Полный текст (1 543 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وَفِي الْمِنَحِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُمَا بَلْ الْحُكْمُ فِي كُلِّ ذِي حَاجَةٍ كَذَلِكَ فَلَوْ قِيلَ وَتَرْكُ التَّخَتُّمِ أَفْضَلُ لِغَيْرِ ذِي حَاجَةٍ إلَيْهِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمُبَاشِرُ وَمُتَوَلِّي الْأَوْقَافِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى الْخَتْمِ لِضَبْطِ الْمَالِ كَانَ أَعَمَّ فَائِدَةً كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى لَكِنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ لَا يُنَافِي جَرَيَانَ الْحُكْمِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الشَّيْءِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ وَالضَّرُورَةُ خُصُوصًا فِي أَمْرِ الِاسْتِحْبَابِ تَدَبَّرْ.
(وَيَجُوزُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ مِنْ إنَاءٍ مُفَضَّضٍ وَالْجُلُوسُ عَلَى سَرِيرٍ مُفَضَّضٍ بِشَرْطِ اتِّقَاءِ مَوْضِعِ الْفِضَّةِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ الْفِضَّةُ فِي مَوْضِعِ الْفَمِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقِيلَ يَتَّقِي مَوْضِعَ الْفَمِ وَالْيَدِ.
وَفِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَيُكْرَهُ) ذَلِكَ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) مُطْلَقًا (وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ مَعَ الْإِمَامِ.
وَفِي رِوَايَةٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِنَاءُ الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْكُرْسِيُّ الْمُضَبَّبُ بِهِمَا وَكَذَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّقْفِ وَالْمَسْجِدِ وَحَلْقَةِ الْمِرْآةِ أَيْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ مُذَهَّبًا أَوْ مُفَضَّضًا كَمَا لَوْ جَعَلَهُ فِي نَصْلِ سَيْفٍ وَسِكِّينٍ أَوْ قَبْضَتِهِمَا أَوْ فِي لِجَامٍ أَوْ رِكَابٍ وَلَمْ يَضَعْ يَدَهُ مَوْضِعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ
وَفِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا يَخْلُصُ وَأَمَّا التَّمْوِيهُ الَّذِي لَا يَخْلُصُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ فَلَا عِبْرَةَ لِبَقَائِهِ لَوْنًا لَهُمَا إنَّ مُسْتَعْمِلَ جُزْءٍ مِنْ الْإِنَاءِ مُسْتَعْمِلٌ جَمِيعَ الْأَجْزَاءِ فَيُكْرَهُ كَمَا إذَا اسْتَعْمَلَ مَوْضِعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ وَلَا تُعْتَبَرُ بِالتَّوَابِعِ فَلَا يُكْرَهُ كَالْجُبَّةِ الْمَكْفُوفَةِ بِالْحَرِيرِ وَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ.
(وَيُكْرَهُ إلْبَاسُ الصَّبِيِّ ذَهَبًا أَوْ حَرِيرًا) لِئَلَّا يَعْتَادَهُ وَالْإِثْمُ عَلَى الْمُلْبِسِ كَالْخَمْرِ فَإِنْ سَقْيَهَا الصَّبِيَّ حَرَامٌ كَشُرْبِهَا وَكَذَا الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
وَالتَّنْوِيرُ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الصَّبِيِّ اللُّؤْلُؤَ وَكَذَا الْبَالِغُ (وَيُكْرَهُ حَمْلُ خِرْقَةٍ لِمَسْحِ الْعَرَقِ أَوْ الْمُخَاطِ أَوْ) مَاءِ (الْوُضُوءِ إنْ لِلتَّكَبُّرِ وَإِنْ لِلْحَاجَةِ فَلَا هُوَ الصَّحِيحُ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِحَاجَةٍ لَا يُكْرَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا (وَالرَّتَمُ) وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَى الْأُصْبُعِ لِتَذَكُّرِ الشَّيْءِ (لَا بَأْسَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَبَثٍ لِمَا فِيهِ
стр. 1297
مِنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ عِنْدَ النِّسْيَانِ أَمَّا شَدُّ الْخُيُوطِ وَالسَّلَاسِلِ عَلَى بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِكَوْنِهِ عَبَثًا مَحْضًا أَوْ حَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا فُعِلَ عَلَى وَجْهِ التَّجَبُّرِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَبِدْعَةٌ وَمَا فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ لَا يُكْرَهُ وَهُمَا نَظِيرُ التَّرَبُّعِ فِي الْجُلُوسِ وَالِاتِّكَاءِ.
[فَصَلِّ فِي بَيَان أَحْكَام النَّظَر وَنَحْوه]
كَالْمَسِّ (وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالطَّبِيبِ) أَيْ لَهُ النَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ النَّظَرِ ضَرُورَةً فَيُرَخَّصُ لَهُ إحْيَاءً لِحُقُوقِ النَّاسِ وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِمْ (وَالْخَاتِنُ وَالْخَافِضَةُ) بِالْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الَّتِي تَخْتِنُ النِّسَاءَ (وَالْقَابِلَةُ وَالْحَاقِنُ) الَّذِي يَعْمَلُ الْحُقْنَةَ (وَلَا يَتَجَاوَزُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (قَدْرَ الضَّرُورَةِ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْمَرَضِ وَالْخِتَانِ وَالْحُقْنَةِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يُعَلِّمَ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَسْتُرُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا سِوَى مَوْضِعِ الْمَرَضِ ثُمَّ يَنْظُرُ وَيَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَا اسْتَطَاعَ؛ لِأَنَّ مَا يَثْبُتُ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
(وَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ إلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ وَقَدْ بَيَّنْت فِي الصَّلَاةِ) أَنَّ الْعَوْرَةَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَالسُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ أَبُو عِصْمَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ثُمَّ حُكْمُ الْعَوْرَةِ فِي الرُّكْبَةِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْفَخِذِ وَفِي الْفَخِذِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي السَّوْأَة حَتَّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ فِي كَشْفِ الرُّكْبَةِ بِرِفْقٍ وَفِي الْفَخِذِ بِعُنْفٍ.
وَفِي السَّوْأَة بِضَرْبٍ إنْ أَصَرَّ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْأَوْلَى تَنْكِيرُ الرَّجُلِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الثَّانِيَ عَيْنُ الْأَوَّلِ وَكَذَا الْكَلَامُ فِيمَا بَعْدُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَمْرَدِ الصَّبِيحِ الْوَجْهِ وَكَذَا الْخَلْوَةُ وَلِذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالنِّقَابِ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ انْتَهَى.
(وَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ) الْمُسْلِمَةُ (مِنْ الْمَرْأَةِ) لِوُجُودِ الْمُجَانِسَةِ وَانْعِدَامِ الشَّهْوَةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَشْتَهِي الْمَرْأَةَ كَمَا لَا يَشْتَهِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الِانْكِشَافِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ وَعَنْ الْإِمَامِ إنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
(وَ) مِنْ (الرَّجُلِ إلَى مَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ) أَيْ إلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ
стр. 1298
(إنْ أُمِنَتْ الشَّهْوَةُ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ فَكَانَ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنْهُ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي قَلْبِهِ شُهْرَةٌ أَوْ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهَا إنَّهَا تَشْتَهِي أَوْ شَكَّتْ فِي ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ النَّاظِرُ إلَى مَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ مِنْهَا كَالْوَجْهِ وَالْكَفِّ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ حَتْمًا مَعَ الْخَوْفِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّةَ كَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ إلَى بَدَنِ الْمُسْلِمَةِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَالتَّنْوِيرِ وَكُلُّ عُضْوٍ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَا يَجُوزُ بَعْدَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَشَعْرِ رَأْسِهَا.
(وَيَنْظُرُ) الرَّجُلُ (إلَى جَمِيعِ بَدَنِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ (وَطْؤُهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «غُضَّ بَصَرَك إلَّا عَنْ زَوْجَتِك وَأَمَتِك» قِيلَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ النِّسْيَانَ وَكَذَا لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ عَوْرَةَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَنْظُرُ إلَى عَوْرَتِهِ وَلَا يَمَسُّهَا بِيَمِينِهِ قَطُّ وَقَالَ الْبَعْضُ إنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ وَقْتَ الْوِقَاعِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَحْصِيلِ مَعْنَى اللَّذَّةِ وَقَيَّدَ الْأَمَةَ بِكَوْنِهَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لِأَنَّ مَا لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا كَأَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ الْمَنْكُوحَةِ لِلْغَيْرِ أَوْ الْمَجُوسِيَّةِ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا (وَ) يَنْظُرُ (مِنْ مَحَارِمِهِ) نَسَبًا وَرَضَاعًا أَوْ مُصَاهَرَةً بِالنِّكَاحِ وَكَذَا بِالسِّفَاحِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلِذَا قَالَ فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ وَالْمُصَاهَرَةُ وَإِنْ كَانَ زِنًا.
(وَ) مِنْ (أَمَةِ غَيْرِهِ) وَلَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُعْتَقَةَ الْبَعْضِ عِنْدَهُ (إلَى الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَضُدِ) إنْ أَمِنَ شَهْوَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إذْ الْمُرَادُ بِالزِّينَةِ مَوَاضِعُ الزِّينَةِ بِطَرِيقِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ مَوْضِعُ التَّاجِ وَالشَّعْرَ مَوْضِعُ الْعِقَاصِ وَالْوَجْهَ مَوْضِعُ الْكُحْلِ وَالْعُنُقَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ الَّتِي تَنْتَهِي إلَى الصَّدْرِ وَالْأُذُنَ مَوْضِعُ الْقُرْطِ وَالْعَضُدَ مَوْضِعُ الدُّمْلُوجِ وَالسَّاعِدَ مَوْضِعُ السُّوَرِ وَالْكَفَّ مَوْضِعُ الْخَاتَمِ وَالسَّاقَ مَوْضِعُ الْخَلْخَالِ وَالْقَدَمَ مَوْضِعُ الْخِضَابِ فَحَلَّ النَّظَرُ لِلْمَحَارِمِ إلَى تِلْكَ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ فِي بَيْتِهَا فِي ثَبَاتِ مِهْنَتِهَا عَادَةً وَلَا تَكُونُ مُسْتَتِرَةً وَيَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ بَعْضُ الْمَحَارِمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فَلَوْ حُرِّمَ النَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَكَذَا الرَّغْبَةُ تَقِلُّ لِلْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ فَقَلَّمَا تُشْتَهَى بِخِلَافِ مَا وَرَاءَهَا لِأَنَّهَا لَا تَنْكَشِفُ عَادَةً وَحُكْمُ أَمَةِ الْغَيْرِ كَحُكْمِ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ لِحَوَائِجِ مَوْلَاهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا رَأَى جَارِيَةً مُقَنَّعَةً يَضْرِبُهَا بِالدِّرَّةِ وَيَقُولُ أَلْقِي عَنْك الْخِمَارَ يَا دَفَارُ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى بَطْنِهَا وَظَهْرِهَا خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ فَإِنَّهُ قَالَ يَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا.
(وَلَا بَأْسَ بِمَسِّهِ) أَيْ بِمَسِّ الرَّجُلِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهَا مِنْ مَحَارِمِهِ وَأَمَةِ
стр. 1299
غَيْرِهِ (بِشَرْطِ أَمْنِ الشَّهْوَةِ فِي النَّظَرِ وَالْمَسِّ) لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ بِالْإِرْكَابِ وَالْإِنْزَالِ فِي الْمُسَافَرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ وَكَانَ ﵊ «يُقَبِّلُ رَأْسَ بِنْتِهِ فَاطِمَةَ ﵂ وَيَقُولُ أَجِدُ مِنْهَا رِيحَ الْجَنَّةِ» (وَلَا يَنْظُرُ) الرَّجُلُ (إلَى الْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالْفَخِذِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَمِنَ) أَيْ عَنْ الشَّهْوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوَاضِعَ الزِّينَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ظَهْرِ مَحَارِمِهِ وَبَطْنِهَا.
(وَلَا) يَنْظُرُ الرَّجُلُ (إلَى الْحُرَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إلَّا إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ إنْ أَمِنَ) الشَّهْوَةَ؛ لِأَنَّ إبْدَاءَ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ يَلْزَمُهَا بِالضَّرُورَةِ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَلَا يَنْظُرُ إلَى قَدَمَيْهَا لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِي إبْدَائِهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ الْإِمَامِ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى قَدَمَيْهَا إذَا ظَهَرَتَا فِي حَالِ الْمَشْيِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى ذِرَاعِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا قَدْرٌ يَبْدُو مِنْهَا عَادَةً (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ الشَّهْوَةَ (وَلَا يَجُوزُ) النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ نَظَرَ إلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ صُبَّتْ فِي عَيْنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالُوا وَلَا بَأْسَ بِالتَّأَمُّلِ فِي جَسَدِهَا وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ مَا لَمْ يَكُنْ ثَوْبٌ يُبَيِّنُ حَجْمَهَا فِيهِ فَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (لِغَيْرِ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْأَدَاءِ) فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَنْ يَنْظُرَ مَعَ عَدَمِ أَمْنِ الشَّهْوَةِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَنْ لَا يَشْتَهِي فِي التَّحَمُّلِ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ بِخِلَافِ مَنْ يُؤَدِّيهَا وَقِيلَ يُبَاحُ كَمَا فِي النَّظَرِ عِنْدَ الْأَدَاءِ (وَالْحَاكِمُ عِنْدَ الْحُكْمِ) وَإِنْ لَمْ يَأْمَنَا؛ لِأَنَّهُمَا مُضْطَرَّانِ إلَيْهِ فِي إقَامَةِ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهَا كَمَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا (وَلَا يَجُوزُ مَسُّ ذَلِكَ) أَيْ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
(وَإِنْ أَمِنَ) الشَّهْوَةَ (إنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (شَابَّةً) قَالَ ﵊ «مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلِأَنَّ اللَّمْسَ أَغْلَظُ مِنْ النَّظَرِ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِيهِ أَكْثَرُ (وَيَجُوزُ) مَسُّهُ (إنْ) كَانَتْ (عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى) لِانْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ (أَوْ هُوَ شَيْخٌ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا) وَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ أَوْ عَلَيْهَا لَا يَحِلُّ لَهُ مُصَافَحَتُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ (وَيَجُوزُ النَّظَرُ وَالْمَسُّ مَعَ خَوْفِ الشَّهْوَةِ عِنْدَ إرَادَةِ الشِّرَاءِ)
стр. 1300
لِلضَّرُورَةِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَأَطْلَقَ أَيْضًا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ وُجُودِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي النَّظَرِ أَوْ فِي الْمَسِّ حَيْثُ قَالَ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً لَا بَأْسَ بِأَنْ يَمَسَّ سَاقَهَا وَذِرَاعَهَا وَصَدْرَهَا وَيَنْظُرُ إلَى صَدْرِهَا وَسَاقِهَا مَكْشُوفَيْنِ وَقَالَ مَشَايِخُنَا يُبَاحُ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ اشْتَهَى لِلضَّرُورَةِ وَلَا يُبَاحُ الْمَسُّ إذَا اشْتَهَى أَوْ كَانَ أَكْثَرَ رَأْيِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الشِّرَاءَ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ مَعَ الشَّهْوَةِ دُونَ الْمَسِّ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ لِلْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ (أَوْ النِّكَاحِ) فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا مَعَ الشَّهْوَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «الْمُغِيرَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَ ﵊ اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَدُومَ بَيْنَكُمَا» .
(وَالْعَبْد مَعَ سَيِّدَتِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ) مِنْ الرِّجَالُ حَتَّى لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُبْدِيَ مِنْ زِينَتِهَا إلَّا مَا يَجُوزُ أَنْ تُبْدِيَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ سَيِّدَتِهِ إلَّا مَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ كَالْمَحْرَمِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ (وَالْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ كَالْفَحْلِ) أَمَّا الْمَجْبُوبُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ فَيُنْزِلُ
قِيلَ إنْ جَفَّ مَاءُ الْمَجْبُوبِ يَحِلُّ اخْتِلَاطُهُ بِالنِّسَاءِ فِي حَقِّهِ وَقِيلَ لَا يَحِلُّ فِي الْأَصَحِّ
وَأَمَّا الْخَصِيُّ فَلِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ الْخِصَاءُ مُثْلَةٌ فَلَا يُبِيحُ مَا كَانَ حَرَامًا قَبْلَهُ وَلِأَنَّهُ فَحْلٌ يُجَامَعُ وَكَذَا الْمُخَنَّثُ فِي الرَّدِيءِ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالْفَحْلِ الْفَاسِقِ.
(وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلَ) سَوَاءٌ كَانَ فَمَه أَوْ يَدَهُ أَوْ عُضْوًا مِنْهُ وَكَذَا تَقْبِيلُ الْمَرْأَةِ فَمَ امْرَأَةٍ أَوْ خَدَّهَا عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالْوَدَاعِ (أَوْ يُعَانِقُهُ فِي إزَارٍ بِلَا قَمِيصٍ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُكْرَهُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «عَانَقَ جَعْفَرَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ الْحَبَشَةِ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَلَهُمَا مَا رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُعَانِقُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ قَالَ لَا قُلْنَا أَيُصَافِحُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ قَالَ نَعَمْ» قَالُوا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا غَيْرُ الْإِزَارِ أَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِمَا قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَنْصُورِ: إنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْ الْمُعَانَقَةِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ
وَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ فَجَائِزٌ عِنْدَ الْكُلِّ (وَلَا بَأْسَ بِالْمُصَافَحَةِ) ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ مُتَوَارَثَةٌ فِي السُّنَّةِ وَالسُّنَّةُ فِي الْمُصَافَحَةِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ مُضَاجَعَةُ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَانِبٍ عَنْ الْفِرَاشِ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ.
стр. 1301
(وَ) لَا بَأْسَ (تَقْبِيلِ يَدِ الْعَالِمِ) أَوْ الزَّاهِدِ إعْزَازًا لِلدِّينِ (أَوْ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ) لِعَدْلِهِ وَيَدِ غَيْرِهِمْ بِتَعْظِيمِ إسْلَامِهِ وَإِكْرَامِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ تَقْبِيلُ يَدِ الْعَالِمِ أَوْ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ سُنَّةٌ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبَارَكٍ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ لَكِنَّ تَقْبِيلَ رَأْسِ الْعَالِمِ أَجْوَدُ.
وَقَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ لَوْ طَلَبَ مِنْ عَالِمٍ أَوْ زَاهِدٍ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قَدَمَهُ لِيُقَبِّلَهُ لَمْ يُجِبْهُ وَقِيلَ أَجَابَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يُقَبِّلُونَ أَطْرَافَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَتَقْبِيلُ يَدِ نَفْسِهِ مَكْرُوهٌ كَتَقْبِيلِ الْأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْ الْعُلَمَاءِ وَالسَّلَاطِينِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْفَاعِلُ وَالرَّاضِي آثِمَانِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الْوَثَنِ هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ فَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ يَكْفُرُ وَكَذَا مَنْ سَجَدَ لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ لَا يَكْفُرُ وَلَكِنْ يَصِيرُ آثِمًا مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِالسَّجْدَةِ مُطْلَقًا وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ كُفْرٌ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ لِلْمَلِكِ أَفْضَلُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِأَنَّهُ كُفْرٌ وَلَوْ سَجَدَ عِنْدَ السُّلْطَانِ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ لَا يَصِيرُ كَافِرًا.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ الْإِيمَاءُ فِي السَّلَامِ إلَى قَرِيبِ الرُّكُوعِ كَالسُّجُودِ.
وَفِي الْعِمَادِيَّةِ وَيُكْرَهُ الِانْحِنَاءُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَجُوسِ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ يُكْرَهُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي الْقُنْيَةِ قِيَامُ الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَكَذَا الْقِيَامُ لِغَيْرِهِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ مَحَبَّةُ الْقِيَامِ مِمَّنْ يُقَامُ لَهُ فَإِنْ لَمْ يُحِبَّ الْقِيَامَ وَقَامُوا لَهُ لَا يُكْرَهُ لَهُمْ وَكَذَا لَا يُكْرَهُ قِيَامُ قَارِئِ الْقُرْآنِ لِمَنْ يَجِيءُ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَقِيلَ لَهُ أَنْ يَقُومَ بَيْنَ يَدَيْ الْعَالِمِ تَعْظِيمًا لَهُ فَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ.
(وَيَعْزِلُ) الْمَوْلَى مَاءَهُ (عَنْ أَمَتِهِ) عِنْدَ الْجِمَاعِ (بِلَا إذْنِهَا) أَيْ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ (لَا) يَعْزِلُ الزَّوْجُ (عَنْ زَوْجَتِهِ إلَّا بِالْإِذْنِ) لِأَنَّ لَهَا حَقًّا فِي الْوَطْءِ (وَلَا تُعْرِضُ الْأَمَةُ إذَا بَلَغَتْ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ) لِوُجُودِ الِاشْتِهَاءِ وَالْمُرَادُ بِالْإِزَارِ مَا يَسْتُرُ بَيْنَ السُّرَّةِ
стр. 1302
إلَى الرُّكْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا عَوْرَةٌ فَلَا يَجُوزُ كَشْفُهُمَا.
[فَصَلِّ فِي بَيَان أَحْكَام الِاسْتِبْرَاء]
ِ) وَهُوَ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مُطْلَقًا وَهُنَا طَلَبُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ (مَنْ مَلَكَ أَمَةً) رَقَبَةً وَيَدًا (بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَهِبَةٍ وَرُجُوعٍ عَنْهَا أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ فَسْخِ بَيْعٍ بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ دَفْعٍ بِجِنَايَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (يَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَالِكِ (وَطْؤُهَا وَ) يَحْرُمُ (دَوَاعِيهِ) أَيْ دَوَاعِي الْوَطْءِ كَالْمَسِّ وَالْقُبْلَةِ وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْوَطْءِ أَوْ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ إذَا ظَهَرَ الْحَبَلُ وَادِّعَاءُ الْبَائِعِ هَذَا رَدٌّ لِمَنْ قَالَ لَا يَحْرُمُ الدَّوَاعِي لِأَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا حُرِّمَ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءُ وَيَشْتَبِهَ النَّسَبُ وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الدَّوَاعِي (حَتَّى يَسْتَبْرِئَ) الْمَالِكُ (بِحَيْضَةٍ فِيمَنْ تَحِيضُ وَبِشَهْرٍ فِي غَيْرِهَا) أَيْ تَسْتَبْرِئُ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ وَالْمُنْقَطِعَةِ الْحَيْضِ فَإِنَّ الشَّهْرَ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَيْضِ فِي الْعِدَّةِ فَكَذَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَإِذَا حَاضَتْ فِي أَثْنَائِهِ بَطَلَ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ يُبْطِلُ حُكْمَ الْبَدَلِ كَالْمُعْتَدَّةِ بِالشُّهُورِ إذَا حَاضَتْ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ «قَوْلُهُ ﵊ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ أَلَا لَا تُوطِئُوا الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ» وَهَذَا يُفِيدُ وُجُوبَ الِاسْتِبْرَاءِ بِسَبَبِ إحْدَاثِ الْمِلْكِ وَالْيَدِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ صِيَانَةً لِلْمِيَاهِ الْمُحَرَّمَةِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ وَالْأَنْسَابِ عَنْ الِاشْتِبَاهِ وَالْوَلَدِ عَنْ الْهَلَاكِ وَذَلِكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشُّغْلِ أَوْ تَوَهُّمِهِ بِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ.
(وَفِي) أَمَةٍ (مُرْتَفِعَةِ الْحَيْضِ) لِآفَةٍ بِأَنْ صَارَتْ مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ (لَا بِإِيَاسٍ) يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ (بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) ؛ لِأَنَّهَا عِدَّةُ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَا تُفِيدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ) ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةُ فَرَاغِ رَحِمِ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنَّا زَوْجُهَا (وَفِي رِوَايَةٍ) (عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِصْفِهَا) أَيْ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ.
وَفِي الْمِنَحِ نَقْلًا عَنْ الْكَافِي وَالْفَتْوَى
стр. 1303
عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مَتَى صَلَحَتْ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ شُغْلٍ يُوهِمُ بِالنِّكَاحِ فِي الْإِمَاءِ فَلَأَنْ يَحْصُلَ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ شُغْلٍ يُتَوَهَّمُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَهُوَ دُونَهُ أَوْلَى.
(وَفِي) الْأَمَةِ (الْحَامِلِ) الِاسْتِبْرَاءُ (بِوَضْعِهِ) أَيْ بِوَضْعِ حَمْلِهَا لِمَا رَوَيْنَا آنِفًا.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (كَانَتْ) الْأَمَةُ (بِكْرًا) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ يَحْرُمُ (أَوْ مَشْرِيَّةً مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ) مِنْ (مَالِ طِفْلٍ) بِأَنْ بَاعَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ كَمَا فِي الْغَايَةِ (أَوْ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا) كَالْمُحَرَّمِ رَضَاعًا أَوْ مُصَاهَرَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَلَكِنْ غَيْرُ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ حَتَّى لَا تَعْتِقَ الْأَمَةُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ إقَامَةً لِتَوَهُّمِ شَغْلِ الرَّحِمِ مَقَامَ تَحَقُّقِهِ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَالْيَدُ إذْ الْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا تَيَقَّنَ بِفَرَاغِ رَحِمِهَا مِنْ مَاءِ الْبَائِعِ لَمْ يُسْتَبْرَأْ.
وَفِي الْإِصْلَاحِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَلَامٌ.
وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِابْنِ الشَّيْخِ جَوَابٌ إنْ شِئْت فَرَاجِعْهُمَا.
(وَيُسْتَحَبُّ الِاسْتِبْرَاءُ لِلْبَائِعِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُرِيدُ بَيْعَ أَمَتِهِ الْمَوْطُوءَةَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ تَجَنُّبًا عَنْ احْتِمَالِ اشْتِغَالِ رَحِمِ مَا أَرَادَ بَيْعَهَا بِمِائَةٍ (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ قَائِمٌ وَيَقْتَضِي جَوَازُ وَطْئِهَا خِلَافًا لِمَالِكٍ (وَلَا تَكْفِي) فِيمَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ (حَيْضَةٌ مَلَكَهَا) الْمُشْتَرِي (فِيهَا) أَيْ فِي الْحَيْضَةِ يَعْنِي لَا يُعْتَبَرُ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي اشْتَرَى بِهَا فِي خِلَالِ الْحَيْضَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا الْحَيْضَةُ الْكَامِلَةُ (وَلَا) تَكْفِي الْحَيْضَةُ (الَّتِي) حَدَثَتْ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ (قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ قَبْلَ عِلَّتِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَالْيَدُ جَمِيعًا فَلَا يُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا (أَوْ) الَّتِي حَاضَتْ بِهَا (قَبْلَ الْإِجَازَةِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ) أَيْ بَاعَهَا الْفُضُولِيُّ فَحَاضَتْ قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كَمَا لَا يُعْتَبَرُ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ.
(وَكَذَا الْوِلَادَةُ) أَيْ لَا تَكْفِي الْوِلَادَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بَعْدَ سَبَبِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ (وَتَكْفِي حَيْضَةٌ وُجِدَتْ) تِلْكَ الْحَيْضَةُ (بَعْدَ الْقَبْضِ وَهِيَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْأَمَةَ (مَجُوسِيَّةٌ فَأَسْلَمَتْ) ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ سَبَبِهِ وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ لِمَانِعٍ وَقَدْ زَالَ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ بِأَنْ كَاتَبَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ فَعَجَزَتْ.
(وَيَجِبُ) الِاسْتِبْرَاءُ (عِنْدَ تَمَلُّكِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) فِي الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَمَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى تَمَامِ الْعِلَّةِ (لَا) يَجِبُ (عِنْدَ عَوْدِ) الْأَمَةِ (الْآبِقَةِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمُسْتَأْجَرَة) عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ (وَفَكِّ الْمَرْهُونَةِ)
стр. 1304
لِمَا مَرَّ مِنْ انْعِدَامِ السَّبَبِ هَذَا إنْ أَبَقَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ رَجَعَتْ أَمَّا إنْ أَبَقَتْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ.
(وَلَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ لِإِسْقَاطِهِ) أَيْ الِاسْتِبْرَاءِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) إذْ عِنْدَهُ مَكْرُوهَةٌ (وَأَخَذَ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِعَدَمِ كَرَاهَةِ الْحِيلَةِ (إنْ عُلِمَ عَدَمُ الْوَطْءِ مِنْ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ) فِي هَذَا الطُّهْرِ (وَ) أَخَذَ (بِالثَّانِي) أَيْ بِكَرَاهَةِ الْحِيلَةِ (إنْ اُحْتُمِلَ) الْوَطْءُ مِنْهُ.
وَفِي الدُّرَرِ وَبِهِ يُفْتَى (وَالْحِيلَةُ) فِي إسْقَاطِهِ (إنْ لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ) أَيْ تَحْتَ الْمُشْتَرِي (حُرَّةٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) أَيْ الْأَمَةَ الَّتِي يُرِيدُ شِرَاءَهَا مِنْ سَيِّدِهَا (ثُمَّ يَشْتَرِيهَا) بَعْدَ تَسْلِيمِهَا الْمَوْلَى إلَيْهِ ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ فِي الْخَانِيَّةِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ كَيْ لَا يُوجَدَ الْقَبْضُ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ بَعْدَ فَسَادِ النِّكَاحِ بِالشِّرَاءِ فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْقَبْضِ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ قِيلَ لَا يَكْفِي الْقَبْضُ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَطَأَ الزَّوْجُ قَبْلَ الشِّرَاءِ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ مِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا تُوجَدُ الْأَمَةُ عِنْدَ الشِّرَاءِ مَنْكُوحَةً وَلَا مُعْتَدَّةً فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ لِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ حِلِّ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَمَّا إذَا وَطِئَهَا تَصِيرُ مُعْتَدَّةً فَلَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ.
(وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَأَنْ يُزَوِّجَهَا الْبَائِعُ) إلَى شَخْصٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ (قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ) يُزَوِّجَهَا (الْمُشْتَرِي) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا (بَعْدَ الْبَيْعِ) أَيْ بَيْعِ الْبَائِعِ مِنْهُ (قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ يُطَلِّقُ الزَّوْجُ) قَبْلَ الدُّخُولِ (بَعْدَ الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ) إنْ كَانَ التَّزْوِيجُ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ (أَوْ بَعْدَ الْقَبْضِ) إنْ كَانَ التَّزْوِيجُ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَعْنِي الْحِيلَةَ أَنْ يُنْكِحَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ شِرَاءِ الْمُشْتَرِي رَجُلًا عَلَيْهِ اعْتِمَادٌ أَنْ يُطَلِّقَهَا، ثُمَّ يَشْتَرِي الْمُشْتَرِي ثُمَّ يُطَلِّقُ الزَّوْجُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَنْكُوحَةَ الْغَيْرِ وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا فَلَا اسْتِبْرَاء فَإِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ حَلَّ عَلَى الْمُشْتَرِي وَحِينَئِذٍ لَمْ يُوجَدْ حُدُوثُ الْمِلْكِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ أَوْ يُنْكِحُهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ ذَلِكَ الرَّجُلَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَجِبُ بَعْدَ الْقَبْضِ وَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ الْوَطْءُ فَإِذَا حَلَّ بَعْدَ طَلَاقِ الزَّوْجِ لَمْ يُوجَدْ حُدُوثُ الْمِلْكِ.
(وَمَنْ مَلَكَ أَمَتَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ) وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ أَمَتَيْنِ كَمَا فِي الْفَرَائِدِ لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ لَا صِفَةٌ بِحَذْفِ اللَّتَيْنِ فَإِنَّهُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ الْبَصْرِيَّةُ (نِكَاحًا) كَأُخْتَيْنِ أَوْ بِنْتٍ وَأُمِّهَا نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا (فَلَهُ) أَيْ لِلْمَالِكِ (وَطْءُ إحْدَاهُمَا فَقَطْ) لَا وَطْؤُهُمَا (وَدَوَاعِيهِ) أَيْ دَوَاعِي وَطْءِ تِلْكَ الْوَاحِدَةُ فَقَطْ دُونَ وَطْءِ الْأُخْرَى وَدَوَاعِيهِ كَالتَّقْبِيلِ بِشُهُودِهِ وَالْمَسِّ بِهَا (فَإِنْ وَطِئَهُمَا أَوْ فَعَلَ بِهِمَا شَيْئًا مِنْ الدَّوَاعِي حُرِّمَ عَلَيْهِ
стр. 1305
وَطْءُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يَحْرُمَ إحْدَاهُمَا) بِتَمْلِيكٍ أَوْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ لِآخَرَ أَوْ عِتْقٍ.
[فَصَلِّ فِي بَيْع العذرة]
فَصَلِّ فِي الْبَيْع أَيْ فِي بَيْعِ الْعَذِرَةِ وَغَيْرِهِمَا (وَيُكْرَهُ بَيْعُ الْعَذِرَةِ) وَهِيَ رَجِيعُ الْآدَمِيِّ (خَالِصَةً) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهَا بِرَمَادٍ أَوْ تُرَابٍ غَالِبٍ عَلَيْهَا بِالْإِلْقَاءِ فِي الْأَرْضِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَجَازَ) بَيْعُهَا (لَوْ مَخْلُوطَةً) بِرَمَادٍ أَوْ تُرَابٍ (فِي الصَّحِيحِ) .
وَفِي التَّبْيِينِ وَالصَّحِيحُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْعَذِرَةِ الْخَالِصَةِ جَائِزٌ.
(وَجَازَ بَيْع السِّرْقِينِ) مُطْلَقًا فِي الصَّحِيحُ عِنْدَنَا لِكَوْنِهِ مَالًا مُنْتَفَعًا بِهِ لِتَقْوِيَةِ الْأَرْضِ فِي الْإِنْبَاتِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْقِينِ كَالْعَذِرَةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا مِنْ الْأَنْجَاسِ.
(وَالِانْتِفَاعُ) مِنْ الْعَذِرَةِ الْخَالِصَةِ وَالْمَخْلُوطَةِ وَالسِّرْقِينِ (كَالْبَيْعِ) فِي الْحُكْمِ فَمَا كَانَ بَيْعُهُ غَيْرَ جَائِزٍ يَكُونُ الِانْتِفَاعُ بِهِ غَيْرَ جَائِزٍ وَمَا كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا يَكُونُ الِانْتِفَاعُ بِهِ جَائِزًا.
(وَمَنْ رَأَى جَارِيَةَ رَجُلٍ مَعَ آخَرَ يَبِيعُهَا قَائِلًا وَكَّلَنِي صَاحِبُهَا) أَيْ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ بِبَيْعِهَا (أَوْ اشْتَرَيْتهَا) أَيْ الْجَارِيَةَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ صَاحِبِهَا (أَوْ وَهَبَهَا لِي) صَاحِبُهَا (أَوْ تَصَدَّقَ) صَاحِبُهَا (بِهَا) أَيْ بِالْجَارِيَةِ (عَلَيَّ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ) أَيْ فِي قَلْبِ الرَّائِي (صِدْقُهُ) أَيْ صَدَّقَ الْبَائِعُ الْقَائِلَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ (حَلَّ لَهُ) أَيْ لِلرَّائِي (شِرَاؤُهَا) أَيْ الْجَارِيَةِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْبَائِعِ الْقَائِلِ (وَ) حَلَّ لَهُ (وَطْؤُهَا) أَيْضًا بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1306
أَخْبَرَ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ لَا مُنَازِعَ لَهُ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقْبُولٌ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَ لِمَا مَرَّ وَهَذَا إذَا كَانَ ثِقَةً وَكَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُخْبِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبً لَا يَسَعُ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ بِنَاءِ مَكَّةَ) لِكَوْنِهِ مِلْكَ مَنْ بَنَاهَا وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ بَنَى عَلَى الْأَرْضِ الْوَقْفِ جَازَ بَيْعُهُ فَهَذَا كَذَلِكَ (وَيُكْرَهُ بَيْعُ أَرْضِهَا) أَيْ أَرْضِ مَكَّةَ (وَإِجَارَتُهَا) عِنْدَ الْإِمَامِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «مَكَّةُ حَرَامٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤْجَرُ بُيُوتُهَا» وَلِأَنَّ الْحَرَمَ وَقْفُ الْخَلِيلِ ﵊ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكَلَ أُجُورَ أَرْضِ مَكَّةَ فَكَأَنَّمَا أَكَلَ الرِّبَا» (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ لِظُهُورِ الِاخْتِصَاصِ الشَّرْعِيِّ بِهَا فَصَارَ كَالْبِنَاءِ وَقَوْلُهُ ﵊ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَرْضَهَا تُمَلَّكُ وَتَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَقَدْ تَعَارَفَ النَّاسُ بَيْعَ أَرَاضِيِهَا وَالدُّورِ الَّتِي فِيهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (وَقَوْلُهُمَا رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ) .
وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ وَبِهِ يُفْتَى.
[الِاحْتِكَار فِي أقوات الْآدَمِيِّينَ]
(وَيُكْرَهُ الِاحْتِكَارُ فِي أَقْوَاتِ الْآدَمِيِّينَ) كَالْبُرِّ وَنَحْوِهِ (وَالْبَهَائِمِ) كَالشَّعِيرِ وَالتِّبْنِ (بِبَلَدٍ يَضُرُّ بِأَهْلِهِ) لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَامَّةِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ يَضُرُّ بِأَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمِصْرُ كَبِيرًا لَا يَضُرُّ بِأَهْلِهِ فَلَيْسَ بِمُحْتَكَرٍ لِأَنَّهُ حَبَسَ مِلْكَهُ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ لِغَيْرِهِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لَا يَخْتَصُّ بِالْأَقْوَاتِ بَلْ يُكْرَهُ الِاحْتِكَارُ (فِي كُلِّ مَا يَضُرُّ احْتِكَارُهُ بِالْعَامَّةِ وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ كَانَ (ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ ثَوْبًا) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ الضَّرَرِ إذْ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْكَرَاهَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا احْتِكَارَ فِي الثِّيَابِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ حَبْسِ الْقُوتِ الْمَكْرُوهِ قِيلَ هِيَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ احْتَكَرَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ» وَقِيلَ شَهْرٌ لِأَنَّ مَا دُونَهُ قَلِيلٌ عَاجِلٌ كَمَا مَرَّ هَذَا فِي حَقِّ الْمُعَاقَبَةِ فِي الدُّنْيَا لَكِنَّ الْإِثْمَ يَلْزَمُ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ لِكَوْنِ التِّجَارَةِ
стр. 1307
غَيْرَ مَحْمُودَةٍ فِي الطَّعَامِ.
(وَإِذَا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ حَالُ الْمُحْتَكِرِ أَمَرَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْمُحْتَكَرَ (بِبَيْعِ مَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ) أَيْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَدَوَابِّهِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمُحْتَكِرُ عَنْ الْبَيْعِ حَبَسَهُ الْقَاضِي وَعَزَّرَهُ وَ (بَاعَ عَلَيْهِ) وَقِيلَ لَا يَبِيعُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَبِيعُ وَقِيلَ يَبِيعُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ فَلِذَا أَتَى بِصُورَةٍ الِاتِّفَاقِ.
(وَلَا احْتِكَارَ فِي غَلَّةِ ضَيْعَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِ (وَلَا فِيمَا جَلَبَهُ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ أَهْلِ بَلَدٍ بِطَعَامِ بَلَدٍ آخَرَ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُكْرَهُ) أَنْ يَحْبِسَ مَا جَلَبَهُ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» .
(وَكَذَا) يُكْرَهُ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ يَجْلِبُ مِنْهُ إلَى الْمِصْرِ عَادَةً) فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ فِنَاءِ الْمِصْرِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَامَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْبَلَدُ بَعِيدًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالْحَمْلِ مِنْهُ إلَى الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْعَامَّةِ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (الْمُخْتَارُ) هَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي أَخَذَ الْمُصَنِّفُ مَسَائِلَ كِتَابِهِ مِنْهَا كَمَا فِي الْفَرَائِدِ.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَصِيرِ) أَيْ عَصِيرِ الْعِنَبِ (مِمَّنْ) يَعْلَمُ أَنَّهُ (يَتَّخِذُهُ خَمْرًا) ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِ الْعَصِيرِ بَلْ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ فَصَارَ عِنْدَ الْعَقْدِ كَسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ عَمَلٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ بَيْعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ.
(وَلَوْ بَاعَ مُسْلِمٌ خَمْرًا وَأَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهَا كُرِهَ لِرَبِّ الدَّيْنِ أَخْذُهُ) يَعْنِي كَانَ لِمُسْلِمٍ دَيْنٌ عَلَى مُسْلِمٍ فَبَاعَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ خَمْرًا وَأَخَذَ ثَمَنَهَا وَقَضَى بِهِ الدَّيْنَ لَا يَحِلُّ لِلدَّائِنِ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ الْخَمْرِ بِدَيْنِهِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ ذِمِّيًّا لَا يُكْرَهُ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهُ.
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ فَيَمْلِكُهُ الْبَائِعُ فَيَحِلُّ الْأَخْذُ مِنْهُ.
[حُكْم التَّسْعِير]
(وَيُكْرَهُ التَّسْعِيرُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُسَعِّرُوا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ» وَلِأَنَّ الثَّمَنَ حَقُّ الْعَاقِدِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَغَرَّضَ لِحَقِّهِ (إلَّا إذَا تَعَدَّى أَرْبَابُ الطَّعَامِ فِي الْقِيمَةِ تَعَدِّيًا فَاحِشًا) كَالضَّعْفِ وَعَجْزِ الْحَاكِمِ عَنْ صِيَانَةِ حُقُوقِهِمْ إلَّا بِالتَّسْعِيرِ (فَلَا بَأْسَ) حِينَئِذٍ (بِهِ) أَيْ بِالتَّسْعِيرِ (بِمَشُورَةِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) أَيْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْبَصَارَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةَ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ
стр. 1308
عَنْ الضَّيَاعِ فَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَعَّرَهُ أَجَازَهُ الْقَاضِي قِيلَ إذَا خَافَ الْبَائِعُ أَنْ يَضْرِبَهُ الْحَاكِمُ إنْ نَقَصَ مِنْ سِعْرِهِ لَا يَحِلُّ مَا بَاعَهُ لِكَوْنِهِ مِنْ مَعْنَى الْمُكْرَهِ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمُشْتَرِي يَعْنِي مَا تُحِبُّهُ فَحِينَئِذٍ بِأَيِّ شَيْءٍ بَاعَ يَحِلُّ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ بِمَا قَدَّرَ الْإِمَامُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَى الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يُؤَجِّرْ الرَّضِيَّ فِي التَّقْدِيرِ فَالْمُشْتَرِي إذَا وَجَدَ الْمَبِيعَ نَاقِصًا مِنْهُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ.
(وَيَجُوزُ شِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لِلطِّفْلِ مِنْهُ) ، مِثْلُ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ (وَبَيْعُهُ) أَيْ بَيْعُ مَا لَا بُدَّ لِلطِّفْلِ مِنْ بَيْعِهِ (لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَأُمِّهِ وَمُلْتَقَطِهِ إنْ هُوَ) أَيْ الطِّفْلُ (فِي حِجْرِهِمْ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُمْ وَبَيْعُهُمْ لَهُ إلَّا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ (وَتُؤَجِّرُهُ) أَيْ الطِّفْلَ (أُمُّهُ فَقَطْ) إذَا كَانَ فِي حِجْرِهِمْ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ إتْلَافَ مَنَافِعِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِأَنْ تَسْتَخْدِمَهُ فَتَمْلِكَ إتْلَافَهَا بِعِوَضِهِ وَالْإِجَارَةُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ دُونَ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْمُلْتَقِطِ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَمَلَّكُونَ إتْلَافَ مَنَافِعِهِ وَلَوْ فِي حِجْرِهِمْ هَذِهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ الْمُلْتَقِطُ وَيُسَلِّمَهُ فِي صِنَاعَةٍ فَجَعَلَهُ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً وَنَفْعًا مَحْضًا لِلصَّغِيرِ وَأَمَّا الْأَبُ وَالْجَدُّ وَوَصِيُّهُمَا فَإِنَّهُمْ يَتَمَلَّكُونَ التَّصَرُّفَ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي أَيْدِيهِمْ وَحِجْرِهِمْ.
[فَصَلِّ فِي الْمُتَفَرِّقَات]
(تَجُوزُ الْمُسَابِقَةُ بِالسِّهَامِ وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ وَالْأَقْدَامِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ» وَالْمُرَادُ بِالْخُفِّ الْإِبِلُ وَبِالنَّصْلِ الرَّمْيُ وَبِالْحَافِرِ الْفَرَسُ وَالْبَغْلُ.
وَفِي الْحَدِيثِ «سَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵃ فَسَبَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْجِهَادِ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ وَكُلُّ مَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْجِهَادِ فَتَعَلُّمُهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ سَعْيًا فِي إقَامَةِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ وَعَنْ النَّبِيِّ ﵊ «لَا تَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ شَيْئًا مِنْ الْمَلَاهِي سِوَى النِّضَالِ وَالرِّهَانِ» .
(وَإِنْ شُرِطَ فِيهَا) أَيْ فِي الْمُسَابِقَةِ (جُعْلٌ مِنْ إحْدَى الْجَانِبَيْنِ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ سَبَقْتنِي أُعْطِيك كَذَا وَإِنْ سَبَقْتُك لَا آخُذُ مِنْك شَيْئًا (أَوْ) شُرِطَ فِيهَا جُعْلٌ (مِنْ ثَالِثٍ لِأَسْبَقِهِمَا) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ ثَالِثٌ لِلْمُتَسَابَقَيْنِ أَيُّكُمَا سَبَقَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا (جَازَ) لِأَنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى آلَةِ الْحَرْبِ وَالْجِهَادِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْمَالِ بِالْحَظْرِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْأَقْدَامِ.
(وَإِنْ) شُرِطَ (مِنْ كِلَا الْجَانِبَيْنِ يَحْرُمُ) بِأَنْ يَقُولَ إنْ سَبَقَ فَرَسُك أَعْطَيْتُك كَذَا وَإِنْ سَبَقَ فَرَسِي فَأَعْطِنِي كَذَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ قِمَارًا وَالْقِمَارُ حَرَامٌ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا) فَرَسٌ (مُحَلِّلٌ كُفْءٌ لَهُمَا) أَيْ لِفَرَسَيْهِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَسْبِقُهُمَا (إنْ سَبَقَهُمَا أَخَذَ) الْجُعْلَ (مِنْهُمَا وَإِنْ سَبَقَاهُ لَا يُعْطِيهِمَا) شَيْئًا أَوْ بِالْعَكْسِ يَعْنِي شُرِطَ أَيُّهُمَا لَوْ سَبَقَاهُ
стр. 1309
يُعْطِيهِمَا وَلَوْ سَبَقَهُمَا لَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْهُمَا كَمَا فِي التَّسْهِيلِ (وَفِيمَا بَيْنَهُمَا أَيُّهُمَا سَبَقَ أَخَذَ) الْمَالَ الْمَشْرُوطَ (مِنْ الْآخَرِ) لِأَنَّ بِالْمُحَلِّلِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِمَارًا فَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفَرَسُ الْمُحَلِّلُ مِثْلَهُمَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إدْخَالِهِ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يَخْرُجْ حِينَئِذٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِمَارًا.
(وَعَلَى هَذَا لَوْ اخْتَلَفَ) عَالِمَانِ (اثْنَانِ فِي مَسْأَلَةٍ وَأَرَادَا الرُّجُوعَ إلَى شَيْخٍ) فَاضِلٍ (وَجَعَلَا عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا) قَالَ فِي الْمِنَحِ لَوْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَشَرَطَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْجَوَابُ كَمَا قُلْت أَعْطَيْتُك كَذَا وَإِنْ كَانَ كَمَا قُلْت لَا آخُذُ مِنْك شَيْئًا فَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْأَفْرَاسِ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى الْجِهَادِ يَجُوزُ هُنَا لِلْحَثِّ عَلَى الْجَهْدِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الدِّينَ يَقُومُ بِالْعِلْمِ كَمَا يَقُومُ بِالْجِهَادِ.
(وَوَلِيمَةُ الْعُرْسِ سُنَّةٌ) قَدِيمَةٌ وَفِيهَا مَثُوبَةٌ عَظِيمَةٌ (وَمَنْ دُعِيَ) إلَيْهَا (فَلْيُجِبْ وَإِنْ لَمْ يُجِبْ أَثِمَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» فَإِنْ كَانَ صَائِمًا أَجَابَ وَدَعَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا أَكَلَ وَدَعَا وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ أَثِمَ وَجَفَا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَلَا يَرْفَعُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْوَلِيمَةِ (شَيْئًا وَلَا يُعْطِي سَائِلًا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا) لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْأَكْلِ دُونَ الرَّفْعِ وَالْإِعْطَاءِ.
(وَإِنْ عَلِمَ) الْمَدْعُوُّ (أَنَّ فِيهَا لَهْوًا لَا يُجِيبُ) سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إجَابَةُ الدَّعْوَةِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ «قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَنَعْت طَعَامًا فَدَعَوْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى فِي الْبَيْتِ تَصَاوِيرَ فَرَجَعَ» بِخِلَافِ مَا هَجَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) أَنَّ ثَمَّةَ لَهْوًا (حَتَّى حَضَرَ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْمَنْعِ فَعَلَ) الْمَنْعَ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ (وَلَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ مُقْتَدًى بِهِ أَوْ كَانَ اللَّهْوُ عَلَى الْمَائِدَةِ فَلَا يَقْعُدُ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ شَيْنَ الدِّينِ وَفَتْحَ بَابِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى بِهِ وَلَمْ يَكُنْ اللَّهْوُ عَلَى الْمَائِدَةِ (فَلَا بَأْسَ بِالْقُعُودِ) وَالصَّبْرِ فَصَارَ كَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ إذَا كَانَ مَعَهَا نِيَاحَةٌ حَيْثُ لَا يَتْرُكُ التَّشْيِيعَ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهَا لِمَا عِنْدَهَا مِنْ النِّيَاحَةِ كَذَا هُنَا.
(وَقَالَ الْإِمَامُ اُبْتُلِيتُ بِهِ) أَيْ بِاللَّهْوِ (مَرَّةً فَصَبَرْت وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ الْإِمَامِ (مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُقْتَدًى بِهِ) إذْ قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لِلْمُقْتَدَى بِهِ (وَدَلَّ قَوْلُهُ اُبْتُلِيتُ عَلَى حُرْمَةِ كُلِّ الْمَلَاهِي) حَتَّى التَّغَنِّي بِضَرْبِ الْقَضِيبِ (لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمُحَرَّمِ) قِيلَ
стр. 1310
إنَّ الِابْتِلَاءَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الشَّرِّ وَلَوْ فِي الْمَآلِ فَلَا يَرُدُّ مَا قَالَهُ فِي الْإِصْلَاحِ مِنْ أَنَّهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ مَحْظُورُ الْعَوَاقِبِ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ» الْحَدِيثَ انْتَهَى لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُوجَدُ فِيهِ الشَّرُّ كَمَا هُنَا وَفِيمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا كَمَا فِي الْقَضَاءِ وَلِذَا قَالُوا هُنَا دَلَّ هَذَا عَلَى حُرْمَةِ كُلِّ الْمَلَاهِي وَلَمْ يَقُولُوا دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ كُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِابْنِ الشَّيْخِ قِيلَ الصَّبْرُ عَلَى الْحَرَامِ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ لَا يَجُوزُ يُقَالُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْلِسُ مُعْرِضًا عَنْ اللَّهْوِ مُنْكِرًا لَهُ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ وَلَا مُتَلَذِّذٍ بِهِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ الْجُلُوسُ عَلَى اللَّهْوِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مُبْتَلًى بِحَرَامٍ.
(وَالْكَلَامُ مِنْهُ) أَيْ بَعْضُهُ (مَا يُؤْجَرُ بِهِ كَالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ) كَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَعِلْمِ الْفِقْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الْآيَةَ (وَقَدْ يَأْثَمُ بِهِ) أَيْ بِالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ (إذَا فَعَلَهُ فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِهْزَاءِ وَالْمُخَالَفَةِ لِمُوجَبِهِ.
(وَإِنْ قَصَدَ بِهِ) أَيْ بِنَحْوِ التَّسْبِيحِ (فِيهِ) أَيْ فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ (الِاعْتِبَارَ) وَالِاتِّعَاظَ (وَالْإِنْكَارَ) لِأَفْعَالِ الْفَاسِقِينَ وَأَنْ يَشْتَغِلُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْفِسْقِ (فَحَسَنٌ) وَكَذَا مَنْ سَبَّحَ فِي السُّوقِ بِنِيَّةِ أَنَّ النَّاسَ غَافِلُونَ فَلَعَلَّهُمْ تَنَبَّهُوا لِلْآخِرَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَسْبِيحِهِ فِي غَيْرِ الْمَجَامِعِ قَالَ «﵊ ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَيُكْرَهُ فِعْلُهُ لِلتَّاجِرِ عِنْدَ فَتْحِ مَتَاعِهِ) بِأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فَتْحِ الْمَتَاعِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ يُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ يَأْثَمُ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِأَمْرِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْغَازِي أَوْ الْعَالِمِ إذَا كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ عِنْدَ الْمُبَارَزَةِ وَفِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ التَّعْظِيمَ وَالتَّفْخِيمَ وَإِظْهَارَ شَعَائِرِ الدِّينِ.
(وَ) يُكْرَهُ (التَّرْجِيعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَ) كَذَا يُكْرَهُ (الِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِفِعْلِ الْفَسَقَةِ حَالَ فِسْقِهِمْ وَهُوَ التَّغَنِّي وَلَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الِابْتِدَاءِ وَلِهَذَا كُرِهَ فِي الْأَذَانِ (وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَرِهَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْجِنَازَةِ) .
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَيَذْكُرُ عِنْدَ الْجِنَازَةِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ جَاءَ سُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ عِبَادَهُ بِالْمَوْتِ وَتَفَرَّدَ بِالْبَقَاءِ سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (وَالزَّحْفِ) أَيْ الْحَرْبِ (وَالتَّذْكِيرِ) أَيْ الْوَعْظِ (فَمَا ظَنُّك بِهِ) أَيْ بِرَفْعِ الصَّوْتِ (عِنْدَ) اسْتِمَاعِ (الْغِنَاءِ) الْمُحَرَّمِ (الَّذِي يُسَمُّونَهُ وَجْدًا) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ
стр. 1311
الْغِنَاءُ لَكِنْ فِي تَسْمِيَتِهِمْ الْغِنَاءَ وَجْدًا بَحْثٌ تَدَبَّرْ.
وَفِي التَّسْهِيلِ فِي الْوَجْدِ مَرَاتِبُ وَبَعْضُهُ يَسْلُبُ الِاخْتِيَارَ فَلَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ بِلَا تَفْصِيلٍ انْتَهَى.
وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَا بَأْسَ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْإِخْلَاصِ جَهْرًا عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ وَلَوْ قَرَأَ وَاحِدٌ وَاسْتَمَعَ الْبَاقُونَ فَهُوَ أَوْلَى.
(وَكَرِهَ الْإِمَامُ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ) لِأَنَّ أَهْلَ الْقَبْرِ جِيفَةٌ وَكَذَا يُكْرَهُ الْقُعُودُ عَلَى الْقَبْرِ لِأَنَّهُ إهَانَةٌ (وَجَوَّزَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ (مُحَمَّدٌ وَبِهِ) أَيْ يَقُولُ مُحَمَّدٌ (أَخْذٌ) لِلْفَتْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ لِوُرُودِ الْآثَارِ بِقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَالْفَاتِحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُبُورِ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ وَيُصَلِّيَ وَقَدْ مَرَّ فِي الْحَجِّ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي كِتَابِ الْمُسَمَّى بِالْحِجَجِ مِنْ أَنَّهُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عَطَاءٍ قَالَ شَهِدْت مُحَمَّدَ بْنَ حَنِيفَةَ صَلَّى عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَأَدْخَلَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَضَرَبَ عَلَيْهِ فُسْطَاطًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ انْتَهَى وَظَاهِرٌ أَنَّ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ لَيْسَ إلَّا لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ لَا غَيْرُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ تَطْيِينُ الْقُبُورِ لَا يُكْرَهُ فِي الْمُخْتَارِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ فَيَقُومُ بِحِذَاءِ الْوَجْهِ قُرْبًا وَبُعْدًا كَمَا فِي الْحَيَاةِ فَيَقُولُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ وَيَدْعُوهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَقِيلَ الدُّعَاءُ قَائِمًا أَوْلَى.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا بَأْسَ بِالزِّيَارَةِ لِلنِّسَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ بَعْضِ الْكَلَامِ (مَا لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا وِزْرَ نَحْوَ قُمْ وَاقْعُدْ) وَنَحْوُهُمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ (وَقِيلَ لَا يَكْتُبُ عَلَيْهِ) وَلَا لَهُ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ وَلَا عِقَابَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الْمَلَائِكَةُ لَا تَكْتُبُ إلَّا مَا كَانَ فِيهِ أَجْرٌ أَوْ وِزْرٌ وَقِيلَ يُكْتَبُ ثُمَّ يُمْحَى مَا لَا جَزَاءَ فِيهِ وَيَبْقَى مَا فِيهِ جَزَاءٌ ثُمَّ قِيلَ يُمْحَى فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ وَفِيهِمَا تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا تُمْحَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(وَمِنْهُ) أَيْ بَعْضِهِ (مَا يَأْثَمُ بِهِ كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالشَّتِيمَةِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ حَرَامٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ وَكَذَا التَّمَلُّقُ فَوْقَ الْعَادَةِ لِأَنَّ التَّمَلُّقَ مَذْمُومٌ بِخِلَافِ التَّوَاضُعِ لِأَنَّهُ مَحْمُودٌ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَيُكْرَهُ الْكَلَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَخَلْفَ الْجِنَازَةِ وَفِي الْخَلَاءِ وَفِي حَالَةِ الْجِمَاعِ (وَالْكَذِبُ حَرَامٌ إلَّا فِي الْحَرْبِ لِلْخُدْعَةِ وَفِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَفِي إرْضَاءِ الْأَهْلِ وَفِي دَفْعِ الظَّالِمِ عَنْ الظُّلْمِ) لِأَنَّا أُمِرْنَا بِهَذَا فَلَا يُبَالِي فِيهِ الْكَذِبَ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ خَالِصَةً (وَيُكْرَهُ التَّعْرِيضُ بِهِ) أَيْ بِالْكَذِبِ (إلَّا لِحَاجَةٍ) كَقَوْلِك لِرَجُلٍ كُلْ فَيَقُولُ أَكَلْت يَعْنِي أَمْسِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي قَصْدِهِ وَقِيلَ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ كَذِبٌ فِي الظَّاهِرِ.
(وَلَا غِيبَةَ لِظَالِمٍ) يُؤْذِي النَّاسَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ قَالَ ﵊ «اُذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ
стр. 1312
لِكَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ» (وَلَا إثْمَ فِي السَّعْيِ بِهِ) أَيْ بِالظَّالِمِ إلَى السُّلْطَانِ لِيَزْجُرَهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَمَنْعِ الظُّلْمِ (وَلَا غِيبَةَ إلَّا لِمَعْلُومٍ فَاغْتِيَابُ أَهْلِ قَرْيَةٍ لَيْسَ بِغِيبَةٍ) لِأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَكَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْبَعْضُ وَهُوَ مَجْهُولٌ فَصَارَ كَالْقَذْفِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَكَمَا تَكُونُ الْغِيبَةُ بِاللِّسَانِ تَكُونُ أَيْضًا بِالْفِعْلِ وَبِالتَّعْرِيضِ وَبِالْكِتَابَةِ وَبِالْحَرَكَةِ وَبِالرَّمْزِ وَبِغَمْزِ الْعَيْنِ وَكُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْغِيبَةِ وَهُوَ حَرَامٌ.
وَفِي الدُّرَرِ رَجُلٌ يَذْكُرُ مَسَاوِئَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَلَى وَجْهِ الِاهْتِمَامِ لَا يَكُونُ غِيبَةً إنَّمَا الْغِيبَةُ أَنْ تُذْكَرَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ يُرِيدُ السَّبَّ.
(وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ أَوْ الشِّطْرَنْجِ) وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُمَا فِي الشَّهَادَةِ (وَالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ) وَهُوَ لَعِبٌ يَسْتَعْمِلُهُ الْيَهُودُ (وَكُلٌّ لَهْوٌ) لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ لَعِبِ ابْنِ آدَمَ حَرَامٌ» الْحَدِيثَ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ اسْتِمَاعُ صَوْتِ الْمَلَاهِي مَعْصِيَةٌ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِسْقٌ وَالتَّلَذُّذُ بِهَا كُفْرٌ أَيْ بِالنِّعْمَةِ (وَيُكْرَهُ اسْتِخْدَامُ الْخُصْيَانِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الصَّادِ جَمْعُ خَصْيٍ عَلَى وَزْنِ فَعْلٍ لِأَنَّ فِيهِ تَحْرِيضُ النَّاسِ عَلَى الْخِصَاءِ الَّذِي هُوَ مُثْلَةٌ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (وَصْلُ الشَّعْرِ بِشَعْرِ آدَمِيٍّ) سَوَاءٌ
стр. 1313
كَانَ شَعْرَهَا أَوْ شَعْرَ غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» الْحَدِيثَ.
(وَ) وَيُكْرَهُ (قَوْلُهُ فِي الدُّعَاءِ أَسْأَلُك بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك) بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ أَوْ بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي ظَاهِرَةٌ لِاسْتِحَالَةِ الْقُعُودِ وَكَذَا فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ الْمُحْدَثِ وَاَللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ قَدِيمٌ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ الْأَوَّلَ عِنْدَهُ لِدُعَاءٍ مَأْثُورٍ وَهُوَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك وَبِمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِك وَبِاسْمِك الْأَعْظَمِ وَجَدِّك الْأَعْلَى وَكَلِمَاتِك التَّامَّةِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَقِيلَ وَجْهُ الْجَوَازِ جَوَازُ جَعْلِ الْعِزِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ الْعَظِيمِ كَمَا وُصِفَ بِالْمَجْدِ وَالْكَرَمِ.
(وَ) يُكْرَهُ (قَوْلُهُ أَسْأَلُك بِحَقِّ أَنْبِيَائِك وَرُسُلِك) أَوْ بِحَقِّ الْبَيْتِ أَوْ بِحَقِّ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إذْ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ (وَاسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي حَرَامٌ) وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَكُلٌّ لَهْوٌ.
(وَيُكْرَهُ تَعْشِيرُ الْمُصْحَفِ) وَالتَّعْشِيرُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى كُلِّ عَشْرِ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَامَةً (وَنَقْطُهُ) وَبِفَتْحِ النُّونِ أَيْ نَقْطُ الْمُصْحَفِ وَهُوَ إظْهَارُ إعْرَابِهِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَرِّدُوا الْمَصَاحِفَ (إلَّا لِلْعَجَمِ) الَّذِي لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ إلَّا بِالنَّقْطِ (فَإِنَّهُ) أَيْ النَّقْطُ (حَسَنٌ) خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَالْمَرْوِيُّ مَخْصُوصٌ بِزَمَانِهِمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ كَمَا أُنْزِلَ وَكَانَتْ الْقِرَاءَةُ سَهْلًا عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَهْلًا فَيَرَوْنَ النَّقْطَ مُخِلًّا لِحِفْظِ الْأَعْرَابِ وَالتَّعْشِيرَ مُخِلًّا لِحِفْظِ الْآيِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَجَمِيُّ وَعَلَى هَذَا لَا بَأْسَ بِكَتْبِ أَسَامِي السُّوَرِ وَعَدِّ الْآيِ فَهُوَ وَإِنْ مُحْدَثًا فَمُسْتَحْسَنٌ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (وَلَا بَأْسَ بِتَحْلِيَتِهِ) أَيْ الْمُصْحَفِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِهِ كَمَا فِي نَقْشِ الْمَسْجِدِ وَتَزْيِينِهِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ كِتَابَةَ الْقُرْآنِ أَنْ يَكْتُبَهُ بِأَحْسَنِ خَطٍّ وَأَبْيَنِهِ عَلَى أَحْسَنِ وَرَقَةٍ وَأَبْيَضِ قِرْطَاسٍ بِأَفْخَمِ قَلَمٍ وَأَبْرَقِ مِدَادٍ وَيُفَرِّجُ السُّطُورَ وَيُفَخِّمُ الْحُرُوفَ وَيُضَخِّمُ الْمُصْحَفَ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُصَغِّرَ الْمُصْحَفَ وَأَنْ يَكْتُبَ بِقَلَمٍ دَقِيقٍ وَكَذَا لَا بَأْسَ بِقُبْلَةِ الْمُصْحَفِ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَأْخُذُ الْمُصْحَفَ كُلَّ غَدَاةٍ وَيُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ عَهْدُ رَبِّي وَمَنْشُورُ رَبِّي كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
(وَلَا بَأْسَ بِدُخُولِ الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (وَلَا) بَأْسَ (بِعِيَادَتِهِ) أَيْ عِيَادَةِ الذِّمِّيِّ إذَا مَرِضَ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارُ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَكَذَا عِيَادَةُ فَاسِقٍ فِي الْأَصَحِّ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَيُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَيْك إنْ رَدَّ
стр. 1314
عَلَيْهِ.
(وَيَجُوزُ إخْصَاءُ الْبَهَائِمِ) مَنْفَعَةً لِلنَّاسِ لِأَنَّ لَحْمَ الْخَصِيِّ أَطْيَبُ وَقِيلَ الصَّوَابُ خِصَاءُ الْبَهَائِمِ إذْ يُقَالُ خِصَاءُ إذَا نَزَعَ خُصْيَتَهُ.
(وَ) يَجُوزُ (إنْزَاءُ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ) إذْ لَوْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ حَرَامًا لَمَا رَكِبَ النَّبِيُّ ﵊ الْبَغْلَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ فَتْحِ بَابِهِ.
(وَ) تَجُوزُ (الْحُقْنَةُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِلتَّدَاوِي بِالْإِجْمَاعِ أَوْ لِأَجْلِ الْهُزَالِ إذَا فَحُشَ يُفْضِي إلَى السُّلِّ وَلَا جُنَاحَ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّافِيَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ الدَّوَاءِ (لَا) تَجُوزُ الْحُقْنَةُ (بِمُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا) قِيلَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ كَالْخَمْرِ وَالْبَوْلِ إنْ أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً وَالْحُرْمَةُ تَرْتَفِعُ بِالضَّرُورَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَدَاوِيًا بِالْحَرَامِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ حَدِيثُ النَّهْيِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ أَخِي حَلَبِيٍّ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ كَمَا لَا يَخْفَى تَأَمَّلْ.
(وَلَا بَأْسَ بِرِزْقِ الْقَاضِي) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (كِفَايَةً) يَعْنِي يُعْطَى مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ وَأَهْلَهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا فِي الْأَصَحِّ أَوْ فَقِيرًا (بِلَا شَرْطٍ) إذْ لَوْ شُرِطَ يَكُونُ اسْتِئْجَارًا بِأَجْرٍ عَلَى أَفْضَلِ طَاعَةٍ وَإِذًا لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ حَلَالًا جُمِعَ بِحَقٍّ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا جُمِعَ مِنْ بَاطِلٍ لَمْ يَحِلَّ أَخْذُهُ وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ فِي الْقَضَاءِ.
(وَلَا بَأْسَ بِسَفَرِ الْأَمَةِ وَأَمِّ الْوَلَدِ بِلَا مَحْرَمٍ) لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ فِي الْأَمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَحَارِمِ فِي النَّظَرِ وَالْمَسِّ عِنْدَ الْإِرْكَابِ وَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ لِقِيَامِ الرِّقِّ فِيهَا وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي زَمَانِنَا لِغَلَبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ (وَالْخَلْوَةِ بِهَا) أَيْ وَلَا بَأْسَ بِالْخَلْوَةِ بِالْأَمَةِ (قِيلَ تُبَاحُ) اعْتِبَارًا بِالْمَحَارِمِ (وَقِيلَ لَا) تُبَاحُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ.
(وَيُكْرَهُ جَعْلُ الرَّايَةِ) أَيْ جَعْلُ الطَّوْقِ الْحَدِيدِ الثَّقِيلِ الْمَانِعِ مِنْ تَحْرِيكِ الرَّأْسِ (فِي عُنُقِ الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ عُقُوبَةُ الْكُفَّارِ فَيَحْرُمُ كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ.
وَفِي النِّهَايَةِ لَا بَأْسَ فِي زَمَانِنَا لِغَلَبَةِ التَّمَرُّدِ وَالْفِرَارِ (لَا) يُكْرَهُ (تَقْيِيدُهُ) احْتِرَازًا عَنْ الْإِبَاقِ وَالتَّمَرُّدِ وَهُوَ سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفُسَّاقِ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُقْرِضَ بَقَّالًا دِرْهَمًا لِيَأْخُذَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْبَقَّالِ (بِهِ) أَيْ بِالدِّرْهَمِ (مَا يَحْتَاجُ) مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ (إلَى أَنْ يَسْتَغْرِقَهُ) أَيْ الدِّرْهَمَ فَإِنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ نَفْعًا وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيَنْبَغِي
стр. 1315
أَنْ يُودِعَهُ إيَّاهُ ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَإِنْ ضَاعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ.
(وَالسُّنَّةُ تَقْلِيمُ الْأَظَافِيرِ) .
وَفِي الدُّرَرِ رَجُلٌ وَقَّتَ لِقَلْمِ أَظَافِيرِهِ وَحَلْقِ رَأْسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالُوا إنْ كَانَ يَرَى جَوَازَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَأَخَّرَهُ إلَى يَوْمِهَا تَأْخِيرًا فَاحِشًا كَانَ مَكْرُوهًا لِأَنَّ مَنْ كَانَ ظُفْرُهُ طَوِيلًا يَكُونُ رِزْقُهُ ضَيِّقًا وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْحَدَّ وَأَخَّرَهُ تَبَرُّكًا بِالْأَخْبَارِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قَلَّمَ أَظَافِيرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَعَاذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْبَلَايَا إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفِنَهُ وَإِنْ أَلْقَاهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَيُكْرَهُ إلْقَاؤُهُ فِي الْكَنِيفِ وَالْمُغْتَسَلِ.
(وَ) السُّنَّةُ (نَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالشَّارِبِ) .
وَفِي الْقُنْيَةِ وَيُسْتَحَبُّ حَلْقُ عَانَتِهِ وَتَنْظِيفُ بَدَنِهِ بِالِاغْتِسَالِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَرَّةً وَلَا عُذْرَ فِي تَرْكِهِ وَرَاءَ أَرْبَعِينَ (وَقَصُّهُ) أَيْ الشَّارِبِ (حَسَنٌ) وَفِي حَقِّ الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّ تَوْفِيرَ شَارِبِهِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ.
(وَلَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا اتَّزَرَ) الدَّاخِلُ فِيهِ (وَغَضَّ بَصَرَهُ وَيُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْأَوْعِيَةِ لِنَقْلِ الْمَاءِ إلَى الْبُيُوتِ) لِحَاجَةِ الْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ نُهِينَ عَنْ الْخُرُوجِ فَيَلْزَمُ كَسَائِرِ حَاجَاتِهَا (وَكَوْنُهَا) أَيْ الْأَوْعِيَةِ (مِنْ الْخَزَفِ أَفْضَلُ) وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ اتَّخَذَ أَوَانِي بَيْتِهِ خَزَفًا زَارَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» وَيَجُوزُ اتِّخَاذُهَا مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ شَبَهٍ أَوْ أَدِيمٍ.
(وَلَا بَأْسَ بِسِتْرِ حِيطَانِ الْبَيْتِ بِاللُّبُودِ) جَمْعُ اللِّبَدِ (لِلْبَرْدِ) لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً (وَيُكْرَهُ لِلزِّينَةِ وَكَذَا إرْخَاءُ السِّتْرِ عَلَى الْبَيْتِ) يَعْنِي لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ لِدَفْعِ الْبَرْدِ وَيُكْرَهُ إنْ لِلتَّكَبُّرِ (وَإِذَا أَدَّى الْفَرَائِضَ) مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَغَيْرِهِمَا (وَأَحَبَّ أَنْ يَتَنَعَّمَ بِمَنْظَرٍ حَسَنٍ وَجِوَارِ جَمِيلَةٍ فَلَا بَأْسَ) بِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَسَرَّى مَارِيَةَ أُمَّ إبْرَاهِيمَ مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْحَرَائِرِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] (وَالْقَنَاعَةُ بِأَدْنَى الْكِفَايَةِ وَصَرْفُ الْبَاقِي إلَى مَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ أَوْلَى) لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
стр. 1316
[كِتَاب إحْيَاء الْمَوَات]
مُنَاسَبَةُ هَذَا الْكِتَابِ بِكِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَسَائِلَ هَذَا الْكِتَابِ مَا يُكْرَهُ وَمَا لَا يُكْرَهُ وَمِنْ مَحَاسِنِهِ التَّسْبِيبُ فِي الْخِصْبِ فِي أَقْوَاتِ الْأَنَامِ وَمَشْرُوعِيَّتُهُ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» وَشُرُوطُهُ سَتُذْكَرُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ وَسَبَبُهُ تَعَلُّقُ الْبَاءِ الْمُقَدَّرِ وَحُكْمُهُ تَمَلُّكُ الْمُحْيِي مَا أَحْيَاهُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ الْمَوَاتُ لُغَةً حَيَوَانٌ مَاتَ وَسُمِّيَ بِهِ أَرْضٌ لَا مَالِكَ لَهَا وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا تَشْبِيهًا بِالْمَوَاتِ بِالْحَيَوَانِ إذَا مَاتَ وَبَطَلَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِحْيَاءِ عُرْفًا التَّصَرُّفُ وَالِانْتِفَاعُ بِأَنْ يَبْنِيَ فِيهَا بِنَاءً أَوْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعًا أَوْ يَغْرِسَ فِيهَا شَجَرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَشَرْعًا (هِيَ) أَيْ الْمَوَاتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ مِنْ الْمَوْتِ (أَرْضٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا) أَيْ بِالْأَرْضِ لِانْقِطَاعِ مَائِهَا أَصْلًا أَوْ عَارِضًا بِحَيْثُ لَا يُرْجَى عَوْدُهُ أَوْ لِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهَا أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ مِثْلُ غَلَبَةِ الرَّمَلِ وَالْحَجَرِ وَالشَّوْكِ وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْضُ مَالِحَةً أَوْ غَيْرَهَا (عَادِيَّةً) أَيْ قَدِيمَةً غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ مِنْ زَمَانٍ بَعِيدٍ وَلِذَا نُسِبَتْ إلَى عَادٍ (أَوْ مَمْلُوكَةً فِي الْإِسْلَامِ) لَكِنْ (لَيْسَ لَهَا) الْيَوْمَ (مَالِكٌ مُعَيَّنٌ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ) سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا آثَارُ الْعِمَارَةِ أَوْ لَا فَإِنَّ حُكْمَهَا كَالْمَوَاتِ حَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا الْإِمَامُ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي الْمَوَاتِ لَكِنْ لَوْ ظَهَرَ لَهَا مَالِكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَيَضْمَنُ نُقْصَانَهَا إنْ نَقَصَتْ بِالزِّرَاعَةِ وَإِلَّا فَلَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يُحْيِ مَالَهُ آثَارُ الْعِمَارَةِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ التُّرَابُ كَالْقُصُورِ الْخَرِبَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ قَيَّدَ بِمَا لَيْسَ لَهَا بِمَالِكٍ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَمْ يَكُنْ مَوَاتًا وَإِنْ مَضَتْ عَلَيْهِ الْقُرُونُ وَصَارَتْ خَرِبَةً.
وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي انْقَرَضَ أَهْلُهَا كَالْمَوَاتِ وَقِيلَ كَاللُّقَطَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ مُلِكَتْ فِي الْإِسْلَامِ لَا تَكُونُ مَوَاتًا) عُلِمَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ أَوْ لَا بَلْ تَكُونُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَوْنُهَا) أَيْ الْأَرْضِ (بَعِيدَةً عَنْ الْعَامِرِ) أَيْ الْبَلَدِ وَالْقَرْيَةِ فَإِنَّ الْعَامِرَ بِمَعْنَى الْمَعْمُورِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْقَرْيَةِ لَا يَنْقَطِعُ احْتِيَاجُ أَهْلِهَا إلَيْهِ كَرَعْيِ مَوَاشِيهِمْ وَطَرْحِ حَصَائِدِهِمْ فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا (وَحَدُّ الْبَعِيدِ) أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان بِحَيْثُ (لَوْ صِيحَ مِنْ أَقْصَاهُ) أَيْ لَوْ وَقَفَ إنْسَانٌ فِي أَقْصَى الْعَامِرِ فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ (لَا يُسْمَعُ فِيهَا) فَإِنَّهُ مَوَاتٌ وَإِنْ كَانَ يُسْمَعُ فَلَيْسَ بِمَوَاتٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّ الْبُعْدَ قَدْرُ غَلْوَةٍ كَمَا فِي الظَّهِيرَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) يُشْتَرَطُ (أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهَا) أَيْ بِالْأَرْضِ (أَهْلُ الْعَامِرِ) مِنْ حَيْثُ الِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (قَرِيبَةٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَامِرِ حَتَّى لَا يَجُوزَ إحْيَاءُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا وَيَجُوزُ إحْيَاءُ مَا لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْعَامِرِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ اعْتَمَدَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَبِقَوْلِ مُحَمَّدٍ يُفْتَى كَمَا فِي زَكَاةِ الْكُبْرَى وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ
стр. 1317
وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّسْهِيلِ أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي اشْتِرَاطِهِ الْبُعْدَ حَيْثُ قَالَ اعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ عَدَمَ الِارْتِفَاقِ لَا الْبُعْدِ خِلَافًا لَهُمَا (مَنْ أَحْيَاهَا) أَيْ الْمَوَاتَ (بِإِذْنِ الْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ (وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (ذِمِّيًّا مَلَكَهَا) أَيْ مَلَكَ الْمُحْيِي الْمَوَاتَ (وَبِلَا إذْنِهِ) أَيْ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (لَا) يَمْلِكُهَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يَمْلِكُهَا بِدُونِ الْإِذْنِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً وَيَدُهُ سَبَقَتْ إلَيْهَا بِالْخُصُوصِ فَيَمْلِكُهُ كَمَا فِي الْحَطْبِ وَالصَّيْدِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إلَّا عِنْدَ مَالِكٍ لَوْ تَشَاحَّا أَهْلُ الْعَامِرِ يُعْتَبَرُ الْإِذْنُ وَإِلَّا لَا وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الْأَرْضَ مَغْنُومَةٌ لِاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ كَسَائِرِ الْمَغَانِمِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا فَلَا يَمْلِكُهَا أَصْلًا بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَلَوْ تَرَكَهَا بَعْدَ الْإِحْيَاءِ وَزَرَعَهَا غَيْرُهُ قِيلَ الثَّانِي أَحَقُّ بِهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلَكَ اسْتِغْلَالَهَا دُونَ رَقَبَتِهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِهَا لِأَنَّهُ مَلَكَ رَقَبَتَهَا بِالْإِحْيَاءِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالتَّرْكِ وَلَوْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ثُمَّ أَحَاطَ الْأَحْيَاءُ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَلَى التَّعَاقُبِ تَعَيَّنَ طَرِيقُ الْأَوَّلِ فِي الْأَرْضِ لِرَابِعَةٍ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْيَا الْجَوَانِبَ الثَّلَاثَةَ تَعَيَّنَ الْجَانِبُ الرَّابِعُ لِلِاسْتِطْرَادِ وَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ كَالْمُسْلِمِ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي سَبَبِ الْمِلْكِ انْتَهَى.
(وَلَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ بَلْ يُتْرَكُ مَرْعًى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ) لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا فَصَارَ كَالنَّهْرِ وَالطَّرِيقِ وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ بِهِ مَا لَا غِنَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْهُ كَالْمِلْحِ وَالْآبَارِ الَّتِي يُسْتَقَى مِنْهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا نُقِلَ آنِفًا عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَيَجُوزُ إحْيَاءُ مَا لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْعَامِرِ أَوْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهَا الْعَامِرُ وَلَوْ قَرِيبَةً مِنْهُ مُخَالَفَةً لِأَنَّ مُقْتَضَاهُمَا أَنْ يَجُوزَ إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ انْتِفَاعِهِمْ بِهَا تَتَبَّعْ.
(وَلَا) يَجُوزُ إحْيَاءُ (مَا) أَيْ مَحَلٍّ (عَدَلَ) أَيْ رَجَعَ (عَنْهُ مَاءُ الْفُرَاتِ وَنَحْوِهَا) كَدِجْلَةَ وَالشَّطِّ وَغَيْرِهِمَا (وَاحْتُمِلَ عَوْدُهُ) إلَيْهِ لِحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى كَوْنِهِ نَهْرًا (فَإِنْ) الظَّاهِرُ وَإِنْ بِالْوَاوِ (لَمْ يُحْتَمَلْ) عَوْدُهُ إلَى مَكَانِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ حَرِيمًا لِعَامِرٍ (جَازَ) إحْيَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُلْحَقًا بِالْمَوَاتِ.
(وَمَنْ حَجَرَ أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ وَلَمْ يَعْمُرْهَا) أَيْ الْأَرْضَ (أُخِذَتْ) الْأَرْضُ (مِنْهُ) أَيْ غَيْرِ الْحَجْرِ (وَدُفِعَتْ إلَى غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُحْجِرِ لِأَنَّ الدَّفْعَ كَانَ إلَى الْأَوَّلِ لِيَعْمُرَهَا فَتَحْصُلُ الْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ يَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ وَلِأَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ جَعْلُهَا صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ وَالتَّحْجِيرَ لِلْإِعْلَامِ بِوَضْعِ الْأَحْجَارِ حَوْلَهَا أَنَّهُ قَصَدَ إحْيَاءَهَا لِكَوْنِهِ مِنْ الْحَجَرِ بِالْحَرَكَةِ وَقِيلَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ الْحَجْرِ بِالسُّكُونِ هُوَ الْمَنْعُ لِأَنَّ مَنْ أَعْلَمَ فِي قِطْعَةِ أَرْضٍ مِنْ الْمَوَاتِ عَلَامَةً بِوَضْعِ الْأَحْجَارِ أَوْ الشَّوْكِ
стр. 1318
فِي أَطْرَافِهَا أَوْ بِإِحْرَاقِ مَا فِيهَا مِنْ الشَّوْكِ وَغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ يَمْنَعُ الْغَيْرَ فَسُمِّيَ فِعْلُهُ تَحْجِيرًا وَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فَبَقِيَتْ مُبَاحَةً عَلَى حَالِهَا لَكِنَّهُ هُوَ أَوْلَى بِهَا وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِثَلَاثِ سِنِينَ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ حَقٌّ وَهَذَا مِنْ طَرِيقِ الدِّيَانَةِ فَأَمَّا إذَا أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَلَكَهَا لِتَحَقُّقِ الْإِحْيَاءِ مِنْهُ دُونَ الْأَوَّلِ وَنَظِيرُهُ الِاسْتِيَامُ وَحَفْرُ الْمَعْدِنِ وَإِنْ حَفَرَ بِهَا بِئْرًا فَهُوَ تَحْجِيرٌ وَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ وَكَذَا إذَا جَعَلَ الشَّوْكَ حَوْلَهَا وَلَوْ كَرَبَهَا أَوْ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْمُسَنَّاةَ أَوْ شَقَّ لَهَا نَهْرًا فَهُوَ إحْيَاءٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ فَلَهُ حَرِيمُهَا إنْ) حَفَرَهَا (بِإِذْنِ الْإِمَامِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ إحْيَاءٌ بِالْإِذْنِ عِنْدَهُ وَإِلَّا لَا.
(وَكَذَا) لَهُ حَرِيمُهَا (إنْ) حَفَرَهَا (بِغَيْرِ إذْنِهِ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ حَفْرَ الْبِئْرِ إحْيَاءٌ عِنْدَهُمَا سَوَاءٌ بِالْإِذْنِ أَوْ بِغَيْرِ الْإِذْنِ (وَحَرِيمُ) بِئْرِ (الْعَطَنِ) الَّتِي يُنْزَحُ الْمَاءُ مِنْهَا بِالْيَدِ وَيُنَاخُ الْإِبِلُ حَوْلَهَا لِلشُّرْبِ (أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مِمَّا حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ وَلِأَنَّ الْحَافِرَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِبِئْرِهِ إلَّا بِحَرِيمِهَا (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ الْأَرْبَعُونَ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَجْمَعُ الْجَوَانِبَ الْأَرْبَعَةَ وَالصَّحِيحُ مَا فِي الْمَتْنِ لِأَنَّ فِي الْأَرَاضِي الرَّخْوَةِ يَتَحَوَّلُ الْمَاءُ إلَى مَا يُحْفَرُ دُونَهَا فَيُؤَدِّي إلَى اخْتِلَافِ حَقِّهِ.
(وَكَذَا) أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي الصَّحِيحِ (حَرِيمُ) الْبِئْرِ (النَّاضِحِ) الَّتِي نَزَحَ الْمَاءَ بِالنَّاضِحِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا لِلنَّاضِحِ سِتُّونَ) أَيْ فَحَرِيمُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا لِقَوْلِهِ ﵊ «حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَحَرِيمُ بِئْرٍ نَاضِحٍ سِتُّونَ ذِرَاعًا» وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ مَا حَوْلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» وَلَمَّا تَعَارَضَ الْخَبَرَانِ أَخَذْنَا بِالْأَقَلِّ لِتَيَقُّنِهِ.
وَفِي الْمُحِيطِ إذَا كَانَ عُمْقُ الْمَاءِ زَائِدًا عَلَى أَرْبَعِينَ يُزَادُ عَلَيْهَا (وَحَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّ الْعَيْنَ تُسْتَخْرَجُ لِلزِّرَاعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَكَان يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ وَمِنْ حَوْضٍ يُجْمَعُ فِيهِ الْمَاءُ وَمِنْ مَوْضِعٍ يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ وَالدَّوَابُّ وَمِنْ مَوْضِعٍ يَجْرِي مِنْهُ إلَى الْمَزَارِعِ وَالْمَرَاتِعِ فَقُدِّرَ بِالزِّيَادَةِ قِيلَ لَوْ كَانَ عَادِيَّةٌ فَحَرِيمُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ فِي الْحَرِيمِ مُطْلَقًا.
(وَيُمْنَعُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ حَافِرِ الْبِئْرِ أَوْ الْعَيْنِ (مِنْ الْحَفْرِ فِي حَرِيمِهِ) لِأَنَّهُ بِالْحَفْرِ مَلَكَ حَرِيمَ ذَلِكَ الْمَحْفُورِ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ (لَا) يُمْنَعُ مِنْ الْحَفْرِ (فِيمَا وَرَاءَهُ) أَيْ فِيمَا وَرَاءَ الْحَرِيمِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِمَا وَرَاءَهُ (فَإِنْ حَفَرَ أَحَدٌ) بِئْرًا (فِيهِ) أَيْ فِي دَاخِلِ الْحَرِيمِ (ضَمَّنَ) بِالتَّشْدِيدِ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي (النُّقْصَانَ) لِتَعُدِّي الثَّانِي بِتَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ أَنْ يُقَوِّمَ الْأُولَى قَبْلَ حَفْرِ الثَّانِيَةِ
стр. 1319
وَبَعْدَهُ فَيَضْمَنُ نُقْصَانَ مَا بَيْنَهُمَا (وَيَكْبِسُ) الْأَوَّلُ بِنَفْسِهِ أَيْ يَمْلَؤُهَا بِالتُّرَابِ كَمَا إذَا هَدَمَ جِدَارَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يَبْنِيَ جِدَارَهُ بَلْ يَضْمَنُ قِيمَةَ بِنَائِهِ ثُمَّ يَبْنِيَ بِنَفْسِهِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَقِيلَ لَا يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ وَأَنْ يَأْخُذَهُ بِكَبْسِ مَا احْتَفَرَهُ لِأَنَّ إزَالَةَ جِنَايَةِ حَفْرِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْكُنَاسَةِ يُلْقِيهَا فِي دَارِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِرَفْعِهَا وَمَا عَطِبَ فِي الْأُولَى فَلَا ضَمَانَ فِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ أَمَّا إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَظَاهِرٌ وَكَذَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ عِنْدَهُمَا وَالْعُذْرُ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْحَفْرَ تَحْجِيرًا وَهُوَ تَسْبِيلٌ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَالْمُتَحَجِّرُ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فَلَا يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ بِدُونِ الْإِذْنِ وَمَا عَطِبَ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ حَيْثُ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَإِنْ حَفَرَ) بِئْرًا بِأَمْرِ الْإِمَامِ (فِيمَا وَرَاءَهُ) أَيْ فِي غَيْرِ حَرِيمِ الْأَوَّلِ قَرِيبَةً مِنْهُ فَذَهَبَ مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى وَعَرَفَ أَنَّ ذَهَابَهُ مِنْ حَفْرِ الثَّانِي (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِيمَا صَنَعَ وَالْمَاءُ تَحْتَ الْأَرْضِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ فِي تَحْوِيلِ مَاءِ بِئْرِهِ إلَى الْبِئْرِ الثَّانِي كَالتَّاجِرِ إذَا كَانَ لَهُ حَانُوتٌ فَاِتَّخَذَ آخَرُ بِجَنْبِهِ حَانُوتًا لِمِثْلِ تِلْكَ التِّجَارَةِ فَكَسَدَتْ تِجَارَةُ الْأَوَّلِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الثَّانِيَ كَمَا فِي الدُّرَرِ (وَلَهُ) أَيْ لِلَّذِي حَفَرَ فِيمَا وَرَاءَ الْحَرِيمِ مُتَّصِلًا بِحَرِيمِ الْبِئْرِ الْأُولَى (الْحَرِيمُ) مِنْ الْجَوَانِبِ الثَّلَاثَةِ (مِمَّا) أَيْ مِنْ جَانِبٍ (سِوَى حَرِيمِ) الْحَافِرِ (الْأَوَّلِ) لِسَبْقِ مِلْكِ الْحَافِرِ الْأَوَّلِ فِيهِ وَإِنْ أَرَادَ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِ حَفَرَ بَعِيدًا مِنْ حَرِيمِ الْبِئْرِ الْأُولَى.
(وَلِلْقَنَاةِ) أَيْ مَجْرَى الْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ (حَرِيمٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهَا) أَيْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِلْقَاءِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقِيلَ لَا حَرِيمَ لَهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ مَاؤُهَا) عِنْدَهُ لِكَوْنِهَا جَوْفَ الْأَرْضِ كَالنَّهْرِ وَقِيلَ إنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَعِنْدَهُمَا هِيَ) أَيْ الْقَنَاةُ (كَالْبِئْرِ) فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَرِيمِ.
(وَإِنْ ظَهَرَ مَاؤُهَا) أَيْ مَاءُ الْقَنَاةِ (فَهِيَ كَالْعَيْنِ) الْفَوَّارَةِ (إجْمَاعًا) فَيُقَدَّرُ حَرِيمُهَا بِخَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ.
(وَلَا حَرِيمَ لِنَهْرٍ) فَهُوَ مَجْرًى كَبِيرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَرْيِ فِي كُلِّ حِينٍ (فِي أَرْضِ الْغَيْرِ إلَّا بِحُجَّةٍ) أَيْ مَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ثُبُوتِ الْحَرِيمِ لَهُ (وَعِنْدَهُمَا لَهُ) أَيْ لِلنَّهْرِ (مُسَنَّاةٌ) أَيْ مُسَنَّاةُ نَهْرِهِ لَأَنْ يَمْشِيَ عَلَيْهَا وَيُلْقِيَ طِينَهُ عَلَيْهَا قِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى مَنْ أَحْيَا نَهْرًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَرِيمَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحِقُّهُ لَكِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا قَالُوا إنَّ لَهُ الْحَرِيمَ بِالِاتِّفَاقِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِلْقَاءِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ التَّتِمَّةِ وَهَذَا الْحَرِيمُ (بِقَدْرِ نِصْفِ عَرْضِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْحَاجَةُ الْغَالِبَةُ وَذَلِكَ بِنَقْلِ تُرَابِهِ إلَى حَافَّتَيْهِ فَيَكْفِي مَا ذَكَرْنَاهُ (وَبِقَدْرِ عَرْضِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِأَنَّهُ
стр. 1320
قَدْ لَا يُمْكِنُهُ إلْقَاءُ التُّرَابِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيَحْتَاجُ إلَى إلْقَائِهِ فِي أَحَدِهِمَا فَيُقَدَّرُ فِي كُلِّ طَرَفٍ بِبَطْنِ النَّهْرِ وَالْحَوْضُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ لَهُمَا أَنَّهُ لَا انْتِفَاعَ بِالنَّهْرِ إلَّا بِالْحَرِيمِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْمَشْيِ فِيهِ لِتَسْيِيلِ الْمَاءِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَادَةً فِي بَطْنِهِ وَإِلَى إلْقَاءِ الطِّينِ وَلَا يُمْكِنُهُ النَّقْلُ إلَى مَكَان بَعِيدٍ إلَّا بِحَرَجٍ فَيَكُونُ لَهُ الْحَرِيمُ اعْتِبَارًا بِالْبِئْرِ وَلَهُ أَنَّ الْحَرِيمَ ثَبَتَ فِي الْبِئْرِ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِهِ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي الْبِئْرِ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِمَاءِ الْبِئْرِ بِدُونِ الِاسْتِقَاءِ وَالِاسْتِقَاءُ إلَّا بِالْحَرِيمِ وَأَمَّا النَّهْرُ فَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِمَائِهِ بِدُونِ الْحَرِيمِ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْإِمَامُ وَصَاحِبَاهُ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النَّهْرُ مُوَازِيًا لِلْأَرْضِ وَلَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا وَأَنْ لَا يَكُونَ الْحَرِيمُ مَشْغُولًا بِحَقِّ أَحَدِهِمَا كَالْغَرْسِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَشْغُولًا بِحَقِّ أَحَدِهِمَا كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ انْتَهَى وَإِنَّمَا قُلْنَا هُوَ مَجْرًى كَبِيرٌ لِأَنَّ الْمَجْرَى لَوْ كَانَ صَغِيرًا يَحْتَاجُ إلَى الْكَرْيِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَلَهُ الْحَرِيمُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (الْأَرْفَقُ) بِالنَّاسِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النَّهْرِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْكَرْمَانِيِّ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (فَالْمُسَنَّاةُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَتَفْرِيعٌ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْبُورِ يَعْنِي الْمُسَنَّاةَ الَّتِي (بَيْنَ النَّهْرِ) أَيْ بَيْنَ نَهْرِ رَجُلٍ صِفَةُ الْمُسَنَّاةِ (وَالْأَرْضُ) أَيْ وَأَرْضُ الْآخَرِ.
(وَ) الْحَالُ أَنَّهَا (لَيْسَتْ فِي يَدِ أَحَدٍ) مِنْهُمَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا غَرْسٌ وَلَا طِينٌ مُلْقًى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِلَّا فَصَاحِبُ الشَّغْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدٌ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهَا وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَرْسٌ لَا يُدْرَى مَنْ غَرَسَهُ فَهُوَ مِنْ مَوَاضِعِ الْخِلَافِ (لِصَاحِبِ الْأَرْضِ) هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ إذْ لَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ عِنْدَهُ (فَلَا يَغْرِسُ فِيهَا صَاحِبُ النَّهْرِ وَلَا يُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ وَلَا يَمُرُّ) لِكَوْنِهَا تَعَدِّيًا مِنْهُ فِي حَقِّ مَالِكِهَا (وَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ النَّهْرِ (الْمُرُورُ وَإِلْقَاءُ الطِّينِ) فِيهَا (مَا لَمْ يُفْحِشْ) وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ حَقُّ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَبِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ وَلَكِنْ لَا يَغْرِسُ فِيهِ إلَّا الْمَالِكُ (وَعِنْدَهُمَا هِيَ) أَيْ الْمُسَنَّاةُ (لِرَبِّ النَّهْرِ فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْغَرْسُ وَالْإِلْقَاءُ وَالْمُرُورُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا كَمَا مَرَّ آنِفًا وَ (قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَخَذَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ فِي الْغَرْسِ وَبِقَوْلِهِمَا فِي إلْقَاءِ الطِّينِ) فَلَا يَغْرِسُ فِيهَا صَاحِبُ النَّهْرِ كَيْ لَا يُبْطِلَ حَقَّ مَالِكِهَا وَلَكِنْ يُلْقِي الطِّينَ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ.
(وَمَنْ غَرَسَ شَجَرَةً فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ فَلَهُ حَرِيمُهَا خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُخْتَارِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ غَرَسَ شَجَرَةً فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْرِسَ فِيهِ انْتَهَى (يُمْنَعُ غَيْرُهُ مِنْ الْغَرْسِ فِيهِ) لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْحَرِيمِ لِجِذَاذِ ثَمَرِهِ وَالْوَضْعِ فِيهِ.
стр. 1321
[فَصَلِّ فِي الشُّرْب]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ ذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ مَسَائِلِ الشِّرْبِ لِأَنَّ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ الشِّرْبُ بِالْكَسْرِ اسْمُ الْمَصْدَرِ فَهُوَ لُغَةً الْمَاءُ الْمَشْرُوبُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (هُوَ) أَيْ الشِّرْبُ (النَّصِيبُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أَيْ نَصِيبٌ (مِنْ الْمَاءِ) أَيْ الْحَظِّ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي أَوْ الرَّاكِدِ لِلْحَيَوَانِ أَوْ الْجَمَادِ وَشَرِيعَةُ زَمَانِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ سَقْيًا لِلْمَزَارِعِ أَوْ الدَّوَابِّ (وَالشَّفَةُ شُرْبُ بَنِي آدَمَ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُمْ الْمَاءَ لِدَفْعِ الْعَطَشِ أَوْ الطَّبْخِ أَوْ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ غَسْلِ الثِّيَابِ أَوْ نَحْوِهَا.
(وَ) شُرْبُ (الْبَهَائِمِ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُنَّ الْمَاءَ لِلْعَطَشِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُنَاسِبُهُنَّ وَالْبَهِيمَةُ مَا لَا نُطْقَ لَهُ وَذَلِكَ لِمَا فِي صَوْتِهِ مِنْ الْإِبْهَامِ لَكِنْ يَخُصُّ التَّعَارُفَ بِمَا عَدَا السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (الْأَنْهَارُ الْعِظَامُ كَالْفُرَاتِ) نَهْرُ الْكُوفَةِ (وَدِجْلَةَ) نَهْرُ بَغْدَادَ وَغَيْرِهِمَا (غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ) لِأَحَدٍ لِعَدَمِ يَدٍ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِ لِأَنَّ قَهْرَ الْمَاءِ يَمْنَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ فَلَا تَكُونُ مُحْرَزًا وَالْمِلْكُ بِالْإِحْرَازِ (وَلِكُلِّ أَحَدٍ فِيهَا) أَيْ فِي الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ (حَقُّ الشَّفَةِ وَالْوُضُوءِ وَنَصْبِ الرَّحَى وَكَرْيِ نَهْرٍ إلَى أَرْضِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» وَلِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالنَّهْرِ كَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ أَحَدٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَشُرِطَ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ (إنْ لَمْ يَضُرَّ) الشَّقُّ (بِالْعَامَّةِ) وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِأَنْ مَالَ الْمَاءُ إلَى جَانِبٍ تُغْرِقُ الْأَرَاضِيَ لَيْسَ لَهُ الشَّقُّ وَنَصْبُ الرَّحَى عَلَيْهِ لِأَنَّ شَقَّ النَّهْرِ لِلرَّحَى كَشَقِّهِ لِلسَّقْيِ (.
وَفِي الْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْحَوْضِ وَالْبِئْرِ وَالْقَنَاةِ لِكُلِّ) أَحَدٍ (حَقُّ الشَّفَةِ) وَحَقُّ سَقْيِ الدَّوَابِّ (إنْ لَمْ يَخَفْ التَّحْرِيبَ لِكَثْرَةِ الْمَوَاشِي) حَتَّى لَوْ خِيفَ التَّحْرِيبُ لِكَثْرَةِ الدَّوَابِّ يُمْنَعُ لِأَنَّ الْحَقَّ لِصَاحِبِهِ عَلَى الْخُصُوصِ وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا حَقَّ الشِّرْبِ لِغَيْرِهِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ صَاحِبُهُ (أَوْ) لَمْ يَخَفْ (الْإِتْيَانَ عَلَى جَمِيعِ الْمَاءِ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ الشَّفَةُ إذَا كَانَ يَأْتِي عَلَى الْمَاءِ كُلِّهِ بِأَنْ كَانَ جَدْوَلًا صَغِيرًا وَفِيمَا يَرِدُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْمَوَاشِي كَثِيرَةٌ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ بِشُرْبِهَا قِيلَ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِأَنَّ الْإِبِلَ لَا تَرِدُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ فَصَارَ كَالْمُيَاوَمَةِ وَهُوَ سَبِيلٌ فِي قِسْمَةِ الشِّرْبِ وَقِيلَ لَهُ أَنْ يُمْنَعَ اعْتِبَارًا بِسَقْيِ الْمَزَارِعِ وَالْمَشَاجِرِ وَالْجَامِعُ تَفْوِيتُ حَقِّهِ انْتَهَى.
وَفِي التَّبْيِينِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُمْنَعُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَاهُ آنِفًا وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ ضَرَرٌ بِذَلِكَ كَسَقْيِ الْأَرَاضِي انْتَهَى وَلِهَذَا اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَنْعَ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ.
(وَلَا سَقْيُ أَرْضِهِ أَوْ شَجَرِهِ) أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ سَقْيُ أَرْضِهِ وَشَجَرِهِ مِنْ نَهْرِ غَيْرِهِ وَقَنَاتِهِ وَبِئْرِهِ وَحَوْضِهِ (إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ
стр. 1322
وَفِي الْمِنَحِ نَقْلًا عَنْ الْخَانِيَّةِ نَهْرٌ لِقَوْمٍ لِرَجُلٍ أَرْضٌ بِجَنْبِهِ لَيْسَ لَهُ شِرْبٌ مِنْ هَذَا النَّهْرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهُ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا أَوْ زَرْعًا وَلَا أَنْ يَنْصِبَ دُولَابًا عَلَى النَّهْرِ لِأَرْضِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ الْمَاءَ مِنْهُ بِالْقِرَبِ وَالْأَوَانِي وَيَسْقِيَ زَرْعَهُ أَوْ شَجَرَهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ وَلِأَهْلِ النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُ (وَلَهُ) أَيْ لِكُلِّ أَحَدٍ (الْأَخْذُ) أَيْ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْهَا (لِلْوُضُوءِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ) وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ مَا هُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا (وَسَقْيِ شَجَرٍ وَخُضَرٍ) اتَّخَذَهُمَا (فِي دَارِهِ بِالْجِرَارِ فِي الْأَصَحِّ) قَالَ فِي الْمِنَحِ لَوْ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ خُضْرَةً أَوْ شَجَرَةً وَأَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ ذَلِكَ بِالْأَوَانِ مِنْ نَهْرٍ لِغَيْرِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ بَلْخِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَاءِ كَمَا لَيْسَ لَهُ سَقْيُ شَجَرَةٍ أَوْ خُضْرَةٍ فِي غَيْرِ دَارِهِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ هَذَا الْمِقْدَارِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَوَسَّعُونَ فِيهِ وَيَعُدُّونَ الْمَنْعَ مِنْ الدَّنَاءَةِ.
(وَمَا أُحْرِزَ مِنْ الْمَاءِ بِحَبٍّ وَكُوزٍ وَنَحْوِهِ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِرِضَى صَاحِبِهِ وَلَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ الْمَاءِ الْمُحْرَزِ (بَيْعُهُ) أَيْ بَيْعُ الْمَاءِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِحْرَازِ وَصَارَ كَالصَّيْدِ إذَا أَخَذَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي سَرِقَتِهِ بِقِيَامِ شُبْهَةِ الشَّرِكَةِ فِيهِ بِالْحَدِيثِ فَإِنْ قِيلَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] يَصِيرُ شُبْهَةً قَالُوا قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ إلَى الْآحَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَلَا يَجُوزُ الزَّوَائِدُ عَلَى الْأَرْبَعِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْحَدِيثِ أَثْبَتَ الشَّرِكَةَ لِلنَّاسِ عَامًّا.
(وَلَوْ) كَانَتْ (الْبِئْرُ أَوْ الْعَيْنُ أَوْ النَّهْرُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ فَلَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ الْمَاءِ (مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ الشَّفَةَ مِنْ الدُّخُولِ) أَيْ فِي مَلِكِهِ إذَا كَانَ يَجِدُ مَاءً آخَرَ بِقُرْبٍ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَاءِ (لَزِمَهُ) أَيْ صَاحِبَ الْمَاءِ (أَنْ يُخْرِجَ إلَيْهِ الْمَاءَ أَوْ يُمَكِّنَهُ) مِنْ التَّمْكِينِ (مِنْ الدُّخُولِ) بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْسِرَ صِفَتَهُ وَهَذَا عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَقِيلَ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا احْتَفَرَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ أَمَّا إذَا احْتَفَرَهَا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِخْرَاجِ وَالتَّمْكِينِ (وَخِيفَ الْعَطَشُ) عَلَى نَفْسِ الطَّالِبِ أَوْ دَابَّتِهِ (قُوتِلَ بِالسِّلَاحِ) لِأَثَرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلِأَنَّهُ قَصَدَ إتْلَافَهُ بِمَنْعِ حَقِّهِ وَهُوَ الشَّفَةُ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي الْبِئْرِ وَالنَّهْرِ وَنَحْوِهِمَا مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ (وَفِي) الْمَاءِ (الْمُحْرَزِ) فِي الْأَوَانِي (يُقَاتَلُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ) يَعْنِي عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ إذَا كَانَ فِيهِ فَضْلٌ مِنْ حَاجَتِهِ وَلَا يُقَاتِلُهُ بِالسِّلَاحِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِحْرَازِ حَتَّى كَانَ لَهُ تَضْمِينُهُ إلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قَدْرَ حَاجَتِهِ فَبِالْمَنْعِ خَالَفَ الْأَمْرَ فَيُؤَدِّيهِ إلَى الْقِتَالِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (كَمَا فِي الطَّعَامِ حَالَ الْمَخْمَصَةِ) وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْكَافِي وَغَيْرِهِ جَوَازُ
стр. 1323
أَنْ يُقَاتِلَ بِالسِّلَاحِ لِأَنَّهُ قَالَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَاتِلَهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْزِيرِ.
[فَصَلِّ فِي كري الْأَنْهَار]
(وَكَرْيُ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) خَبَرُ كَرْيِ الْأَنْهَارِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ الْأَنْهَارُ ثَلَاثَةٌ نَهْرٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَدْخُلْ مَاؤُهُ فِي الْمَقَاسِمِ بَعْدُ أَيْ قَطُّ كَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهِ وَنَهْرٌ مَمْلُوكٌ دَخَلَ مَاؤُهُ تَحْتَ الْقِسْمَةِ إلَّا أَنَّهُ عَامٌّ وَنَهْرٌ مَمْلُوكٌ دَخَلَ مَاؤُهُ فِي الْقِسْمَةِ وَهُوَ خَاصٌّ وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا اسْتِحْقَاقُ الشَّفَةِ بِهِ وَعَدَمُهُ وَالْأَوَّلُ كَرْيُهُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْكَرْيِ لَهُمْ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ وَيَصْرِفُ إلَيْهِمْ مِنْ مُؤْنَةِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ دُونَ الْعُشُورِ وَالصَّدَقَاتِ لِأَنَّ الثَّانِيَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْأَوَّلَ لِلنَّوَائِبِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ) أَيْ فِي بَيْتِ الْمَالِ (شَيْءٌ فَعَلَى الْعَامَّةِ) أَيْ فَالْإِمَامُ يُجْبِرُ النَّاسَ عَلَى كَرْيِهِ إحْيَاءً لِمَصْلَحَةِ الْعَامِّ إذْ هُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ وَلَا يُنْفِقُونَ عَلَيْهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا يُقِيمُونَهَا إنْ لَمْ يُجْبِرْهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ وَفِي مِثْلِهِ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ إلَّا أَنَّهُ يُخْرَجُ لِلْكَرْيِ مَنْ كَانَ يُطِيقُهُ وَتُجْعَلُ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْمَيَاسِيرِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ كَمَا يَفْعَلُهُ فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مَنْ كَانَ يُطِيقُ عَلَى الْقِتَالِ وَتُجْعَلُ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ.
(وَكَرْيُ مَا مُلِكَ) وَدَخَلَ مَاؤُهُ فِي الْمُقَاسِمِ قَوْلُهُ مُلِكَ عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى أَرْبَابِهِ) وَهَذَا النَّوْعُ اثْنَانِ أَنْ يَكُونَ عَامًّا مِنْ وَجْهٍ وَخَاصًّا مِنْ وَجْهٍ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ خَاصًّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْفَارِقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الشَّفَةَ فَهُوَ خَاصٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَمَا لَا يَسْتَحِقُّ فَهُوَ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهَا لَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ (لَا عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ) لِأَنَّهُمْ لَا يُخَصُّونَ أَوْ لِأَهْلِ الدُّنْيَا كُلِّهِمْ حَقُّ الشَّفَةِ وَلِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ وَالْمُؤْنَةُ تَجِبُ عَلَى الْأُصُولِ دُونَ الْأَتْبَاعِ.
(وَيُجْبَرُ مَنْ أَبَى) عَنْ الْكَرْيِ دَفْعًا لِضَرَرِ بَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ فِي الْمَمْلُوكِ الْخَاصِّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الضَّرَرَيْنِ خَاصٌّ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالْكَرْيِ بِأَمْرِ الْقَاضِي ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْآبِي وَلَا كَذَلِكَ الْأَوَّلُ (وَمُؤْنَتُهُ) أَيْ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ الْمُشْتَرَكِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى الْأَرْبَابِ (مِنْ أَعْلَاهُ) أَيْ مِنْ أَعْلَى النَّهْرِ.
(وَإِذَا جَاوَزَ) الْكَرْيُ (أَرْضَ رَجُلٍ) مِنْ الشُّرَكَاءِ (سَقَطَتْ) الْمُؤْنَةُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الرَّجُلِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ (سَقْيُ أَرْضِهِ مَا لَمْ يَفْرُغْ شُرَكَاؤُهُ) عَنْ الْكَرْيِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ دُونَ شُرَكَائِهِ (وَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ (ذَلِكَ) أَيْ السَّقْيُ قَبْلَ فَرَاغِهِمْ (وَعِنْدَهُمَا هِيَ) أَيْ الْمُؤْنَةُ (عَلَيْهِمْ) عَلَى الْأَرْبَابِ (جَمِيعًا
стр. 1324
مِنْ أَوَّلِهِ) أَيْ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ (إلَى آخِرِهِ بِحِصَصِ الشِّرْبِ) وَبَيَانُهُ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي النَّهْرِ إذَا كَانُوا عَشَرَةً مَثَلًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُ مُؤْنَةِ الْكَرْيِ فَإِذَا جَاوَزَ عَنْ أَرْضِ أَحَدِهِمْ فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْبَاقِينَ تُسْعُهَا وَإِذَا تَجَاوَزَ عَنْ أَرْضِ الْأُخْرَى فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ثُمُنُهَا هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَعْشَارٌ مِنْ أَوَّلِ الْكَرْيِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْأَعْلَى حَقًّا فِي الْأَسْفَلِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى تَسْيِيلِ مَا فَضَلَ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ وَلَهُ أَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ الْكَرْيِ الِانْتِفَاعُ بِالسَّقْيِ وَقَدْ حَصَلَ لِصَاحِبِ الْأَعْلَى فَلَا يَلْزَمُهُ انْتِفَاعُ غَيْرِهِ وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْمَسِيلِ عِمَارَتُهُ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ مَسِيلٌ عَلَى سَطْحِ غَيْرِهِ كَيْفَ وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَفْعُ الْمَاءِ عَنْ أَرْضِهِ بِسَدِّهِ مِنْ أَعْلَاهُ ثُمَّ إنَّمَا يَرْفَعُ عَنْهُ إذَا جَاوَزَ أَرْضَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَقِيلَ إذَا جَاوَزَ فُوَّهَةَ نَهْرِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ لَهُ رَأْيًا فِي اتِّخَاذِ الْفُوَّهَةِ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ إذَا جَاوَزَ الْكَرْيُ أَرْضَهُ حَتَّى سَقَطَتْ عَنْهُ مُؤْنَتُهُ قِيلَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمَاءَ لِيَسْقِيَ أَرْضَهُ لِانْتِهَاءِ الْكَرْيِ فِي حَقِّهِ وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَفْرُغْ شُرَكَاؤُهُ نَفْيًا لِاخْتِصَاصِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَتَصِحُّ دَعْوَى الشِّرْبِ بِلَا أَرْضٍ) اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الشِّرْبَ قَدْ يُمْلَكَ بِلَا أَرْضٍ إرْثًا وَوَصِيَّةً وَقَدْ يُبَاعُ الْأَرْضُ بِدُونِ الشِّرْبِ فَيَبْقَى لَهُ الشِّرْبُ وَحْدَهُ فَصَارَ هُوَ مَرْغُوبًا مُنْتَفَعًا بِهِ فَتَصِحُّ الدَّعْوَى وَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ.
وَفِي الْقِيَاسِ لَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ بِدُونِهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى وَهُوَ الْإِعْلَامُ وَالشِّرْبُ لَا يَقْبَلُ الْإِعْلَامَ لِجَهَالَةِ الْمَقَامِ.
(وَمَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ يَجْرِي فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ مَنْعَ الْإِجْرَاءِ) فِي أَرْضِهِ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلرَّبِّ (ذَلِكَ) أَيْ الْمَنْعُ وَيُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ مَوْضِعَ النَّهْرِ مُسْتَعْمَلٌ لَهُ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ فَيَكُونُ فِي يَدِهِ فَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَنَّهُ مِلْكُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ النَّهْرُ (فِي يَدِهِ) أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَشْجَارٌ وَلَا طِينٌ مُلْقًى عَلَى جَانِبَيْ النَّهْرِ (أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا فَادَّعَى أَنَّهُ) أَيْ النَّهْرَ (لَهُ وَقَصَدَ إجْرَاءَهُ لَا يُسْمَعُ بِلَا بَيِّنَةٍ أَنَّهُ) أَيْ النَّهْرَ (لَهُ أَوْ أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَقُّ الْإِجْرَاءِ) فِي هَذَا النَّهْرِ يَسُوقُهُ إلَى أَرْضِهِ لِسَقْيِهَا فَيُقْضَى لَهُ بِهِ لِإِثْبَاتِهِ بِالْحُجَّةِ مِلْكَ الرَّقَبَةِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِيهِ أَوْ حَقَّ الْإِجْرَاءِ بِإِثْبَاتِ الْجَرْيِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْمِلْكِ (وَعَلَى هَذَا الْمَصَبُّ فِي نَهْرٍ أَوْ سَطْحٍ وَالْمِيزَابُ وَالْمَمْشَى فِي دَارِ الْغَيْرِ) فَحُكْمُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا نَظِيرُهُ فِي الشِّرْبِ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ بِالْوَاوِ فِي الْمِيزَابِ وَالْمَمْشَى لَكِنَّ الظَّاهِرَ بِأَوْ فِيهِمَا تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ اخْتَصَمَ جَمَاعَةٌ فِي شِرْبٍ) أَيْ نَهْرٍ بَيْنَ قَوْمٍ اخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ فَالنَّهْرُ (بَيْنَهُمْ قُسِّمَ) الشِّرْبُ (عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيِهِمْ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشِّرْبِ سَقْيُ الْأَرَاضِي وَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْأَرَاضِي وَكَثْرَتِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الشِّرْبِ بِقَدْرِ أَرَاضِيِهِ وَبِقَدْرِ حَاجَتِهِ بِخِلَافِ الطَّرِيقِ إذَا اخْتَلَفَ فِيهِ الشُّرَكَاءُ حَيْثُ يَسْتَوُونَ فِي مِلْكِ رَقَبَةِ الطَّرِيقِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ
стр. 1325
سَعَةُ الدَّارِ وَضِيقُهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ التَّطَرُّقُ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ الْوَاسِعَةِ وَالضَّيِّقَةِ.
(وَيُمْنَعُ الْأَعْلَى) مِنْهُمْ (مِنْ سَكْرِ النَّهْرِ) أَيْ مِنْ سَدِّهِ يَعْنِي إذَا كَانَ أَرْضُ الْأَعْلَى مِنْهُمْ مُرْتَفِعَةً وَالْمَاءُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ سَقْيُ أَرْضِهِ بِتَمَامِهَا إلَّا بِسَدِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ يَكُونُ مَحْبُوسًا عَنْ الْبَاقِينَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ وَفِيهِ مَنْعٌ لِحَقِّهِمْ فَلَوْ انْحَدَرَ الْمَاءُ مِنْ الْجَبَلِ إلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَانْتَشَرَ لَا يُمْنَعُ الْأَعْلَى مِنْهُ بَلْ يَكُونُ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ يَدُهُ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يَشْرَبُ بِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ فِي أَرْضِهِ بِدُونِ السَّكْرِ انْتَهَى (بِلَا رِضَاهُمْ) أَيْ بِلَا رِضَى الشُّرَكَاءِ الْبَاقِيَةِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ تَشْرَبْ أَرْضُهُ) أَيْ الْأَعْلَى (بِدُونِهِ) أَيْ السَّكْرِ فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ الْأَعْلَى النَّهْرَ حَتَّى يَشْرَبَ بِحِصَّتِهِ أَوْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فِي نَوْبَتِهِ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْكُرَ بِلَوْحٍ أَوْ بَابٍ لَا يَسْكُرُ بِمَا يَنْكَبِسُ بِهِ النَّهْرُ كَالطِّينِ وَالتُّرَابِ مِنْ غَيْرِ تَرَاضٍ لِكَوْنِهِ إضْرَارًا بِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَسْكُرْ بِاللَّوْحِ فَبِالتُّرَابِ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي النَّهْرِ بِحَيْثُ لَا يَجْرِي إلَى أَرْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا بِالسَّكْرِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِأَهْلِ الْأَسْفَلِ حَتَّى يَرْوُوا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْأَعْلَى أَنْ يَسْكُرُوا لِيَرْتَفِعَ الْمَاءُ إلَى أَرَاضِيِهِمْ.
(وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الشُّرَكَاءِ (أَنْ يَشُقَّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ (نَهْرًا أَوْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًى أَوْ) يَنْصِبَ عَلَيْهِ (دَالِيَةً) وَهِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ " جرخ آب " (أَوْ) يَنْصِبَ عَلَيْهِ (جِسْرًا) وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُتَّخَذُ مِنْ الْخَشَبَةِ وَالْأَلْوَاحِ عَلَى النَّهْرِ (بِلَا إذْنِ الْبَقِيَّةِ) إذْ بِالشَّقِّ يَكْسِرُ ضِفَّةَ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ وَبِالنَّصْبِ يَتَغَيَّرُ عَنْ سَنَنِهِ الَّذِي كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِ وَتَسُدُّ جَانِبَ النَّهْرِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ شَرِيكِهِ (إلَّا رَحًى فِي مِلْكِهِ وَلَا تَضُرُّ بِالنَّهْرِ وَلَا بِمَائِهِ) أَيْ إلَّا إذَا وَضَعَ رَحًى فِي مِلْكِهِ بِأَنْ وَقَعَ فِي بَطْنِ النَّهْرِ وَكَانَ جَانِبَاهُ مِلْكًا لَهُ وَلِلْآخَرِ حَقُّ التَّسْيِيلِ حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالنَّهْرِ مِنْ كَسْرِ ضِفَّتِهِ وَلَا بِالْمَاءِ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ سَنَنِهِ فَيَجُوزُ كَمَا ذُكِرَ آنِفًا (وَلَا أَنْ يُوَسِّعَ فَمَ النَّهْرِ) أَيْ نَهْرَهُ فِي أَرْضِهِ لِأَنَّهُ يَكْسِرُ طَرَفَ أَصْلِ النَّهْرِ وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ فِي أَخْذِ الْمَاءِ (وَلَا أَنْ يَقْسِمَ بِالْأَيَّامِ أَوْ مُنَاصَفَةً بَعْدَ كَوْنِ الْقِسْمَةِ) مِنْ الْقَدِيمِ (بِالْكِوَى) بِكَسْرِ الْكَافِ جَمْعُ كَوَّةٍ بِفَتْحِهَا وَقَدْ يُضَمُّ الْكَافُ فِي الْمُفْرَدِ فَالْجَمْعُ كُوًى كَعُرْوَةٍ وَعُرًى وَيَجُوزُ فِيهِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَالْمُرَادُ ثَقْبٌ فِي الْخَشَبِ أَوْ الْحَجَرِ لِيَجْرِيَ الْمَاءُ إلَى الْمَزَارِعِ أَوْ الْجَدَاوِلِ أَيْ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْسِمَ بِالْأَيَّامِ وَلَا مُنَاصَفَةَ مَعَ أَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ كَانَتْ مِنْ الْقَدِيمِ بِالْكِوَى وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمَ بِالْكِوَى وَقَدْ كَانَتْ بِالْأَيَّامِ لِأَنَّ الْقَدِيمَ يُتْرَكُ عَلَى قِدَمِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْكُلُّ (وَلَا أَنْ يَزِيدَ كَوَّةً) أَيْ لَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ كُوًى مُسَمَّاةً فِي نَهْرٍ خَاصٍّ لَيْسَ لِوَاحِدٍ أَنْ يَزِيدَ كَوَّةً.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَضُرَّ بِالْبَاقِينَ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ خَاصَّةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْكُوَى فِي النَّهْرِ الْأَعْظَمِ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَشُقَّ
стр. 1326
نَهْرًا مِنْهُ ابْتِدَاءً فَكَانَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْكُوَى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَلَا أَنْ يَنْقُصَ بَعْضٌ كُوَاهُ) .
وَفِي التَّبْيِينِ وَلَوْ أَرَادَ الْأَعْلَى مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ النَّهْرِ الْخَاصِّ وَفِيهِ كُوًى بَيْنَهُمَا أَنْ يَسُدَّ بَعْضَهَا دَفْعًا لِفَيْضِ الْمَاءِ عَنْهَا كَيْ لَا تَنْزِلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْآخَرِ وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ النَّهْرَ مُنَاصَفَةً لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِالْكِوَى تَقَدَّمَتْ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا.
(وَلَا) أَيْ لَيْسَ لِوَاحِدٍ (أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى لَهُ لَيْسَ لَهَا) أَيْ لِلْأَرْضِ الْأُخْرَى (مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ (شِرْبٌ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَدَّعِيَ رَبُّ الْأَرْضِ بِتَقَادُمِ الْعَهْدِ حَقًّا لِتِلْكَ الْأَرْضِ فِي الشِّرْبِ وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَسُوقَ شِرْبَهُ فِي أَرْضِهِ الْأُولَى حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ إذْ الْأَرْضُ الْأُولَى تُنَشِّفُ بَعْضَ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَسْقِيَ الْأُخْرَى (فَإِنْ رَضِيَ الْبَقِيَّةُ) أَيْ بَقِيَّةُ الشُّرَكَاءِ (بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ النَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ وَالْقِسْمَةِ مِنْ الْأَيَّامِ وَغَيْرِهَا (جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَلَهُمْ إسْقَاطُهُ (وَلَهُمْ) أَيْ لِلْبَقِيَّةِ (نَقْضُهُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ وَلِوَرَثَتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ) لِأَنَّهُ إعَارَةُ الشِّرْبِ لَا مُبَادَلَةً لِأَنَّ مُبَادَلَةَ الشِّرْبِ بِالشِّرْبِ بَاطِلَةٌ وَكَذَا إجَارَةُ الشِّرْبِ لَا تَجُوزُ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَتَعَيَّنَتْ الْإِعَارَةُ وَهَذَا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِالْكِوَى قَدْ تَمَّتْ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْقُضَ تِلْكَ الْقِسْمَةِ فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعِيرًا نَصِيبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعُ فِيهَا هُوَ وَوَرَثَتُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَالشِّرْبُ يُورَثُ) لِكَوْنِهِ حَقًّا مَالِيًّا فَيَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ (وَيُوصَى بِالِانْتِفَاعِ بِهِ) أَيْ بِعَيْنِهِ لَا بِرَقَبَتِهِ إذْ الْوَصِيَّةُ كَالْإِرْثِ فِي الثُّبُوتِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَصِيرُ حُكْمُهَا كَحُكْمِهِ وَجَهَالَةُ الْمُوصَى بِهِ لَا تَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ لِأَنَّهَا مِنْ أَوْسَعِ الْعُقُودِ حَتَّى جَازَتْ لِلْمَعْدُومِ بِالْمَعْدُومِ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
(وَلَا يُبَاعُ) الشِّرْبُ (وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُوجَرُ وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ) بِلَا أَرْضٍ لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ وَعَدَمِ تَصَوُّرِ الْقَبْضِ وَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ شِرْبَ إنْسَانٍ بِأَنْ سَقَى أَرْضَهُ مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ لَا يَضْمَنُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَا يُبَاعُ الشِّرْبُ فِي دَيْنِ صَاحِبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدُونِ أَرْضٍ كَمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَكَيْفَ يَصْنَعُ الْإِمَامُ وَالْأَصَحُّ أَنْ يُضَمَّ إلَى أَرْضٍ لَا شِرْبَ لَهُ فَيَبِيعُهَا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ مَعَ الشِّرْبِ وَبِدُونِهِ فَيَصْرِفُ التَّفَاوُتَ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ اشْتَرَى عَلَى تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ شِرْبٍ ثُمَّ ضَمَّ الشِّرْبَ إلَيْهَا وَبَاعَهَا فَيَصْرِفُ الثَّمَنَ إلَى ثَمَنِ الْأَرْضِ وَالْفَاضِلَ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ.
(وَلَا يُجْعَلُ) الشِّرْبُ (مَهْرًا) حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ الشِّرْبُ مَهْرًا لَهَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَيْهِ لَا الشِّرْبُ (وَلَا) يُجْعَلُ (بَدَلُ صُلْحٍ) فَيَكُونُ الْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ (وَلَا يَضْمَنُ مَنْ مَلَأَ أَرْضَهُ فَنَزَّتْ
стр. 1327
أَرْض جَارِهِ) أَوْ غَرِقَتْ لِأَنَّهُ مُسَبِّبٌ وَلَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِيهِ فَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِيهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْلَأَ أَرْضَهُ مَاءً وَيَسْقِيَهَا كَمَا فِي الْمِنَحِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ هَذَا إذَا سَقَى فِي نَوْبَتِهِ مِقْدَارَ حَقِّهِ وَأَمَّا إذَا سَقَى فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ أَوْ زَادَ عَلَى حَقِّهِ يَضْمَنُ عَلَى مَا قَالَ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ وَذَكَرَهُ فِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ إذَا سَقَى سَقْيًا غَيْرَ مُعْتَادٍ فَتَعَدَّى ضَمِنَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(وَلَا يَضْمَنُ مَنْ سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ) لِأَنَّ الشِّرْبَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَهُوَ مُخْتَارُ الْإِمَامِ الْمَعْرُوفِ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الزَّاهِدِيِّ مَنْ سَقَى مِنْ شِرْبِ غَيْرِهِ يُرْفَعُ إلَى السُّلْطَانِ لِيُؤَدِّبَهُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَإِنْ أَخَذَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ يُؤَدِّبُهُ السُّلْطَانُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ إنْ رَأَى ذَلِكَ.
[كِتَاب الْأَشْرِبَة]
ذَكَرَ الْأَشْرِبَةَ بَعْدَ الشِّرْبِ لِأَنَّهُمَا شُعْبَتَا عِرْقٍ وَاحِدٍ لَفْظًا وَمَعْنًى وَقَدَّمَ الشِّرْبَ لِمُنَاسَبَتِهِ لِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَمِنْ مَحَاسِنِهِ بَيَانُ حُرْمَتِهَا إذْ لَا شُبْهَةَ فِي حُسْنِ تَحْرِيمِ مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ الَّذِي هُوَ مَلَاكُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشُكْرُ إنْعَامِهِ فَإِنْ قِيلَ مَا بَالُهُ حَلَّ لِلْأُمَمِ السَّالِفَةِ مَعَ احْتِيَاجِهِمْ إلَى ذَلِكَ قُلْتُ بِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَحُرْمَةُ شُرْبِ الْقَلِيلِ عَلَيْنَا كَرَامَةً لَنَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِئَلَّا نَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ وَنَحْنُ مَشْهُودٌ لَنَا بِالْحُرْمَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا سِوَى الْفُرُوجِ الْإِبَاحَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَالَ ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِعَارِضِ نَصٍّ مُطْلَقٍ أَوْ خَبَرٍ مَرْوِيٍّ فَمَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ الدَّلَائِلِ الْمُحَرِّمَةِ فَهِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَقَدْ دَلَّ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الْآيَةَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﵊ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ فَالشَّرَابُ لُغَةً اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ مَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَلَالًا أَوْ غَيْرَهُ وَاصْطِلَاحًا مَا هُوَ مُسْكِرٌ وَمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرَةٍ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ أَيْ شُرْبُ الْأَشْرِبَةِ وَأُصُولُهَا الثِّمَارُ كَالْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحُبُوبَاتِ كَالْبُرِّ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْحَلَاوَاتِ كَالسُّكَّرِ وَالْفَانِيذِ وَالْعَسَلِ وَالْأَلْبَانِ كَلَبَنِ الْإِبِلِ وَالرِّمَاكِ وَالْمُتَّخَذُ مِنْ الْعِنَبِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ أَوْ سِتَّةٌ ثَلَاثَةٌ وَمِنْ الزَّبِيبِ اثْنَانِ وَمِنْ كُلِّ الْبَوَاقِي وَاحِدٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَوْعَيْنِ وَمَطْبُوخٌ كَمَا سَيَأْتِي.
(تَحْرُمُ الْخَمْرُ) وَإِنْ قَلَّتْ (وَهِيَ النِّيُّ)
стр. 1328
بِكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ (مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَا) مِنْ غَلَا يَغْلِي غَلْيًا وَغَلَيَانًا أَيْ صَارَ أَسْفَلُهُ أَعْلَى (وَاشْتَدَّ) أَيْ قَوِيَ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُسْكِرًا (وَالْقَذْفُ بِالزَّبَدِ) بِالتَّحْرِيكِ أَيْ رَمْيُهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّبَدِ فَيَصْفُو وَيَرِقُّ (شَرْطٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْغَلَيَانَ بِدَايَةُ الشِّدَّةِ وَالْقَذْفِ بِالزَّبَدِ، وَالسُّكُونُ كَمَالُ الشِّدَّةِ إذْ بِهِ يَتَمَيَّزُ الصَّافِي عَنْ الْكَدِرِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِأَنَّ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَذْفُ بِالزَّبَدِ لِأَنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًا قَبْلَ الْقَذْفِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَالْغَلَيَانُ وَالشِّدَّةُ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَلَا يُحَدُّ بِدُونِ الْقَذْفِ احْتِيَاطًا بِهِ قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَخَصَّ اسْمَ الْخَمْرِ بِالنِّيِّ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاسْتُعْمِلَ فِيهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَفْظُ الْخَمْرِ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ نِيًّا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا مِنْ مَاءِ عِنَبٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مُسْكِرٍ وَأُجِيبَ عَنْهُ إنَّمَا سُمِّيَ هَذَا خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ وَهُوَ الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ أَوْ لِاخْتِمَارِهِ وَهُوَ تَغَيُّرُ رِيحِهِ لَا لِلْمُخَامَرَةِ وَلَوْ سُلِّمَ إنَّمَا سُمِّيَ لِمُخَامَرَتِهِ الْعَقْلَ وَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ يُسَمَّى خَمْرًا كَالنَّجْمِ لِأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ بِالْكَوَاكِبِ لِظُهُورِهِ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا ظَهَرَ يُسَمَّى نَجْمًا مَعَ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ فِي الْوَضْعِ تُعْتَبَرُ تَارَةً كَمَا فِي النَّجْمِ وَالْخَمْرِ وَقَدْ لَا تُعْتَبَرُ تَارَةً كَمَا فِي الْحَجَرِ وَالْجِدَارِ.
(وَ) يَحْرُمُ (الطِّلَاءُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَمَدِّ الْأَلْفِ (وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ (فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ) كَمَا فِي الْوِقَايَةِ وَالْكَنْزِ لَكِنْ فِي التَّبْيِينِ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ الطِّلَاءُ اسْمٌ لِلْمُثَلَّثِ وَهُوَ مَا إذَا طُبِخَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ وَصَارَ مُسْكِرًا وَهُوَ الصَّوَابُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ الطِّلَاءِ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ عَلَى مَا يَجِيءُ مِنْ قَرِيبٍ وَيُؤَيِّدُ الْمُحِيطُ تَفْسِيرَ الْجَوْهَرِيِّ إيَّاهُ بِمَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ كَمَا فِي الْمَتْنِ اعْتَبَرَ الذَّاهِبَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثَيْهِ وَيُسَمَّى الْبَاذَقُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ الذَّاهِبُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ الذَّاهِبُ ثُلُثَيْنِ (فَإِنْ ذَهَبَ نِصْفُهُ) بِالطَّبْخِ وَبَقِيَ النِّصْفُ (سُمِّيَ مُنَصَّفًا وَإِنْ طُبِخَ بِأَدْنَى طَبْخَةٍ سُمِّيَ بَاذِقًا) اسْمٌ لِمَا يُطْبَخُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ النِّصْفِ بَعْدَمَا صَارَ مُسْكِرًا (إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ) وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عَلَى الِاخْتِلَافِ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ مُلِذٌّ مُطْرِبٌ يَدْعُو قَلِيلُهُ إلَى كَثِيرِهِ
стр. 1329
كَالْخَمْرِ وَلِهَذَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْفُسَّاقُ فَيَحْرُمُ شُرْبُهُ دَفْعًا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَسَادُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنَّهُ مُبَاحٌ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّهُ مَشْرُوبٌ طَيِّبٌ وَلَيْسَ بِخَمْرٍ.
(وَ) يَحْرُمُ (السَّكَرُ) وَفِي الْمَغْرِبِ بِفَتْحَتَيْنِ عَصِيرُ الرُّطَبِ وَلِهَذَا قَالَ (وَهُوَ الْأَحْمَزَ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ) .
وَفِي الْمِنَحِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ سَكَرَتْ الرِّيحُ إذَا سَكَنَتْ فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِنَبِيذِ التَّمْرِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ السَّكَرُ هُوَ الْأَحْمَزَ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ أَيْ الرُّطَبِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ إنَّمَا فَسَّرَ التَّمْرَ بِالرُّطَبِ لِأَنَّ الْمُتَّخَذَ مِنْ مَاءِ التَّمْرِ اسْمُهُ نَبِيذُ التَّمْرِ لَا السَّكَرِ وَهُوَ حَلَالٌ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ فَبَيْنَ قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ وَالْفُقَهَاءِ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ فَلْيُتَأَمَّلْ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ (إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ) وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ وَقِيلَ حَلَالٌ.
وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ مُبَاحٌ وَإِنْ قَذَفَ بِالزَّبَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] لِأَنَّ الذِّكْرَ وَقَعَ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ وَهِيَ لَا تَتَحَقَّقُ بِالْمُحَرَّمِ قِيلَ فِي جَوَابِهِ إنَّ تَوْصِيفَ الْمَعْطُوفِ بِالْحَسَنِ لَا يَخْلُو عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيُجَامِعُ أَنَّ الِامْتِنَانَ مَشُوبٌ بِالتَّوْبِيخِ هُوَ تَتَّخِذُونَ سَكَرًا وَتَدَعُونَ رِزْقًا حَسَنًا.
(وَ) يَحْرُمُ (نَقِيعُ الزَّبِيبِ) وَهِيَ الْأَحْمَزَ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ (إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ) وَيَتَأَتَّى فِيهِ خِلَافُ الْأَوْزَاعِيِّ (وَاشْتَرَطَ قَذْفَ الزَّبَدِ فِيهِنَّ) أَيْ فِي النَّقِيعِ وَالسَّكَرِ وَالطِّلَاءِ (عَلَى مَا فِي الْخَمْرِ) أَيْ عَلَى الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِيهَا (وَالْكُلُّ) مِنْ الطِّلَاءِ وَالْمُنَصَّفِ وَالْبَاذِقِ وَالسَّكَرِ وَالنَّقِيعِ (حَرَامٌ) لِحَدِيثِ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَلَعَلَّهُ لِإِخْلَالِهِ بِسَلَامَةِ الْعَقْلِ (وَحُرْمَتُهَا) أَيْ حُرْمَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (دُونَ) حُرْمَةِ (الْخَمْرِ فَنَجَاسَةُ الْخَمْرِ غَلِيظَةٌ) رِوَايَةً وَاحِدَةً كَالْبَوْلِ لِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ (وَنَجَاسَةُ هَذِهِ) الْأَشْيَاءِ (مُخْتَلَفٌ فِي غِلْظَتِهَا وَخِفَّتِهَا) فَإِنَّ نَجَاسَتَهَا خَفِيفَةٌ فِي رِوَايَةٍ.
(وَيُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّ الْخَمْرِ) لِإِنْكَارِهِ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ (دُونَ هَذِهِ) الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ بَلْ اجْتِهَادِيَّةٌ (وَيُحَدُّ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِنْ الْخَمْرِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يُسْكِرْ بِخِلَافِ هَذِهِ) الْأَشْيَاءِ أَيْ لَا يُحَدُّ فِيهَا مَا لَمْ يَسْكَرْ مِنْهَا لِأَنَّ الْحَدَّ وَرَدَ فِي النِّيّ خَاصَّةً وَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْمَطْبُوخِ (وَيَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ) الْأَشْيَاءِ وَ (وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهَا) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) كَمَا مَرَّ فِي الْغَصْبِ (وَفِي الْخَمْرِ عَدَمُ جَوَازِ الْبَيْعِ وَعَدَمُ الضَّمَانِ) عَلَى الْمُتْلِفِ (إجْمَاعٌ) أَمَّا عَدَمُ جَوَازِ الْبَيْعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَأَكْلَ ثَمَنِهَا» وَأَمَّا عَدَمُ الضَّمَانِ فَلِسُقُوطِ تَقَوُّمِهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ (وَلَوْ طُبِخَتْ الْخَمْرُ أَوْ غَيْرُهَا) مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ (بَعْدَ الِاشْتِدَادِ لَا تَحِلُّ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (ذَهَبَ الثُّلُثَانِ) وَبَقِيَ الثُّلُثُ لِأَنَّ الطَّبْخَ لِلْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ
стр. 1330
الْحُرْمَةِ لَا لِرَفْعِهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا (لَكِنْ قِيلَ لَا يُحَدُّ) مَنْ شَرِبَ ذَلِكَ الْمَطْبُوخَ (مَا لَمْ يَسْكَرْ) لِأَنَّ الْحَدَّ فِي الْقَلِيلِ وَرَدَ فِي النِّيّ وَالطَّبْخُ يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَالْحَدُّ يَنْدَرِئُ بِهَا وَعِنْدَ السُّكْرِ يُلْحَقُ بِالْخَمْرِ.
(وَيَحِلَّ نَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ) وَهُوَ أَنْ يُطْبَخَ إلَى أَنْ يَنْضَجَ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (اشْتَدَّ) بِمُكْثِهِ (مَا لَمْ يَسْكَرْ) بِلَا نِيَّةِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ بَلْ بِنِيَّةِ تَقَوٍّ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَنْتَبِذُوا الرُّطَبَ وَالزَّبِيبَ مَعًا وَلَكِنْ انْتَبَذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ» وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُتَّخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فُرَادَى مُبَاحٌ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَطْبُوخِ مِنْهُ إذْ الْأَحْمَزَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ جَمَعَ فِي الطَّبْخِ بَيْنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ لِأَنَّ التَّمْرَ إنْ كَانَ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَدْنَى طَبْخَةٍ فَعَصِيرُ الْعِنَبِ لَا بُدَّ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ فَيُعْتَبَرُ جَانِبُ الْعِنَبِ احْتِيَاطًا وَكَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَقِيعِ التَّمْرِ لِمَا قُلْنَا انْتَهَى هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ تَتَبَّعْ.
(وَكَذَا) يَحِلُّ (نَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَنَبِيذُ الْحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ وَهَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» وَأَشَارَ إلَى الْكَرْمَةِ وَالنَّخْلَةِ خَصَّ التَّحْرِيمَ بِهِمَا وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ انْتَهَى لَكِنْ يُنَافِي قَوْلُهُ ﵊ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى سُكْرٍ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ يُتَّخَذُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ غَيْرِ الْخَمْرِ كَمَا فِي التَّسْهِيلِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ قَلِيلُهُ حَرَامٌ» .
وَقَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ثُبُوتَهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَدَحِ الْأَخِيرِ تَتَبَّعْ، فَإِنَّ أَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ مُضْطَرِبَةٌ (وَالْخَلِيطَيْنِ) مِنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ (طُبِخَتْ أَوْ لَا) هَذَا قَيْدٌ لِقَوْلِهِ وَكَذَا نَبِيذُ الْعَسَلِ إلَى هُنَا لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ وَلَا بَأْسَ بِالْخَلِيطَيْنِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ سَقَانِي ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - شَرْبَةً مَا كِدْتُ أَهْتَدِي إلَى أَهْلِي فَغَدَوْتُ إلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ مَا زِدْنَاكَ عَلَى عَجْوَةٍ وَزَبِيبٍ وَهَذَا مِنْ الْخَلِيطَيْنِ وَكَانَ مَطْبُوخًا لِأَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ نَقِيعُ الزَّبِيبِ كَانَ حَرَامًا وَهُوَ الْأَحْمَزَ مِنْهُ وَإِلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّنَاقُصِ وَمَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْخَلِيطِ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْقَحْطِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْإِبَاحَةُ فِي حَالَةِ السَّعَةِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا ظَهَرَ الْمُنَافَاةُ بَيْنَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ طُبِخَتْ أَوْ لَا وَبَيْنَ قَوْلِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ وَكَانَ مَطْبُوخًا لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا بَعْدَ الِاشْتِدَادِ وَقَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مَا طُبِخَتْ أَوْ لَا قَبْلَ الِاشْتِدَادِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ «نَنْتَبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1331
فِي مَسْقَاهُ فَيَأْخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ فَيَطْرَحُهُمَا فِيهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَيَنْتَبِذُهُ غَدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً وَيَنْتَبِذُهُ عَشِيَّةً فَيَشْرَبُهُ غَدْوَةً» فَعُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ الِاشْتِدَادِ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَدُّ فِي الْغَدْوَةِ وَكَذَا فِي الْعَشِيَّةِ غَالِبًا تَتَبَّعْ.
(وَكَذَا) يَحِلُّ (الْمُثَلَّثُ وَهُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ) وَبَقِيَ الثُّلُثُ وَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا خَرَجَ مِنْ الْقِدْرِ مِنْ شِدَّةِ الْغَلَيَانِ مِنْ الزَّبَدِ فَلَوْ طُبِخَ عَشْرَةُ أَصْوُعٍ مِنْ الْعَصِيرِ فَذَهَبَ صَاعٌ بِالزَّبَدِ طُبِخَ الْبَاقِي حَتَّى يَذْهَبَ سِتَّةٌ أَصْوُعٍ وَيَبْقَى الثُّلُثُ فَيَحِلُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْبَخَ مَوْصُولًا فَإِذَا انْقَطَعَ الطَّبْخُ ثُمَّ أُعِيدَ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ بِحُدُوثِ الْمَرَارَةِ وَغَيْرِهَا حَلَّ وَإِلَّا حَرُمَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (اشْتَدَّ) وَقَذَفَ مَا لَمْ يُسْكِرْ بِلَا نِيَّةِ لَهْوٍ وَطَرَبٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّهُ لِغِلْظَتِهِ لَا يَدْعُو إلَى إكْثَارِ شُرْبِهِ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ غَدَاءٌ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ قُبَيْلَهُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَاَلَّذِي يَصُبُّ الْمَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ حَتَّى يَرِقَّ ثُمَّ يَطْبُخَ طَبْخَةً فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُثَلَّثِ لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ لَا يَزِيدُهُ إلَّا ضَعْفًا بِخِلَافِ مَا إذَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْعَصِيرِ ثُمَّ يُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا كُلٍّ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمَاءَ يَذْهَبُ أَوَّلًا لِلَطَافَتِهِ أَوْ يَذْهَبُ مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ الذَّاهِبُ ثُلُثَيْ مَاءِ الْعِنَبِ (وَفِي الْحَدِّ بِالسُّكْرِ مِنْهَا) إلَى مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ) أَيْ وُجُوبُ الْحَدِّ لِأَنَّ الْفُسَّاقَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ بَلْ فَوْقَ ذَلِكَ.
(وَوُقُوعُ طَلَاقٍ مِنْ سُكْرٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (تَابِعٌ لِلْحُرْمَةِ) فَمَنْ قَالَ إنَّهَا حَرَامٌ يَقَعُ طَلَاقُ مَنْ سَكِرَ مِنْهَا وَمَنْ قَالَ إنَّهَا حَلَالٌ لَا يَقَعُ طَلَاقُ مَنْ سَكِرَ مِنْهَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ وَذَهَابِ الْعَقْلِ بِالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ (وَالْكُلُّ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ (يُفْتَى) لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ قَوْلِهِمَا وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ (وَالْخِلَافُ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخَيْنِ (إنَّمَا هُوَ عِنْدَ قَصْدِ التَّقَوِّي) بِشُرْبِهَا (أَمَّا عِنْدَ قَصْدِ التَّلَهِّي فَحَرَامٌ إجْمَاعًا) فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالْإِجْمَاعِ
стр. 1332
لِأَنَّ التَّلَهِّي حَرَامٌ وَمَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَامِ فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا.
(وَخَلُّ الْخَمْرِ حَلَالٌ) لِزَوَالِ اشْتِدَادِهَا الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْحُرْمَةِ.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (خُلِّلَتْ بِعِلَاجٍ) بِإِلْقَاءِ مِلْحٍ أَوْ خَلٍّ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ ﵊ «خَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ» وَلِأَنَّ التَّخْلِيلَ إصْلَاحٌ كَدَبْغِ الْجِلْدِ بِإِزَالَةِ صِفَةِ الْإِسْكَارِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُكْرَهُ تَخْلِيلُهَا وَلَا يَحِلُّ الْخَلُّ الْحَاصِلُ بِهِ إنْ كَانَ التَّخْلِيلُ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ أَجْزَاءِ الْخَمْرِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ فَلَهُ فِي الْخَلِّ الْحَاصِلِ بِهِ قَوْلَانِ ثُمَّ إذَا صَارَتْ خَلًّا يَطْهُرُ مَا يُوَازِيهَا مِنْ الْإِنَاءِ وَأَمَّا أَعْلَاهُ وَهُوَ الَّذِي انْتَقَصَ مِنْهُ الْخَمْرُ فَقَدْ قِيلَ يَطْهُرُ تَبَعًا وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ وَلَوْ غُسِلَ بِالْخَلِّ فَخُلِّلَ مِنْ سَاعَتِهِ طَهُرَ لِلِاسْتِحَالَةِ.
(وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ) أَيْ اتِّخَاذِ النَّبِيذِ (فِي الدُّبَّاءِ) وَهُوَ الْقَرْعُ (وَالْحَنْتَمِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَهُوَ الْجَرَّةُ الْخَضْرَاءُ وَقِيلَ هُوَ الْجَرَّةُ الْحَمْرَاءُ يُحْمَلُ فِيهَا الْخَمْرُ وَيُؤَدَّى بِهَا مِنْ نَوَاحِي الْيَمَنِ (وَالْمُزَفَّتِ) هُوَ الْوِعَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ (وَالنَّقِيرِ) هُوَ الْخَشَبُ الْمَنْقُورُ لِأَنَّ هَذِهِ الظُّرُوفَ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِالْخَمْرِ فَلَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ حُرِّمَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الظُّرُوفِ تَشْدِيدًا فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِيَتْرُكَهُ النَّاسُ فَلَمَّا مَضَتْ الْأَيَّامُ أُبِيحَ اسْتِعْمَالُهَا لِاسْتِقْرَارِ الْأَمْرِ بِالتَّمَامِ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهَا الْخَمْرُ ثُمَّ انْتَبَذَ فِيهَا يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الْوِعَاءُ عَتِيقًا يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ وَإِنْ جَدِيدًا لَا يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِتَشَرُّبِهِ الْخَمْرَ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَتِيقِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُمْلَأُ مَاءً مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى إذَا خَرَجَ الْمَاءُ صَافِيًا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ الْخَمْرَ إذَا صَارَتْ خَلًّا يَطْهُرُ الظَّرْفُ كُلُّهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ التَّكَلُّفِ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَدْرِ الشَّهِيدِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّ بُخَارَ الْخَلِّ يَرْتَفِعُ إلَى أَعْلَاهُ فَيَطْهُرُ كُلُّهُ.
(وَيُكْرَهُ شُرْبُ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ) وَهُوَ مَا يَبْقَى فِي أَسْفَلِهِ (وَالِامْتِشَاطُ بِهِ) أَيْ بِدُرْدِيِّ الْخَمْرِ وَإِنَّمَا خَصَّ الِامْتِشَاطَ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ حَرَامٌ لِأَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي تَحْسِينِ الشَّعْرِ وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ الْحُرْمَةُ لِأَنَّ فِيهِ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَلِذَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوِقَايَةِ وَحُرِّمَ شُرْبُ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ (وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ بِلَا سُكْرٍ) لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ لِلزَّجْرِ عَنْ الْمَيْلِ وَالطَّبْعُ لَا يَمِيلُ إلَى الدُّرْدِيِّ فَقَلِيلُهُ لَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ يُحَدُّ لِأَنَّهُ شُرْبُ جُزْءٍ مِنْ الْخَمْرِ.
(وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ) لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالنَّجَسِ حَرَامٌ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ (وَلَا) يَجُوزُ (أَنْ يُدَاوَى بِهَا) أَيْ بِالْخَمْرِ (جُرْحٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ يُدَاوِيَ بِهَا (دَبَرَ دَابَّةٍ) لِأَنَّهُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ وَالدَّبَرُ بِالتَّحْرِيكِ قُرْحَةُ دَابَّةٍ (وَلَا تُسْقَى آدَمِيًّا وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (صَبِيًّا لِلتَّدَاوِي) كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ (وَلَا تُسْقَى الدَّوَابَّ) مُطْلَقًا (وَقِيلَ) إنْ أُرِيدَ سَقْيُ
стр. 1333
الدَّوَابِّ (لَا يَحْمِلُ الْخَمْرَ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الدَّابَّةِ (فَإِنْ قُيِّدَتْ) أَيْ الدَّابَّةُ (إلَى الْخَمْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْقَوْدِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حَامِلَهَا (كَمَا فِي الْكَلْبِ مَعَ الْمَيْتَةِ) فَإِنَّهُ إنْ دَعَاهُ إلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ حَمَلَهَا إلَيْهِ لَا يَجُوزُ (وَلَا بَأْسَ بِإِلْقَاءِ الدُّرْدِيِّ فِي الْخَلِّ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَلًّا (لَكِنْ بِحَمْلِ الْخَلِّ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الدُّرْدِيِّ (دُونَ عَكْسِهِ) أَيْ لَا يَحْمِلُ الدُّرْدِيَّ إلَيْهِ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يُحْمَلُ.
[كِتَاب الصَّيْد]
مُنَاسَبَةُ كِتَابِ الصَّيْدِ لِكِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالصَّيْدِ مِمَّا يُورِثُ السُّرُورَ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الصَّيْدَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْأَشْرِبَةِ غَيْرُ خَفِيَّةٍ ثُمَّ كَمَا أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ حَلَالٌ وَحَرَامٌ كَذَلِكَ مِنْ الصَّيُودِ مَا هُوَ حَلَالٌ وَحَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْأَشْرِبَةَ لِحُرْمَتِهَا اعْتِنَاءً بِالِاحْتِرَازِ عَنْهَا وَمَحَاسِنُهَا مَحَاسِنُ الْمَكَاسِبِ وَلِأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقَ مِنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَسَبَبُهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الصَّائِدِ فَقَدْ يَكُونُ لِلْحَاجَةِ وَقَدْ يَكُونُ إظْهَارًا لِلْجَلَادَةِ وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّفَرُّجِ (هُوَ) أَيْ الصَّيْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى (الِاصْطِيَادِ) ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِلْمَصِيدِ الْمُمْتَنِعِ بِقَوَائِمِهِ أَوْ بِجَنَاحَيْهِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَفْعُولِ كَضَرْبِ الْأَمِيرِ (وَهُوَ جَائِزٌ بِالْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ) مِنْ الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ وَالْبَاشِقِ وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهَا وَقَيَّدَهُ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ بِشَرْطِ قَابِلِيَّةِ التَّعْلِيمِ وَبِشَرْطِ كَوْنِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُصَادُ بِهِ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ فَلَا يَجُوزُ الصَّيْدُ بِدُبٍّ وَأَسَدٍ لِعَدَمِ قَابِلِيَّةِ التَّعْلِيمِ وَلَا يَجُوزُ بِالْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الِاصْطِيَادُ بِالْكَلْبِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي حِلِّ الِاصْطِيَادِ بِهِ بِخُصُوصِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] أَيْ صَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الطَّيِّبَاتِ وَالْجَوَارِحُ الْكَوَاسِبُ وَالْجَرْحُ الْكَسْبُ وَالْمُكَلِّبِينَ الْمُسَلَّطِينَ وَقِيلَ أَنْ يَكُونَ جَارِحَةً بِنَابِهَا وَمِخْلَبِهَا حَقِيقَةً وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَيُشْتَرَطُ الْجِرَاحَةُ حَقِيقَةً عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْجَرْحِ مِنْ الْكَوَاسِبِ عَمَلًا بِالْمُتَيَقَّنِ بِهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ مُكَلِّبِينَ مُعَلِّمِينَ الِاصْطِيَادَ تُعَلِّمُونَهُنَّ تُؤَدِّبُونَهُنَّ وَالْمُعَلَّمُ مِنْ الْكِلَابِ مُؤَدَّبُهَا ثُمَّ عَمَّ فِي كُلِّ مَا أَدَّبَ جَارِحَةً بَهِيمَةً كَانَتْ أَوْ طَيْرًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (وَالْمُحَدَّدُ مِنْ سَهْمٍ وَغَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَمَيْت سَهْمَك وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» .
(لِمَا يُؤْكَلُ لَا كُلَّهُ) أَيْ يَجُوزُ اصْطِيَادُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِمَا ذُكِرَ لِأَكْلِهِ.
(وَ) يَجُوزُ اصْطِيَادُ (مَا لَا يُؤْكَلُ) لَحْمُهُ (لِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَلَا يَخْتَصُّ بِمَأْكُولِ اللَّحْمِ قَالَ قَائِلُهُمْ
стр. 1334
صَيْدُ الْمُلُوكِ أَرَانِبُ وَثَعَالِبُ وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِي الْأَبْطَالُ وَلِأَنَّ صَيْدَهُ سَبَبُ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ أَوْ شَعْرِهِ أَوْ رِيشِهِ أَوْ لِاسْتِدْفَاعِ شَرِّهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحٌ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَلَا بُدَّ فِيهِ) أَيْ فِي الصَّيْدِ (مِنْ الْجَرْحِ) أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَمَاتَ بَعْدَ جُرْحِهِ يُؤْكَلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الذَّبْحَ الِاخْتِيَارِيَّ يَحْصُلُ بِالْجَرْحِ وَكَذَا الذَّبْحُ الِاضْطِرَارِيُّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْجَرْحُ لِأَنَّ الْجَوَارِحَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْكَوَاسِبِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أَيْ كَسَبْتُمْ لَا الْجَوَارِحَ بِالنَّابِ وَالْمِخْلَبِ حَقِيقَةً كَمَا مَرَّ قُبَيْلَهُ.
(وَ) لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ (كَوْنِ الْمُرْسِلِ) أَيْ مُرْسِلِ الْجَوَارِحِ (أَوْ الرَّامِي مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا) وَهُوَ يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ وَيَضْبِطُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الذَّبَائِحِ وَبِهِ يَصِيرُ أَهْلًا لِلذَّكَاةِ (وَأَنْ لَا يَتْرُكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا عِنْدَ الْإِرْسَالِ أَوْ الرَّمْيِ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلْ» شَرَطَ التَّسْمِيَةَ لِحِلِّ الْأَكْلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُشْتَرَطُ فِي رِوَايَةٍ قَيَّدَ بِالْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ نَاسِيًا حَلَّ أَيْضًا كَمَا مَرَّ فِي الذَّبَائِحِ (وَكَوْنُ الصَّيْدِ مُمْتَنِعًا) مِنْ الْآدَمِيِّ قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ بِالْقَوَائِمِ أَوْ الْجَنَاحَيْنِ مُتَوَحِّشًا قَالَ ابْنُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَالْحَيَوَانُ كَالظَّبْيِ وَالْأَرْنَبِ إذَا وَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ أَوْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ أَوْ كَانَ ضَعِيفًا مَجْرُوحًا هُوَ مُتَوَحِّشٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَإِذَا اسْتَأْنَسَ بِالْآدَمِيِّ هُوَ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُتَوَحِّشٍ فَلَا يَجْرِي الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ مِنْ الذَّبْحِ الِاضْطِرَارِيِّ وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا وَلَمْ يَكُنْ مُتَوَحِّشًا فِي الْأَصْلِ كَالْبَقَرِ لَا يَكُونُ صَيْدًا وَإِنْ كَانَ مُتَوَحِّشًا كَالذِّئْبِ وَالثَّعْلَبِ لَا يَكُونُ مِنْ الذَّبَائِحِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بَلْ يَكُونُ صَيْدًا يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ.
(وَ) لَا بُدَّ (أَنْ لَا يَقْعُدَ) الْمُرْسِلُ أَوْ الرَّامِي (عَنْ طَلَبِهِ بَعْدَ التَّوَارِي عَنْ بَصَرِهِ) إلَّا أَنْ يَقْعُدَ لِحَاجَةٍ إنْسَانِيَّةٍ كَقَضَاءِ حَاجَةٍ وَأَكْلٍ عَنْ جُوعٍ وَشُرْبٍ عَنْ عَطَشٍ وَصَلَاةٍ عَنْ فَرْضٍ وَجُلُوسٍ عَنْ عَيٍّ فَإِنْ قَعَدَ طَلَبَهُ بِلَا ضَرُورَةٍ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا يَحْرُمُ أَكْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَعَلَّ هَوَامَّ الْأَرْضِ قَتَلَتْهُ» كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ (وَ) لَا بُدَّ (أَنْ لَا يُشَارِكَ الْمُعَلَّمَ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ) بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا فَلَوْ أُرْسِلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ وَشَارَكَهُ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ فِي جَرْحِ صَيْدٍ لَمْ يُؤْكَلْ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْهُ مُمْكِنٌ فَيُرَجَّحُ الْمُحَرِّمُ احْتِيَاطًا وَلَوْ شَارَكَهُ فِي أَخْذِهِ دُونَ الْجَرْحِ كُرِهَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ (أَوْ) أَنْ لَا يُشَارِكَ الْمُعَلَّمَ (مُرْسَلٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مُضَافًا إلَى (مَنْ لَا يَحِلُّ إرْسَالُهُ) كَكَلْبِ الْمُرْتَدِّ وَالْوَثَنِيِّ أَوْ الْمَجُوسِيِّ أَوْ كَلْبٍ لَمْ يُرْسَلْ لِلصَّيْدِ أَوْ أُرْسِلَ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَأَنْ لَا تَطُولَ وَقْفَتُهُ) أَيْ وَقْفَةُ الْمُعَلَّمِ (بَعْدَ الْإِرْسَالِ) حَتَّى لَا يَنْقَطِعَ إرْسَالُهُ بِالتَّسْمِيَةِ (لِغَيْرِ إمْكَانٍ لِلصَّيْدِ) فَلَوْ وَقَفَ الْفَهْدُ وَكَمَنْ لِلِاحْتِيَالِ فِي الْأَخْذِ فَلَا يَحْرُمُ لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَتُهُ وَكَذَا لِبَعْضِ الْكِلَابِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ فَوْرَ الْإِرْسَالِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَيَجُوزُ بِكُلِّ جَارِحٍ عُلِّمَ) مِنْ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ (مِنْ ذِي نَابٍ أَوْ مِخْلَبٍ)
стр. 1335
أَخْذُ الصَّيْدِ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ مَا لَا نَابَ لَهُ وَلَا مِخْلَبَ لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ بِلَا ذَبْحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرَحْ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَيَثْبُتُ التَّعَلُّمُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ أَوْ بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا تَأْقِيتَ فِيهِ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ اجْتِهَادًا بَلْ سَمَاعًا وَلَا سَمَاعَ فَيُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ فِي جِنْسِهَا وَإِخْبَارِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طِبَاعِهَا (وَعِنْدَهُمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ يَثْبُتُ) التَّعَلُّمُ (فِي ذِي النَّابِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ ثَلَاثًا) لِأَنَّ تَرْكَهُ مَرَّةً يُحْمَلُ عَلَى الشِّبَعِ وَمَرَّتَيْنِ عَلَى التَّرْكِ بِالشَّكِّ وَإِذَا تَرَكَهُ ثَلَاثًا يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الِانْتِهَابِ وَالِاسْتِلَابِ يَقِينًا لِأَنَّ الثَّلَاثَ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلِاخْتِبَارِ وَإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ كَمَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
(وَ) يَثْبُتُ التَّعَلُّمُ (فِي ذِي الْمِخْلَبِ بِالْإِجَابَةِ إذَا دُعِيَ بَعْدَ الْإِرْسَالِ) وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَلِأَنَّ بَدَنَهُ لَا يَتَحَمَّلُ الضَّرْبَ لِلتَّعْلِيمِ كَمَا يَتَحَمَّلُ الْكَلْبُ وَنَحْوُهُ فَاكْتُفِيَ بِغَيْرَةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيمِ فَإِنَّ فِي طَبْعِهِ نُفُورًا فَيُعْرَفُ زَوَالُهُ بِرُجُوعِهِ بِالدُّعَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الرُّجُوعُ بِطَمَعِ اللَّحْمِ أَوْ لَا وَقِيلَ لَوْ كَانَ يَرْجِعُ بِلَا طَمَعٍ فَهُوَ مُعَلَّمٌ وَإِلَّا فَلَا وَأَمَّا مِثْلُ الْفَهْدِ مِمَّا يَتَحَمَّلُ الضَّرْبَ فَتَعَلُّمُهُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ وَالْإِجَابَةِ جَمِيعًا لِأَنَّ فِي طَبْعِهِ الِافْتِرَاسُ مَعَ النُّفُورِ.
(فَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الصَّيْدِ (الْبَازِيُّ أُكِلَ) أَيْ حَلَّ أَكْلُ الْبَاقِي مِنْ هَذَا الصَّيْدِ لِأَنَّ تَعَلُّمَهُ بِالْإِجَابَةِ لَا بِتَرْكِ أَكْلِهِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ لَا يُؤْكَلُ (لَا) أَيْ لَا يُؤْكَلُ (إنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ أَوْ الْفَهْدُ) عِنْدَنَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِيمَا إذَا أَكَلَ نَادِرًا فَفِي قَوْلٍ يَحْرُمُ وَفِي قَوْلٍ يَحِلُّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ اعْتَادَ الْأَكْلَ حَرُمَ مَا ظَهَرَتْ عَادَتُهُ فِيهِ وَهَلْ يَحْرُمُ مَا أَكَلَ مِنْهُ قَبْلَ الَّذِي ظَهَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ فِيهِ وَجْهَانِ وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَا لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ.
(فَإِنْ أَكَلَ) ذُو النَّابِ مِنْ الصَّيْدِ (أَوْ تَرَكَ) ذُو الْمِخْلَبِ (الْإِجَابَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِتَعَلُّمِهِ حَرُمَ مَا صَادَهُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَرْكِ الْأَكْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى التَّوَالِي أَوْ بَعْدَ تَرْكِ الْإِجَابَةِ (حَتَّى يَتَعَلَّمَ) عَلَى الْخَلَاقِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ آنِفًا.
(وَكَذَا مَا صَادَ قَبْلَهُ) أَيْ حَرُمَ مَا صَادَ قَبْلَ أَكْلِهِ وَقَبْلَ تَرْكِ الْإِجَابَةِ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ الْجَهْلِ فِي الِابْتِدَاءِ فَظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِالتَّعَلُّمِ خَطَأٌ (وَبَقِيَ فِي مِلْكِهِ) بِأَنْ كَانَ مُحْرَزًا فِي بَيْتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا لَا يَحْرُمُ إلَّا الَّذِي أَكَلَ
следующие страницы →