← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قَدْرِ بَذْرِهِمَا. (وَإِذَا صَحَّتْ) الْمُزَارَعَةُ (فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ) أَيْ الْخَارِجُ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الِالْتِزَامِ. (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) مِنْ الْأَرْضِ (شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ) ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالشِّرْكَةِ فِي الْخَارِجِ وَلَا شِرْكَةَ فِي الْخَارِجِ. (وَمَنْ أَبَى) أَيْ امْتَنَعَ (عَنْ الْمُضِيِّ) عَلَى مُوجِبِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ (بَعْدَ الْعَقْدِ أُجْبِرَ) مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ إجَارَةً وَهِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ (إلَّا رَبَّ الْبَذْرِ) فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عِنْدَ الْإِبَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ إلَّا بِإِتْلَافِ مَالِهِ وَهُوَ إلْقَاءُ الْبَذْرِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يَدْرِي هَلْ يَخْرُجُ أَمْ لَا فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَهْدِمَ دَارِهِ ثُمَّ امْتَنَعَ الْعَامِلُ أُجْبِرَ عَلَى الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَإِنْ فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ (فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْبَذْرِ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ (وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ) وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْبَذْرِ صَاحِبَ الْأَرْضِ (أَوْ) أَجْرُ مِثْلِ (أَرْضِهِ) إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ (وَلَا يُزَادُ) أَجْرُ الْمِثْلِ (عَلَى مَا شُرِطَ) أَيْ عَلَى الْمُسَمَّى عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِوُجُودِ الرِّضَا كَمَا فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ تَجِبُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْفَسَادِ تَكُونُ لَغْوًا وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. (وَإِنْ فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ (لِكَوْنِ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ فَقَطْ لِأَحَدِهِمَا لَزِمَ أَجْرُ مِثْلِهِمَا) أَيْ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَلْزَمُ أَجْرُ مِثْلِهِمَا (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَمَّا قِيلَ يَغْرَمُ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ الْأَرْضِ مَكْرُوبَةً وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بِحَالٍ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ لَا صَحِيحًا وَلَا فَاسِدًا وَوُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ لَا يَكُونُ بِدُونِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ وَالْمَنَافِعُ لَا تَتَقَوَّمُ بِدُونِهِ. (وَإِذَا فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ (وَالْبَذْرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ حِلٌّ لَهُ) أَيْ حِلٌّ لَهُ قَدْرُ الْبَذْرِ وَالْفَضْلُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ. (وَإِنْ) فَسَدَتْ وَالْبَذْرُ (لِلْعَامِلِ) لَا يَطِيبُ لَهُ الْخَارِجُ فَحِينَئِذٍ (تَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ عَنْ قَدْرِ بَذْرِهِ، وَ) قَدْرِ (أُجْرَةِ الْأَرْضِ) ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ بَذْرِهِ لَكِنْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَأَوْجَبَ خَبُثَا فَمَا كَانَ عِوَضَ مَالِهِ طَابَ لَهُ وَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَإِذَا أَبَى رَبُّ الْبَذْرِ عَنْ الْمُضِيِّ وَقَدْ كَرَبَ الْعَامِلُ الْأَرْضَ) أَيْ قَلَّبَهَا لِلْحَرْثِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِ الْكِرَابِ (حُكْمًا) أَيْ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ إنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ إنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالْخَارِجِ فَإِذَا انْعَدَمَ الْخَارِجُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ (وَيُسْتَرْضَى) أَيْ الْآبِي فِي عَمَلِهِ (دِيَانَةً) عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ إذْ الْغُرُورُ فِي الْكِرَابِ مِنْ جَانِبِ الْآبِي. (وَتَبْطُلُ الْمُزَارَعَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ (وَتُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ كَالْإِجَارَةِ) وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِي الْإِجَارَاتِ. (فَتُفْسَخُ) الْمُزَارَعَةُ (إنْ لَزِمَ دَيْنٌ مُحْوِجٌ إلَى بَيْعِ الْأَرْضِ) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَائِهِ إلَّا بِبَيْعِ الْأَرْضِ (قَبْلَ نَبَاتِ الزَّرْعِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ وَهِيَ تَنْفَسِخُ

стр. 1262

الْأَعْذَارُ (لَا بَعْدَهُ) أَيْ لَا بَعْدَ نَبَاتِ الزَّرْعِ (مَا لَمْ يُحْصَدْ) أَيْ لَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ أَوْ لَمْ يُسْتَحْصَدْ لَا تُبَاعُ الْأَرْضُ بِالدَّيْنِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ فِي الْبَيْعِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُزَارِعِ وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الْإِبْطَالِ وَيُخْرِجُ الْقَاضِي مِنْ الْحَبْسِ إنْ كَانَ حَبَسَهُ بِهِ قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَلَوْ دَفَعَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ فَلَمَّا نَبَتَ فِي الْأُولَى وَمَاتَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَبْلَ إدْرَاكِهِ تَرَكَ الزَّرْعَ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ وَقُسِّمَ عَلَى الشَّرْطِ وَبَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ فِي السَّنَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مُرَاعَاةَ حَقِّ الْمُزَارِعِ وَالْوَرَثَةِ وَفِي الْقَطْعِ إبْطَالًا لِحَقِّ الْعَامِلِ أَصْلًا فَكَانَ الْإِبْقَاءُ أَوْلَى وَأَمَّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِبْقَاءِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ لِلْمُزَارِعِ فِي شَيْءٍ بَعْدُ فَعَمِلْنَا بِالْقِيَاسِ (وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ إنْ كَانَ كَرَبَ الْأَرْضَ أَوْ حَفَرَ النَّهْرَ) ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ وَتَقْوِيمُهَا بِالْخَارِجِ فَلَا خَارِجَ. (وَإِنْ تَمَّتْ مُدَّتُهَا) أَيْ الْمُزَارَعَةِ (قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ فَعَلَى الْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ حِصَّتِهِ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى يُدْرِكَ) الزَّرْعُ وَيُسْتَحْصَدُ؛ لِأَنَّ فِي قَلْعِهِ ضَرَرًا يَبْقَى بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ وَيَجِبُ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ. (وَنَفَقَةِ الزَّرْعِ) وَمُؤْنَةِ الْحِفْظِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ (بِقَدْرِ حِصَصِهِمَا) أَيْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَى الْعَامِلِ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْجَرٌ فِي الْمُدَّةِ فَإِذَا مَضَتْ انْتَهَى الْعَقْدُ فَتَجِبُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا (وَأَيُّهُمَا أَنْفَقَ بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ وَلَا أَمْرِ قَاضٍ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَلَا يُقَالُ هُوَ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْفِقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَصَارَ كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ. (وَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَخْذُ الزَّرْعِ بَقْلًا) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُزَارِعِ. (وَإِنْ أَرَادَ الْمُزَارِعُ ذَلِكَ) أَيْ أَخَذَ الزَّرْعَ بَقْلًا (قِيلَ لِرَبِّ الْأَرْضِ اقْلَعْ الزَّرْعَ لِيَكُونَ بَيْنَكُمَا أَوْ أَعْطِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ) أَيْ الْمُزَارِعِ (أَوْ أَنْفِقْ أَنْتَ عَلَى الزَّرْعِ وَارْجِعْ فِي حِصَّتِهِ) أَيْ ارْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقْته فِي حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إبْقَاءَ الْعَقْدِ بَعْدَ وُجُودِ النَّهْيِ نَظَرٌ لِلْعَامِلِ وَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَرَبُّ الْأَرْضِ بَيْنَ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ؛ لِأَنَّ بِكُلِّ ذَلِكَ يُسْتَدْفَعُ الضَّرَرُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَعَلَى الْعَامِلِ الْعَمَلُ إلَى أَنْ يُدْرِكَ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ ثَمَّةَ يَبْقَى فِي مُدَّتِهِ وَمُوجِبُهُ عَلَيْهِ إلَى إدْرَاكِهِ وَحَصَادِهِ. (وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ) وَالزَّرْعُ بَقْلٌ (فَقَالَ وَارِثُهُ أَنَا أَعْمَلُ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ فَلَهُ) أَيْ لِلْوَارِثِ (ذَلِكَ) أَيْ أَنْ يَعْمَلَ مَكَانَهُ نَظَرًا لِلْوَرَثَةِ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَبَى رَبُّ الْأَرْضِ) وَلَا أَجْرَ لِلْوَارِثِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْعَامِلِ وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فِي الْمُدَّةِ كَأَنَّ الْوَارِثَ وَرِثَهُ مَعَ مَا لَزِمَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ قَلْعَ الزَّرْعِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْعَمَلِ وَالْعَامِلُ عَلَى

стр. 1263

الْخِيَارَاتِ الثَّلَاثِ لِمَا بَيَّنَّا لَكِنْ لَوْ رَجَعَ الْمَالِكُ بِالنَّفَقَةِ يَرْجِعُ بِكُلِّهَا إذْ الْعَمَلُ عَلَى الْعَامِلِ مُسْتَحَقٌّ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ وَفِي التَّنْوِيرِ الْغَلَّةُ فِي الْمُزَارَعَةِ مُطْلَقًا أَيْ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ فَلَا ضَمَانَ لَوْ هَلَكَتْ وَمِثْلُهُ الْمُعَامَلَةُ وَإِذَا قَصَّرَ الْمُزَارِعُ فِي سَقْيِ الزَّرْعِ حَتَّى هَلَكَ الزَّرْعُ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْفَاسِدَةِ وَيَضْمَنُ فِي الصَّحِيحَةِ. [كِتَاب الْمُسَاقَاة] لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهُ كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُسَاقَاةَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهَا وَلَوْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﵊ بِأَهْلِ خَيْبَرَ غَيْرَ أَنَّ اعْتِرَاضَ مُوجِبَيْنِ صَوَّبَ إيرَادَ الْمُزَارَعَةِ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ أَحَدُهُمَا شِدَّةُ الِاحْتِيَاجِ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْمُزَارَعَةِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَالثَّانِي كَثْرَةُ تَفْرِيعِ مَسَائِلِ الْمُزَارَعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسَاقَاةِ وَالْمُسَاقَاةِ مِنْ الْمُزَارَعَةِ كَمَا فِي النَّتْفِ وَإِنَّمَا آثَرَ عَلَى الْمُعَامَلَةِ الَّتِي هِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهَا أَوْفَقُ بِحَسَبِ الِاشْتِقَاقِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ فَالتَّفْرِقَةُ مِنْ الظَّنِّ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (هِيَ دَفْعُ الشَّجَرِ إلَى مَنْ يُصْلِحُهُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرِهِ) أَيْ الشَّجَرِ (وَهِيَ) الْمُسَاقَاةُ (كَالْمُزَارَعَةِ حُكْمًا) حَيْثُ يُفْتِي عَلَى صِحَّتِهَا (وَخِلَافًا) حَيْثُ تَبْطُلُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَتَصِحُّ عِنْدَهُمَا كَالْمُزَارَعَةِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. (وَشُرُوطًا) يُمْكِنُ اشْتِرَاطُهَا فِي الْمُسَاقَاةِ كَذِكْرِ نَصِيبِ الْعَامِلِ وَالشَّرِكَةِ فِي الثَّمَرِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالشَّجَرِ وَأَمَّا بَيَانُ الْبَذْرِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُمْكِنُ فِي الْمُسَاقَاةِ (إلَّا لِمُدَّةٍ فَإِنَّهَا) أَيْ الْمُسَاقَاةَ (تَصِحُّ بِلَا ذِكْرِهَا) أَيْ بِلَا بَيَانِ الْمُدَّةِ اسْتِحْسَانًا فَإِنَّ لِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ وَقْتًا مَعْلُومًا وَقَلَّ مَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَإِدْرَاكُ الْبَذْرِ فِي أُصُولِ الرَّطْبَةِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ إدْرَاكِ الثِّمَارِ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا خَرِيفًا وَصَيْفًا وَرَبِيعًا وَالِانْتِهَاءَ بِنَاءً عَلَيْهِ فَتَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ الْفَاحِشَةُ قَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ وَغَيْرُهُ وَشُرُوطًا إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ وَالثَّانِي إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ يَتْرُكُ بِلَا أَجْرٍ وَيَعْمَلُ بِلَا أَجْرٍ وَفِي الْمُزَارَعَةِ بِأَجْرٍ وَالثَّالِثُ إذَا اسْتَحَقَّ النَّخِيلَ يَرْجِعُ الْعَامِلُ بِأَجْرِ مِثْلِهِ وَفِي الْمُزَارَعَةِ بِقِيمَةِ الزَّرْعِ وَالرَّابِعُ مَا بُيِّنَ فِي الْمَتْنِ. (وَتَقَعُ) مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ (عَلَى) مُدَّةِ (أَوَّلِ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ) فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَأَوَّلُ الْمُدَّةِ وَقْتُ الْعَمَلِ فِي الثَّمَرِ الْمَعْلُومِ وَآخِرُهَا وَقْتُ إدْرَاكِهِ الْمَعْلُومُ فَتَجُوزُ. وَفِي الْمِنَحِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ فَتَكُونُ لَهُ ثَمَرَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِيهَا انْتَقَضَتْ الْمُسَاقَاةُ. (وَ) تَقَعُ (فِي الرَّطْبَةِ عَلَى إدْرَاكِ بَذْرِهَا) أَيْ دَفْعِ الرَّطْبَةِ لِإِدْرَاكِ الْبَذْرِ كَدَفْعِ الشَّجَرِ لِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ

стр. 1264

يَعْنِي إذَا دَفَعَهَا بَعْدَ مَا تَنَاهَى نَبَاتُهَا وَلَمْ يَخْرُجْ بَذْرُهَا فَيَقُومُ عَلَيْهَا لِيَخْرُجَ الْبَذْرُ فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَلَوْ دَفَعَ نَخِيلًا أَوْ أُصُولَ رَطْبَةٍ لِيَقُومَ عَلَيْهَا) مَعْنَاهَا حَتَّى يَذْهَبَ أُصُولُهَا أَوْ يَنْقَطِعُ نَبَاتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَتَى ذَلِكَ (أَوْ أَطْلَقَ فِي الرَّطْبَةِ) يَعْنِي لَمْ يَقُلْ حَتَّى يَذْهَبَ أُصُولُهَا (فَسَدَتْ) الْمُعَامَلَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَيَّ وَقْتٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا حَتَّى لَوْ عَرَفَ جَازَ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ فِي النَّخْلِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الثَّمَرَةِ الْأُولَى. (وَيُفْسِدُهَا) أَيْ الْمُسَاقَاةَ (ذِكْرُ مُدَّةٍ لَا يَخْرُجُ الثَّمَرُ فِيهَا) أَيْ فِي الْمُدَّةِ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ الْمِثْلِ. (وَإِنْ اُحْتُمِلَ خُرُوجُهَا) أَيْ خُرُوجُ الثَّمَرِ فِيهَا (وَعَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ خُرُوجِهَا فِيهَا (جَازَتْ) الْمُسَاقَاةُ لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ (فَإِنْ خَرَجَ) الثَّمَرُ (فِيهَا) أَيْ الْمُدَّةِ (فَعَلَى الشَّرْطِ) الَّذِي شَرَطَاهُ لِتَحْقِيقِ الْمَرَامِ. (وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْمُدَّةِ (فَسَدَتْ) الْمُسَاقَاةُ (وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِفَسَادِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ فِي الْمُدَّةِ الْمُسَمَّاةِ فَصَارَ كَمَا إذَا عَلِمَ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الْمِنَحِ كَلَامٌ فَإِنْ شِئْت فَارْجِعْ إلَيْهِ (وَكَذَا) أَيْ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلٍ (كُلُّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ) الْمُسَاقَاةُ (فِيهِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ) مِنْ الثَّمَرِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَبَدًا لِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَمْ يَتَبَيَّنُ الْخَطَأُ فِي الْمُدَّةِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَا لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ. (وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالشَّجَرِ وَالرِّطَابِ) يَعْنِي الْبُقُولَ كَالْكُرَّاثِ وَالْإِسْفَانَاخِ وَنَحْوِهِمَا (وَأُصُولِ الْبَاذِنْجَانِ) عِنْدَنَا لِحَاجَةِ النَّاسِ فِي كُلِّهَا لَا فِي بَعْضِهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّجَرَ هُنَا مَعَ انْفِهَامِهِ مِمَّا سَبَقَ وَذَكَرَ النَّخْلَ مَعَ دُخُولِهِ فِي الشَّجَرِ رَدًّا لِلشَّافِعِيِّ إذْ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ فِي الشَّجَرِ وَيَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ لِوُقُوعِ الْأَثَرِ فِيهِمَا لَا فِي غَيْرِهِمَا (فَإِنْ كَانَ فِي الشَّجَرِ ثَمَرٌ إنْ كَانَ) الثَّمَرُ (يَزِيدُ بِالْعَمَلِ صَحَّتْ) الْمُسَاقَاةُ (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَزِدْ بِالْعَمَلِ بِأَنْ انْتَهَى الثَّمَرُ (فَلَا) تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ وَلَا أَثَرَ لِلْعَمَلِ بَعْدَ التَّنَاهِي؛ لِأَنَّ جَوَازَهُ قَبْلَ التَّنَاهِي لِلْحَاجَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَا حَاجَةَ إلَى مِثْلِهِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ. (وَكَذَا فِي الْمُزَارَعَةِ لَوْ دَفَعَ أَرْضًا فِيهَا بَقْلٌ) فَإِنَّهَا تَجُوزُ وَإِنْ اسْتَحْصَدَ وَأَدْرَكَ لَمْ تَجُزْ لِمَا قَرَّرْنَاهُ قُبَيْلَهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَتَى عُقِدَتْ عَلَى مَا هُوَ فِي حَدِّ النُّمُوِّ وَالزِّيَادَةِ صَحَّتْ وَإِذَا عُقِدَتْ عَلَى مَا تَنَاهَى عِظَمُهُ وَصَارَ بِحَالٍ لَا يَزِيدُ فِي نَفْسِهِ بِسَبَبِ عَمَلِ الْعَامِلِ لَا تَصِحُّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ خُرُوجُ الْأَشْجَارِ عَنْ حَدِّ الزِّيَادَةِ إذَا بَلَغَتْ وَأَثْمَرَتْ كَمَا فِي الْمِنَحِ (وَمَا قَبْلَ الْإِدْرَاكِ كَالسَّقْيِ وَالتَّلْقِيحِ وَالْحِفْظِ فَعَلَى الْعَامِلِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ (وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ (كَالْجِذَاذِ) أَيْ الْقَطْعِ (وَالْحِفْظِ) بَعْدَ الْجِذَاذِ (فَعَلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ صَارَ مِلْكًا مُشْتَرَكًا فِيهِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي نَحْوِ هَذَا الْعَمَلِ بِقَدْرِ الْحِصَصِ (وَلَوْ شَرَطَ) أَيْ مَا يُعْمَلُ بَعْدَهُ (عَلَى الْعَامِلِ فَسَدَتْ)

стр. 1265

الْمُسَاقَاةُ (اتِّفَاقًا) لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْآخَرِ فَيَكُونُ مُفْسِدًا. [مَا تَبْطُلُ بِهِ الْمُسَاقَاة] (وَتَبْطُلُ) الْمُسَاقَاةُ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ (فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ خَامًا) أَيْ نِيئًا لَكِنْ فِي الْفَرَائِدِ كَلَامٌ إنْ شِئْت فَارْجِعْ إلَيْهِ (عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ تَمَامِ الْمُدَّةِ) عَلَى تَقْدِيرِ ذِكْرِ الْمُدَّةِ فِيهَا (يَقُومُ الْعَامِلُ أَوْ وَارِثُهُ عَلَيْهِ) كَمَا كَانَ يَقُومُ قَبْلَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُدْرِكَ الثَّمَرُ قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ إنْ مَاتَ الدَّافِعُ فِي حَالِ أَنَّ الثَّمَرَ نِيءٌ يَقُومُ الْعَامِلُ عَلَيْهِ كَمَا قَامَ وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ وَالثَّمَرُ نِيءٌ يَقُومُ وَارِثُ الْعَامِلِ عَلَيْهِ كَمَا قَامَ مُوَرِّثُهُ (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَبَى الدَّافِعُ) عَلَى كَوْنِهِ حَيًّا (أَوْ وَرَثَتُهُ) إنْ مَيِّتًا أَيْ لَيْسَ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّ فِي مَنْعِهِ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِهِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ لِلدَّافِعِ وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِ. (فَإِنْ أَرَادَ الْعَامِلُ أَوْ وَارِثُهُ صَرْمَهُ) أَيْ قَطْعَهُ (بُسْرًا) وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ نِيئًا (خُيِّرَ الْآخَرُ) إنْ حَيًّا (أَوْ وَارِثُهُ) إنْ مَيِّتًا (بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمُوهُ) أَيْ الْبُسْرَ (عَلَى الشَّرْطِ أَوْ يَدْفَعُوا قِيمَةَ نَصِيبِهِ) أَيْ نَصِيبَ الْعَامِلِ مِنْ الْبُسْرِ (أَوْ يُنْفِقُوا) عَلَى الْبُسْرِ حَتَّى يَبْلُغَ (وَيَرْجِعَ) عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقُوا فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ مِنْ الْبُسْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِمْ (كَمَا) مَرَّ (فِي الْمُزَارَعَةِ) عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَهُنَا وَجْهَ الْخِيَارِ فِيهَا فَلَا نُعِيدُ. (وَلَا تُفْسَخُ) الْمُسَاقَاةُ (بِلَا عُذْرٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَنْعَقِدُ إجَارَةً وَتَتِمُّ شَرِكَةً فَيَكُونُ انْفِسَاخُ عَقْدِهَا بِمَا تَفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِهِ (وَمَرَضُ الْعَامِلِ إذَا عَجَزَ عَنْ الْعَمَلِ عُذْرٌ) . وَفِي الْهِدَايَةِ وَمِنْ الْأَعْذَارِ مَرَضُ الْعَامِلِ إذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ اسْتِئْجَارَ الْأُجَرَاءِ زِيَادَةَ ضَرَرٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ فَيُجْعَلُ عُذْرًا وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ ذَلِكَ الْعَمَلِ هَلْ يَكُونُ عُذْرًا فِيهِ رِوَايَتَانِ وَتَأْوِيلُ أَحَدِهِمَا أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَمَلَ بِيَدِهِ فَيَكُونُ عُذْرًا مِنْ جِهَتِهِ. (وَكَذَا كَوْنُهُ) أَيْ الْعَامِلِ (سَارِقًا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الثَّمَرِ أَوْ السَّعَفِ) قَبْلَ الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ صَاحِبَ الْأَرْضِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَتَفْسَخُ بِهِ. (وَلَوْ دَفَعَ فَضَاءً) أَيْ أَرْضًا بَيْضَاءَ إلَى رَجُلٍ (مُدَّةً مَعْلُومَةً لِمَنْ يَغْرِسُ) فِيهَا شَجَرًا (لِتَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا) لَا يَصِحُّ لِاشْتِرَاطِ الشَّرِكَةِ فِيمَا كَانَ حَاصِلًا لِلدَّافِعِ قَبْلَ الشَّرِكَةِ بِلَا عَمَلِهِ (وَالشَّجَرُ) الَّذِي يُغْرَسُ (لِرَبِّ الْأَرْضِ) لِوُقُوعِ الْغَرْسِ بِالتَّرَاضِي فَيَتْبَعُ الْأَرْضَ لِاتِّصَالِهِ بِهَا (وَلِلْغَارِسِ قِيمَةُ غَرْسِهِ وَ) أَجْرُ مِثْلِ (عَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ

стр. 1266

ابْتَغَى لِعَمَلِهِ أَجْرًا وَهُوَ نِصْفُ الْأَرْضِ أَوْ نِصْفُ الْخَارِجِ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ قِيلَ حِيلَةُ الْجَوَازِ أَنْ يَبِيعَ نِصْفَ الْأَغْرَاسِ بِنِصْفِ الْأَرْضِ وَيَسْتَأْجِرُ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْعَامِلَ ثَلَاثَ سِنِينَ مَثَلًا بِشَيْءٍ قَلِيلٍ لِيَعْمَلَ فِي نَصِيبِهِ. وَفِي التَّنْوِيرِ ذَهَبَ الرِّبْحُ بِنَوَاةِ رَجُلٍ وَأَلْقَتْهَا فِي كَرْمِ آخَرَ فَنَبَتَ مِنْهَا شَجَرَةٌ فَهِيَ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ وَكَذَا لَوْ وَقَعَتْ خَوْخَةٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَنَبَتَتْ وَفِي الْمِنَحِ دَفَعَ كَرْمَهُ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ ثُمَّ زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى النِّصْفِ إنْ زَادَ صَاحِبُ الْكَرْمِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ هِبَةُ مُشَاعٍ وَإِنْ زَادَ الْعَالُّ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ. [كِتَابُ الذَّبَائِحِ] وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ وَالذَّبَائِحِ إصْلَاحُ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ بِالْأَكْلِ فِي الْحَالِ لِلِانْتِفَاعِ فِي الْمَآلِ (الذَّبِيحَةُ اسْمُ مَا يُذْبَحُ) مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ لِأَنَّ الذَّبِيحَةَ اسْمٌ لِمَا ذُبِحَ أَوْ لِمَا أُعَدَّ لِلذَّبْحِ كَمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالذَّبِيحَةُ مَا يُسْتَذْبَحُ مِنْ النَّعَمِ فَإِنَّهُ مَنْقُولٌ إلَى الِاسْمِيَّةِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إذْ الذَّبِيحُ اسْمُ مَا ذُبِحَ فَلَيْسَ الذَّبِيحَةُ الْمُذَكَّاةُ كَمَا ظَنَّ وَالْمُرَادُ ذَبْحُ الذَّبَائِحِ (وَالذَّبْحُ) فِي الشَّرْعِ (قَطْعُ الْأَوْدَاجِ) جَمْعُ وَدَجٍ وَالْمُرَادُ الْوَدَجَانِ وَالْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَوْدَاجِ تَغْلِيبًا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ الذَّبَائِحُ جَمْعُ ذَبِيحَةٍ وَهِيَ اسْمٌ لِلْمَذْبُوحِ وَالذَّبْحُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ ذَبَحَ إذَا قَطَعَ الْأَوْدَاجَ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ كَالذَّبِيحَةِ وَالذَّكْوَةُ الذَّبْحُ وَهِيَ اسْمٌ مِنْ ذَكَّى الذَّبِيحَةَ تَذْكِيَةً إذَا ذَبَحَهَا قَالَ حَرَّمَ ذَبِيحَةً لَمْ تُذَكَّ قِيلَ يُرَادُ بِالذَّبِيحَةِ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ فَالْمَعْنَى حُرِّمَ حَيَوَانٌ مِنْ شَأْنِهِ الذَّبْحُ إذَا لَمْ يُذْبَحْ فَيَخْرُجُ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ إذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمَا الذَّبْحُ وَقِيلَ يُرَادُ بِهَا مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ فَالْمَعْنَى حُرِّمَ مَذْبُوحٌ لَمْ يُذَكَّ بِمَعْنَى لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَهَذَا لَا يَتَنَاوَلُ حُرْمَةَ مَا لَيْسَ بِمَذْبُوحٍ كَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَنَحْوِهِمَا تَنَاوُلًا ظَاهِرًا وَقِيلَ الْمَعْنَى حُرِّمَ مَذْبُوحٌ لَمْ يُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا فَحِينَئِذٍ يُفْهَمُ حُرْمَةٌ مِثْلُ التَّرْدِيَةِ وَالنَّطِيحَةِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَإِنَّ مَا كَانَ حَرَامًا إذَا لَمْ يُذَكَّ حَالَ كَوْنِهِ مَذْبُوحًا فَحُرْمَةُ مَا لَمْ يُذَكَّ حَالَ عَدَمِ كَوْنِهِ مَذْبُوحًا أَحْرَى وَأَلْيَقُ وَحُكْمُهُ إلَى الْفَهْمِ أَسْبَقُ لَكِنْ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ السَّمَكُ يُقَالُ حَمْلُ الذَّبِيحَةِ عَلَى مَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ إذْ فِي تَنَاوُلِ الْحَقِيقِيِّ لِحُرْمَةِ بَعْضِ الصُّوَرِ تَكَلُّفٌ وَفِي إخْرَاجِ مَا لَمْ يُذْبَحْ مِنْهُ تَعَسُّفٌ. (وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ وَكِتَابِيٍّ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ) أَمَّا الْمُسْلِمُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَالْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا الْكِتَابِيُّ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَالْمُرَادُ بِهِ مُذَكَّاهُمْ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الطَّعَامِ غَيْرِ الْمُذَكَّى يَحِلُّ مِنْ أَيِّ كَافِرٍ كَانَ. وَفِي الْمِنَحِ الْمُوَلَّدُ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ تَحِلُّ. وَفِي التَّجْرِيدِ وَلَوْ أَهَلَّ نَصْرَانِيٌّ

стр. 1267

عَلَى ذَبِيحَتِهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَيُسْمَعُ كَلَامُهُ لَمْ تُؤْكَلْ وَمَنْ لَمْ يُشَاهِدْ ذَبْحَهُ مِنْهُمْ حَلَّ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِمْ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ قَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي النِّكَاحِ. (وَلَوْ) كَانَ الذَّابِحُ (امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا يَعْقِلَانِ) حَلَّ الذَّبِيحَةُ بِالتَّسْمِيَةِ وَيَضْبِطَانِ شَرَائِطَ الذَّبْحِ وَيَقْدِرَانِ عَلَى الذَّبْحِ. وَفِي الْإِصْلَاحِ فَمَنْ لَا يَعْقِلْ وَلَا يَضْبِطُ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ (أَوْ) كَانَ الذَّابِحُ (أَخْرَسَ) لِأَنَّ الْأَخْرَسَ عَاجِزٌ عَنْ الذِّكْرِ مَعْذُورٌ وَتَقُومُ الْمِلَّةُ مَقَامَ تَسْمِيَتِهِ كَالنَّاسِي بَلْ أَوْلَى (أَوْ أَقْلَفَ) وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَقْلَفَ مَعَ أَنَّ حِلَّ ذَبِيحَتِهِ يُفْهَمُ مِمَّا سَلَفَ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَإِنَّهُ يَقُولُ شَهَادَةُ الْأَقْلَفِ وَذَبِيحَتُهُ لَا تَجُوزُ مَنْعًا عَنْ تَرْكِ الْخَتْنِ بِلَا عُذْرٍ. (لَا) تَحِلُّ (ذَبِيحَةُ وَثَنِيٍّ) لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ كَالْمَجُوسِ وَهُوَ الَّذِي يَعْبُدُ الْوَثَنَ وَهُوَ الصَّنَمُ هَذَا عِنْدَهُمَا وَأَمَّا عِنْدَهُ تَحِلُّ لَكِنْ لَا خِلَافَ حَقِيقَةً عَلَى مَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ (أَوْ مَجُوسِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ لَيْسَ لَهُ احْتِمَالُ مِلَّةِ التَّوْحِيدِ (أَوْ مُرْتَدٍّ) لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ حَيْثُ تَرَكَ مَا عَلَيْهِ وَلَمْ يُقِرَّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ عِنْدَنَا بِخِلَافِ الْيَهُودِيِّ إذَا تَنَصَّرَ أَوْ الْعَكْسُ أَوْ تَنَصَّرَ الْمَجُوسِيُّ أَوْ تَهَوَّدَ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ عِنْدَنَا فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ حَتَّى لَوْ تَمَجَّسَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ وَلَا ذَبِيحَتُهُ (أَوْ تَارِكِ التَّسْمِيَةِ) حَالَ كَوْنِهِ (عَمْدًا) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كِتَابِيًّا عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْمَشَايِخُ عَلَى أَنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا لَا يَسَعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَا يَنْفُذُ. وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ تَفْصِيلٌ وَلِحَاشِيَتِهِ لِلْآخَرِ مُنَاقَشَةٌ فَلْيُرْجِعْهُمَا وَفِي الْهِدَايَةِ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَفِيهِ إشْعَارُ التَّسْمِيَةِ شَرْطٌ لِلْحِلِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فَلَوْ قَالَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ مَرِيدًا لَهُ جَازَ فَلَوْ سَمَّى وَلَمْ يَنْوِ الذَّبْحَ لَمْ يَحِلَّ وَحَسَنٌ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْبَقَّالِيُّ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَكَذَا عِنْدَ الْحَلْوَانِيُّ إلَّا إنَّهُ كَرِهَهُ مَعَ الْوَاوِ وَلَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْأَثَرِ بِالْوَاوِ فَلَا يُكْرَهُ وَإِنَّمَا حَلَّ الْأَكْلُ إذَا سَمَّى عَلَى الذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَمَّى عِنْدَ الذَّبْحِ لِافْتِتَاحِ عَمَلٍ آخَرَ لَمْ يَحِلَّ لِمَا فِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ سَمَّى وَلَمْ يَحْضُرْهُ النِّيَّةُ صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ بِالتَّسْمِيَةِ التَّبَرُّكَ فِي ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَرَادَ بِهِ مُنَاجَاةَ الْمُؤَذِّنِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي التَّسْمِيَةِ يَحِلُّ وَكَذَا إذَا فَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّسْمِيَةِ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ لَمْ يَحِلَّ وَكَذَا لَوْ سَمَّى وَذَبَحَ لِقُدُومِ الْأَمِيرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُظَمَاءِ لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ ذَبَحَ تَعْظِيمًا لَهُ لَا لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَا إذَا ذَبَحَ لِلضَّيْفِ فَإِنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى (فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (نَاسِيًا تَحِلُّ) ذَبِيحَتُهُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ مَرْفُوعٌ حُكْمُهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ. (وَكَرِهَ) الْمَذْبُوحُ (أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَهُ وَصْلًا دُونً عَطْفٍ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ

стр. 1268

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ عَلَى سَبِيلِ الْعَطْفِ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لَكِنْ يُكْرَهُ لِوُجُودِ الْقُرْآنِ وَالْوَصْلُ صُورَةٌ وَإِنْ قَالَ بِالْخَفْضِ لَا يَحِلُّ قِيلَ هَذَا إذَا كَانَ يَعْرِفُ النَّحْوَ أَكَلَ ذَبِيحَتَهُ (وَ) كَرِهَ (أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ) فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَمْ تُوجَدْ وَلَمْ يَكُنْ الذَّبْحُ وَاقِعًا عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا ذَكَرْنَا قَبِيلَهُ (فَإِنْ قَالَهُ) أَيْ قَوْلَهُ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ (قَبْلَ الْإِضْجَاعِ) أَوْ بَعْدَ الْإِضْجَاعِ (أَوْ) قَبْلَ (التَّسْمِيَةِ أَوْ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا يُكْرَهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهُ يَقُولُ هَذَا مِنْك وَلَك إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أَمَرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْحَجِّ ثُمَّ يَذْبَحُ وَيَقُولُ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ هَذَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِمَّنْ شَهِدَ لَك بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِي بِالْبَلَاغِ» . (وَإِنْ عَطَفَ حُرِّمَتْ) ذَبِيحَتُهُ (نَحْوُ بِاسْمِ اللَّهِ وَفُلَانٍ بِالْجَرِّ) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَالْأَوْجَهُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ الْإِعْرَابُ بَلْ يَحْرُمُ أَكْلُ الذَّبِيحَةِ مُطْلَقًا بِالْعَطْفِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ فُلَانٍ وَبِاسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ بِالْخَفْضِ وَلَوْ رَفَعَ الْمَعْطُوفَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَحِلُّ وَاخْتَلَفُوا فِي النَّصْبِ وَيُكْرَهُ فِيهِمَا بِالِاتِّفَاقِ لِوُجُودِ الْوَصْلِ صُورَةً. (وَكَذَا) تَحْرُمُ (إنْ أَضْجَعَ شَاةً وَسَمَّى) ثُمَّ تَرَكَهَا وَلَمْ يَذْبَحْهَا (وَذَبَحَ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ هَذِهِ الشَّاةِ (بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ) ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّبْحِ مَشْرُوطَةٌ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَلَمْ تَقَعْ عَلَى الثَّانِيَةِ فَتَحْرُمُ. (وَإِنْ ذَبَحَهَا) أَيْ الذَّبِيحَةَ الْأُولَى (بِشَفْرَةٍ أُخْرَى حَلَّتْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ هُنَا. (وَإِنْ رَمَى إلَى صَيْدٍ وَسَمَّى فَأَصَابَ) السَّهْمُ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ ذَلِكَ الصَّيْدِ (أَكَلَ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ هُنَا عَلَى الْآلَةِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَاَلَّذِي فِي وُسْعِهِ هُوَ الرَّمْيُ دُونَ الْإِصَابَةِ عَلَى مَا قَصَدَهُ) . وَإِنْ سَمَّى عَلَى سَهْمٍ وَرَمَى بِغَيْرِهِ (أَيْ بِغَيْرِ ذَلِكَ السَّهْمِ الَّذِي سَمَّى عَلَيْهِ) لَا يُؤْكَلُ (؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ التَّسْمِيَةَ) عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ فَكَانَ رَمْيُهُ بِلَا تَسْمِيَةٍ. (وَالْإِرْسَالَ) أَيْ إرْسَالَ الْكَلْبِ وَالْجَارِحِ (كَالرَّمْيِ) حُكْمًا فَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ إلَى صَيْدٍ وَسَمَّى فَتَرَكَ الْكَلْبَ ذَلِكَ الصَّيْدَ فَأَخَذَ غَيْرَهُ حَلَّ لِتَعْلِيقِ التَّسْمِيَةِ بِالْآلَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلَ كَلْبًا وَسَمَّى ثُمَّ تَرَكَ وَأَرْسَلَ آخَرَ فَأَصَابَ لَا يُؤْكَلُ لِعَدَمِ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الْآلَةِ وَهُوَ الشَّرْطُ. وَفِي الْمِنَحِ وَيُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ حَالَ الذَّبْحِ وَفِي الرَّمْيِ عِنْدَ الرَّمْيِ وَفِي الْإِرْسَالِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ وَالْمُعْتَبَرُ الذَّبْحُ عَقِيبَ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ تَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ. (وَالشَّرْطُ) فِي التَّسْمِيَةِ (الذِّكْرُ الْخَالِصُ) الْمُجَرَّدُ عَنْ شَوْبِ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جُرِّدُوا التَّسْمِيَةَ ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ قَالَ) عِنْدَ الذَّبْحِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَا يَحِلُّ) ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَسُؤَالٌ (وَبِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ) يُرِيدُ بِهِ التَّسْمِيَةُ (يَحِلُّ) ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ خَالِصٌ فَيَقُومُ مَقَامَ التَّسْمِيَةِ (لَا) يَحِلُّ فِي الْأَصَحِّ (لَوْ عَطَسَ) عِنْدَ الذَّبْحِ (وَحَمِدَ لَهُ) لِأَنَّهُ (يُرِيدُ الْحَمْدَ لِلَّهِ عَلَى النِّعْمَةِ)

стр. 1269

دُونَ التَّسْمِيَةِ بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ حَيْثُ يَجْزِيهِ ذَلِكَ عَنْ الْخُطْبَةِ إذَا نَوَى؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا وَفِي الذَّبِيحَةِ الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الذَّكَرُ عَلَى الْمَذْبُوحِ. وَفِي الْمِنَحِ وَفِي قَوَاعِدِ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي الْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ فَشَرَطَ لِصِحَّتِهَا حَتَّى لَوْ عَطَسَ بَعْدَ صُعُودِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِلْعُطَاسِ غَيْرَ قَاصِدٍ لَهَا لَمْ تَصِحَّ. (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ) أَيْ قَطْعُ عُرُوقِهَا الْكَائِنَةِ فِي أَسْفَلِ عُنُقِهَا عِنْدَ صُدُورِهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ النَّحْرِ عَنْهَا لَا لَحْمَ عَلَيْهِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْحَلْقِ عَلَيْهِ لَحْمٌ غَلِيظٌ فَالنَّحْرُ أَسْهَلُ مِنْ الذَّبْحِ (وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) ؛ لِأَنَّ أَسْفَلَ الْحَلْقِ وَأَعْلَاهُ سَوَاءٌ فِي اللَّحْمِ مِنْهُمَا وَالذَّبْحُ أَيْسَرُ (وَيُكْرَهُ الْعَكْسُ) أَيْ ذَبْحُ الْإِبِلِ وَنَحْرُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِتَرْكِ السُّنَّةِ الْمُتَوَارِثَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أَيْ انْحَرْ الْجَزُورَ (وَيَحِلُّ) لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِلِّ وَهُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ وَإِنْهَارُ الدَّمِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ قَائِمًا وَيَذْبَحَ الشَّاةَ مُضْطَجِعَةً وَكَذَا الْبَقَرُ (وَالذَّبْحُ) أَيْ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ (بَيْنَ الْحَلْقِ) هُوَ الْحُلْقُومُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (وَاللَّبَّة) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ هِيَ الْمَنْحَرُ مِنْ الصَّدْرِ عَلَى مَا فِي الْكَافِي وَالْهِدَايَةِ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطَةِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ مَحَلُّ الذَّكْوَةِ الْحَلْقُ كُلُّهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «الذَّكْوَةِ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ» وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إنَّهُ لَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ وَأَوْسَطَهُ وَعَنْ هَذَا قَالَ (أَعْلَى الْحَلْقِ أَوْ أَسْفَلَهُ أَوْ أَوْسَطَهُ) فَيَكُونُ عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ بَيْنَ قَالَ أَبُو الْمَكَارِمِ. وَفِي الْكَافِي إنَّ مَا بَيْنَهُمَا هُوَ الْحَلْقُ كُلُّهُ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَلْقَ وَهُوَ الْحُلْقُومُ فَظَهَرَ فَسَادُ مَا فِي الْكِفَايَةِ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ أَنَّ الذَّبْحَ لَوْ وَقَعَ فِي أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ كَانَ الْمَذْبُوحُ حَلَالًا لِكَوْنِهِ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الذَّبْحَ إذَا وَقَعَ فِي أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ لَا يَحِلُّ انْتَهَى لَكِنْ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَالْحَلْقُ فِي الْأَصْلِ الْحُلْقُومُ اُسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِ الْعُنُقِ بِعَلَاقَةِ الْجُزْئِيَّةِ لِقَرِينَةِ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ وَكَلَامِ التُّحْفَةِ وَالْعَتَّابِيِّ وَالْكَافِي وَالْمُضْمِرَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعُنُقِ بِعَلَاقَةِ الْجُزْئِيَّةِ بِقَرِينَةِ رِوَايَةِ الْجَامِعِ فَالْمَعْنَى مِنْ مَبْدَأِ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ فَالْمَذْبَحُ عِنْدَ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ الْعُقْدَةِ وَعِنْدَ الْآخَرَيْنِ مِنْ أَصْلِ الْعُنُقِ فَمِنْ الظَّنِّ الْفَاسِدِ إفْسَادُ كَلَامِ الْكِفَايَةِ بِنَاءً عَلَى كَلَامِ الْآخَرَيْنِ مَعَ إنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ حَيْثُ نَقَلَهُ هُوَ هَكَذَا مُقْتَضَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ أَنَّ الذَّبْحَ لَوْ وَقَعَ فِي أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ كَانَ الْمَذْبُوحُ حَلَالًا وَكَلَامُهُ هَكَذَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَحِلَّ وَإِنْ وَقَعَ الذَّبْحُ فَوْقَ الْحَلْقِ قَبْلَ الْعُقْدَةِ وَلَوْ جَعَلَ بَيْنَ بِمَعْنَى فِي كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ لَمْ يَسْتَقِمْ كَمَا لَا يَخْفَى (وَقِيلَ لَا يَجُوزُ فَوْقَ الْعُقْدَةِ) وَإِنَّمَا أَتَى بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لِمُخَالَفَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي مَرَّ آنِفًا. (وَالْعُرُوقِ) أَيْ عُرُوقِ الذَّبْحِ الِاخْتِيَارِيِّ

стр. 1270

كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ بَعِيدٌ بَلْ الْأَوْلَى عُرُوقُ الْحَلْقِ فِي الْمَذْبَحِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (الَّتِي تُقْطَعُ فِي الذَّكْوَةِ) أَرْبَعَةٌ (الْحُلْقُومُ) مَجْرَى النَّفَسِ (وَالْمَرِيءُ) مَهْمُوزُ اللَّامِ فَعِيلٌ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَصْلُهُ رَأْسُ الْمَعِدَةِ الْمُتَّصِلَةُ بِالْحُلْقُومِ كَمَا فِي الدِّيوَانِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي الطَّلَبَةِ أَنَّ الْحُلْقُومَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالْمَرِيءُ مَجْرَى الشَّرَابِ وَفِي الْعَيْنِيِّ أَنَّ الْحُلْقُومَ مَجْرَاهُمَا. وَفِي الْمَبْسُوطَيْنِ أَنَّهُمَا عَكْسُ مَا ذَكَرْنَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ فَإِنَّهُ قَالَ وَأَمَّا الْحُلْقُومُ فَيُخَالِفُ الْمَرِيءَ فَإِنَّهُ مَجْرَى الْعَلَفِ وَالْمَاءِ وَالْمَرِيءُ مَجْرَى النَّفَسِ (وَالْوَدَجَانِ) تَثْنِيَةُ وَدَجٍ بِفَتْحَتَيْنِ عِرْقَانِ عَظِيمَانِ فِي جَانِبِ قُدَّامِ الْعُنُقِ بَيْنَهُمَا الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ (وَيَكْفِي قَطْعُ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَرْبَعَةِ (أَيًّا كَانَتْ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا سَيَأْتِي (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ (لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ أَكْثَرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَرْبَعَةِ (وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ وَالْأَمْرُ وَرَدَ بِقَطْعِهِ فَقَامَ الْأَكْثَرُ مَقَامَ الْكُلِّ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ) وَلَا يَكْتَفِي بِوَاحِدٍ مِنْهَا (وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِلْآخِرِ وَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهِمَا وَأَمَّا الْوَدَجَانِ فَالْمَقْصُودُ مِنْ قَطْعِهِمَا إنْهَارُ الدَّمِ فَيَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْكُلِّ (وَقِيلَ مُحَمَّدٌ مَعَهُ) أَيْ مَعَ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي الْهِدَايَةِ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَحْدَهُ وَكَوْنُ مُحَمَّدٍ مَعَهُ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. (وَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِكُلِّ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ) أَيْ قَطْع الْعُرُوقَ وَأَخْرَجَ مَا فِيهَا مِنْ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَوْدَاجِ هَهُنَا كُلُّ الْأَرْبَعَةِ تَغْلِيبًا (وَأَنْهَرَ الدَّمَ) يَعْنِي أَسَالَهُ مِنْ نَهَرَ الْمَاءَ فِي الْأَرْضِ سَالَ (وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (مَرْوَة) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ يَجُوزُ الذَّبْحُ بِهَا وَهِيَ حَجَرٌ أَبْيَضُ يُذْبَحُ بِهَا كَالسِّكِّينِ (أَوْ لِيطَةً) بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْيَاءِ هِيَ قِشْرُ الْقَصَبِ (أَوْ سِنًّا أَوْ ظُفُرًا مَنْزُوعِينَ) إذْ بِهِمَا تَحِلُّ الذَّبِيحَةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ ﵊ «أَنْهِرْ الْأَوْدَاجَ بِمَا شِئْت» وَيُرْوَى «أَفْرِ الْأَوْدَاجَ بِمَا شِئْت» (لَا) تَحِلُّ (بِالْقَائِمِينَ) أَيْ مُتَّصِلِينَ بِمَوْضِعِهِمَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الذَّبِيحَةُ مَيْتَةٌ وَلَوْ كَانَا مَنْزُوعِينَ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا خَلَا الظُّفُرَ وَالسِّنَّ وَأَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» وَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَنْزُوعِ فَإِنَّهُ الصَّادِرُ مِنْ الْحَبَشَةِ. (وَنُدِبَ إحْدَادُ الشَّفْرَةِ) قَبْلَ الْإِضْجَاعِ لِوُرُودِ الْأَثَرِ وَأَنْ يُضْجِعَ بِالرِّفْقِ وَعَلَى الْيَسَارِ وَيُوَجِّهَ إلَى الْقِبْلَةِ وَيُشَدَّ مِنْهَا ثَلَاثَ قَوَائِمَ فَقَطْ وَيَذْبَحَ بِالْيَمِينِ وَيُسْرِعَ عَلَى الذَّبْحِ وَإِجْرَاءُ الشَّفْرَةِ عَلَى الْحَلْقِ (وَكَرِهَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْإِضْجَاعِ إشْفَاقًا عَلَى الْمَذْبُوحِ. (وَكَذَا) كُرِهَ (جَرُّهَا بِرِجْلِهَا) أَيْ الذَّبِيحَةِ (إلَى الْمَذْبَحِ)

стр. 1271

إرْفَاقًا لَهَا (وَالنَّخْعُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَنْ يَصِلَ إلَى النُّخَاعِ وَهُوَ خَيْطٌ أَبْيَضُ فِي جَوْفِ عَظْمِ الرَّقَبَةِ لِزِيَادَةِ أَلَمٍ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ وَقِيلَ أَنْ يَمُدَّ رَأْسَهَا حَتَّى يَظْهَرَ مَذْبَحَهَا وَقِيلَ أَنْ يَكْسِرَ رَقَبَتَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ مِنْ الِاضْطِرَابِ. (وَ) كُرِهَ (قَطْعُ الرَّأْسِ وَالسَّلْخُ قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ وَالذَّبْحُ مِنْ الْقَفَاءِ) إذْ هُوَ عَذَابٌ فَوْقَ الْعَذَابِ. (وَتَحِلُّ) الذَّبِيحَةُ لَوْ ذَبَحَهَا مِنْ الْقَفَاءِ (إنْ بَقِيَتْ حَيَّةً حَتَّى قُطِعَتْ الْعُرُوقُ) لِيَتَحَقَّقَ الْمَوْتُ بِمَا هُوَ ذَكَاةٌ كَمَا إذَا جَرَحَهَا ثُمَّ قَطَعَ الْأَوْدَاجَ (وَإِلَّا) أَيْ لَمْ تَبْقَ بَلْ مَاتَتْ قَبْلَ قَطْعِ الْعُرُوقِ (فَلَا) تَحِلُّ وَلَا تُؤْكَلُ لِوُجُودِ مَا لَيْسَ بِذَكْوَةٍ كَمَا لَوْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا (وَلَزِمَ ذَبْحُ صَيْدٍ اُسْتُؤْنِسَ) كَالظَّبْيِ إذَا تَأَلَّفَ فِي الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يُذْبَحُ لِإِمْكَانِهِ. (وَجَازَ جَرْحُ نَعَمٍ) بِفَتْحَتَيْنِ مِثْلُ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ (تَوَحَّشَ) بِأَنْ نَدَّ عَنْ أَهْلِهِ وَدَخَلَ فِي الْبَادِيَةِ وَصَارَ وَحْشِيًّا؛ لِأَنَّ الذَّكْوَةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ تَعَذَّرَتْ فَيُذَكَّى بِالْجُرْحِ فِي بَدَنِهِ حَيْثُ اتَّفَقَ كَالصَّيْدِ (أَوْ تَرَدَّى) حَيَوَانٌ (فِي بِئْرٍ إذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَبْحُهُ) فَإِنَّهُ يُجْرَحُ وَيُؤْكَلُ إذَا عَلِمَ بِمَوْتِهِ مِنْ الْجُرْحِ وَإِلَّا لَا وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ أَكَلَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَوْتَ مِنْهُ وَكَذَا الدَّجَاجَةُ إذَا تَعَلَّقَتْ عَلَى شَجَرَةٍ وَخِيفَ مَوْتُهَا صَارَتْ ذَكْوَتُهَا الْجُرْحَ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ الْجَوَابَ فِيمَا تَوَحَّشَ مِنْ الْغَنَمِ وَكَذَا فِيمَا تَرَدَّى وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الشَّاةَ إذَا نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَا تَحِلُّ بِالْعَقْرِ وَإِنْ نَدَّتْ فِي الصَّحْرَاءِ تَحِلُّ بِالْعَقْرِ وَفِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ فِي الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ فَتَحِلُّ بِالْعَقْرِ. وَقَالَ مَالِكٌ يَلْزَمُ الذَّبْحُ فِي الْوَجْهَيْنِ لَا الْجُرْحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ وَلَا عِبْرَةَ لِلنَّادِرِ فِي الْأَحْكَامِ. (وَلَا يَحِلُّ الْجَنِينُ بِذَكْوَةِ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَا) حَتَّى لَوْ نَحَرَ نَاقَةً أَوْ ذَبَحَ بَقَرَةً أَوْ شَاةً فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا جَنِينٌ مَيِّتٌ لَمْ تُؤْكَلْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ وَحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ فِي حَيَاتِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ ذَكْوَةٌ اسْتِقْلَالِيَّةٌ (وَقَالَا يَحِلُّ إنْ تَمَّ خَلْقُهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. [فَصْلٌ فِيمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا لَا يَحِلُّ] ُّ (وَيَحْرُمُ أَكْلُ كُلِّ ذِي) أَيْ صَاحِبِ (نَابٍ) هُوَ كُلُّ حَيَوَانٍ يَنْتَهِبُ بِالنَّابِ كَالذِّئْبِ مِنْ سَبُعٍ هُوَ كُلُّ جَارِحٍ مُنْتَهِبٍ قَاتِلٍ (أَوْ) يَحْرُمُ كُلُّ ذِي (مِخْلَبٍ) يَخْتَطِفُ بِالْمِخْلَبِ كَالْبَازِي مِنْ الطَّيْرِ فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الْإِيذَاءُ بِالنَّابِ وَالْمِخْلَبِ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْحُرْمَةِ وَقَوْلُهُ (مِنْ سَبُعٍ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ ذِي نَابٍ وَقَوْلُهُ (أَوْ طَيْرٍ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ ذِي مِخْلَبٍ وَالْمُرَادُ مِنْ ذِي نَابٍ الَّذِي يَصِيدُ بِنَابِهِ وَمِنْ ذِي مِخْلَبٍ الَّذِي يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ لِأَكْلِ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ فَإِنَّ الْحَمَامَةَ لَهَا مِخْلَبٌ وَالْبَعِيرُ لَهُ نَابٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «نَهَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» . (وَلَوْ ضَبُعًا أَوْ ثَعْلَبًا) لِأَنَّهُمَا مِنْ السِّبَاعِ فَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُمَا كَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ

стр. 1272

أَهْلِيًّا أَوْ بَرِّيًّا فَيَكُونُ الْحَدِيثُ حُجَّةً عَلَى الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهِمَا. (وَ) يَحْرُمُ أَكْلُ (الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «حَرَّمَ لُحُومَ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» بِخِلَافِ الْوَحْشِيَّةِ فَإِنَّهَا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَعِنْدَ مَالِكٍ يَحِلُّ أَيْضًا فِي الْأَهْلِيَّةِ (وَالْبِغَالِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْحِمَارِ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ فَرَسًا كَانَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ بَقَرَةً لَا يُؤْكَلُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ الْأُمُّ فِيمَا تُولَدُ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ (وَالْفِيلِ) ؛ لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ (وَالضَّبِّ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السِّبَاعِ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (وَالْيَرْبُوعِ وَابْنِ عُرْسٍ) يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيِّ راسو؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سِبَاعِ الْهَوَامِّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَالزُّنْبُورِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ (وَالسُّلَحْفَاةِ) الْبَرِّيَّةِ وَالْبَحْرِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْخَبَائِثِ (وَالْحَشَرَاتِ) الصِّغَارِ مِنْ الدَّوَابِّ جَمْعُ الْحَشَرَةِ كَالْفَأْرَةِ وَالْوَزَغَةِ وَسَامِّ أَبْرَصَ وَالْقُنْفُذِ وَالْحَيَّةِ وَالضِّفْدَعِ وَالْبُرْغُوثِ وَالْقَمْلِ وَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالْقُرَادِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْخَبَائِثِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَمَا رُوِيَ مِنْ إبَاحَةِ الضَّبِّ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَبَائِثِ فَالْمُؤَثِّرُ فِي الْحُرْمَةِ الْخُبْثُ الْخُلُقِيِّ كَمَا فِي الْهَوَامِّ أَوْ بِعَارِضٍ كَمَا فِي الْجَلَّالَةِ كَبَقَرَةٍ تَتْبَعُ النَّجَسَ قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي حُرْمِيَّةِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ كَرَامَةُ بَنِي آدَمَ كَيْ لَا يَتَعَدَّى شَيْءٌ مِنْ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ إلَيْهِمْ بِالْأَكْلِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا بَأْسَ بِدُودِ الزُّنْبُورِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا رُوحَ لَهُ لَا يُسَمَّى مَيْتَةً وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَشَرَاتِ مُحَرَّمَةٌ عِنْدَنَا حَلَالٌ مَكْرُوهٌ عِنْدَ غَيْرِنَا وَإِنَّ شَاةً لَوْ حَمَلَتْ مِنْ كَلْبٍ وَرَأْسُ وَلَدِهَا رَأْسُ الْكَلْبِ أُكِلَ إلَّا رَأْسَهُ إنْ أَكَلَ الْعَلَفَ دُونَ اللَّحْمِ أَوْ صَاحَ صِيَاحَ الْغَنَمِ لَا الْكَلْبِ أَوْ أَتَى بِالصُّورَتَيْنِ وَكَانَ لَهُ الْكَرِشُ لَا الْأَمْعَاءُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَيُكْرَهُ الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ) الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ (وَالْغُدَافُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي آخِرِهِ فَاءٌ نَوْعٌ مِنْ الْغُرَابِ لِأَكْلِهِمَا الْجِيَفَ (وَالرَّخَمُ) جَمْعُ رَخَمَةٍ وَهُوَ طَيْرٌ أَبْلَقُ يُشْبِهُ النَّسْرَ فِي الْخِلْقَةِ (وَالْبُغَاثُ) وَهُوَ طَائِرٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ الْعُصْفُورَ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ الْجِيَفَ. (وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ لَحْمُ (الْخَيْلِ تَحْرِيمًا) أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عِنْدَ الْإِمَامِ (فِي الْأَصَحِّ) كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْهِدَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ لَحْمِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْكَرْمِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنْت مُتَرَدِّدًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لِي هُوَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ يَا عَبْدَ الرَّحِيمِ وَقِيلَ إنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَنْ حُرْمَةِ لَحْمِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي كِفَايَةِ الْبَيْهَقِيّ ثُمَّ إنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ (وَعِنْدَهُمَا) وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ

стр. 1273

(لَا يُكْرَهُ) لَحْمُ (الْخَيْلِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «وَأَذِنَ فِي لَحْمِ الْخَيْلِ يَوْمَ خَيْبَرَ» . (وَحَلَّ الْعَقْعَقُ) ؛ لِأَنَّهُ يَخْلِطُ فِي أَكْلِهِ فَأَشْبَهَ الدَّجَاجَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ غَالِبَ مَأْكُولِهِ الْجِيَفُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (وَغُرَابُ الزَّرْعِ) ؛ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَبَّ وَلَيْسَ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَلَا مِنْ الْخَبَائِثِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْغُرَابَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ يَأْكُلُ الْحَبَّ فَقَطْ وَهُوَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَنَوْعٌ يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَقَطْ وَهُوَ مَكْرُوهٌ وَنَوْعٌ يَأْكُلُ الْحَبَّ مَرَّةً وَالْجِيَفَ أُخْرَى وَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (وَالْأَرْنَبُ) «لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوهُ حِينَ أُهْدِيَ إلَيْهِ مَشْوِيًّا» وَكَذَا الْوَبَرُ كَمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ. وَفِي النِّهَايَةِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ الْخُفَّاشَ يُؤْكَلُ وَذَكَرَ فِي بَعْضِهَا لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ لَهُ نَابًا. (وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ) وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مَثْوَاهُ وَعَيْشُهُ فِي الْمَاءِ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (إلَّا السَّمَكُ بِأَنْوَاعِهِ) غَيْرَ الطَّافِي. وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ بِإِطْلَاقِ جَمِيعِ مَا فِي الْبَحْرِ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الْخِنْزِيرَ وَالْكَلْبَ وَالْإِنْسَانَ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَالْخِلَافُ فِي الْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَاحِدٌ لَهُمْ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذْ الدَّمَوِيُّ لَا يَسْكُنُ فِي الْمَاءِ وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الدَّمُ فَأَشْبَهَ السَّمَكَ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَمَا سِوَى السَّمَكِ خَبِيثٌ «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ دَوَاءٍ يُتَّخَذُ فِيهِ الضِّفْدَعُ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ السَّرَطَانِ» وَالصَّيْدِ الْمَذْكُورِ فِيمَا تَلَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاصْطِيَادِ وَهُوَ مُبَاحٌ فِيمَا لَا يَحِلُّ وَالْمَيْتَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا رُوِيَ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَكِ وَهُوَ حَلَالٌ مُسْتَثْنًى عَنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيِّتَتَانِ وَدَمَانِ أَمَّا الْمَيِّتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (كَالْجِرِّيثِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ نَوْعٌ مِنْ السَّمَكِ غَيْرِ الْمَارْمَاهِيِّ (وَالْمَارْمَاهِيِّ) وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُمَا بِالذِّكْرِ لِمَكَانِ الْخَفَاءِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ جِنْسِ السَّمَكِ وَلِمَكَانِ الْخِلَافِ فِيهِمَا لِمُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ وَمَا قِيلَ أَنَّ الْجِرِّيثَ كَانَ دَيُّوثًا يَدْعُو النَّاسَ إلَى حَلِيلَتِهِ فَمَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ وَلَا يَقَعُ بَاقِيًا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِنَّ الْمَارْمَاهِيَّ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْحَيَّةِ لَيْسَ بِوَاقِعٍ بَلْ هُوَ جِنْسٌ شَبِيهٌ بِهَا صُورَةً (وَلَا يُؤْكَلُ الطَّافِي مِنْهُ) هُوَ السَّمَكُ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ بِلَا سَبَبٍ ثُمَّ يَعْلُو فَيَظْهَرُ حَتَّى إذَا انْحَسَرَ عَنْهُ الْمَاءُ يَجُوزُ أَكْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الْمَاءُ فَكُلْ» وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا انْحَسَرَ الْمَاءُ عَنْ بَعْضِهِ فَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ فَمَاتَ لَا يُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ ذَنَبُهُ فِي الْمَاءِ فَمَاتَ يُؤْكَلُ إذْ هَذَا سَبَبٌ لِمَوْتِهِ. وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى إذَا وُجِدَ السَّمَكُ مَيْتًا عَلَى الْمَاءِ وَبَطْنُهُ مِنْ فَوْقٍ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّهُ طَافَ.

стр. 1274

وَإِنْ كَانَ ظَهْرُهُ مِنْ فَوْقٍ أُكِلَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَافٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهِ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّ مَيْتَةَ الْبَحْرِ مَوْصُوفَةٌ بِالْحِلِّ بِالْحَدِيثِ وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «مَا انْصَبَّ عَنْهُ الْمَاءُ فَكُلُوا وَمَا لَفَظَهُ الْمَاءُ فَكُلُوا وَمَا طَفِئَ فَلَا تَأْكُلُوا» . (وَإِنْ مَاتَ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ) أَوْ فِي كَدَرِ الْمَاءِ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ يُؤْكَلُ لِوُجُودِ السَّبَبِ بِمَوْتِهَا. وَفِي الْمِنَحِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَحِلُّ أَكْلُهُ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي أُخْرَى لَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَقْتُلُ السَّمَكَ حَارًّا أَوْ بَارِدًا وَبِهِ أَخَذَ السَّرَخْسِيُّ. وَفِي الدُّرَرِ وَإِنْ ضَرَبَ سَمَكَةً فَقَطَعَ بَعْضَهَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مَا أَبَيْنَ وَمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبٍ وَمَا أَبَيْنَ مِنْ الْحَيِّ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَمَيْتَتُهُ حَلَالٌ لِلْحَدِيثِ وَكَذَا إنْ وُجِدَ فِي بَطْنِهَا سَمَكَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ ضِيقَ الْمَكَانِ سَبَبٌ لِمَوْتِهَا وَكَذَا إنْ قَتَلَهَا شَيْءٌ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ أَوْ مَاتَتْ فِي جُبِّ مَاءٍ أَوْ جَمَعَهَا فِي حَظِيرَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا بِغَيْرِ صَيْدٍ فَمِتْنَ فِيهَا؛ لِأَنَّ ضِيقَ الْمَكَانِ سَبَبٌ لِمَوْتِهَا وَإِذَا مَاتَتْ فِي الشَّبَكَةِ وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخْلِيصِ مِنْهَا أَوْ أَكَلَ شَيْئًا أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ لِيَأْكُلَهُ فَمَاتَتْ مِنْهُ أَوْ رَبَطَهَا فِي الْمَاءِ فَمَاتَتْ أَوْ انْجَمَدَ الْمَاءُ فَبَقِيَتْ بَيْنَ الْجَمَدِ فَمَاتَتْ يُؤْكَلُ وَفِي الْمِنَحِ إذَا رَمَى صَيْدًا فَقَطَعَ عُضْوًا أَكْلُ الصَّيْدِ دُونَ الْعُضْوِ وَلَوْ قُطِعْنَ نِصْفَيْنِ أُكِلَا انْتَهَى (وَيَحِلُّ هُوَ) أَيْ السَّمَكُ (وَالْجَرَادُ بِلَا ذَكْوَةٍ) لِمَا رَوَيْنَاهُ لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ الْجَرَادَ يُؤْكَلُ وَإِنْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهِ بِخِلَافِ السَّمَكِ وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا بُدَّ مِنْ مَوْتِ الْجَرَادِ مِنْ سَبَبٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَعَنْ مَالِكٍ يُعْتَبَرُ قَطْعُ رَأْسِهِ وَيَشْوِيهِ. (وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهَا فَتَحَرَّكَتْ أَوْ خَرَجَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الشَّاةِ (دَمٌ) مِنْ غَيْرِ تَحَرُّكٍ (حَلَّتْ) أَكْلُهَا لِأَنَّ الْحَرَكَةَ وَخُرُوجَ الدَّمِ لَا يَكُونَانِ إلَّا مِنْ الْحَيِّ وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ إنْ خَرَجَ الدَّمُ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ لَا يَحِلُّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّك أَوْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ (فَلَا) تَحِلُّ إنْ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ وَقْتَ الذَّبْحِ. (وَإِنْ عُلِمَتْ) حَيَاتُهَا وَقْتَ الذَّبْحِ (حَلَّتْ مُطْلَقًا) أَيْ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً مَرِيضَةً لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْهَا إلَّا فُوهُهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ إنْ فَتَحْت عَيْنَهَا لَا تُؤْكَلُ وَإِنَّ فَتَحْت عَيْنَهَا تُؤْكَلُ وَإِنْ مَدَّتْ رِجْلَهَا لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ قَبَضَتْ رِجْلَهَا أُكِلَتْ وَإِنْ نَامَ شَعَرُهَا لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ قَامَ شَعَرُهَا أُكِلَتْ وَفِي التَّنْوِيرِ سَمَكَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْمَظْرُوفَةُ صَحِيحَةً حَلَّتَا وَإِلَّا حَلَّ الظَّرْفُ لَا الْمَظْرُوفُ. [كِتَاب الْأُضْحِيَّة] (كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ) عَقَّبَ بِهِ الذَّبَائِحَ لِأَنَّهَا كَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ إذْ بِهَا تُعْرَفُ التَّضْحِيَةُ أَيْ الذَّبْحِ فِي أَيَّامِ الْأَضْحَى وَهِيَ أَفَعُولَةٌ وَكَانَ أَصْلُهُ أُضْحُويَةَ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسَبَقَتْ إحْدَاهُمَا

стр. 1275

بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ وَكُسِرَتْ الْحَاءُ لِثَبَاتِ الْيَاءِ وَيُجْمَعُ عَلَى أَضَاحِيِّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ أُضْحِيَّةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِكَسْرِهَا وَضَحِيَّةٌ بِفَتْحِ الضَّادِ عَلَى وَزْنِ فَعِيلَةٍ وَيُجْمَعُ عَلَى ضَحَايَا كَهَدِيَّةِ عَلَى هَدَايَا وَضَحَاةٍ وَجَمْعُهُ أَضْحَى كَأَرْطَاةَ وَأَرْطَى. وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْأَضْحَى يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَفِي الشَّرْعِ هِيَ ذَبْحُ حَيَوَانٍ مَخْصُوصٍ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ يَوْمُ الْأَضْحَى وَشَرَائِطُهَا الْإِسْلَامُ وَالْيَسَارُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فَتَجِبُ عَلَى الْأُنْثَى وَسَبَبُهَا الْوَقْتُ وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ وَرُكْنُهَا ذَبْحُ مَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا وَحُكْمُهَا الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ فِي الدُّنْيَا وَالْوُصُولِ إلَى الثَّوَابِ فِي الْعُقْبَى (هِيَ) أَيْ الْأُضْحِيَّةُ (وَاجِبَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ (وَقِيلَ هُوَ) أَيْ كَوْنُهَا سُنَّةً (قَوْلُهُمَا) يَعْنِي ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا وَوَجْهُ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ وَجَدَ سَعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» هَذَا وَعِيدٌ يَلْحَقُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَوَجْهُ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ مِنْكُمْ شَاةً فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ شَيْئًا» إذْ التَّعْلِيقُ بِالْإِدَارَةِ يُنَافِي الْوُجُوبَ لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْإِرَادَةِ الْقَصْدُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ السَّهْوِ لَا التَّخْيِيرُ لِأَنَّهُ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالتَّرْكِ فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ مَنْ قَصَدَ مِنْهُمْ أَنْ يُضَحِّيَ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فَصَارَ هَذَا نَظِيرَ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» لَمْ يُرِدْ التَّخْيِيرَ هُنَاكَ فَكَذَا هُنَا. (وَإِنَّمَا تَجِبُ) التَّضْحِيَةُ دُونَ الْأُضْحِيَّةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ إلَّا أَنَّ الْقُدُورِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ قَالَ: ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ وَمَجَازٌ وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الْوُجُوبُ الْعَمَلِيُّ لَا الِاعْتِقَادِيُّ حَتَّى لَا يَكْفُرَ جَاحِدُهَا كَمَا فِي الْمِنَحِ (عَلَى حُرٍّ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ (مُسْلِمٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ (مُقِيمٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ وَلَا أُضْحِيَّةٌ وَعَنْ مَالِكٍ لَا يُشْتَرَطُ الْإِقَامَةُ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُقِيمُ بِالْمِصْرِ وَالْقَوِيُّ وَالْبَوَادِي (مُوسِرٍ) ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْقَادِرِ وَهُوَ الْغَنِيُّ دُونَ الْفَقِيرِ وَمِقْدَارُهُ مَا تَجِبُ فِيهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَقَوْلُهُ (عَنْ نَفْسِهِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ عَلَيْهِ (لَا عَنْ طِفْلِهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِكَوْنِهَا قُرْبَةً مَحْضَةً فَلَا تَجِبُ عَلَى الْغَيْرِ بِسَبَبِ الْغَيْرِ (وَقِيلَ) أَيْ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ (تَجِبُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الطِّفْلِ (أَيْضًا) أَيْ كَنَفْسِهِ لِكَوْنِهَا قُرْبَةً مَالِيَّةً وَالطِّفْلُ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ (وَقِيلَ يُضَحِّي عَنْهُ) أَيْ عَنْ الطِّفْلِ (أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ مِنْ مَالِهِ) إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ (فَيُطْعِمُ) الطِّفْلَ (مِنْهَا مَا أَمْكَنَ) الْإِطْعَامُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ (وَيَسْتَبْدِلُ بِالْبَاقِي مَا يَنْتَفِعُ بِهِ

стр. 1276

مَعَ بَقَائِهِ) كَالثَّوْبِ وَالْخُفِّ فَلَا يَسْتَبْدِلُ بِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ كَالْخُبْزِ وَالْإِدَامِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ إرَاقَةُ الدَّمِ فَالتَّصَدُّقُ بِاللَّحْمِ تَبَرُّعٌ وَهُوَ لَا يَجْرِي فِي مَالِ الصَّبِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُطْعِمَ الطِّفْلَ وَيَدَّخِرَ لَهُ وَيَسْتَبْدِلَ الْبَاقِي بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي يَنْتَفِعُ الطِّفْلُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ أَعْيَانِهَا اعْتِبَارًا بِجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَإِنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ يُضَحِّي عَنْهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ فَالْخِلَافُ فِي هَذَا كَالْخِلَافِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقِيلَ لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ مِنْ مَالِهِ الصَّغِيرِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِمَا قَرَّرْنَاهُ قُبَيْلَهُ وَالْأَصَحُّ أَنْ يُضَحِّيَ مِنْ مَالِهِ يَأْكُلُ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهُ وَيَبْتَاعُ بِمَا بَقِيَ مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ. (وَهِيَ) أَيْ الْأُضْحِيَّةُ (شَاةٌ) تَجُوزُ مِنْ فَرْدٍ فَقَطْ (أَوْ بَدَنَةٌ) تَجُوزُ مِنْ وَاحِدٍ أَيْضًا (أَوْ سُبْعٌ) بِضَمِّ السِّينِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ مِنْ السَّبْعِ (بَدَنَةٌ) بَيَانٌ لِلْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْبَدَنَةُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْقُرْبَةُ وَالْقُرْبَةُ لَا تَتَجَزَّأُ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» وَلَا نَصَّ فِي الشَّاةِ فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ ثُمَّ أَرَادَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ فَقَالَ (بِأَنْ اشْتَرَكَ) الْمُضَحِّي (مَعَ سِتَّةِ فِي بَقَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ وَكُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمْ (يُرِيدُ الْقُرْبَةَ وَهُوَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ بِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ (وَلَمْ يَنْقُصْ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا عَنْ سُبْعِ) ثُمَّ فَرَّعَهُ فَقَالَ (فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ بِنَصِيبِهِ اللَّحْمَ أَوْ كَانَ كَافِرًا أَوْ نَصِيبُهُ) أَيْ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ (أَقَلُّ مِنْ سُبْعٍ لَا يَجُوزُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) لِمَا مَرَّ أَنَّ وَصْفَ الْقُرْبَةِ لَا يَتَجَزَّأُ حَتَّى إذَا مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ امْرَأَةً وَابْنًا وَبَقَرَةً فَضَحَّيَاهَا يَوْمَ الْعِيدِ لَا يَجُوزُ فِي نَصِيبِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ السُّبْعِ وَكَذَا لَا يَجُوزُ فِي نَصِيبِ الِابْنِ لِانْعِدَامِ وَصْفِ الْقُرْبَةِ فِي الْبَعْضِ. وَقَالَ مَالِكٌ تَجُوزُ الْبَدَنَةُ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ وَلَا تَجُوزُ عَنْ أَهْلِ بَيْتَيْنِ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْهَا (وَيَجُوزُ اشْتِرَاكُ أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ الْبَدَنَةُ بَيْنَ (اثْنَيْنِ) نِصْفَيْنِ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَتَجُوزُ عَنْ سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ عَنْ السَّبْعَةِ فَعَنْ دُونِهِ أَوْلَى وَلَا تَجُوزُ عَنْ الثَّمَانِيَةِ لِعَدَمِ النَّقْلِ فِيهِ (وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا) أَيْ إذَا جَازَ عَلَى الشَّرِكَةِ فَيُقَسَّمُ اللَّحْمُ (وَزْنًا) بَيْنَ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ (لَا جُزَافًا) لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ فَلَا يَجُوزُ جُزَافًا عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِ وَالْوَزْنِ وَلَا يَجُوزُ التَّحْلِيلُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ وَهِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا يُقَسَّمُ لَا تَجُوزُ (إلَّا إذَا خُلِطَ) وَضُمَّ (بِهِ) أَيْ بِاللَّحْمِ (مِنْ أَكَارِعِهِ أَوْ جِلْدِهِ) أَيْ يَكُونُ فِي كُلِّ جَانِبٍ شَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ وَمِنْ الْأَكَارِعِ أَوْ يَكُونُ فِي كُلِّ جَانِبٍ شَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ وَبَعْضِ الْجِلْدِ أَوْ يَكُونُ فِي جَانِبٍ لَحْمٌ وَأَكَارِعُ وَفِي آخَرَ لَحْمٌ

стр. 1277

وَجِلْدٌ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الدُّرَرِ. (وَلَوْ شَرَى بَدَنَةً لِلْأُضْحِيَّةِ ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهَا سِتَّةً جَازَ اسْتِحْسَانًا) وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرُ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ أَعَدَّهَا لِلْقُرْبَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ بَقَرَةً سَمِينَةً وَلَا يَجِدُ الشَّرِيكَ وَقْتَ الشِّرَاءِ فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى هَذَا (وَالِاشْتِرَاكُ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَحَبُّ) إذْ بِهِ يَبْعُدُ عَنْ الْخِلَافِ وَيَسْلَمُ عَنْ الرُّجُوعِ فِي الْقُرْبَةِ وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ كَرَاهَةَ الِاشْتِرَاكِ بَعْدَهُ. (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا) أَيْ أَوَّلُ وَقْتِ تَضْحِيَةِ الْأُضْحِيَّةِ (بَعْدَ فَجْرِ النَّحْرِ، وَ) لَكِنْ (لَا تُذْبَحُ فِي الْمِصْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلِيُعِدْ ذَبِيحَتَهُ» وَهَذَا الشَّرْطُ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْعِيدِ وَيَذْبَحُ غَيْرُ الْمِصْرِيِّ كَأَهْلِ الْقُرَى قَبْلَ الصَّلَاةِ وَمِنْ هُنَا ظَهَرَ أَنَّ وَقْتَ التَّضْحِيَةِ فِي حَقِّ الْبَعْضِ الَّذِي لَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْعِيدِ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِانْعِدَامِ الْمَانِعِ وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالصَّلَاةِ وَفِي حَقِّ الْبَعْضِ يُعْتَبَرُ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ صَلَاةَ الْعِيدِ الْوَاجِبَةِ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَهْلُ الْمِصْرِ لَا يَذْبَحُونَ قَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ أَيْضًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ صَحَّ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَوْ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مَعَ خُطْبَتَيْنِ (وَآخِرُهُ) أَيْ آخِرُ وَقْتِهَا (قُبَيْلَ غُرُوبِ) الشَّمْسِ فِي (الْيَوْمِ الثَّالِثِ) عِنْدَنَا لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةُ أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا وَقَدْ قَالُوهُ سَمَاعًا؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ لَا يَهْتَدِي إلَى الْمُقَادِرِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا أَيَّامُ ذَبْحٍ» قُلْنَا إذَا كَانَ فِي الْأَخْبَارِ تَعَارُضٌ فَالْأَخْذُ بِالْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مَكَانُ الْأُضْحِيَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي السَّوَادِ وَالْمُضَحِّي فِي الْمِصْرِ يَجُوزُ مِنْ انْشِقَاقِ الْفَجْرِ وَعَلَى عَكْسِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَحِيلَةُ الْمِصْرِيِّ إذَا أَرَادَ التَّعْجِيلَ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا إلَى خَارِجِ الْمِصْرِ فَيُضَحِّي بِهَا كَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ اعْتِبَارٌ بِالزَّكَاةِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَلَوْ ضَحَّى بَعْدَمَا صَلَّى أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُصَلِّ أَهْلُ الْجَبَّانَةِ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا وَالْمُعْتَبَرُ هِيَ الصَّلَاةُ دُونَ الْخُطْبَةِ (وَاعْتُبِرَ آخِرُهُ) أَيْ آخِرُ وَقْتِهَا (لِلْفَقِيرِ وَضِدِّهِ وَالْوِلَادَةِ وَالْمَوْتِ) فَلَوْ كَانَ غَنِيًّا فِي أَوَّلِ الْأَيَّامِ فَقِيرًا فِي آخَرهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَفِي الْعَكْسِ تَجِبُ وَإِنْ وُلِدَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ يُعَادُ الصَّلَاةُ دُونَ التَّضْحِيَةِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ عِنْدَ الْإِمَامِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِيدَ ثُمَّ ضَحَّوْا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُمْ الصَّلَاةُ وَالتَّضْحِيَةُ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ وَقَعَتْ فِي الْبَلَدِ فِتْنَةٌ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا وَالٍ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ الْعِيدَ فَضَحَّوْا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُمْ كَمَا

стр. 1278

فِي الْمِنَحِ (وَأَوَّلُهَا) أَيْ أَوَّلُ أَيَّامِ النَّحْرِ (أَفْضَلُهَا) لِمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا. (وَكُرِهَ الذَّبْحُ لَيْلًا) وَإِنْ جَازَ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَفِي الْمِنَحِ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ لِلتَّنْزِيهِ وَمَرْجِعُهَا إلَى خِلَافِ الْأُولَى إذْ احْتِمَالُ الْغَلَطِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ الَّتِي نِسْبَتُهَا إلَى الْحَرَامِ كَنِسْبَةِ الْوَاجِبِ إلَى الْفَرْضِ (فَإِنْ فَاتَ وَقْتُهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا) أَيْ وَلَوْ لَمْ يُضَحِّ مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ عَيَّنَ شَاةً فِي مِلْكِهِ، وَقَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ الشَّاةِ (لَزِمَ التَّصَدُّقُ بِعَيْنِ الْمَنْذُورَةِ حَيَّةٌ) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمُوجِبُ فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا يَقَعُ عَلَى الشَّاةِ وَلَا يَأْكُلُ النَّاذِرُ مِنْهَا وَلَوْ أَكَلَ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَهُ؛ لِأَنَّ سَبِيلَهَا التَّصَدُّقُ وَلَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ صَدَقَتِهِ. (وَكَذَا) أَيْ لَزِمَ التَّصَدُّقُ بِعَيْنِ الْمَنْذُورَةِ حَيَّةً (مَا شَرَاهَا فَقِيرٌ لِلتَّضْحِيَةِ) ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ إذَا شَرَاهَا بِنِيَّةِ التَّضْحِيَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمَحَلِّ (وَالْغَنِيُّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهَا شِرَاءً) أَيْ الشَّاةِ (أَوَّلًا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ. (وَإِنَّمَا يُجْزِئُ فِيهَا) أَيْ فِي الْأُضْحِيَّةِ (الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ) الْجَذَعُ شَاةٌ تَمَّتْ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إذَا كَانَتْ عَظِيمَةً لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً إلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ» وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ وَذَكَرَ الزَّعْفَرَانِيُّ أَنَّهُ ابْنُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ مِنْ الْمَعْزِ لِسَنَةٍ وَمِنْ الضَّأْنِ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ (وَالثَّنِيُّ فَصَاعِدًا مِنْ الْجَمِيعِ) وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَحَوْلَيْنِ مِنْ الْبَقَرِ وَالْجَامُوسِ وَحَوْلٍ مِنْ الشَّاةِ وَالْمَعْزِ؛ لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا وَالْمَوْلُودُ بَيْنَ الْأَهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ يَتْبَعُ الْأُمَّ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ فِي التَّبَعِيَّةِ فَيَجُوزُ بِالْبَغْلِ الَّذِي أُمُّهُ بَقَرَةٌ وَبِالظَّبْيِ الَّذِي أُمُّهُ شَاةٌ (وَتَجُوزُ الْجَمَّاءُ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهِيَ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا بِالْخِلْقَةِ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَكَذَا مَكْسُورُ الْقَرْنِ بَلْ أَوْلَى لِمَا قُلْنَا (وَالْخَصِيُّ) . وَعَنْ الْإِمَامِ إنَّ الْخَصِيَّ أَوْلَى لِأَنَّ لَحْمَهُ أَلَذُّ وَأَطْيَبُ (وَالثَّوْلَاءُ) وَهِيَ الْمَجْنُونَةُ إذَا لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ السَّوْمِ وَالرَّعْيِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَإِنْ مَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ لَا تَجُوزُ إذْ يَخِلُّ الْمَقْصُودُ (وَالْجَرْبَاءُ السَّمِينَةُ) وَلَمْ يَتْلَفْ جِلْدُهَا؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ فِي الْجِلْدِ وَلَا نُقْصَانَ فِي اللَّحْمِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالسَّمِينَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَهْزُولَةً لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ إذَا كَانَ فِي اللَّحْمِ انْتَقَصَ (لَا) تَجُوزُ (الْعُمْيَانُ) وَهِيَ الذَّاهِبَةُ الْعَيْنَيْنِ (وَالْعَوْرَاءُ) وَهِيَ الذَّاهِبَةُ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ (وَالْعَجْفَاءُ) أَيْ الْمَهْزُولَةُ (الَّتِي لَا تُنْقِي) أَيْ يَبْلُغُ عَجْفُهَا إلَى حَدٍّ لَا يَكُونُ فِي عَظْمِهَا مُخٌّ (وَالْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تَمْشِي إلَى الْمَنْسَكِ) أَيْ الْمَذْبَحِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُنَّ (وَلَا) لَا تَجُوزُ (مَقْطُوعَةُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ) لِنُقْصَانِهَا (وَذَاهِبَةُ أَكْثَرِ الْعَيْنِ أَوْ) أَكْثَرِ (الْأُذُنِ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵊ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ

стр. 1279

وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ» (أَوْ أَكْثَرِ الذَّنَبِ) ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ كَامِلٌ مَقْصُودٌ فَصَارَ كَالْأُذُنِ (أَوْ) أَكْثَرُ (الْأَلْيَةِ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ الذَّهَابَ بِالْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ أَنْ يَبْقَى الْأَكْثَرُ مِنْ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَالذَّنَبِ وَنَحْوِهَا جَازَ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ بَقَاءً وَذَهَابًا. وَفِي الْمِنَحِ وَاخْتَارَهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَفِي ذَهَابِ النِّصْفِ رِوَايَتَانِ) عَنْ الْإِمَامِ وَكَذَا عَنْهُمَا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي كَوْنِ النِّصْفِ مَانِعًا رِوَايَتَانِ عَنْهُمَا كَمَا فِي انْكِشَافِ الْعُضْوِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (وَتَجُوزُ إنْ ذَهَبَ أَقَلُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النِّصْفِ (وَقِيلَ إنْ ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ) قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ قَلِيلٌ وَلِذَا تَنْفُذُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ (وَقِيلَ إنْ ذَهَبَ الثُّلُثُ لَا يَجُوزُ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ وَصِيَّةِ «الثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ الرُّبُعُ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ مَانِعٍ لَهَا إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَهَابِ الْعَيْنِ أَنْ تُشَدَّ الْعَيْنُ الْمَعْلُولَةُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ جَائِعَةً فَيُقَرَّبُ إلَيْهَا الْعَلَفُ فَيَنْظُرَ إلَيْهَا مِنْ أَيِّ مَكَان رَأَتْ الْعَلَفَ ثُمَّ تُشَدُّ الْعَيْنُ الصَّحِيحَةُ وَيُقَرَّبُ الْعَلَفُ فَيَنْظُرَ إلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ فَإِنْ كَانَ ثُلُثًا فَقَدْ ذَهَبَ الثُّلُثُ وَهَكَذَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَا يَجْمَعُ مَا ذَهَبَ مِنْ الْأُذُنَيْنِ عَلَى مَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّازِيّ وَقَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ إنَّهُ يَجْمَعُ. وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ وَلَا يَجُوزُ الْهَتْمَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا وَلَا السَّكَّاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا أُذُنَ لَهَا خِلْقَةً وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَجُوزُ وَلَا الْجَلَّالَةُ وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ وَلَا تَأْكُلُ غَيْرَهَا وَلَا الْجَدَّاءُ وَهِيَ الْمَقْطُوعَةُ ضَرْعُهَا وَلَا الْمُصَرَّمَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرْضِعَ فَصِيلَهَا وَلَا الْجِدَاءُ وَهِيَ الَّتِي يَبِسَ ضَرْعُهَا. وَفِي الْهِدَايَةِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْعُيُوبُ قَائِمَةً وَقْتَ الشِّرَاءِ وَلَوْ اشْتَرَاهَا سَلِيمَةً ثُمَّ تَعَيَّبَتْ بِعَيْبٍ مَانِعٍ إنْ كَانَ غَنِيًّا عَلَيْهِ غَيْرُهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا يَجْزِيهِ بِهَذِهِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْغَنِيِّ بِالشَّرْعِ ابْتِدَاءً فَلَمْ يَتَعَيَّنُ بِهِ وَعَلَى الْفَقِيرِ بِشِرَائِهِ بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ نُقْصَانِهِ كَمَا فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ وَعَنْ هَذَا الْأَصْلِ قَالُوا إذَا مَاتَتْ الْمُشْتَرَاةُ لِلتَّضْحِيَةِ عَلَى مُوسِرٍ تَجِبُ مَكَانَهَا أُخْرَى وَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَقِيرِ وَلَوْ ضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ وَاشْتَرَى أُخْرَى ثُمَّ ظَهَرَتْ الْأُولَى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ عَلَى الْمُوسِرِ ذَبْحُ إحْدَاهُمَا وَعَلَى الْفَقِيرِ ذَبْحُهُمَا (وَلَا يَضُرُّ تَعْيِيبُهَا مِنْ اضْطِرَابِهَا عِنْدَ الذَّبْحِ) . وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ أَضْجَعَهَا فَاضْطَرَبَتْ فَانْكَسَرَ رِجْلُهَا فَذَبَحَهَا أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ حَالَةَ الذَّبْحِ وَمُقَدَّمَاتِهِ مُلْحَقُ الذَّبْحِ فَكَأَنَّهُ حَصَلَ بِهِ اعْتِبَارًا أَوْ حُكْمًا وَكَذَا لَوْ تَعَيَّبَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَانْفَلَتَتْ ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْ فَوْرِهِ وَكَذَا بَعْدَ فَوْرِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ. (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ سَبْعَةٍ) الَّذِينَ شَارِكُوا فِي الْبَدَنَةِ (وَقَالَ

стр. 1280

وَرَثَتُهُ) وَهُمْ كِبَارٌ (اذْبَحُوهَا) أَيْ الْبَدَنَةَ (عَنْكُمْ وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَيِّتِ (صَحَّ) ذَبْحُهَا اسْتِحْسَانًا عَنْ الْجَمِيعِ لِوُجُودِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ مِنْ الْكُلِّ وَالتَّضْحِيَةِ عَنْ الْغَيْرِ عُرِفَتْ قُرْبَةً؛ لِأَنَّهُ ﵊ ضَحَّى عَنْ أُمَّتِهِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْإِتْلَافِ فَلَا يَجُوزُ عَنْ غَيْرِهِ (وَكَذَا) . وَصَحَّ (لَوْ ذَبَحَ بَدَنَةً عَنْ أُضْحِيَّةٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) مَعَ اخْتِلَافِ جِهَاتِ قُرْبَتِهِمْ عِنْدَنَا لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْقُرْبَةُ. وَفِي التَّنْوِيرِ وَإِنْ كَانَ شَرِيكُ السِّتَّةِ نَصْرَانِيًّا أَوْ مُرِيدَ اللَّحْمِ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ وَيُطْعِمُ مَنْ شَاءَ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ قَالَ كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادُّخِرُوا» وَالنُّصُوصُ كَثِيرَةٌ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ (وَنُدِبَ أَنْ لَا تَنْقُصَ الصَّدَقَةُ عَنْ الثُّلُثِ) ؛ لِأَنَّ الْجِهَاتِ ثَلَاثٌ الْأَكْلُ وَالْإِدْخَالُ وَالتَّصَدُّقُ وَهَذَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ التَّصَدُّقِ بِمَا فَوْقَهُ كَالنِّصْفِ مَثَلًا (وَتَرْكُهُ) أَيْ وَنَدْبُ تَرْكِ التَّصَدُّقِ (لِذِي عِيَالٍ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى الْعِيَالِ. (وَ) نُدِبَ (أَنْ يَذْبَحَ بِيَدِهِ إنْ أَحْسَنَ) الذَّبْحَ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يُحْسِنْهُ (يَأْمُرُ غَيْرَهُ) بِالذَّبْحِ كَيْ لَا يَجْعَلَهَا مَيْتَةً (وَيَحْضُرُهَا) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِفَاطِمَةَ ﵂ قَوْمِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَك فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَك بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ» . (وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا كِتَابِيٌّ) ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَوْ أَمَرَهُ فَذَبَحَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّبْحِ بِخِلَافِ الْمَجُوسِيِّ. (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا) لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْهَا (أَوْ يَعْمَلُهُ آلَةً كَجِرَابٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ فَرْوٍ) لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ (أَوْ يَشْتَرِي بِهِ) أَيْ بِالْجِلْدِ (مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ) أَيْ بَقَاءِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ اسْتِحْسَانًا (كَغِرْبَالِ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّ لِلْبَدَلِ حُكْمَ الْمُبْدَلِ (لَا مَا يُسْتَهْلَكُ) أَيْ لَا يَشْتَرِي بِهِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ (كَخَلٍّ وَشَبَهِهِ) وَلَا يَبِيعُهُ بِالدَّرَاهِمِ لِيُنْفِقَ الدَّرَاهِمَ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَالْمَعْنَى إنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ عَلَى قَصْدِ التَّمَوُّلِ وَاللَّحْمُ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ فِي الصَّحِيحِ حَتَّى لَا يَبِيعَهُ بِمَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ (فَإِنْ بَدَّلَ اللَّحْمَ أَوْ الْجِلْدَ بِهِ) أَيْ بِمَا يَنْتَفِعُ بِالِاسْتِهْلَاكِ جَازَ وَ (يَتَصَدَّقُ بِهِ) لِانْتِقَالِ الْقُرْبَةِ إلَى الْبَدَلِ وَقَوْلُهُ ﵊ -

стр. 1281

«مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلَا أُضْحِيَّةَ لَهُ» يُفِيدُ كَرَاهَةَ الْبَيْعِ أَمَّا الْبَيْعُ جَائِزٌ لِقِيَامِ الْمِلْك وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ بَيْعُ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ جِلْدِهَا أَوْ لَحْمِهَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَا يُعْطَى أَجْرُ الْجَزَّارِ مِنْهَا. وَيُكْرَهُ جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَ الذَّبْحِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ وَيُكْرَهُ الِانْتِفَاعُ بِلَبَنِهَا قَبْلَهُ. (وَلَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ جَازَ) اسْتِحْسَانًا وَلَا ضَمَانَ عَلَى الذَّابِحِ وَلَا يَجُوزُ قِيَاسًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرُ لِأَنَّهُ ذَبْحُ شَاةِ غَيْرٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَيَضْمَنُ كَمَا إذَا ذَبَحَ شَاةً اشْتَرَاهَا الْقَصَّابُ وَإِذَا ضَمِنَ لَا يَجْزِيهِ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهَا لِلْأُضْحِيَّةِ فَقَدْ تَعَيَّنَتْ لِلذَّبْحِ أُضْحِيَّةٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا فَصَارَ مُسْتَغْنِيًا بِكُلِّ مَنْ يَكُونُ أَهْلًا لِلذَّبْحِ آذِنًا لَهُ دَلَالَةً؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْ إقَامَتِهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ فَصَارَ كَمَا إذَا ذَبَحَ شَاةً شَدَّ الْقَصَّابُ رِجْلَهَا لِيَذْبَحَهَا وَإِنْ كَانَ تَفُوتُهُ الْمُبَاشَرَةُ وَحُضُورُهَا لَكِنْ يَحْصُلُ لَهُ تَعْجِيلُ الْبِرِّ وَحُصُولُ مَقْصُودِهِ بِالتَّضْحِيَةِ بِمَا عَيَّنَهُ فَيَرْضَى بِهِ ظَاهِرًا. وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَلَوْ ذَبَحَ الرَّاعِي وَالْأَجْنَبِيُّ شَاةً لَا يُرْجَى حَيَاتُهَا لَا يَضْمَنُ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ يَضْمَنُ. (وَلَوْ غَلِطَ اثْنَانِ فَذَبَحَ كُلٌّ شَاةَ الْآخَرِ صَحَّ وَلَا ضَمَانَ) اسْتِحْسَانًا وَلَا يَصِحُّ قِيَاسًا وَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ لِمَا مَرَّ قُبَيْلَهُ (وَيَتَحَالَّانِ) يَعْنِي يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَّتَهُ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَلَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ إنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً يُحَلِّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَيُجْرِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَهُ الْكُلَّ فِي الِابْتِدَاءِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَكَذَا لَهُ أَنْ يَحِلَّ لَهُ فِي الِانْتِهَاءِ (وَإِنْ تَشَاحَّا) أَيْ تَنَازَعَا بِأَنَّ أُضْحِيَّتِي أَعْظَمُ وَأَسْمَنُ وَلَمْ يَرْضَيَا (ضَمَّنَ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (صَاحِبَهُ قِيمَةَ لَحْمِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّضْحِيَةَ لَمَّا وَقَعَتْ لِصَاحِبِهِ كَانَ اللَّحْمُ لَهُ وَمَنْ أَتْلَفَ لَحْمَ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ ضَمَّنَهُ (وَتَصَدَّقَ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ. (وَصَحَّتْ التَّضْحِيَةُ بِشَاةِ الْغَصْبِ دُونَ شَاةِ الْوَدِيعَةِ وَضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّ فِي الْغَصْبِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ فَكَانَتْ التَّضْحِيَةُ وَارِدَةً

стр. 1282

عَلَى مِلْكِهِ وَلَكِنْ يَأْثَمُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَفِي الْوَدِيعَةِ يَصِيرُ غَاصِبًا بِالذَّبْحِ فَيَقَعُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ إلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ فَكَانَتْ الْأُضْحِيَّةُ وَارِدَةً عَلَى غَيْرِ الْمِلْكِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ يَصِيرُ غَاصِبًا بِمُقَدَّمَاتِ الذَّبْحِ كَالْإِضْجَاعِ وَشَدِّ الرِّجْلِ فَيَكُونُ غَاصِبًا قَبْلَ الذَّبْحِ. وَقَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ وَغَايَةُ مَا يُوجَدُ فِي الْإِضْجَاعِ وَشَدِّ الرِّجْلِ إثْبَاتُ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالذَّبْحِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ انْتَهَى لَكِنَّ الظَّاهِرَ تَحَقُّقُ إزَالَةِ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ بِالْإِضْجَاعِ وَشَدُّ الرِّجْلِ لِلذَّبْحِ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَحْكَامِ الْوَدِيعَةِ وَلَا مِنْ شَاءِ الْمُودِعِ تَأَمَّلْ. [كِتَابُ الْكَرَاهِيَةِ] ِ أَوْرَدَ الْكَرَاهِيَةَ بَعْدَ الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّ عَامَّةَ مَسَائِلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَمْ تَخْلُ مِنْ أَصْلٍ وَفَرْعٍ تُرَدُّ فِيهِ إلَى الْكَرَاهِيَةِ أَلَا يُرَى أَنَّ فِي وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ مِنْ لَيَالِيِ أَيَّامِ النَّحْرِ وَفِي التَّصَرُّفِ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِجَزِّ الصُّوفِ وَحَلْبِ اللَّبَنِ كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَفِي إقَامَةِ غَيْرِهِ مُقَامَهُ كَيْفَ تَحَقَّقَتْ الْكَرَاهَةُ فَنَاسَبَ ذِكْرُ الْكَرَاهِيَةِ بَعْدَهَا وَهِيَ ضِدُّ الْإِرَادَةِ وَالرِّضَا فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا لَقَّبَهُ بِهَا وَفِيهِ غَيْرُ الْمَكْرُوهِ؛ لِأَنَّ بَيَانَ الْمَكْرُوهِ أَهَمُّ لِوُجُودِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَلَقَّبَهُ الْقُدُورِيُّ بِالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ الْإِطْلَاقُ وَفِيهِ بَيَانُ مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ وَمَا مَنَعَهُ وَلَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِالِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَقَبَّحَهُ وَبَعْضُهُمْ بِكِتَابِ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِهِ أَطْلَقَهُ الشَّرْعُ وَالزُّهْدُ وَالْوَرَعُ تَرَكَهَا. وَفِي الشَّرْعِ (الْمَكْرُوهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ وَتَغْلِيبِ جَانِبِ الْحُرْمَةِ فِيهِ فَيَلْزَمُهُ تَرْكُهُ وَتَكَلَّمُوا فِي الْمَكْرُوهِ وَالصَّحِيحِ مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ كَمَا فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ كُلُّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ) مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ (وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ) أَيْ لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ لَفْظَ الْحَرَامِ فِي كُتُبِهِ (لِعَدَمِ) الدَّلِيلِ (الْقَاطِعِ) بَلْ كَتَبَ بِالْكَرَاهَةِ فَتَرْكُهُ وَاجِبٌ كَمَا فِي الْحَرَامِ فَالْحَرَامُ مَا مُنِعَ عَنْهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَتَرْكُهُ فَرْضٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمَكْرُوهُ مَا مُنِعَ بِظَنِّيٍّ وَتَرْكُهُ وَاجِبٌ كَأَكْلِ الضَّبِّ فَنِسْبَةُ الْمَكْرُوهِ إلَى الْحَرَامِ كَنِسْبَةِ الْوَاجِبِ إلَى الْفَرْضِ قَالَ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ فِي بَحْثِ الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ طَلَبًا لِفِعْلِ يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ فَوُجُوبٌ أَوْ لِفِعْلٍ يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ خَاصَّةً لِلثَّوَابِ فَنُدِبَ وَخَاصَّةً يُفِيدُ أَنَّ التَّرْكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَوْ لِتَرْكٍ يَصِيرُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ فَتَحْرِيمٌ أَوْ لِتَرْكٍ يَصِيرُ تَرْكُهُ خَاصَّةً لِلثَّوَابِ فَكَرَاهَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبًا فَإِنْ كَانَ تَخْيِيرًا فَإِبَاحَةٌ

стр. 1283

وَإِلَّا فَوَضْعِيٌّ وَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ حُدُودُهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ: كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَكَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ فَمَشَايِخُنَا تَارَةً يُقَيِّدُونَهَا وَتَارَةً يُطْلِقُونَهَا فَأَمَّا الْمُقَيَّدَةُ فَلَا كَلَامَ فِيهَا وَالْمُطْلَقَةُ فَتُجْعَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ. [فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ] ِ أَيْ فِي بَيَانِ أَحْوَالِ الْأَكْلِ (مِنْهُ) أَيْ بَعْضِ الْأَكْلِ وَكَذَا الشُّرْبُ (فَرْضٌ وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْهَلَاكُ) وَفِي تَرْكِهِ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ فَإِنْ هَلَكَ فَقَدْ عَصَى وَبِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤْجِرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى اللُّقْمَةُ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إلَى فِيهِ» . (وَ) بَعْضُهُ (مَنْدُوبٌ وَهُوَ مَا زَادَ) عَلَى مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْهَلَاكُ (لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاةِ قَائِمًا وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ) لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِمَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ طَاعَةٌ وَسُئِلَ أَبُو ذَرٍّ عَنْ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ فَقَالَ الصَّلَاةُ وَأَكْلُ الْخَبْزِ. (وَ) بَعْضُهُ (مُبَاحٌ) أَيْ لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا وِزْرَ (وَهُوَ مَا زَادَ) مُنْتَهِيًا (إلَى الشِّبَعِ لِزِيَادَةِ قُوَّةِ الْبَدَنِ) . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَوْ أَكَلَ لِلسَّمْنِ كُرِهَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ مُقَاتِلٍ وَعَنْ أَبِي مُطِيعٍ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا خُبْزًا مَكْسُورًا فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ لِلسِّمَنِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ رُزِقَ بَطْنًا عَظِيمًا خِلْقَةً لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَمَّدَ السِّمَنَ وَلَوْ أَكَلَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ ثُمَّ تَقَيَّأَ فَوَجَدَ نَافِعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ عِلَاجٌ. (وَ) بَعْضُهُ (حَرَامٌ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشِّبَعِ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ وَأَمْرَاضٌ لِلنَّفْسِ وَلِأَنَّهُ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ قَالَ ﵊ «لَا خَيْرَ فِي الشِّبَعِ وَلَا فِي الْجُوعِ خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا» (إلَّا لِقَصْدِ التَّقْوَى عَلَى صَوْمِ الْغَدِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً (أَوْ لِئَلَّا يَسْتَحِيَ الضَّيْفُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمْسَكَ وَالضَّيْفُ لَمْ يَشْبَعْ رُبَّمَا يَسْتَحْيِ فَلَا يَأْكُلُ حَيَاءً أَوْ خَجَلًا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ مَعَهُ فَوْقَ الشِّبَعِ لِئَلَّا يَكُونَ مِمَّنْ أَسَاءَ الْقِرَى وَهُوَ مَذْمُومٌ عَقْلًا وَشَرْعًا (وَلَا تَجُوزُ الرِّيَاضَةُ بِتَقْلِيلِ الْأَكْلِ حَتَّى يَضْعُفَ عَنْ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ) قَالَ ﵊ «إنَّ نَفْسَك مَطِيَّتُك فَارْفُقْ بِهَا» وَلَيْسَ مِنْ الرِّفْقِ أَنْ تُجِيعَهَا وَتُذِيبَهَا وَلِأَنَّ تَرْكَ الْعِبَادَةِ لَا يَجُوزُ فَكَذَا مَا يُفْضِي إلَيْهِ وَأَمَّا تَجْوِيعُ النَّفْسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ فَهُوَ مُبَاحٌ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. (وَمَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ حَالَ

стр. 1284

الْمَخْمَصَةِ أَوْ صَامَ وَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ) ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بَقَاءَ إلَّا بِالْأَكْلِ وَالْمَيْتَةُ حَالَ الْمَخْمَصَةِ إمَّا حَلَالٌ أَوْ مَرْفُوعُ الْإِثْمِ فَلَا يَجُوزُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ إذَا تَعَيَّنَ لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالتَّابِعِينَ وَإِذَا كَانَ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْمَيْتَةِ فَمَا ظَنُّك لِتَرْكِ الذَّبِيحَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَلَالَاتِ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ خَافَ الْمَوْتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا وَمَعَ رَفِيقِهِ طَعَامٌ أَوْ مَاءٌ أَخَذَ بِالْقِيمَةِ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ أَوْ عَطَشَهُ فَإِنْ امْتَنَعَ قَاتَلَ بِلَا سِلَاحٍ وَإِنَّ الرَّفِيقَ يَخَافُ الْمَوْتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا أَيْضًا تَرَكَ لَهُ الْبَعْضَ (بِخِلَافِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّدَاوِي حَتَّى مَاتَ) فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمُ لِأَنَّهُ لَا يَقِينَ أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ يَشْفِيهِ وَلَعَلَّهُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. (وَلَا بَأْسَ بِالتَّفَكُّهِ بِأَنْوَاعِ الْفَوَاكِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] (وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ) لِئَلَّا تَنْقُصَ دَرَجَتُهُ. (وَاِتِّخَاذُ) أَلْوَانِ (الْأَطْعِمَةِ سَرَفٌ) دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] . (وَكَذَا) سَرَفٌ (وَضْعُ الْخُبْزِ عَلَى الْمَائِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ) . وَفِي الْمُحِيطِ مِنْ الْإِسْرَافِ الْإِكْثَارُ فِي أَلْوَانِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ إلَّا إذَا قَصَدَ قُوَّةَ الطَّاعَةِ أَوْ دَعْوَةَ الْأَضْيَافِ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ حَتَّى يَأْتُوا عَلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً وَمِنْ السَّرَفِ أَنْ يَأْكُلَ وَسَطَ الْخُبْزِ وَيَدَعَ جَوَانِبَهُ وَتَرْكُ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ مِنْ الْمَائِدَةِ بَلْ يَرْفَعُهَا وَيَأْكُلُهَا قَبْلَ غَيْرِهَا وَلَا يَأْكُلُ طَعَامًا حَارًّا وَلَا يَشُمُّ وَيُكْرَهُ أَكْلُ التِّرْيَاقَ إنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ وَكَذَا مُعَالَجَةُ الْجِرَاحَةِ بِعَظْمِ إنْسَانٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لِأَنَّهَا مُحَرَّمٌ الِانْتِفَاعُ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَضْعُ الْعَجِينِ عَلَى الْجُرْحِ إنْ عُلِمَ فِيهِ شِفَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَلِلَّذِي يَرْعُفُ وَلَا يَرْقَأُ أَنْ يَكْتُبَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَلَوْ بِالْبَوْلِ أَوْ عَلَى جِلْدِ مَيْتَةِ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً. (وَمَسْحُ الْأَصَابِعِ وَالسِّكِّينِ بِالْخُبْزِ وَوَضْعُ الْمَمْلَحَةِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخُبْزِ (مَكْرُوهٌ) لَا الْمِلْحُ وَكَذَا وَضْعُ الْخُبْزِ تَحْتَ الْقَصْعَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إهَانَةَ الْخُبْزِ وَقَدْ أَمِرْنَا بِإِكْرَامِهِ وَفِي الزَّاهِدِيِّ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ وَضْعِ الْقَصْعَةِ عَلَى الْخُبْزِ وَمَسْحِ الْيَدِ بِالْخُبْزِ وَأَكْلِهِ بَعْدَهُ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا يُعَلَّقُ الْخُبْزُ بِالْخُوَانِ بَلْ يُوضَعُ بِحَيْثُ لَا يُعَلَّقُ وَلَا يُكْرَهُ قَطْعُ اللَّحْمِ وَالْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ. (وَسُنَّةُ الْأَكْلِ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَّلِهِ وَالْحَمْدَلَةُ فِي آخِرِهِ) فَإِنْ نَسِيَ الْبَسْمَلَةَ فَلْيَقُلْ إذَا ذَكَرَ بِاسْمِ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَرَدَ الْأَثَرُ وَهُوَ شُكْرُ الْمُؤْمِنِ إذَا رُزِقَ قَالَ ﵊ «إنَّ اللَّهَ يَرْضَى عَنْ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ إذَا قُدِّمَ إلَيْهِ طَعَامٌ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ وَيَحْمَدَ اللَّهَ فِي آخِرِهِ» . (وَغَسْلُ الْيَدِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الطَّعَامِ (وَبَعْدَهُ) قَالَ النَّبِيُّ

стр. 1285

- ﵊ «الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ» وَالْوُضُوءُ هُنَا غَسْلُ الْيَدِ (وَيَبْدَأُ بِالشُّبَّانِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْأَكْلِ لِئَلَّا يَنْظُرَ إلَيْهِمْ الشُّيُوخُ (وَبِالشُّيُوخِ بَعْدَهُ) وَهُوَ أَدَبٌ لِمَا فِيهِ إكْرَامٌ لَهُمْ فَلَا يُمْسَحُ يَدٌ قَبْلَ الطَّعَامِ بِالْكُلِّيَّةِ. (وَلَا يَحِلُّ شُرْبُ لَبَنِ الْأَتَانِ) بِالْفَتْحِ هِيَ أُنْثَى الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لِكَوْنِ اللَّبَنِ مُتَوَلِّدًا مِنْ لَحْمٍ فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ وَلَا يَأْكُلُ الْجَلَّالَةَ وَلَا يَشْرَبُ لَبَنَهَا؛ لِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ أَكْلِهَا وَشُرْبِ لَبَنِهَا» . وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ سَقَى مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ خَمْرًا فَذُبِحَ مِنْ سَاعَةٍ حَلَّ أَكْلُهُ وَيُكْرَهُ. (وَلَا) يَحِلُّ (بَوْلُ إبِلٍ) لِلِاخْتِلَافِ إذْ عِنْدَ الْإِمَامِ حَرَامٌ لِكَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْبَوْلِ حُرْمَةٌ وَقَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﵊ شِفَاءَ الْعُرَنِيِّينَ بِالْوَحْيِ فَالشِّفَاءُ فِي غَيْرِهِمْ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحِلُّ التَّدَاوِي بِشُرْبِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُرَنَةَ مَرِضُوا فِي الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﵊ بِأَنْ يَلْحَقُوا الْمَرْعَى وَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحِلُّ مُطْلَقًا إذْ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَا يَحِلُّ بِهِ التَّدَاوِي لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا وُضِعَ شِفَاؤُكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» . (وَ) لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُ (إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) «لِقَوْلِهِ ﵊ فِيمَنْ شَرِبَ مِنْهُ إنَّمَا تُجَرْجَرُ فِي بَطْنِهِ نَارُ جَهَنَّمَ» قِيلَ يُجَرْجَرُ بِمَعْنَى يُلْقَى فَيَكُونُ نَارَ جَهَنَّمَ مَفْعُولًا وَقِيلَ بِمَعْنَى يُصَوِّتُ مِنْ جَرْجَرَ الْجَمَلُ إذَا ازْدَادَ صَوْتُهُ فِي حَنْجَرَتِهِ فَيَكُونُ نَارٌ فَاعِلًا فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَكَذَا فِي التَّطَيُّبِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَيَسْتَوِي الرَّجُلُ وَالنِّسَاءُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَكَذَا الْأَكْلُ بِمِلْعَقَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالِاكْتِحَالِ بِمِيلِهِمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَفِي الذَّخِيرَةِ الْإِدْهَانُ الْمُحَرَّمُ أَنْ يَأْخُذَ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَصُبَّ الدُّهْنَ عَلَى الرَّأْسِ أَمَّا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ وَأَخَذَ الدُّهْنَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَى الرَّأْسِ مِنْ الْيَدِ لَا يُكْرَهُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي التَّسْهِيلِ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَخَذَ الطَّعَامَ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِمِلْعَقَةٍ ثُمَّ أَكَلَهُ مِنْ الْمِلْعَقَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ وَكَذَا لَوْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ وَأَكَلَهُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْتَى بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ لِئَلَّا يَنْفَتِحَ بَابُ اسْتِعْمَالِهَا لَكِنْ فِي الدُّرَرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُطَالَعْ. (وَحَلَّ اسْتِعْمَالُ إنَاءِ عَقِيقٍ وَبِلَّوْرٍ وَزُجَاجٍ وَرَصَاصٍ) عِنْدَنَا لِعَدَمِ التَّفَاخُرِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْآنِيَةِ عَادَةً لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكْرَهُ لِحُصُولِ التَّفَاخُرِ كَالْحَجَرَيْنِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ وَلَئِنْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ جَارِيَةً بِالتَّفَاخُرِ فِي غَيْرِهَا فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأُشْنَانُ فِي مَعْنَاهُمَا فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ بِهِمَا وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَوَانِي مِنْ الصُّفْرِ. وَفِي التَّبْيِينِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إبَاحَةِ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ بَلْ عَيْنُهُ.

стр. 1286

[فَصْلٌ فِي الْكَسْبِ] ِ وَفِي الِاخْتِيَارِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ حَسَنٍ يَقُولُ طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ كَمَا أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ وَهَذَا صَحِيحٌ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ» وَقَالَ ﵊ «طَلَبُ الْكَسْبِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ أَيْ الْفَرِيضَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ» وَلِأَنَّهُ لَا يُتَوَسَّلُ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ إلَّا بِهِ وَكَانَ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ إلَّا بِقُوَّةِ بَدَنِهِ وَقُوَّةِ بَدَنِهِ بِالْقُوتِ عَادَةً وَخِلْقَةً وَتَحْصِيلُ الْقُوتِ بِالْكَسْبِ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي الطَّهَارَةِ إلَى آلَةِ الِاسْتِقَاءِ وَالْآنِيَةِ وَفِي الصَّلَاةِ إلَى مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ عَادَةً بِالِاكْتِسَابِ، وَالرُّسُلُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانُوا يَكْتَسِبُونَ وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلٍ جَمَاعَةٍ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَتَمَامُهُ فِيهِ إنْ شِئْت فَلْيُرَاجَعْ. وَطَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ حُكِيَ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ أَنَّهُ قَالَ النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ إذَا صَحَّتْ النِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَكَذَا الِاشْتِغَالُ بِزِيَادَةِ الْعِلْمِ إذَا صَحَّتْ النِّيَّةُ وَهُوَ أَقْسَامٌ: فَرْضٌ وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمُسْتَحَبٌّ وَقُرْبَةٌ كَتَعَلُّمِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَعْلِيمِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَمُبَاحٌ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لِلزِّينَةِ وَالْكَمَالِ، وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ التَّعَلُّمُ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَلِذَلِكَ كَرِهَ الْإِمَامُ تَعَلُّمَ الْكَلَامِ وَالْمُنَاظَرَةَ فِيهِ وَرَاءَ قَدْرِ الْحَاجَةِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَتَعَلُّمُ عِلْمِ النُّجُومِ لِمَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَالزِّيَادَةُ حَرَامٌ وَالْحِيلَةُ وَالتَّمْوِيهُ فِي الْمُنَاظَرَةِ إنْ تَكَلَّمَ مُسْتَرْشِدًا مُنْصِفًا بِلَا تَعَنُّتٍ لَا يُكْرَهُ وَكَذَا إنْ غَيْرَ مُسْتَرْشِدٍ لَكِنَّهُ مُنْصِفٌ غَيْرُ مُتَعَنِّتٍ فَإِنْ أَرَادَ بِالْمُنَاظَرَةِ طَرْحَ الْمُتَعَنِّتِ لَا بَأْسَ بِهِ وَيَحْتَالُ كُلَّ الْحِيلَةِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ التَّعَنُّتَ، وَالتَّعَنُّتُ لِدَفْعِ التَّعَنُّتِ مَشْرُوعٌ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَتَعَلُّمُ الْمَنْطِقِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَفِي قُوتِ الْقُلُوبِ جَعَلَ الْجُهَّالُ أَصْحَابَ الْمَنْطِقِ عُلَمَاءَ انْتَهَى. وَالتَّعْلِيمُ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ فَرْضٌ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ كُلِّ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُجِيبُ غَيْرُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ لِأَنَّ الْفَتْوَى وَالتَّعْلِيمَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. (أَفْضَلُهُ) أَيْ الْكَسْبِ (الْجِهَادُ) لِأَنَّ فِيهِ الْجَمْعَ بَيْنَ حُصُولِ الْكَسْبِ وَإِعْزَازِ الدِّينِ وَقَهْرِ عَدُوِّ اللَّهِ (ثُمَّ التِّجَارَةُ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ حَثَّ عَلَيْهَا فَقَالَ «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ مَعَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ» (ثُمَّ الْحِرَاثَةُ) وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ آدَم ﵊ (ثُمَّ الصِّنَاعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ -

стр. 1287

حَرَّضَ عَلَيْهَا فَقَالَ «الْحِرْفَةُ أَمَانٌ مِنْ الْفَقْرِ» لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ فِي الْإِبَاحَةِ عَلَى السَّوَاءِ هُوَ الصَّحِيحُ. (وَمِنْهُ) أَيْ وَبَعْضُ الْكَسْبُ (فَرْضٌ وَهُوَ) أَيْ الْكَسْبُ (قَدْرُ الْكِفَايَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَتَوَسَّلُ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ إلَّا بِهِ خُصُوصًا إلَى قَضَاءِ الدِّينِ وَنَفَقَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَإِنْ تَرَكَ الِاكْتِسَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَسِعَهُ وَإِنْ اكْتَسَبَ مَا يَدَّخِرُهُ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فَهُوَ فِي سَعَةٍ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ ادَّخَرَ قُوتَ عِيَالِهِ سَنَةً» كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. (وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ (لِيُوَاسِيَ بِهِ) أَيْ بِالزَّائِدِ (فَقِيرًا أَوْ يَصِلَ بِهِ قَرِيبًا) فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ النَّفْلِ تَخُصُّهُ وَمَنْفَعَةَ الْكَسْبِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ قَالَ ﵇ «النَّاسُ عِيَالُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَأَحَبُّهُمْ إلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» . (وَمُبَاحٌ وَهُوَ الزِّيَادَةُ لِلتَّجَمُّلِ) وَالتَّنَعُّمِ قَالَ ﵇ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» وَقَالَ ﵇ «مَنْ طَلَبَ مِنْ الدُّنْيَا حَلَالًا مُتَعَفِّفًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. (وَحَرَامٌ وَهُوَ الْجَمْعُ لِلتَّفَاخُرِ وَالْبَطَرِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (كَانَ مِنْ حِلٍّ) قَالَ ﵊ «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا مُفَاخِرًا مُكَاثِرًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . (وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ) وَلَا يَتَكَلَّفُ لِتَحْصِيلِ جَمِيعِ شَهَوَاتِهِمْ وَلَا يَمْنَعُهُمْ جَمِيعًا بَلْ يَكُونُ وَسَطًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] «وَلَا يَسْتَدِيمُ الشِّبَعُ قَالَ ﵇ أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا» (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ لَزِمَهُ) أَيْ مِنْ الْكَسْبِ لِمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْكَسْبِ (لَزِمَهُ السُّؤَالُ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اكْتِسَابٍ لَكِنْ لَا يَحِلُّ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ قَالَ ﵇ «السُّؤَالُ آخَرُ كَسْبِ الْعَبْدِ» (فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ السُّؤَالَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ (حَتَّى مَاتَ) مِنْ جُوعِهِ (أَثِمَ) لِأَنَّهُ أَلْقَى نَفْسَهُ إلَى التَّهْلُكَةِ فَإِنَّ السُّؤَالَ يُوَصِّلُهُ إلَى مَا تَقُومُ بِهِ نَفْسُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْكَسْبِ وَلَا ذُلَّ فِي السُّؤَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ السُّؤَالِ الْكَسْبِ (يُفْرَضُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ) أَيْ بِعَجْزِهِ (أَنْ يُطْعِمَهُ أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يُطْعِمُهُ) صَوْنًا لَهُ عَنْ الْهَلَاكِ فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ اشْتَرَكُوا فِي الْإِثْمِ وَإِذَا أَطْعَمَهُ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَمَنْ كَانَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ لَا يَحِلُّ السُّؤَالُ (وَيُكْرَهُ إعْطَاءُ سُؤَالِ) جَمْعُ سَائِلٍ كَنُصَّارٍ جَمْعُ نَاصِرٍ (الْمَسْجِدِ) فَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَقُمْ مَنْ يُبْغِضُ اللَّهُ فَيَقُومُ سُؤَالُ الْمَسْجِدِ (وَقِيلَ إنْ كَانَ) أَيْ السَّائِلُ فِي الْمَسْجِدِ (لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ

стр. 1288

النَّاسِ وَلَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ مُصَلٍّ لَا يُكْرَهُ) إعْطَاؤُهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ حَتَّى رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ. (وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ هَدِيَّةِ أُمَرَاءَ الْجَوْرِ) لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي مَالِهِمْ الْحُرْمَةُ (إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَالِهِ مِنْ حِلٍّ) بِأَنْ كَانَ صَاحِبَ تِجَارَةٍ أَوْ زَرْعٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ غَالِبُ مَالِ الْمُهْدِي إنْ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِقَبُولِ هَدِيَّتِهِ وَأَكْلِ مَالِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ مِنْ حَرَامٍ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ لَا يَخْلُو عَنْ حَرَامٍ فَيُعْتَبَرُ الْغَالِبُ وَإِنْ غَالَبَ مَالَهُ الْحَرَامُ لَا يَقْبَلُهَا وَلَا يَأْكُلُ إلَّا إذَا قَالَ إنَّهُ حَلَالٌ أُورِثْتُهُ وَاسْتَقْرَضْتُهُ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ أَخَذَ مُورِثُهُ رِشْوَةً أَوْ ظُلْمًا إنْ عَلِمَ وَارِثُهُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِعَيْنِهِ لَهُ أَخَذَهُ حُكْمًا لَا دِيَانَةً فَيَتَصَدَّقُ بِهِ بِنِيَّةِ الْخُصَمَاءِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ يَأْخُذُ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا بِمَالٍ مُطْلَقٍ ثُمَّ يَنْقُدُهُ مِنْ أَيِّ مَالٍ شَاءَ كَذَا رَوَاهُ الثَّانِي عَنْ الْإِمَامِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْمُبْتَلَى بِطَعَامِ الظُّلْمَةِ يَتَحَرَّى إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ حِلُّهُ قَبِلَ وَأَكَلَ وَإِلَّا لَا لِقَوْلِهِ ﵊ «اسْتَفْتِ قَلْبَك» الْحَدِيثَ وَجَوَابُ الْإِمَامِ فِيمَنْ بِهِ وَرَعٌ وَصَفَاءُ قَلْبٍ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُدْرِكُ بِالْفِرَاسَةِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ السُّلْطَانُ إذَا قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ الْمَأْكُولَاتِ إنْ اشْتَرَاهُ يَحِلُّ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ وَلَكِنَّ الرَّجُلَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ فِي الطَّعَامِ شَيْئًا مَغْصُوبًا بِعَيْنِهِ يُبَاحُ أَكْلُهُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ غَصَبَ لَحْمًا فَطَبَخَهُ أَوْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ لَحْمًا فَطَبَخَهُ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ وَيَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَكْلُهُ حَرَامٌ قَبْلَ أَنْ يَرْضَى صَاحِبُهَا. (وَلَا تُكْرَهُ إجَارَةُ بَيْتٍ بِالسَّوَادِ) أَيْ بِالْقَرْيَةِ (لِيُتَّخَذَ بَيْتَ نَارٍ أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً أَوْ يُبَاعَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِيُتَّخَذَ أَيْ لِيُبَاعَ (فِيهِ الْخَمْرُ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَارِدَةٌ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ وَلَا مَعْصِيَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا مَعْصِيَتُهُ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ فِعْلُ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ فَقَطْعُ نِسْبَتُهُ مِنْهُ كَبَيْعِ الْجَارِيَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَبْرِئُهَا أَوْ يَأْتِيهَا مِنْ دُبُرِهَا أَوْ بَيْعُ الْغُلَامِ مِنْ اللُّوطِيِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْغُلَامِ مِنْ اللُّوطِيِّ وَالْمَنْقُولُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنَّهُ يُكْرَهُ (وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ) أَنْ يُؤَجِّرَ بَيْتًا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ قَالُوا إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُخْتَصٌّ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ أَغْلَبَ أَهْلِهَا ذِمِّيٌّ وَأَمَّا فِي سَوَادِنَا فَأَعْلَامُ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إجَارَةِ الْبَيْتِ لِيَتَّخِذَهُ مَعْبَدًا وَمَفْسَقًا فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَا يُمَكَّنُونَ فِي الْأَمْصَارِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ مِنْ الْحُكَّامِ فِيمَا تَغْلِبُ فِيهِ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَيُكْرَهُ فِي الْمِصْرِ إجْمَاعًا وَكَذَا فِي سَوَادٍ غَالِبُهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ) لِمَا مَرَّ أَنَّ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ. (وَمَنْ حَمَلَ لِذِمِّيٍّ

стр. 1289

خَمْرًا بِأَجْرٍ طَابَ لَهُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ) لَهُ ذَلِكَ لِوُجُودِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «لَعَنْ فِي الْخَمْرِ عَشْرًا وَعَدَّ مِنْهَا حَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَ إلَيْهِ» وَلَهُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي شُرْبِهَا لَا فِي حَمْلِهَا مَعَ الْحَمْلِ يُحْمَلُ عَلَى الْإِرَاقَةِ أَوْ التَّخْلِيلِ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولُ عَلَى الْحَمْلِ الْمَقْرُونِ بِقَصْدِ الْمَعْصِيَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا آجَرَ دَابَّةً لِيَنْقُلَ عَلَيْهَا الْخَمْرَ أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَرْعَى الْخَنَازِيرَ وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الزُّنَّارِ مِنْ النَّصَارَى وَالْقَلَنْسُوَةِ مِنْ الْمَجُوسِيِّ وَلَوْ أَنَّ إسْكَافًا أَمَرَهُ إنْسَانٌ أَنْ يَتَّخِذَ لَهُ خُفًّا عَلَى زِيِّ الْمَجُوسِيِّ أَوْ الْفَسَقَةِ أَوْ خَيَّاطًا أَمَرَهُ إنْسَانٌ أَنْ يَخِيطَ لَهُ ثَوْبًا عَلَى زِيِّ الْفُسَّاقِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. (وَلَا بَأْسَ بِقَبُولِ هَدِيَّةِ الْعَبْدِ التَّاجِرِ وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لَكِنْ جَوَّزَ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ لِلضَّرُورَةِ اسْتِحْسَانًا كَمَا مَرَّ فِي الْمَأْذُونِ (وَكُرِهَ قَبُولُ كِسْوَتِهِ ثَوْبًا وَإِهْدَائِهِ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ كَالدَّرَاهِمِ وَالثَّبَاتِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ. (وَيُقْبَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ قَوْلُ الْفَرْدِ وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ كَانَ (أُنْثَى أَوْ عَبْدًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا كَقَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ الْفَرْدِ (شَرَيْت اللَّحْمَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ فَيَحِلُّ أَوْ) شَرَيْته (مِنْ مَجُوسِيٍّ فَيَحْرُمُ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْكَنْزِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ شَارِحَهُ الزَّيْلَعِيَّ قَالَ هَذَا سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مِنْ الدِّيَانَاتِ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ خَاصَّةً لِلضَّرُورَةِ انْتَهَى لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى السَّهْوِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ أَرَادَ بِالْحِلِّ الْحِلَّ الضِّمْنِيَّ وَبِالْحُرْمَةِ الْحُرْمَةَ الضِّمْنِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ حَاصِلَ مَسْأَلَةٍ فِي الْهِدَايَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَمَنْ أَرْسَلَ أَجِيرًا لَهُ مَجُوسِيًّا أَوْ خَادِمًا فَاشْتَرَى لَحْمًا فَقَالَ اشْتَرَيْته مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ وَسِعَهُ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْكَافِرِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ لِصُدُورِهِ عَنْ عَقْلٍ وَدِينٍ تُعْتَقَدُ فِيهِ حُرْمَةُ الْكَذِبِ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَى قَبُولِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْمُعَامَلَاتِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ ذَبِيحَةً غَيْرَ الْكِتَابِيِّ وَالْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ لَمَّا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحِلِّ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ فِي الْحُرْمَةِ وَمُرَادُ الشَّيْخِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ هُوَ هَذَا أَعْنِي لَمَّا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحِلِّ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ فِي الْحُرْمَةِ فَافْهَمْ قَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّهَا يَكْثُرُ وُجُودُهَا فِيمَا بَيْنَ أَجْنَاسِ النَّاسِ فَلَوْ شَرَطْنَا شَرْطًا زَائِدًا أَدَّى إلَى الْحَرَجِ فَقَبِلَ قَوْلَهُ مُطْلَقًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَمَا إذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ فِي بَيْعِ كَذَا فَيَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْهُ وَكَذَا فِي الْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا إذَا غَلَبَ عَلَى الرَّأْيِ صِدْقُهُ أَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ كَذِبُهُ فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ. (وَ) يُقْبَلُ (قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالصَّبِيِّ فِي الْهَدِيَّةِ) بِأَنْ قَالَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ

стр. 1290

أَوْ الصَّبِيُّ هَذِهِ هَدِيَّةٌ أَهْدَاهَا سَيِّدِي أَوْ أَبِي يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ (وَ) يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي (الْأَذَانِ) بِأَنْ قَالَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ أَوْ الصَّبِيُّ الْمُمَيَّزُ أَذِنَ لِي مَوْلَايَ أَوْ الْوَلِيُّ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَ وَيَرَى مُعَامَلَتَهُ مَعَ الْغَيْرِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ مِنْهُ وَإِلَّا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ فِي اسْتِحْضَارِ الشُّهُودِ إلَى مَوَاضِعِ الْعُقُودِ. (وَشَرْطُ الْعَدْلِ فِي الدِّيَانَاتِ) لِأَنَّهُ لَا يَكْثُرُ وُقُوعًا فَلَا حَرَجَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْفَاسِقِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهَا (كَالْخَبَرِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ) وَلَا يَتَوَضَّأُ، وَ (إنْ أَخْبَرَ بِهَا مُسْلِمٌ عَدْلٌ وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ كَانَ (أُنْثَى أَوْ عَبْدًا) لَتَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ لِظُهُورِ عَدَالَتِهِ (وَيَتَحَرَّى فِي الْفَاسِقِ) بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ. (وَ) فِي خَبَرِ (الْمَبْتُورِ ثُمَّ يَعْمَلُ بِغَالِبِ رَأْيِهِ) إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ يَتَيَمَّمُ وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ كَذِبُهُ يَتَوَضَّأُ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْكَذِبِ (وَلَوْ أَرَاقَ) الْمَاءَ الَّذِي أَخْبَرَ بِنَجَاسَتِهِ فَاسِقٌ أَوْ مَسْتُورٌ (فَتَيَمَّمَ عِنْدَ غَلَبَةِ صِدْقِهِ وَتَوَضَّأَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَرَاقَ وَالْمَعْنَى لَوْ لَمْ يُرِقْ الْمَاءَ وَتَوَضَّأَ وَتَيَمَّمَ (عِنْدَ غَلَبَةِ كَذِبِهِ كَانَ أَحْوَطَ) كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَهَذَا جَوَابُ الْحُكْمِ أَمَّا فِي الِاحْتِيَاطِ فَيَتَيَمَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ. [فَصْلٌ فِي اللُّبْسِ] ِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ مَسَائِلِ الْكَرَاهَةِ ذَكَرَ تَفْصِيلَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ قَدَّمَ اللُّبْسَ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ (الْكِسْوَةُ مِنْهَا فَرْضٌ وَهُوَ) أَيْ مَا هُوَ فَرْضٌ (مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَيَدْفَعُ ضَرَرَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أَيْ مَا يَسْتُرُ عَوْرَاتِكُمْ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ إلَّا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَخِلْقَتُهُ لَا تَتَحَمَّلُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فَيَحْتَاجُ إلَى دَفْعِ ذَلِكَ بِالْكِسْوَةِ فَصَارَ نَظِيرَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَكَانَ فَرْضًا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ مِنْ الْقُطْنِ أَوْ الْكَتَّانِ)

стр. 1291

وَهُوَ الْمَأْثُورُ وَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ الْخُيَلَاءِ (بَيْنَ النَّفِيسِ وَالْخَسِيسِ) لِئَلَّا يَحْتَقِرَ فِي الدَّنِيءِ وَيَأْخُذَهُ الْخُيَلَاءُ فِي النَّفِيسِ وَعَنْ النَّبِيِّ ﵊ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ الشُّهْرَتَيْنِ» وَهُوَ مَا كَانَ فِي نِهَايَةِ النَّفَاسَةِ وَمَا كَانَ فِي نِهَايَةِ الْخَسَاسَةِ وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا (وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الزَّائِدُ) عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ. وَفِي الْمِنَحِ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِهِ أَصْلُ الزِّينَةِ فِي الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَالْعِمَامَةِ وَالْقَمِيصِ الرَّقِيقِ وَنَحْوِهَا (لِأَخْذِ الزِّينَةِ) الْمَأْمُورِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] الْآيَةَ (وَإِظْهَارُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى) خُصُوصًا إذَا كَانَ ذَا عِلْمٍ وَمُرُوءَةٍ. وَفِي الْقُنْيَةِ الْعِمَامَةُ الطَّوِيلَةُ وَلُبْسُ الثِّيَابِ الْوَاسِعَةِ حَسَنٌ فِي حَقِّ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَامُ الْهُدَى دُونَ سَائِرِ النَّاسِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ لِلصَّلَاةِ. وَفِي الْحَدِيثِ «صَلَاةٌ مَعَ عِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ عِمَامَةٍ» وَرُوِيَ «مَنْ صَلَّى وَجَيْبُهُ مَشْدُودٌ كَانَ خَيْرًا مِمَّنْ صَلَّى سَبْعِينَ صَلَاةً وَجَيْبُهُ مَكْشُوفٌ» قَالَ ﵊ «إنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعَمِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (وَمُبَاحٌ وَهُوَ الثَّوْبُ الْجَمِيلُ لِلتَّزَيُّنِ) فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْكِبْرِ وَكَذَا جَمْعُ الْمَالِ إذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ خَرَجَ وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ» وَرُبَّمَا قَامَ النَّبِيُّ ﵊ إلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْتَدِي بِرِدَاءٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَ يَقُولُ لِتَلَامِذَتِهِ إذَا رَجَعْتُمْ إلَى بِلَادِكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ فَالسَّرَخْسِيُّ يَلْبَسُ الْغَسِيلَ فِي عَامَّةِ الْأَوْقَاتِ وَيَلْبَسُ الْأَحْسَنَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ إظْهَارًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يُؤْذِيَ الْمُحْتَاجِينَ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ وَعَنْ النَّخَعِيِّ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فِي ثِيَابٍ حَسَنَةٍ وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ نَحْنُ نَعْرِفُ حَقِيقَةً أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْآنَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ (وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ اللُّبْسُ لِلتَّكَبُّرِ) وَالْخُيَلَاءِ «لِقَوْلِهِ ﵊ لِمِقْدَادِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ كُلْ وَالْبَسْ وَاشْرَبْ مِنْ غَيْرِ مَخِيلَةٍ» . (وَيُسْتَحَبُّ) الثَّوْبُ (الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الثِّيَابَ الْبِيضَ وَإِنَّهُ خَلَقَ الْجَنَّةَ بَيْضَاءَ» وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ لَبِسَ الْجُبَّةَ السَّوْدَاءَ وَالْعِمَامَةَ السَّوْدَاءَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ» وَلَا بَأْسَ بِالْأَزْرَقِ وَفِي الشِّرْعَةِ وَلُبْسُ الْأَخْضَرِ سُنَّةٌ. (وَيُكْرَهُ) الثَّوْبُ (الْأَحْمَرُ وَالْمُعَصْفَرُ) لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ وَالْمُعَصْفَرِ» . وَفِي الْمِنَحِ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ وَبِهِ صَرَّحَ أَبُو الْمَكَارِمِ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ لَا بَأْسَ تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ لَكِنْ صَرَّحَ صَاحِبُ تُحْفَةِ الْمُلُوكِ بِالْحُرْمَةِ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. (وَالسُّنَّةُ إرْخَاءُ طَرَفِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) هَكَذَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﵊ (قَدْرَ شِبْرٍ وَقِيلَ إلَى وَسَطِ الظُّهْرِ وَقِيلَ إلَى مَوْضِعِ الْجُلُوسِ وَإِذَا

стр. 1292

أَرَادَ تَجْدِيدَ لَفِّهَا نَقَضَهَا كَمَا لَفَّهَا) وَلَا يُلْقِيهَا عَلَى الْأَرْضِ دَفْعَةً وَاحِدَةً هَكَذَا نَقَلَ مَنْ فَعَلَهُ ﵇ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. (وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَلَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ) وَلَوْ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدَنِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَقَالَ إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ أَيْ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» وَإِنَّمَا جَازَ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثٍ آخَرَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِنْهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ وَبِإِحْدَى يَدَيْهِ حَرِيرٌ وَبِالْأُخْرَى ذَهَبٌ وَقَالَ هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهِمْ» وَيُرْوَى حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ إلَّا أَنَّ الْقَلِيلَ عَفْوٌ وَعَنْ هَذَا قَالَ (الْأَقْدَرُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ) مَضْمُومَةٌ فَلَا يَحْرُمُ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَحِلُّ. وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ أَصَابِعِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَذَلِكَ قَيْسُ شِبْرِنَا يُرَخَّصُ فِيهِ. وَفِي الْمِنَحِ الْقَلِيلُ مِنْ الْحَرِيرِ عَفْوٌ وَهُوَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَرْبَعِ يَعْنِي مَضْمُونَةً وَذَلِكَ (كَالْعَلَمِ) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ وَعَلَيْهَا الْأَعْلَامُ وَالطِّرَازُ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْبَعِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ جُبَّةً مَكْفُوفَةً بِالْحَرِيرِ» وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ لَبِسَ فَرْوَةً أَطْرَافُهَا مِنْ الدِّيبَاجِ» وَكَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَبَعٌ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ الْعَلَمُ حَلَالٌ مُطْلَقًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا انْتَهَى هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَرْبَعَ وَفِيهِ رُخْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِذَلِكَ مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْعُظَمَاءِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي طَرَفِ الْقَلَنْسُوَةِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ قَدْرَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ أَوْ دُونَهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ فِي الْقَلَنْسُوَةِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَفِي الْمُجْتَبِي وَإِنَّمَا رَخَّصَ الْإِمَامُ فِي الْعَلَمِ فِي عَرْضِ الثَّوْبِ قُلْت وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ فِي طُولِهِ يُكْرَهُ وَبِهِ جَزَمَ مَوْلَى خُسْرو وَلَكِنَّ إطْلَاقَ الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ مُخَالِفٌ. وَفِي الْقُنْيَةِ نَقْلًا عَنْ بُرْهَانِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ أَنَّ عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِجِلْدِهِ حَتَّى لَوْ لَبِسَهُ فَوْقَ قَمِيصٍ مِنْ غَزْلٍ أَوْ نَحْوِهِ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ فَكَيْفَ إذَا لَبِسَهُ فَوْقَ قَبَاءٍ أَوْ شَيْءٍ آخَرَ مَحْشُوًّا وَكَانَتْ جُبَّةً مِنْ حَرِيرٍ بِطَانَتُهَا لَيْسَ بِحَرِيرٍ وَلَوْ لَبِسَهَا فَوْقَ قَمِيصٍ غَزْلِيٍّ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي هَذَا رُخْصَةٌ عَظِيمَةٌ فِي مَوْضِعٍ عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى وَلَكِنْ طَلَبْتُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْإِمَامِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ فَلَمْ أَجِدْ سِوَى هَذَا ثُمَّ قَالَ نَقْلًا عَنْ الْحَلْوَانِيِّ قَالَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّمَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ إذَا كَانَ يَمَسُّ الْجِلْدَ وَمَا لَا فَلَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ حَرِيرٍ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَمَا تَرَى إلَى مَا يَلِي الْجَسَدِ وَكَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ مِنْ قُطْنٍ ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْكُلَّ حَرَامٌ. وَفِي الْجَامِعِ لِلْبَزْدَوِيِّ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَبَاحَ لُبْسَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ لِلرِّجَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ

стр. 1293

أَيْضًا وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ انْتَهَى قَالَ عَبْدُ الْبَرِّ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقُنْيَةِ قُلْت وَفِي حِفْظِي مِنْ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ مَا لَفْظُهُ قَالَ الْإِمَامُ وَمُحَمَّدٌ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَقَلَنْسُوَةِ الثَّعَالِبِ انْتَهَى وَهَذَا مُطْلَقٌ وَفِيهِ زِيَادَةُ مُحَمَّدٍ مَعَ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْمِنَحِ. وَفِي التَّنْوِيرِ وَالثَّوْبُ الْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ يَحِلُّ إذَا كَانَ هَذَا الْمِقْدَارُ وَإِلَّا لَا وَلَا بَأْسَ بِتِكَّةِ دِيبَاجٍ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّهَا كَالْبَيْتِ وَكَذَا لَا بَأْسَ بِمِلْأَةٍ حَرِيرٍ يُوضَعُ فِي مَهْدِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلُبْسٍ. وَفِي الْقُنْيَةِ تُكْرَهُ التِّكَّةُ الْمَعْمُولَةُ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ هُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا الْقَلَنْسُوَةُ وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ الْعِمَامَةِ وَالْكِيسُ الَّذِي يُعَلَّقُ لَكِنْ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَالذَّخِيرَةِ وَشَرْحِ الْقُدُورِيِّ لَا تُكْرَهُ التِّكَّةُ مِنْ الْحَرِيرِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُكْرَهُ. وَاخْتُلِفَ فِي عُصْبَةِ الْجِرَاحَةِ بِالْحَرِيرِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ الْقَمِيصِ وَزِرُّهُ مِنْ الْحَرِيرِ وَهُوَ كَالْعَلَمِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ كَرِهَتْهُ وَأَكْرَهُ تِكَّةَ الْحَرِيرِ لِأَنَّهَا تُلْبَسُ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَاللُّبْسُ لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ بَلْ يَكُونُ تَبَعًا فِي اللُّبْسِ وَالْمُحَرَّمُ هُوَ اللُّبْسُ الْحَرِيرُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشُدَّ خِمَارًا أَسْوَدَ مِنْ الْحَرِيرِ عَلَى الْعَيْنِ الرَّامِدَةِ أَوْ النَّاظِرَةِ إلَى الثَّلْجِ وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى سَجَّادَةٍ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ لَمْ يُكْرَهْ فَإِنَّ الْحَرَامَ هُوَ اللُّبْسُ أَمَّا الِانْتِفَاعُ بِسَائِرِ الْوُجُوهِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ. (وَلَا بَأْسَ) لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (بِتَوَسُّدِهِ) أَيْ بِاِتِّخَاذِ الْحَرِيرِ وِسَادَةً (وَافْتِرَاشِهِ) أَيْ اتِّخَاذِهِ فِرَاشًا وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ وَكَذَا سِتْرُ الْحَرِيرِ وَتَعْلِيقُهُ عَلَى الْبَابِ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِعُمُومِ النَّهْيِ وَلِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْأَكَاسِرَةِ وَالْجَبَابِرَةِ، وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ حَرَامٌ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إيَّاكُمْ وَزِيَّ الْأَعَاجِمِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَهَذَا الْخِلَافُ عَلَى قَوْلِ الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ الْمَنْظُومَةِ وَالْمُجْمَعِ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْخِلَافَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَهُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ جَلَسَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ وَقَدْ كَانَ عَلَى بِسَاطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -» مِرْفَقَةُ حَرِيرٍ وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْمَلْبُوسِ مُبَاحٌ كَالْأَعْلَامِ فَكَذَا الْقَلِيلُ مِنْ اللُّبْسِ وَهُوَ التَّوَسُّدُ وَالِافْتِرَاشُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِعْمَالٍ كَامِلٍ بَلْ اسْتِعْمَالٌ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِهَانِ فَكَانَ قَاصِرًا عَنْ مَعْنَى الِاسْتِعْمَالِ وَالتَّزْيِينِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُكْمُ التَّحْرِيمِ مِنْ اللُّبْسِ الَّذِي هُوَ فِي الِاسْتِعْمَالِ إلَيْهِ فَلَمْ يَحْرُمُ بَلْ كَانَ ذَلِكَ تَقْلِيلًا لِلُّبْسِ وَأُنْمُوذَجًا وَتَرْغِيبًا فِي نَعِيمِ الْآخِرَةِ، وَنَظِيرُهُ انْكِشَافُ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ لَا يُفْسِدُ وَكَذَا الْكَثِيرُ فِي الزَّمَانِ الْقَلِيلِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ وَغَيْرِهِ. (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ مَا سَدَاهُ) بِالْفَتْحِ أَيْ مَا سَدَى مِنْ الثَّوْبِ بِالْفَارِسِيَّةِ " تان وتار " (إبْرَيْسَمٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَحَرَكَاتِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَرَبِيٍّ أَوْ مُعَرَّبٍ (وَلُحْمَتُهُ) مَا أُدْخِلَ

стр. 1294

بَيْنَ السَّدَى (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْإِبْرَيْسَمِ سَوَاءٌ كَانَ مَغْلُوبًا أَوْ غَالِبًا أَوْ مُسَاوِيًا لِلْحَرِيرِ كَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ يَعْنِي فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَلْبَسُونَ مِثْلَ هَذَا وَلِأَنَّ الثَّوْبَ يَصِيرُ بِالنَّسْجِ وَالنَّسْجُ بِاللَّحْمَةِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ لِكَوْنِهَا عِلَّةً قَرِيبَةً فَيُضَافُ الْحُكْمُ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةُ إلَيْهَا دُونَ السَّدَى فَيَكُونُ الْعِبْرَةُ لِمَا يَظْهَرُ دُونَ مَا يَخْفَى وَقِيلَ لَا يَلْبَسُ إلَّا إذَا غَلَبَ اللُّحْمَةُ عَلَى الْحَرِيرِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ (وَعَكْسُهُ) أَيْ مَا لُحْمَتُهُ إبْرَيْسَمٌ وَسَدَاهُ غَيْرُهُ (لَا يُلْبَسُ إلَّا فِي الْحَرْبِ) لَا فِي غَيْرِهِ وَهَذَا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ لِلضَّرُورَةِ. (وَيُكْرَهُ لُبْسُ خَالِصِهِ) أَيْ الْحَرِيرِ فِيهَا أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «رَخَّصَ لُبْسَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ» وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً فَإِنَّ الْخَالِصَ مِنْهُ أَدْفَعُ لِمَضَرَّةِ السِّلَاحِ وَأَهْيَبُ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ لِبَرِيقِهِ وَلَهُ إطْلَاقُ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِالْمَخْلُوطِ الَّذِي لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْخَالِصِ مِنْهُ. وَفِي الْمِنَحِ هَذَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ صَفِيقًا يَحْصُلُ بِهِ اتِّقَاءُ الْعَدُوِّ فِي الْحَرْبِ أَمَّا إذَا كَانَ رَقِيقًا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الِاتِّقَاءُ فَإِنَّ لُبْسَهُ لَا يَحِلُّ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْفِرَاءِ كُلِّهَا مِنْ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغَةِ وَالذَّكِيَّةِ وَكَذَلِكَ الصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَاللِّبَدِ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَكْرَهُ ثَوْبَ الْقَزِّ يَكُونُ بَيْنَ الْفَرْوِ وَالظِّهَارَةِ وَلَا أَرَى بِحَشْوِ الْقَزِّ بَأْسًا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مَلْبُوسٌ وَالْحَشْوَ غَيْرُ مَلْبُوسٍ. (وَيَجُوزُ لِلنِّسَاءِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا) يَجُوزُ (لِلرِّجَالِ) أَمَّا بِالذَّهَبِ فَلِمَا رَوَيْنَا وَأَمَّا بِالْفِضَّةِ فَلِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الذَّهَبِ فِي التَّزَيُّنِ وَوُقُوعُ التَّفَاخُرِ بِهَا (إلَّا الْخَاتَمَ) عَلَى هَيْئَةِ خَاتَمِ الرِّجَالِ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ فَصَّانِ أَوْ أَكْثَرُ فَحَرَامٌ (وَالْمِنْطَقَةَ وَحِلْيَةَ السَّيْفِ مِنْ الْفِضَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى النَّمُوذَجِ وَالْفِضَّةُ أَغْنَتْ عَنْ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَقَدْ وَرَدَ آثَارٌ فِي جَوَازِ التَّخَتُّمِ بِالْفِضَّةِ وَكَانَ «النَّبِيُّ ﵊ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فِي يَدِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ» ثُمَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ ثُمَّ فِي يَدِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إلَى أَنْ وَقَعَ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ فَأَنْفَقَ مَالًا عَظِيمًا فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ وَقَالُوا إنْ قَصَدَ بِالتَّخَتُّمِ التَّجَبُّرَ فَمَكْرُوهٌ. وَفِي

стр. 1295

الِاخْتِيَارِ سُنَّ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ عَلَى قَدْرِ مِثْقَالٍ أَوْ دُونِهِ. (وَ) إلَّا (مِسْمَارَ الذَّهَبِ فِي ثَقْبِ الْفَصِّ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ كَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ وَلَا يُعَدُّ لَابِسًا لَهُ (وَ) إلَّا (كِتَابَةَ الثَّوْبِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلثَّوْبِ وَلَا حُكْمَ لَهُ وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ. (وَ) إلَّا (شَدَّ السِّنِّ بِالْفِضَّةِ وَلَا يَجُوزُ بِالذَّهَبِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) . وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَا يَشُدُّ الْأَسْنَانَ بِالذَّهَبِ وَيَشُدُّ بِالْفِضَّةِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا بَأْسَ بِالذَّهَبِ أَيْضًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلِهَذَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يُبَاحُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِالْفِضَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ بِالذَّهَبِ أَيْضًا لِمَا رُوِيَ عَنْ «عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ فَأَمَرَهُ ﵊ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ قُلْنَا الْكَلَامُ فِي السِّنِّ وَالْمَرْوِيُّ فِي الْأَنْفِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِغْنَاءِ فِي السِّنِّ أَلَا يَرَى التَّخَتُّمَ لِأَجْلِ الْخَتْمِ ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْأَدْنَى لَا يُصَارُ إلَى الْأَعْلَى وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُهُ عَلَى الْأَنْفِ فَكَذَا هُنَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﵊ خَصَّ عَرْفَجَةَ بِذَلِكَ كَمَا خَصَّ الزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِلُبْسِ الْحَرِيرِ لِأَجْلِ الْحَكَّةِ فِي جِسْمِهِمَا. (وَلَا يَتَخَتَّمُ بِحَجَرٍ وَلَا صُفْرٍ وَلَا حَدِيدٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «نَهَى عَنْ التَّخَتُّمِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ» (وَقِيلَ يُبَاحُ بِالْحَجَرِ الْيَشْبِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَرٍ إذَا لَيْسَ لَهُ ثِقَلُ الْحَجَرِ وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الدُّرَرِ نَقْلًا عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ كَالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ ﵇ «كَانَ يَتَخَتَّمُ بِالْعَقِيقِ وَقَالَ تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَهَبٍ وَلَا حَدِيدٍ وَلَا صُفْرٍ بَلْ هُوَ حَجَرٌ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ. وَفِي الْمِنَحِ؛ لِأَنَّ حِلَّ الْعَقِيقِ لَمَّا ثَبَتَ حَلَّ سَائِرُ الْأَحْجَارِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ حَجَرٍ وَحَجَرٍ لَكِنْ يَجُوزُ التَّخَتُّمُ إنْ كَانَتْ الْحَلْقَةُ مِنْ الْفِضَّةِ وَالْفَصُّ مِنْ الْحَجَرِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَقِيقٍ أَوْ زَبَرْجَدٍ أَوْ فَيْرُوزَجِ أَوْ غَيْرِهَا لِكَوْنِهِ تَابِعًا وَلِأَنَّ الْقِوَامَ بِهَا وَلَا يُعْتَبَرُ بِالْفَصِّ وَيُجْعَلُ الْفَصُّ إلَى بَاطِنِ كَفِّهِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ لِلزِّينَةِ فِي حَقِّهَا وَيَلْبَسُ خَاتَمَهُ فِي الْيُسْرَى لَا فِي الْيُمْنَى وَلَا فِي غَيْرِ خِنْصَرِهِ الْيُسْرَى مِنْ أَصَابِعِهِ وَسَوَّى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ وَهُوَ الْحَقُّ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ. (وَتَرْكُ التَّخَتُّمِ أَفْضَلُ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي) لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ بِخِلَافِ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي كَمَا فِي الْهِدَايَةِ

стр. 1296

وَفِي الْمِنَحِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُمَا بَلْ الْحُكْمُ فِي كُلِّ ذِي حَاجَةٍ كَذَلِكَ فَلَوْ قِيلَ وَتَرْكُ التَّخَتُّمِ أَفْضَلُ لِغَيْرِ ذِي حَاجَةٍ إلَيْهِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمُبَاشِرُ وَمُتَوَلِّي الْأَوْقَافِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى الْخَتْمِ لِضَبْطِ الْمَالِ كَانَ أَعَمَّ فَائِدَةً كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى لَكِنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ لَا يُنَافِي جَرَيَانَ الْحُكْمِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الشَّيْءِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ وَالضَّرُورَةُ خُصُوصًا فِي أَمْرِ الِاسْتِحْبَابِ تَدَبَّرْ. (وَيَجُوزُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ مِنْ إنَاءٍ مُفَضَّضٍ وَالْجُلُوسُ عَلَى سَرِيرٍ مُفَضَّضٍ بِشَرْطِ اتِّقَاءِ مَوْضِعِ الْفِضَّةِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ الْفِضَّةُ فِي مَوْضِعِ الْفَمِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقِيلَ يَتَّقِي مَوْضِعَ الْفَمِ وَالْيَدِ. وَفِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَيُكْرَهُ) ذَلِكَ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) مُطْلَقًا (وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ مَعَ الْإِمَامِ. وَفِي رِوَايَةٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِنَاءُ الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْكُرْسِيُّ الْمُضَبَّبُ بِهِمَا وَكَذَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّقْفِ وَالْمَسْجِدِ وَحَلْقَةِ الْمِرْآةِ أَيْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ مُذَهَّبًا أَوْ مُفَضَّضًا كَمَا لَوْ جَعَلَهُ فِي نَصْلِ سَيْفٍ وَسِكِّينٍ أَوْ قَبْضَتِهِمَا أَوْ فِي لِجَامٍ أَوْ رِكَابٍ وَلَمْ يَضَعْ يَدَهُ مَوْضِعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا يَخْلُصُ وَأَمَّا التَّمْوِيهُ الَّذِي لَا يَخْلُصُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ فَلَا عِبْرَةَ لِبَقَائِهِ لَوْنًا لَهُمَا إنَّ مُسْتَعْمِلَ جُزْءٍ مِنْ الْإِنَاءِ مُسْتَعْمِلٌ جَمِيعَ الْأَجْزَاءِ فَيُكْرَهُ كَمَا إذَا اسْتَعْمَلَ مَوْضِعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ وَلَا تُعْتَبَرُ بِالتَّوَابِعِ فَلَا يُكْرَهُ كَالْجُبَّةِ الْمَكْفُوفَةِ بِالْحَرِيرِ وَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ. (وَيُكْرَهُ إلْبَاسُ الصَّبِيِّ ذَهَبًا أَوْ حَرِيرًا) لِئَلَّا يَعْتَادَهُ وَالْإِثْمُ عَلَى الْمُلْبِسِ كَالْخَمْرِ فَإِنْ سَقْيَهَا الصَّبِيَّ حَرَامٌ كَشُرْبِهَا وَكَذَا الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَالتَّنْوِيرُ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الصَّبِيِّ اللُّؤْلُؤَ وَكَذَا الْبَالِغُ (وَيُكْرَهُ حَمْلُ خِرْقَةٍ لِمَسْحِ الْعَرَقِ أَوْ الْمُخَاطِ أَوْ) مَاءِ (الْوُضُوءِ إنْ لِلتَّكَبُّرِ وَإِنْ لِلْحَاجَةِ فَلَا هُوَ الصَّحِيحُ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِحَاجَةٍ لَا يُكْرَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا (وَالرَّتَمُ) وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَى الْأُصْبُعِ لِتَذَكُّرِ الشَّيْءِ (لَا بَأْسَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَبَثٍ لِمَا فِيهِ

стр. 1297

مِنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ عِنْدَ النِّسْيَانِ أَمَّا شَدُّ الْخُيُوطِ وَالسَّلَاسِلِ عَلَى بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِكَوْنِهِ عَبَثًا مَحْضًا أَوْ حَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا فُعِلَ عَلَى وَجْهِ التَّجَبُّرِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَبِدْعَةٌ وَمَا فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ لَا يُكْرَهُ وَهُمَا نَظِيرُ التَّرَبُّعِ فِي الْجُلُوسِ وَالِاتِّكَاءِ. [فَصَلِّ فِي بَيَان أَحْكَام النَّظَر وَنَحْوه] كَالْمَسِّ (وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالطَّبِيبِ) أَيْ لَهُ النَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ النَّظَرِ ضَرُورَةً فَيُرَخَّصُ لَهُ إحْيَاءً لِحُقُوقِ النَّاسِ وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِمْ (وَالْخَاتِنُ وَالْخَافِضَةُ) بِالْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الَّتِي تَخْتِنُ النِّسَاءَ (وَالْقَابِلَةُ وَالْحَاقِنُ) الَّذِي يَعْمَلُ الْحُقْنَةَ (وَلَا يَتَجَاوَزُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (قَدْرَ الضَّرُورَةِ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْمَرَضِ وَالْخِتَانِ وَالْحُقْنَةِ. وَفِي التَّبْيِينِ وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يُعَلِّمَ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَسْتُرُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا سِوَى مَوْضِعِ الْمَرَضِ ثُمَّ يَنْظُرُ وَيَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَا اسْتَطَاعَ؛ لِأَنَّ مَا يَثْبُتُ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا. (وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ إلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ وَقَدْ بَيَّنْت فِي الصَّلَاةِ) أَنَّ الْعَوْرَةَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَالسُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ أَبُو عِصْمَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ثُمَّ حُكْمُ الْعَوْرَةِ فِي الرُّكْبَةِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْفَخِذِ وَفِي الْفَخِذِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي السَّوْأَة حَتَّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ فِي كَشْفِ الرُّكْبَةِ بِرِفْقٍ وَفِي الْفَخِذِ بِعُنْفٍ. وَفِي السَّوْأَة بِضَرْبٍ إنْ أَصَرَّ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْأَوْلَى تَنْكِيرُ الرَّجُلِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الثَّانِيَ عَيْنُ الْأَوَّلِ وَكَذَا الْكَلَامُ فِيمَا بَعْدُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَمْرَدِ الصَّبِيحِ الْوَجْهِ وَكَذَا الْخَلْوَةُ وَلِذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالنِّقَابِ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ انْتَهَى. (وَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ) الْمُسْلِمَةُ (مِنْ الْمَرْأَةِ) لِوُجُودِ الْمُجَانِسَةِ وَانْعِدَامِ الشَّهْوَةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَشْتَهِي الْمَرْأَةَ كَمَا لَا يَشْتَهِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الِانْكِشَافِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ وَعَنْ الْإِمَامِ إنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ. (وَ) مِنْ (الرَّجُلِ إلَى مَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ) أَيْ إلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ

стр. 1298

(إنْ أُمِنَتْ الشَّهْوَةُ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ فَكَانَ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنْهُ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي قَلْبِهِ شُهْرَةٌ أَوْ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهَا إنَّهَا تَشْتَهِي أَوْ شَكَّتْ فِي ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ النَّاظِرُ إلَى مَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ مِنْهَا كَالْوَجْهِ وَالْكَفِّ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ حَتْمًا مَعَ الْخَوْفِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّةَ كَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ إلَى بَدَنِ الْمُسْلِمَةِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى. وَفِي الْمُجْتَبَى وَالتَّنْوِيرِ وَكُلُّ عُضْوٍ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَا يَجُوزُ بَعْدَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَشَعْرِ رَأْسِهَا. (وَيَنْظُرُ) الرَّجُلُ (إلَى جَمِيعِ بَدَنِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ (وَطْؤُهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «غُضَّ بَصَرَك إلَّا عَنْ زَوْجَتِك وَأَمَتِك» قِيلَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ النِّسْيَانَ وَكَذَا لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ عَوْرَةَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَنْظُرُ إلَى عَوْرَتِهِ وَلَا يَمَسُّهَا بِيَمِينِهِ قَطُّ وَقَالَ الْبَعْضُ إنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ وَقْتَ الْوِقَاعِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَحْصِيلِ مَعْنَى اللَّذَّةِ وَقَيَّدَ الْأَمَةَ بِكَوْنِهَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لِأَنَّ مَا لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا كَأَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ الْمَنْكُوحَةِ لِلْغَيْرِ أَوْ الْمَجُوسِيَّةِ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا (وَ) يَنْظُرُ (مِنْ مَحَارِمِهِ) نَسَبًا وَرَضَاعًا أَوْ مُصَاهَرَةً بِالنِّكَاحِ وَكَذَا بِالسِّفَاحِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلِذَا قَالَ فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ وَالْمُصَاهَرَةُ وَإِنْ كَانَ زِنًا. (وَ) مِنْ (أَمَةِ غَيْرِهِ) وَلَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُعْتَقَةَ الْبَعْضِ عِنْدَهُ (إلَى الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَضُدِ) إنْ أَمِنَ شَهْوَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إذْ الْمُرَادُ بِالزِّينَةِ مَوَاضِعُ الزِّينَةِ بِطَرِيقِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ مَوْضِعُ التَّاجِ وَالشَّعْرَ مَوْضِعُ الْعِقَاصِ وَالْوَجْهَ مَوْضِعُ الْكُحْلِ وَالْعُنُقَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ الَّتِي تَنْتَهِي إلَى الصَّدْرِ وَالْأُذُنَ مَوْضِعُ الْقُرْطِ وَالْعَضُدَ مَوْضِعُ الدُّمْلُوجِ وَالسَّاعِدَ مَوْضِعُ السُّوَرِ وَالْكَفَّ مَوْضِعُ الْخَاتَمِ وَالسَّاقَ مَوْضِعُ الْخَلْخَالِ وَالْقَدَمَ مَوْضِعُ الْخِضَابِ فَحَلَّ النَّظَرُ لِلْمَحَارِمِ إلَى تِلْكَ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ فِي بَيْتِهَا فِي ثَبَاتِ مِهْنَتِهَا عَادَةً وَلَا تَكُونُ مُسْتَتِرَةً وَيَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ بَعْضُ الْمَحَارِمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فَلَوْ حُرِّمَ النَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَكَذَا الرَّغْبَةُ تَقِلُّ لِلْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ فَقَلَّمَا تُشْتَهَى بِخِلَافِ مَا وَرَاءَهَا لِأَنَّهَا لَا تَنْكَشِفُ عَادَةً وَحُكْمُ أَمَةِ الْغَيْرِ كَحُكْمِ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ لِحَوَائِجِ مَوْلَاهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا رَأَى جَارِيَةً مُقَنَّعَةً يَضْرِبُهَا بِالدِّرَّةِ وَيَقُولُ أَلْقِي عَنْك الْخِمَارَ يَا دَفَارُ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى بَطْنِهَا وَظَهْرِهَا خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ فَإِنَّهُ قَالَ يَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا. (وَلَا بَأْسَ بِمَسِّهِ) أَيْ بِمَسِّ الرَّجُلِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهَا مِنْ مَحَارِمِهِ وَأَمَةِ

стр. 1299

غَيْرِهِ (بِشَرْطِ أَمْنِ الشَّهْوَةِ فِي النَّظَرِ وَالْمَسِّ) لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ بِالْإِرْكَابِ وَالْإِنْزَالِ فِي الْمُسَافَرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ وَكَانَ ﵊ «يُقَبِّلُ رَأْسَ بِنْتِهِ فَاطِمَةَ ﵂ وَيَقُولُ أَجِدُ مِنْهَا رِيحَ الْجَنَّةِ» (وَلَا يَنْظُرُ) الرَّجُلُ (إلَى الْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالْفَخِذِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَمِنَ) أَيْ عَنْ الشَّهْوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوَاضِعَ الزِّينَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ظَهْرِ مَحَارِمِهِ وَبَطْنِهَا. (وَلَا) يَنْظُرُ الرَّجُلُ (إلَى الْحُرَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إلَّا إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ إنْ أَمِنَ) الشَّهْوَةَ؛ لِأَنَّ إبْدَاءَ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ يَلْزَمُهَا بِالضَّرُورَةِ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَلَا يَنْظُرُ إلَى قَدَمَيْهَا لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِي إبْدَائِهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى قَدَمَيْهَا إذَا ظَهَرَتَا فِي حَالِ الْمَشْيِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى ذِرَاعِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا قَدْرٌ يَبْدُو مِنْهَا عَادَةً (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ الشَّهْوَةَ (وَلَا يَجُوزُ) النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ نَظَرَ إلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ صُبَّتْ فِي عَيْنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالُوا وَلَا بَأْسَ بِالتَّأَمُّلِ فِي جَسَدِهَا وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ مَا لَمْ يَكُنْ ثَوْبٌ يُبَيِّنُ حَجْمَهَا فِيهِ فَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (لِغَيْرِ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْأَدَاءِ) فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَنْ يَنْظُرَ مَعَ عَدَمِ أَمْنِ الشَّهْوَةِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَنْ لَا يَشْتَهِي فِي التَّحَمُّلِ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ بِخِلَافِ مَنْ يُؤَدِّيهَا وَقِيلَ يُبَاحُ كَمَا فِي النَّظَرِ عِنْدَ الْأَدَاءِ (وَالْحَاكِمُ عِنْدَ الْحُكْمِ) وَإِنْ لَمْ يَأْمَنَا؛ لِأَنَّهُمَا مُضْطَرَّانِ إلَيْهِ فِي إقَامَةِ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهَا كَمَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا (وَلَا يَجُوزُ مَسُّ ذَلِكَ) أَيْ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. (وَإِنْ أَمِنَ) الشَّهْوَةَ (إنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (شَابَّةً) قَالَ ﵊ «مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلِأَنَّ اللَّمْسَ أَغْلَظُ مِنْ النَّظَرِ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِيهِ أَكْثَرُ (وَيَجُوزُ) مَسُّهُ (إنْ) كَانَتْ (عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى) لِانْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ (أَوْ هُوَ شَيْخٌ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا) وَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ أَوْ عَلَيْهَا لَا يَحِلُّ لَهُ مُصَافَحَتُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ (وَيَجُوزُ النَّظَرُ وَالْمَسُّ مَعَ خَوْفِ الشَّهْوَةِ عِنْدَ إرَادَةِ الشِّرَاءِ)

стр. 1300

لِلضَّرُورَةِ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَأَطْلَقَ أَيْضًا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ وُجُودِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي النَّظَرِ أَوْ فِي الْمَسِّ حَيْثُ قَالَ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً لَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّ سَاقَهَا وَذِرَاعَهَا وَصَدْرَهَا وَيَنْظُرُ إلَى صَدْرِهَا وَسَاقِهَا مَكْشُوفَيْنِ وَقَالَ مَشَايِخُنَا يُبَاحُ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ اشْتَهَى لِلضَّرُورَةِ وَلَا يُبَاحُ الْمَسُّ إذَا اشْتَهَى أَوْ كَانَ أَكْثَرَ رَأْيِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ. وَفِي الِاخْتِيَارِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الشِّرَاءَ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ مَعَ الشَّهْوَةِ دُونَ الْمَسِّ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ لِلْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ (أَوْ النِّكَاحِ) فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا مَعَ الشَّهْوَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «الْمُغِيرَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَ ﵊ اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَدُومَ بَيْنَكُمَا» . (وَالْعَبْد مَعَ سَيِّدَتِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ) مِنْ الرِّجَالُ حَتَّى لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُبْدِيَ مِنْ زِينَتِهَا إلَّا مَا يَجُوزُ أَنْ تُبْدِيَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ سَيِّدَتِهِ إلَّا مَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ. وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ كَالْمَحْرَمِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ (وَالْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ كَالْفَحْلِ) أَمَّا الْمَجْبُوبُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ فَيُنْزِلُ قِيلَ إنْ جَفَّ مَاءُ الْمَجْبُوبِ يَحِلُّ اخْتِلَاطُهُ بِالنِّسَاءِ فِي حَقِّهِ وَقِيلَ لَا يَحِلُّ فِي الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْخَصِيُّ فَلِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ الْخِصَاءُ مُثْلَةٌ فَلَا يُبِيحُ مَا كَانَ حَرَامًا قَبْلَهُ وَلِأَنَّهُ فَحْلٌ يُجَامَعُ وَكَذَا الْمُخَنَّثُ فِي الرَّدِيءِ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالْفَحْلِ الْفَاسِقِ. (وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلَ) سَوَاءٌ كَانَ فَمَه أَوْ يَدَهُ أَوْ عُضْوًا مِنْهُ وَكَذَا تَقْبِيلُ الْمَرْأَةِ فَمَ امْرَأَةٍ أَوْ خَدَّهَا عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالْوَدَاعِ (أَوْ يُعَانِقُهُ فِي إزَارٍ بِلَا قَمِيصٍ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُكْرَهُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «عَانَقَ جَعْفَرَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ الْحَبَشَةِ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَلَهُمَا مَا رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُعَانِقُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ قَالَ لَا قُلْنَا أَيُصَافِحُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ قَالَ نَعَمْ» قَالُوا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا غَيْرُ الْإِزَارِ أَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِمَا قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَنْصُورِ: إنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْ الْمُعَانَقَةِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ وَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ فَجَائِزٌ عِنْدَ الْكُلِّ (وَلَا بَأْسَ بِالْمُصَافَحَةِ) ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ مُتَوَارَثَةٌ فِي السُّنَّةِ وَالسُّنَّةُ فِي الْمُصَافَحَةِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ مُضَاجَعَةُ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَانِبٍ عَنْ الْفِرَاشِ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ.
следующие страницы →