ حَتَّى يَذْهَبَ أُصُولُهَا (فَسَدَتْ) الْمُعَامَلَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَيَّ وَقْتٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا حَتَّى لَوْ عَرَفَ جَازَ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ فِي النَّخْلِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الثَّمَرَةِ الْأُولَى.
(وَيُفْسِدُهَا) أَيْ الْمُسَاقَاةَ (ذِكْرُ مُدَّةٍ لَا يَخْرُجُ الثَّمَرُ فِيهَا) أَيْ فِي الْمُدَّةِ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ الْمِثْلِ.
(وَإِنْ اُحْتُمِلَ خُرُوجُهَا) أَيْ خُرُوجُ الثَّمَرِ فِيهَا (وَعَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ خُرُوجِهَا فِيهَا (جَازَتْ) الْمُسَاقَاةُ لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ (فَإِنْ خَرَجَ) الثَّمَرُ (فِيهَا) أَيْ الْمُدَّةِ (فَعَلَى الشَّرْطِ) الَّذِي شَرَطَاهُ لِتَحْقِيقِ الْمَرَامِ.
(وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْمُدَّةِ (فَسَدَتْ) الْمُسَاقَاةُ (وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِفَسَادِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ فِي الْمُدَّةِ الْمُسَمَّاةِ فَصَارَ كَمَا إذَا عَلِمَ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْمِنَحِ كَلَامٌ فَإِنْ شِئْت فَارْجِعْ إلَيْهِ (وَكَذَا) أَيْ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلٍ (كُلُّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ) الْمُسَاقَاةُ (فِيهِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ) مِنْ الثَّمَرِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَبَدًا لِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَمْ يَتَبَيَّنُ الْخَطَأُ فِي الْمُدَّةِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَا لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ.
(وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالشَّجَرِ وَالرِّطَابِ) يَعْنِي الْبُقُولَ كَالْكُرَّاثِ وَالْإِسْفَانَاخِ وَنَحْوِهِمَا (وَأُصُولِ الْبَاذِنْجَانِ) عِنْدَنَا لِحَاجَةِ النَّاسِ فِي كُلِّهَا لَا فِي بَعْضِهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّجَرَ هُنَا مَعَ انْفِهَامِهِ مِمَّا سَبَقَ وَذَكَرَ النَّخْلَ مَعَ دُخُولِهِ فِي الشَّجَرِ رَدًّا لِلشَّافِعِيِّ إذْ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ فِي الشَّجَرِ وَيَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ لِوُقُوعِ الْأَثَرِ فِيهِمَا لَا فِي غَيْرِهِمَا (فَإِنْ كَانَ فِي الشَّجَرِ ثَمَرٌ إنْ كَانَ) الثَّمَرُ (يَزِيدُ بِالْعَمَلِ صَحَّتْ) الْمُسَاقَاةُ (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَزِدْ بِالْعَمَلِ بِأَنْ انْتَهَى الثَّمَرُ (فَلَا) تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ وَلَا أَثَرَ لِلْعَمَلِ بَعْدَ التَّنَاهِي؛ لِأَنَّ جَوَازَهُ قَبْلَ التَّنَاهِي لِلْحَاجَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَا حَاجَةَ إلَى مِثْلِهِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَكَذَا فِي الْمُزَارَعَةِ لَوْ دَفَعَ أَرْضًا فِيهَا بَقْلٌ) فَإِنَّهَا تَجُوزُ وَإِنْ اسْتَحْصَدَ وَأَدْرَكَ لَمْ تَجُزْ لِمَا قَرَّرْنَاهُ قُبَيْلَهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَتَى عُقِدَتْ عَلَى مَا هُوَ فِي حَدِّ النُّمُوِّ وَالزِّيَادَةِ صَحَّتْ وَإِذَا عُقِدَتْ عَلَى مَا تَنَاهَى عِظَمُهُ وَصَارَ بِحَالٍ لَا يَزِيدُ فِي نَفْسِهِ بِسَبَبِ عَمَلِ الْعَامِلِ لَا تَصِحُّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ خُرُوجُ الْأَشْجَارِ عَنْ حَدِّ الزِّيَادَةِ إذَا بَلَغَتْ وَأَثْمَرَتْ كَمَا فِي الْمِنَحِ (وَمَا قَبْلَ الْإِدْرَاكِ كَالسَّقْيِ وَالتَّلْقِيحِ وَالْحِفْظِ فَعَلَى الْعَامِلِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ (وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ (كَالْجِذَاذِ) أَيْ الْقَطْعِ (وَالْحِفْظِ) بَعْدَ الْجِذَاذِ (فَعَلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ صَارَ مِلْكًا مُشْتَرَكًا فِيهِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي نَحْوِ هَذَا الْعَمَلِ بِقَدْرِ الْحِصَصِ
(وَلَوْ شَرَطَ) أَيْ مَا يُعْمَلُ بَعْدَهُ (عَلَى الْعَامِلِ فَسَدَتْ)
стр. 1265
الْمُسَاقَاةُ (اتِّفَاقًا) لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْآخَرِ فَيَكُونُ مُفْسِدًا.
[مَا تَبْطُلُ بِهِ الْمُسَاقَاة]
(وَتَبْطُلُ) الْمُسَاقَاةُ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ (فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ خَامًا) أَيْ نِيئًا لَكِنْ فِي الْفَرَائِدِ كَلَامٌ إنْ شِئْت فَارْجِعْ إلَيْهِ (عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ تَمَامِ الْمُدَّةِ) عَلَى تَقْدِيرِ ذِكْرِ الْمُدَّةِ فِيهَا (يَقُومُ الْعَامِلُ أَوْ وَارِثُهُ عَلَيْهِ) كَمَا كَانَ يَقُومُ قَبْلَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُدْرِكَ الثَّمَرُ قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ إنْ مَاتَ الدَّافِعُ فِي حَالِ أَنَّ الثَّمَرَ نِيءٌ يَقُومُ الْعَامِلُ عَلَيْهِ كَمَا قَامَ وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ وَالثَّمَرُ نِيءٌ يَقُومُ وَارِثُ الْعَامِلِ عَلَيْهِ كَمَا قَامَ مُوَرِّثُهُ (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَبَى الدَّافِعُ) عَلَى كَوْنِهِ حَيًّا (أَوْ وَرَثَتُهُ) إنْ مَيِّتًا أَيْ لَيْسَ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّ فِي مَنْعِهِ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِهِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ لِلدَّافِعِ وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِ.
(فَإِنْ أَرَادَ الْعَامِلُ أَوْ وَارِثُهُ صَرْمَهُ) أَيْ قَطْعَهُ (بُسْرًا) وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ نِيئًا (خُيِّرَ الْآخَرُ) إنْ حَيًّا (أَوْ وَارِثُهُ) إنْ مَيِّتًا (بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمُوهُ) أَيْ الْبُسْرَ (عَلَى الشَّرْطِ أَوْ يَدْفَعُوا قِيمَةَ نَصِيبِهِ) أَيْ نَصِيبَ الْعَامِلِ مِنْ الْبُسْرِ (أَوْ يُنْفِقُوا) عَلَى الْبُسْرِ حَتَّى يَبْلُغَ (وَيَرْجِعَ) عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقُوا فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ مِنْ الْبُسْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِمْ (كَمَا) مَرَّ (فِي الْمُزَارَعَةِ) عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَهُنَا وَجْهَ الْخِيَارِ فِيهَا فَلَا نُعِيدُ.
(وَلَا تُفْسَخُ) الْمُسَاقَاةُ (بِلَا عُذْرٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَنْعَقِدُ إجَارَةً وَتَتِمُّ شَرِكَةً فَيَكُونُ انْفِسَاخُ عَقْدِهَا بِمَا تَفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِهِ (وَمَرَضُ الْعَامِلِ إذَا عَجَزَ عَنْ الْعَمَلِ عُذْرٌ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَمِنْ الْأَعْذَارِ مَرَضُ الْعَامِلِ إذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ اسْتِئْجَارَ الْأُجَرَاءِ زِيَادَةَ ضَرَرٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ فَيُجْعَلُ عُذْرًا وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ ذَلِكَ الْعَمَلِ هَلْ يَكُونُ عُذْرًا فِيهِ رِوَايَتَانِ وَتَأْوِيلُ أَحَدِهِمَا أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَمَلَ بِيَدِهِ فَيَكُونُ عُذْرًا مِنْ جِهَتِهِ.
(وَكَذَا كَوْنُهُ) أَيْ الْعَامِلِ (سَارِقًا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الثَّمَرِ أَوْ السَّعَفِ) قَبْلَ الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ صَاحِبَ الْأَرْضِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَتَفْسَخُ بِهِ.
(وَلَوْ دَفَعَ فَضَاءً) أَيْ أَرْضًا بَيْضَاءَ إلَى رَجُلٍ (مُدَّةً مَعْلُومَةً لِمَنْ يَغْرِسُ) فِيهَا شَجَرًا (لِتَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا) لَا يَصِحُّ لِاشْتِرَاطِ الشَّرِكَةِ فِيمَا كَانَ حَاصِلًا لِلدَّافِعِ قَبْلَ الشَّرِكَةِ بِلَا عَمَلِهِ (وَالشَّجَرُ) الَّذِي يُغْرَسُ (لِرَبِّ الْأَرْضِ) لِوُقُوعِ الْغَرْسِ بِالتَّرَاضِي فَيَتْبَعُ الْأَرْضَ لِاتِّصَالِهِ بِهَا (وَلِلْغَارِسِ قِيمَةُ غَرْسِهِ وَ) أَجْرُ مِثْلِ (عَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ
следующие страницы →